الإيمان بالله معناه: أن يعلم العبد ويعتقد اعتقادا جازما ما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل عليه من أضدادها وما يجوز في حقه تعالى:
١ - فيعتقد اعتقادا جاوما لا شك فيه أنه يجب لله تعالى كل صفة كمال تليق بجلاله ووصف نفسه بها.
٢ - ويعتقد اعتقادا جازما لا شك فيه أنه يستحيل على الله كل صفة نقص لا تليق بجلاله.
٣ - ويعتقد اعتقادا جازما لا شك فيه أنه يجوز في حقه تعالى فعل كل ممكن أوتركه، كالإحياء والأمانة، مثلا.
وهذا اعتقاد إجمالي لا بد منه لكل مؤمن، وعليه مع ذلك أن يعتقد تفصيلا بوجود ثلاث عشرة صفة كمالية لله تعالى، عليها مدار الألوهية وعظمة الربوبية. ويستحيل عليه أضدادها وليس ذلك من باب الحصر، ولكن هذه الصفات هي التي دار حولها الجدل الكثير، وبإثباتها مع باقي الصفات والأسماء تتجلى الذات العلية متصفة بالكمالات منزهة عن النقائض.
وهذه الصفات هي:
١ - الوجود وضده العدم
٢ - القدم وضده الحدوث
٣ - البقاء وضده الفناء
٤ - قيامه بنفسه وضده احتياجه إلى غيره
٥ - المخالفة للحوادث وضده المشابهة للحوادث
٦ - الوجدانية وضده التعدد
٧ - العلم وضده الجهل
[ ٣٥ ]
٨ - الإرادة وضدها الكراهية
٩ - القدرة وضدها العجز
١٠ - الحياة وضدها الموت
١١ - السمع وضده الصم
١٢ - البصر وضده العمى
١٣ - الكلام وضده البكم
وإليك الكلام تفصيلا على كل صفة من هذه الصفات ثم نتبعه بشرح موجز لجميع أسماء الله وصفاته.
[ ٣٦ ]
الصفة الأولى وجود الله - تعالى الأدلة على وجود الله تعالى
هل أنت محتاج إلى أدلة تثبت لك أن الله تعالى موجود؟ إن الحقيقة الإنسانية والفطرة البشرية، تكذبان هذا الادعاء.
فما من إنسان إلا وعنده شعور ذاتي أقوى من الشعور بالجوع والعطش بأنه مخلوق، وأن له خالقا، وأن للعالم الذي يعيش فيه ويتمتع به موجدا حكيما رحيما قويا قادرا على كل شيئ. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)
فالدين الحق هوالفطرة والخلقة التي خلق الله الإنسان عليها، لا يشك في ذلك ذوعقل يفكر به تفكيرا حرا بعيدا عن مؤثرات البيئة والتقاليد والمواريث الفاسدة. وما من إنسان غفل عن الله تعالى في وقت من الوقات أوأنكر وجود الله متأثرا بالمضللين إلا وجاءت عليه أوقات سمع فيها نداء ضميره، وصراخ ذاته الباطنة، وهتاف وجدانه، والكل يقول له: إنك صنعة الله، وعبد الله، ومخلوق الله، وإن كل ما يقال سوى ذلك خرافة وهراء وضلال، فلا يمكن أن يفسر هذا العالم العظيم وهذا الكون المصمم تصميما في منتهى الدقة بأنه من صنع الصدفة. إن الذي يصدق بالصدفة ولا يصدق بالقدرة الإلهية التي أوجدت هذا العالم وتتصرف فيه بحرية
_________________
(١) الروم: ٣٠.
[ ٣٧ ]
وكمال ودقة هوإنسان فقد عقله، وضل طريقه، ولا يصلح لأن يكون حكما في أي قضية من قضايا العدل. ولا توجد في العالم كله ذرة واحدة تصلح أن يكون وجودها وحركتها وعناصرها وارتباطها بما حولها خاضعا للصدفة. والعالم أمامك فحاول أن تجد لنا مثالا واحدا لذرة من ذراته.
وإذا لم تصلح الذرة أن تكون وليدة الصدفة فكيف يصلح أن يكةن العالم كله وليدها!!!
وقد عبر القرآن الكريم في أكثر من آية عن الشعور الموجود في كيان كل إنسان، وبين أن هذا الشعور بوجود الله يتحول أحيانا إلى نداء حسي مسموع ترتفع فيه الأيدي، وتخضع النفوس، وتنكس الرؤوس لعظمة الله وجلاله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ (٢)
وإليك طائفة من أقوال الفلاسفة تشهد بأن الإيمان بوجود الله تعالى ضروري لا يحتاج إلى دليل، وأن الإنسان الذي ينكر وجوده تعالى لا يمكن أن يكون محكما عقله وضميره. وقد نقلنا هذه الطائفة من دائرة المعارف لفريد وجدي (٣).
_________________
(١) يونس:١٢.
(٢) النحل: ٥٣ - ٥٤.
(٣) جـ١ ص ٤٨٢.
[ ٣٨ ]
قال الفيلسوف باسكال:"كل شيئ غير الله لا يشفي لنا غليلا".
وقال شاتوبريان: " لم يتجرا على إنكار الله غير الإنسان".
وقال لاتييه: " الكلمة التي تجحد الخالق تحرق شفة المتلفظ بها ".
وقال لوكوردين: " الله هو الشمس الوحيدة التي تمد أشعتها الخالدة الموجودات ".
وقال بيلوتان: " الله هو الأصل والمرجع لكل حياة " (١).
وقال المسيو يوشيف في كتابه المسمى (التذكرة في تاريخ البرهان على وجود الخالق):
" إعتقاد الأفراد والنوع الإنساني بأسره في الخالق إعتقاد اضطراري قد نشأ قبل حدوث البراهين الدالة على وجوده، ومهما صعد الإنسان بذاكرته في تاريخ طفولته فلا يستطيع أن يجد الساعة التي حدثت فيها عقيدته بالخالق، تلك العقيدة التي نشأت صامتة، وصار لها أكبر الآثار في حياته. فقد حدثت هذه العقيدة في أنفسنا ككل المدركات الرئيسية على غير علم منا " (٢).
وأنت لو تتبعت آيات القرآن الكريم - وهي أصدق تاريخ للعقيدة - وخصوصًا الآيات التي تحدثت عن الرسل ورسالاتهم إلى أممهم، لم تستطع أن تعثر على أمةٍ أنكرت وجود الله تعالى وشغل رسولها نفسه بإثبات هذا الوجود، بل الذي ثبت هو اعتراف الجميع بوجود خالق مدبر فاعل حكيم رزاق يضر وينفع.
وإنما جاء ضلال الأمم من عبادتها آلهة معينة كالأحجار والأصنام والشمس والقمر وبعض الحيوانات والحشرات لتقربها إلى الله تعالى وتكون واسطة بين الإنسان وبين الله، ولذلك كانت دعوة الرسل منصبة على تحويلهم الأمم من عبادة غير الله إلى عبادة الله مباشرة وبدون وساطة.
_________________
(١) نفس المصدر ٤٨٣.
(٢) نفس المصدر ٤٨٤.
[ ٣٩ ]
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
وبذلك يتضح لك وضوحًا لا شك فيه أن قضية وجود الله تعالى قضية مفروغ منها، لأنها فطرية في الإنسان، فليست في حاجة إلى إقامة الأدلة والبراهين ومع ذلك فسوف نسوق لك الأدلة الكافية لتزداد الأمور اتضاحًا ولتستطيع الرد على من يكابر ويعاند.
_________________
(١) الأنبياء:٢٥.
[ ٤٠ ]
الطائفة الأولى من الأدلة (من أقوال العلماء)
كل شيئ في الكون دليل ناطق بوجود الله تعالى وصفاته العظمى وأسمائه الحسنى.
قال الشاعر:
وفي كل شيئ له آية تدل على أنه الواحد
وقال آخر:
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات وأزهار كما الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
١ - سئل اعرابي عن الدليل على وجود الله تعالى فقال: البعرة تدل على البعير، والروثة تدل على الحمير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، تدل على الصانع الحليم العليم القدير؟؟.
٢ - يروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق رضي اللع عنه، فقال جعفر: "هل ركبت البحر؟ قال: نعم. قال: هل رايت أهواله؟ قال: بلى. هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن وأغرقت الملاحين فتعلقت أنا ببعض ألواحها، ثم دفعت إلى الساحل. فقال جعفر: "قد كان اعتمادك أولا على السفينة والملاح ثم على اللوح حتى ينجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك، ام كنت ترجوالسلامة بعد؟ قال: "رجوت السلامة، قال ممن كنت ترجوها؟
[ ٤١ ]
فسكت الرجل، فقال جعفر: إن الصانع هوالذي كنت ترجوه في ذلك الوقت، وهوالذي أنجاك من الغرق. فأسلم الرجل على يده.
٣ - كان ابوحنيفة ﵀ سيفا على الدهرية، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه، فبينما هويوما في مسجده قاعد إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة، وهموا بقتله، فقال لهم: "أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم" فقالوا له: هات، فقال: "ما تقولون في رجل يقول لكم: إني رأيتسفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال وقد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها، ولا متعهد يدفعها. هل يجوز ذلك في العقل؟ قالوا: هذا شيئ لا يقبله العقل، فقال أبوحنيفة: "يا سبحان الله"! إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجر فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ؟ فبكوا جميعا وقالوا: "صدقت" وأغمدوا سيوفهم وتابوا.
٤ - سالوا الشافعي ﵁: ما الدليل على وجود الله؟ فقال: "ورقة الفرصاد (التوت) طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم، قالوا نعم، قال: فتأكلها دودة القز فيخرج منها العسل، والشاة فيخرج منها البعر، وتأكلها الظباء، فينعقد في نوافحها المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد؟ " فاستحسنوا منه ذلك وأسلموا على يده وهم سبعة عشر. (١)
٥ - وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن ذلك فقال: "ها هنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالإبريز، فبينما هوكذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذوشكل حسن وصوت مليح (يعني البيضة إذا خرج منها الفرخ) (٢).
_________________
(١) ا. هـ. من تفسير الفخر الرازي جـ١ ص ٣١٤.
(٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٥٩.
[ ٤٢ ]
الطائفة الثانية من الأدلة (من كتاب الله تعالى)
القرآن الكريم
قال تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)
نحن الآن أمام آيات لا آية واحدة، والآيات معناها العلامات والأدلة على وجود الله تعالى وصفاته وأفعاله.
فالسماء القائمة بغير عمد، والنجوم الدائرة في أفلاكها، والكواكب المنتظمة حول شموسها، والقوانين التي تحكم الروابط بينها، ومسار كل نجم في فلك لا يعدوه، وانتظام كل جرم في عائلة مماثلة، وجري كل شيئ بسرعة مناسبة.
كل ذلك في فضاء لم يدرك علم النفس سعته ولم يكشف سوى القليل من أسراره، مع أن الإنسان على مدى التاريخ يحاول ويجهد نفسه في المحاولة ليكتشف أسرار الكون، واكتشف فعلا أسرارا كثيرة انتفع بها، ولكنه اكتشف مع ذلك أن ما يجهله أضعاف أضعاف ما يعلمه. وصدق الله القائل: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٢)
_________________
(١) البقرة: ١٦٤.
(٢) الإسراء: ٨٥.
[ ٤٣ ]
والأرض التي نحيا عليها كلها آيات: فمنها البر والبحر، والسهل والجبل والوديان والأنهار والجداول.
وما يحيط بالأرض من هواء، وما يعلوها من سحب، وما يدور حولها من أثير منتشر في العالم كله، وفيها الإنسان والحيوان والنبات، وفيها الحشرات والفيروسات والميكروبات والخمائر، وفيها الأسماك تحت الماء والطيار في الهواء. وكل مافيها ومن فيها وما عليها وما يحيط بها أعطي ما يناسبه بميزان عادل وتقدير دقيق كما قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ (١)
ولوأعاد الإنسان النظر والتامل مرارا في هذه الآيات المنبثة في السماء والأرض والنجوم والكواكب لارتجف من عظمة الله كيانه، ولم يسعه إلا أن يخضع للقدرة الإلهية التي لا يمكن وصفها. فاختلاف الليل والنهار بحساب دقيق يطول الليل فيه بمقدار وينقص النهار بمقدار، ويتغير الطول والقصر على مدى العام، وتمر آلاف الآلاف من السنين والنظام لا يختلف ولا يضطرب، ولايختل قيد شعره.
والسفن تجري في البحار وتعبر المحيطات حاملة الأثقال متنقلة بافنسان إلى حيث يشاء وكيف أراد، ولها مع الماء قانون إذا استوت معه أمنت وإن خلت به هلكت.
والماء تبخره حرارة الشمس فيجتمع سحبا في جومعين، ثم تسوقه رياح متنقلة حتى توصله إلى أماكن معينة فيها الطقس المناسب لسقوط المطر على أرض أعدت لتلقيه، وأنهار شقت لتجري به إلى ما شاء الله من إنسان وحيوان ونبات، فتمتد الحياة في الجميع بنقط الماء المجلوبة من المحيطات والبحار والأنهار وغيرها وصدق الله القائل:
_________________
(١) الحجر: ١٩.
[ ٤٤ ]
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)
والقائل: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (٢)
كل ما ذكرت آيات ودلائل على وجود صانع مدبر حكيم عليم قادر، ولا يقول غير ذلك عاقل ولذلك ختمت الآية بهذه العبارة المقنعة: "لآيات لقوم يعقلون" ولكي تدرك التقدير الحكيم في كل ما خلق الله من السموات والأرض وما فيها وما بينها وما حولها. اقرأ هذه الحقائق العلمية التي ذكرها الأستاذ (سعيد حوى) في كتابه "الله ﷻ" قال:
١ - لوكانت قشرة الأرض أسمك مما هي عليه بمقدار بضعة أقدام لامتص ثاني أكسيد الكربون والأوكسجين ولما أمكن وجود الحياة.
٢ - ولوكان الهواء أقل ارتفاعا مما هوعليه فإن بعض الشهب التي تحترق بالملايين كل يوم في الهواء الخارجي كانت تضرب في جميع أجزاء الكرة الأرضية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شيئ قابل للإحتراق.
٣ - ولوأن شمسنا أعطت نصف إشعاعها الحالي لكنا تجمدنا، ولوأنها زادت بمقدار النصف لكنا رمادا منذ زمن بعيد.
٤ - ولوكان قمرنا يبعد عنا (٢٠٠٠٠) عشرين ألف ميل بدلا من بعده الحالي لكان المد يبلغ من القوة بحيث أن جميع الأرض تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يويح الجبال نفسها.
٥ - ولوكان الأوكسجين بنسبة ٥% من الهواء بدلا من ٢١% فإن
_________________
(١) الأنبياء: ٣٠.
(٢) الحجر: ٢٢.
[ ٤٥ ]
جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال لدرجة أن شرارة في البرق تصيب شجرة لا بد أن تلتهب الغابة كلها.
٦ - ولوكانت نسبة الأوكسجين ١٠% لتعذر أن يكون التمدن الإنساني على ما هوعليه اليوم.
٧ - ولولا المطر لكانت الأرض صحراء لا تقوم حياة عليها. ولولا الرياح والبحار والمحيطات لما كانت حياة. ولولا أن الماء يتبخر بشكل يخالف تبخر الملح لما كانت حياة. ولولا أن البخار أخف من الهواء لما كنت حياة.
٨ - ولوكانت الالكترونات ملتصقة بالبروتونات داخل الذرة، والذرات ملتصقة ببعضها بحيث تنعدم الفراغات لكانت الكرة الأرضية بحجم البيضة، فأين يمكن أن يكون افنسان وغيره؟
٩ - ولوكانت العناصر لا تتحد مع بعضها لما أمكن وجود تراب ولا ماء ولا شجر ولا حيوان ولا نبات.
١٠ - ولولا الجبال لتناثرت الأرض، ولما كان لها مثل هذه القشرة الصالحة للحياة،
فقل لي بربك هل حدث ذلك كله بميزان وحكمة وتقدير وعلم شامل أم حدث بالصدفة وتطور بالصدفة وبقي بالصدفة؟؟؟ تعالى الله عما يقول المفترون علوا كبيرا (١).
الطائفة الثانية من الأدلة (من كتاب الله تعالى)
القرآن والإنسان
٢ - وقال تعالى:
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ (٢)
_________________
(١) أ. هـ. من ص ٣٨ - ٣٩.
(٢) الطارق: ٥، ٦، ٧.
[ ٤٦ ]
وقال:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢)
إن النظر فيما ذكرته هذه الآيات من دلائل على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وإرادته وحكمته لا يحتاج إلى تأمل عميق، لأن ما ذكر فيها من تطور خلق الإنسان أمر فارغ العلم الحديث من إقراره مع أنه قرر عند المسلمين قبل أربعة عشر قرنا، وذلك دليل على إعجاز القرآن، وأن هذا القرآن من عند الله تعالى الذي لا بد وأن يكون موجودا ومتصفا بكل صفات الكمال. والنظر في الإنسان وما يحتةيه تكوينه من عجائب هودائما هدف بحث العلماء المتخصصين، وهودائما موضع دهشتهم وحيرتهم حتى إن الدكتور المشهور (أليكس كاريل) ألف كتابه - الإنسان ذلك المجهول - بعد بحث طال مداه، واشترك فيه عدد من الأطباء، وكان ذلك البحث في الإنسان. وأخيرا قرر أن في الإنسان مناطق كثيرة لا تزال مجهولة الحقيقة.
ومما قاله في عجائب صنع الإنسان: "الدم نسيج مثل جميع الأنسجة
_________________
(١) المؤمنون: ١٢، ١٣، ١٤.
(٢) الذاريات: ٢١.
[ ٤٧ ]
الأخرى، وهو يتألف من ٢٥ أو ٣٠ ألف مليار كرة حمراء و٥٠ مليار كرة بيضاء - المليار ألف مليون - والدم نسيج متحرك يجد طريقه في جميع أنحاء الجسم، وهو يحمل الغذاء المناسب لكل خلية، ويؤدي في الوقت ذاته عمل البالوعة الرئيسية التي تنقل الفضلات التي تطلقها الأنسجة الحية.
كما أنه يحتوي أيضا على مواد كيماوية وخلايا قادرة على إصلاح العضاء كلما دعت الضرورة غلى ذلك" (١). وقال في شأن جلد الإنسان: "إن الجلد وملحقاته تلعب دور الحارس الأمين لأعضائنا ودمنا. إنها تسمح لأشياء معينة بالدخول إلى عالمنا الداخلي، وتمنع أشياء أخرى من دخوله، إنها الباب المفتوح دائما- وإن كان محروسا بعناية - الذي يؤدي إلى جهازنا العصبي الرئيسي، فيجب أن ننظر إليها باعتبارها جزءا حيويا من أنفسنا" (٢).
وقال: "سطحنا الداخلي أكثر اتساعا من سطح الجلد، فالمنطقة التي تغطيها الخلايا المسطحة للشعب الهوائية بالرئتين هائلة، إنها تعادل ما يقرب من خمسمائة متر مربع" (٣).
وها هو ذا عالم آخر من أكبر علماء أمريكا، وقد شغل حينا مركز رئيس المجمع العلمي في أمريكا، قد بين للناس جميعا أن العلم الحديث يثبت وجود الله وينتهي إلى الإيمان به وبوجدانيته.
وقد سمى كتابه الذي ألفه في ذلك "الإنسان لا يقوم وحده" ويكفي أن نشير إلى بعض ما جاء فيه فنذكر مثلا عملية الهضم في المعدة، وهي - أي المعدة - أعظم معمل في العالم كما يقول: قال: "إن المعدة تتلقى كل ما نرسله إليها من طعام وشراب على اختلاف أنواعه وأصنافه وعديد عناصره، وهنا يبدأ عمل هذا المعمل
_________________
(١) ا. هـ. منه ص ٩٥.
(٢) ا. هـ. منه ص ٨٢.
(٣) ا. هز منه ص ٨٥.
[ ٤٨ ]
العجيب، ففيه يتم تحليل كل من هذه الأنواع والأصناف إلى عناصره الكيميائية الأولى، ويعود تكوين الباقي بعد الفضلات إلى مواد صالحة لغذاء مختلف الخلايا، بحيث تكون جميع المواد الحيوية الضرورية للحياة موجودة في مقادير منتظمة، ومستعدة لمواجهة كل ضرورة، ثم تقدم باستمرار إلى كل خلية من خلايا الجسم التي تزيد في عددها على عدد الجنس البشري كله.
ويجب أن يكون التوريد إلى كل خلية فردية مستمرا، وألا يورد سوى تلك المواد التي تحتاج إليها تلك الخلية المعينة، وذلك لتحويلها إلى عظام وأظفار ولحم وشعر وعينين وأسنان وما إلى ذلك كله من أجزاء الجسم صغيرها وكبيرها.
ها هنا إذن معمل كيمائي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل ابتكره ذكاء الإنسان، وها هنا نظام للتوريد أعظم من أي نظام للنقل أو التوزيع عرفه العالم، ويتم كل شيئ فيه بمنتهى النظام، فإذا كانت تلك المعجزات تتم في نظام كامل، والنظام يضاد المصادفة إطلاقا كان هذا بلا شك من صنع خالق مبدع حكيم.
وهذه عدسة العين التي بها الإبصار تلقي صورة على الشبكية فتنتظم العضلات بطريقة آلية إلى بؤرة ومحكمة. والشبكية طبقات عشر منفصلة، وهي في مجموعها ليست أكبر سمكا من ورقة دقيقة، والطبقة في أقصى الداخل تتكون من أعواد ومخروطات تبلغ الملايين عدا، وكل هذه الأعداد للعين وما تشتمل عليه، وكل هذه التنظيمات لها ولأجزائها حصل في وقت واحد وكان لا بد منه، وإلا كان الإبصار مستحيلا. فهل وجد ذلك كله مصادفة، أو صنعة بشر؟ كلا، بل هو الله وحده الذي لا يعجزه عليه شيء.
ثم هذا العالم بأرضه ومائه وجد في مكانه الصحيح، فلو كان المحيط أعمق بضعة آلاف من الأقدام عما هو حاصل لما كان لدينا أوكسجين ولا نباتات.
[ ٤٩ ]
والأرض تدور مرة كل يوم وليلة، فلو تأخر هذا الدوران عن أربع وعشرين ساعة لما أمكن وجود الحياة.
زهكذا نرى أن استعراض عجائب الطبيعة والكون عن كل نواحيه، والتأمل بعمق في كل ذلك يدل على أن هناك تصحيحا وقصدا في كل شيئ، وأن هذا التصميم ينفذ كله طبقا لمشيئة الخالق. وما دامت عقولنا محدودة فإننا لا نقدر أن ندرك ما هو غير محدود. وعلى ذلك لا نقدر إلا أن نؤمن بوجود الخالق المدبر الذي خلق كل الأشياء، بما فيها تكوين الذرات والكواكب والشمس والسديم" (١).
ويقول الأستاذ الحكيم الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره المسمى "الجواهر" (٢) في صدد الكلام عن بدائع صنع الإنسان: "ويا ليت شعري أي هندسة وأي نظام وأي مقياس كان في الرحم حتى صنع هذه المقاييس أثناء مرور الجنين بأطواره المختلفة وجعل أعضاء الإنسان وحواسه مرتبة منظمة:
١ - بحيث تكون قامته ثمانية أشبار بشبره هو، ويكون من راس ركبته إلى أسفل قدميه شبران، ومن ركبته إلى حقويه شبران، ومن حقويه إلى رأس فؤاده شبران ومن رأس فؤاده إلى مفرق رأسه شبران، بنسب متساوية كما تساوت نسب الأصابع في اليدين وفي الرجلين.
٢ - وإذا فتح الإنسان يديه ومدهما يمنة ويسرة كما يفتح الطائر جناحيه وجد ما بين رأس أصابع يده اليمنى إلى رأس أصابع يده اليسرى ثمانية أشبار نصفها عند ترقوته والربع عند المرفقين.
٣ - وإذا رفع يديه إلى ما فوق رأسه كان ما بين أطراف أصابع يديه إلى أصابع قدميه عشرة أشبار وذلك قامته وربعها.
_________________
(١) كتاب الإسلام وحاجة الإنسانية إليه للدكتور محمد يوسف موسى من ص ٨٨ إلى ص ٩١.
(٢) جـ٢ ص ٤٦.
[ ٥٠ ]
٤ - وطول وجهه من منبت الشعر فوق جبينه إلى رأس ذقنه شبر وثمن شبر بشبره.
٥ - والبعد ما بين أذنيه شبر وربع.
٦ - وطول شق كل عين من عينيه ثمن شبره.
٧ - وطول إبهامه وطول خنصره متساويان! وهذا قل من كثر من المقاييس العجيبة التي في جسم الإنسان، وذلك كله إذا كان طبيعيا معتدلا.
وصدق الله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (٨)﴾ (١)
والقائل: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ (٢).
وقال الدكتور مصطفى محمود (٣) في صدد الكلام عن مخ الإنسان:
المخ هو سنترال عظيم، فيه مائة ألف مليون خط عصبي قادمة إليه من مختلف أماكن الجسد. والعصب البصري وحده فيه مليون خط عصبي قادم إليه من العين، وقس على ذلك باقي الأعصاب.
وكل هذه الخطوط تلتقي في الدماغ حيث يقوم المخ بتحليل رسائلها والرد عليها بأعجوبة وأفعال فورية.
وبالإضافة إلى هذه الخطوط تجد آلاف الملايين من الخطوط الأخرى التي تقوم بدور الترابط في داخل السنترال نفسه بين مختلف المراكز حيث
_________________
(١) الانفطار ٦،٧،٨.
(٢) الملك: ٣.
(٣) في كتابه: "لغز الحياة" ص ١٠٠.
[ ٥١ ]
يقوم المخ بدور آخر هو التفكير بالإضافة إلى ردود الفعل التي يجيب بها على كل صنوف التنبيهات.
والحواس الهامة لها مراكز محدودة وسنترالات أصغر، خاصة بها.
فالمركز البصري يقع في مؤخرة الدماغ، ومراكز اللمس والسمع على الجانبين، ومراكز الحركة في المنتصف، ومراكز التوازن أسفل الدماغ في فصوص صغيرة خاصة بها اسمها "المخيخ" ومراكز التنفس والدورة الدموية في أعلى الحبل الشوكي عند اتصاله بالمخ، أما التفكير والخيال والتصور والذاكرة وإدراك المستقبل والإحساس بالكيان والتدبر والعزم والتخطيط فلها فص أمامي هائل (خلف الجبهة) خاص بها ولا مثيل له في الحيوان.
وهكذا كل نشاط له مركز خاص حتى العاطفة والغريزة والجنس والألم واللذة والنوم لها مراكزها وفي كل مركز ملايين الخلايا ساهرة كموظفي (السويتش) في حالة يقظة دائمة تجيب وتستجيب لأدق الهمسلت العصبية.
وفي كل لحظة تتدفق ملايين الإشعارات والرسائل العصبية من الجلد والعين والأذن والأنف ومن الأحشاء والقلب والأوعية الدموية والكبد والرئتين وكل مكان بالجسد حاملة المعلومات والتنبيهات إلى المخ، هذا بالإضافة إلى خطوط الترابط الداخلية في المخ نفسه بين المراكز المختلفة، وهي الخطوط التي تقوم بالتنوير الضروري بين مختلف المراكز.
وفي نفس اللحظة تحمل ملايين الخطوط العصبية الصادرة عن المخ ردود الأفعال على هذه التنبيهات وعلى شكل أوامر بالحركة إلى العضلات وتعليمات بالإفراز للغدد المختلفة إرشادات باتخاذ إجراءات سلوكية معينة لكل
[ ٥٢ ]
عضو. هذا النشاط المعقد هو دوره اهمنه. أليس هذا داخلا تحت قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١)
وهل يمكن أن يكون ذلك كله إلا من صنع الحكيم الخبير القائل: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)
ولو أننا استطردنا في ذكر عجائب الإنسان من بدء تكوينه إلى أن يستوي ثم يولد ثم يتطور في أطواره المختلفة، وذكرنا ما أعده الله له من غذاء وماء وهواء ومناخ، وما كرم به الإنسان دون سائر الحيوانات، ما وسعتنا إلا مجلدات عديدة، ولو تتبعت العلوم الإنسانية لوجدتها كثيرة جدا، وكل علم منها يبذل جميع جهده ومحاولاته من أجل فهم الإنسان وحاجات الإنسان وأخلاقياته ونفسياته واجتماعياته وسياسته وحروبه وسلمه وأمراضه وعلاجه الخ، أليس الإنسان وحده كافيا في إثبلت وجود صانع حكيم عليم مدبر؟
ولذلك أراح المؤمنون أنفسهم من عناء الشك والتردد بعد أن استبان الحق وظهرت معالم الطريق فقالوا"ربنا الله ثم استقاموا" وكانوا بذلك أسعد الناس وأطيبهم نفسا وأحسنهم عملا، وأنطقهم ضميرا وأقومهم سبلا:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ (٣)
_________________
(١) طه ٥٠.
(٢) النمل: ٨٨.
(٣) محمد:٣.
[ ٥٣ ]
الطائفة الثانية من الأدلة (من كتاب الله تعالى)
القرآن وعبر الدواب
٣ - قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣).
إن عالم الحيوان والطيور والحشرات لو نظرنا فيه نظرة تأمل لوجدنا له عجائب يعجز الإنسان عن تفسيرها ولا يسعه عند إدراكها إلا أن يقول: سبحان الله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، ومنح كل كائن ما به يحيا، ويدافع عن نفسه ويهاجم عدوه ويجلب رزقه، ويدبر أمره حسب الظروف والأجواء المحيطة به، وسأنقل أليك في ذلك بعض ما ذكره الشيخ طنطاوي
_________________
(١) الأنعام ٣٨.
(٢) هود: ٦.
(٣) النور: ٤٥.
[ ٥٤ ]
جوهري في تفسيره "الجواهر" (١) مكتفيا بذكر اللطائف التي ذكرها مستعينا بذلك عن الشرح وزيادة التفصيل، قال:
اللطيفة الأولى
لقد رآى العلماء الباحثون في العصر الحاضر، وكشفوا أن بعض الذباب يحفر لبيضه جحرا في الأرض يضعه فيها، ثم يذهب إللا عنكبوت أو دودة يمج فيها جزءا من السم فتسكن حركتها، ثم يحملها إلى جحره ويلقيها عند البيض ويسد عليها، فإذا خرجت الأولاد من البيض وجدتها بجانبها فتغذت بها.
وسبب ذلك أن هذه الحشرات لا تأكل ميتة قط، وأمها لا ترى أولادها قط فتحضر لها هذه الحشرات التي خدرتها بسمها حتى إذا خرجت من البيض أكلتها، أليس ذلك داخلا تحت قوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)؟.
فأين تعلمت هذه الذبابة وهي لم تر أمها ولم يكن لها مدارس ولا معلمون؟؟؟
اللطيفة الثانية
بعض أنواع الذباب لا يعيش أولاده إلا في جوف الحيوان، فتعمد الذبابة إلى دودة فتخرق جلدها بخرطومها، ثم تضع بيضها الكثير موضع الخرطوم تحت الجلد، فغذا حصل الفقس وخرجت الأولاد أكلت من اللحم والدهن ولم تتعرض للأعصاب الت عليها مدار الحياة، ومتى خرجت عملت كل واحدة منها لنفسها خيطا محكما تلتف فيه، وتتراكم فوق سطح الجثة، فتغطيها بكثرتها لتأكلها فلا يرى الراؤون منها شيئا ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).
_________________
(١) جـ ٢ ص ٨١.
(٢) آل عمران:٢٧.
(٣) يوسف:١٠٠.
[ ٥٥ ]
اللطيفة الثالثة
الأرانب تنتف شعر بطنها، فتجعله فراشا لأولادها، وبعض الحشرات أعظم منها شفقة وأكثر رحمة، فإنها تنتف شعرها كله، ولا تكتفي بجزء منه، ومتى باضت لفت بيضها في شعرها فجعلته أثوابا تصنعها لوقايته من الحر والبرد والعوارض الجوية ثم تموت.
اللطيفة السادسة
إن يعسوب النحل التي يقال لها أم النحل إذا ماتت اخترن واحدة منهن وهيأن لها مكانا أوسع خمس مرات وأخذن يخدمنها ويطعمنها الشهد الذكي الرائحة فتكبر سريعا لحسن المواد الغذائية فتأمر وتنهى وتعمل على مقتضى القوانين، ولا يخترنها إلا إذا كانت فيها تلك الصفات التي يعرفنها بالإلهام.
اللطيفة التاسعة
إن النحل إذا دخل عليه عدو من الحشرات مزقه، فإن كان العدو صغيرا رماه، وإن كان كبيرا اجتمع عليه ولسعه بعنف حتى يموت، ولما لم يكن في قدرته إخراجه فإن الجماعة تحضر صمغا من بعض النباتات فتلفه به وتغلفه .. فبالسم تخلصت من حياته وبالصمغ تخلصت من ضرره بعد موته، لأنه محنط .. (ويلاحظ أنني أترك بعض اللطائف لعدم أهميتها في الموضوع).
اللطيفة العاشرة
١ - إن القنفذ يصعد إلى الكرم فيرمي بالعنقود، ثم ينزل فيأكل منه ما يكفيه، وإن كان له فراخ تمرغ على الباقي فيتعلق بشوكه فيذهب به إلى أولاده.
٢ - إن من بين الغراب والذئب ألفة، فإنه إذا رآى الذئب بقر بطن شاة سقط وأكل منها والذئب لا يضره.
[ ٥٦ ]
٣ - إن الفأرة تأتي إلى إناء الزيت فتشرب منه، فإذا نقص صارت تشرب بذنبها، فإذا لم تصل إليه ذهبت وأتت بماء في فمها وتصبه فيه حتى يعلو لها الزيت فتشربه (١).
ويقول الدكتور مصطفى محمود: (٢)
من الذي علم الكتكوت أن يكسر البيضة عند أضعف أجزائها ويخرج؟
من الذي علم الطيور الهجرة عبر البحار والصحارى إلى حيث تجد الغذاء الأوفر والجو الأحسن؟ وإلى حيث تتلاقح وتتوالد؟ ومن الذي يسدد خطاها طوال هذه الرحلة من ألوف الأميال فلا تضل؟
من الذي علم دودة القز أن تنسلخ من ثوبها مرة بعد مرة أخرى، ثم تنزوي في ركن لتبني لنفسها شرنقة من حرير تنام فيها ليالي طويلة مثل أهل الكهف ثم تخرج منها فراشة بيضاء جميلة؟
من الذي علم أبو ذنيبة كيف يصنع لنفسه ذنبا حين تقطع له ذنبه؟ .. لا أحد، إن العلم باطن في خلاياه .. كل خلية تعرف دورها معرفة تلقائية وتؤديه.
وبالمثل ما يحدث لنا حينما نجرح فتلتئم جروحنا من تلقاء نفسها .. وحينما تجرح الأشجار فتلتئم بنسيج من الفلين يملؤها بين شفرات جروحها.
وبالمثل مايحدث لنا بدون جراح وبدون أمراض حينما يحقق لنا جسمنا درجة حرارة ثابتة في الحر وفي البرد .. ويحتفظ لنا بوزن ثابت في ظروف مختلفة من الجوع والشبع. ويحتفظ بسلامته ووحدته في مواجهة جيوش جرارة من الميكروبات تعمل ليل نهار على تفكيكه وتفتيته وهضمه وأكله.
_________________
(١) ا. هـ. باختصار من تفسير الجواهر.
(٢) كتابه "لغز الحياة" مع ملاحظة أننا ننقل عنه ما يتصل بتخصصه أو ما له صلة به، وليس معنى ذلك أننا نوافقه على شطحاته الخاصة بتفكيره في الدين أو في القرآن فيراعى ذلك.
[ ٥٧ ]
هذا التوازن الدقيق الذي يتحقق بفاعلية مستمرة في الداخل وحركة دائبة لتصحيح كل خطأ .. هو الذي يثير التفكير إلى أن قال:
والتفسير العلمي للحياة بأنها نشاط كيماوي (كما يقول الطبيعيون المنكرون للصانع) تفسير غير كاف .. لأن الجسم الميت يحتوي على نفس المواد الكيماوية التي في الجسم الحي .. والتراب يحتوي على نفس المقادير من الحديد والنحاس والكربون إلى أن قال: والمشكلة تحتاج إلى تفكير أكثر (١).
ثم يقول في موضع آخر: وبيننا اليوم حشرات عجيبة تأكل أنواعا عجيبة من الأطعمة، مثل ذبابة البترول، وذبابة التحنيط التي تعيش على أملاح تحنيط الجثث، وخنفساء الدائرة الكهربائية التي تعيش على أسلاك الرصاص وكل حشرة تتحرك مثل عربة مصفحة تحيط بجسمها الرقيق صفائح من مادة كالصلب اسمها"الكيتين" تقاوم فعل جميع المهلكات الكيمائية وهي تسلح نفسها بحراب وخناجر وأشواك ..
وبعضها يسلح نفسه بحويصله من السم متصلة بإبرة حامية (الزبان) يطعن بها أي عدو يقترب منه فيشله ثم يلتهمه، وبعضها يتلون بلون البيئة كفرس النبي الأخضر بلون الخضرة، أو الجرادة الصفراء بلون الرمال .. وبعضها يطلق غازات كريهة ليطرد أعداءه .. وبعضها يبني لنفسه قلاعا حصينة من الطين، وبعضها يحاكي في هيئته الونانير اللاسعة بدون أن يكون لها زبان ليضحك على مطارديه .. إلى أن قال: وأعجب ما في الحشرة ما يسمى بالمعرفة الغريزية .. فحشرة أبي دقيق تختار أوراق الكرنب لتبيض عليها مع أنها لا تتغذى على الكرنب ولا تحتاج إليه، وإنما تقودها إلى ذلك معرفة غريزية باطنية .. فالبيض سوف يفقس وسوف تخرج ديدان صغيرة لا تأكل سوى الكرنب، فيجب أن تبيض حشرة أبي دقيق على ورق
_________________
(١) من ص ٧ - إلى ص ١١.
[ ٥٨ ]
الكرنب ليجد الصغار ما يأكلونه. ومع ذلك فحشرة أبي دقيق لا تعرف هذه المسالة معرفة عقلية واعية .. وحتى لو رأت صغارها التي فقس عنها بيضها فهي لن تعرفها .. إن كل العملية تتم بدون وعي وبغملاء من قوة مجهولة اسمها الغريزة.
وزنبور البطن يصطاد الدودة ثم يبيض عليها بيضة واحدة ثم يضعها في العش ويمضي باحثا عن حصاة ليحملها بين ذراعيه ويغلق بها باب العش .. وتفقس البيضة لتجد اليرقة الصغيرة طعامها جاهزا بين يديها .. كيف أدرك الزنبور الحاجة لأولاده فاحتاط لها؟
والبعوضة التي تضع بيضها على سطح الماء فتزود كل بيضة بكيس من الهواء وتطفو بها على سطح الماء هل تعرف قاعدة قوانين أرشميدس؟
والحشرة التي يسمونها في علم الحشرات "قاذفة القنابل" والتي تتمخطر أمام الحيوانات المفترسة دون خوف حتى إذا فتح أحدها فمه ليلتهمها ضغطت على كيس في بطنها فامتزجت في لحظة إفرازات ثلاث غدد تحتوي على مادة الهيروكيتون وفوق أكسيد الهيدروجين وإنزيم خاص، ويؤدي اختلاط الثلاثة إلى تفاعل شديد وخروج غاز لاسع كريه الرائحة فيفر الحيوان المفترس رعبا .. هل أخذت هذه الحشرة دبلوما في الكيمياء من كامبريدج؟ إلى أن قال:
لا شك أن هناك إلها حكيما خلق مخلوقاته وخطط لها وهو يعلم من الغيب ما لاتعلم (١).
أمام بيت النمل
لا زلنا مع الدكتور مصطفى محمود في كتابه (لغزالحياة) وهو يتحدث الآن عن النمل وأعاجيبه وما فيه من آيات، وإن كان الدكتور حين يتحدث
_________________
(١) ا. هـ. من كتاب لغز الحياة بتصرف.
[ ٥٩ ]
يشعرك بأنه حائر لم يدرك القوة الخفية من وراء هذه الآيات هل هي قوة الطبيعة؟؟ أم هي قوة الله؟ (١) ويبدو أنه كتب ذلك حين كان في مرحلة الشك التي أوصلته إلى الإيمان حتى أخرج كتابه (من الشك إلى الإيمان).
والآن مع الدكتور في أسلوبه الأدبي العلمي الجميل. قال: إن وقفة أمام نملة صغيرة لما يثير الذهول.
كيف تعلمت هذه النملة أن تبني بيوتها الهندسية المعقدة ذات الدهاليز والغرف والبدرومات والمخازن؟ .. كيف انتظمت في مجتمع فيه توزيع دقيق للاختصاصات والوظائف؟ كيف تعلمت أن تزرع؟ (بعض أنواع النمل يزرع عيش الغراب) .. كيف تعلمت أن تجلب حشرة أخرى مثل حشرة المن وتسوقها أمامها في قطعان؟؟
إن اتصال هذه الأعداد الهائلة من النمل في مجتمع ذي نظام معناه أنها اكتشفت بينها وبين بعضها نوعا من اللغة والتفاهم.
وآخر البحوث في هذا الباب يقول: إن النمل يتفاهم بعضه مع بعض بلغة كيماوية. ولو أنك راقبت عش النمل فسوف ترى بين وقت وآخر نملتين تلتقيان وتتبادلان ما يشبه القبلة والوشوشة. وفي الواقع أنها ليست قبلة ولا وشوشة، وإنما كل نملة تفرز في فم الأخرى لعابا خاصا فيه رمز كيمائي معين معناه .. فلنفعل كذا وكذا .. وبالمثل حينما تتسلم النملة العاملة البيضة التي تبيضها الملكة للعناية بها. تتسلمها مطلية بمادة كيمائية خاصة من إفراز الغدد الملكية .. وحينما تلعق النملة هذا الطلاء فكأنما تسلمت رسالة رمزية فيها جميع التعليمات الخاصة بالعناية بالبيضة.
وشيئ آخر في النمل لا يمكن أن نسميه العقل وإنما شيئ كالبصيرة - أن تقوم النملة بخزن الطعام والحبوب والفتات والفضلات وتقوم بحراستها والسهر عليها والدفاع عنها ضد المغيرين تأهبا لفصل الشتاء دون أن تكون
_________________
(١) ص ٥٢.
[ ٦٠ ]
عندها قدرة عقلية ولا خيال ولا تصور للمستقبل وظروفه واحتياجاته وأن تهاجم النملة دودة أكبر منها أضعافا مضاعفة وتقفز في خفة فوق ظهرها .. وتمسكها من عنقها بفكين كالكلابتين، وتحقن في مراكوها العصبية مادة مخدرة تصيبها بالشلل .. وتفعل هذا في لحظات ثم تجرها فريسة سهلة مستسلمة إلى العش ..
كيف عرفت النملة مكان هذه المراكز العصبية للدودة؟ إنها تفعل دائما الشيئ المناسب في الوقت المناسب (١).
اللغة التي يتكلم بها النحل
تحت هذا العنوان قال الدكتور ما يأتي بطرقته الأدبية البسيطة الخفيفة القيمة:
هل ألأقيت نظرة على خلية نحل؟ إنها نظرة تستحق المخاطرة ..
على الباب سوف تجد الحراس شاكي السلاح (ومن جرب لسعة زبان النحل عرف ما هو ذلك السلاح الذي يحمي به النحل دياره).
وسوف تجد عددا من النحل لا عمل له إلا الضرب بأجنحته باستمرار لدفع الهواء النقي إلى داخل الخلية لتجديد هوائها ..
فإذا دخلت خطوة ربما رأيت فأرا ميتا لقي مصيره نتيجة شهيته التي لم يستطع مقاومتها إلى تذوق العسل، وهي معركة في العادة لا تستغرق أكثر من دقائق يتحول بعدها الفأر إلى حيوان مشلول تماما نتيجة لسع النحل ثم يموت.
ولكن المنظر المثير حقا هو منظر ملكتين من ملكات النحل تتبارزان حتى الموت وحولهما بقية الشعب يتفرج في رهبة ولا يتدخل .. فالخلية لا تتسع إلا لملكة واحدة، وعلى الملكة الثانية أن تموت أو ترحل لتبني خليتها وحدها.
_________________
(١) ا. هـ. بتصرف ص ٤٧ إلى ص ٤٩.
[ ٦١ ]
ويبدو أن النحلة العاملة مهندسة عظيمة.
تلك الجدران الجميلة المقسمة إلى آلاف الغرف السداسية البديعة ذات الهندسة المحكمة حيث تضع الملكة بيضها. كل بيضة في غرفة، ويرعى جيش النحل العامل هذا البيض حتى يتطور إلى يرقات فيطعمه بالعسل حتى يتحول إلى عذارى، فيغطيه بالحرير ويغلق عليه غرفاته حتى يستوي عوده ويتحول إلى نحل بالغ، فيخرج ليشارك في نشاط الخلية.
وثمة غرفات خاصة لخزن العسل والشمع .. وغرفات خاصة واسعة لإيواء الأميرات بنات الملكة ثم جيش عاطل من الذكور لا عمل له إلا ساعة التلقيح حينما تطير الملكة خارجة من الخلية في الربيع، فيتبعها جيش الذكور وتظل ترتفع في طيرانها تساعدها أجنحتها الطويلة القوية بينما يتسابق خلفها الذكور ويهلك الواحد منهم بعد الآخر تعبا في تلك المطاردة غير المتكافئة ويتساقطون تباعا حتى يبقى واحد هو أقواهم فتهبط إليه الملكة وتستسلم ليلقحها ثم يموت هو بدوره .. وتعود الملكة حبلى لتضع بيضها وتبدأ القصة من جديد ..
تنظيم دقيق وتوزيع صارم في الوظائف، وتعاون إلى درجة الفداء ..
لا بد أن هذه النحلات تتفاهم فيما بينها بلغة ما ..
وسوف تندهش حينما تعلم أن هذه اللغة هي الرقص .. بالإشارة واللغة والحركة والرقص يتكلم النحل ..
هذه النحلة العائدة من الحقول اكتشفت زهورا قريبة مليئة بالرحيق، والإشارة التي سوف تعبر بها عن هذا الإكتشاف هي أن تدور راقصة في حركة دائرية، وهي تخفق بجناحيها ثم تضع قطرة من الرحيق فيشمل النحل العامل ليحفظ رائحتها جيدا، ثم ينطلق إلى الزهور، فإذا كانت الزهور المكتشفة بعيدة على مسافة أكثر من مائة متر فإنه لا بد أن تشير النحلة إلى مكانها بالضبط. ولهذا ترقص على شكل دائرة يشقها خط إلى نصفين .. وهذا الخط يشير إلى اتجاه الحقل الذي فيه الزهور وهي سوف تمشي على
[ ٦٢ ]
هذا الخط وهي تهز بطنها هزات سريعة إذا كان الحقل على مسافة متوسطة، وبطيئة إذا كان على مسافة كبيرة، وعيناها ستكونان دائما ناظرتين إلى اتجاه الحقل.
ويفهم النحل العامل الإشارة وينطلق إلى حيث يشير الخط على يسار الشمس أو يمينها، وبنفس الزاوية التي رسمتها النحلة أثناء رقصها فيصل إلى المكان تماما الخ (١).
أظن أننا الآن وبعد هذا العرض لأعمال النحل نستطيع أن ندرك القوة الحكيمة العالمة المدبرة التي صنعت النحل وكل شيئ في إبداع رائع وتنظيم عظيم، ألا تجد ذلك كله مأخوذا من قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ (٢).
إنك لو تدبرت الآية لوجتها في إيجاز تذكر من جوانب الروعة في النحل أكثر مما ذكره الدكتور مصطفى محمود وغيره، وقد ركزت الآيتان على موضوعات أساسية كل منها يحتاج سفرا تكتب فيه تفاصيله وهي:
١ - اتخاذ البيوت حسب الظروف والبيئة.
٢ - اختيار الغذاء المناسب.
_________________
(١) ا. هـ. ص ٥٦ إلى ص ٦٠ (لغز الحياة).
(٢) النحل ٦٨، ٦٩.
[ ٦٣ ]
٣ - الاهتداء إلى الطرق الموصلة إلى الغذاء.
٤ - ما يخرج منها من الشهد المختلف الألوان لاختلاف الغذاء.
٥ - فوائد الشهد الخارج منها. لذلك ختمت الآيتان بتنبيه قوي إلى أن هذه الآيات المعجزات لا يهتم بها إلا ذوو العقول الكبيرة والتفكير الناضج المثمر: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) أي يتفكرون فيعتبرون ويستفيدون.
الطائفة الثانية من الأدلة (من كتاب الله تعالى)
القرآن والعرض الشمولي للكون
٤ - وإليك جملة من الآيات القرآنية جمعت آيات كونية كثيرة شملت النبات والأفلاك والإنسان والأشجار والثمار وغيرها. والمقام لا يسع الشرح واسنباط دقائق العجائب الإلهية منها.
فعليك أن ترجع إلى الكتب المتخصصة إذا أردت المزيد من ذلك. ولكنك سوف ترى في هذه الآيات صورة للحياة في بدئها، ثم في نموها وازدهارها. وصورة للجمال الذي يشمل الكون: أرضه وسماءه على السواء.
وصورة الإنسان السيد على هذا الكوكب - الأرض - وقد أضيئت له الأرض بمصابيح في السماء، وأينعت له الثمار في أنواع الأشجار، ونظمت له حركة الشمس مع الأرض ليجد لراحته الليل لباسا، ويجد لدأبه النهار معاشا، ويجد لزرعه العام فصولا، ويشعر بان رحمة خالقه وسعت كل شيئ ومنحت كل مخلوق قوام حياته وأسباب تطوره، ومادة بقائه أو فنائه.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)
[ ٦٤ ]
فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾
إلى أن قال:
﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ (١).
_________________
(١) الأنعام: ٩٥ - ١٠٣.
[ ٦٥ ]
وبعد هذا العرض القرآني للكون وللإنسان وللأحياء نستخلص الآتي:
١ - هذا الكون بكل مافيه ومن فيه محدث من عدم ومحدثه هو الله تعالى.
٢ - هذا الكون قائم ومتحرك ومتطور حسب سنن وقوانين ثابتة، وقانون السببية هو المهيمن والمسيطر على هذا الكون، وهذا القانون من صنع الله الذي أتقن كل شيئ.
٣ - هذا القرآن الكريم آيات مقروءة تدلنا على ما في الكون من آيات محسوسة ذات دلالات علمية لا تحصى فواجب المسلمين اليوم أن ينهضوا نهضة علمية تتفق مع ما توحيه الآيات القرآنية من مدلولات علمية غفل عنها المسلمون طويلا.
[ ٦٦ ]
الطائفة الثالثة من الأدلة - (من أقوال الفلاسفة والعلماء)
١ - قال الأستاذ مومنيه في مجلة الكوسموس سنة ١٨٩٣م في بحث يثبت به وجود الله: "إن افترضنا بطريقة تعلو عن متناول العقل أن الكون خلق اتفاقا بلا فاعل مريد مختار، وأن الاتفاقات المتكررة توصلت إلى تكوين رجل فهل يعقل أن الاتفاقات أو المصادفات تكون كائنا آخر مماثلا له تماما في الشكل الظاهري ومباينا له في التركيب الداخلي وهو المرأة بقصد عمارة الأرض بالناس وإدامة الناس فيها"؟ قال:"أليس يدل هذا وحده على أن في الوجود خالقا مريدا مختارا أبدع الكائنات، ونوع بينها وغرز في كل نوع غرائز ومتعة بمواهب يقوم بها أمره ويرتقي عليها نوعه؟ ".
قال الأستاذ محمد فريد وجدي تعليقا على هذا البرهان: نقول: إن هذا البرهان الذي ظن الأستاذ مومنيه، أنه أول من لفت الأنظار إليه مستمد من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١)
٢ - أما ديكارت فأعطى على وجود الخالق أدلة ثلاثة:
(أولها) قال: إني مع شعوري بنقص ذاتي أحس في الوقت ذاته بوجوب وجود ذات كاملة وأراني مضطرا للاعتقاد بأن هذا الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع صفات الكمال، وهي الله.
(ثانيا) قال ديكارت: إني لم أخلق ذاتي بنفسي، وإلا فقد كنت أعطيها سائر صفات الكمال التي أدركها. إذن أنا مخلوق بذات أخرى،
_________________
(١) الروم: ٢١، دائرة معارف وجدي جـ ١ ص ٤٨٦.
[ ٦٧ ]
وتلك الذات يجب أن تكون حائزة جميع صفات الكمال، وإلا اضطررت أن أطبق عليها التعليل الذي طبقته على نفسي.
(ثالثا) قال ديكارت: إن عندي شعورا بوجود ذات كاملة لا تفترق في الوضوح عن شعوري بأن مجموع زوايا أي مثلث تساوي زاويتين قائمتين. إذن فالله موجود.
ولم يصل ديكارت إلى هذه الحقائق إلا بعد أن تخلص مما ملئ به ذهنه من حشو رث من العقائد والتقاليد والوراثات. قال: فأردت أن أتخلص من هذه الأحمال الثقيلة ولو مرة في حياتي، وأنظر مجردا عن كل وراثة إن كنت أريد الوصول إلى حقائق ثابتة من العلم. (١)
٣ - أما نيوتن فهو أكبر علماء الفلك في عصره من الانجليز، وهو يعتبر من العقول النادرة التي ظهرت في العالم (١٦٤٢ - ١٧٢٧) وهو مكتشف قانون الجاذبية العامة وغيره من القوانين الفلكية، ولما اشتهر ببعد النظر وقوة الإقناع. سأله الناس من كل مكان أن يأتيهم بدليل على وجود الله يكون في درجة المحسوسات فأجابهم قائلا:
لا تشكوا في الخالق فإنه مما لا يعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قائدة الوجود، لأن الضرورة عمياء متجانسة في كل زمان ومكان، لا يتصور أن يصدر منها هذا التنوع في الكائنات، ولا هذا الوجود كله بما فيه من ترتيب أجزائه وتناسبها مع تغيرات الأزمنة والأمكنة، بل إن كل هذا لا يعقل أن يصدر إلا من كائن أزلي له حكمة وإرادة. ثم قال:
من المحقق أن الحركات الحالية للكواكب لا يمكن أن تنشأ من مجرد فعل الجاذبية العامة، لأن هذه القوة تدفع الكواكب نحو الشمس. فيجب لأجل أن تدور هذه الكواكب حول الشمس أن توجد يد إلهية تدفعها على الخط المماس لمدارتها.
ثم قال: ومن الجلي الواضح أنه لا يوجد أي سبب طبيعي استطاع أن يوجه جميع الكواكب وتوابعها للدوران في وجهة واحدة وعلى مستوى
_________________
(١) المصدر السابق ص ٤٩٠.
[ ٦٨ ]
واحد بدون حدوث أي تغيير يذكر، فالنظر لهذا الترتيب يدل على وجود حكمة سيطرت عليه، .. ثم إنه لا يوجد سبب طبيعي استطاع أن يعطي هذه الكواكب وتوابعها هذه الدرجات من السرعة المتناسبة تناسبا دقيقا مع مسافتها بالنسبة للشمس ولمراكز الحركة. تلك الدرجات الضرورية لأن تتحرك هذه الأجرام على مدارات ذات مركز واحد مشترك بين جميعها، فلأجل تكوين هذا النظام بين جميع حركاته يجب وجود سبب عرف هذه المواد وقارن بين كميات المادة الموجودة في الأجرام السماوية المختلفة، وأدرك ما يجب أن يصدر منها من القوة الجاذبة، وقدر المسافات المختلفة بين الكواكب والشمس وبين توابعها وسارتون، وجوبيتر، والأرض، وقرر الساعة التي يمكن أن تدور بها هذه الكواكب وتوابعها حول أجسام تصلح أن تكون مراكزها.
إذن فمقارنة هذه الأشياء والتوفيق بينها وجعلها نظاما يشمل كل هذه الاختلافات بين أجزائه. كل هذا يشهد بوجوب وجود"سبب" لا أعمى ولا حادث بالاتفاق، ولكن على علم راسخ بعلم الميكانيكا والهندسة. ثم قال:
ليس هذا كل ما في المسألة، فإن الله ضروري أيضا سواء لإدارة هذه الأجرام على بعضها، وهو الأمر الذي لا يمكن أن ينتج من مجرد قوة الجاذبية. أو لتحديد وجهة هذه الدورات لتتفق مع دورات الكواكب، كما يرى ذلك في الشمس والكواكب وتوابعها، بينما ذوات الأذناب تدور في كل جهة على السواء ثم قال:
وغير هذا: ففي تكون الأجرام السماوية كيف أن الذرات المبعثرة استطاعت أن تنقسم إلى قسمين: القسم المضيء منها انحاز إلى جهة لتكوين الأجرام المضيئة بذاتها كالشمس والنجوم، والقسم المعتم يجتمع في جهة أخرى لتكوين الأجرام المعتمة كالكواكب وتوابعها. كل هذا لا يعقل حصوله إلا بفضل عقل لا حد له، ثم قال:
كيف تكونت أجسام الحيوانات بهذه الصناعة البديعة، ولأي المقاصد
[ ٦٩ ]
وضعت أجزاؤها المختلفة هل يعقل أن تصنع العين الباصرة بدون علم أصول الإبصار ونواميسه؟ والأذن بدون علم بقوانين الصوت؟ كيف يحدث أن حركات الحيوانات تتجدد بإرادتها ومن أين جاء هذا الإلهام الفطري في نفوس الحيوانات .. إلى أن قال:
وهذه الكائنات كلها في قياسها على أبدع الأشكال وأكملها ألا تدل على وجود الله منزه عن الجسمانية حي حكيم يرى حقيقة كل شيء بذاته ويدركه أكمل إدراك (١) الخ.
٤ - وقال العلامة هرشل الإنجليزي من أكابر علماء الفلك في العالم كله:
"كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا وتضامنوا على تشييد صرح العلم وهو في الواقع صرح عظمة الله وحده" (٢).
٥ - وقال العلامة الطائر الصيت "لينيه" الفزيولوجي الفرنسي:
"إن الله الأزلي الكبير العالم بكل شيء والمقتدر على كل شيء قد تجلى لي ببدائع صنعه حتى صرت دهشا متحيرا فأي قدرة وأي حكمة وأي إبداع أبدع من مصنوعات يده سولء في أصغر الأشياء أو أكبرها. إن المنافع التي نستخدمها من هذه الكائنات تشهد بعظم رحمة الله الذي سخرها لنا، كما أن جمالها وتنايقها ينبىء بواسع حكمته، وكذلك حفظها عن التلاشي وتجددها يقر بجلال الله وعظمته" (٣).
٦ - ويقول الأستاذ "كاميل فلامريون":
"الإلحاد أحقر من أن ينتسب إلى العلم أو العقل أو أن يسمى مذهبا
_________________
(١) ا. هـ. منه ص ٤٩٦، ص ٤٩٧.
(٢) ا. هـ. منه ص ٥٠٣.
(٣) ا. هـ. منه ص ٥٠٤.
[ ٧٠ ]
إنسانيا، وأقل وأصغر من أن يهتم بشأنه. بل الإلحاد وهم يلم ببعض العقول المستعدة لهمزات شياطين الوساوس.
إن الإحساس بالعقيدة ألصق بفؤاد الإنسان من كل إحساس فيه، وليس المنكر لها بأقل إحساسا بها من سواه. بل ربما كان تظاهره بالجحود والنكران حجة ناطقة على أنه أشد الناس تأثرا بها إلا أنه ضل الطريق وأخطأ المهيع فقذفت به حيرته إلى متائه من النظريات هي ظلمات بعضها فوق بعض، فلم ير الخلص منها إلا فرض الفروض وابتكار السفسطات التي لو خلا بها يوما وحكم فطرته لضرب بها عرض الحائط ولعلم أن إحساسه في واد وما تخيله في واد آخر، وإنا لو سئلنا يوما عمن هو أكذب الناس على نفسه لقلنا بدون تردد: هو الرجل يزعم أنه ملحد" (١) أليس هذا هو الدليل الشعوري الذي ذكرناه في أول الأدلة؟.
_________________
(١) ا. هـ. منه ص ٥٣٤.
[ ٧١ ]
الطائفة الرابعة من الأدلة - (من تجاربنا)
١ - لقد بلغ الإنسان في العلوم والبحوث الكونية مبلغا إذا قيس بما سبقه يعتبر ما وصل إليه إنسان العصر كالمعجزة، ومع ذلك فإنه عندما وصل إلى القمر وسبح في الفضاء البعيد أحس بأنه ذرة في كون لا حد له، وأنه قطرة في محيط لا ساحل له، وأن عظمة العلم في أنه حقق للإنسان إدراك عجزه أمام قدرة الله وعظمته.
٢ - كثيرا ما ينفق العلماء على أمر أوصلهم إليه علمهم وتجاربهم. ثم يقدرون نتيجة علمهم وتجاربهم نهاية معينة، ولكن تجاربهم وعلمهم واتفاقهم، كل ذلك يأخذ خطوة إلى الوراء حين تظهر النتيجة والنهاية عكس ما اتفقوا وضد ما قدروا.
ومثلا لذلك أذكر لك هذه الواقعة التي تعلمها قرية بأكملها، ولا يشك أحد في شيء من تفاصيلها. فقد كانت لي أخت مريضة بمرض عصي العلاج، وقرر جمع من الأطباء أن لا أمل في شفائها. وبعد مدة اشتد مرضها، فلما كشف على مرضها الطبيب المعالج قرر أن لا أمل. وأن ساعة الموت قد دانت!!! وأخرج لها شهادة تثبت سبب وفاتها حتى إذا ماتت لا يحتاج أهلها إلى السفر إليه لاستخراجها، وكانت حالتها حسبما يعرف الناس من نتيجة تجاربهم هي حالة إشراف على الموت، وحضر إخوتها البعيدون، وأعدت لجثتها كل المطلوبات. وأعد أهلها المكان المخصص لتقبل العزاء من الناس، وباتوا بجوارها ينظرون إليها بانتظار اللحظات الأخيرة، وخابت تقديرات الجميع، فلم تمت المريضة بل بدأت في آخر الليل تتحرك تحرك الأحياء ثم شفيت بعد ذلك تماما وهي الآن ربة بيت تقوم بكل ما يقوم به أمثالها أليست هذه آية؟ ألم تسمع كثيرا بأمثلة لها؟ فمن وراء ذلك كله؟ قل إنه الله ولا أحد سواه.
[ ٧٢ ]
٣ - وكتب الأستاذ سعيد حوى القصة الآتية في كتاب "الله ﷻ" (١).
أذاع راديو دمشق في ١٠ - ١ - ٦٥ الساعة الثالثة إلا ربعا من بعد الظهر نقلا عن مجلة الأبحاث الطبية الصادرة في انجلترا حادثة نشرتها المجلة المذكورة بتوقيع الطبيب الذي جرت معه الحادثة. والقصة: أن شابا بقي مريضا بمرض مزمن ثلاثة عشر عاما، وأعيا الأطباء دون جدوى، وقد دخل عليه كآخر طبيب الطبيب الذي يروي القصة، وبعد أن أتم فحصه رآى أنه لا أمل منه، وهناك سأله المريض بلهجة اليائس: لا أمل يا دكتور؟ فقال الدكتور: هناك أمل واحد في السماء فجرب أن تدعو ألا تعرف أن تصلي؟ ولأول مرة يدعو الشاب الذي دام مرضه ثلاثة عشر عاما، وعندما زاره الطبيب بعد أسبوع وجد المريض معافى، وقد شفي من مرضه الذي لم يستطع الأطباء أن يعالجوه.
٤ - وأنت أيها القارئ الكريم: ألم تخرج من بيتك يوما عازما أمرا أعددت له العدة، وأجهدت النفس من أجله، ثم إذا بك في اللحظة الأخيرة تعرض عنه وتجد أنك مصروف بقوة خفية إلى أمر آخر لم يخطر على بال، ولم تسهر الليالي في التجهيز له، ثم يتضح لك بعد ذلك أن الخير فيما نالك وليس فيما فاتك؟ فمن الذي حولك عما دبرت؟ ومن الذي أنالك عكس ما قدرت؟ إنه الله الذي بيده الخلق والأمر، والذي يحول بين المرء وقلبه.
٥ - هل أصاب أحدا تعرفه أو أصابتك نكبة أحسست إزاءها أن الأحياء كلهم أعجز من أن ينقذوك، وأضعف من أن يرحموك وقد يكونون هم أيضا يريدون بك الشر. ويحيكون لك حبال الدواهي، فلما يئست من الناس، ويئست من الأمل نفسه إذا شعاع يطل عليك، وأمل يبرق في قلبك، وراحة تستكين إليها نفسك، وأنت لا تدري مصدر ذلك كله. ثم بعد ساعات أو أيام أو أشهر يتبدد اليأس كله، وينسلخ الظلام، وتتواكب أمام عينيك ألوان الأمل تطارد فلول اليأس. وأنوار النصر تكتسح ظلمات الهزيمة. وترى من وراء ذلك قدرة حولت دفة الحياة من أجلك. فإذا بك
_________________
(١) ص ٦٨.
[ ٧٣ ]
تشفق على عدوك وظالمك، وقد كان بالأمس القريب أو البعيد سبب يأسك وشقلئك من الذي غير وبدل؟ مع أن العجز الكامل كان ملازما لك والقدرة والبطش كنتا في يد عدوك؟ من نشرك؟ من أحياك وأعزك؟ من رد إليك الأمل الضائع والحياة المطمئنة؟ قل ولاتنتظر .. إنه الله
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ (٣٧)﴾ (١).
الخلاصة
وخلاصة كل ما سبق أن الإيمان بوجود الله تعالى مركوز في ذات كل إنسان بفطرته، وأن الكرامة الإنسانية مستمدة من هذا الإيمان، وأن جميع الآمال التي يحيا الإنسان بها ويعيش عليها ليس لها مصدر إلا وجود ذات عليا هي المفيضة لهذه الآمال. وهي العماد الذي يعتمد عليه الإنسان سواء اعترف بذلك أم أنكر.
والإنسان بدون الإيمان المشع في كيانه مثل عود ذبل، لأنه حرم مادة الحياة.
وكل قلب خلا من ومضات الإيمان أشبه بجذع جذ أصله فجف واستعد للنار.
وكل عقل حرم موجات الأثير الرباني (الإيمان) فهو مبتوت الصلة بالخير والسعادة وأسباب النجاة.
وكل شعور لا يسري فيه ري الإيمان وعذوبته هو شعور حيواني يدبر أمره عقل شيطان.
_________________
(١) الزمر:٣٦، ٣٧.
[ ٧٤ ]
وأخيرا وليس آخرا- لو حاولت أن تستقرئ حال الفريقين- فريق المؤمنين وفريق الكافرين المنكرين لوجود الله تعالى لوجدت الآتي:
١ - المؤمنون بالله على رأسهم الأنبياء والمرسلون والعلماء العادلون. وهم طائفة جعلت حياتها رحمة للإنسانية وشفقة وعطفا عليها، عكس الطائفة المنكرة التي لا تجد منها إلا قسوة القلوب، وسفك الدماء، وإذلال البشر، وتحطيم كل القيم.
٢ - المؤمنون بالله- وإن اختلفوا في صفات الله تعالى ةمعرفة ما يجب له- هم أهل الأرض جميعا تقريبا، أما المنكرون فهم قلة مسحوقة لا تكاد تذكر.
٣ - لم يأت المنكرون بدليل واحد، بل بالعكس يقفون عاجزين عجزا كاملا أمام تحديات المؤمنين وأدلتهم. إذن فلنقرأ في سعادة قول الله تعالى:
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ (١)
وقل للمنكرين وأنت مطمئن: أجيبوا عن سؤال الله المفحم لكم:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ (٢)
وعش في طمأنينة الإيمان، وسعادة الإيمان، ولذة المعرفة بالله الرحمن الرحيم.
_________________
(١) لقمان: ١١.
(٢) الطور: ٣٥، ٣٦.
[ ٧٥ ]
الصفات
الصفة الثانية (هو الأول) - الصفة الثالثة (والآخر)
الصفة الثانية (هو الأول)
الله ﷾ قديم بمعنى أنه لا أول لوجوده، فوجوده تعالى ليس مسبوقا بعدم، وقدم الله تعالى بهذا المعنى واجب وثابت ثبوتا عقليا بحيث لا يتصور ضده. وضد القدم الحدوث. وهو مستحيل على الله ﷾، لأنه تعالى لو كان حادثا لاحتاج إلى من يحدثه ويوجده، والذي يحدثه ويوجده يحتاج إلى محدث أيضا فلا بد من وصول العقل إلى ذات تحدث وتوجد غيرها، ولا يصح أن يوجدها ويحدثها غيرها، وهي ذات الله تعالى.
قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ (١).
ومعنى الأول: الذي لا ابتداء لوجوده، والذي هو سابق في وجوده كل حادث فيكون وجوده من ذاته ولا علة لوجوده.
وروى البخاري عن النبي (صلى) وسلم حديثا طويلا جاء في آخره: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء".
فإذا أراد الشيطان أن يبلبل فكرك بأمر ليس في قدرة العقل الإنساني القاصر إدراكها فالجأ إلى ربك واطلب حمايته ومعونته بقولك "إياك نعبد وإياك نستعين" وقف عند ذلك مستسلما لله قائلا: "آمنت بالله" كما قال النبي (صلى): "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله" (٢)
_________________
(١) الحديد: ٣.
(٢) رواه مسلم.
[ ٧٦ ]
الصفة الثالثة (والآخر)
وتسمى صفة "البقاء" ومعناها: أن الله تعالى لا آخر له، فلا يعتريه فناء، بل البقاء ملازم له أبدًا. فالله تعالى يمتنع ويستحيلُ لحوق العدم به، لأنه تعالى لو جاز وأمكن في العقل أن يفنى لكان حادثًا ولم يكن قديمًا مع أنه تعالى ثبُت قدمه، وأيضًا اتفق العقلاء على أن ما لا أول له لا آخر له، وأن من ثبت قدمه استحال عدمه.
وضد البقاء الفناء. وهو مستحيل على الله تعالى استحالة عقلية وشرعية، أما العقلية فقد ذكرناها، وأما الشرعية النقلية فلقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ (٣).
وروى مسلم عن النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ والظاهرُ والباطن﴾. قوله: " أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء " ا. هـ. شرح الطحاوية ص ١٩٥.
_________________
(١) الرحمن: ٢٦، ٢٧.
(٢) القصص: ٨٨.
(٣) الفرقان ٥٨.
[ ٧٧ ]
الصفات
الصفة الرابعة (ليس كمثله شيء)
وهي صفة معناها: أن الله تعالى لا يمكن أن يكون مشابهًا لحوادث في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله، لأنه تعالى لو كان مشابهًا ومماثلًا للحوادث التي أحدثها وخلقها في أي شيء، لكان حادثًا مثلها ولو كان كان حادثًا مثلها لما ثبت قدمه، مع أنه تعالى ثبت قدمه، فحدوثه إذًا مستحيل، وعلى هذا يكون ما أدى إلى هذا الحدوث وهو مشابهته للحوادث مستحيل، وثبت حينئذ نه تعالى مخالف للحوادث. قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٢).
أي ولم يكن أحد مشابها لله في أي شيء.
ومن هذا ندرك ونعلم أنه تعالى وجب وثبت له مخالفته للحوادث، ويستحيل عقلا وشرعا مشابهته تعالى لها.
القول في النصوص الموهمة للتشبيه
ثبت أن الله تعالى مخالف للحوادث. ولكن جاء في القرآن والسنة آيات وأحاديث ظاهرها يوهم أن الله تعالى يشبه خلقه، وإليك أمثلة لذلك:
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٤)
_________________
(١) الشورى:١١.
(٢) الإخلاص
(٣) الرحمن: ٥.
(٤) الانعام ١٨.
[ ٧٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤)
وقال ﷺ: "ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ". (٥)
قال ﷺ: "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع كقلب واحد يصرفها كيف يشاء". (٦)
هذه النصوص وأمثالها يجب تجاهها ما يأتي:
أولا: الإيمان بها. لأنها ثابتة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، والإيمان بكل ما جاء في السنة فإن كانت متواترا فكذلك وإن لم يكن متواترا فإنه بالنسبة للعقيدة، لا يفيد الجزم والقطع المؤدي نفيه إلى الكفر ولكن يجب تصحيح العقيدة إزاءه.
_________________
(١) الانعام: ٣.
(٢) الرحمن ٢٧.
(٣) الفتح:١٠.
(٤) الطور: ٤٨.
(٥) رواه البخاري ومسلم.
(٦) انفرد به مسلم عن البخاري - ابن كثير جـ٢ ص ٢٩٨.
[ ٧٩ ]
ثانيا: مع الإيمان بهذه النصوص يجب الإيمان كما سبق بأن الله تعالى لا يشبه خلقه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
ثالثا: لا نحاول تأويل هذه النصوص وتفسيرها وتحديد معان لها، لأننا لا ندري هل هذه المعاني مرادة الله تعالى أم ليست مرادة؟ فالتأويل والتفسير لمثل هذه النصوص مجازفة لم يؤذن لنا فيها.
وبناء عليه نقول في هذه النصوص: إن الله تعالى استوى على عرشه. لأنه قال ذلك ولكن كيفية استوائه لا يعلمها إلا هو، لأنه قال: ليس كمثله شيء.
ونؤمن بأنه تعالى فوق عباده. وأن هذه الفوقية ليست كفوقية المكان التي نعرفها.
وكذلك نؤمن بأن لله وجها ويدا وأعينا، ولكنها ليست كأوجهنا وأيدينا وأعيننا، وأن الحقيقة يعلمها الله تعالى، وكذلك يقال في كل ما يرد موهما تشبيه الله تعالى بخلقه وهذا الذي ذكرناه هو رأي السلف رضوان الله عليهم. وهو أسلم، لأنه أبعد عن الوقوع في خطأ التأويل الذي قد يكون غير مراد له تعالى، خصوصا وأن هذه النصوص متصلة بالعقيدة، وخطر العقيدة لا يستهان به.
ولكن كثيرا من العلماء الذين جاؤوا بعد القرن الخامس الهجري رأوا أن تلك النصوص إن تركت بدون تأويل ربما يترتب على عدم تأويلها وتفسيرها وقوع الذين لم يتعمقوا في فهم الإسلام في خطأ الإنحراف عن العقيدة السليمة والوقوع في ورطات فكرية خطيرة. وقد جاءت آيات الله في كتابه كما جاءت أحاديث رسول الله ﷺ على نمط اللسان العربي، وباللغة العربية الفصحى، واللغة العربية فيها الأساليب والكلمات التي يراد بها في عرف اللغة حقيقتها والأخرى التي يراد بها المجاز أو الكناية، وما دامت الآيات والأحاديث المذكورة لا يمكن أن تكون حقيقتها مرادة لإفادتها التشبيه. فلماذا لا نذهب إلى المجاز المناسب لجلال الله وعظمته؟ وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة لذلك.
[ ٨٠ ]
وعلى هذا الأساس انطلقوا في تأويل ما سبق على الوجه الآتي:
قالوا: إن المراد بالاستواء في الآية هو استيلاء الله على عرشه، وذلك دليل على قدرته تعالى وعظمته، والمراد بكونه تعاى قاهرا فوق عباده أن العباد خاضعون لسلطانه وحكمه، والمراد بكونه تعالى في السماء وفي الأرض أن علمه تعالى محيط بكل شيء. والمراد بوجه الله تعالى ذاته، والمراد باليد في الآية قدرته، والمراد بالأعين الرعاية، والمراد بنزول الله إلى السماء الدنيا نزول ملك بأمره، والمراد بأصبعي الرحمن قدرته وإرادته وهكذا
وقال العلماء في الفرق بين المذهبين - مذهب السلف ومذهب الخلف - إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم، والذي أرتضيه للقارئ هو أن يكون سلفيا بعيدا عن التأويل وأن يرفض مذهب الخلف رفضا تاما فإنه بدع من القول لا يسوغ الأخذ به، وبناء على ذلك يجب القول بأن الله تعالى متصف بالعلو على خلقه، والاستواء على عرشه، وأن اليد والرجل والقدم والعين والأعين والنزول إلى السماء الدنيا وغير ذلك مما وردت به نصوص الكتاب والسنة الصحيحة كل ذلك من صفاته تعالى على الوجه الذي يليق بذاته تعالى. ويستحيل أن يشبه في شيء من ذلك شيئا أو أحدا من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الصفات
الصفة الخامسة (هو الغني الحميد)
ومعنى ذلك قيامه تعالى بنفسه واسغناؤه عن سواه وعدم احتياجه إليه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، لأنه تعالى قديم، ووجوده من ذاته بمعنى أنه ليس أحد ولا شيء علة في وجوده. وهو تعالى متصف بجميع صفات الكمال، وكل موجود مستمد وجوده منه تعالى ومن كان كذلك يستحيل أن يحتاج إلى غيره.
لأنه لو احتاج إلى غيره لكان ناقصا ولكان حادثا ولكان غيره مؤثرا فيه. وكل ذلك مستحيل في حقه تعالى فما أدى إليه وهو احتياجه إلى غيره يكون مستحيلا، وثبت قيامه تعالى بنفسه. واسغناؤه عن غيره.
[ ٨١ ]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ (١)
ويحسن هنا أن نقرأ هذا الحديث القدسي الذي ذكر أمورا كلية ملموسة ودالة بوضوح على احتياج الخلوقات إلى الله واستغناء الله تعالى عن جميع مخلوقاته.
عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر جندب بن جنادة﵁عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال:
"يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار. وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي: لو أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. (٢)
_________________
(١) فاطر ١٥ - ١٦ - ١٧.
(٢) رواه مسلم.
[ ٨٢ ]
الصفات
الصفة السادسة (هو الله أحد)
ومعناها: أن الله تعالى واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله. فليس في الوجود ذات تشبه ذات الله تعالى، وليس أحد متصفا بصفة تشبه صفة الله تعالى وليس لأحد غير الله فعل يشبه فعل الله تعالى.
الدليل على وحدانية الذات
يقوم الدليل على هاتين الآيتين:
الأولى - قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١)
الثانية - قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢)
وذلك لأننا لو فرضنا وجود أكثر من إله، كان لا بد أن يكون لكل منهم من العلم والإرادة والقدرة ما يخالف بداهة ما للآخر من هذه الصفات. وهذا يكون من شأنه أن يؤدي إلى الاختلاف في الأفعال وتدبير العالم. ومن ثم يكون لا بد من فساد السموات والأرض وما بينهما.
بل قد يؤدي إلى عدم وجود هذا العالم بسبب التضارب بين هذه الصفات التي ثبتت لكل منهم. وما يكون عنها من آثار. ولكن العالم بجميع أجزائه موجود على أحسن نظام. فلا بد أن يكون خالقه وموجوده إلها واحدا لا شريك له.
_________________
(١) الأنبياء ٢٢.
(٢) المؤمنون ٩١.
[ ٨٣ ]
وقد يقال: إن لنا أن نفرض وجود آلهة متعددين ولكنهم يتفقون فيما بينهم على أن لكل منهم (منطقة عمل ونفوذ) - إن صح هذا التعبير- ونقول ردا على هذا: إن هذا يجعل لنا أكثر من عالم واحد، لكل عالم قوانينه وسننه ونظمه التي يسير عليها، ولكن الواقع أنه لا يوجد إلا عالم واحد متماسك الأجزاء والأطراف، وله نظم وقوانين واحدة. إذن فالإله الخالق واحد لا غير (١).
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٣)
فهو تعالى أحد: أي واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.
وهو الصمد: أي الغني الذي يقصده الناس في حوائجهم لاحتياجهم إليه وغناه عنهم.
لم يلد: أي لم ينبثق عنه ولد، فهو في غاية الكمال.
ولم يولد: أي لم ينبثق عن غيره، لأنه لا أول لوجوده.
ولم يكن له كفوا أحد: أي لم يكن ولم يوجد أحد يساويه ويماثله.
الدليل على وحدانية الصفات
هو أنه لو كان لأحد صفة مثل صفة الله تعالى في الكمال لكان هذا الأحد إلها آخر، والإله الآخر مستحيل كما سبق، فيستحيل على هذا أن يتصف أحد بصفة تشبه صفة الله في الكمال. فإن قيل: إن هناك صفات يتصف بها
_________________
(١) ا. هـ. من كتاب "الاسلام وحاجة الانسانية إليه" ص ٩٣، ٩٤.
(٢) الزمر ٤.
(٣) الاخلاص.
[ ٨٤ ]
البشر تتفق في الإسم مع الصفات التي يتصف الله بها فيقال: فلان: عالم. قادر. مريد. سميع. بصير. متكلم. حليم. رحيم. كريم .. الخ. وقد وصف النبيصلى الله عليه وسلم في القرآن بالرأفة والرحمة كما وصف إبراهيم ﵇ بالحلم.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ (٢)
فهل الذين يوصفون بما يوصف به الإله يعتبرون آلهة؟
والجواب هو أن الله تعالى إذا وصف بصفة فإن هذه الصفة تكون كاملة كمالا مطلقا يليق بالله، وأما الإنسان وغيره فإنه إذا وصف بصفة، فإن هذه الصفة تكون مناسبة للموصوف الذي هو الإنسان مثلا، فهي صفة محدودة بحدود الطاقة الإنسانية لا تتعداها، ولذلك حين جاء المرسلون بالمعجزات- وهي أمور فوق طاقة البشر- لم ينسبوا هذه المعجزات لأنفسهم. لأن طاقتهم محدودة، وإنما قالوا: هذه المعجزات من صنع الله وحده. وقد أظهرها على أيدينا دليلا على أنه اختارنا لتبليغ دينه وأننا صادقون في قولنا "إننا رسل الله".
الدليل على وحدانية الفعل
قلنا إن الله واحد في فعله: بمعنى أنه لا يوجد فعل لغيره تعالى يشبه فعله بدليل أنه لو كان لغيره تعالى فعل يشبه فعله تماما لكان هذا الفاعل
_________________
(١) التوبة: ١٢٨.
(٢) هود: ٧٥.
[ ٨٥ ]
متصفا بصفات الله، وحينئذ يكون إلها آخر، وقد ثبت أن تعدد الآلهة مستحيل. فوجود فعل لأحد كفعل الله مستحيل.
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)
وقال تعالى عن نفسه: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٢)
الصفات
الصفة السابعة (بكل شيء عليم)
الله تعالى هو الذي أبدع هذا الكون، وأقامه على سنن ونظم لا تختل ولا تضطرب. وهو الذي يمسك السموات والأرض وجميع النجوم والكواكب حتى لا يصدم بعضها بعضا أو يختل بعضها عن مداره المقدر له، وهو الذي يسير مل ذرة، ويرعى كل نسمة. ويدبر أمر خلقه، ويصرف كل شأن بحكمته، ويستحيل أن يحصل ذلك كله من الله بغير علم مطلق شامل. وجميع الأدلة التي ثبت بها وجود الله تعالى ثبت بها وجود علمه فيجب أن يكون الله تعالى عالما علما مطلقا شاملا كاملا. ويستحيل في حقه تعالى الجهل بأي شيء، لأنه لو جهل أي شيء ما كان متصرفا فيه وذلك نقص في جناب الألوهية والنقص في حقه تعالى محال.
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (٣)
_________________
(١) القصص: ٦٨.
(٢) البروج ١٦.
(٣) سبأ: ٢.
[ ٨٦ ]
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٢)
وعلماء الكلام يعرفون صفة العلم بأنها: صفة أزلية (قديمة) قائمة بذاته تعالى تنكشف بها المعلومات انكشافا تاما لم يسبقه خفاء. سواء أكانت هذه المعلومات واجبة أم مستحيلة أم ممكنة، فالله تعالى يعلم كل شيء على ما هو عليه في الواقع.
وهذا العلم لا يتغير بتغيير المعلوم- بمعنى أن الله يعلم الشيء الموجود على ما هو عليه. فإذا تغير الموجود وحصل له تطور لم يحصل لله علم
_________________
(١) الملك: ١٣ - ١٤.
(٢) يونس ٦١.
[ ٨٧ ]
جديد غير العلم القديم، لأن تغيير العلم لا يليق بالله تعالى المحيط بكل ما كان وما قد يكون. فالله تعالى يعلم كل شيء قبل وجوده وبعد وجوده وحال وجوده بدرجة واحدة. فالماضي والحاضر والمسقبل أطوار وتغييرات تحصل للمعلوم، ولا يترتب عليها تغيير في علم الله تعالى، لأن الله تعالى علم كل شيء في الأزل وكل ما يحدث فهو يحدث حسب علم الله الأزلي.
الصفات
الصفة الثامنة والتاسعة (كل شيء بإرادته وقدرته)
فالإرادة معناها القصد، وترادفها في المعنى (المشيئة).
ومعناها في عرف علماء التوحيد واصطلاحهم: أنها صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى يخصص بها الممكن ببعض ما يجوز عليه.
ومعنى هذا أن الإرادة صفة قديمة مثل كل صفات الله تعالى عملها وتعلقها يكون بالأمور الممكنة، فهي لا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل.
وعملها وتعلقها بالممكن يكون من أجل تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه.
فمثلا: وجود أي شخص من الناس وعدمه أمران ممكنان تختار الإرادة واحدا منهما وكون هذا الشخص متصفا بصفة البياض أو السمرة أو الصفرة أو السواد مثلا أمر تحدد الإرادة، وكون هذا الشخص يوجد في زمن ما دون غيره من الأزمنة وفي مكان معين دون غيره من الأماكن وفي جهة معينة دون غيرها من الجهات. وكون هذا الشخص يوجد بمقدار معين من الوزن والقياس دون غيره. هذا كله تخصصه الإرادة وتحدده.
فعمل الإرادة في الممكنات هو أشبه بما نسميه في عصرنا هذا (التخطيط) فهي تخطط تخطيطا مبنيا على العلم، والقدرة تنفذ ما حددته وخصصته وخططته الإرادة. وعلى ذلك تكون القدرة مثل الإرادة متعلقة أيضا بالممكنات ولا تتعلق ولا تعمل في الواجبات ولا في المستحيلات.
لأن الواجب عقلا هو الأمر الثابت الذي لا يقبل الانتقاء والعدم.
[ ٨٨ ]
والمستحيل عقلا هو الأمر الذي لا يقبل الثبوت بحال من الأحوال.
فلو تعلقت القدرة والإرادة بالواجب لتزيل ثبوته لم يكن واجبا عقليا. واو تعلقت القدرة والإرادة بالمستحيل لتزيل انتفاءه لم يكن مستحيلا عقليا.
والقدرة مثل الإرادة أيضا في أنها صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى غير أن عملها وتعلقها بالممكن يكون لإيجاده أو إعدامه على وفق الإرادة.
والإرادة والقدرة تشملان جميع الممكنات، فلا يخلق في ملك الله أمر لم يرده وإلا كان غافلا أو مكرها والكل مستحيل على الله تعالى. كما لا يقع في ملك الله أمر إلا بقدرته وإلا كان عاجزا والعجز على الله محال.
فثبت لله تعالى صفتا الإرادة والقدرة واستحال عليه أن يكون مكرها أو عاجزا.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٤)
_________________
(١) يس: ٨٢.
(٢) البروج ١٦.
(٣) الحج: ١٤.
(٤) الاسراء ١٦.
[ ٨٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢)
هذا الكون كله كتاب مفتوح تقرأ فيه دلائل الإرادة والقدرة. وتشعر بعد التأمل فيه بالخشوع لله والرهبة من عظمته، كما تشعر بالنشوة والفرحة كلما أدركت أنك عبد لخالق هذا الكون ومدبره، وأن خضوعك لله وحده لا لأحد سواه.
الصفات
الصفة العاشرة (هو الحي القيوم)
الحياة صفة قديمة يترتب عليها صحة اتصاف الله تعالى بجميع صفاته الكمالية من العلم والقدرة وغيرهما، وحياته تعالى- ككل صفاته- ليست من جنس حياة البشر، وإنما هي حياة تليق به تعالى، ولا تشبه حياة مخلوق.
وضد الحياة الموت. وهو مستحيل على الله تعالى، لأنه تعالى لو كان ميتا ما صح اتصافه بصفات الكمال.
لكنه صح وثبت اتصافه بصفات الكمال، ولا يتصف بها إلا الحي فثبتت له الحياة واستحال عليه ضدها وهو الموت.
_________________
(١) النور: ٤٥.
(٢) الطلاق: ١٢.
[ ٩٠ ]
قال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (٣)
الصفات
الصفتان ١١، ١٢ - (هو السميع البصير)
فالسمع صفة من صفات الله تعالى القديمة القائمة بذاته تنكشف بها جميع المسموعات. وسمع الله تعالى ليس بأذن وصماخ وغيرهما مما تتركب منه أداة السمع عند المخلوقات وإنما لله سمع يليق بذاته تعالى، ويستحيل عليه تعالى ضده وهو الصمم، لأن الصمم نقص والنقص في حقه تعالى محال.
أما البصر فهو صفة من صفات الله تعالى القديمة القائمة بذاته تعالى تنكشف بها جميع المبصرات. وبصر الله تعالى لا يشبه في شيء بصر مخلوقاته وإنما له بصر يليق بذاته.
ويستحيل عليه تعالى ضده وهو العمي، لأنه نقص والنقص في حقه تعالى محال. ومن شرط الخالق المبدع الحكيم أن يكون مدركا لما يخلقه ويصنعه بكل نوع من أنواع الإدراك، ومن ثم يجب أن يكون الله ﷻ سميعا بصيرا وإلا لك يكن كاملا.
_________________
(١) آل عمران: ٢.
(٢) غافر ٦٥.
(٣) طه ١١١.
[ ٩١ ]
قال تعالى حكاية لقول إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ (١)
وقال تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٣)
الصفات
الصفة الثالثة عشرة (الكلام)
وهو صفة قديمة قائمة بذاته تعالى لا تشبه كلام الناس في شيء. مثلها في ذلك مثل جميع صفات الله تعالى:
وهذه الصفة تدل على الواجب والمستحيل والجائز، ما كان من ذلك وما يكون، فيفهم الله سبحانه بهذه الصفة من أراد أن يفهمه من عباده أي أمر من الأمور سواء أكانت هذه الأمور مما يتصل بالواجبات كوحدانية الله تعالى، أو بالمستحيلات كالولد بالنسبة له تعالى، أو بالجائزات مثل الإحياء والإماته والإعزاز والإذلال الخ.
وطريقة إيصال الله تعالى كلامه للملك أو للبشر أو لغيرهما نحن لا نعلمها لعدم ورود ما يدل عليها أو يشرحها من الأدلة الصحيحة، والدليل على الكلام قول الله تعالى:
_________________
(١) مريم: ٤٢.
(٢) طه: ٤٦.
(٣) المجادلة: ١.
[ ٩٢ ]
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (١).
وقال تعالى:
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢)
_________________
(١) البقرة ٢٥٣.
(٢) النساء ١٦٤.
[ ٩٣ ]