ملحق (١) في معنى المتشابه
ملحق
_________________
(١) ١ [ص ٤٩] اتباع القطعي مطلقًا والظنّي في العمليات، واجتناب المرجوح مطلقًا، فلم يبقَ إلّا لا يفهم دلالة، بأن كان مستغلق المعنى أصلًا، وإلّا الظنّي في العقائد مطلقًا. وهذه الثلاثة يصدُق عليها التشابه، أما مستغلق المعنى أيضًا في الاستغلاق، وأما الظني في العقائد فلأن بعض آياته تشبه بعضًا كل آية من آياته متشابهة المعاني في احتمال الإرادة يكفي فيها إلا الجزم، لا يفيد إلّا الظنّ يكفي الإيمان به وأن يُوكَلَ تأويلُه إلى الله تعالى. وإنما جاز العمل بالظن في العمليات لسهولة الأمر فيها وللاحتياج إليه فيها، وليس الحال كذلك في الاعتقاديات. [ثم] إن كلًّا من هذه الثلاثة على قسمين: الأول: ما يقع اختلاف حال الأشخاص فيه، بأن يكون بالنظر إلى شخصٍ متشابهًا وبالنظر إلى شخصٍ آخر محكمًا. الثاني: هو متشابهٌ مطلقًا. والثاني هو المراد في الآية، لأنَّ فيها ذمَّ ابتغاءِ تأويله ومدْحَ قول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الدالّ على التسليم والإيمان بدون تأويل، وجَعْلَ الأول نصيبَ الزائغين، والثاني نصيبَ الراسخين. وإذا كان غاية الراسخين الإيمان بها بدون تأويل فلا شك فيما ذكرناه.
[ ٤ / ٤٥٧ ]
ويؤيد ذلك حديث «الصحيحين» (^١) عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله - ﵌ -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ﴾ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، فقال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم».
الحديث صريح أن المتشابهات آيات مخصوصة من القرآن كان الصحابة ﵃ يعرفونها بأعيانها، وأن واتباعها زيغٌ يجب الحذرُ منه ومن أهله وبيانه، إذ قوله: «وإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه»، يدل على أن المتشابه آيات مخصوصة هي متشابهة مطلقًا، إذ لو كانت قد تكون متشابهةً بالنظر إلى شخصٍ غيرَ متشابهةٍ بالنظر إلى آخر، لما أمكنهم أن يُميِّزوا بين من يتبعها مع كونها متشابهةً في حقّه ومن يتبعها مع كونها غير متشابهةٍ في حقِّه، إذ كلُّ أحدٍ يدَّعي أنها ليست من المتشابه في حقِّه.
ويدلُّ أيضًا على أن الصحابة كانوا يعرفونها، لأنه لا يمكنهم الحذرُ ممن يتبعها إلّا إذا كانوا يعرفونها.
وقوله: «فأولئك الذين سماهم الله - أي الذين في قلوبهم زيغ ــ فاحذروهم».
_________________
(١) البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).
[ ٤ / ٤٥٨ ]
ملحق (٢) في أقسام المتشابه
ملحق
_________________
(١) ٢ [ص ٥٠] [يدلُّ] عليه، فينبغي تمييز القسم الأول من القسم الثاني. قد حصرنا التشابه في مستغلق المعنى، وفي الظنّي في العقائد وفي المشكوك فيه الاحتمالات. فأما مستغلق المعنى فهو قسمان: الأول فواتح السُّور، والثاني فرض وجوده، والأخير إما أن يكون في الاعتقاديات أو لا إما أن يكون في الاعتقاديات أو لا : (١) فواتح السور، (٢) مستغلق المعنى في الاعتقاديات، (٣) مستغلق المعنى في غيرها، (٤) [مشكوك في الاعتقاديات]، (٥) مشكوك في غيرها، (٦) ظنّي في الاعتقاديات. [والقسم] الثالث والخامس الظاهر أنهما وإن كانا يصدُقُ عليهما التشابه، فليسا من المتشابه [المراد] في الآية، لأنهما إن كانا في العبادات أو المعاملات [فلا] يتم كونهما من المتشابه الذي لا مطمَع في علمه، إذ جميع أحكام العبادات والمعاملات كلها مبيَّنة [في] الشرع، فإن خفيتْ على واحدٍ وُفِّق لها الآخر. وإن كانا في القصص ونحوها فاتباعهما لا يظهر [دخولُه] في الزيغ المذموم المحذور منه. وأما القسم الثاني والرابع والسادس وهي المستغلق والمشكوك والظني في الاعتقاديات فتنقسم إلى قسمين: الأول: ما اختلف حالُ الناس فيه، بأن يكون مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا في حق شخصٍ، وقطعيًّا عند شخصٍ آخر لوقوفه على [دلائل] تبلِّغه درجةَ القطع.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
الثاني: ما اتفق حالُ الناس فيه، بأن يكون مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا عند جميع الناس.
فالأول وإن كان يصدُق عليه التشابه فليس من المتشابه المراد في الآية لحديث «الصحيحين» كما مرَّ بيانه (^١). فلم يبقَ معنا إلَّا القسم الثاني، وهو ما يكون في الاعتقاد مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا، ولا يمكن علمه لأحدٍ من الخلق، وإلَّا فواتح السُّوَر.
فأما فواتح السور فإنها وإن كان يصدُق عليها التشابه فقد رأينا بعض الصحابة ومَن بعدهم خاضوا في تأويلها، ولم يُنكَر عليهم. ومع ذلك فلا يظهر وجهٌ قويمٌ لأن يُعدَّ الخائض فيها [ص ٥١] [من الذين في قـ] لوبهم زيْغٌ المحذَّر منهم في الحديث. فلم يبقَ معنا إلَّا ما يكون في الاعتقاد [مستغلقًا أو مشكـ] وكًا أو ظنيًّا، ولا يمكن علمه لأحدٍ من الخلق [فهو] المراد في الآية.
وأما تعيينُه فإن حديث الصحيحين [يدلُّ على أن] الصحابة كانوا يعرفون الآيات المتشابهات بأعيانها، وأن النبي - ﵌ - أخبرهم أنه وحذَّرهم منهم. ومن البيِّن أن الصحابة ﵃ لم يكونوا ليتبعوها مع كونهم كانوا خير القرون، فإن وُجِد من يتبعها فإنما هو بعدهم. [و] بتتبُّعِ أقوال الصحابة ﵃ في الاعتقاديات عرفنا أنهم لم يكونوا يتبعون [آيات] الصفات وكذا أحاديثها بتفسيرٍ ولا تأويل، وإنما كانوا يكتفون بالإيمان بها والتسليم لها.
وقد نشأ بعدهم مَن ابتّعها واعتقد الملازمةَ بين ثبوتِ مطلق اليد والوجه
_________________
(١) (ص ٤٥٨).
[ ٤ / ٤٦٠ ]
ونحوهما وثبوتِ الماهية والكيفية والكمية وغيرها من الحوادث، وهم فرقتان:
فرقة تتبعها بأن تعتقدَ ظاهرَ آياتِ الصفات وأحاديثها، وتعتقد التلازم، فتستدل بها على صريح التشبيه ولوازمه، حتى قال بعضهم (^١): [أعفو] ني من الفرج واللحية، وسلوني عما شئتم.
وفرقة اعتقدوا التلازم وعلموا أن ثبوت الماهية وغيرها من الحوادث يقضي بتنزُّهِ الله تعالى عنه، فصرفوها كلَّها عن ظاهرها وأوَّلوها.
وكلا الفرقتين ــ والله أعلم ــ هم الذين قال تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ وهؤلاء هم الفرقة الأولى ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وهم الفرقة الثانية.
هكذا ظهر لي أولًا، ثم رأيتُ الأَولى عدمَ التوزيع، بل الحق أن يُحمَل كلا الحكمين على كلا الفرقتين، فإن كلًّا منهما ابتغى الفتنة بخوضه فيما نُهِيَ عن الخوض فيه، وابتغى تأويل المتشابه، أي: بيان ما يؤول إليه معناه.
وأما الصحابة ﵃ ومَن اتبعهم فهم الذين قال تعالى فيهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ذلك هو المتشابه المراد في الآية.
_________________
(١) هو داود الجواربي من مشبّهة الروافض، كما سبق (ص ١٦٠).
[ ٤ / ٤٦١ ]
ملحق (٣) في الكلام على البدعة
ملحق ــ ٣ ــ
[ص ٥٢] توقيفية، لا يجوز فعلُ شيء منها إلا ما ثبت به الدليل. وهي ثلاثة أنواع: فرائض معلومة من الدين بالضرورة، [ونفلٌ مقيَّد يكون] له اسمٌ خاص، فإحداث نفلٍ كذلك ــ كصلاة الرغائب ــ بدعة ضلالة، ونفلٌ مطلقٌ، وهو
ـفية، وهو أيضًا ثلاثة أنواع: فرض معلوم من الدين بالضرورة، ونفلٌ مقيد، وهو [ما كان في زمن] خاص، كست شوال وتسع ذي الحجة، والبيض، وصوم يومٍ وفطر يوم، فإحداثُ صومٍ كذلك بدعة ضلالة، [كالتزام الإ] نسان صيامَ أحد عشرَ يومًا من أول صفر كل سنة، ونفلٌ مطلق [وهو ما لم] يجئ به زمن خاصّ.
[فالمطلو] ب في اتباعه في التطوع بالصلاة والصيام وقراءة القرآن هو ما ورد به دليلٌ خاص من السنة، وأن لا يُزاد على ذلك. [وفي الـ] صحيحين» (^١) عن أنس قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى أزواج النبي - ﵌ - يسألون عن عبادة النبي - ﵌ -، [فلما] أُخبِروا بها كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أين نحن من النبي - ﵌ - وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر؟ فقال [أحدهم]: أما أنا فأصلِّي الليلَ أبدًا، [وقال آخر: أنا أصوم الدهرَ ولا أُفطِر، وقال آخر: أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوَّج أبدًا]. فجاء النبي - ﵌ - إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقدُ، وأتزوج النساء، فمن رغبَ عن سنتي فليس منِّي».
_________________
(١) البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١).
[ ٤ / ٤٦٢ ]
وفي «الصحيحين» (^١) أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله - ﵌ -: «يا عبد الله! ألم أُخبَرْ أنك تصوم النهار وتقوم الليلَ؟» فقلتُ: بلى يا رسول الله! قال: «فلا تفعلْ، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فإنّ لجسدِك عليك حقًّا، وإنّ لعينِك عليك حقًّا، وإنّ لزوجِك عليك حقًّا، وإنّ لزَوْرِك عليك حقًّا. لا صامَ من صام الدّهرَ، صومُ ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ صومُ الدهر كلِّه. صُمْ كلَّ شهر ثلاثةَ أيام، واقرأ القرآن كلَّ شهر» قلت: فإني أطيقُ أكثر من ذلك، قال: «صُمْ أفضلَ الصوم صومَ داود: صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليالٍ مرةً، ولا تزِدْ على ذلك».
_________________
(١) البخاري (١١٥٣)، ومسلم (١١٥٩).
[ ٤ / ٤٦٣ ]
ملحق (٤) في اتباع الدعاء المأثور وعدم الزيادة عليه
ملحق ــ ٤ ــ
. . . . الصلاة على النبي - ﵌ -.
. . . . فنوعان: مقيَّد وغيره، فالمقيّد إما متعيِّن كتكبير الصلاة ، وإما غير متعيَّن كالأدعية عقبَ الصلاة وعند النوم والانتباه وغير ذلك. والمأثور في هذا أفضل، وكذا في سائر الأوقات التي لم [يُعيَّن فيها] ذكرٌ أو دعاءٌ مخصوص، فالأفضل اختيار ذكرٍ أو دعاءٍ من المأثور لو كان مقيدًا بغير ذلك. وأما إنشاء صيغة من صيغ الذكر أو الدعاء غير مأثورة عموم الأمر بالذكر والدعاء والصلاة على النبي - ﵌ -.
. [ثم] الذكر المأمور به هو ما تضمَّن ثناءً حسنًا وردَ في الشرع، فما خالفَ ذلك [فهو ممنوع] بدعةُ ضلالة. والدعاء المأذون فيه ما لم يكن فيه اعتداء، ومن الاعتداءِ الدعاءُ مكروه، وكالدعاء على مَن لم يظلمه، فما كان فيه اعتداءٌ فهو مخالفٌ للشرع. والصلاة على النبي - ﵌ - المأذون بها ما لم يكن فيها إطراءٌ محظورٌ ولا ارتكابٌ لمنهيٍّ ولا كذبٌ عليه - ﷺ -. ومن الكذب عليه - ﵌ - أن يُثنِيَ عليه بما لم يثبت، كأن يقول: اللهمَّ صلِّ على نبيك محمد الذي حمله جبريل على عاتقه، [فإن] ذلك كذبٌ عليه - ﵌ -.
وقد تواتر عنه - ﵌ - أنه قال: «من كذبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (^١). والمراد بالتعمُّد أن يكون القائل غيرَ عالمٍ بصحة ما قاله، ولهذا كان حاكي [الحديث] الضعيف بصيغة الجزم كاذبًا، على أن النبي صلى الله
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٩٧)، ومسلم (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ وجاء من حديث جماعة كثيرة من الصحابة.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
وسلم وبارك عليه غنيٌّ بما له من الفضائل والفواضل عن أن يغدق عليه أحدٌ بادعاءِ فضيلةٍ أخرى، وما مثلُه إلّا مثلَ ملِكٍ عظيم أمرَ طبَّاخَه أن يُصلِح له طعامًا، وأحضَر له من كل ما قد يحتاج إليه في الطبخ، فترك الطباخ ذلك وخرج إلى بيوت الجيران يسألهم للملك! فهل ترى هذه خدمةً للملك ومحبةً له أو إهانةً وإيهامًا أن الملك فقير؟ !
ومما يُنظر فيه زيادة «سيدنا» في الصلاة الإبراهيمية وفي التشهد وغيره، فإن بعضهم استحسن ذلك بحجة أنه زيادة إخبار بواقعٍ، مع أنه ليس في عدم ذكر ذلك في السنة ما يدلُّ على الكراهة، وقد قام الدليل أنه - ﷺ - [ص] سيِّد ولد آدم، وأن الثناء عليه وتوقيره من أعظم القُرَب. قال: وما رُوي من قوله - ﵌ -: [لا تُسيِّدوني في الصلاة] لا أصلَ له (^١)، ولو ثبت حُمِل على مطلق الإذن عنه - ﷺ - بعدم تسييده، كما فهم الصديق [من إشارته صلى الله عليه] وآله وسلم له بالثبات في الإمامة، حيث رجَّح حسنَ الأدب فتأخّر، فيتعارض هنا امتثال الأمر [مع حسن الأدب]، [وحسن] الأدب أولى اقتداءً بالصديق. وكذلك نقول في مخالفة الوارد، إذ لم يكن فيه التسييد، بل هو أولى مما مرَّ
[فالجواب:] هذه الزيادة يشعر أنها غير مشروعة؛ إذ لو كانت مشروعةً لأرشد إليها الشارع. وفي حديث [ابن مسعود] قال: قال رسول الله - ﵌ -: «أيها الناس! ليس من شيء يُقرِّبكم إلى الجنة ويباعدكم من النار [إلا قد أمرتُكم به» (^٢)]. فإن كان - ﵌ - يمنعُه من ذلك الحياءُ والتواضع كما
_________________
(١) انظر «المصنوع» (ص ٢٠٦) و«الأسرار المرفوعة» (ص ٣٨١) كلاهما للقاري.
(٢) أخرجه البغوي في «شرح السنة» (١٤/ ٣٠٣). وفي إسناده انقطاع بين زبيد اليامي وابن مسعود ﵁. وفي الباب حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عند مسلم (١٨٤٤).
[ ٤ / ٤٦٥ ]
يقولون فلابدَّ أن ويتحتم عليه - ﵌ - البيانُ، والله ﷿ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: ٣].
[فإن قيل:] فقد جاء في القرآن عمومات تقتضي ذلك، كقوله ﷿: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، [وقوله:] ﴿لَا (^١) تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وغير ذلك. والتعزير: التوقير، وهو التعظيم بالتسييد، ويُقاس على دعاء الرسول ذِكْرُه، فلا ينبغي أن نذكره كما يذكر بعضنا بعضًا.
[فالجواب] أن هذه التمسكات إنما تصلُح فيما لم يَرِدْ مبيَّنًا، فأما ما ورد مبينًا فالواجب الوقوف عنده، فكيف وقد مضى [عهدُ النبي]- ﵌ - وعهدُ أصحابه وتابعيهم ومَن بعدهم والأئمة الأربعة وغيرهم على عدم النطق بهذه [في] تلك المواضع؟ وقد عُلِم أن السنة تثبت بالترك كما تثبت بالفعل، ويتبعها في ذلك الإجماعُ.
ثم إن أنه ينبغي اتباع الألفاظ في الأذكار والأدعية المأثورة، وأن لا يُزاد ولا يُنقَص، ولا يغيَّر ولا يُبدَّل، [ولا يُقدَّم] ولا يؤخَّر، لأن في التغيير لشيء من ذلك إخراجًا لها عن كونها مأثورةً، وفي ذلك ذهابُ بركتها من كيف بما إذا كانت واجبةً كالتشهد.
ويقال لمن يرى ذلك: وهل ترى أن يُزاد ذلك في الأذان؟ [فإن قال: نعم] قال ما لم يقله أحدٌ، وجاء ببدعة منكرة خالف بها جميع الأمة، ويُرَدُّ عليه مع ذلك بما مرَّ وغيره. وإن قال: لا فلا يجيء بجوابٍ مقبول إلّا
_________________
(١) في الأصل: «يأيها الذين آمنوا لا » سهو.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
ألزم مثله في التشهد ونحوه.
وأما قولهم: «إن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر» [والاستدلال] بفعل الصديق، فهذا حيث كان المأمور به شيئًا يُخِلُّ بالأدب مع الأمر، وعُلِم أنه إنما أمر به تركًا لحقِّ نفسِه لا لمقتضٍ [آخر، فيكون] الأمر حينئذٍ لمجرد بيان الجواز، وحينئذٍ فيعارضُه حسنُ الأدب، فيتبين أن ذلك الفعل خلاف الأولى، وهذا هو الذي (^١)، فإن فعله ﵁ ليس حجةً، والنبي - ﵌ - لم يُقِرَّه، بل قال عقِبَ بأنه يفعله.
[وإن كان الأمر] لمقتضٍ آخر غير ترك حقِّ النفس، فإنه يتعيَّن امتثال الأمر جزمًا، سواء كان ذلك المقتضي يقتضي الوجوب أو فعدمُ امتثالِه مكروه أو خلاف الأولى، فيعارض حسن الأدب الذي تركه خلاف الأولى، مع أن مجرد عدم الامتثال حينئذٍ، فيقابل سوء الأدب بسوء الأدب، ويترجَّح جانب الامتثال بالمقتضي الآخر. بل إذا تحقق المقتضي الآخر سوء الأدب أصلًا.
إذا تقرَّر هذا فعدم التسييد في الصلاة الإبراهيمية ونحوها لأن المقام مقام دعاء الله ﷾، وهو يقتضي إفراد التعظيم له من كل وجه، مع ما يشير إليه حديث: [لا تسيِّدوني في] الصلاة، ويظهر من هذا أن النبي - ﵌ - أحبَّ أن لا يكون ذكره الملابس لذكر الله ﷿ كالصلاة عن أوصاف المدح الظاهرة، بل يُكتفَى فيه بما يكتفى به في ذكر سائر العباد. وهذا حسنُ أدبٍ منه وتواضعٌ لربه ﷿ لربه، ولم يتركه لنا حتى يسوغ لنا عدمُ الامتثال كما ساغ للصديق. فافهم الفرق.
_________________
(١) خرم في الأصل ولعله «فعله الصديق».
[ ٤ / ٤٦٧ ]
مع أن هذا الأدب منه مع ربه رضي لنفسه نحو ما رضيه الله له في أشرفِ مواطنه، قال ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقال تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]. وذكر الله ﷿ أنبياءه في مقام المدح بقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ [ص: ١٧]، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ [ص: ٤١]. وقال ﷿ في ردّه على إبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. ومثل ذلك كثير.
ثم إن قوله - ﷺ -: «كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» فزاد ذكر العبد عند الدعاء له ونحوه من أوصاف المدح مقتضيًا آخر غير مجرد التواضع؛ لأن التواضع إن أمكن في حق نفسه فكيف ، فلم يُعلِّمنا أن نقول: «كما صلَّيتَ على خليلك سيِّدنا إبراهيم» مثلًا. ولا ينافي هذا قولَه - ﵌ - في الدعاء للمدينة: « إبراهيم عبدك ونبيك وخليلك، وإني عبدك ونبيك» الحديث، فإن لكلِّ مقامٍ مقالًا، مع أنه قدَّم ذكر العبودية كما ترى.
[وفي «المشـ] كاة» عن نافع أن رجلًا عطسَ إلى جَنْب ابن عمر، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، قال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علَّمنا رسول الله - ﵌ -، [علَّمنا] أن نقول: الحمد لله على كلِّ حال. رواه الترمذي (^١)، وقال: هذا [حديث] غريب.
وفي حواشيه نقلًا عن «اللمعات»: قوله: «وليس هكذا» أي: ولكن ليس المسنون في هذه الحال هذا القول، وإنما الذي أن يقول: الحمد لله على كل حال فقط، من غير زيادة السلام فيه. على أنه ينبغي في الذكر والدعاء
_________________
(١) (٢٧٣٨).
[ ٤ / ٤٦٨ ]
الاقتصار على المأثور، من غير [زيادة] ونقص، فالزيادة في مثله نقصان في الحقيقة، كما لا يُزاد في الأذان بعد التهليل «محمد رسول الله - ﵌ -»
وفصل الخطاب في هذه القضية أنه قد عُلِم أن النبي - ﵌ - علَّم أصحابَه التشهدات بدون هذه الكلمة ونحوها، ونقلها أصحابه كذلك، ولم يرشدوا إلى الزيادة، ولا نُقِل فعلُها عنهم، وهكذا الحال فيمن بعدهم والسنة تثبُت بالترك كما تثبُت بالقول والفعل والتقرير، ويتبعها في ذلك الإجماعُ. قال الشوكاني [في «إرشاد الفحول» (^١) عن ابن السمعاني: إذا] ترك رسول الله - ﷺ - شيئًا وجبَ علينا متابعتُه فيه إلخ. وما اقتضته العمومات القرآنية الرسول - ﵌ - والثناء عليه، فيعمل بها فيما لم تكن السنة فيه عدمها، فإن الواجب في ما ورد.
وبعد، فقد مضى السلف الصالح على ما علمتَ، وقد كانوا أعلم بالله ورسوله وأشدَّ
_________________
(١) (١/ ١١٩).
[ ٤ / ٤٦٩ ]
ملحق (٥) في معنى «التأويل»
ملحق
_________________
(١) ٥ في معنى التأويل /وأما التأويل فهو تفعيل من آل يؤول أوْلًا، رجع رجوعًا معنويًّا مخصصًا، كما في قولك: طُبِخ الشراب فآل إلى قَدْر كذا، وجُفّف الرُّطب فآل إلى قَدْر كذا، واتَّجَر فلان وكان رأس ماله عشرة دَراهم فآل به الأمر إلى أن صار أغنى أهل بلده، وطلب فلانٌ العلم وكان من بيتٍ خامل فآل به الأمر إلى الشَّرَف والنباهة، وعهدي بفلان وهو يطلب العلم ولا أدري ما آل إليه أمره؟ والحاصل أن (آل) قريب من (صار) إلا أنه اعتُبر في (صار) التقدُّم وفي (آل) الرجوع، وقد يصلح أحدهما مكان الآخر لكن باعتبار آخر. تقول: جُفّف الرطب فآل إلى قَدْر كذا، أو فصار إلى قَدْر كذا، فتعتبر في الأول أن الرطب كان مقبلًا على النمو فلما جُفّف رجع إلى النقص، وتعتبر في الثاني أن الرطب لما شُرِع في تجفيفه أقبل على النقصان فما زال متقدّمًا فيه حتى صار إلى ذلك القَدْر. وكلما ضعف اعتبار الرجوع ضعف صلاحية (آل) تقول: صار الطفل شابًا، ولا تقل: آل. وتعدِّي (آل) بالتضعيف تقول: أوّلْتُ الشيء أي: جعلته آيلًا، تقول: جفّفتُ صاعًا من الرطب حتى أوّلته إلى نصف صاع. فتأويل الشيء هو جَعْله آيلًا. فإذا أطلق التأويل في شأن الكلام فقد يُراد به: تأويل اللفظ، أي: جعله آيلًا إلى أن يتّضِح معناه، كأنه اعْتُبِر مقبلًا على الخفاء والغموض، فإذا فسَّرته فقد أرْجَعْتَه إلى الوضوح، وهذا مرادف التفسير، وهو صادق على التفسير
[ ٤ / ٤٧٠ ]
بما يُناسب الظاهر، وعلى التفسير بما يخالف الظاهر.
أما ما يُناسب الظاهر فإنه إنما احتاج للتفسير لخفاءٍ ما، فكأنَّه كان مقبلًا على ذلك الخفاء فأُرجع إلى الوضوح.
وأما ما يخالف الظاهر فلأنّ المؤوِّل يدّعي أن المعنى الحقيقي هو خلاف الظاهر، فاعتَبَر اللفظ مُقبِلًا على الخفاء بالنسبة إلى المعنى الحقيقي، فأرْجَعَه إلى الوضوح بالنسبة إليه، وإن شِئت فقل: مقبلًا على الظهور بالنسبة إلى غير المعنى الحقيقي، فأرجعه إلى عدم ذلك. والأول أولى. ولا يُشترط لهذا معرفة الحقائق التي تضمّنها الكلام على وجه الإحاطة، بل يكفي من بعض الوجوه.
وقد يُراد به: تأويل المعنى، أي: جَعْله آيلًا إلى أن تُعْلَم الحقائق التي تضمّنها على وجه الإحاطة، كأنه اعتُبر مقبلًا على خفاء تلك الحقائق فأُرْجِع إلى الوضوح.
وقد يُراد به: تأويل الحقيقة، أي: جَعْلها آيلة إلى البروز والمشاهدة، كأنه اعتبر أنها كانت مقبلةً على الخفاء فأُرْجِعت إلى الظهور.
وقد يُراد به: نفس الحقيقة، من باب إطلاق المصدر وإرادة المفعول.
ومن الأول قول السلف: تأويل هذه الآية كذا وكذا، كما يقوله ابن جرير في «تفسيره».
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وقوله: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١]. وقوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١].
[ ٤ / ٤٧١ ]
فإن قول الملك: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] واضح المعنى، وتأويلُها بقوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ﴾ إلخ [يوسف: ٤٧] إنما هو تأويل للمعنى، أي: جَعْله آيلًا إلى أن تُعْلَم حقيقته، فعُلِمَ أن حقيقة السبع السمان: سبع سنين خصبة، والعِجاف: جدبة، ومشى عليه.
ومن الثالث قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: جَعْل الحقائق التي تضمّنها الإخبار عنها آيلةً إلى البروز قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]. [قال ابن عبا] س: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ تصديق ما وَعَد في القرآن. وعن قتادة: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: ثوابه جزاؤه، وعن السُّدِّي: عاقبته، وعن ابن زيد: حقيقته.
وقوله ﷿: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. ومنه قوله تعالى ــ حكايةً عن يوسف ــ: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في المنام ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧] التأويل.
ومنه قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. ومنه قول عائشة: «كان رسول الله ﵌ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن» (^١) جَعلتْ نفس دعائه هذا تأويلًا لقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤).
[ ٤ / ٤٧٢ ]
ومنه ما رُوي عن ابن مسعود: «إن القرآن نزل حيث نزل، فمنه آيٌ قد مضى تأويلهنّ قبل أن ينزل، ومنه آيٌ وقع تأويلهن على عهد النبي ﵌، ومنه آيٌ وقع تأويلهن بعد النبي ﵌ بيسير، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ في آخر الزمان، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ يوم القيامة، ما ذكر في الحساب والجنة والنار » (^١) إلخ.
ومنه ما رُوي عن سفيان بن عُيينة قال: السنة تأويل الأمر والنهي (^٢).
ومن الرابع قوله تعالى ــ حكاية عن يوسف ــ: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. جعل نفس الحقيقة التي هي سجود أبويه وإخوته له هي تأويل رُؤياه.
وإذا تقرّر هذا فلنعرض لفظ التأويل في آية المتشابه على كل واحدٍ من الأربعة المعاني فنقول:
أما المعنى الأول
_________________
(١) أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٣٨)، وذكره الثعلبي في «الكشف والبيان»: (٤/ ١١٧).
(٢) ذكره شيخ الإسلام في «الدرء»: (١/ ٢٠٦) وفي «التدمرية» (ص ٩٤).
[ ٤ / ٤٧٣ ]