مقدمة
دراسة وتحقيق: د/ محمُود عبد الرّحمن قدح
المُقَدِّمة
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله١، وخاتم أنبيائه ورسله، وأنّ موسى كليم الله ورسوله، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حقّ والنار حقّ٢.
أما بعد:
فإنّ القرآن الكريم - بجانب دعوته إلى التوحيد وبيان حقائق الإسلام وشريعته - قد عرض مقولات الأديان وآراء الملل والنحل المختلفة التي كانت منتشرة وقت التنزيل. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هَادُوا والصَّابِئِينَ والنَّصَارَى والمَجُوسَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصُلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَة إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْدٌ﴾ . [سورة الحجّ، الآية: ١٧] .
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ . [سورة الجاثية، الآية: ٢٤] .
وقد ناقش القرآن الكريم الأديان المنحرفة والعقائد الباطلة، وبرهن على بطلانها وفسادها، ودحض كلّ فرية وردّ كلّ مزعم، وأبان عن الدّين الصحيح الذي هو دين الأنبياء جميعًا، وأمر النّبيّ ﷺ والمسلمين بتبليغ الدعوة الإسلامية
[ ١ / ٥ ]
ومجادلة الخصوم. فقال الله عزوجل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلُوهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ . [سورة النحل، الآية: ١٢٥] .
لذلك كانت حياته ﷺ جهادًا في سبيل الدعوة الإسلامية بالحجّة والبرهان في مجادلة الكفار على اختلاف الملل والأديان، ثم بالسيف والسنان بعد ظهور الحجّة والبرهان، وكذلك كان أصحابه - ﵃ - من بعده ﷺ، فقد كان بعض الصحابة على اطِّلاع واسع وعميق على الأديان، وبخاصة اليهودية والنصرانية، كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي وغيرهم - ﵃ -.
وكذلك كان بعض التابعين وأتباعهم كمالك١ بن دينار، وكعب الأحبار، ووهب بن منبة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وغيرهم - ﵃ - ٢.
وحينما نشطت حركة التأليف والكتابة عند العلماء المسلمين، أفردوا العلم الأديان كتبًا ومؤلّفاتٍ خاصة به، ومن ذلك:
الإمام محمّد بن إدريس الشافعي (توفي سنة ٢٠٤هـ) له كتاب في
_________________
(١) ١ توفي سنة ١٣١هـ، وكان يقول: قرأت الزبور، ويقول: مكتوب في التوراة: ثم يسوق مقتبسات توراتية وزبورية. (ر: حلية الأولياء ٢/٣٧٦، ٣٧٧، لأبي نعيم) . ٢ ر: روايات الصحابة والتابعين وتابعيهم عن اليهود والنصارى في كتب التفاسير والتواريخ كتفسير ابن جرير الطبري وتاريخه.
[ ١ / ٦ ]
(تصحيح النّبوّة والرّدّ على البراهمة) ١، وآخر في (الردّ على أهل الأهواء) ٢.
عليّ بن ربن الطبري - كان نصرانيًا فأسلم - (توفي سنة ٢٤٧هـ) له (الرّدّ على أصناف النصارى) ٣ و(الدين والدولة في إثبات بنوة النبي ﷺ) ٤.
والإمام أبو الحسن الأشعري عليّ بن إسماعيل (توفي سنة ٣٤٤هـ) له كتاب في مذاهب النصارى، وآخر في الكلام على النصارى٥. والعلاّمة ابن حزم الظاهري (توفي سنة ٤٥٦هـ) له (الفصل في الملل والأهواء والنحل) .
ومحمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (توفي سنة ٥٤٨هـ) له (الملل والنحل) .
والمفسر محمّد بن عمر الرازي (توفي سنة ٦٠٦هـ) له (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين) .
والإمام ابن تيمية (توفي ٧٢٨هـ) له (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح)، وغيرهم من العلماء الكثيرين الذين أسهموا في هذه السلسلة المباركة في علم الأديان التي استمرت إلى يومنا هذا.
ولقد كانت جهود هؤلاء العلماء بتأثير مباشر من القرآن الكريم الذي وضع أسس علم الأديان، فكان لعلمائنا بذلك فضل السبق في تدوين هذا العلم مستقلًا
_________________
(١) ١ يدلّ ذلك على أنّ البراهمة ينكرون النبوة والرسالة كما هو معروف عند معظم الأديان، وقد أفادني فضيلة المشرف بأن البراهمة لا ينكرون النبوة والرسالة وإنما حرفوها إلى عقيدة (الأفتار) وهي نزول الربّ إلى الأرض في صورة البشر لتبليغ الشريعة. (ر: فصول في أديان الهند ص ١٠٧، تأليف أ. د/ محمّد ضياء الرحمن الأعظمي) . ٢ ذكر ذلك عبد القاهر البغدادي في أصول الدين ص ٣٠٨. ٣ نشرة الأبوان خليفة وكوتشك في بيروت سنة ١٩٥٩م، بدون تحقيق. ٤ حققه ونشره الأستاذ عادل نويهض. ٥ ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري، ص ١٢٩، ١٣٠، ١٣٥.
[ ١ / ٧ ]
مستقلًا عن العلوم الأخرى، وفي وضع المنهج السليم له بالاعتماد على المصادر الأصلية لكلّ ديانةٍ بعيدًا عن الأساطير والشائعات، وفي النقد البنَّاء الهادف لإظهار الحقّ وإزهاق الباطل.
ومن هؤلاء العلماء الذين أسهموا بحظٍّ وافرٍ في هذا العلم القاضي الفقيه أبو البقاء صالح بن الحسين الجعفري الهاشمي المتوفى سنة ٦٦٨هـ، الذي يعتبر من المتخصصين في هذا العلم، وذلك بحسب ما وقفت على ترجمته وبعض آثاره العلمية وهي: كتاب (تخجيل مَنْ حرَّف التوراة والإنجيل) و(البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) و(الرّد على النصارى) .
لذلك كان اختياري دارسة وتحقيق كتابه (تخجيل مَنْ حرَّف التوراة والإنجيل) ليكون موضوع رسالتي المقدَّمة لنيل الشهادة العالمية العالية (درجة الدّكتوراه)، نظرًا لأهمية الكتاب في موضوعه الذي يتضمن الرّدّ على اليهود والنصارى، ولأنّه بمثابة الأصل لكتابيه الآخرين، ولاشتماله على الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة، ولعدّة مميّزات أخرى سنتبيّنها - إن شاء الله تعالى - من خلال دراسته. إضافة على ما سبق فإن اختياري لهذا الموضوع له أسباب عديدة من أهمّها:
١- العمل بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وتطبيق المنهج القرآني في المبادرة بالهجوم على العقائد الباطلة والمفاهيم الخاطئة بهتك أستارها وبيان فسادها وتناقضها، وذلك من أنواع الجهاد الذي قال عنه النّبيّ ﷺ: " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"١.
_________________
(١) ١ رواه أنس بن مالك ﵁ وأخرجه الإمام أحمد (٣/١٠٠)، وأبو داود (٣/١٠)، والنسائي (٦/٧)، والحاكم (٢/٨١)، وصحّحه، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٨ ]
٢- إنّ في دراسة الأديان والفرق ومعرفة أسرارها فوائد عديدة منها:
أنّها تمكن الدَّاعية من النجاح في دعوته - بعد توفيق الله وعونه - حيث إن معرفة الداعية بدين المدعو يساعدهكثيرًا في التأثير فيه وتخليصه من رواسب العقائد الباطلة، فيكون ذلك أدعى لقبول الحقّ.
ومنها: الوقوف على أسباب انحراف اليهود والنصارى وغيرهم، من باب معرفة الشرّ لتوقيه.
ومنها: زيادة الإيمان بديننا، والحمد الشكر لخالقنا عزوجل، فمن الظلام نعرف قيمة النور ومن الباطل نعرف قيمةالحقّ.
ومنها: أنّ بمعرفة حقيقة الأديان الباطلة يعرف بطلان ما يشبه أقوالهم من أقوال أهل الإلحاد والبدع.
٣- إنّ في إبراز تراث علمائنا المسلمين في هذا العالم تأكيدًا لأصالته وهويته الإسلامية واستمداده من الكتب والسنة، وتأكيدًا لتأثير التراث الإسلامي في حركة النقد للتوراة والأناجيل المحرفة عند أحبار اليهود والنصارى ومفكِّريهم المتأخرين.
ولإعطاء هذا الموضوع حقّه من البحث - حسب جهدي المتواضع وعلمي القاصر - وجلبًا للفائدة التي يتوخاها الباحث قسمت عملي في دراسة الكتاب وتحقيقه إلى قسمين كالآتي:
القسم الأوّل: دراسة المؤلّف وكتابه، ويشتمل على بابين هما:
الباب الأوّل: التعريف بالمؤلِّف، ويندرج تحته فصلان: (الأوّل: عصر المؤلِّف، والثاني: حياة المؤلّف) .
[ ١ / ٩ ]
الباب الثاني: التعريف بالكتاب وبيان منهج التحقيق، وتحته فصلان: (الأوّل: التعريف بالكتاب، والثاني: التعريف بالمخطوطة وبيان منهج التحقيق) .
القسم الثّاني: نص الكتاب المحقَّق، ويشتمل على عشرة أبواب.
ثم وضعت خاتمة ذكرت فيها أبرز الصعوبات التي واجهتها في البحث وأهمّ النتائج والتوصيات التي ارتأيتها، وقمت بوضع فهارس متنوعة للبحث ليسهل على القارئ الاستفادة منه.
وفي ختام هذه المقدِّمة فإني أحمد الله عزوجل وأشكره كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه عزوجل على نعمه الظاهرة والباطنة، وأسأله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته ﵎. ثم أتوجه بالشكر والامتنان للوالدين الكريمين على حسن تربيتهما وتوجيههما، فجزاهما الله خير الجزاء وأجزل مثوبتهما في الدنيا والآخرة.
ثم أشكر كلّ من أعانني في إتمام هذا البحث وإخراجه، وأخصّ بالذكر أستاذي فضيلة الأستاذ الدكتور محمّد ضياء الرحمن الأعظمي الذي أشرف على هذا البحث فأفادني من علمه وأخلاقه فجزاه الله عني خير الجزاء في الدنيا والآخرة.
كما أسجل عظيم شكري وامتناني للجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة التي نشأت في رعايتها منذ المرحلة الثانوية، حفظها الله وأدامها لخدمة الإسلام والمسلمين وسدد خطى القائمين عليها والمسؤولين فيها.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين.
المحقِّق: محمود بن عبد الرحمن قدح
[ ١ / ١٠ ]
القسم الأول: الباب الأول: التعريف بالمؤلف
الفصل الأول: عصر المؤلف
الفصل الأوّل: عصر المؤلِّف
إنّ العصر الذي يعيشه الإنسان له دور بارز في حياته وتكوين شخصيته لذلك كان على الباحث الذي يدرس شخصية من الشّخصيات أو أثرًا من آثارها أن يكتب - ولو على وجه الإيجاز - عن النواحي السياسية والعلمية والاجتماعية السائدة في ذلك العصر، ليقف على مدى تأثير وتأثر تلك الشخصية بأحداث عصرها.
وقد عاش المؤلِّف القاضي الإمام صالح بن الحسين الجعفري في الفترة ما بين نهاية القرن السادس ومنتصف القرن السابع الهجريين.
الحالة السياسية:
كان القرن السادس ومنتصف القرن السابع الهجري من فترات العصر العباسي الثاني الذي ضعفت فيه الخلافة العباسية وتفككت إلى دويلات صغيرة، وظهرت ممالك مستقلة عنها، ولم يكن للخليفة العباسي إلاّ السلطة الاسمية على بغداد وما جاورها. أما السلطة الفعلية فكان للسلاجقة في بلاد فارس والمشرق وما رواء النهر، وللغزنويّين في بلاد الهند وخراسان، وللفاطميّين في مصر حتّى سنة ٥٦٧هـ، ثم انتقلت إلى الأيوبيّين الذين بسطوا سلطانهم إلى بلاد الشام، والموحدّين في الأندلس والمغرب، والصليحيّين في
[ ١ / ١٥ ]
اليمن١.
وكانت الصورة العامة في ذلك العصر اضطراب الأمن وعدم الاستقرار وانتشار الفتن والثورات والقلاقل وكثرة الحروب الداخلية بين الأمراء والملوك المتنازعين على السلطة والطامعين فيها، مما أدّى إلى ضعف قوّة المسلمين في مواجهة الحروب الخارجية ومن أبرزها الحروب الصليبية التي كانت تشنها دول أروبا على العالم الإسلامي، والغزو المغولي التتري الذي أدّى إلى القضاء على الخلافة العباسية وتدمير عاصمتها بغداد سنة ٦٥٦هـ.
ولم يكن الحال مختلفًا عن ذلك في مصر، حيث عاش المؤلِّف بداية حياته في كنف الدولة الأيوبية الفتية التي أسسها الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٦٩هـ، وورثها من بعده أبناؤه إلى أن انتهت الدولة الأيوبية وأفل نجمها سنة ٦٤٨هـ، وكان عمر المؤلِّف حينئذٍ (٥٧)، عامًا، ثم عاش بعد ذلك بقية عمره في ظلّ دولة المماليك البحرية٢.
أما السلاطين والملوك الذين عاصرهم المؤلِّف فهم:
١- السلطان الملك الناصر صلاح الدّين الأيوبي ت سنة: ٥٨٩هـ.
٢- السلطان الملك العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين ت سنة: ٥٩٥هـ.
٣- السلطان الملك المنصور محمّد بن السلطان الملك العزيز عثمان، وقد خلعه الملك العادل سنة ٥٩٦هـ.
٤- السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدين ت ٦١٥هـ.
٥- السلطان الملك الكامل محمّد بن العادل الصغير أبو بكر ت ٦٣٥هـ.
_________________
(١) ١ ر: الدولة العباسية ص ٤٣٠، محمود الخضري، تاريخ الإسلام ٦٣١/ ٤_٢٣٢، د. حسن إبراهيم. ٢ هم الملوك الأراك.
[ ١ / ١٦ ]
٦- السلطان الملك العادل الصغير أبو بكر بن الكامل محمّد، وقد خلعه الأمراء سنة ٦٣٧هـ.
٧- السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمّد ت ٦٤٧هـ.
٨- السلطان الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، وقد قتله المماليك سنة ٦٤٨هـ. وبموته انتهت الدولة الأيوبية من ديار مصر وانتقلت إلى دولة المماليك الأتراك.
٩- وتولت السلطنة من بعده الملكة شجرة الدر زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب وتزوجت الأمير عزّ الدين أيبك التركاني ونزلت له عن السلطنة وكانت مدة سلطنتها ثمانين يومًا.
١٠- السلطان الملك المعزّ أيبك التركاني ت سنة: ٦٥٥هـ.
١١- السلطان الملك المنصور نور الدين عليّ بن الملك المعزّ أيبك، تولى السلطنة وعمره خمس عشرة سنة، وقيل: عشر، وقد خلعه الأمير سيف الدولة قطز سنة ٦٥٧هـ.
١٢- السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي، وقد قتله الأمير بيبرس سنة ٦٥٨هـ، واستولى على الحكم.
١٣- السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري العلائي ت سنة: ٦٧٦هـ بدمشق١ وفي عهده توفي المؤلِّف - ﵀ - سنة ٦٦٨هـ.
ويلاحظ من خلال هذا العرض السريع كثرة من تولوا حكم مصر في هذه الفترة، ويرجع ذلك إلى أن منهم من قتل أو خلع من الحكم، إما لسوء تدبيره في الحكم، أو سوء سيرته، أو لطمع الطامعين في السلطة.
_________________
(١) ١ ر: الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين، ص ٢٢٠-٢٨٣، لابن دقماق، خطط المقريزي ٣/٨٤-٩٣.
[ ١ / ١٧ ]
وأما عن أبرز الأحداث التي حصلت في الفترة التي عاشها المؤلِّف فهي كالآتي:
أوّلًا:
- الجهاد الإسلامي الذي قاده ملوك الأيوبيّين ثم المماليك ضدّ غزوات الفرنجة (الأوربيّين) النصارى على العالم الإسلامي ضمن سلسلة ما يسمى بالحروب الصليبية التي بدأت منذ نهاية القرن الخامس الهجري وانتهت عسكريًا١ في نهاية القرن السابع الهجري، وقد كان الدافع لهذه الحروب الصليبية هو الحقد النصراني على العالم الإسلامي ثم الطمع والجشع في غزو ونهب ثروات البلاد الإسلامية واتّخاذ دعوى نصرة النصرانية واسترجاع بيت المقدس ستارًا لذلك، ولقد خاض المسلمون في هذه الفترة معارك ضارية ضدّ ثلاث حملات صليبية هي الحملة الخامسة والسادسة والسابعة.
- أما الحملة الصليبية الخامسة فقد كانت في سنة ٦١٥هـ، وقام الصليبيّون٢ بمهاجمة ومحاصرة مدينة دمياط بمصر، وكان سلطان الدولة الأيوبية إذ ذاك الملك العادل أبو بكر الذي مات أثناء حصار دمياط، فاضطربت أمور الدولة واستطاع الصليبيّون احتلال دمياط سنة ٦١٦هـ، ثم الانطلاق منها لغزو القاهرة، وكان الملك الكامل ابن الملك العادل قد تولى السلطنة بعد وفاة أبيه، ونادى بالنفير العام، واستنجد بأخويه الملك عيسى صاحب دمشق، والملك الأشرف صاحب حلب فحضرا بجيوشهما لخدمته، لما اجتمعوا ساروا إلى دمياط والتقوا مع الصليبيّين في المنصورة سنة ٦١٨هـ في معركة فاصلة كان النصر للمسلمين والهزيمة للكافرين واستسلامهم
_________________
(١) ١ أما فكريًا، فلا تزال الحروب الصليبية مستمرة إلى يومنا هذا متمثلة في الغزو الفكري الغربي وحملات التنصير والاستشراق بأسلحتها المتنوعة الإعلامية والفكرية والاقتصادية. ٢ بقيادة ملك بيت المقدس (مملكة عكا النصرانية) حنابرين، وملك النمسا ليوبولد السادس، وملك المجر أندريه الثاني الذي رجع إلى بلاده قبل حصار دمياط.
[ ١ / ١٨ ]
وخروجهم من مصر صاغرين، وهكذا انتهت هذه الحملة بهزيمة منكرة وفشل ذريع١.
وأما الحملة الصليبيّة السادسة فقد كانت أيضًا في عهد الكامل ابن الملك العادل، وكان قائدها الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني الذي وصل بأسطوله الحربي إلى عكا سنة ٦٢٦هـ، وفاوض فريدريك الملك الكامل - الذي كان آنذاك بالشام لخلاف بينه وبين أخيه الملك عيسى صاحب دمشق - على أن يرد المسلمون إلى النصارى ما كان صلاح الدين قد استرجعه منهم، فوقعت المصالحة بين الإمبراطور فريدريك والملك الكامل على أن يردوا لهم بيت المقدس وحده دون الأماكن المقدسة الإسلامية وأن تبقى بقية البلاد بأيدي المسلمين٢.
وعندما استولى الملك الصالح أيوب من الملك الكامل على السلطنة في مصر سنة ٦٣٧هـ، كانت له عداوة مع بقية بني أيوب بالشام خاصة عمه الملك الصالح إسماعيل الذي تحالف مع الصّليبيّين وتنازل لهم عن بعض البقاع منها طبرية وصيدا لمساعدته في حربه ضدّ الملك الصالح أيوب فلم يكن أمام الملك الصالح أيوب (صاحب مصر) إلا الاستعانة بالقبائل الخوارزمية من وراء الفرات سنة ٦٤٢هـ لمحاربة عسكر الشام المتحالف مع الفرنجة، وجرت معارك شديدة بين الفريقين انتصر فيها الملك الصالح أيوب على أعدائه جميعًا سنة ٦٤٢هـ، وأعاد بيت المقدس إلى السيادة الإسلامية٣.
_________________
(١) ١ ر: بدائع الزهور في وقائع الدهور ١/٢٥٨-٢٦٣، لأبي البركات محمّد بن أحمد بن إياس، الجوهر الثمين ص ٢٣٥، وفيات الأعيان ٤/١٧٢، لابن خلكان. ٢ ر: الجوهر الثمين ص ٢٣٥، البداية والنهاية ١٣/١٢٣، ١٢٤، الحروب الصليبية في المشرق والمغرب ص ١١٣-١١٦، لمحمّد العروسي. ٣ ر: النجوم الزاهرة٦/٣٢١-٣٢٤،لابن تغري بردي، البداية والنهاية١٣/١٦٤-١٦٥.
[ ١ / ١٩ ]
كان استرجاع بيت المقدس من النصارى سببًا في قيام الحملة الصليبية السابعة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع١ سنة ٦٤٧هـ، ضدّ البلاد المصرية - التي كانت لها السيادة على الأماكن المقدسة - وقامت أساطيله الحربية باحتلال مدينة دمياط، ولما وصلت الأخبار بذلك إلى الملك الصالح أيوب أمر بإشهار النداء في مصر والقاهرة بالنفير عامًا، وخرج الملك الصالح بجيشه لصدّ زحف الصليبيين المتّجهين نحو القاهرة وأثناء الحرب ونشوب المعارك توفي الملك الصالح إلاّ أنّ زوجته شجرة الدر أنقذت الموقف وأخفت موته إلاّ عن بعض خاصة القواد وقامت معهم بتدبير الأمور إلى حين وصول ولي العهد الملك توران شاه بن أيوب وتوليه السلطة سنة ٦٤٨هـ، وقيادة الجيوش ضدّ الصليبيين في معركة فاصلة قاسية كنت الغلبة فيها للمسلمين والهزيمة المنكرة للصليبيين، وأسرّ فيها قائدهم الملك لويس التاسع الذي افتدى نفسه بمبلغ كبير وعاد إلى بلاده مدحورًا٢، وبذلك انتهت هذه الحملة التي تعتبر آخر الحملات الصليبية على الشرق الإسلامي.
أما عن جهاد ملوك دولة الممالك، فإن الملك الظاهر بيبرس لما تولى السلطنة في مصر أخذ يهاجم الصليبيّن ويحرر منهم الحصون والمدن كقيسارية٣، وأرسوف صفد٤، ويافا والشقيف٥، وأنطاكية وغيرها عنوة أو مصالحة، وما إن توفي الظاهر بيبرس سنة ٦٧٦هـ، حتى انحصرت الإمارات الصليبية في منطقة
_________________
(١) ١ في الجوهر الثمين: إفرنسيس، وفي النجوم: ريدا فرنس. ٢ ر: الجوهر الثمين ص ٢٤٤-٢٤٨، النجوم الزاهرة ٦/٣٦٢-٣٦٨، البداية والنهاية ١٣/١٧٨، الحروب الصّليبيّة ص ١١٧-١٢٢ للعروسي. ٣ ر: الجوهر الثمين ص ٢٧٧-٢٩٢، لابن دقماق، الحروب الصّليبيّة ص ١٣١، للعروسي. ٤ مدينة بفلسطين بين يافا وحيفا. (ر: المنجد في الأعلام ص ٥٦٠) . ٥ قلعة بمدينة صفد بفلسطين. (المرجع السّابق، ص: ٤٢٧) .
[ ١ / ٢٠ ]
ساحلية صغيرة لا تعدو عكا وطرابلس١.
ثانيًا:
ومن أبرز الأحداث المؤلمة في هذه الفترة الزمنية الغزو المغولي على العالم الإسلامي الذي قضى على الخلافة العباسية ودمر عاصمتها بغداد سنة ٦٥٦هـ، واستولى المغول التتار على بلاد الشام وغيرها من بلاد المسلمين وعاثوا في الأرض قتلًا وحرقًا ودمارًا وفسادًا مما لا مثيل له في التاريخ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
ثالثًا:
حينما عزم التتار على غزو مصر بعد استيلائهم على الشام، اتّفق الأمراء المماليك على تولية الملك المظفر قطز سنة ٦٥٧هـ، الذي أعد العدة لملاقاة التتار وأعلن النفير العام في القاهرة وسائر الأقاليم بالخروج إلى الجهاد ومقاتلة التتار الذين انهزموا شرّ هزيمة في معركة عين جالوت٢ بيان٣ سنة ٦٥٨هـ٤، وكانت نهاية الخرافة السائدة بأن المغول لا ينهزمون، وبداية تحرير البلاد الإسلامية منهم. ولله الحمد.
رابعًا:
إعادة الخلافة العباسية في مصر على يد الملك ظاهر بيبرس سنة ٦٥٩هـ، بعد هدمها وانقطاعها في بغداد، وتولية المستنثر بالله أحمد بن الإمام الظاهر
_________________
(١) ١ قلعة بالقرب من قضاء النبطية بجنوب لبنان. (المرجع السّابق، ص: ٣٧) . ٢ بليدة شرق دارين بين بيسان ونابلس من أعمال فلسطين. (ر: معجم البلدان / ٧٦، ياقوت الحموي) . ٣ مدينة بالأردن بالغور الشمالي. (ر: معجم البلدان ٣/٦٠) . ٤ ر: الجوهر الثمين ص ٢٦٤-٢٦٩، السلوك ١/٤٣١، الخطط ٢/٢٣٨، للمقريزي النجوم الزاهرة ٧/٧٩-٨٢.
[ ١ / ٢١ ]
بالله محمّد الخلافة العباسية ومبايعته بالقاهرة١.
تلك كانت أهمّ الأحداث وأبرزها في عصر المؤلِّف باختصار، ويهمنا الآن معرفة دور المؤلِّف فيها، وما مدى تأثيرها فيه؟
لم تذكر المصادر٢ التي ترجمت للمؤلّف - ﵀ - دورًا بارزًا له في تلك الأحداث، إلاّ أنّها ذكرت أنّ المؤلِّف صالح بن الحسين الجعفري كان قاضيًا في مدينة قوص٣ مدة وواليا عليها مدة أخرى، وقد استنجت من ذلك أنّ المؤلِّف كان له دور علمي أثناء الحروب الصليبية وغيرها - بحكم ما تولاه من الوظائف المهمّة في الدولة ومكانته الاجتماعية والعلمية والقيادية - في حثّ الناس على الجهاد والخروج لصدّ الغزاة وحماية الأعراض والبلاد، وترغيب الناس في الصدقة، وجمع الأموال لإعداد الجيوش، خاصة حينما أعلن الملك الكامل والملك الصالح والملك المظفر قطز النفير العام في مصر.
وبجانب جهاد المؤلِّف بالسيف والسنان كان له أيضًا جهاد القلم واللسان والحجّة والبرهان ضدّ الصليبيّين وأعوانهم من اليهود، وبيان فساد دينهم وما هم عليه من الباطل والخذلان.
ويظهر لنا هذا الجانب بحسب ما وقفت عليه من كتبه في الرّدّ على اليهود والنصارى ومنها: (تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل) و(الرّدّ على النصارى)، و(البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) .
_________________
(١) ١ ر: الجوهر الثمين ص ١٧٩-١٨٥، البداية والنهاية ١٣/٢٣١-٢٣٢. ٢ سيأتي ذكر هذه المصادر. (ر:) . ٣ قوص: مدينة في مصر على ضفة النيل الشرقية (محافظة قنا)، تبعد عن القاهرة (٨٠٠كم) تقريبًا في جنوب الصعيد، أصبحت في القرن السابع الهجري (القرن ١٤م) أولى مدن الصعيد وثانية المدن المصرية، فكانت مدينة كبيرة عظيمة وأهلها أرباب ثروة واسعة وهي محط التجار القادمين من عدن، وهي شديدة الحر لقربها من البلاد الجنوبية. (ر: معجم البلدان ٤/٤١٣، لياقوت الحموي، المنجد في الأعلام ص ٥٥٨، الموسوعة الميسرة ١٤٠٧) .
[ ١ / ٢٢ ]
وقد أكد لنا المؤلِّف أداءه لهذا الواجب في ذكره سبب تأليف كتابه (البيان الواضح) أنّه كان من باب الذَّبِّ عن الدين والجهاد القامع للملحدين١.
الحالة الاجتماعية:
كان المجتمع المصري يتألف من عدة طبقات: طبقة أهالي البلاد الأصليّين السنيّين الذين يؤلفون الأغلبية الساحقة من المصريّين، ثم طبقة المغاربة الذين قامت الدولة الفاطمية على أكتافهم ويدينون بالمذهب الشيعي مذهب الفاطميّين، ثم طبقة الأتراك الذين كثر عددهم في مصر منذ أيام الدولة الطولونية سنة ٢٥٤-٢٩٢هـ، وظهر أمرهم في عهد الخليفة الحاكم الفاطمي، ثم طبقة السودانيّين الذين كثر عددهم في مصر منذ أيام كافور الإخشيد سنة ٣٥٥-٣٥٧هـ. وظهر أمرهم منذ أيام الحاكم الفاطمي الذي استعان بهم ضدّ الأتراك٢، ثم ظهرت طبقة أخرى في عهد المماليك وهم التتار الذين قدموا إلى مصر في أوائل عهد السلطان بيبرس وازداد عددهم في عهد السلطان كتبغا سنة ٦٩٥هـ٣.
كما كان يعيش في المجتمع المصري المسلم طائفة أهل الذّمّة (وهم اليهود والنصارى) التي تدفع الجزية للدولة الإسلامية مقابل حمايتها وتمتعها بحريتها الدّينية في ظلّ التسامح الإسلامي. وقد تعددت فرق أهل الكتاب وطوائفهم في مصر على النحو الآتي:
_________________
(١) ١ ر: مقدمة كتاب: (البيان الواضح المشهود) ورقة ٥ / أ. ٢ ر: مصر في العصور الوسطى ص ٤٦١، عليّ إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام ٤/٦٢٧، ٦٢٨، د. حسن إبراهيم. ٣ ر: مصر في العصور الوسطى ص ٤٧٨، د. عليّ إبراهيم.
[ ١ / ٢٣ ]
أما اليهود فكانوا أقلية بالنسبة للنصارى، وينقسمون إلى ثلاث فرق رئيسة هي:
١- فرقة الربانيّين: وهم جمهور اليهود، ومنهم يكون رئيس اليهود المشرف على الطوائف اليهودية الأخرى.
٢- ثم يليهم في العدد فرقة القرائين.
٣- ثم فرقة السامريّين (أو السامرة) وكانوا أقلية صغيرة العدد في مصر١.
وقد كان لكلّ من فرق اليهود كنائسها الخاصّة بها، وقد أحصى المقريزي إحدى عشرة كنيسة في القاهرة والفسطاط وأقاليم البلاد المصرية، وكلّها محدث في الإسلام على حدّ قوله٢.
أما النصارى فقد انقسموا إلى ثلاث فرق رئيسة هي:
١- اليعاقبة (مذهب اليعقوبية) وهم الأقباط الذين يمثلون أغلبية النصارى في مصر.
٢- الملكية أو الملكانية: وهم أقلية بالنسبة لليعاقبة كما أنهم في غالبيتهم من أصول غير مصرية كالروم وغيرهم، ومن ثمّ اشتدت العداوة بينهم وبين الأقباط.
وكان لكل فرقة بطريرك خاص بها يتولى تنظيم الشؤون الداخلية لجماعته وفقًا لقوانينهم والإشراف على الكنائس والأديرة وما يتعلق بها، وتحديد مواعيد أعيادهم ومواسمهم وتنظيم علاقة أبناء طائفته بالدولة٣.
_________________
(١) ١ ر: صبح الأعشى ١١/٣٨٥، ٣٨٨، ٣/٢٥٣، ٢٥٧، ٢٦٨، للقلشندي. ٢ الخطط ٢/٤٦٣، ٤٧٤. ٣ ر: صبح الأعشى ١١/٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٧، أهل الذمة ص ٣٤، ١٠٣-١٨٠، د. قاسم عبده.
[ ١ / ٢٤ ]
٣- النسطورية: وهم أقلية صغيرة العدد في مصر١.
وقد انتشرت كنائس النصارى في كلّ أنحاء مصر، وكانت غالبيتها ملكًا لليعاقبة بحكم كونهم الأغلبية، فقد أحصى المقريزي ما يزيد على اثنتين وثمانين كنيسة لليعاقبة في الوجه القبلي، كما امتلك النصارى الملكية بعض الكنائس في القاهرة والفسطاط، ووجدت بعض كنائس للأرمن والنساطرة٢.
أما فيما يتعلق بالناحية الاقتصادية في مصر زمن الأيوبيّين وعصر المماليك البحرية فقد كانت منتعشة، وكان المال يأيتها من موارد عدّة، منها: الجزية التي كانت تصلها من الإمارت، والضرائب المعتادة التي تجبى من الشعب، إضافة إلى غنائم الحروب وغيرها، ولم تحدث في عهد الأيوبيّين إلاّ مجاعة واحدة في عهد السلطان العادل سنة٥٩٦هـ استمرت نحو ثلاث سنوات، كان سببها انخفاض مياه النيل، فانتشر القحط، وهرب الناس من مصر إلى الشام وغيرها ومات الناس من التعب والجوع واشتدّ الغلاء٣.
تلك صورة موجزة عن المجتمع المصري زمن المؤلّف، نتعرف من خلالها بعض المؤثّرات في شخصية المؤلّف وتكوينه، إذ لا يخفى أن للبيئة الاجتماعية التي تحيط بالإنسان تأثيرًا فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سلبًا أو إيجابًا.
وقد كان المؤلِّف - بحكم وظيفته قاضيًا لمدينة قوص وواليًا عليها - على اتّصال وثيق بمختلف طبقات الشعب مسلمهم وذميهم، كبيرهم وصغيرهم، واطلاع على أمورهم ومشكلاتهم، وتحكيم شرع الله فيهم وإقامة العدل
_________________
(١) ١ خطط المقريزي ٢/٥١٠، الانتصار لواسطة عقد الأمصار ص ١٠٧، لابن دقماق. ٢ خطط المقريزي ٢/٥١٦-٥١٨، الانتصار لواسطة عقد الأمصار ص ١٠٧-١٠٩، أهل الذّمّة ص ١٢٩، ١٣٠، د. قاسم. ٣ السلوك ١/١٥٦، للمقريزي، البداية والنهاية ١٣/٢٢، ٢٩، مصر في العصور الوسطى ص ٣٨٠-٣٨٣.
[ ١ / ٢٥ ]
والقسط بينهم، وقد كان للاحتكاك المباشر بين المؤلِّف القاضي واليهود والنصارى أثر في تأليف كتبه في الرّدّ اليهود والنصارى، خاصة إذا ما علمنا أن مدينة قوص من المدن الرئيسة التي كان يعيش فيها عدد كبير من الذّميّين، فقد ذكر بنيامين التطيلي - الذي قام برحلة إلى مصر في عصر الأيوبيّين - أنّه وجد بقوص حوالي ثلاثمائة يهودي١، كما ذكر المؤرخ المقريزي أنه كان بقوص وأسوان إحدى عشرة كنيسة للنصارى٢، فقد كان من الطبيعي أن يقوم المؤلِّف الفقيه بجوابه في الدعوة إلى الإسلام بأن يبيّن لليهود والنصارى بطلان ما يعتقدونه من العقائد الفاسدة وما يتمسكون به من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة ويقدّم لهم النصيحة الواجبة المؤيّدة بالأدلة النقلية والبراهين العقلية لاعتناق الإسلام والانضمام إلى أهل الإيمان، وقد أوضح المؤلِّف أن من أسباب تأليفه لكتاب (التخجيل) هو القيام بما أُمِر به المسلمون في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهِم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، كما بيَّن المؤلِّف خلال كتابه بعضًا من نشاطه في مجال الدعوة عن طريق المناظرة والمحاورة لأحبار اليهود والنصارى بإبطال شبههم وإقامة الحجّة عليهم وإلزامهم بالاعتراف بنبوّة سيدنا محمّد ﷺ.
_________________
(١) ١ ر: كتاب (رحلة بنيمين التطيلي) ص ١٧٣، ترجمة وتعليق عزرا حداد - طبعة بغداد سنة ١٩٤٥م، نقلًا من كتاب أهل الذّمّة في مصر ص ٢١،٦٠،د. قاسم عبده. ٢ ر: الخطط ٣/٥٧٩.
[ ١ / ٢٦ ]
الحالة العلمية:
إنّ الحوادث المؤلمة والغزوات المتكررة على العالم الإسلامي من التتار والصليبيّين تركت آثارًا سيّئة وخطيرة على الحركة العلمية، فقد قتل الأئمة والعلماء وهدمت المساجد والمدارس وأحرقت المكتبات وأتلفت الكتب، ولكن على الرغم من ذلك فإن الحركة الفكرية والثقافية في ذلك العصر كانت مزدهرة ازدهارًا كبيرًا، فقد ظهر الأئمة والعلماء والأعلام في مختلف العلوم منهم:
محمّد بن عمر بن حسين الرازي المفسر ت سنة: ٦٠٦هـ، وعبد الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة المقدسي، ت سنة: ٦٢٠هـ، وعلي بن محمّد الشيباني المعروف بابن الأثير المؤرخ ت سنة: ٦٣٠هـ، وعلم الدين عليّ بن محمّد بن عبد الصمد السخاوي ت سنة: ٦٤٣هـ، وابن التلمساني شرف الدين عبد الله بن محمّد الفهري ت سنة: ٦٤٤هـ، وابن الحاجب عثمان بن عمر ت سنة: ٦٤٦هـ، ونجم الدين مختار بن محمود الزاهدي الغزميني ت سنة: ٦٥٨هـ، والعزّ ابن عبد السلام المعروف بسلطان العلماء ت سنة: ٦٦٠هـ، ومحمّد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي المفسر ت سنة: ٦٧١هـ، وأبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي ت سنة: ٦٧٦هـ، وشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ت سنة: ٦٨٤هـ، وغيرهم ممن يصعب حصرهم والإحاطة بهم.
كما نشطت مراكز علمية في الأندلس وغيرها، وانتشرت المؤلَّفات النافعة في العلوم المختلفة وتنافس الناس على اقتنائها ودراستها وقد ساعد على هذه الحركة العلمية وازدهارها عدّة عوامل من أبرزها:
_________________
(١) اعتناء الملوك والولاة بالعلم وتشجيعهم وإكرامهم للعلماء.
(٢) تولي العلماء للمناصب المهمّة والعالية في الدّولة واحترام الناس لهم وتقديرهم.
[ ١ / ٢٧ ]
٣- كثرة المدارس والمراكز العلمية التي تنشأ في البلاد الإسلامية.
٤- توافر خزائن الكتب في المساجد والمدارس وانتشار المكتبات العلمية العامّة والخاصّة.
وقد توافرت تلك العوامل في مصر، حيث عاش المؤلِّف ﵀، فقد عرف عن ملوك الأيوبيّين والمماليك حبهم وتقديرهم للعلم والعلماء، فكان السلطان صلاح الدين الأيوبي ت سنة: ٥٨٩هـ، يحبّ العلماء وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم، حتى صار لكثرة مخالطته بهم وأخذه عنهم من كبار الفقهاء١، وكذلك كان ابنه بعده الملك العزيز عثمان الذي سمع الحديث من الحافظ السلفي والفقيه أبي طاهر بن عوف الزهري وغيرهم٢، وكذلك كان من بعده الملك العادل أبو بكر٣.
ثم كان الملك الكامل الذي يحضر مجلسه الفقهاء كلّ ليلة ويتحدث معهم ويشاركهم في علومهم ويبيت معهم كواحد منهم٤، ويتنافس العلماء في إهداء كتبهم ومؤلَّفاتهم إليه، فقد أهدى إليه المؤلِّف صالح بن الحسين الجعفري كتابه: (العشر المسائل) وتسمّى أيضًا: (البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) الذي ألّفه في عهد الكامل سنة ٦١٨هـ، وأهداه إليه ليقمع به أشطان طاغية الروم الأبتر الشيطان الذي أرسل إلى السلطان الكامل عدّة
_________________
(١) ١ ر: الجوهر الثمين ص ٢٢٤، ٢٢٥، النجوم الزاهرة ٨/٩، ٥٦. ٢ ر: وفيات الأعيان ٣/٢٥١، لابن خلكان، الجوهر الثمين ص ٢٣٠، النجوم الزاهرة ٦/١٢٧-١٢٩. ٣ ر: النجوم الزاهرة ٦/١٦٣. ٤ ر: وفيات الأعيان ٥/٨١، الجوهر الثمين ص ٢٣٨، النجوم الزاهرة ٦/٢٢٧، ٢٢٨، خطط المقريزي ٣/٣٣٩.
[ ١ / ٢٨ ]
مسائل يطلب من المسلمين الجواب عنها، وكان ذلك سبب تأليف المؤلِّف لذلك الكتاب١.
كما أهدى الإمام أحمد بن إدريس القرافي كتابه: (أدلة الوحدانية في الرّدّ على النصرانية) إلى السلطان الكامل٢.
وكذلك كان الملك الصالح نجم الدين يكرم العلماء ويحبّهم ويسمع منهم ويبالغ في إكرامهم ويجري على أهل العلم الجرايات٣.
أما عن ملوك المماليك فإن السلطان الظاهر بيبرس كان محبًّا للعلماء ومقربًا لهم، وبنى المدارس والجوامع الكثيرة٤.
أما عن المدارس والمراكز العلمية فقد كانت كثيرة جدًّا، نذكر منها٥:
١- المدرسةالناصريةوقد بناها السلطان صلاح الدين في عام٥٦٦هـ.
٢- المدرسةالصلاحية وبناها السلطان صلاح الدين في عام٥٧٢هـ.
٣- المدرسة الفاضلية أسسها القاضي الفاضل عبد الرحيم ت سنة: ٥٩٦هـ، وكان من أكابر العلماء في عصر الأيوبيّين.
٤- المدرسة الشريفية وقفها الأمير الشريف فخر الدين أبو نصر إسماعيل بن ثعلب الجعفري الزيني أحد أمراء مصر في الدولة الأيوبية ت سنة: ٦١٢هـ.
٥- المدرسة الكاملية وهي دار الحديث بناها الملك الكامل في عام ٦٢١هـ.
_________________
(١) ١ مقدمة كتاب: (البيان الواضح المشهود) - مخطوط، الورقات ٤، ٥. ٢ ر: مقدمة كتاب (أدلة الوحدانية) ص ١٩-٢١، تحقيق عبد الرحمن دمشقية. ٣ ر: السلوك ٢/٣٠٨، ٣٤٠، النجوم الزاهرة ٦/٣٣١. ٤ ر: النجوم الزاهرة ٧/١٨١، عصر سلاطين المماليك ١/٢٧. ٥ ر: للتوسع خطط المقريزي ٣/٣١٣-٣٨٣، حسن المحاضرة ٢/٢٥٧-٢٧٠.
[ ١ / ٢٩ ]
٦- المدرسة الصالحية وهي أربع مدارس للمذاهب الأربعة بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب في عام ٦٣٩هـ.
٧- المدرسة الظاهرية وبناها الملك الظاهر بيبرس في عام ٦٦٢هـ.
وكانت هذه المدارس وغيرها تعنى بتدريس العلوم الدينية والأدبية والعقلية، كما كانت تلك المدارس والمساجد والقصور تلحق بها خزائن الكتب (المكتبات) التي تحتوي على أمّهات الكتب وأنفسها وأوسعها في سائر العلوم.
بذلك نرى أن البيئة العلمية المحيطة بالمؤلِّف ساعدته كثيرًا في تكوينه العلمي وعلى تحصيل العلم والاجتهاد فيه حتى أصبح من العلماء البارزين الذين كانت لهم التصانيف العديدة المفيدة ونال ثقة الولاة والحكام في تعيينه قاضيًا في مدينة قوص وواليًا عليها، خاصّة إذا ما علمنا أن مدينة قوص قد نشطت أثناء الحروب الصليبية حينما استولى الصليبيّون على فلسطين وعلى ثغورها فازداد خطرهم وأصبح الطريق المألوف لحجاج بيت الله الحرام غير مأمون، فأصبحت مدينة قوص من المدن الرئيسة المهمّة التي يمرّ بها حجاج بيت الله القادمين من الأندلس وشمال أفريقيا، فكثرت بها المدارس والمعاهد والمساجد وقصدها العلماء ونزلوا فيها، وبزغ منها علماء في مختلف العلوم، وكثر فيها الأدباء والشعراء؛ لأنّها أصبحت محط رحال الحجيج١.
ومن هؤلاء العلماء الذين درسوا العلم ودَرَّسوه في قوص: شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن محمود الأصفهاني توفي سنة: ٦٨٨هـ٢، وجلال الدّين أحمد بن عبد الرحمن الكندي الدشنادي توفي بقوص سنة ٦٧٧هـ٣، والقاضي
_________________
(١) ١ ر: الغزو الصليبيب والعالم الإسلامي ص ٢٢٩، ٢٣٠، عليّ عبد الحليم محمود، الموسوعة الميسرة ١/١٤٠٧. ٢ ر: طبقات الشافعية ٨/١٠١، للسبكي، حسن المحاضرة ٢/١٦٤. ٣ ر: طبقات الشافعية ٨/٢٠، للسبكي.
[ ١ / ٣٠ ]
بهاء الدين القفطي هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل، كان قيمًا بالمدرسة النجيبية قوص توفي سنة ٦٩٧هـ١، وتقي الدين بن دقيق العيد محمّد بن عليّ بن وهب القشيري، تفقه على والده بقوص وتفي سنة: ٧٠٢هـ٢، والحسين بن أبي بكر بن عياض بن موسى السبتي القوصي توفي سنة ٦٨٢هـ٣، وغيرهم.
_________________
(١) ١ ر: طبقات الشافعية ٨/٣٩٠. ٢ ر: طبقات الشافعية ٩/٢٠٧. ٣ ر: معجم المؤلِّفين ٣/٣١٧.
[ ١ / ٣١ ]
الفصل الثاني: حياة المؤلف
حياة المؤلِّف
إنّ بعض الشّخصيات التّاريخية لا تحظى بما تستحقّه من الاهتمام والدراسة من المؤرخين على الرغم من تميز تلك الشّخصيات بمميزات وصفات عديدة تؤهلهم لذلك.
وإنّ المؤلِّف صالح بن الحسين الجعفري من أولئك الذين قَلَّ حظّهم ونصيبهم عند المؤرخين. وقد بذلت ما في وسعي من الجهد والوقت سعيًا وراء ترجمة وافية للمؤلِّف في بطون كتب المؤرخّين والتاريخ، وبعد توفيق الله عزوجل وقفت على بعض المصادر التاريخية١ التي ذكرت تاريخ ولادة المؤلِّف، ووفاته وبعض المعلومات المهمة عنه علمًا بأن من سبقني إلى دراسة المؤلِّف وآثاره؛ وهو د. محمّد محمد حسانين الذي قام بدراسة شاملة وتحقيق كتاب (الرّدّ على النصارى، لصالح بن الحسين الجعفري) لم يذكر تاريخي ولادة ووفاة المؤلِّف، واكتفى في الترجمة بما في كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان.
_________________
(١) ١ ذكرت ترجمة المؤلِّف في المصادر الآتية: ذيل مرآة الزمان ٢/٤٣٨، لأبي الفتح اليونيني المتوفى سنة ٧٢٦هـ. تاريخ الإسلام، للحافظ الذهبي المتوفى سنة ٧٤٥هـ (مخطوطة بدار الكتب المصرية، ورقة ٧٤/أللسنوات ٦٦٣-٦٨٠هـ) الوافي بالوفيات ١٦/٢٥٦، صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ. كشف الظنون ١/٣٧٩، حاجي خليفة. هداية العارفين ٥/٤٢٢، إسماعيل البغدادي. معجم المؤلِّفين ٥/٦، عمر رضا كحالة. الأدب الجدلي والدفاعي في اللغة العربية بين المسلمين والنصارى واليهود ص ٣٦، ١٤١، ٤٠٩، للمستشرق مورتز (باللغة الألمانية) . تاريخ الأدب العربي ١/٥٥٣، والذيل ١/٧٦٦، كارل بروكلمان (بالألمانية) .
[ ١ / ٣٣ ]
١- اسمه ونسبه:
هو صالح بن الحسين بن طلحة بن الحسين بن محمّد بن الحسين الهاشمي الجعفري الزينبي١.
ومن المعلوم أن لقب (الهاشمي) نسبة إلى بني هاشم القرشيّين، وأما لقب (الجعفري) فنسبة إلى جعفر بن أبي طالب، الملقب بالطيار وذي الجناحين، شهيد مؤتة ﵁ وينتسب إليه جماعة، منهم أبو الحسن عليّ بن الحسن الجعفري السمرقندي٢، ومحمّد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر٣، والأمير الكبير الشريف فخر الدين أبو نصر إسماعيل بن حصن الدولة فخر العرب ثعلب بن يعقوب بن مسلم الجعفري الزينبي٤، ومحمّد بن الحسن بن العربي بن محمّد الحجوي الجعفري الزينبي٥.
_________________
(١) ١ كذا أورده أبو الفتح اليونيني في ذيل مرآة الزمان، وبمثله أورده الذهبي ما عدا ذكر اسم الجدّ الرابع في النسب وهو (الحسين) . وبمثل ذلك نقله الصفدي عن الذهبي. أما الباقون فقد ذكروه مختصرًا كالآتي: صالح بن الحسين الجعفري. ٢ ذكره ابن الأثير الجزري في اللباب في تهذيب الأنساب ١/٢٨٣. ٣ ذكره الزبيدي في تاج العروس من جواهر القاموس ١٠/٤٤٦. ٤ ذكره المقريزي في الخطط ٣/٣٣٢، وقال عنه: كان أمير الحاج والزائرين وأحد أمراء مصر في الدولة الأيوبية، أوقف مدرسة نسبت إليه باسم (المدرسة الشريفية) وتمّ بناؤها سنة اثنتي عشرة وستمائة وهي من مدارس الفقهاء الشافعية اهـ. ٥ توفي سنة ١٣٧٦هـ، (ر: الأعلام ٦/٩٦، للزركلي، مقدمة تحقيق كتاب (الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي) للدكتور عبد العزيز القارئ) .
[ ١ / ٣٤ ]
وقد سكن الجعافرة بمصر في إسنا١ بالصعيد الأعلى وهم قبائل كثيرة٢، ولهم قرية تنسب إليهم٣. وكانوا بادية أصحاب شوكة يحالفون الأمويّين المقيمين هنالك٤. ويرى الأستاذ عبد الله خورشيد أن الجعافرة عاشوا في مصر منذ القرن الثالث على الأقل وأنهم هاجروا إلى أرض الأشمونيّين في هجرة قريش إلى تلك المنطقة٥.
وأما لقب (الزينبي) فنسبة إلى بطن من ولد عليّ الزينبي ابن عبد الله الجواد بن جعفر الطيار، نسبة إلى أمّه زينب٦ بنت عليّ - ﵁ -، وأمّها فاطمة الزهراء - ﵂ -.
٢- كنيته ولقبه:
أجمعت المصادر التي ذكرت المؤلِّف على أن كنيته: (أبو البقاء) ٧، ولكن لم تذكر تلك المصادر عدد أولاده أو أسماءهم.
وقد اشتهر المؤلِّف بلقبين هما:
الأوّل: (تقي الدين)، ذكره اليونيني والذهبي والصفدي.
_________________
(١) ١ وهي الآن من المدن الكبيرة بمحافظة قنا المصرية. (ر: موسوعة المنسرة ١/١٣٩٩) . ٢ ر: تاج العروس ١٠/٤٤٧، للزبيدي، لسان العرب ١٧/٢٣٥، لابن منظور، معجم البلدان ١/١٢١، ٣/٢٤٧، ٤/٢٣٥، لياقوت الحموي، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة ١/١٩١، عمر رضا كحالة. ٣ ر: لب اللباب في تحرير الأنساب ص ٦٥، للسيوطي. ٤ ر: البيان والإعراب ص ٣٢، للمقمريزي. ٥ ر: القبائل العربية في مصر في القرون الثلاثة الأولى للهجرة ص ٢٥. ٦ زينت بنت عليّ بن أبي طالب الهاشيمة، سبطة رسول الله ﷺ. قال ابن الأثير: "إنها ولدت في حياة النبي ﷺ، زوجها أبوها ابن أخيه عبد الله بن جعفر فولدت له أولادًا، وكانت مع أخيها لما قتل". (ر: الإصابة٨/١٠٠)،وينسب إليهافي مصرمسجدها، توفيت سنة ٦٥هـ، ودفنت بقناطرالسباع بمصر. (ر: أعلام النساء٢/٩١،٩٩ عمر كحالة) . ٧ وحرفت هذه الكنية إلى (أبي التقي) في كتاب الوافي بالوفيات للصدفي، ولعله خطأ مطبعي.
[ ١ / ٣٥ ]
الثاني: (قاضي قوص) لتوليه القضاء بها مدّة، ذكره الذهبي والصفدي.
٣ - ولادته ونشأته:
ولد المؤلِّف في سنة إحدى وثمانين وخمسائة من الهجرة النبوية الشريفة١ بمصر، وكانت سنة ولادته في السنة الخامسة عشرة من ولاية السلطان صلاح الدين الأيوبي على مصر، وفيها أيضًا توفيت زوجة السلطان صلاح الدين٢.
وقد نشأ المؤلِّف في بيت سلالة النبوة والعلم والإمارة، فقد كان لآل جعفر الهاشميّين منزلة رفيعة في الدولة الأيوبية حيث كان منهم الأمراء والقضاء.
٤- شيوخه وتلاميذه ومؤلَّفاته:
مما لا شكّ فيه أن المؤلِّف قد طلب العلم على عدد من أهل العلم حتّى أصبحت له المكانة العلمية التي تؤهله لتولي القضاء في مدينة قوص التي تعتبر ثاني المدن المصرية أهمية في ذلك الوقت. ثم تولى ولايتها مدّة من الزمن، غير أن المصادر التاريخية لم تذكر لنا شيوخه وتلاميذه سوى ما ذكره الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام فقال: "إن المؤلِّف سمع من عليّ بن البناء٣ وغيره وحدَّث ، وحدَّث عنه الدمياطي"٤.
_________________
(١) ١ ر: ذيل مرآة الزمان ٢/٤٣٨، تاريخ الإسلام ورقة ٧٤/أوقد وقع خطأ مطبعي في كتاب الوافي بالوفيات للصفدي حيث ذكر أن المؤلِّف ولد سنة إحدى وثمانين. ٢ ر: النجوم الزاهرة ٦/٩٨. ٣ هو: الشيخ الجليل المسند أبوالحسن عليّ بن أبي الكرم نصربن المبارك الواسطي الأصل البغدادي ثم المكّي الخلال ابن البناء، قال عنه الذهبي: "راوي الجامع عن عبد الملك الكروخي، وما علمته روى شيئًا غيره، حدَّث به بمكّة والإسكندرية، ومصر ودمياط وقوص، وحدَّث به جماعة، مات بمكّة في صغر وقيل في ربيع الأوّل سنة ٦٢٢هـ". (ر: سير أعلام النبلاء ٢٢/٢٤٨،النجوم الزاهرة ٦/٦٣،شذرات الذهب٥/١٠١) . ٤ ترجم له الذهبي فقال: "عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف، والعلامة الحجة شرف الدين، أبو محمّد الدمياطي، الشافعي، أحد الأئمة الأعلام، وبقية نقاد الحديث، ولد سنة: ٦١٣هـ، واشتغل بدمياط وأتقن الفقه، ثم طلب الحديث ورحل وسمع من عدّة أشياخ بدمشق وبحران والموصل والحرمين، وله تصانيف متقنة في الحديث والعوالي والفقه، توفي سنة: ٧٠٥هـ بالقاهرة". (ر: سير أعلام النبلاء ١/٥٠٢، النجوم الزاهرة ٨/٢١٨) .
[ ١ / ٣٦ ]
أما مؤلَّفاته؛ فقد اتّفق أبو الفتح اليونيني مع الحافظ الذهبي على القول بأن للمؤلِّف تصانيف عدّة مفيدة، لكنهما لم يذكرا أسماء مؤلَّفاته، وقد وقفت - بفضل الله عزوجل وتوفيقه - على ثلاثة من مؤلَّفاته المعروفة هي:
١- تخجيل مَن حرّف الإنجيل١.
٢- البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود٢؛ (كتاب العشر المسائل) .
٣- الرّدّ على النصارى٣.
٥- عقيدته ومذهبه الفقهي:
قد يتبادر إلى ذهن القارئ لأوّل وهلة حينما يقرأ اسم المؤلِّف صالح ابن الحسين الجعفري٤ أنه ينتمي إلى المذهب الجعفري الإمامي الرافضي، المعروف بمذهب: (الشيعة الاثني عشرية)، وهذا وهمٌ باطلٌ، فإنّ المؤلِّف صالح بن الحسين الجعفري من أهل السنة على المعنى العام الذي يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدا الرافضة، وهذا اصطلاح العامة، (لأنّ الرافضة هم
_________________
(١) ١ وهو الكتاب الذي بين أيدينا، وسيأتي الحديث عنه. ٢ ذكره رضا كحالة في معجم المؤلفين ٥/٦، وتوجد نسخة منه بالمتحف البريطاني تحت رقم: أ. د. د. ١٦٦٦١. ٣ توجد نسخة منه بمكتبة آياصوفيا تحت رقم: ٢٢٤٦م، بتركيا، وقام د. محمّد محمد حسنانين بتحقيقه ونشره. ٤ وهو الاسم الذي ذكرته المصادر المتأخرة ككشف الظنون وهداية العارفين ومعجم المؤلفين وتاريخ التراث العربي كما تقدم بيانه. ر: ص: ٤١.
[ ١ / ٣٧ ]
المشهورون عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السني إلاّ الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناه لست رافضيًا) ١.
والأدلة على أنّ المؤلِّف من أهل السنة على هذا المعنى ما يأتي:
١- دعاؤه للصحابة - ﵃ - في مقدمة كتابه بعد البسملة والحَمْدَلة٢، ثم دعاؤه بأن يرضى الله عن الصحابة جميعًا، وإقراره بأنهم أعيان الأمة، وإيراده لحديثين في فضل الصحابة٣.
٢- استدلاله بالأحاديث التي روواها الصحابة كأبي بكر وعمر وأبي هريرة وغيرهم - ﵃ - ٤.
٣- إيراده لمناقب بعض الصحابة كأبي بكر وعمر وأنس وسعد بن أبي وقاص وغيرهم٥.
٤- ذكره لكرامات أبي بكر وعمر وعليّ والعلاء بن الحضري والبراء بن مالك وعمران بن الحصين وأبي أمامة وابن عباس وغيرهم٦ - ﵃ أجمعين -.
٥- إثباته لخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ - ﵃ - على الترتيب٧.
_________________
(١) ١ ر: مجموع الفتاوى ٣/٣٥٦، لابن تيمية، منهاج السنة النبوية ٢/٢٢١، لابن تيمية. ٢ ر: ص: ١٠٦ من الكتاب المحقَّق. ٣ ر: ص: ١٣٠، ١٣١ من الكتاب المحقَّق. ٤ ر: الباب العاشر القسم الثاني. ٥ ر: ص: وما بعدها من الكتاب المحقَّق. ٦ ر: ص: وما بعدها من الكتاب المحقَّق. ٧ ر: ص:.
[ ١ / ٣٨ ]
وقد تقدم بيان أن لقب (الجعفري) نسبة إلى جعفر الطيار رضي الله عنه١.
أما على المعنى الأخصّ لأهل السنة - الذي يراد به أهل السنة المحضة الخالصة من البدع، ويخرج به سائر أهل الأهواء والبدع كالخوارج والجهمية والمرجئة والأشاعرة وغيرهم، ويبين ذلك قول الإمام ابن تيمية: "فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلاّ من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول: إنّ القرآن غير مخلوق وإنّ الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة"٢، - فعلى هذا المعنى فإنّ المؤلِّف - غفر الله لنا له - متأثر بمنهج الأشاعرة فيما يبدو لي من خلال كتابه (التخجيل) في بعض المسائل المحدودة التي أشار إليها وهي كالآتي:
١- إثباته سبع صفات لله عزوجل، وهي التي يسمّيها الأشاعرة صفات المعاني٣، ثم تأويله لصفات الاستواء، والنُّزُول، والوجه، والعين، واليد، والقدم٤.
٢- نفيه أن يكون لشيء من أفعال الله تعالى علّة مشتملة على حكمة تقتضي إيجاد الفعل أو عدمه٥، وهذا الأصل تسمّيه بعض كتب الأشاعرة بـ: (نفي الغرض عن الله) ويعتبرونه من لوازم التَنْزيه.
_________________
(١) ١ وفي ذلك ردّ على الرافضة، فهذا رجل من آل عليّ وآل جعفر ومن بني هاشم يوالي أبا بكر وعمر وبقية الصحابة ويتبرأ ممن يعادونهم. ٢ منهاج السّنّة النّبويّة ٢/٢٢١. ٣ ر: ص: من الكتاب المحقَّق. ٤ ر: ص: ٥ ر: ص: من الكتاب المحقَّق.
[ ١ / ٣٩ ]
٣- قوله: (إنّ النُّزُول والصعود والحركة والسكون هي أدلة حدث العالم عند المحقّقين) ١، وهذه طريقة الأشاعرة في الاستدلال على حدث العالم ثم الاستدلال على وجود الله، ويسمّونه (دليل الحدوث والقدم) .
ومع ذلك فإنّه لا يجدر بنا أن نسند الرأي إلى الشخص لمجرد أنه ذكره في كتاب له، بل ينبغي أن نعرف أوّلًاَ الظروف التي أحاطت بالمؤلِّف حين ألّف الكتاب الذي نحن بصدده، هل ألّفه لنفسه أو لغيره؟ وتحت أي تأثير عامل من العوامل ألّفه؟ ٢.
فما هو ظاهر أنّ المؤلِّف - ﵀ - قد ألّف كتابه في الرّدّ علىاليهود والنصارى خاصّة، فهو يورد أحيانًا على الخصوم كثيرًا من الاعتراضات والآراء التي لا يرتضيها هو كدليل عقلي يمكن الاستدلال به على ما يريده، ولكن يورده على أنه يجوز أن يعارض بها الخصم ولا يستطيع الخصم أن يدفع معارضته بها، ومقصوده من ذلك أن يبيّن للخصم أن الآراء الباطلة كافية أن يدخض بضها بعضًا.
كما يبدو لي أنّ سبب تأثر المؤلِّف - عفا الله عنا وعنه - بمنهج الأشاعرة يرجع إلى نشأته وحياته في كنف الدولة الأيوبية التي كان ملوكها وقضاؤها قد تلقوا العقيدة الأشعرية وحفظوها من أساتذتهم، فحملوا كافة الناس في أيام دولتهم على التزامه في مواجهة المذهب الفاطمي الشيعي، وكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام بحيث نسي غيره من المذاهب وجهل٣.
_________________
(١) ١ ر: ص: من الكتاب المحقَّق، وقد قمت بالتعليق على تلك المواضع ببيان مذهب أهل السنة والجماعة فيها وإبطال بعض شبه المخالفين، ولله الحمد. ٢ ر: مقدمة تحقيق د. سليمان دنيا لكتاب (تهافت الفلاسفة للغزالي) ص ٥٦،بتصرف. ٣ ر: خطط المقريزي ٣/٢٧٩، ٢٨٠، ٣٠٦.
[ ١ / ٤٠ ]
وفي ختام الحديث عن عقيدة المؤلِّف - رحمه الله تعالى - نقول كما قال الإمام الذهبي في حقّ المفسّر قتادة بن دعامة الذي كان يرى القدر، قال: "لعلّ الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنْزِيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل، ثم إنّ الكبير من أئمة العالم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحقّ، واتّسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتّباعه، ويغفر له زلَلُه، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم. ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك"١.
أما مذهبه الفقهي فإنّه كان شافعي المذهب فيما يبدو لي، حيث كان مؤسّس الدولة الأيوبية صلاح الدين شافعيًا، وعمل على القضاء على الدولة الفاطمية الشيعية، فصرف جميع القضاة الشيعيّين وعين بدلهم قضاة من الشافعية السنيّين وفَوَّض القضاء لصدر الدين عبد الملك بن درباس الشافعي، فلم يستنب عنه في أقاليم مصر إلاّ من كان شافعي المذهب مثله، ومن ثم انتشر المذهب الشافعي في مصر وما تبعها من الأقاليم٢.
وبقي الأمر كذلك في مصر طوال عهد الأيوبيّين وطرفا من عهد المماليك إلى أن ولي أمر مصر السلطان بيبرس الذي وَلَّى بمصر والقاهرة أربعة قضاة: شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي واستمر ذلك من سنة خمس وستين وستمائه٣.
_________________
(١) ١ ر: سير أعلام النبلاء ٥/٢٧١. ٢ ر: خطط المقريزي ٣/٢٩٧، الروضتين في أخبار الدولتين ١/١٩١، لأبي شامة، تاريخ الإسلام السياسي ٤/٣٧٨، ٣٧٩، د. حسن إبراهيم حسن، مصر في العصور الوسطى ص ٣٤٩، د. عليّ إبراهيم حسن. ٣ ر: خطط المقريزي ٣/٢٨٠.
[ ١ / ٤١ ]
٦- شخصيته العلمية وثناء العلماء عليه:
لقد كان المؤلِّف - ﵀ - شخصية علمية فذّة متعددة الجوانب وذا ثقافة واسعة متنوعة، يدلّنا على ذلك بعض آثاره العلمية التي وقفت عليها وما ذكره المؤرّخون في ترجمته، وموجز القول في ذلك أنّه كان مُتخصِصًا في العلوم الآتية:
١- علم الفقه وأصوله، يدلّ على ذلك توليه القضاء في مدينة قوص، فإنّ من شرط القاضي أن يكون من أهل الاجتهاد١.
٢- علم الأديان وخاصّة اليهودية والنصرانية، ويبدو لنا اهتمام المؤلِّف بهذا العلم وبروزه فيه واشتهار ذلك عنه بين العلماء فيما صَرَّح به المؤلِّف في مقدمة كتابه: (تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) ٢، إضافة إلى بعض مؤلَّفاته التي عثرت عليها وهي: (البيان الواضح المشهود في فضائح النصارى واليهود)، و(الرّد على النصارى) وقد تقدم الحديث عنها.
٣- علم المناظرة والجدل، وهو ظاهر في كتبه السابقة التي تبيّن أنّ المؤلِّف ذو نفس طويل في المناظرة والإقناع، فإذا أراد إثبات مسألة أو نفيها وبيان بطلانها فإنه يأتي بالأدلة النقلية العقلية ويأخذ بمجامع القول والمسألة ويسدّ على خصمه الطريق ويواصل البحث والنقاش من جميع الوجوه والجوانب المحتملة حتّى يلزم الخصم ويفحمه.
وقد ذكر لنا المؤلِّف في كتابه: (التخجيل) بعض المناظرات والمجادلات التي جرت بينه وبين أحبار اليهود والنصارى في بيان بطلان ما يعتقدونه٣، وهذا
_________________
(١) ١ ر: المغني ١٤/١٢، ١٤، لابن قدامة، تحقيق د. عبد الله التركي، ود. عبد الفتاح الحلو. ٢ ر: من الكتاب المحقَّق. ٣ ر: ص:، وغيرها من المواضع في الكتاب المحقَّق.
[ ١ / ٤٢ ]
دليل آخر على تمكنه في المناظرة ومقارعة الخصوم.
٤- علم الأدب، ويبيّن لنا اهتمام المؤلِّف بالأدب وبروزه فهي أيضًا ما ذكره أبو الفتح اليونيني في ترجمة (بأنه كان أحد الفضلاء العارفين بالأدب وغيره وله خطب حسنة ونظم جيد) .
وقال فيه الذهبي: "بأنه كان عارفًا بالأدب وله خطب ونظم ونثر ".
ونقل ذلك عنه صلاح الدين الصفدي في كتابه: (الوافي بالوفيات وأراد أن يضيف على ما نقله من الذهبي بعض الأبيات الشعرية للمؤلِّف إلاّ أنّ النسخة المخطوطة لكتاب الوافي بالوفيات فيها بياض بمقدار خمسة أسطر في المكان الذي ذكرت فيها تلك الأبيات الشعرية١.
ومما يدل على سعة اطلاع المؤلِّف على الأدب والشعر استشهاده بالأبيات الشعرية في كتابه: (التخجيل) ٢ وكثرة إيراده لها.
وقد عثرت على منظومة نثرية للمؤلِّف، تظهر الناحية الأدبية فيه، وهي صيغة يمين مغلظة كتبها المؤلِّف ليحلف بها اليهود والنصارى في الشيء الخطير ونصّها كالآتي:
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "يمين مغلظة يحلف بها النصارى في المال الخطير: يحضر النصراني إلى الكنيس في أوّل الصوم الكبير ويجتمع عليه مشائخ دينه فإن كان ذلك بحضرة الجاثليق٣، أو نائبه فهو أولى، ويقال له: قل: والله إله إبراهيم ماسك الكلّ، خالف ما يرى وما لا يرى، صانع كلّ شيء ومتقنه، الرّبّ لا أعبد سواه، ولا أعتقد إلاّ إيّاه ما تستحقّ عليّ شيئًا مما تدعيه على
_________________
(١) ١ ر: الوافي بالوفيات ١٦/٢٥٧. ٢ ر: ص: من الكتاب المحقَّق. ٣ كبير قساوسة النصارى ورئيسهم.
[ ١ / ٤٣ ]
مقتضى عقدك وموجب شرعك وإلاّ فبرئت من الثالوث وجحدت الأب وكذبت الابن وكفرت بروح القدس، وخلعت دين النصرانية والتزمت دين الحنيفية، وضمخت الهيكل١ بحيضة يهودية، ورفضت مريم وقرنت مع الإسخريوطي٢ في جهنم، وقلت إنّ المعمداني٣ فيما شهد به ليسوع كذاب، وأنّ المسيح كآدم خلقه الله من تراب، وكفرت بإحياء العازر٤ ومجيء الفارقليط٥ الآخر، وتبرأت التلاميذ الاثني عشر٦، وعلى جزم الثلاثمائة والثمانية عشر، وإن كانت ذمتي لك مشغولة ونيتي في حلفي هذا مدخولة، فكسرت الصلبان ودست برجلي القربان٧، وبصقت في وجوه الرهبان عند قولهم: (كرياليصان) ٨، واعتقدت أنّ مجمع نقية كفر وفجر، وأن يوسف النجار زنى بأم يسوع وعهر، وإن كنت في إنكاري متأولًا وفي دعوى براءة الذّمّة متقولًا، فعطلت الناقوس ورجعت إلى ملّة اليهود والمجوس، وكسرت صليب الصلبوت، وطبخت به لحم الجمل وأكلته في أوّل الصوم الكبير تحت الهيكل بحضرة الآباء، ونقضت حجارة قمامة٩، وبنيت بها بيعة اليهود ومزقت عفارة أم الرّبّ، وشاركت الشّرط في سلب ثيابه، وأحدثت تحت صليبه، وتجمرت بخشبته، وصفعت الجاثليق، وهذه اليمين في عنقي وأعناق عقبي إلى الأبد".
_________________
(١) ١ أي: مكان القربان المقدس عند النصارى. ٢ هو يهوذا الإسخريوطي الذي أخذ الرشوة من زعماء اليهود ليدلهم على المكان الذي اختبأ في المسيح، كما في الأناجيل المحرفة. ٣ هو: يوجنا المعمدان، أي: النبيّ يحيى ﵇. ٤ اسم الشخص الذي أحياه المسيح من الموت كما ورد في الأناجيل. ٥ وهو الذي بشرت الأناجيل بمجيئه. ٦ هم: حواريو المسيح ﵇. ٧ أي: القربان المقدس أو العشاء الرباني الذي تقدمه الكنيسة للنصارى يوم الأحد. ٨ معناه: ربّ ارحم. ٩ أي: كنيسة القيامة في فلسطين والتي يعتقد النصارى أنّ يوم القيامة ستكون فيها.
[ ١ / ٤٤ ]
يمين مغلظة يحلف بها اليهود في الشيء الكثير: يحضر اليهود إلى بيعتهم وهو صائم أو في يوم عيدهم ويجمع عليه جمع كبير من شيوخ دينهم وإن كان ذلك بحضرة المثيبة١ أو نائبه فهو أولى، ويقال له: قل: والله الأزلي الذي لم يزل ولا يزال الإله الذي برأ العالم وخلق حواء من آدم، وأرسل ماء الطوفان وتقبل من هابيل القربان، وكلّم موسى من الشجرة ونصره على فرعون والسحرة، وغرف فرعون في بحر سوف، وأهلك قورح ومن معه بالخسوف، ونَجَّى بني إسرائيل بيد القوية وأطعمهم منًّا وسلوى بالبرية، ما يُستحق على شيء من مطلبك على مقتضى مذهبك وإلاّ فرفضت موسى المكلَّم واتّبعت عيسى بن مريم، وإن كان لك في ذمتي مثقال ذرّة ونيتي في حلفي هذا غير برة، فعبدت الصلبان وعظمت الأوثان، وهدمت قبة الزمان٢، وبنيت بها دير الرهبان، وكذبت التوراة وصدّقت الإنجيل، وفضلت يسوع الراوي على موسى وشمؤيل، وإن كنت قد جنحت لتأويل في هذه الأقاويل فقذفت مريم النبية٣، وانسللت من اليهودية، والتزمت المجوسية وفارقت الملة الإسرائيلية بالكلّيّة، وكفرت بالعشر الآيات٤، وبقيت محرومًا إلى الممات، وحشرت في اليوم المعلوم بين عامورا وسدوم٥، وهذه اليمين في عنقي وأعناق عقبي إلى الأبد". أهـ.
قال المؤلِّف: "لا تستبعد منا نظم هذه الكلمات وإلزامهم بها فقد قال الفقهاء من أئمتنا - ﵃ - إنّ اليهود والنصارى والمجوس - أبعدهم الله -
_________________
(١) ١ رأس المثيبة: أي: مدير الأكاديمية الشرعية اليهودية ورئيسي أحبارهم. (ر: الفكر الديني اليهودي ص: ١١٧، حسن ظاظا) . ٢ وهي: خيمة الاجتماع التي أمر الله بني إسرائيل ببنائها في القبة كما ورد في التوراة الحالية. ٣ يعتقد اليهود أن مريم أخت موسى نبية من الأنبياء. ٤ أي: الوصايا العشر الواردة في التوراة. ٥ مكان نزول العذاب على قوم لوط ﵇.
[ ١ / ٤٥ ]
يغلظ عليهم اليمين بإحضارهم بيوت متعبداتهم عند الحلف، مع أنه لا حرمة لها، وكأن المطلوب من ذلك حمل الذمي على الخروج من الحقّ بتكليفه التلفظ بما يعظم موقعه في قلبه ليكن أدعى إلى حصول المقصود، كما يكلف المسلم حضور المسجد الجامع يوم الجمعة بعد صلاة العصر عند المنبر بحضرة جمع من المسلمين وزيادة ألفاظ معظمة كقوله: الطالب الغالب جل وعلا". ا. هـ١.
وقد ظهر لي من خلال ما ذكره الحافظ الذهبي في ترجمة المؤلِّف بأنه سمع من المُحَدِّث عليّ بن البنا، ثم تحديثه للعلامة الدمياطي، ومن خلال كثرة استشهاده واستدلاله بالأحاديث النبوية والآثار في كتابه التخجيل وكتبه الأخرى، أنّ المؤلِّف - ﵀ - كان له اهتمام كبير وحرص شديد على طلب الحديث وسماعه وروايته.
تلك بعض الجوانب العلمية لشخصية المؤلِّف - ﵀ - التي استعطت إثبات أدلتها، وقد تكون هناك جوانب أخرى نجهلها. فإنّ المؤلِّف بلا شكّ من الشخصيات العلمية المرموقة في عصره، ومن أصحاب المواهب والاهتمامات المختلفة، والله أعلم.
أما ثناء العلماء عليه، فقد كان المؤلِّف متخلقًا بأخلاق القاضي العدل والعالم الجاد الوقور، مما دعا المترجمين أن يثنوا عليه ثناءً حسنًا، ويكفيه في ذلك شهادة إمامين وعالمين من ثقات المؤرّخين: أوّلهما: الشيخ الإمام العالم بقية السلف٢
_________________
(١) ١ ورد نصّ اليمين المغلظة في نهاية الجزء الثاني من كتاب (التخجيل) بالمخطوطة، راجع الورقات: ١٨٦، ١٨٧، ١٨٨، وفي آخرها كتب: "تم الكتاب وحسبي الله وبه التوفيق برحمته وصلواته على خير خلقه سيدنا محمّد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله". ا. هـ. وإنّ أوّل ما استخدمت هذه الأيمان لليهود والنصارى في زمن الفضل بن الربيع وزير الرشيد أحدثها كاتب له، ذكر ذلك محمّد بن عمر المدائني في كتاب: (القلم والدواة) . (ر: صبح الأعشى ١٣/٢٦٦-٢٨٧، للقلقشندي) . ٢ تلك الأوصاف ذكرها الإمام ابن كثير في ترجمة قطب الدين اليونيني. (ر: البداية والنهاية ١٤/١٢٦.
[ ١ / ٤٦ ]
قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمّد اليونيني الذي قال عنه: "صالح بن الحسين، أبو البقاء، تقي الدين، كان أحد الفضلاء العارفين بالأدب وغيره، والرؤساء المذكورين بالفضل والنبل، وتولى قضاء قوص مدّة، ونظرها أيضًا مدّة أخرى ".
وثانيهما: مؤرّخ الإسلام وشيخ المُحدِّثين والحفاظ الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن عثمان الذهبي الذي ترجم له بقوله: "صالح بن الحسين، القاضي الجليل، الإمام تقي الدين، أبو البقاء الهاشمي، كان رئيسًا نبيلًا عارفًا بالأدب، ولي قضاء قوص مدّة، وله خطب، ونظم، ونثر، وتصانيف، وأبخس نفسه بولاية نظر قوص وفاعل ذلك منقوص ".
٧- وفاته:
عاش المؤلِّف سبعة وثمانين عامًا قضاها في القضاء والولاية والتأليف والدعوة إلى الله، فقد مرّ بنا أنّ ولايته كانت سنة: (٥٨١هـ)، وكانت وفاته سنة: (٦٦٨هـ) ١ بالقاهرة في مستهل ذي القعدة، ودفن من الغد بسفح المقطم٢. رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
_________________
(١) ١ ذكره أبو الفتح اليونيني والذهبي والصفدي ورضا كحالة. ٢ هضبة قرب القاهرة، تشرف على القرافة، وهي مقبرة فسطاط مصر والقاهرة، تقوم عليها قلعة صلاح الدين ومدينة المقطم. (ر: المنجد في الأعلام ٦٧٩، الموسوعة الميسر ١٧٣١) .
[ ١ / ٤٧ ]
القسم الأول: الباب الثاني: دراسة الكتاب وبيان منهج التحقيق
الفصل الأول: دراسة الكتاب
الفصل الأوّل: التّعريف بالكتاب
١- اسم الكتاب:
ذكر للكتاب اسمان بينهما اختلاف يسير:
الأوّل: (تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) وقد نصّ عليه المؤلِّف في المقدمة والخاتمة، وكتب على الصفحة الأولى من المخطوطة، كما نصّ عليه أيضًا في مقدمة كتابه: (الرّدّ على النصارى) ١، وذكره أبو الفضل المالكي في مقدمة مختصره المسمَّى: (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) ٢، وأورده بهذا الاسم كلّ من حاجي خليفة في كشف الظنون، والبغدادي في هداية العارفين وبروكلمان في تاريخ العربي.
الثاني: (تخجيل مَنْ حرَّف التّوراة والإنجيل)، وقد نصّ عليه المؤلِّف في مقدمة كتابه: (البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) ٣، وقد رجحت هذا الاسم على الاسم السابق واخترته عنوانًا للكتاب؛ لأنه يطابق موضوع الكتاب وهو الرّدّ على اليهود والنصارى، ويدلّ عليه دلالة واضحة، إذ إنّ تحريف التوراة ينسب لليهود، وتحريف الإنجيل إلى النصارى، وقد غلب على ظنّه أنّه الاسم الذي ارتضاه المؤلِّف أخيرًا لكتابه حيث نصّ عليه في كتابه (البيان الواضح) الذي ألّفه بعد كتاب (التخجيل)، وفي أيام الشيخوخة كما يفهم منه في المقدمة.
_________________
(١) ١ ر: ورقة ٥/ب، مخطوطة بمكتبة أياصوفيا بتركيا تحت رقم: ٢٢٤٦م، ص ٥٧، من النسخة المطبوعة. ٢ ر: ص ٢. ٣ روقة ٣/أ، مخطوطة بمكتبة المتحف البريطاني تحت رقم: ١٦٦٦١ أ. د. د.
[ ١ / ٥١ ]
٢- توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلِّف:
إنّ الأدلة التي تثبت صحّة نسبة كتاب التخجيل إلى القاضي صالح ابن الحسين الجعفري، أدلة متنوعة ومتعددة، لا تدع مجالًا للشّكّ في صحة تلك النسبة، ومن تلك الأدلة:
١- تصريح المؤلِّف بتأليفه للكتاب في مقدمة كتبه الأخرى (البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود)، و(الرّدّ على النصارى) .
٢- تأكيد الشيخ أبي الفضل المالكي السعودي صحّة تلك النسبة في مقدمة مختصره للكتاب والمُسمَّى (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) ١.
٣- اتّفاق المصادر التي ذكرت المؤلِّف وكتبه على نسبة الكتاب إليه تلك المصادر هي:
أ- كشف الظنون ١/٣٧٩، للعلامة حاجي خليفة.
ب- هداية العارفين ٥/٤٢٢، لإسماعيل البغدادي.
ج- معجم المؤلِّفين ٥/٦، لعمر رضا كحالة.
د- الأدب الجدلي والدفاعي في اللغة العربية بين المسلمين والنصارى واليهود ص ٣٦، ١٤١، ٤٠٩، للمستشرق مورتز شتاينشيندر (باللغة الألمانية) .
هـ- تاريخ الأدب العربي ١/٥٥٣، وفي ذيله ١/٧٦٦، للمستشرق بروكلمان.
_________________
(١) ١ طبع بمطبعة التمدن بمصر سنة ١٣٢٢هـ، وتوجد النسخة المخطوطة للكتاب في مكتبة أحمد الثالث بتركيا تحت (١٧٦٥)، وذكر في نهاية الكتابة أنّ مؤلِّفه قد فرغ منه في الخامس والعشرين من شهر شوال سنة ٩٤٢هـ، وذكره أيضًا الحاجي خليفة في كشف الظنون ١/٣٧٩.
[ ١ / ٥٢ ]
يضاف إلى ما سبق ذكر اسم المؤلِّف على الصفحات الأولى لنسخ المخطوطة وتصريح المؤلِّف بتأليفه للكتاب في المقدمة.
٣- موضوع الكتاب:
لقد بين المؤلِّف موضوع الكتاب بقوله في المقدمة: "كتاب تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل، يتضمن الرّدّ على النصارى واليهود من كتبهم التي بأيديهم"١.
قد تحدّث المؤلِّف في مقدمة كتابه عن عدّة أمور منها:
١- سبب تأليف الكتاب.
٢-بيان منهجه في التأليف.
٣- بيان بعض الفوائد التي اشتمل عليهاالكتاب ومنهافوائد دراسة الأديان.
٤- بيان حكم قراءة كتب أهل الكتاب كالتوراة والأناجيل وغيرها.
أما موضوعات الكتاب فقد قسمها المؤلِّف في الأبواب الاتية:
الباب الأوّل: في كون المسيح عبدًا من عبيد الله لقوله وفتواه:
وقد ذكر المؤلِّف فيه عشرين دليلًا على عبودية المسيح من أقواله وأفعاله في الأناجيل.
الباب الثاني: في إثبات نبوّة المسيح ﵇ وتحقيق رسالته:
وقد صدّره ببيان ضلال اليهود والنصارى في أمر المسيح ﵇ وأنّ في إثبات نبوّته وتحقيق رسالته ردًّا عليهم وإبطالًا لزعمهم، ثم ذكر اثنين وثلاثين دليلًا من معجزات المسيح وأقواله وأفعاله الشاهدة بنبوّته من الأناجيل.
_________________
(١) ١ ر: ورقة ٢/أمن المخطوطة.
[ ١ / ٥٣ ]
الباب الثّالث: في تأويل ظواهر الإنجيل:
وقد بيّن فيه تفسير الألفاظ التي ضلّ فيها النصارى وهي: الأب، والابن، والإله، والرّبّ، ما تحتمله من المعاني الواردة في التوراة والأناجيل وإيراد الشواهد على ذلك، ثم إبطال ما يدعيه النصارى من اختصاص المسيح بظواهر تلك الألفاظ.
الباب الرّابع: في تعريف مواطن التحريف في الأناجيل:
وقد ذكر فيه خمسين موضعًا من مواضع التحريف في الأناجيل بدلالة تناقض بعضها ببعض وتعارضه وتكاذبه وتهافته ومصادمته بعضها بعضًا.
الباب الخامس: في أنّ المسيح ﵇ وإن قصد وطلب فما قتل وصلب:
افتتحه بذكر رواية الأناجيل في قتل المسيح وصلبه، ثم أبطلها بدليل عام وأبتعه بعشر حجج مفصلة نقلية وعقلية، ثم أورد بعدها عشر مسائل مفحمات للنصارى، ثم أبطل دعاوى للنصارى فيما يقصدون من ادعاء قتل المسيح وصلبه وألوهيته.
الباب السّادس: في الأجوبة المسعدة عن أسئلة الملحدة:
أجاب المؤلِّف فيه على تسعة عشر سؤالًا واعتراضًا من النصارى على المسلمين، ثم أبطل المؤلِّف سبعة أدلة للنصارى استدلوا بها على ألوهية المسيح من أسفار العهد القديم.
الباب السابع: في إفساد دعوى الاتّحاد:
وذكره فيه اختلاف فرق النصارى في دعواهم اتّحاد اللاهوت بالناسوت في
[ ١ / ٥٤ ]
المسيح ﵇، ثم ردّ على فرقه منها وأبطل دعواها بأدلة عقلية ونقلية، ثم تناول بالرّدّ والإبطال عقيدة التّثليث عند النصارى.
- الباب الثّامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة:
حيث بيّن فيه بطلان ما يسمّيه النصارى بالأمانة بأدلة نقلية وعقلية وأنّها تناقض بعضها بعضًا وتخالفها من خمسة عشر وجهًا.
- الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود: وقد ذكر فيه ثلاثًاوتسعين فضيحة من فضائح اليهودوالنصارى مأخوذة من كتبهم المقدسة لديهم واعتقاداتهم الباطلة وعباداتهم المنحرفة.
- الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزّة المحمّدية:
وقد قسمه المؤلِّف إلى قسمين:
الأوّل: ذكر فيه أربعًا وثمانين بشارة من البشارات الواردة في النبي ﷺ من الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى.
الثاني: ذكر فيه معجزات النبي ﷺ ودلائل نبوّته وما أظهره الله على يد أصحابه وأمّته ﷺ من الكرامات والآيات البيات.
أما خاتمة الكتاب فقد ناقش فيه ادعاء النصارى بأنه لا نبي بعد المسيح وبيّن تكذيب ما بأيديهم لدعواهم.
٤- سبب تأليف الكتاب:
ذكر المؤلِّف في المقدمة أن سببين قد دفعاه إلى تأليف هذا الكتاب هما:
١- سؤال بعض أهل العلم له أن يؤلِّف كتابًا في الرّدّ على النصارى وبيان
[ ١ / ٥٥ ]
ما هم عليه من الضلال وإزالة الشبهات التي أعانت على ضلالهم، لعلّ ذلك يكون سببًا في هدايتهم.
٢-القيام بواجب الدعوة إلى الله عملًا بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلُوهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ . [سورة النحل، الآية: ١٢٥] .
ولعلّي أضيف سببًا ثالثًا وهو أنّ الأحداث السياسية التي عاصرها المؤلِّف والبيئة الاجتماعية المحيطة به كان لها دور أيضًا في تأليف هذا الكتاب كما سبق الحديث عنه.
٥- زمن تأليف الكتاب:
لم يذكر المؤلِّف زمن تأليف هذا الكتاب، إلاّ أنّه ذكر في نهاية المجلد الأوّل من المخطوطة أنّ الفراغ من نسخها كان يوم السبت الثالث من شهر صفر نم سنة سبع وثلاثين وستمائة من الهجرة النّبوّية الشريفة، وقد ظهر لي من مقدمة الكتاب أنه من أوّل مؤلَّفات المؤلِّف - ﵀ - في هذا العلم، ويؤكّد ذلك تصريح المؤلِّف في مقدمة مؤلَّفاته الأخرى (البيان الواضح) و(الرّدّ على النصارى) باقتباسه من كتابه (التخجيل) واختصار أبوابه فيهما.
٦- منهج المؤلِّف في الكتاب:
١- استدل المؤلِّف على كلّ باب في الكتاب بآيات من القرآن الكريم تكون له منهجًا ونبراسًا فيما يريد إثباته من القضايا أو نفيها.
٢- أنه لم يبدأ في تأليف هذا الكتاب حتّى قرأ التوراة والأناجيل وبقية أسفار العهد القديم والعهد الجديد قراءة متأنية متفحصة عدّة مرات، وكانت طريقته في النقل من تلك الأسفار أن منها ما نقله بنصه، منها ما أوجزه لركاكة نصّه، وقد كان استدلال المؤلِّف بهذه النصوص لإلزام اليهود والنصارى من باب
[ ١ / ٥٦ ]
التسليم لهم بصحة كتبهم المقدسة لديهم، ومن باب التنزيل في الجدال مع الخصم.
٣- إنّ موضوع الكتاب الرّدّ على اليهود والنصارى، غير أنّ الرّدّ على النصارى قد استأثر بمعظم أبواب الكتاب نظرًا لأنهم كانوا سبب تأليف للكتاب.
ويتخلص منهج المؤلِّف في الرّدّ على اليهود بالآتي:
أ- إثبات جواز النسخ عقلًا ونقلًا من التوراة وبقية أسفار العهد القديم، وإبطال شبههم في أبدية شريعة التوراة وعدم نسخها من كتبهم المقدسة لديهم.
ب- ذكر فرق اليهود واختلاف عقائدهم، وإن كلّ فرقة تضلِّل الأخرى وتبدِّعها وإن من فضائحهم فسادهم وكفرهم بما هو ثابت عنهم في توراتهم وكتبهم المقدسة لديهم.
ج- نقد التوراة المحرفة التي بأيدي اليهود والنصارى بأدلة متنوعة هي:
١- ذكر ما فيها من صفات التجسيم والتشبيه والنقائص التي نسبوها إلى الله عزوجل كالتعب والندم والجهل وغيرها.
٢- ذكر ما فيها من صفات العيب والنقائص التي نسبوها إلى أنبياء الله عزوجل كالشرك بالله والظلم والغشّ وشرب الخمر والزنا بالمحارم والقتل المحرم وغيرها.
٣- بيان ما فيها من التناقض ومخالفة الحقائق التاريخية والعلمية.
د- إثبات نبوّة المسيخ ﵇ بإثبات معجزاته بالطرق التي ثبتت بها معجزات موسى وغيره من الأنبياء.
[ ١ / ٥٧ ]
هـ- إثبات نبوّة النّبيّ محمّد ﷺ بالبشارات الواردة فيه ﷺ.
أما منهجه في الرّدّ على النصارى فكالآتي:
أ- أنه اطلع على كثير من مصنفات النصارى في نصرة دينهم واحتجاجهم لأغاليطهم وما ردّت به كلّ فرقة من الفق الثلاث: الملكية والنسطورية واليعقوبية على الأخرى وما نصرت به مذبها.
ثم إنه قرأ عددًا من مؤلَّفات علماء المسلمين في الرّدّ على النصارى وسيأتي بيانها في المصادر التي اعتمد عليها المؤلِّف.
ب- اهتم المؤلِّف بنقد أسس العقيدة النصرانية وهي:
١- التّثليث، واتّحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح.
٢- صلب المسيح تكفيرًا عن خطيئة آدم الأزلية.
٣- محاسبة المسيح للناس يوم القيامة.
٤- شريعة إيمان النصارى (قانون الأمانة) المشتملة على الأسس السابقة والتي لا يعتبر الإنسان نصرانيًا دون الإقرار بها.
وكانت طريقته في الاستدلال بالأدلة النقلية كالآتي:
١- ذكر النصوص الدالة على عبودية ونبوة المسيح ﵇ من الأناجيل وما يتبعها من أسفار العهد الجديد.
٢- إيراد النصوص المصرحة بوحدانية الله عزوجل، ونفي التعدد والشريك عنه تعالى من أسفار العهد القديم والجديد.
٣- مقارنة معجزات المسيح ﵇ في الأناجيل بمعجزات من سبقوه
[ ١ / ٥٨ ]
من الأنبياء في أسفار العهد القديم، وأنّ هذه المعجزات دليل نبوته وليست دليلًا على ألوهيته كما يزعم النصارى.
٤- ذكر النصوص الأناجيل الدالة على نجاة المسيح من القتل والصلب، وأنّ المصلوب هو مَنْ أُلقي عليه شبه المسيح.
٥- ذكر نصوص الأناجيل التي غلط النصارى في فهمها وفي نسبة المسيح إلى الألوهية، والاستدلال على تفسيرها بنصوص أسفار العهد القديم والعهد الجديد.
٦- نقد الأناجيل المحرفة ببيان انقطاع سندها وعدم تواتر رواتها، ثم ببيان مواطن التناقض والتكاذب والتهافت في الأناجيل ومصادقة بعضها بعضًا.
كما بيّن المؤلِّف بالأدلة العقلية استحالة العقائد النصرانية وعدم معقوليتها ورفض العقل الصحيح والفطرة السليمة لها، ومخالفتها للواقع المعاين المحسوس لأمر المسيح، وتناقضها مع الأناجيل.
كما ناقش المؤلِّف أدلة النصارى وشبهاتهم حول ألوهية المسيح وبنوته لله، وبَيَّن بطلان ما استدلوا به وأوضح الحقّ الذي يجب أن يعتقدوه.
ج- تطرق المؤلِّف إلى نقد بعض شعائر النصارى وعبادتهم كالقربان المقدس، والاعتراف بالذنوب للقسيس، وصلواتهم وما يتعلق بها كالقبلة والطهارة والقراءة فيها، والصوم، والأعياد، والسجود للصور والتماثيل، وعدم الختان، والحجّ، وتعظيم الصليب وأكل لحم الخنْزِير.
د- ذكر فضائح القسيسين ومخاريق رهبانهم وما يروجونه من الحيل على ضعفاء النصارى ليقووا به واهي أباطيلهم.
[ ١ / ٥٩ ]
هـ- ذكر فرق النصارى واختلاف عقائدهم وتكفير كلّ فرقة منهم الأخرى، وذكر ما ردت به كلّ فرقة على الأخرى في دعواهم اتّحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح، ليكون أبلغ في بيان الفساد والباطل الذي هم عليه.
٤- اهتم المؤلِّف بالغًا بدلائل نبوّة نبيّنا محمّد ﷺ، حيث إنّ المقصود من كتابه دعوة اليهود والنصارى إلى الإسلام بعد بيان بطلان عقائدهم وكتبهم.
لذلك استطرد في ذكر البشارات الواردة في النّبيّ ﷺ في التوراة والأناجيل وبقية أسفار العهد القديم والجديد، ثم ذكر بعض المعجزات الكثيرة للنّبيّ ﷺ والإرهاصات التي بشِّرت ببعثته ﷺ والكرامات التي كانت لأصحابه ﷺ وأمّته من بعده ﷺ.
وقد كان ذلك بمثابة خاتمة الكتاب والنتيجة الحتمية التي يتوصل إليها كلّ منصف عاقل من اليهود والنصارى بعد قراءة الأبواب السابقة من الكتاب.
٥- وخلاصة القول في منهج المؤلِّف أنه جمع مناهج من سبقه من علماء المسلمين في الرّدّ على اليهود والنصارى ويتركز في الآتي:
أ- المنهج التفسيري: الذي يقوم على افتراض صحة الأناجيل، ثم تفسير الألفاظ التي زلّ فيها النصارى وبيان ما تحتمله من المعاني الصحيحة بشواهد من الأناجيل والتوراة وغيرها.
ب- منهج المحدِّثين: الذي يستند على نقد السند والمتن أيضًا، وبيان ما فيها من التهافت والتناقض والتكاذب.
ج- المنهج العقلي: الذي يبيّن استحالة عقائد النصارى وعدم معقوليتها وتناقضها.
[ ١ / ٦٠ ]
٧- مصادر الكتاب:
لقد كان المؤلِّف من القلائل الذين ذكروا بعض مصادرهم وذلك من المميّزات العديدة التي تسجل للمؤلِّف - ﵀ -، على الرغم من أنه لم يحدد المواضع التي نقلها من تلك المصادر إلاّ نادرًا، كما كانت عادة المؤلِّفين المتقدمين، وتنقسم المصادر التي ذكرها المؤلِّف أو أشار إليها من خلال كتابه إلى قسمين رئيسين هما: مصادر شفهية، ومصادر كتابية.
أما المصادر الشفهية: فهي التي سجل المؤلِّف معلوماته عن طريق المشافهة بالسؤال أو المناظرة لأحبار اليهود والنصارى ومن أمثلة ذلك:
- قال المؤلِّف: "سألت حبرًا من أحبار اليهود عن هذا المزمور (يقصد النصّ الوارد في مزمور داود وهو: "قال الرّبّ لربِّ"، قال: (قال الرّبّ لربّي) تفسيره عندنا بالعبرانية: "قال الرّبّ لوليّي"، قال: "والرّبّ"، عندنا يطلق على المعظَّم في الدين، ثم تلا قول إبراهيم ولوط الذي حكيناه". أهـ.
- وقال المؤلِّف: "سألت حَبْرًا من أحبار اليهود عن قوله داود: "ثقبوا يدي" بالمزمور، فأجابني بنحو ما ذكرته في الوجه الأوّل على الفور من غير توقف، فتعجبت من اتّفاقه لنصّ ما عندهم". أهـ.
- قال المؤلِّف: "لقد فاوضني بعض الرهبان ممن يدعي بنانًا في البيان فأفضى الحديث معه إلى ذكر الابن والبنوة، فألزمته قول التوراة: "ابني بكري"، وقلت له: لعلّ البكر يكون أحظى عند والده بطريف بره وتالده، فما تقول في بنوة إسرائيل، فقال: إسرائيل وغيره ابن النعمة والمسيح ابن على الحقيقة، فعكست عليه كلامه، فتلبد واختزى ولجأ إلى ضعف العبارة لا واختزى". أهـ.
[ ١ / ٦١ ]
ويلاحظ على هذه المصادر عدم ذكر المؤلِّف لأسماء من سألهم أو ناظرهم من الأحبار والرهبان أو ذكر رتبتهم الدينية خاصّة، وأنّ أولئك الأحبار لا بدّ أن يكونوا من رؤساء أهل ملتهم وممن يحتج بقولهم نظرًا إلى مكانة المؤلِّف العلمية والاجتماعية.
وأما المصادر الكتابية: فمما هو معلوم أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من المصادر العامّة التي لا يستغني كلّ مسلم عن الرجوع إليهما في جمع أموره العلمية والعملية.
وأما المصادر الأخرى الخاصّة فقد ذكر المؤلِّف في مقدمة المخطوطة بعض مصادره الأساسية في مجال الرّدّ على اليهود والنصارى، وذكر بعضها خلال كتابه، وبعضها الآخر مما لم يصرح به المؤلِّف ولكن وقفت عليها عن طريق مقارنة النصوص في الكتب الأخرى.
المصادر التي ذكرها المؤلِّف في مقدمة المخطوطة فهي:
قال المؤلِّف: "كتاب تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل، يتضمن الرّدّ على النصارى واليهود من كتبهم التي بأيديهم كتوراة موسى الخمسة الأسفار، والأربعة الأناجيل متَّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، ومزامير داود، ونبوة أشعيا، ونبوة هوشاع، ونبوة ميخا، ونبوة حبقوق، ونبوة دانيال، ورسائل فولس الرسول، وسفر الملوك وسير التلاميذ"١.
قال مؤلِّفه - عفا الله عنه -: "وقد وقفت على كثير من مصنفاتهم وتواليفهم في نصرة دينهم، واحتجاجهم لأغاليطهم، وما ردّت به كلّ فرقة من الفرق الثلاث: الملكية والنسطورية واليعقوبية على الأخرى وما نصرت به مذهبها وقرأت عدّة
_________________
(١) ١ أي: سفر أعمال الرسل.
[ ١ / ٦٢ ]
ردود لأصحابنا عليهم مثل: كتاب الرهاي١، وكتاب عمرو بن بحر الجاحظ٢، وكتاب عبد الجبار المعتزلي٣، ومقالة أبي بكر٤، وكلام الجويني٥، وكتاب لبعض المغاربة٦، وكتاب لابن الطيب٧، وكتاب للطرطوشي٨، وكتاب لابن عوف٩.
_________________
(١) ١ كذا في الأصل، ولعلّ صوابه: (الرهاوي) حيث سقط حرف الواو من الناسخ. وهو: عبد القادر بن عبد الله الفهمي الرهاوي، أبو محمّد عالم بالتراجم ومن حفاظ الحديث، توفي سنة: ٦١٢هـ، له كتاب: (رد النصارى) ذكر المستشرق مورتز في كتابه: (الأدب الجدلي والدفاعي في اللغة العربية بين المسلمين والنصارى واليهود ص ١٣٦) . (ر: ترجمته في الأعلام ٤/٤٠، للزركلي) . ٢ الأديب المعروف، من أئمة المعتزلة توفي سنة: ٢٥٥هـ، له (المختار في الرّدّ على النصارى) حققه ونشره د. محمّد عبد الله الشرقاوي، وله (الرسالة العسلية) ذكره القاضي عبد الجبار في تثبيت دلائل النبوة ١/١٩٨. ٣ القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني الأسدابادي، شيخ المعتزلة في عصره توفي سنة ٤١٥هـ، له: (المغني في أبواب التوحيد - مطبوع في أجزاء) وقد رد على النصارى في الجزء الخامس منه، وله: (تثبيت دلائل النبوة - مطبوع في جزئين) تحقيق د. عبد الكريم عثمان، وقد رد على النصارى في الجزء الأوّل منه. وله: (رد النصارى) ذكره مورتز في الأدب الجدلي والدفاعي ص ١١٤. ٤ القاضي أبو بكر محمّد بن الطيب الباقلاني، من أئمة الأشاعرة توفي سنة ٤٠٣هـ، له: (التمهيد في الرّد على الملحدة والمعطلة والخوارج والمعتزلة - مطبوع)، وله: (الملل والنحل) ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ص ١٨٢٠. ٥ أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، إمام الحرمين، توفي سنة ٤٧٨هـ، له: (شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل - مطبوع) بتحقيق د. أحمد السقا، وله: (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد - مطبوع) وقد رد على النصارى في جزء من الكتاب. ٦ هو أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة الخزرجي، فقيه أندلسي توفي سنة ٥٨٢هـ، له: (مقامع هامات الصلبان في الرّدّ على عبدة الأوثان ومراتع روضات الإيمان - مطبوع)، حققه ونشره د. محمّد شامه بعنوان: (بين الإسلام والمسيحية)، كما حقّقه أيضًا د. عبد المجيد الشرفي. (ر: ترجمته في الأعلام ١/١٥٠ للزركلي) وقد استفاد المؤلِّف من هذا المصدر في ذكر فضائح الرهبان وحيلهم في الباب التاسع. (ر: ص: وما بعها) . ٧ أبو العباس أحمد بن محمّد بن مروان بن الطيب السرخسي، فيلسوف غزير العلم بالتاريخ والسياسة والأدب والفنون، توفي سنة: ٢٨٦هـ، له: (رد النصارى) ذكره مورتز في الأدب الجدلي ص ١٤٢، ١٤٣. (ر: ترجمته في الفهرست ص ٣٦٥-٣٦٧، لابن النديم، والأعلام ١/٢٠٥، للزركلي) . ٨ محمّد بن الوليد بن محمّد الفهري، أبو بكر الطرطوشي، من فقهاء المالكية، توفي سنة: ٥٢٠هـ، له: (رد النصارى) ذكره مورتز في الأدب الجدلي ص ١٤٤، وله: (السعود في الرّدّ على اليهود) ذكره القاضي عياض في (الغنية) ص ٦٣، طبعة بيروت. (ر: ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٩/٤٩٠، أعلام ٧/١٣٣) . ٩ عوض بن عوف، له: (رد النصارى) ذكره مورتز في الأدب الجدلي ص ١٢٦.
[ ١ / ٦٣ ]
وكتاب الدمياطي١، وكتاب لعض معاصرينا٢، ثم نظرت جزءًا من كتاب لابن ربن من المتقدمين٣، وأرجو أن يكون هذا المختصر - إن شاء الله- قد جمع شتاتهم واستدرك ما فاتهم، والله الموفِّق بحمده"٤.أهـ.
وأما المصادر الكتابية التي أشار إليها المؤلِّف ضمن كتابه فهي:
١- بعض أسفار العهد القديم التي قد تقدم ذكر بعضها وهي: سفر صفنيا، وسفر زكريا، وسفر أرميا، وسفر حزقيال.
٢- بعض الأناجيل غير المعتمدة عند النصارى وهي: إنجيل الصبوة ويسمّى (إنجيل بطرس) ٥، ونسخ أخرى للأناجيل.
٣- كتاب (الملل والنحل) لأبي الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني.
وأما المصادر التي وقفت عليها عن طريق مقارنة نصوص الكتاب في الكتب الأخرى فهي:
_________________
(١) ١ خلف الدمياطي له: (رد النصارى) ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ١/٨٣٨. ٢ لعلّه كتاب: (الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام - للقرطبي المفسّر - أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري المتوفى سنة: ٦٧١هـ، وقد طبع بتحقيق د. أحمد السقا، وقد اشترك المؤّلف مع القرطبي في النقل من كتاب الشفا للقاضي عياض دون الإشارة إليه. ٣ عليّ بن ربن الطبري، أبو الحسن، كان نصرانيًا فأسلم، توفي سنة: ٢٤٧هـ، له: (الرد على النصارى - مطبوع) نشره الأبوان خليفة وكوتشك في بيروت سنة: ١٩٥٩م، وله: (الدين والدولة في إثبات نبوة النّبي ﷺ - مطبوع) تحقيق الأستاذ عادل نويض. وقد اعتمد المؤلِّف على كتاب الدين والدولة اعتمادًا كلّيًّا في الباب العاشر في القسم الأوّل منه في البشارات الواردة بالنّبيّ ﷺ في التوراة والأناجيل. (ر: ص: وما بعدها) . ٤ انتهى كلام المؤلِّف في بداية المجلد الأوّل من المخطوطة ورقة ٢/أ. ٥ ر: ص:.
[ ١ / ٦٤ ]
١- كتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ) للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (توفي سنة: ٥٤٤هـ) .
وقد تبيّن لي أنّ المؤلِّف قد اعتمد على كتاب الشفا اعتمادًا كلّيًّا، حيث نقل الباب الرابع مع القسم الأوّل من كتاب الشفا وهو: "فيما أظهره الله على يديه (النبيّ محمّد ﷺ) من الآيات والمعجزات وشرَّفه به من الخصائص والكرامات وفيه ثلاثون فصلًا" نقله المؤلِّف في القسم الثاني من الباب العاشر من كتابه نقلًا حرفيًا مع حذف واختصار بعض الأحاديث الواردة فيه١.
٢- كتاب (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) - للحافظ أبي نعيم الأصفهاني توفي سنة ٤٣٠هـ.
٣- كتاب (صفة الصفوة) للإمام جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي توفي سنة ٥٩٧هـ، وقد استفاد المؤلِّف من هذين المصدرين في نهاية الباب العاشر في ذكر ما أظهره الله على يد أصحاب النّبيّ ﷺ وأمّته من الكرامات والآيات البيّنات.
٨- قيمة الكتاب العلمية:
إن من مواصفات الكتاب العلمية البارز أن يحوز على ثناء العلماء واهتمام المتخصصين منهم باختصاره أو بالاعتماد عليه في كتبهم ومؤلَّفاتهم، أو بالإشارة إليه والنقل منه، وأن يحرص العلماء والأمراء على اقتنائه وقرائته.
وإنّ الكتاب الذي بين أيدينا قد جمع - بحمد الله - تلك الصفات السابقة، مما يؤكِّد قيمته العلمية والعالية والبارزة، وإليكم الأدلة على ذلك:
_________________
(١) ١ قارن نص كتاب الشفا ١/٤٨١-٤٣٢، للقاضي عياض مع نص كتاب التخجيل ص ٥٣١ للمؤلِّف وما بعدها.
[ ١ / ٦٥ ]
أوّلًا: لقد سجّل لنا المؤلِّف مدى تأثير كتابه عند العلماء ومدى اهتمامهم به في مقدمة كتابه: "البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) الذي يعتبر اختصارًا لكتاب (التخجيل) فقال: "وعمدت إلى تكابي الملقَّب بـ: (تخجيل مَنْ حرَّف التوراة والإنجيل) وهو كتاب وضعته في أيام الشباب والنشاط، وجودة القريحة والانبساط فأكب على نقله علماء أهل الفسطاط واغتبطوا به غاية الاغتباط، ولا شكّ أنّ علماءنا - أيّدهم الله - يردّون عليهم بالحجج العقلية والطرق الكلامية، وعقول النصارى قاصرة عن المعقول مائلة إلى المنقول، وكنت قد طالعت التوراة الخمسة الأسفار والأناجيل الأربعة وإنجيل الصبوة ومزامير داود المائة وخمسين مزمورًا ورسائل فولوس وسير التلاميذ ونبوات الأنبياء الأوّل والأمانة التي ألفها قدماؤهم، وقرأت كتب اليعاقبة والروم والنسطور، وتلوت عليهم من كتبهم وخاطبتهم باصطلاحهم، فجاء الكتب ندرة في فنّه، غاية في باب لا يسمع به أمير أو مأمور إلاّ حصله واقتناه وبلغ من مناظرة أهل الكتاب مناه، فجردت منه عشر مسائل مسألة من كلّ باب من أبواب الكتاب "١ الخ. اهـ.
ثانيًا: إنّ مما يؤكِّد كلام المؤلِّف في اهتمام العلماء بكتابه اعتماد الإمام أحمد بن إدريس القرافي (توفي سنة ٦٨٤هـ) في كتابه (الأجوبة الفاخرة في الرّدّ على الأسئلة الفاجرة) ٢، اعتمادًا مباشرًا عليه، فقد نقل منه نصوصًا كثيرةً جدًّا بحيث يشبه
_________________
(١) ١ ر: ورقة ٥ من المخطوطة. ٢ طبعته دار الكتب العلمية عام ١٤٠٦هـ، في بيروت وقد حقّق الكتاب في جامعة أم القرى لنيل درجة الدكتوارة، كما حقّق أيضًا في جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية لنيل درجة الماجستير.
[ ١ / ٦٦ ]
أن يكون اختصارًا له، ولى الرغم من أن الإمام القرافي لم يصرِّح بنقله من كتاب التخجيل، إلاّ أنّ ذلك يبدو واضحًا بمقارنة النصوص١.
ثالثًا: اختصره الشيخ أبو الفضل المالكي السعودي بعنوان: (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) ٢، وقد فرغ من اختصاره في شوال سنة ٩٤٢هـ، إلاّ أنّ أبا الفضل المالكي قد حشا مختصره بمخاريق الصوفية وخزعبلاتهم٣، وخرافاتهم.
رابعًا: نقل منه محمّد بن عبد القادر الشهير بابن الصلف المحلي المالكي في كتابه: (المنقذ من الضلالة الشاهد لمحمّد وعيسى - عليهما الصلاة السلام - بالرسالة) ٤.
خامسًا:
اعتمد عليه الشيخ رحمة الله الهندي (المتوفى سنة: ١٣٠٨هـ) في مناظرته
_________________
(١) ١ ذكر د. ناجي محمّد داود، محقِّق كتاب الأجوبة الفاخرة في جامعة أمّ القرى، أن كتاب التخجيل من المصادر الأساسية التي اعتمد عليها القرافي في الأجوبة. (ر: ص ١١٣، من رسالة الدكتوراه) . وقارن أيضًا بين الباب الثاني في الأجوبة الفاخرة وبين الباب الأوّل والثاني في كتاب التخجيل، وبين الباب الثالث في الأجوبة الفاخرة والباب التاسع في كتاب التخجيل، وبين الباب الرابع في الإجوبة الفاخرة والقسم الأوّل من الباب العاشر في كتاب التخجيل. ٢ مخطوطة بمكتبة أحمد الثالث بتركيا تحت رقم: (١٧٦٥)، وتوجد عنها نسخة ميكروفليم بمركز البحث العلمي تحت رقم:٦٨/١٥، عقيدة بجامعة أم القرى. ٣ ر: الباب السادس من المخطوطة، وص ٨١-٩٧، من النسخة المطبوعة. ٤ مخطوطة بمكتبة باريس تحت رقم: (٥٠٤٩)، ولم أقف على هذه المخطوطة لكنني وقفت على كتاب (الصليب في الإسلام ص ٣٨ لحبيب زيات) الذي نقل نصًّا من المخطوطة السابقة، وهذا النصّ موجود في كتاب التخجيل.
[ ١ / ٦٧ ]
الكبرى مع القسيس فندر في بلدة أكبر آباد بالهند١، واستشهد فيها بثلاثة نصوص من كتاب التخجيل من الباب الثاني والتاسع٢.
كما نقل منه الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه القيم: (إظهار الحقّ) ٣ الذي يعتبر من خير ما ألّف في العصر الحديث في الرّدّ على النصارى وافتراءاتهم، وأصبح من المراجع التي لا يستغني عنها أي باحث في الرّدّ على اليهود والنصارى٤.
وإن قراءة الشيخ - ﵀ - الهندي لكتاب التخجيل ونقله منه ليدل دلالة قوية على مدى أهمية كتاب التخجيل وقيمته العلمية الكبيرة.
ويوجهنا ذلك إلى إبراز بعض مميّزات كتاب التخجيل وهي:
أ- حسن ترتيبه لأبواب الكتاب وتناسقها.
ب- اعتماده في مجادلة أهل الكتاب على ما جاء في كتبهم المقدسة لديهم وفي كتب فرقهم وأحبارهم ليكون أبلغ في الحجّة وأفحم للخصم.
_________________
(١) ١ وتسمَّى المناظرة الكبرى التي عقدت في يوم الاثنين ١١ رجب ١٢٧٠هـ، وطبعت بتحقيق د. محمّد عبد القادر خليل (رسالة دكتوراه)، وأيضًا بتحقيق د. أحمد السقا في ملحق الطبعة الثانية لكتاب إظهار الحقّ. ٢ ر: ص: ٢٧٦، ٢٧٧، من المناظرة الكبرى بتحقيق د. محمّد عبد القادر، وص: ٤٣٦، ٤٣٧، من المناظرة الكبرى بتحقيق د. أحمد السقا. ٣ ر: ص: ١٩٠، بتحقيق د. أحمد السقا. ٤ لقد نال كتاب (إظهار الحقّ) مكانة كبيرة عند علماء قَلَّ أن - ينالها كتاب آخر في هذا المجال - فقد طبع وحقّق مرات عديدة وترجم إلى تسع لغات أجنبية منها: الألمانية والفرنسية والإنجليزية، ولما انتشرت الترجمة الإنجليزية للكتاب علقت عليها جريدة لندن تايمز. وجاء في التعليق: "لو استمرّ الناس في قراءة ومطالعة هذا الكتاب لتوقف رقي الدين النصراني وازدهاره في العالم كلّه". (ر: للتوسع في صدى كتاب (إظهار الحقّ) وقيمته العلمية، مقدمة د. أحمد السقا لتحقيق الكتاب ص: ٣١-٣٦، دراسة د. محمّد عبد القادر لتحقيق المناظرة الكبرى ص: ٣٨٢-٤١)
[ ١ / ٦٨ ]
ج- إحاطته بالموضوع وشموليته في إبطال أهمّ العقائد الباطلة لأهل الكتاب.
د- قوّة مناقشته وكثرة استدلالاته وتنوعها، وطول نفسه في المناظرة.
هـ بساطة أسلوب الكتاب وسلاسته.
تلك أبرز المميّزات في نظري. والله أعلم.
٩- المآخذ على الكتاب:
لقد تبيّن لنا مما سبق قيمة الكتاب العلمية الكبيرة ومكانته البارزة بين كتب الرد على اليهود والنصارى بما يروي الغليل ويشفي العليل ويثلج صدور قوم مؤمنين، ومع ذلك فإنّ كلّ إنسان يؤخذ من كلامه ويُرَدُّ إلاّ الأنبياء والمرسلين، وإنّ المؤلِّف مع سعة علمه لم يخل كتابه هذا من بعض المآخذ التي ارتأيتها - رغم قصر باعي وقلة اطلاعي - ومنها:
١- التكلف في السجع-في بعض المواطن وخاصة في خطبة الكتاب-الذي يؤدّي إلى غموض المعنى وصعوبة فهمه. (ر: ص:٨٩-٩٢) .
٢- التكرار لبعض المسائل والقضايا الواردة فيه، مثال ذلك:
_________________
(١) مسألة بقاء المسيح في القبر كما وردت في الأناجيل تكررت في ص: ١٨٧، ٢٥٦، ٢٩٥، ٣٠٨-٣١٠، ٣٥٦، ٣٥٧، ٤٢١. - مسألة الختان عند النصارى تكررت في ص: ٢٢٨، ٥٨٨، ٥٨٩. - مسألة القبلة في الصلاة عند النصارى تكررت في ص: ١٥٦، ٥٩٣، ٦٤٣. - مسألة استعباد بني إسرائيل في مصر تكررت في ص: ٥٧٥، ٥٨٤، ٥٨٥.
[ ١ / ٦٩ ]
٣- إيراد بعض الأحاديث والآثار الموضوعة والضعيفة دون بيانها، مع أنّ في الأحاديث والآثار الصحيحة التي أوردها المؤلِّف ما يغني عنها، (ر: ص: ٧٣٣، ٧٦٦، ٧٦٧، ٧٧٣، ٨٢١، وغيرها) .
٤- ذكر بعض البشارات التي فيها تكلف ظاهر لإثباتها في نبيّنا محمّد ﷺ. (ر: ص: ٦٦٥، ٦٧٨، ٦٧٩، ٦٨٧، ٦٨٨، ٦٩٧) .
٥- عدم ذكر المؤلِّف لكتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ - للقاضي عياض -) من بين المصادر التي اعتمد عليها، مع أنّه قد نقل من كتاب الشفا جزءًا كبيرًا كما سبق بيانه.
[ ١ / ٧٠ ]
الفصل الثّاني: التّعريف بالمخطوطة وبيان منهج التّحقيق
أوّلًا: وصف المخطوطة:
لقد بذلت ما وسعي من الجهد في سبيل جمع نسخ المخطوطة حسب ما يقتضيه التحقيق العلمي، فاطلعت على معظم فهارس المخطوطات الموجودة بمكتبات العالم، وسافرت إلى تركيا ومصر، وراسلت مكتبة المخطوطات بجامعة لندن بهولندا، ومكتبة المتحف البريطاني بلندن وغيرهما من المكتبات، وقد كانت نتيجة تلك الجهود - بعد عون الله عزوجل وتوفيقه - ما يأتي:
١- وقفت على نسخة خطيةكاملةللكتاب مكونةمن مجلدين كبيرين في مكتبة السليمانية بتركيا، وهي نسخة فريدة حصلت على ميكروفيلم لها، وقدكتبت هذه النسخة بخط نسخ واضح، ولم يذكر الناسخ اسمه عليها.
وأما تاريخ نسخها، فقد كتب في نهاية المجلد الأوّل أنّ الناسخ انتهى من النسخ في يوم السبت في شهر صفر من سنة ٦٣٧هـ.
وكتب في نهاية المجلد الثاني عبارة: "نظر فيه مؤلِّفه صالح بن الحسين عفا الله عنه برحمته".
مميّزات النسخة:
تتميّز بأنها نسخة كاملة كتبت في عصر المؤلِّف وقرأت عليه وراجعها١، كما تتميّز أيضًا بقلة الأخطاء وندرة السقط فيها، ووجود التصحيحات والتعليقات واستدراك النقص على الهامش.
إنّ تلك المميّزات تجعلها بحقّ النسخة الأم أو الأصل التي يسعى للحصول عليها كلّ باحث في مجال التحقيق، وقد رمزت لها بالرمز (ص) ووصفها
_________________
(١) ١ وفي اعتقادي أنها نسخة المؤلِّف التي نقل عنه علماء الفسطاط نسختهم كما ذكر ذلك المؤلِّف في مقدمة كتابه: (البيان الواضح) .
[ ١ / ٧٢ ]
كالآتي:
أ- وصف المجلد الأوّل: هو نسخة خطية موجودة بمكتبة رئيس الكتاب مصطفى باشا تحت رقم (٦) بمكتبة السليمانية، وتحتوى على مقدمة الكتاب إلى منتصف الباب السادس منه.
عدد الأوراق والأسطر: تتكون من (١٨٤)، ورقة، وتحتوي كلّ صفحة منها على (١٧) سطرًا في المتوسط، ويتراوح عدد الكلمات في السطر الواحد ما بين ٧-٩ كلمات تقريبًا.
وصف الصفحة الأولى والأخيرة: كتب على الصفحة الأولى ما يأتي: "الجزء الأوّل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل - تصنيف الشيخ الفقيه الإمام الفاضل تقي الدين صالح - وفقه الله لما يرضيه برحمته"، وعليها ختم مكتبة رئيس الكتاب مصطفى، وكتب في أعلى الصفحة العبارة الآتية: "من كتب العبد ويسما سنة ١٠٢١هـ".
وأما الصفحة الأخيرة فقد كتب في نهايتها: "ولله الحمد والمنّة، تَمَّ الجزء الأوّل ويتلوه الجزء الثاني من كتاب تخجيل مَنْ حرّف الإنجيل، ووافق الفراغ منه في يوم السبت في شهر صفر الثالث من سنة سبع وثلاثين وستمائة".
ب- وصف المجلد الثاني: هو نسخة خطية بمكتبة دماد إبراهيم باشا تحت رقم: (٤)، بمكتبة السليمانية، وتشتمل على منتصف الباب السادس - من حيث ما انتهى إليه المجلد الأوّل - إلى خاتمة الكتاب.
عدد الأوراق والأسطر: تتكون من (١٨٨) ورقة، وعدد الأسطر فيها (١٧) سطرًا في المتوسط، وعدد الكلمات في السطر الواحد ما بين ٧-٩ كلمات تقريبًا.
ووصف الصفحة الأولى والأخيرة: لم يكتب على الصفحة الأولى اسم الكتاب
[ ١ / ٧٣ ]
والمؤلِّف، وإنما كتب في أعلاها عبارة: "من كتب العبد ويسما سنة ١٠٢٠هـ) . وفي منتصفها ختم مكتبة دماد إبراهيم باشا.
وأما الصفحة الأخيرة من الكتاب فقد كتب فيها: "والله أعلم وأحكم نجز الكتاب الملقب بتخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل. ولله الحمد.
رحم الله من قرأه ودعا لمؤلِّفه بالرحمة والرضوان وكاتبه وجميع المسلمين. وصلى الله على محمّد وآله وسلم".
وكتب على الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني (ورقة ١٨٨/أ) العبارة الآتية: "تَمَّ الكتاب وحسبي الله وبه التوفيق برحمته، وصلواته على خير خلقه سيدنا محمّد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا. الحمد لله وحده".
وكتب فيها أيضًا ما نصُّه: "نظر فيه مؤلِّفه صالح بن الحسين - عفا الله عنه برحمته - ". وكتب تحته الاسم الآتي: "ذو النون المصري ﵁".
ثم كتب في أسفل الصفحة دعاء نصّه: "لك سجدت الحيتان في البحار الزاخرات، ولعظمتك اضطربت الأمواج في البحار والمتلاطمات، وبقدرتك قامت السماوات العاليات، ولهيبتك تدكدكت الجبال الراسيات، لك سجد سواد الليل وضياء النهار والنجم الزهار والبحر الزخار وكلّ شيء عندك بمقدار، لبيك أنت الله المتكبّر. تَمَّ الدعاء والحمد لله وصلى الله وسلم". اهـ.
٢- وقفت على نسخة خطية للمجلد الثاني من المخطوط في مكتبة عارف حكمت تحت رقم: (١٣٠توحيد) بالمدينة المنورة وتوجد لها مصورة ميكروفيلم بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلاميّة تحت رقم: (٦١٨٨) .
وتشتمل هذه النسخة الناقصة على منتصف الباب السادس من الكتاب إلى نهايته، وفي ظني أنها نسخة منقولة عن المجلد الثاني بمكتبة دمار إبراهيم باشا
[ ١ / ٧٤ ]
التي تقدم وصفها، وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز: (م) في المقابلة على النسخة الكاملة.
اسم الناسخ وتاريخ النسخ: كتب فيها أن اسم الناسخ: فضل الله، دون ذكر بقية نسبه، وقد كتبت النسخة بخط نسخ جميل، وانتهى من نسخها في العاشر من شهر ذي الحجة سنة ١١٧٧هـ.
عدد الأوراق والأسطر: عدد أوراق هذه النسخة (١٢١)، ورقة، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (١٧) سطرًا، ويتراوح عدد الكلمات في السطر الواحد ما بين ١٠-١٤ كلمة تقريبًا.
وصف الصفحة الأولى والأخيرة: كتب في منتصف الصفحة الأولى عبارة: "رد فرق النصارى"، وفي أعلاها عبارة: "من كُتُب الفقير مصطفى بهجت - رئيس الأطباء السلطاني".
وأما الصفحة الأخيرة فقد كتب فيها عبارة: "تَمَّ الكتاب بعناية الملك الوهّاب من نسخة مؤلِّفه وهو الشيخ صالح بن الحسين عفا الله عنه برحمته ورضوانه، في عاشر ذي الحجة سنة ١١٧٧هـ".
٣- حصلت على ميكروفيلم لثلاث مخطوطات، اثنتان منها مختصرتان من كتاب التخجيل للمؤلِّف نفسه، والأخرى لأبي الفضل المالكي السعودي، وقد رجعت إلى هذه المخطوطات لتأكيد قراءة نص في النسخة الأصلية أو إكمال بعض السقط فيها، وقد أشرت في الهامش إلى ذلك، ولم أضع رموزًا لهذه المخطوطات نظرًا لقلة اعتمادي عليها ووضوح النسخة الأصلية، وهذه المخطوطات هي:
أ- نسخة خطية لكتاب "البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى
[ ١ / ٧٥ ]
واليهود - للمؤلِّف نفسه) وتسمّى أيضًا بكتاب: (العشر المسائل) توجد في المتحف البريطاني بلندن ضمن مجموع يحمل رقم: (أ. د. د ١٦٦٦١)، ولم يذكر الناسخ اسمه عليها ولا تاريخ النسخ، وقد كتبت بخط نسخ جميل، وعدد أوراقها (٧٤) ورقة، في كل صفحة منها ١٨ سطرًا، في كل سطر منها ما بين ٦-٩ كلمات تقريبًا.
ب- نسخة خطية لكتاب (الرّدّ على النصارى - للمؤلّف نفسه) في مكتبة مسجد أيا صوفيا تحت رقم: ٢٢٤٦م، وتقع في (١١٥) ورقة، في كل صفحة منها ما بين ١١-١٢ سطرًا، وفي كل سطر ما بين ٦-٧ كلمات، وقد كتبت بخط نسخ جميل جدًا، ولم يذكر الناسخ اسمه عليها ولا تاريخ النسخ.
ج- نسخة خطية لكتاب (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل - لأبي الفضل المالكي السعودي) في مكتبة أحمد الثالث تحت رقم: (١٧٦٥) بتركيا، وتوجد مصورة ميكروفيلم عنها بمكتبة مركز البحث العلمي، تحت رقم: (٦٨/١٥ عقيدة) بجامعة أم القرى، وقد نسخها إسماعيل بن محمّد الزرقاني الحنفي المصري بخط نسخ جميل، وانتهى من نسخها عام ٩٨٩هـ، وتقع في (١٣٤) ورقة، في كل صفحة منها ١٩ سطرًا تقريبًا.
وقد طبعت هذه النسخة في مكتبة الحلبي بمصر بدون تحقيق.
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ ناسخ المخطوطة الفريدة الكاملة الأولى - التي رمزتُ إليها بالرمز (ص) - كان ناسخًا عاديًا، لم تكن له ثقافة واسعة ورفيعة، مما أدى به إلى الوقوع في الكثير من الأخطاء النحوية واللغوية والإملائية، وكان يرسم بعض الكلمات رسمًا دون إدراك أو فهم لمعناها، إضافة إلى صعوبة قراءة خطِّه في بعض المواضع، مما أرهقني كثيرًا في قراءة المخطوطة.
[ ١ / ٧٦ ]
ثانيًا: منهجي في التحقيق:
يتلخص عملي في تحقيق الكتاب بالأمور الآتية:
١- ضبط النّصّ وتقويمه، وذلك بتصحيح ما اعتراه من تصحيف أو تحريف، وإكمال ما سقط منه، وإضافة ما يقتضي السياق إضافته، واعتمدت في ذلك على مقابلة النسخ الناقصة للنسخة الفريدة الكاملة، وعلى مخطوطات الكتب الأخرى للمؤلِّف، وهي الرّدّ على النصارى والبيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود، وعلى مختصر الكتاب المسمّى: (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) لأبي الفضل المالكي السعودي، وعلى كتاب الشفا للقاضي عياض، وعلى المصادر الأخرى التي نقل منها المؤلِّف في كتابه.
٢- عزوت الآيات القرآنية الكريمة إلى سور القرآن الكريم مُبيِّنًا اسم السورة ورقم الآية.
٣- خرَّجتُ الأحاديث النبوية الشريفة من مظانِّها في كتب السنة المطهرة، فإن كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بالعزو إليهما وقد أزيد عليهما، وإن كان في غيرهما عزوته إلى مظاّنه ما أمكن، وأجتهد في النقل عمن تكلم على إسناده من العلماء، وإن لم أجد اجتهدت في بيان رأيي في إسناده بالنظر في تراجم رجال الإسناد إلاّ في القليل منها.
٤- عزوت الآثارإلى مظانِّها من الكتب الحديثية أوالتأريخية أو التراجم.
٥- عزوت نصوص التوراة والأناجيل وبقية أسفار العهد القديم والجديد إلى مصادرها مُوَضِّحًا رقم الإصحاح والفقرة، مُشيرًا إلى اختلاف النصوص في النسخة الحالية للكتاب المقدس عند اليهود والنصارى وبين النسخة التي كانت بين يدي المؤلِّف.
[ ١ / ٧٧ ]
٦- ترجمت للأعلام والأماكن الواردة في الكتاب، مشيرًا إلى مصادر الترجمة باختصار.
أما أعلام الصحابة - ﵃ - فلم أترجم للمشهورين منهم، ولكني قد أشير إلى عدد الأحاديث المروية لهم في كتب السنة معتمدًا في ذلك على مقدمة مسند الإمام بقي بن مخلد - بتحقيق د. أكرم ضياء العمري، وأما مَنْ عَدَا المشهورين من الصحابة ومن اختلف في صحبته فإني أجتهد في ترجمته ترجمة مختصرة.
٧- ترجمت الأديان والفرق الواردة في الكتاب، مشيرًا إلى مصادر الترجمة بإيجاز.
٨- رقمت الأدلة والشواهد التي أوردها المؤلِّف.
٩- شرحت المفردات اللغوية التي بدت لي غريبة، والمصطلحات اليهودية والنصرانية شرحًا واضحًا.
١٠- نسبت الأبيات الشعرية إلى قائلها وعزوت ما أمكن منها إلى مظانّها من دواوين الشعر وكتب اللغة إلاّ في القليل منها.
١١- علقت على بعض فقرات الكتاب لاستكمال جوانب البحث، مراعيًا عدم الإكثار من التعليقات نظرًا لضخامة حجم الكتاب.
١٢- صحَّحت الأخطاء النحوية والكتابية المخالفة لقواعد الكتابة والإملاء الحديثة.
١٣- بيَّنت في خاتمة البحث أهمّ النتائج التي توصلت إليها والصعوبات التي عانيتها في البحث والتوصيات التي ارتأيتها.
١٤- وضعت في نهاية البحث جملة من الفهارس التي تسهِّل على القارئ الوصول إلى ما يريده من الكتاب بأسرع السبل وأسهلها وهي:
[ ١ / ٧٨ ]
أ- فهرس الآيات القرآنية.
ب- فهرس الأحاديث الشريفعة.
ج- فهرس الآثار.
د- فهرس نصوص أسفار العهد القديم والجديد.
هـ فهرس الأبيات الشعرية.
وفهرس الأعلام.
ز- فهرس الأماكن.
ح- فهرس الأديان والفِرق.
ط- فهرس المصادر والمراجع.
ي- فهرس الموضوعات.
ثالثًا: المصطلحات والرموز المستخدمة في التحقيق:
ص: نسخة الأصل.
ش: تعليقات على هامش نسخة الأصل.
م: نسخة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة المجلد الثاني.
[]: ما بين المعقوفتين من إضافات المحقِّق وزياداته على النصّ.
توجد رموز وأرقام وسط المتن تشير إلى ما يقابلها من نسخة المخطوطة فمثلًا:
_________________
(١) ١/٧/أ: أي: المجلد الأوّل من المخطوطة، الورقة السابعة، الوجه (أ) . ٢/٤١/ب: أي: المجلد الثاني من المخطوطة، الورقة الرابعة عشرة، الوجه (ب) .
[ ١ / ٧٩ ]
القاموس: القاموس المحيط (قاموس لغوي) .
قاموس: قاموس الكتاب المقدس.
فتح: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري للحافظ ابن حجر.
ر: راجع أو انظر.
[ ١ / ٨٠ ]
القسم الثاني: خطبة الكتاب
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد الذي لا يتكثر بالأعداد، الماجد١ الذي لا تضارعه الأشكال والأنداد، المقدس عن الشريك والصاحبة والأولاد، المنَزَّه الذات والصفات عما يقول أهلُ الإلحاد، الصمد المتعالي عن الأكل والشرب كما اعتقد من حاد، القديم٢ لا بِكُرور العصور ومرور الدهور والآباد، العظيم لا بِكبر أجسام وأجساد، القيوم الذي لو نام فشا في الكون الفساد، خالق الآباء والأبناء والأزواج والأحفاد، سامك السماء بالملائكة الكرام وماسك الأرض بالأطواد، مظلم الليل ومضيء النهار ومفجِّر الأنهار من الصلد الجماد، مقدِّر الأقوات
_________________
(١) ١ بمعنى: المجيد، كالعالم بمعنى العليم، لكن الفعيل أكثر مبالغة، وهو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه. (ر: المقصد الأسنى، لأبي حامد الغزالي، ص٩٣، ١٠٣) . ولم يرد الاسم الشريف "الماجد" في القرآن الكريم ولكنه ورد في حديث أبي هريرة ﵁ في سرد الأسماء الحسنى، وقد أخرجه الترمذي ٥/٤٩٦، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ٢/٣٣٠)، وابن حبان (ر: الموارد ص ٥٩٢)، والحاكم ١/١٦، ١٧، والبيهقي في الأسماء والصفات ص ١٥، وغيرهم، وقد اختلف في تصحيح الحديث، فإن مداره على الوليد بن مسلم. (للتوسع في تصحيح الحديث، ر: رسالة الترشيد في اعتبار الأسماء برواية الوليد - تصنيف رجائي بن محمّد المصري) . ٢ "القديم" ليس من أسماء الله الحسنى فإنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة فإن أسماء الله عزوجل توقيفية. قال العلامة ابن أبي العزّ الحنفي: "وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أهل الكلام وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف. ولا ريب أنه كان مستعملًا في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه: "الأوّل" وهو أحسن من القديم؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له بخلاف القديم، والله تعالى له الأٍسماء الحسنى لا الحسنة". (ر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٤، ١١٥، بتصرُّفٍ بسيط) .
[ ١ / ٨٧ ]
ومدبِّر الأوقات الانتقاص والازدياد، مالك السماوات والأرض وواهب الرفع / (١/٣/أ) والخفض والبسط والقبض الملك الجواد، مرسل أنبيائه بلطائف أنبائه لإرشاد العباد، مهلك كسرى١ وقيصر٢ وتبع٣وحمير٤ وعاد٥ وشداد٦، واهب موسى النصر والعون وخاذل فرعون ذي الأوتاد٧، جاعل بنَ مريم
_________________
(١) ١ كسرى: لقب ملوك الساسانيّين، وهو معرَّب (خسرو) أي: واسع الملك، جمعه: أكاسره وكساسرة، والقياس كسرون. (ر: القاموس المحيط ص٦٠٤،الصحاح ٢/٨٠٧) . ٢ قيصر: اسم أسرة قديمة من أشراف روما، ولما تبنى يوليوس قيصر (٤٤ ق. م) ابن بنت أخته أوكتافيوس، اتّخذ الأخير اسم قيصر، وجرى خلفاؤه الأباطرة على اتّخاذ هذا الاسم، إلى أن قرر هادريان الاحتفاظ للأمبراطور وحده بلقب أغسطس معناه: "المبجل"،وتلقيب ولي العهد بـ:"قيصر". (ر: الموسوعة العربية الميسرة٢/١٤١١) . ٣ ورد ذكرهم في القرآن الكريم بموضعين قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ . [الدخان ٣٧]، وفي [سورة ق ١٢-١٤] . وأما تبع فقد ورد فيه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أدري تبع أنبيًّا كان أم لا؟ "، أخرجه الحاكم ١/٣٦، وصحّحه ووافقه الذهبي والألباني. (ر: صحيح الجامع الصغير ١/٩٦٩) . وفي التاريخ أن تبع: ملك في الزمان الأوّل، والتتابعة: ملوك اليمن، قيل: لا يسمى تبعًا حتى يملك حضرموت وسبأ وحمير. (ر: النهاية لابن الأثير ١/١٨)، وسمّوا بذلك لاتباع بعضهم بعضًا في الرئاسة والسياسة، والتبع: الظل لأنه يتبع الشمس، وضرب من اليعاسيب. (ر: المفردات للراغب ص ٧٢، والقاموس ص ٩١٢) . ٤ حمير بطن عظيم من القحطانية ينتسب إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، واسم حمير العرنج، وبلادهم اليمن أما أديانهم فقد انتشرت فيهم اليهودية، وكانوا يعبدون الشمس. (ر: معجم قبائل العرب - عمر كحالة ١/٣٠٥-٣٠٦) . ٥ قبيلة يقال لهم: عاد بن عوص بن سالم بن نوح، وكانوا عربًا يسكنون الأحقاف. (وهي جبال الرمل) وكانت باليمن بين عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها: الشحر، واسم واديهم مغيث، وقد أرسل الله إليهم نبيّه هودًا ﵇، فكذّبوه فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية. (ر: قصص الأنبياء - لابن كثير ١/٨٩) . ٦ شداد: من قبائل اليمن تقيم في شرقي صنعاء اليمن، ومنهم بطن من الأنبج بن هلال ابن عامر صعصعة، من العدنانية وكانت بلادهم في بلاد بونه من المغرب. (المرجع السّابق ٢/٥٨٥) . ٧ فرعون: كلمة من لفظتين: (بر - عو)، أي: (البيت الأعظم)، وكانت نعتًا للقصر الملكي منذ أيام الدولة القديمة، ثم أصبحت علمًا على ملوك مصر منذ الألف الأولى. ق. م. (ر: الموسوعة العربية الميسرة ٢/١٢٩٠)، وبعد دخول الإسلام إلى مصر فإن لقب (فرعون) يطلق على الكافر الذي ملك مصر، ولا يلقب به المسلم، وقيل: لفرعون ذي الأوتاد؛ لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت، وقيل: لأنه كان يوتد أيدي وأرجل أعدائه في أوتاد من حديد ويعلقهم بها، وقيل: بأن الأوتاد هم الجنود الذين يشدون أمره. (ر: تفسير ابن كثير ٣/٥٤٣) .
[ ١ / ٨٨ ]
وأمَّه آية للعالم وما هما بأعجب من حواء وآدم، فتعسا لعباد الأنداد، ضلّوا بالمشي على الماء، وصعود السماء وإحياء الموتى وتكثير الأزواد، هذا موسى قد فلق وإدريس قد صعد وإلياس قد أحيا من أنتن وداد١، ولم يكونوا أربابًا بذلك، فكيف يغلط فيما هنالك لولا الشقاء والعناد؟!.
أحمده على ما أسدى وأفاد، وأمدحه على ما أبدى وأعاد، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادة تضمن للصدر الثَّلَج، وكلمة تعصم المهج بأوفى الدَّرَج٢ وأقوى الحجج، وأشهد أنّ محمّدًا عبده الذي نصّ عليه موسى، ونبيّه الذي طرق بين يديه عيسى، وصفيه الذي أخدمه جبريل، ونجيّه الذي رسمه في التوراة والإنجيل، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة/ (١/٣/ب) تزيدهم تبجيلًا إلى تبجيل وتخلد جيلًا بعد جيل.
قال من عفا الله له٣ عن ذنبه وحباه بحبّه: "حضرت محفلا تحفَّل بالمعارف [أخلافه] ٤ وتكفَّلبالعوارف٥ [أُلاَّفُه] ٦، فأذاعوا مزائد الفوائد وأعادوا ودائع العوائد وأفاضوا في العلوم الدينية، وأضافوا إلى ذلك ذكر الأمة النصرانية
_________________
(١) ١ في ش: داد الطعام إذا وقع فيه السوس، أي: الدودة. ٢ دَرّجَ وأَدْرَج: صعد في المراتب، ولزم المحجة من الدين أو الكلام. (ر: القاموس المحيط ص ٢٤٠) . ٣ في ش: عبارة عن المؤلِّف - رحمة الله عليه. ٤ في ص (أخلاقه)، والذي أثبته (أخلافه) بالفاء حيث يدل عليه الفعل (تحفل) ففيه تشبيه المحفل (المجلس) المملوء علمًا ومعرفة بالضرع الممتلئ بالحليب، كما أن كلمة (أخلافه) موافقة لسياق الكلام وللجناس الذي يكثر منه المؤلِّف في كلامه. أخلاف - مفرده: (خلف) من ذوات الخف كالثدي للإنسان، وحلمة ضرع الناقة أو طرفه أو المؤخر من الأطباء أو هو للناقة كالضرع للشاة. (ر: القاموس المحيط ص ١٠٤٢، المصباح المنير ص ١٨٠) . ٥ العارفة: المعروف كالعُرف، ج: عوارف. (ر: القاموس المحيط ص ١٠٨١) . ٦ في ص (الأفة)، وفي ش: (الآفه) بالفاء أو بالقاف فَظ، والآفة بالفاء فَظ أيضًا أو بالقاف فمن ألف البرق إذا لمع أو من الألوقة وهي طعام يصلح من الزبد. اهـ. قلت: الصواب ما أثبته؛ لأنه الموافق لسياق الكلام، فإن الإلف، بالكسر: الأليف وجمعه: آلاف. ويجوز أن يكون: (أُلاَّفه) من الإلف الإلفه وجمعه أُلاَّف. (ر: القاموس ص ١٠٢٤) . وتوضيح معنى عبارة كالآتي: وتكفل بالمعروف من يأْلِفون فعل المعروف أو يألفون المحفل ويعتادونه.
[ ١ / ٨٩ ]
فتعجب مَنْ حضر كيف زلت بهم القدم، حتى اعتقدوا اتّحاد العَدَم بالقِدَم؟ ومن أين قادهم الخبيث إلى القول بالتثليث وروَّج عليهم المحال، فدانوا بعبادة الرجال؟ واستعبدوا أن يعتقد لبيب أن الإله يصلب على صليب، أو يستقرّ في الأحلام أن تشتمل على القديم الأرحام!!!.
فقلت: إن من المستحيل أن يضلّ السالك مع وجود الدليل، وعيسى ﵇ فهو خِرِّيت١ عارف بالطريق، وله من ربّه تعالى أوفى رفيق، وقد شهد له المصطفى - وهو المُزكَّى المعدَّل - بأنه بلغ عن الله، ولم يبدِّل، قال ربّنا جلّ اسمه حكاية عنه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُم وَكُنْتُ عَلَيْهُم شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِم ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١١٧] .
لكن ربما خلف من بعده خُلُوف٢ كالخلوف٣ واستعوص٤/ (١/٤/أ) عليهم كلامه فتناولوا بأيدي التحريف الحروف، وأتاهم العدوّ من قبل الألفاظ فغلظهم وجرأهم على الكفر بإجرائها على الظاهر فورطهم. ومعلوم أنّ كلّ تنْزِيل [لا يخلو] ٥ عن جملة من الظواهر لعرض التأويل يضلّ بها الجاهلون وما يعقلها إلاّ العالمون.
_________________
(١) ١ في ش: أي: دليل حاذق ماهر. ٢ الخلَف - بالتحريك والسكون -: كلّ من يجيء بعد من مضى، إلاّ أنه بالتحريك في الخير، والتسكين في الشرّ، يقال: خلَف صِدق، وخَلف سوء. ومعناهما جميعًا القرن من الناس، وخَلف جمعه خلُوف. ٣ الخِلفَة - بالكسر -: تغير ريح الفم، لأنها رائحة حدثت بعد الرائحة الأولى، يقال: خَلف فمه يخلف خِلفة وخلوفًا. ومنه الحديث: "لخلوف فم الصائم ". (ر: النهاية لابن الأثير ٢/٦٥-٦٨)، القاموس ص ١٠٤٣، ١٠٤٤) . ٤ في ش: استصعب. ٥ في ص: (لا يخلوا) والتصويب من المحقِّق.
[ ١ / ٩٠ ]
وهذا كما هفا١ قوم في لفظ الاستواء٢ والنُّزُول إلى سماء الدنيا٣ ولفظ الوجه٤ والعين٥ واليد٦ والقدم٧ وغير ذلك فحملوا الأمر في هذه
_________________
(١) ١ في ش: من الهفوة وهي الزلة لفظًا ومعنى. ٢ قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، [سورة طهَ، الاية: ٥]، والآيات كثيرة في إثبات صفة استواء لله عزوجل على العرش وعلوّه على خلقه، ومعنى ﴿اسْتَوَى﴾، - كما فسرّه السلف ﵏ -: "ارتفع وعلا واستقرّ وصعد". ٣ قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ . [سورة الفجر، الآية: ٢٢] . وقال رسول الله ﷺ: "ينْزِل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل " الخ. أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ٣/٢٩، ومسلم ١/٥٢١، ٥٢٣)، والروايات كثيرة ومتواترة في إثبات صفة نزول الله عزوجل إلى السماء الدنيا كما شاء وكيف شاء. إن صفتي الاستواء والنُّزُول إلى السماء الدنيا من الصفات الخبرية الثبوتية الفعلية الاختيارية التي تتعلق بمشية الله عزوجل إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها. ٤ قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَام﴾ . [سورة الرحمن، الآية: ٢٧] . والأدلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة كثيرة في إثبات صفة الوجه لله عزوجل. ٥ قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ . [سورة طهَ، الآية:٣٩] .وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ . [سورة القمر، الآية:١٤] . وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة على أن الله تعالى موصوف بأن له عينين حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته عزوجل. ٦ قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ . [سورة ص، الآية: ٧٥] . وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ . [سورة المائدة، الآية:٦٤] .وغيرها من الآيات والأحاديث الصحيحة التي تثبت صفة اليدين حقيقة لله عزوجل بما يليق بجلاله وعظمته ﵎. ٧ قال ﵇: "لا يزال يلقى فيها - يعني النار - وتقول: هي من مزيد؟ حتى تضع فيها ربّ العالمين قدمه فينْزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قطٍ قطٍ قطٍ بعزّتك وكرمك".أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري١٣/٤٣٤،ومسلم٤/٢١٨٦-٢١٨٨) . وجملة القول في ذلك: إنّ إطلاق صفات الله عزوجل توقيفية، وتنقسم إلى قسمين:
(٢) صفات بإثبات مفصل (الصفات الثبوتية) .
(٣) صفات بنفي مجمل (الصفات السلبية) . فالصفات السّلبية؛ هي: ما نفاها الله في كتابه الكريم، أو على لسانه نبيّه ﷺ، وكلّها صفات نقص في حقّه ﷿، كالموت، والنوم، والجهل، والعجز وغيرها، فيجب نفيها عن الله تعالى لما سبق مع إثبات ضدّها على وجه الأكمل. أما الصفات الثبوتية الخبرية فهي: ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو رسوله ﷺ، وكلها صفات الكمال لا نقص فيها، وتنقسم إلى قسمين: أ- صفات ذاتية قائمة بذات الله العلية، وهي التي لم يزل ولا يزال متّصِفًا بها كالوجه والعينين واليدين والقدم وغير ذلك مما وردت به النصوص الصحيحة. ب- صفات فعلية تتعلق بمشيئته عزوجل إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها، كالاستواء والنُّزول والمجيء والقبض والبسط. وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمته إثبات ما أثبته الله ورسوله من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه عزوجل مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته. (ر: للتوسع: الرسالة التدمرية والجزء الثاني والثالث من مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، لوامع الأنوار البهية ١/١٢٣، وما بعدها للسفاريني شرح العقيدة الطحاوية ص ١٢٧، وما بعدها، ومن المراجع الحديثة: كتاب الصفات الإلهية - د. محمّد أمان، وشرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الله الغنيمان، والقواعد المثلى في صفات الله أسمائه الحسنى، للشيخ محمّد بن عثيمين) .
[ ١ / ٩١ ]
التّسميات على ما يبتدر إلى أفهامالعوام١ فزلوا.
وإذا كان النصارى إنما أتوا٢ من قبل الألفاظ وعدم الحفَّاظ فيتعين على من له دُرْبة٣ بهذا الشأن حل إشكالهم وفكّ الشبهات التي أعانت على ضلالهم، فزعم الجماعة أني عارف بكتبهم خبير بمخاريقهم وكذبهم دَريّ بمرادهم بالجوهر والأقنوم، دَرِب بالفَرق بين فِرَق النسطور واليعاقبة والروم، وقالوا: لو أَنرتَ لَمعا تكون على الحق علما فرب كلمة واحدة تهدي أممًا، فأجبتهم لوجوب حقّهم ورجوت الحيا٤ عند رميض برقهم، واستخرت الله تعالى وشجعت جنانا جبانا وأطلقت من ضعيف / (١/٤/ب) العناية ودأبت٥ في تحصيل ما لم أقف عليه من كتب القوم ولم أجتز٦ بما كان في يدي منها حتى استكملت
_________________
(١) ١ قول المؤلِّف: "فحملوا الأمر في هذه التسميات على ما يبتدر إلى أفهام العوام فزلوا"، لا بدّ من تقييده بأنهم العوام الذين انحرفت فطرتهم وتلوثت أفهامهم بالتشبيه والتمثيل أو التعطيل أو التأويل. (أما عوام المسلمين فالأصل فيهم أنهم على عقيدة السلف، لأنها الفطرة التي يولد عليها الإنسان وينشأ عليها المسلم بلا تلقين ولا تعليم (من حيث الأصل) فكل من لم يلقنه المبتدعة بدعتهم ويدرسوه كتبهم فليس من حقّ أي فرقة أن تدعيه إلاّ أهل السنة الجماعة) . (ر: العلم الشامخ ص ٢٧١-٢٧٣، للشيخ صالح المقبلي، منهج الأشاعرة في العقيدة - د. سفر الحوالي ص ٢٣) . ٢ في ص: (أوتوا) والصواب ما أثبته. ٣ في ش: درية بالمنقوط التحتانية واحدة أو اثنتين، فأما بالباء فمن التدرب وأما بالياء فمن الدراية. ٤ في ش: أي: المطر. اهـ. وفي مختار الصحاح ص ١٦٧: "الحيا" مقصور - أي: المطر والخصب. ٥ في ش: أي: تعبت. ٦ أي: لم أقطع، ولم أكتف. (كما في القاموس المحيط ص ٤٤٩) .
[ ١ / ٩٢ ]
التوراة١ الخمسة الأسفار
_________________
(١) ١ التوراة: كلمة عبرية معناها الشريعة، وتسمّى الناموس أي: القانون. كما تسمى أيضًا: (البانتاتيك) وهي كلمة يونانية تعني: الأسفار الخمسة وهي:
(٢) سفر التكوين: يقع في (٥٠) إصحاحًا، وسمي بذلك لاشتماله على قصة خلق العالم، ثم قصص آدم وذريته ونوح وإبراهيم وذريته ينتهي، هذا السفر باستقرار بني إسرائيل بمصر وموت يوسف ﵇.
(٣) سفر الخروج: ويقع في (٤٠)، إصحاحًا، وسمي بذلك نسبة إلى حادثة خروج بني إسرائيل من مصر إلى أرض سيناء بقيادة موسى ﵇، وفيه ذكر الحوادث التي جرت لبني إسرائيل في أرض التيه، والوصايا العشر والكثير من الأحكام والتشريعات.
(٤) سفر اللاويّين: ويقع في (٢٧)، إصحاحًا، ويحتوى على شؤون العبادات وخاصة القرابين والطقوس الكهنوتية وكانت الكهانة موكولة إلى سبط لاوي بن يعقوب، فلذلك نسب السفر إليهم.
(٥) سفر العدد: ويقع في (٣٦) إصحاحًا، وسمي بذلك لأنه حافل بالعد والإحصاء لأسباط بني إسرائيل ومما يمكن إحصاؤه من شؤونهم ويتخلل ذلك بعض الأحكام والتشريعات.
(٦) سفر التثنية: ويقع في (٣٤)، وسمي بذلك لإعادة ذكر الوصايا العشر وتكرار الشريعة والتعاليم مرة ثانية على بني إسرائيل عند خروجهم من أرض سياء، وهذا السفر الذي ينهي التوارة المنسوبة إلى موسى ﵇ ورد في آخرها النص الآتي: "فمات هناك موسى، عبد الرّبّ في أرض مؤاب بأمر الرّبّ وتَمَّ دفنه في الوادي في أرض مؤاب تجاه بيت فاعور ولم يعرف إنسان قبره إلى اليوم وكان موسى بن مائة وعشرين سنة حين مات ". ر (: السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم ١/١، قاموس الكتاب المقدس ص ٢٣٥، ٢٣٩، ٦٠٩، ٨٠١، ٨٠٨)، والنص السابق صريح في أن كاتبه ليس موسى ﵇، وهو ما صرح به الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوز (ت ١٦٧٧م)، في كتابه: رسالة في اللاهوت والسياسة ص:٢٦٦-٢٦٧، حيث ذكر ملاحظات ابن عزرا (ت: ١١٦٧)، وهو عالم يهودي شَكَّ في نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى-وأضاف إليها ملاحظاته الشخصية ثم ذكرسبينوزاالنتيجةالتي توصل إليهامن خلال أبحاثه فيقول: "ومن هذه الملاحظات كلها يبدو واضحًا وضوح النهار أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة بل كتبها شخص عاش بعد موسى بقرون عديدة". اهـ. وقد توصل إلى هذه النتيجة أيضًا المؤرخ ول ديورانت وذكرها في موسوعته قصة الحضارة ٢/٣٧٦. وتذكر دائرالمعارف الفرنسية (معجم لاروس) تحت عنوان توارة:"أن العلم العصري ولاسيما النقد الألماني قد أثبت بعد دراسات مستفيضة في الآثار القديمة والتاريخ وعلم اللغات أن التوراة لم يكتبها موسى وإنما كتبها أحبار لم يذكروااسمهم عليها ألفوهاعلى التعاقب ومعتمدين على روايات سماعية سمعوها قبل أسر بابل".اهـ. فهذه بعض اعترافات محقِّقيهم وعلمائهم في عدم صحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى ﵇. علمًا بأن هذه التوراة تعتبر جزءًا رئيسًا من (الكتاب المقدس) عند اليهود - والذي يسمّيه النصارى بالعهد القديم - وينقسم بحسب محتوياته إلى أربعة أقسام هي: ١- التوراة. ٢- الأسفار التاريخية وهي: (١٢)، سفر تعرض لتاريخ بني إسرائيل منذ دخولهم فلسطين حتى فترة السبي البابلي وهذه الأسفار هي: سفر يوشع، القضاة، راعوث، صموئيل الأوّل والثاني، الملوك الأول والثاني، أخبار الأيام الأوّل والثاني وعزرا ونحميا وأستير. ٣- أسفار الأناشيد الأسفار الشريعة: وعددها (٥)، أسفار هي: أيوب، المزامير، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد. ٤- أسفار الأنبياء وعددها (١٧)، سفرا تنسب إلى أنبيائهم ومنهم أشعيا وأرميا وحزقيال وغيرهم.
[ ١ / ٩٣ ]
ونبوة داود١، ونبوة
_________________
(١) ١ داود ﵇: اسم عبري معناه (محبوب) وهو ابن يسي وثاني ملوك بني إسرائيل ومن أنبيائهم الكرام، إلاّ أن الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى تتهمه بارتكاب الكبائر وفعل الفواحش. وتنسب إليه (سفر المزامير) وهي مجموعة من الأشعار الملحنة وغرضها تمجيد الله وشكره وكانت ترنم على صوت المزمار وغيره من الآلات الموسيقية، وفي العبرانية يسمى (كتاب الحمد) وقد عرفت باسم (مزامير داود) بالنسبة لعدد المزامير التي نسبت إليه وبلغت ٧٣ من ١٥٠ مزمورًا. وتنقسم هذه المزامير إلى خمسة أقسام هي:
(٢) يتضمن القسم الأوّل (٤١)، مزمورًا، منها) (٣٧)، لداود، أما أربعة منها وهي: (١، ٢، ١٠، ٣٣)، لمؤلفين غير معروفين لذلك يدعونها المزامير اليتيمة نظرًا لعدم وجود أب لها.
(٣) القسم الثاني يتضمن (٣١) مزمورًا (أي: من ٤٢-٧٢)، (٧) لبني قورح و(مزمور واحد) لآساف و(١٨) لداود و(٤) لمؤلِّفين غير معروفين ومزمور لسليمان.
(٤) القسم الثالث: يتضمن (١٧)، مزمورًا (أي: من ٧٣-٨٩)، منها: (١١) لآساف و(٣) لبني قورح وواد لداود وواحد لهيمان وبني قورح وواحد لايثان.
(٥) القسم الرابع يتضمن (١٧) مزمورا (أي: من ٩٠-١٠٦)، منها مزمور لموسى، و(٢) لداود والبقية لمؤلِّفين غير معروفين.
(٦) القسم الخامس يتضمن (٤٤) مزمور (أي: ١٠٧-١٥٠)، منها: (١٥) لداود وواحد لسليمان والبقية لمؤلِّفين غير معروفين. وتقرأ هذه المزامير في الكنيسة والعبادات الفردية والجماعية. (ر: ترجمته في سفر صومئيل الأوّل وسفر الملوك الأوّل، السنن القويم الجزء (١٦)، قاموس الكتاب المقدس ص ٤٣٠، ٣٦١-٣٦٦) . أقول: من العجب، ومن غير المعقول أن تضاف مزامير آساف وبني قورح وغيرهما إلى الأسفار المقدسة وهم ليسوا أنبياء حسب ما ورد في تراجم!!! والأدهى من ذلك أن عددًا كبيرًا من المزامير يبلغ عددها (٥٠) مزمورًا تنسب لمؤلِّفين غير معروفين - باعتراف مفرسيهم ومحقِّقيهم بذلك - فبأي حقٍّ يضفي على تلك المزامير صفة القداسة والوحي، وهم لا يعرفون قائلها؟!! وهل ذلك إلاّ اتباع الهوى واتّخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله؟!!. وأما سيرة هذا النبيّ الكريم في المصادر الإسلامية فهي مبسوطة في كتب التفسير وتاريخ الطبري١/٢٣١-٢٥٦،وقصص الأنبياء لابن كثير ص١٩٦-٢٢٩، وغيرها وفيها وصفه بما هو أهل له من التكريم والتعظيم لنبيّ من أنبياء الله الكرام والعصمة في التبليغ ومن كبائر الذنوب وتنْزِيهه مما نسبه أهل الكتاب إليه من الإفك والبهتان.
[ ١ / ٩٤ ]
أشعيا١، ونبوة ميخا٢، ونبوة حبقوق٣،
_________________
(١) ١ أشعيا بن آموص، ومعنى اسمه (الرّبّ يخلص)، ويعتبره النصارى نم أعظم أنبياء العهد القديم ويلقبونه بـ: (النبيّ الإنجيلي) لكثرة نبواته عن المسيح، ويغلب على ظنّ المؤرخين بأن أشعياء قد مات مقتولًا في اضطهاد الملك منسي الإسرائيي. وينسب إلى أشعياء سفر باسمه عدد إصحاحاته (٦٦) إصحاحًا، ويعتبر ضمن أسفار الأنبياء المتأخرين الذي يشمل عددًا من أنبيائهم كـ: ميخا وحبقوق وصفنيا وزكريا وحزقيال وأرميا ودانيال وهنوشع وغيرهم وتحتوي هذه الأسفار بصفة عامة على وصايا الأنبياء ومناجاتهم لله عزوجل والتنديد بفساد سلوك بني إسرائيل وكثرة ذنوبهم والتهديد بزوال دولتهم ونصحهم بالتوبة والرجوع إلى الله. (ر: سفر أشعيا، السنن القويم ٨/٦٦، وما بعدها، قاموس الكتاب ص ٨١-٨٥) . وعن سفر أشعيا يقول الكاتب المصري النصراني حبيب سعيد في كتابه المدخل إلى الكتاب المقدس ص ١٠٣: "اختلفت آراء الشراح والباحثين حول هذا السفر اختلافًا لا نظير له في أي سفر آخر، هذا ويجمع الدارسون في العهد القديم على أن أشعيا قد يكون كتب جزءًا من هذا السفر، بينما يرى بعض الدارسين أن كُتَّاب السفر ثلاثة أو أكثر. والإصحاحات من رقم: (٤٠) إلى رقم: (٦٦) تمثل مشكلة حادة أمام الباحث ذلك أن فيها براهين قوية وأدلة صريحة تؤكّد عدم صلة هذه الأصحاحات من السفر لأشعيا، ولا تتصل بالزمن الذي يدعيه المؤرخين عصرًا لأشعيا وهو الفترة من: ٧٦٥-٧٠٠ ق. م. ذلك أن اسم أشعيا في بدية هذه الإصحاحات لم يذكر تمامًا، ويبدو أن الإصحاحات من رقم: (١-٣٩) كانت كتابًا منفصلًا وأدمجا بطريق الصدفة عند نسخ أسفار الأنبياء". اهـ. وبنحو ذلك أشار إليه سبينوزا في رسالته ص ٣١١، وفي مقدمة السفر من الكتاب المقدس للكاثوليك - منشورات دار المشرق ١٩٨٣م. فلا حاجة بنا إلى المزيد من التعليق بعد هذا الاعتراف الصريح منهم في شكّهم بنسبة هذا السفر إلى أشعياء. ٢ ميخا معناه: (من مثل يهوه؟!) ويلقب بالمورشتي نسبة إلى قرية مورشه مسقط رأسه، وهو في العهد القديم سادس الأنبياء الصغار، وينسب إليه سفر باسمه (سفر ميخا) وعدد إصحاحات (٧) إصحاحات. (ر: سفر ميخا، السنن القويم ١٢/٩٠، وما بعدها، قاموس ص ٩٣٦، ٩٣٧) . ٣ حبقوق معناه: (يعانق)، وهو عند أهل الكتاب ثامن الأنبياء الصغار الذين ظهروا في مملكة يهوذا، وما يعرفونه من سيرة حبقوق إنما هو مجرد استنتاجات من السفر المنسوب إليه بأنه كان أحد المغنيين في الهيكل ومن سبط اللاويّين، وعدد إصحاحات السفر المسمَّى باسمه (سفر حبقوق) ثلاثة إصحاحات. (انظر: ترجمته في: سفر حبقوق، السنن القويم ١٢/١١٦، قاموس ص ٢٨٧، ٢٨٨) . أقول: هذا سفر منسوب إلى شخص فيه جهالة ظاهرة فلا يعرف شيء عن مكان أو زمان ولادته أو عن سيرته إلاّ عن طريق التخمين والظن. (ر: مقدمة طبعة الكتاب المقدس بالإنجليزية سنة ١٩٧١م) .
[ ١ / ٩٥ ]
ونبوة صفنيا١، ونبوة زكريا٢، ونبوة أرميا٣، ونبوة
حزقيال٤،
_________________
(١) ١ صفنيا: اسم عبري معناهك (يهوه يستر)، وهو في العهد القديم يعتبر تاسع الأنبياء الصغار، ويعود نسبه إلى الملك حزقيا، وقد كان صغفنيا معاصرًا لحقبوق، وينسب إليه سفر باسمه: (سفر صفنيا) عدد إصحاحاته ثلاث إصحاحات. (ر: ترجمته في: سفر صفنيا، السنن القويم ١٢/١٣٦، قاموس الكتاب المقدس ص ٥٤٤، ٥٤٥) . ٢ زكريا: معنه: (يهوه قد ذكر) وهو ابن برخيا - وهو ليس زكريا أبو يحيى ﵉وهو في العهد القديم يعتبر الحادي عشر بين الأنبياء الصغار، ويظهر أنه كان من نسل لاوي فكان مستحقًا لوظيفة كاهل أو نبي، وقد كان معاصرًا لحجي- أحد أنبيائهم-الذي كان في عهد الملك داريوس في فترة ما بعد السبي البابلي، وينسب إليه سفر باسمه: (سفر زكريا) عدد إصحاحاته (١٤) إصحاحًا. (ر: سفر كزريا، السنن القويم ١٢/١٦٠، قاموس ص ٤٢٨-٤٢٩) . ٣ أرميا: معناه: (الرّبّ يؤسس أو يثبت)، وهو ابن حلقيا الكاهن. وهو في العهد القديم أحد الأنبياء الكبار مثل: (أشعيا وحزقيال ودانيال وقد ظهر في زمن الملك يوشيا إلى سقوط أورشليم، ولا يعرف شيء عن تاريخ ومكان موته. وينسب إليه (سفر أرميا) الذي كتبه صديقه باروخ بن نيريا وعدد إحاحاته (٥٢) إصحاحًا، كما ينسب إليه أيضًا (مراثي أرميا) وعدد إصحاحاته (٥) إصحاحًا. (سفر أرميا قاموس ص ٥٢-٥٦) . ويرى سبينورزا أن سفر أرميا مجموعة مأخوذة من كتب أخرى متعددة، ويكون خليطًا من نصوص بلا ترتيب ودون مراعاة للأزمنة وبعض الإصحاحات مستمدة من سفر باروخ، ويرى معظم النقاد - كإيسفيلت وهالر وأدولف - أن أرميا لم يكتب المراثي. (ر: رسالة في اللاهوت ص ٣١١-٣١٣) . ٤ حزقيال: معناه: (الله يقوي)، وهو ابن بوزى من عشيرة كهنونية، ويعتبرونه أحد الأنبياء الكبار، وقد نشأ في فلسطين زمن النبيّ أرميا، ثم حمل مسبيًا مع ملك يهوذا (يهو ياكين) إلى أرض بابل أثناء الغزو البابلي، ولا يعرف وقت ومكان موته، وينسب إليه (سفر حزقيال) عدد إصحاحاته (٤٨) إصحاحا. (ر: سفر حزقيال، قاموس ص ٣٠١-٣٠٤) . وقد يبدو من النظرة الأولى أن هذا السفر الطويل من وضع حزقيال وحده، على أن الرّأي السائد بين المهتمين بأخبار ودراسة العهد القديم أن بعض أجزاء من هذا السفر كتبت في وقت متأخر كثيرًا عن زمن حزقيال، وأن حزقيال نفسه لم يضع السفر الذي بين أيدينا كلّه فضلًا عما في قضايا السفر من حوادث ومراحل تاريخية تنفي صلتها بحزقيال، والباحث في السفر يرى نفسه أمام أساليب مختلفة وصياغات عديدة مما يؤكّد أنه من المتعذر أن تكون كتابة هذا السفر في نفس عصر حزقيال بل بعد فترة طويلة. (ر: رسالة في اللاهوت - سبينوزا ص ٣١٣-٣١٤، المدخل إلى الكتاب المقدسة، حبيب سعيد، ص ١١٦) .
[ ١ / ٩٦ ]
ونبوة دانيال١٢، والأناجيل
_________________
(١) ١ دانيال: معناه: (الله قضى)، عاش في فترة السبي البابلي، ونال مكانة عالية عند نبوخد نصر بعد أن فسر له دانيال حلمًا قد أزعجه، وتوفي دانيال في عهد الملك كورش ملك الفرس، وينسب إليه سفر باسمه عدد إصحاحاته (١٢) إصحاحًا يحتوي - إضافة إلى ما ذكر - على تاريخ بني إسرائيل في فترة السبي وعلى تنؤات مستقبلية. (ر: سفر دانيال، قاموس ص ٣٥٧-٣٦٠) . يقول سبينوزا في رسالته ص: ٣١٦: "كتب دانيال سفره ابتداء من الأصحاح الثامن، أما الإصحاحات السبعة الأولى فمجهولة المؤلِّف" اهـ. ويؤكّد ذلك ما ورد في مقدمة التعريف بهذا السفر في الكتاب المقدس للكاثوليك ونصّه: "ليس دانيال مؤلِّف السفر الذي يحمل اسمه، إن هو إلاّ شخصه الرئيسي إن مؤلِّفًا ملهمًا لم يترك اسمه قد ضم إلى هذه الصورة الشهيرة الماضي عدة رؤى ذات إنشاء روائي". اهـ. ٢ إن الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم يجب علينا الإيمان بهم تفصيلًا أي: بأشخاصهم وأسمائهم وهم: آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وأيوب وإدريس ويونس وهود وشعيب وصالح ولوط وإلياس واليسع وذو الكفل وزكريا ويحيى وعيسى ومحمّد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وكذلك يوشع بن نون الذي ثبت نبوته بالسنة النبوية الصحيحة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وأما بقية الأنبياء فإنه يجب الإيمان بهم جملة كما قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٦٤] . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ . [سورة فاطر، الآية: ٢٤] . أما ما ورد عن بني إسرائيل وفي كتبهم المقدسة لديهم من أخبار بتسمية بعض الأشخاص بالأنبياء كأشعياء، وأرميا وصفنيا وهوشع وغيرهم، مما لم يقم على نبوتهم دليل من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة فإننا لا نكذبه ولا نصدّقه؛ لأن خبرهم يحتمل الصدق والكذب لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ﴾ الآية. [سورة البقرة، الآية: ١٣٦] . (أخرجه البخاري فتح الباري ٨/١٧٠) . قال الحافظ ابن حجر: "أي: إذا كان ما يخبرونكم به محتملًا لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذّبوه، أو كذبًا فتصدّقوه فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاته، نبّه على الشافعي ﵀". اهـ. وأيضًا لوجود الاضطراب والانحراف في نظرة اليهود والنصارى نحو النبوة والأنبياء - وهو ناشئ من كتبهم المقدسة عندهم - فإن لفظ (النبي) في كتبهم الحرفة تطلق على النبيّ من الله. (ر: تكوين٢٠/٧، وغيرها كثير) . وعلى كهنة الهيكل وأحبارهم. أخبار الأيام الأول ٢٥/١، أرميا ٦/١٣، أشعيا ٩/١٤)، وعلى الساحر والمنجم. (حزقيال ١٣/١٩)، وعلى الأنبياء الكاذبة. (أرميا ٥/٣١)، كما تطلق أيضًا على كهنة الآلهة الوثنية. (الملوك الأوّل ١٨/١٩، والثاني ٣/١٣-١٠) . وعلى نسائهم أيضًا. (الخروج ١٥/٢٠، القضاه ٤/٤، صموئيل ٢/١) . ويؤكّد هذا الاضطراب تصريح أريك ويليام هيتون - أستاذ دراسات العهد القديم بجامعة أوكسفود - في كتابه: (أنبياء العهد القديم ص ٣٥)، إذ يقول: "إن أي محالة لتمييز الأنبياء الحقيقيّين بناء على التعريف النظري المجرد للنبوة، إنما هو عمل مقضي عليه بالفشل، ذلك أن تعريف النبوة كغيره من تعاريف بض الكلمات المذكورة في العهد القديم مثل عقيدة وكاهن - لن يقودنا على أحسن الفروض إلاّ إلى ربط النبوة بمظاهر خاريجة عرفها الناس في حياتهم العادية". اهـ. (نقلًا من النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية ص ١٥، لأحمد عبد الوهّاب) . كما أنهم يتهمون بعض أنبيائهم بالشرك وارتكاب الكبائر من الذنوب كالزنى والسرقة والقتل بغير حقٍّ ونحوه، وهذا مما نجزم بكذبه ولا تجوز روايته إلاّ لبيان بطلانه وكذبه. وينفون النبوة عن بعض أنبيائهم كسليمان ﵇ فهو في نظرهم مجرد ملك وليس بنبيٍّ. لذلك فإن موقفنا نحو ما ورد في كتبهم المقدسة المحرفة هو أن ما وافق منه شرعنا فنصدقه أو نقبله، وأما ما خالفه وظهر بطلانه فنرده ونرفضه، وأما ما سكت عنه شرعنا فلا نصدِّقه ولا نكذِّبه.
[ ١ / ٩٧ ]
الأربعة١، ورسائل
_________________
(١) ١ إنّ الأناجيل تمثل جزءًا رئيسًا من (الكتاب المقدس) عند النصارى، الذي ينقسم عندهم إلى قسمين رئيسين هما: أوّلًا: العهد القديم: الذي يحتوي على أسفار الأنبياء الذين كانوا قبل المسيح ﵇ ومنها التوراة. ثانيًا: العهد الجديد: ويحتوي على الأسفار التي تبدأ بظهور المسيح ﵇، وتنقسم بحسب محتوياتها إلى ثلاثة أقسام هي: ١- قسم الأسفار التاريخية: وتشمل: الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرسل. ٢- الأسفار التعليمية: وتشمل: رسائل الحواريّين وتلاميذ المسيح. ٣- رؤيا يوحنا اللاهوتي. أما الإنجيل لغة، فهي: كلمة مأخوذة من اللفظ اليوناني: (إيفا نجليون EVANGELION) ومعناه: (الخبر الطيب) أو البشارة. واصطلاحًا: يزعم النصارى أن المسيح ﵇ قد استعمل كلمة الإنجيل بمعنى (بشرى الخلاص من خطيئة آدم الأزلية) التي حملها إلى الشر، واستعملها تلاميذه من بعده بالمعنى نفسه، ثم استعملت هذه الكلمة على الكتاب الذي يتضمن هذه البشرى وهي سيرة المسيح ﵇، وقد غلب استعمالها بهذا المعنى على إنجيل متى، إنجيل مرقس، إنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. (ر: كتاب يسوع المسيح ص ١٤، للأب بولس إلياس، قاموس الكتاب ص ١٢٠، ١٢١، قصة الحضارة ١١/٢٠٦، لديورانت) . وأما محتويات هذه الأناجيل فيمكن تقسيمها إلى خمسة موضوعات، وهي باختصار كالآتي:
(٢) القصص: ويشغل الحيز الأكبر منها، وتتحدث عن قصة المسيح ﵇، بدءًا بولادته ثم دعوته ثم موته على الصليب ودفنه ثم قيامه من القبر ثم صعوده إلى السماء - حسب زعمهم.
(٣) العقائد: وتتركز بشكل رئيسي حول ألوهية المسيح وبنوته لله وتقرير أسس العقيدة النصرانية المنحرفة، وأكثر الأناجيل صراحة في تقرير ذلك إنجيل يوحنا.
(٤) الشريعة: يفهم من الأناجيل أنها أقرت شريعة موسى ﵇ إلاّ ما ورد عن المسيح
[ ١ / ٩٨ ]
التلاميذ المعروف
_________________
(١) بتعديله أو نسخه في أمور محددة وهي: الطلاق وقصاص الجروح ورجم الزانية.
(٢) الأخلاق: يفهم منها الغلو والإمعان في المثالية والتسامح والعفو ودفع السيئة بالحسنة. (ر: متى الإصحاح ٥)، ولا يمنع هذا من وجود بعض النصوص في الأناجيل التي تدعو إلى القتال، إلاّ أنّ جانب المثالية والتسامح هو الأغلب.
(٣) الزواج وتكوين الأسرة: لم تهتم الأناجيل كثيرًا بمسألة الزواج، ولكن يفهم منها عمومًا أن المتبتل الأعزب أقرب إلى الله من المتزوج الذي يعاشر النساء. وقد تَمَّ اعتماد هذه الأناجيل الأربعة عند النصارى بموجب قرار مجمع نيقية عام ٣٢٥هـ، - وهو مما يدل على أن العقيدة النصرانية المنحرفة قد أقرت أوّلًا ثم بحث من بين الأناجيل المعروضة على المجمع ما يوافقها - مع أنّها لم تكن الأناجيل الوحيدة التي دونت في القرون الأولى للمسيحية وعرضت على مجمع نيقية، وعلى الرغم من أن الكنيسة قد أعلنت بعد المجمع أن ما عدا الأناجيل الأربعة والأسفار المعتمدة فإنّها هرطقات أو أسفار خفية غير قانونية اصطلح على تسميتها بـ: (أبو كريفا (APOCYRPHAL)، فقد بقيت بعض الأناجيل المحرفة متداولة ومشتهرة بين النصارى حتى عهد قريب. ومنها: إنجيل المصريّين، إنجيل نيكوديم (نيقوديموس)، إنجيل العبرانيّين، إنجيل توما، إنجيل برنابا، إنجيل الأبيونيّين وقد عدّها بعضهم فبلغت أكثر من خمسمائة إنجيلًا - علمًا بأن الكتب الممنوعة الاطلاع في مكتبات الكنائس وخاصة في الفاتيكان أكثر من أن تحصى والتي لا يطلع عليها إلاّ الخاصة من كبار القساوسة وإن قيمة بعض تلك الأناجيل المحرمة من حيث السند والمتن ليست بأسوأ حال من الأناجيل المعتمدة إن لم تكن أفضل منها، ولكن النصارى اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. (ر: دائرة المعارف الأمريكية ١٣/٧٠، ٧١، قاموس الكتاب ص ١٢٢، دائرة معارف القرن العشرين ١/٦٥٥، ٦٥٦ لفريد وجدي، المسيح في مصادر ص ٣٦-٣٨، أحمد عبد الوهّاب، ملحق الجزء الأوّل لشكيب أرسلان على تاريخ ابن خلدون ص ٥٩-٦٤، الإنجيل والصليب ص – ط، للأستاذ المهتدي عبد الأحد داود - الذي كان قسيسًا فأسلم -) . وأما تعريف الإنجيل في الإسلام فهو كما قال الله عزوجل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٤٦] . فهو إذن: وحيٌ وكتابٌ أنزل الله على عبده عيسى ﵇ فيه هدىً ونورٌ وموعظة ومصدِّقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهو إنجيلٌ واحدٌ وليس أناجيل متعددة، وقد كان المسيح يدعو بني إسرائيل للإيمان بهذا الإنجيل كما ورد التصريح بذلك في إنجيل متى ٢٦/١٣، ومرقس ١٤/٩، وورد في رسالة بولس إلى رومية ١٥/١٩، نسبة الإنجيل إلى المسيح فقال: "قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح". إلاّ أنّ هذا الإنجيل قد فقد واندثر أو لعبت به أيدي التحريف والتبديل والنسيان والإهمال حتى انطمست آثاره ومعالمه باختلاط الحقّ بالباطل. أما هذه الأناجيل الأربعة فإنه ليس واحدًا منها هو الإنجيل الصحيح، لأنها تنسب إلى غير المسيح ولِمَا فيها من الباطل الذي قد بينا بعضه ولأسباب أخرى سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى، ومع ذلك فإنه لا ينفي وجود بعض بقايا الوحي الإلهي في خطب المسيح، ومواعظه التي نقلها تلاميذه وتوافق ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة وفيها البشارة بالنّبي ّ محمّد ﷺ.
[ ١ / ٩٩ ]
بفراكسيس١، ورسائل فولس٢ الرسول وصلوات النصارى وشريعة إيمانهم
_________________
(١) ١ إن الأسفار المتبقية من العهد الجديد - عدا الأناجيل الأربعة، هي: رسائل يزعم النصارى بأن تلاميذ المسيح قد كتبوها إلى كنائس معينةٍ أو أشخاص أو النصارى عامة، ثم اعتبرتها الكنيسة أسفارًا قانونيًا وأنها كتبت بإلهام من الروح القدس لمؤلِّفيها، وتفصيلها كما يأتي: أ- سفر أعمال الرسل - ويسمى سفر براكسيس (PRAXIS) وهي كلمة يونانية تعني الأعمال - وينسب هذا السفر إلى لوقا - صاحب الإنجيل الثالث - وعدد إصحاحاته (٢٨) أصحاحًا، يحتوي على سير الحواريّين وتلاميذ المسيح وجهودهم في سبيل نشر تعاليم المسيح بعد رفعه ﵇. ب- رسائل الحواريّين والتلاميذ - وتعتبر من الرسائل التعليمية لأنها توضح تعاليم النصرانية ومبادئها - تشتمل على (٢١) رسالة موزعة كالآتي: (١٤) رسالة لبولس عدد إصحاحاتها (٩٩) إصحاحًا، رسالة واحدة ليعقوب عدد إصحاحاتها (٥)، رسالتان لبطرس عدد إصحاحاتها (٨)، (٣) رسائل ليوحنا عدد إصحاحاتها (٧)، رسالة واحدة ليهوذا مكونة من إصحاح واحد فقط. ج- رؤيا يوحنا - صاحب الإنجيل الرابع - وهو عبارة عن تنبؤات مستقبلية، عدد إصحاحاتها (٢٢) إصحاحًا. وقد يتصور الإنسان أن هذه الرسائل أو الأسفار قد اعتمدت - أي: أصبحت قانونية مقدسة - دفعة واحدة وفي قائمة واحدة من قبل رجال اللاهوت ومجامعهم المسكونية لكن الواقع غير ذلك وتفصيله كالآتي: عندما انعقد مجمع نيقية المشهور سنة ٣٢٥م، تم فيه اعتماد معظم أسفار العهد القديم والأناجيل الأربعة وأغلب رسائل العهد الجديد ما عدا رسالة يعقوب، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالتان الثانية والثالثة ليوحنا، ورسالة يهوذا، ورسالة بولس إلى العبرانيّن، وسفر رؤيا يوحنا، وظلت مشكوكًا بها ومدرجة ضمن الكتب المفروضة. ثم انعقد مجمع لوديسيا سنة ٣٦٤م، اعتمدت فيه الأسفار المذكورة آنفًا ما عدا سفر رؤيا يوحنا الذي ظل مدرجًا ضمن الكتب المشكوك فيها والمرفوضة. ثم انعقد مجمع قرطاج سنة ٣٩٧م، وتم فيه اعتماد سفر رؤيا يوحنا، وكذلك بعض أسفار العهد القديم، ثم تأيدت قرارات تلك المجامع السابقة بمجامع ثلاثة أخرى هي: مجمع ترلو سنة ٦٩٢م، مجمع فلورنس سنة ١٤٣٩م، مجمع ترنت من سنة ١٥٤٢م-١٥٦٣م تم فيها اعتبار الأسفار المشكوك فيها مسلمة بين جمهور النصارى. (ر: تاريخ الكنسية ص ١٥٢، ١٥٣، يوسابيوس القيصري ترجمة القمص مرقس داود، كتاب الغفران بين الإسلام والمسيحية ص ٣٣-٣٥، للأستاذ إبراهيم خليل - الذي كان قسيسًا وأستاذ اللاهوت بكلية اللاهوت بأسيوط ثم هداه الله إلى الإسلام - أظهار الحقّ ص ٧٦-٨٢، للشيخ رحمة الله الهندي - بتصرف) . فهذه حال كتب القوم، تصبغ بالقداسة والتعظيم حسب أهواء شياطينهم وأحبارهم، ولا مستند لهم في قبول الأسفار ورفضها إلاّ اتباع الهوى والشيطان. ٢ هو: (بولس) - ومن عادة العرب أن يقلبوا الباء فاء حين الترجمة عن اللغة اليونانية ومعنى: (الصغير)، وكان اسمه في اليهودية شاؤول ويلقبه النصارى بالرسول على الرغم من أنه لم يكن من تلاميذ المسيح، ولم تثبت له رؤية المسيح ﵇ في حياته، وقد كان بولس في بداية أمره من أشدّ الناس اضطهادًا وتعذيبًا لأتباع المسيح ﵇، ثم زعم بولس وهو طريقه إلى دمشق بأن المسيح قد ظهر له يقظة في عمود من نور وذلك بعد رفع المسيح بسع سنين - وأمره باتباعه وتبليغ رسالته إلى الأمم - وبذلك أصبح بولس من أكبر الدعاة فأخذ يطوف البلاد وينشأ الكنائس ويلقي الخطب ويكتب الرسائل حتّى قتل في اضطهاد دنيرون سنة ٦٧ أو ٦٨م، وتنسب إليه (١٤) رسالة من أسفار العهد الجديد تعتبر مصدرًا رئيسًا للعقائد والتشريعات النصرانية المحرفة. (ر: سفر أعمال الأصحاح (٩) وما بعدها، قاموس ص ١٩٦-١٩٩، المسيحية نشأتها وتطورها - شارل جينبر ص ٦٧-١١١، تاريخ المسيحية (فجر المسيحية) - حبيب سعيد ص ٤٠-٤٥) . وكما يقول حبيب سعيد: "بأن بولس صاحب الفضل الكبير في وضع أركان المسيحية الأولى". اهـ. فإننا نجد في رسائل بولس النصرانية المنحرفة وأوّل من غرس بذرة التثليث، فهو قد دعا إلى تأليه المسيح وبأنه ابن الله. (ر: رسالته إلى رومية٢/٢٣-٢٧، ٥/١٠-١٢) . وبأن المسيح سيحاسب الناس يوم القيامة. (ر: رسالته إلى أفسس ١/٢٢، ورسالته إلى رومية ١٤/١٠) . ونسخ الختان. (ر: رسالته إلى كونثوس ٧/١٨، ١٩) . وجعل المسيحية دينًا عالميًا. (ر: رسالته إلى رومية ١/٥، ١٤-١٦، وإلى غلاطية ٣/٢٦-٢٩) . وغير ذلك من الانحرافات التي أدت إلى افتراق برنابا الحواري عنه في رحلاته وكتابته لإنجيل برنابا. (انظر: مقدمة إنجيل برنابا ١-٩) . وقد أدرك حقيقة بولس وتأثيره في أتباع المسيح الكثيرون من المحقِّقين والمفكِّرين مثل بيري في كتابه: (ديانات العالم ص ٦٨-٧٦)، وويلز في كتابه: (المحيط في التاريخ ٣/٦٧٩) . حيث يقولون عن بولس: "إن كثيرًا من الثقات العصريّين يعدونه المؤسس الحقيقي للمسيحية". (نقلًا من المسيحية - د. شلبي ص ٧٩-٨٦) . ويقول الأستاذ شارل جنيبر - أستاذ المسيحية بجامعة بارس - في كتابه السابق ص ٨٤، ١١١: "بدون بولس كان من المحتمل أن لا توجد المسيحية وأن بولس كان منشئ المستقبل". اهـ.
[ ١ / ١٠٠ ]
الملقبة بالأمانة وسير الحواريّين، فقلبتها ظهرًا لبطن دفعات، فإذا ظواهرها مأولة، وكلماتها على غير النحو الذي صار إليه أربابها منْزِلة.
فأجدت في تأويل ما أجراه النصارى على الظاهر، وبينت بالدليل من التوراة والنبوات والإنجيل غلط الكافر، بعد أن قدرت صحّة كتبهم وإن كانت سقيمة وسلمت وجودها وإن كانت في حكم العديمة، وأظهرت من كتبهم فساد معتقدهم وكشفت ما أخفوه من بشارة الأنبياء ﵈ بمحمّد ﷺ، وأكذبتهم فيما نسبوه إلى المسيح ﷺ من نقائص ورذائل / (١/٥/أ) يجل قدره عنها، وأوضحت أن ما جاء به من الخوارق والمعجزات قد سبقه بها من تقدمه من إخوانه الأنبياء، ونبهت على إنكاره قول من غلا فيه ونسبه إلى ما لا
[ ١ / ١٠١ ]
يليق من الربوبية، وأكذبت اليهود في تخرصهم عليه وعلى والدته العذراء البتول بما حققت من معجزاته.
وأديت تناقض الأناجيل الأربعة التي بأيدي النصارى وتكَاذُبَها وفضائح القسيسين ومخاريق الرهبان وما أحدثه النصارى بعد المسيح ﵇ في صلواتهم ومتعبداتهم [وروجوا] ١ به من المدكات٢ والمخاريق على ضعفائهم ليقووا به واهي أباطيلهم، وبينت بالأدلة الواضحة تناقض شريعة إيمانهم التي يزعمون أنه لا يتمّ لهم حرب ولا سلم ولا عيد ولا قربان إلاّ بها ومجانبتها لما كان عليه المسيح ﵇ وتلاميذه، وأفسدت عليهم ما أجمعوا عليه من القول بالثالوث بما أبديته من التوحيد المحفوظ عن المسيح وأصحابه وأبديت عوار صلواتهم الثمانية٣ وما اشتملت عليه من الكفر والضلال وعبادة غير الله تعالى، وأوضحت زللهم فيما صاروا إليه من قتل / (١/٥/ب) المسيح وبينت من الإنجيل أن المفعول به ذلك غير المسيح تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُم﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٥٧] .
فاشتمل الكتاب على فوائد منها: رسوخ الإيمان للمسلم بموافقة ما في أيديهم للكتاب العزيز كما نبه عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ . [سورة الشعراء، الآية: ١٩٦] . وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ ٤. [سورة الأعلى، الآية: ١٩] . وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُم فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧] . وكثرة الأدلة توجب
_________________
(١) ١ في الأصل: (ورد جوابه) ولعله تحريف من الناسخ، فإن سياق الكلام يدل على ما أثبته. ٢ المدك: اسم آله من الدك: أي: الهدم والدق، والمرادبه هنا: الهدم. (ر: القاموس ص١٢١٢) . ٣ سيأتي تفصيل هذه الصلوات. ٤ ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ . [سورة الأعلى، الآية: ١٨-١٩] .
[ ١ / ١٠٢ ]
الطمأنينة وتثلج الصدور.
ومنها: تعلم الحجّة عليهم من كتبهم وإلزامهم على مقتضى أصولهم وذلك أفحم لهم.
ومنها: قصد إرشادهم ببيان احتمال الألفاظ التي اقتضت غلطهم، فعسى الله أن يقدر هداية بعضهم، ونحن مأمورون بدعائهم إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة١.
ومنها: الوقوف على سرّ قول نبيّنا ﵇ وقد رأى في يد بعض أصحابه صحيفة من كتبهم فغضب ﵇ وقال له: "ألقها فوالله جئتكم بها بيضاء نقية"٢.
_________________
(١) ١ يشير إلى قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . [سورة النحل، الآية: ١٢٥] . ٢ أخرجه الإمام أحمد ٣/٣٨٧، وابن أبي شيبه ٥/٥٢١ ح ٢٦٤٢١ كلاهما نمت طريق هشيم عن مجالد عن الشعبي عن جبار بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبيّ ﷺ فغضب فقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحقّ فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلاّ أن يتبعني". وذكره الهيثمي في المجمع ١/١٧٩، وعزاه إلى أبي يعلى والبزار وقال: "فيه مجالد بن سعيد ضعَّفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما". اهـ. ووافقه الحافظ في فتح الباري ١٣/٣٣٤. وهناك أدلة أخرى تفيد ما أفاده الحديث في منع النظر في كتب أهل الكتاب نمها: ما رواه البخاري (ر: فتح الباري ٥/٢٩١)، عن ابن عباس قال: "يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله تقرؤونه لم يُشَبْ؟ وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيّروا بأيديهم الكتاب فقالوا: هذا من عند الله. ليشتروا به ثمنًا قليلًا أفلا ينهاكم بما جاء من العلم عن مساءلتهم؟ ". وما أخرجه عبد الرزاق في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: "لا تسألوا أهل الكتاب فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم، فتكذبوا بحقّ أو تصدقوا بباطل". وأخرجه سفيان الثوري بلفظ قريب منه. وقال الحافظ: "وسنده حسن". (ر: فتح الباري ٦/٣٣٤) .
[ ١ / ١٠٣ ]
وأنت - رحمك الله - إذا شاهدت ما انطوت عليه كتب القوم من التكرار / (١/٦/أ) والتطويل واشتمال اللفظ الكثير على المعنى القليل وضرب الأمثال بالكلمات الركيكة السوقية عرفت سرّ قوله ﵇: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية" إلى غير ذلك كما يوضحه الكشف.
فإن قيل: كيف استجزت النظر إلى هذه الكتب وصحبتها محظورة والأمّة بالنظر فيها غير مأمورة، وقد نهى الصحابي عنها وبحر منقوله عجاج وبنية معقولة مركبة من أعدل مزاج؟
قلنا: المحظور هو النظر فيها على وجه التعظيم والتفخيم وإجراؤها على ظواهرها الموهمة لاسيما للعامي الغر والحدث الغمر، فأما من نظر فيها على المقصد الذي قصدته والنحو الذي أردته وأوردته فهو إن شاء الله من أمهات القربات. فأما نهيه ﵇ الصحابي عن ذلك فلأن الأمر كان في ابتدائه والشرك بعد لم يمت بدائه١، فلعل رسول الله ﷺ رأى أن غير ذلك أولى بالصحابة في ذلك الوقت، ولأن الصحابة - رضوان الله عليهم - هم أعيان الأمّة فلو أكبوا على تلك الكتب المبدلة والصحف المحرفة لا شكّ / (١/٦/ب) أن يتابعهم الناس في ذلك وقد قال ﵇ لأصحابه: "إنكم أئمة يقتدى بكم"٢.
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦/٤٩٨ في شرحه لقول النبي ﷺ: "بلغوا عني ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حجر " "أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم ثم حصل التوسع في ذلك وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار". ٢ أخرجه الإمام أحمد ١/٣٤٦ قال: "ثنا يحيى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - موقوفًا -: دعا أخاه عبيد الله يوم عرفة إلى طعام قال: إني صائم، قال: إنكم أئمة يقتدى بكم قد رأيت رسول الله ﷺ دعا بحلاب في هذا اليوم فشرب. قال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح". (ح ٣٢٣٩) . قلت: وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب إلاّ أنّه موقوف أيضًا. أخرجه الإمام مالك في الموطّأ ص ٢٣٦ عن نافع أنه سمع أسلم مولى عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا وهو مجرم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر، فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أنّ رجلًا رأى هذا الثوب لقال: إنّ طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة.
[ ١ / ١٠٤ ]
وقال أصحابي كالنجوم "١. فلهذا نهى الصحابي وندبه إلى الاشتغال بالكتاب العزيز بقوله: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية".
قلت: وقد ذكر الفقهاء ترددًا في جواز استصحاب هذه الكتب للوقوف عليها وتوجيه وجوه الرد إليها، وبالجملة فالأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى٢، والحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها خطبها،٣ ومطية تنهج سواء السبيل بمن ركبها، وربنا المسؤول أن يصحح منا المقاصد ويبعث رائد التوفيق فيقف لنا بالمراصد٤.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن عبد البر في جامع العلم ٢/١٩١، وابن حزم في الأحكام ٦/٨٢، من حديث جابر ﵁ وقال ابن عبد البر: "هذا الإسناد لا تقوم به الحجة؛ لأن فيه الحارث بن غصين مجهول". وأخرجه البيهقي في (لمدخل ١/١٦٢) من طرق عن عمر وابن عباس - ﵃ - ثم قال البيهقي: "هذا حديث متنه مشهور وأسانيده ضعيفة لم يثبت في هذا إسناد". اهـ. وذكره الألباني في (الأحاديث الضعيفة ١/٧٨، ٨٢، ٤٣٩) . من طرق أخرى ثم حكم عليه بأنه موضوع. ٢ يشير إلى حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ". الحديث. أخرجه البخاري (ر: فتح الباري ١/٩)، ومسلم ٣/١٥١٥، ١٥١٦. ٣ يشير المؤلِّف إلى حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقّ بها". أخرجه الترمذي ٥/٤٩، وابن ماجه. (ر: ضعيف ابن ماجه للألباني ص ٣٤٣) . قال الترمذي: "هذا حديث غريب". وإبراهيم بن الفضل الراوي يضعف في الحديث من قبل حفظه، وقال الألباني: "ضعيف جدًا". (ر: المشكاة ١/٧٥) . ٤ أدلة جواز النظر في كتب أهل الكتاب كثيرة، منها: - قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٤٣] . قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . [سورة يونس، الآية: ٩٤] . ومنها: ما أخرجه البخاري (ر: فتح الباري ٦/٤٩٦)، أن النبي ﷺ قال: "بلّغوا عن ولو آية، وحدّثوا عن نبيّ إسرائيل ولا حرج ". وهذا يستلزم النظر في كتبهم. وما ثبت من رجوع بعض الصحابة - ﵃ - إلى بعض من أسلم من أهل الكتاب يسألونهم عن بعض ما جاء في كتبهم كأبي هريرة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم. وما ورد أن عبد الله بن عمرو أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدّث منها. (ر: مجموع فتاوى لابن تيمية ١٣/٣٦٦) . وللتوفيق بين ما ذكرنا سابقًا من أدلة ظاهرها النهي عن النظر في كتب أهل الكتاب وبين الأدلة التي ظاهرها الجواز نقول: إن الأمر للإباحة والجواز ليس على إطلاقه فإن جاء ما في كتبهم موافقًا لما في شرعنا صدّقناه وجازت روايته، وما جاء مخالفًا لما شرعنا كذّبناه، وحرمت روايته إلاّ لبيان بطلانه، وما سكت عنه شرعنا توقفنا فيه، فلا نحكم عليه بصدق أو بكذب. وأما الأمر بالنهي فقد سبق ذكر كلام الحافظ ابن حجر بأنه وقع قبل استقرار الأحكام والقواعد الإسلامية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في ذلك من الاعتبار. وقد نقل ابن بطال عن المهلب أنه قال: "هذا النهي إنما هو سؤالهم عما لا نص فيه؛ لأن شرعنا مكتف بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نص ففي النظر والاستدلال غني سؤالهم ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدّقة لشرعنا والأخبار عن الأمم السالفة". اهـ. والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان والعلم فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ فيجوز له، ولاسيما عند الاحتجاج إلى الردّ على المخالف، ويدل على ذلك نقل الأئمة قديمًا وحديثًا من التوراة والأناجيل وإلزامهم اليهود والنصارى بطلان كتبهم ودينهم المحرف والتصديق بمحمّد ﷺ بما يستخرجونه من كتبهم، ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه وتواردوا عليه - وهذا ما عناه المؤلِّف ﵀ وفعله - كما أن النظر في كتب أهل الكتاب لبيان ما فيها من التحريف الذي به يهدم أساس دينهم المحرف ونسخه بالإسلام داخل ضمن ما أمرنا به من مجادلة أهل الكتاب بقول تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن ﴾ . [سورة العنكبوت، الآية: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، [سورة النحل، الآية: ١٢٥] . (للتوسع في هذا الموضوع يراجع: فتح الباري ٦/٤٩٨، ١٣/٣٣٣-٣٣٥، مصنف ابن أبي شيبة ٥/٣١٣، ٣١٨، مقدمة أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، والإسرائيليات في التفسير والحديث. د. محمّد حسين الذهبي، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير - د. رمزي نعناعة) .
[ ١ / ١٠٥ ]
وقد كنت وقفت لجماعة من العلماء على عدة كتب في الباب وأرجو ألاّ يكون هذا المختصر مقصرًا عن شأوهم وقد سمَّيته: (تخجيل مَنْ حَرَّفَ الإنجيل) ورتّبته في عشرة أبواب. والله الموفِّق للصواب.
الباب الأوّل:
في كون المسيح عبدًا من عبيد الله بقوله وفتواه لقول ربنا جلّ اسمه حكاية / (١/٧/أ) عنه: ﴿قَالَ إِنَّي عَبْدُ اللهِ ﴾ ١. ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ . [سورة الزخرف، الآية: ٥٩] .
_________________
(١) ١ قال تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية: ٣٠] .
[ ١ / ١٠٦ ]
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٧٢] . ونظائرها.
الباب الثّاني:
في إثبات نبوة المسي ﵇ وتحقيق رسالته نذكر فيه من أقوال المسيح وأفعاله ما يشهد له بالنبوة والرسالة ويخصم اليهود في افترائهم عليه وعلى والدته لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلِيكُم ﴾ . [سورة الصف، الآية: ٦] . وقوله: ﴿آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ . [سورة مريم، الآية: ٣٠] . ونظائرها.
الباب الثّالث:
في تأويل ظواهر الإنجيل نبدأ بعون الله تأويل لفظ الأب والابن والإله والرب والسجود والغفران وغير ذلك ومساوة المسيح غيره من أنبياء الله تعالى وأصفيائه لقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه ﴾ . [سورة المؤمنون، الآية: ٤١] . ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١٧، والآية ٧٢] . ﴿وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٧١] . ونظائرها.
الباب الرّابع:
في تعريف مواضع التحريف نحكي فيه تكاذيب الأناجيل الأربعة التي بأيدي النصارى يومنا هذا١ وتناقضها / (١/٧/ب) بحيث يقطع من وقف على ذلك أنه ليس الإنجيل المنَزَّل من الله ليتحقق قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلْمَ عِن
_________________
(١) ١ قول المؤلِّف (يومنا هذا) كان ذلك في القرن السابع الهجري، وأما في زماننا هذا فقد زاد التحريف على ما كان محرفًا، فمثلًا كلمة (فارقليط) كانت موجودة في النسخ القديمة في زمان المؤلف وقبله وبعده بيسير، ثم حرفها النصارى إلى كلمة: (المعزى أو الوكيل. (ر: اختلاف ف تراجم الكتاب المقدس - للمهندس أحمد عبد الوهّاب) .
[ ١ / ١٠٧ ]
مَوَاضِعِهِ﴾ . [سورة النساء، الآية: ٤٦، والمائدة، الآية: ١٣] . ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تَبْدُونَهَا وَتَخْفُونَ كَثِيرًا﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ٩٤] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى﴾ . [سورة البقرة، الآية: ١٥٩] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٧٧] . ونظائرها.
الباب الخامس:
في بيان أنّ المسيح وإن قصد وطلب فما قتل وما صلب نذكر فيه حماية الله تعالى نبيّه المسيح عيسى بن مريم من أعدائه، واشتباه أمره على اليهود الذين أرادوا قتله ووقوع شبهه على رجل سواه شغلوا به عنه فقتلوا ذلك الرجل وصلبوه ورفع الله نبيّه المسيح ليتحقق قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ﴾ . الآية، [سورة النساء، الآية: ١٥٧] . ونظائرها.
الباب السّادس:
في الأجوبة المسعدة عن الأسئلة الملحدة نسطر أسئلة عبثوا بالسؤال عنها ونشفعها بالجواب لينتفع بذلك من أحبّ مكالمتهم عملًا بقول ربنا جل اسمه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ . / (١/٨/أ) . [سورة محمّد، الآية: ٧] . ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ . [سورة الحجّ، الآية: ٤٠] . ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَونَ ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ١٣٩] . ونظائرها.
[ ١ / ١٠٨ ]
الباب السّابع:
إفساد دعوى الاتّحاد، نحكي فيه مقالات فرقهم في اتّحاد اللاهوت بالناسوت وتناقض الروم والنسطور واليعاقبة، ثم نعكر على الجميع بالإبطال ليتضح قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٢] . ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٣] . ونظائرها.
الباب الثّامن:
في الإبانة عن تناقض الأمانة، نبيّن فيه فساد أمانتهم التي يلقبونها بشريعة إيمانهم ويسمّونها التسبيحة، وهي التي لا يتم لهم عيد ولا قربان بدونها، وكيف أكذب بعضها بعضًا وناقضه وعارضه، وأنه لا أصل لها في شرع المسيح البته، وإنما ألفها قوم من بعده بدهر طويل، قال ربنا تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِيْنِكُم غَيْرَ الحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَومٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٧] . ونظائرها / (١/٨/ب) .
الباب التّاسع:
في الوضع المعهود من فضائح النصارى واليهود، نذكر فيه حيل القسيسين ومخاريق الرهبان ومدكاته وما يقرؤونه في صلواتهم الثمانية من السخف والهذيان وما افتراه اليهود على أنبياء الله الأبرار وصفوته الأطهار مما ذلك مزبور مسطور في توراتهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣٤] . وقال: ﴿اتَّخَذُوا
[ ١ / ١٠٩ ]
أَحْبَارَهُم وَرُهبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣١] . ونظائرها.
الباب العاشر:
في البشائر الإلهية بالتسمية المحمّدية، نذكر في هذا الباب ما اشتملت عليه التوراة والإنجيل ونبوات الأنبياء من البشرى بسيِّدنا محمّد رسول الله ﷺ والتنصيص على اسمه وأرضه التي يبعث منها وبلده ودينه وملته وأنه خاتم الأنبياء، وأنّ أمته خير أمةٍ وملته أفضل ملة وأن / (١/٩/أ) شريعته تدوم إلى قيام القيامة ليتحقق قول ربنا تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُم عَنِ المُنْكَرِ وَيَحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧] . ونظائرها.
فصل:
أعلم أنّ الكتاب الذي بأيدي النصارى اليوم ليس هو إنجيلًا واحدًا١ بل أربعة أناجيل: إنجيل مَتَّى - وهو من الاثني عشر حواريًا٢، كتبه بالعبراني
_________________
(١) ١ في ص (إنجيل واحد) والصواب ما أثبته. ٢ في ص (حواري) والصواب ما أثبته. والحواريّون: هم أنصار عيسى ﵇، والحواري: الناصر، على الصحيح من الأقوال. (ر: تفسير ابن كثير ١/٣٧٣، المفردات للراغب ص ٦٣٥، ويسمّيهم النصارى رسلًا، أي: رسل المسيح ﵇ ويشترط عندهم في الرسول شرطان: أوّلًا: أن يكون قد اتّصل بالمسيح وعاشره وتلقى تعاليمه منه مباشرة. ثانيًا: أن يكون المسيح قد دعاه إلى هذه الخدمة. (ر: قاموس ص ٤٠٣) . غير أن روايات الأناجيل في أسماء الحواريّين متعارضة. (كتاب المسيح في مصادر العقائد المسيحية ص ٨٤، للمهندس أحمد عبد الوهّاب) .
[ ١ / ١١٠ ]
بفلسطين، وكتبه بعد صعود المسيح إلى السماء بثمان سنين١. وإنجيل مرقس - هو من السبعين كتبه بالرومية، بالروم بعد صعود المسيح إلى السماء باثنتي
_________________
(١) ١ إنّ كلام المؤلّف يوحي بصحّة نسبة الأناجيل الأربعة إلى أصحابها، والمؤلِّف إنما ينقل ذلك من المصادر النصرانية ومن أبرزها (نظم الجوهر) - لسعيد ابن البطريق - بطريك الإسكندرية - غير أن الدراسات النقدية - قديمًا وحديثًا - قد أثبتت بما لا يدع مجالًا للشّكّ عدم صحّة نسبة هذه الأناجيل إلى أصحابها المزعومين، وسوف أذكر بعض الأدلة على ذلك باختصار - إن شاء الله تعالى -. فأما إنجيل متى: فهو عند معظم النصارى منسوب إلى متى الحواري الذي كان عاشرًا أي: جابيًا للضرائب للؤومان ومات بالحشبة سنة ٧٠م. (ر: الكنْز الجليل في تفسير الإنجيل ١/١ـ د. وليم أدى، قاموس ص ٨٣٢-٨٣٣) لكن يقول المؤرخ ول ديورانت في قصة الحضارة ١/٢٠٨: "إنّ النقاد يميلون إلى القول بأنه من تأليف أحد أتباع متى وليس من أقوال العشار (متى) نفسه". اهـ. ويقول فيلبس - القسيس بالكنيسة الإنجيليكانية بإنجلترا - في تقديمه لإنجيل متى: تنسب التقاليد القديمة جدًا هذا الإنجيل إلى الحواري متى، ولكن علماء العصر الحاضر غالبًا ما يرفضون هذا الرأي". ويقول. موريس بوكاي: "إنه لم يعد مقبولًا اليوم القول بأن (متى) أحد حواريّ المسيح، ولم يعد أحد يعتقده في عصرنا". اهـ. هذه بعض أقوالهم في هذا الإنجيل الذي يواجه انتقادات ومشاكل كثيرة من أبرزها: أ- الاختلاف في تاريخ تدوين هذا الإنجيل ما بين سنة ٣٧م إلى سنة ٦٤م. ب- الاختلاف في لغة التوين، فقيل: بالعربية، وقيل: الآرامية، وقيل: اليونانية. ج- الجهالة التامة لمترجم النسخة الأصلية المفقودة للإنجيل - سواء كانت بالعبرية أو الآرامية - إلى اللغة اليونانية. د- جهالة مكان تأليفه. هـ إيراده لروايات خالف بها بقية الأناجيل الأخرى يصعب تصديقها أو إيجاد تعليل لها، خصوصًا عن قيامة المسيح من قبره، وأيضًا خطأ الاستشهاد بنبؤات العهد القديم. (ر: للتوسع: إظهار الحقّ ص ٢٥٠-٢٥٣، لرحمة الله الهندي الذي نقل أقوالًا كثيرة لعلماء النصارى في إنكار نسبة هذا الإنجيل إلى متى الحواري، المسيح في مصادر ص ٥٧-٦١، لأحمد عبد الوهّاب، رسالة الغفران بين الإسلام والمسيحية ص ١٦، المهتدي إبراهيم خليل أحمد، هل الكتاب المقدس كلام الله؟ ص ١٥٥-١٥٦، لأحمد ديدات، دراسة الكتب المقدسة ص ٨٠، ٨١، موريس بوكاي) .
[ ١ / ١١١ ]
عشرة سنة١. وإنجيل لوقا - وهو من السبعين، كتبه باليونانية
بالإسكندرية٢. وإنجيل يوحنا - وهو من الاثني
_________________
(١) ١ إنجيل مرقس: ينسب إلى مرقس الذي لم يكن حواريًا ولا من تلاميذ المسيح - وإنما كان تلميذ بطرس ومرافقه، وظن بعضهم أنه استشهد بالإسكندرية. (ر: الكَنْز الجليل ٢/٥-٧) . ويقول د. بوكاي عن إنجيل مرقس: "إنه ليس كتاب أحد الحواريّين، هو على أكثر تقرير كتاب حرره تلميذ أحد الحواريّين". اهـ. وعن حقيقة شخصية مرقس يقول نينهام - أستاذ اللاهوت بجامعة لندن - في تفسير إنجيل مرقس ص ٣٩: "لم يوجد أحد بهذا الاسم عرف أنه كان على صلة وثيقة وعلاقة خاصة بيسوع، أو كانت له شهرة خاصة في اكنيسة الأولى ومن غير المؤكّد صحّة القول المأثور الذي يحدد مرقس كاتب الأنجيل بأنه يوحنا مرقس المذكور في أعمال الرسل ١٢/١٢، ٢٥، أو أنه مرقس المذكور في رسالة بطرس الأولى ٥/١٣ - ثم يقول: لقد كان من عادة الكنيسة أن تفترض أن جميع الأحداث التي ترتبط باسم فرد ورد ذكره في العهد الجديد، إنما ترجع جميعها إلى شخص واحد له هذا الاسم، ولكن عندما نتذكر أن اسم مرقس كان أكثر الأسماء اللاتينية شيوعًا في الإمبراطورية الرومانية فعندئذٍ نتحق من مقدار الشّكّ في تحديد الشخصية في هذه الحالة". اهـ. كما أن صاحب الأنجيل مجهول الهوية فإنه لا واسطة لتحقيق زمن كتابة الإنجيل، ولا دليل على مكان كتابته فقيل: رومية، وقيل: أنطاكية، وقيل: الإسكندرية. (ر: الكنْز الجليل ١/٦) . يضاف إلى ما سبق اعتقاد الكثير من المحقّقين أن خاتمة هذا الإنجيل ١٦/٩-٢٠، مؤلّف مضاف إليه، لأنها ليست موجودة في أقدم مخطوطتين كاملتين للأناجيل ويرجع تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي، وقال وارد الكاثوليكي في كتابه: "صرح جيروم في كتبه أن بعض العلماء كانوا يشكّون في الإصحاح الأخير من إنجيل مرقس". (ر: دراسة الكتب المقدسة ص ٨٤-٨٧، المسيح في مصادر ص ٥٣، إظهار الحقّ ص ١٠٠، محاضرات في النصرانية ص ٤٦، ٤٧، محمّد أبو زهرة". ٢ إنجيل لوقا: اختلف الباحثون في شخصية لوقا، وفي صناعته، وفي القوم الذين كتب لهم إنجيله، ولا يعرف شيء عن زمن وكيفية موته، وإن كان الباحثون قد اتّفقوا على أن لوقا ليس من تلاميذ المسيح ولم يكن أحد السبعين الذين أرسلهم المسيح للتبشير، وإنما كان الصديق المخلص والمرافق لبولس. (ر: الكنْز الجليل ٢/١٣١، ١٣٢، قاموس ص ٨٢٢) . يضاف إلى ما سبق من الجهالة في شخصية لوقا، الخلاف في تاريخ تدوينه ما بين سنة ٥٣م إلى سنة ٦٤م، كما أن مقدمة إنجيله ١/١-٥ تثير عدة ملاحظات من أهمّها: أن هذا الإنجيل لم يكن إلهاميًا، وإنما هو عبارة عن رسالة شخصية من لوقا إلى شخصية اسمها ثاوفيلس، وبأن كثيرين قد أخذا في تأليف أناجيل، اعتراف لوقا بأنه لم ير المسيح ولم يكن من تلاميذه. ويؤكّد بعض الباحثين تطرق الشّكّ إلى بعض إصحاحات وفقرات هذا الإنجيل، فقد صرح جيروم في كتبه أن بعض العلماء المتقدمين وبعض القدماء كانوا يشكّون في بعض الآيات من الإصحاح (٢٢) من إنجيل لوقا، وبعض القدماء كانوا يشكّون في الإصحاحين الأولين من هذا الإنجيل، إذ إنهما لم يكونا في نسخة فرقة مارسيوني. وأخيرًا ما نقل عن اتّفاق المؤرخين المسيحين بان لوقا كبت إنجيل بإرشاد بولس، ولا يخفى على أحد الدور الخطير الذي لعبه بولس في انحراف النصرانية وتحويلها إلى ديانة وثنية شركية!!!. (ر: دراسة الكتب المقدسة ص ٨٧، ٨٨، محاضرات في النصرانية ص ٤٨، ٤٩، الأسفار المقدسة، د. عليّ وافي ص ٨٥-٨٨، إظهار الحقّ ص ١٠٠، المسيح في مصادر ص ٦٣) .
[ ١ / ١١٢ ]
عشر [حورايًا] ١ كتبه باليونانية، بمدينة٢ أفسس بعد صعود المسيح بثلاثين سنة٣.
_________________
(١) ١ في ص (حواري) والصواب ما أثبته. ٢ مدينة قديمة على بحر إيجه بتركيا عقد فيها مجمع كنسي سنة ٤٣١م، وأعلن فيها أن العذراء (أم الله) - تعالى الله عن كفرهم علوًّا كبرًا - وأن في المسيح أقنومًا واحدًا. (ر: المنجد في الأعلام ص ٥٤) . ٣ تزعم المصادر النصرانية بأن كاتب إجيل يوحنا هو الحواري يوحنا بن زبدي، وبأنه مات بمدينة أفسس، وتنسب إليه كذلك ثلاث رسائل وسر رؤيا يوحنا من العهد الدديد. (ر: الكنْز الجليل ٣/٥، ٦، قاموس ص ١١٠٨-١١١٤) . إلاّ أن عددًا كبيرًا من الباحثين وعلماء النصارى يقطعون بعدم صحة النسبة لهذا الإنجيل ووجهوا إليه انتقادات عنيفة فيقول الأستاذ إبراهيم خليل عن إنجيل يوحنا: "كتبه كاتب مجهول، ولايوجد عالم من العلماء المتحررين من يعتبرهذا الإنجيل من أعمال يوحنا بن زيدي. وجاء في دائرة المعارف الكبرى الفرنسية ١٦/٨٧١، ٨٧٢،: "أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض وهما: القديسان يوحنا ومتى وإننا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا ولو بأوهى رابطة، ذل الرجل الفلسفي - الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني - بالحواري يوحنا الصياد الجليل، وإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى". اهـ. ويرى إستادلين في العصور المتأخرة: "إن كاتب إنجيل يوحنا طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية بلا ريب". وهناك الكثير من هذه الاعترافات التي تنفي نسبة هذا الإنجيل إلى الحواري يوحنا، كما أن حال هذا الإنجيل لا يختلف عن الأناجيل الأخرى من حيث الجهالة في مكان كتابة، والخلاف في تاريخ تدوينه ما بين سنة ٦٨م إلى سنة ٩٨م. يضاف إلى ما سبق شيء خطير هو كثرة الاختلافات المهمة بين إنجيل يوحنا والأناجيل الأخرى كالاختلافات في الفترة الزمنية لبعثة المسيح وظهور لتلاميذه بعد قيامه من الموت وغيرها، وهي اختلافات صريحة لا تجد لها حلًا ولا تأويلًا إلاّ بتصديق أحد الأناجيل وتكذيب الآخر. وهو ما دفع د. موريس بوكاي أن يتساءل: "إذن فمن يجب أن نصدّق؟! أنصدق متى أو مرقص أو لوقا أو يوحنا؟!!! ". والجواب معروف لكلّ ذي لب وهداية هو رفض هذه الإناجيل المتناقضة لعدم التمكن من التمييز بينها ولأن الوحي الإلهي لا يكون فيه تناقض. (ر: دراسة الكتاب ص ٩٣، إظهار الحقّ ص ٨٣-١٠٠، المسيح في مصادر ص ٧٠، الأسفار المقدسة ص ٨٨، ٨٩، محاضرات في النصرانية ص ٥٠، ما هي النصرانية - محمّد تقي العثماني ص ١٤٢-١٤٥، وانظر أيضًا فيما سبق الملحق الأوّل لتحقيق كتاب: (النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية - للمهتدي نصر المتطبب)، رسالة مقدمة من المحقِّق لنيل درجة العالية) .
[ ١ / ١١٣ ]
وعدة هذه الأناجيل تسعة آلاف واثنان وستون آية١. وعدة فرخس٢ أربعة ألف ومائة وتسع وأربعين آية. وعدة كتاب فولوس٣ ستة آلف وأربع مائة وإحدى وسبعون آية / (١/٩/ب) وقد ذكر أن لهم إنجيلًا خامسًا ولم أقف عليه، وذكر لي بعض النصارى أنه يسمى إنجيل الصبورة ذكر فيه الأشياء التي صدرت من المسيح ﵇ في حال طفوليته٤.
_________________
(١) ١ كان الأولى بالمؤلِّف - ﵀ - أن يعبِّر عن فقرات الأناجيل بـ: (فقرة) - وهو ما اصطلح عليه النصارى - وليس بـ: (آية) فإن لفظ آية، أصبحت اصطلاحًا إسلاميًا تطلق على آيات القرآن الكريم. وقد قيل بأن نصوص القرآن سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها. (ر: تفسير ابن كثير ١/٩) . وقد عددت فقرات الأناجيل الأربعة في النسخة التي بيدي فوجدتها (٣٧٧٨)، فقرة، وإن تقسيم الكتاب المقدس إلى إصحاحات (فصول) -الذي يبدو شائعًا اليوم-قد ظهرلأوّل مرة سنة١٢٠٠م، هو يرجع إلى أسقف كانتربري (CANTERBURY) ستيفن لانجتون رئيس أساقفة كنْتربري ت سنة: ١٢٢٨م. أما تقسيم الإصحاحات إلى أعداد (فقرات) مرقمة فهو يرجع إلى الناشر الباريسي روبرت ستيفنون وظهر لأوّل مرة في طبعة ١٥٥١م بخنيف. (ر: قاموس الكتاب ص ٧٦٥، الغفران بين الإسلام والمسيحية ص ٣٦، لإبراهيم خليل) . ٢ هكذا في ص، ولعل صوابه: (فراكسيس) وهو سفر أعمال الرسل المنسوب إلى لوقا، وقد عددت نصوصه فبلغت (١٠٠٧)، فقرة. ٣ كتاب بولس يحتوى على (١٤) رسالة في أسفار العهد الجديد وهي كالآتي: رسالته إلى أهل رومية، ورسالتان إلى أهل كورنثوس، رسالة إلى أهل غلاطية، وإلى أهل أفسس، وإلى أهل فليبي، وإلى أهل كولوسي، ورسالتان إلى أهل تسالونيكي، ورسالتان إلى تيموثاوس، ورسالة إلى تيطس، وإلى فليمون، والعبرانيين. وقد عددت نصوص تلك الرسائل فبلغت (٢٣٦٣)، فقرة. ٤ ش: قال المؤلّف: وقع لي بعد ذلك وقرأته دفعات وهو يحكي عن بطرس عن مريم ﵇ وفيه زيادة ونقصان وقد أغفل نقلته أشياء كثيرة من كلام المسيح ومشاهير معجزاته يذكر فيه قدوم المسيح وأمه ويوسف النجار إلى صعيد مصر ثم عوده إلى الناصرة". اهـ. قلت: إنجيل الصبوة يسمى أيضًا: (إنجيل بطرس)، وقد وجدت قطعة منه سنة ١٨٨٧م في قبر راهب ببلدة أخميم في مصر. وقد كان يوستينوس يقول بصحّة هذا الإنجيل ما بين سنة ١٦٠، و١٧٠م، والفرق بينه وبين إنجيل متى يسير، وقد كان معتمدًا معمولًابه إلى سنة١٩٠م. (ر: كتاب الديانات والعقائد٣/٤٧٣،لأحمد عطار) .
[ ١ / ١١٤ ]
الباب الأوّل: في كون المسيح عبدًا من عبيد الله بقوله وفتواه
ولندل على ذلك من كتبهم كما شرطنا في صدر الكتاب:
١- قال متى الحواري في الفصل الثامن من إنجيله: "قال الله في نبوة أشعيا - يعني المسيح - هذا١ فتاي الذي اصطفيت وحبيبي الذي ارتاحت له نفسي أنا واضع روحي عليه ويدعو إلى الحقّ"٢.
قلت: سمّاه الله عبدًا مصطفى على لسان أشعيا وابتعثه مأمورًا بدعوة الأمم أسوة غيره من الأنبياء، أورد ذلك متى في معرض الاسشتهاد على أهل العناد٣ حيث نسبه الفُجَّار إلى يوسف النجار٤، فقد تضافر الإنجيل ومحكم التنْزيل على عبودية عيسى وجعله داعيًا للأمم كداود وموسى.
_________________
(١) ١ في ش: قال المؤلّف: "نقل ابن ربن والطرطوشي وابن عوف قوله هذا عبدي فكشفت عنه الأناجيل فلم أجده بهذه الترجمة، بل الذي وجدته في النسخ التي وقفت عليها كما وضعت، غير أن الفتى هاهنا هو العبد أو الصاحب كما دللت عليه من التوراة والإنجيل". والله أعلم. ٢ متى ٢/١٧، ١٨. ٣ أراد المؤلِّف بأهل العناد اليهود الذين رموا مريم الزنى مع يوسف النجار. ٤ يوسف النجار: تزعم المصادر النصرانية، أنه كان خطيب مريم العذراء على عادة اليهود في اتّخاذ العشير - حيث يخطب الشاب الفتاة من أهلها ثم يتعاشران بدون اتصال زوجي مدة من الزمن فإذا رضي كل واحد منهم الآخر تم الزواج - وقد أراد يوسف هجر مريم سرًا حينما ظهرت عليها آثار الحمل إلاّ أن الملاك ظهر له في المنام وأخبره بالحقيقة، حينئذ قام يوسف برعايتها وابنها ولا يعرف عن يوسف بعد قيام المسيح الدعوة الجهرية، وأغلب الظن أنه مات قبل ذلك. ر: إنجيلي متى، لوقا، الإصحاح ١، ٢، والكنْز الجليل في تفسير الإنجيل ١/٧، وقاموس ص: ١١١٨، وتاريخ المسيحية - حبيب سعيد ص ٣٢، ٣٣. وقد انساق بضع المؤلّفين المعاصرين إلى رواية هذه الخطبة المزعومة بين مريم ويوسف النجار ونسبة المسيح ﵇ إلى يوسف النجار من غير التعليق أو الرّدّ عليها، بل ذكر بعضهم أن ما جاء في الأناجيل بشأن هذه القصة لا يخالف ما في القرآن وبأنه أمر مسكوت عنه فلا نصدقها ولا نكذّبها ويصح إيرادها. ر: قصص الأنبياء ص ٣٨٢، ٣٨٣، عبد الوهّاب النجار. فنقول: بأن القرآن الكريم والسنة الصحيحة لم يذكر فيهما شيء عن هذه الخطبة المزعومة ولم يثبت دليل لهذه العادة المذكورة، كما أن خطبة مريم ليوسف النجار لو كانت معروفة ومشتهرة لما استهجن قومها فعلتها، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية: ٢٧، ٢٨.] . وذلك مما يدل على كذب النصارى فيما يزعمونه من علاقة يوسف بمريم، وأنه من الإسرائيليات التي لا نقبلها بل نكذّبها. ر: نظرات في كتاب النبوة والأنبياء للصابوني ص ٧-١٠، محمّد أبو ريحم، التحذير من مختصرات الصابوني ص ١٨، ١٩، للشيخ بكر أبو زيد.
[ ١ / ١١٧ ]
والفتى هو العبد والخادم لا الولد، والدليل عليه من التوراة في السفر الأوّل منها قول موسى: "ولما بلغ إبراهيم / (١/١٠/أ) أن الملوك أغاروا على سدّوم وسبوا لوطا بن أخي إبراهيم عَبَّأَ فتيانه وعددتهم ثلثمائة وثمانية عشر رجلًا، وسار في طلب العدوّ واستنقذ لوطا وماشيته وجميع ماله"١.
ومعلوم أن إبراهيم الخليل ﵇ لم يكن له يؤمئذ هذه العدة من الأولاد فمن ادعى ذلك أكذبه أهل الكتابين، فقد شهد موسى ﵇ أن الفتى هو العبد أو الخادم.
وقال موسى في السفر الرابع من التوراة ما هو أجلى من ذلك قصة بلعام٢ بن بعور وهو: "أن بالاق٣ بن صفوري الملك أرسل إلى بلعام ليلعن
_________________
(١) ١ تكوين ١٤/١٤، ١٥، وموضع الشاهد من النصّ كالآتي: "فلما سمع أبرام أن أخاه سُبي جَرَّ غلمانه المتمرنين ". ٢ بلعام بن بعور: تذكر المصادر الإسرائيلية بأنه كان نبيًا مشهورًا في قرية فيما بين النهرين وقد دعاه ملك مؤاب ليلعن بني إسرائيل ويدعو عليهم فرفض وبعد إلحاح رضي بذلك ولكنه كان يدعو لهم بدل أن يدعو عليهم، ومع ذلك دبر وسيلة لإيقاع بني إسرائيل في الإثم والشرك ليهلكوا، وعندما حارب بنو إسرائيل المديانيين قتلوا بلعام. ر: سفر العدد الإصحاحات ٢٢، ٢٤، ٣١، وقاموس ص ١٨٩. وقد ذكر ابن كث ير قصته في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ الآيات. [سورة الأعراف، الآية: ١٧٥-١٧٧] . قال ابن إسحاق وغيره: "بأن بلعام كان رجلًا مجاب الدعوة وقد سأله قوه بأن يدعو على موسى وقومه " الخ. وذكر قصة مشابهة لما في التوراة، ثم قال ابن كثير: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة بلعام صحيح وقد ذكره غير واحد من علماء السلف". اهـ. قلت: ولم يكن نبيًّا كما يزعم أهل الكتاب. والله أعلم. ر: تفسير ابن كثير ١٢/٢٧٥-٢٧٨، وقصص الأنبياء، ص ٣٨٠، ٣٨١. ٣ بالاق: اسم مؤابي معناه: المتلف أو المخرب وهو ابن صفور، وكان ملك مؤاب وهي أرض يقابلها اليوم القسم الشرقي من البحر الميب لمملكة الأردن اليوم. ر: سفر العدد إصحاح ٢٢، قاموس ص ١٦٠، ٩٢٧.
[ ١ / ١١٨ ]
له بني إسرائيل ويدعو عليهم فأجابه بعد مفاوضات وسار إليه راكبًا أتانه ومعه فتيان من مماليكه"١. فقد شهدت التوراة أن الفتى هو العبد والمملوك لا كما تخرصه متأخرو النصارى في حمل هذه اللفظة على الولد.
والدليل على أن لفظ الفتى ليس موضوعًا للولد قول الإنجيل "إن المسيح بعد قيامه وقبل رفعه مَرَّ على جماعة من تلاميذه وهم يصيدون السمك فقال: يا فتيان هل عندكم من طعام؟ فأطعموه جزءًا من حوت وشيئًا من شهد العسل"٢. فقد وضح أن لفظة الفتى ليس / (١/١٠/ب) فيها مستروح للنصارى فيما يرومونه من النبوة بل هي لا تستعمل إلاّ فيما قلناه، وقد قال ربنا جل اسمه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ ﴾ . [سورة الكهف، الآية: ٦٠] . يعنى خادمه يوشع٣، وقال سبحانه: ﴿ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ ﴾ . [سورة النساء، الآية: ٢٥] .
_________________
(١) ١ سفر العدد ٢٢/٥-٢٢، في سياق طويل وقد اختصره المؤلّف وموضع الشاهد من النصّ كالآتي: "وهو راكب على أتانه وغلامه معه". ٢ يوحنا ٢١/٤/١٣، لوقا ٢٤/٢٦-٤٢، بألفاظ متقاربة، وقد ورد موضع الشاهد كالآتي: " فقال لهم يوسع: يا غلمان ألعل عندكم إدامًا؟ ". ٣ يوشع بن نون ﵇، كان اسمه في الأصل: هوشع، يهوشوع ثم دعاه موسى يوشع ومعناه: يهود خلاص وهو خليفة موسى الذي قاد بني إسرائيل لدخول الأرض المقدسة ومحاربة لله أهلها، وأنه أمر الشمس بالوقوف والتأخير في المغيب ليتم له فتح الأرض والنصر على أعدائه. وينسب إليه سفر باسمه عدد إصحاحاته ٢٤ إصحاحًا، وكاتب هذا السفر مجهول وقد ينسب إلى أشخاص متعددين. ر: ترجمته في مصادر أهل الكتاب سفر ويشع، وقاموى ص ١٠٦٧، ١٠٧٠ن بتخليص. أما المصادر الإسلامية، فإن القرآن الكريم لم يصرح باسمه في قصة الخضر في الآية السابقة، وقد ورد النص على نبوته وأنه خليفة موسى في بني إسرائيل فيما رواه الإمام مسلم ٣/١٣٦٦، وأحمد ٣/٣١٨، والبخاري مختصرا فتح ٩/٢٢٣ عن أبي هرية قال: قال رسول الله ﷺ: "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن، ولا آخر قد بنى بنيانًا ولم يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر أولادها. قال: فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ شيئًا، فحسبت عليه حتى فتح الله عليه ". الحديث. ويتبين لنا اسم هذا النبي الذي حبست له الشمس من الحديث الذي رواه الإمام أحمد ٢/٣٢٥ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الشمس لم تحبس على بشر إلاّ ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس". قال الإمام ابن كثير: "انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري". وصحّحه الشيخ الألباني. ر: الأحاديث الصحيحة١/٣٤٧-٣٥١،ح٢٠٢،ر: سيرة هذا النبي الكريم في تفسير ابن كثير٣/٩٧-١٠١،قصص الأنبياء، ص ٣٧٧،٣٨٤.
[ ١ / ١١٩ ]
وقال نبيّنا ﷺ: "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي"١.
فقوله تعالى في نبوة أشعيا (هذا فتاي) مكذب للنصارى في دعواهم ربويبة المسيح وألوهيته، إذا أضافه سبحانه إلى نفسه إضافة الملك. فقال جل من قائل٢: هذا فتاي وحبيبي أنا أفعل به كذا وكذا، وهذا تصريح من متي الحواري بأن المسيح ليس هو وأن الله ليس هو المسيح وأن الله قائل والمسيح مقول له، وأ، الله مُعْطِ ومُنْعِم وأن المسيح مُعْطَى ومُنْعَم عليه، وأنه فتى من فتيان بني آدم، وأن الله مالكه، وأنه عبد وأن الله سيده.
وقد روى النصارى في الإصحاح السابع والأربعين من إنجيل مارقس: "أنه بينا بطرس في الدار ينظر الغابه إذ جاءت فتاة من جواري رئيس الكهنة فنمت عليه ورأته [أخرى] ٣ فذكرت مثل ذلك"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ر: فتح الباري ٥/١٧٧، ومسلم ٤/١٧٦٤، ١٧٦٥، وأبو داود ٤/٢٩٤، وأحمد ٢/٤٢٣، عن أبي هريرة ﵁. ٢ ما كان ينبغي للمؤلِّف أن يجزم بنسبة هذا النصّ وغيره من نصوص التوراة والأناجيل وغيرها إلى الله عزوجل أو إلى أحد الأنبياء، وإنما ينسبها إلى توراة اليهود وأناجيل النصارى وما يتبعها من الكتب التي فقد تقدم بيان عدم حجيتها وظنية ثبوتها. ٣ في ص أخوي والتصويب من النص. ٤ مرقس ١٤/٦٦-٦٩، وقد ذكره المؤلّف بالمعنى.
[ ١ / ١٢٠ ]
فهذا تصريح منهم أن الفتى هو اعبد / (١/١١/أ) والفتاة هي الجارية، فكيف يحملون ذلك على غير محمله وهذه التوراة والإنجيل تكذبهم وتخطئهم وتصرح بالرّدّ عليهم.
وقد حكى لوقا أيضًا في إنجيله: "أن مريم ﵍ لما رأت أم يوحنا قالت لها وهي تثني على الله: إن الله أنزل الأقوياء عن الكراسي ورفع المتوضعين وأشبع الجياع من الخيرات ورد الأغنياء صفرًا وعضد إسرائيل فتاه"١. يريد عبده، وعبودية إسرائيل متفق عليها، وذلك يهدم ما تعلقوا به من حمل الفتى على الولد، وفي ذلك رد على النصارى وتشويش لأمانتهم وإفساد لصلواتهم وتكذيب لمشائخ دينهم إذ يقرؤون في صلاة الساعة الأولى من صلواتهم "المسيح الإله الصالح الطويل الروح الكثير الرحمة الداعي الكل إلى الخلاص".
ويقرؤون في صلاة السَّحر: "تعالوا بنا نسجد للمسيح إلهنا".
ويقرؤون في صلاة الساعة الثّالثة: "يا والدة الإله مريم العذراء افتحي لنا أبواب الرحمة"٢.
ويقرؤون في أمانتهم وتسبيحة دينهم: "المسيح الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء".
وينقلون عن مشائخ دينهم وعلماء أهل ملتهم مثل أفريم٣ / (١/١١/ب) وغيره قوله: إن اليدين التي جبلت طينة آدم هي التي سُمِّرت على الصليب، وأن
_________________
(١) ١ لوقا ١/٥٢-٥٤. ٢ سيأتي المزيد من التفصيل لهذه الصلوات. ٣ أفرايم السراياني: من آباء الكنيسة الشرقية، ولد سنة ٣٠٦م، في نصيبين، وكان رئيس المدرسة الأسقفية في مدينته، له مؤلَّفات وقصائد تعليمية دينية، امتاز بمديح العذراء مريم، علم مات الرها سنة ٣٧٣م. ر: فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية ٢/٣٩٨، ٣٩٩، تأليف لويس غردية، المنجد في الأعلام ص ٥٢، ٥٣.
[ ١ / ١٢١ ]
الشبر التي مسحت السماوات هي التي سمرت على الخشبة، وأن من لا يقول إن مريم ولدت الله فهو بعيد عن ولاية الله".
وذلك كله باطل وزور وإفك وبهتان بقول متى حواري المسيح عن الله: "هذا فتاي الذي اصطفيت"، أَهْمْ - وَيْلَهُم - أعلم بالمسيح من تلميذه متى وسائر أصحابه الذين عاصروه وشاهدوه فليس فيهم من ينتحل هذا الهذيان الذي صار إليه المتأخرون من النصارى.
وإذا قال أشعيا النبيّ ﵇: "إن المسيح مضاف إلى الله فقد عُلِمَ وعُرف أن ما سوى الله تعالى فهو عَبْدُه وخلقٌ من خلقه، وكون المسيح حبيبًا من أحبابه وفتى من فتيانه لا يخرجه ذلك عن العبودية، وقد دلّلنا من التوراة والإنجيل على أن الفتى هو العبد والخادم فلا التفات بعد ذلك إلى جهلة النصارى.
٢- وقد صرح فولس فصيح النصارى ومفسرهم بأن المسيح عبد مخلوق فقال في الرسالة الثانية عشرة: "انظروا إلى هذا الرسول رئيس أحبارنا يسوع المؤتمن عند من خلقه مثل موسى في / (١/١٢/أ) جميع أحواله غير أنه أفضل من موسى"١. فأي بيان وأي تصريح أوضح من شهادة فولس بأن المسيح مخلوق وأنه مؤتمن عند خالقه تعالى؟!.
٣- دليل آخر على عبودية المسيح من قوله وفعله قال متى: "جاء يسوع المسيح إلى يوحنا المعمداني من الأردن إلى الجليل ليتعمد على يده، فقال حين رآه: هذا الذي قلت إنه يجيء بعدي وهو أقوى مني وأنا لا أستحق أن [أحل معقد] ٢ خُفِّه ثم قال للمسيح: إني لمحتاج أن أتعمد منك، فقال يسوع: دع الآن هذا فإنه ينبغي لي أن أكمل لك البر فتولَّه. فتعمد المسيح"٣.
_________________
(١) ١ الراسالة إلى العبرانيّين ٣/١-٣، بألفاظ متقاربة. ٢ في ص اجلس مقعد والصواب ما أثبته لموافقته سياق نص الأناجيل. ٣ متى ٣/١١/١٦.
[ ١ / ١٢٢ ]
قلت: هذا المسيح ﵇ متقيد بالعبادات، متطوق عهده التكاليف، ملتزم وظائف الخدمة، قائم بما يجب ليوحنا من الحُرْمَة، مساوٍ في تعمده وتعبده سائر الأمة، فكيف تعتقد فيه الربويبة والألوهية وهو يتعمد١ من عبد من عبيده ليكمل بِرَّه؟! وهل يفتقر إلى التكميل إلاّ ناقص ويدعى إلى فعل الجميل إلاّ من هو عنه ناكص؟!
والتكليف عبارة عن التزام ما فيه كلفة، ورُتْبَة المُوجِب فوق رتبة الموجَب عليه، فالتزام المسيح وظائف العبادة دليل على / (١/١٢/ب) عبوديته، وقد صرح يحيى المعمداني بعبودية المسيح قولًا وفعلًا.
أما تصريحه قولًا فإذ يقول: "إن المسيح أقوى منه، والتفضيل إنما يكون بين فاضلين رجح أحدهما على الآخر، ولا يحسن التفضيل بين الإله والآدمي. وأما تصريحه فعلًا فتعميده للمسيح أسوة أمثاله من الناس، وكيف يحسن من نبي الله يحيى بن زكريا أن يجهل ربه فلا يعرفه حقّ معرفته فيعامله معاملة المخلوقين والعبيد المربويبن؟! وإن كان قد عرفه فهلا نصح لعباده، وأرشدهم إلى معرفة بارئهم، وقام خطيبًا في الناس حين رأى المسيح، وقال: اعلموا أن الله تعالى قد رحمكم وتجشهم لخلاصكم وجاء إليكم لينقذكم من الخطية ويفيكم من أعدائكم وها هو هذا الذي جاء ليتعمد مني، كما يعتقده النصارى يومنا هذا. وحاشى ابن زكريا عن أمثال هذه الترهات.
فإن قيل: إنما تعمّد وتعبّد ليعلم الناس العبادة إذ ليس المتابعة في الأقوال مثل المتابعة في الأفعال.
فنقول: أو لم يكن الناس يعرفون العبادة قبل مجيء المسيح / (١/١٣/أ) فما زادهم على أن قال: تعلموا العبادة يا من هم بها عالمون، فصار ذلك مكن يقول لحاسب
_________________
(١) ١ سيأتي تعريف التعميد ونوعه.
[ ١ / ١٢٣ ]
ماهر: اعلم أن خمسة وخمسة عشرة سواء. ثم هذا السؤال ينْزل منْزلة من يدعي أنه إنما جاء ليعلم الناس الأمور الناسوتية من الأكل والشرب والنوم وأمثاله وذلك لا يقوله لبيب، فتعمده وتعبده ﵇ دليل ظاهر على عبوديته، فمن عذيري من قوم دُفعنا معهم إلى أن يستدل على أن الله القديم الأزلي ليس بآدمي يأكل ويشرب ويجيء ويذهب ويسترح ويتعب.
فإن قيل: فقد قال متي في تمام هذا الكلام: "إن يسوع لما تعمد وخرج من الماء انفتحت له أبواب السماء ونظر روح الله جاءت إليه في شبه حمامة وإذا صوت من السماء قائلًا: هذا ابني الحبيب الذي سُرَّت نفسي"١. وذلك دليل على ما ينتحله النصارى من بنوته وألوهيته.
قلنا: أوّلًا:
لا نسلم صحة هذا النقل لضعفه والدليل على ضعفه ووهاه أن صدور مثل هذه الآية العظيمة الآتية عند التعميد واجتماع الغَويّ والرشيد سبيلها أن تشتهر وتنتشر / (١/١٣/ب) بحيث ينقلها الجم الغفير والخلق الكثير، فلما لم ينقلها غير واحد٢ تبيّنّا بطلان ذلك وكذب ناقله، على أنّا لو سلما ذلك فليس فيه مستروح
_________________
(١) ١ متى ٣/٣/١٦، ١٧. ٢ قول المؤلِّف - ﵀ - "فلما لم ينقلها غير واحد " فيه نظر، فإن حادثة تعميد يوحنا المعمداني للمسيح ﵇ وفتح السماء ونزول الورح في شكل حمامة وسماع النداء من السماء لم ينفرد متى بنقله فقط، بل نله أيضًا مرقس في إنجيله ١/١٠، ولوقا في إنجيله ٣/٢١، ويوحنا في إنجيله ١/٢٢، مع وجود التناقض والاختلاف في روايات الأناجيل كالآتي: ورد في إنجيل متى إصحاح ٣، وإنجيل لوقا إصحاح ٣، بأن يوحنا كان يعرف المسيح قبل نزول الروح على المسيح. وخالفهما يوحنا الحواري في إنجيله إصحاح ١ فذكر: بأن يوحنا ما عرف المسيح إلاّ بعد نزول الروح على المسيح. ثم تناقض متى ولوقا مع ما ذكراه سابقًا فذكر متى إصحاح ١١، ولوقا إصحاح ٧، بأن يوحنا ما عرف المسيح بعد نزول الروح أيضًا، وإنما أرسل يوحنا إلى المسيح تلميذين من تلاميذه يسألانه عن حاله، هذا ظاهر التناقض والفساد.
[ ١ / ١٢٤ ]
للنصارى فيما يرمونه؛ لأن بفتح السماء وسماع النداء ونزول الروح الذي هو الملك كل ذلك من المعجزات الدالة على صحة النبوات، ولا غرو أن يأتي المسيح بخارق قاطع لشغب اليهود نازل منْزلة قول الله: صدق عبدي، فأما الروح [١] فتارة يكون جبريل، [٢] وتارة يكون مَلَكًا غيره يقوم يوم القيامة صفًا وحده وسائر الملائكة صفًا آخر [٣] وتارة يكون بمعنى الشيطان [٤] وتارة يكون عبارة عن العلم والحكمة. [٥] وتارة يكون عبارة عن روح الآدمي. [٦] وتارة يكون كناية عن سرّ الشيء ولبه. [٧] وتارة يكون بمعنى الوحي فهذه عدة محامل.
والدليل على الأوّل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِيْنُ عَلَى قَلْبِكَ ﴾ . [سورة الشعراء، الآية: ١٩٣] . وفي الإنجيل: (روح القدس تحل عليك) ١. يقول لمريم.
والدليل على الثاني: ﴿يَومَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلاَئِكَةُ صَفًّا﴾ . [سورة النبأ، الآية: ٣٨] ٢.
والدليل على الثالث: قول الإنجيل: "إن المسيح أبرأ الناس من الأرواح
_________________
(١) ١ لوقا ١/٣٥. ٢ قد اختلف المفسِّرون في المراد بالروح في الآية ما هو؟ على أقوال: أحدهما: رواه العوفي عن ابن عباس أنهم أراح بني آدم. الثاني: هم بنو آدم. قاله الحسن وقتادة عن ابن عباس. الثالث: أنهم خلق من خلق الله على صور بني آدم وليسوا ملائكة ولا بشر وهم يأكلون ويشربون. قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمشي. الرابع: هو جبريل. قاله الشعبي والضحاك ومقاتل. الخامس: أنه القرآن. قاله ابن زيد. السادس: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقًا. قاله ابن عباس، وابن مسعود في تفسيره للروح، ونقل ابن جرير لهما حديثين في ذلك، وعلق عليهما ابن كثير بقوله: "هذان حديثان غريبان جدًا". وقال ابن جرير بعد سرده الأقوال: "والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن خلقه لا يملكون منه خطابًا يوم يقوم الروح، والروح خلق من خلقه، وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أي ذلك هو، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعني به دون غيره يجب التسليم له، ولا حجة تدل عليه، وغير ضائر الجهل به". اهـ. انظر: تفسير الطبري ٣٠/٢٢، ٢٣، تفسير ابن كثير ٤/٤٩٦، ٤٩٧.
[ ١ / ١٢٥ ]
النجسة فخلصوا"١.
والدليل / (١/١٤/أ) على الرابع: قول التوراة لموسى: "يصنع لك قبة الزمان بصلئيل الذي ملأته روح الحكمة والعلم"٢ والدليل على الخامس: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٨٥] .
والدليل على السادس: قول القائل: هذا روح المسألة، أي: سِرُّها ولُبُّها.
والدليل على السابع: ﴿وَكَذَلِك أَوْحَيْنَا إِلَيكَ رُوحَنَا مِنْ أَمْرِنَا﴾ . [سورة الشورى، الآية: ٥٢] . ﴿يُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ . [سورة النحل، الآية: ٢] .
وقول المعمداني: "إن روح الله نظرها جاءت إليه". يريد المَلَك الآتي في صورة طائر واختصاصه بالحمام، لأنه ميمون غير متشائم به، ونسبتها إلى الله بنسبة مِلْك كقولهم في التوراة: "أن موسى رجل الله"٣، و"العصا التي يبده قضيب الله"٤، و"وقبة الأمد التي بنيت في التيه، خباء الله"٥، و"أورشليم التي هي البيت المقدس بيت الله"٦، فكذلك قول مَتَّى: (ونظر روح الله جاء إليه"، يريد مَلَك الله.
والدليل على مساواة المسيح غيره في هذه الروح والتأييد بها قول لوقا في إنجيله: "قال يسوع لتلاميذه: إن أباكم السماوي يعطي ورح القدس للذين
_________________
(١) ١ لوقا ٤/٣٦، وقد ذكر المؤلف النصّ بالمعنى. ٢ خروج ٣١/١-٣. ٣ تثنية ٣٣/١. ٤ خروج ٤/٢٠. ٥ أخبار الأيام الثاني ٣١/١٣، نحميا ١١/١١. ٦ تكوين ٢٨/١٧، ٢٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
يسألونه"١. والدليل عليه من / (١/١٤/ب) التوراة قول الله لموسى: "اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التي عليك، فيحملوا عنك ثقل هذا الشعب. ففعل موسى فأفاض عليهم من روحه فتنبؤا لساعتهم"٢.
وفي التوراة أيضًا في حقّ يوسف الصديق: "يقول الملك: هل رأيتم مثل هذا الفتى الذي روح الله حال فيه"٣.
والدليل عليه من نبوة دانيال: "أن روح الله حلت على دانيال"٤. وفي التوراة أيضًا: "أن موسى لما توفي امتلأ يوشع خادمه من روح القدس؛ لأن موسى كان قد وضع يده على رأسه"٥.
فقد استوت الحال بين المسيح وبين من ذكرنا في تشريفه بهذه الروح، وقد قال الله في الكتاب العزيز في حقّ إخواننا من المسلمين: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحِ مِنْهُ﴾ . [سورة المجادلة، الآية: ٢٢] . فما أجاب النصارى به عن حلول الروح على هؤلاء فهو جواب لنا عن حلوله على من يَّدعونه.
فإن تجاهلوا وقالوا: الروح الآتي إلى من عدا المسيح هي الملك والعلم والحكمة، والروح الآتي إلى المسيح هي حياة الله.
قلنا لهم: الويل لكم إن كان ما تقولون فقد صار ذاتًا ميتة لا روح / (١/١٥/أ) فيها، وإذا كان قد صار ذاتًا خالية من الحياة، فكيف يقولون: إنه قال: هذا عبدي وهذا ابني؟ فقد آل ما تدعون إلى نفي ما تدّعون.
_________________
(١) ١ لوقا ١١/١٣. ٢ عدد ١١/١٦-٢٥، في سياق طويل. ٣ تكوين ٤١/٣٨. ٤ لم أعثر في فسر دانيال بالنسخة الحالي على النصّ الذي أورده المؤلف ولعل المؤلف يقصد حزقيال فقد ورد في سفر حزقيال ٣/٢٣، ٢٤: "أن روح الله حلَّت فيه". ٥ تثنية ٣٤/٩.
[ ١ / ١٢٧ ]
ثم نقول لهم: بم تنكرون على من يزعم أن الروح الآتي والنداء ليس هو لعيسى بل هي لأستاذه الذي عَمَّده هو يحيى بن زكريا؟! لأنه بشهادة الإنجيل أفضل منه إذ هو الذي امتلأ من روح القدس وهو جنين في بطن أمه ثم نشأ سيدًا وحصورًا١.
وقد قلتم في إنجيلكم: "إن يوحنا هذا لا يأكل ولا يشرب ولا يتناول خمرًا ولا مسكرًا٢ ولا يلبس سوى جلود الحيوان٣ وأنه انتهض قبل المسيح إلى الدعاء إلى الله وعمد الخلق حتى عمَّد المسيح فيمن عمد.
فأما المسيح فلم تأته الروح - في قولكم - إلاّ بعد الثلاثين سنة من عمره على يد يوحنا، ولم يتصف بما اتصف به يوحنا شيخه وأستاذه بل أكل الخبز واللحم وشرب الخمر في زعمكم وحضر الدعوات٤ وتناول نفائس الطعام، وصبت عليه امرأة دهنا قيمته ثلاثمائة مثقال فلم ينكر عليها٥، كل ذلك يشهد به إنجيلكم.
وإذا كان الأمر على ما وصفتم من حال الرجلين سلام الله عليهما فلا خفاء بكونه أفضل منه، وإذا ثبتت أفضلية يوحنا فمن أين لكم أن الروح الآتي والنداء المسموع لم يكن ليوحنا؟ فدلوا أنتم على أن ذلك كان للمسيح، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلًا.
_________________
(١) ١ يقال ساد القوم يسودهم، ولما كان من شرط المتولي للجماعة أن يكون مهذب النفس قيل لكل من كان فاضلًا في نفسه: "سيد" وعلى ذلك قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٣٩] . أما الحصور فإنه الذي لا يأتي النساء إما من العنة وإما من العفة والاجتهاد في إزالة الشهوة، والثاني أظهر في الآية؛ لأن بذلك يستحق المحمدة. ر: المفردات للراغب الأصفهاني ص ١٢٠، ٢٤٧. ٢ لوقا ٧/٣٣. ٣ مرقس ١/٦. ٤ يوحنا الإصحاح الثاني. ٥ متى ٢٦/٧-١٢، مرقس ١٤/٣-٨، ولم يرد فيهما ذكر قيمة الطيب.
[ ١ / ١٢٨ ]
ثم نقول لهم: أليس قد زعمتم أن الروح إنما جاءت في شبه حمامة فعرف شكلها وكميتها وقدرها وفرَّغت حيرًا وشغلت آخر وتنقلت في الجهات؟! وذلك صفة المخلوق الحادث ويتعالى عن ذلك القديم ﷻ، ثم لفظ النبوَّة معارض بلفظ العبودية، فقد سمّاه الله عبده ولله واختار له ما عنده، وسوَّاه في العبودية بمن كان قبله ومن جاء بعده.
٤- دليل آخر على عبودية المسيح ﵇ قال متى: "أخذ إبليس يسوع المسيح وأخرجه إلى البرية ليجربه وقال له: إن كنت أنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزًا، فقال المسيح: إنه مكتوب أنه ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان بل بكل كلمة تخرج من الله فأخذه إبليس ومضى به حتى أقامه على أعلى جبل في الأرض وأراه جميع ممالك العالم وقال:
هذا كلّه لي وأنا أعطيكه إن سجدت لي / (١/١٦/أ) سجدة واحدة، فقال: اغرب عني يا شيطان فإنه مكتوب للربّ إلاهك أسجد وله وحده أعبده، فمضى به إبليس وأقامه على جناح الهيكل، وقال له: انطرح من هاهنا إلى أسفل، فإنه مكتوب أن يرسل بعض ملائكته فتحملك حتى لا تعثر رجل بحجر، فقال المسيح: ومكتوب أيضًا لا تجرب الرّب إلاهك، فمضى به إبليس وتركه وجاءت ملائكة تحرسه، وصام المسيح عند ثلك ثلاثين يومًا بلياليها وجاع أخيرًا"١.
قلت: هذا متى الحواري قد ذكر هذه القصة وهي شاهدة على المسيح بصريح العبودية وافتقار البشرية، وسلوك سنة المتعبدين وطريق المتبتلين من المجتهدين، وأدب الأولياء ومقدمات أمور الأنبياء، ينقطعون إلى مولاهم في قنن٢ الجبال، ويفرغون البال بمواصلة الوصال، ألم يأتكم نبأ ابن عمران٣ إذ
_________________
(١) ١ متي ٤/١-١١، بألفاظ متقاربة. ٢ القُنة: أعلى الجبل، والجمع قنان وقنات. ر: مختار الصحاح ص ٥٥٣. ٣ يقصد: النبيّ موسى بن عمران ﵇، وقد ورد ذلك في سفر الخروج ٣٤/٢٨.
[ ١ / ١٢٩ ]
طوى الأربعين لا يفطر وفعل من الخوارق بمصر وغيرها ما لا يجحد ولا ينكر.
ولقد أربت آياته في النقل الصحيح على آيات المسيح، وإذا انتهينا إلى ما يليق بذلك أشبعنا القول فيها إن شاء الله، والعجب كيف يجرب إبليس يسوع ويمتحنه ويسحبه معه من مكان إلى مكان، / (١/١٦/ب) ويسومه السجود له وهو في زعم النصارى خالقه وخالق كل شيء، فنحن نسألهم عن هذا المتردد مع الشيطان من مكان إلى مكان، والمقهور في يده والشيطان طامع في استتباعه وصيرورته عبدًا له، أهو إنسان مخلوق أو إله خالق أو إله اتّحد بإنسان أو سكن في أهابه واتّخذه محلًا له؟!.
فإن قالوا: إنه إنسان مخلوق وافقوا شرعنا وخالفوا شريعتهم وأمانتهم إذ يقولون فيها: "إن المسيح إله خالق غير مخلوق وأنه الذي أتقن العالم بيده".
وإن قالوا: إنه خالق أو إله اتّحد إنسان أو حل فيه وسكنه، فقد حكموا أن الإله الأزلي سحبه الشيطان، وردده وجرت عليه أحكامه، وطمع فيه أن يسجد له وفيه امتهان الربّ القديم، والإله العظيم في يد الشيطان الرجيم.
وقد شهد متى أن المسيح قد جاع، والإنجيل يقول: "إن الله لا يأكل ولا يشرب ولا رآه أحد"١. وإذا ثبت بقول أصحاب المسيح أن المسيح قد جاع،
_________________
(١) ١ لم أجد نص هذه العبارة في نسخة الأنانجيل التي بين يدي، وقد ذكر هذا النص الحسن بن أيوب في كتابه: الرد على النصارى والإمام القرافي في الأجوبة الفاخرة ص ١٤٩، والمهتدي نصر بن يحيى المتطبب في النصيحة الإيمانية ص ٢٤٨، وابن القيم في هداية الحياري ص ٢٧٤، كالآتي: "إن الله ﵎ لم يلد ولم يولد ولم يأكل ولم يشرب ولم ينم ولم يره أحد من خلقه ولا رآه أحد إلا مات". وقد علق شيخ الإسلام في الجواب الصحيح ٢/٣٣٤ على النصّ بقوله: "إن هذه العبارة مما ينازع فيه النصارى بأنه ليس موجودًا في كتبهم ولا يعترفون به".اهـ. قلت: إن معنى النص المذكور ذكر متفرقًا في العهد القديم والجديد الآتي: في إنجيل يوحنا ١/١٨: "الله لم يره أحد قط". وبنحوه ذكر في التوراة خروج ٣٣/٢٠، وفي رسالة يوحنا الأولى ٤/١٢، وفي الرسالة الأولة لتيموثاوس ٦/١٦. في الميزان ١٢١/٤: "إنه لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل". في أشعيا ٤٠/٢٨: "إله الدهر الربّ خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا وليس عن فهمه فحص". وبما أن المسيح قد اعترف في الأناجيل بأنه غير ناسخ للتوراة، بناء عليه فكل ما في التوراة عن الله وصفاته ملزم للنصارى تمام الإلزام.
[ ١ / ١٣٠ ]
وتظافرت عليه الآلام والأوجاع فقد ثبت بذلك أنه عبد لله، إذ ثبت أن ما سوى / (١/١٧/أ) فهو عبد له.
فإن قالوا: لا ننكر أن المسيح جاع وشبع واطمأن وجزع وناله النفع والضرر واعتورت عليه أحوال البشر، غير أن هذه النقائص إنما دخلت على ناسوته دون لاهوته١.
قلنا لِمَ يَدَعُ الاتّحاد الذي تدعونه ناسوتًا متميّزًا عن لاهوت حتى يُخَصَّ بالعطش والجوع والأرق والهجوع! بل صار المسيح بالاتّحاد الذي يدّعيه أهل الإلحاد شيئًا واحدًا، والشيء الواحد لا يقال إنه جاع ولم يجع ومات ولم يمت. على القول أيضًا بذلك مفسد للاتّحاد الذي يدعونه؛ لأنه قد كان المسيح قبل الاتّحاد يدركه عوارض الآدميّين من الجوع والعطش والطمأنينة والدهش وغير ذلك، فإن كان بعد الاتّحاد كَهُوَ٢ قبل الاتّحاد فلا معنى للاتّحاد، فقد صار الاتّحاد الذي يُدَّعى له مجرد تسمية ساذجة عن المعنى.
وإذا ثبت أن المسيح قد تناول الطعام وصلى وصام والتزم الأحكام فقد أربى في العبودية على سائر الأنام.
والعجب أن الشيطان لا يثبت مع وجود المَلَك، فكيف يطمع فيمن يعتقد ربوبيته حتى يسومه أن يجعله / (١/١٧/ب) من الأتباع [ويوظف] ٣
_________________
(١) ١ يؤمن النصارى بالاتّحاد: وهو اتّحاد اللاهوت الجزء الإلهي مع الناسوت الجزء الإنساني في المسيح ﵇، وسيأتي في الباب السابع تفصيل اختلاف النصارى في تصوير ذلك الاتّحاد. ٢ كهو: أي: كمثله. ٣ في ص يوصف ولعل الصواب ما أثبته.
[ ١ / ١٣١ ]
عليه السجود الذي هو نهاية الاتضاع، ألا تنظر النصارى إلى قول المسيح: "ولله وحده أعبد"، فإنه أثبت لربه الوحدة والانفراد، ونفى عن خالقه سائر الأنداد، من الشريك والصحابة والأولاد. فالمسيح يقول: "لا ينبغي السجود إلاّ لله الواحد"، والنصارى تقول: لا يسجد إلاّ لثلاثة آلهة. لقد تباعد ما بينهم وبين المسيح.
٥- دليل آخر على عبودية المسيح ﵇ قال متى: "سمع مهيرودس ملك اليهود خبر يسوع فقال لغلمانه: أترى يوحنا قد قام من بين الأموات وهذه القوى تعمد معه. وكان هيرودس هذا قد قتل يوحنا المعمداني في السجن وأعطى رأسه لابنة هيروديا١، وكانت قد تمنت عليه ذلك يوم رقصت فيه مجلس مولود ولد له، فجاء التلاميذ وأخبرا يوسع بمصاب يوحنا، فجزع يسوع وخرج من وقته من الموضوع الذي كان به منفردًا"٢.
قلت: اشتبه أمر المسيح على الناس، والرّبّ لا يقع التشابه بينه وبين خلقه، وإنما شبهه الناس بيوحنا لاشتراكهما في أعلام النبوة، وأخبر التلاميذ المسيح بالقصة قبل أن يعلم بها، والربّ تعالى / (١/١٨/أ) يجب أن يكون عالمًا بجميع المعلومات محيط بما تحت تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات، ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ . [سورة الملك، الآية: ١٤] .
وخرج المسيح عقب هذه الأخبار مؤثرًا للإستار معملًا مطايا الحذار من الأشرار، ومن دأب البشر عند توقع الضرر الأخذ بالحذر.
_________________
(١) ١ يقال إن اسمها: سالومة ابنة هيروديا والتي رقصت في حفلة عيد ميلاد هيرودس وطلبت رأس يوحنا المعمدان على طبق. انظر: قاموس ص ٤٤٧. ٢ متى ١٤/١-١٣.
[ ١ / ١٣٢ ]
وقد اتّفق مثل هذا الابتلاء لطائفة من الأولياء ولم يجدَّ بهم الهلع بزمامه ولا أنزلهم عن غارب التوكل سنامه، قال بعض السلف: "نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله"١.
اعلم أن يسوع٢ هو عكس عيسى، وكأنه (يَسُع) أشبعت الضمة قليلًا فصارت واوًا، وكذلك يشوع في التوراة هو
يوشع٣.
فأما يلامعمداني فهو يحيى٤ بن زكريا - وهو نبي ابن نبي - ولد بالبشرى من الله، وهو أكبر في السن من المسيح بستة أشهر أو نحوها، وقد تولى التعميد
_________________
(١) ١ هذه مقالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عندما خرج إلى الشام فأخبره أمراء الأجناد بأن الوباء وقع بالشام فاستشار الصحابة في دخول الشام أو الرجوع عنها فأشار عليه مشيخة قريش من مهاجرة الفتح بأن يرجع بالناس ولا يقدمهم على الوباء، فأذن عمر بالناس، إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أفرارًا من قدر الله؟. قال لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم. نفر من قدر الله عزوجل إلى قدر الله ، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبًا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علمًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه". قال: فحمد الله عزوجل ثم انصرف. أخرجه البخاري في كتاب الطبّ باب ٣٠. فتح الباري ١٠/١٧٩، مسلم ٤/١٧٤٠، ١٧٤١، في سياق طويل عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -. ٢ نقله أيضًا نجم الدين الطوفي في كتابه: الانتصارات الإسلامية ص ٧٧، وفي الصحاح للجوهري ٢/٩٥٥: عيسى اسم عبراني أو سرياني، والجمع العيسون، والنسبة عيسى وعيسوي. وجاء في قاموس الكتاب ص ١٠٦٥: أن يسوع الصيغة العربية للاسم العبري يوشع ومعناه: يهوه مخلص، الله مخلص، وقد سمي بهذا الاسم المسيح حسب قول الملاك ليوسف: متى ١/٢١، مريم لوقا ١/٣١. اهـ. ٣ هو يوشع بن نون ﵇، الاسمان يشوع ويسوع شبيهان وقد تقدمت ترجمته. انظر: ص ١١٩. ٤ يحيى بن زكريا - ﵉ -، ورد ذكرهما في آيات متعددة في القرآن الكريم. انظر: سيرتهما في قصص الأنبياء لابن كثير ص ٤٦٦-٤٧٧، ولعبد عبد الوهّاب النجار ص ٣٦٨-٣٦٩، والنبوة والأنبياء للصابوني ص ٣٢٦-٣٣٦. ويذكر عنه قاموس الكتاب ص ١١٠٦-١١٠٨، ما ملخصه: "بأنه كان ناسكًا زاهدًا يدعو الناس إلى التوبة ويعمدهم بعدها في نهر الأردن وذلك سبب تسميته: "يوحنا المعمداني" وقد أمر هيردوس بقتله في حوالي سنة ٢٨م، ودفنه تلاميذه في سبطيًا عاصمة السامرة بجانب قبر اليشع وعوبديا". اهـ بتصرف.
[ ١ / ١٣٣ ]
قبل المسيح وعمد المسيح فمن عمده من الناس، والتعميد١ هو غمس التائب في الماء يشيرون بذلك إلى الانغماس في الطاعة والتجرد عن المخافة كما ورد شرع الإسلام بتطهير الكافر حين يسلم.
فأما هيردوس٢ فهو أحد الأربعة / (١/١٨/ب) الذين كانوا يدور عليهم أمر الشام من جهة قيصر وكان قد رام نكاح ابنة أخيه وقيل ابنة زوجته فحال بينه يوحنا المعمداني وبين ما أراد من ذلك فاعتقله هيردوس ثم قتله بالتماس أم الصبية إذ رأت أنه زاعم٣ مقصودها، فذكر أن دم يوحنا هذا لم يغض٤ مذ وقع على الأرض حتى حرك الله داعية بعض ملوك بابل، قال أصحابنا: يقال لهذا الملك حردوش البابلي فسار إلى اليهود يجر الشوك والشجر فقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، وحرق قراهم وعضَّد٥ شجرهم، وأجلاهم عن البيت المقدس،
_________________
(١) ١ ورد في قاموس الكتاب ص ٦٣٧: "بأن اليهود استعملوا عادة التعميد، وبأن تعميد يوحنا كانت تسمّى "معمودية التوبة لمغفرة الخطايا" وفي النصرانية جعل التعميد بالماء باسم الثالوث الأقدس علامة على التطهير من الخطيئة والنجاسة وعلى الانتساب رسميًا إلى كنيسة المسيح، وقد جعل التعميد عوضًا عن الختان الذي كان مفروضًا على بني إسرائيل، وقد اختلفت وجهات نظر النصارى حول قضيتين: نوع المعمودية، ومعموديةالصغاروالكبار".اهـ. بتصرف. وتعتبرالمعمودية من أسرار الكنيسة ووظائفها التي تختص بها. ر: أيضًا الكنْزالجليل في تفسيرالإنجيل١/٢٨، ٥٣٩. ٢ هيردوس انتيباس: هو الابن الثاني لهيرودوس الكبير، عُيِّن حاكمًا على الجليل وقد غضب عليه الإمبراطور ونفاه إلى ليون ثم أسبانيا وكان زمن ملكه من ٤ ق. م إلى ٣٩ م. ر: قاموس ص ١٠١١. ٣ في ش: راغم بالراء من المراغمة وهي المغاضبة، وبالزاي فهي المزاغمة، أي: التغضب في الكلام هذا على الغين المعجمة، أما على المهملة والزاي وهو الراغم أي: القول. ر: الصحاح ٥/١٩٣٤، ١٩٤١، ١٩٤٢. ٤ في ش: لم ينقص ولم يضع. ٥ في ش: عضد الشجر أي: قطعه بالمعضدة المقتلع. ر: الصحاح ٢/٥٠٩.
[ ١ / ١٣٤ ]
وأعطى الله عهدًا ألا يكف عنهم حتى يغيض ذلك الدم، فلم يغض حتى كاد يستأصل اليهود واستاق السبي معه إلى بابل١.
وفيهم أنْزل الله على نبيّه محمّد ﷺ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَينِ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٤] . فكانت المرّة الأولى على يد بختنصر٢ بسبب قلتهم نبي الله أشعيا في زمن أرميا النبي ﵇، ثم رد الله إليهم ملكهم، وكانت المرة الثانية على يد خردوش٣ اليوناني بسبب قتلهم يحيى بن زكريا / (١/١٩/ب) وذكر أن بين الوقعتين أربع مائة وإحدى وستون سنة٤.
_________________
(١) ١ بابل: مدينة قديمة في أواسط ما بين النهرين، تقع أنقاضها على الفرات قرب الحلة، على مسافة ٨٠كم جنوب شرقي بغداد، وقد أطلق اسم بلاد بابل على القسم الجنوبي من بلاد ما بين النهرين لتمييزه عن بلاد آشور. ر: المنجد في الأعلام ص: ١٠٦. ٢ نبوخذ ناصر، نبوخذ نصر: اسم بابلي معناه: "نبو حامي الحدود" ملك بابل. حكم ٦٠٥-٦٥٢ ق. م أخمد ثورة قام بها اليهود في أرض يهوذا وعندما أعادوا الكرة لم يخمد ثورتهم وحسب بل ساق ملكهم وكبراءهم أسرى إلى بابل وهو ما يعرف في تاريخ اليهودية بالأسر البابلي. ر: قاموس ص ٩٥٤-٩٥٥، الموسوعة العربية ٢/١٨٢١. ٣ ذكره الطبري في تاريخه ١/٥٩١ باسم: خردوس وبأنه من ملوك بابل، وفي مروج الذهب ص ٦٣، للمسعودي: أنه حردوس بالحاء المهلة. ويرى د. ف. عبد الرحمن - أستاذ فقه اللغة - أن اسم خردوس إنما هو تحريف لاسم الحارث بالاتينية وهو: ARETAS - نقلًا عن مسودة كتاب الإعلام بأصول الأعلام - تأليف د. ف عبد الرحيم. أما الحارث فهو ملك البتراء، الذي حارب هيرودوس، وهيروديا انتيباس لزواجه بهيروذيا زوجة أخيه فيليس وقيل: إنها ابنة أخيه، وقد كان هيرودس متزوجًا بابنة الحارث من قبل وقد طلقها لذلك، وهيروديا هي التي طلبت من هيردودس رأس يحيى ﵇ لمعارضته هذا الزواج. ر: قاموس ص ٢٨٢. ٤ هذا ما نقله الإمام ابن جرير الطبري في تاريخه ١/٥٩٣، وفي تفسيره ١٥/٢٢-٢٧، ٤١، ٤٢، عن ابن حميد قال: ثنا سلمة، ثني ابن إسحاق قال: فذكره في سياق طويل جدًا. في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ . والذي أراه - والله أعلى وأعلم - هو ترجيح ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ر: تفسير الدر المنثور للسيوطي ٤/١٦٣، ١٦٥، بأن المُسلَّط على بني إسرائيل لإفسادهم في المرّة الأولى هم جالوت وجنوده الذين اضطهدوا وأذلوا بني إسرائيل يدل على ذلك قولهم - كما حكي القرآن الكريم عنهم حينما طلبوا من نبيّهم أن يبعث الله لهم ملكًا: ﴿وَمَا لَنَا أَلاّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ . [سورة البقرة، الآية: ٢٤٦] . ثم بعث الله طالوت ملكًا لهم وقتل داود ﵇ جالوت، ورجع إلى بني إسرائيل ملكهم، ثم لما فسدوا المرة الثانية وقتلوا نبيّهم أشعيا، بعث الله عليهم بتختنصر فقتلهم وسبى نساءهم وذراريهم وهدم الهيكل المعروف بـ: هيكل سليمان، وهذا التدمير البابلي هو ما يعرف في تاريخهم بـ: السبي البابلي حيث أجلاهم بختنصر عن بيت المقدس وأخذهم سبيًا إلى بابل. وعندما رجع بعض بني إسرائيل مرة ثانية إلى بيت المقدس في ظل حكم الفرس وأفسدوا بقتلهم زكريا وابنه يحيى، ومحاولة قتل عيسى ﵇ سلط الله عليهم الرومان بقيادة تيطس سنة ٧٠م، ثم بقيادة أدريانوي سنة ١٣٥م، فقتلهم وشردهم في جميع أنحاء البلاد المجاورة، وهكذا كلما عاد اليهود للفساد والإفساد في الأرض تكرر تسليط الله عليهم من يسومهم أشد العذاب تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ . وهو مستمر فيهم في كل زمان ومكان. حيث سلط الله عليهم المؤمنين فقتلوا وأجلوا بني قينقاع والنضير وقريظة عن المدينة وعن خيبر، كما سلط الله عليهم أيضًا ملوك أروبا في العصور الوسطى و"هتلر" وغيره في العصر الحديث. ونرجو الله أن يسلطنا عليهم بتمسكنا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فنسترد أولى القبلتين ونطهر الأرض من رجسهم وسادهم، كما سيسلط الله عليهم المهدي والمسيح ﵇ والمؤمنين إذا ما خرج اليهود مع المسيح الدجال كما ذكر ذلك في أحاديث أشراط الساعة. وأما بالنسبة لتحديد الذين سلطهم الله على بني إسرائيل لفسادهم في الآية الكريمة فالأولى فيه ما قاله الإمام ابن كثير في تفسيره ٣/٢٨: "وفيما قصّ الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ورسوله إليها، وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوّهم فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم جزاءً وفاقًا، وما ربّك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقًا من الأنبياء والعلماء".
[ ١ / ١٣٥ ]
ينبغي أن يقال للنصارى: ما الذي دفعكم إلى عبادة مخلوق يفزع عند الضرار إلى التقية والحذار، ويلجأ عند توقع المكروه إلى الفرار والاستتار في الجدار؟! أين قولكم إنه حين تعمد جاءته روح الله؟! وأنتم رويتم لنا أن موسى قد قاتل الجبابرة وأباد الفراعنة، وطهر الأرض من العمالقة، وقتل عوج١ مبارزة، ولم يفر من خصمه وإن عظم بأسه، ولا نكل عن فرعون وإن اشتدت شوكته، وقد كان يدخل على فرعون فينغص عليه سلطانه،
_________________
(١) ١ عوج: ملك الأموريين في باشان، وكان وكان جبار القامة شديد البأس، وقد انتصر عليه موسى في حربه معه واحتل مملكته. ر: سفر التثنية٣/١-١١،قاموس ص٦٤٦.
[ ١ / ١٣٦ ]
ويُرْغم مجاهرةً شيطانه، ويحقر عند أهل مملكته شأنه، ثم جَرَّعه أليم اليَمِّ، وأباد جنوده في اللج الخضم، أفكانت الروح التي مع موسى أقوى من الروح التي ادعيتموها للمسيح؟! فما نرى موسى إلاّ أحق من المسيح بالربويبة إذ كان لم يخف والمسيح قد خاف، وكذلك يوشع وداود قد قهرا الصناديد، والمسيح قلتم إنه قتله اليهود.
٦- دليل آخر على عبودية المسيح: قال فولس الرسول في الرسالة الأولى١: "وأنا أحب يا إخوتي / (١/١٩/ب) أن تعلموا أن رأس المرأة الرجل، وأن رأس كل رجل المسيح، وأن رأس المسيح الله".
فهذا فولس قد نطق بأن المسيح مرؤوس وأن الله رئيس عليه، وذلك منه رَدٌّ على النصارى وإفساد لأمانتهم وشريعتهم.
٧- دليل آخر، قال متى: "أصعد يسوع تلاميذه سفينة وصعد هو إلى الجبل يصلي، فلما كان في الهجعة الرابعة من الليل جاء ماشيًا على الماء طالبًا السفينة فخاف التلاميذ وتصارخوا فقال يسوع: لا بأس عليكم. فقال بطرس له: يا ربّ إن كنت أنت هو فادعني آتيك على الماء، فقال: تعال. فنزل بطرس يمشي على الماء فاشتد الريح فكاد أن يغرق فصاح: يا ربّ نجّني. فمد يسو يده وأخذه، وقال له: يا قليل الأمانة لم شككت؟ ثم صعد يسوع فسجدوا له"٢.
قلت: هذا الفصل معرب عن تعبد المسيح وتبتله وتهجده لمولاه وتذلله، وحركته في الجهات وتنقله وصعوده قنن الجبال وتوقله٣، وهذه كلّها أفعال دالة على حدثه.
_________________
(١) ١ الرسالة الأولى من رسائل بولس إلى أهل كورنثوس ١١/٢، ٣. ٢ متى ١٤/٢٢-٣٢. ٣ في ش: وَقَل الجبل توله: علاه وصعده.
[ ١ / ١٣٧ ]
فأما مشيه على الماء فليس فيه مستروح في دعوى ربوبيته فغايته أن التحق في / (١/٢٠/أ) ذلك بموسى وإلياس واليسع صلوات الله عليهم.
والتوراة: "تنطق أن موسى ضرب البحر فانفرق طرقًا وفرقًا، فكان كلّ فِرْقٍ لفريق من بني إسرائيل، حتى عبره ستمائة ألف رجل من بني إسرائيل سوى النساء والصبيان وبهيم الحيوان"١. وهذا أعجب من مشي عيسى وصاحبه على الماء إذ السفن تساويهما في ذلك، فلو كان عيسى ربًّا بذلك لكان موسى أولى، لما ظهر من عظيم فعله وجسيم نبله.
وقد جاء في سفر الملوك٢ من كتبهم:"إن إلياس٣ ﵇ انتهى إلى الأردن ومعه صاحبه اليسع فنزع إلياس عمامته وضرب بها الأردن فيبس له الماء وناول عماته اليسع٤ صاحبه فلما رجع الآخر ضرب بها الماء فيبس أيضًا حتى
_________________
(١) ١ سفر التكوين الإصحاح الرابع عشر والخامس عشر. ٢ سفر الملوك: من أسفار العهد القديم، والتي تسمى بالأسفار لاتاريخية، ويتكون من سفرين هما: سفر الملوك الأوّل وعدد إصحاحاته ٢٢، وسفر الملوك الثاني وعدد إصحاحاته ٢٥ إصحاحًا، والمقصود بالملوك هم الذين تولوا حكم بني إسرائيل عن الملك بعد عهد القضاة. وموضوع سفر الملوك هو: الحديث عن ملك سليمان ﵇ وبنائه الهيكل، ثم انقسام مملكته بعد وفاته إلى مملكتين شمالية وجنوبية، وحروب المملكتين فيما بينهما، وينتهي سفر الملوك المملكتين وحريق الهيكل سنة ٥٨٧ ق. م. وسبي اليهود إلى بابل. ومما ننكره على اليهود والنصارى - ونستغربه - هو تقديسهم لهذين السفرين مع تصريحهم بأنه لا يعرف مؤلّفها، وبأنه مجهول يروي قصصًا قديمة سابقة على عصره. ر: مقدمة الكتاب المقدس طبعة ١٩٧١م، قاموس ص ٩٢٠، رسالة في اللاهوت ص ٢٧٥، ٢٧٦، سبينوزا. ٣ إلياس ﵇، ورد ذكره في القرآن الكريم بموضعين: [سورة الأنعام الآية: ٨٥، وسورة الصافات الآية: ١٢٣-١٣٢] . ر: سيرته ي تاريخ الطبري ١/٣٢٥، قصص الأنبياء لابن كثير، ص ٤٠٠، النبوة والأنبياء للصابوني ص ٣١٨. أما مصادر أهل الكتاب فتذكر عنه بأنه إليا التشبي، وإيليا: اسم عبري معناه: الاهي يهوه والصيغة اليونانية لهذا الاسم هي: إلياس وتستعمل أحيانًا في العربية، وقد عاش في المملكة الشمالية حيث حارب إيزابل زوجة الملك أخاب التي ساقت زوجها وبني إسرائيل إلى عبادة العجل، وقد أيده الله بمعجزات كثيرة وفي نهاية أيامه ذهب إلى نهر الأردن مع تلميذه اليسع، ثم جاءت مركبة وفرسان نارية حملت إيليا إلى السماء. ر: سيرته في سفر الملوك الأوّل والثاني، وقاموس ص ١٤٤-١٤٥. ٤ اليسع ﵇، ورد ذكره في موضعين في القرآن الكريم: [سورة الأنعام، الآية: ٨٦]، و[سورة ص، الآية: ٤٨] . ر: سيرته في تاريخ الطبري ١/٣٢٧، وقصص الأنبياء، ص ٤٠٨، والنبوة للصابوني ص ٣٢١. ويذكر عنه قاموس ص ١١١ ما ملخصه: "أن اسمه عبراني معناه: الله خلاص وهو خليفة إيليا في النبوة"، ويسجل سفر الملوك الثاني معجزات كثير قام بها لايشع حتى بعد موته.
[ ١ / ١٣٨ ]
مشى عليه راجعًا"١. فلم يكن واحد منهما رباّ بذلك، وقد خاف بطرس٢ صاحب المسيح الغرق، لم يخف منه اليسع، وقوة الصاحب تدل على قوة حال المصحوب.
مناقشة على قول بطرس "يا ربّ إن كنت أن هو": اعلم أنّ هذا من الكلام الخلف وذلك إن بطرس إن عرف أنه / (١/٢٠/ب) المسيح، فكيف يقول: "إن كنت أنت هو؟ " وإن لم يكن عرفه، فكليف يقول له يا رب؟!.
٨- دليل آخر على عبودية المسيح، قال متى: "قال رجل للمسيح: يا معلم صالح، فقال له لا تقل لي صالحًا، لا صالحَ إلاّ الله الواحد"٣.
قلت: أضاف المسيح لربّه الوحدة، واعترف له بالألوهية وحده، وفي ذلك ردٌّ على النصارى في دعواهم التثليث وعبادة المسيح إذ نفى الصلاحية عن نفسه وأثبتها لله وحده، ولو كان الأمر في ذلك على ما يعتقده النصارى لبيَّنه للرجل ولقال له: لا صالح إلاّ الأب وأنا روح القدس، لم يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
وفي قول المسيح ﵇: "لا صالح إلاّ الله الواحد"، تكذيب للنصارى فيما يقرؤونه في صلواتهم إذ يقرؤون في بعض فرائصهم: "الإله الصالح الطويل
_________________
(١) ١ سفر الملوك الثاني ٢/١-٨. ٢ بطرس: رئيس الحواريين واسمه الأصلي سمعان بن لوقا ومهنته صيد الأسماك، وقد سماه المسيح كيفا ومعناها صخرة يقابلها في العربية صفا فسمي بشمعون الصفا في المصادر العربية، وقد وقف شمعون جهوده على التبشير بالمسيحية إلى أن قبض عليه في روما وصلب منكسًا بناء على طلبه سنة ٦٧م في زمن الإمبراطور نيرون، وتنسب إليه رسالتان من الرسائل السبع التي يسمّونها: الرسائل الكاثوليكية. ر: ترجمته في الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرسل والإصحاحات: ١، ٢، ٤، ٥، ١٥، قاموس ص ١٧٤-١٧٨. ٣ متى ١٩/١٦، ١٧.
[ ١ / ١٣٩ ]
الروح الداعي الكلّ إلى الخلاص". وقد يقرؤون فيها: "يا ربنا وإلهنا يسوع المسيح لا تضيع من خلقت بيديك، لا." ويقرؤون في شريعة إيمانهم التي لا يتم لهم قربان إلاّ بقراءتها: "نؤمن بالربّ الواحد يسوع المسيح الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كلّ شيء". وهذا / (١/٢١/أ) كله مخالف لقول المسيح ﵇: "لا صالح إلاّ الله وحده"، وإذا كان هذا قول المسيح فقد ثبت أنه ليس هو الله ولا صفة من صفاته، وإذا ثبت أنه غيره ثبت أنه عبده؛ لأن ما سواه فهو عبده وخلقه، وتبيّن فساد الأمانة التي لهم وجهل من ألفها بدين المسيح وشريعته.
٩- دليل آخر على عبودية المسيح، قال متى: "قال يسوع: من أراد أن يكون منكم كبيرًا فيلكن لكم خادمًا، ومن أراد أن يكون أوّلًا فليكن آخرًا إن ابن الإنسان لم يأت ليخدم، بل ليخدم ويبذل نفسه عن كثير"١.
قلت: هذا دأب المتّقين وعباد الله المشفقين، قام ﵇ بوصفه الاتضاع، ولزم مناهج إخوانه من الأنبياء في رعاية الأتباع، وصرح بأنه إنما بعث خادمًا والربّ يجب أن يكون مخدومًا، وأنه باذل نفسه ويتعالى القديم أن يكون عديمًا.
١٠- دليل آخر على عبودية المسيح، قال متى: "مرّ يسوع بشجرة تين وقد جاع فقصدها فلم يجد فيها سوى الورق فقال: لا تخرج منك ثمرة إلى الأبد فيبست الشجرة لوقتها فتعجب التلاميذ وقالوا: كيف يبست؟ فقال: الحقّ أقول لكم: إنه لو كان / (١/٢١/ب) لكم إيمان بغير شكّ وقلتم للجبال: تعال واسقط في البحر لفعل كلّ ما سألتموه تنالوه"٢.
_________________
(١) ١ متى ٢٠/٢٦-٢٨. ٢ متى ٢١/١٨-٢٢.
[ ١ / ١٤٠ ]
قلت: أدركته ﵇ عوارض البشر من الجوع والعطش وما أكثر ما يصفه الإنجيل بذلك، ولما سبق في علم الله تعالى ما سيدعى فيه من الربويبة والإلهية حفظ هذه المواضع من الإنجيل وحرسها عن التغيير والتبديل، ولتكون وازعة ذوي عن الأحلام، عن عبادة رجل من الأنام، يفتقر إلى الشراب والطعام، فقل للنصارى: يا معشر من بخس حظه من المعقول، كيف خفي عن يسوع حال الشجرة وهو في زعمكم الذي غرسها؟! أم كيف افتقر إلى تناول الثمرة وهو الذي كَوَّن بلسها١؟!. ولِمَ دعا عليها؟! ومن الذي دعاه حتى ساق الثوى٢ إليها؟
وأخبرونا من هو هذا الذي جاع؟، فإن زعمتم أنه الإله أكذبكم الإنجيل إذ يقول: "إن الله لا يأكل ولا يشرب". وأكذبكم داود في المزامير إذ يقول: "إن إله إسرائيل لا يأكل لحوم العجاجيل ولا يشرب دماء أولاد الغنم"٣.
فإن قلتم: إن الناسوت هو الذي جاع، أبطلتم الاتّحاد، إذ الاتّحاد عندكم صيَّر / (١/٢٢/أ) الكثرة قِلة وجعل الاثنين واحدًا، وأنتم زعمتم أن فائدة الاتّحاد تشريف الطبيعة الناسوتية لا انحطاط الطبيعة اللاهوتية.
فإذا قلتم: إن طبيعة الناسوت باقية على حكمها، لم يحصل التشريف الذي ذكرتم، فما نرى طبيعة اللاهوت أكسب الناسوت خيرًا.
وأخبرونا أليس مَتَّى هذا يقول إنّ المسيح هو الذي جاع، وهو الذي تردد مع الشيطان في سخرته وواصل الصيام بسببه؟، والمسيح هو عبارة عن الطبيعتين
_________________
(١) ١ البلس: من لا خير عنده، أو عنده إبلاس وشر، وثمر كالتين’، والتين نفسه. ر: القاموس المحيط ص ٦٨٧. ٢ ثَوَّى، تَثْوِيَةً: مات. انظر: القاموس المحيط ص ١٦٣٧. ٣ مزمور ٥٠/١٣.
[ ١ / ١٤١ ]
لللاهوتية والناسوتية جميعًا، إذ طبيعة الإنسان على تجردها لا تسمى مسيحًا عندكم، وإذا كان هذا هكذا فقد لزمكم القول بجوع الإله وعطشه ودخول الآفات عليه، وإذا كان ذلك غير سائغ فالمسيح إذًا عبد مربوب ومخلوق مألوه يتأذى بأسباب الأذى ويفتقر إلى تناول الغذاء.
فأما جفاف الشجرة بدعوته فليس في ذلك معتصم في دعوى ربوبيته ولو جاز أن يدعى في المسيح الربوبية بهذه القضية لجاز ذلك لإبراهيم وموسى وإلياس ودانيال وخلق كثير / (١/٢٢/ب) من أصفياء الله، فقد أجيبت لهم دعوات، وأمددهم الله من الملائكة بربوات.
١١- دليل آخر على عبودية المسيح، قال متى: "اجتمع الفريسيون١ والهيروديسيون٢ ودسوا على يسوع رجلًا ليصطادوه٣ بكلمة، فقال له الرجل: يا معلم، قد علمنا أنك محق، وأن طريق، الله بالحق تعلم، وأنك لا تبالي بأحد ولا تعمل لوجه إنسان، فقل لنا هل نعطي الجزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع سرّهم وخاف شرّهم، فقال: يا مراؤون إنما جئتم لتجربوني٤ أدوا ما لقيصر لقيصر وما لله - لله"٥.
قلت: هذه من المسيح ﵇ حيدة٦ عن الجواب وهي مؤذنة بالتقية
_________________
(١) ١ الفريسيون: كلمة آرامية، ومعناه: "المنعزلون"، ويقلبون أنفسهم بلقب: حسيديم أي: الأتقياء، وكذلك: صيريم، أي: الزملاء، وهم من أبرز الفئات اليهودية وأضيقها رأيًا وتعليمًا وأشدّها عداء للمسيح وأتباعه، ومن أبرز معتقداتهم: إيمانهم بأسفار العهد القديم وبالتلمود، وإيمانهم بالبعث الدنيوي. ر: الكنْز الجليل في تفسير الإنجيل ١/٢٨، انظر: قاموس الكتاب ص ٦٧٤، الفكر الديني اليهودي - حسن ظاظا ص ٢١٠. ٢ هيرودسيون: هم جماعة ليسوا طائفة دينية ولا حزبًا سياسيًا، بل مجرد أتباع هيرودس الكبير وخلفائه في فلسطين وكان لهم نفوذ واسع. ر: قاموس ص ١٠١٢. ٣ في ص ليصطادونه والصواب ما أثبته. ٤ في ص لتجربونني، والصواب ما أثبته. ٥ متى ٢٢/١٥-٢١. ٦ في ش: الحيدة: الميل للضرورة.
[ ١ / ١٤٢ ]
القاضية بضعف البشرية، والحيدة توجد كثيرًا في كلام الأنبياء ﵈ يستعملونها للضرورة الحاضرة.
وأنا أستحسن قول سيدنا محمّد رسول الله ﷺ: "وقد قال له العباس: يا رسول الله، إن أبا طالب كان بارًّا أترجو الله له؟ فقال ﵇: "كلّ الخير أرجوه من ربّي"١.
وقوله: "وقد سأله رجل: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: "ما أعددت لها؟ "، قال: حبّ الله ورسوله. فقال / (١/٢٣/أ): "أنت مع من أحببت"٢.
ولما قال إبراهيم للكافر: ربي الذي يحيي ويميت. قال: يا إبراهيم أنشدك
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ١/١٢٤، والذهبي في تاريخ الإسلام السيرة النبوية ص ٢٣٣، كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قال العباس: ، فذكر. وذكره السيوطي في الخصائص ١/١٤٧، وغزاه لابن عساكر أيضًا. قلت: رجاله ثقات وهم من رجال الستة. ر: التقريب على الترتيب ١/١٩٧، ١/١١٥، ١/٥٨. وأما قول النبي ﷺ: "كلّ الخير أرجوه من ربّي". فهو بيّن في كمال ثقته ﷺ بربّه عزوجل. وفيه تطييب لنفس عمّه العباس ﵁، كما أن دفاع أبي طالب في حياته عن النبي ﷺ وحمايته عن أذى المشركين قد حصل له بذلك خير في الآخرة، كما ورد في الحديث الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ فقال: "نعم. هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". أخرجه البخاري. ر: فتح الباري ٧/١٩٣، ح ٣٨٨٣، ومسلم ١/١٩٤. وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله ﷺ قال: "أهون النار عذابًا أبو طالب منتعلًا بنعلين يغلي منهما دماغه". أخرجه مسلم ١/١٩٥. والذي تصرّح به هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها في أمر أبي طالب هو معتقد أهل السنة والجماعة فيه بعكس الرافضة التي تدّعي موت أبي طالب على الإسلام، وتستدل عليه بأحاديث قال عنها الحافظ ابن حجر: "بأن أسانيدها واهية"، وقد أفاض وأجاد الحافظ ابن حجر في الإصابة ٧/١١٢-١١٦، في ترجمة أبي طالب في الرد على شبه الرافضة في دعوى إسلام أبي طالب. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب ٩٦ر: فتح الباري ١٠/٥٥٧، ومسلم ٣/٢٠٣٢، ٢٠٣٣، عن أنس ﵁.
[ ١ / ١٤٣ ]
الله أأنت رأيته يفعل ذلك؟، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ٢٥٨] .
واعتبر هذا الفصل الذي نقله مَتَّى تجده من كلام الراوي ليس للمسيح منه إلاّ القليل، وهذا حال أكثر الإنجيل، والإنجيل الحقّ هو المأخوذ عن المسيح ﵇ لا عن غيره.
وما أديص١ قول هذا الراوي [ليصطادوه] ٢ بكلمة!! هذا يعتبر سلفهم فما ظنّك بخلفهم؟! أما كان يستطيع أيجعل مكان [ليصطادوه] ٣ [ليمتحنوه ويختبروا ما عنده ويقفوا] ٤ على حقيقة مذهبه، أين هذا من ألفاظ الكتاب العزيز إذ يقول: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيكَ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٧٣] . ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٧٦] .
١٢- الدلالة على أن التلاميذ لم يكونوا [يعتقدون] ٥ في المسيح ما ابتلي به النصارى، قال نقلة الإنجيل: لما كان في أوّل من عيد الفطير جاء التلاميذ إلى يسوع وقالوا له: أين تريد أن تأكل الفصح؟، فقال: اذهبوا إلى فلان فقولوا: يقول لك المعلم: عندك آكل الفصلح مع تلاميذي٦.
_________________
(١) ١ دَاص يديص ديَصَانًا: زاغ، حاد. الدَّائص الدّص ج داصة، والداصة: السفلة لكثرة حلاكتهم. ر: القاموس المحيط ص ٨٠٠. ٢ في ص ليصطادونه، والصواب ما أثبته. ٣ في ص ليصطادونه، والصواب ما أثبته. ٤ في ص ليمتحنونه ويختبرون ما عنده ويقفون، والصواب ما أثبته. ٥ في ص يعتقدوا، والتصويب من المحقِّق. ٦ متى ٢٦/١٧، ١٨، وذكره أيضًا مرقس ٤/١٢-١٥، ولوقا ٢٢/٧-١٢.
[ ١ / ١٤٤ ]
فَعَرْضُهم/ (١/٢٣/ب) عليه الطعام والعمل بسنة العيد المأخوذة عن موسى، واتباعه أحكام التوراة دليل ظاهر على أنهم لا يفرقون بينه وبين البشر في شيء سوى النبوة، إذ هم يروون عنه في الإنجيل أن الأنبياء كلهم [معلمون] للناس، وهم الذين يروون عنه أن الله لا يأكل ولا يشرب.
وقد شهد فولس الرسول في رسالته الأولى بأن المسيح عبدٌ لله وأن الله مالكه فقال وهو يُسهب في إفادة إخوانه: "إن كل شيء فهو لكم، وأنتم للمسيح والمسيح"١. فأضافه الله بلام التمليك كإضافة الأشياء لملاكها، وقوله: "وأنتم" يريد أنتم له أتباع، وهو يبلغكم عن الله أوامره بطريق السفارة.
فإن قال النصارى: إنما أكل وشرب بناسوته، قلنا: ذلك باطل على رأي اليعقوبية٢ القائلين أن الاتّحاد قد أصار طبيعتي المسيح طبيعة واحدة، فإنه لم يبق ناسوت متميّز عن لاهوت حتى يضاف إليه الأكل والشرب، وهو باطل على قول من جعل المسيح درعًا للاهوت أو مسكنًا له٣. إذ لو تجرد اللاهوت عن ناسوته حال ملابسة هذه النقائص لبطلت ألوهيته وخرج عن كونه مسيحًا / (١/٢٤/أ) فإنه لم تثبت له هذه التسمية إلاّ بعد الاتّحاد في زعمهم.
فقد أقام يسوع بينهم ثلاثين سنة لا يسمى مسيحًا إنما يعرف بيسوع بن يوسف، فمن أضاف الأكل والشرب إلى ناسوته وحده فقد جعله آكلًا شاربًا ببعضه، ومن جوّز قبول آلهة للتنصيف، فقد أبان عن عقل سخيف وعقل ضعيف. ألم تسمعوا إلى قول المسيح: "يقول لك المعلم"، سمّى نفسه معلمًا لهم؟! وقال لهم في موضع آخر: "ليس لكم معلم سوى المسيح"٤. وقد قال في
_________________
(١) ١ رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٣/٢٢، ٢٣. ٢ فرقة من فرق النصارى سيأتي الحديث عنها. ٣ هذاالقول على مذهب النسطوريةوهي من فرق النصارىالكبيرة وسيأتي الحديث عنها. ٤ متى ٢٣/٨، ١٠.
[ ١ / ١٤٥ ]
الإنجيل غير مرة: "إن الأنبياء كلهم [معلمون] ١ لدواب الله"٢.
فكيف صرتم تُضربون عما في الإنجيل من دلائل نبوته وتتعلقون بأدنى خيال ف محاولة ربوبيته؟!.
فإن أشكل عليكم لفظ الإنجيل - وليس بمشكل - فارجعا القهقرى إلى التوراة كتاب موسى والأنبياء من بعده، فهل تجدون فيها ما تنتحلونه من عبادة رجل من بني آدم؟! وإنا نجد غير ذلك في التوارة، وقد حذرت من الشرك بالله ومجانبة توحيد الله حتى قالت: "متى سمعتم بذلك في بلد أو قرية فأهلكوا جميع من في تلك القرية / (١/٢٤/ب) والبلد بحد السلاح، ولا ترحموهم، الله ربكم هو إله واحد غيور عظيم مرهوب فاتقوه وخافوه، واحفظوا سنته وأحكامه وأزيلوا الشرّ من بينكم"٣.
وكرر ذلك في أسفار التوراة مرة بعد أخرى، فالاعتماد في ذلك على التوراة المقولة بلسان الإجماع عندكم، وذل أولى من الاعتماد على كتاب، إنما نقله أربعة أنفس وفيهم اثنان ليسا من أصحاب المسيح بل من التابعين لهم، فلا جرم لمّا نُقل هذا الكتاب بلفظ الآحاد وقع فيه من الغلط ما ستقفون عليه إن شاء الله في الباب الرابع من هذا الكتاب. وحينئذ تتحققون أنه ليس هو الإنجيل المنَزَّل من عند الله.
_________________
(١) ١ في ص معلمين والصواب ما أثبته. ٢ لم أجد في الأناجيل النص الذي ذكره المؤلف، ولكن ورد في إنجيل يوحنا ٦/٤٥، ما يؤدّي نفس المعنى كالآتي: "أنه مكتوب في الأنيباء ويكون الجميع متعلمين من الله". ولعل الناسخ زاد كلمة لداوب في النص الذي أورده المؤلف. ٣ خروج ٢٣/٢٣، ٢٤/١٢-١٦.
[ ١ / ١٤٦ ]
١٣- شهادة المسيح على أهل زمانه بالشّكّ في شأنه قال متى: "بينما التلاميذ يأكلون طعامًا مع يسوع قال: كلكم تشكون فِيَّ هذه الليلة؛ لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فيفترق الغنم، فقال بطرس: لو شَكَّ جميعهم لم أشك أنا، فقال يسوع: الحقّ أقول لك إنك في هذه الليلة تنكرني قبل أن يصيح الديك"١.
فقد شهد / (١/٢٥/أ) عليهم المسيح بالشّكّ فيه وأن خيارهم وهو بطرس خليفته عليهم من بعده سينكره، وإذا وقع لهم الشّكّ في المسيح في آخر أيامه ومنتهى مدته فقد تخرمت الثقة بأقوالهم، وإذا أنكره مثل بطرس ولم يعرفه بطل جزمهم بأنه قتل وصلب وصحّ قول٢ ربنا تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتَّبَاعُ الحَقِّ﴾ . الآية. [سورة النساء، الآية: ١٥٧] .
فهذا المسيح ﵇ قد وافق محمّدًا - ﵉ - في أن القوم شاكون فيه، وذلك مبطل لدعوى القتل والصلب.
وقد صرح المسيح في هذا الفصل بحرف لو تأمله النصارى لما عدلوا عن اعتقاد نبوته إلى انتحال بنوته وهو قول المسيح: "إنه مكتوب أني أضرب الراعي"، سمّى نفسه راعيًا وهاديًا داعيًا، وهذا حال الأنبياء - ﵈ - فإنهم يطوقون أعباء السياسة، ويرفقون الأنام بأخلاق الحراسة.
فنحن نسأل النصارى، من هو الضارب؟ ومن هو المضروب؟
_________________
(١) ١ متى ٢٦/٣١-٣٤. ٢ قول المؤلف: "وصحّ قول ربنا تعالى "، هو من باب الإلزام وإقامة الحجة على النصارى. وإلاّ فإن كلّ مسلم يعتقد بأن قول الله عزوجل هو الحقّ ووعده الصدق.
[ ١ / ١٤٧ ]
فإن زعموا أن الضارب هو الله، والمضروب هو الإنسان فقد وافقوا شريعتنا وخالفوا / (١/٢٥/ب) شريعتهم إذ تقول: "إن المسيح إله لا إنسان".
وإن قالوا: الضارب هو الإنسان والمضروب هو الله، كان هذا قولًا لا يقوله أحد من الحمقاء فضلًا عن العقلاء.
فإن عادوا وقالوا المضروب هو المسيح أعدنا عليهم القول المتقدم، وقلنا: المسيح عندكم ليس آدميًا محضًا ولا إنسانًا صرفًا، بل هو مركب بالاتّحاد من إله وإنسان، فقد لزمكم أن يكون الإله مضروبًا أيضًا مع الإنسان، فإن راموا تخصيص الناسوت بالضرب لم يتهيأ لهم بعد القول بالاتّحاد، وإن راموا تصحيح الضرب وإضافته وسائر النقائض إلى الناسوت فقد أبطلوا الاتّحاد، وهو المراد.
وإن قالوا: المراد بالمضروب (الابن) وبالضارب (الأب)، قلنا لهم: فالأب والابن عندكم قديمان، فما الذي أصار أحدهما ضاربًا والآخر مضوربًا بأولى من العكس؟! وإذا كان الابن عندكم عبارة عن الحكمة الأزلية، فما معنى ضرب الله كلمته؟ وإنما تضرب الأجسام، فأما صفات الله القديمة فلا تفارق ذاته الكريمة ولا تقوم بغيره.
وما نرى لروح القدس في أكثر هذه الفصول ذِكرًا، فلا ضارب ولا مضروب / (١/٢٦/أ) تعالى الله عن هذيانكم هذا علوًّا كبيرًا.
١٤- صلاة المسيح وتعبده واجتهاده في الطاعة وتهجده، قال متى: "جاء المسيح مع تلاميذه إلى قرية تدعى جسمانية١ فقال لهم: امكثوا هاهنا حتى أصلي هناك. ثم أخذ يحزن ويكتئب، وقال: إن نفسي حزينة حتى الموت. ثم قال لبطرس وابني زيدي: اسهروا معي هذه الليلة. ثم خَرَّ على وجهه يصلي
_________________
(١) ١ ورد في النص جشسيمَاني: وهي كلمة آرامية معناها: معصرة الزيت ويقع شرق أورشليم، وهو الآن مكان مقدس عند النصارى؛ لأنه مكان ألم المسيح وتسليمه والقبض عليه فيما زعموا. ر: قاموس ص ٢٤٩، بتخليص.
[ ١ / ١٤٨ ]
ويقول: يا [أبتاه] ١ إن كان يستطاع فَلْتَعْبُر عني هذا الكأس، وليس كإرادتي لكن كإرادتك، ثم جاء إلى تلاميذه فوجدهم نيامًا، فقال لهم: ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة، ثم مضى وصلى وقال: يا [أبتاه] ٢ إن لم تستطع أن تعبر عني هذا الكأس حتى أشربها فليكن مسَّرتك، وجاء أيضًا فوجدهم نيامًا فتركهم ومضى يصلي وأعاد كلامه الأوّل"٣.
قلت: انظروا معاشر الضلال ودعاة الضلال، هل تليق هذه الخلال بصفات ذي الجلال؟!.
لو لم يكن في إنجيلكم سوى هذا الفصل لكان قائدًا للعميان، سائقًا إلى غير دين النصرانية من الأديان، إذ كان وما شاكله من أوضح الأدلة على ضعف البشرية وعجز العبودية، / (١/٢٦/ب) فسبحان من بخس النصارى عقولهم وأظلم سبلهم وأعمى دليلهم، أين هذا مما روى "أن رسول الله ﷺ حين احتضر جعل يقول: الرفيق الأعلى"! ٤. فأنبياء الله بل صلحاء الناس محاشون عن هذا التردّد حال الانتقال.
وهذه التوراة تشهد باحتضار طائفة من أولياء الله كإبراهيم وإسحاق ويعقوب وهارون وموسى وغيرهم، وهم راضون بلقاء ربّهم، فرحون بانقلابهم إلى [شَعُوبهم] ٥ فنحن نوَرِّك٦ على من نقل هذا التردد القبيح عن السيد المسيح.
_________________
(١) ١ في ص به، والتصويب من النصّ. ٢ في ص به، والتصويب من النصّ. ٣ متى ٢٦/٣٦-٤٤. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الصحابة يباب ٥. ر: فتح الباري ٧/٢٠، ١٠/١٢٧، ومسلم٤/١٨٩٤،والترمذي١٥/٤٩١، وأحمد ٦/٢٧٤، عن عائشة ﵂. ٥ في ص شعهم وما أثبته الموافق للسياق. ومعناها: منيتهم وموتهم، حيث اشتق من التفريق. شَعَب اسم المنية شعوب على وزن رسول. لأنها تفرق الخلائق وصار علمًا عليها غير منصرف. ر: المصباح المنير ص ٣١٣. ٦ ورّكه توريكًا: أوجبه والذنب عليه حمله. ر: القاموس المحيط ص ١٢٣٥.
[ ١ / ١٤٩ ]
وفي هذا الفصل حرف يقطع بانحرافه وتحريفه وهو قوله: "إن لم تستطع أن تَعْبُر عني هذا الكأس". ثكلت لافظه أمه، لقد عجَّز قادرًا، وسلك طريقًا عن الجَدَد١ نادرًا، كيف يعجز القادر على الإطلاق، ويبخل من بيده مفاتيح أقفال الأرزاق؟!.
فنحن نسأل النصارى، ما سبب هذا الحزن والاكتئاب؟! هل يعدو أن يكون إما جزعًا من الموت أو أسفًا على بقاء الناس على الكفر؟! وأَيُّ ذلك كان فقد تحقق عجزه فلا يصلح مَنْ هذا حاله للربوبية.
ثم نقول لهم: ألم تنقلوا عنه أنه إنما جاء ليُخلِّص الخلق ويفديهم / (١/٢٧/أ) بدمه الكريم من الجحيم؟ وإذا كان الأمر على ما زعمتم فلا معنى لحزنه ولا اكتئابه.
وفي الفصل أيضًا ما يفسد عليهم ما لفقوه في شريعة إيمانهم، وهو قوله: (وليس كإرادتي لكن كإرادتك" [فصرَّح] ٢ بأن إرادته مغايرة لإرادة الله تعالى، وإذا كانت إرادته غير إرادة الله بطل قولهم في الأمانة: "المسيح إله حقٌّ من حقّ إله حق من جوهر أبيه".
فإن صححوا الأمانة أكذبوا الإنجيل، وإن صححوا الإنجيل أفسدوا الأمانة، إذ لو كان من جوهر الأب لكانت إرادته من جوهر إرادته، وهم يطلقون على الباري لفظ الجوهر تعالى الله عن كفرهم علوًّا كبيرًا.
١٥- دليل آخر على عبودية المسيح، قال لوقا: "ورد أمر قيصر بتدوين الناس، فمضى يوسف ومريم وهي حامل بالمسيح ليكتتبا مع الناس فضربها
_________________
(١) ١ في ش: أي: عن الطرق. ٢ في ص مسرح، والتصويب من المحقِّق.
[ ١ / ١٥٠ ]
الطَّلَق فولدته ولفته في الخرق وتركته في مذود حيث نزلًا، فلما تمت له ثمانية أيام سمّوه يسوعًا ولما أكملوا أيام تطهيرهم أقاموه ليقربوا عنه زَوْجَيْ يمام أو فرخي حمام كَسُنَّة الناموس"١.
قلت: هذه أحوال البشرية في تنقلها من / (١/٢٧/ب) الاختتان إلى الرضاع إلى الطفولية ويتعالى ربّ الأرباب أن تحويه معالف الدواب، بل لا تحويه الأقطار ولا يحده المقدار، ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات٢.
قال لوقا: "ولما أكملوا سنَّتهم على مقتضى ناموس الربّ رجعوا إلى الجليل إلى بلدهم الناصرة فكان الصبي ينشأ ويصفو بالروح ويمتلئ بالحكمة، وكانت نعمة الله عليه وأبواه يمضيان به في كل سنة إلى عيد الفصح، ولما تمت له اثنتا عشرة سنة مضوا به إلى ارشليم كالعادة، فلما رجعوا تخلف عنهم يسوع في أورشليم ولم يعلموا به وسارا وهما يحسبانه مع الرفقة فلما لم يجداه رجعا إلى أورشليم فوجداه في الهيكل بين العلماء والشيوخ يباحثهم ويسمع منهم فأخذاه وانصرفا وكان يطيعهما"٣.
قلت: هذا الكلام والذي قبله يشير إلى تقيد المسيح بشريعة موسى ﵉، وأنه وغير شرع في الشرع، ورتبة التابع دون رتبة المتبوع وفي ذلك دلالة على عبوديته، فأما اعتقاد الربوبية في صبي يتعلم أحكام / (١/٢٨/أ) التوراة ويسأل اليهود عما أشكل عليه منها فذلك عين الجنون، وهذا لوقا أَحدُ مُدَوَّني الإنجيل يشهد بأن المسيح عبد من عباد الله، وأنه صبي منت صبيان بني آدم، وأنه كان يتَزيد مواقع النعمة من الله شيئًا فشيئًا ويتعلم العلم ويسأل عما جهل ويستفيد
_________________
(١) ١ لوقا ٢/١-٢٤، في سياق طويل وقد ذكره المؤلف مختصرًا. ٢ قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . [سورة الزمر، الآية: ٦٧] . ٣ لوقا ٢/٣٩-٥١، في سياق طويل ذكره المؤلف مختصرًا.
[ ١ / ١٥١ ]
ممن هو أعلم منه، ويخبركم أن الله معطيه ومنعم عليه، فكيف لم ترضوا له ما وصفه به لوقا من صفته؟ أأنتم أعلم بما يجب له من لوقا؟! ألم تسمعوا إلى قوله: "وأبواه يمضيان به كلّ سنة إلى أورشليم". ألا يعجبوا من جلوسه بين العلماء للاستفادة والتعليم؟ فالنجاء النجاء من وبال هذا المذهب الذميم، والوحا الوحا١ في حلّ عقد هذا التصميم.
١٦- دليل آخر على عبودية المسيح وضعفه وافتقاره إلى خالقه وتبرئه ممّا يدّعيه النصارى فيه، قال لوقا: "قال رجل ليسوع: أتبعك إلى حيث تمضي يا سيد، فقال له يسوع: للثعالب أجحار ولطيور السماء أوكار، وابن الإنسان فليس له موضع يسند رأسه"٢.
قلت: الزهد شعار الأنبياء ودثار المتقين ونعت المؤقنين، يفرغ القلب منت الهموم / (١/٢٨/ب) ويقشع عن الفكر غيوم الغمون، ويعرب عن قوة الإيمان والوثوق بضمان الرحمن، اشتغل المسيح بالزهد والنسك وتفرغ لخدمة ربه فرفض الملك، ورضي فقره فسكن الفقر٣ وحقّق صبره، فتوسد الحجر وافترش العفر٤. فكيف تعبد النصارى من لا يحوي مسقط رأسه فقرًا؟! وتأمل من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا.
وإذ قد رووا عن الصادق المسيح أنه ليس موضع يسند رأسه، ورووا عنه أنه لا صالح إلاّ الله وحده، وحكوا عنه أنه قال: إنّ الله الإله الحقّ وحده، وأخبروا عنه أنه صام وصلى وانقطع لعبادة ربه وتخلَّى، فقد أكذبوا الأمانة التي
_________________
(١) ١ الوحا: السرعة. يمد ويقصر، ويقال: "الوحا الوحا"، أي: البدار البدار. ر: مختار الصحاح ص ٧١٣. ٢ لوقا ٩/٥٧، ٥٨. ٣ القفر: مغازة لا نبات فيها ولا ماء، والجمع: قفار. ر: مختار الصحاح ص ٥٤٥. ٤ العفر: التراب. المرجع السّابق، ص: ٤٤١.
[ ١ / ١٥٢ ]
ألفها قدماؤهم إذ تقول: "إن المسيح إله حقّ وأنه خالق كلّ شيء وأن بيديه أتقنت العوالم". وتعيَّن عليهم العمل بمقتضى قول المسيح وفتاوى تلاميذه الأبرار، وشهادة الأنبياء الذين تقدموه مثل: موسى، وداود. "فقد قال المسيح ورفع وجهه إلى السماء: إلهي أنت الإله الحقّ الذي أرسلت يسوع المسيح"١.
وقال موسى في التوراة: "لا إله إلاّ إلهنا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب الرّبّ الأزلي الذي لم يزل"٢.
وقال داود في مزموره٣: "إن الله أقسم / (١/٢٩/أ) إن المسيح رجل كاهن يشبه في عبادته وتقواه ملكي صادق". الكاهن الذي كان يخدم البيت المقدس على عهد إبراهيم٤.
١٧- وقال سمعون الصفا رئيس الحواريين: "إن المسيح رجل أظهره الله بالأيد والقوة والمعجزات"٥. وقال المسيح: "إنه لا يقدر على عمل شيء
_________________
(١) ١ يوحنا ١٧/١، ٣. ٢ خروج ٣/١٥. ٣ مزمور ١١٠/٤. ٤ ملكي صادق: اسم سامي معناه: ملك البر، وتزعم المصادر اليهودية، بأنه كان ملك أورشيلم وكاهن الله العلي، وكان معاصر لإبراهيم ﵇ الذي باركه ملكي صادق، وأعطاه إبراهيم زكاة العشر. أما المصادر النصرانية فتصفه بأنه بلا أب ولا أم وبلا نسب. ولا بداءة أيام له ولا نهاية حياة بل هو مشبه بابن الله ويبقى كاهنًا إلى الأبد. ر: تكوين١٤/١٨-٢٠، السنن القويم١/٥٠،الرسالة إلى العبرانيين ٧/١-٤، قاموس ص ٩٢٢. قلت: وهذا غلوٌّ ممقوتٌُ من أهل الكتاب في وصفهم ملكي صادق بهذه الصفات المستحيلة عليه؛ لأنه ليس هناك من هو بلا أب وبلا أم إلاّ آدم ﵇، ولا بُدّ لكل مخلوق من أن تكون له بداية ونهاية. وأما قول المؤلّف - ﵀ -: "بأن ملكي صادق كأن يخدم البيت المقدس"، فمناه: بأنه كان ملكًا على أورشليم. ٥ سفر أعمال الرسل ٢/٢٢.
[ ١ / ١٥٣ ]
ولا يتفكر فيه حتى يكون الله هو الذي يعمله"١. وسئل عن القيامة، فقال: "لا يعرفها إلاّ الله وحده"٢.
وهذه أقوال دالة وروايات متظاهرة على أن المسيح عبد مربوب، وأن له ربًا يضرع إليه، ويعول في مصادره وموارده عليه لا إله غيره ولا رب سواه.
فهلموا معشر النصارى إلى عبادة ذي الجلال، وقدسوا القديم عن تشبيهه بالرجال، واستحيوا من ذوي الحجى أن تعبدوا إنسانًا قد حملت به أمه كما تحمل النساء بالأجنة، وترددت عليه أطوار الخلق وتنقلت به الحال إلى أن ناهز الثلاثين من السنين، ينسب إلى أُبوَّة يوسف مرة وداود أخرى، يتغذى بالطعام ويتردد بين الأنام، ثم تعتوره عوارض الحيوان فيعافى ويكرب، ويحزن ويطرب، ويعيا فيركب، ويستريح ويتعب، ويجوع ويعطش،/ (١/٢٩/ب) فيأكل ويشرب، ويستتر من عدوّه ويطلب، ويقرن باللصوص كما زعمتم ويسحب، ويحمل صليبه فيقتل بقولكم ويصلب، ويدفن في المقابر فيبكى عليه ويندب، وقولوا بنا جميعًا كما قال المسيح في الإنجيل: "لِلرّبِّ إِلاَهِكَ اسجد وله وحده اعبد"٣. قصم بذلك ظهر الخبيث وفصم عرى أهل التثليث وأثبت لربه الوحدة، وسجد لله وحده، ولم يعبد إلهين اثنين، ولا ثالث ثلاثة، ولا رأى ادِّراع ولا أقسم بالذراع، ولا اعتقد اتّحاد اللاهوت بالناسوت، ولا أقسم بصليب الصلبوت، ولا عظَّم الصّور والصلبان، ولا نطق بقولكم (كُرْياليصان) ٤ بل عبد الله،
_________________
(١) ١ يوحنا ٥/٩، ٨/٢٨، بالمعنى. ٢ مرقص ١٧/٣٢. ٣ متى ٤/١٠. ٤ كلمة كرياليصون: اصطلاح يوناني معناه: يا ربّ ارحم، يتلى في القداس وفي صلوات عديدة بصيغته اليونانية في الكنيستين: الشرقية والغربية على السواء، وبهذه الكلمة يستفتحون بها صلواتهم وأدعيتهم. ر: ترانيم ومدائح منتخبة للكنيسة القبطية، كتاب: قائمة المصطلحات الكنسية في العربية، ص ٤٩، باللغة الألمانية جورج غراف، الموسوعة العربية ٢/١٤٥٨.
[ ١ / ١٥٤ ]
ودعا إليه وعول فيما يأتيه ويدره عليه، قال الله تعالى في الإنجيل: "هذا فتاي" سمّاه عبدًا وسمّيتموه ربًّا، وقال: "هذا رسولي"، سمّاه نبيًّا وجعلتموه أنتم إلهًا، وقال المسيح: "لا أعمل بمشيئتي" وقلتم إنه خالق كل شيء حتى كأنكم قد تتابعتم على خلافه بدليل أو تبايعتم على رفضه برهن ثقيل، فاستدركوا الغلط واهجروا الهُجر اللغط وتعلقوا بذمام قول الإسلام: ﴿مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَمُّه١ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٥] . ولا تغلوا في دينكم بغير دليل، واعتقدوا عبودية المسيح كما نطق به الإنجيل.
١٨- دليل آخر على عبودية المسيح ومساواته البشر، قال مرقس في إنجيله: "قال يسوع: إن نفسي حزينة حتى الموت، ثم خرّ على وجهه يصلي لله وقال: أيها الأب كلّ شيء بقدرتك، أخّر عني هذا الكأس لكن كما تريد لا كما أريد أنا"٢. فها هو سائل والله مسؤول. وأي عبودية تزيد على هذا؟!
١٩- دليل آخر على عبوديته، قال يوحنا: "وقف يسوع على بئر من آبار [السامرة] ٣ فقالت: له امرأة من نسل يعقوب: إن آبائنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إنه أورشليم؟! فقال لها يسوع: أنتم تسجدون لمن لا تعلمون ونحن نسجد لمن نعلم"٤.
قلت: هذا يوحنا التلميذ حبيب المسيح يشهد على المسيح أنه معترف بربّ لا تجزئه العبادة لغيره ولا تنبغي الربوبية لسواه سبحانه، ولو كان الأمر على ما
_________________
(١) ١ / ١/٣٠/أ. ٢ مرقس ١٤/٣٤-٣٦. ٣ في ص: السمرة، والتصويب من النصّ. والسامرة: اسم عبراني معناه: مركز الحارس، وهي اسم المملكة الشمالية مملكة إسرائيل التي أقامتها الأسباط العشرة من بني إسرائيل، ويضم إقليم السامرة وسط فلسطين ويقع بين الجليل في الشمال واليهودية في الجنوب. قاموس الكتاب ص ٤٤٨، ٤٤٩. ٤ يوحنا ٤/١٩-٢٢.
[ ١ / ١٥٥ ]
يهتف به النصارى لأرشدها، وقال: اضربي عن معتقد أسلافك العواة واسجدي لي ولأبي وروح القدس، فإني ثلث الإله، كلا ولكنه / (١/٣١/أ) أخبره أنه عبد مذلَّلٌ تحت رقّ العبودية وأنه يسجد لله مستحق الربوية.
وأعلم أن المسيح قد كان يصلي إلى أورشليم١ وهي البيت المقدس قبلة الأنبياء قبله، ولم يزل يتوجه إليها مدة مقامه إلى حين رفع فكان مما أحدث النصارى بعده الصلاة إلى جهة الشرق، وتركوا القبلة التي كان المسيح يتوجه إليها. فإذا عيب عليهم ذلك اعتذروا بأن صاحبهم صلب إلى تلك الجهة، قالوا: فتعين علينا التوجه إلى حيث صلب٢.
فيقال لهم: أرأيتم لو صلب إلى جهة المغرب أوصلب منكسًا إلى أسفل ماذا كنتم تصنعون؟ وإذ تركتم قبلة المسيح والأنبياء وحسن عندكم خلافه فهلا توجهتم إلى الناصرة٣ التي هي بلد ربكم أو إلى مصر التي هرب إليها بزعمكم خوف القتل، وتعلقتم بشبهتين من الإنجيل: إحداهما: قوله: "إنه كتب أن يدعى المسيح ناصريًا"٤. والأخرى قوله: "من مصر دعوت ابني"٥.
_________________
(١) ١ أورشليم: معناه: أساس السلام، وكانت تسمى يبوس وأريئيل، وأما بالعربية فتسمى بيت المقدس والقدس الشريف، والقدس. ر: قاموس ص ١٢٩. وهي مدينة مقدسة منذ عصر إبراهيم ﵇. قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ٧١] . قال أبي بن كعب، وقتادة وغيرهما: إنها أرض الشام. ر: تفسير ابن كثير ٣/١٩٤. ٢ ذكر ذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه: تثبيت دلائل النبوة ١/١٩٧، وابن القيم في: هداية الحياري ص ٢٦٤. ٣ الناصرة: اسم عبري ربما كان معناه: القضيب أو المحروسة، وهي مدينة في الجليل في شمال فلسطين إليها ينسب المسيح يسوع الناصري كما ورد في الأناجيل، فهي قرية أمه، وفيها نشأ المسيح في صغره، وإليها ينسب النصارى ودينهم النصرانية. ر: قاموس ص ٩٤٦، المنجد في الأعلام ص ٧٠٤. ٤ متى ٢/٣٢. ٥ متى ٢/١٥.
[ ١ / ١٥٦ ]
فكيف تركتم هاتين الجهتين ولكم فيهما مستمسك وتوجهتم إلى جهة ارتضاها اليهود الملاعنين للتنكيل بإلهكم كما زعمتم؟!.
ولو كنتم ذوي نظر وعبر لكانت هذه الجهة حرية عندكم بالمقت / (١/٣١/أ) فإنها الجهة التي هلك فيها معبودكم وقبلت دم ربّكم.
وأخبرونا عن توجه هذا المصلوب إلى هذه الجهة أكان في ذلك طائعًا أو كارهًا؟! فإن كان كارهًا لم يكن لكم أن تصلوا إلى جهةٍ لم يخترها صاحبكم ولم يرضها وإنما حُمِل عليها مجبرًا، وإن كان قد توجه إليها طائعًا راضيًا، فَلِمَ [تلعنون] ١ اليهود الذين صلبوه [وتكفرونهم] ٢ والذي فعلوه به إعانة له ومساهمة في حصول محبوبه وقرة عينه، ولاسيما أنهم نهجوا لكم قبلة تصلّون إليها؟! فتحننوا الآن على اليهود وتبركوا بهم إذًا، إذ كانوا قد فعلوا ما هو قرّة عينكم وعين صاحبكم.
وكذلك يهوذا الإسخريوطي٣ الذي ارتشى عليه وألقاه في أيدي اليهود حتى قتلوه وصلبوه بزعمكم فصلّوا عليه وترحموا وتبركوا باسمه وصَوِّبُوا فعله، فإنه صار وسيلة إلا خلاصكم، وإذ قلتم: إن أسلافكم في دركات النيران ولا خلاص لهم من ذلك إلاّ بقتل ربكم، وإنما قتل وصلب بدلالته وبركة سفارته
_________________
(١) ١ في ص تلعنوا، والصواب ما أثبته. ٢ في ص وتكفروهم، والصواب ما أثبته. ٣ يهوذا: اسم عبري، معناه: حمد، ولقب بالإسخريوطي تمييزًا له عن يهوذا آخر، وكان أحد الحواريين الاثني عشر، وأمينًا للصندوق، وبرغم ذلك فقد خان يهوذا المسيح ووشى بمكانه لليهود مقابل ثلاثين مثقالًا من الفضة، ثم قيل: بأنه خنق نفسه شنقًا ندمًا على خيانته. ر: متى إصحاح ٢٧، قاموس الكتاب ص ١٠٨٩-١٠٩١. وقد ورد أن الله عاقبه على خيانته فألقى شبه المسيح على يهوذا فقبض الحراس عليه، ثم قتلوه صلبًا بدلًا من المسيح الحقيقي الذي نجّاه الله عزوجل ورفعه إليه. ر: إنجيل برنابا إصحاح ٢١٥، ٢١٦.
[ ١ / ١٥٧ ]
وليس في النصارى - يرحمك الله - / (١/٣١/ب) من يُقِلُّ اللعن عن اليهود أو يقدر يسمع باسم الإسخريوطي، وهذه المؤاخذات واردة على الأصل الفاسد الذي أَصَّلوه، فإن أَبَوْا إلاّ لعن اليهود ومقت يهوذا فليتطيَّروا بجهة المشرق لكونها عَمَّتْهم بالشر وسقتهم بالكأس المرّ، وإلاّ فكيف يذمّ اليهود وتمدح الجهة وكلاهما مشؤوم؟! وما أحسن لعن [إله] ١ تقتله اليهود، [ورب] ٢ تغلبه إخوان القرود.
٢٠- دليل آخر على عبوديته وحدثه وأنه آدمي محض وإنسان صرف: اعلم أوّلًا أن تعاقب الأحوال من التغير والزوال والتفريغ والإشغال، والسكون والحركات والاختصاص بالمقادير والهيئات، هي الأدلة على حدث أجسام العالم.
ولا خلاف بين النصارى أن المسيح ﵇ ولدته أمه في بيت لحم في أرض يهوذا ولفتة ووضعته في الخرق في معلف وأرضعته ثديها وأفرشته حجرها وتولت تأديبه ونشأ نشوء الآدميين، لم يتميّز عنهم في حال من الأحوال من صغره إلى حين ابتداء الدعوة، قد عُرف طوله وقدره ولونه وكميته واعتذى بالطعام وانتقل من مكان إلى مكان ونحن نعلم / (١/٣٢/أ) أنه كان إذا نزل أورشليم فقد فارق الناصرة، وإذا أقام بالناصرة فقد خلت منه أورشليم، وأنه ولد في دولة هيرودس ملك اليهودية، وأن مريم فرت به إلى مصر خوفًا من هيرودس ثم أعادته إلى الشام حين هلك أعداؤه، وأنه عاش نيفًا وثلاثين سنة يتعلم العلم ويقرأ التوراة ونبوات الأنبياء ويركب الحمير ويزجي٣ الأوقات من الأقوات باليسير الحقير ويلجأ إلى الله في حوائجه ومآربه. ويدعوه إذا أعوزته وجوه
_________________
(١) ١ في ص إلهًا وما أثبته الموافق لقواعد النحو. ٢ في ص وربًا، وما أثبته الموافق لقواعد النحو. ٣ زَجَّى الشيء: دفعه برفق، يقال: كيف تُزَجِّي الأيام؟ أي: كيف تدافعها، وتَزَجَّى بكذا: اكتفى به. ر: مختار الصحاح ص ٢٦٩.
[ ١ / ١٥٨ ]
مطالبه، ويفرح ويغتم ويلبس ويعتم، ويفرّ من السلطان ويناظر الشيطان.
وإذا كان حال المسيح على ما وصفنا فقد ثبت أنه مخلوق ومحدث، وعبد، وأن الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب هو خالقه ومحدثه، فإن تحامق النصارى فزعموا أنه هو الله أو صفة من صفاته، أو أن الله ساكن فيه وحال في إهابه، فقد حكموا أن القديم الأزلي ولدته امرأة، وخرج من فرجها، ولفته في الخرق، وألقته في مذود ثور، وسقته ثديها وقومته بتأديبها، وهربت به من خوف من يقصده من الأعداء وعلَمته وهذّبته / (١/٣٢/ب) . وأنه كان يتردد إلى اليهود، يتعلم منهم وأن الله الأزلي كان له إلهًا يدعوه ويرجوه، وهذا كلّه لازم للنصارى على الأصل الذي أصلوه، وإذا كان ذلك محالًا فقد ثبت بما قدمناه أن المسيح عبد من عباد الله بقوله وفتواه.
[ ١ / ١٥٩ ]
الباب الثّاني: في إثبات نبوّته وتحقيق رسالته
الدلالة على نبوّة المسيح: اعلم أن في إثبات نبوّة المسيح ﵇ [إرغامًا] ١ لليهود والنصارى جميعًا، وذلك أنهم ارتكبوا في طرفي نقيض.
أما اليهود - خذلهم الله - فإنهم يرمونه بالكذب والسحر والنيرنجات٢ واستخار الشياطين في أغراضه ومآربه، فقالوا: "إنه إنما يخرج الشياطين من الإنسان ببعلزبول٣ رئيس الشياطين، وقالوا: إنه لم يحي ميتًا قط ولا أبرأ ذا علة وعاهة، ولكنه واطأ صديقًا له يقال له ألعازر٤ فتماوت ثم إنه دخل عليه في جماعة معه فوجد أمه تبكي، فقال لها: لا تبكي، ثم وضع يده عليه فقام وادعى في البلد أن المسيح أحياه، وكانت أمه تهتف بذلك لشغفها بولدها٥. وقالوا: وواطأ آخر فجلس على الطريق كأنه زمن فلما طال مقامه / (١/٣٣/أ) وعُرِف بالزمانة والاستعطاء مَرَّ به في أناس معه كأنه لا يريد فناداه: ارحمني يا ابن داود. فأجابه: ما الذي تريده؟ فقال: أريد أن أنهض. فأخذ بيده وأقامه فقام وقد تعقدت رجلاه من طول الجلوس، فكانت أمه تشيع أن يسوع أقامه".
واستبشع آخرون منهم هذا واستعبدوه فقالوا: لا. ولكن لَطُفَت معرفته بالطبّ حتّى أبرأ الأرض والأكمه وأقام الزمنى والمخلعين. وهم بأسرّهم
_________________
(١) ١ في ص (إرغام) والصواب ما أثبته. ٢ النَّيْرَنج: أَخْذٌ كالسحر وليس به. (ر: القاموس المحيط ص٢٦٥) . ٣ متى ١٢/٢٤، مرقس ٣/٢٢، لوقا ١١/١٥. وبعلزبول: اسم كنعاني ومعناه: (بعل الأقذار)، وأصل هذا الاسم (بعلزبوب) وقد غيره اليهود، وأما بعلزبوب، فمعناه: (إله الذباب) وهو أكبر آلهة الوثنيّين ولذلك دعي رئيس الشياطين. (ر: قاموس ص ١٨٣) . ٤ العازر: معناه: (من يعيه بهوه)، وهو رجل من بيت عينا، وكان من نصيبه أن يقيمه المسيح من الأموات، ولا يعرف بعد ذلك مكان وزمن وفاته. (ر: المرجع السّابق، ص: ٨١٦) . ٥ هذا ادعاء اليهود وتفسيرهم لما ورد في إنجيل يوحنا، الإصحاح (١)، لمعجزة المسيح ﵇ في إحياء الميت واسمه العازار.
[ ١ / ١٦٣ ]
ينسبونه إلى بنوّة الزنى كا يشهد به الإنجيل١، "إذ يقولون له في محاوراتهم: أما نن فلسنا من أولاد الزنى"٢.
فإذا أثبتنا معجزاته وآياته بالطرق التي ثبتت بها معجزات موسى وغيره من الأنبياء لم يبق إلى القدح في نبوّته سبيل، وكان ما يعترضون به على المسيح منعكسًا عليهم في معجزات أنبيائهم٣، وكلّ سؤال انعكس على سائله فهو باطل من أصله.
١ يوحنا ٨/٤١.
٢ ورد في كتاب التلمود - وهو كتاب فقه اليهود المقدس لديهم، إذ يعتبرونه التوراة الشفوية من الله لموسى ﵇ ولكنه في حقيقته ليس إلاّ تفسيرات واستنباطات حاخاماتهم لنصوص التوراة؛ فقد ورد فيه: "أن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم يبن الزفت والنار، وأن أمه مريم أتت به من العسكري باندارا بمباشرة الزنى، وأن الكنائس النصرانية بمقام قاذورات، وأن قتل المسيحي من الأمور المأمور بها".
وجاء في التلمود وصف المسيح بأنه كان ساحرًا وثنيًا ومجنونًا ومرتدًا كافرًا وشريرًا. وبأنه صنم عبده أتباعه بعد صلبه. وبأن تعاليمه كذب وهرطقة ومستحيلة الإدراك. (الكنْز المرصود في قواعد التلمود - د. روهلنج - ترجمة د. يوسف نصر الله ص ٢٧، ١٠٥، فضح التلمود - للأب براناتيس ص ٥٥-٧٦) .
٣ لما لم يؤمن اليهود بالمسيح ﵇ وكفروا بدعوته؟ لقد ذكر الباحثون لذلك عدة أساب نجمل أهمها كالآتي:
_________________
(١) أن اليهود كانوا ينظرون ظهور نبيّ يكون ملكًا عليهم ويخلصهم من أعدائهم بالسلاح، ولكنمهم فوجئوا بنبيٍّ يدعو إلى الصبر الإيمان بالله ولم تتحقق فيه الشروط التي وردت عند الأنبياء السابقين - حسب زعمهم - حول المسيح المنتظر وزمانه كنُزول إيليا مرهصًا له، ومجيء الخير والقضاء على الشرّ، فلذلك انفضوا من حوله وأظهروا له العدواة.
(٢) إن علماء الدين عند اليهود رأوا في المسيح رجلًا جاهلًا يتطاول عليهم، وعند طائفة منهم كانوا يعتبرونه أكثر الفوضويّين خطورة وأضرهم بمصالحهم الدنيوية، فكان أعداؤه ينشرون أن الأعمال الخارقة التي يعملها المسيح مرجعها الشيطان.
(٣) لأن المسيح ﵇ قد خالف بعض تشريعات اليهود التي توجب مخالفتها الرّدّة والكفر-حسب زعمهم-وذلك كقدسية يوم السبت وتحريم العمل فيه. (ر: سفر الخروج (٢٠)، وسفر العدد (١٥) . وكالأكل بدون غسل الأيدي. (ر: مرقس (٢)، و(٧)، وكالدعاء على أورشليم بالخراب، (لوقا (٢١) . (ر: المسيحية نشأتها وتطورها ص ٤٤، ٤٥، شارل جنيبر، الفكر الديني اليهودي ص ١١٠-١٢، د. حسن ظاظا، اليهودية ص٤١،٤٢، د. شلبي، محاضرات في النصرانية ص ٣٢، أبو زهرة، اليهودية والمسيحية ص ٢٥٠-٢٥٤، د. محمّد الأعظمي) .
[ ١ / ١٦٤ ]
وأما النصارى فإنهم مجمعون١ على ألوهية المسيح واعتقاد ربوبيته وأنه الإله الذي خلق العالم وجبل بيديه طينة آدم.
فإذا أثبتنا نبوّته وأوضحنا رسالته عُرِف أن الإله غيره، والرّبّ سواه، ونحن نثبت ذلك من كتب النصارى التي بأيديهم ونوضحه من قول المسيح / (١/٣٣/ب) وأقوال تلاميذه الذين صحبوه:
١- قال يوحنا التلميذ: "قال المسيح لتلاميذه: من قَبِلكم وآواكم فقد قبلني وآواني ومن قبلني فإنما يقبل من أرسلني. ما من عبد أفضل من سيّده"٢.
فهذا يوحنا حبيب المسيح يشهد بأن المسيح لم يَدَّع سوى الرسالة وأن من يقبل منه فإنما يقبل من الله الذي أرسله، ويذكر أن الله غيره وأن الرّب سواه، وأنه رسول من عند الله وها هو معترف بالعبودية في قوله: "ما من عبد أفضل من سيّده"، وذلك موافق للكتاب العزيز إذ يحكي منه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِي الكِتَابَ وَجَعَلِنِي نَبِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية: ٣٠] .
فإن زعم النصارى أنه سيد الحواريين وأنهم عبيده وأنه عناهم بقوله: "ما من عبد أفضل من سيّده" أكذبهم الإنجيل إذ يقول فيه: "إن الحواريين إخوته". "فقال له قائل: قابل إخوتك بالباب يطلبونك، فأشار إلى تلاميذه وقال: هؤلاء إخوتي"٣. "وقال له أحدهم: يا سيّد. فقال: لست أدعوكم عبيد بل أنتم
_________________
(١) ١ إن النصارى لم يتفقوا على ألوهية المسيح، إلاّ في القرن الرابع الميلادي بعد مجمع نيقية عام ٣٢٥م، بعد أن فرض الإمبراطور قسطنطين على المسيحيين القول بذلك بالوعد والوعيد والبسلطة. وبالرغم من ذلك فقد بقيت طوائف كثيرة على الاعتقاد بعدم ألوهية المسيح. ومن أبرزها: طائفة الأريوسية، وفي العصر الحديث نجد الكثير من الباحثين ومفكّري النصارى ينكرون ألوهية المسيح. (ر: المسيح في مصادر العقائد المسيحية - لأحمد عبد الوهّاب) . ٢ يوحنا ١٣/١٦، ٢٠. ٣ متى ١٢/٤٦-٤٩، مرقس ٣/٣١-٣٤، لوقا ٨/١٩-٢١.
[ ١ / ١٦٥ ]
إخوتي"١. "وقال بعد قيامه: قل لإخوتي يسبقوني إلى الجليل"٢.
فقد ثبت بقوله رسالته وأن الله غيره وأنه غير الله، والرسول نبي بسفر بين الله وبين خلقه.
فإن قالوا: نسلم أن الله أرسله ولا غرو / (١/٣٤/أ) أن يرسل الله كلمته رحمة لخلقه ولطفًا بهم، وذلك أنه لما أرسل الله أنبياءه، فكذّبوهم وقتلوهم بعث إليهم ابنه الذي هو كلمته فتجسدت من مريم البتول ليتهيأ للناس السماع منها والأخذ عنها.
فنقول: هذا تعريج على ثدنات٣ الحمق وترويج بِبُنيَّات٤ الطرق، وذلك لأن الكلمة عندكم قديمة، وهي علم الله على رأي بعضهم، ونطقه على رأي آخرين، وإذا كانت الكلمة قديمة، فكيف يصح إرسالها؟! أفتقولون إن الأب بعد إرسالها بقي أخرسًا جاهلًا بغير علم ولا نطق؟! ثم الكلمة هي صفة العلم فكيف تفارق الصفة ذات الباري والصفة لا تفارق موصوفها؟! أو تقولون إن الصفة تقوم بمحلين؟!.
وأخبرونا كيف قَدِر الخلائق على رؤية الكلمة القديمة وثبتوا عند مواجهتها؟! والتوراة تشهد أن موسى بن عمران ﵇ لم يثبت عند جلال التجلي بل خَرَّ صعقًا وصار الجبل يضطرم نارًا٥ وكذلك السبعون شيخًا ماتوا لوقتهم عند سماع كلام الله٦.
_________________
(١) ١ يوحنا ١٥/١٥، بألفاظ متقاربة. ٢ متى ٢٨/١٠. ٣ ثَدِنَ اللحم: تغيرت رائحته. وفلان كثر لحمه وثقل فهو ثَدِن، وأمرأة ثَدِنة: ناقصة الخلق. المراد به هنا: نواقص الحمق. (ر: القاموس ص ١٥٢٨) . ٤ بُنَيَّات الطرق: الترهات. (ر: القاموس ص ١٦٣٣) . ٥ خروج ١٩/١٦-١٩، تثنية ٥/٢٣. ٦ خروج ١٩/٢٠-٢٥، ٢٤/٩-١٨، تثنية٥/٢٤، ولم يرد فيها أنهم ماتوا عند كلام الله.
[ ١ / ١٦٦ ]
أتقولون إن موسى وصلحاء أصحابه لم يبلغوا من التمكين مبلغ / (١/٣٤/ب) الحواريين الذين زعمتم أنهم شاهدوا الكلمة وخدموها؟! على أن اليهود الملاعنين أيضًا قد شاهدوا المسيح وقاوموه. أفتقولون إن موسى ومن معه من الأشياخ لم يبلغوا من التمكين والقوة مبلغ اليهود؟! هذا وأنتم تروون في التوراة: "إن قوم لوط لما دنوا من الباب يريدون ضيفه برقت من بعض من الملائكة بارقة أعشت أبصارهم، فلم يقدروا على رؤية الملائكة"١.
فمن لم يستطع رؤية مخلوق مثله، كيف استطاع رؤية الرّبّ العظيم والإله القديم؟!
وأخبرونا كيف تقوم الكلمة تتردد بين اليهود في الأرض نيفًا وثلاثين سنة لا يسطع منها نور يغشى الأبصار ويذهل العقول ويزعزع القلوب؟!.
وكيف لم [تتناوبها] ٢ الملائكة ويترددون إلى خدمتها؟! وهذه التوراة تنطق: "أن ابني هارون حين دنوا من قبة الزمان وبخَّرا بنار غريبة لم يؤذن فيها، نزلت من السماء نار فأحرقتهما بين يدي موسى وهارون وسائر بني إسرائيل"٣. "وقد كلم الله موسى من صوب العوسجة فأضاء له الوادي"٤.
"وأرسل [أخزيا] ٥ الملك الكافر خمسين رجلًا ليأخذوا الياء / (١/٣٥/أ) النبي فنَزلت نار من السماء فأحرقتهم ثم بعث آخرين فنَزلت النار فأحرقتهم ثلاث مرات"٦.
_________________
(١) ١ تكون ١٩/١-١١. ٢ في ص (تنتابها) ولعل الصواب ما أثبته. ٣ لاويين ١٠/١-٣. ٤ خروج ٣/٢-٤. ٥ في ص: (آحاب) والتصويب من النص. ٦ الملوك الثاني ١/١-١٤.
[ ١ / ١٦٧ ]
"وألقى بختنصر ثلاثة من أرقاب دانيال النبي في نار عظيمة١ فلم تعد عليهم" "وطرح بختنصر دانيال إلى السباع فلم تهجه"٢.
وهؤلاء عبيد لله تعالى، فكيف نكص عنهم الشيطان وتمكن من ربّهم على زعم النصارى حتّى أغرى به شرذمة من أَخَسَّ جنده وهم اليهود فقتلوه وصلبوه؟! إذكان المسيح عندهم هوالله أومتّحدًابه وساكنًافيه.
وأخبرونا كيف تتجسدالكلمةفتصيرلحمًاودمًاوعروقًا شعرًاوظفارً؟!
أذلك شيء شاهدتموه عيانًا فساغ لكم أن تخبروا به الناس وتدعوهم إلى اعتقاده والقول به، فادَّعوا ما بدا لكم، فمن الذي يمسخ الله عقله ويسلخ لبه فيجيبكم إلى دين اعتقاد أهله أن الله ولد علمهُ، وأن علمه صار إنسانًا، وصار ذلك الإنسان إلهًا خالقًا، وأن ذلك الإله قتله خلقه وصلبوه ونكلوا به؟!! فمتى تُساعدون على هذه الخرافات التي يأنف منها النوكى والمغفلون والعجائز المثكلون؟
وأخبرونا أليس المسيح عندكم / (١/٣٥/ب) هو الكلمة، والكلمة هي المسيح؟ فإذا قالوا: نعم. قلنا: فنحن وأنتم نعلم أن المسيح كان يكون منه يكون من الآدميين، أفتصفون الكلمة بأنها كانت بائلة غائطة؟!.
فإن قالوا: البائل الغائط هو الناسوت أبطلوا الاتّحاد وأزروا على يوحنا الإنجيل الذي زعم أن الكلمة صارت جسدًا وحلّت في الناسوت.
وكذَّبوا فولس الذي يسمونه رسولًا في قوله: "إن المسيح ابتاعنا من لعنة الخطيئة بصلبه وقتله فصار لعنة بدلنا"٣.
_________________
(١) ١ سفر دانيال إصحاح (٢) . ٢ سفر دانيال إصحاح (٦) . ٣ رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٣/١٣.
[ ١ / ١٦٨ ]
وسفّهوا إفريم في قوله: "إن اليدين التي جبلت آدم هي التي سمرت بالمسامير وإن الشِّبر التي مسحت السماوات هي التي علقت بالصليب".
فإذا قالوا: "إن الآكل الشارب البائل الغائط هو الناسوت فقد كفروا بإفريم وفولس الرسول وغيره من مشائخهم".
وقد نقل عن أكابرهم أنهم قالوا: "من لم يقل إن مريم ولدت الله فهو محروم من ولاية الله"١.
وهم يقرؤون في صلواتهم: "يا والدة الله افتحي لنا أبواب الرحمة، يا من سمرت يده على الصليب لا تضيع من خلقت بيدك".
وإذا كان هذا اعتقادهم فقد اعترفوا بأن الآكل الشارب المقتول المصلوب هو الله، تعالى عن كفرهم علوًّا كبيرًا.
فإن قالوا: هذا لازم / (١/٣٦/أ) لكم أيضًا فإنكم موافقون على أن المسيح كلمة الله وقد نطق به قرآنكم.
قلنا: لسنا سواء، فإنا نقول إن الله تعالى شرّفه بتسمية سمّاه بها كما سمّى إبراهيم خليلًا، وسمّى موسى كليمًا، وسمّى إسرائيل ابنًا بكرًا بزعمكم، وسمّى موسى رجل الله، وسمّى عصاه قضيب الرّبّ، وسمّى قبة الزمان خباء الله، كلّ ذلك قد نطقت به كتبكم، والتسميات لا اختلاط لها بالذوات.
_________________
(١) ١ قائل هذا القول هو: غريغورس، وهو من أكابر علمائهم، ويعتقدون أنه يتكلم بروح القدس. (ر: النصيحة الإيمانية ص ١٩، للمهتدي نصر بن يحيى المتطبب) . وهذا الاسم يطلق على أكثر من عالم لاهوتي عند النصارى. من أبرزهم: غريغوس العجائبي (٢١٣-٢٧٠)، أسقف قيصرية، غريغورس المنور (ت ٣٣٢م) أسقف أرمينيا، غريغورس النازينزي (ت ٣٨٩م)، بطريرك القسطنطينية، غريغورس النيصي (ت ٣٩٥م)، أسقف نيسا ومن أشهر معلمي التصوف المسيحي. كما أن هناك (١٦) بابًا من باباوات الكنيسة يحملون هذا الاسم. (ر: فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية ٢/٢٧٢، المنجد في الأعلام ص ٥٠٥) .
[ ١ / ١٦٩ ]
ألا ترون الشخص الواحد والعين١ الواحدة تسمّى باسمٍ عند قوم وتسمّى باسمٍ آخر عند آخرين، وإذا كان المسيح عندنا قد سمّاه الله: (كلمة) لم يلزمنا ما لزمكم، فأما أنتم أيها الضلال فتقولون: إن كلمة الله انقلبت لحمًا ودمًا، فأكلت الخبز وشربت الماء وذلك هو الحَيْرة والعماء.
فإن رجعتم إلى الطريقة المثلى وأضربتم عن هذه المقالة الشوهاء، وقلتم: إن النقائص يستحيل دخولها على الله وعلى صفته، فقد تركتم القول بألوهية المسيح وأبطلتم الاتّحاد، وذلك هو المراد؛ ووافقتم المسلمين والأنبياء المتقدمين. قال الله تعالى حكاية عن المسيح ﴿قَالَ إِنِّ عَبْدُ اللهِ﴾ . [سورة مريم، الآية:٣٠] .وقال تعالى في المزامير:"إن المسيح يشبه/ (١/٣٦/ب) ملكي صادق"٢."ملك عادل الذي كان ببيت المقدس"،وقال الحواريون: "إن يسوع يشبه موسى"،وقال بعضهم:"إن المسيح أفضل من موسى"٣.
وقال في الإنجيل: "أنا أفضل من يونس"٤.
وقال المسيح: "أتيتم من آفاق الأرض لتسمعوا من حكمة سليمان، وهاهنا أفضل من سليمان"٥. يريد نفسه.
وقال في الإنجيل: "إلهي لم تركتني"٦؟!.
_________________
(١) ١ العين تقع بالاشتراك على أشياء مختلفة، والمراد هنا: الشيء نفسه. ٢ مزامير ١١٠/٤. وقد تقدم التعليق. (ر: ص) . أن هذا النصّ وغيره من نصوص كتب أهل الكتاب مما لا ينبغي الجزم بنسبته إلى الله عزوجل وإنما تنسب إلى كتبهم. ٣ رسالة بولس إلى العبرانيين ٣/١-٦. ٤ متى ١/٤١، لوقا ١١/٣٢. ٥ متى ١٢/٣٢، لوقا ١١/٣١. ٦ متى ٢٧/٤٦، مرقس ١٥/٣٤.
[ ١ / ١٧٠ ]
وقال في خاتمة إنجيل يوحنا: "إني ذاهب إلى إلهي وإلهكم"١.
فاعترف بأن له إلهًا ورباّ فقد ثبتت عبوديته ونبوّته ورسالته.
٢- دليل آخر على نبوّته ﵇، قال يوحنا التلميذ: "قال يسوع: أنا هو الراعي الصالح وأنا عارف برعيتي وهي تعرفني"٢.
وجه الدلالة من ذلك ما اشتملت عليه التوراة والكتب من رعاية إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى - ﵈ - تقدمت لهم مقدمات في رعاية النعم ثم أُهِّلُوا بعد لسياسة الأمم، فالنبي راع من الرعاة، وداع من الدعاة، يذودهم بالإنذار عن مراتع الهلاك ويريهم بأنوار الإيمان أشراك الإشراك، ولو كان الأمر على ما يهتف به النصارى من ربوبيته لم يقل في مجلس محشود ومحفل مشهود: أنا الراعي الصالح، بل كان يرفع / (١/٣٧/أ) الالتباس ويقطع عن الناس الوسواس، ويقول: اعملوا أني أنا الله خالق السماء والأرض وجامعكم ليوم العرض، أو أنا ابن الله أو ثالث ثلاثة، أو أنا الكلمة القديمة اتّحدت بجسم إنسان.
وحوشي٣ ﵇ عن هذا الذيان، بل الذي نصّ عليه ودعا تلاميذه إليه قوله في الإنجيل: "لا صالح إلاّ الله الواحد"٤. وقوله: "إن الله لا يأكل ولا يشرب ولا رآه أحد". وقوله: "إني لا أعمل بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"٥. وسئل عن القيامة فقال: "لا يعرفها إلاّ الله وحده، فأما أنا فلا أعرفها"٦.
_________________
(١) ١ يوحنا ٢٠/١٧. ٢ يوحنا ١٠/١٤. ٣ في ص (حوشي) . ٤ مرقس ١٠/١٨، لوقا ١٨/١٨. ٥ يوحنا ٦/٣٨. ٦ مرقس ١٣/٣٢.
[ ١ / ١٧١ ]
فقوله: "أنا هو الراعي"، تكذيب للنصارى في دعوى ربوبيته؛ لأن الراعي ليس إليه ملك الغنم بل ملكها لغيره وليس له سوى الرعاية.
وقوله: "وأنا عارف برعيتي وهي تعرفني". فيه دليل على أن الخلائق ليسوا بمعمومين بدعوته، بل لم يبعث إلاّ إلى طائفة من بني آدم لا غير. وقد كشف هذا وأوضحه في موضع آخر: "وهو أن أصحابه سألوه أن يقضي حاجة امرأة من الكنعانيين، فقال: لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين فيلقى للكلاب إني لم أرسل إلاّ إلى الذين ضلّوا من آل إسرائيل"١.
فهذه نصوص الإنجيل الناجية من التبديلد، وكلها دالة على نبوته ومفصحة برسالته / (١/٣٧/ب) صلى الله عليه وعلى إخوانه من النبيّين والمرسلين.
٣- معجزة دالة على نبوّته، قال متى: "جاء رجل أبرص إلى يسوع وسجد له وقال: يا ربّ طهِّرني، فقال: طهرتك. فزال برصه لوقته، فقال له يسوع: اذهب وقرب قربانًا كما أوصى موسى"٢.
إن طعن اليهود في هذه الآية وجحدوها ولم يؤمنوا بها، قلنا لهم: ما الدليل على أن هارون وبنيه كانوا يزيلون البرص عن الأبرص٣ وذلك شيء لم تشاهدوه؟
فإن قالوا: نقل إلينا بطريق التواتر التي توجب العلم ويقتضي القطع ولا يبقى معها شكّ.
قلنا لهم: فكذلك تواتر واشتهر وانتشر أن المسيح كان يفعل
_________________
(١) ١ متى ١٥/٢١-٢٦، مرقس ٧/٢٤-٢٨. ٢ متى ٨/٢-٤. ٣ لاويين ١٣/١، ٢.
[ ١ / ١٧٢ ]
ذلك، فإن حاولوا طعنًا في آية المسيح انعكس عليهم في آية هارون وسائر الرسل، وإذا كانت هذه الآية لا سبيل إلى ردها وجحدها فقد لزم اليهود القول بنبوّته وترك ما هم عليه من التهود١.
وإن حاولوا إسناد ذلك إلى معرفته بالطبّ ووقوفه على خواص تزيل البرص بسرعة، قيل لهم: فلعل موسى أيضًا حين طهر أخته مريم من برصها٢ كان قد لطف في علم الطبّ ووقف على خواص فعل بها ما فعل دون أن يكون ذلك معجزة له، وحيث / (١/٣٨/أ) بطل ذاك بطل هذا، وكان ما صدر منهما معجزة من عند الله تعالى.
وإن قال النصارى: بذلك نستدل على ربوبيته إذ سجد له الأبرص، وقال له: يا رب، فلم ينكر عليه، ولو كان ذلك غير جائز لأرشده وقوّم أوده، فإقراره على ذلك وإزالة برصه دليل على ربوبيته.
_________________
(١) ١ الهَود: الرجوع برفق. ومنه: التهويد، وهو مشي كالدبيب، وصار الهود في التعارف التوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ . أي: تبنا. قال بعضهم: يهود في الأصل من قولهم: هدنا إليك. (ر: المفردات للراغب الأصفهاني ص ٥٤٦) . وقيل: إنهم سمّوا بذلك لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة. وقيل: إنهم سمّوا يهودًا نسبة إلى يهوذا الابن الرابع ليعقوب ﵇. وجاء في قاموس الكتاب ص ١٠٨٤: أن كلمة (يهود) أطلقت أوّلًا على سبط أو مملكة يهوذا تمييزًا لهم عن الأسباط العشرة الذين سمّوا إسرائيل فصارت تشمل جميع من رجعوا من الأسر من الجنس العبراني ثم صارت تطلق على جميع اليهود المشتتين في العالم. اهـ. وقال البيروني: "إنه قد أبدلت الذال المعجمة دالًا مهملة (يهوذا - يهود) . لأن العرب كانوا إذا نقلوا أسماء أعجمية إلى لغتهم غيّرا بعض حروفها". اهـ. وذكر أن الفرس قد أطلقوا على شعب يهوذا اسم اليهود وعلى عقيدتهم اليهودية. فلفظة يهود أعم من بني إسرائيل؛ لأن كثيرًا من أجناس العرب والروم وغيرهم دخلوا اليهودية وليسوا من بني إسرائيل. (ر: صبح الأعشى ١٣/٢٥٣، الخطط للمقريزي ٣/٥٠٣، قصة العقائد - سليمان مظهر ص ٣١٨، اليهودية - د. شلبي ص ٩٢، بنو إسرائيل في القرآن والسنة - د. طنطاوي ص ١٩، أثر أهل الكتاب - د. جميل المصري ص ٢٥) . ٢ سيأتي ذكر هذه القصة.
[ ١ / ١٧٣ ]
قلنا: ليس في ذلك دلالة على ما انتحلتموه، أما السجود١ فهو كان سلام القوم وتحيّتهم فيما بينهم، يعرف ذلك من طاع كتبهم وقرأ تواليف المتقدمين منهم.
والدليل على ذلك ما اشتملت عليه توراتهم من "سجود٢ إبراهيم ولوط للملائكة الذين مرّوا بهم لهلالك سدوم"٣. "وسجود إبراهيم لقم ساومهم في قطعة من الأرض لدفن زوجته سارة فسجد لهم مرتين حين فاتحهم فيها"٤.
والتوراة تشهد أيضًا: "إن إسرائيل حين دخل على يوسف بمصر سجد له هو وأولاده"٥. وكذلك التوراة: "تشهد أن إفرام ومنشا٦ سجدا ليقعوب جدهما
_________________
(١) ١ ورد في قاموس الكتاب المقدس ص ٤٥٩، أن السجود يدل عل تقديم الاحترام والإكرام والتحية المتواضعة. (تكوين ٣٧/١٠، الملوك ١/٥٣، متى ٩/١٨) . وهذا النوع من السجود لا يزيد عما يقدمه الناس لمن يكرمونه من الأمراء أو الحاكم ولا يزيد على الانحناء أمامهم، ويوجد سجود آخر يفهم من القرينة أنه تقديم التعبد لله. (تكوين ٢٤/٤٨، ويوحنا ٤/٢٤) . اهـ. ٢ تكوين ١٨/١، ٢، ١٩/١. ٣ سدوم، أرض قول لوط الذين أهلكهم الله، وهي إحدى مدن السهل الخمسة وتقع الآن تحت الماء في جنوب البحر الميت، وقد صارت خطيئة سدوم ومصيرها مضرب الأمثال، كما أن خطيئة "السدومية" أو الشذوذ الجنسي أخذت اسمها من سدوم. (ر: قاموس ص ٤٦٠، ٤٦١) . ٤ تكوين ٢٣/٢-١٢، وفيه: ( فقام إبراهيم وسجد لشعب الأرض لبَنِي حِثّ) . ٥ لم أجد في التوراة المحرفة أن يعقوب (إسرائيل) وأولاده سجدوا ليوسف حينما دخلوا عليه بمصر. (ر: تكوين ٤٦/٢٨-٣١) . ولكن ذكر فيها أن إخوة يوسف قد سجدوا له عندما جاءوا يطلبون الطعام منه أوّل مرة. (ر: تكوين ٤٣/٢٨) . وقد وصف القرآن الكريم دخول يعقوب وبنيه على يوسف بقوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ً ﴾ . [سورة يوسف، الآيتان: ٩٩-١٠٠] . قال ابن كثير في تفسره ٢/٥٠٩: "وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له. ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرم هذا في هذه الملة. وجعل السجود مختصًا بجناب الرّبّ ﷾. هذا مضمون قول قتادة وغيره". ٦ منسى وإفرايم: اسمان عبريان معناهما: (من ينسى)، و(الأثمار المضاعفة) وهما ابنا يوسف ﵇، وقد ولدا بمصر. (ر: قاموس ص ٩٠، ٩٢٤) .
[ ١ / ١٧٤ ]
بحضرة أبيهما يوسف فدعا لهما وبارك عليهما"١. ولم ينكر فعلهما.
وأما قوله: "يا ربّ"، فسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله - في باب تأويل ظواهر الإنجيل ونبيّن / (١/٣٨/ب) أنه لفظ يخاطب بها الأكابر والعظماء من الناس، وذلك مشهور في كلّ ملة.
فأما تطهير الأبرص فليس فيه دلالة على ربوبية عسى ﵇ وألوهيته، بل ينتهض ذلك دليلًا على تقريبه من ربّه ومزيته، ولو جاز أن يتخّذ المسيح بذلك ربًّا لجاز ذلك في حقّ اليسع ﵇؛ إذ قد روى النصارى واليهود في كتاب سفر الملوك من كتبهم: "أن نعمان٢ الرومي برص فرحل إلى اليسع من بلده واستأذن عليه فلم يأذن له، بل قال لرجل من أصحابه: "قل له ينغمس في الأردن سبع مرات"، ففعل الرجل فبرأ من برصه لوقته ورجع إلى بلده معافى فاتبعه غلام للمسيح يقال له: (حِجْزا) ٣ وأوهمه أن المسيح أرسله يطلب منه مالًا ففرح نعمان بذلك وأعطاه مالًا وجوهرًا ثمينًا فأخفاه الغلام وجاء إلى اليسع، فقال له اليسع: تبعت نعمان وأوهمته عني كذا وكذا، وأخذت منه كذا وخبأته في موضع "كذا، إذ فعلت ذلك فليصر برصه عليك وعلى نسلك. فبرص الغلام مكانه"٤.
فهذا نبيّ الله اليسع قد فعل ما هو أعجب من فعل المسيح / (١/٣٩/أ) لأنه أبرأ نعمان وبرَّص الغلام ونطق بالغيب، وقد أشار الإنجيل إلى طرف من القصة.
_________________
(١) ١ تكوني ٤٨/٨-٢١. ٢ نعمان الرومي: رئيس جيش بنهدد ملك الآراميين في أواسط سورية. (ر: قاموس ص ٩٧٣) . ٣ حيجزى: اسم عبري معناه: "وادي الرؤية"، غلام النبي المسيح ورفيقه. (ر: ص:٢٧٩) . ٤ سفر الملوك الثاني، الإصحاح الخامس.
[ ١ / ١٧٥ ]
فأما التوراة فهي تنطق: "أن مريم ابنة عمران١ أخت موسى وهارون تَغَرَّبت على موسى في أمر من الأمور فلما صعدوا إلى قبة الزمان وكلّمهم الله سبحانه تهدد مريم جدا وغضب عليها، فلما خرجت من القبة نظر إليها هارون أخوها فإذا هي قد ضربت بالبرص من قرنها إلى قدمها، فرق لها هارون وسأل موسى أن يدعو الله لها فدعا لها فشفيت"٢.
وهذه الأنبياء قد فعلت ما هو مثل فعل المسيح وأعجب منه.
فإن قال النصارى: "إن موسى واليسع وغيره كانوا يفعلون ذلك ولكن بعد ابتهال إلى الله ودعاء وطلب ورغبة، فأما المسيح فإنه كان يخترع ذلك اختراعًا من نفسه من غير دعاء ونداء.
قلنا لهم: من سلم أن المسيح كان يفعل ما يفعل غير مبتهل إلى الله ولا طالب إليه، والدعاء لا يشترط لإجابته الإعلان، فإن الداعي يناجي بحوائجه من استوى عند السر والجهر، ومن أين لكم أن المسيح كان لا يدعو ربه / (١/٣٩/ب) سرًّا؟! على أنا نريكم عدة مواضع من الإنجيل الذي بأيديكم يشهد أنه كان لا يفعل معجزًا إلاّ بعد أن يسأل الله ويضرع إليه ويُعَوِّل في نُجْح مطالبه ومآربه عليه، قال في الإنجيل: "عندما أحيا حبيبه العازر ورفع بصره إلى جهة السماء: يا
_________________
(١) ١ مريم ابنة عمران - أخت موسى وهارون - يذكر عنها قاموس الكتاب ص ٨٥٦ أن اسمها عبري معناه: (عصيان)، ويظن أنها أكبر من موسى نحو عشر سنين، وقد ماتت ودفنت في قادش. (وهي على مسافة (٥٠ميلًا) من بئر سبع إلى الجنوب" اهـ. وكانت في نظر اليهود والنصارى نبية من الأنبياء. (ر: سفر الخروج١٥/٢٠) . ٢ قبة الزمان هي ما يسمى في التوراة بـ: "خيمة الاجتماع"، وأطلق عليها اسم علم: "بيت الرّبّ"، وتسمّى أيضًا بـ: "المسكن"، و"ومسكن الشهادة"، وقد أمر الله موسى ﵇ ببنائها في البرية وتنقسم إلى ثلاثة أجزاء: المسكن، والخيمة، والغلطاء. (ر: سفر الخروج: إصحاح (٣٠) - (٣٥)، وقد كانت مركز عبادة بني إسرائيل وتقديم قرابينهم. (ر: قاموس ص ٣٥٢-٣٥٤) .
[ ١ / ١٧٦ ]
[أبت] ١ أشكرك لتستجيب لي وأنا أعلم أنك تستجيب لي في كلّ حين، ولكن أشكرك من أجل هؤلاء الفئام ليعلموا أنك أرسلتني"٢. فها هو قد أكذب النصارى في دعواهم أنه كان يخترع من تلقاء نفسه من غير دعاء وابتهال. وقال فيما حكاه النصارى عنه: "إلهي إن كان يحسن صرف هذا الكأس فاصرفها عني كما تشاء أنت لا كما أشاء أنا"٣.
وهذا شيء لم نسمعه إلاّ منهم فقد وضح كذب مورد السؤال.
فأما موسى ﵇ فالتوراة تشهد بأنه كان يلقي عصاه فتصير ثعبانًا ثم يأخذها فتعود خشبة٤ ثم يلقيها فتعود شجرة وتمد أغصانًا وتثمر لوزًا٥ ثم يتناولها فتعود عصا ثم يضرب بها النيل فينقلب دما ثم يضربه / (١/٤٠/أ) فيرجع ماء٦ كل ذلك من غير سؤال ولا استغاثة.
وقد أحيت تربة قبر اليسع ميتا٧، وأبرأ يوسف عيني أبيه من غير سؤال ولا
_________________
(١) ١ في ألأصل: يأبه، والتصويب من النص. ٢ يوحنا ١١/٤١-٤٣، بألفاظ متقاربة، وقد ورد في الأناجيل ذكر معجزة إحياء المسيح ﵇ للموتى ثلاث مرات هي: الأولى: إحياء ابنة يَايِرُس - رئيس المجمع - ورد ذلك في إنجيل متى ٩/١٨-٣٩، وإنجيل مرقس ٥/٢١-٤٣، ولوقا ٨/٤٠-٥٦. الثانية: إحياء ابن الأرملة - انفرد بذكرها لوقا ٧/١١-١٧. الثالثة: إقامة العازر - انفرد بذكرها يوحنا. ٣ متى ٢٦/٣٩، بألفاظ متقاربة. ٤ ر: سفر الخروج الإصحاح السابع. ٥ إن ما ورد في التوراة سفر العدد ١٧/٨-١٠، يفيد أن عصا هارون هي التي أصبحت شجرة وأزهرت وأنتجت لوزًا وليست عصا موسى كما ذكره المؤلف. ٦ ر: سفر الخروج الإصحاح السابع. ٧ سفر الملوك الثاني ١٣/٢٠، ٢١.
[ ١ / ١٧٧ ]
دعاء١، وأحرق إيليا ثلاثة عساكر بنار نزلت من السماء٢ ولم يتقدم منه دعاء ولا طلب فعل ذلك عدّة من الأنبياء، فأما المسيح فقد بينا أنه كان في غالب أمره يدعو ويضرع كما قدمناه، ولم ينقل أن واحدًا ممن سَمَّينا ضُرب ولا غُلب، فأما المسيح فالنصارى تزعم أنه قتل وصلب.
والعجب منا ومنهم فإنا نعتقد نبوّته وسلامته وهم يعتقدون ربوبيته وعطبه، لقد تباعد ما بيننا وبينهم.
٤- معجز دال على نبوته، قال مى: "جاء رئيس من الرؤساء إلى يسوع فقال: إن ابني قد ماتت فلعل تأتي إلينا فتضع يدك عليها، فمضى معه ووضع يده عليها، فعاشت ابنة الرجل"٣.
فإن أنكر اليهود ذلك مع تواتره وأكذبوا التواتر انعكس عليهم في نبوة أنبيائهم وإن زعموا أنه فعل ذلك تخييلًا، قيل لهم: ولعل قلب العصا حيوانًا يسعى كان أيضًا تخييلًا / (١/٤٠/ب) وشعبذة٤ ودكا، فقد لزمهم القول بنبوة المسيح بالطريق التي لزمهم القول بنبوة موسى وغيره. ولو تطرق التشكيك إلى نبوة المسيح مع ظهورها لم يثبت نبوة نبيٍّ ولا استقرت رسالة رسول.
_________________
(١) ١ قال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . [سورة يوسف، الآيات: ٩٣-٩٦] . ٢ سفر الملوك الثاني إصحاح (١) . ٣ متى ٩/١٨-٢٦. ٤ شعوذ الرجل شعوذة ومنهم من يقول: "شعبذة شعبذة"، وليس من كلام أهل البادية. وهي لعب يري الإنسان منه ما ليس له حقيقة كالسحر. (ر: المصباح ص: ٣١٤) .
[ ١ / ١٧٨ ]
وإن قال النصارى: ذلك دليل على ربوبيته إذ لا قادر على إحياء الموتى سوى الله تعالى، قال الله: ﴿وَالمَوْتَى يَبْعَثُهم الله ﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ٣٦] .
قلنا: فيلزم على ذلك أ، تعتقدوا ربوبية كل من أحيا ميتًا وتتخذوه ربًّا، وقد قال عندكم في كتاب سفر الملوك إن إلياس أحيا ابن الأرملة١، وأن اليسع أحيا ابن الإسرائيلية٢ وأن حزقيال أحيا بشرًا كثيرًا يقال إنهم ستّون ألفًا أحياهم في ساعة واحدة٣، وهذا أعجب من إحياء المسيح نفسين أو ثلاثة.
والتوراة تشهد إن موسى كان يقلب عصاه ثعبانًا، فبينما هي خشبة إذ عادت حيوانًا ذا عينين يأكل ما مرّ عليه٤، وقلب الخشب حيوانًا أبدع من إعادة الروح إلى ميت.
٥- معجز دال على نبوة المسيح، قال متى: "حضر إلى يسوع أعميان فقالا: ارحمنا يا ابن داود، فقال: أتؤمنان؟ قالا: نعم. فلمس أعينهما وقال: / (١/٤١/أ) كإيمانكما يكون لكما. فانفتحت أعينهما، فقال: لا تقولا لأحد شيئًا"٥.
فإن أنكر اليهود هذه الآية وطرقوا إليها المطاعن، قيل لهم: بأي طريق ثبت لكم "أن موسى ﵇ شكا إليه [بنو] ٦ إسرائيل الحيات التي لدغتهم في
_________________
(١) ١ الملوك الأوّل ١٧/١٧-٢٤. ٢ الملوك الثاني ٤/١٨-٣٧. ٣ حزقيال ٣٧/١-١٠. ٤ الخروج ٧/١٠-١٣. ٥ متى ٩/٢٧-٣٠، بألفاظ متقاربة. ٦ في ص (بنوا) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ١٧٩ ]
التيه فاتّخذ لهم حيةً من نحاس ونصبهم على خشبة وقال: من لدغته أفعى فلينظر إلى تلك، ففعلوا وصحوا"١.
فإذا قالوا: "التواتر والنقل المستفيض يشهد به. قيل لهم: فاقتعوا منا بهذا الجواب.
وإن قال النصارى: ذلك دليل على ربوبية المسيح.
قلنا لهم: لو جاز ادعاء ربوبيته بذلك لجاز لآل يوسف أن يدّعوا ربوعيته بمثله؛ إذ التوراة تشهد أنه أبرأ عيني والده يعقوب بعد ذهابهما، ولما لم يجز التمسك بذلك في الربوبية لم يجز هذا، والمسيح أمرّ بستر ذلك، ويوسف لم يأمر به، فيدل على أنه أقوى حالًا وأعظم تمكينًا من غيره.
ومعلوم عندكم: "أن موسى قد ضرب بعصا كثيب رمل فانهال قملًا لكل واحدة عينان تبصر بهما"٢. وهذا أعجب من فعل المسيح؛ لأن فيه خلق الحيوان كله، وذلك رد الصحة على جارحة من جوارحه بعد ذهابها.
وقد / (١/٤١/ب) شهد متى صاحب المسيح أن المسيح لا يعلم المغيبات "إذ يقول للرجلين: أتؤمنان؟ فقالا: نعم". وأنه لم يعلم بإيمانهم بعد قولهما حتى علق الشفاء على إينمانهما، "فقال: مثل إيمانكما يكون لكما". فضاهى ذلك قوله: "وقد
_________________
(١) ١ العدد ٢١/٦-٩، وقد آل أمر هذه الحية النجاسية في بني إسرائيل في السنين التالية أنهم عظموها وغلوا في أمرها حتى عبدوها وأصبحت صنمًا إلى أن حطمها حزقيا. (ر: سفر الملوك الثاني إصحاح (١٨)، وقد كان التطرف والانحراف عن الشريعة الإلهية عادة في بني إسرائيل ثم أصبحت هذه الحية شعارًا ورمزًا لليهود ولجمعياتهم السّرية الصهيونية كالماسونية وغيرها. كما أنهم يشبهون أن أحلامهم في السيطرة على العالم بالأفعى التي تلف حول الكرة الأرضية فيلتقي رأس الحية بذنبها في فلسطين المحتلة. ٢ الخورج ٨/١٦، ١٧، والقُمَّل: صغار الذباب، قال تعالى: ﴿وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ . والقمل معروف. (ر: المفردات للأصفهاني ص ٤١٣) .
[ ١ / ١٨٠ ]
سئل عن يوم القيامة فقال: لا أعلمها. بل الله وحده هو الذي يعلم ساعته ووقتها".
وبذلك نرد على من زعم أنه من جوهر الأب، حيث قالوا في الأمانة: "المسيح إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه". وهذه الفصول من الإنجيل تكذب تلك الأمانة وتُخطِّئ من ألفها إذ لو كان من جوهر الأب لكان علمه من جوهر عمله، ومشيئته من جوهر مشيئته، وسائر صفاته من صفاته، ولم يكن جسمًا ذا شعر وبشر، بل المسيح من جوهر أبيه داود وإبراهيم فهو إنسان حقّ من إنسان حقّ من جوهر أبيه، والعجب أن المسيح ﵇ رضي من الرجلين أن نسباه إلى داود وقضى حاجتهما ولم ترضَ النصارى له بما رضيه لنفسه حتى نسبوه نسبة خالفوه فيها وأسخطوا الله وأضحكوا منهم سائر / (١/٤٢/أ) طوائف آدم، على أن قول الرجلين له: "يا ابن داود" لوكان خطأ منهما، لم يقرّهما المسيح على الخطأ، ولاسيما خطأ هو كفر! ١.
وكيف يسمعهما ينطقان بالكفر وهو إنما جاء ليخلص الناس منه؟! بل قد سمع ذلك منهما فأقرهما عليه وشفاهما، وذلك منه بما نسباه إليه من نبوة داود، وكيف لا يرضى بذلك منهما وهي النسبة الجليلة التي نسبه بها جبريل الملك حين بشر به مريم بالناصرة كما شهد به لوقا في إنجيله: "إذ يقول لها: إنك تقبلين حبلًا بولد اسمه يسوع يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود"٢. فالويل للنصارى، لم يرضوا له النسبة التي نسبه بها الحواريون، وارتضاها المسيح من أهل زمانه، وجاء بها جبريل من عند الله.
_________________
(١) ١ يعني: أن قول الرجلين للمسيح ﵇: "يا ابن داود"، كفر على مقتضى اعتقاد النصارى بأنه ابن الله، فكيف يقرّهما المسيح ﵇ على ذلك ولا ينكر عليهما؟! وهذا من باب إلزام النصارى الحجة ببشرية المسيح وعبوديته. ٢ لوقا ١/٣٠-٣٢.
[ ١ / ١٨١ ]
فمن عذيري١ من قوم لبسوا عقولهم مقلوبة يتنكبون السبيل ويرتكبون خلاف ما في الإنجيل؟!. نكتة: قال متى: "سمع يوحنا وهو السجن بأعمال المسيح فأرسل إليه اثنين من تلاميذه، وقال: قولوا له أأنت الآتي أو يرجى آخر؟ فقال يسوع: اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما العمي يبصرون والعرج يمشون، والبرص يطهرون،/ (١/٤٢/ب) والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، فطوبى لمن لم يشك فِيَّ، فلما ذهب التلميذان قال يسوع: هذا الذي كنت من أجله، هو ذا أنا مرسل ملاكي قدام وجهك ليستهل طريقك، الحق أقول لكم، إنه لم تلد النساء أفضل من يوحنا، والصغير في ملكوت الله أفضل منه، بماذا أشبه هذا الجيل الشرير؟ أشبهه بصبيان يصيحون بإخوانهم قائلين: زمنا لكم فلم ترقصوا، ونحنا لكم فلم تبكوا، جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب، فقالوا: به شيطان، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فقالوا: إنسان أكول شريب خمر خليل العشارين والخطاة، فتبررت الحكمة في بينها"٢.
قلت: كيف يعتقد في المسيح الربوبية وهذا نبي الله يحيى بن زكريا يرسل إليه: "أأنت الآتي أو يرجى آخر؟ ". فإن كان هذا الشّكّ من يوحنا لا يقدح في إيمانه ونبوته فالمسيح ليس بإله؛ لأن الشّكّ في الإله كفر.
وإن كان المسيح إلهًا كما يهذي به النصارى فقد كفَّروا يوحنا هذا. أفتدعي النصارى - ويلهم - أن يحيى بن زكريا كان جاهلًا بربّه مع قول المسيح: "إن النساء لم تلد أفضل منه؟ ". فشهادة المسيح / (١/٤٣/أ) ليوحنا بأنه أفضل أهل زمانه دليل
_________________
(١) ١ أي: من يلومه على فعله وينجي باللائمة عليه ي بيان فضائح النصارى وسخافاتهم وضعف عقولهم؟ (ر: المصباح المنير ص ٣٩٩) . ٢ متى ١١/٢-١٩، بألفاظ متقاربة وقد اختصر المؤلِّف بعض النصوص.
[ ١ / ١٨٢ ]
على غلط النصارى في دعوى ربوبية المسيح، إذ لو كان كما قولوا لكان الأولى باعتقاد ذلك يوحنا، وإنما أرسل يوحنا يسأل عن النبوة والرسالة، فلما أحاله على رؤية الخوارق والتي هي أعلام النبوة زال تردده في نبوته.
وأما قول المسيح: "والصغير في ملكوت الله أفضل منه"، فيعني بالصغير نفسه جريًا على عادته في سلوك التواضع، وفي ذلك دلالة على نبوته من قوله؛ لأن الأفضلية لا تثبت إلاّ بين فاضلين اشتركا في أصل الفضل ثم ترجح أحدهما على الآخر بمزيد من الفضل، ولا يحسن أن يقال: إن الباري جل وعلا أفضل من زيد أو عمرو.
مناقشة: قلب النصارى الحكمةَ وأبدلوها وحرفوا كتب الله وبدلّوها، وصفوا يوحنا بصفة الأرباب في استغنائه عن الطعام والشراب، فقالوا: "كان يوحنا لا يأكل ولا يشرب". واعتقدوا في المسيح الربوبية مع وصفهم له بنقص العبودية، فقالوا: "كان المسيح إنسانًا أكولًا شريب خمر"١. فسخر / (١/٤٣/ب) منهم ذووا الألباب وآضوا٢ سُبَّةً على ممرّ الأحقاب.
مناقشة: زعم النصارى أن المسيح كان يتردد إلى أورشليم للاستفادة والتعليم ويسائل الأحبار عن الأخبار٣ ثم اعتقدوا أنه الذي أنزل التوراة على الكليم وفدى الذبيح من يد إبراهيم، فيقال لهم: يا ممسوحي الحلوم ومسلوخي الفهوم، كيف يتعلم كتابًا هو الذي أنزله أو يتلمذ لرسول هو الذي أرسله؟!.
٦- معجزة دالة على نبوته ﵇، قال متى: "حضر إلى يسوع رجل يابس اليد، وذلك بحضرة جماعة من اليهود، فسألوه: هل يحل أن تداوي في
_________________
(١) ١ متى ١١/، ١٨، ١٩. ٢ أي: صاروا، آض كذا: صار وفعل ذلك. (ر: القاموس ص ٨٢١) . ٣ لوقا ٢/٤١-٥٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
السبت؟! لكي [يَنُمُّوا] ١ عليه، فقال لهم يسوع: "أي رجل منكم يسقط خروفه في بئر في يوم السبت فلا يقيمه؟!، فالإنسان أولى من الخروف، ثم قال للرجل: امدد يدك، فمدّها فصحت وعادت كالأخرى، فخرج اليهود متآمرون في إهلاكه، فعلم يسوع سرّهم، وانتقل من هناك فتبعه مرضى فشفاهم"٢.
قلت: هربه وتواريه غير قادح في نبوته ولا غاض من رسالته، فذلك كثير ما اتّفق لأنبياء الله وصوفته / (١/٤٤/أ) غير أنه لا يليق بجلال الربوبية، وهو يقدح في قول النصارى إن المسيح إنما نزل من السماء وتجسد من روح القدس وولدته مريم وحلّ في هذا العالم لخلاص آدم وذريته م الجحيم ببذل دمه حتى يكون مؤديًا ما وجب على آدم بأكله الشجرة، فلو كان الأمر على ما يهذون به لما فرّ من ذلك وتوارى وتَحَوَّل من بلدة إلى بلدة أخرى من أمر إنما جاء وتَعَنَّى بسببه، إذ في تأخير قتله استدامة آدم وذريته في العذاب.
فإن قال النصارى:"إنما تَحوَّل واختفى لأن ساعة أجله لم تحضربعد".
قلنا: فكان الأولى أن لا يتحول إذًا، إذ كان لبثه لا يجر إليه مكروهًا ولا يسلط عليه سفيهًا، وما أحسن٣ إلهًا له ساعة ترتقب وأجل ينقرض وينقضب.
٧- مضاهاة كلام المسيح لكلام الرسل - ﵈ -، قال متى: "أتي يسوع بأعمى به شيطان أخرس فأبرأه، فعظم الجمع ذلك، فقال الفريسيون: "إنما يخرج الشياطين ببعل زبول رئيس الشياطين، فعلم يسوع سرهم، فقال: لا يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب متاعه / (١/٤٤/ب) إلاّ أن يربط القوي أوّلًا ثم يأخذ متاعه، من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق، إن كلّ
١ في ص (ينمو)، الصواب ما أثبته.
_________________
(١) ٢ متى ١٢/١٠-١٥، بألفاظ متقاربة. ٣ أسلوب التهكم والسخرية من معبود النصارى.
[ ١ / ١٨٤ ]
تجديف يترك للناس، والتجديف على روح القدس، لا يترك في هذا الدهر ولا في الدهر الآتي"١.
قوله: "كل تجديف يترك للناس والتجديف على روح القدس لا يترك"، مواطئ لقول سيدنا رسول الله ﷺ: "إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار "٢. غير أن بين الكلامين في المقدار ما بين الدرهم والدينار.
٨- دليل على نبوته من قوله: قال متى: "قال له قوم من الكتبة: يا معلم نريد أن ترينا آية، فقال: الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطى إلاّ آية يونان النبيّ؛ لأن يونان أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، كذلك ابن الإنسان يكون في قلب الأرض وبطنها ثلاثة أيام وثلاث ليال. رجال نينوى يقومون في يوم الحكم ويحاكمون هذا الجيل لأنهم تابوا بدعوة يونان وها هنا أفضل من يونان"٣.
قلت: هو ذا المسيح قد صرح بنبوته في عدة / (١/٤٥/أ) مواضع من هذا الكلام:
- أحدها: تقرير الكتبة على قولهم له: يا معلم، ولم ينكر عليهم ويقول: كذبتهم بل أنا ربكم أو ابن إلهكم، كما لفق النصارى في أمانتهم التي بأيديهم.
_________________
(١) ١ متى ١٢/٢٢-٣٢. ٢ حديث متواتر أخرجه البخاري عن علي والزبير بن العوام وأنس بن مالك وسلمة ابن الأكوع وأبي هريرة وغيرهم ﵃. (ر: فتح الباري ١/٢٠٠-٢٠٣، ومسلم ١/٩، ١٠-٤/٢٢٩٨) عن أبي سعيد وغيره، وأخرجه أبو داود ٣/٣١٩، والترمذي ٤/٤٥٤، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/١١-١٣)، وغيرهم. واللفظ الذي أورده المؤلّف أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب (٣٣) . (ر: فتح الباري٣/١٦٠، ومسلم ١/١٠، وأحمد ٤/٢٤٥)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ٣ متى ١٢/٣٩، ٤٠.
[ ١ / ١٨٥ ]
وكيف يجوز إقرارهم على الخطأ في ذات الله، بل إنما أقرهم على الصواب، إذ قال لهم في الإنجيل غير مرة: "إن الأنبياء كلهم [معلِّمون] ١") .
- والثاني: تسويته بين نفسه وبين يونان النبي في جريان المقدور، ويونان٢ هو يونس٣ بن متى ﵇، ومحاكمة أمة يونس لأمته يوم القيامة.
- والثالث: تفضيله نفسه على يونان، وقد قلنا: إن التفضيل إنما يكون بين فاضلين رجح أحدهما على الآخر، ولا يحسن بين الملك والأتوني٤، فكيف يحسن بين الله وعبد من عبيده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٥٥] .ولا غرو أن يفضُل المسيح يونس كما فضُل محمّد سائر الرسل على ما نوضحه إن شاء الله في الباب العاشر من هذا الكتاب.
فأما قوله: "إن ابن الإنسان يكون في قلب الأرض وبطنها ثلاثة أيام وثلاث ليال"، إن سلم عن الاختلاق فذلك محمول على الشبه / (١/٤٥/ب) الذي قتله اليهود وصلبوه فإنه ابن الإنسان، فأما المسيح فهو عندكم معشر النصارى ابن الله، وإلاّ فما بالكم في صلواتكم وبيعكم لا تدعون المسيح ابن الإنسان، فتقولون في أدعيتكم وقراءتكم: يا ابن الإنسان اغفر لنا، يا ابن الإنسان ارحمنا، هذا شيء لا تقولون به ولا تستجيزون إطلاقه، فكيف صرتم إذا لدغتكم حجاج
_________________
(١) ١ في ص (معلمين) الصواب ما أثبته. ٢ يونان: الصيغة السريانية للاسم العبري (يونه) ومعناه: حمامة، وهو ابن متاي من سبط زبولون، وقد تنبأ في أيام يربعام الثاني ملك السامرة، وينسب إليه. (سفريونان) مكون من أربعة إصحاحات. (ر: سفر يونان، قاموس ص ١١٢٦-١١٢٨) . ٣ يونس بن متى ﵇، وردت نسبته إلى أبيه في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متي". "ونسبه إلى أبيه". أخرجه البخاري، (ر: فتح الباري ٦/٤٥٠)، ومسلم ٤/١٨٤٦. ٤ الأتان: الأنثى من الحمير، والأتون وزان رسول، قال الأزهري: هو للحمام والجصاصة. وجمعه: أتاتين. (ر: المصباح ص ٣) .
[ ١ / ١٨٦ ]
الحقّ تستروحون إلى ما لا تقولون به؟! هل ذلك إلاّ حيرة وضلال وغلو في عبادة الرجال؟! على أنا نريكم من الإنجيل ما يسيء ظنكم بهذا الفصل وينفركم من القول بصحته وذلك أن الإنجيل الذي بأيديكم يشهد أن المصلوب لم يمكث في بطن الأرض وقلبها سوى يوم واحد وليلتين لا غير، لأن الإنجيل يشهد: "إن يوسف الرامي١ استوهب الجسد من فيلاطس٢ القائد عَشية الجمعة ودفنه في قبر كان قد اتّخذه له ليلة السبت، وبقي يوم السبت مدفونًا، وطلب بكرة يوم الأحد غلسًا فلم يوجد سوى الأكفان في القبر موضوعة بشادة مريم المجدلانية٣ خادمة المسيح وغيرها"٤.
فلم يلبث سوى يوم / (١/٤٦/أ) وليلتين، فقد اختلف قولكم أنه يقيم في قلب الأرض وبطنها ما أقام يونان في بطن الحوت وهو ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ٥.
فأي وثوق بقي يحصل لعاقل بكم؟ وأي طمأنينة تتفق بنقلكم؟ وأية حجّة
_________________
(١) ١ يوسف الرامي: من الرامة وكان صالحًا غنيًا، ولقد كانت الشريعة اليهودية تقضي بألا تبيت جثة المحكوم عليه بالإعدام على آلة التعذيب، والقانون الروماني يجيز لذوي المحكوم عليه بالإعدام أن يطالبوا بجسده ويأخذوه وهذا مما حفز يوسف على طلبه جسد المسيح من القائد بيلاطس. (ر: قاموس الكتاب ص ١١١٩) . ٢ بيلاطس النبطي: الحاكم على فلسطين من قبل الحكومة الرومانية سنة ٢٩م، وكانت قيصرية مركز ولايته، وقد أقيل من وظيفته لقسوته ونفي إلى فرنسا ومات هناك، ويعتقد النصارى بأنه تمت على يده محاكمة المسيح. (المرجع السّابق، ص: ٢٠٧، ٢٠٨) . ٣ مريم المجدلية: وكان المسيح قد أخرج منها سبعة شياطين، فلذلك اتبعته، وكانت معه وقت الصلب والدفن - على حدّ زعمهم - وقد شرفها المسيح بحديثه معها بعد قيامته. (المرجع السّابق، ص: ٢٠٧) . ٤ إنجيل مرقس إصحاح ١٥، ١٦. ٥ سيأتي بيان المزيد من التناقض في قضية دفن المسيح ومكثه في القبر - حسب زعم النصارى - في الباب الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله.
[ ١ / ١٨٧ ]
لكم على تصحيح مذهبكم في القتل والصلب بعد صدور هذا الكذب الشنيع؟!.
فإذا كان هذا تحريفكم في أمر يتعلق بالعدد مما لا تعظم فيه المؤنة ولم تشتد الكلفة، فكيف يوثق بكم فيما وراءه؟! ونحن إذا انتهينا معكم إلى ذكر القتل والصلب أريناكم غلطكم في دعوى قتل المسيح وصلبه وأبدينا لكم من الأناجيل التي بأيديكم ما يدل على خلاف ما صرتّم إليه وأرشدناكم إلى وجه الاستنباط منه؛ رجاء الأجر فيكم والمثوبة في هداية بعضكم، وتبصرة وإيضاحًا لإخواننا المسلمين، وتعريفًا لهم مصداق قول ربنا جل اسمه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٥٧] .
٩- معجزة دالة على نبوة المسيح ﵇، قال متى: "حضر إلى يسوع جمع كثير وليس عنده إلاّ / (١/٤٦/ب) خمس خبزات [وحوتان] ١ فرفع بصره إلى السماء ودعا وبارك على الطعام فأكل الجمع وشبعوا وفضلت كسر كثيرة"٢.
إن قدح اليهود في هذه الآية وزعموا أنها قُيدت في الإنجيل هي وأخواتها من غير أن يكون لها صحة، فيقال لهم: فما يؤمنكم أن يكون أيضًا قد قيل في كتاب التوراة التي بأيديكم ما ليس له صحة ولا تحقيق؟ فإن زعموا أن أسلافهم الذين نقلوا إليهم خوارق التوراة انتهوا في الثقة والديانة والصدق والأمانة إلى حدّ أمنوا معه هذه الغائلة، أجيبوا بمثل ذلك، وقيل لهم: الناقلون لمعجزات المسيح أيضًا انتهوا من الدين والتقى والعفاف إلى غاية انتفت عنهم أسباب التهم.
_________________
(١) ١ في ص (حوتين) الصواب ما أثبته. ٢ متى ١٤/١٣-٢١.
[ ١ / ١٨٨ ]
وإن قال النصارى: هذه الآية تدل على ربوبية المسيح، قلنا: كيف ذلك، وها هو قد رفع وجهه إلى السماء وحرك أخلاف الإجابة بأنامل الدعاء، وهذا هو دأب الأنبياء وسنة الأولياء إذ دُفِعوا لبثِّ الحقّ وإرشاد الخلق رغبوا إلى معبودهم وطبلوا إليه ما يحقق قصدهم ويعرف أممهم / (١/٤٧/أ) صدقهم والخلائق عيال الله، والنبي نائب عنه في إيصال رزقه إلى خلقه، وبالجملة فلو جاز أن يعتقد في المسيح الربوبية بمثل هذه الدعوى لجاز أن يعتقد في موسى: "بإطعام قومه المن والسلوى وهم يزيدون على ستمائة ألف نفس سوى النساء والصبيان. فأما المن فكان يسقط على الأرض الليل كله كصفائح الجليد أبيض كحب الكزبرة وطعمه كشهد العسل، وأما السلوى فطائر السمان كان يتراكم على الأرض في عسكر بني إسرائيل حتى ملأ الرحاب"١. وهذا أعجب من فعل المسيح في الحوتين والخمسة الأرغفة؛ إذ آية المسيح تكثير خبز موجود، وآية موسى إيصال خير مفقود وقد اشتملت التوراة على عدة من الخوارق لم يأت المسيح بنظيرها فنسمح بشطرها.
١٠- بعد ذوي اليسار٢ عن مقام الأبرار، قال متى: "قال رجل ليسوع: يا معلم ما أعمل من الصلاح لأرث الحياة الدائمة؟ فقال: احفظ الوصايا، قال: وما هي؟ قال: لا تقتل. لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور /١/٤٧/ب) أكرم أباك وأمك، وأحبب قريبك مثلك، فقال الرجل: كل هذا قد عرفته منذ صباي. فما الذي بقي علي؟ فقال المسيح: إن كنت تريد أن تكون كاملًا فاذهب وبع كلّ شيء لك وأعطه للمساكين ليكون لك كنْزًا في السماء وتعال اتبعني. فلما
_________________
(١) ١ سفر العدد إصحاح (١١)، وكذلك فعل غيره من أنبياء بني إسرائيل في إطعام الخلق الكثير من الشيء اليسير كـ إليا واليسع، حيث ذكر ذلك في سفر الملوك إصحاح (١٧)، والملوك الثاني إصحاح (٤) . ٢ الغنى واليسر.
[ ١ / ١٨٩ ]
سمع الرجل هذا الكلام مضى حزينًا؛ لأن ماله كان كثيرًا، فقال المسيح: الحق أقول لكم، إن دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول الغني ملكوت الله، فقال التلاميذ: من يقدر على هذا؟ فقال لهم: أما عند الناس فما يستطاع هذا، وأما عند الله فكل مستطاع. الأنبياء إنما بعثوا بالزهد في الدنيا والتفرغ للمولى والتزود للعقبى"١.
وهذا الكلام من المسيح دال على نبوته ورسالته وفيه ما يهدم قاعدة من قواعد النصارى وهو: جعله حفظ وصايا الله المذكورة في هذا الفصل سبب الخلاص وإرث الحياة الدائمة من غير حاجة إلى قتل المسيح وصلبه. وعند النصارى أن الناس لا يخلصهم من الخطيئة إلاّ قتل المسيح وسفك دمه إذ يقولون في الأمانة / (١/٤٨/أ): "من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل المسيح من السماء وتجسد وولد وقتل وصلب". وهو ذا المسيح يكذب تلك الأمانة ويزري على من أَلَّفها إذ جعل الخلاص منوطًا بحفظ وصايا الله وأتباع أمره، ولم يوقف الخلاص على ما هذوا به في الأمانة التي هي في الحقيقة خيانة، والشريعة التي هي لإضاعة الشريعة ذريعة، فهلاَّ قال المسيح للرجل: لا ترث الحياة الدائمة حتى تعتقد ربوبيتي وتدين بألوهيتي وتعتقد أني إله حقّ من إله حقّ من جوهر الله، وتعترف بأني أتقنت العوالم وخلقت كل شيء وأني إله مسجون في إنسان أو متّحد به - كما لفقوه في شريعة إيمانهم وتسبيحة دينهم؟!.
وحاشاه حاشاه أن يناط به هذا الوضَر٢ ويغشاه؛ إذ هو القائل في إنجيله وفي أدعية ربّه تعالى: "أنت الإله الحقّ وحدك الذي أرسلت يسوع المسيح"٣.
_________________
(١) ١ متى ٩/١٦-٢٧. ٢ الوضر: الوسخ، وما تشمه من ريح تجدها من طعام فاسد. (ر: القاموس ص ٦٣٤) . ٣ يوحنا ١٧/٣.
[ ١ / ١٩٠ ]
وقال: "لا صالح إلاّ الله وحد"١. وقال لرجل وهو يوصيه: "أحب الله من كلّ قلبك ومن كل قوتك ففي هذه الوصية جميع وصايا الأنبياء"٢. / (١/٤٨/ب) . وقال:"أنا ذاهب إلى إلهي وإلهكم"٣. يقول ذلك للحواريين. فهذه نصوصه في التوحيد ونفي التثليث٤. فمن أين جاءت النصارى هذه الداهية؟! ٥. أسأل الله العصمة.
_________________
(١) ١ ورد النص في متى: ١٩/١٦، ١٧، مرقص ١٠/١٧، لوقا ١٨/١٨. ٢ ورد النص في إنجيل متى ٢٢/٣٥-٣٧، وورد أيضًا فيه ٢٣/٩، أن المسيح قال: "إن أباكم واحد في السماوات". ويؤكّده ما ورد في إنجيل مرقص ١٢/٣٠، قول المسيح: "الرّبّ إلهنا إله واحد، وليس آخر سواه". ٣ يوحنا ٢٠/١٧. ٤ لقد وردت في أسفار العهد القديم أيضًا - التي يؤمن النصارى بقدسيتها - نصوص كثيرة تصرح بوحدانية الله وتنفي الشرك عنه. منها: ما ورد في التوراة سفر الخروج ٢٠/١، ٢، قول الله لبني إسرائي: "أنا الرّبّ إلهك الذي أخرجك من أرض مصر بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي". وفي سفر التثنية أيضًا قول موسى: "الرّبّ إلهنا ربٌّ واحدٌ". وقد ورد التوحيد في سفر أشعياء ٤٥/٥، وسفر ملاخي ٢/١٠، وغير ذلك كثير. وبعد ذلك التصريح بوحدانية الله في التوراة وأسفار الأنبياء والأناجيل، فإنّ للمؤلِّف وغيره أن يستاءل مندهشًا ومنكرًا على النصارى - من أين تسرب التثليث إلى دين التوحيد الذي جاء به المسيح ﵇ مع عدم الدليل عليه؟!. ٥ للإجابة عن تساؤل المؤلّف ودهشته ينبغي لنا أن نتعرف تاريخ الديانات الوثنية وتعدد الآلهة وتاريخ النصارى وأسباب انحرافهم، وخلاصة ذلك ما يأتي:
(٢) أن ظهور التثليث كان تحديدًا لتعدد الآلة المبالغ فيه أحيانًا عند الديانات الوثنية القديمة، ولعل البابليين هم أوّل من قال بالثالوث في الألف الرابع قبل الميلاد.
(٣) نشأ مذهب عند الهنود وسط بين التوحيد والتثليث هو: "التعدد في وحدة، والوحدة في تعدد"، وقد قالوا به قبل ظهور المسيح بأكثر من ألف عام، فكان عندهم: "براهما وفشنو وسيفا". ويعدونهم ثلاثة جوانب لإله واحد.
(٤) وظهر في الإسكندرية - زمن بطليموس الأوّل - عبادة الثالوث المصري المكون من: "سيرابيس وإيزيس وحورس" وكان هيئات ثلاث لإله واحد.
(٥) الاضطهادات التي نزلت بالنصارى من اليهود والرومان أدت إلى قتل علماءهم وتحريق كتبهم ومنع قراءتها وتفريقهم واستتارهم، كل ذلك كان من أسباب انحرافهم ونفوذ الأهواء والأساطير والبدع إلى قلوبهم لتحل - مع الزمن - محل العقائد الصحيحة.
(٦) ظهور بولس اليهود وتظاهره بالنصرانية - وقد كان عارفًا بالفلسفة الإغريقية ومدرسة الإسكندرية-ووضعه بذور التثليث بالدعوةإلى تأليه المسيح وبنوته لله.
(٧) ظهر في مدرسة الإسكندرية تجديد مذهب أفلاطون على يد أفلوطين وخلاصة فلسفته التي اعتنقها الكثيرون من الرومان: أ- قمة الوجود هو الواحد أو الأوّل. ب- الشيء المحدث عند (عقل) شبيه به. ج- وهذا يفيض بدوره فيحدث صورة منه هي (نفس) . وبعبارة أخرى سهلة: "ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة". ثم إنّ التاريخ يروي لنا أنه في القرن الثاني والثالث والرابع الميلادي قد دخل الرومان والمصريون أفواجًا في النصرانية، وكثير منهم دخل النصرانية وفي رأسه تعاليم الوثنية الرومانية، والفلسفة الأفلاطونية الحديثة لم تخلع منه، وهؤلاء ولا شكّ أثر تفكيرهم في النصرانية.
(٨) انعقاد مجمع نيقية المسكوني عام ٣٢٥م وتقريره لألوهية المسيح والتثليث، ثم انحياز الإمبراطور قسطنطين - الذي كان وثنيًا - إلى ذلك الرأي وتأييده بجاه السلطان وقوة السنان. وكان لنشره تلك العقيدة أكبر الأثر في انتشارها واعتبارها الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية. بذلك يتبيّن لنا الترابط الوثيق بين النصرانية المنحرفة والديانات الوثنية والفلسفية السابقة عليها كما حكم القرآن الكريم عليهم من قبل، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣٠] . (ر: للتوسع - تاريخ الفلسفة ص ٦-١٩، لإبراهيم مدكور، محاضرات في النصرانية ص ٣٣-٣٩، ١٥٤، لأبي زهرة، العقائد الوثنية في الديانة النصرانية - محمّد طاهر التنير، المسيحية ص ١٠٨، ١٣٠-١٣٣، د. أحمد شلبي، أقانيم النصارى ص ٨٨، ٨٩، أحمد السقا، النصيحة الإيمانية ص ١٣٥-١٤٠، للمهتدي نصر المتطبب وتعليقات الطالب المحقٌِّ عليها".
[ ١ / ١٩١ ]
١١- اعتراف أهل زمانه بنبوته واستجابتهم لدعوته: انقسم الناس في وقته أقسامًا، فمنهم من يرميه بالخنا وبنوة الزنى، ومنهم من اعترف بنبوته واستجاب لدعوته، ومنهم من أدركته النفاسة وخشي أن يستلب الرئاسة، وداء الحسد متى استولى على الجسد فسد، وهو داء قديم من يوم: (أخرج منها فإنك رجيم) ١. قال رجل من الصحابة٢: يا رسول الله أرفق بعبد الله بن أبيّ،
_________________
(١) ١ اقتباس من الآية الكريمة: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . [سورة الحجر، الآية: ٣٤] . ٢ هو سعد بن عبادة ﵁.
[ ١ / ١٩٢ ]
فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنملكه علينا، فإنه ليرى أنك استلبته ملكًا١، فرفق به ﵇ كما علم ولم يعرض له حتى اخترم.
قال متى: "لما دنا يسوع وأصحابه من أورشليم أرسل من جاءه بأتان وجحش فركب وفرش الناس له ثيابهم فارتجَّت المدينة لدخوله وقال الجمع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل، فدخل إلى / (١/٤٩/أ) هيكل الله وأخرج الباعة الذين فيه وأمر برفع موائد الصيارف وكراسي باعة الحمام وقال: مكتوب أن بيت الله بيت الصلاة يدعى، وأنتم صيَّرتموه مغارة للصوص وكل مفسد"٢.
قلت: هذا الفعل من المسيح قريب من قوله ﵇ حين بال الأعرابي في المسجد: "صبوا عليه ذَنُوبًا من ماء، إن المساجد لم تُبنَ لهذا، إنما بُنِيت للصلاة والذكر"٣.
وفي الفصل: أن أحسن أقوال الناس فيه كان قول من يقول: هو نبي من الأنبياء. وفيه: أن المسيح احتاج أن يركب حمارًا من التعب والإعياء وذلك يكذب الأمانة إذ تقول: "إن المسيح من جوهر الله". وقد خلق الله الخلق في ستة أيام وما مسَّه من لغوبٍ، فكيف يفتقر مَنْ هو مِن جوهره إلى المركوب؟! وإنما هو على الحقيقة من جوهر أبيه يعقوب، كما نطق به الإنجيل عن جبريل.
١٢- ومن الدلالة على نبوته إقراره من ينطق بنبوته على ذلك وترك الإنكار عليه:
_________________
(١) ١ أخرجه ابن إسحاق مختصرًا. (ر: السيرة النبوية ٢/٢٧٠) . والبخاري في كتاب التفسير باب (١٥)، (ر: فتح الباري ٨/٢٣٠)، ومسلم ٣/١٤٢٢ في ساق طويل، والبيقهي في الدلائل ٢/٥٧٦، كلهم من طريق الزهري عن عروة بن الزبير عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما فذكره بنحوه. ٢ متى ٢١/١-١٤. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب (٥٧، ٥٨)، (ر: فتح الباري ١/٣٢٢، ٣٢٣)، ومسلم ١/٢٣٦، ٢٣٧، وأحمد ٣/١١١، عن أنس بن مالك ﵁. واللفظ لمسلم.
[ ١ / ١٩٣ ]
قال لوقا في إنجيله: "صحب يسوع بعد قيامه رجلين/ (١/٤٩/ب) وهما يتحدثان في أمره وأمر اليهود فقال لهما: مَن تذكران؟ وكانت أعينهما ممسوكة عن معرفته، فقالا: يسوع الناصري كان رجلًا نبيًا قويًا بالأعمال، فلم ينكر عليهما وسار معهما فأضافاه وبات عندهما"١.
فكيف يُقرِّهما على الكفر أنه إله وربّ كما يقول النصارى؟ وهَلاَّ نبههما وعرَّفهما خطأ ما قالا. فكيف يسكت على ما لا يجوز؟! فقد كان يقاوم اليهود في المحافل ويخزيهم ويلعنهم فيالمجالس ولا يغتفر لهم الزلل ولا يغطي منهم على الخطأ والخطل٢ ويحاققهم فيما لا تعم به البلوى، فكيف يجوز أن يسامح في أمر يتعلق بالربوبية؟! وكيف يداهن الرجلين ويسمح لهما في أن يعتقدوا نبوته وهو ربهم وخالقهم وإلههم ويؤخر البيان عن وقت حاجتهم إليه، وهو في الساعة التي أزمع فيها على مفارة أهل الأرض وقد صار لهما عليه مع حقّ العبودية حقّ الرفاقة واسترسال الصحبة والمبايتة وهو يسمعهما يشهدان أن المشيح كان نبيًّا قويًّا بالأعمال؟! / (١/٥٠/أ) . والمداهنة في الدين لا تليق بمثل المسيح مع أنه لا حاجة به في تيك الساعة إليهما، فإقرارهما على ما قالا ومسايرته لهما ومبيته عندهما تناوله طعامهما رضا بقولهما فيه وحكمًا بصحة ما ذهبا إليه من نبوته، فكيف لم ترض النصارى له بما رضي هو لنفسه من أهل زمانه؟!.
١٣- دليل على نبوته من مفهوم قوله: قال متى: "جاء إلى يسوع رؤساء الكهنة فقالوا: بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن الذي أعطاك هذا السلطان؟ فقال يسوع: وأنا أسألكم عن كلمة واحدة: معمودية يوحنا من أين هي؟ أمن الله أم
_________________
(١) ١ لوقا ٢٤/١٣-٢٩، وقد أرد المؤلِّف النص بالمعنى، ولكن لم يُذكر في لوقا أو غيره أن المسيح بات عند الرجلين. ٢ الخطل: المنطق الفاسد المضطرب. (ر: مختار الصحاح ص ١٨١) .
[ ١ / ١٩٤ ]
من الناس؟ فقالوا: لا نعلم. فقال: وأنا أيضًا لا أعرفكم بأي سلطان أفعل ما أفعل، ثم قال: الحق أقول لكم إن الزناة والعشارين سيسبقونكم إلى ملكوت الله، جاءكم يوحنا بطريق العدل فلم تؤمنوا به والعشارون والزناة آمنوا"١.
هذا القول بمفهومه يدلّ على بنوته إذ جعل أفعاله وأفعال يحيى بن زكريا تخرج من مشكاة واحدة، وفي هذا الكلام ما يهدم على النصارى قطبًا من أقطاب كفرهم، وهو ما حكيناه عنهم / (١/٥٠/ب) من أنه لا يخرجهم من الخطيئة التي ورطهم فيها أبوهم آدم إلاّ قتل المسيح، وها هو يقول إن الزناة والعشارين يسبقون اليهود إلى الملكوت بالتوبة والانصباغ في معموديته ومعمودية يوحنا، ولم يحوجهم إلى غير ذلك، ولم يُرجِ خلاصهم إلى قتله وصلبه كما يهتف به النصارى، بل جعل التوبة وحسن الاتباع كافيًا في ذلك.
١٤- ومن الدليل على نبوته دعاؤه إلى الله سبحانه أسوة غيره من الرسل: قال متى: "قال له قائل: يا معلم، أيما أعظم الوصايا في الناموس؟ قال: أعظم الوصايا في الناموس أن تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك ومن كل قوتك ففي هذا جميع نواميس الأنبياء"٢.
قلت: لو كان الأمر على ما يعتقد أهل الضلال لقال للرجال: "أعظم الوصايا في الناموس أن تحب الثالوث والصليب، كلا والله، وأين هذا الهذيان من نواميس الأنبياء؟! وأعظم النواميس توراة موسى ثم داود ثم أشعيا وقد فليناها طرقًا تترى وتصفحناها بطنًا وظهرًا، فلم نر فها / (١/٥١/أ) ما يدعيه النصارى أصلًا البتة، ولقد شددت على من تنكب التوحيد أشد تشديد حتى قالت: "أيما
_________________
(١) ١ متى ٢١/٢٣-٣٣. ٢ متى ٢/٣٤-٤٠. وفيه: "قال له يسوع: تحب الرّبّ إلهك من كل قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك - هذه هي الوصية الأولى والعظمى - والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك، بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء".
[ ١ / ١٩٥ ]
نفس أشركت مع الله غيره في حبها فأهلكوا تلك النفس من شعبها"١.
١٥- دليل صحيح على نبوة المسيح، قال متى: "قال يسوع المسيح وهو يخطب البلد: يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع بنيك حولك كما تجمع الدجاجة فراريجها فلم يريدوا"٢.
وجه الدلالة من هذا الكلام أنهم كانوا يتوثبون عليه في المجالس بأورشليم يريدون قتله، إذ كان يفحمهم بالحجج فربما تناولوا الحجارة ليحصبوه فيتوارى ويخرج من بينهم ويذهب. وقد قتلوا عدة من أنبيائهم بها، فكأنه يقول: "تريدون قتلي كما فعلتم بمن تقدمني"، والخطاب للبلد والمراد أهلها، والقول بنبوته ألزم على قول النصارى إنه قتل بأورشليم؛ لأنه سماها قاتلة الأنبياء ولم يقل يا قاتلة الإله، وفي الكلام ما يمنعهم من اعتقاد ربوبيته؛ لأنه أراد جمعهم على الإيمان فلم تنفذ إرادته، ومَنْ هذا / (١/٥١/ب) سبيله فلا يصلح للربوبية؛ فقد شهد على نفسه بالعجز عن جمعهم على الدين والهدى، وأولى ذلك لربّه عزوجل إذ يقول في دعائه: "أيها الأب كلّ شيء بقدرتك اصرف عني هذا الكأس". كما تقدم.
والعجب أن المسيح أراد وأراد اليهود فنفذت إرادتهم وقصرت إرادته، إذ قال: إنه أراد أن يجمعهم، فلم يريدوا هم، وإله تقصر إرادته وتنفذ إرادة عدوّه إله ضعيف. وهذا فاعلم حال الأنبياء مع كفار قومهم، قال الله تعالى لنبيّه ﵇: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم وَلَكِنَ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ٢٨٢] . وقال:
_________________
(١) ١ ورد حكم القتل على المرتد المشرك في سفر الخروج إصحاح (٢٠، ٣٤)، وفي شفر التثنية إصحاح (١٣، ١٧) . ٢ متى ١٣/٣٧.
[ ١ / ١٩٦ ]
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . [سورة يونس، الآية: ٩٩] .
وفي هذا الكلام إثبات مزية لموسى ﵇، وذلك أن موسى ﵇ أراد جمع قومه على الإيمان فاستجابوا وأذعنوا، وأمرهم بالنفر معه فسارعوا وظعنوا، فأخرجهم من مصر وجلَّلهم النصر، وشقّ بهم البحر، ورفع عنهم السيف بعد أن بلغ النحر، وقاتل بهم الملوك فلم يغلب، وقهر العمالقة والجبابرة ولم يقتل ولم يصلب. فما نرى موسى إلاّ كان أحقّ أن يُدَّعى له ما ادُّعي في المسيح. / (١/٥٢/أ) . فلو أن النصارى جمعت بين قوله للبلد: "يا قاتلة الأنبياء" وبين دعواهم أنه قتل بها لما وسعهم إلا القول بنبوته ولكن أفهام القوم بعيدة عن هذا النمط، قريبة من السقط والغلط. ألا ترهم كيف جمعوا في الاعتقاد بين الأضداد فقالوا في تسبيحة أمانتهم: "نؤمن بالرّبّ أيسوع المسيح الذي أتقنت العوالم بيده وخلق كلّ شيء وقتل وصلب أيام هيردوس؟! ". فبينا هم ينعتونه بالرّبّ المجيد إذ وصفوه بذُلٍّ ما عليه مزيد!.
١٦- شهادة أشعيا للمسيح ﵉ بالنبوة والرسالة وتكذيب اليهود فيما قرفوه به. قال لوقا: "جاء يسوع إلى الناصرة حيث تربى ودخل كعادته في مجامعهم يوم السبت ليقرأ فدفع إليه سفر أشعيا النبي فلما فتحه إذ فيه مكتوب: "روح الرّبّ عليّ من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين، وأشفى منكسري القلوب، وأنذر المأسورين بالتخلية، والعميان بالنظر، وأبشر بالسنة المقبولة". ثم طوى السفر ودفعه إلى / (١/٥٢/ب) الخادم فجعلوا ينظرون إليه، فقال: اليوم كمل هذا المكتوب في سماعكم، فجلعوا يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟!
[ ١ / ١٩٧ ]
فقال: الحقّ أقول لكم إنه لا يقبل نبي في مدينته وعند عشيرته"١.
فهذه بنوة من أشعيا على تصديق المسيح في دعوى النبوة والرسالة، وقد ذكر أن روح الرّبّ عليه، وهو نزول روح القدس الذي هو العلم والحكمة والواصلة إليه مع الملك، كقول الله في التوراة لموسى: "يصنع لك قبة الزمان بصلئيل٢ الذي من سبط يهوذا ورفيقه الذي من سبط دان وهما اللذان ملأتهما روح الله بالعلم والحكمة"٣. وكقول الإنجيل: "إن يوحنا بن زكريا امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه"٤.
وكقول المسيح في الإنجيل: "إن سمعان٥ كان ينتظر عزاء إسرائيل وكانت روح القدس تحل عليه"٦. فهذه الروح متى حلت على آدمي تنبأ أو نطق بالحكمة وذلك مشهور عند أهل الكتاب. وقد حكينا قول الله في الكتاب العزيز في حقّ المؤمنين: ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ . [سورة المجادلة، الآية:٢٢] .
وقال أشعيا النبي في كتابه: "قال الله لي: اخرج إلى بقعة كذا وكذا، فخرجت / (١/٥٣/أ) فجاءت الروح فدخلت فيَّ فأقامتني على رجلي"٧. فهذه الروح متى جاءت نبيًا كانت وحيًا، ومتى جاءت وليًا من أولياء الله أكسته إلهامًا عن الله
_________________
(١) ١ لوقا ٤/١٦-٢٤، بألفاظ متقاربة. ٢ في الأصل: (يصل أل) والتصويب من نص التوراة. ٣ خروج ٣٥/٣٠-٣٢. ٤ لوقا /١٥. ٥ هو سمعان الشيخ: رجل تقي سكن أورشليم، وأوحي إليه أنه سيعيش حتى يرى المسيح. (ر: قاموس ص ٤٨٣) . ٦ لوقا ٢/٢٥. ٧ ورد النص في سفر حزقيال ٣/٢٢-٢٤ منسوبًا إليه، وقد وهم المؤلِّف ﵀ في نسبته القول إلى أشعيا وكتابه، ولعله من الناسخ. والله أعلم.
[ ١ / ١٩٨ ]
وجودة وفراسة وصدق توسم قال الله في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلمُتَوَسِّمِينَ﴾ . [سورة الحجر، الآية: ٧٥] .
وقال سيّدنا محمّد رسول الله ﷺ: "إن من أمتي [محدثين] "١ ٢.
وقد قال النصارى: قال المسيح لأصحابه: "لا تهتموا بها تقولون إذا حضرتم المجالس فإن روح أبيكم الحال فيكم هي تنطق عنكم بالعلم والحكمة"٣.
فأما قول المسيح في آخر الكلام عندما وخزه الناس بأبصارهم: "إنه لا يقبل نبيّ في بلدته وعند عشيرته"٤، فذلك واضح في نبوته لمن أراد الله هدايته.
واعلم أن من لاحظ هذا الفصل يعين الإنصاف لم يتخالجه الشكوك في نبوة المسيح وأن اعتقادها هو الاعتقاد الصحيح، ولهذا تجد كثيرًا من عقلاء النصارى يضمرون اعتقاد نبوته دون ربوبيته، ولكن لا يبوحون بذلك خشية الجمهور مع الأُنس بالمَرْبَى، إذ كل مولود يولد على الفطرة / (١/٥٣/ب) فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه٥.
_________________
(١) ١ في ص (محدثون) ولعل الصواب ما أثبته. ٢ أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب (٥٤)، (ر: فتح الباري ٦/٥١٢)، وأحمد ٢/٣٣٩ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: "إنه كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب". وأخرجه مسلم ٤/١٨٦٤، والترمذي ٥/٥٨١، عن عائشة رضي الله تعالى عنها بنحوه، قال ابن وهب: "تفسير: محدثون: ملهمون". ٣ مى ١٠/١٧-٢٠. ٤ متى ١٣/٥٧، لوقا ٤/٢٤. ٥ اقتباس من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء؟ ". أخرجه البخاري في كتاب الجنائز. (ر: ف:٣/٢١٩)، ومسلم ٤/٢٠٤٨، وأحمد في مسند ٢/٣١٥.
[ ١ / ١٩٩ ]
١٧- خارق من خوارق نبوته يتحقق به كذب اليهود وبهتهم فيما نسبوه إليه: قال لوقا: "رأى يسوع جنازة شاب واحد لأمه ومعها جمع من أهل المدينة ورآها تبكي وراءه، فَرَقَّ لها وتحنن عليها، وقال لها: لا تبكي. ثم تقدم ومس النعش فوقف الحاملون، فقال يسوع للميت: لك أقول يا شاب قم فاجلس. فجلس الميت وتكلم فدفعه لأمه ومجدوا الله، فقال الناس: لقد قام فينا نبيّ عظيم وتعاهد الله شعبه بصلاح. فذاع ذلك اليهودية"١.
فإن أنكر اليهود دلالة هذه المعجزة على النبوة وصلاحيتها لدعوى الرسالة، قلنا لهم: فلعل انقلاب العصا حيوانًا ذا عينين لا يدل أيضًا على النبوة، وحيث بطل القول بذلك بطل هذا. على أن آية المسيح أوضح في الدلالة وذلك أن إحياء من مات أوثق في النفوس من اضطراب خشبة وتحركها، مع احتمال السحر والشعبذة، كيف واليهود يزعمون أن سحرة / (١/٥٤/أ) فرعون عارضوا موسى وفعلوا مثل فعله على ما يشهد بذلك توراتهم٢؟ وذلك متعذر في إحياء الميت، فقد وضحت نبوته، وأكذب الله اليهود وأخزاهم بظهور صدقه.
وقد شهد له الجمع العظيم بالنبوة وبقولهم: (لقد قام فينا نبي عظيم". وذلك حجة على النصارى، إذ صَحَّ عن خيار أسلافهم أنهم شهدوا له بالنبوة، فكيف يدعي المتأخرون ألوهيته؟! وإنما طريق من غاب الأخذ عمن حضر، فإن زعم النصارى اليوم أن قول ذلك الجمع ليس بحجة في إثبات نبوته، قلنا لهم: الحجة القاطعة تقريرهم على ذلك والرضا منهم به وترك الإنكار عليهم.
أفتقول النصارى - ويلهم - إن المسيح ﵇ أقرّهم على الكفر وقول الباطل؟! وهل تسمية الله نبيًّا إلاّ كتسمية النبيّ إلهًا؟! وكيف يعتقد في المسيح
_________________
(١) ١ لوقا ٧/١٢-١٧، بألفاظ متقاربة. ٢ انظر: سفر الخروج الإصحاح السابع.
[ ١ / ٢٠٠ ]
أن يسمعهم ينطقون بالمحال ولا يرشدهم؟! وهو القائل في إنجيله: "لا تدعوا لكم معلمًا على الأرض فإن معلمكم هو المسيح"١. والأنبياء كلهم معلمون. "ولا تدعوا لكم مدبرًا في الأرض فإن مدبركم هو المسيح". / (١/٥٤/ب) وإذا كان المسيح هو معلمهم ومدبرهم، فكيف تقولون إنه أهملهم وتركهم يخبطون في عمياء ويتيهون في ظلماء ويخاطبون ربّهم بأنه نبي من الأنبياء ثم لا يرشدهم إلى اعتقاد الحقّ وقول الصدق؟!.
فإن استروح النصارى في دعواهم ربوبيته إلى إحياء الميت أريناهم من كتبهم التي بأيديهم جماعة من أنبيائهم قد أحيوا الموتى مثل: إلياس واليسع وحزقيال وغيرهم ولم يخرجهم هذا الصنع عن كونهم عبادالله تعالى.
فإن قال النصارى: إن أولئك كانوا إذا راموا شيئًا من ذلك تضرعوا إلى المسيح وسألوه وطلبوه منه المعونة ودعوه، قلبنا عليهم السؤال وقلنا. فلعل المسيح كان إذا رام شيئًا من هذه الآيات تضرع إلى أحد من ذكرنا وسأله ودعاه وطلب منه فهم متقدمون عليه وأرواحهم في حضرة الملكوت قبله، وهو متأخر عنهم فهو أحقّ أن يسألهم من أن يسألوه. فقد وضح بذلك نبوته واستوى حاله وحال من تقدمه من إخوانه الأنبياء صلوات الله عليهم أجعين.
١٨- شهادة فولس بنبوة المسيح ورسالته / (١/٥٥/أ) وأنه واسطة بين الله وبين عبادة أسوة غيره من الأنبياء. قال في الرسالة الرابعة عشرة إلى العبرانيين: "أما أنتم فاقتربتم من جبل صهيون ومن مدينة الله أورشليم التي في السماء ومن ديوان الملائكة ومن الله ديّان الجميع ومن يسوع المسيح واسطة الوصية الحديثة الذي هو أفضل من هابيل"٢.
_________________
(١) ١ متى ٢٣/٨/١٠، بألفاظ متقاربة. ٢ رسالة بولس إلى العبرانيين ١٢/٢٢-٢٤، بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ٢٠١ ]
فهذا فولس لم يدع للمسيح ما يتقوله النصارى من ربوبية المسيح وألوهيته، بل يشهد بأنه سفير وواسطة بين الله وبين عباده في الوصية١. ويخبر بأنه أفضل من هابيل، وكلّ تصريح منه بخلاف ما ذهب النصارى إليه.
١٩- بيان أنه كان يضيف ما يفعله إلى الله تعالى، قال لوقا: "أُتي المسيح بمجنون لا يسكن إلاّ المقابر لا يلبس ثوبًا فلما رأى يسوع خرّ بين يديه وقال: يا يسوع سألتك بالله ولا تعذبني. فأمره أن يخرج من الرجل فخرج، ثم أفاق الرجل وسأل يسوع الصحبة فقال له: اذهب وأخبر بالذي صنع الله بك. فذهب فجعل ينادي بذلك في المدينة"٢.
قلت: طلب الرجل صحبة المسيح فصرفه وعرفه أن الشفاء من الله وأمره بإشاعة / (١/٥٥/ب) شكر الله، فقال: أخبر بالذي صنع الله بك. ولم يقل: بالذي صنعت بك. فإن قال النصارى: لا فرق بينهما، إذ كان المسيح هو الله، والله هو المسيح.
قلنا لهم: فالمجنون إذًا أعقل وأعرف بالله منكم؛ إذ يقول: يا يسوع أسألك بالله، فقد عرف الله تعال على [حدً] ٣ وعرف المسيح على [حدٍ] ٤ وأدرك التفرقة بين الإله المقسم به وبين الإنسان المقسم عليه. وأنتم تقولون إن الإله هو الإنسان والإنسان هو الإله، فأيكم أولى بالجنون؟!.
_________________
(١) ١ في ش: الوصية الحديثة هي: الإنجيل؛ لأن الوصية القديمة هي: "للتوراة فاعلمه". اهـ. قلت: التعبير المعاصر هو: العهد القديم، والعهد الجديد. ٢ لوقا ٨/٢٧-٣٩، في سياق طويل. وقد ذكره المؤلِّف بالمعنى. ٣ في ص: (حدن) . ٤ في ص: (حدن) .
[ ١ / ٢٠٢ ]
إن طرق اليهود إلى هذا شيئًا من الطعن انعكس عليهم في [حية] ١ النحاس وغيرها؛ إذ طريق ثبوت الكلّ واحد، فالاعتراض على نوع منها يعود على سائرها، ولا سبيل إلى ردّ شيء منها.
٢٠- دليل على رسالته من لفظه، قالو لوقا: "اختار يسوع سبعين [رجلًا] ٢ وبعثهم إلى كلّ موضع أزمع أن يأتيه، وقال: الحصاد كثير والحصادون قليل، اطلبوا إلى صاحب الزرع أن يرسل فَعَلَة لحصاده ثم قال: من سمع منكم فقد سمع مني، ومن شتمكم فقد شتمني، ومن شتمني فإنما يشتم / (١/٥٦/أ) مَنْ أَرْسلني"٣.
فإن قال النصارى: ذلك دليل على الربوبية لأن إرسال الرسل إلى الخلق دليل على ما قلناه.
قلنا لهم: أما بعث السبعين فليس فيه مستروح لكم، فقد اختار موسى سبعين رجلًا من قومه وندبهم لإبلاغ بني إسرائيل فنبأهم الله ببركة اختياره فصاروا أنبياء٤.
فأما السبعون الذي اختارهم المسيح فمن سلم لكم أنهم كانوا أنبياء مؤيّدين بالمعجزات؟ ولعل المسيح ﵇ إنما اقتدى بسنة موسى في الإرسال والعدد، فالمسيح ﵇ نبي ورسول ولا يمتنع أن يكون [للرسول] ٥ رسول، فقد أرسل رسول الله ﷺ جماعة من أصحابه إلى ملوك الأرض.
فإن قال النصارى: قوله: "من شتمني فإنما يشتم من أرسلني". دليل على
_________________
(١) ١ في ص (الحية) والصواب ما أثبته. ٢ في ص (رجل) والصواب ما أثبته. ٣ لوقا ١٠/، ٢، ١٦. ٤ يعتقد النصارى أن الحواريين والسبعين رسولًا الذين اختارهم المسيح لتبليغ دعوته كانوا أنبياء ورسلًا. وكذلك بولس الملقب بالرسول. أما نحن المسلمين فنعتقد أنه ليس بين النبيّ ﷺ وبين المسيح ﵇ نبيّ أو رسول. كما ورد ذلك الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم ٤/١٨٣٧ عن ابن هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم؛ الأنبياء أولاد علات وليس بيني وبينه نبيّ". ٥ إضافة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الاتّحاد١ الذي نقول به.
قلنا: وقوله:"من شتمكم فقد شتمني"،دليل على اتّحادهم بالمسيح. أفتقولون إن السبعين اتّحدوا بجسد المسيح؟ فإن تراعنواوادعوا ذلك.
قلنا لهم: فيلزم على ذلك أن يكونوا قد اتّحدوا / (١/٥٦/ب) بذات الله إذ اكانوا قد اتّحدوا بمن اتّحد به المسيح. فإن التزموا ذلك.
قلنا: فالسبعون هم الله تعالى، والله هو السبعون، والرسول هو المرسِل والمُرسِل هو الرسول، وهذا هو الجنون. ثم نقول للنصارى: أليس قد اعترف المسيح بأن غيره أرسله؟! فكيف تقولون إنه هو نفسه؟ فإن قالوا: هذا اعتقاد طائفة٢ منّا ونحن لا نلتزمها فيلزمنا الذّبّ عنها ولكن الاعتقاد المرضي عندنا أن المسيح ابن الله٣ ولا نقول هو الله نسفه ولا يعبد أن يرسل اله ابنه إلى عباده. فحينئذ يحسن أن نعيد عليهم بعض ما مضى لنا ونقول: "ألم تقولوا في الأمانة: "نؤمن بالمسيح الإله الحقّ الذي أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيء الذي نزل من السماء وتجسد وولدته مريم وقتل وصلب؟! ". ألم تقرؤوا في صلواتكم: "يا ربنا المسيح الذي ذاق الموت من أجلنا ونزل من السماء لخلاصنا لا تضيع من خلقت بيديك؟! ".
ألم ينقلوا عن إفريم من أسلافكم وكبار مشائخكم قوله: إن / (١/٥٧/أ) اليدين التي جبلت طينة آدم هي التي سمرت على الخشبة، وإن الشَّبر التي مسحت السماوات هي التي عُلقت على الصليب، وإن من لم يقل إن مريم ولدت الله فهو محروم من ولاية الله؟! وإذا كانت صلواتكم وأمانتكم وأقوال مشاخئكم
_________________
(١) ١ يقصدون به اتّحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح ﵇. ٢ هي طائفة اليعقوبية وسيأتي الحديث عنها، وقد أشار القرآن الكريم إلى اعتقاد هذه الطائفة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ . [سورة المائدة، الآية:١٧] . ٣ هذا اعتقاد طائفة النسطورية، وقد أشار القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣٠] .
[ ١ / ٢٠٤ ]
مصرحة بذلك فقد كذبتم في هربكم مما ألزمناكم وصدق المسيح في قوله: "إن الله نبأه وأرسله".
وأما قولهم: "فلا يبعد أن يرسل الله ابنه، وتسمية الله أبًّا والمسيح ابنًا، فنحن نسألهم ما تعنون بهذه النبوة؟ أمجرد تسمية وتشريف أم لما خصّه به من الآيات والخوارق أم تريدون البنوّة المعروفة المألوفة؟
فإن قالوا: إنّ ذلك مجرد تسمية وتشريف، قلنا: فلا اختصاص للمسيح بهذا التشريف والتسمية. ولا مزية له على غيره؛ فقد سمّى الله يعقوب ابنًا وسمّى داود ابنًا وسمّى الصالحين وأولاد الأنبياء أبناء بزعمكم.
فرويتم أنتم لنا عن الله في التوراة قوله: "إسرائيل ابني بكري"١. يقول ذلك لفرعون في عدّة مواضع.
وقال في السفر الأوّل: "لما رأى بنو الله بنات الناس حسانًا / (١/٥٧/ب) جدًّا نكحوا منهم على ما أحبوا وأرادوا فغرقهم الله بالطوفان"٢.
وقال في المزامير: "داود حبيبي"٣. وقال المسيح: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم"٤. فقد استوى المسيح وغيره في هذا التشريف وترجح إسرائيل بالبكارة عليه. وإن أردتم البنوة المعروفة المألوفة بين الناس وهي المتّخذة من الزوجية والمملوكة، على معنى أن المسيح انفصل من من الله، فكيف يصحّ هذا؟ وإنما ينفصل الجسم من جسم مثله والباري منَزَّه عن الجمسية؟! ثم ذلك باطل بنصّ الإنجيل؛ إذ قال لوقًا: "إن المسيح من روح القدس"٥. فكيف تقولون
_________________
(١) ١ سفر الخروج ٤/٢٢. ٢ تكوين ٦/١، ٢. ٣ مزمور ٢/٧. ٤ يوحنا ٢٠/١٧. ٥ لوقا ١/٣٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
إنّه منفصل من ذات الله؟! فقد بطل مقصودكم من البنوة على كلا القسمين.
وإن قالوا: إنما استحق المسيح البنوة لما اتّحدت به الكلمة فصار بها ابنًا على١ الحقيقة، وغيره ممن ذكرتم لم يتّحد به فبقي ابنًا على سبيل التشريف.
قلنا: أخبرونا عن هذه الكلمة، ما هي؟ وما الذي تعنون بها؟ فإنهم يقولون: الكلمة هي العلم أو النطق ولا يعدلون عن ذلك، فيقال لهم: أليس من حكم الصفة أن لا تفارق الذات / (١/٥٨/أ) الموصوفة بها فإذا كان العلم أو النطق هو صفة لذات الباري تعالى فلا تفارقه إلاّ ويخلفها ضدّها وهي الجهل أو الخرس.
فإن كان علم الباري قد انفصل أو نطقه وقام بغيره فقد صار القديم ماوقًا٢ ناقصًا وذلك مستحيل على الله سبحانه. وإن كان علم الله لم يزايله وكلامه لم يفارقه، فلا حقيقة لهذا الاتّحاد الذي تدَّعونه. قد أطلبت النفس قليلًافلنرجع إلى إيثار الاختصار؛ فإن هذه الفرقة أنزر شأنًا من أن يحتفل لها.
٢١- إيثاره الله على ما سواه وذلك دأب النبيين من إخوانه ﵇ قال لوقا: "جلس يسوع يومًا يتكلم على تلاميذه فرفعت امرأة من المجلس صوتها وقالت: طوبى للبطن التي حملتك [وللثديين] ٣ التي أرضعتك. فقال لها المسيح: مهلًا طوبى لمن يسمع كلام الله فيحفظه"٤.
_________________
(١) ١ يشير النصارى - في قولهم ذلك - إلى ما ورد في إنجيل يوحنا ١/١-٢، ١٤، ونصّه: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان من عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان البدء عند الله والكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا، ورأينا مجده مجدًا كما لو حيد من الآب مملوءًا نعمة وحقًا". ٢ المُوقُ: حمق في غباوة، يقال: أحمق مسائق، والجمع: (مَوقَى) مثل: حمقى ونَوْكى. (ر: الصحاح للجهوري ٤/١٥٥٧) . ٣ في ص (وللأيدي) والتصويب من النّصّ. ٤ لوقا ١١/٢٧، ٢٨.
[ ١ / ٢٠٦ ]
قلت: هذه امرأة اشتغلت بمدح المخلوق فأرشدها لمدح الخالق جل وعلا. انظر إلى هذا الكلام الصادر من هذه المرأة، هل خرج من قلب معتقد ربوبية المسيح وألوهيته؟ وإلاّ فما أحسن ربًا في بطن وإلهًا على أيدي المراضع! أعوذ / (١/٥٨/ب) بالله من الضلال والتعبد للأطفال.
٢٢- شهادة يوحنا الإنجيلي على المسيح بالنبوة، قال يوحنا: "كان الناس إذا رأوا يسوع وسمعوا كلامه يقولون: هذا النّبيّ حقًّا"١. وقال يوحنا أيضًا: "تفل يسوع على طين ووضعه على عيني أكمه وقال: اذهب فاغتسل في عين شلوخًا. ففعل فانفتحت عيناه. وذلك في يوم السبت فوقع بين اليهود فيه خلف، فمنهم من يقول: ليس هذا الرجل من الله إذ لا يحترم السبت. ومنهم من يقول: إن الله لا يستجيب للخاطئين، ومنهم من يقول: هو نبيّ"٢. "ومنهن من يقول: إنه لا يجيء نبيّ من الجليل"٣.
قلت: هذا هو يحونا الإنجيلي الذي يُسمّى حبيب المسيح يشهد بنبوته، وهو أحسن أقوال زمانه فيه، وذلك يكذب اليهود والنصارى.
أما اليهود ففي جحد نبوته، وأما النصارى ففي ادّعاء ربوبيته.
٢٣- موعظة مشابهة لمواعظ الأنبياء ﵈ قال المسيح لمن حضره: "لِمَ لَمْ تحكموا بالحقّ من نفوسكم؟! فإذا ذهب أحدكم مع خصمه إلى الرئيس فليدفع ما / (١/٥٩/أ) يجب عليه في الطريق فيخلص كيلا يذهب به إلى الحاكم فيدفعه الحاكم إلى المستخرج فيلقيه المستخرج في السجن، الحقّ أقول لكم إنه لا يخرج منه حتى يؤدي آخر فلس عليه"٤.
_________________
(١) ١ يوحنا ٤/١٩، ٦/١٤، ٧/٤٠، ٩/١٧. ٢ يوحنا ٩/١٣-١٧. ٣ يوحنا ٧/٥٢. ٤ لوقا ١٣/٥٧-٥٩، وبنحوه متى ٥/٢٥، ٢٦.
[ ١ / ٢٠٧ ]
قلت: الموعظة بليغة ومعناها رائق وقاعدتها مبنية على رأس من الحقائق، غير أن قول خاتم النّبيّين "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"١. أبلغ من ذلك وأخصر وأضبط لشوارد فرائد الفوائد وأحصر.
٢٤- قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: قد شهد يوحنا الإنجيلي أن المسيح ليس إلهًا، ولكنه نبيّ بار ذو شفاعة مقبولة عند الله، فقال في الفصل الأوّل من رسالته الأولى: "أيها الأبناء لا تخطؤوا، فإن أخطأ أحدكم فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار"٢.
فهذا - رحمكم الله - يوحنا الحواري مفارق لمقالة النصارى في المسيح موافق لاعتقاد الملة الحنيفية في بنوته ﵇.
٢٥- دليل صحيح على نبوة المسيح، قال لوقا: "قال الفريسون ليسوع: أخرج من هاهنا فإن هيرودس يريد قتلك، فقال امضوا وقولوا لهذا الثعلب أني
_________________
(١) ١ أخرجه الحافظ ابن أبي الدنيا في كتابه: (محاسبة النفس) بتحقيق المستعصم بالله مصطفى بن عليّ ص ٢٢، وعنه ابن كثير في تفسيره ٤/٤٤٢، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ". قلت: وهذه الرواية موقوفة على عمر بن الخطاب ﵁ وكل رواتها ثقات. والخبر قد رواه الترمذي ٤/٥٥٠ مختصرًا بلفظ: يروى عن عمر. ٢ ورد النص في رسالة يوحنا الأولى ٢/١، كالآتي: "يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطؤوا وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كلّ العالم أيضًا". قلت: إن استدلال المؤلِّف بهذا النص على نبوة المسيح وعدم ألوهيته صحيح؛ لأن الشفاعة تقتضي خضوع طرف لآخر وتذلله، والمسيح هنا مصرح بأنه يطلب الشفاعة من الله، فهو إذن عبد من عبيد الله أكرمه بالرسالة والنبوة. وأما بقية النص فإنه لا يسلم للنصارى بأن المسيح جاء كفارة لخطايا العالم. فهذه دعوى للنصارى لا دليل صحيح لهم عليها. لاسيما وأن ذلك يتعارض - بجانب العقل - مع ما جاء في كتابهم المقدس مصرحًا بـ: "النفس التي تطخئ هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، برّ البار عليه يكون، وشرّ الشرير عليه يكون". سفر حزقيال ١٨/٢٠.
[ ١ / ٢٠٨ ]
/ (١/٥٩/ب) أقيم هاهنا اليوم وغدا وفي اليوم الثالث أكمل لأنه لا يهلك نبي خارجا عن أورشليم"١.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "لو اجتمع علماء النصرانية ورامو صرف هذا الكلام عن صلاحيته لنبوة المسيح إلى إثبات ما يدعونه من الربوبية لأعوزهم٢ ذلك. فمن أبدى من النصرانية في بنوته نزاعًا. ورام لهم دفاعًا فهذا الفصل وأمثاله حجّة عليه. فإن قال النصارى: هب أن هذا الفصل يدل على نبوته، أليس قد شهد عليكم معشر المسلمين بأنه في اليوم الثالث يقتل ويصلب؟
قلنا: لم يقل ذلك وحاشاه منه، إنما قال: إنه في اليوم الثالث يكمل، يريد أنه تتم مدة إقامته في هذا العالم الناقص ثم يرتفع، وكيف أراد ما ذكرتم من القتل والصفع والصلب وذلك غاية النقص؟! لأنكم زعمتم أنه ضرب وسحب ثم قتل وصلب وسلب وذلك لا يعد كمالا، بل الكمال الذي أراده هو الذي يقول به المسلمون من أن الله حماه من أعدائه حين طلبوه ورد طلبتهم منه بالحرمان، فما / (١/٦٠/أ) قتلوه وما صلبوه، ونحن إن شاء الله إذا انتهينا إلى ذكر القتل والصلب أبدينا فيه العجب العجاب وأقررنا عيون أولي الألباب.
٢٦- وصية مناسبة لكلام الرسل: "قال المسيح ﵇: "إذا دعاك أخوك فلا تجلس في صدر المجلس؛ فلعله قد دعا هناك من هو أكرم عليه منك، فليأتي المدعو فيقال لك: دع المكان لهذا، فتقوم فتجلس في آخر باب الناس فتخزى أمام الحاضرين، ولكن إذا دعيت فاجلس في آخر موضع حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك: يا حبيب ارتفع عن مجلسك هذا فيكون لك مجد أمام
_________________
(١) ١ لوقا ١٣/٣١-٣٣. ٢ في ش: أعوزه الشيء: إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الحاضرين، فمن اتضع ارتفع ومن ارتفع اتضع. وإذا صنعت وليمة فلا تدع أحباءك وأغنياء جيرانك لكي [يكافئوك] ١ ولكن ادع المساكين والضعفاء والزمنى والمقعدين؛ فطوبى لك إذ ليس لهم ما يكافئونك به ومجازاتك تكون في قيامة الصّدِّيقين - ثم عَرَّض بالعلماء - فقال: جيدٌ هو الملح فإذا فسد فبماذا يملح؟ "٢. من كانت له أذنان سامعتان فليسمع هذه الوصية وما / (١/٦٠/ب) شاكلها لم تمتد إليها يد التغيير سوى ما عبق بها من قصر التعبير. وهي بطولها مندمجة في قوله ﵇: "شرّ الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء" ٣. وقال ﵇: "من تواضع لله رفعه الله"٤. وفي قوله: "إنكم أئمة يقتدى بكم"٥. يقول ذل لأصحابه - ﵃ -.
اشتمال الجنة على الأكل والشرب والنكاح:
وذلك على خلاف معتقد أهل الكتاب، قال المسيح ﵇: "كان رجل من الأغنياء يلبس [البز] ٦ والأرجوان٧ ويتنعم كلّ يوم ويلتذ. وكان ببابه رجل مسكين يسمّى اليعازر مضروب بالقروح، وكانت الكلاب تأتي فتلعق قروحه ويود لو ملأ بطنه من الفتات الذي يسقط من مائدة ذلك
_________________
(١) ١ في ص (يكافئونك) والصواب ما أثبته. ٢ لوقا ١٤/٧-١٤، ٣٤، ٣٥. ٣ أخرجه مسلم ٢/١٠٥٥، عن أبي هرير ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وأخرجه البخاري في كتاب النكاح باب (٧٢) . (ر: فتح الباري ٩/٢٤٤)، وأبو داود /١٢٥، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/٣٢٣)، موقوفًا على أبي هريرة ﵁. ٤ أخرجه مسلم ٤/٢٠٠١، الترمذي ٤/٣٣٠، وأحمد ٢/٣٨٦، كلمهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. ٥ تقدم تخريجه. ر: ص: ١٠٤. ٦ في ص (البرفية) والتصويب من نصّ الإنجيل. ٧ لون صباغة يشمل البنفسجي والقرمزي أو الأحمر. وكانت ثياب الأرجوان غالية الثمن يلبسها الأغنياء وذوو المكانة الرفيعة. (ر: قاموس ص ٤٥) .
[ ١ / ٢١٠ ]
الغنى، فلما مات ذلك المسكين أخذته الملائكة إلى حضن إبراهيم. ومات ذلك الغني فقر في الجحيم ففتح عينيه وهو في العذاب فنظر إلى اليعازر في حضن إبراهيم يتنعم ويلتذ فنادى: يا أبتاه إبراهيم ارحمني وأرسل اليعارز ليبل طرف إصبعه بماء يبرد لساني من هذا / (١/٦١أ) اللهيب، فقال إبراهيم: يا بني اذكر أنك أفنيت خيراتك في حياتك واليعازر إذ ذاك في بلائه، والآن فهو ها هنا يستريح وأنت تعذب، ومع ذلك فبيننا وبينكم هوة بعيدة لا يقدر أحد منا على العبور إلى الآخر"١.
قلت: قال الله فيمن حاله بحال ذلك الغني: ﴿أَذْهَبْتَم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا واسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُوْنِ بِمَا كُنْتُم تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنْتُم تَفْسُقُونَ﴾ . [سورة الأحقاف، الآية: ٢٠] .
واعلم أن اليهود والنصارى٢ ينكرون أن يكون في الجنة طعام أو نكاح أو شراب، وهو الكلام من المسيح حجّة عليهم، وقد قال المسيح: "إن اليعازر هذا في كفالة إبراهيم يتنعم ويلتذ في الآخرة". كما قال: "إن ذلك الغني كان كلّ يوم يتنعم في دنياه ويلتذ". والذي يبتدر إلى الأفهام منه التنعم بالطيبات المألوفة المعروفة؛ إذ الإنسان إنما يشتاق لما عرف جنسه ونوعه وقد جاء ذلك في
_________________
(١) ١ لوقا ١٦/١٩-٢٦، بألفاظ متقاربة. ٢ قال الإمام ابن تيمية: "واليهود والنصارى والصابئون من المتفلسفة وغيرهم فإنهم ينكرون أن يكون في الجنة أكل وشرب ولباس ونكاح ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن. والرّدّ عليهم هو أن ما ورد في القرآن الكريم من وصف ملذات الجنة أن حقيقتها ليست مماثلة لما في الدنيا، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه في الأسماء، فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كلّ وجه، وتلك الحقائق على ما هي عليه". (ر: رسالة الإكليل من مجموعة الرسائل الكبرى - لابن تيمية ٢/١١) .
[ ١ / ٢١١ ]
الإنجيل [كثيرًا] ١ ولكن النصارى٢ محجوبون بالتقليد عن النظر في أقوال الأنبياء، قال قولقا: "قال يسوع: إذا صنعت وليمة فادع المساكين والضعفاء لتكون / (١/٦١/ب) مجازاتك في قيامة الصديقين. فقال من حضر: طوبى لمن يأكل خبزًا في ملكوت الله"٣.
وقال حملة الإنجيل: "قال يسوع لتلاميذه: إني ذاهب أعد لكم مائدتي في الملكوت [لتأكلوا وتشربوا وتجلسوا] ٤ على كراسي المجد"٥. وقال الإنجيل: "إن المسيح شرب مع تلاميذه عصيرًا ثم قال: إني لست شاربًا من هذه الكرمة حتى أشربها معكم حديثًا في ملكوت السماوات"٦. وقال المسيح في الإنجيل: "إنكم ستأكلون وتشربون على مائدة أبي"٧. وقال المسيح في الإنجيل: "بحقّ أقول لكم إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب [فيجلسون] ٨. مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماء وتخرج بنو الملكوت إلى الظلمة البرانية، هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان"٩. وقال المسيح في الإنجيل: "طوبى
_________________
(١) ١ في ص (كثير) والصواب ما أثبته. ٢ يقول القسيس حنا مقار العيسوي في رسالته إلى أبي عبيدة الخزرجي: "إننا إذا حشرنا يوم القيامة حشرنا بأجسادنا ونفوسنا ولكن لا نأكل هناك ولا نشرب". اهـ. (ر: مقامع هامات الصلبان ص ١٠٦، للخزرجي، تحقيق د. محمّد شامة) . ونقل ذلك عنهم ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص ٥٣، وانظر أيضًا خلاصة الأصول الإيمانية في معتقدات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - لحبيب جرجس ص ١٥٦-١٥٧، ويلاحظ أن ذلك الاعتقاد في أمور الآخرة بشبه اعتقاد الفلاسفة والملاحدة في ذلك مما يدل على تأثر اليهود والنصارى بالأفكار الوثنية الفلسفية. ٣ لوقا ١٤/١٢-١٥. ٤ في ص (لتأكلون وتشربون وتجلسون) والصواب ما أثبته. ٥ لوقا ٢٢/٢٩، ٣٠. ٦ متى ٢٦/٢٩، مرقس ١٤/٢٥، لوقا ٢٢/١٨. ٧ لوقا ٢٢/٣٠. ٨ في ص (فيتلون) والتصويب من نصّ الإنجيل. ٩ متى ٨/١٠-١٢.
[ ١ / ٢١٢ ]
للجياع العطاش فإنهم يشبعون، طوبى للرحماء فإنهم يرحمون"١.
فهذا المسيح يشهد أن في الجنة أكلًا وشربًا وشبعًا وأن المساكين يتملكون ذلك وفي الإنجيل يقول المسيح: "بيعوا أمتعتكم وتصدقوا، اجعلوا لكم أكياسًا لا تبلى وكنوزًا في السماء لا تفنى حيث لا يصل إليها سارق ولا يفسدها / (١/٦٢/أ) سوس فحيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم معلقة"٢.
وقال المسيح ﵇ لأصحابه: "أنتم تقولون إن الحصاد يأتي بعد أربعة أشهر، وأنا أقول لكم ارفعوا أعينكم فانظروا إلى الكور قد ابيضت وبلغت الحصاد، والذي يحصد يأخذ الأجرة ويجمع ثمار الحياة الدائمة"٣.
وقال المسيح ﵇ لتلاميذه: "اعملوا لا للطعام الفاني، بل للطعام الباقي في الحياة المؤبّدة لأن ذلك قد ختمه الله"٤.
فقد ثبت عن المسيح اشتمال الجنة على الأكل من الطيبات والتنعم بالذات والتفكه في الشهوات.
فإن قيل: وأين ذكر الجماع في الجنة؟!.
قلنا: قال المسيح ﵇ في الإنجيل: "من ترك زوجة أو بنين أو حقلًا من أجلي فإنه يعطى في الجنة مائة ضعف ويرث الحياة الدائمة"٥.
فقد صرح المسيح بأن الرجل المؤمن يعطى في الجنة مائتي زوجة كما يعطى مائتي حقل. والحقل الكرم والبستان. وذلك مكذب للنصارى واليهود فيما صاروا إليه.
_________________
(١) ١ متى ٥/٦-٧. ٢ متى ٦/١٩-٢١، لوقا ١٢/٣٣، ٣٤. ٣ يوحنا ٤/٣٥، ٣٦. ٤ يوحنا ٦/٢٧. ٥ متى ١٩/٢٥، مرقس ١٠/٢٩، ٣٠.
[ ١ / ٢١٣ ]
فإن قيل: هذا فيه الحجة الواضحة على النصارى، فما الحجة فيه على اليهود١ مع إنكارهم / (١/٦٢/ب) شرع الإنجيل؟
قلنا: قال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة وهو الذي يدعى سفر الخليفة: "إن الله غرس فردوسًا في جنة عدن وأسكنه آدم وغرس له من كل شجرة طيبة المأكل شهية الطعم وتقدم إليه: إني قد جعلت كل شجر الجنة لك مأكلًا سوى شجرة معرفة الخير والشرّ، ثم قال الله سبحانه: لا يحسن أن يبقى آدم وحده. فألقى عليه سباتًا ونزع ضلعًا من أضلاعه ثم أخلف له عوضه لحمًا ثم خلق الله من ذلك الضلع حواء فزوجها آدم فلما أكلا من الشجرة التي [نُهيا] ٢ عنها انفتحت أعينهما وعرفا أنهما عريان فكلمهما الله وتوعدهما على المخالفة، ثم صنع سبحانه لآدم وزوجته سرابيلات من الجلود فألبسهما ثم أرسلهما من جنة عدن وأهبطهما إلى الأرض ليحرث فيها"٣.
وقال في السفر الأوّل أيضًا: "كانت سدوم قبل أن يخسف الله بها تشبه فردوس الله وأرض مصر"٤. وقال في السفر الأوّل أيضًا: "أما هابيل الشهيد فإنه يجزى بدل الواحد سبعة"٥.
_________________
(١) ١ يقول ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص ٢٧: "واعتقدت اليهود أن ثواب الطاعة هو الخلود في نعيم الجنة والعالم الآتي، وعقاب المعصية هو العذاب في جهنم من غير خلود لمعتقد هذه الشريعة وإن كان عاصيًا. ومنهم من اعتقد أن بعث الأموات يحصل مرتين، مرة في زمن المسيح المنتظر عندهم وذلك البعث مختص بالصالحين من الأمة وتارة يبعث الموتى في القيامة العامة لكافة الناس، الصالحين منهم والطالحين للجزاء بالثواب الأبدي على الطاعة وبالعقاب على المعصية. واعتقدوا أيضًا بقاء الأنفس بعد فساد الأجساد، وأنها لا تعدم أبدًا. ونبغ منهم من زعم أن العالم الآتي هو ما بعد الموت فقط، وأن الثواب الأبدي والعقاب إنما هو للأنفس المجردة بعد خراب أجسادها، وليسا بجسمانيين بل هما روحانيان فحسب، والنصوص الكثيرة المنقولة عن علمائهم وحملة شرعهم ناطقة بالمجازاة بالثواب والعقاب بغير عود الأنفس إلى الأبدان، وهي غير محتملة التأويل عند كل عاقل يتأملها جميعًا". اهـ. بتلخيص. ٢ في ص (نهي) والصواب ما أثبته. ٣ سفر التكوين الإصحاح الثاني والثالث. ٤ سفر التكوين ١٣/١٠. ٥ سفر التكوين ٤/١٥.
[ ١ / ٢١٤ ]
وهذا دليل أن الجزاء جنس المنفق في الدنيا تقربًا / (١/٦٣/أ) إلى الله، فإن هابيل كان قد قرب من أبكار غنمه فتقبله الله منه ووعده الجزاء على الواحد سبعة.
فهذه التوراة والإنجيل مصرحة بموافقة الكتاب العزيز، وبذلك تتم اللذة وتجتمع المسرة وتحصل الدعة، فمن أعظم جرمًا وأشد إثمًا وأثقل وزرًا وأضعف أزرًا ممن يقرأ هذه النصوص من التوراة والإنجيل ثم يكفر بها ويردها؟!.
ولو أن اليهود والنصارى إذ حرموا لذة الاستنباط والاستخراج قلدوا أنبياء الله في ذلك لأخذوا بحظهم من الخير، فقد قال النبي أشعيا في نبوته: "يا معشر العطاش الجياع توجهوا إلى الماء والورود ومَن ليس له فضة فليذهب يمتار ويستقي ويأكل ويتزود من الخمر واللبن بلا فضة ولا ثمن"١.
قلت: وذلك موافق لقول الله تعالى في الكتاب العزيز في وصف الجنة: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خِمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّن عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُم فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [سورة محمّد، الآية:١٥] .
وقال دانيال ﵇: "سيبعث من الأجداث قوم كثير بعضهم إلى الحياة الدائمة وبعضهم إلى البوار"٢.
وقال / (١/٦٣/ب) داود: "الله باعثهم وناشرهم من بين أنياب السباع ومن لجج البحار"٣. وقال أيضًا في المزمور الخامس والثلاثين: "يا ربّ البشر بظلال بيتك يستترون ومن نعيم بيتك يشبعون ومن وادي نعمك بترعون؛ لأن ينبوع
_________________
(١) ١ سفر أشعيا ٥٥/١. ٢ سفر دانيال ١٢/٢. ٣ ورد معنى النص في مزمور ٩٦/١٠-١٣.
[ ١ / ٢١٥ ]
الحياة عندك"١. وقال في [المزمور] ٢ الثمنين: "لو سمع مني شعبي وسلك سبلي لأذللت أعلاه ومحوت سيئاته وأطعمته من طيباتي"٣.
وقال في المزمور الرابع والعشرين والمائة: "المتوكلون على الله مثل جبل صهيون الذي بأورشليم لا يزول إلى الأبد. والذين يزرعون بالدموع يحصدون بالفرح كانوا ينطلقون باكين ويقبلون بالتهليل وقد حملوا غلاتهم"٤.
فهذه نبوات أنبياء بني إسرائيل والتوراة والإنجيل قد تظاهرت وتضافرت٥ بما نطق به الكتاب العزيز من اشتمال دار الثواب على الطعام والنكاح والشراب.
فإن قال اليهود: ما حكيته عن التوراة من الجنة محمول على بستان من بساتين الدنيا ولا ينكر تسمية الجنة بستانًا، والبستان جنة.
قلنا: يا إخوان القرود ومشاركي ثمود إنما قالت التوراة: إن الله / (١/٦٤/أ) أسكن آدم فردوسًا في جنة عدن وجعل فيه من كل شجرة طيبة المأكل وقال لآدم: جعلت لك كل شجر الجنة مأكلًا. والله تعالى يقول: إنه فردوس في الجنة وأنتم تقولون: بل بستان وحديقة في الدنيا، ألم تسمعوا إلى قوله في بقية الكلام: إن الله كلمهما وتهددهما ثم صنع لهما سرابيلات من الجلود وأرسلهام من جنة عدن إلى الأرض التي أخذ منها آدم وأهبطهما للحرث؟!.
_________________
(١) ١ مزمور ٣٦/٧-٩. ٢ في ص (مزمور) والتصويب من المحقِّق. ٣ مزمور ٨١/١٣-١٦، وهو منسوب إلى إمام المغنين. (آساف) . ٤ مزمور ١٢٥/١-٢، ١٣٦/٥، ٦. ٥ في ص: تطافرت.
[ ١ / ٢١٦ ]
وإن تعلق النصارى بقول أسلافهم: إن أهل الجنة لا يتزوجون١. قلنا لهم: يا عباد الرجال وربات الحجال، لو قدرنا صحة ما نقلتموه عن أسلافكم من ورود هذا اللفظ بعينه لم يلزم نفي ما صرنا إليه من التنعم بالنسوان في الجنان، إذ يحتمل أن يراد به أنهم لا يتزوجون الزواج المعروف المألوف من قاعدة النكاح والزواج الدنيوي وهو تقدم الخطبة وبذل الصداق والعقد والشروط وغير ذلك مما فيه حرج وكلف على الناكح، بل يمنحون ذلك ويتملكونه ويرثونه وراثة وتملكًا والدليل عليه من الإنجيل قول المسيح:"من ترك زوجة من أجلي في الدنيا فإنه/ (١/٦٤/ب) يعطى مائة ضعف ويرث الحياة الدائمة"٢. وفي ذلك موافقة الكتاب العزيز حيث يقول: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُون﴾ . [سورة الزخف، الآية: ٧٢] . ولفظة الميراث كثيرة مستعملة في الإنجيل والتّنْزِيل، ولهذا شمر كثير من أتباع المسيح في طلب هذا التضعيف فترهبنوا وانقطعوا عن النساء والشواغل، فإذًا قولكم: إن أهل الجنة لا يتزوجون منافاة بينه وبين قوله في الإنجيل: "من ترك زوجة فإنه يعط للواحد مائة ضعف". والأصل المعتبر عند أرباب النظر الجمع بين الأدلة، لا تعطيل بعضها واستعمال بعض؛ فقد ثبت - بعون الله ومنه - ما
_________________
(١) ١ يستدل النصارى على ذلك بما ورد في إنجيل متى ٢٢/٢٢-٣٠، ومرقس ١٢/١٨-٢٥، ولوقا ٢٠/٢٧-٣٥: "حين جاء إلى المسيح صدوقيون - وهم فرقة من اليهود - يسألونه عن امرأة تزوجت بسبعة أزواج واحدًا تلو الآخر فلمن من السبعة تكون زوجة في يوم القيامة؟ فقال المسيح: "تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله؛ لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء". وهذا النصّ لا نسلم بصحته ونجزم بتحريفه وكذبه ناقله؛ فإن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قد بشروا المؤمنين بالجنة وما فيها من الملذات والنعيم. ٢ ورد النص في إنجيل متى ١٩/٢٩، كالآتي: "قال لهم يسوع: وكل مَن ترك بيوتًا أو إخوةً أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو امرأة أو أولادًا أو حقولًا من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية". وبنحوه ورد في إنجيل مرقس ١٠/٣٠.
[ ١ / ٢١٧ ]
ضمناه من اشتمال الجنة على الملاذ الروحانية والجسمانية جميعًا١.
لزوم الاستقامة خوف هجوم القيامة:/ (١/٦٥/أ) "قال المسيح يشبه ملكوت الله-عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العروس، خمس منهم جاهلات وخمس حكيمات، فأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يعددن زيتًا، وأما الحكيمات فأعددت الزيت مع مصابيحهن، فلما أبطأ العروس نعسن ونمن أجمع وانتصف الليل وصرخ الصوت: قد جاء العروس فاخرجن للقائه. فقال الحكيمات وزيّتن مصابيحهن فقال الجاهلات للحكيمات: أعطونا من زيتكن فإن مصابيحنا قد طفئت. فقلن: ليس معنا ما يكفينا وإياكن فاذهبن وابتعن لكن زيتا. فلما ذهبن لذلك جاء العروس ودخل مع المستعدات إلى العرس وأغلق الباب، وجاء الجاهلات فقلن: يا ربّ يا ربّ. فقال: الحقّ أقول لكن إني لست أعرفكم، ثم قال لتلاميذه: اسهوا الآن وصلوا فإنكم لا
_________________
(١) ١ ونؤكد ما ذكره المؤلِّف من الأدلة في إثبات البعث الجسماني والتنعم من الأكل والنكاح واللباس وغيره - بذكر دليل سمعي وآخر عقلي - كالآتي: أما الأوّل: وهو الذي نعتمد عليه - أن السمع قد قام على أن الله عزوجل خلق الأشياء واخترعها مبتدعًا لها لا من شيء ولا على أصل متقدم، وإذ هو كذلك فلا متوهم يتعذر عليه إذ ما شاء كان. وقد أخبرنا رسول الله ﷺ الذي قامت به الدلائل الضرورية على صحة نبوته وأنه عن الله عزوجل يخبرنا أن الأكل والشرب والنكاح واللباس هنالك، وهذا قبل أن يخبر به الصادق الأمين ﷺ داخل في حد الممكن. ثم قام دليل على صحته فصار في حد الواجب. وأما الدليل العقلي، فإن الله تعالى خلق جواهرنا وطباعنا تلتذ بالمأكل والمشرب والروائح والملابس والأصوات الموافقة لجوهرنا والوطء، وقد علمنا أن النفس هي الملتذة بذلك، وأن هذه الحواس الجسدية هي الموصلة لهذه الملاذ إلى النفس، فهذه طبيعة جواهر أنفسا التي لا سبيل في وجودها دونها، فإذا جمع الله عزوجل يوم القيامة في دار الجزاء بين أجسادنا بعد تصفيتها من كل كدر وبين أنفسنا عادت الطبيعة كما كانت فجوزيت هنالك ونعمت بملاذها وبما تستدعيه طباعها التي لم توجد قط إلاّ لذلك، إلاّ أن ذلك الطعام غير معاني بنار ولا ذو آفات ولا مستحيل كما أخبرنا تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ . (ر: الأصول والفروع ص ٧٨، لابن حزم. مقام هامات الصلبان ص ٢٨٠، ٢٨١، للخزرجي باختصار) .
[ ١ / ٢١٨ ]
تعرفون ذلك اليوم ولا تلك الساعة"١.
قلت: قال ربنا جل اسمه: ﴿يَومَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُم قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُم فَالتَمِسُوا نُورًا فَضُرَبَ بَينَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ يُنَادُونَهُم أَلَمْ نَكُن مَّعَكُم قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُم فَتَنْتُم أَنْفَسَكُم وَتَرَبَّصْتُم وَارْتَبْتُم وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ﴾ . [سورة الحديد، الآياتان: ١٣-١٤] .
انظر - رحمك الله - إلى هذا الكلام الرفيع القدر، الطيّب النّشر، الحسن البشر، وقسمه بفصل العذارى العشر لتعلم / (١/٦٥/ب) قدر ما أوتيت الأمة المحمدّية، وتقف على سِرِّ قوله ﵇: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية"٢.
٢٧- شهادة يوحنا الإنجيلي للمسيح ﵇ بالنبوة، وفي ذلك تكذيب للمتأخرين من النصارى في دعوى ربوبيته؛ قال يوحنا تلميذ المسيح وحبيبه وهو أحد مدوني الإنجيل: (لما أطعم يسوع خمسة [آلاف] ٣ رجل من خمسة أرغفة وحوين من السمك قال الناس: حقا إن هذا لهو النبيّ الآتي إلى العالم. فلما علم أنهم يريدون يخطفونه ويصيرونه ملكًا عليهم خرج من بينهم وذهب وحده إلى الجليل"٤.
فهؤلاء خمسة آلاف رجل ممن شاهد المسيح يشهدون له بالنبوة وهو مقرّهم على شهادتهم، حاكم بصحة إيمانهم، راضٍ بهذا المعتقد منهم. ولو أنكر عليهم قولهم لنقل إلينا كما نقلت منهياته وأوامره على ما سيأتي، وما أحسن إلهًا يخاف من العبيد أن [يخطفوه ويصيروه ملكًا عليهم ويغلبوه] ٥ على رأيه في ذلك!!.
_________________
(١) ١ متى ٢٥/١-١٣. ٢ تقدم تخريجه ص ١٠٤. ٣ في ص (ألف) والتصويب من النص. ٤ يوحنا ٦/١٠-١٥. ٥ في ص (يخطفونه ويصيرونه ويغلبونه) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٢١٩ ]
وقد نقلوا عن لوقا أن جبريل حين بشر مريم أم المسيح بالناصرة قال لها: "إن ولدك يجلسه الرّبّ على كرسي / (١/٦٦/أ) أبيه داود ويملكه على بيت يعقوب"١.
فإن كان ما حكوه عن لوقا عن جبريل صحيحًا فقد كذبوا في هربه من التمليك عليهم، وإن كان ما نقلوه هاهنا في الهرب صحيحًا فقد كذبوا في نقلهم عن لوقا عن جبريل، وإلاّ فكيف يتقدم الله إليه على لسان جبريل بسياسة عباده والتملك عليهم ثم يأبى ذلك ويخالف أمره وينكص عنه فلا يمتثله؟!
هذا مما يورَّك فيه على النقلة وبهذا الاضطراب وشبهه ردّ العلماء كتب هؤلاء القوم وأضربوا عن الاحتفال بها؛ فإن شغب النصارى بذكر هذه الآية أعدنا عليهم آية موسى وقلنا: قد نقلنا من التوراة أن موسى أطعم قومه وهم ستمائة ألف رجل سوى الصبيان والنسوان والغرباء مَنًّا وسلوى وأدامه عليهم٢، ومن صنع خيرًا كثيرًا وأدامه أفضل بلا شكّ ممن صنع قليلًا منه وقطعه.
وبالجملة فآيات الأنبياء ليست نمطًا واحدًا؛ إذ المقصود منها الإعجاز.
٢٨- معجزة دالة على صدق نبوته ﵇، / (١/٦٦/ب) قال يوحنا التلميذ: "دعي المسيح إلى عرس في الجليل ففرغ الخمر الذي لهم، فقالت أم يسوع: ليس للقوم خمر ثم قالت للخدام: افعلوا ما يأمركم به يسوع، وكان هناك أوعية من حجارة لتطهير اليهود فأمرهم يسوع فملؤوها ماء ثم أمرهم فسقوا الناس منها خمرًا طيبة. قال يوحنا: هذه أوّل آية أظهرها المسيح بقانا الجليل"٣.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٣٢، ٣٣. ٢ ورد ذلك في سفر الخروج الإصحاح (١٦) . ٣ يوحنا ٢/١-١١.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فإن قال النصارى: بذلك نستدل على ربوبيته إذ قلب الأعيان ليس من مقدور البشر، فالجواب أن المستبدل بالخلق والاختراع هو الله الذي لا إله غيره الفرد القديم الواحد العالم القادر الحكيم خالق العالم بما فيه من الأجسام والأعراض، وليس في تحويل الماء خمرًا سوى تبديل عرض بعرض؛ إذ لا يخلو الجوهر عن عرض إلاّ ويخلفه ضدّه، فتارة يكون ذلك الضدّ مناسبًا، وتارة يكون مخالفًا، وذلك كله ممكن والله تعالى متّصف بالقدرة على كلّ ممكن، وقد دللنا على عبودية المسيح في الباب الأوّل / (١/٦٧/أ) وفي ذلك ما يردّ هذا السؤال، والمعجز في الحقيقة خالق العجز وهو الله عزوجل، وصدوره على يد عبد من عبيد الله يدعي أن الله أرسله يتَنَزَّل منْزِلَة قول الله تعالى: "صدق عبدي".
ونحن نناقش النصارى على ذلك فنقول:
أوّلًا: لا نسلم أن هذه المعجزة لعيسى بل هي لمريم أمه بدليل أنها التي اقترحتها وطلبتها. ألا تراها كيف تقدمت للخدام وقالت: افعلوا ما يأمركم به يسوع، وذلك من غير مؤامراته؟
وقد حكى بعض العلماء من أصحابنا في نبوة مريم قولين، فإن كانت نبية فهذه معجزة لها، وإلاّ فهي كرامة في حقّ ولايتها١، والكرامة صورتها صورة
_________________
(١) ١ اختلف العلماء في مسألة جواز نبوة النساء مطلقًا على أقوال هي: أ- ذهب بعضهم إلى جواز نبوة النساء واتّفقوا على نبوة مريم واختلفوا في حواء وسارة وهاجر وأم موسى، ومن هؤلاء العلماء ابن حزم. (ر: الفصل في الملل والنحل ٥/١١٩-١٢١)، والقرطبي وتبعهم بعض العلماء. ب- وذهب بعضهم إلى التوقف في المسألة؛ فقد نقل عن السبكي الكبير أنه قال: "لم يصح عندي في هذه المسألة شيء". (ر: فتح الباري ٦/٤٧١، ٤٧٤) . ج- وذهب الجمهور إلى عدم جواز نبوة النساء، وأن النبوة خاصة بالرجال. قاله القاضي عياض، ونقل النووي وابن تيمية الإجماع على ذلك عن غير واحد مثل القاضيين: أبي بكر بن الطيب وأبي يعلى وابن أبي الفراء، والأستاذ أبي المعالي الجويني وغيرهم. (ر: فتح الباري ٦/٤٧١، ٤٧٣) . قصص الأنبياء ص ٤٨٣، لابن كثير، الجواب الصحيح ١/٣٣١، لابن تيمية) . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾ . [سورة النحل، الآية: ٤٣] . وبقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٥] . فجعل غاية مريم الصديقة كما جعل غاية المسيح الرسالة. وذكروا لذلك حِكَمًا؛ منها: أن النبوة عبء ثقيل لا تتحمله طبيعة المرأة الضعيفة، ولأن الرسالة تقتضي الاشتهار بالدعوة، والأنوثة تقتضي التستر وتنافي الاشتهار لما بين الاشتهار والاستتار من التمانع. ولعلوّ مرتبة الذكور على الأنوثة فلذلك جعل الله القوامة للرجال على النساء، والنبوة تقتضي قوامة النبي على من يتابعه، ولأن المرأة يطرأ عيلها بحكم طبيعتها ما يعطلها عن كثير من الوظائف والاتصال بالملأ الأعلى كالحيض والحمل والولادة ونحوه، ولكون النفوس مائلة في ذواتهن بحسب الطبع فيغفلون عن مقالهن، وكل ذلك مانع من القيام بأعباء الرسالة وتكاليفها. كما ناقش الجمهور أدلة المخالفين بردود قوية. (ر: للتوسع: قصص الأنبياء، ص ٤٨٢-٤٨٦، للإمام ابن كثير، لوامع الأنوار البهية ٢/٢٦٥، ٢٦٦، للسفاريني، الرسل والرسالات ص ٨٤-٨٩، د. عمر الأشقر) .
[ ١ / ٢٢١ ]
المعجزة وإنما يفترقا في التحدي على رأي بعضهم، قال الله تعالى في حقّ مريم أم المسيح: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا زِرْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عَندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٣٧] .
ولا يستنكر من أصحابنا القول بنبوة مريم؛ فأهل الكتاب يعتقدون نبوة جماعة من النسوان منهم: مريم١ أخت موسى وخُلدى٢ وأستار٣
_________________
(١) ١ ورد نسبة النبوة إلى مريم أخت موسى وهارون في التوراة المحرفة في سفر الخروج ١٥/٢٠، وقد تقدمت ترجمتها ص: ١٧٦. ٢ خلدة: يذكر عنها قاموس الكتاب ص ٣٤٤: أن اسمها عبري معناه: "ابن عرس"، وهي امرأة شالوم، وهي نبية شهيرة سكنت القسم الثاني من أورشليم في عهد الملك يوشيا، وتنبأت عن خراب أورشليم. (ر: أيضا: سفر الملوك الثاني إصحاح (٢٢)، وسفر أخبار الأيام الثاني إصحاح (٣٤) . ٣ أستير: معناه في الفارسية: "كوكب"، واسمها في العبرية هدسة أي: "شجرة الآس) وهي امرأة يهودية جميلة اتّخذها ملك الفرس زوجة له، وقد لعبت دورًا مهمًّا في إنقاذ اليهود من مكيدة دبرها وزير الملك للقضاء عليهم يوم الثالث عشر من آذار، وقد استطاعت أن تستصدر أمرًا من الملك بالقضاء على وزيره بعد اتّهامه بالخيانة ضدّ الملك، وقتلت أكثر من سبعين ألفًا من الفرس أتباع الوزير في اليوم المحدد السابق لقتل اليهود فيه، ولذلك اتّخذ اليهود يوم الرابع عشر من آذار عيدًا لهم إلى يومنا هذا تخليدًا لذكرها، ولا يعرف شيء عن موت أستير وتاريخه. وينسب إليها سفر باسمها: "سفر أستير" عدد إصحاحاته: (١٠) إصحاحات ضمن أسفار الوحي القانونية، له مكانة خاصة ممتازة عند اليهود. (ر: سفر أستير، وقاموس الكتاب ص ٦٣-٦٦) .
[ ١ / ٢٢٢ ]
ورفقى١، وقد زعموا أنّه كان لفولس٢ / (١/٦٧/ب) الرسول من أتباع المسيح بعد المسيح أربع بنات كلهن نبيات٣.
ولو سلمنا أن الآية مضافة إلى المسيح وفي حقه فهي آية تدل على صدقه والله يؤيد من يشاء لإرشاد خلقه، ولو جاز أن يدعي في المسيح الربوبية بتحويل الماء خمرًا لجاز أن يدَّعي ذلك في اليسع بتحويله زيتًا فقد جاء في سفر الملوك من كتب أهل الكتاب: "أن اليسع ﵇ نزل بامرأة من بني إسرائيل فأضافته وأكرمته فلما عزم على الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ قالت: يا نبي الله إن على زوجي دينًا قد فدحه وإن رأيت أن [تدعو] ٤ الله تعالى لنا بقضاء ديننا. فقال لها اليسع: أحضريني ما عندك من الأواني واستعيري من جيرانك ما قدرت عليه من الآنية. ففعلت ذلك فأمرها فملأتها كلّها ماء ثم قال: اتركيها ليلتك هذه. وتركها ومضى فأصبحت المرأة وقد تحوَّل ذلك كلّه زيتًا فباعوه وقضوا دينهم"٥. فهذه الآية أعجب وأغرب. ولم ينقل أن اليسع امتهن
_________________
(١) ١ رفقة: اسم عبري ربما كان معناه: "رباط أ، حبل قيد"، وهي ابنة بتوئيل، وزوجة إسحاق وأم يعقوب - ﵉ - وينسبون إليها زورًا وبهتانًا في التوراة المحرفة أنها دبرت حيلة ليعقوب لينال البركة والنبوة من أبيه إسحاق بدلًا من أخيه الأكبر عيسو - وقد ماتت رفقة قبل إسحاق ودفنت في مغارة المكفيلة عند قبر إبراهيم ﵇، ولم يذكر أنها كانت نبية. (ر: سفر التكوين إصحاح ٢٤، ٢٥، ٢٧، ٤٩، قاموس الكتاب ص ٤٠٨) . ٢ الصواب أنه فيلبس المبشر: أحد السبعة المرسومين شماسة في كنسبة أورشليم، وقد كرس نفسه بعد الاضطهاد للتبشير وخاصة في السامرة، وقد كان له أربع بنات عذارى يتنبأن. (ر: أعمال الرسل٢١/٨،٩) .وقد استقر فيلبس بقيصرية، وصار أسقف تراليس. (ر: سفر أعمال الرسل إصحاح٦،٨،٢١، وقاموس الكتاب ص ٧٠٢) . ٣ ذكر قاموس الكتاب المقدس ص ٩٥٢ أن الإناث من الأنبياء-حسب اعتقاد أهل الكتاب-في الكتاب المقدس هن: ١- مريم أخت موسى وهارون. ٢- دبورة. ٣- حنة أم صموئيل. ٤- خلدة امرأة شلوم. ٥- حنة بنت فنوئيل. ٦- بنات فيلبس الأربع. ولم يذكر الكتاب نبية غيرهن إلاّ أنّه ذكر وجود نبيات كاذبات وحذر منهن مثل: نوغدية وإيزابيل. اهـ. ٤ في ص (تدعوا) والتصويب من المحقِّق. ٥ سفر الملوك الثاني ٤/١-٧.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وغلب وقتل وصلب. بلْ لم يزل / (١/٦٨/أ) آمنًا في سِرْبه١ إلى أن لحق بالله ربه.
ولقد فعل موسى ما هو أعجب من ذلك كله وهو: "أنه ضرب بعصاه بحر النيل بمصر فتحوَّل الماء بسائر أرض مصر دمًا عبيطًا"٢. وكذلك "ألقى عصاه بين عصي بني إسرائيل فاهتزت شجرة ذات أغصان وأفنان وأورقت وأثمرت لوزًا، فبينا هي خشبة إذْ صارت شجرة خضراء مثمرة"٣. فبطل ما عوَّل النصارى عليه، فما أجابوا به عن آيتي موسى واليسع فهو جواب لنا عن آية المسيح.
وقد صرح فولس في الرسالة الرابعة عشرة إلى العبرانيين بأن المسيح ليس ربًّا ولا إلهًا بل إنّه عبد من عباد الله، شرّفه الله كما شرّف غيره من أنبيائه وأهل صفوته. فقال: "إن المسيح هو رئيس أحبارنا وهو الذي صعد إلى السماء وليس لنا رئيس أحبار غيره، ثم قال: إن كل رئيس أحبار إنما يكون من الناس ليقوموا فيما بين الناس وبين الله، وليس أحد ينال الكرامة لنفسه إلاّ من أناله الله مثل هارون، وكذلك المسيح لم يمدح نفسه، بل الله الذي مدحه حيث يقول: أقسم الربّ بأنّك أنت الكاهن المؤيد شبه/ (١/٦٨/ب) ملكي صادق"٤.
فهذا فولس - الذي ليس عند النصارى من يعدله - يشهد بأن المسيح إنسان من بني آدم [وحَبْرٌ] ٥ من أحبارهم كهارون.
٢٩- دليل صحيح على نبوته: قال يوحنا الإنجيلي: "جاء يسوع إلى بئر من آبار السامرة مستسقيًا ماء وقد عيي من تعب الطريق ففاوضته امرأة منهم
_________________
(١) ١ السرب: النفس، يقال: فلان آمن في سربه، أي: في نفسه. (ر: مختار الصحاح ص٢٩٣) . ٢ سفر الخروج ٧/١٤-٢١. ٣ تقدم تخريجها ر: ص: ٨٤. ٤ الرسالة إلى العبرانيين ٤/١٤-١٦، ٥/١-١٠. ٥ في ص (حبرا) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٢٢٤ ]
فقالت: يا سيد إني أرى أنك نبي. فقال لها يسوع: أنا هو الذي أكلمك. ثم وافاه تلاميذه فعرضوا عليه طعامًا، فقال: إن لي طعامًا لستم تعرفونه، إن طعامي أن أعمل مَسَرَّة من أرسلني، وأتم عمله. ثم بعد يومين خرج من هناك؛ لأنه شهد أن النبي لا يكرم في مدينته"١. وجه الدلالة على النبوة والرسالة من وجوه:
أحدها: قولها له: "يا سيد إني أرى أنك نبي". فصدّقها وحقّق ظنّها، فقال لها: "أنا هو"، وهذا واضح.
الثاني: قوله: "إن لي طعامًا لستم تعرفونه"، يعني بذلك اللذات الروحانية الحاصلة من المناجات والمكالمة.
الثالث: قوله: "أعمل مسرة من أرسلني". كَنَّى / (١/٦٩/أ) بالمسرة عن المحبة، وإن كان الباري لا يتصف بالمسرة، وذلك من سوء تعبيرهم، وعَرَّف بأنه رسول مأمور بإتمام العمل ولزوم الطاعة، والنبي وغيره شرع في الشرع إلاّ ما قام الدليل على تخصيصه به.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "من وقف على هذه الفصول الشاهدة بالنبوة والرسالة، وشاهد ما كفيته من مؤنة استخراجها من أيدي الضانين بها، الكاتمين لها؛ ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمُّ نوره، فليخصّصني بدعوة صالحة تكون زادي لمعادي، ويتعين عليه إظهار ذلك للمسلم والكافر، أما المسلم ليقف على مصداق قوله تعالى في حقّ المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ ٢. [سورة مريم، الآية: ٣٠] . وقوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٥] .
وأما الكافر فحتى تظهر عليه الحجة، ويتّضح المحجة، وأنذر
_________________
(١) ١ يوحنا ٤/٥-٤٤، في سياق طويل وقد اختصره المؤلِّف. ٢ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية: ٣٠] .
[ ١ / ٢٢٥ ]
من بسطت يداه في دنياه، وأهمته العناية بأخراه أن يجمع من وجوه هذه الطائفة الزائفة جمعًا كثيفًا، ويحضر إنجيلهم ويقررهم بهذه الفصول على النبوة والعبودية، ليهلك من هلك/ (١/٦٩/ب) عن بيِّنةٍ ويحيى من حَيَّى عن بيِّنةٍ.
وأما قول يوحنا: "وقد عَيِيَ يسوع من تعب الطريق"، فدليل على الحدث، ظاهر لمن له ناظر. وليت شعري كيف يعتقد ربوبية رجل ذي رأس وعينين، وقذال١ وأذنين، وفم ولسان وكف وبنان، يأكل ويشرب، ويعيا ويتعب، ويهان ويضرب، ويقتل في زعمه ويصلب؟!.
على أَنَّا نسأل النصارى فنقول: من هو هذا الذي عطش وعيي من تعب الطريق؟! فإن قالوا: هو اللاهوت، أكذبتهم التوراة إذ تقول: "إن الله خالق العالم بأسره وما مسه إعياء ولا تعب"٢.
وإن قالوا: هو الناسوت، أبطلوا الاتّحاد، إذ لم يبق لاهوت متميّز عن ناسوت حتى يضاف إليه الإعياء والتعب، وإذا كان الإله منَزَّهًا عن التعب والإعياء وقد تعب المسيح وعيي، فذلك دليل على كذب النصارى فيما هذوا به من الاتّحاد، اللهم إلاّ أن يفسروا الاتّحاد بما ظهر على يده من آيات الإله من إحياء الميّت وتطهير الأبرص وغير ذلك. فيقودهم القول بذلك إلى مساواة المسيح / (١/٧٠/أ) غيره، ويصير لا خصوصية له بهذا الاتّحاد. فإن راموا تفرقة بين المسيح وبين غيره ممن أحيا الميّت وطهر الأبرص وفعل أضعاف فعل المسيح لم يقدروا على ذلك، وقد حكى لوقا في إنجيله: "أن رجلًا من الفريسين طلب إلى يسوع أن يأكل عنده خبزًا، فلما دخل بيته حضرت إليه امرأة خاطئة، وصبَّت
_________________
(١) ١ القَذَال: جماع مؤخر الرأس، ويكون من الفرس معقد العذار خلف الناصية. والجمع: "أَقذِلَة وقُذُل". (ر: المصباح المنير ص ٤٩٥) . ٢ ورد النص في سفر أشعيا ٤٠/٢٨، كالآتي: "إله الدهر الرّبّ خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا". فلعل مراد المؤلِّف في نسبة النصّ إلى التوراة أي جنس الكتب القديمة المتقدمة على الإنجيل، وذلك من إطلاق اسم الجزء على الكل.
[ ١ / ٢٢٦ ]
على رجليه قارورة طيب، وبكت عند قدميه حتى بَلَّتهما بدموعها، وجعلت تمسح قدميه بالطيب وبشعر رأسها، فقال الفريسي في نفسه: لو كان هذا نبيًّا لعرف أن هذه المرأة خاطئة. فأجابه يسوع عما هجس في نفسه"١.
٣٠- الدليل على رسالته من قوله واعترافه بأن الله غيره وأنه رسول الله إلى عباده، قال يوحنا التلميذ: "لما انتصف العيد حضر يسوع إلى الهيكل وشرع يعلم، فقال اليهود: كيف يحسن هذا التعليم؟ فقال تعليمي ليس هو لي بل للذي أرسلني، فمن عمل بطاعته فهو يعرف تعليمي، هل هو من عندي أم من عند الله؟ إن من يتكلم من عند نفسه إنما يريد مجد نفسه. فأما من يريد مجد/ (١/٧٠/ب) من أرسله فهو صادق فعلام تريدون قتلي؟ فقال الجمع: لأنك شيطان. فقال لهم: تزعمون أن موسى عَلَّمكم الختان وليس الختان من موسى ولكنه من الآباء: "وقد يختنون الإنسان ومن الختان يهلك الإنسان كيلا تنقضوا سنة موسى"٢. فعلام تنقمون عليَّ إبرائي الإنسان يوم السبت، ثم قال: إني لم آت من عندي ولكن الذي أرسلني محقّ، ولستم تعرفونه وأنا الذي أعرفه، وهو أرسلني. فَهَمَّ اليهود بأخذه ولم يقدروا، لأن ساعته لم تحضر بعد"٣.
فقد وضحت رسالته من الله إلى الناس وضوح الصبح لذي عينين، ولولا تعاسة الجِد٤ لما اشتبه الخالق بمخلوق، ولا قوبلت حقوقه بالعقوق.
فأما موضع التحريف من هذا الفصل، فهو قوله: "ليس الختان من موسى ولكنه من الآباء". وذلك غير صحيح؛ لأن التوراة قد أوجبت الختان، وجعلته
_________________
(١) ١ لوقا ٧/٣٦-٥٠، في سياق ذكره المؤلِّف مختصرًا. ٢ ورد النص في إنجيل يوحنا ٧/٢٢، ٢٣، كالآتي: "ففي السبت تختنون الإنسان، فإن كان الإنسان يقبل الختان في السبت لئلا ينقض ناموس موسى ". ٣ يوحنا ٧/١٤-٣٠. (الجد) في الأمر الاجتهاد، وهومصدر يقال منه: جَدَّ يجدّ والاسم: الجِدُّ. (ر: المصباح ص ٩٢) .
[ ١ / ٢٢٧ ]
من شرائع الإيمان، فقال الله فيها: "اختنوا لحم غرلتكم أنت وبنوك ورقيقك والساكن عندك الذي أقبل إليَّ، واجعلوا ذلك ميسمًا لي في أجسادكم، فمن لم يفعل ذلك فليقتل بما أبطل من عهدي"١. والتوراة تشهد أن إبراهيم أمره/ (١/٧١/أ) الله فاختتن بعد ما كبرت سنة وختن بنيه وعبيده٢، واختتن موسى وهارون والمسيح٣ [وحواريوه] ٤ وتلاميذه، والدليل على ثبج٥ هذا النقل واضطرابه قوله بعد ذلك: "كيلا تنقضوا سنة موسى"،سمَّى الختان سنة موسى بعد قوله:"وليس الختان من موسى"، ولم يزل أتباع المسيح يختنون ويستنون بسنة الأنبياء في الختان حتى جاء رجل من المتأخرين يدعى فولس، هو الذي يسمونه فولوس الرسول، فادّعى أن المسيح ترآءى له، وأرسله إلى أهل دينه، فأحلَّ لهم فولس أشياء، وحلهم مما كانوا مرتبطين به من أقوال موسى والمسيح٦، فكان مما حلهم منه سنة الختان التي شرعها الأنبياء ﵈ فراجعوه في ذلك،
_________________
(١) ١ سفر التكوين ١٧/٩-١٤. ٢ سفر التكوين ١٧/٢٣-٢٧. ٣ جاء النص بختان المسيح في إنجيل لوقا ٢/٢١. ٤ في ص (وحواريه) والصواب ما أثبته. ٥ الثبج: وسط الشيء ومعظمه. واضطراب الكلام وتفنيه وتعمية الخط وترك بيانه. (ر: القاموس ص ٢٣٣) . ٦ إن الختان من الشعائر المعروفة في اليهودية، وهو قطع لحم غرلة كل ذكر ابن ثمانية أيام، وكان فرضًا دينيًا عند اليهود، وفي بكور العصر المسيحي زعم فريق من اليهود المتنصرين أن حفظ تلك السنة ضروري للخلاص، ولهذا قال بولس: لأنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة بل الخليقة الجديدة. (رسالته إلى غلاطية ٦/١٥) . (ر: قاموس ص ٣٣٧، ٣٣٨، بتخليص) . ويفهم من سفر الأعمال الرسل الإصحاح (١٥) بأن الحورايين قد عقدوا ما يسمّى بـ: "مجمع أورشليم" بطلب من بولس - الذي كان أوّل من دعا إلى ترك الختان، وعدم اتباع عادات بني إسرائيل - وبرنابا وغيرهم في النظر في مسألة الوثنيين الذين دخلوا في المسيحية ويرفوضون الختان، وقرر الحواريون السماح للوثنيين في الدخول في المسيحية دون شرط الختان - الذي لم ينسخ نسخًا باتًا - اعتبارًا منهم على أن ذلك سيكون خطوة أولى إلى التمسك الكامل بأحكام المسيحية. إلاّ أن الواضح بعد ذلك في أقوال بولس التصريح منه بنسخ الختان نسخًا باتًا، وعدم الفائدة منه كما تقدم، واستبدال الختان بالتعميد في العهد الجديد حيث قال بولس في رسالته إلى كولوسي ٢/١١، ١٢: "وبه أيضًا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيد، بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات. اهـ.
[ ١ / ٢٢٨ ]
فقال لهم فولس هذا المدعي رسالة المسيح: "إن الختان ليس بشيء، وإن الغرلة ليس بشيء"١. فأطبق الملكية٢ على ترك الختان، وتربص بقية طوائف بها فلم يتجاسروا على إهمالها.
وهذا فولس٣ الرسول عندهم له كلمات تدل على تهكم وتلاعب بدين النصارى ستأتي متفرقة في أضعاف هذا المختصر إن شاء الله تعالى. وقد سمعت بعض / (١/٧١/ب) النصارى يذكر أن كلمة ينطق بها المسيح مركبة من اللاهوت والناسوت جميعًا، فيلزم على قول هذا القائل أن يكون الإله قد نطق بكلام المستضعفين إذ يقول في كلامه لليهود: إنكم تريدون قتلي، وذلك زلل عظيم.
٣١- مناظرة جرت بينه وبين اليهود تشهد له بالنبوة والرسالة؛ قال يوحنا التلميذ: "قال يسوع لليهود الذين حضروه: إن أنتم ثبتم على الحقّ فالحقّ يعتقكم، فقالوا: نحن ذرية إبراهيم وأنت تزعم أنا عبيد. فقال: الحقّ أقول
_________________
(١) ١ رسالة بولس إلى أهل كورنثوس ٧/١٩. ٢ فرقة من فرق النصارى الكبيرة، وسيأتي التعريف بها. ٣ لقد سبق لنا في ترجمة بولس (انظر: ص: ١٠٠) بيان الدور الخطير الذي قام به في انحراف النصارى، وقد أكّد الباحثون المعاصرون من النصارى ما قد قرره علماء المسلمين قديمًا في المؤسس للنصرانية المنحرفة هو بولس، وليس عيسى ﵇. والأدلة على ذلك كثيرة من أقوال بولس في رسالته التي تثبت أنه واضع أسس العقيدة النصرانية المنحرفة ومنها: قوله في رسالته إلى كولوسي ١/١٥: "الذي هو (يعني: المسيح) صورة الله غير المنظور بكر كل خليفة، فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشًا أم سيادات أو رئاسات أم سلاطين، الكل به وله قد خلق". وقوله في رسالته إلى رومية ٣/٢٣: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متَبَررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه". وكذلك في نفس الرسالة ٥/١٠-٢١. وقوله أيضًا ٤/١٠٠: "وأما أنت فلماذا تدين أخاك لأننا جميعًا سوف نقف أمام كرسي المسيح".
[ ١ / ٢٢٩ ]
لكم إن من يعمل بالخطيئة فهو عبد الخطيئة، قد عرفت أنكم من ذرية إبراهيم، ولكنكم تريدون قتل رجل كلمكم بالحقّ الذي سمعه من الله، فقالوا: أما نحن فلسنا مولودين من زنى، وإنما لنا أبٌّ واحدٌ هو الله. فقال: لو كان الله أباكم كنتم تحبونني؛ لأن الله أرسلني ولستم تفهمون كلامي ولا تطيقون استماع قولي، أنتم من أبيكم إبليس وشهوة أبيكم تأتون. فقالوا: ألم نقل إنك سامري وأن بك جنونًا؟ فقال: الحقّ أقول لكم إن من يحفظ كلامي لا / (١/٧٢/أ) يذوق الموت إلى الأبد. فقالوا: الآن علمنا أنك مجنون. قد مات إبراهيم والأنبياء؛ فلعلك أعظم من أبينا إبراهيم ومن مات من الأنبياء، من تجعل نفسك؟ فقال يسوع: أبوكم إبراهيم اشتهى أن يرى يومي فرأى وفرح. فقال له اليهود: لم يأت لك خمسون سنة فكيف رأيت إبراهيم؟ فقال يسوع: الحقّ أقول لكم إنني [كائن] ١ قبل أن يكون إبراهيم. فتناولوا حجارة ليرجموه، فتوارى يسوع وخرج من الهيكل"٢.
قلت: فقد نطق المسيح في هذا الفصل وفي غيره بأنه رسول من الله، وأنه إنسان من خلقه يروم أعداؤه قتله على تبليغ رسالة ربّه، وأنه سامع من الله، وأن الله غيره ولو أن الأمر على ما يتخيله النصارى لأرشد أهل ذلك المجلس إلى الصواب ولعرّفهم أن الإله لا يتصور قتله والظهور عليه، ولكنه أثبت عندهم أنه رجل ضعيف من بني آدم، وأكّد ذلك في نفوسهم بهربه وتواريه من المجلس على أعين الناس وهم يشهدون، وكيف يكون إلهًا ويترك خلقه يرتبكون في حبائل الشكوك، ويقول في محاورته: "إنّكم تريدون قتلي / (١/٧٢/ب) وأنا إنسان كلمتكم بالحق وفُهْت لكم الصدق"؟!.
_________________
(١) ١ إضافة يقتضيها السياق مأخوذة من نص الإنجيل. ٢ يوحنا ٨/٣١-٥٩، في سياق طويل، وقد اختصر المؤلِّف بعضه.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وفي هذا الفصل مواضع يسألون عنها، وكلّها قريبة المغزى على من أمعن من مطالعة كتبهم، وعرف نبوات أنبيائهم، منها قوله: "أنا قبل أن يكون إبراهيم". وإنما يريد قبلية الاصطفاء والاجتباء، وتقدير الكلام: "أنّ الله قدّر لي النبوة واصطفاني للرسالة قبل خلق إبراهيم". وهذا محمل يتعين حمل هذا الكلام عليه إن صحّ نسبته إليه، ولو كان الأمر على ما [ينهق] ١ به النصارى من دعوى الربوبية لم يخصص القبلية بإبراهيم ولقال: "أنا كنت قبل خلق العالم، وأنا الذي نفخت الروح في حواء وآدم"، ولو جاز أن يتمسك بقوله: "أنا قبل أن يكون إبراهيم"، لجاز ذلك في سليمان فقد قال ﵇ في حكمته: "أنا كنت قبل الدني، وأنا كنت مع الله حين مدَّ الأرض، وكنت صبيًّا ألهو بين يديه"٢.
فإن قالوا: هذا مُأَوَّل لأن سليمان٣ من بني إسرائيل، فكيف يكون قبل الدنيا؟!.
قلنا: ويسوع المسيح من ولد إبراهيم، فكيف يكون قبل إبراهيم؟! فاستوت الحال وترجح جانب سليمان في / (١/٧٣/أ) هذه القَبْليِّة٤.
_________________
(١) ١ في ص (يهيق) ولعل الصواب ما أثبته. ٢ سفر الأمثال ٨/٢٢-٣١، بألفاظ متقاربة، وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا. ٣ سليمان بن داود - ﵉ - اسم عبري معناه: "رجل السلام". وهو وأباه داود عند أهل الكتاب مجرد ملكين من ملوك بني إسرائيل وليسا نبيّين من أنبيائهم الكرام، وينسب إليه الهيكل المسمّى بـ: (هيكل سليمان)، كما ينسبون إليه زورًا وبهتانًا الكثير من كبائر الذنوب، وحتى الشرك بالله، كما ينسبون إليه سفر الجامعة وعدد إصحاحاته (٢)، وسفر الأمثال وإصحاحاته (٣١)، وسفر نشيد الأناشيد وإصحاحاته (٨) . (ر: سيرته في سفر الملوك الأوّل وقاموس الكتاب ص ٤٨١، ٤٨٣، ٩٥١) . أما في المصادر الإسلامية فإن سليمان وداود - ﵉ - بلا شكّ - من أنبياء الله الكرام المعصومين. (ر: سيرته في تاريخ الطبري ١/٣٤٤-٣٥٦، قصص الأنبياء، ص ٤٢٨-٤٤٧، لابن كثير وغير ذلك) . ٤ إن كلام المؤلِّف في الردّ على استدلال النصارى على ألوهية المسيح بقوله: "أنا قبل أن يكون إبراهيم"، مقتبس من كلام الحسن بن أيوب - وقد كان نصرانيًا ثم أسلم - في الرّدّ على النصارى، وكتابه مفقود، إلاّ أن الإمام ابن تيمية قد نقل أغلب كتابه في الجواب الصحيح ٢/٣٤٠، ٣٤١، كما ذكر الرّدّ أيضًا المهتدي نصر بن يحيى المتطبّب في النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية ص ٢٧٦، ٢٧٧.
[ ١ / ٢٣١ ]
ومنها قوله: "إن أباكم إبراهيم ليشتهي أن يرى يومي فرأى وفرح"، يحتمل أن يكون إبراهيم كان قد اشتهى أن يرى يومًا يتلذذ فيه بمناجاة الله ومكالمته، فلا جرم أن الله تعالى أناله طلبته، وأسعفه بحاجته، وشرفه نحلته "فكلمه عند انتصاف النهار، حين مرت به الملائكة لهلاك قوم لوط كما شهدت به التوراة، وفارقوه وبقي إبراهيم قائمًا بين يدي الله يناجيه ويتلذذ بمراجعته ويقول له: يا ربّ أتهلك الأبرار مع الفجار بغضب واحد"١. كما شهدت به التوراة، فضاهى ذلك اليوم من حسنه وطيبه يوم المسيح: "إذا كان يدعو ربّه عند إحياء العازر، ويقول: أشكرك؛ لأنك تستجيب لي، وأنا أعلم أنك تستجيب لي في كلّ حين، ولكن أشكرك من أجل هؤلاء الفئام ليعلموا أنك أرسلتني"٢. كما نطق به الإنجيل، فهذا تأويل قول:"إبراهيم اشتهى أن يرى يومي"،ولو كان على ما يذهب إليه النصارى لقال: اشتهى أن يراني، ولم يقل: اشتهى أن يرى يومي.
ويحتمل أيضًا أن يكون إبراهيم كان قد سأل الله تعالى أن يجعل / (١/٧٣/ب) في ذريته رجلًا صالحًا تعمّ بركته، فوعده الله أن يخرج من ذريته من يحيى الميت، ويبرئ الأبرص والأكمه، ويشفي المرضى، فاشتهى إبراهيم أن يري يومًا من أيام هذا المولود الموعود به لكي يحصل له مع علم اليقين عين اليقين [فأحيا له] ٣ ميتًا أو عددًا من الموتى، وشفى له مرضى، وكثر له من الزاد القليل ما أشبع الجمع الكثير، وقال: إن من ذريتك من أُجري هذه الأمور على يده، ففرح بذلك اليوم التي حصل له فيه من ربّه ما حصل.
_________________
(١) ١ سفر التكوين إصحاح (١٨) . ٢ يوحنا ١١/١-٤٦. ٣ بياض في ص، والإضافة من المحقِّق حسب سياق الكلام.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وفي الفصل ما يقتضي مساواة المسيح غيره في لفظ النبوة إذ يقولون: "إن أبانا واحد هو الله"، فلم ينكر عليهم [ويقل] ١: كذّبتم بل هو أبي دونكم، بل أقرّهم على ذلك، وقال: "لو أن الله [أبوكم كنتم تحبّونني] ٢". ومن ذلك قوله: "الحقّ يعتقكم"، ومعلوم أنهم أحرار، ومن ذلك قوله: "أنتم من أبيكم إبليس"، ومعلوم أنهم من بني آدم، فهذا التوسع من المسيح يوجب صرف الأبوَّة والبُنُوَّة عن ظاهرها.
ويقتضي إطلاق البنوة على العبد المطيع حيث يقول: لو أن الله / (١/٧٤/أ) [أبوكم كنتم تحبونني] ٣.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "لقد فاوضت بعض النصارى فيما يتعلق بألفاظ البنوة، فقال: لا تعجب من تسميتنا السيد المسيح ابنًا، فنحن بأسرنا ندعو الله أبًا لجميعنا.
فقلت له: فأنتم إذًا مع المسيح في الرتبة، فلم تسمونه ربًّا وتتّخذونه إلهًا؟ ولم يميز عنكم في هذه التسمية؟! فذكر اختصاصه بالخوارق والآيات فتلوت عليه أمثالها صدرت عن عدة من الأنبياء، فحار ولم يحر جوابًا، وأصيب ولم يصب صوابًا. فليت شعري، أي شيء في هذا الفصل يصلح للاستدلال على ربوبية المسيح وفيه قوله لليهود: "من منكم يوبخني على خطيئة؟! "، وفيه هربه من المجلس بحضرتهم. وهلاّ كان مكان قوله: "من منكم يوبخني على خطيئة"، من منكم يجحد خلقي العالم؟! ونفخي الروح في آدم؟!، ولم تنكرون ربوبيتي وتجحدون ألوهيتي، وأنا الذي بيده البسط والقبض، وبأمره قامت السماء والأرض؟! وحاشاه حاشاه، بل إنما استدل على نبوته بثبوت عصمته، فقال: "من منكم يوبخني على خطيئة؟! ".
_________________
(١) ١ في ص (ويقول) والصواب ما أثبته. ٢، و(٤) في ص (أباكم كنتم تحبوني) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٢٣٣ ]
٣٢- معجزة دالة على نبوّته / (١/٧٤/ب): قال يوحنا التلميذ: "أحيا يسوع العازر، وجاء إلى القبر مع أخته، وقال لها: أين دفنتموه؟ فأشارت إلى المغارة التي هو فيها، فقال: ارفعوا الحجر عنه. ثم دمعت عيناه، فقال اليهود: انظروا حبه له. فقالت أخت العازر: يا سيد إنه قد أنتن؛ لأن له أربعة أيام، فقال: إن آمنت رأيت مجد الله، فرفعوا الحجر عن القبر، ورفع يسوع بصره إلى فوق، وقال: يا أبتاه أشكرك لأنك تسمع لي، وأعلم أنك تسمع لي في كلّ حين، ولكن أشكرك من أجل هؤلاء القيام ليعلموا أنك أرسلتني، ثم نادى بصوت عظيم: عازار اخرج. فخرج الميت ويداه ورجلاه ملفوفة باللفائف ووجهه مستور بعمامة، فقال يسوع: حُلُّوه ودعوه يمضي إلى بيته"١.
قلت: بهذا وشبهه ثبتت نبوّة المسيح، ووضحت رسالته، وقطع ألسن اليهود الذي قرفوه بالخناء، ونسبوا أمير الصدق إلى الزنا، وهذا الكلام من المسيح هو التحدّي على النبوّة.
فإن نازع اليهود في صدق هذه الآية من المسيح [ود] لالتها٢ على النبوّة/ (١/٧٥/أ) ورد عليهم ذلك بعينه في شقّ البحر وإجراء المياه من حجر [الصَّوَانٍ] ٣ وغيره من آيات عيسى، وكلّ سؤال انعكس على مورده مردود من أصله.
وإن زعم النصارى أن ذلك دليل على ربوبية المسيح إذ ليس في مقدور البشر إحياء من في القبور.
قلنا: قد بيّنا في الباب الأوّل عبودية المسيح، وأنه إنسان من الخلق أكرمه الله بالآيات وأمدّه بالمعجزات، والرّبّ تعالى هو الذي يعيد الروح إلى قالبها، ويفعل ذلك عند دعوة النبي ليتوجه على العباد قبول أمره
_________________
(١) ١ يوحنا ١١/١-٤٤، في سياق طويل، وقد اختصر المؤلِّف بعضه. ٢ في ص: بياض، والمثبت من اجتهاد المحقِّق حسب سياق الكلام. والله أعلم. ٣ في ص: (الطران) ولا معنى له، ولعله تحريف من الناسخ، وما أثبته موافق لسياق الكلام. و(الصواب) ضرب من الحجارة شديد.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وينْزِل ذلك منه سبحانه منْزِلة قوله: "صدق عبدي فأطيعوه"، وهذا كما فلق البحر بسؤال موسى، وأخرج له من الرمل حيوانًا كثيرًا [قملا فأرسله] ١ إلى فرعون وجنوده، وقد شهد كتاب [سفر] ٢ الملوك من كتبهم: أن قومًا حملوا ميتًا لهم إلى [القبر فرأوا عدوًّا لهم] ٣، فطرحوا الميت عن أعناقهم، وابتدروا [الهرب إلى المدينة، فأحيا الله تعالى الميت] ٤، وأقبل حتى دخل المدينة، فنظروا [فإذا هم قد وضعوه على قبْرِ] ٥ نبي الله اليسع، فهذا تراب [قبْر اليسع قد أحيا ميّتًا وهو أعجب] ٦ من فعل المسيح، والمسيح سأل / (١/٧٥/ب) وتضرع في ذلك، واليسع ميّت لم ينسب إليه سؤال.
وقد ذكرنا أشعيا النبي "أن الله عزوجل قال لحزقيال: قم فتنبأ على هذه العظام حتى أحييها لك. ففعل فأحيا الله بدعوته عالمًا كبيرًا يقال: إنهم ثلاثون ألفًا، وقيل: ستون ألفًا، كان بختنصر اليوناني قتلهم، وكان لهم من يوم قتلوا ستون سنة"٧. وقد أحيا إلياس وغيره٨ الأموات.
"وقد كان موسى ضرب بعصاه الرمل فَتَكَوَّنَ منه [قمل] ٩ وذباب فانثال على أعدائه"١٠. ولا شكّ أن من صوَّر حيوانًا ابتداءًا فهو أبدع ممن أعاد الروح إلى قالبها الأوّل. وكلّ هذه المنقولات تشهد بها التوراة والنبوات، فهلاّ اتّخذ
_________________
(١) ١ في ص بياض، والإضافة من نص التوراة سفر الخروج ٨/١٦، ١٧. ٢ و(٣)، و(٤)، و(٥)، و(٦) بياض وسقط في الأصل، وقد أكملت النقص من سفر الملوك الثاني ١٣/٢٠-٢١، ومن المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل، لأبي الفضل المالكي ص ٨٢. ٧ ورد النصّ في سفر حزقيال ٣٧/١-١٠، ولم يرد في سفر أشيعا كما ذكر المؤلِّف. ولعله سهو منه، أو إضافة من الناسخ. ٨ ورد في سفر الملوك الأوّل ١٧/١٧-٢٤ أن النبي إيليا (إلياس) ﵇ أحيا ابن الأرملة الميت، وكذلك أحيا النبي اليسع ﵇ ابن الإسرائيلية الميت كما ذُكر في سفر الملوك الثاني ٤/١٨-٣٧. ٩ في ص (قملًا) والصواب ما أثبته. ١٠ سفر الخروج ٨/١٦، ١٧.
[ ١ / ٢٣٥ ]
النصارى من ذكرنا من الأنبياء آلهة وأربابًا، وقد أربوا على ما صدر من المسيح ﵇.
واعلم أن في قصة العازر أشياء تمنع النصارى من اعتقاد ربوبية المسيح منها:
قوله: "أين دفنتموه"، فإنه لو كان المسيح ربّه [لعرف أين] ١ مكانه. فكيف يسأل الرّبّ عن موضع [قبر العازر؟!] ٢.
ومنها: استعباره عند رؤية قبْره [وذلك من صفات] ٣ الآدميّين / (١/٧٦/أ) وحُنُوِّ الجنسية.
ومنها: قوله لأخت الميّت: "إن آمنت رأيت مجد الله"، أضاف القدرة على الإحياء إلى غيره.
ومنها: ابتهاله وطلبه من الله وإظهار فاقته وحاجته إليه سبحانه، وعجزه وقصوره عن أن يأخذ إلاّ ما أعطاه، وقد صرّح هو بذلك في موضع آخر من الإنجيل إذ يقول: "إن الابن لا يقدر أن يفعل شيئًا ولا يتفكر فيه إلاّ أن يأمره الأب"٤. وهذا غاية العجز والافتقار، فلو كان المسيح هو الله أو الله حالًا فيه كما يقول النصارى للزم اتّحاد السائل والمسؤول، والداعي والمدعو، والطالب والمطلوب منه.
ولو كان الله هو المسيح أو صفة من صفاته لجر إلى تلبيس عظيم، إذ سؤاله غيره، وطلبه من غير مطلوب منه، تلبيس وتدليس، وحمل لخلقه أن يقفوا به دون حقّه، وأن يعاملوه بما يقصر عن جلاله، ولا يعطونه من الخدمة والعبادة ما
_________________
(١) ١، و(٣)، و(٤) طمس وبياض في الأصل، وإكمال النقص من المحقِّق حسب سياق الكلام ٤ إنجيل يوحنا ٥/٩، ٨/٢٨، بنفس المعنى.
[ ١ / ٢٣٦ ]
يتقاضاه الربوبية وتوجيه الإلهية بل يعاملونه معاملة البشر ويخاطبونه مخاطبة الآدميين، فينسبونه تارة إلى بنوة داود وأخرى إلى بنوة يوسف / (١/٧٦/ب) ومريم، وذلك غض عظيم من منصب الربوبية وحط لجلال الألوهية.
فنحن - يرحمك الله - نسأل النصارى عن هذا الداعي المبتهل الطالب أهو الإله الأزلي الواحد أو إنسان من بني آدم؟!
فإن قالوا: إنه إنسان من بني آدم وافقوا شريعتنا وخالفوا شريعتهم إذ تقول: "إن المسيح إله حقّ من إله حقّ من جوهر الله، وأن المسيح بيده أتقن العوالم وخلق كلّ شيء". وحينئذٍ يصيروا مسلمين إذا اعترفوا بالرسول ﷺ.
وإن زعموا أن القائل لذلك هو الإله الخالق الأزلي الواحد، فقد صرّحوا أن الله الأزلي لا يعلم المغيبات، وأنه مفتقر إلى سؤال غيره، وأن له ربًّا فوقه يسأله حوائجه، ويضرع إليه في نوازله ومأربه، وكفى بذلك تجاهلًا.
مؤاخذة على إحياء العازر: ذكر يوحنا في قصة العازر هذه أن مريم ومرثا أختا العازر ذهبتا إلى يسوع فقالتا: "يا سيد إن حبيبك العازر قد مات، فقال يسوع: ليس هذا موتًا على الحقيقة، ولكن ليظهر مجد الله"١.
قلت: لا يخلو أن يكون / (١/٧٧/أ) العازر مات أو لم يمت، فإن كان قد مات، فكيف يقول: إنه لم يمت حقيقة، وإن كان لم يمت لم يحصل الإعجاز بإحياء من لم يمت وإحياء الحيّ محال.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في إنجيل يوحنا ١١/٣، ٤، كالآتي: "فأرسلت الأختان إليه فائلتين: يا سيد هو ذا الذي تحبه مريض، فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله؛ ليتمجد ابن الله به". اهـ. هو مخالف للنّصّ الذي ذكره المؤلِّف، ولا يتطرق إليه الاعتراض الذي ذكره؛ لاختلاف عبارات النّصّين.
[ ١ / ٢٣٧ ]
نكته: من غَلُظَ فهمه وأظلم حسه وكثف لبه افتقر في إرشاده إلى معجز كثيف، فلا جرم كانت الآيات في أهل الكتاب من جنس فُهومِهم.
ولما لطفت أفهام آخرين وتروحنت نفوسهم وقوي نفوذ إدراكهم اكتفى في هدايتهم بالروحاني من المعجز، فلا جرم آمن طوائف بمجرد رؤية نبيّهم وسماع أوّل كلامه، ولم يتوقف إيمانهم على ما توقف عليه إيمان الأوّلين.
_________________
(١) نكته أخرى: من أرسله الملك إلى قطر في أمر ذي بالٍ فهو إما خصيص به أو غير خصيص، فإن كان خصيصًا به لم يحتج في تبليغ أوامره إلى مزيد ثبته. وإن كان الآخر فلا بدّ لوجوب الامتثال مما يقطع الاحتمال، فقد ثبتت بحمد الله نبوة المسيح، وتقررت رسالته بالأدلة المستنبطة من كتبهم على وجه لا خفاء به على من نَوَّرَ الله قلبه. (١/٧٧/ب) .
[ ١ / ٢٣٨ ]
الباب الثّالث: في تأويل ظواهر الإنجيل
/ (١/٧٧/ب) اعلم - رحمك الله - أنه إنما دخل الخلل على النصارى وغيرهم ممن بضاعته من المعقول مزجاة، ومن جهلهم بمقتضيات الألفاظ وعدم المعرفة بوجوه الكلام ولقصور أفهامهم هابوا تأويل الظواهر فلم يحملوها على بعض محتملاتها بالدليل، وليس ذلك صوابًا، بل ينبغي حراسة ما دَلَّ عليه دليل العقل الذي لا احتمال فيه، فإذا ورد لفظ عرض ظاهره على ما ضبطه دليل العقل، فإن لم يَنْبُ عنه استعمل الظاهر من اللفظ ولم يتأول، وإن نبا عنه طُلب له [وجه] ١ يحمل عليه ما يحتمله ليجمع بين اللفظ وبين مقتضى العقل٢، إذ الشرع لا
_________________
(١) ١ في ص (وجها) ولعل الصواب ما أثبته. ٢ كان الأولى بالمؤلِّف في ردّه على النصارى في هذا الباب أن يستفتحه ببيان حقيقة الأناجيل وألفاظها: فإن أناجيل النصارى ليست قطعية الثبوت والدلالة، بل هي ظنية إن لم تكن منتفية عنها. وذلك بنص القرآن الكريم في أخباره بتحريف أهل الكتاب لما أنْزَل عليهم، ولما ثبت من وجود التناقض والاختلاف في الأناجيل وعدم السند المتصل المتواتر لكتبهم، واعتراف بعض أحبارهم بكل ذلك كما سنبيّنه في الباب الرابع إن شاء الله تعالى. وعلى فرض التسليم الجدلي لهم بصحة أناجيلهم وفيها تلك الألفاظ التي زل فيها النصارى وهي - الأبّ والرّبّ والإله والابن - فإننا نجد لها تأويلًا (أي: تفسيرًا) لمعانيها الصحيحة من نصوص كتبهم المقدسة لديهم - حيث إن الكتاب الواحد يفسر بعضه بعضًا - وما يمكن أن تحمل عليه من المعاني الصحيحة بحسب سياق الكلام وبما يناسب إطلاقها عليه. فإن ألفاظ: (الإله والرّبّ) إذا أطلقت على الله فإنها تحمل على حقيقتها وما يستلزمه مقام الربوبية والألوهية من التعظيم والتنْزِيه والتفرد. وإذا ما أضيفت إلى المخلوقين وأطلقت عليهم فإنه يراد بها التكريم والتفخيم والتدبر والرعاية والتعليم بحسب ما يناسب مقام العبودية والبشرية. وكذلك لفظة: (الابن) إذا ما أضيفت إلى الله عزوجل فإنها لا تعني بنوة الولادة أو الانفصال عن الله عزوجل - كما توهمه النصارى - حيث لم ينفرد المسيح بإطلاقها عليه، بل شاركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين في التوراة والإنجيل - ممن لم يدع أحد فيه الألوهية فإنها تعني حينئذٍِ بنوة الطاعة والمحبة. أما قول المؤلِّف: "فإذا ورد لفظ الخ"، فهو نفس القانون الكليّ في التعارض بين الأدلة النقلية والعقلية الذي توهمه الرازي في كتابه: (أساس التقديس ص ١٧٢)، وقد سبقه إليه طائفة من أئمة الأشعرية منهم: أبو حامد الغزالي وابن العربي والجويني والباقلاني. (ر: المواقف للأيجي ص ٣٩، وأصول الدين للبغدادي ص ١٢) . وقد أبطل الإمام ابن تيمية قانونهم الكلّي في كتابه: "درء تعارض العقل والنقل"، حيث قال: "ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كلّ فريق لأنفسهم قانونًا فيما جاءت به الأنبياء عن الله، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعًا له، فما وافق قانونهم قبلوه، وما خالفه لم يتبعوه. وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم وردّوا نصوص التوراة والإنجيل إليها، لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم، وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل كسائر الغالطين، فمن يحتج بالسمعيات فإن غلطه إما في الإسناد وإما في المتن. وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم وقد غلطوا في الرأي والعقل، فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء. ثم ذكر الإمام ابن تيمية جوابين في الرّدّ على قانونهم: جواب إجمالي وتفصيلي: أما الإجمالي فيقول: والكلام على هذه الجملة بني على بيان ما في مقدمتها من التلبيس فإنها مبنية على مقدمات - أوّلها - ثبوت تعارضهما - والثانية - انحصار التقسيم فيما ذكروه من الأقسام الأربعة - والثالثة - بطلان الأقسام الثلاثة. والمقدمات الثلاثة باطلة، وبيان ذلك بأصل وهو: أن يقال: إذا قيل: تعارض دليلان - سواء كانا سمعيين أو عقلين، أو أحدهما سمعيًا والآخر عقليًا - فالجواب أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين أو يكونا ظنيين. وأما أن يكون أحدهما قطيعًا والآخر ظنيًا. فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما، وهذا متّفق عليه بين العقلاء؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة. وحينئذٍ فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر، للزم الجمع بين النقيضين وهو محال. وإن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعيًا دون الآخر، فإنه يجب تقديمه باتّفاق العقلاء، سواء كان هو السمعي أو العقلي فإن الظنّ لا يرفع اليقين. وأما إن كان جميعًا ظنيّين فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما، فأيهما ترجح كان هو المقدم سواء كان سمعيًا أو عقليًّا. فتبيّن أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي، ومثل هذا الغلط - أي: القانون السابق - يقع فيه كثير من الناس، يقدِّرون تقديرًا يلزم منه لوازم فيثبتون تلك اللوازم ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعًا، والتقدير الممتنع قد يلزمه لوازم ممتنعة كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢ [. اهـ. (ر: درء تعارض العقل والنقل ١/٤-٧، ٧٨-٨١، بتصرف يسير) . وأما الجواب التفصيلي فقد شغل معظم أجزاء الكتاب الذي يقع في عشرة أجزاء بتحقيق د. محمّد رشاد سالم. مما سبق يتبيّن لنا فساد ما ذكره المؤلِّف - عفا الله عنه وعنا - في مقدمة الباب الثالث؛ فإن الباطل لا يرد بباطل مثله. كما أنه يستلزم أن يتسلط النصارى على المسلمين بهذا القانون الكليّ الفاسد فيطالبون بتأويل ما ورد في القرآن الكريم والسنة من الألفاظ الشرعية كالصلاة والزكاة ونحوه بحملها على ظواهرها اللغوية ونفي معانيها الشرعية، وغير ذلك من الأمور التي تلزم قانونهم الفاسد.
[ ١ / ٢٤١ ]
يرد بخلاف ما يقتضيه العقل.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن الألفاظ التي زلوا فيها وقدروها نصوصا وليست
_________________
(١) وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم وردّوا نصوص التوراة والإنجيل إليها، لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم، وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل كسائر الغالطين، فمن يحتج بالسمعيات فإن غلطه إما في الإسناد وإما في المتن. وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم وقد غلطوا في الرأي والعقل، فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء. ثم ذكر الإمام ابن تيمية جوابين في الرّدّ على قانونهم: جواب إجمالي وتفصيلي: أما الإجمالي فيقول: والكلام على هذه الجملة بني على بيان ما في مقدمتها من التلبيس فإنها مبنية على مقدمات - أوّلها - ثبوت تعارضهما - والثانية - انحصار التقسيم فيما ذكروه من الأقسام الأربعة - والثالثة - بطلان الأقسام الثلاثة. والمقدمات الثلاثة باطلة، وبيان ذلك بأصل وهو: أن يقال: إذا قيل: تعارض دليلان - سواء كانا سمعيين أو عقلين، أو أحدهما سمعيًا والآخر عقليًا - فالجواب أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين أو يكونا ظنيين. وأما أن يكون أحدهما قطيعًا والآخر ظنيًا. فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما، وهذا متّفق عليه بين العقلاء؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة. وحينئذٍ فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر، للزم الجمع بين النقيضين وهو محال. وإن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعيًا دون الآخر، فإنه يجب تقديمه باتّفاق العقلاء، سواء كان هو السمعي أو العقلي فإن الظنّ لا يرفع اليقين. وأما إن كان جميعًا ظنيّين فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما، فأيهما ترجح كان هو المقدم سواء كان سمعيًا أو عقليًّا. فتبيّن أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي، ومثل هذا الغلط - أي: القانون السابق - يقع فيه كثير من الناس، يقدِّرون تقديرًا يلزم منه لوازم فيثبتون تلك اللوازم ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعًا، والتقدير الممتنع قد يلزمه لوازم ممتنعة كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢ [. اهـ. (ر: درء تعارض العقل والنقل ١/٤-٧، ٧٨-٨١، بتصرف يسير) . وأما الجواب التفصيلي فقد شغل معظم أجزاء الكتاب الذي يقع في عشرة أجزاء بتحقيق د. محمّد رشاد سالم. مما سبق يتبيّن لنا فساد ما ذكره المؤلِّف - عفا الله عنه وعنا - في مقدمة الباب الثالث؛ فإن الباطل لا يرد بباطل مثله. كما أنه يستلزم أن يتسلط النصارى على المسلمين بهذا القانون الكليّ الفاسد فيطالبون بتأويل ما ورد في القرآن الكريم والسنة من الألفاظ الشرعية كالصلاة والزكاة ونحوه بحملها على ظواهرها اللغوية ونفي معانيها الشرعية، وغير ذلك من الأمور التي تلزم قانونهم الفاسد.
[ ١ / ٢٤٢ ]
بنصوص أربعة: الإبن، والأب، والإله، والرب.
وإذا نحن أتينا عليها بالتأويل١ وبيّنا ما يحتمله بالدليل من التوراة والإنجيل لم يبق إلى إجرائها على الظاهر من سبيل، بعد أن / (١/٧٨/أ) نقدّر صحّتها مثلًا ونسلم ورودها جدلًا، ولو نسبناهم فيها إلى التحريف والتصحيف لأغريناهم بطغيانهم وحسمنا عنهم مادة إيمانهم، بل نلاطفهم ونتكلم بمقتضى اصطلاحهم ومنقولهم فعسى أن يكون ذلك أقرب لمعقولهم، فأما الخوض بهم في أدلة العقول فشيء لا تحمله قواهم ولا يلائم هواهم.
فنقول - وبالله التوفيق -: أما لفظتا الابن والأب: فلغتهم تسمي الولي (ابنًا) وتسمي المربِّي (أبًا) ٢ ويعبرون عن ذلك بأبوَّة النعمة وبُنُوَّة الخدمة وذلك
_________________
(١) ١ التأويل في اللغة: يطلق على معنيين: ١- الرجوع والعاقبة والمصير. ٢- التفسير والبيان. (ر: الصحاح للجوهري ٤/١٦٢٧، القاموس المحيط ص ١٢٤٤) . ٢ ورد في قاموس الكتاب ص ١٧ أن كلمة (الأب) وردت في الكتاب المقدس بمعانٍ كثيرة منها:
(٢) السلف المباشر للإنسان أي: والده.
(٣) الجد أو الأسلاف على وجه عام.
(٤) أطلق هذا اللفظ رمزيًا على: أ- الأب الروحي الذي ينفث من روحه في غيره سواء كان تأثيره طيبًا أو على النقيض من ذلك، فقد دُعي إبراهيم (أبو المؤمنين)، كما دعي إبليس أبو الأشرار. ب- الدلالة على التشابه والتقارب والتماثل (وقلت للقبر أنت أبي) . سفر أيوب ١٧/١٤. ج- على مصدر الشيء مثل: (أبو المجد) . أفسس ١/١٧. د- على الخالق. هـ وعلى مبتدع فنّ ما أو عمل ما، أو مبتكر أسلوب خاص للحياة. (أب ساكني الخيام) . تكوين ٤/٢٠. وعلى الشخص الذي تظهر فيه خاصيات الأبوة. (أبو اليتامى) . مزمور ٦٨/٥. ز- على من يقوم بعمل المرشد والمشير والمهتم بأمر من الأمور. (وهو قد جعلني أبا لفرعون) . تكوين ٤٥/٨. ح- على رئيس محترم مكرم، ويطلق بخاصة على الأنبياء والمتقدمين في السن والمقام وعلى المسيحيين الأوّلين. يعتبر الله في الديانة المسيحية أبًا، وأبوة الله تسير في اتجاهين: الأوّل: أبوته للبشر بالخلق. والثاني: أبوته للمؤمنين بالنعمة. اهـ. ملخصًا. قلت: فإذا كانت هذه معاني الأبوة في الكتاب المقدس لديهم، فما الذي جعل أبوة الله للمسيح مختصة بأن تكون من نفس جوهر الذات الإلهية - على حد زعمهم وسخافتهم؟ - وكيف يكون ذلك وقد شاركه غيره من الأنبياء والصالحين في تلك الأبوة ولهم من المعجزات أكثر مما للمسيح؟؟.
[ ١ / ٢٤٣ ]
عندهم مشهور وفي نبوات أنبيائهم مذكور مرسوم والدليل عليه من التوراة قول الله لموسى: "اذهب إلى فرعون فقل له: يقول لك الرّبّ إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني فإن أبيت أن ترسل ابني بكري قتلت ابنك بكرك"١. قالت التوراة: "فلما لم يرسل فرعون بني إسرائيل كما قال الله قتل الله أبكار فرعون وقومه من بكر فرعون الجالس على السرير إلى الأتوني من أولاد الآدميين إلى ولد الحيوان البهيم"٢ / (١/٧٨/ب) .
فهذه التوراة تُسَمِّي بنبي إسرائيل كلهم أبناء الله وأبكاره وتسمي أبناء أهل مصرأبناء فرعون وتوسع بتسمية سخال٣ الحيوان أولادًا لمالك الحيوان.
فهل بقي بعد هذا ريب في صرف البنوة عن ظاهرها وحملها على الوليّ والعبد؟!
ألم تسمع النصارى قوله الله: "أرسله يعبدني"، فعبر عن العبد المطيع له الممتثل أمره بالابن؟! ٤.
_________________
(١) ١ سفر الخروج ٤/٢٢، ٢٣. ٢ سفر الخروج ١٢/٢٩، ٣٠. ٣ يقال (السخلة) لولد الغنم من الضأن والمعز ساعة وضعه ذكرًا كان أو أنثى، وجمعه: سخل وسخال. (ر: مختار الصحاح ص ٢٩٠) . ٤ ورد في قاموس الكتاب ص ١٠٨، ١٠٩، أن كلمة: "ابن الله أو أبناء الله" لقب أطلق على:
(٢) المسيا (المسيح) وهو يدل على العلاقة القوية بين الأب السماوي والابن الأزلي.
(٣) دعي آدم ابن الله. (لوقا ٣/٣٨) .
(٤) دعي إسرائيل وشعبه ابن الله وأبناء الله.
(٥) أطلق على المؤمنين بالله والناس الأتقياء.
(٦) وعلى الملائكة. اهـ. ملخصًا. وأستشهد هنا بقول الأستاذ شارل جنيْبر في كتابه: "المسيحية" ص ٣٩، ١٠٦، في بيان حقيقة إطلاق (ابن الله) على المسيح، فيقول جنيبر: "والدراسات الأكيدة لدراسات الباحثين هي: أن عيسى لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه إنه (ابن الله)، وذلك تعبير لم يكن في الواقع ليمثل - بالنسبة إلى اليهود - سوى خطأ لغوي فاحش وضرب من ضروب السفه في الدين. كذلك لا يسمح لنا أي نص من نصوص الأناجيل بإطلاق تعبير (ابن الله) على عيسى، فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين الذين تأثروا بالثقافة اليونانية، إنها اللغة التي استخدمها القديس بولس كما استخدمها مؤلِّف الإنجيل الرابع، وقد وجدوا فيها معانٍ عميقة وعلى قدر كافٍ من الوضوح بالنسبة إليهما. ثم يقول جنير: يمكن لليهود أن يعتبر نفسه (عبدًا ليهوه لا ابنًا ليهوه)، ونعتقد أنه من المحتمل أن يكون عيسى قد تصور نفسه (عبد الله) وتقدم للناس بهذه الصفة. والكلمة العبرية (عبد) كثيرًا ما تترجم إلى اليونانية بكلمة تعني (خادمًا) و(طفلًا) على حد سواء، وتطور كلمة (طفل) إلى كلمة (ابن) ليس بالأمر العسير، فإن كلمة (﵁ X؟S) (اليونانية) تعني في نفس الوقت (خادم) و(طفل)، تمامًا كالكلمة اللاتينية: (P عزوجل e ﷺ)، وعلى هذا يكون التطور في اللغة اليونانية من: (﵁ X؟S) أي: (طفل) إلى: (عزوجل igs) أي: (ابن) أمرًا في غاية البساطة. ولكن مفهوم (ابن الله) نبع من العالم الفكري اليوناني".اهـ.
[ ١ / ٢٤٤ ]
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "قَلَّ ما رأيت لفظة الابن في كتبهم إلاّ مقرونة بالعبودية والتعبد كقول التوراة: "إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني"١.
وكقول المزامير: "أنت ابني سلني أعطيك"٢. وكقول المسيح: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"٣. وكقوله: "إذ صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات قدوس اسمك افعل بنا كذا وكذا"٤. من باب السؤال والدعاء، فإذا كان إسرائيل ابن الله وبكره، فأيُّ مزية للمسيح عليه وعلى غيره في هذه البنوّة؟!
_________________
(١) ١ خروج ٤/٢٢. ٢ مزمور ٢/٧، ٨. ٣ يوحنا ٢٠/١٧. ٤ متى ٦/٩-١٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقال أيضًا في التوراة في قصة الطوفان: "إنه لما نظر بنو الله إلى بنات الناس [حسانا] ١ جدا شغفوا بههن فنكحوا منهن ما أحبوا واختاروا فلولدوا جبابرة مذكورين / (١/٧٩/أ) فأفسدوا فقال الله: لا تحل عنايتي على هؤلاء القوم"٢.
قال المؤلِّف: أراد بأبناء الله أولاد القتيل من بني آدم وهو هابيل، وأراد ببنات الناس بنات القاتل وهو قابيل، وكُنَّ [حسانا] ٣ جدا فصروا قلوبهن عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام، وقد سمَّى الله أولاد الصلحاء من عباده أبناء له إذ كانوا أولياءه وأبناء وليه وصفيه الشهيد. فدلّ على ما قلناه من تسمية الولي في شرع أهل الكتاب ابنًا والمربِّي له أبًا ومنعمًا، وذلك لا خفاء به عندهم، والدليل على ذلك من المزامير قول الله: "يا داود أنت ابني حبيبي"٤، وذلك يقضي بمساواته المسيح إذ يقول له: "هذا ابني الحبيب"٥. فما نرى الإنجيل زاد المسيح على أن ساواه بداود وإسرائيل وأولاده الصلحاء من أولاد هابيل الذي قتله قابيل.
وقال في المزامير لداود أو لغيره: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك، سلني أعطيك"٦. وفي المزامير: "ولدتك من البطن قبل الفجر"٧.
وقال نبي الله أشعيا في نبوته حاكيًا عن الله: "توصوا بني في أبنائي وبناتي"٨. يريد ذكور عباده / (١/٧٩/ب) الصالحين وإناثهم.
_________________
(١) ١ في ص (حسان) والصواب ما أثبته. ٢ تكوين ٦/١-٤، وفي ش: في التوراة لما نظر بنو اللهم، اللام مفخمة وهو عبارة عن اسم الله تعالى. ٣ في ص (حسان) والصواب ما أثبته. ٤ متى ٣/١٧، مرقس ٩/٧. ٥ مزمور ٢/٧. ٦ مزمور ٢٢/٩، ١١٠/٣. ٧ سفر أشيعا ٤٣/٦. ٨ سفر أشعيا ١/٢.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقال الله في نبوة أشعيا: "إني ربيت أولادًا حتى كبروا ونشأوا"١، فما نرى المسيح إلاّ نسج له على منوال من تقدمه من صلحاء عباد الله فإن لم يصح هذا النقل فلا بنوة، وإن كان صحيحًا فلا مزية.
والدليل على أن البنوة بمعنى التربية والإنعام قول المسيح في الإنجيل: "إني رباني"٢، فقرن الأبوة بالتربية.
وقال المسيح: "أنا الكرم وأبي الفلاح فكما أن الفلاح يسقي الكرم ويدفع عنه الأذى ويُنمِّيه فكذلك يفعل الأب"٣.
قال المؤلِّف: وإذا كان هذا نقلهم عن الله تعالى أن الله تعالى سمَّى الصالحين من عباده والمتقين من خلقه أبناء، فلا معنى لإطنابهم في بنوة المسيح وتخصيص التأويل بداود وإسرائيل وغيره ما إليه من سبيل.
قلت: وهذه الولادة الروحانية هي الأبوة المعتبرة المستفادة من تربية المشائخ والعلماء بالله الدالين عليه المحبين عباده، وبها يصير الإنسان إنسانًا، وذلك أن الوالد الجسماني يضع المولود ساذجًا عن المعرفة، خاليًا عن العلم، عاطلًا من الأدب، متوفر البهيمية / (١/٨٠/أ) نزر الإنسانية، ليس له كبير فضل على الحيوان البهيم، فإذا ولد الولادة الروحانية نقل إلى طور الإنسان، وحُوِّل عن بهيم الحيوان، فتروى بالعلم، وتحلَّى بالحكم، وتَشَنَّف بالأدب، وتشرف بالزهد، وتَرَوْحن بالمعرفة، فترقى عن الإنسانية وناسب الملائكة، فحينئذٍ تمت له الولادة الروحانية وتلاشت في جنبها الولادة الترابية الجسمانية.
_________________
(١) ١ يوحنا ١٤/٣١. ٢ يوحنا١٤/٣١. ٣ يوحنا١٥/١-٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
والدليل على اعتبار هذه الولادة قول المسيح: "لن يدخل ملكوت السماوات من لم يولد من ذي قبل، قيل له: كيف يولد شيخ، قال: الحقّ أقول لكم إن المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح روح هو"١.
يريد عزوجل روح الحكمة التي قالت التوراة: "إنها ملأت بصلئيل من سبط يهوذا"٢. "وقال رجل من أصحاب المسيح له: يا سيد مرني أن أذهب فأدفن أبي، فقال: دع الموتى يدفنون موتاهم"٣. أمره بملازمة الأب الروحاني الذي يكون سبب الحياة الدائمة.
ولما استعمل رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد٤ على مكّة قال: "يا عتاب أتدري على من استعملتك؟ / (١/٨٠/ب) استعملتك على أهل الله، قالها مرات"٥. وقال عزوجل: "أهل القرآن هم أهل الله"٦.
_________________
(١) ١ يوحنا ٣/٣-٦. ٢ سفر الخروج ٣١/١-٣. ٣ مى ٨/٢١-٢٢، لوقا ٩/٥٩، ٦٠. ٤ عتاب بن أسيد أبي العيص، أسلم يوم الفتح، وكان عامل الرسول ﷺ على مكّة، ومات في آخر خلافة عمر بن الخطاب - ﵄. (ر: ترجمته في ابن سعد ٥/٤٤٦، والإصابة ٤/٢١١) . ٥ أخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ٧/٢٤٥، قال: "ثنا القاسم بن عليّ الجوهري، ثنا يحيى بن عثمان، ثنا يحيى بن بكير، ثني يحيى بن صالح الأيلي عن إسماعيل بن أمية عن عطاء عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا عتاب بن أسيد إني قد بعثتك إلى أهل الله وأهل مكّة ". الحديث. وفي إسناده يحيى بن صالح الأبيل، قال العقيلي عنه: روى مناكير وكذا قال ابن عدي. (ر: لسان الميزان ٦/٢٦٢) . وأما نصّ المؤلِّف فقد ذكره ابن سعد في الطبقات ٥/٤٤٦، من غير إسناد. ٦ أخرجه ابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/٤٢)، والإمام أحمد ٣/١٢٧، ١٢٨، ٢٤٢، والحاكم ١/٥٥٦، وغيرهم من طرق كلها عن عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵁ ، فذكره. قال الحاكم: "قد روى هذا الحديث من ثلاثة أوجه عن أنفس هذا أمثلها"، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وقيل لأبي بكر الصّدِّيق: ماذا تقول لربّك وقد استعملت علينا عمر؟ فقال: "أقول: استعملت على أهلك خير أهلك"١.
وذلك لكه للتشريف وإلاّ فلا مناسبة بين القديم والحادث والخالق والمخلوق وبعد، فقد كانت هذه الولادة - أعني ولادة التربية - مشهورة في الزمن الأوّل والدهر المتقدم، فكأن التبني بالغير مسوغ فانظر إلى المعنى الذي أشرنا إليه، ولم يزل ذلك كذلك إلى قبيل الإسلام ولما قال عزوجل: "إن زيدًا٢ ابني يرثني وأرثه، رضي بذلك والد زيد وعمومته وانصرفوا"٣. فلما جاء الله بالإسلام والنبوة منع من ذلك رفعا للالتباس بالتسمية وأحكام الأبوة الدنيوية فقال جل من قائل: ﴿ادْعُوهُم لآبَائِهِم﴾ . [سورة الأحزاب، الآية: ٥] .
فإن أراد النصارى بالأبوة والبنوة المذهب الروحاني من التربية والتعليم والتهذيب والتقويم، لم نشاححهم في الألفاظ بعد فهم المعاني، لكنا نقول لهم: لا اختصاص للمسيح عزوجل بهذه البنوة، ونتلو عليهم ما تقدم مما نقلناه من التوراة والنبوات والإنجيل.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/١٩٩، ٢٧٤، بإسناده. ٢ زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، حبّ رسول الله ﷺ، الصحابي المعروف ﵁. ٣ إن موضع استشهاد المؤلِّف بأن زيدًا عرف بابن محمّدصلى الله عليه وسلم لتربيته وتبنّيه له، قد أخرجه البخاري في كتاب التفسير. (ر: فتح الباري ٨/٥١٧)، ومسلم ٤/١٨٨٤، والترمذي ٥/٦٣٤، عن ابن عمر - ﵄: "أن زيدًا بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلاّ زيد بن محمّد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . وأما لفظ ما أورده المؤلِّف فقد أخرجه ابن سعد٣/٤٢،ابن حجر في الإصابة ٣/٢٥، من طريق هشام بن السائب الكلبي عن أبيه، وعن حميد بن مرثد الطائي وغيرهما في سياق طويل، إلاّ أنّ في إسناده محمّدًا بن السالبي وهو متّهم بالكذب، ورمي بالرفض، من السادسة. (ر: التقريب ٢/١٦٣) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
(١/٨١/أ) الدليل على مساواة المسيح غيره في هذه البنوة وأنه لم يخص بها نفسه:
وذلك في الإنجيل كثير جدًا قال المسيح في خاتمة الإنجيل: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" فقد سوى بين نفسه وبين تلاميذه في هذا المعنى ويوضحه قوله: "وإلهي وإلهكم"، فإن رام النصارى تفرقة بين المسيح وبين غيره قلبنا عليهم الكلام وعكسنا المرام حتى يضطرهم الحجاج إلى جعل البنوة في حق المسيح وغيره بمعنى واحد.
قال المؤلِّف لقد فاوضني بعض الرهبان ممن يدَّعي بنانًا في البيان، فأفضى الحديث معه إلى ذكر الابن والبنوة، فألزمته قول التوراة: "ابني بكري" وقلت له: لعل البكر يكون أحظى عند والده، وأولى بطريف١ بِرِّه وتالده٢، فما تقول في بنوة إسرائيل؟ فقال: إسرائيل وغيره ابن النعمة والمسيح ابن على الحقيقة، فعكست عليه كلامه فتبلد واختزى ولجأ إلى ضعف العبارة واعتزى٣.
وقد سوَّى المسيح بين نفسه وبين سائر المطيعين من عباد الله في هذه البنوة وقد أخبر يوحنا الإنجيلي في الفصل الثاني من الرسالة٤ الأولى أن إطلاق لفظ البنوة إنما هي / (١/٨١/ب) مجرد تسمية امتن الله بها عليهم تشريفًا لهم فقال: "انظروا إلى محبة الأب لنا أنه أعطانا أن ندعا له أبناء"٥. ثم قال في الفصل الثالث منها: "أيها الأحباء الآن صرنا أبناء الله وقد تبنَّن بنا فينبغي لنا أن نَنْزِله من الإجلال
_________________
(١) (الطارف والطريف) من المال المستحدث وهو ضدّ التالد والتليد والاسم: (الطرفة) . (ر: مختار الصحاح ص ٣٩٠) . ٢ التالد: المال القديم الأصلي الذي ولد عندك وهو ضدّ الطارف. (ر: مختار الصحاح ص٧٨) . ٣ أي: نسيب إلى ضعف العبارة والخزي والتبلد، وأصله عزا، عزاه، فااعتزى. (المرجع السابق، ص ٤٣١) . ٤ رسالة يوحنا الأولى من ضمن أسفار العهد الجديد. ٥ رسالة يوحنا الأولى ٣/١.
[ ١ / ٢٥٠ ]
على ما هو عليه، فمن صحّ له هذا الرجاء فليزك نفسه بترك الخطيئة والإثم واعملوا أن من لابس الخطيئة فإنه لم يعرفه"١.
قال متى: "قال المسيح: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلوا على من يطردكم، لكيما تكونوا بني أبيكم المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصّديقين والظالمين"٢.
وقال المسيح لتلاميذه: "كونوا كاملين مثل أبيكم فهو كامل، لا تصنعوا معروفكم قدام الناس لكي تراؤنهم فيحبط أجركم عند أبيكم الذي في السماوات، لتكن صدقتك في السّرّ وأبوك يرى السّرّ فيجزيك علانية، إذا صليت فادخل مخدعك وأغلق بابك وصل لأبيك سرًا وأبوك يرى السّرّ فيجزيك علانية، وإذا صليتم فلا تتشبهوا بالوثنيين لأنهم يظنون أن / (١/٨٢/أ) يسمع منهم بكثرة كلامهم، فأبوكم عالم بحوائجكم قبل أن تسألوه"٣.
فهذا المسيح قد سوَّى بين نفسه وبين سائر المطيعين لله في البنوة، وبيَّن أن لفظة: "الابن" قد تطلق على العبد الصالح بدليل قوله لليهود: "أنتم لو كان الله أباكم كنتم [تحبونني] ٤، أنتم من أبيكم إبليس وشهوة إبليس تهون"٥.
_________________
(١) ١ رسالة يوحنا الأولى ٣/٢-٦، وقد ورد النص الآتي: "أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون؟ ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله لأننا س سنراه، كما هو وكلّ من عنده هذا الرجاء به يطهر نفسه كما هو طاهر، كل من يفعل الخطيئة يفعل التعدي أيضًا والخطيئة هي التعدي وتعلمون أن ذلك أظهر، يرفع خطايانا وليس فيه خطيئة، كل من يثبت فيه لا يخطئ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه". ٢ لوقا ٦/٢٧-٣٥، في سياق طويل وقد ذكره المؤلِّف مختصرا. ٣ متى ٥/٤٨، ٦/١-٨. ٤ في ص (تحبوني) ولعل الصواب ما أثبته. ٥ يوحنا ٨/٤٢-٤٤، بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ٢٥١ ]
وقد قال فولس في الرسالة الخامسة: "إياكم والسفه والسب واللعن واللعب، فإن الزاني والنجس والغاشم كعابد الوثن لا نصيب له في ملكوت الله، احذروا هذه الشرور فمن أجلها يأتي رجز الله على الأبناء الذين لا يطيعونه، فإياكم أن تكونوا شركاءهم فقد كنتم من قبل في ظلمة فاسعوا لأن نسعى [كأبناء] ١ النور"٢. انظر كيف سمى فولس حكيم النصارى [من] ٣ يعمل بالمعاصي ابنًا، كما سمّى المتقين من عباد الله ابنًا، فقد استبان لك مرادهم بالبنوة التي يطلقونها.
نوع آخر: قال المسيح: "سمعتم ما قيل العين بالعين والسن بالسن وأنا أقول لا تقاوموا الشرّ بالشرّ ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول الآخر، ومن رام أخذ ثوبك فزده إزارك / (١/٨٢/ب) ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين، ومن سألك فأعطه، ومن اقترض منك فلا تمنعه، سمعتم ما قيل أحبب قريبك وأبغض عدوّك وأنا أقول لكم أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلوا على من يطردكم ويخزيكم، لكيما تكونوا بني أبيكم كونوا كاملين مثل أبيكم فهو كامل٤، وإذا صنعت رحمة فلا تصوِّت قدامك بالبوق كالمرائين في المجامع والأسواق لكي يُحمدوا من الناس، الحقّ أقول لكم لقد أخذوا أجرهم، وإذا صنعت رحمة فلا تعلم شمالك ما صنعت يمينك لتكن صدقتك في السِّرّ وأبوك يجزيك علانية، وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين الذين يصلون ليظهر للناس صلاتهم، الحقّ أقول لكم لقد أخذوا أجرهم٥، وإذا
_________________
(١) ١ في ص (أبناء) ولعل الصواب ما أثبته. ٢ رسالة فولس إلى أهل أفسس ٥/٣-٨. ٣ إضافة يقتضيها السياق. ٤ متى ٥/٣٨-٤٨. ٥ متى ٦/١-٥.
[ ١ / ٢٥٢ ]
صمتم فلا تكونوا كالمرائين الذين يعبسون وجوههم ويغيِّرونها ليظهر للناس صيامهم، الحقّ أقول لكم لقد أخذوا أجرهم، وأنت إذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك كيلا يظهر للناس صيامك، اغفروا للناس خطاياهم ليغفر لكم أبوكم السماوي خطاياكم، لا تكنِزوا لكم كنوزًا في الأرض [حيث] ١ الأكلة والسوس / (١/٨٣/أ) والسارق ولكن اكنِزوا لكم كنوزًا في السماء حتى لا تفسدها سوس ولا تنالها أيدي السُّرَّاق، فحيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم"٢.
فهذه أقوال من المسيح شاهدة بأنه عزوجل لم يخص نفسه بالبنوة دون أدناهم، وأنه وإياهم فيها سيَّان، وأنّها كلمة تطلق على عباد الله الصالين، وأنه حيث ما ذكرها قرنها بالعبودية والتشمير في الطاعة، وأن من كان منحرفًا عن التقى والديانة لم يصلح لهذه البنوة، كما قال المسيح لليهود: "أنتم من أبيكم إبليس". حيث لم يرضهم للبنوة المعزوة إلى الصالحين من بني إسرائيل.
إطلاق أتباع المسيح لفظ البنوة على أنفسهم غير مفرقين فيها بينهم وبين المسيح [و] ٣ أنهم لم يفهموا منها إلاّ ما أشرنا إليه:
قال يوحنا التلميذ في قصص الحواريّين الذي يسمى فراكسيس: "يا أحبائي إنا أبناء الله سمانا بذلك، واعملوا أن الفصل بين أبناء الله وأبناء الشيطان أن من لم يتَبَرر ويحب أخاه فليس من الله بل من الشيطان"٤.
_________________
(١) ١ في ص (جنب) والتصويب من النص. ٢ متى ٦/١٦-٢١. ٣ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٤ رسالة يوحنا الأولى ٣/١-١١، بألفاظ متقاربة، ولم يرد النصّ في سفر أعمال الرسل كما ذكر المؤلِّف.
[ ١ / ٢٥٣ ]
فبيَّن الحواري أن بنوة الله عبارة عن طاعته وأن من لم يطع الله / (١/٨٣/ب) فليس يصلح لهذه البنوة ولا تليق به، وساوى بين نفسه وبين المسيح في هذه البنوة. فلم يبق بعدها للنصارى باقية، ولم تقم لهم في تخصيص المسيح بالبنوة قائمة. وقد عبَّر يوحنا الإنجيلي عن هذه البنوة بالطاعة والاستقامة، وذكر أن مَن كان منحرفًا عن خدمة الله لم يصلح لهذه البنوة، فقال في الفصل الثالث من رسالته الأولى: "اعملوا أن كل من ولد من الله فلن يعمل خطيئة من أجل أن زرعه [ثابت] ١ فيه فلا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله وبهذا نتبيّن أبناء الله من أبناء الشيطان فكل من لا يعمل البر فليس هو من الله"٢.
فالمسيح عزوجل ويعقوب وداود ومن مضى من أولياء الله وأنبيائه لما تحققوا بخدمة الله وسارعوا إليها أطلق اللسان العبراني عليهم هذه التسمية تشريفًا له ولا مزية للمسيح على غيره في ذلك.
وقال فولس الذي يسمونه فولس الرسول وهو المفرس العالم الذي لهم في رسالته إلى ملك الروم: "أن الروح تشهد لأرواحنا أنا أنباء الله وإذا كنا أبناءه فنحن ورثته / (١/٨٤/أ) أيضًا". وقال فولس في هذه الرسالة: "إن البرية كلها تترجى ظهور أبناء الله"٣.
قال المؤلِّف: إن كان هذا الكلام صحيحًا، فالمسلمون أحق بهذه التسمية فإنهم الذين ملأوا الأرض ونفعوا البرايا والأمم بما أرشدوهم إليه من طاعة الله، وعلموهم من توحيده، وشرعوا لهم من أحكامه، وتحقق رجاء البرية بما أفادهم المسلمون من مصالح دينهم ودنياهم.
_________________
(١) ١ في ص (ثابتا) والصواب ما أثبته. ٢ رسالة يوحنا الأولى ٣/٩، ١٠. ٣ رسالة بولس إلى أهل رومية ٨/١٦-١٩، وقد وهم المؤلِّف في قول إنها رسالة بولس إلى ملك الروم.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقال فولس في رسالته إلى بعض النواحي: "أولا تعلمون أنكم هياكل الله، وأن روح الله حالة فيكم، وأن الدنيا والآخرة لكم"١.
وقال فولس لإخوانه: "إن أجسامكم هيكل لروح القدس التي قبلتموها عن الله"٢. وقال فولس في رسالته الثانية: "إن الله تعالى قال: إني أحل فيهم وأسعى معهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون بمنْزِلة البنين والبنات"٣.
فهذا فولس- المؤتمن عند النصارى-لم يدَّع أن المسيح [مباين] ٤ أحد من الملة في هذه البنوة، وقول فولس: "إنكم هياكل الله"، الهيكل٥ بيت متعبدهم كالمسجد ونحوه، فشبه بيت العبد الصالح في طهارتها وعمارتها بذكر الله بالهيكل والمسجد.
وقال متى في إنجيله / (١/٨٤/ب): "إن جباة الجزية جاءوا إلى بطرس فقالوا: ما بال [معلمكم لا] ٦ يؤدّي الجزية؟ فقال لهم: نعم. ثم أخبر المسيح بمقالتهم فقال: يا بطرس والبنون أيضًا تؤدّي الغرم، اذهب إلى البحر فأوّل حوت يخرج فخذ وأدِّ عني وعنك"٧.
فهذا متى يشهد على المسيح بأنه لا يختص بهذه البنوة وأن [البنين] ٨ سواه كثير.
_________________
(١) ١ رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٣/١٢، ١٦، في سياق طويل وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا. ٢ رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٦/١٩ بألفاظ متقاربة. ٣ رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ٦/١٩ بألفاظ متقاربة. ٤ في ص (مباينا) والصواب ما أثبته. ٥ الهيكل: كلمة سومرية معناها: (البيت الكبير) وهو مكان عبادة الله، ويقوم مقام الكنيسة اليوم، وكان اليهوديطلقون اسم:"الهيكل" على مكان واحدكبير في القدس، وباقي أماكن العبادةكانت تسمى: (مجامع) ومفردها مجمع. (ر: قاموس ص١٠١٢) . ٦ بياض في الأصل، والتصويب من النصّ في ص: ١٩٨. ٧ متى ١٧/٢٤-٢٧. ٨ في ص (البنون) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وهذه صورة [صلاة] ١ زعم النصارى أن المسيح علَّمها تلاميذ: وهي: "أبانا الذي في السماوات قدوس اسمك يأتي ملكوتك تكون مشيئتك كما في السماء كذلك تكون على الأرض، آتنا خبزنا قوتًا في اليوم، واغفر لنا ما وجب علينا كما نحب أن نغفر لمن أخطأ إلينا، ولا تدخلنا التجارب ولكن نجنا من الشرير، إذ لك المجد والقوة والملك إلى الأبد. آمين"٢.
قال المؤلِّف: قوله: "آبانا الذي في السماوات" لفظ موهم من حيث الأبوة ومن حيث الجهة.
فالأبوة متروكة الظاهر بقول يوسف في التوراة: [لأخيه بنيامين - وهو لا يعرفه - يا بني الله يترأف] ٣ عليك.
فقد سمى أخاه ابنه، وليس ابنًا له على الحقيقة، وبقوله / (١/٨٥/أ) في التوراة لإخوته: "لستم أنتم الذين بعتموني بل الله قدمني أمامكم، وجعلني أبا لفرعون وسيدًا لأهل الأرض"٤. يريد مدبرًا له.
_________________
(١) ١ إضافة يقتضيها السياق. ٢ متى ٦/٩-١٤، لوقا ١١/٢-٤. وهذه الصلاة يسميها النصارى: "بالصلاة الربانية" وهي فاتحة صلاتهم وبعدها يقرؤون الصلوات (الأدعية) التي تناسب صلاتهم، وتنقسم هذه الصلاة إلى ثلاثة أقسام: (١) الدعاء "أبانا الذي "، (٢) الطلبات وهي سبت، ثلاث منها تختص باسم الله وملكوته ومشيئته، وثلاث باحتياجات الإنسان الزمنية والروحية. (٣) التمجيد (لأن لك الملك ". (ر: قاموس ص ٥٥٢، الصلاة في الأديان الثلاثة ص ١٣٥، ١٥٨، أحمد أبو طبة". ٣ في ص: "لا جيب سامن وهو لا يعرفه يا بني الله يترأف"، والتصويب من النّصّ في سفر التكوين ٤٣/٢٩. ٤ تكوين ٤٥/٤-٨.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وقد كان التلاميذ يقولون للمسيح يا أبت١، وليس [أباهم] ٢ إلاّعلى جهة التدبير كما قال لهم: "لا تدعوا لكم مُدبَّر على الأرض فإن مدبركم المسيح"٣.
وكانوا أيضًا يدعون بطرس بعد المسح (أبا) لهم كما شهدت به سير التلاميذ، وذلك بمعنى المدبر، فيعلم اللبيب أن قول المسيح لربّه (يا أبت) إن صحّ ذلك عنه كقول بطرس للمسيح (يا أبت) وكقول التلاميذ لبطرس (يا أبت) . وعند الوقوف على هذه المواضع تنحل عقود النصارى في دعوى بنوة المسيح وينفصم عراهم فلا يحاولون انفصالًا إلاّ وينعكس عليهم في بنوة المسيح.
ويقال لهم: هل بنوة يوسف لأخيه بنيامين ولملك مصر إلاّ كأبوة الله للمسيح؟ ! وهل بنوة المسيح لله إلاّ كبنوة إسرائيل وداود وأولاده الشهيد من ابني آدم كما حكوا عن التوراة والكتب القديمة؟ ولما كان الأب هو المشفق المرفق العاطف ببره العابد بخيره، المحرك بإحسانه / (١/٨٥/أ) المفضل بتطوله وامتنانه، وكانت هذه المعاني لا تتحقق على الحقيقة إلاّ من الله جلت قدرته، وكان المسيح قد توفرت روحانيته فلم ير الوسائط، حَسُنَ٤ عنده التجوز باسم الأب عن الرّبّ، وهذا محمل يتعين حمل هذه الألفاظ عليه إن صحّ إطلاقها
_________________
(١) ١ لم أعثر في الأناجيل على نصّ يشير إلى أن التلاميذ كانوا يقولون للمسيح: يا أبت، ولكن ورد فيها أ، التلاميذ كانوا ينادون المسيح بالألقاب الآتية: - (المسيح ابن الله) . ر: متى ١٦/١٦. - (ربّ) . ر: مى ١٦/٢٦، مرقس ٨/٣١، يوحنا ٢١/١٥. - (سيد) . ر: مرقس ٩/٤-٥، يوحنا ١٣/١٣٧. - (معلم) . ر: يوحنا ٣/٢. ٢ في ص (أبوهم) والصواب ما أثبته. ٣ متى ٢٣/٩. ٤ في ش: جواب لَمَّا.
[ ١ / ٢٥٧ ]
منه، إذا القديم جلّ وعلا يتقدس عن أن يشار إليه بأبوة البعضية المتّخذة من الزوجة والسرية تعالى القديم عن مماسة العديم، ويقدس العظيم عن ملابسة الهضيم١. ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . [سورة الشورى، الآية: ١١] .
ولما كان الابن هو المضهوم الجناح، المفتقر في سعيه إلى النجاح، الخائف من دركات الهلكات بركوب الجناح، اللائذ بأبيه [لاستمطار] ٢ نواله، المتعلق بذيول كرمه في مضمون سؤاله، المرمَّى ببره العظيم المعدي بمنه الجسيم لم٣ يقبح عنده التوسع باسم الابن عن العبد.
فإن تأوّل النصارى البنوة والأبوة بهذا التأويل وإلاّ فضحتهم التوراة والنبوات والإنجيل فقد حكوا عن التوراة قول الله: "إسرائيل ابني بكري"، وفي المزامير يقول داود لأكابر بني إسرائيل: "أنا قلت لكم إنكم آلهة وبنو / (١/٨٦/أ) العلا كلكم تدعون"٤.
ولا خلاف أن الإنجيل من فاتحته إلى خاتمته لم يخصص المسيح بهذه البنوة، بل شارك فيها غيره من الصحلحاء والأتقياء من عباد الله وأوليائه، ومن أنصف من النصارى عرف صحة ما قلناه فقد قال يوحنا في إنجيله: "إن يسوع كان مزمعًا أن يجمع أبناء الله"٥. فهذا يوحنا التلميذ يذكر أن سائر بني إسرائيل يسمون بهذا الاسم ويذكر أن المسيح رام جمع الناس على كلمة الإيمان فلم يقدر على ذلك.
_________________
(١) ١ هضم فلانًا: ظلمه، وغصبه. كاهتضمه وتضهمه. فهو هضيم. (ر: القاموس ص١٥١١) . ٢ في الأصل: (لاستمطار)، وأظنه تحريف من الناسخ لكلمة: (لاستمطار) وهو ما أثبته لموافقته سياق الكلام. والله أعلم. ٣ في ش: جواب لما. ٤ مزمور ٨٢/٦. ٥ يوحنا ١١/٥٢.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وإذا ثبت إطلاق لفظة البنوة على يقعوب وداود وغيره، فما بال النصارى لا يقولون في أيمانهم وحلفهم: "وحقّ يعقوب ابن الله؟! ".
ولِمَ حطُّوا حرمته وهو ابن الله بكره - والبكر له مزيد حرمة عند أبيه؟! وكذلك هلا أقسموا بداود وهو ابنه حبيبه، ولم هجروا اسمه وهو مساو المسيح في البنوة والحبّ؟!.
وكذلك قال لوقا الإنجيلي: "جبريل أخبر عن الله أن المسيح ابن داود"١. فهلا نسبوه نسبته التي نسبه بها جبريل ولهجوا بذلك في أقسامهم وأيمانهم فقالوا: "وحقّ المسيح ابن داود".
وكيف رغبوا له / (١/٨٦/ب) عن تسمية سماه الله بها على لسان جبريل قبل خلقه؟! أهم أعلم بما يجب له من الله؟! فكيف تكروا تسمية الله له وأخلفوا تسمية أجمع أرباب الملل والنحل على تخطئتهم فيها؟!.
فإن رجعوا الفهقرى وتمسكوا بقوله: "يا أبت"، أوردنا عليهم قولة التلاميذ: "قولوا: أبانا الذي في السماوات"، ونظائرها. على أنا نقول لهم: ألم ترووا لنا عن المسيح في خاتمة الإنجيل قوله: "أنا ذاهب إلى إلهي وإلهكم"٢، وقوله وهو على الصليب فيما زعمتم: "إلهي إلهي لم تركتني؟ "٣.
فهلا تقولون في صلواتكم وأدعيتكم: يا عبد الله اغفر لنا، وكذلك إذا دعوتم الأب فقولوا: يا سيد إلهنا ارحمنا، وكذلك قولوا في دعائكم الأب: يا جَدَّنا افعل بنا كذا؛ لأن بطرس٤ أبوكم، والمسيح أبٌ لبطرس، والله أب للمسيح.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٣٢. ٢ يوحنا ٢٠/١٧. ٣ متى ٢٧/٤٦. ٤ باعتبار أن بطرس رئيس الحواريّين.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقد زعمتم أن [المسيح] ١ صفعه اليهود في رأسه بالقصب [وضَفَّروا] ٢ على رأسه إكليلا من الشكوك وألبسوه ثيابًا حمرًا وسقوه الخلّ عندما عطش، وأنتم في صلواتكم تبتهلون إليه بالأدعية، فما بالكم لا تقولون: يا من صفعه اليهود في رأسه وبصقوا في وجهه / (١/٨٧/أ) واقتسموا ثيابه بينهم بالقرعة واستعار على خشبته وقرن باللصوص - افعل بنا كذا!
- الدلالة على استعمال المسيح المجاز والاستعارات:
- فإن تلاميذه كانوا [معافين] ٣ مما ابتلى به المتأخرون من النصارى قال متى: "بينا يسوع جالسا يتكلم على الناس إذ قيل له: أمك وأخوتك بالباب يطلبونك، فقال: من أمي ومن أخوتي، ثم أومأ بيده إلى تلاميذه وقال: هؤلاء هم أمي وإخوتي، وكل من صنع مشيئة أبي الذي في السماوات فهو أخي وأختي وأمي"٤.
قلت: هو ذا المسيح ﵇ قد أعرف في التجوز والتوسع والاستعارة حتى سمى المطيع لله قريبًا له من هذه الجهات فجعله أمًا له وأختًا وأخًا، وإذا كان النصارى لا يجرون على ظاهر هذا اللفظ، بل يحملونه على ما يليق به من التأويل فكذلك يلزمهم في لفظ البنوة والأبوة، فإنه كما يستحيل أن يكون آحاد الناس أمًا وأختًا وأخًا للمسيح فكذلك يستحيل أن يكون المسيح - وهو رجل من بني إسرائيل يناله من النفع والضرر ما ينال غيره من البشر - ابنًا لله / (١/٨٧/ب) القديم الأزلي.
_________________
(١) ١ إضافة يقتضيها السياق. والظاهر أنها سقطت من الناسخ. ٢ في ص (ظفروا) والصواب ما أثبته. ٣ في ص (معافون) والتصويب من المحقِّق. ٤ متى ١٢/٤٦-٥٠، مرقس ٣/٣١-٣٥، لوقا ٨/١٩-٢١.
[ ١ / ٢٦٠ ]
فإن [هذى] ١ هاذ منهم وقال: فإذا لم يكن له بُدُّ من أبٍ، فمن أبوه؟!.
قلنا له: إذا لم يكن لآدم بُدُّ من أبٍ، فمن أبوه؟!، فإذا قالوا: إن آدم خلقه الله آية وأعجوبة إذ خلقه من غير تناسل وتوالد، قلنا: وكذلك المسيح خلقه الله تعالى آية وأعجوبة إذ خلقه من [غير أب] ٢، فكم خلق الله سبحانه من الحيوان من غير توالد وتناسل معروف، وقد ابتدأ الله العالم بأسره لا عن مثال سبق، فأي آيات الله تنكرون٣؟!.
واعلم أن إطلاق المسيح لفظ: (النبوة) جرى فيه على عادة من تقدمه من بني إسرائيل، فإنهم كانوا يطلقون هذه البنوة والربوبية والألوهية على المعظمين في الدين والمدبرين للأمم كقول التوراة: "إسرائيل ابني بكري"، وكقول المزامير: "داود ابني حبيبي"، وقوله للأكابر من بني إسرائيل: "أنا قلت: إنكم آلهة وبني العلاكلكم تدعون"، وقول شعيا: "توصوا بي في بني وبناتي". وقول أشعيا: "إني رببت أولادًا حتى نشأوا وكبروا".
فحال المسيح منسج على منوال من سبقه. فقال: "أنا ذاهب / (١/٨٨/أ) وأبيكم". غير أن هذه اللفظة لم تأت إلاّ ومعها لفظ العبودية ليزول الإيهام ويحصل التشريف والإنعام، والدليل على ما قلناه من بنوة شعيا النبي ﵇: "إن الله تعالى تهدد بني إسرائيل على جرم فعلوه، فلما خافوا نزول العقوبة قالوا في دعائهم: الله ترأف علينا، وأقبل بوجههك إلينا، ولا تصرف
_________________
(١) ١ في ص (هذا) والصواب ما أثبته. والهذيان هو: الكلام غير المعقول لمرض أو غيره. (ر: القاموس ص ١٧٣٤) . ٢ في ص: (غراب)، وفي ش: (من تراب)، اقتباس من قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ . الآية. لكن فيه ما فيه، كأن العبارة من غراب أو من تراب. اهـ. قلت: الصواب ما أثبته. فهو الموافق لسياق الكلام، والتحريف حصل من الناسخ. ٣ اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ .] سورة غافر، الآية: ٨١ [.
[ ١ / ٢٦١ ]
رحمتك عنا فأنت هو الرّبّ أبونا، فأما إبراهيم وإسرائيل فلم نعرفه، لكن أنت أبونا وقد ملنا عن طرقك، يا ربّ ارحمنا فنحن عبيدك"١.
وقد رووا عن يوحنا الإنجيلي: "أن من لابس المعاصي وانغمس في الخطايا فليس له في هذه الولادة من نصيب"٢.
فقالوا: قال يوحنا في خاتمة رسالته الأولى: "قد علمنا أن كل من هو مولود من الله لا يخطئ؛ لأن ولادته من الله وهو حافظه له من أن يقترب إليه الشرير"٣.
فإن صدق النصارى في هذا النقل فليس فيهم إذًا من يستحق هذه التسمية لأنه لا يكاد أحد منهم يخلص من ملابسة المعاصي واقتراف الخطيئة والإثم. فإما أن يبطلوا هذا / (١/٨٨/ب) ويوصوا بفساده لهم دعواهم البنوة، وإما أن يصحّحوه فيخرجوا عن بنوة الله التي يدَّعون بها، فقد حكم يوحنا وغيره من أئمتهم أن مَنْ ولد مِنَ الله لم يرتكب على نفسه ذنبًا ولم يختلف وزرًا. فهكذا كان اعتقاد من يطلق لفظ الأبوة على الله ويُسمِّي نفسه (ابنًا لله) إنما يجعل ذلك من باب التودد إلى الله والخدمة له، فلهذا لم يكن يضرّه إطلاقه، ولما جاء المتأخرون أكثروا من هذا الإطلاق وصاروا يوردونه على جهة الفخر والتزكية وتمجيد النفس فخوطبوا بالتكبر٤، وقيل لهم في الكتاب العزيز: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سفر أشعيا ٦٣/١٠-١٧، بألفاظ متقاربة. ٢ رسالة يوحنا الأولى ٣/٤-٩، بنحوه. ٣ رسالة يوحنا الأولى ٥/١٨. ٤ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١٨ [. ٥ قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . [سورة المؤمنون، الآية: ٩١ [.
[ ١ / ٢٦٢ ]
فأما [لفظتا] ١ الإله والرّبّ:
فالرّبّ هو المربي باللطف والإحسان العائد بالعطف والامتنان، وهاتان اللفظتان قد تستعملان في حقّ العظيم من الآدميّين تجوزًا وتوسعًا، لكن على جهة التقييد لا جهة الإطلاق، وقد قال أشعيا النبي: "عرف الثور من اقتناه والحمار مربط ربه ولم يعرف ذلك بنو إسرائيل"٢.
وهذه كتب القوم تشهد بأن المعلم / (١/٨٩/أ) والمدبر والقيم يسمى ربًا٣، كما أن الرجل رب منْزِله وداره وبيته ورب ماله. قال نبيّنا ﷺ لرجلٍ:"أربّ إبل أنت أم ربّ غنم؟ "، فقال: من كل آتاني الله فأجزل٤.
_________________
(١) ١ في ص (لفظتي) ولعل الصواب ما أثبته. ٢ ورد النّصّ في سفر أشعيا ١/٣ كالآتي: "الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرف ". والفرق واضح بين النّصّ الذي أورده المؤلِّف وبين النّصّ المذكور حاليًا في سفر أشعيا والظاهر أن عبارة "والحمار مربط ربه"، كانت موجودة في نسخة المؤلِّف، ثم حرفت بعد ذلك في النسخ التي كتبت بعد زمن المؤلِّف. ﵀. ٣ ذكر في قاموس الكتاب ص ٣٩٦، أ، لفظة: (رب) يقصد بها:
(٢) اسم الجلالة، وفي هذه الحالة تطلق على الأب والابن بدون تمييز سيما في رسائل بولس الرسول.
(٣) وقد تستعمل بمعنى: سيد أو مولى دلالة على الاعتبار والإكرام. اهـ. ويحدّثنا ستيفن نيل عن استعمالا كلمة (رب) في كتابه: "من هو المسيح؟ ص ٤٩" فيقول:"إن الكلمة اليونانية الأصلية التي معناه: (رب) يمكن استعمالها كصيغة للتأديب في المخاطبة، فسبحان فيلبي يخاطب بولس وسيلا بكلمة: (سيدي أو ربي: أعمال ١٦/٣٠"، ولكن يمكن أن تستعمل بمعنى أرفع وأرقى، وكانت تستعمل وصفًا للإمبراطور في كلّ أنحاء الإمبراطوريةالرومانية، كماكانت تستعمل أيضًالملوك اليهود. وكانت اللفظة لقبًا من ألقاب الكرامة خلع على كثير من الآلهة الوثنية وخاصة آلهة أديان الأسرار، ولهذا السبب ذهب بعض العلماء إلى أن لفظ (الرّبّ) أطلق أوّلًا على يسوع في الجماعات الأممية الناطقة باليونانية؛ وذلك لأنه هو الوصف الذي خلعوه على آلهتهم قبل أن يعتنقوا المسيحية، وكان من الهَيِّن على أولئك الأمم أن يقبلوا هذا اللقب الذي كان مألوفًا لديهم". اهـ. ويعلق على ذلك الأستاذ محمّد مجدي مرجان - الذي كان نصرانيًا فأسلم - بقوله: "والواقع أن لفظ (رب يستعمل في كثير من المجتمعات، وخاصة في الأزمنة القديمة بقصد التكريم والتعظيم، ويتكرر اللفظ كثيرًا في أسفار التوراة بمعنى سيد أو معلم". (ر: المسيح إنسان أم إله - محمّد مرجان، ص ١٧٥) . ٤ أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ص ٥٩، مختصرًا، والإمام أحمد ٤/١٣٦، ٥/٥٣، وعنه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/٢٨٣، والحافظ أبي بكر الحميدي في مسنده (ح ٨٨٣)، كلهم من طريق سفيان بن عيينة، قال: ثنا أبو الزعراء عمرو بن عمور عن عمه أبي الأحوص عن أبيه مالك بن نضلة الجشمي، قال: أتيت النبيّ ﷺ فصعد في النظر وصوب، وقال: "أربّ إبل أنت أو ربّ غنم؟ "، قال: من كل قد آتاني فأكثروا طيب الخ". وقال الحافظ في الإصابة ٦/٣٥: "سنده صحيح".
[ ١ / ٢٦٣ ]
والدليل على ذلك من التوراة قول إبراهيم ولوط للملك: "يا رب مِلْ إلى منْزِل عبدك"١. ونحن والنصارى متّفقون على عدم التعبد للملائكة وإنما أرادا الإجلال في الخطاب، وفي التوراة يقول الله لموسى: "قد جعلتك إلهًا لفرعون"٢. يريد: مسلطًا عليه ومتحكمًا فيه.
وفي التوراة: "وقد شكا موسى لثغةَ في لسانه وعجمة في منطقه، فقال الله له: "قد جعلتك ربًا لهارون وجعلته لك نبيًّا، أنا آمرك وأنت تبلغه وهو يبلغ ابن إسرائيل"٣.
ولم يقل الله للمسيح: قد جعلتك ربًّا وإلهًا، بل إنما ذلك شيء تَقَوَّله النصارى، فقول بطرس للمسيح: "يا رب"، إن صحّ فهو مُنَزَّل منْزِلة ربوبية موسى لهارون من حيث إن المسيح أيضًا مبلغ عن الله أوامره كتبليغ موسى أخاه هارون.
وقد قال داود في المزمور الثاني والثمانين: "قام الله في جماعة الآلهة / (١/٨٩/ب)، وقال فيه وهو يعنف الأكابر من بني إسرائيل: "أنا قلت إنكم آلهة وبني العلا
_________________
(١) ١ سفر التكوين ١٨/١-٣، كالآتي: "وظهر له الرّبّ بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقال: يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك". وورد في نفس السفر ١٩/٢، أن لوطًا ﵇ قال للملكين: "يا سيّديَّ ميلا إلى بيت عبدكم ". ٢ سفر الخروج ٧/١. ٣ سفر الخورج ٤/١٦، ٧/١، ٢، بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ٢٦٤ ]
تدعون"١. وفي المزامير أيضًا في حقّ يوسف: "فخلاَّ الملك يوسف وصيَّره سلطانًا على شعبه ربًّا على بنيه"٢. يريد القيم عليهم والمدبر لأمورهم.
وقد قال يوسف للساقي عندما فسر له رؤياه: "اذكرني عند ربّك"٣، يريد مدبرك والقيم عليك.
وإذا عرفت ذلك سهل عليك ما يهتف به النصارى من تسمية المسيح ربًّا وإلهًا، وعرفت كيف تكسر حجتهم بتأويل هذه الألفاظ، وقد قال شمعون الصفا رئيس الحواريّين: "إن الله جعل أيسوع ربًّا"٤، يريد وَكَل تدبير أصحابه إليه، إذ الرّبّ لا يقال إن غيره جعله وصيره ربًّا وإلهًا، فما نرى شمعون الصفا زاد المسيح في ذلك على ما قالت التوراة: "إن الله جعل موسى ربًّا لهارون وإلهًا لفرعون". ولم يتجاوز به أيضًا قول المزامير: "إن يوسف صار ربًّا للملك". وفي الإنجيل: "إن الكلاب لتأكل من موائد أربابها"٥.
_________________
(١) ١ مزمور ٨٢/٦. ٢ مزمور ١٠٥/٢٠، ٢١، ونصّه كالآتي: "أرسل الملك فحله، أرسل سلطان الشعب فأطلقه، أقامه سيدا على بيته ومسلطًا على كل ملكه". ٣ قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ . [سورة يوسف، الآية: ٤٢ [. قال شيخ الإسلام: "فإن قيل: لا ريب أن يوسف سمى السيد ربًّا في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، و" ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّك﴾، ونحو ذلك، وهذا كان جائزًا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدًا، وإن كان هذا منسوخًا في شرع محمّد ﷺ". اهـ. (ر: الفتاوى ١٥/١٨٨) . ٤ سفر أعمال الرسل ٢/٣٦. ٥ متى ١٥/٢٧، مرقس ٧/٢٨.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وقد روي عن سلمان الفارسي١ أنه قال: "تداولني بعضة عشر من ربّ إلى ربّ"٢. وإنما / (١/٩٠/أ) يريد المرشدين والمدبرين له.
وقد يكون بمعنى السيد، قال الأعشى:
وَأَهْلَكْن يومًا رَبَّ كِنْدَةَ وابنَه وَرَبَّ مَعَدّ بين خَبْتٍ وَعَرْعَر٣
_________________
(١) ١ سلمان أبو عبد الله الفارسي ﵁، ويقال له: سلمان بن الإسلام وسلمان الخير الصحابي المعروف، له ستون حديثًا. ٢ أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (٥٣) . (ر: فتح الباري ٧/٢٧٧)، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/٢٢١، وأبو نعيم في الحلية ١/١٩٥، عن سلمان الفارسي: "أنه تداوله بضعة عشر من ربّ إلى ربّ". واللفظ للبخاري. قال الحافظ: "أي: سيد إلى سيد، وكأنه لم يبلغه حديث أبي هريرة في النهي عن إطلاق ربّ على السيد، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربّك، وضئ ربَّك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي". أخرجه البخاري ٥/١٧٧، ومسلم ٤/١٧٦٤. وقال الحافظ: "ويفه نهي العبد أن يقول لسيده: ربّي، وكذلك نهي غيره فلا يقول له أحد: ربّك، والسبب في النهي أن حقيقة الربوبية لله تعالى، لأن الرّبّ هو المالك والقائم بالشيء فلا توجد حقيقة ذلك إلاّ لله تعالى. قال الخطابي: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله وترك الاشتراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحرّ والعبد، فأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة كقوله: ربّ الدار، وربّ الثوب، وقال ابن بطال: لا يجوز أن يقال أحد غير الله: ربّ، كما لا يجوز أن يقال له: إله. وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون للتنْزِيه وما ورد من ذلك فلبيان الجواز - يشير إلى قوله ﵇ في أشراط الساعة: "أن تلد الأمة ربّها"، وقيل: هو مخصوص بغير النبي ﷺ ولا يرد ما في القرآن أو المراد للنهي عن الإكثار من ذلك واتّخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عن كذرها في الجملة". اهـ. ٣ البيت من شعر لبيد بن ربيعة العامري وليس للأعشى كما ذكر المؤلِّف. (ر: ديوان لبيد بن ربيعة ص ٥٥، تحقيق د. إحسان عباس، ط سلسلة التراث العربي، وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت - سنة ١٩٦٢م، ر: لسان العرب ١/٣٩٩، تارج العروس ١/٢٦٠، وتفسير الطبري ١/٦٢، ور: ترجمة لبيد بن ربيعة ت سنة ٤١ في الأعلام للزركلي ٥/٢٤٠) .
[ ١ / ٢٦٦ ]
ويكون أيضًا للرّبّ بمعنى: المالك. قال طرفة١:
كقنطرة الرومي أقسم ربّها لتكتنفن حتى تشاد بقرمد٢
ويكون أيضًا الرّبّ بمعنى: المربي من قولهم: رَبّ َ يَرُبُّ فهو رَبٌّ٣.
قال الشاعر:
يَرُبُّ الذي يأتي من الخير أنه متى فعل المعروف زاد وتمما٤
ويكون أيضًا بمعنى: المصلح للشيء، قال الشاعر:
كانوا كاسالِئَةٍ حَمْقاء إذ حقنت سلاءها في أديمٍ غَيرَ مَرْبُوب٥
ويقال للشمس إلهة، قال الشاعر:
وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا٦
ويقال: ألهت إلى فلان، إذا فزعت إليه واعتمدت عليه، وقيل: هو من ألهت فيه إذا تحيرت فيه فلم تهتد إليه، فقول بطرس: "يا ربّ"، يريد يا مدبر أمرنا والقيم علينا.
_________________
(١) ١ طرفة بن العبد البكري الوائلي، أبو عمرو، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى. (ر: ترجمته في الأعلام ٣/٢٢٥) . ٢ ورد البيت في ديوان طرفة ص ٢٢، شرح وتقديم: مهدي محمّد ناصر الدين، دار الكتاب العلمية، بيروت، ط الأولى سنة ١٤٠٧هـ، ور: شرح القصائد العشر للخطيب التبريزي ص ٨٧. تصحيح عبد السلام الحوفي، دار الكتب العلمية، ط الأولى سنة ١٤٠٥هـ. ٣ رَبَّ فلان ولده يَرُبُّه رَبًّا، وربَّبه، وتربَّبه، بمعنى أي: ربَّاه. (ر: الصحيح ١/١٣٠) . ٤ ورد البيت في لسان العرب ١/٣٨٦، وتاج العروس ٣/٢٦١ غير منسوب، وقد أنشده ابن الأنباري كالآتي: يرب الذي يأتي من العرف أنه إذا سئل المعروف زاد وتمما ٥ ذكره الطبري في تفسيره ١/٦٢، ونسبه إلى قول الفرزق بن غالب، وورد في لسان العرب ١/٣٩٠، كالآتي: "سلالها ف أديم غير مربوب، أي: غير مصلح". ٦ ذكره الجوهري في الصحاح ٦/٢٢٢٤، وقال أنشدني أبو علي: تروحَّنا من اللعباء قصرًا وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا
[ ١ / ٢٦٧ ]
وقول أشعيا: "هوذا العذراء تحبل وتلد ولدًا عمانويل الذي تفسير إلهنا"١ محمول على بعض هذه المحامل / (١/٩٠/ب) إن صح نقلهم عن أشعيا هذا اللفظ بعينه.
وقد فسر علماء الإنجيل قول مريم المجدلانية للمسيح (ربوني) ٢ بالمعلم، والمعلم والمربي والمدبر بمعنى واحد٣.
وقد صرح يوحنا الإنجيلي بأن الألوهية ليست على ظاهرها فقال في إنجيليه: "جلس يسوع في إسطوان سليمان بأورشليم فأحاطت به اليهود وتناولوا الحجارة ليرجموه وقالوا: حتى متى تعذب نفوسنا؟ فقال: أريتكم أعمالًا حسانًا من عند الله، أفمن أجل الأعمال [ترجمونني] ٤؟! فقالوا: إنما نرجمك لأنك بينا أنت إنسان إذ جعلت نفسك إلهًا، فقال يسوع: أليس هكذا مكتوب في ناموسكم: "إني قلت إنكم آلهة وبني العلا تدعون"٥، فإذا قيل لأولئك: (آلهة) لكون كلمة الله عندهم، فالذي قدَّسه الله وأرسله إلى العالم، كيف تقولون إنه يجدف"٦.
فقد اعترف يوحنا والمسيح بأن الألوهية متْروكة الظاهر، وإن إطلاقها عليه كإطلاقها على العلماء والحكماء والمدبرين من بني إسرائيل، وقد صرح في هذا
_________________
(١) ١ أشعيا ٧/١٤. ٢ يوحنا٢٠/١٦، ١٧، والنصّ كالآتي: "قالت له: ربوني، الذي تفسيره: يا معلم ". ٣ علق محمّد مجدي مرجان ص ١٧٤، على النّصّ السابق وعلى ما ورد في إنجيل يوحنا ١/٣٧، ٣٨، بقوله: "لم يشأ يوحنا أن يطلق كلمة (رب) على عيسى من غير تفسيره، فقد خشي أن يتصور الناس أن عيسى إله أو بعض إله، ففسر يوحنا الكلمة في صلب الإنجيل نفسه بأنها تعني المعلم، فعيسى بالنسبة لتلاميذه هو معلمهم وأستاذهم. ٤ في ص (ترجموني) والصواب ما أثبته. ٥ نصّ مقتبس من مزمور ٨٢/٦، ونصّه: "قلت: إنكم آلهة وبنو العلي كلكم". ٦ يوحنا ١٠/٢٢-٣٦، في سياق طويل وقد اختصر بعضه المؤلِّف وذكره بالمعنى.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الكلام بأنه ليس هو الله، ولا الله حال / (١/٩١/أ) فيه، وأن الله قدّسه؛ أي: طهّره وأرسله إلى العالم، وكذلك يفعل بسائر الأنبياء والرسل١.
ولو كان المسيح هو الله، كقول الجهلة من النصارى للزم اتّحاد المُرْسِل والرسول والمُقدَّس.
قال فولس في رسائله: "وقد يعرفون نعمة سيدنا يسوع المسيح إذ تَمَسْكن من أجلكم وهو غني، لكي تستغنوا بمسكنته"٢.
فشهد فولس بأن المسيح رجل من عباد الله يتواضع لله كدأب أوليائه وصفوته.
- وقد استشهد النصارى على ربوبية المسيح بقصة الكنعانية:
قال متى: "حضر إلى يسوع امرأة كنعانية فقالت: إن ابنتي بها شيطان رديئ فعسى تتعطف عليها، فلم يجبها فسأله التلاميذ أن يقضي حاجتها فقال: لم أرسل إلاّ للخراف الضالة من بيت إسرائيل. فجاءت المرأة وسجدت له وقالت له: يا رب أَعِنِّي. فقال: ليس يجيد أن يؤخذ خبز النبيّين فيعطى للكلاب. فقالت: نعم. يا ربّ والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد
_________________
(١) ١ يقول محمّد مجدي مرجان في كتابه السابق ص ١٧٢: "يطلق لفظ: (إله) في الكتب المقدسة على بعض الأنبياء على سبيل المجاز تعبيرًا عن قربهم من الله كسائر أبناء الله الصالحين والبشر المؤمنين، يقول عيسى موضحًا المجاز: "إنما بنوة الله بالأعمال"، ويقول لأتباعه عند صعوده إلى السماء وإنقاذه من أعدائه: "إني أصعد إلى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم". نعم. فنبوة الله ليست باللحم والدم، وليست بالتناسل والتوالد، إنما بالعمل الصالح، وكلما صدق الإيمان وثبت اليقين وحسنت النيات والأعمال كلما زاد اقتراب الإنسان من خالقه، وصار قريبًا من ربّه وكأنه ابنه، فنحن أبناء الله وصنع يديه". اهـ. ٢ رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ٨/٩.
[ ١ / ٢٦٩ ]
أربابها، فحينئذٍ عطف / (١/٩١/ب) عليها وقال: [يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لك كما تريدين] ١، فشفيت ابنتها من تلك الساعة"٢.
قال النصارى: سجدت له [المرأة] ٣ وخاطبته بالربوبية، وذلك دليل على ربوبيته إذ لم ينكر عليها، بل تقريرها وشفاء ابنتها من أوضح الأدلة على ربوبيته.
وسبيل من وقف على ذلك أن يعارض قول الكنعانية له: "يا رب"، بقولها: "والكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد أربابها"، فقد جعلت ملاك الكلاب [أربابًا] ٤ لهم ولم ينكر عليها أيضًا.
وكذلك فليعارضوا بقوله: "ليس بجيد أن يؤخذ خبز النبيّين فيعطى للكلاب"، فقد سمى الكفار من بني آدم كلابًا، وقد سمى الدعاء والشفاء خبزًا، وذلك كله دليل التجوز والتوسع، وإذا كان ذلك كله جائزًا على المعنى، فالربوبية والبنوة أيضًا جائزة على طريق المعنى، فإن أحاولوا أن يكون الآدمي كلبًا فليحيلوا أن يكون ربًّا.
وأما سجودها له ولم ينكر عليها فذلك كان سلام القوم وتحيتهم في الزمن الأوّل على عظمائهم وأكابرهم، / (١/٩٢/أ) والدليل عليه أن التوراة تنطق: "بأن إخوة يوسف حين عرفوه سجدوا له طالبين قدميه"٥، وكذلك قالت التوراة: "إن إفرام ومنسى [ابني] ٦ يوسف سجدا لجدهما يعقوب بحضرة أبيهم يوسف"٧. فلن ينكر عليهم.
_________________
(١) ١ في ص (يا مرأة عظيمة أمانيك يكون لك ما أردتي) والتصويب من النص. ٢ متى ١٥/٢٢-٢٨. ٣ إضافة يقتضيها السياق. ٤ في ص (أربا) والتصويب من المحقِّق. ٥ سفر التكوين ٤٢/٦. ٦ في ص (ابنا) والتصويب من المحقِّق. ٧ تكوين ٤٨/٨-٢١.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وقد قالت التوراة: "إن إبراهيم ولوطًا سجدا للملائكة على الأرض"١، فلم ينهوا عن ذلك. "وقد ساوم إبراهيم قومًا في أرض لهم ليدفن سارة فلم يكلّمهم، ولم يساومهم حتى سجد لهم مرتّين"٢. على ما في التوراة، فبطل تعلقهم بسجود المرأة للمسيح.
وقال المؤلِّف - عفا الله عنه -: قصة هذه الكنعانية التي استدلوا بها على الربوبية هي من أدل الدلالة على عدم الروبية، وبيانه: أنها جاءت إلى المسيح مؤمنة به، سالكة طريقه في التواضع، معتقدة أن معجزته لا تعجز عن شفاء ابنتها، وهو فلم يَعْلَم بما انطوى عليه ضميرها من الإيمان به، ألا تراه كيف جابهها بالرّدّ؟! وقال: ليس بجيد أن يؤخذ خبز النبيّين فيعطى للكلاب، فلما قالت له ما قالت ظهر له من إيمانها ما كان مستورًا / (١/٩٢/ب) عنه وبدا له من معتقدها فيه ما لم يكن في حسابه، فحينئذٍ قضى حاجتها وشفى ابنتها.
- دليل من قوله على أنّ ما يفعله بقوّة الله وحوله:
قال مرقس: "قال رجل ليسوع: يا معلم قد جئتك بابني وبه روح أبكم حيثما أدركه صرعه وسألت تلاميذك فلم يقدروا على إخراجه، فقال يسوع: آتوني به، فلما رآه قال لأبيه: مُذْ كم أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه فتارة يلقيه في الماء وتارة يطرحه في النار، فإن استعطت فأعنا وتحنن علينا، فقال يسوع: كلّ شيء يستطيعه المؤمن، فبكى أبو الصبي، وقال: أنا مؤمن فأعن ضعف إيماني، فانتهر يسوع الروح وقال: أيها الروح النجس الأبكم الأصم اخرج من الإنسان، فخرج، وصار الصبي كالميت وأخذ يسوع بيده وأقامه فقال:
_________________
(١) ١ تكوين ١٨/١، ١٩٢/١. ٢ تكوين ٢٣/٢-١٢.
[ ١ / ٢٧١ ]
التلاميذ: لم لم نقدر نحن على إخراجه؟ قال يسوع: إن هذا الجنس لا يستطاع إلاّ بصوم وصلاة، وخرج يسوع من هناك إلى الجليل مستترًا"١.
قلت: إن قدح اليهود في هذه الآية، قيل لهم: ألم ترووا/ (١/٩٣/أ) لنا: "أن موت الفجأة وقع في بني إسرائيل بغتة فقتل منهم أربعة وعشرين ألفًا وسبعمائة رجل، فأمر موسى هارون أن يضع في المجمرة بخورًا وقام بين الأموات والأحياء فأمسك الموت الفاشي عن بعضهم"٢.؟!
فما الدليل على صحة ما نقلتم من هذه الآية ولعلها زور وكذب ومينٌ٣ وإفك؟ فإذا قالوا: قد ثبت أن الناقلين لهذه الآية انتهوا في الكثرة إلى حد يستحيل مهم التواطؤ على الكذب، قيل لهم: وكذلك آية المسيح نقلها من يستحيل تواطؤهم على الباطل فاستوت الحال.
وإن زعم النصارى أن ذلك يصلح للدلالة على ربوبويته، قيل لهم: لا تتعرضوا للاستدلال بهذه القصة على ربوبية المسيح البته، فهي من إحدى الشواهد على عبوديته وبيانه من وجوه:
أحدها: قوله لأبي الصبي: "مذن كم أصابه الجني"، فإن ذلك مشعرٌ بعدم علمه بالزمن الذي علقه الجني فيه، إذ لو كان ربّه وإلهه كما يزعم النصارى لكان هو الذي ابتلاه ولَمَا عَلِقَه الجني دون إذنه وعلمه، فعدم علمه بالوقت الذي لبسه فيه دليل / (١/٩٣/ب) على عبوديته، إذا الغيب لا يعلمه إلاّ الله
_________________
(١) ١ مرقس ٩/١٧-٣٠. ٢ سفر العدد ١٦/٤٢-٥٠، في سياق طويل، وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا، وقد ورد في النّصّ أن الذين قتل من بني إسرائيل أربعة عشر ألفًا وسبعمائة، وليس كما ذكره المؤلِّف، والظاهر أنه تحريف من الناسخ. ٣ المين: الكذب، وجمعه: (ميون) . (ر: الصحاح ص ٦٤١) .
[ ١ / ٢٧٢ ]
الواحد جلّ وعلام، وقد مضى نظائر ذلك إذ قد سئل عن يوم القيامة، "فقال: لا أعلمها ولا يعلمها إلاّ الله الواحد"١.
والثاني: قوله: "كلّ شيء يستطيعه المؤمن"، أراد إنما يصدر منه من شفاء المرضى وسائر الآيات إنما كانت لإيمانه بالله واهب القوي وما حي أثر الداء بالدواء.
والثالث: قوله للتلاميذ: "إن هذا الجن لا يستطاع إلاّ بصوم وصلاة". يدل على أن المسيح تقدم في الصوم والصلاة والعبادة إلى حد أربى فيه على غيره من عبيد الله. وفي بقية الفصل ما دل على خوف يسوع وتواريه وعجزه عن مقاومة مناوئيه، وهو أنه بعد قيام الفتى من صرعته خرج إلى الجليل فارًا من ساعته، والكلمة الأزلية لا تعتورها نقائص البشرية.
كذب النصارى في دعوى بنوة المسيح:
قال مرقس: "خرج يسوع وتلاميذه إلى البحر وتبعه جمع كثير فأبرأ أعلالهم فجعلوا يزدحمون عليه ويقولون: "أنت هو ابن الله، فكان ينهاهم وينتهرهم"٢.
قلت: أعلم / (١/٩٤/أ) أن هذا الكلام لو كان إيمانًا من قائله لم ينهه المسيح، وكيف ينهى عنه، وإنما جاء لنشر الدين وبثّ الحقّ اليقين، والأمر بالكتمان ينافي الإعلان بالإيمان؟.
فلو أن قول أهل زمانه:"أنت ابن الله"توحيد لم ينههم عن التوحيد، لكنه إنما نهاهم لمخالفة نصّ الإنجيل إذا قال فيه لوقا: "إن المسيح هو ابن داود وأن
_________________
(١) ١ مرقس ١٢/٣٢. ٢ مرقس ٣/٧-١٢، بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ٢٧٣ ]
الرّبّ يجلسه على كرسي أبيه داود"١. وذلك بشهادة جبريل ﵇. وإذا كان المسيح إنما هو ابن داود، فكيف لا ينهاهم عن قول ما لا يحسن قوله؟!. فإن قال النصارى: إنما نهاهم خوفًا من اليهود أن يفطنوا به إذ كانوا يرومون قتله.
قلنا: ألم تزعمواأنه إنما تعنى ونزل إلى الأرض ليقتل إيثارًالكم وتخليصًا من العذاب الذي ورطكم فيه آدم بتعاطي الخطيئة؟! أفترونه ندم على ذلك؟! فهو يستتر ويتوارى خوفًا من القتل، أفتصفونه بالبداء والندم والجهل بعواقب الأمور؟! لقد كادالله هذه العقول وحادبها عن سواء السبيل.
- نوع منه آخر: قال لوقا: "كان كلّ من له مريض يجيء به إلى يسوع / (١/٩٤/ب) فيضع يده عليه فيبرأ فيقولون له: أنت ابن الله، فكان ينتهرهم ولا يدعهم ينطقون بهذا"٢.
انظر رحمك الله إلى انتهار المسيح من ينطق بلفظة البنوة ليعلم أن النصارى اليوم معرضون عن إنجيله سالكون غير سبيله.
فقد شهد لوقا بمثل ما شهد به مرقس، فإن زعموا أنه إنما نهاهم خشية اليهود قيل لهم: لو كان ذلك كذلك لما أكثر من فعل الآيات وفي فعلها وإظهارها ما يوجب شهرته وظهوره، فلما أكثر من المعجزات وأشاع فعلها دلّ على كذبكم في أنه نهاهم خشية أن يفطن به، بل إنما نهاهم لنصّ الإنجيل وبيان جبريل، حيث يقول: "إن يسوع هو ابن داود"، فلذلك لم يرض منهم بهذا الإطلاق.
وقد قال متى في إنجيله: "هذا ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم"٣. فشهد - وهو الصادق عندهم - أن أبا المسيح هو داود، وذلك ردّ على من زعم من النصارى أنه ابن الله - تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٣٢. ٢ لوقا ٤/٤٠، ٤١. ٣ متى ١/١.
[ ١ / ٢٧٤ ]
فإن قيل: ساعدتمونا على ترك العمل بظاهره إذ سلمتم أنه مولود / (١/٦٥/أ) من غير أبٍّ، فكيف توردون علينا بنوة داود؟!. وإذا كنتم لا تقولون بذلك فقد سُلِّم لنا مرادنا.
قلنا: النسبة نسبتان: نسبة تعريف ونسبة تشريف.
فالأولى: هي نسبة الإنسان من والده الذي هو أصله.
والثانية: هي نسبته من والد والده الذي هو أصل أصله، فالمسيح منسوب إلى داود النسبة الثانية - التي هي نسبة تشريف - وهي كنسبة داود إلى إبراهيم، ثم مريم أم المسيح١ من نسل داود، وداود من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وإذا كان المسيح بن داود بهذه النسبة بطل ما ذهبتم إليه من الضلال وانتحال المحال.
فإن قيل: إن كان قد روى مرقس ولوقا - من أصحابه - نهيه من ينطق بلفظ البنوة فقد قال هو: "إني ذاهب إلى أبي وأبيكم".
قلنا: فبذلك نستدل على اضطراب النقل وضعفه، إذ لو كان صحيحًا لم يختلفوا فيه، وإذا كان بعض الإنجيل يقول إن المسيح بن داود، وبعضه يقول: لا. بل هو ابن يوسف، وبعضه يقول: بل هو ابن الله، لم تحصل الثقة بقول واحد لاسيما والمسيح يقول: / (١/٩٥/ب) "إنّي ذاهب إلى إلهي وإلهكم"، ويقول في زعمكم: "إلهي إلهي لم تركتني؟ ". فالمسيح يقول إن الله إلهه وربّه، وأنتم تقولون: لا. بل هو ابنه. لقد تباعد ما بينكم وبين المسيح.
مسألة: زعم النصارى أن يسوع إنما جاءهم لينصرهم على اليهود ويطلع عليهم بالثالوث شموس السعود.
_________________
(١) ١ ورد ي قاموس الكتاب ص ٧٥٦، أن مريم العذراء من سبط يهوذا من نسل داود. (قارون لوقا١/٣٢، ٦٩، رومية ١/٣، ٢، الرسالة الثانية ليتموثاوس ٢/٨، وعبرانيّين ٧/١٤) .
[ ١ / ٢٧٥ ]
فيقال لهم: يا عباد الرجال وربات الحجال١ إن كان الأمر على ما تصفون فقد كان يقضي أمره على ألسن رسله والحال صالحة، وميزان التوحيد بطاعات العبيد راجحة، والخلائق مقبلون على أنبيائهم إقبالهم على آبائهم وأبنائهم، فما الذي دعاه إلى نزوله عن مجده الرفيع وعِزَّه المنيع إلى حضيض النصب ومقر الآفات والوصب؟! فيولج بطن امرأة من إمائه ومكث برحمها منغمسًا في المشيمة على حال ذميمة، ثم ولدوه وأرضعته وفضلته وأدبته فأمرته بحقوقها ونهته عن عقوقها، وترددت به إلى الأعياد والمواسم وأرته الشعائر والمعالم، ولم تزل تلقنه وتثقفه حتى شبّ وترعرع وتشوَّف / (١/٩٦/أ) إلى حنكة الرجولية وتطلع، فلما شرع فيما جاء له من نصرتكم وثب عليه اليهود فكذبوا فمه وأهدروا دمه، وأقصوه وشردوه وكدروا عليه روح الحياة ونكدوه، وأجمعوا أن يخربوا جثمانه ويفسدوه، فلما طال عليه تمردهم أعمل مطايا الحذار وعَوَّل على معقل الاستتار في الحذار، وتقدم إلى أصحابه ألا يذكروه وأن يبالغوا في طي أمره فلا ينشروه بل ينكروه، ولم يزل ذلك حاله واليهود تنقب عليه وترشي من يرشدها إليه، حتى دلّ عليه صاحبه يهوذا، وساق إليه من أعدائه جمعًا كثيفًا وأنزل به من الذعر خطبًا منيفًا. فأنشبوا فيه مخاليب الضراب، وأمطروه شآبيب العذاب، وسحبوه على شوك السفاه والسباب، وبقي هذا الإله المسكين في أيدي اليهود ممتهنًا يرون أقبح ما يأتونه إليه حسنًا، فلما بلغوا من إهانته المراد، مضوا به إلى بقعة من الأرض تزعم النصارى أنه دحاها وألزموه حمل خشبة قالوا: [إنه] ٢ أنبت لحاها، / (١/٩٦/ب) وألبسوه أثوابًا كان قد صنع ورسها٣ وأصهوره شمسًا هو الذي أسخن مسها، فسألهم شربة من الماء - الذي فجره - حين
_________________
(١) ١ الحجل: هو الخلخال. (ر: الصحاح ص ١٢٤) . ٢ في ص (إنها) والتصويب من المحقِّق. ٣ ورَّسه توريسًا: صبغه به. (ر: القاموس ص ٧٤٧) .
[ ١ / ٢٧٦ ]
وقفت نفسه لدى الحنجرة [فضنوا] ١ عليه بذلك، وعوَّضوه الخل مما هنالك، فلما تضافرت عليه فوق جذعةٍ الدواهي أعلن بقوله: إلهي إلهي، وصار بين اللصوص ثالثة الأثافي٢، وعُوِّض عن بلوغ المنى بالمنافي، ثم زهقت نفسه وفتح رمسه٣ وصار في صدر الأرض سرًا مكتومًا، وعاد هذا الإله العظيم عديمًا، ولما تمت له ثلاثة أيام في الرخام، قام من ذلك المكان ورجع إلهًا كما كان، فتلبِّس الحال الوبيل٤ وادَّرع٥ الذّل العريض الطويل، ولم يؤمن به إلاّ عصابة هي أقل من قليل.
فما أرى هذا الإله إلاّ نايل٦ الرأي فاسد الحسّ فطير٧ الفطرة مشؤوم الغرة٨ منقوص الهمة مظلم الفكرة٩، إذ عرض نفسه للمحن وأثار بين عباده الأحقاد والإحن، فلقد شان الربوبية وأزل بهجتها وطمس نورها وأطلق ألسن السفلة بنقصها، وثلبها حتى لقد شكك كثير / (١/٩٧/أ) منهم في الربوبية وسَهَّل
_________________
(١) ١ في ص (فطنوا) والتصويب من المحقِّق. ٢ الأُثْفَيَة: الحجر توضع عليه القدر، جمعه: أَثافي، وأُثَف. ورماه الله بثالثة الأثافي، أي: بالجبل، والمراد: بداهية، وذلك أنهم إذا لم يجدوا ثالثة الأثافي أسندوا القدر إلى الجبل. (ر: القاموس ص ١٦٣٦) . ٣ الرَّمس: الدفن والقبر، جمعه: أرْمَاس، ورموس. (ر: القاموس ص ٧٠٨) . ٤ وبيل: أي: ثقيل وخيم. (ر: مختار الصحاح ص ٧٠٧) . ٥ أدرع: أي: لبس. (ر: م. ن ص ٢٠٣) . ٦ هكذا في الأصل، والذي أراه أن الكلمة الصحيحة هي: "مائل"، وقد حصل لها تحريف من الناسخ والله أعلم. ٧ الفطير: ضدّ الخمير، وهو العجين لم يختمر، وكل شيء أعجتله عن إدراكه فهو فطير، يقال: إياك والرأي الفطير. (ر: مختار الصحيح ص ٥٠٧) . ٨ غُرّة كلّ شيء أوّله، وأكرمه. والغِرَّة: الغفلة. ٩ إن هذه الصفات القبيحة التي ذكرها المؤلِّف لازمة للإله الذي يعبده النصارى، وذلك بحسب ما ورد في أناجيلهم المقدسة عندهم.
[ ١ / ٢٧٧ ]
عليهم ارتكاب مذاهب الدهرية١. وسلَّهم من ربقة العبودية بالكلية، فسحقًا سحقًا لإلهٍ هذه حكمته ومحقًا محقًا لربٍّ هذا تدبيره.
فلو أن إنسانًا نشأ ببعض الجزائر المنقطعة عن العمران لا يعرف ربًا ولا يقرأ كتبًا، ولا يدين بملة عرض عليه دين النصارى، فقيل له: إن لك ربًا خلقك وأبدعك، ومن صفته أنه رجل مثك يبول ويغوط ويبصق ويمتخط ويجوع ويعطش ويعرى ويكتسي ويسهر وينام، وسارع مع الأنام الكلام وأن إنسانًا مثله حقد عليه بعض الأمر فضربه وسحبه، ثم قتله وصلبه بعد أن حطم شعره ولطم نحره، فجاور الأموات وتعذر عليه روح الحياة وفات.
_________________
(١) ١ الدهرية: أنكروا الخالق والرسالة والبعث والإعادة، وهم الذين أخبر عنهم القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ﴾ .] سورة الجاثية، الآية: ٢٤ [. وزعموا بأن العالم قديم لم يزل ولا يزال، وما ثم إلاّ أرحام تدفع، وأرض تبلع، وسماء تقلع الخ. ويسمون بالملاحدة. ودهرية زماننا يسمون بالشيوعية الماركسية والاشتراكية والوجودية. (ر: الفصل - لابن حزم ١/٤٧، الملل للشهرستاني ٢/٣، ٢٣٥، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان - للسكسكي الحنبلي ص ٨٨، إغاثة اللهفان - لابن قيم الجوزية ٢/٢٥٥) . إن ما ذكره المؤلّف - في زمنه - من اعتناق كثير من النصارى لمذهب الدهرية والإلحاد وإناكر الروبية وأنه ناتج عن عقيدة النصارى السخيفة التي لا يقبلها عقل صحيح ولا فطرة سليمة - نجده واضحًا وبارزًا في زماننا حيث أخذت العقيدة الدينية في الذبول وأصبح الإلحاد مفخرة الأندية حتى أندية الكنيسة نفسها، وظهرت الشعارات الإلحادية المختلفة فكان شعار الثورة الفرنسية (أشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)، وشعار الثورة الشيوعية: (الدين أفيون الشعوب)، وشعار العلمانية: (فصل الدين عن الحياة والدولة) . وقد ملئ الفراغ العقدي عند النصارى بالاتّجاه الوثني الروماني الذي تمثله في العصر الحديث الأفكار المادية، فنشأت في المجتمعات والبلاد النصرانية المذاهب المادية الهدامة كالشيوعية الماركسية والبرجماتية والوجودية والداروينية والفريدوية وخلافها من الأمراض العقلية التي أنتجها العقل البشري المريض. وذلك يفسر لنا الانحلال الاجتماعي الرهيب والانهيار الأسري والخلقي والروحي في المجتمع الغربي النصراني.
[ ١ / ٢٧٨ ]
لاستنكف الرجل أن يعترف بوجود هذا الإله فضلًا عن أن يتعبد له ولأحال تصوّره ولرأى لنفسه عليه فضلًا لا ينكر ومزية من حقها أن تذكر فتشكر١.
قال المؤلِّف: ليس في الصنارى من يجحد مما ذكرته في هذا الفصل حرفًا واحدًا بل قد / (١/٩٧/ب) مدوا أعناقهم للذل، وأسلبوا آذانهم للخزي وأنسوا بسماع التوبيخ، واستلانوا ملابس التقريع، فهم يتلون هذا الفصل تلاوة [المتبجح] ٢ ويبتهجون به ابتهاج [المُنْجح] ٣.
فالحمد لله الذي حَصَّننا بمعقل العقل عن سلوك هذا المذهب و[أنار لنا] ٤ بدهن الذهن [حلوك] ٥ هذا الغيهب.
_________________
(١) ١ ذكر أبو عبيدة الخزرجي في كتابه: (مقامع هامات الصلبان ص ١٢٣)، والقرطبي في: (الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص ١٦٧)، ما وصف أحد ملوك الهند-وكان من الملوك الذين يحكمون بالسياسة الدينية الذين لم يتقلدوا أتباع ملة دينية-وقد ذكرت له الملل الثلاث فقال: أما النصارى-وإن كان مناصبوهم من أهل الملل يجاهدونهم بحكم شرعي فلقد أرى ذلك بحكم شرعي، وإن كنا لم نر بحكم عقولنا قتالًا ولكن استثني هؤلاء القوم من جميع العالم، فإنهم قصدوا مضادة العقل وناصبوه العداوة، واستحلوا بيت الاستحالات مع أنهم حادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشرائع، وقد كان لهم فيهم كفاية ولكنهم شذوا عن جميع مناهج العالم الشرعية الصالحة والعقلية الواضحة، واعتقدوا كلّ مستحيل ممكنًا فلم يُعرَف عنهم شيء، وبنوا من ذلك شرعًا لا يؤدي البتة إلى صلاح نوع من أنواع العلام إلاّ أنه يُصيِّر العاقل إذا تشرع به أخرق أحق والمرشد سفيهًا والمحسن مسيئًا؛ لأن من كان في أصل عقيدته-التي نشأ عليها-الإساءة إلى الخالق، والنيل منه بوصفه بغير صفاته الحسنى فخليق به أن يستحل الإساءة إلى مخلوق. وكذلك ما بلغنا عنهم في خلقهم من جهل وضعف العقل والطمع والبخل ومهانة النفس وخساسة الهمة والقدر وقلة الحياء إلاّ قليلًا منهم. فلو لم تجب مجاهدة هؤلاء القوم إلاّ لعموم أضرارهم التي لا تحصى وجوهه لكفى. وكما يجب قتل الحيوان المؤذي بطبعه، لا يلام المرء على قتل هؤلاء فكيف وثم من الموجبات ما تقدم؟! ". اهـ. ٢ في ص (المحج) ولعل الصواب ما أثبته. والله أعلم. ٣ في ص (المنجح) ولعل الصواب ما أثبته. والمنجح: هو الظفر بالشيء. أنجح زيد وهو منجح. كما في القاموس ص ٣١١. ٤ في ص (أنالنا) والصواب ما أثبته. ٥ في ص (حلول) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الباب الرّابع: في تعريف مواضع التّحريف
نبيّن - بعون الله - في هذا الباب من تناقض إنجيل النصارى وتعارضه وتكاذبه وتهافته ومصادمة بعضه بعضًا ما يشهد معه من وقف عليه أنه ليس هو الإنجيل الحق المنَزَّل من عند الله١، وأن أكثره من أقوال الرواة وأقاصيصهم، وأن نقلته أفسدوه ومزجوه بحكاياتهم، وألحقوا به أمورًا غير مسموعة من المسيح ولا من أصحابه مثل ما حكوه من صورة الصلب والقتل واسوداد الشمس وتغير لون القمر وانشقاق الهيكل، وهذه أمور إنما جرت في زعم النصارى بعد المسيح، فكيف تجعل من الإنجيل ولم تسمع من المسيح؟!.
والإنجيل الحقّ إنما هو الذي نطق به المسيح٢، وإذا كان / (١/٩٨/أ) ذلك كذلك فقد انخرمت الثقة بهذا الإنجيل وعدمت الطمأنينة بنقلته.
_________________
(١) ١ لقد أخبرنا الله ﷾ في القرآن الكريم بتحريف أهل الكتاب وكتمانهم وإخفائهم لما أنزله الله من البيّنات والهدى فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٧١] . وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١٣] . وغيرهما من الآيات الكريمة. ولقد أجمع المسلمون على وقوع التحريف في التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب المتقدمة إما عمدًا وإما خطأ في ترجمتها وفي تفسيرها وشرحها وتأويلها، إلاّ أنهم اختلفوا في مقدار التحريف فيها؛ قال بعضهم: إن كثيرًا مما في التوراة والإنجيل باطل ليس شئًا من كلام الله. ومنهم من قال: بل ذلك قليل، وقيل لم يحرف أحد من حروف الكتب، وإنما حرفوا معانيها بالتأويل، وقال بعضهم: إنه كانت توجد نسخ صحيحة من التوراة والإنجيل بقيت إلى عهد النبيّ ﷺ ونسخ كثيرة محرفة. والذي نراه أن تحريفًا كثيرًا قد وقع في كتبهم إلاّ أنه لا تزال فيها بقايا الوحي الإلهي المنَزّل على أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام - وهذه البقايا ليست بالشيء القليل أيضًا - وطريق معرفتها هو موافقتها لما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة. وأما أنواع التحريف في كتبهم فهو: تحريف بالتبديل، وتحريف بالزيادة، وتحريف بالنقصان، أي: بالحذف (والكتمان والخفاء)، وتحريف بتغيير المعنى دون تغيير اللفظ، والشواهد على ذلك كثيرة جدًّا. (ر: مجموع الفتاوى ١٣/١٠٤، ١٠٥، والجواب الصحيح ١/٣٥٦، ٣٦٧، ٢/٥، ٣/٢٦٤، لابن تيمية، تفسير ابن كثير ١/٥٢٠، تفسير الرازي ١٠/١١٨، هداية الحياري ص ١٠٥، لابن القيم، التوراة دراسة تحليل ص ٦٤-٦٨، د. محمّد شلبي شتيوي) . ٢ قوله: "والإنجيل الحقّ "، نقله الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه: "إظهار الحق ص ١٩٠) .
[ ١ / ٢٨٣ ]
وقد قدمنا أنه ليس إنجيلًا واحدًا، بل الذي في [أيدي] ١ النصارى اليوم أربعة أناجيل جمع كل إنجيل منها في قطر من أقطار الأرض بقلم غير قلم الآخر، وتضمن كلّ كتاب من الأقاصيص والحكايات ما غفله الكتاب الآخر مع تسمية الجميع إنجيلًا.
وقد ذكر العلماء أن اثنين من هؤلاء العلماء الأربعة وهما: (مرقس) و(لوقا) لم يكونا من الاثني عشر الحواري أصحاب المسيح، وإنما أخذا عن من أخذ عن المسيح، وإذا كان الأمر كذلك، فهذان الإنجيلان ليسا من عندالله؛ إذ لم يسمعا من لفظ المسيح، والحجّة إنما تقوم بكلام الله وكلام رسوله وإجماع أصحاب رسوله.
وقد صرّح لوقا في صدر إنجيله بذلك فقال: "إن ناسًا راموا ترتيب الأمور التي نحن بها عارفون كما عهد إلينا أولئك الصفوة الذين كانوا خدامًا للكلمة، فرأيت أنا إذ كنت تابعًا أن أكتب لك أيّها الأخ العزيز [ثاوفيلس] ٢ لتعرف به حقائق الأمر الذي وعظت به"٣./ (١/٩٨/ب) .
فهذا لوقا قد اعترف أنه لم يلق المسيح ولا خدمه، وأن كتابه الذي ألفه إنما هو تأويلات جمعها مما وعظه به خدام الكلمة٤.
_________________
(١) ١ في ص (أيد) والتصويب من المحقِّق. ٢ في ص (ثاوفيلا) والتصويب من النّصّ. وثاوفيلس: اسم يوناني معناه: "محبوب من الله". ولا يملك النصارى أية معلومات صحيحة عن شخصية وترجمته، وأقصى ما لديهم عنه نظريات تفتقر إلى الدليل. (ر: قاموس ص ٢٣٣) . ٣ لوقا ١/١-٥. ٤ إن الاعتراض الذي أورد المؤلِّف على كلام لوقا صحيح، وقد سبق لنا بيان الانتقادات الأخرى التي توجه إلى هذا النّصّ. (ر: ص ٣٠) .
[ ١ / ٢٨٤ ]
واعلم أن هؤلاء الأربعة تَوَلوا النقل عن رجل واحد فلا بدّ وأن يكون الاختلاف إما من قبل المنقول عنه أو من قبل الناقل، وإذا كان المنقول عنه معصومًا تعيَّن الخطأ في الناقل.
١- تكاذيب:
قال متى: "من يوسف خطيب مريم - وهو الذي يسمى يوسف النجار - إلى إبراهيم الخليل اثنتان وأربعون ولادة".
قال لوقا: "لا ولكن بينهما أربعة وخمسون ولادة"، وذلك تكاذب قبيح، ولعل التوريك على لوقا أولى؛ لأن متى [صحابي] ١ ولوقا ليس بصحابي، إلاّ أنه لا فرق بينهما عند النصارى وذلك يقتضي بانخرام الثّقة بهما جميعًا.
قال المؤلِّف: "صواب النسب الذي عددته في إنجيل متى تسعة وثلاثون رجلًا، وفي إنجيل لوقا خمسة وخمسون رجلًا، وذلك من يوسف خطيب مريم إلى إبراهيم الخليل بشرط دخول الجدين يوسف وإبراهيم في العدد، وقد اختلفا في الأسماء أيضًا وذلك / (١/٩٩/أ) زلل ظاهر"٢.
_________________
(١) ١ في ص: صحابيًا، والتصويب من المحقِّق. ٢ أن قضية التناقض الواضح في نسب المسيح بين إنجيل متى ١/١-٨، وإنجيل لوقا ٣/٢٣-٣٨، مما اتّفق على ذكره العلماء في نقدهم الأناجيل. (ر: الفصل لابن حزم ٢/٢٧-٢٤، الإعلام للقرطبي ص ٢٠٧، مقامع هامات للخزرجي ص ١٤٧، وهداية الحياري لابن القيم ص ٢١٥، والنصيحة الإيمانية لنصر بن يحيى ص ١٩١، وتحفة الأريب لعبد الله الترجمان ص ١٨٥،وإظهار الحقّ ص ١١٤، ١٥٢، وغيرهم. وقدر وردت أنساب آباء المسيح المزعومين في أسفار العهد القديم وخاصة سفري التكوين وأخبار الأيام الأوّل، ولمعرفة حقيقة التناقض في ذلك فإننا سنقارن بين ما ورد في سفر أخبار الأيام الأوّل (الإصحاح الثالث) وبين إنجيل متى وإنجيل لوقا في الجدول الآتي:
[ ١ / ٢٨٥ ]
_________________
(١) أخبار الأيام الأوّل إنجيل لوقا تسلسل إنجيل متى أخبار الأيام الأوّل إنجيل لوقا ١ داود داود داود ٢٢ زربابل زربابل شلتائيل ٢ سليمان سليمان ناثان ناثان ٢٣ أبهود حنقيا زربابل ٣ رحبعام حبعام متاثا ٢٤ الباقيم ريا ٤ أيا أبيا مينان ٢٥ عازور يوحنا ٥ آسا آسا مليا ٢٦ صادوق يهوذا ٦ يهوشافاط بهرشافا الباقيم ٢٧ أخيم يوسف ٧ يورام يورام يونان ٢٨ البود شمعي ٨ عزيا أخزيا يوسف ٢٩ اليعازر متاثيا
(٢) يوآش يهوذا ٣٠ متان مآث
(٣) أمصيا شمعون ٣١ يعقوب نجاى
(٤) عزريا لاوي ٣٢ يوسف حلى ١٢ بوثام يوثام متثات ٣٣ ناحوم ١٣ آحاز آحاز بوريم ٣٤ عاموص ١٤ حزقيا حزقيا اليعازر ٣٥ متاثيا ١٥ منسى منسى برسى ٣٦ يوسف ١٦ آمون آمون عير ٣٧ ينا ١٧ يوشيا يوشيا المردام ٣٨ ملكى
(٥) يهوباقيم قصم ٣٩ لاوي ١٩ يكنبيا بكنيا أدى ٤٠ متثات ٢٠ شلتائيل شلتائيل ملكى ٤١ هالي
(٦) فدايا نيرى ٤٢ يوسف وخلاصة تلك المقارنة الانتقادات الآية:
(٧) يعلم من متى أن يوسف بن يعقوب، ومن لوقا أنه ابن هالي.
(٨) اختلف متى مع لوقا اختلافًا جوهريًا، حين جعل يوسف - زوج مريم حسب زعمهم - ينحدر من نسل سليمان داود، بينما جعله لوقا ينحدر من نسل ناثان بن داود.
(٩) يعلم من متى أن جميع آباء المسيح من داود إلى جلاء بابل سلاطين مشهورون، ومن لوقا أنهم ليسوا سلاطين ولا مشهورين غير داود وناثان.
(١٠) يعلم من متى أن اسم زور بابل (أبيهود)، ومن لوقا أن اسمه (ريسا)، والعجب أن كلا الاسمين غير موجودين في نسب سفر أخبار الأيام الأوّل.
(١١) يعلم من متى أن شتائيل بن يكينا، ومن لوقا أنه ابن نيري.
(١٢) أخطأمتى في سلسلة نسب المسيح حين أسقط منها في المواقع خمسة أسماء (المسلسلات أرقام: ٩، ١٠، ١١، ١٨، ٢١) .
(١٣) إن عدد الأجبال المذكورة من داود إلى يوسف (٢٧) حسب رواية متى، (٤٢) حسب رواية لوقا. وأمام هذه التناقضات الواضحة فقد اعترف به جماعة من محقِّقي أحبارهم مثل: "أكهارن، وكيسر، وهيس، وديوت، وجون فنتون في كتابه: (تفسير إنجيل متى ص ٣٩، ٤٠)، د. جورج بردوفوردكيرد في كتابه: (تفسير إنجيل لوقا ص ١٩)، وغيرهم". مما دفع بـ: "آدم كلارك" أن ينقل اعتذار (مستر هارمرسي) ونصّه: "ويعلم كلّ ذي علم أن متى ولوقا اختلفا في بيان نسب الرّبّ اختلافًا تحير فيه المحقِّقون من القدماء والمتأخرين وكما أعترض على المؤلِّفين لهذه الأسفار، ثم أزال العلماء الاعتراضات، فكذلك ربما يأتي من العلماء من يزيل هذه الاعتراضات في المستقبل. والزمان سيحقِّق هذا". اهـ. ولكن هيهات هيهات أي يجود الزمان بمن يزيل هذه التناقضات الساطعة، فإنه لا يمكن الأخذ برواية أي من متى أو لوقا عن نسب المسيح إلاّ إذا اعتبرنا أحدهما صحيحًا والآخر مخطئًا ولا شكّ، وعند عدم التمييز بينهما؛ فإن الخطأ والبطلان ينسحب عليهما جميعًا. (ر: إظهار الحقّ ص ١١٤، المسيح في مصادر العقائد المسيحية ص ٧٨-٨٣، لأحمد عبد الوهّاب. بتصرف".
[ ١ / ٢٨٦ ]
٢- نوع آخر:
قال لوقا: "قال جبريل الملك لمريم الناصرة: إنك ستلدين ولدًا اسمه يسوع يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود ويملكه على بيت يعقوب"١.
وأكذبه يوحنا وغيره فقال: "حُمل يسوع هذا الذي وعده الله بالملك إلى القائد فيلاطس، وقد ألبسوه شهرة الثياب وتوَّجوه بتاج من الشوك وصفعوه وسخروا منه ففاوضه فيلاطس طويلًا فلم يتكلم فقال له: أما تعلم أن لي عليك سلطانًا، إن شئت صلبتك وإن شئت أطلقتك، فأجابه يسوع: لولا أنك أعطيت ذلك من السماء لم يكن لك علي سلطان ومن أجل ذلك خطيئة الذي أسلمني إليك عظيمة"٢.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٣٠-٣٣. ٢ يوحنا ١٩/١-١١، في سياق طويل وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا، وقد ورد نحوه في إنجيل لوقا الإصحاح (٢٣)،وإنجيل مرقص إصحاح (١٥)،وإنجيل متى إصحاح (٢٧) .
[ ١ / ٢٨٧ ]
وهذا تكاذب قبيح؛ لأن أحدهما يقول: إن يسوع يملك على بني إسرائيل، والآخر يصفه بصفة ضعيف ذليل١.
٣- موضع آخر:
قال لوقا: "لما نزل بيسوع الجزع من اليهود ظهر له ملك من السماء ليقوِّيه وكان يصلى متواريًا وصار عرقه كعبيط الدم"٢.
ولم يذكر ذلك متى ولا مرقس / (١/٩٩/ب) ولا يوحنا، وإذ تركوا ذلك لم يؤمن أن يتركوا ما هو أهمّ منه فتضيع السنن وتذهب الفرائض وترفع الأحكام.
فإن كان ذلك صحيحًا، فكيف تركه الجماعة؟ وإن لم يصحّ ذلك عندهم لم يُؤمن أن يُدخِل لوقا في الإنجيل أشياء أُخَر أفظع من هذا.
ولعل لوقا قد صدق في نقله، فإن ظهور الملك علامة دالة وأمارة واضحة على رفع المسيح إلى السماء وصونه عن كيد الأعداء.
_________________
(١) ١ إن واقع حياة المسيح كما يزعمهما النصارى في الأناجيل تفيد أن المسيح ﵇ لم يكن ملكًا ولا متسلطًا على بني إسرائيل يومًا واحدًا، فقد "قال له واحد من الجمع: يا معلم، قل لأخي أن يقاسمني الميراث، فقال له: يا إنسان من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسمًا؟ ". لوقا ١٢/١٣، ١٤، وحين علم المسيح: "بأنهم مزمعون أن يأتوا ويخطفوه ليجعلوه ملكًا انصرف أيضًا إلى الجبل وحده". يوحنا ٦/١٥، كما نجد الأناجيل المحرفة تصف المسيح بخلاف صفة الملوك التي يدعونها له حيث إن الأناجيل المحرفة تزعم بأن المسيح قد قبض عليه وضرب وأهين وشتم ثم قتل مصلوبًا. إذن فحقيقة الأمر وواقع الحال في الأناجيل المعتمدة عند النصارى تكذب وتخالف ما ادّعاه لوقا على لسان جبريل ﵇. يضاف إلى ما سبق أن المسيح من أولاد "يهوياقيم" حسب النسب الذي ذكره متى في إنجيله ١/١٠، ١١، وأن أي واحد من أولاد يهوياقيم وسلالته لا يجوز له الجلوس على كرسي داود كما ورد النّصّ بذلك في سفر أرميا ٣٦/٣٠: "لذلك هكذا قال الرّبّ: عن يهوياقيم ملك يهوذا لا يكون له جالس على كرسي داود ". ٢ لوقا ٢٢/٤٣، ٤٤.
[ ١ / ٢٨٨ ]
مناقشة:
اعلم أن المسيح عند النصارى عبارة عن لاهوت اتّحد بناسوت فصارا بالاتّحاد شيئًا واحدًا، وإذا كان ذلك كذلك فظهور الملك ليُقوِّي مَن منهما؟
فإن قيل: ليقوِّي اللاهوت، كان ذلك باطلًا إذ لا حاجة بالإله إلى مساعدة عبده وتقويته.
وإن قالوا: ليقوِّي الناسوت، أبطلوا الاتّحاد إذ لم يبق ناسوت متميّز عن لاهوت حتى يفتقر إلى التقوية والنصرة، ثم ذلك يشعر بضعف اللاهوت عن تقوية الناسوت المتّحد به حتى احتاج إلى التقوية، وكيف يحتاج الإله إلى عبد من عبيده ليقوِّيه - وكلّ عباد الله إنما قوتهم بالله / (١/١٠٠/أ) عزوجل -؟! ".
٤- موضع آخر:
ذكر يوحنا - الذي هو أصغر الأربعة سنا - "أن أوّل آية أظهرها المسيح تحويل الماء خمرًا"١. ولم يذكر أصحابه الثلاثة ذلك. وإذا أغفلوا مثل هذه الآية
_________________
(١) ١ يوحنا ٢/١-١١، ونصّه كالآتي: "ودُعي أيضًا يسوع وتلاميذه إلى العرس ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له: ليس لهم خمر، قال لها: ما لي ولك يا امرأة لم تأت ساعتي بعد، قالت أمه للخدام: مهما قال لكم فافعلوه، وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود يسع كلّ واحد مطرين أو ثلاثة قال لهم يسوع: املأوا الأجران ماء، فملأوها إلى فوق ثم قال لهم: استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ، فقدموا فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمرًا، ولم يكن يعلم من أين هي لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه". قلت: في هذه القصّة افتراء وتجروء على عيسى وأمه - ﵉ -، والأدلة على كذب هذه القصّة كثرة منها: أ- ما ذكره المؤلِّف من انفراد يوحنا بذكرها عِلمًا بأنها قد حدثت في عرس والحاضرون كثيرون، وهذا من أدلة كذب هذه القصّة حسب المعايير التي وضعها علماء مصطلح الحديث في معرفة الحديث الموضوع ومنها: أن يكون خبرًا عن أمر جسيم تتوافر الدواعي على نقله بمحضر الجمع العظيم، ثم لا يرويه إلاّ واحد. (ر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/٨٤٥، لابن حجر) . ب- أنه قد ورد في إنجيل لوقا ٧/٣٣-٣٥، مدح يوحنا العمداني بأنه لا يشرب الخمر ويتهمون عيسى بأنه يشر بها ويبالغ في ذلك، فكيف يعقل أن يفعل المسيح وأمه هذا المنكروالله تعالى يذمّ الخمر وشاربيها؟! كلاوحاشاهما من ذلك. ج- وردت نصوص كثيرة في النهي عن الخمر وأن السكر بها خطيئة في الكتب المقدسة عندهم ومنها: في سفر اللاويين ١٠/٨: "وكلّم الرّبّ هارون قائلًا: خمرا ومسكرًا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكيلا تموتوا". وفي سفر أشعيا ٥/١١-١٧: "ويل للمبكرين صباحًا يتبعون المسكر، للمتأخرين في العتمة تلهبهم الخمر ". وفي سفر ميخا ٦/١٥: "ولا تشرب خمرًا". وفي رسالة بولس إلى أهل أفسس ٥/١٨: "ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاصة". وفي رسالته الأولى إلى كورنثوس /١٠: "ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله". وغير ذلك. د- ثم انظر إلى كذبهم وجرأتهم على القول بأن المسيح قال لأمه: ما لي ولك يا امرأة، فهذا من سوء الأدب والعقوق لأمه إن كان خاطبها بهذه القسوة والجفاء، ولكن حاشاه أن يفعل ذلك ولكنه كان ﵇ كما قال عنه عزوجل على لسان عيسى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية: ٣٢] . وبعد ذلك كلّه يزعم النصارى أن عيسى ﵇ فعل كلّ ذلك وهو يعلم أنه نبيّ ولم تحن ساعته بعد وأن عمله كان آية ومعجزة وهم يضمرون غير ذلك من الافتراء والكذب عليه. (ر: دراسة تحللية لإنجيل مرقس - د. محمّد عبد الحليم ص ٣١٨، الفارق بين المخلوق والخالق، باجة جِي زاده ص ٣٢٨، ٣٧٠) .
[ ١ / ٢٨٩ ]
مع شهرتها دلَّ ذلك على غفلة عظيمة وقلة اعتناء بأمر الدّين، وإذا كانت لم تصحّ عندهم فتحرَّجوا من تسطيرها، فكيف ثبتت من الإنجيل بقول واحد وشرط ثبوت كلام الله التواتر - وهو النقل من قوم لا تجمعهم رابطة التواطؤ على الكذب.
٥- موضع آخر:
ذكر يوحنا هذا: "أن المسيح غسل أقدام تلاميذه ومسحها بمنديل كان في وسطه وأمرهم أن يقتدوا به في التواضع وترك التكبر"١. ولم يذكر ذلك أصحابه الثلاثة، فإن لم تصحّ عندهم فهو طعن على يوحنا، وإن كان ذلك صحيحًا فهو طعن عليهم.
_________________
(١) ١ يوحنا١٣/٤-١٨في سياق طويل وقدذكره المؤلِّف مختصرًا بالمعنى. وهذه الحادثة أيضًا من الأمورالتي تتوافرالدواعي على نقلها بمحضرالجمع العظيم، ثم لا يوريها إلاّ واحد.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وكيف يُعدُّ ذلك من الإنجيل والأكابر من التلاميذ لم يعرفوه، ولم يدوِّنونه في أناجيلهم؟! والتوريك على واحد صغيرأولى منه على ثلاثةكبار.
٦- موضع آخر / (١/١٠٠/ب) في غاية الفساد:
حكوا أن يوحنا هذا قال في الفصل الخامس من إنجيله: "إن يسوع قال: إني لو كنت أنا الشاهد لنفسي لكانت شهادتي باطلة ولكن غيري يشهد لي١، فأنا أشهد لنفسي وأبي أيضًا يشهد لي أنه أرسلني، وقد قالت توراتكم: إن شهادة رجلين صحيحة"٢.
فانظر - رحمك الله - ما أفسد هذا الكلام وأقربه من كلام المجانين!!. وذلك أنهم جعلوا الله رجلًا وجعلوا شهادته لنفسه تقوم مقام شهادة شاهد بعد قوله: "لو كنت أنا أشهد لنفسي لكانت شهادتي باطلة"، والتوراة تقول: "إن شهادة شاهدين صحيحة"، ولم تقل: "إن شهادة الإنسان لنفسه صحيحة".
وإذا كان المسيح وتلاميذه [منَزِهين] ٣ عن هذا الكلام الفاسد فليرم به جانبًا وليعلم أنه ليس من الإنجيل الحقّ.
٧- موضع آخر:
نقل يوحنا: "أن المسيح مضى إلى المعمداني ليعتمد منه فقال له المعمداني حين رآه: هذا خروف الله الذي يحمل خطايا العالم وهو الذي قلت لكم: إنه
_________________
(١) ١ يوحنا ٥/٣١، ٣٢، ثم نقض قوله في الإنجيل نفسه /١٤، فقال: "أجاب يسوع وقال لهم: وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حقّ"، قال العلامة ابن حزم: فأعجبوا لهذا الاختلاط. (ر: الفصل ٢/١٨٠، ١٨٩) . ٢ يوحنا ٨/١٧، ١٨، ونصّ التوراة في سفر التثنية ١٩/١٥. ٣ في ص (منَزِهون) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٢٩١ ]
يأتي بعدي، وأنه أقوى مني وأن بيده / (١/١٠١/أ) الرفش ينقي بيدره فيجمع الحنطة إلى أهرائه١ ويحرق الأتبان٢ بالنار التي لا تطفئ"٣.
وخالفه في ذلك متى ولوقا، أما متى فقال: "إن المعمداني حين رأى المسيح قال له: إني لمحتاج أن أنصبغ على يدك، فكيف جئتني تنصبغ على يدي؟ "٤. "وأنه أرسل بعد ذلك إلى المسيح يقول له: أأنت الآتي أو ننتظر غيرك"٥.
فأما مرقس: فلم يذكر شيئًا من ذلك البتة٦، وهذا تكاذب قبيح؛ لأن يوحنا جزم أنه هو ولم يحتج إلى سؤاله، ومَتَّى: ما عَلَم حتى أرسل يسأل المسيح، والآخر أغفل القصّة بالجملة٧، وهذا القدر منفر موجب لسوء الظن.
_________________
(١) ١ الهرى: بيت كبير يجمع فيه السلطان، وجمعه: أهراء. (ر: القاموس ص ١٧٣٤) . ٢ التبان: من يبيع التبن. (م. س ص ١٥٢٧) والمراد بالأتبان الفجار والمشركين. (ر: النصيحة الإيمانية - لنصر المتطبب، ص ١٩٠) . ٣ يوحنا ١/٢٩، ٣٠، بلفظ مخلتف. ٤ متى ٣/١١-١٣. ٥ متى ١١/٢-٤. ٦ أشار مرقس إلى الحادثة ١/٩، بقوله: "جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن". ٧ ذكر الشيخ رحمة الله الهندي ف إظهار الحقّ ص ١٢٣: "هذا التناقض في حادثة تعميد المسيح بقوله:
(٢) يعلم من إنجيل متى: "الإصحاح الثالث"، بأن يوحنا المعمداني (يحيى) كان يعرف المسيح قبل نزول الروح عليه في شكل حمامة.
(٣) ولكن ذكر إنجيل يوحنا "ًالإصحاح الأوّل"، بأن يوحنا ما عرف المسيح إلاّ بعد نزول الروح عليه في مثل حمامة.
(٤) ثم تناقض إنجيل متى "الإصحاح الحادي عشر" مع نفسه فذكر بأن يوحنا لم يعرف المسيح بعد نزول الروح أيضًا، وإنما أرسل له يوحنا تلميذين من تلاميذه يسألانه عن حاله. وهذا كلّه متناقض ظاهر الاختلاف والفسد".اهـ. ثم إننا نجد بمقاربة النصوص التي أوردها المؤلِّف وبين النسخةالحالية للأناجيل نلاحظ ما يلي:
(٥) انفرد إنجيل يوحنا عن سائر الأناجيل بذكر عبارة: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم".
(٦) إن النّصّ الذي نسبه المؤلِّف إلى إنجيل يوحنا قوله: "وأن بيده الرفش ينقي بيدره..الخ".لانجده في النسخةالحاليةلإنجيل يوحنا، وإنمانجده في إنجيلي متى ولوقا.
[ ١ / ٢٩٢ ]
٨- موضع آخر:
ذكر متى: "أن يوسف خطيب مريم كان أبوه يسمى يعقوب بن ماتان"١. وذكر لوقا غير ذلك فقال: "أقام يسوع ثلاثين سنة وهو يظن أنه ابن يوسف بن هالي بن مطب"٢. وهذا تناقض عجيب٣.
٩- موضع آخر:
ذكر متى: "أن المسيح صلب وصلب معه لصان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وأنهما جميعًا كانا يهزءان بالمسيح مع اليهود ويُعيِّرانه"٤. / (١/١٠١/ب) .
وذكر لوقا خلاف ذلك فذكر: "أن أحدهما كان يهزأ بالمسيح والآخر يقول له: أما تتقي الله؟ أما نحن فبعدل جوزينا وأما هذا اللّصّ فلم يعمل قبيحًا، ثم قال للمسيح: يا سيد اذكرني في ملكوتك. فقال: حقًّا إنك تكون معي اليوم في الفردوس"٥.
وهذا تكذيب لقول متى أنهما جميعًا كانا يعيران المسيح ويهزءان به وأغفل هذه القصّة مرقص ويوحنا، ومن المحال أن يحدث مثل هذا في ذلك الوقت ولا
_________________
(١) ١ متى ١/١٥، ونصّه: "ومتان ولد يعقوب ويعقوب ولد يوسف". ٢ لوقا ٣/٢٣. ٣ ثم إن قول لوقا: "إن المسيح كان يظن أنه ابن يوسف"، شكّ منه وقبيح بمثله أن ينسب المسيح إلى ما يظن به الجهال أنه مولود من أبٍّ ولا يرفع قدره عن ذلك. (ر: النصيحة الإيمانية - لنصر المتطبب ص ١٩٢) . وقد سبقت الإشارة إلى التناقضات الظاهرة في سلسلة نسب المسيح الواردة في إنجيلي متى ولوقا. ٤ متى ٢٧/٣٨، ٤٤، في سياق طويل. ٥ لوقا ٢٣/٣٢-٤٤، في سياق طويل، وقد ذكر هذا التناقض عبد الله الترجمان في كتابه تحفة الأريب ص ٢١٠، وابن حزم في الفصل ٢/١٢٥.
[ ١ / ٢٩٣ ]
يكون شائعًا ذائعًا، فإن كان صحيحًا فلم تركاه؟ وإن أهملاه سهوًا لم يؤمن أن يهملا شيئًا كثيرًا من الإنجيل ولعلّهما لم يصحّ عندهما، والدليل على عدم صحته تناقض متى ولوقا، فإن اللّصين عند مَتّى [كافران] ١ بالمسيح وعند لوقا إن أحدهما كافر والآخر مؤمن وذلك قبيح جدًا.
١٠- تكاذب قبيح:
قال لوقا: "قال يسوع للمؤمن به: حقًّا إنك اليوم معي في الفردوس"٢.
وأكذبه سائر أصحابه فقالوا: أقام يسوع بعد هذا القول في الأرض أربعين يومًا ثم صعد في الجنة٣. / (١/١٠٢/أ) وذلك تكذيب لما نقله لوقا من أنه معه من يومه.
١١- تناقض واضح:
قال لوقا: "قال يسوع: إن ابن الإنسان لم يأت ليهلك نفوس الناس، ولكن ليحيي"٤.
وخالفه أصاحبه، فقالوا: "بل إن الإنسان لم يأت ليلقي على الأرض سلامه لكن سيفًا ويضرم فيها نارًا"٥.
وهذا تناقض وتكاذيب لا خفاء به٦، ونحن نُنَزِّه التلاميذ عن هذا التناقض القبيح والنقل الغير صحيح. إذ بعضهم يجعله جاء رحمة للعالمين، والآخرون يقولون: بل جاء نقمة على الخلائق أجمعين.
_________________
(١) ١ في ص (كافرين) والصواب ما أثبته. ٢ لوقا ٢٣/٤٣. ٣ سفر أعمال الرسل ١/٣. ٤ لوقا٩/٥٦. ٥ متى ١٠/٣٤. ٦ وقد ذكر هذا التناقض ابن القيم في هداية الحياري ص ٢١٤، وابن حزم في الفصل ٢/٦٢، ٦٣.
[ ١ / ٢٩٤ ]
١٢- موضع آخر:
ذكر متّى: "أن مريم خادمة المسيح جاءت لزيارة قبره عشية السبت ومعها امرأة أخرى، وإذا ملك قد نزل من السماء وقال لهما: لا تخافا فليس يسوع هاهنا قد قام من بين الأموات وهو يسبقكم إلى الجليل، فمضتا مسرعتين فإذا المسيح قد لقيهما وقال: لا بأس عليكما قولًا لإخوتي ينطلقون إلى الجليل"١.
وخالفه يوحنا فقال: "جاءت مريم وحدها يوم الأحد بغلس فرأت الصخرة وقد رفعت عن القبر فأسرعت إلى شمعون م (١/١٠٢/ب) الصفا وإلى تلميذ آخر فقالت لهما: إن المسيح قد أُخِذَ من تيك المقبرة ولا أدري أين دفن. فخرج شمعون وصاحبه فأبصر الأكفان موضوعة ناحية من القبر فرجعا وجلست مريم تبكي عند القبر فبينا هي كذلك اطلعت في القبر فرأت ملكين جالسين - حيث كان يسوع - عليهما ثياب بيض فقالا: ما يبكيك؟ فقالت: أخذوا سيدي ولا أدري أين وضعوه. فبينا هي كذلك التفتت فرأت المسيح قائمًا فلم تعرف وحسبته حارس البستان قالت له: بالله إن كنت أخذته فقل لي أين وضعته حتى أذهب إليه. فناداها المسيح: يا مريم. فعرفته، وقالت: بالعبرانية: ربوني تفسيره يا معلم. فقال لها: لا تدن مني فإني لم أصعد بعد [إلى أبي] ٢، اذهبي إلى إخوتي فقولي إني منطلق إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم. فذهبت وبشرت التلاميذ"٣.
وهذا نقل يكذب بعضه بعضًا، وذلك أن أحدهما يذكر أن الملك هو الذي أرسل مريم إلى التلاميذ، والآخر يذكر أن الذي أرسلها هو المسيح نفسه،
_________________
(١) ١ متى ٢٨/١-١١. ٢ ليس في (ص) والتصويب من نصّ الإنجيل. ٣ يوحنا ٢٠/١-١٨.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وأحدهما يقول: إن ذلك كان عشية السبت،/ (١/١٠٣/أ) والآخر يقول: لا بل اليوم الأحد بغلس، وأحدهما يحكي عن مريم وحدها، والآخر يحكي عن أخرى معها١.
والعجب من قبول النصارى قول امرأة واحدة في مثل هذا الأمر العظيم. وقد جاء على هذا الوجه من الاضطراب!!، وهذا الفصل حَرِي بأن يُسطر في حكايات المغفلين والعجائز المثكلين، وبعد - يرحمك الله - فما سمعنا قط بربٍّ يصفع ويضرب ويقتل ويصلب ويبكى عليه ويندب ويتردّد بين خلقه في زيّ إنسانٍ ويشتبه على من رآه بناطور بستان، فلو أن اليهود نصبوا جماعة من المجان على السخرية بدين النصارى والغض منه ما بلغوا منهم ما بلغوا من أنفسهم وهذا كما قيل:
_________________
(١) ١ من الواضح أن هناك اختلافًا بين ما ترويه الأناجيل عن زيارة النساء للقبر وملابساتها يتلخص بعضها - إضافة على ما ذكره المؤلِّف - في الأمور الآتية: أ- يذكر متى ٢٨/١-٨ أن الزائرات للقبر كن اثنتين من النسوة. لكن يذكر مرقس ١٦/١-٨ أن الزائرات للقبر كن ثلاثًا من النسوة. بينما يقول لوقا ٢٧/١-١٠ أن الزائرات للقبر كن جمعًا من النسوة. أما يوحنا ٢٠/١-٣ فجعل مريم المجدلية الزائرة الوحيدة للقبر، ثم ذهبت فأحضرت معها التلميذين بطرس ويوحنا. والاتّفاق الوحيد يبن الأناجيل في ذلك هو وجود مريم المجدلية في موضع الصدارة بين الزائرات، وقد صارت بذلك المصدر الرئيسي لكلّ ما قيل عن قيامة المسيح من الأموات. ب- أن النساء رائين عند القبر شابًا جالسًا عن اليمين لابسًا حلة بيضاء - حسب رواية مرقس -. بينما هو في متى: "ملاك الرّبّ وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج". أما في لوقا فهما: "رجلان بثياب برأقه". وفي يوحنا نجدهما: "ملايكن بثياب ببعض جالسين". ج- حسب رواية مرقس، فإن النساء قد حَمَلن رسالة لإبلاغها للتلاميذ وقد فشلن في توصليها لأنهن كن خائفات. بينما يخبرنا لوقا أنهن قَدَّمْنَ تقريرًا كاملًا عما رأينه وسمعنه إلى التلاميذ. د- من الذي دحرج الحجر عن القبر؟ يقول متى: "بأن الملاك الذي نزل من السماء هو الذي دحرج الحجر الكبير عن باب القبر وجلس عليه". أما الباقون مرقس ولوقا ويوحنا فذكروا: "بأن الحجر قد دحرج، ولم يذكروا من الذي دحرجه". (ر: رسالة للشيخ أحمد ديدات بعنوان: "من دحرج الحجر؟ ".
[ ١ / ٢٩٦ ]
ما بلغ الأعداء من جاهل ما بلغ الجاهل من نفسه
١٣- موضع آخر:
قال متى في إنجيله: "إن يوحنا المعمداني أفضل من نبيٍّ"١. ثم نسي نفسه فقال بعد ذلك: "وكان المعمداني مثل نبيٍّ"٢.
فليت شعري من في بني آدم تسمو رتبته على رتبة النّبيّ حتى يقال: إنه أفضل من نبي؟!، هل ذلك إلاّ من / (١/١٠٣/ب) سوء التعبير، وسوء التعبير من سوء الفهم.
١٤- موضع آخر:
قال نقلة الإنجيل: "قال يسوع لبطرس: طوبى لك"٣. ثم نقضوا ذلك فقالوا في آخر: "قال يسوع لبطرس هذا: اذهب عني يا شيطان لا تشككني لأنك ما تفكر فيما لله بل فيما للناس"٤.
فبينا بطرس عنده لطوبى مالكًا إذ جعله في الدركات هالكًا٥.
١٥- موضع آخر:
قال نقلة الإنجيل عن لوقا: "إن يسوع ليجلس على كرسي أبيه داود ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد"٦. ثم نقضوا ذلك فقالوا: قال يسوع: "إنه ينبغي أن أقتل وأصلب"٧، وهذا غاية التناقض والتكاذب.
_________________
(١) ١ متى ١١/٩. ٢ متى ١٤/٥. ٣ متى ١٦/١٧. ٤ متى١٦/٢٣. ٥ ذكرهذاالتناقض أيضًاابن حزم في الفصل٢/٨٥،وابن القيم في هدايةالحياري ص٢١٤. ٦ لوقا ١/٣٢، ٣٣. ٧ متى ١٧/٢٢، ٢٣، مرقس ٨/٣١-٣٣، لوقا ٢٤/٤٦.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وكيف يخبر جبريل عن الله أن المسيح يجلس على كرسي داود ويملك على أسباط بني إسرائيل ويخلف ذلك فلا يجري منه حرف واحد بل يجري نقيضه؟!.
فيرذل يسوع ويقهر ويطاف به مُهانًا ويُشهر، ويأرق من شدّة الفرق ويسهر، ويقرن مع الصوص ويسب وينهر ويقتل ويصلب ويقبر وينصدع شمل أصحابه بمصابه، فلا يجبر هذا ما لا يصدر / (١/١٠٤/أ) عن جهال الكهان، فكيف يصدر من رئيس ملائكة الرحمن؟! ثم العجب من قولهم أن يسوع جاء ليقتل ويصلب ويهان، لا والله، ولا كرامة ولا ينبغي لمن عنده أدنى مسكة من عقل أن يعرض دابته وكلبه لهذه المحن، فكيف بالإله الذي تقوم السماء والأرض بأمره ويجري بتقديره حلو العيش ومره؟!.
وكيف إذ عزم على هذا الخاطر الرديء وتنفس بهذا النفس الصدى لم تمنعه التلاميذ ويشيروا عليه بالإضراب عن هذا الرأي الغائل ويعرفوه أن الخلائق تهلك بهلاكه وتعدم بعدمه؟!.
ومن الذي يرزق البغاث١ في عشه إذا حمل الإله على نعشه أو يرسي الجبل في رأسه٢ وقد حصد الرّبّ في رمسه٣؟!.
فإن أجاب إلى الصواب وإلاّ ربطوه وضبطوه وشدّدوا عليه في الحجر واعتقدوا في ذلك الثواب والأجر.
فانظر - رحمك الله - ما أقبل عقول هؤلاء القوم إلى الترهات التي تمجها الأسماع وتأباها الطباع.
_________________
(١) ١ البغاث: من الطير ما لا يتصيد ولا يرغب في صيده. لأنه لا يؤكل. قاله الأزهري، وقال ابن السكيت: طائر أبغَث دون الرخمة بطيء الطيران. والجمع: "البغاث"، كالحمام، وفيه قول المثل: إن البغاث بأرضنا يستنسر، أي: الضعيف يصير قويًّا بأرضنا. (ر: المصباح المنير ص ٥٦) . ٢ الأس: أصل البناء. (ر: القاموس ص ٦٨٢) . ٣ الرَّمس: كتمان الخبر، والدفن والقبر. (م س ص ٢٠٨) .
[ ١ / ٢٩٨ ]
١٦- موضع آخر:
قال يوحنا في خاتمة إنجيله: "لقد فعل يسوع أمورًا كثيرة لو أنها كتبت واحدة/ (١/١٠٤/ب) واحدة لم يسمعها العالم صحفًا مكتوبة"١.
وهذا - لعمرك - من الكذب الذي لا يتجانبه على البوح به إلاّ من أنسل من الحجا واعتزى إلى الحماقة ولجأ، إذ العالم أوسع أكنافًا وأبعد أطرافًا من أن يضيق عن أوراق تتضمن معجزات نبيّ وآيات رسولٍ، وهذا الواضح وشبهه مما يورك على النقلة فيه، وإلاّ فالحواريّون محاشون عندنا عن التفوه بالمحال.
١٧- موضع آخر:
قال يوحنا في الفصل العشرين من إنجيله: "كان التلاميذ مجتمعين في غرفة لهم يتحدّثون في قيامة المسيح فقال توما: لا أؤمن بذلك حتى أرى آثار المسامير في يديه بعيني"٢.
ولم يذكر ذلك سوى يوحنا وأغفله الباقون، والإنجيل لا يثبت بخبر واحد، وكيف أغفله الأكابر من التلاميذ وظفر به صبيّ واحد؟!.
وإنما النصارى يتعلقون بالقول الضعيف إذا وافق مقصودهم، ونحن بعون الله سنبطل دعواهم في القتل والصلب بحيث لا يبقى لهم حجّة يحتجون بها في ذلك.
_________________
(١) ١ يوحنا ٢١/٢٥، وقد ورد النّصّ كالآتي: "وأشياء أخرى صنعها يسوع أن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة". ومن الواضح أن هذا القول قائم على الظن، ومن أمهات الحقائق: "أن الظن لا يغني من الحقّ شيئًا"، ومن المؤكّد أن معجزات المسيح لو كتبت جميعها فإن العالم يسعها وزيادة. ٢ يوحنا ٢٠/١٩، ٢٠، وهذا الخبر كسابقه في أن دليل كذبه معه حيث إن اجتماع التلاميذ في مكان واحد مما تتوافر الدواعي على نقله فإذا انفرد بروايته واحد فإنه يدل على كذب نقله أو غفلة من لم ينقله، ولعدم التمكن من تمييز الصادق أو الثقة منهم فإن البطلان والفساد يسري على الجميع.
[ ١ / ٢٩٩ ]
١٨- موضع آخر:
صعود المسيح إلى السماء أغفله يوحنا ومتى فلم يذكراه وهما من الاثني عشر، وذكره لوقا ومرقس وليسا / (١/١٠٥/أ) من الاثني عشر بل من السبعين على أنهما قد اختلفا في ذلك - أعني لوقا ومرقس - فقال مرقس: "إن سيدنا يسوع لما قام كلَّم تلاميذه تكليمًا ثم صعد من يومه"١. وخالفه في ذلك لوقا فقال: "إنما صعد بعد قيامه بأربعين يومًا"٢. وهذا تكاذب [فظيع] ٣ واختلاف فاحش شنيع.
ومما يخرم الثقة بنقلهم قول متي: "قال يسوع: حقًّا أقول لكم إنّ قومًا من القيام هاهنا لا يذوق الموت حتّى يرووا ابن الإنسان آتيا في ملكوته"٤.
ومعلوم أنه قد مضى من حين صدور هذا الكلام ما نيف على ألف عام ولم يأت في ملكوته، فإن قالوا: لم يعن إلاّ أنه يقوم من بين الأموات بعد ثلاث متتابعات.
قلنا: إنما قلتم إنه يأتي في ملكوته، وأيُّ ملكوت كان له في اليوم الثالث ومريم المجدلانية تبكي عليه وتسأل من يرشدها إليه؟!، وأيُّ مجد كان له في ذلك اليوم وهو من سوء الحال يشبهه بناطور البستان؟! ٥.
_________________
(١) ١ مرقس ١٦/٩-١٩، في سياق طويل. ٢ سفر أعمال الرسل للوقا ١/٣. ٣ في ص (فصيح) ولعل الصواب ما أثبته. ٤ متى ١٦/٢٨. ٥ إن مسألة وقت صعود المسيح إلى السماء حسب روايات الأناجيل مما وقع الخلاف فيه بين النصارى، ويحدّثنا عن ذلك د. أدولف هرنك - أستاذ تاريخ الكنيسة بجامعة برلين - في كتابه: "تاريخ العقيدة ص ٢٠١-٢٠٤)، فيقول: "إن الاعتقاد في أن يسوع صعد إلى السماء بعد أربعين يومًا من القيامة قد أخذ يشقّ طريقه تدريجيًا ضدّ المعتقدات القديمة التي كانت تقول بأن القيامة الصعود حدثا في نفس الوقت، وكذلك ضدّ أفكار أخرى كانت تؤمن بوجود فاصل زمني أكبر بين الحاديثن، على أن بولس لا يعلم شيئًا عن الصعود كذلك لم يذكره كلّ من كليمنت وأجناتيوس وهرمس وبوليكارب. وغالبًا ما اتّحدت صيغة الكلام عن القيامة والجلوس عن يمين الله"، (كما في أقسس ١/٢٠، وأعمال الرسل ٢/٣٢) . وحسبما جاء في إنجيل لوقا ٢٤/٥١، ورسالة برنابا ١/٩: "فإن الصعود إلى السماء قد حدث في نفس يوم القيامة". "ومن المحتمل أن يكون ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا ٢٠/١٧، أن القول بأن الصعود حدث بعد أربعين يومًا من القيامة قد ذكر لأوّل مرّة في سفر أعمال الرسل". ثم يقول: "وقد قالت بعض الطوائف والمصادر المسيحية أن الصعود إلى السماء حدث بعد ثمانية عشرشهرًا من القيامة، وقال أخرى: حدث بعدأحدعشرعامًا". اهـ. (نقلًا من: المسيح في مصادر العقائد المسيحية-أحد عبد الوهّاب ص٣٠٥-٣٠٦) .
[ ١ / ٣٠٠ ]
١٩- موضع آخر:
قال متى: "قال يسوع للتلاميذ الاثني عشر: أنتم الذين تكونون في الزمن الآتي [جلوسا] ١ على اثني عشر كرسيًا / (١/١٠٥/ب) تدينون [اثني] ٢ عشر سبط إسرائيل"٣.
فشهد للكل بالفوز والزعامة في القيامة، ثم نقضَ ذلك متى وغيره وقال: "مضى واحد من التلاميذ الاثني عشر المشهود لهم وهو يهوذا صاحب صندوق الصدقة فارتشى على يسوع ثلاثين درهمًا، وجاء بالشرط فسلم إليهم يسوع فقال يسوع: الويل له، خير له ألا يولد"٤.
فانظر - رعاك الله - إلى قبح هذا النقل وشناعة هذه الرواية، هذا راوٍ واحدُ بينما يهوذا عنده جالس على كرسي من كراسي المجد يحاسب سبطًا من أسباط بني إسرائيل، إذ جعله كافرًا فاجرًا بائعًا ربَّه بالثمن البخس طالعًا نجمه بعد السعد بالنحس، وهذا لا يليق بنبيّ الله المسيح أن يخبر عن رجل بمصيره إلى
_________________
(١) ١ في ص (جلوس) والصواب ما أثبته. ٢ في ص (اثنا) وهو خطأ، والتصويب من المحقِّق. ٣ متى ١٩/٢٧، ٢٨. ٤ متى الإصحاح (٢٦)، مرقس الإصحاح (١٤)، لوقا الإصحاح (٢٢)، يوحنا الإصحاح (١٤، ١٨) .
[ ١ / ٣٠١ ]
السعادة والسيادة ويختاره لحفظ أموال الصدقات وهو من الكفار في دركات النار، هذا مما يحاشي عنه النبيّ، فكيف يصدر ممن تعتقد ربوبيته؟! ١.
٢٠- موضع آخر:
قال يوحنا: "قال يسوع لتلاميذه: الحقّ أقول لكم أن من يؤمن بيَ يعمل أفضل من أعمالي"٢. وأكذب ذلك أصحابه فقالوا: "لما أبرأ يسوع المجنون الأبكم قال والد المجنون / (١/١٠٦/أ) لقد سألت تلاميذك فلم يقدروا على إخراج الجني، فقال يسوع: إن هذا لا يقدر عليه إلاّ بصوم وصلاة"٣.
فمرة يقول: إنهم يفعلون أفضل من أعماله، وأخرى يقول: إنهم لا يقدرون على مثل أعماله مع شهادته لهم بالإيمان والجلوس معه في القيامة على كراسي المجد وذلك تناقض عظيم وتكاذب جسيم.
٢١- موضع آخر:
قال متى: "قال يسوع لأصحابه: لا تهتموا بما تأكلون وتشربون فطيور السماء لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء والله يطعمها"٤.
_________________
(١) ١ إذا قارنا نصّ متى السابق بنظيره في إنجيل لوقا ٢٢/٢٩، ٣٠، ونصّه يقول المسيح: "أنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتًا لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط بني إسرائيل الاثني عشر". لوجدنا الأمر كما يقول الأستاذ جون فنتون- عميد كلية اللاهوت بإنجلترا في كتابه: (تفسير إنجيل متى ص ٣١٧): "إن (لوقا) حذف العدد اثني عشر (كرسيًا) ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان يفكر في يهوذا الإسخريوطي" اهـ. (ر: المسيح في مصادر العقائد - أحمد عبد الوهّاب ص ٩٩) . ٢ يوحنا ١٤/١٢. ٣ متى ١٧/١٤-٢١،مرقس٩/١٧-٢٩،في سياق طويل، وذكره المؤلِّف مختصرًا بالمعنى. ٤ متى ٦/٢٥، ٢٦.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وخالف ذلك الإنجيل فقال: "إذا قمتم إلى الصلاة فقولوا: يا أبانا أعطنا كلّ يوم خبزًا نأكله"١. فالأوّل ينهى عن الاهتمام بالشراب والطعام، والآخر يقول: كذا ولكنه أمر به، وهذا تكاذب عجيب، فإن الأوّل نهيٌ محضٌ، والثاني أمرٌ جزمٌ، والأمر بالشيء والنهي عنه من وجه واحد غير معقول.
٢٢- تناقض آخر:
قال الرواة: "قال يسوع: أنا وأبي واحد"٢. ثم قالوا: "قال يسوع: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم"٣.
فإن لم يحملوا الأوّل على التبليغ والسفارة وإلاّ تناقضا لا محالة؛ / (١/١٠٦/ب) إذ ذهابه إلى نفسه محال.
٢٣- فساد إنجيل يوحنا:
رووا عن يوحنا الإنجيلي أنه قال: "إن الكلمة صارت جسدًا وحلَّ فينا"٤. وهم لا يعنون بالكلمة إلاّ صفة العلم أو النطق وذلك محال، إذ يلزمهم أن يكون القديم صار محدثًا والأزلي عاد زمنيًا، وثار الآن عندهم عبارة عن ذات جاهلة ساكتة خرساء وتحولت الألوهية للمسيح؛ لأنه ذات كاملة بالعلم والنطق، وذلك من النصارى عزل لله عن الربوبية وإخراج عن الألوهية الكلّيّة.
قال المؤلِّف: لقد كنت أتعجب من قراءتهم في صلواتهم: "المسيح الإله الصالح الداعي الكلّ إلى الخلاص"، ومن شريعة إيمانهم حيث تقول: "المسيح إله حقّ".
_________________
(١) ١ متى ٦/٩-١١، لوقا ١١/٢، ٣. ٢ يوحنا ١٧/٢١، ٢٢. ٣ يوحنا ٢٠/١٧. ٤ يوحنا ١/١٤.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وأقول: من أينَ جاءت النصارى هذه المحنة حتى وقفت على قول يوحنا هذا: "إن الكلمة صارت جسدًا وحلّت فينا"، فتحققت أن تلك الصلاة وتلك الشريعة إنما أسست على هذه الكلمة الرذلة.
٢٤- فساد المنقول عن يوحنا أيضًا:
انفرد يوحنا وحده بفصل ذكره / (١/١٠٧/أ) في صدر إنجيله وهو في غاية التهافت والرِّكة فقال: "في البدء كانت الكلمة، والكلمة عند الله، والله هو الكلمة"١. وهذا كما ترى مضطرب من جهة لفظه ومعناه: أما اضطرابه من جهة لفظه فإن ذلك بمنْزِلة قول القائل: الكلام عند المتكلم والمتكلم هو الكلام، والعلم عند العالم والعالم هو العلم، والدينار عند الصيرفي والصيرفي هو الدينار، وذلك هو الجنون.
_________________
(١) ١ يوحنا ١/١، ونصّه: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله". يقول الأستاذ أحمد عبد الوهّاب في كتابه: (اختلافات في تراجم الكتاب المقدس ص ٤٢-٤٤: "إن النّصّ السابق هو ما تقوله ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك، والتراجم الإنجليزية والفرنسية التي درجنا على استخدامها. إلاّ أن ترجمة العهد الجديد للكاثوليك، والعهد الجديد للمطبعة الكاثوليكية تقول: "والكلمة هو الله"، وهناك تراجم أخرى تختلف عن الترجمتين السابقتين، ففي ترجمة حديثة صدرت عام ١٩٨٥م، بعنوان: "العهد الجديد الأصلي"، تقرأ مقدمة إنجيل يوحنا كالآتي: "في البدء كانت الكلمة، وكانت الكلمة عند الله، وهكذا كان الكلمة السماوية، كانت في البدء عند الله، بها كلّ شيء عمل، وبدونها لم يكن شيء ". وكذلك تقول "ترجمة إنجليزية اليوم" الصادرة عن جمعية الكتاب المقدس الأمريكية في افتتاحية إنجيل يوحنا: "وكان الكلمة مثل الله". ثم نقل الأستاذ أحمد عبد الوهّاب كلام د. جون ربنسون - أسقف ولويش بإنجلترا - في إثبات خطأ القول: "وكان الكلمة الله أو والكلمة هو الله"، مستندًا على ترجمة "الكتاب المقدس الإنجليزية الحديثة" التي تترجم العبارة السابقة كالآتي: "وما كان الله، كان الكلمة". قلت: هذا الخبط والخلط في فهم النصوص ناشئ عن سوء الترجمة وعدم الأمانة والدقة العلمية، وقد سبق لنا نقل كلام الأستاذ شارل جنيبر في الإشارة إلى دور الترجمة في تحريف الأناجيل لفظًا ومعنىً وإبدال المعنى الصحيح بالباطل. (ر: ص ١٤٢، ١٤٣) .
[ ١ / ٣٠٤ ]
وأما اضطرابه من جهة معناه، فإن الكلمة عندهم هي العلم أو النطق، وهي التي اتّحدت بالجسد المأخوذ من مريم، فإذا قال يوحنا: إن الله هو الكلمة، فقد صرح بأن الأب قد اتّحد بالجسد وحَلَّ في رحم مريم وناله القتل والصلب وتردد مع الشيطان من مكان إلى مكان، وهذا لا يقول به نصراني، وهو لازم لهم بمقتضى ما رووا عن يوحنا أن الله هو الكلمة، ومما يُرَدُّ به قول يوحنا هذا تصريح المسيح في عدّة مواضع من الإنجيل بأنه نبيّ وأنه رسول ومعلم وأن الله نبَّأه وأرسله، وأنه لا يعلم الغيب والقيامة، وذلك كلّه بخلاف / (١/١٠٧/ب) قول يوحنا: "إن الله هو الكلمة".
٢٥- ومن اللعب البديع:
قول يوحنا: "قال يسوع لتلاميذه: إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي فلا حياة لكم؛ لأن جسدي مأكل حقّ ودمي مشرب حقّ، ومن يأكل جسدي وشرب دمي يثبت فِيَّ وأثبت فيه، فلما سمع تلاميذه هذه الكلمة قالوا: ما أصعبها، من يطيق استماعها؟، فرجع كثير منهم عن صحبته"١.
قلت: الكلام على الشيء بالرّدّ والقبول فرع كونه معقولًا، وهذا الكلام لو أراد البليغ أن يوجهه لأفضى به الحال إلى المحال، فيكفينا في الرّدّ عليه مجرد تسطيره، والكلام على الشيء الركيك لا يجيء إلاّ ركيكًا.
وإذا كان في الأنابيب خلف وقع الطيش في صدور الصعاد
وكيف لا يرجع العقلاء عن صحبة يسوع وهو يقول في الكلام المتقدم على هذا إن الله هو الكلمة والكلمة صارت جسدًا؟! وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يأمرهم بأكل ذلك الجسد وشرب دمه؟!
_________________
(١) ١ يوحنا ٦/٤١-٦٧، في سياق طويل، وقد ذكره أيضًا ابن حزم في الفصل ٢/١٨٣، وأشار إلى سقوط هذا الكلام واختلاط قائله.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ولا شكّ أن العقلاء من النصارى اليوم لو جمعوا بين قول يوحنا أوّلًا وقوله آخرًا لرجعوا أيضًا كما رجع من رجع عن يسوع، إذ يجتمع من الكلامين أكل جسد الله القديم / (١/١٠٨/أ) الأزلي وشرب دمه، ومن الذي يسمع ذلك فلا يقضي على قائله بالجنون أو المجون؟.
فساد المنقول عن فولس:
قال في رسالته السادسة وهو يحث على التواضع والتودد: "لا ينظرن أحدكم إلى نفسه دون صاحبه لكن ليعُدَّ صاحبه أفضل منه، واقتدوا بيسوع المسيح الذي كان شبه الله وعدل الله، كيف أخفى نفسه وأخذ شبه العبد وألقى نفسه في زيّ إنسان وشكله حتى مات وصلب"١.
فبينا المسيح عنده [مشابه للإله ومعادل] ٢ له إذ حكم عليه بالذلّ والإهانة والقتل والصلب وذلك غاية الجهل والحمق، وإلاّ فأي حاجة بالإله الخالق الباري إلى تلبسه بهذه الأمور؟! وما الذي اضطره إلى ذلك؟! تعالى عن هذا الهذيان.
٢٦- موضع آخر من التكاذب:
قال متى: "كان يوحنا لا يأكل ولا يشرب"٣. وأكذبه الآخرون فقالوا: "كان طعام يوحنا هذا الجراد وعسل البر"٤. وهذا من أقبح الكذب.
_________________
(١) ١ رسالة بولس إلى فيلبي ٢/٤-٨. ٢ في ص (مشابهًا للإله ومعادلًا) والصواب ما أثبته. ٣ متى ١١/١٨. ٤ متى ٣/٤، ومرقس ١/٦.
[ ١ / ٣٠٦ ]
٢٧- موضع آخر:
قال يوحنا الإنجيلي: "قال يسوع: أنا هو الراعي الصالح وأنا عارف برعيتي / (١/١٠٨/ب) وهي تعرفني"١، وأكذبه متى قال: "قال المعمداني حين رأى يسوع: هذا خروف الله"، وقال مرة أخرى: "هذا حمل الله"٢.
فمتى يجعل المسيح خروفًا، ويوحنا يقول: لا ولكنه [راعٍ] ٣ للخروف، في الله العجب، هلاّ قال المعمداني حين رأى المسيح: هذا هو الله أو هذا ابن الله أو هذا مسكن الله.
والنصارى تقول: "إن المعمداني إنما جاء شاهدًا للمسيح، والمسيح يقول في إنجيله: "لم تقم النساء عن رجل أفضل من المعمداني هذا"٤. فكيف يجوز من مثل المعمداني أن يسمى المسيح خروفًا أو حملًا، ويثبت له مالكًا هو الله تعالى؟!، أو تدعي النصارى أنها أعرف بالله من نبيّه يحيى بن زكريا وأعلم بها بما يجب له!! فكيف استجازوا خلافه وسلكوا في المسيح مذهبًا غير مذهبه وطريقًا سوى طريقه فقالوا تارة: المسيح هو الله، وأخرى قالوا: هو بيت الله ومسكنه؟!.
وقالوا في شريعة إيمانهم: "المسيح إله حقّ بيده أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء". وقالوا في صلواتهم: "يا ربنا المسيح لا تُضيِّع من خلقت بيدك"، وهذا كله بخلاف قول / (١/١٠٩/أ) المسيح في نفسه، وبخلاف شهادة يوحنا له؛ لأن يوحنا شهد أن المسيح عبدُ الله، وأن الله مالكه. وقال حين رآه: "هذا الذي قلت لكم إنه يأتي بعدي وأنه أقوى مني وأني لا أستحق أن أحل معقد خفّه". وهذا يدل على
_________________
(١) ١ يوحنا ١٠/١٤. ٢ لم يرد وصف المسيح بأنه: "حمل الله"، في إنجيل متى، بل ورد في إنجيل يوحنا ١/٢٩، ٣٦، وأما وصفه بأنه (خروف ) فقد ورد في رؤيا يوحنا ١٥/٣. (ر: قاموس الكتاب ص ٨٨٦) . ٣ في ص (راعيًا) والصواب ما أثبته. ٤ متى ١١/١١.
[ ١ / ٣٠٧ ]
مساواته المسيح؛ لأن الرجل الفاضل المتقي قد يذكر ذلك لمن هو دونه في الفضل تواضعًا لله تعالى وفرار من تزكية النفس، وقد يكون القائل أفضل من المقول له وهذا واضح، وإلاّ فيوحنا هذا أكبر من المسيح سنًا وأقدمهم تعميدًا، ولقد عمَّد المسيح فيمن عمَّد وامتلأ من روح القدس وهو في البطن، ونبأ الله أباه زكريا ببركته، يشهد بجميع ذلك الإنجيل١.
وذلك كلّه يخصم النصارى في دعوى ربوبية المسيح ويفسد عليهم الأمانة التي ادّعوها في إثبات ألوهيته.
٢٨- موضع آخر:
قالت النصارى: قال داود في مزمور له: "قال الرّبّ لربي: اجلس عن يميني"٢. قالوا فقد سمى داود المسيح ربّه.
قلنا: فقد حكيتم / (١/١٠٩/ب) لنا عن إنجيل لوقا أنه قال: "قال جبريل لمريم: إنك ستلدين ابنًا اسمه: يسوع يجلسه الله على كرسي أبيه داود"٣. فإن كان النقل الأوّل صحيحًا، فالثاني باطل، وإن كان الأوّل باطلًا، فالثاني صحيح، وإذا كان المسيح هو ابن داود بإخبار جبريل عن الله فكيف يكون ربًّا لداود؟! أما كان في النصارى من يتدبر ذلك قبل تسطيره، فإنه قد صار سبة عليهم آخر الدّهر.
٢٩- موضع آخر:
قالوا: قال متى: "قام المسيح من الموتى مساء يوم السبت"٤. وخالفه أصحابه فقاوا: "ما قام إلاّ صبيحة يوم الأحد بغلس"٥. وذلك مما يخرم الثقة بأصل الخبر، وسأوضح ذلك إن شاء الله إذا انتهيت إلى بابه.
_________________
(١) ١ لوقا ١/١٣-١٧. ٢ مزمور ١١٠/١. ٣ لوقا ١/٣٠. ٤ متى ٢٨/١-٧. ٥ مرقس ٦/١٦-١٩، لوقا ٢٤/١-٣، يوحنا ٢٠/١، ٢، وقد ذكر بان حزم في الفصل ٢/١٢٧-١٣٢ هذا الاختلاف بنحو ما أورده المؤلِّف.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وفي خبر قيامة المسيح ما هو أنكر من هذا وهو أن متى يقول: "إن اليهود سألوا المسيح أن يريهم آية، فقال: إن يونس أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وكذلك ابن الإنسان يكون في بطن الأرض وقلها ثلاثة أيام وثلاث ليال مثلما أقام يونس"١. ثم لم يصحّحوا هذا الخبر إذ رووا كلهم / (١/١١٠/أ) أنه صلب في الساعة الثالثة من يوم الجمعة، ثم أُنزل ودفن مساءً من يومه فمنهم من زعم أنه قام يوم السبت مساءً، ومنهم من قال: قام صبيحة الأحد مغلسًا، فإذا لم يقم بطن الأرض سوى يوم واحد وليلة أو ليلتين على الرواية الأخرى٢.
_________________
(١) ١ متى ١٢/٣٩، ٤٠، إن المراد بآية النبيّ يونان في هذا النّصّ هو نفسه المراد في الإصحاح ١٦/٤ ونصّه: "فأجاب وقال لهم: جيل شرير فاسق يلتمس آية ولا تعطى له آية يونان النبيّ". وهو نفسه المراد أيضًا في قول اليهود لبيلاطس: "يا سيد قد تذكرنا أن ذلك المفضل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم". ٢٧/٦٣. فهذه الشواهد تدل على أن المراد بمثل آية النبيّ يونان هو المسيح ﵇. ٢ يوضّح لنا الشيخ رحمة الله الهندي في إظهار الحقّ ص ١٥٩ التناقض في روايات الأناجيل للقيامة بقوله: "إن المسيح صلب قريبًا إلى نصف النهار من يوم الجمعة، كما يعلم من الإصحاح (١٩) من إنجيل يوحنا، ومات في الساعة التاسعة (الواحد ظهرًا - الثالثة بعد الظهر) وطلب يوسف جسده من بيلاطس وقت المساء فكفنه ودفنه كما جاء في إنجيل مرقس (ومتى) . فدفنه لا محالة كان في ليلة السبت، وغاب هذا الجسد (المسيح) عن القبر قبل طلوع الشمس من يوم الأحد - كما جاء في إنجيل يوحنا - فما بقي في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، بل يومًا وليلتين، وما قام بعد ثلاثة أيام. في القبر أسبوع عيد الفصح الليالي الأيام يوم الجمعة دفن في القبر قبل غروب الشمس. ليلة واحدة لا شيء يوم السبت ليلة واحدة يوم واحد يفترض أن يكون في القبر. يوم الأحد لا شيء لا شيء مفقود دفنه قبل طلوع الشمس. ليلتان يوم واحد الإجمالي ولما كان هذه الأقوال غلطًا فقد اعترف به (بالس وشانر) أن هذا التفسير من جانب متى وليس من قول المسيح. وقالا: "إن مقصود المسيح أن أهل نينوى كما آمنوا بسماع الوعظ وطلبوا المعجزة كذلك فليرضى الناس مني بسماع الوعظ". اهـ. (ر: أيضًا رسالتين للشيخ أحمد ديدات (من دحرج الحجر؟، ما هي آية يونان؟) .
[ ١ / ٣٠٩ ]
والنصارى قد يقرؤون هذا الفصل في كلّ سنة في آية سبت في الصوم، وهو السبت الذي يكون في صبيحته الفطر١، فيقرأ القارئ الفصل المذكور ثلاث مرات وهو يقول: "الآن وفي هذا الوقت قام المسيح من بين الموتى، وهذا كما نرى نقل مضطرب على أنّا لو أضفنا لهم يوم الصلب وهو يوم الجمعة أيضًا لم يحصل الوفاء بالثلاثة الأيام والثلاث الليالي.
ومن لم يكن عنده من اللب ما يعرف به هذا الخطأ مع وضوحه لم يتعجب من قبوله لكلّ مستحيل.
٣٠- موضع آخر:
قال المصلوب لأحد اللصين: "حقًّا إنك اليوم تكون معي في الفردوس٢، فحكم بأنه يوم الجمعة يكون معه في الجنة، وذلك مناقض لما روى لوقا إذ قال: "إن المسيح / (١/١١٠/ب) لم يصعد من الأرض إلاّ بعد أربعين يومًا"٣. وإذا كان قد مكث في الأرض أربعين يومًا قبل الصعود فقد بطل قوله: "إنه معه يوم الصلب في الفردوس".
_________________
(١) ١ عيد الفطير: ويسمى أيضًا: بـ: (عيد الفصح)، وهو العيد الرئيسي عند النصارى، وهو ذكرى قيامة المسيح من بين الأموات، ويقع بين ٢٢ مارس و٢٥ إبريل ويرتبط به عدد كبير من الأعياد الأخرى، ويسبق بالصيام الكبير الذي يدوم (٤٠) يومًا بجمعة آلام المسيح. وهذا العيد أيضًا من أبرز أعياد اليهود ويقع عندهم في ١٥ نيسان، وفيه خرج بنو إسرائيل من مصر هربًا من فرعون. (ر: قاموس ص ٦٧٨، الموسوعة العربية الميسرة ص ١٢٤٧) . ٢ لوقا ٢٣/٤٣. ٣ سفر أمال الرسل ١/٣، وقد سبق للمؤلِّف ذكر هذا التناقض ولعله قد نسي فأورده مرة ثانية. انظر: ص ١٨٢ التناقض رقم: (١٠) .
[ ١ / ٣١٠ ]
٣١- موضع آخر:
قال متى: "لما حُمل يسوع إلى فيلاطس القائد قال: أي شرّ عمل هذا؟ فصرخ اليهود وقالوا: يصلب يصلب، فلما رأى القائد عزمهم وأنه لا ينفع فيهم شيء أخذ ماء وغسل يده وقال: أنا بريء من دم هذا الصّدِّيق وأنتم أبصر"١.
وأكذب ذلك يوحنا فقال: "لما حمل يسوع إلى فيلاطس القائد قال الهيود: ما تريدون؟ قالوا: يصلب، فضرب يسوع ثم سلمه إليهم"٢.
فانظر يا أخي - أسعدك الله بقربه وعصمك من الشيطان وحزيه - ما أقبح هذا التكاذب وأوضح هذا التناقض، أحد التلميذين يقول: إن القائد أثنى على يسوع وغسل يده، والآخر يقول: كلا، ولكن جَلَده.
٣٢- موضع آخر:
قال يوحنا: "لما حلم يسوع إلى رئيس الكهنة قيافًا موثقًا سأله مستخرًا عن حاله فيصيح يسوع / (١/١١١/) [أنا كلمت العالم علانية أنا علمت كلّ حين في المجمع وفي الهيكل، حيث يجتمع اليهود دائمًا، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء، لماذا
_________________
(١) ١ متى ٢٧/٢٢-٢٤٥. ٢ يوحنا ١٨/٣٨-٤٠، ١٩/١. قلت: إن على النصارى الكاثوليك ومن يؤمن منهم بعصمة الباب والكنيسة الكاثوليكية وبحقّها في التشريع أن يحذفوا هذه النصوص وغيرها التي تتهم اليهود بصلب المسيح وتطالبهم بدمه وذلك بعد صدور وثيقة التبرئة عام ١٩٦٥م، من البابا بولس السادس وفيها التصريح بتبرئة اليهود من دم المسيح ﵇. ولا يخفى دور اليهود ومكرهم الخبيث في استصدار هذه الوثيقة من الفاتيكان ولذلك سعت إلى تحريف الأناجيل - زيادة على تحريفه السابق - وتغيير كلمة اليهود واستبدالها في النسخ الحديثة لأسفار العهد الجديد المطبوعة في إسرائيل، فاستبدلت كلمة اليهود في النّصّ السّابق بكلمة الشعب، أو الرعاع. (للتوسع، ر: إسرائيل حرفت الإناجيل - أحمد عبد الوهّاب) .
[ ١ / ٣١١ ]
تسألني أنا أسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتهم هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا، ولمّا قال هذا] ١ قام إليه رجل من الشرط فلطم يسوع على خده الأيمن وقال: هكذا تجاوب عظيم الكهنة. قال له يسوع: إن كنت قلتُ رديًا فاشهد بالرّدي وإن كنت قلت جيدًا فلمَ تضربني؟ "٢. وهذا خلاف ما قال لوقا إذ قال: "إن جبريل أخبر عن الله تعالى أن يسوع يكون ملك بني إسرائيل"٣. ولم يقل: إنه يحمل في الكبول والقيود إلى اليهود.
٣٣- موضع آخر:
قال لوقا: "قال جبريل لمريم وهو يبشرها إنك ستلدين ولدًا تسمينه يسوع يجلس على كرسي داود ويملك على بيت يعقوب"٤. فأخبر عن الله بتمكله على بيت أبيه داود وأكذب ذلك يوحنا فقال: "لما حمل يسوع إلى رئيس الكهنة قال له: أنت ملك اليهود؟ فقال يسوع: أمن عندك قلت هذا؟ أم حُكي لك عني؟ "٥. وهذا تكاذب قبيح إذ لوقا جعله ملك إسرائيل، والآخر وسمه بِسِمّة ذليل.
قال المؤلِّف: ألتحقيق عندنا أن هذا جواب الشبه، ألا تراه كيف ورَّى في الجواب، وقد كان الشَّبه شرى نفسه من الله وآثر المسيح / (١/١١١/ب) بمهجته، وأنت إذا تتبعت ذلك اتّضح لك أن المأخوذ المصلوب هو الذي شبه بالمسيح لا المسيح، وسنَزيده وضوحًا إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في ص (المعاديده بين يديه) وأما المثبت فهو من نصّ الإيجيل. ٢ يوحنا ١٨/١٩-٢٤. ٣ لوقا ١/٣٢، ٣٣. ٤ لوقا ١/٣٢، ٣٣. ٥ يوحنا ١٨/٣٣، وفيه أن الذي سأل المسيح: أنت ملك اليهود؟ هو بيلاطس الوالي على اليهودية وليس رئيس الكهنة كما ذكر المؤلِّف.
[ ١ / ٣١٢ ]
٣٤- ومما تفرد به يوحنا دون أصحابه:
قال يوحنا: "لم صلب يسوع واللصان معه قال اليهود: هذا يوم الجمعة وغدا السبت، ولا تبقى هذه الأجساد على الصلب، وسألوه أن يتقدم بكسر أسوقهم، فمضى الشرط ففعلوا ذلك باللصين وانتهوا إلى يسوع فوجدوه ق مات فلم يكسروا ساقيه، بل جاء رجل من الجند بحربة فطعنه في جنبه الأيمن فخرج من جرحه ماء ودم"١. وأغفل الباقون ذلك فلم يخبروا به، وإذ تركوه لم يؤمن أن يتركوا ما هو أهمّ منه ولعلّهم استضعفوا أصل الخبر فأضربوا عن نقل تفاصيله.
٣٥- قال ابن٢ رَبَّن -
وكان من أذكيائهم فأسلم على يدي المتوكِّل٣ وردَّ عليهم وعلى اليهود وغيرهم بكتابٍ له حسن -: "إن متى أسقط من نسب المسيح ثلاثة آباء غلطًا٤، وأن لوقا زاد في نسب المسيح أبًا"٥.
واعترف بذلك المفسقان / (١/١١٢/أ) مفسرهم وقال: "هذا غلط وقع في الإنجيل، فاستحيا من ذلك بعض علمائهم وقال: إن هذا الخطأ في الإنجيل؛ لأنه كتب
_________________
(١) ١ يوحنا ١٩/٣١-٣٤. ٢ هو: أبو الحسن عليّ بن سهل ويعرف بابن ربن الطبري، المهتدي كان نصرانيًا فأسلم، طبيب حكيم، له كتاب: "الرّدّ على أصناف النصارى". و"الدين والدولة في إثبات نبوة النبي ﷺ". قيل مات سنة ٢٦٠هـ. (ر: ترجمته في هدية العارفين للبغدادي ١/٦٦٩، عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ص ٤١٤، مقدمة كتاب الدين والدولة - بتحقيق الأستاذ عادل نويهض) . ٣ هو: أبو الفضل جعفر (المتوكّل بالله) بن محمّد بن هارون الرشيد، أحد ملوك الدولة العباسية. اغتيل في سامراء سنة ٢٤٧هـ. (ر: الأعلام للزركلي ٢/١٢٧) . ٤ ورد في إنجيل متى ١/٨ أن: (يورام ولدَ عزيا)، وليس ذلك صحيحًا؛ لأن غزيا (عزريا) ابن أمصيا بن يو آش بن أخزيا بن يورام، كما ورد ذلك في سفر أخبار الأيام الأوّل ٣/١٠-١٢، فمتّى أسقط من نسب المسيح ثلاثة أجيال، وهؤلاء الثلاثة كانوا من الملوك المشهورين وأحوالهم مذكورة في سفر الملوك الثاني الأصحاح (٨، ١٢، ١٤)، وسفر أخبار الأيام الثاني الأصحاح (٢٢، ٢٤، ٢٥) . ٥ ورد في إنجيل لوقا ٣/٣٥، ٣٦، أ، "شالح بن قينان بن أوفكشاد"، وهو غلط؛ لأن شالح بن أرفكشاد، وليس ابن ابنه، كما ورد ذلك في سفر التكوين ١١/١٢، ١٣، فلوقا قد زاد أبًا للمسيح هو (قينان) .
[ ١ / ٣١٣ ]
بروح القدس ولكنه من التوراة والكتب العتيقة، وذلك باطل، فإن كان الإنجيل قد حضر كتابته روح القدس فالتوراة وسائر النبوات كذلك.
٣٦- تناقض إنجيل لوقا نفسه:
قال لوقا: "قال جبريل لمريم القول المتقدم في تمليك يسوع على بني إسرائيل وجلوسه على كرسي داود".
ثم أكذب نفسه بنفسه فقال: "جاء الجباة من قبل قيصر إلى بطرس فقالوا: ما بال معلمكم لا يؤدي الغرم؟ فذكر بطرس ذلك ليسوع فقال: يا بطرس [والبنون] ١ أيضًا تؤدّي الغرم، ثم قال له: امض إلى البحر، وألق الصنارة فأول حوت ترفعه افتح فاه وخذ منه ما تؤدي عني وعنك"٢.
انظر - رحمك الله - أي قبيح هذا التناقض؟ هذا راوٍ واحدٌ لإنجيلٍ واحدٍ بينما يسوع عنده ملك بني إسرائيل جالس على كرسي داد بشهادة جبريل إذ نسي القصّة فجعله ضعيفًا مسكينًا تحت جزية لتظهر آيته في تناول / (١/١١٢/ب) الذهب أو الورق من فم الحوت.
قلنا: إنما مرادنا أنه ظهر كذبكم وأخلف قولكم ونقلكم عن جبريل، وأن يسوع لم يملك ولم يجلس ولم يطلق، وعلى أن ذلك لا ينفع في إثبات ربوبيته، وما أحسن ربًّا يلتزم الذلة والصغار ويبذل الجزية ليقوي بها الفجار.
٣٧- تكاذب إنجيل متّى:
قال متى في صدر إنجيله: "هذا مولد يسوع المسيح بن داود"٣. فشهد بأن داود أبوه، ثم قال بعده بورقة: "لما خطب يوسف مريم فَقَبل أن يعرفها وجدت
_________________
(١) ١ في ص (والبنبن) والصواب ما أثبته. ٢ ورد هذا النّصّ في إنجيل متى ١٧/٢٤-٢٧، ولم يرد في إنجيل لوقا كما ذكر المؤلِّف، فلعل نسخة الأناجيل التي كانت بيد المؤلِّف ذكر فيها النّصّ في إنجيل مرقس، أو لعله قد اختلط عليه الأمر في ذلك، فيكون تصويبه حينئذٍ بأن إنجيل لوقا قد تناقض مع إنجيل متى في هذا الأمر. والله أعلم. ٣ متى ١/١.
[ ١ / ٣١٤ ]
حبلى من روح القدس، وكان يوسف صِدِّيقًا فلم ير أن يشهرها وهَمَّ بتخليتها سِرًّا فظهر له المَلك في الرؤيا فقال له: يا يوسف لا تخف من إمساك خطيبتك، فإن الذي تلده هو من روح القدس وستلد ابنًا ويدعى يسوع"١.
وذلك تكاذب قبيح؛ لأنه إن صدق في خبره الأوّل كذب لا محالة في الثاني.
٣٨- موضع آخر:
قال لوقا: "لما انطلقوا بيسوع ليصلبوه وجدوا سمعان٢ القونياني فحملوا عليه الصليب ليحمله وجعل النسوة خلف يسوع يبكين فالتفت إليهن وقال: / (١/١١٣/أ) يا بنات أورشليم لا تبكين علي وابكين على أولادكم، ليأتين عليكن زمان تقولون طوبى للبطون العواقر التي لا يلدن والأيدي التي لا ترضع، إذا كان هذا فعلهم بالعود الرّطب، فكيف يصنعون بالعود اليابس؟ "٣.
وخالفه يوحنا فقال: "مضى يسوع ليصلب وهو حامل صليبه إلى موضع يسمى الجمجمة حيث صلبوه"٤.
وخالفهما مرقس فزاد في القصّة ونقص وقال: "أخذوا سمعان وهو أبو الكسندروس"٥. وخالفهم متى فقال: "وجدوا إنسانًا فسخروه لحمل الصليب"٦.
_________________
(١) ١ متى ١/١٨-٢١. ٢ في الأناجيل: "سمعان القيرواني"، من قريني في ليبيا، ولذا فيجب أن يكون لقبه القريني، وهو أبو الكسندر وروفس. (ر: قاموس الكتاب ص ٤٨٤) . ٣ لقوا ٢٣/٢٦-٣١. ٤ يوحنا ١٩/١٦، ١٧. ٥ مرقس ١٥/٢٠، ٢١. ٦ متى ٢٧/٣٢، ٣٣.
[ ١ / ٣١٥ ]
فلوقا يقول: حملوا الصليب على سمعان القرونياني وطوَّل القصّة.
ويوحنا يقول: ما حمل الصليب إلاّ يسوع نفسه.
ومرقس اختصر القصّة جدًا وسمى ولد حامل الصليب.
ومتَّى يقول: سخَّروا رجلًا لحملٍ خشبته.
فهذه قصة لطيفة تناقضوا فيها هذا التناقض١، فما ظنك بالمطولات.
واعلم أن هذه الأمور تزعم النصارى أنها جرت بعد المسيح، لم تسمع من المسيح فكيف عَدوها من الإنجيل؟!
قال المؤلِّف - عفا الله عنه - قوله: "يا بنات / (١/١١٣/ب) أورشليم إلى آخر".
هو كلام الشبه ألا ترى إلى قوله: "إذا كان هذا فعلهم بالعود الرّطب"، ولو كان على ما يزعم النصارى لقال: إذا كان هذا فعلهم بالابن الذي قدَّسه الله وأرسله إلى العالم، كما تقدم في قوله لليهود غير مرّة.
فقوله: (يا بنات أورشليم "، يكذب النصارى في دعوى قتل المسيح وصلبه، ولأنهم يقولون في شريعة إيمانهم: "إن المسيح إله حقّ من إله حقّ وإن بيده أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء". وإذا كان الأمر كما قالوا فليس هو قائل: "يا بنات أورشليم"، بل غيره؛ ولأن المسيح جاء في زعم النصارى لخلاص العالم، وأقلّ درجات مخلص العالم أن يخلِّص نفسه، فكيف يحسن القول بعطبه وقتله وصلبه؟!.
_________________
(١) ١ إن هذا التناقض ليس ملزمًا للنصارى؛ فإن لهم أن يقولوا: إن المسيح لم يقو على حمل الصليب، فسخروا سمعان ليساعده على حمله، وليس معنى ذلك أن الصليب رفع عن المسيح، بل كان سمعان مساعدًا إيّاه فقط، فلا فرق بين القولين. ا. هـ. (ر: حل مشاكل الكتاب المقدس - للقس منسي يوحنا ص: ١٣٨، ور: الفصل لابن حزم ٢/١٢٣) .
[ ١ / ٣١٦ ]
٣٩- وانفرد لوقا بفصل لم يشاركه أصحابه في نقله:
قال لوقا: "لما ولد المسيح وضعته أمّه مقموطًا في معلف من مذاود الدواب وكان هناك رعاة يرعون أغناهم - قال - فنظر الرعاة إلى الملائكة قد نزلوا إليهم وبشرهم فقالوا: نبشركم ببشارة عامة لأهل العالم كله، أنه ولد الليلة لكم [مخلّص/ (١/١١٤/أ) ومنج] ١وهو يسوع المسيح الرّبّ"٢. وهذه قصة لم يذكرها سوى لوقا وانفراده بها يوجب سوء الظن به فيها مع أن فيهاما يقضي بردهاوهو بشرى الملائكة للعالم بأسره بأن يسوع مخلّصهم ومنجيهم، وذلك بمطلقه يقضي بأن الهنود والصين والترك والسودان واليهود وفرعون ونمرود وسائر طوائف الكفار وعباد الأنداد من الخشب والحجار قد خلصوا ونجوا بمولد هذا المسيح وبطلت الخطيئة بمجيئه، وهذا القول مع قباحته مردود بنصّ الإنجيل إذ يقول فيه: "إني أقيم الناس يوم القيامة عن يميني وعن شمالي فأقول لأهل اليمين: فعلتم بيَ كذا فاذهبوا إلى النعيم، وأقول لأهل الشماء: فعلتم بيَ كذا فاذهبوا إلى الجحيم"٣.
ثم إخبار هؤلاء الملائكة للرعاة يوجب مسرة العالم بمولد يسوع، إذ كان فيه خلاصهم ونجاتهم، ومعلوم أن اليهود وأكثر هذه الطوائف لم يسروا [بمولده] ٤.
ثم هذه الرواية التي رواها لوقا من كون المسيح / (١/١١٤/ب) مخلصًا للعالم معارضة بقول المسيح: "إني لم أُرسل إلاّ إلى الخراف الضالّة من بيت إسرائيل٥، فإن الأصحاء
_________________
(١) ١ في ص (مخلصًا ومنجيًا) والصواب ما أثبته. ٢ لوقا ٢/٦-١١. ٣ متى ٢٥/٣١-٤٦، في سياق طويل، وقد ذكره المؤلِّف بالمعنى مختصرًا. ٤ في ص (بمولوده) والصواب ما أثبته. ٥ متى ١٠/٦، ١٥/٢٤.
[ ١ / ٣١٧ ]
لا يحتاجون إلى الدواء وإنما يحتاج إليه المرضى"١. وإذا كان المسيح نفسه قد قال: إنه لم يرسل إلى العالم، بل إلى من ضلّ من بني إسرائيل، فلا يعوَّل على ما قال ونقله لوقا، وما أحسن إلهًا يُستر بخرق الثياب ويشتمل عليه معالف الدواب!!.
٤٠- تناقض واضح وتعارض فاضح:
قال لوقا: "قال يسوع: من ليس له سيف فليبع ثيابه وليشتر له سيفًا"٢. وهذا أمر حزم، وذلك مردود بأقوال أصحابه إذ قالوا: "قال يسوع: لا تقابلوا الشرّ بالشرّ، ولكن من لطمه على خدك الأيمن فحول له الآخر ومن أراد أخذ ثوبك فزده رادءك ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين"٣. "ولما كان ليلة الفزع جرد شمعون الصفا من أصحابه سيفه فانتهره وقال: أردده إلى غمده"٤.
فإن كان أحد النقلين صحيحًا [فالآخر كذبًا] ٥ قطعًا. ونسخ الإنجيل بعضه ببعض عندهم لا يجوز.
٤١- ومن التكاذب: / (١/١١٥/أ)
قال متى: "لما ذهبوا بيسوع جَرّد واحد من أصحابه سيفًا وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى، فقال له يسوع: أردد سيفك إلى غمده فإنّ كلّ من أخذ بالسيف بالسيف يهلك"٦.
_________________
(١) ١ متى ٩/١٢، مرقس ٢/١٧، لوقا ٥/٣١. ٢ لوقا ٢٢/٣٦. ٣ متى ٥/٣٩-٤١، لوقا ٦/٢٨-٣٠. ٤ متى ٢٦/٥١، ٥٢، لوقا ٢٢/٥٠، ٥١، يوحنا ١٨/١٠، ١١. ٥ في ص (والآخر كذب) والصواب ما أثبته. ٦ متى ٢٦/٥١، ٥٢.
[ ١ / ٣١٨ ]
انظر إلى هذا التصادم البديع والتهافت [الفظيع] ١، لوقا يقول: إن المسيح يحثّ على شراء السيوف لهذا المهم قبل أن يسلم، والآخر يقول: بل نهى صاحب السيف وعنّفه، والثالث، يقول: بل إنه لصق أذن المضروب وبالسلامة شنَّفه.
قال المؤلِّف: قوله: "كلّ من أخذ بالسيف يهلك". فاسد من جملة منطوقه ومفهومه، إذ ذلك يقضي أن يكون كلّ من أخذ بالسيف قتل، فكلّ من لا يأخذ بالسيف لا يقتل، وكلاهما فاسد. فكيف يزعم النصارى أن يسوع قتل وصلب ونكل به منع أنه لم يأخذ بالسيف؟!. فهذا الكلام من المسيح ﵇ من أقوى الشهود على عصته مما افتراه النصارى عليه من القتل والصلب؛ لأنه لم يأخذ إلاّ ما أتاه الله كما قال في إنجيله عن المعمداني: "إن العبد / (١/١١٥/ب) لن يأخذ إلاّ ما أعطاه الله من السماء"٢.
٤٢- تفرد لوقا:
قال لوقا: "قال الرّبّ: سمعان سمعان هوذا الشيطان يسأل أن يغربلكم كما تغربل الحنطة"٣.
قلت: قد أجيب الشيطان إلى سؤاله فغربلهم بغرباله وسربلهم بسرباله وخدمهم بأباطيله، واعتقدوا المحال، ودانوا بالعبادة للنساء والرجال، فالحمد لله الذي عصم من كيده وقصم أحبولة صيده، وفي هذا الكلام ما يقضي أن للحواريين مزية على المسيح إذ يقول في الإنجيل: "إن إبليس سحب يسوع معه من مكان إلى مكان وقال له: اسجد لي وأعطيك الدنيا بما فيها"٤. فالشيطان
_________________
(١) ١ في ص (الفصيح) ولعل الصواب ما أثبته. ٢ يوحنا ٣/٢٧. ٣ لوقا ٢٢/٣١. ٤ متى الإصحاح (٤)، مرقس الإصحاح (١)، لوقا الإصحاح (٤) .
[ ١ / ٣١٩ ]
يشاور المسيح ويقول له: اسجد لي، ويسأل ويضرع أن يغربل الحواريين، وهذا يدل على أن الشيطان أهيب لهم منه المسيح.
٤٣- ومن التكاذب:
قول يسوع: "لا تحقروا أحدًا من هؤلاء الصغار المؤمنين فإن ملائكتهم في كلّ حين ينظرون وجه الله الذي في السموات"١. ثم أكذب ذلك فقال: "الله لم يره أحد قط"٢. وقال أيضًا: "الله لا يأكل ولا يشرب ولا يراه أحد / (١/١١٦/أ) قطّ إلاّ مات"٣.
٤٤- ومما تفرد به لوقا:
قال لوقا: "لما قطعت أذن العبد لمسها يسوع فأبرأها وأنكر على صاحبه فعله"٤. ولم يذكر ذلك أصحابه الثلاثة، ولم يسم صاحب السيف أحدٌ من الجماعة سوى يوحنا فقال: "هو شمعون الصفا"٥.
٤٥- ومما تفرد به مرقس:
قال مرقس: "لما أخذ يسوع وذهبوا به تبعه شاب واحد على عُربه إزار فتعلقوا به، فترك إزاره لهم وذهب عريانًا"٦. ولم يذكر ذلك أصحابه الثلاثة.
_________________
(١) ١ متى ١٨/١٠. ٢ يوحنا ١/١٨. ٣ تقدم تخريجه. انظر: ص ١٢٩. ٤ لوقا ٢٢/٥٠، ٥١. ٥ يوحنا ١٨/١٠. ٦ مرقس ١٤/٥١، ٥٢، ويعلق نينهاهم على هاتين الفقرتين في كتابه: (تفسير إنجيل مرقس ص ٣٩٦)، بقوله: "إن هاتين الفقرتين تدعوان للحيرة، فقد وضعا بطرية مربكة بعد الفقرة (٥٠)، ولهذا فإن بعض النساخ قد نقحوا الأصل الأغريقي لكي ينصقل الترابط مع قبلهما، كما أن كلًا من مى ولوقا قد حذفهما من إنجيله". اهـ. (نقلًا من: المسيح في مصادر ص ١٤٥، لأحمد عبد الوهّاب) .
[ ١ / ٣٢٠ ]
٤٦- ومما تفرد به لوقا:
قال لوقا: "لما رأى الذين مع يسوع ما كان قالوا: يا ربّ نضرب بالسيف؟ "١. ولم ينقل هذا الاستئذان سواه وأغفله الباقون.
٤٧- ومما انفرد به يوحنا:
قال يوحنا: "كان اسم العبد مَلخس"٢. ولم يذكر ذلك سواه.
٤٨- ومما انفرد به يوحنا:
فصول الفارقليط٣ فلم ينقلها سواه وأغفلها الباقون، فلم يذكروا منها حرفًا، وذلك يقضي بالمطاعن عليهم.
فلو وجدنا مصفحًا من مصاحف المسلمين قد أسقط منه سورة / (١/١١٦/ب) لأررنا٤على فاعله، فكيف أن يهملها الكافلة ويثبتها واحد.
_________________
(١) ١ لوقا ٢٢/٤٩. ٢ يوحنا١٨/١٠،ومعنى: (مخلس):ملك. وهو خادم رئيس الكهنة. (ر: قاموس ص ٩١٥) . ٣ يوحنا ١٤/١٦، ١٥/٢٦، ١٦/٧، وقد استبدلت كلمة: "الفارقليط" في النسخ الحديثة للأناجيل بكلمة: "المعزى". وقد ذكر قاموس الكتاب ص ٦٢٦: بأن كلمة: "المعزى" هو الروح القدس، ولم ترد إلاّ في إنجيل يوحنا، وبأن الكلمة الأحلية اليونانية: "براكليتيس" وتعني: "معز، ومعين، وشفيع، ومحام". اهـ. والصحيح أن كلمة فارقليط تعني: الحمد وهو معنى اسم نبيّنا محمّد ﷺ، وسوف نوضح ذلك - إن شاء الله في الباب العاشر في موضوع البشارات بنبيّنا محمّد ﷺ. ٤ الأزّ: السوق. والطرد، وإيقاد النار، والمراد به هنا الطرد. والله أعلم. (ر: القاموس المحيط ص ٤٣٧) .
[ ١ / ٣٢١ ]
٤٩- ومما قالوا:
إن متى سها فيه: قوله: "إن يوسف صار بالمسيح إلى قرية يقال لها الناصرة ليتم قول النبي القائل إن المسيح يدعى ناصريا"١. قال العلماء: "ليس لذلك ذكر في نبوة من النبوات البتة"٢.
٥٠- وكذلك قوله - أعني متِّى -:
في الفصل الأوّل: "إن يوسف ومريم هربا بالمسيح إلى مصر خوفًا من هيرودس ليتم ما قيل في نبوة النبيّ القائل من مصر دعوت ابني"٣.
قالوا: ليس لهاتين النبوتين صحة٤، فما هما إلاّ عنقاءمغرب٥.
_________________
(١) ١ متى ٢/٢٣. ٢ يقول قاموس الكتاب المقدس ص ٦٤٧: "ويغلب الظن أن هذا اللقب الذي لُقب به المسيح في إنجيل متى ٢/٢٣، يشير إلى النبوة التي يسمى فيها المسيح (قضيب) بالعبري (ينصر) في سفر أشعيا ١١/١ ونصّه: "ويخرج قضيب من جذع يسي"". قلت: إن هذه محاولة يائسة من مؤلفي قاموس الكتاب لإيجاد نبوءة من النبوات المتقدمة لأنبيائهم في إثبات صحة ما ورد في إنجيل متى، وإن الظن لا يغني من الحقّ شيئًا، والصحيح ما ذكره المؤلِّف بأن كلام متى ليس له ذكر في أقوال الأنبياء المتقدمين وأسفارهم بالعهد القديم، ويؤيّد قول المؤلِّف ما صرح به الأستاذ جون فنتون في كتابه: (تفسير إنجيل متى ص ٥١)، إذ يقول معلّقًا على نصّ إنجيل متى السابق: "إن مصدر هذه النبوءة غير معلوم" اهـ. إذن فأسفار الأنبياء لم تقل شيئًا مما ادّعاه متّى في إنجيله. والعلماء متّفقون على ذلك، ولا عبرة بمن خالف بظنه في لك، فشهادة متى لا يعرف لها أصل. (ر: المسيح في المصادر العقائد المسيحية - أحمد عبد الوهّاب ص ١١٨) . ٣ متى ٢/١٤، ١٥، ١٧. ٤ يزعم قاموس المقدس ص ٨٦١، أن ما ورد في إنجيل متى ٢/١٤، السابق إتمام لنبوءة وردت في سفر هوشع ١١/١ ونصّها: "لما كان إسرائيل غلامًا أحببته ومن مصر دعوت ابني". اهـ. قلت: للرّدّ على هذه المغالطة أنقل كلام جون فنتون في كتابه السابق ص ٤٨، حيث يقول: "إن هذه الشهادة التي ساقها متى من سفر هوشع إنما تشير إلى دعوة الرّبّ للشّعب الإسرائيلي باعتباره ابنًا له للخروج من مصر (على عهد موسى" اهـ. ويؤيّد ذلك أن إطلاق لفظ (الابن) على إسرائيل وبنيه قد ورد في التوراة سفر الخروج ٤/٢١-٢٣ في بدء رسالة موسى ﵇ وفيه: "عندما تذهب لترجع إلى مصر فتقول لفرعون: هكذا يقول الرّبّ: إسرائيل ابن البكر، قلت لك: أطلق ابني يعبدني"، ولهذا فإن ما ورد في سفر هوشع، إنما هو تذكير ببعض نعم الله على بني إسرائيل حينمنا دعاهم للخروج من مصر وتخليصهم من ذلّ فرعون، وليس هناك ما يجعلها نبوءة تشير إلى عودة للصبي يسوع؛ لأن ما ذكرته أسفار العهد القديم عن دعوة الابن من مصر لا يخرج عن كونه مجرد سرد لحادث مضى في زمن موسى ﵇. ٥ عنقاء مغرب ومغربة: من الأمثال يقال: حلقت به العنقاء مغرب، يضرب لمن يئس منه، والعنقاء: الداهية وطائر معروف الاسم مجهول الجسم. وقال الدميري: بأن (عنقاء مغرب) من الألفاظ الدالة على غير معنى. (ر: الحيوان الكبرى ٢/٨٦، ٩٠، والقاموس المحيط ص ١١٧٨) .
[ ١ / ٣٢٢ ]
٥١- حكاية الجحش والأتان وما اشتملت عليه من السخف والهذيان والزيادة والنقصان:
قال متى: "لما قرب يسوع من أورشليم أرسل اثنين من تلاميذه وقال: اذهبا إلى القرية التي أمامكما فإنكما تجدان أتانًا وجحشًا لم يركب مربوطين فحلاهما وأتياني بهما، فإن قيل لكما شيء فقولا الرّبّ يحتاج إليهما وهو يرسلها للوقت. فذهب التلميذان وفعلا ذلك / (١/١١٧/أ) ووضعا الثياب عليهما وركب يسوع وفرشت له الثياب في الطريق وفرش آخرون أغصان الشجر، فلما دخل يسوع أورشليم ارتجلت له المدينة فقال الناس: هذا يسوع النبي الذي من الناصرة الجليل"١.
وقال مرقس: "لما قرب يسوع من أورشليم أرسل من تلاميذه رجلين وقال: امضيا فإنكماتجدان جحشًامربوطًا"٢.وكذلك قال لوقا. فأما يوحنا فقال:"إن [يسوع] ٣وجد حمارًا فركبه"٤.ولم يذكر سوى ذلك.
فمتى يقول: أتانًا وجحشًا، وذكر خطبة طويلة، ومرقس ولوقا لم يذكرا سوى الجحش، لا غير، ويوحنا لم يذكرهما البتة بل قال: إنه وجد حمارًا فركبه٥.
_________________
(١) ١ متى ٢١/١-٨. ٢ مرقس ١١/١-٨. ٣ في ص (يسوعا) والصواب ما أثبته. ٤ يوحنا ١٢/١٤. ٥ لقد حاول القس منسي يوحنا في كتابه: (حلّ مشاكل الكتاب المقدس ص ١٢٥)، إيجاد جواب مقنع لهذا التناقض فقال: "فنجيب: أن متى ذكر ما حدث بالتفصيل، أما البشيرون الآخرون فذكروا فقط الجحش الذي ركبه المخلص". قلت: إنه جواب غير مقنع، فإن متى ذكر أن المسيح: "قال للتلميذين: اذهبا إلى القرية التي أمامكما تجدان أتانًا مربوطة وجحشًا معها فحلاهما". وأما مرقس فقد ذكر: "أن المسيح قال للتلميذين: اذهبا إلى القرية التي أمامكما تجدان جحشًا مربوطًا لم يجلس عليه أحدٌ من الناس فحلاه". وذكره لوقا كذلك. يتّضح من ذلك أن أقوال المسيح متناقضة في ذلك، ولا مجال لما زعمه القس منسي بأن متى ذكر ما حدث بالتفصيل، فإن الأناجيل روت الحادثة الواحدة بأمر المسيح وقوله، ثم بفعل تلميذيه، وهي متناقضة في ذلك تمامًا. فإن أصر القس منسي على سخافته فإننا ننقل له اعتراف جون فنتون - عميد كلية اللاهوت - في كتابه: (تفسير إنجيل متى ص ٣٢٩)، حيث يقول: "إن قول متى: (أتانًا مربوطة وجحشًا معها)، يخالف قول مرقس ولوقا: (جحشًا مربوطًا لم يجلس عليه أحدٌ من الناس") . اهـ.
[ ١ / ٣٢٣ ]
ولم يذكر الثلاثة إرساله إلى أصحاب المركوب واستئذانهم وفرش الثياب وأغصان الشجر، ودخول المدينة واتجاجها لدخوله، وشهادة الناس له، بأنه النبي الذي جاء من الناصرة، وما أحسن ربًا يفتقر إلى ركوب الحمير وإلهًا يغتذى بالخمر والخمير. مأ أخلق هذه المواضع من الإنجيل أن / (١/١١٧/ب) يكون اليهود قد أدرجها في أوّل نسخ الإنجيل [ليُضحكوا] ١ الناس من دين النصراينة، ثم تناقلها النصارى بالغفلة وحسن الظن المانعين عن النظر في مقابح الكلام.
٥٢- موضع آخر من الكتاب الشنيع:
قول إنجيلهم: "قال يسوع: ما جئت إلاّ الأخلص من كان ضالًا"٢. ثم أكذب ذل فقال: "ما جئت لألقي على الأرض سلامة لكن سيفًا وأضرم بها نارًا"٣.
_________________
(١) ١ في ص (ليصلحوا) ولعل الصواب ما أثبته. ٢ متى ١٨/١١، يوحنا ٣/١٧، ١٢/٤٧، بنفس المعنى. ٣ متى ١٠/٣٤-٣٥.
[ ١ / ٣٢٤ ]
فلم يكفه ادعاؤه صلب المسيح حتى لعنه صريحًا، وهب أنه اعتقد بفاسد عقله صلب المسيح، فمن أين له أن كلّ مصلوب ملعون؟! ١ وقد صلب من أولياء الله وأصفيائه جماعة ليس الملعون إلاّ من فعل بهم / (١/١١٨/أ) ذلك٢.
فساد عقل إفريم:
قال إفريم - من قدماء الصنارى - إن اليدين التي جبلت طينة آدم هي التي سُمِّرت على الصليب، والشبر التي مسحت السماوات هي التي علقت على الخشبة.
وذلك خطأ بإجماع عقلاء النصارى؛ لأن الذي عُلق علىالصليب إنما هو الجسد المأخوذ من مريم، وأين كانت هذه الأجساد الإنسانية يوم خُمرت طينة آدم ويوم قُدرت السماوات والأرض؟! هل ذلك إلاّ جهل وضلال وغلوّ في عبادة الرجال؟!.
فهذا-رحمك الله-كتاب قد تلاعبت به بنيات الطرق وتزاحكت به [تراجمة] الفرق، وولد من لسان إلى لسان، وعبث به التحريف والتصحيف في كلّ زمان٣.
_________________
(١) ١ قلت: ورد ذلك في سفر التثنية ٢١/٢٢، كالآتي: "وإذا كان على إنسان خطية حقّها الموت فقتل وعلقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشب بل تدفنه في ذلك اليوم؛ لأن المعلق ملعون من الله". ولذلك زعم بولس اليهودي بأن المسيح صلب تكفيرًا عن خطيئة آدم وفداء عن البشرية وإثمها الذي تحملته بعد ذلك، لكي يجد بولس مبررًا لصلب المسيح حسب ما توهمه وقد أكّد ذلك في رسائله الأخرى. (ر: رسالته إلى أهل رومية ٥/١٦، /١٨، ورسالته الثانية إلى أهل كورنثوس ٣/٧-٩) . ٢ إن اعتراض المؤلِّف على النصارى بذلك صحيح، إنهم يزعمون بأن رئيس الحواريين بطرس، واندراوس أحد الحواريين قد قتلا صلبًا. (انظر: قاموس ص ١٢٢، ١٧٧)، فإذا كان كلّ مصلوب ملعونًا فعليهم أن يلعنوا بطرس وهم لا يقولون بذلك. فحينئذٍ يتبيّن فساد ما قاله بولس. ٣ إن بيان تناقضات الأناجيل وأسفار العهد الجديد بعضها ببعض وتعارضها مع التوراة وبقية أسفار العهد القديم وذكر ما وقع فيها من التبديل والتحريف يحتاج إلى كتاب ضخم لاستيفاء حقّه من البحث والتوضيح؛ وذلك لكثرة التناقض والتحريف فيهما، ولقد اهتمّ علماء المسلمين بهذا الجانب انطلاقًا من القرآن الكريم الذي صرح بتحريف التوراة والإنجيل وإلزامًا لأهل الكتاب بتحريف كتبهم وفساد دينهم، فلا يخلو كتاب في الرّدّ على اليهود والنصارى من باب أو فصل فيه بيان ذلك. (انظر: الفصل لابن حزم، إفحام اليهود للسموءل المغربي، هداية الحياري لابن القيم، الأجوبة الفاخرة للقرافي، وغير ذلك كثير) . كما أن هناك كتبًا ألفت في هذا الموضوع خاصة مثل: كتاب (شفاء العليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل، لأبي المعالي الجويني)، و(على التوراة للباجي)، و(الفارق بين المخلوق والخالق، لباجه دي زاده الإشراف على مسائل الخلاف زاده) . وتجدر بنا الإشارة إلى كتاب: (إظهار الحقّ للشيخ رحمة الله الهندي) الذي أثبت وقوع التحريف والأغلاط والاختلاف والتبديل في التوراة والإنجيل بأدلة علمية دامغة، وبأقوال أحبارهم في ذلك مما يجدون معه ردًّا ولا جواب. وذلك في مواضع متعددة تزيد على الثلاثمائة بين الأناجيل ولما هي عليه من الأهمية عند النصارى نردد قول د. موريس بوكاي: "إذن فمن يجب أن نصدق؟! أنصدق متى أم مرقس أم لوقا أو يوحنا؟! ". (ر: دراسة الكتب السماوية ص ٩٣) .
[ ١ / ٣٢٥ ]
قال المؤلِّف - عفا الله عنه برحمته -: لقد رأيت على حاشية نسخة من نسخ الإنجيل على فصل من فصوله ما مثاله: ليس هذا الفصل في أناجيل القبطي ولا بعض أناجيل الرومي، فاستدللت بذلك على أن علوم القوم تفرقتها أيادي سبأ، وعصفت عليها رياح التبديل فأصارتها كالهباء كما / (١/١١٨/ب) أخبر عن ذلك الكتاب العزيز إذ يقول: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ﴾ ١. أي: يميلون بالأحكام عن مواضعها ويسلكون بها غير سننها ويجرونها سوى مجاريها.
والفصل المشار إليه: هو: "أن الكتبة والفريسيين قدموا إلى يسوع امرأة وجدت في زنى فأقاموها في الجمع وقالوا: يا معلم إن هذه المرأة وجدناها تزني وفي ناموس موسى يجب عليها الرجم فما تقول أنت؟ وإنما قالوا ذلك ليجدوا عليه حجّة فأطرق يسوع ينكت الأرض بإصبعه ثم رفع رأسه وقال: من منكم بغير خطيئة فليرجمها أوّلًا بحجر؟ ثم أطرق ثم أطرق ينكت الأرض فلما سمعوا مقالته خرجوا بأسرهم وبقي يسوع وحده والمرأة قائمة فرفع يسوع رأسه إليها وقال: يا امرأة أين أولئك الذين أدانوك؟ قالت: ما أرى منهم أحدًا. فقال يسوع: ولا أنا أيضًا أدينك اذهبي الآن ولا تعودي إلى الخطيئة"٢.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكِلِمَ عَن مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِرُوا بِهِ ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١٣] . ٢ يوحنا ٨/١-١١.
[ ١ / ٣٢٦ ]
ألا ترى أنهم كتموا ذلك وغيروا حكمه. ولقد مروا على رسول الله ﷺ بيهوديين قد زنيا وحمما وطيف بهما فاستدعاهم / (١/١١٩/أ) ﷺ واستدعى التوراة وأمر بعض أحبارهم بقراءتها فوضع الجريدة على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك أي عدوّ الله، فرفع يده عنها فإذا آية الرجم تلوح فقرأها عبد الله على سول الله ﷺ فقال ﵇: "ما حملكم على ذلك؟ ". قالوا: ثقلت علينا فصرنا إذا زنى الشريف منا حممناه وأطفناه، وإذا زنى الضعيف والخامل أقمنا عليه الحدّ. فقال ﵇: "أشهد أبي عبد الله ورسوله، ثم أمر بهما فرجما"١.
فإن قيل: كيف أسقط المسيح عنها الحدّ والتّوراة والكتاب العزيز شاهدان بوجوب الحدّ على الزاني.
قلنا: القوم الذين جاءوا بالمرأة وشهدوا عليها بالزنى كانوا كفارًا فلم يقبل شهادتهم المسيح. والدليل على كفركم قوله: "إنهم جاءوا متعبين له شاكين في نبوته مع ظهور أعلامها". وإنما أتو بالمرأة ليجدوا عليه حجّة كا ذكر الفصل المشار إليه وإذا كانوا / (١/١١٩/ب) إنما أتوا طالبين غرته٢ ملتمسين عثرته، وهو نبي الله الكريم عليه، فكيف يقبل شهادتهم، وأما المرأة فلم تقر عنده بالزنى ولم تعترف به، والحدّ لا يثبت إلاّ بحجة معتبرة، وهي إما شهادة جازمة أو إقرار صحيح، والكافر مردود القول٣. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب ٣٧. (ر: فتح الباري ١٢/١٦٦)، ومسلم ٣/١٣٢٦، ١٣٢٧. عن عبد الله بن عمر والبراء بن عازب.-﵃-. ٢ غَرَّه: خدعه وأطمعه بالباطل. (ر: القاموس ص ٥٧٧) . ٣ إن هذه الاحتمالات التي ذكرها المؤلِّف من باب التّنْزِل في الناظرة والتسليم الجدلي بصحّة النّصّ السابق، وإلاّ فإنّ النّصّ لا يسلم لهم بصحّته لانفراد يوحنا بذكره مع اشتهاره وتوفر الداعي لتواتر نقله، وكذلك ما ذكره المؤلِّف من عدم وجوجد هذا النّصّ في أناجيل أخرى.
[ ١ / ٣٢٧ ]
الباب الخامس: في أنّ المسيح ﵇ وإن قُصدَ وطُلبَ فما قُتلَ وما صُلبَ
نورد هذا الفصل على نصّه لتقفوا عليه وتعجبوا من هذه النقائص التي نسبها النصارى إلى المسيح مع قولهم بربوبيته واعتقادهم أنه خالق السماء والأرض وجامع الناس ليوم العرض١.
قال النصارى: بينما بسوع [جالس] ٢ مع تلاميذه ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر نيسان إذ جاء يهوذا الإسخريوطي أحد الاثني عشر ومعه جماعة معهم السيوف والعصي من عند رؤساء الكهنة ومشائخ الشعب وقد قال لهم يهوذا: الرجل الذي أُقبله هو هو فأمسكوه، ثم جاء يهوذا وقال / (١/١٢٠/أ): السلام عليك يا معلم، ثم قبله فقال يسوع: ألهذا جئت يا صاحب؟ فوضعوا أيديهم عليه وربطوه٣ فتركه التلاميذ كلهم هربوا فقال يسوع: مثل ما يفعل بالصوص خرجتم إليَّ بالسيف والعصى وأنا عندكم في الهيكل كل يوم أُعلم
_________________
(١) ١ إننا نعجب ونستنكر - أيضًا - من تناقض الأناجيل بعضها ببعض في سرد الأحداث التي جرت قبل الصلب وبعده وأحداث قيامة المسيح من الموت - حسب زعمهم - وأمام هذه التناقضات الواضحة - فيما سنرى - لا يسع العاقل إلاّ أن يرفض تلك الروايات المكذوبة المتناقضة ويحكم ببطلانها جميعًا لعدم إمكان تمييز الصادق والكاذب منها. ٢ في ص (جالسا) والصواب ما أثبته. ٣ إن حادثة القبض على المسيح ﵇ ترويها الأناجيل بصورة متناقضة مع بعضها، فقد اتّفقت روايتا متى ٢٦/٤٧-٥٠، ومرقس ١٤/٤٣-٤٦ على أنّ يهوذا الإسخريوطي الخائن قد قبل المسيح حينما جاء بالجند للقبض عليه - وقد كانت القُبلة هي العلامة المتّفق عليها بين يهوذا والجند لتمييز المسيح عن تلاميذه -. أما رواية لوقا ٢٢/٤٧، ٤٨، فتذكر بأنه: "بينما هو - أي: المسيح - يتكلم إذا جمع والذي يدعي يهوذا أحد الاثني عشر يتقدمهم، فدنا من يسوع ليقبله فقال له: يسوع: يا يهوذا. أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟! فأخذوه وساقوه". وأما رواية يوحنا ١٨/١-١٢، فإنها لا تذكر شيئًا عن تلك القبلة. (ر: نصّ رواية يوحنا في ص ٢٢٣) . ويظهر تناقض آخر في هذه الحادثة وهو: أن كلًا من متى ومرقس يذكران أنّ تحية وكلامًا قد جرى بين يهوذا والمسيح أثناء القبض، بينما يصمت لوقا عن ذكر تلك التحية، ولا يذكر يوحنا عن يهوذا شيئًا سوى الصمت التام بعد أن قاد الجند إلى مكان المسيح للقبض عليه.
[ ١ / ٣٣١ ]
فلم تعرضوا لي١، لكن هذه ساعة سلطان الظلمة٢، إلى رئيس الكهنة٣ حيث يجتمع الشيوخ٤ - وتبعه بطرس من بعيد ودخل معه الدار ليلًا وجلس ناحيةً منها متنكرًا ليرى ما يؤول أمره إليه٥ - فالتمس المشائخ على يسوع شهادة ليقتلوه بها فجاء جماعة من شهود الزور، ثم تقدم منهم اثنان فشهدا أن يسوع قال: أنا أقدر أنقض هيكل الله وأبنيه في ثلاثة أيام، فقال له الرئيس: أما تجيب عن نفسك بشيء؟ فسكت يسوع فأقسم عليه رئيس الكهنة بالله الحي: أنت المسيح؟ فقال له المسيح: أنت قلت ذلك وأنا أقول لكم إنكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى ترونه جالسًا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء. فلما سمع رئيس الكهنة ذلك شقَّ ثيابه وقال: ما
_________________
(١) ١ متى ٢٦/٥٥، ٥٦، مرقس ١٤/٤٨-٥٠، لوقا ٢٢-٥٢، ٥٣. ٢ انفرد بهذه العبارة لوقا ٢٢/٥٣. ٣ رواية متى ٢٦/٥٧، ومرقس ١٤/٥٣، لوقا ٢٢/٥٤، تفيد أن الجند ذهبوا بالمسيح إلى رئيس الكهنة مباشرة. أما رواية يوحنا ١٨/١٢-١٤، فإنها تذكر أن الجند ذهبوا بالمسيح إلى حنا أوّلًا - وهو حنا قيافا رئيس الكهنة - بدلًا من الذهاب إلى رئيس الكهنة مباشرة كما ذكر الثلاثة الآخرون. ٤ تفيد روايات متى ٢٦/٥٧-٦٠، ومرقس ١٤/٥٣-٥٥، ويوحنا ١٨/١٥-٢٠، أن محاكمة المسيح أمام مجمع اليهود كان في الليل عقب القبض عليه مباشرة. أما رواية لوقا ٢٢/٥٤-٧١ فإنها تفيد أن المحكمة كانت في صباح اليوم التالي لعملية القبض. ٥ إن قصّة إنكار بطرس للمسيح بعد القبض عليه من مواضع الخلاف الواضح بين ما ترويه الأناجيل. قارن: رواية متى ٢٦/٥٨-٧٥، ومرقس ١٣/٥٣-٧٢، ولوقا ٢٢/٥٤-٦١، ويوحنا ١٨/١٦-٢٧. وذلك الخلاف الواضح بين الروايات دفع نينهام - استاذ اللاهوت بجامعة لندن - أن يقول: إنّ قصة إنكار بطرس تثير عددًا من المشاكل ويرى بولتمان أنه أسطورية ". اهـ. (ر: تفسير إنجيل مرقس ص ٤٠١، ٤٠٩، نقلًا من كتاب: (المسيح في مصادر ص ١٥٥، لأحمد عبد الوهّاب) .
[ ١ / ٣٣٢ ]
حاجتنا إلى شهادة هوذا / (١/١٢٠/ب) قد سمعتم تجديفه، ماذا ترون في أمره؟ فقالوا: هذا مستوجب الموت. فحينئذٍ بصقوا في وجهه ولطموه وضربوه وهزؤوا به جدًّا وجعلوا يلطمونه ويقولون له: بيِّن لنا أيّها المسيح من لطمك١، ولما كان من الغد أسلموه لفلاطس القائد فتصايح الشعب بأسره وقال: يصلب يصلب.
فتحرج فيلاطس من قتله وقال: أيُّ شيء فعل هذا؟ فقال الشيوخ: دمه عليهم وعلى أولادهمم٢، فحينئذٍ ساقه جند القائد إلى الأبروطورون٣ واجتمع عليه الشعب ونزعوا ثيابه وألبسوه لباسًا أحمر [فضفَّروا] ٤ إكيلًا من الشوك وتركوه على رأسه وجعلوا في يده قصبه، ثم جثوا على ركبهم يهزءون به ويقولون: السلام عليك يا ملك اليهود، وشرعوا يبصقون عليه ويضربونه في
_________________
(١) ١ متى ٢٦/٥٩-٦٨، مرقس ١٤/٥٥-٦٥، أما رواية لوقا ٢٢/٦٣-٧١، ويوحنا ١٨/١٩-١٣، فلم تذكر قصة شهود الزور على المسيح. ٢ متى ٢٧/١، ٢، ١١/٢٦، مرقس ١٥/١-١٤، يوحنا ١٨/٢٨-٤٠. أما رواية لوقا ٢٣/١-٢٥، فقد انفردت بأن محاكمة المسيح أمام بيلاطس (والي اليهودية) حدثت على مرحلتين: الأولى: عندما قام جمهورية اليهودية وجاءوا بالمسيح إلى بيلاطس. والثانية: بعد محاكمة أخرى كانت أمام هيرودس - (حاكم الجليل) والتي قد انفرد بذكرها أيضًا لوقا دون سائر الأناجيل. ٣ دار الولاية. وكلمة (وال) ترجمة عربية لكلمتين لاتينيتين: (بروقنصل) أو (بروتوكوراتور) . (ر: قاموس الكتاب ص ١٠٤٠) . ٤ في ص (فطفروا) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٣٣٣ ]
رأسه١، ثم ذهبوا به وهو يحمل صليبه٢ إلى موضع يعرف بالجمجمة٣ فصلبوه٤ وسمَّروا يديه على الخشبة: وسألهم شربة ماء، فأعطوه خلًا مذابًا بمر فذاقه ولم يسغه، فنادى على الخشبة: إلهي إلهي لم خذلتني؟ ٥ وجلس الشرط فاقتسموا ثيابه بينهم بالقرعة وجعلوا عند رأسه لوحًا مكتوبًا هذا يسوع ملك/ (١/١٢١/أ) اليهود٦استهزاءً به، ثم جاءوابلصين فجعلوهما عن يمينه وشماله تحقيرًا له٧، وكان اليهود يقولون له: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خَلص نفسك إن كنت ابن الله كما تقول أنزل عن الصليب.
وقال اليهود: هذا يزعم أنه خلص غيره فكيف لم يقدر على خلاص نفسه؟! أن كان متوكلًا على الله فهو ينجيه مما هو فيه٨،
_________________
(١) ١ رواية متى ٢٧/٢٧-٢٨، ومرقس ١٥/١٦-١٩، ويوحنا ١٩/١-٥، تفيد أن الجنود الذين سخروا من المسيح واضطهدوه هم جنود الوالي بيلاطس. لكن رواية لوقا ٢٣/١١، تفيد بأنهم جنود هيرودس وليس جنود بيلاطس. ٢ نجد حسب رواية متى ٢٧/٣٢، ومرقس ١٥/١١ت، ولوقا ٢٣/٢٦، أن شخصًا مجهولًا يدعى سمعان القيرواني هو الذي سخره الرومان لحمل الصليب بدلًا من المسيح، لكن يوحنا ١٩/١٦، ١٧، لم يذكر ذلك. ٣ الجمجمة: هي مضوع الجلجثة حيث يزعم النصارى أن المسيح صلب هناك. ويقول نينهام: "وبالنسبة لموضع جلجثة فإن التقاليد تقول: إنه يقع داخل كنيسة القبر المقدس، لا يمكن إرجاعها لأبعد من القرن الرابع، كما أنها لا تزال موضع جدل، ولقد اقترحت أماكن أخرى في عصرنا الحاضر، إلاّ أنّ القطع بواحد منها لا يزال بعيدًا عن التحقيق". (ر: تفسير إنجيل مرقس ص ٤٢٢، فاقوس ص ٢٦٧، ٢٦٨) . ٤ إن هناك اختلافًا واضحًا في تجديد وقت الصلب، حيث يقول مرقس ١٥/٢٥: "وكانت الساعة الثالثة فصلبوه". ا. هـ. لكن يوحنا ١٩/١٤-١٦، يقول: "إن الصلب حدث بعد الساعة السادسة"!!!. ٥ لم ترد هذه العبارة في هذا الموضع بالأناجيل، ولعله وهم من المؤلِّف. ٦ متى٢٧/٣٤-٣٧، مرقس١٥/٢٣-٢٦، لوقا ٢٣/٣٦-٣٨، يوحنا١٩/١٩-٢٩. ٧ يتّفق متى ٢٧/٣٨، ٤٤، مع مرقس ١٥/٢٧، ٣٢، في أن اللصين اللذين صلبا مع المسيح كانا يعيرانه. لكن لوقا ٢٣/٣٩-٤٣، يذكر أن أحد اللصين كان يعير المسيح، أما اللص الآخر فكان ينهر اللص الأوّل ويطلب الدعاء من المسيح بأن يكون معه في ملكوته. أما يوحنا ١٩/١٨ فلم يذكر شيئًا عن موقف اللصين من المسيح. ٨ متى ٢٧/٣٩-٤٣، مرقس ١٥/٢٩-٣٢، لوقا ٢٣/٣٥-٣٦. أما يوحنا فلم يذكر شيئًا من ذلك. (ر: الإصحاح (١٦".
[ ١ / ٣٣٤ ]
ولما كان ست ساعات من نهار الجمعة صرخ يسوع وهو على الصليب بصوت عظيم فقال: " [ألوى ألوى لما شبقتني] ١ تفسيره (إلهي إلهي لم تركتني؟ "٢. فأخذ اليهود أسفنجة فيها خل ورفعها أحدهم إلى قصبة وسقاه وقال آخر منهم: دعوه حتى نرى من يخلصه، فصرخ يسوع وأمال رأسه وأسلم الروح٣ فأنشق جدار الهيكل وتزلزلت الأرض وانشقت الصخور وتفتحت القبور وقام كثير من القديسين من قبورهم فدخلوا المدينة المقدسة وظهورًا للناس٤، ولما كان المساء جاء رجل من الرامة يسمى يوسف فسأل القائد جسد يسوع فأمر له به فلفه يوسف بلفائفنقيه وتركه في قبر كان قد نحته في صخرة، ثم جغل على باب القبر حجرًا ظيمًا٥، / (١/١٢١/ب) وجاء مشائخ اليهود من الغد الذي بعد الجمعة إلى فيلاطس القائد فقالوا: يا سيد ذكرنا أن ذاك الضال كان قد قال لتلاميذه: أنا أقوم بعد ثلاثة أيام، فلو أمرت من يغلق القبر ويحرسه حتى تمضي المدّة كيلا يأتي تلاميذه ويسرقونه ثم يشيعون في الشعب أنه قد قام فتكون الضالة الثاني [شرًّا] ٦ من الأولى، فقال لهم القائد: اذهبوا وسدوا عليه وحَرِّسُوا كما تريدون، فمضوا وفعلوا ما أرادوا٧،
_________________
(١) ١ في ص (الوى الوى إيما صاصا) والمثبت من إنجيل مرقس ١٥/٣٤. ٢ هذه العبارة من رواية مرقس ١٥/٣٤. أما رواية متى ٢٧/٤٦ فهي: "إيلي إيلي لما شبقتني. أي: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ ". بينما لم يذكر لوقا ويوحنا هذه العبارة في إنجيلهما. ويتساءل هنا المؤرِّخ ول ديورانت: "هل يمكن أن يكون الإيمان العظيم الذي أعاد المسيح في موقفه أمام بيلاطس". (ر: يوحنا ١٨/٣٣-٣٩) . قد انقلب في تلك اللحظات المريرة إلى شكّ أسود؟! ولعل لوقا قد رأى أن هذه العبارة لا تتّفق مع عقائد بولس الدينية فبدّلها بقوله: "يا أبتاه في يديك استودع روحي". وهي عبارة تردد صدى الفقرة الخامسة من المزمور الحادي والثلاثين ترديدًا يثير الريب لما فيه من دقة". اهـ. ٣ متى ٢٧/٤٧-٥٠، مرقس ١٥/٣٥-٣٧، لوقا ٢٣/٤٦، يوحنا ١٩/٢٨-٣٠. ٤ إن الأحداث التي وقعت عقب الصلب ترويها الأناجيل بصورة متناقضة يظهر فيها الكذب والخيال الفاضح. انظر: ص ٢٢٨، لبيان التفصيل في ذلك. ٥ متى٢٧/٥٧-٦٠،مرقس ١٥/٤٢-٤٧، لوقا ٢٣/٥٠-٥٤، يوحنا ١٩/٣٨-٤٢. ٦ في ص (شر) والصواب ما أثبته. ٧ انفرد متى ٢٧/٦٢ - عن سائر الأناجيل الأخرى - بما ذكره عن طلب اليهود من بيلاطس أن يرسل حراسًا لضبط القبر واستجابته لهم.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وفي عشية يوم السبت جاءت مريم المجدلانية ومريم رفيقها لينظرن إلى القبر١ - وفي إنجيل مرقس - إنما جاءت مريم يوم الأحد بغلس٢، وجلس عنده وعليه ثياب بيض كالبرق، فكاد الحراس يموتون من هيبته، ثم قال للنسوة: لا تخافا قد علمت أنكما جئتما [تطلبان] ٣ يسوع المصلوب ليس هو هاهنا إنه قد قام تعالين فانظرن إلى المكان الذي كان فيه الرّبّ واذهبا وقولا لتلاميذه: إنه يسبقكم إلى الجليل، فمضتا وأخبرتا التلاميذ٤، ودخل / (١/١٢٢/أ) الحرس وأخبروا رؤساء الكهنة الخبر، فقالوا: لا تنطقوا بهذا وأرشوهم بفضة على كتمان القضية فقبلوها منهم وأشاعوا أن تلاميذه جاءوا وسرقوه ومهدت المشائخ عذرهم عند القائد٥، ومضت الأحد عشر تلميذًا إلى الجليل٦، وقد شكّ بعضهم
_________________
(١) ١ ذكر ذلك متى في إنجيله ١٨/١، أما لوقا ٢٤/١، ٢، فيذكر أن الزائرات للقبر جمع من النساء، أما يوحنا ٢٠/١، فيجعل مريم المجدلية هي المرأة الوحيدة التي ذهبت ليزارة القبر ثم ذهبت فأحضرت معها بطرس ويوحنا. ٢ مرقس ١٦/١، ويذكر أن الزائرات للقبر كن ثلاث نسوة. ٣ في ص (تطلبن) والصواب ما أثبته. ٤ ذكر ذلك متى في إنجيله ١٨/١، أما رواية مرقس ١٦/٥-٨، فتذكر أن النساء رأين شابًا جالسًا عن اليمين في القبر لابسًا حلة بيضاء ، وأما رواية لوقا ٢٤/٤-٩، فتذكر بأن النساء رأين رجلين بثياب براقة، وفي يوحنا ٢٠/١١-١٣، نجد أنهما ملاكين بثياب بيض جالسين - في القبر - واحدًا عند الرأس والآخر عند الرجلين. ويعلق فرانك موريسون في كتابه: (من دحرج الحجر؟ ص ١٨٢)، على هذه الرويات بقوله: "إن هذه الروايات - التي نقل عنها كل من متى ولوقا - قد تطورت واختلفت بفعل النسيان، وهكذا فإن الشاب الواحد الذي كان عند المقبرة - والذي كان في الحقيقة شابًا واحدًا حسب القصة الأصلية - قد أصبح بمرور الزمن الملاك العظيم في إنجيل متى، والزائرين السماويين بثياب براقة في إنجيل لوقا. وهكذا أيضًا فإن دحرجة الحجر بعيدًا (عن القبر) . - قد أصبحت موضوعًا للكثير من الحدس والتخمين، فقال: بعضهم: إن الحجر دحرج نفسه بعيدًا، بيمنا قال آخرون: قد دحرجته الملائكة". اهـ. ٥ انفرد متى ٢/١١-١٥ بذكر ذلك عن سائر الأناجيل الأخرى. ٦ يتّفق متى ٢٨/١٦، ١٧، مع مرقس ١٦/٧، ١٤، على أن لقاء المسيح بتلاميذه حدث في الجليل، واختلفا بذلك مع لوقا ٢٤/٣٣-٣٦، ويوحنا ٢٠/١٩-٢٢، اللذين جعلا مكان اللقاء في أورشليم.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وجاءهم وكلمهم، وقال لهم: اذهبوا فعمدواكلّ الأمم وعلموهم ما أصيكم به وهوذا أنا معكم إلى انقضاء١ الدهر٢.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: أوّل ما نفاتح النصارى أن نقول: ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه أتنقلونه تواترًا أو آحادًا؟.
فإن زعموا أنهم ينقلونه نقل الآحاد لم تقم بذلك حجة ولم يثبت العلم الضروري، إذ الآحاد لا يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب، وإذا كان الآحاد يعرض [لهم] ٣ ذلك فلا يحتج بهم في القطعيات٤.
_________________
(١) ١ نصّ المؤلِّف مقتبس من إنجيل متى ٢٨/١٧-٢٠، وأشار إليه مرقس ١٦/١٤، ١٥، ولوقا /٣٦، ٢٤-٤٧. ٢ وبعد هذه التعليقات المختصرة ما ذكر في الباب السابق في بيان ما في الأناجيل من التناقضات وخصوصًا في حادثة الصلب المزعومة نخلص إلى النتيجة التي توصل إليه ول ديورانت حيث يقول: "وملاك القول أن ثمة تناقضًا بين بعض الأناجيل والبعض الآخر، وأن فيها نقطًا تاريخية مشكوك في صحتها، وكثيرًا من القصص الباعثة على الريبة والشبهة بما يروي عن آلهة الوثنيين، وكثيرًا من الحوادث التي يبدو أنها وضعت عن قصد لإثبات وقوع كثير من النبوءات الواردة في العهد القديم، وفقرات كثيرة، ربما كان المقصود منها تقدير أساس تاريخي لعقيدة متأخرة من عقائد الكنيسة أو طقس متأخر من طقوسها ، ويبدو أن ما تنقله الأناجيل من أحاديث وخطب قد تعرضت لما تتعرض له ذاكرة الأميين من ضعف وعيوب ولما يرتكبه النساخ من أخطاء أو تصحيح".اهـ. (ر: قصة الحضارة ١١/٢١٠، بتصرف يسير) . فهذه شهادة عالم من علمائهم واعتراف منه بوقوع التحريف بالزيادة والنقصان في أناجيلهم. ٣ إضافة يقتضيها السياق. ٤ يعلّق الإمام القرافي على قصة الصلب في الأناجيل بقوله: "فإنه لو وقع الصلب ونقل بأخبار الآحاد لم يحصل لنا علم بالصلب؛ لأن المتواترات إذ نقلت بأخبار الآحاد سقط اعتبارها في إفادة لاعلم لجواز كذب الناقل فلا يكون عدد التواتر حاصلًا في نفس الأمر". اهـ. (ر: الأجوبة الفاخرة ص ٥٣) . ويقول الإمام ابن القيم في مختصر الصواعق ص ٥٧١: "خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه، فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه، وتارة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنيًا، وتارة يتوقف فيه فلا يترجح صدقه ولا كذبه إذا لم يقم دليل أحدهما، وتارة يترجح صدقه ولا يجزم به، وتارة بصدقه جزمًا لا يبقى معه شك. فليس خبر كلّ واحد يفيد العلم ولا الظن، ولا يجوز أن ينفى عن خبر الواحد مطلقًا أنه يحصل العلم فلا وجه لإقامة الدليل على أن خبر الواحد لا يفيد العلم وإلاّ اجتمع النقيضان". اهـ.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وإن عزوا ذلك إلى التواتر، قلنا لهم: شرط التواتر استواء الطرفين فيه والواسطة، وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير الذين
_________________
(١) وعلى هذا فإن الخبر الوارد في الأناجيل بصلب المسيح لا يثبت له العلم الضروري بل يجزم بكذبه لقيام الأدلة على ذلك منها: أ- أنه بالنسبة لنا - نحن المسلمين - فقد ورد النّصّ الصريح من القرآن الكريم بتكذيب اليهود والنصارى فيما زعموه، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ . ب- أنه لا يمكن الوثوق بالمصادر النصرانية لجهالة مؤلفي الزناجيل ومترجميها ثم عدم السند المتّصل لصحة نسبها إلى أصحابها، وقد سبق الحديث عن ذلك. ج- تناقض الأناجيل بعضها ببعض واختلافها لفظًا ومعنىً خاصة فيما يتعلق بأحداث الصلب، وهو ما بينه المؤلِّف في هذا الباب وقد سبق التعليق على بعض ذلك. د- أنه لا يلزم تصديق النصارى في ذلك؛ لأن مرجعهم إلى خبر اليهود الذين دخلوا على المسيح في البيت وادعوا القبض عليه وصلبه، وهم عدد قليل لا يبعد تواطؤهم على الكذب، ولأنهم لم يكونوا على علم بمن قتلوه حتى أكثروا رجلًا يدلهم عليه مع اشتهار أمر المسيح ووضوح دعوته عند الناس. هـ- أنه لم يحضر أحد من كاتبي الأناجيل حادثة الصلب والقتل كما هو ظاهر في الأناجيل، فخبرهم إذًا لم يكن عن أمر محسوس ومشاهد. وأن المسيح ﵇ يجري على يديه من الآيات وخوارق العادات-التي هي من معجزاته-ما لا يستبعد معه قلب الحقائق فيما يبدو للناظر وإن كان محسوسًا. ز- أن قصة صلب المسيح كحادثة وقعت أو كعقيدة تكفيرًا عن الخطيئة ليست أمرًا مجمعًا عليه عند جمع النصارى، فقد ورد في تاريخ موسهيم المؤرخ البروتستانتي - الذي يدرس في مدارس اللاهوت الإنجلية - أن كثيرًا من فرق النصارى كانت ترفض حصول الصلب رفضًا كليًّا؛ لأن البعض منهم كان يعده إهانة لشرف المسيح ونقصًا يلحق به، والبعض الآخر كان يرفض استنادًا على الأدلة التاريخية، وهؤلاء الجاحدون للصلب طوائف كثيرة منها:
(٢) الساطرينوسيوف
(٣) والكاربوكراتيون
(٤) والمركيرنيون
(٥) والبارديسانيون
(٦) والتاتبانيسيون
(٧) والمايتسيون
(٨) البارسكاليونيون
(٩) واليولبيسيون
(١٠) والدوسيتية
(١١) المرسيونية
(١٢) الفلتطائيائية " اهـ. وكذلك طائفة الباسيليديون. (ر: كتاب عقيدة المسلمين في بعض المسائل النصراينة ص ٤٩، لـ دوارسيوس الفرنسي، نقلًا عن كتاب الفارق بين الخلق والمخلوق، ص ٢٨١، لـ عبد الرحمن البغدادي، (باجة ذي زادة)، المسيح في مصادر العقائد المسيحية ص ٢٧٣-٢٧٦، مهندس أحمد عبد الوهّاب". ح- وجود أناجيل أخرى قد أنكرت صلب المسيح ﵇، ومنها: (إنجيل برنابا) وفيه نجاة المسيح من كيد اليهود رفعه إلى السماء حيا وأن الصلب والقتل إنما وقع على
[ ١ / ٣٣٨ ]
به وعلموه ضرورة، فإن / (١/١٢٢/ب) اختل شيء من ذلك فلا تواتر، وإن زعم النصارى أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه بهذه الصفة أكذبتهم نصوص الإنجيل التي بأيديهم إذ قال نقلته الذين دونوه لكم وعليهم معولكم: "إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة من تلاميذه فلما قبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه سوى بطرس من بعيد فما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته فقالت: وهذا كان معه، فحلف بطرس أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله وخادعهم فذهب ولم يعد، وأن شابًا تبعه وعليه إزار فتعلقوا به فترك إزاره في أيديهم وأفلت عريانًا"١.
فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة الأناجيل، وأما أعداؤه من اليهود الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر فلم يبلغوا عدد التواتر أصلًا بل كانوا آحادًا وأفرادًا، فمن نازع فيما قلناه ونقلناه فهذا الإنجيل
_________________
(١) يهوذا الإسخريوطي الذي أخذ الرشوة من اليهود ليدلهم على مكان المسيح ﵇. (ر: إنجيل برنابا الإصحاح (١٤) وما بعده إلى نهاية الإنجيل". ط- وردت تنبوءات كثيرة في سفر المزامير بنجاة المسيح ﵇ من الصلب والقتل منها: مزمور ٢٠/١-٦: "ليستجيب لك الرّبّ في يوم الضيق ليرفعك اسم إله يعقوب، ليرسل لك عونًا من قدسه الآن عرفت أن الرّبّ مخلص مسيحه ". مزمور ٤/١، ٢٢: "في يوم الشّرّ ينجيه الرّبّ، الرّبّ يحفظه ويحييه ويغتبط في الأرض ولا يسلمه إلى مرام أعدائه ". (للتوسع في تنبوءات المزامير انظر: الدراسة القيمة للمهندس أحمد عبد الوهّاب في كتابه: (المسيح في مصادر ص ٢٠٧-٢٧٠) . فآحاد هذه الأدلة كافية في إبطال دعوى النصارى بصلب المسيح وقتله، فكيف بمجموعها؟!!. ولم يبق أمام أصحاب العقول والأفهام من اليهود والنصارى، إلاّ الإيمان بما ورد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة بأن المسيح ﵇ لم يصلب ولم يقتل بل رفعه الله إلى السماء الدنيا حيًّا بجسده وروحه ﵇ إلى أن يحين نزوله إلى الأرض - ويكون ذلك من علامات الساعة الكبرى - فيقتل المسيح الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنْزِير ويضع الحرب ويحكم بشريعة نبيّنا محمّد ﷺ. (ر: صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ٢/٢٥٦، وصحيح مسلم ١/١٣٥، وكتاب التصريح بما تواتر من نزول المسيح للشيخ محمّد أنور شاه الكشيمري، وكتاب عيسى بن مريم آخر الزمان للأمام السيوطي، وفتوى صادرة من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم الفتوى ١٦٢١، في ١١/٧/١٣٩٧هـ) . ١ متى الإصحاح (٢٦)، مرقس الإصحاح (١٤)، لوقا الإصحاح (٢٢)، يوحنا الإصحاح (١٨) .
[ ١ / ٣٣٩ ]
الذي بأيديهم حكمًا فيما بيننا وبينه، وإذا ثبت أن أتباع المسيح لم يحضر منهم أحد، واليهود الذين حضروا عصابة / (١/١٢٣/أ) قليلة دون عدد التواتر يجوز عليهم السهو الغلط واعتماد الكذب؛ لم يجب قبول أقوالهم.
فلا جرم قُدم تواتر الكتاب العزيز وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٥٧] .
ومما يزيد الأمر وضوحًا قول الإنجيل: "إن مريم لما جاءت لزيارة القبر رأت مَلَكًا قد نزل من السماء برَجة عظيمة، فدحرج الحجر عن فم القبر وجلس عنده فكان الحراس يموتون من هيبته، وبادروا من فورهم إلى مشائخ اليهود وأعلموهم بالقصّة، فأرشاهم المشائخ بشروة وتقدموا إليهم بستر القصة والإشاعة أن تلاميذ المصلوب سرقوه ومهدوا لهم عذرهم عند القائد"١.
وإذا كان الأمر كذلك فما يؤمنكم أن تكون هذه العصابة من اليهود قد صلبوا شخصًا من أصحاب يسوع وأتباعه وأوهموا الناس أنه المسيح ليغضوا منه ويحطوا من قدره، حيث جهدوا جهدهم في طلبه فلم يقدروا عليه وأعوزتهم وجوه الحيل في مغالبته كما فعلوا في ستر الآية التي ذكرتهم؟ !
وإذا كان أصحابكم الموقنون العدول / (١/١٢٣/ب) عندكم لم يحضر منهم أحد البتة واليهود الكفار المدَلِّسون شرذمة قليلة وأكثرهم لم يعرف المسيح، لم يحصل لكم غلبة ظنٍ بقتل المسيح فضلًا عن حصول العلم الضروري.
_________________
(١) ١ متى ٢٨/١-١٥.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وها نحن نورد من الحجج المقبولة عندكم ما يقضي بغلطكم في قتل المسيح وصلبه ويحقّق لكم أن المفعول به ذلك سواه هو الشبه الذي نقول به إن شاء الله تعالى.
- الحجّة الأولى:
لا شكّ ولا خفاء أن كتابكم ينطق في غير موضع: "أن المسيح نشأ بين أظهر اليهود وتردد معهم في مواسمهم وأعيادهم وزاحهم في مجامع قراراتهم يعرفونه ويعرفون أمه وسبطه، وأنه حين بهر في علم التوراة والنبوات كان يعلم عندهم في الهيكل بأورشليم ويناظر أحبارهم فيبهتهم بحسن التعليم فيقولون: أليس هذا ابن يوسف؟! أليس أمه مريم؟! أليس أخواته عندنا؟! فمن أين له هذه الحكمة؟! "١.
وإذا كان اليهود عارفين بعينه واسمه، ونسبه، فما حاجتهم إلى أن أكتروا رجلًا من تلاميذه بالأجرة حتى عرَّفهم / (١/١٢٤/أ) بشخصه لولا وقوع الشبه الذي نقول به.
- الحجّة الثانية:
على أن المفعول به ذلك غير المسيح وأنه كان قد شبه لهم قوله نقلة الإنجيل: "إن رئيس الكهنة أقسم على المأخوذ بالله الحيّ: أأنت المسيح ابن الله الحيّ؟! فقال له: أنت قلت"٢. ولم يجبه بأنه هو المسيح فلو كان المقسم عليه هو المسيح لقال له: نعم ولم يستجز أن يُوري في الجواب وهو يحلف بالله الحيّ، وهذا دليل على أنه غير المسيح، ثم المسيح إنما جاء لبثّ الحقّ ونشر الصّدق فكيف تجشَّم لشيء ثم يكتمه؟!
_________________
(١) ١ متى الإصحاح (٤)، مرقس لإصحاح (١)،لوقا لإصحاح (٢)، يوحن الإصحاح (٢) . ٢ متى ٢٦/٦٣.
[ ١ / ٣٤١ ]
فإن قال النصارى: هذا أيضًا لنا إذ لو كان غيره لم يخف ذلك ولبينه وقال: لست المسيح بل أنا رجل سواه.
قلنا: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الشبه قد أدركته دهشة منعته من البيان والإفصاح عن حاله كما يجري للبشر، وهذا لا بُعد فيه أن يأخذ الله على لسانه ويسد عنه مادة الكلام صونًا لنبيّه المسيح أن يفصح الرجل عن أمره.
والوجه الثاني: أن يكون الشبه لِصديقيّته آثر المسيح بنفسه وفعل ذلك بعهد عهده إليه المسيح رغبة منه في / (١/١٢٤/ب) الشهادة فلهذا ورى في الجواب وجمجم في القول، ويؤيد هذا الوجه قول التلاميذ للمسيح أيام الخوف من إيقاع اليهود به: "بأنه لو دفعنا إلى الموت معك لمتنا"١. والشبه كان من جملة التلاميذ فلهذا وفَّى بما وعد من نفسه وهذا شيء لم تزل تفعله أصحاب الأنبياء في الحروب وغيرها [أن] ٢ يقوا بأنفسهم أنبيائهم فينالون بذلك الثناء في الدنيا والثواب في العقبى.
فقد وضح أن المجيب لرئيس الكهنة غير المسيح إذ لو كان المسيح لم ينكر ولم يُورِّ.
- الحجّة الثالث:
على حماية الله المسيح ﵇ وأن المصلوب غيره. قال لوقا: "صعد يسوع إلى جبل الجلي ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا فبينا هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما كان عليه، وابيضت ثيابه فصارت تلمع كالبرق، وإذا
_________________
(١) ١ مرقس ١٤/٢٧-٣١، وذكره المؤلِّف بالمعنى. ٢ إضفاة يقتضيها السياق، ولعلها سقطت من الناسخ. والله أعلم.
[ ١ / ٣٤٢ ]
موسى بن عمران وإلياء قد ظهرا له، وجاءت سحابة فأظلتهم، فأما الذين كانوا مع يسوع فوقع عليهم النوم فناموا"١ قلت: هذا من أوضح الدلالة على رفع المسيح وحصول الشبه الذي نقول به؛ لأن تغيُّر صورة المسيح وتبدل لون ثيابه عما كانت عليه / (١/١٢٥/أ) وظهور موسى النبيّ ﵇ وإلياء ﵇ ومجيء السحاب يظللهم ووقوع النوم على التلاميذ من أقوى ما يتمسك به في حماية المسيح ووقوع شبهه على آخر سواه، فلا معنى لظهور هذين النّبيّين له ووقوع النوم على أصحابه إلاّ رفعه ﵇.
مما يؤيّده قول الإنجيل: "إن اليهود حين رفعوا المصلوب على الخشبة قالوا: دعه حتى نرى إن كان إلياء يأتي فيخلصه"٢. وهم يظنون أن المصلوب هو المسيح، وقد كان المسيح يقول لأصحابه: إن إلياء سيأتي.
والدليل على غلط النصارى: قول فولس الرسول في صدر رسائله زاريا عليهم: "أنهم لم يعرفوا الله تعالى، لكن أظلمت قلوبهم التي لا تفقه، فجهلوا واستدلوا بالله الذي لا يناله فساد شبه صورة الإنسان الفاسد؛ فلذلك أهملهم الله وتركهم وشهوات قلوبهم النجسة، فبدلوا حقّ الله بالكذب، وعبدوا الخلائق وآثروها على خالقها الذي له التسابيح والبركات، فلذلك وكلّهم الله إلى أولاد الفاضحة"٣.
فهذا فولس كأنما ألهم ما سيفتريه متأخرو النصارى/ (١/١٢٥/ب) إلهامًا، فنطق بذلك ردًّا عليهم وإزراء بعقولهم وتصريحًا بكفرهم وضلالهم.
_________________
(١) ١ متى ١٧/١-٨، مرقس ٩/٢-٨، لوقا ٩/٢٨-٣٦. ٢ مرقس ١٥/٣٦. ٣ رسالة بولس إلى رومية ١/٢١-٢٦، بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ٣٤٣ ]
- الحجّة الرّابعة:
على حماية المسيح مما نسب إليه، قول الأناجيل: "إن المأخوذ كان قد [غُيِّرَتْ] ١ صورته وشوهت هيئته، وسيق ذليلًا وتوج من الشوك إكليلًا، وألبس أرجوانًا وأبلس هونًا، وجذب وسحب وشقي وسجن ولدم وضرب، وحمل خشبته التي عليها صلب وأعنف به في سحبه، فكُرّب وما ركب".
قال يوحنا: "أُخذ في ليلة باردة من بستان بوادي الأرز، كان يخلو فيه مع تلاميذه"٢. فاجتمع في القصة ما يصحح الغلط ويرجع في النقل اللغلط، وهو أن المصلوب أخذ في حندس٣ ليل مظلم على حين فترة، فلم يصل به الشرط حتى طمست صور محاسنه لَدْمًا وضربًا ونسخت سور حلاه جذبًا وسحبًا، فكان جميع ما جرى إنما هو على الشبه، ومع احتواش القصة بهذه الشبه لا يجزم بأنه المسيح.
فالذي نقله لوقا فيه أعظم الدلالة على إلقاء الشبه، ثم ظهور موسى وإلياء ووقوع النوم / (١/١٢٦/أ) على القوم دليل واضح على رفع المسيح إلى السماء وصونه عن أيدي الأعداء.
- الحجّة الخامسة على ما قلناه:
قال يوحنا التلميذ: "كان يسوع مع تلاميذه بالبستان، فجاء اليهود في طلبه، فخرج إليهم يسوع وقال لهم: من تريدون؟ قالوا: يسوع، وقد خفي شخصه
_________________
(١) ١ في ص (غرر) والتصويب من المحقِّق. والله أعلم. ٢ يوحنا ١٨/١. ٣ الحندس: الليل المظلم والظلمة، جممه: حنادس. (ر: القاموس ص ٦٩٥) .
[ ١ / ٣٤٤ ]
عنهم، فقال: أنا يسوع، وفعل ذلك مرتين، وهم قد أنكروا صورته"١. وذلك دليل على الشبه ورفع المسيح؛ إذ أنكروا صورته وهو الناشئ بينهم والمربي في جماعتهم.
- الحجّة السادسة:
قول لوقا في إنجيله: "إن المسيح بعد قيامه صحب رجلين من أورشليم، وهما يطلبان قرية يقال لها: عمواس، فتبعهما وماشاهما، وكانت عيونهما ممسوكة عن معرفته فلما كلمهما عرفاه بعد ذلك"٢.
وقد حكى بعض النصارى أن المسيح قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة، وذلك كلّه يشهد بصحة ما قلناه، وإذ التبس أمره على خواص أصحابه وتلاميذه حتى أنكروا هيئته وصورته وثيابه فما ظنك بغيرهم؟!
وقال لوقا أيضًا: "بينا التلاميذ / (١/١٢٦/ب) في غرفة لهم إذ وقف المسيح في وسطهم بعد قيامه، والتمس منهم شيئًا يأكله فأطعموه جزءًا من حوت، وشيئًا من شهد العسل"٣. وذلك كلّه يشهد بما قلناه حمايته في وصونه من أعدائه وإلقاء الشبه على غيره.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في إنجيل يوحنا ١٨/١-١ كالآتي: "فأخذ يهوذا الجند وخدامًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح، فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه، وقال لهم: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع النصاري، قال لهم يسوع: أنا هو، وكان يهوذا مُسَلِّمُه أيضًا واقفًا معهم فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض، فسألهم أيضًا: من تطلبون؟ فقالوا: يسوع النصاري. أجاب يسوع: قد قلت لكم إني أنا هو. فإن كنتم تطلبوني فدعوا هؤلاء يذهبون ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع وأوثقوه". إن رواية يوحنا تعطينا صورة مختلفة تمامًا عما روته الأناجيل الثلاثة عن حادثة القبض على المسيح وملابساتها، وقد سبق بيان ذلك. ٢ لوقا ٢٤/١٣-٣١، في سياق طويل، وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا. إن رواية لوقا لهذه الحادثة في إنجيله تفيد أن هذين التلميذين هما أوّل من رأى المسيح بعد قيامته من الموت - حسب زعمهم - وهي رواية تخالف ما ورد في أناجيل متى ٢٨/٩-١٧، ومرقس ١٦/٩-١٤، ويوحنا ٢٠-١٣-٢٦، ٢١/١-١٤،ـ وفيها: "أن أوّل من رأى المسيح بعد قيامه هي مريم المجدلية التي لم تعرفه". ٣ لوقا ٢٢/٣٦-٤٣.
[ ١ / ٣٤٥ ]
- الحجّة السابعة:
قال يوحنا: "وقف المسيح على تلاميذه وهم يصيدون السمك، فقال: يا فتيان هل عندكم من طعام؟ فلم يعرفوه. فقالوا: لا. فقال: ألقوا الشبكة من الجانب الأيمن. ففعلوا. فرفعت سمكًا كثيرًا فحينئذٍ عرفوه. وقالوا: هو المسيح. وكان أحدهم عريانًا، فأخذ مئزره حين عرف أنه المسيح"١.
[فهؤلاء] ٢ التلاميذ وخواص أصحاب المسيح يشهدون بما صرنا إليه من تغيير شبه المسيح عليهم وتصديق قول من يقول منهم: إن المسيح كان قد أعطي قوة التحول من هيئة الصبوة إلى هيئة الكهولة والشيوخية وغير ذلك. وإلاّ فكيف يخفي وجهه عن مثل الاثني عشر من أصحابه وتلاميذه ويستبعد ذلك من اليهود؟
- الحجّة الثّامنة:
إن القول بقتل المسيح يؤدّي إلى تكذيب الميسح، وما أدى إلى تكذيبه فهو باطل، وبيانه هو أن المسيح ﵇ / (١/١٢٧/أ) قد بَشَّر في إنجيله بمحمّد ﷺ وقال: إنه النّبيّ الصّادق الآتي بعده؛ ومحمّد جاء وأخبر بأن المسيح ما قُتل وما صُلب، فالقول بقتل المسيح يفضي إلى تكذيب من صدَّقه المسيح، فكان تكذيبًا للمسيح، وسنبيّن بشرى المسيح وموسى وغيره من الأنبياء بمحمّد رسول الله ﷺ في الباب الأخير من هذا الكتاب.
_________________
(١) ١ يوحنا ٢١/١-٧، في سياق طويل. ٢ في ص (فهذه) والتصويب من المحقِّق.
[ ١ / ٣٤٦ ]
- الحجّة التّاسعة:
لو قد صحّ قتل المسيح وصلبه لبطلت الدلالة على وجود الباري تعالى، وبيانه: هو أن في ذلك إبطال بشائر الأنبياء ﵈ بمحمّد ﷺ، وإظهار كذبهم فيما شهدوا به من النبوة والرسالة وصدق المقالة وذلك يَعْكُر على نبواتهم بالإفساد، إذ أخلفت أقوالهم، ولم تَصْدق أخبارهم، وذلك يخرم الثقة بجميع ما أخبروا به من حدث العالم ووجود الصانع تعالى، وما أدى إلى ذلك فهو مردود من أصله.
- الحجّة العاشرة:
قال لوقا: "لما كان في الشهر السادس من حمل اليصابات زوجة زكريا بيحيى ابنها جاء جبريل إلى مريم العذراء بالناصرة من أرض الجليل، وهي / (١/١٢٧/ب) إذ ذاك خطيبة لرجل من نسل داود يقال له: يوسف. فقال لها جبريل: أبشري يا ممتلئة بنعمة الرّبّ، مباركة أنت في النساء. فلما رأته اضطربت من كلامه، فقال لها جبرئيل: لا تخافي يا مريم فقد [ظفرت] ١ بنعمة من عند الله وأنت تقبلين حبلًا بولد يدعى يسوع، يكون عظيمًا وابن [العلي] ٢ يُدعى، يعطيه الرّبّ كرسي أبيه داود. ويملك على بيت يعقوب. فقالت مريم: أتاني ذلك ولم أعرف رجلًا. فقال جبريل: روح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، وهذه اليصابات نسيبتك حبلى بابن على كبر سنها لأنه ليس عند الله أمر عسير. فقالت مريم: أنا ذا عبدة الرّبّ فليكن ما قلت"٣.
_________________
(١) ١ في ص (ظفرتي) والصواب ما أثبته. ٢ في ص (العلاء) والصواب ما أثبته. ٣ لوقا ١/٢٦-٣٨.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ورد ذلك من الله على مريم مَوْرد الامتنان والإنعام وهو أن يجلس ولدها في دست١ داود ويُمَلِّكه رقاب اليهود، فالقول بأن المسيح هلك وما ملك يقضي بالسخرية من البتول، أو البداء من المرسِل٢، أو الكذب من الرسول، والكلّ محال، فالقول بقتل المسيح وصلبه محال.
فهذه عشر حجج كلّها تقضي بالثّلب على مدّعي الصلب، ومما يدلّكم على فساد دعوى القتل والصلب ما اشتمل عليه الفصل / (١/١٢٨/أ) من الاضطراب وقبيح الألفاظ كقوله لرئيس الكنة: "إنكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى ترونه جالسًا عن يمين القوّة وآتيًا في سحاب السماء"٣، يريد بالقوّة: الله تعالى.
وكقوله: "إن ناسًا من القيام هاهنا لا يذوقون الموت حتّى يرون ابن الإنسان آتيًا في ملكوته"٤.
وكقول الملك للنسوة: "تعالين فانظرن إلى الموضع الذي كان فيه الرّبّ في القبر"٥.
ما أخلق هذه المواضع أن يكون بعض مجان اليهود قد أدرجها في كتاب النصارى ليضحك منهم الناس.
أسمعتم يا معشر النوكى بربٍّ في قبرٍ، وإلهٍ في لحدٍ؟! أيُّ جَدَثٍ وسعه؟! أيُّ كفنٍ واراه؟! أيُّ نعشٍ حمله؟! هل نجا من ضغطة القبر؟! هل لُقِّن حجته عند السؤال؟! هل ثبت جأشه عند طلعة الملك؟!
_________________
(١) ١ الدست: صدر البيت، والمقصود هنا ملك داود. (ر: القاموس ص ١٩٤) . ٢ بدا له في الأمر بَدْوًا وبداءًا وبداةً: نشأ له فيه رأي، وهو ذو بدوات. (كما في القاموس ص ١٦٢٩) . ومعنى: (أو البداء من المرسِل" أي: البداء من الله - تعالى وتنَزَّه عن ذلك علوًّا كبييرًا. ٣ مرقس ١٤/٦١، ٦٢. ٤ متى ١٦/٢٨، مرقس ٩/١، لوقا ٩/٢٧. ٥ متى ٢٨/٦.
[ ١ / ٣٤٨ ]
أُفٍّ لترابٍ تغَشَّى وجه هذا الإله، وتبًّا لكفن ستر محاسنه، وسحقًا لجذع انتصب تحته صلب عليه، عجبًا للسماء كيف لم تَبِدْ وهو سامكها وللأرض كيف مل تَمِدْ وهو ماسكها، وللبحار كيف لم تَغِض وهو مجريها، وللجبال كيف لم تَسِر وهو / (١/١٢٨/ب) مرسيها، وللحيوان كيف لم يصعق وهو مشبعه، وللكون كيف لم يمحق وهو مخترعه؟! وأنَّى استقام الوجود والرّبّ في اللحود، وثبت العالم على نظام والإله في الرحام؟! لقد لبس الكون ثوبًا من القحة صفيقًا، واستمر على البقاء وكان بالفناء خليقًا - فإنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة بهذا الرّبّ والرّزية بهذا الإله، لقد ثكلته أمه التي خلقها وصوَّرها وعدمته الدنيا التي أبدعها وفطرها، فليت شعري هل قُسم ميرائه وعمل مأتمه؟ وهل أخذ بثأره أو سُلم مسلمه؟! هذا وأيبكـ١ الخذلان والتلاعب بالأديان.
وفي الفصل موضعان آخران يشعران بأن المصلوب رجل غير المسيح: أحدهما: شكواه العطش، فإنا نعلم أن الإنجيل مصرّح: "بأنّ المسيح كان يطوي أربعين يومًا أو أربعين ليلة"٢.
ويقول لتلاميذه: "إن لي طعامًا لستم تعرفونه"٣. ومن صبر عن الماء والطعام ثمانين [يومًا] ٤ وليلة لا يجزع من فراقه ساعة واحدة. وبذلك يتحقق أن العطشان غيره والمستسقي سواه.
والموضع الآخر: / (١/١٢٩/أ) قوله: "إلهي وإلهي لِمَ تركتني وخذلتني؟ "، (لِمَ) كما يُعلم كلمة تنافي الرضى بمر القضاء، وتناقض التسليم لأحكام الحكيم ويجل عن ذلك رتبة الصالحين فضلًا عن أكابر المرسلين.
فهذا وما شاكله من كلام المصلوب يوضح ما قلناه في الشبه، فإن أبى النصارى إلاّ أن يكون قائل هذا هو المسيح، قلنا لهم: ألم تزعموا أن المسيح تعنَّى
_________________
(١) ١ هكذا في ص. ٢ متى ٤/٢. ٣ يوحنا ٤/٣٢. ٤ في ص (يوم) والتصويب من المحقِّق.
[ ١ / ٣٤٩ ]
ونزل ليؤثر العالم بنفسه ويُخلِّصه من الشيطان ورجسه؟! أفتقولون إنه تبرّم بالإيثار واستقال العِثار؟ ١.
آلم ترووا لنا عن التوراة أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون كانوا حين احتضروا مستبشرين بلقاء ربّهم فرحين بانقلابهم إلى شعبهم، لم يجزعوا من الموت ولا هابوه ولا استَوبلَوا٢ مذاقه ولا أعابوه، هذا وهم عبيد. والمسيح بزعمكم ولدٌ وربٌّ، أفكان وثوقهم بالله فوق وثوقه، أم حظ المسيح عند الأب دون حظ رقيقه؟!
وأما قولهم في الفصل: "إن يسوع صرخ وأمال رأسه وأسلم روحه"، فمناسب لكلام/ (١/١٢٩/ب) المجانين، وإلاّ فكيف يتولى الميت في حال النزع تسليم روحه مع شدّة الأمر وعظم الخطب واشتغال البال في ذلك الوقت عن التسليم والتسلم؟! وإن امرءًا تجذب روحه من تحت كلّ شعره من جسده وقد أوثق كتاف ذبيحه، وبر بصره، وانحل عقد تماسكه، واستولت عليه الآلام، ورشقته من جميع جهاته سهام الحمام لغير مختار في تسليم روحه، والعجب من تجاسر هذا الحاكي على قول ما يقطع بكذبه فيه، وذلك أن تسليم روحه غير مشاهد بالعيان فيقع عليه بصر إنسان.
أين قول النصارى في شريعة إيمانهم: "نؤمن بالرّبّ الواحد يسوع المسيح الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء، وليس بمصنوع الذي نزل من السماء لخلاص معشر الناس؟!!.
وكيف يصحّ لهم هذه الدعوى والمصلوب ينادي بحضرة اليهود: "إلهي إلهي كيف تركتني وخذلتني؟!! ".
_________________
(١) ١ العثار: الشّرّ. (ر: القاموس ص ٥٦٠) . ٢ استوبل الأرض: إذا لم توافقه وإن كان محبًّا لها. (ر: القاموس ص ١٣٧٨) .
[ ١ / ٣٥٠ ]
وكيف يكون خالق السماوات والأرض مقرونًا باللصوص مصلوبًا على الخشب له إله يدعوه ويسأله أن لا يتركه ولا يخذله؟!!.
فإن كانت / (١/١٣٠أ) الأمانة صادقة فالإله الأزلي قد بكى واستغاث وسأل شربة من الماء وقُرِن بالذُّعار وعلُق على الخشب وسمرت يداه بالمسامير، وإن كان الإله الرّبّ الأزلي، يتعالى عن هذه النقائص يتقدس عن أن تناله هذه الرذائل، فالأمانة باطلة، وأقوال مَن عقدها لهم فاجرة، وآراؤهم غاشَّة، وسنأتي على أمانتهم إذا انتهينا إليها، ونوضح فسادها وغشّ من ألفها وسوء رأيه في دين النصرانية إن شاء الله تعالى.
وأما قولهم في الفصل: "إنه حين مات يسوع على الصليب انشقّ حجاب الهيكل، وتزلزت الأرض كلّها، وتشققت الصخور، وتفتحت القبور، وقام القديسيون من قبورهم ودخلوا المدينة حتّى رآهم الناس"
_________________
(١) ١. "وأظلمت ١ هذه رواية متى في إنجيله ٢٧/٥١-٥٤، ويعلّق عليها نورتن - المحامي عن الإنجيل - فيقول: "هذه الحكاية كاذبة، والغالب أن أمثال هذه الحكايات كانت رائجة في اليهود بعدما صارت أورشليم خرابًا، فلعل أحدًا كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى، وأدخلها الكُتاب في المتن، وهذا المتن وقع في يد المترجم فترجمها على حسبه". اهـ. ويدل على كذبها الأوجه الآتية: - الأوّل: إن متى ذكر بعد ذلك ٢٧/٦٢-٦٦: "إن اليهود ذهبوا إلى بيلاطس في اليوم الثاني من الصلب قائلين: يا سيد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حيّ: إني بعد ثلاثة أيام أقوم، فمُرْ بضبط القبر إلى اليوم الثالث ". كما قد صرّح متّى في نفس الإصحاح أن بيلاطس وامرأته كانا غير راضيين بقتله، فلو ظهرت هذه الحوادث العجيبة لما استطاع اليهود أن يتجرؤوا بالذهاب إلى بيلاطس ويقولوا بأن المسيح كان مضلًا ويطلبوا منه إقامة الحرس على قبره، لاسيما وأن بيلاطس كان غير راضٍ عن قتله منذ البداية، فإذا رأى هذه الحوادث فإنه لا بدّ أن يكذّب اليهود وينقلب عليهم، وكذلك غيره من الناس. - الثاني: إن هذه الحوادث من الآيات العظيمة التي لو ظهرت لآمن كثير من الروم واليهود على ما جرت به العادة، ألا ترى أنه لما نزل روح القدس على الحواريين - كما يزعم النصارى - وتكلموا بألسنة مختلفة تعجب الناس، وآمن نحو ثلاثة آلاف رجل كما جاء في سفر أعمال الرسل الإصحاح الثاني؟! - الثالث: إن قيام كثيرين من أجساد القديسين مناقض لكلام بولس، الذي صرح بأن المسيح ﵇ أوّل القائمين وباكورة الراقدين. (ر: رسالة بولس إلى كورنثوس ١٥/٢٠، ٢٢، ٢٣، وفي رسالته إلى كولوسي ١/١٨)، ر: إظهار الحقّ ص ١٥٨، ١٥٩، للشيخ رحمة الله الهندي، بتصرف يسير.
[ ١ / ٣٥١ ]
الشمس وحال لون القمر"١. فذلك كذب ومحال وبهت لا يخفى بحال؛ لأنه لو كان صحيحًا لأطبق الناس على نقله ولم يبق إخفاء مثله، ولزال الشّكّ عن تلك الجموع في أمر يسوع، فحيث داموا على الحجّة له والتّكذيب عنه دلّ ذلك على كذب هذا النّقل.
ومما يوضح ما قلناه / (١/١٣٠/ب) أن الأناجيل تشهد في تمام هذا الفصل "أن جماعة من أصحاب يسوع شكوا فيه بعد ذلك فرجعوا عن رأيهم الأوّل"٢. وذلك يكذب قول من قال: "إن العالم تشوش لمصرع يسوع"٣. فإن قيل: إنما لم يشتهر ذلك لأن أصحاب يسوع لم يحضر منهم أحد خوفًا من اليهود، واليهود الذين شاهدوا هذه الآيات تواطؤا على كتمانها بغيًا وحسدًا.
قلنا: هذه الآيات إذا وقعت عَمَّ عِلْمُها من حضر ومن غاب من الأعداء والأحباب لأنها آيات نهارية، فما بال الهنود والسند والصين والسودان والفرس والترك وسائر الطوائف الذين لم يتعصبوا للأديان ولا انحازوا الملة وشريعة لم ينقلوا هذه الآيات ويلهجوا بها خلفًا عن سلف حقبًا بعد حقب؟!!.
_________________
(١) ١ هذه رواية لوقا في إنجيله ٢٣/٤٤، ٤٥، ونصّها كالآتي: "فكانت ظلمة على الأرض كلّها إلى الساعة التاسعة وأظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه ". ويعلّق على ذلك د. كيرد في كتابه: (تفسير إنجيل لوقا ص ٢٥٣) بقوله: "إن حدوث كسوف للشمس بينما يكون القمر بدرًا - كما كان وقت الصلب - إنما هو ظاهرة فلكية مستحيلة الحدوث ولقد كان الشائع قديمًا أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذير سوء، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان بسبب تعاسته". اهـ. (نقلًا من المسيح في مصادر ص ١٧٤، لأحمد عبد الوهّاب) . ٢ ورد في سياق طويل في إنجيل لوقا الإصحاح (٢٤)، ويوحنا الإصحاح (٢٠)، وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا بالمعنى.. ٣ إن روايات الأناجيل متناقضة في سرد الأحداث التي أعقبت الصلب، مما يؤكّد عدم الثقة في روايتها، فإن متّى قد انفرد بذكر الأمور العجيبة كتزلزل الأرض وتشقق الخ. ومرقس ١٥/٣٨، يقول: "وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل ". ولوقا ٢٣/٤٤، زاد على ما ذكره مرقس بكسوف الشمس. وأما يوحنا فإنه لا يعلم عن كلّ ذلك شيئًا. (ر: الإصحاح ١٩) . وهذا من أعجب العجب!!!.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقد نقل المؤخرون في صحفهم أمورًا هي أنزر وأقل خطرًا من هذا الأمر الذي يَدَّعي النصارى أنه طبَّق العالم الأعلى والأسفل، فلما رأينا هذه الأمم الخالية عن الأهواء والتعصب للشرائع والتزام الأحكام علىكثرتها لم تنقل مما حكاه١ النصارى حرفًا واحدًا علمنا بالضرورة أن ذلك اخترعه كذبة النصارى ليخدعوا به ضعفائهم،/ (١/١٣١/أ) وسنأتي على قطعة من ذكر حيل القسيسين ومخاريق الرهبان عند وصولنا إلى بابه، فيتوسلون بهذه المخارق إلى جلب الحطام وجذب الدنيا الدّنية بالخطام، والحقّ مستغن عن أن يقوى بهذه الترهات.
وأما قولهم في الفصل: "إن يسوع جاء التلاميذ الأحد عشر بالجليل، وأوصاهم أن يعمدوا الناس، وأنه يكون معهم إلى انقضاء الدّهر"٢. فأقول: انطفأ السراج على التلميذ الثاني عشر، وهو المشهود له في الإنجيل بولاية حساب بني إسرائيل، وبقي كرسيه شاغرًا ودسته في القيامة غامرًا، وصار أحد الأسباط في القيامة ليس له من يدينه، فاستراح من العتاب وسوء الحساب.
قال المؤلِّف: قلت لنصراني من عقلائهم: "قال يسوع لتلاميذه الاثني عشر وفيهم يهوذا الأسخريوطي الذي أسلمه للقتل والصلب: أتم ستجلسون يوم القيامة على اثني عشر كرسيًا تدينون اثني عشر سبط إسرائيل"٣. وذلك شهادة لكل بالزعامة في٤ القيامة، فكيف صنع أصحابكم في يهوذا وسبطه؟ فإن المسيح يقول: "الويل لمن يُسلم ابن الإنسان كان [خيرًا له ألا / (١/١٣١/ب) يولد] ٥".
_________________
(١) ١ في ص زاد: (حكاه) . ٢ متى ٢٨/١٦-٢٠. ٣ متى ١٩/٢٧، ٢٨. ٤ في ص زاد: (في) . ٥ في ص (الخيرة له ألا بولد) والتصويب من النصّ في إنجيل متى ١٤/٢١،لوقا ٢٢/٢٢.
[ ١ / ٣٥٣ ]
فقال: قد عوَّضوه برجل غيره ونصبناه بدلًا منه لتتم العدة١.
قلت: فليس هذا المُعوَّض هو المخاطب بوعد المسيح بل غيره فقد أخلف قوله: "إن كرسيه لا يجلس عليه غيره، ولا يدين سبطه سواه". فأبلس العلج٢، ولم يحر جوابًا.
وأما حكايتهم عنه: "أنه معهم إلى انقضاء الدهر"، فإنه نسألهم فنقول: هل تقولون إن هذا الكلام محمول على ظهره أو محمول على معناه دون ظاهر؟ فإن زعموا أنه محمول على الظاهر لزم منه أن يكون التلاميذ الأحد عشر الآن في قيد الحياة، وسِيَرُهم تُكَذِّب ذلك، إذ يقول إنّ القوم اخترموا موتًا وقتلًا.
وإن قالوا: إن ذلك محمول على المعنى دون الظاهر وهو أن الآن مع كلّ جاثليق وأسقف ومطران وقس وراهب٣ منهم، قيل: أهو معهم بذاته أم بعلمه؟! فإن زعموا أن المسيح معهم بذاته أكذبتهم شواهد العقول وشواهد
_________________
(١) ١ يزعم النصارى أن الحواريين قد اجتمعوا - بعد صعود المسيح - برئاسة بطرس بعد الصلاة وبمشورة الروح القدس؛ ليختاروا بالقرعة بديلًا عن يهوذا الأسخريوطي من تلاميذ المسيح، فوقعت القرعة على: "متياس". (انظر: سفر أعمال الرسل الإصحاح الأوّل) ولا يعلمون شيئًا عن حياته وخدمته. (ر: قاموس ص ٨٣٦) . ٢ العِلْجِ: الرجل من كفار العجم، ج علوج وأعلاج. (ر: القاموس ص ٢٥٤) . ٣ إن النصرانية المحرفة من الديانات الكهنوتية التي تعتد في قامة طقوسها على الكهنة أو ما يسمى بـ: (رجال الدين)، ومما يدلّ على اختراع النصارى للكنيسة - ومعناها (مجمع) وهي مأخوذة من كلمة: (اكليزيا) اليوناينة - وللرتب الكنسية وتأثرهم في ذلك بالثقافات الوثنية ما ذكره البروفيسور شارل جنيبر في كتابه: (المسيحية نشأتها وتطوّرها ص ١٣٠، ١٣١، ١٣٥)، حيث يقول: "إن المسيح لم ينشئ الكنيسة ولم يردها، ولعلّ هذه القضية أكثر الأمور المحققة ثبوتًا لدى أي باحث يدرس النصوص الإنجيلية من غير ما تحيز كما أن المسيح لم يصنع من الحواريين قساوسة، حيث لم يكن في حاجة إلى ذلك، وبدراسة ما قام به الحواريون فإننا لا نجد أنهم فكّروا في إنشاء الكنيسة، إذ ظلوا على إخلاصهم للدين اليهودي، وداوموا بكل دقّة على شعائره - ثم يقول -: ومن المرجح أن تأثير الجماعات الوثنية وتأثير النظم اليهودية وقعا عليهم (النصارى) في آنٍ واحدٍ، مع ترجيح اتّجاه على الآخر حسب ظروف الزمان والمكان، وقد فرضت الضرورات أنواع الوظائف، وسمى الموظفون بأسماء أخذت عن اللغة الشائعة مثل: (بريسبيتيروس) أي: شيخ، و(ايبسكوبوس)، أي: مشرف، و(دياكونوس)، أي: خادم، وقد تطورت معاني هذه الكلمات فيما بعد إلى: قسّ، أسقف، وشماس". أهـ. بتصرف يسير. وهناك اختلاف في هذه الرتب بين الكنائس، فالكنيسة الكاثوليكية تتبع النظام البابوي ويرأسه الباب والكرادلة، وهم أصحاب الحقّ في تنظيم الكنيسة، وتنقسم الكنيسة إلى أبروشيات على رأس كلّ منها مطران، وفي كلّ أبروشية عدة كنائس يديرها الكهنة. أما الكنيسة الأرثوذكسية (ومنها: الكنيسة القبطية) فإنها تتبع نظام الإكليروس ويبدأ من البطريرك ثم المطارنة، ثم الجثالقة، ثم الأساقفة، ثم القسس الممتازون ويسمون (القماصة)، ثم القسس العاديون ويسمون (القساوسة) - وهؤلاء جميعًا أصحاب الرأي في تنظيم الكنيسة - ثم الشماس (دياكون)، ثم معين الشماس (ايبودياكون)، ثم القارئ (الأغنسطس)، ثم المرتل (الأبصلتس)، ولكلّ منهم وظيفة محدَّدة في الكنيسة. (ر: أسرار الكنيسة السبعة ص ١٨٦، وما بعدها - حبيب جرجس، الوسائل العملية للإصلاحات القبطية ص ١٢٨، ١٢٩، حبيب جرجس، المسيحية ص ٢٣٨-٢٤٠، د. أحمد شلبي) .
[ ١ / ٣٥٤ ]
الإنجيل، أما شواهد العقول: فإن العقل فاضٍ بأن الشخص الواحد لا يكون حالًا في عدّة مواضع في حالة واحدة، بل إن شغل مكانًا فرغ من الآخر لا محالة. وأما شواهد الإنجيل: فإنها / (١/١٣٢/أ) مصرحة بأن المسيح كان إن حلّ بالناصرة فارق أورشليم، وإن حلّ بأورشليم فارق الناصرة، ولم يتحدّد له ما يرفع هذا الحكم.
فإن قالوا: لم يرد المعية بذاته بل بعلمه كقول الكتاب العزيز: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ ١. قلنا: فاسلكوا التأويل في جميع ظواهر الإنجيل ترشدوا.
فلو ألهم النصارى رشدهم لمحوا هذا الفصل من الإنجيل ودرسوا٢ خبره، وعفوا أثره، وأدبوا من ينطق به، فإن اللافظ به إنما يُعَرض سبّ إلههم والتنقص من معبدوهم، وإنه فصل وخيم، والعار عليهم في نشره عظيم، إذ مضمونه أن اليهود الملاعين والعبيد المدبرين عدوا على إلههم، ورصدوه، وتوقعوا غرته، فقصدوه، فوضعوا أيديهم عليه ذليلًا، وأناطوا به جوامع وكبولًا، ولم يجد إلى الإفلات منهم سبيلًا.
وهرب تلاميذه عنه وأسلموه، فتناوله أعداؤه بيد القسر وتسلموه وساقوه بينهم يحمل جذعة أسيرًا، ثم لُطم حتى حُطِّم، وأُرضع لبان الهوان حتى ودَّ لو قُطم، وتفل في وجهه القيام والقعود من أراذل اليهود، فنَزل به من الدهش
_________________
(١) ١ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . [سورة الحديد، الآية: ٤] . ٢ درس: عفا: محا من المحو، والإمحاء. كما في القاموس ص ٧٠١، ١٦٩٣.
[ ١ / ٣٥٥ ]
والعطش والكرب ما لا / (١/١٣٢/ب) يقصر في الألم عن القتل والصلب، وأنه استسقاهم ماء فسقوه خلًاّ، وسأل البقيا فأسمعوه كلًا، فصرخ على جذعه إلهي إلهي كيف تركتني؟!.
وصرح بالعبودية لا يتلقب ولا يكتني، ولم يزل ينزع في قوس النزاع حتى مرق سهم روحه، ولقد راموا كسر ساقيه كفعلهم برفيقيه، فعُجلت عليه منيته وأُبطلت عنه أمنيته، وأعول عليه أحبابه وتفرق من الفرق أصحابه، وسأل الوالي جسده فدفن وتصدق عليه بالكفن، وهذه لعمرك مَعَرَّة يأنف العاقل من إلصاقها بكلبه، فكيف يلصقها بربّه؟!.
وما أرى مُلحق هذا الفصل بكتاب النصارى إلاّ قد جعل له اليهود جُعْلًا على إلحاقه، ولستُ أُبعد ذلك، فإن يهوذا الأسخريوطي - أحد الاثني عشر المشهود له بالزعامة في المحشر - زعموا أنه ارتشى على يسوع ثلاثين درهمًا من اليهود حتى أنزل به من الهوان ألوانًا، وإذا كان هذا فعل يهوذا الذي هو أسنى من غيره وأفضل وأرمى عن قوس الصحبة القديمة وأفضل، وقد استمالته الدنيا فادَّرع الفضيحة واستهواه الهوى فحلّ عقيد١ / (١/١٣٣/أ) الصحيحة.
فما ظنك بمن لم يصحب المسيح ولم يلقه ومرض بداء الحسد فلم ينقه؟!.
فنسأل الله الذي شرفنا بالإسلام وعرفنا نبيّه ﵇ أن يقطع عنا أشطان الشيطان ويصلنا بعباده الذين ليس له عليهم سلطان.
ومن أدل الدلالة على كذب النصارى في دعوى القتل والصلب: ما رواه متَّى في إنجيله قال متى: "سأل اليهود المسيح أن يريهم آية فقال: الجيل الشرير
_________________
(١) ١ العَقِيد والمُعَاقد: المُعاهد. (ر: القاموس ص ٣٨٤) .
[ ١ / ٣٥٦ ]
الفاسق يطلب آية فلا يعطى إلاّ آية يونان - النّبيّ: يعني: [يونس] ١ ﵇ - لأن يونان أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وكذلك ابن الإنسان يقيم في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ"٢.
قال المؤلِّف: وكذلك كذب وغلط بإجماع نقلة الإنجيل؛ لأنه لا خلاف بينهم أن المأخوذ صلب في الساعة الثالثة من يوم الجمعة، ثم أنزل من يومه ذاك فدفن ليلة السبت، وأقام السبت كلّه مدفونًا ثم طلب ليلة الأحد بغلس فلم يوجد، فمنهم من قال: قام ليلة الأحد، ومنهم من ذكر أنه قام يوم الأحد باكرًا، وإذا كان الأمر كذلك فلم يقم في بطن الأرض سوى يوم واحد وليلتين.
قال المؤلِّف: ولنذكر عشر / (١/١٣٣/ب) مسائل مفحمات، تفحم من وردت عليه من النصارى، من ردَّها منهم كفر بالتوراة والإنجيل والنبوات، ومن قَبِلَها كفر بالأمانة التي لهم والصلوات ودين النصرانية جملة:
المسألة الأولى من العشر المفحمات:
هو أنا نسألهم عن قول القائل: إن الله - الأزلي خالق العالم ونافخ الروح في حواء وآدم - هو إله واحد فرد حيّ عالم قادر مريد سميع بصير متكلم٣، أحقّ ذلك أم باطل؟.
_________________
(١) ١ في ص (يونسا) والصواب ما أثبته. ٢ متى ١٢/٣٩، ٤٠، وقد سبق بيان التناقض في هذا الخبر. (ر: ص ٣٠٩) . ٣ هذه الصفات السبع التي يؤمن بها من ينتسب إلى مذهب الأشاعرة ولا يتعداها إلى غيرها كالاستواء واليد والعين، مع أن الإمام أبا الحسن الأشعري يؤمن بصفات الاستواء والنزول واليد والعين، وغير ذلك مما تثبته الآيات القرآنية والسنة الصحيحة. (ر: كتاب الإبانةعن أصول الديانة، رسالةإلى أهل الثغر، وكلاهمالأبي الحسن الأشعري) وأما هذه الصفات السبع: (الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام)، فتسمى عند الأشاعرة بصفات المعاني، وطريق إثباتها عندهم العقل ثم النقل. (ر: أصول الدين ص ٤٩-٦٧، للرازي، والتبصير في الدين ص ١٦٤، للإسفرائيني، أصول ص ٩٠، للبغدادي وغير ذلك) . وقد تعرض السفاريني لتعريف كل صفة من هذه الصفات السبع، وذكر مذهب أهل الحقّ فيها، والرّدّ على المخالفين. (ر: كتابه لوامع الأنوار البهية ١/١٣١-١٥٢) .
[ ١ / ٣٥٧ ]
فإن قالوا: إنه حقّ، أبطلوا دين النصرانية وكفروا بالأمانة والصلوات الثمانية التي لهم، إذ سائر فرق النصارى اليوم يدينون بعبادة ثلاثة آلهة قديمة أزلية وإنسان من بني آدم يُسمَّى يسوع النصارى.
فيقرؤون في أمانتهم التي هي أصل دينهم: "نؤمن بالله الأبّ الواحد ضابط الكلّ، ونؤمن بالرّبّ الإله الواحد يسوع المسيح الإله الحقّ الذي بيديه أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء، ونؤمن بروح القدس الواحد المحيي". فعبدوا ثلاثة آلهة، والتوراة وسائر النبوات تقول: هو واحد جلّ وعلا.
ويقرؤون في صلاة لهم تعرف عندهم بصلاة النوم: "الملائكة يمدحونك بتهليلات مثلثة أيها الأبّ؛ لأنك لم تزل وابنك / (١/١٣٤/أ) نظيرك في الابتداء وروح القدس مساويك في الكرامة ثالوث واحد". فقد صرحوا في الأمانة التي لهم والصلوات بعبادة ثلاثة آلهة قديمة أزلية وإنسان من بني آدم يسمّى يسوع المسيح وذلك مضاد لتوحيد الذي سلَّموا صحته.
وإن قالوا: بل ذلك باطل وكُفر، كفروا بتوراة موسى وإنجيل عيسى ومزامير داود ونبوة أشعيا وسائر النبوات.
قال الله في التوراة: "يا موسى أنا الله ربّك وربّ آبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب قد ذكرت عهدي لإبراهيم، وقد عرفت ذلّ شعبي بمصر، اذهب إلى فرعون، وقل له: هكذا يقول لك إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أرسل شعبي يعبدني، فقال موسى: يا ربّ أنا أذهب إلى بني إسرائيل فأقول الرّبّ إلهكم أرسلني إليكم، فيقولون لي: ما اسمه؟ فقال الله تعالى: قل لهم: الأزلي الذي لم يزل أرسلني إليكم"١.
وقال الله تعالى في التوراة: "إني أنا [أهيه الذي أهيه] ٢ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب هذا اسمي إلى الأبد وإلى دهر الداهرين".
_________________
(١) ١ سفر الخروج ٣/٦-١٤، في سياق طويل. ٢ في ص (أهيا شر أهيا) والتصويب من النّصّ في سفر الخروج ٣/١٥.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقال الله لموسى في التوراة: "أنا الله / (١/١٣٤/ب) إلهك فلا يكن لك إله غيري فلا تعبده ولا تسجد له ولا تشبهه بشيء مما في السماء ولا مما في الأرض ولا مما في البحار"١.
وقال الله تعالى في التوراة: "اعلم أني أنا الله وحدي وليس معي غيري، أنا أميت وأحيي وأنا أقسم وأبرئ، ولا ينجو أحد من يدي"٢. وإفراد الباري بالوحدانية ونفي الشركاء في التوراة كثير جدّا.
وقال المسيح في إنجيل متّى: "لا صالح إلاّ الله الواحد"٣.
وقال المسيح في إنجيل يوحنا ورفع بصره إلى فوق: "إلهي إن الحياة الدائمة تجب للناس إذا علموا أنك الواحد الحقّ الذي أرسلت المسيح"٤.
وقال أيضًا في إنجيل متّى جوابًا للشيطان - حين قال له اسجد لي وأعطيك جميع ما في العالم -: "أغرب عني يا شيطان، فإنه مكتوب للرّبّ إلهك اسجد وله وحده اعبد"٥.
وقال في إنجيل يوحنا "إني ذاهب إلى إلهي وإلهكم"٦.
وقال في إنجيل يوحنا أيضًا: "إني لم آت لأعمل بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"٧.
وقال في إنجيل مرقس: "إلهي إلهي لِمَ تركتني؟ "٨.
وقال في إنجيل متِّى: "يا أبت إن أمكن صرف هذا الكأس عني فأصرها / (١/١٣٥/أ) لكن كما تشاء أنت لا كما أشاء أنا"٩.
وقال مرقس في إنجيله: "سأل المسيح
_________________
(١) ١ سفر الخروج ٢٠/٢-٤. ٢ سفر التثنية ٣٢/٣٩. ٣ متى ١٩/١٦، ١٧، مرقس ١٠١٧، لوقا ١٨/١٨. ٤ يوحنا ١٧/٣. ٥ متى الإصحاح (٤) . ٦ يوحنا ٢٠/١٧. ٧ يوحنا ٦/٣٨. ٨ متى ٢٧/٤٦، مرقس ١٥/٣٤. ٩ متى ٢٦/٤٣.
[ ١ / ٣٥٩ ]
عن يوم القيامة، فقال: لا يعرفها ملائكة السموات ولا الابن يعرفها ولا يعرف ذلك اليوم سوى الأبّ وحده"١.
وقال في إنجيل يوحنا في الفصل الأوّل منه:"الله لم يره أحد قط"٢.
وقال فيه لليهود: "لِمَ تطلبون قتلي وأنا رجل كلمتكم بالحقّ الذي سمعته من الله تعالى؟! "٣.
وقال لليهود أيضًا:"لم تمجدون الناس ولا تجدون الله الواحد؟! "٤.
وقال في إنجيل متّى: "إنّ ربّكم واحد فرد"٥.
وقال شمعون الصفا في كتاب فراكسيس تأليف لوقا: "يا بني إسرائيل اسمعوا مقالتي: إن يسوع الناصري رجل ظهر لكم من الله بالقوّة والأيد والعجائب التي أجراها على يده"٦.
قال داود في المزمور السابع عشر: "الله لا ريب فيه، هو منجي من توكّل عليه، لا إله إلاّ الرّبّ ولا عزيز مثله"٧.وذلك في المزامير كثير جدًّا.
وقال داود في المزمور التاسع والأربعين: "اسمع يا إسرائيل: أنا الله إلهك لست/ (١/١٣٥/ب) أوبخك على ذبائحك وقودك أمامي في كلّ حين"٨.
وقال فولس في رسائله: "إنه لا إله إلاّ واحد"٩.
وقال أيضًا: "إن كان في الأرض آلهة وأرباب كثير فإن إلهنا إله واحد، هو الأب الذي منه كلّ شيء
_________________
(١) ١ مرقس ١٣/٣٢. ٢ يوحنا ١/١٨. ٣ يوحنا ٨/٤٠. ٤ يوحنا ٥/٤٤. ٥ متى ٢٣/٩، كالآتي: "لأن أباكم واحد الذي في السموات". ٦ سفر أعمال الرسل ٢/٢٢-٢٤. ٧ مزمور ١٨/٣٠، ٣١، بألفاظ مقاربة. ٨ مزمور ٥٠/٧، ٨، وهذا المزمور منسوب إلى آساف رئيس الكهنة. ٩ رسالة إلى رومية ٣/٣٠، ٣١، وإلى غلاطية ٣/٢٠، ورسالته الأولى إلى كورنثوس ٨/٤.
[ ١ / ٣٦٠ ]
ونحن به تعالى"١. فمن زعم أن الذي ذكرناه كُفْرٌ فقد كَفر بتوراة موسى وإنجيل عيسى ونبوات الأنبياء.
المسألة الثّانية من العشر المفحمات:
إنا نسألهم عن هذا الإله الواحد الأزلي جلّ وعلا، أهو جسم ذو لحم ودم وأعضاء وشعر وظفر أم يتنَزَّه ويتقدّس عن ذلك؟
فإن قالوا: إن الباري يتقدس عن ذلك إذ هو خالق الأجسام، أخرجوا المسيح من الربوبية إذ الإنجيل يشهد من فاتحته إلى خاتمته بأنه ذو جسد ولحم وشعر وظفر، لا يفارق المخلوقين في شيء ولا يباينهم في هيئة.
وإن وصفوا الباري بهذه النقائص أكذبتهم التوراة والإنجيل والنبوات، قال الله تعالى في التوراة: "لا تشبهوني بشيء مما في السماوات فوق ولا في الأرض أسفل ولا في البحار تحت ولا بشيء / (١/١٣٦/أ) مما يدبّ من الحشرات والهوام"٢. وغير ذلك وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثلِه شَيءٌ ﴾ ٣.
وقال موسى في التوراة: "لا إله مثل إلهنا"٤.
وقال أيضًا فيها: "لا إله مثل إله بني إسرائيل"٥. والمسيح مما في الأرض وله أمثال وأشباه وأشكال.
وقال المسيح في الإنجيل: "إن الله لا يأكل ولا يشرب ولا رآه أحد قط"٦. وذلك يقضي بنفي الجسمية عنه.
_________________
(١) ١ رسالته إلى كورنثوس ٨/٥، ٦. ٢ سفر الخروج ٢٠/٤. ٣ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . [سورة الشورى، الآية: ١١] . ٤ الخروج ١٥/١١، بنحوه. ٥ التثنية ١٠/١٧. ٦ تقدم تخريجه. (ر: ص ١٢٩) .
[ ١ / ٣٦١ ]
وقال داود في المزمور السبعين: "عليك توكلت يا ربّ، فلا أخزى أبدًا، أنت إلهي وحافظي وحصني الذي ألجأ إليه في كلّ حين، أنت صانع العجائب لا نظير لك يا قدوس إسرائيل"١.
المسألة الثّالثة من المفحمات:
إنا نسأل النصارى عن الرّبّ الخالق الأزلي إله إبراهيم وداود وسائر العالم، هل يفتقر إلى الطعام والشراب فيجوع ويعطش وينام ويسهر وحزن ويفرح ويمشي ويركب أم لا؟
فإن قدَّسوا الباري عن هذه النقاائص تركوا القول بربوبية المسيح؛ إذ الإنجيل من فاتحته إلى خاتمته يشهد بملابسة المسيح لهذه الأمور / (١/١٣٦/ب)، وإن جوَّزوا ذلك على الباري جلّ وعلا كفروا بالإنجيل والمزامير، قال المسيح في الإنجيل: "الله لا يأكل ولا يشرب ولا رآه أحد".
وقال داود في المزمور التاسع والأربعين٢: "اسمع يا إسرائيل: أنا الله إلهك لست أوخك على ذبائحك وقودك أمامي في كلّ حين، لا أقبل ثيران بيتك ولا جداء غنمك؛ لأن لي جميع حيوان البرّ وطير السماء ووحش الصحاري، وأحسن الحقول معي، لي الدنيا وما فيها، لا آكل لحوم الثيران ولا أشرب دمّ المعزّ، أذبح ذبيحة المسيح، وأوفي للعلي نذورك، وادعني في يوم شدتك أنقذك".
وقال داود: "إن حارس بني إسرائيل لا تأخذه سنة ولا نوم"٣.
_________________
(١) ١ مزمور ٧١/١-١. ٢ ورد النّصّ في مزمور ٥٠/٧-١٥، وينسب هذا المزمور إلى (آساف)، وليس إلى داود كما ذكره المؤلِّف. ٣ مزمور ١٢١/٤.
[ ١ / ٣٦٢ ]
فمن زعم أن الباري مفتقر إلى هذه الأمور فللحيوان البهيم عليه فضل عظيم بشهادة نبيّ الله أشعيا حيث يقول في نبوته: "عرف الثور والحمار مَن مالكه ولم يعرف بنو إسرائيل إلههم"١.
وقول داود عن الله: "لا آكل لحوم الثيران ولا أشرب دماء المعز". موافق لقول الله تعالى في الكتاب العزيز (١/١٣٧/أ): ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾ . [سورة الحجّ، الآية: ٣٧] .وقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون﴾ . [سورة الذّاريّات، الآية: ٥٧] .
المسألة الرّابعة من العشر المفحمات:
إنا نسألهم هل كان مع الله في أزله إله ثانٍ أو ثالث يشاركه في الربوبية ويساويه في الألوهية أم لم يزل سبحانه واحدًا بغير ثانٍ وثالث؟!.
فإن قالوا: لم يزل واحدًا فردًا وافقوا الملة الحنيفية، وفارقوا دين النصرانية حيث يقرؤون في الصلاة الأولى وهي التي يسمّونها صلاة السحر: "أيها المسيح ارحمنا واقبل تضرعنا، تعالوا نسجد لمسيح إلهنا، أيها الرّبّ المسيح حامل خطايا العالم ارحمنا أيها المسيح، أنت وحدك القدوس المتعالي بار كلّ يوم إلى الأبد".
وإن قالوا: بل كان معه في أزله آلهة أخرى، أكذبتهم التوراة والإنجيل والنبوات. قال الله تعالى في التوراة في السفر الأوّل منها - ويسمى سفر الخليقة -: "في البدء خلق الله السماء والأرض، وكانت الأرض خالية / (١/١٣٧/ب) خاوية غير مرئية، والظلمة غاشية وجه الغمر، روح الله يوف على المياه، فقال الله: ليكن كذا ليكن كذا، إلى أن أكمل سبحانه خلق السماء والأرض وما فيها في ستة أيام ثم خلق آدم وخلق منه حواء زوجته"٢.
_________________
(١) ١ أشعيا ١/٣. ٢ سفر التكوين الإصحاح (١) .
[ ١ / ٣٦٣ ]
فالتوراة من فاتحتها إلى خامتها مصرحة بوحدانية الله تعالى، وأنه ليس معه إله غيره، وأنه مستبد بالخلق والاختراع.
وقال التوراة:"وكلّم الله آدم"١."وكلّم الله قايين"٢."وكلّم الله نوحًا"٣. "وكلّم الله موسى"٤.كلّ ذلك بلفظ الوحدة ونفي الشركاء.
وقد قال موسى في السفر الخامس: "إلهي، أيّ إله في السماء أو في الأرض يعمل مثل أعمالك؟ "٥. وقال موسى في هذا السفر وهو يوصي بني إسرائيل: "احترسوا واحتفظوا بنفوسكم جدًا، فإنكم لم تروا شبهًا في اليوم الذي كلمكم الله ورأيتم مجده، إياكم أن تبعدوا آلهة معمولة من الخشب والحجارة وغيرها، فحينئذٍ تطبون الله فلا تجدونه، أقبلوا يا بني إسرائيل إلى الله ربّكم وجده، واعبدوه، ووحّدوه، تجدونه إذا طلبتموه من كلّ قلوبكم وأنفسكم/ (١/١٣٨/أ) لأن الله ربّكم إله رحيم لا يخذل ولا يُسلِّم من عَبَده ووحَّدَه وعلم أنه لا إله غيره هو ربّ كلّ شيءٍ وإلهه، واعملوا أن الله هو إله في السماء فوق وفي الأرض أسفل وليس إله سواه"٦.
وقال الله تعالى في هذا السفر من التوراة: "احفظوا ما آمركم به، ولا تحيدوا عنه يمينًا ولا شمالًا، بل سيروا في الطريق التي أمركم بها إله ربّنا واحد فأحبوه من كلّ قلوبكم وأنفسكم وأموالكم، واكتبوا ذلك في قلوبكم، وتكلموا به إذا سافرتم أو أقمتم أو رقدتم وشدّوه على أبدانكم، وليكن مَيْسَمًا بين أعينكم،
_________________
(١) ١ سفر التكوين الإصحاح (٢، ٣) . ٢ سفر التكوين الإصحاح (٤/٦) . ٣ سفر التكوين الإصحاح (٦، ٧) . ٤ سفر التكوين الإصحاح (٣، ٤) . ٥ سفر التثنية ٣/٢٤. ٦ سفر التثنية ٤/١٥-٣٩، في سياق طويلٍ وقد أورده المؤلِّف مختصرًا.
[ ١ / ٣٦٤ ]
واكتبوا على [قوائم] ١ بيوتكم وأبوابكم. واتّقوا الله وإيّاه فاعبدوا، وباسمه فاقسموا، ولا تعبدوا آلهة أخرى، فالله ربّكم إله غيور"٢.
وقال الله في التوراة: "إن دعاك قريبك أو صديقك إلى عبادة إله غير الله فاقتله ولا تحنن عليه ولا ترحمه، أنا الله وحدي وليس معي غيري"٣.
وقال رجل للمسيح في الإنجيل: "يا معلم، ما أوّل الوصايا؟ فقال المسيح: أوّل الوصايا كلّها اسمع يا إسرائيل، الرّبّ واحد، أحبب الرّبّ إلهك من كلّ قلبك ومن / (١/١٣٨/ب) كلّ قوتك، ففي هذا جميع نواميس الأنبياء"٤.
وقال المسيح في إنجيل يوحنا: "ورفع رأسه إلى السماء: أنت الإله الحقّ وحدك الذي أرسلت يسوع". وقد قال في النبوات: "أنا الله الأوّل، أن الله الآخر وليس معي غيري"٥.
فمن زعم أن مع الله تعالى غيره فقد كفر بما تلوناه من كتب الله، وصار لا مسلمًا ولا يهوديًا ولا نصرانيًا، ومن صرّح بذلك لم يقبل منه سوى الإسلام أو السيف.
المسألة الخامسة من العشر المفحمات:
إن نسأل النصارى عن الرّبّ الأزلي جلّ وعلا، هل يجوز أن يُقهر ويُغلب ويُقتل ويُصلب أم لا؟
فإن نزّهوا الباري عن ذلك أبطلوا قولهم في المسيح، إذ يقرؤون في صلاة الساعة السادسة: "يا من سُمِّرت يداه على الصليب خرق العُهْدة المكتوب فيها خطايانا وخلّصنا، يا من سُمِّر على الصليب وبقي حتى لصق دمه عليه، قد أحببنا الموت لموتك، نسألك يا الله بالمسامير التي سُمِّرت بهم نَجِّنَا".
_________________
(١) ١ في ص (معاقم) والتصويب من النّصّ. ٢ سفر التثنية ٥/٣١-٣٣، ٦/٤-١٥. ٣ سفر التثنية ١٣/٦-١١. ٤ مرقس ١٢/٢٨-٣٠. ٥ سفر أشعيا ٤٤/٦.
[ ١ / ٣٦٥ ]
وإن جوّزوا ذلك على الله تعالى أكذبتهم التوراة والإنجيل والمزامير، / (١/١٣٩/أ) إذ التوراة تشهد في السفر الأوّل١ منها أن الله أنزل الطوفان، وأهلك الجبابرة والفراعنة والطغاة والنماردة وسائر الملوك من بني آدم وكلّ ذي روح من الحيوان البهيم وغيره، وكذلك تشهد أنّ الله غَرَّق فرعون وهو في ستمائة ألف فارس في البحر في ساعة واحدة٢، ولم يُقْهر سبحانه ولم يغلب بل هو القاهر الغالب جلّ وعلا.
وقد قال المسيح في إنجيله: "لا صالح إلاّ الله الواحد، ولا يعلم يوم القيامة سوى الله وحد". فمن ألحق بالله شيئًا من هذه النقائص فقد افترى على الله، تعالى الله عن قول الجاهلين علوًّا كبيرًا.
قال داود في المزمور السابع عشر: "لا إله إلاّ الله، لا عزيز مثل إلهنا، الذي عَلَّم يدي القتال، وشدّد ذراعي مثل قوس النحاس، يمينه نصرتي، أطلب أعدائي فأدركهم، عضّدي في الحرب، بقوته جعل الذين قاموا عليّ تحتي، سحق أعدائي مثل التراب ومثل طين الطرق أطؤهم، صيَّرهم رأسًا على الشعوب"٣.
المسألة السّادسة من العشر المفحمات:
إنا نسأل النصارى عن ما تضمنه الإنجيل من أقوال المسيح وأقوال تلاميذه فيه أحقّ هو أم باطل؟
فإن زعموا أنها باطلة كفروا بالمسيح، وساووا في ذلك اليهود والمجوس وغيرهم.
وإن قالوا: إنها حقّ وصدق، اعترفوا بعبودية المسيح ونبوته ورسالته
_________________
(١) ١ سفر التكوين الإصحاح (٧، ٨) . ٢ سفر الخروج الإصحاح (١٤) . ٣ المزمور ١٨/٣١-٤٣.
[ ١ / ٣٦٦ ]
أسوة غيره من الأنبياء والمرسلين، إذ قال المسيح في إنجيله: "أنا ذاهب إلى إلهي وإلهكم". وقال المسيح فيما حكوا عنه: "إلَهي إلَهِي لِمَ تركتني؟ ".
ولا خلاف بين النصارى أن المسيح تطهَّر وتعمَّد وصام وصلى وتعبَّد وأخلف إلى العلماء في طلب العلم وتردد: "وفاوضته امرأته من السامرة فقالت له: إن آباءنا سجدا في هذا الجبل، فكيف تقولون أنتم إنه أورشليم؟ فقال: يا هذه أنتم تسجدون لما لا تعلمون، ونحن نسجد لمن نعلم"١. أخبرها أن له ربًّا يسجد له وإلهًا يعبده، وذلك مقصد لقوله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الكِتَابَ﴾ . [سورة مريم، الآية: ٣٠] .
وقد قال متَّى في إنجيله: "إن المسيح حين دخل أورشليم وارتجّت المدينة لدخوله، قال الناس: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل"٢.
وقال لوقا في/ (١/١٤٠/أ) إنجيله. "صحب يسوع بعد قيامه رجلين، وهما يتحدثان في أمره، فقال لهما: من تذكران؟ فقالا: يسوع الناصري كان رجلًا نبيًّا قويًّا بالأعمال"٣. فأقرّهما ولم ينكر عليهما.
وقال لوقا: "لما أحيا يسوع المسيح ابن الأرملة وسلّمه إلى أمه، قال الناس: لقد قام فينا نبيّ كريم، وتعاهد الله شعبه بصلاح، فذاع ذلك في اليهودية"٤. ولم ينكره ﵇.
وقال بوحنا في إنجيله: "كان الناس إذا سمعوا كلام المسيح ورأوا وجهه قالوا: هذا النّبيّ حقًّا"٥.
وقال لوقا: "قال الفريسيون ليسوع: اخرج من هاهنا، فإن هيرودس يريد قتلك، فقال: امضوا وقولوا له إني أقيم هاهنا اليوم
_________________
(١) ١ يوحنا ٤/١٩-٢٢. ٢ متى ٢١/١٠-١١. ٣ لوقا ٢٤/١٣-١٩. ٤ لوقا ٧/١٢-١٧. ٥ يوحنا ٧/٤٠.
[ ١ / ٣٦٧ ]
[وغدًا] ١ وفي اليوم الثالث أكمل لأنه لا يهلك نبي خارجًا عن أورشليم"٢.
وقال يوحنا حبيب المسيح: "إن المسيح لما أطعم من حوتين وخمس خبزات جمًا عظيمًا، قال الناس: حقًّا إنّ هذا لهو النّبيّ الآتي إلى العالم"٣.
فإن صدّق النصارى أقواله وأقوال تلاميذه فقد اعترفوا بعبوديته ونبوته، وإن ردوا أقواله كفروا به جملة، وساووا في ذلك سائر الكفار/ (١/١٤٠/ب) .
المسألة السابعة من العشر المفحمات:
إن نسأل النصارى عن يسوع المسيح، هذا الذي يتّخذونه إلهًا مع الله، هل كان آدم ونوح وإبراهيم وموسى وهارون وأهل مللهم في زمانهم يعرفونه أم لا؟.
فإن زعموا أنهم ما كانوا يعرفونه فقد أزروا على من ذكرنا من أنبياء الله وأهل صفوته وشهدوا عليهم بالكفر الصريح، إذ كانوا لا يعرفون ربّهم يسوع المسيح الذي لا يصحّ التوحيد دون معرفته.
وإن قالوا: إنهم كانوا عارفين به أنه هو ربّهم وخالقهم، أكذبتهم كبتهم ونبواتهم، إذ ليس فيها شيء من هذا القبيل، وأزروا على المسيح وعلى تلاميذه وخطوؤهم في أقوالهم، إذ يخاطبون المسيح بلفظ العبودية والنبوة والرسالة كما تقدم في بابي عبوديته ونبوته. وكيف يكون المسيح ربّ موسى وإبراهيم ومَن ذكرنا وشمعون الصفا رئيس الحوريين يقول في رسالته إلى إخوانه: "اعلموا أن الله أرسل إليكم يسوع المسيح"٤. ويقول: "اعلموا أن المسيح رجل جاءكم من الله بالقوة والأيد؟ "٥.
_________________
(١) ١ في ص (وغد) ولعل الصواب ما أثبته. ٢ لوقا ١٣/٣١-٣٣. ٣ يوحنا ٦/١٠-١٤. ٤ سفر أعمال الرسل ٢/٢٦. ٥ سفر أعمال الرسل ٢/٢٢-٢٤.
[ ١ / ٣٦٨ ]
فكيف يكون المسيح ربًّا وإلهًا والمعمداني يغسله / (١/١٤١/أ) ويعمّده بالماء ويقول حين رآه: هذا الذي قلت لكم إنه يأتي بعدي وهو أقوى منّي؟!.
وكيف يكون المسيح إلهًا لداود وغيره، وداود يقول في مزاميره: "إن المسيح يكون كاهنًا مؤيّدًا من الله يشبه "ملكي صادق"، خادم البيت المقدس؟! "١.
وقد قال المسيح: إنه أفضل من يونس بن متّى٢، وإنه أفضل من سليمان٣. وقال فولس: إنه أفضل من موسى بن عمران٤.
فهذه الأقوال من المسيح ومن خيار أصحابه ومن بينا عليه من الأنبياء دليل على كذب النصارى.
المسألة الثامنة من العشر المفحمات:
إنا نسألهم عن آدم ﵇ لما زلَّ وهفا، هل استرجع وتاب وأقلع وأناب أم لا؟
فإن زعموا أن آدم لم يتب، أكذبتهم الكتب التي بأيديهم، فإنها مصرحة بأنه حين أسف وندم لجأ إلى الله، وتاب الله عليه.
وإن اعترفوا بتوبته - ولا بُدَّ لهم من ذلك - قيل لهم: فلا حاجة إذًا إلى قتل المسيح وصلبه إذ التوبة [تمحو] ٥ الجريرة، ولا تدع على التائب صغيرة ولا كبيرة.
فإن قالوا: إنه لا بُدَّ من قتل المسيح، فالتوبة لا أثر لها بل حال التائب بعد التوبة النصوح حاله قبل التوبة في ملابسة القبيح / (١/١٤١/ب) .
_________________
(١) ١ مزمور١١٠/٤، ٥،وقد استشهدبه بولس في رسالته إلى العبرانيين٥/٦،١٠، ٦/٢٠. ٢ متى ١٢/٤١. ٣ متى ١٢/٤٢. ٤ رسالته إلى العبرانيين ٣/٣. ٥ في ص (تمحوا) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٣٦٩ ]
فالقول بصحّة التوبة ينفي القول بالقتل والصلب، والقول بالقتل والصلب ينفي صحّة التوبة.
المسألة التّاسعة من العشر المفحمات:
إن نسأل النصارى هل يوصف الباري سبحانه بالجهل بالغيب أم لا؟
فإن وصفوه بذلك تجاهلوا، إذ التوراة والإنجيل وسائر كتب التَّنْزِيل تشهد بأنه تعالى عالم بالمغيبات، محيط بما تحت تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، ﴿أَلاَّ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِير﴾ . [سورة تبارك، الآية: ١٤] .
فإن قالوا: إنه لا يصلح مَن هذا حاله للربوبية تركوا ما يهتفون به من ربوبية المسيح إذ "سُئل ﵇ عن القيامة وعن يومها فقال: لا أعرف يومها ولا ساعتها ولا يعرفها إلاّ الله وحده"١. و"قال لمريم ومرثا - أختي ألعازر حين مات - أين دفنتموه؟ "٢. و"قال ﵇ لرجل: منذ كم أصاب ابنك هذا المرض؟ "٣. و"قصد شجرة تين ليصيب منها، فلم يجد بها ثمرة فدعا عليها"٤. و"جاءته الكنعانية مؤمنة به، فلم يعلم بإيمانها"٥.
فهذا مصرح بأن المسيح ﵇ لا يعلم إلاّ ما علمه الله ربّه وإلهه، وفي ذلك تكذيب لقولهم في الأمانة التي لهم / (١/١٤٢/أ) إذ يقولون: "إن المسيح إله حقّ وإنه خالق كلّ شيء، وإنه بيديه أتقنت العوالم، فإن كانت الأمانة صحيحة فقد كذب الإنجيل، وإن كان الإنجيل صحيحًا فقد كفر من عقد لهم هذه الأمانة، التي هي في الحقيقة فساد الأمانة.
_________________
(١) ١ مرقس ١٣/٣٢. ٢ يوحنا ١١/٣٣، ٣٤. ٣ مرقس ٩/٢١. ٤ متى ٢١/١٩، مرقس ١١/١٣. ٥ متى ١٥/٢١-٢٨.
[ ١ / ٣٧٠ ]
المسألة العشرة من المفحمات:
إنا نسأل النصارى، هل كان الباري تعالى يوصف بالقدرة على خلاص آدم وذريته، دون قتل المسيح وصلبه والتنكيل به أم لا؟
فإن قالوا: لا يقدر على ذلك، جعلوا الله مضطرًا مدفوعًا إلى قتل المسيح، عاجزًا عن خلاص عباده إلاّ بذلك، وأكذبتهم التوراة والإنجيل وسائر كتب التَّنْزِيل، إذ يقول: "إن الله خلق العالم بما فهي، وفعل من ذلك ما شاء وأراد: ﴿لاَ يُسْأَل عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسْأَلُون﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ٢٣] .
وإن وصفوا الباري بالقدرة على ذلك جَوَّروه ونسبوه إلى الحيف على المسيح، وذلك يفسد عليهم القول بالتحسين والتقبيح.
دعوى للنصارى في ما يرومونه من قتل المسيح وصلبه:
زعموا بأجمعهم أن آدم لما تخطى ما أُمر به وزلّ استحقّ العقاب، فلما توجه عليه العتاب أشفق من ذنبه وتقطع / (١/١٤٢/ب) أسفًا على مخالفة ربّه، فرحمه الله ولطف له وفداه بابنه المسيح، فكان كلّ ما نزل بالمسيح من ضربٍ وإذلالٍ وصلبٍ وموتٍ إنما هو فداء وقضاء عن آدم، فضرب عوضًا من رفاهية آدم، وأهين بدلًا من عزّه الذي أمله بالخلود في الجنة، وصلب على خشبة لتناوله الشجرة، وسُمِّرت يداه لامتداد يد آدم إلى الثمرة، وسقي المرَّ والخل عند عطشه لاستطعام آدم حلاوة ما أكله، ومات بدلًا عن موت المعصية الذي كان آدم يتوقعه لولا قتل المسيح، فاقتضت حكمة الله الأزلي أن لا يعذب عبده آدم لوجود التوبة النصوح الصادرة منه، وأن لا يُهمل مجانًا فيقع الخُلف في خبره، وذلك رحمة من الله ولطف لآدم وبنيه وإظهار الشرف للمسيح، إذ جعله كبش قربان العالم
_________________
(١) ١سورة الانبياء:٢٣
[ ١ / ٣٧١ ]
بأسره فصبر المسيح ولم ينازع، واستسلم ولم يدافع، فهذه هي الحكمة في قتل المسيح وصلبه١.
والجواب أن نقول: أليس قد وافقتم على أن آدم لما ورد عليه العتاب استرجع وتاب وأقلع وأناب؟ وإذا كان الأمر كذلك فأيّ شيء / (١/١٤٣/أ) أنفت التوبة من ذنبه حتّى يقتل المسيح فِدَاءَ عنه؟!.
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له فصار قتل المسيح عبثًا، والرّبّ يتعالى ويتقدّس عن العبث، وليس قوله تعالى لآدم نصًا، بل هو ظاهر يدخله النسخ والتخصيص والدليل عليه أنه لو وصله بالكلام وقال: إن عصيتني عذّبتك إلاّ أن تتوب، لقبله الكلام ولم ينب عنه، ولعُدَّ كلامًا حسنًا، وإنما ترك الزيادة فلم يصلها بالكلام ليكون أدعى إلى الانكفاف، وهكذا كلّ ظاهر فإنه يرد مطلقًا بلفظ يوهم التأبيد ثم يجيئ الناسخ والمخصّص فيبيّن أن المطلوب وقتًا
_________________
(١) ١ هذا هو الأساس الثاني من أسس العقيدة النصرانية المنحرفة، وهو بإيجاز: الاعتقاد بصلب المسيح تكفيرًا عن خطيئة آدم التي انتقل إثمها إلى ذريته من بعده. ومنشأ هذه العقيدة يُبينه لنا أرنست ذي بولس الألماني في كتابه: (الإسلام والنصرانية الحقّة ص ١٤٢)، إذ يقول: "إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح، لا من أصول النصرانية الأصلية". اهـ. ويضيف المؤرخ ول ديورانت بأن عوامل عديدة قد أوحت إلى بولس بتلك العقيدة، منها: انقباض نفس بولس وندمه بالصورة التي استحال إليها المسيح في خياله، وتأثره بالفلسفة الأفلاطونية والرواقية التي تنبذ المادة والجسم واعتبارهما شرًّا وخبثًا. وتأثره كذلك بالطقوس الوثنية في التضحية الفدائية للتكفير عن خطايا الناس، وتلك عقيدة موجودة عند الوثنيين في مصر وآسيا الصغرى وبلاد اليونان التي تؤمن بالآلهة التي ماتت لتفتدي بموتها بني الإنسان. (ر: قصة الحضارة ١١/٢٦٣-٢٦٥، بتصرف) . ولاستحالة هذه العقيدة ووضوح بطلانها في العقول والفطر السليمة فإنها كانت من أهمّ الأسباب التي أدّت بالمهتدي عبد الأحد داود إلى اعتناقه الإسلام ونبذه النصرانية وتأليفه كتاب: (الإنجيل والصليب) . (للتوسع، ر: الفارق بين المخلوق والخالق ص ٢٧٨، وما بعدها، لعبد الرحمن البغدادي، الإنجيل والصليب ص ٦-١٠، ١٢٤-١٢٧، وكتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ص ٤٨-٥٧، وما بعدها للأستاذ محمّد طاهر التنير، وكتاب المسيح إنسان أم إله ص ١٣١-١٦٢، المهتدي محمّد مجدي مرجان، وغير ذلك ) .
[ ١ / ٣٧٢ ]
قد انقضى ومضى وأنه ليس مسترسلًا أبدًا، فهو سبحانه توعد آدم إلاّ أن يتوب وقد تاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا معنى بعد ذلك لقتل المسيح.
ثم نقول لهم: أخبرونا عن هذا القضاء الذي تدّعونه، أليس هو استدراك مصلحة الأداء، وهو أن يأتي القاضي بمثل ما فَوَّت؟!.
فإذا قالوا: نعم. قلنا: فالذي فَوَّته آدم هو الانكفاف عن الأكل، وقد قضاه المسيح بصومه ووصاله أربعين يومًا / (١/١٤٣/ب) بلياليها كما حكيتم عنه في الإنجيل، وفي ذلك قضاء لما ضيّعه آدم؛ لأنه من جنس الأداء المفَوَّت فلا حاجة إلى قتل المسيح إذ هو خارج عن جنس الأداء المضيَّع.
فإن قالوا: إن آدم وجب عليه موت المعصية، وهو: الخلود في النيران أبدًا وهو أعظم الموتتين، فجاء موت المسيح قضاء عن ذلك الموت فصار من جنسه.
فنقول: هذا باطل؛ لأنه لو كان موت المسيح من جنس موت آدم لكان المسيح قد أماته الله موت الخطيئة، فكان يكون مخلدًا في دركات النار بدلًا عن آدم، فأما إذ مات موت الطبيعة - ينقضي عن صاحبه وشيكًا - فكيف جعلتم موتًا لا بقاء له مكافئًا لموت لا انتهاء له؟!!. فبطل ما عوَّلتم عليه، وإذا بطلت دعواكم بطل قتل المسيح إذ صار ساذجًا عن المعنى، فارغًا من الفائدة والرّبّ يتعالى عن العبث.
ثم نقول لهم: أليس ولد الصُّلب أولى من ولد الابن، وولد البنت في الميراث وكثير من الأحكام، فما الذي أصار المسيح على بُعْدِه/ (١/١٤٤/أ) أحق من شيث١ ومن
_________________
(١) ١ شيث ﵇: اسم سامي معناه: (معين أو بديل)، ابن آدم. وقد ولد بعد قتل هابيل فكان بديلًا عنه، وقد عاش ٩١٢ سنة. (ر: تكوين ٥/٣، قاموس ص ٥٣١) . قال الإمام ابن كثير في قصص الأنبياء ١/٥٧: "فلما مات آدم ﵇ قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث ﵇، وكان نبيًّا بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه. (ر: موارد الظمآن ص ٥٣) عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ: "إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف، على شيث خمسين صحيفة " اهـ.
[ ١ / ٣٧٣ ]
في درجته بهذا الفداء والقضاء؟ فإن قالوا: المسيح هو ابن الله ولم يصلح لفداء الخلائق وخلاص الأمم سواه.
قلنا: ليس من العدل أن يجني ابن آدم فَيُقْتَل ابن الله في جنايته. ثم نقول: أليس إسرائيل عندكم في التوراة هو بكر الله، والبِكْرُ أولى وأفضل عند أبيه من غير البكر، فهلا فداه به ولم يدع الناس في العذاب إلى حين مجيء المسيح؟!.
ثم نقول: إن المسيح عند طائفة منكم١ هو الله الأزلي، وعند أخرى٢ هو ابن الله، فكيف يستقيم أن يقتل الله نفسه أو ابنه بدلًا عن عبده؟!. و﴿الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوتِهَا﴾ . [سورة الزمر، الآية: ٤٢] . فكيف يتوفّى نفسه، فيتّحد القاتل والقتيل فيكون قاتلًا قتيلًا؟!.
ثم نقول: أرأيتم لو أنّ رجلًا أمر عبده بأمر فخالفه فغضب عليه وتوعده فخافه العبد وأشفق من عقوبته وراجع خدمته وشمّر في مرضاته فعطف عليه مولاه فرحمه، ثم عمد إلى ولد نفسه فقتله وصلبه على أعلى جذع، ثم التفت إلى عبده فقال: هذا فداؤك، أكنتم تعدونه حكيمًا؟!.
ثم نقول: ألستم عبتم قول ربّنا جلّ اسمه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكَِن شُبِّهَ لَهُم﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٥٧] . وزعتم أن ذلك ظلم وحيف لا يليق بالحكمة؟ فكيف نسيتم نفوسكم هاهنا؟! وجوَّزتم أن يقتل الله المسيح ويصلبه وينكل به فداء عن آدم، ولم تجعلوا ذلك ظلمًا وحيفًا؟! والجور لا يجوز على الولد كما لا يجوز على العبد والأجنبي.
_________________
(١) ١ وهم طائفة اليعقوبية كما سيأتي بيانه في الباب السابع. ٢ وهم طائفة النسطورية، كما سيأتي بيانه.
[ ١ / ٣٧٤ ]
ثم نقول: أليس يجب أن يكون القضاء متصورًا بصورة الأداء - هو أن يأتي القاضي بمثل ما فات - والمسيح عندكم ليس مثل آدم؛ لأن آدم إنسان محض والمسيح ليس محضًا بل قلتم إنه عبارة عن لاهوت وناسوت اتّحدا، وإذا كان الأمر كذلك فليس في قتله ما يقضي عن آدم.
فإن قالوا: هذا بمثابة مَن عليه درهم، فقضى درهمًا ودينارًا، فإن ذلك يُعَدُّ من حسن القضاء.
قلنا: هذا خطأ في التمثيل. بل ذلك بمثابة مَنْ عليه صوم فقضاه بصلاة أو زكاة لا يكون قضاء، وإذا كان المسيح ليس إنسانًا محضًا، فكيف يكون مكائفًا لإنسان / (١/١٤٥/أ) محض وآدم صرف؟!.
ثم نقول: بم تنكرون على من يزعم أن الذي فُدِي به آدم إنما هو هابيل ابنه لصُلبه فإنه استسلم للقتل فحصلت له الشهادة ولأبيه الفداء؟!. وهذا أولى لوجهين:
أحدهما: أنه من جوهر أبيه آدم، فهو إنسان حقّ من إنسان حقّ من جوهر آدم، فأما المسيح فهو عندكم إله حقّ من إله حقّ من جوهر الله كما عقدتم في أمانتكم.
والوجه الثاني: أن في الفداء بهابيل المبادرة إلى خلاص الخلائق من الجحيم، وفي الفداء بالمسيح بقاء آدم وذريته في العذاب خمسة آلاف سنة١.
_________________
(١) ١ يعتقد النصارى - بناء على أن المسيح صلب تكفيرًا عن خطيئة آدم التي انتقل إثمها إلى ذريته من بعده - أن أرواح الناس جميعًا بما فيهم الأنبياء والرسل - قبل المسيح - كانت تتعذب في نار جهنم إلى أن صلب المسيح ومات ودفن ونزل إلى الجحيم فأخرج منها أرواح آدم وذريته، ثم في اليوم الثالث قام المسيح من الأموات. (ر: قانون الإيمان ص ٣٥٣، وما بعدها، تحفة الأريب للترجمان ص ١٥٠) . ويعتمد النصارى في اعتقادهم ذلك على ما ورد في نصّ قانون إيمان الرسل (الأمانة)، الذي كان من قرارات نيقية المشهور سة ٣٢٥م. ويتملكنا العجب إذا عرفنا أن تلك العقيدة لا يشير إليها أيّ نصّ في الأناجيل الأربعة المعتمدة لديهم، وإنما وردت في إنجيل نيقوديموس (نيكوديم) ١٧/١٣ - وهو أحد رؤساء اليهود الذين آمنوا بالمسيح - وهذا الإنجيل من ضمن الأناجيل المرفوضة من النصارى. (ر: المسيح في مصادر العقائد المسيحية ص ٣٠٦-٣٠٩، الأسفار المقدسة ص ١٠٦، د. عليّ وافي) . ومما لا شكّ فيه أن القول بنزول المسيح إلى جهنم وتخليص أرواح الناس والأنبياء والرسل السابقين منها إنما هو زيغ وضلال وكفر، فإنه لا يعقل أن يكون الأنبياء والصالحون في نار جهنم، وإلاّ فما الفائدة أن يسعى الناس ليكونوا صالحين إذا كانت نهايتهم سواء مع الظالمين والفاسدين في نار جهنم؟!!!. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ . [سورة السجدة، الآية: ١٨] . وكيف يكون الأنبياء في الجحيم وقد بيّن لوقا في إنجيله ١٦/٢٣-٢٥ على لسان المسيح أن الموتى من الصالحين ينتقلون فورًا إلى النعيم بينما يتلظى الأشقياء في نار الجحيم؟!!.
[ ١ / ٣٧٥ ]
وكان الفداء (بهابيل) أولى ولاسيما على أصلكم، فإنكم توجبون على الله تعالى رعاية الأصلح لعباده، وليس من الصلاح فضلًا عن الأصلح أن يعاقب الله عبيده آلافًا من السنن وله مندوحة عن ذلك.
ثم نقول: ألستم رويتم عن توراتكم أن الله كان قد فدى ولد عبده إبراهيم بذبح عظيم؟! فإذا قالوا: بلى. قلنا لهم: أفكان ولد عبده أزكى لديه وأعزّ عليه من ولده المسيح / (١/١٤٥/ب) أم تقولون: إنه أعوزته الغنم فلم يقدر على رأس يذبحها ويريح العالم من الفتنة؟! وقد رويتم لنا ما يدل على أن الباري سبحانه صان المسيح عن شرّ أعدائه، وحماه من القتل والإهانة التي ذكرتم في التوراة: "إن الله تقدم إلى إبراهيم بذبح ولده، فلما عزما على امتثال أمر الله لطف الله لهما وفدى الولد"١. وتعقب ذلك الأمر الحزم والحكم الحتم رحمة لعبده، وإذا كان ذلك جائزًا في حكمه فلعل الله تعالى قد أمر المسيح في حقّ نفسه بما أمر به إبراهيم في حقّ ولده فاستسلم المسيح وانتهى إلى ما أمره الله به وصار يخبر بذلك تلاميذه كما كان إبراهيم يخبر به ولده.
_________________
(١) ١ سفر التكوين الإصحاح (٢٢) . في سياق طويل وقد ورد فيه: "أن الله تعالى قال لإبراهيم خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق ". وهذا النص مما يُظهر تحريف اليهود ويفضحهم، فقد أضاف اليهود اسم إسحاق في النص ليدعوا بأنه هو الذبيح وليس إسماعيل ﵉، علمًا بأن النّصّ يقول لإبراهيم: "ابنك وحيدك"، ومما هو معلوم ومذكور في التوراة أن إسماعيل بكر أبناء إبراهيم ووحيده قبل مجيء إسحاق، فكيف يدّعي اليهود أن إسحاق هو الذبيح؟!!.
[ ١ / ٣٧٦ ]
ثم لما صحّ عزم المسيح على تجرع الكأس الذي أُمِرَ به لَطُفَ الله له ورحمه وفداه برجل قد حضر أجله، فإن عناية الله بالمسيح لا تتقاصر عن عنايته بولد عبده إبراهيم.
وقد حكيتم لنا: "أن [حزقيا] ١ ملك يهوذا مرض، فأوحى الله إلى أشعيا ﵇ أن قل لحزقيا يوصي فإنه ميت من علته هذه / (١/١٤٦/أ) فدخل إليه أشعيا ﵇ وأخبره بوحي الله، فاستقبل [حزقيا] الجدار وبكى وتضرع إلى الله تعالى، فنزل الوحي على أشعيا قبل خروجه من الدار وقال: قل [لحزقيا] إنك تعافى من علتك هذه، وتنزل إلى الهيكل بعد ثلاثة أيام، وقد زيد في عمرك خمس عشرة سنة"٢.
وإذا كان هذا وشبهه غير مستحيل عند النصارى، فما الذي أحاله في حقّ المسيح، وقد تضرع إلى الله غير مرّة في صرف كأس المنية عنه كما شهد به الإنجيل؟ والمسيح لا ترد له عندهم دعوة، فلعل الله تعالى قد أجاب دعاءه ورحم نداءه وحال بين اليهود وبين ما أرادوا منه.
ثم نقول لهم: وبم تنكرون على من يرى أن الله تعالى تاب على عبده آدم، وعافا نبيّه المسيح وفداه بكافر عَجَّله٣ إلى النار. أو بمؤمن عجله إلى الجنة؟! ٤. فأي شيء تنكرونه من ذلك؟! وقد بينا فيما تقدم وقوع الشبه وسؤال رئيس الكهنة للشبه: أأنت المسيح؟ وتورية الشبه في الجواب، وأنه لو كان هو المسيح نفسه لما / (١/١٤٦/ب) استعمل الحيدة مع استغنائه عن ذلك.
_________________
(١) ١ في ص (حزقيال) والتصويب من النّصّ. وحزقيا: اسم عبري معناه: (الرّبّ قدقوي، أو الرّبّ قوة) .وهوابن آحازملك يهوذا، وقد مات نحو٦٩٣،ق. م. (ر: قاموس ص٣٠٥) . ٢ سفر أشعيا ٣٨/١-٥. ٣ هذا على القول بأن الذي صلب هو الخائن يهوذا الأسخريوطي الذي وشى لليهود بمكان المسيح. ٤ وهذا على القول بأنه الحواري الذي فدى المسيح بنفسه وصلب بدلًا عنه.
[ ١ / ٣٧٧ ]
ويقال للنصارى: ما تقولون في أحدنا اليوم إذا عصى ربّه وارتكب إثمًا واحتقب١ وزرًا، أتجزيه التوبة أم لا بدّ أن يقتل ويصلب؟
فإن قلتم: تجزيه التوبة، فمن أصاره بهذا التخفيف أولى من صفي الله آدم؟! إذ قلتم: لا بدّ مع توبته من قتل المسيح لأجله.
وإن قلتم: لا تجزيه التوبة، أكذبتم فولس الرسول، حيث يقول في صدر كتابه: "أنراك تقدر على الهرب من عقوبة الله الذي أنه مجتر عليه، أو لا تعلم أن إمهال الله لك إنما هو ليقبل بك إلى التوبة؟ "٢.
قد صرح فولس في هذا الكلام أن التوبة مجزئة ومخلصة فلا حاجة إلى قتل وصلب. ويقال للنصارى: ألستم تعلمون أن الله إنما فدى آدم بالمسيح رحمة لآدم وامتنانًا عليه، فقتل المسيح بدلًا من الموت الذي وجب على آدم؟! فإذا قالوا: بلى. قيل لهم: أليس ناسوت الميسح [إنسانًا] ٣ من بنى آدم يحس ويألم ويفرح ويغتم؟!.
فإذا قالوا: بلى. قيل لهم: فكيف فدى آدم ببعض آدم، فقد صارت النعمة مشوبة بالكدر والنفع الحاصل / (١/١٤٧/أ) مشوشًا بالضرر؟!
فإن قالوا: هذا بمثابة المال يشرف على الهلاك، [فتقتضي] ٤ الحكمة إتلاف بعضه لصون بقيته.
فنقول: إنما ذلك لعسر الأمر على المالك، إذ هو مدفوع، إما لهلاك الكل أو البعض، فكأنه كالمكره المحمول على ذلك، والله سبحانه لا مستكره له وليس مضطرًا محمولًا ولا يفعل ما يفعله لعلة، فلو عفا عن أجرم عبيده وأحسن إليه لم يعد ذلك منه إلاّ حسنًا ولم ينقص الإحسان [خزائنه] ٥، ولو عاقب
_________________
(١) ١ احتقب: ادخر. (ر: القاموس ص ٩٧) . ٢ رسالة بولس إلى رومية ٢/٣-٥. ٣ في ص (إنسان) والصواب ما أثبته. ٤ في ص (فتتقاضى) والصواب ما أثبته. ٥ في ص (حراينه) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٣٧٨ ]
أطوع الناس لم يقبح ذلك منه١، وقد أخبرت التوراة أن الله تعالى عفا عن
_________________
(١) ١ ينفي الأشاعرة قطعًا أن يكون لشيء من أفعال الله تعالى علة مشتملة على حكمة تقضي إيجاد الفعل أو عدمه، هو ردّ فعل لقول المعتزلة بالوجوب على الله، حتى أنكر الأشاعرة كل لام تعليل في القرآن الكريم وقالوا: إن كونه يفعل شيئًا لعلة ينافي كونه مختارًا مريدًا. وهذا الأصل تسمّيه بعض كتبهم (نفي الغرض عن الله)، ويعتبرونه من لوازم التَّنْزِيه، وجعلوا أفعاله تعالى كلّها راجعة إلى محض المشيئة، ولا تعلق بها لصفة أخرى - كالحكمة مثلًا - ورتبوا على هذا أصولًا فاسدة كقولهم بجواز أن يخلد الله في النار أخلص أوليائه، ويخلد في الجنة أفجر الكفار، وجواز التكليف بما لا يطاق ونحوها. وسبب هذا التأصيل الباطل عدم فهمهم ألا تعارض بين المشيئة والحكمة، أو المشيئة والرحمة. (ر: منهج الأشاعر - د. الحولي ص ٤٧، والحكمة والتعليل - د. محمّد ربيع المدخلي ص ٦٢-٦٧، ر: كتب الأشاعرة المواقف للإيجي ص ٣٣١، ونهاية الأقدام للشهرستاني ص ٣٩٧، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص ١٠٢، وغيرها. وأما مذهب السلف أهل السنة والجماعة في إثبات الحكمة والتعليل فهو أن أفعاله تعالى تعلل بالحَكَم والغايات الحميدة، التي تعود على الخلق بالمصالح والمنافع، ويعود إلى الله تعالى حبّه ورضاه لتلك الحِكَم وهذه الحكم مقصودة ويفعل لأجل حصولها، واستدل السلف على ذلك بأدلة منها: أ- أجمع المسلمون على أن الله تعالى حكيم، ولا يجوز أن يخلو فعل الحكيم من الحكمة، ولا تكون الحكمة إلاّ من فاعلٍ مختارٍ يكون قاصدًا بفعله تلك الحكمة، وفاعلًا لها. ب- النصوص الواردة في القرآن الكريم التي ورد فيها التصريح بلفظ الحكمة، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، [سورة القمر، الآية: ٥] . وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ . [سورة النساء، الآية: ١١٣] . ولا شكّ أن المعطي الحكمة غيره يجب أن يكون حكيمًا، وورد في آيات أخرى أنه عزوجل فعل كذا لكذا، كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٦٥] . ج- ومن الأدلة أيضًا، إنكار الله سبحانه على من زعم أنه خلق الخلق لا لحكمة وغاية كقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ . [سورة المؤمنون، الآية: ١١٥] . هذه بعض الأدلة العقلية والنقلية التي استدل بها السلف ﵏. (للتوسع، ر: الفتاوى للإمام ابن تيمية ٨/٣٥، ٤٤، ١٦/٢٩٩، منهاج السنة ١/٤٤٧، وما بعده إلى ٤٧٠، كما أطال ابن القيم في ردّ شبه الأشاعرة في شفاء العليل ص ٣٩١-٥٢١، الحكمة والتعليل في أفعال تعالى - د. محمّد ربيع المدخلي) .
[ ١ / ٣٧٩ ]
السامري مع عظم جرمه١، وأهلك بلعام بن بعور مع سابق معرفته٢، ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسْأَلُون﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ٢٣] .
ويقال لمن زعم خطيئة آدم قد عمّت سائر أولاده، وأنه لا يطهرهم من خطاياهم إلاّ قتل المسيح: فالتوراة والنبوات ترد هذه المقالة الشوهاء؛ وذلك أن التوراة تقول في السفر الأوّل - وهو الذي يعرف بسفر الخليقة ت لقابيل الذي قتل هابيلًا، وردّ الله عليه قربانه ولم يتقبله / (١/١٤٧/ب): "إنك إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطية رابضة ببابك"٣. وإذا كان الأمر كذلك فقد صار إحسان المحسن من بني آدم مطهرًا له ومخلصًا، فلا حاجة إلى شيء آخر.
وقال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة: "إني سأجزي هابيل عن الواحد سبعة"٤. وفي ذلك مندوحة عن التطهير بقتل وصلب، إذ الجزاء طهرة وزيادة.
وقد قال الله تعالى في بعض النبوات: "لا آخذ الولد بخطية والده ولا الوالد بخطية ولده، طهارة الطاهر له تكون، وخطية الخاطئ عليه تكون"٥.
وذلك موافق لقول ربنا جلّ اسمه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ١٦٤] .
_________________
(١) ١ لم يرد في التوراة المحرفة ذكر السامري، الذي صنع العجل لبني إسرائيل، فعبدوه من دون الله حينما ذهب موسى ﵇ لميقات ربّه كما أخبرنا القرآن الكريم في سورة طهَ الآيات: ٨٣-٩٩. وإنما تنسب التوراة المحرفة هذا الشرك القبيح - الذي فعله السامري - إلى هارون ﵇ - حسب عادة اليهود في تحريف كتبهم ونسبة الشرك والقبائح إلى أنبيائهم، ليكون ذلك ذريعة لهم إلى فعلها. (ر: سفر الخروج الإصحاح (٣٢)، وقاموس الكتاب ص ٩٤٤) . وقد ذكرت التوراة أن الله غفر له خطأه، وأمر برسمه وذريته كهنة على بني إسرائيل. (ر: سفر الخروج ٤٠/١٢-١٥، وقاموس الكتاب ص ٩٩٥) . ٢ وردت قصته في سفر العدد (الإصحاحات: ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٣١)، وقد تقدم ذكرها. (ر: ص ٣٥) . ٣ سفر التكوين ٤/٦، ٧. ٤ سفر التكوين ٤/١٥. ٥ سفر حزقيال ١٨/٢٠.
[ ١ / ٣٨٠ ]
وقد قال الله في المزمور الرابع:"يا بني البشر حتى متى أنتم [ثقيلوا] ١ القلوب؟! لماذا تهون الباطل وتتبعون الكذب؟! اغضبوا ولا تأثموا، والذي تهمون به في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم، اذبحوا الله ذبيحة البر وتوكلوا على الرّبّ"٢. فهذا المزمور من مزامير داود يقول: إنه لا حاجة إلى قتل المسيح، / (١/١٤٨/أ) إذ كان الندم والتوكل على الرّبّ تعالى فيه مندوحة عن ذلك.
وقال الله تعالى في المزمور الأوّل: "طوبى لمن لم يتبع سبيل المنافقين، ولم يقف في طريق الخاطئين، ولم يجالس المستهزئين، لكن في ناموس الرّبّ يدرس الليل والنهار"٣. فقد أخبر الله تعالى على لسان داود ﵇ أن الاشتغال بأسباب الخير ومفارقة أهل الشّرّ مخلص فلا حاجة إلى الخلاص بقتل المسيح وصلبه.
وقال فولس - خطيب النصارى ومتكلمهم -: "أو لا تعلم أن إمهال الله لك إنما هو ليقبل بك إلى التوبة؟ "٤. فإن كان لا بدّ من قتل المسيح لضرورة خلاصهم فلا معنى لتوبة الله على عبده.
والدليل على أن التوبة ماحية للخطيئة، قول الإنجيل: "إنه لما أُسْلِم المعمداني للقتل خرج يسوع إلى الجليل، وجعل ينادي ويقول: قد كمل الزمان واقتربت ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالبشرى"٥.
فقد شهد المسيح ﵇ في هذا الكلام بأن التوبة تستقل بمحو الآثام فلا حلاجة / (١/١٤٨/ب) إلى محوها بأمر آخر.
_________________
(١) ١ في ص (ثقيلي) لصواب ما أثبته. ٢ مزمور ٤/٢-٥. ٣ مزمور ١/١، ٢. ٤ رسالة بولس إلى رومية ٢/٣-٥. ٥ مرقس ١/١٤، ١٥.
[ ١ / ٣٨١ ]
ويقال للنصارى: ما تقولون فيمن اخترم قبل مجيء المسيح، أكفارًا كانوا أم مؤمنين؟
فإن قالوا: مؤمنين، فقد سَلَّموا أنه لا حاجة إلى قتل المسيح في تخليصهم، إذ إيمانهم هو الذي خلصهم.
وإن قالوا: بل كانوا كفارًا، أكذبهم المسيح إذ يقول في الإنجيل: "إني لم أرسل إلاّ إلى الذين ضلّوا من بيت إسرائيل، وإن الأصحاء لا يحتاجون إلى الدواء"١.
ثم نقول لهم: ألستم تزعمون أن المسيح إنما تجشَّم ونزل من السماء لخلاص معشر الناس كما عقدتم في الأمانة التي لكم؟!
فإذا قالوا: بلى. قلنا لهم: فما قولكم فيمن مات قبل نزوله ﵇؟!. وكيف الطريق إلى بلوغ دعوته إليهم؟!.
فإن قالوا: تعذّر تلافي أمره وفات استدراكه بموته. قلنا لهم: جوَّزتم المسيح ونسبتموه إلى الظلم والحيف حيث لم ينْزل لخلاصهم قبل موتهم، فلِمَ أخَّر ذلك حتى اخترموا على الكفر والضلال؟! وكيف صار الأحياء أحقّ برحمة المسيح عندكم من الأموات؟ وفي هذه المقالة / (١/١٤٩/أ) هدم أصلكم في التحسين والتقبيح، وإن تحامقوا وقالوا: إن المسيح لما جاء دعا الأحياء وهو حيّ، ثم مات فدعا الأموات في أجداثهم، فمن أجابه نجى ومن أبى هلك ، فنقول: أدعاهم في أجداثهم وهو حيّ أم دعاهم وهو ميّت؟!.
فإن قالوا: دعاهم وهو ميّت، سقطت مكالمتهم لتبيّن جنونهم.
فإن قالوا: دعاهم وهو حيّ، نقضوا قولهم أنه مات فدعا الأموات.
ثم يقال لهم: هب أنا ساعدناكم على هذا المحال، فهل لما أتى الأموات دعا المؤمنين والكفار أو اقتصر على دعاء المؤمنين فقط؟!
_________________
(١) ١ متى ٩/١٢، ١٣، ١٥، ٢٤، مرقس ٢/١٧، لوقا ٥/٣١، ٣٢.
[ ١ / ٣٨٢ ]
_________________
(١) فإن قالوا: دعا الجميع. قلنا لهم: فلعله قد دعا فرعون ونمرود فآمنا، ودعا جماعة من الموحدين فلم يجيبوا، فهل تشكون في أحد من الفريقين؟!. فإن توقفوا في ذلك فقد جوزوا أن يكون فرعون الآن في الجنان، ومن مات على التوحيد في دركات النيران لاحتمال تغير الحال. وإن منعوا ذلك وقالوا: بل كل من الفريقين على ما مات عليه من كفر وإيمان. قلنا: فدعاء المسيح إيّاهم / (١/١٤٩/ب) وموته بسببهم وقع عبثًا. وإن قالوا: لا بدّ من صورة الدعوة لإقامة الحجة عليهم في القيامة. قلنا: قد دعتهم أنبياؤه ورسله وأقاموا الحجة عليهم، فما حاجته إلى تجشمه أمرًا قد فرغ منه إلاّ أن تقولوا: إنه اتّهم أنبياءه في الرسالة والسفارة، أو أنه لم يعلم ما أحدثوا في التبليغ عنه فنزل ليعلم حقيقة الأمر. ثم يقال لهم: أليس قد دعاهم في حالة حياته، فزعمتم أنهم وثبوا عليه فقتلوه فصلبوه وأهانوه؟ أَفَترون أنه في حال مماته أنهض منه في حال حياته؟!. فما يؤمنكم أن يكون الأموات حين دعاهم في الأجداث قد وثبوا به أيضًا؟ وهذا عندكم غير مستبعدٍ، إذ قلتم إنه دعا الأموات وهو ميّت، وإذا كان الميّت لا يستحيل منه الدعوة والإجابة، فكذلك لا يستحيل الوثوب والقتل. ثم يقال للنصارى: أليس المسيح عندكم عبارة عن لاهوت وناسوت اتّحدا فصارا مسيحًا؟! فإذا قالوا: بلى. قلنا: فالميت أيهما؟! فإذا قالوا: الناسوت، قلنا: فكيف استقل بهداية الخلق ناسوت ميّت / (١/١٥٠/أ) وعجز عن ذلك لاهوت حيّ؟! أفتقولون: إن ناسوت المسيح أقدر على الهداية من لاهوته، وأيضًا، فإن الناسوت في حال اتّحاده أقام فوق الثلاثين سنة بالناصرة وأورشليم لم يتجاوز ذلك فلما فارق لاهوته يومًا وليلة، قلتم: إنه أتى الأموات وهم في أكناف الأرض
[ ١ / ٣٨٣ ]
متفرقون فدعاهم، فما نرى الناسوت على مقتضى ذلك إلاّ أعم إحاطة من اللاهوت، وما نرى هذا اللاهوت الذي كان متّحدًا بالجسد إلاّ قد حبسه عن خير كثير، إذ عطله عن الانبعاث ونشر الدعوة، فسحقًا لإله حيّ أنهض منه جسد ميّت.
ثم يقال للنصارى: إذا قلتم: إن ربّكم المسيح قد مات ثم عاش، فَمن الذي أحياه بعد إماتته؟!.
فإن قالوا: هو أحيا نفسه، فنقول لهم: هل أحياها وهو حيّ أو أحياها وهو ميّت، والقسمان باطلان على ما لا يخفى.
وإن قالوا: بل أحياه غيره وهو الذي أماته، قلنا لهم: فذلك الغير الذي تولى موته وحياته أحيّ هو أم ميّت؟ فإن قالوا: [ميّت] ١، كان ذلك محالًا إذ الميّت لا يحيى ولا يميت.
وإن قالوا: إنه حيّ قادر أمات المسيح، ثم / (١/١٥٠/ب) أحياه. قلنا: فقد اعترفتم بأن المسيح عبد من عبيد الله تعالى، تجري عليه أحكامه من الموت والإحياء، وفي ذلك بطلان شريعة إيمانكم، إذ تقولون فيها: إن المسيح إله حقّ خالق، غير مخلوق، وإنه أتقن العوالم وخلق كلّ شيء بيده.
ثم يقال لهم: أخبرونا هل إماتة المسيح ممن أَماتَه وأعدمه فضل وحكمة أم سفه وعبث؟!.
فإن قالوا: [فضل] ٢ وحكمة، فقد أثنوا على اليهود؛ لأنهم ساعدوا على حصول الفضل والحكمة، ومدحوا يهوذا الإسخريوطي؛ لأنه فاز بالدلالة وأعان على حصول هذا الفضل والحكمة.
_________________
(١) ١ في ص (مينا) والصواب ما أثبته. ٢ في ص (فضلا) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وإن قالوا: إن إماتة المسيح سفه وعبث. فقد نسبوا الرّبّ الأزلي إلى السفه والعبث، ويتعالى عن ذلك.
وإن قالوا: إن إماتته فضل وحكمة، ولكن لَعْن اليهود ويهوذا متعيّن؛ لأن ذلك كَسْبُهم وإن وافقوا الفضل والحكمة وصادفوا ذلك مصادفة.
قلنا لهم: أزريتم على المسيح غاية الإزراء، إذ زعمتم أنه قال على الصليب: "إلهي إلَهي كيف تركتني وخذلتني؟ "١. وقال أيضًا: "إن كان يحسن / (١/١٥١/أ) صرف هذا الكأس عني فاصرفها"٢. فلزم بمقتضى قولكم أنه قد تطير بهذا الفضل والحكمة، والتمس البقيا وترك هذا الفضل، وذلك فيما زعمتم سفه يناقض الحكمة.
ثم يقال لهم: أخبرونا لو لم يتب آدم ولقي الله بخطيئته، هل كان قتل المسيح يستقل بخلاصه؟!.
فإن قالوا: لا. أحالوا الخلاص إلى التوبة دون قتل المسيح.
وإن قالوا: نعم في دم المسيح وفاء بالخلاص. وإن لم يتب آدم [وبنوه] ٣، أخلوا التوبة عن الفائدة، ولزم أن يكون كل فاجر وقاتل وظالم خلصوا، فإن التزموا ذلك قيل لهم: فيهوذا الإسخريوطي وفرعون ونمرود وأشباهم قد خلصوا أيضًا، وليس في النصارى من يتجاسر على البوح بذلك، وهو لازم لهم على مقتضى قولهم هذا.
فإن قالوا: بل الخلاص بمجموع الأمرين بالتوبة ودم المسيح. قلنا: كأنكم لا ترون دم المسيح مكافئًا لآدم ما لم تنضم إليه التوبة، وهذا تصريح منكم
_________________
(١) ١ متى ٢٧/٤٦، مرقس ١٥/٣٤. ٢ متى ٢٦/٢٩، مرقس ١٤/٣٦، لوقا ٢٢/٤٢. ٣ في ص (بنيه) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٣٨٥ ]
بنقصه عن مقابلة آدم وعجزه عن خلاصه لولا التوبة، ولعمري إن من عجز عن خلاص عبدٍ واحدٍ أنه عن خلاص / (١/١٥١/ب) سائر الخلائق أعجز.
ويقال لمن زعم أنّ الخلائق لا يخرجهم من خطاياهم ويخلصهم من ذنوبهم إلاّ قتل المسيح: أليس قد رويتم عنه في الإنجيل قوله: "إذا كان في القيامة أقمت الصالحين عن يميني والظالمين عن شمالي، وأقول لأهل اليمين فعلتم بيَ كذا فاذهبوا إلى النعيم. وأقول لأهل الشمال: فعلتم بيَ كذا فاذهبوا إلى الجحيم"١.
وإذا كان ذلك صحيحًا فإحسان المحسن هو الذي اقتضى خلاصه، لا ما ادعيتم من قتل المسيح، ومما يؤيد ما قلناه قول مرقس في خاتمة إنجيله: "إن المسيح حين ودع تلاميذه صاعدًا إلى السماء، قال لهم: كرِّزوا بالإنجيل في الخليقة كلها، فمن آمن خلص، ومن لا يؤمن فإنه يدان"٢.
وإذا كان إيمان٣ الإنسان هو يخلصه بشهادة المسيح فلا حاجة إلى الخلاص بقتل ولا صلب، وقال لوقا أيضًا: "إن امرأة صبت على رجلي المسيح دهنًا كثيرًا له قدر كبير، وبكت حتى بلت قدميه بدموعها، فقال لها: اذهبي إيمانك خلصك"٤.
ويقال للنصارى: أخبرونا / (١/١٥٢/أ) لو لم يقتل المسيح فداء وقضاء عن آدم، ومات حتف أنفه ما كان يكون حال آدم؟!.
فإن قالوا: يعذب على خطيئته. قيل لهم: فلا معنى لقبول توبته إذًا. وإذا قالوا: لا يعذب. قيل لهم: فقتل المسيح وقع عبثًا.
_________________
(١) ١ متى ٢٥/٣١-٤٦. ٢ مرقس ١٦/١٤، ١٥. ٣ في ص: (إيمان المسيح الإنسان)، فزاد كلمة (المسيح) والذي أراه حذفها ليستقيم المعنى. والله أعلم. ٤ لوقا ٧/٣٧-٥٠، في سياق طويل.
[ ١ / ٣٨٦ ]
ويقال لهم: أخبرونا عن قول الله تعالى في التوراة لآدم: "إنك في اليوم الذي تأكل من الشجرة تموت موتًا"١. ما أراد الله سبحانه بهذا الموت؟ أموت المعصية أم موت الطبيعة؟.
فإن قالوا: موت المعصية. قلنا لهم: فقد أحيته التوبة.
وإن قالوا: موت الطبيعة، أكذبتهم التوراة والكتب القديمة؛ إذا صرحت بأن آدم بعد ملابسة الزلة عاش دهرًا حتّى رزق الأولاد ورأى فيهم البَر والفاجر٢، فقد لزمهم خلو قتل المسيح عن الفائدة.
ويقال لهم: أخبرونا هل كان المسيح في الثلاثين سنة قبل الدعوة يسمى ابنًا ومسيحًا أم لا؟
فإن زعموا أنه كان يسمى بذلك، أكذبتهم أقوال التلاميذ في الإنجيل، إذ قالوا: "إنه في طول هذه المدّة لم يعرف إلاّ بابن داود٣ وابن يوسف"٤.
وإن قالوا: لم يسم ابنًا إلاّ بعد التعميد، فقد اعترفوا بأن المسيح ليس مسيحًا / (١/١٥٢/ب) وابنًا حقيقة، وإنما هو مسيح بالتسمية لا غير، وفي ذلك تسوية له بيعقوب وداود، وكلّ من مُسِح من أولاد هارون وسُمِّي بهذا الاسم، وعند ذلك لا نشاححهم في مجرد التسمية إذا صحّ إطلاقها على الصلحاء من بني إسرائيل، وتحقق أن فداء آدم من خطيئته برجل صالح من ذريته قد شرفه الله بأن سماه ابنًا ومسيحًا كما شرف عبده إسرائيل وغيره.
_________________
(١) ١ سفر التكوين ٢/١٦، ١٧. ٢ سفر التكوين الإصحاح (٤، ٥) . ٣ متى ١/١، ٩/٢٧، ٢١/٩. ٤ لوقا ٣/٢٣، يوحنا ١/٤٥.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ويقال لهم: هل كان خلاص آدم من غير أن ينال المسيح سوء ممكن في قدرة الله أم كان عاجزًا عن ذلك؟!.
فإن قالوا: لا يمكن ذلك، جعلوا الله سبحانه مضطرًا مدفوعًا عاجزًا عن سلامة عباده وصونهم عن المحن والبلايا، والتوراة والكتب تكذبهم إذ هي شاهدة بقدرة الله على كلّ ممكن.
وإن قالوا: إنه كان قادرًا على ذلك، جوّروا الله وحيِّفوه ونسبوه إلى الظلم؛ إذ عذب آدم أو قتل المسيح وهو قادر على سلامته وكفايته، وذلك يشوش عليهم القول بالتحسين والقبيح.
قال المؤلِّف: إنما طوّلنا النفس في هذا الباب هدمًا لقاعدتهم / (١/١٥٣/أ) في القتل والصلب. وهي قطب كفرهم١. والله أعلم.
_________________
(١) ١ لقد سبق بيان أهمية عقيدة الصلب في النصرانية. ويؤكّده قول البروفيسور جوردن مولتمان في كتابه: (الإله المصلوب): "إن وفاة عيسى على الصليب هي عصب كلّ العقيدة النصرانية. إن كل النظريات المسيحية عن الله وعن الخليقة وعن الخطيئة وعن الموت؛ تستمد محورها من المسيح المصلوب. وكل النظريات المسيحية عن التاريخ وعن الكنيسة وعن الإيمان وعن التطهر وعن المستقبل وعن الأمل؛ إنما تنبع من (المسيح المصلوب".اهـ. (نقلًا من - مسألة صلب المسيح - للشيخ أحمد ديدات، ص ١٠) .
[ ١ / ٣٨٨ ]
الباب السّادس: في الأجوبة المسعدة عن أسئلة الملحدة
نسطر أسئلة عبثوا بالسؤال عنها، ونشفعها بالجواب، لينتفع بذلك من أحبّ مكالمتهم:
١- سؤال: قال النصارى: قد علمتم معاشر المسلمين أن اليهود والنصارى يزيد عددهم على عدد التواتر أضعافًا مضاعفة، وها هم ينقلون ويخبرون أن المسيح قد قُتل وصُلب على رابية من روابي البيت المقدس، وخبر التواتر يفيد العلم ويُوجب القطع، فكيف ينفي كتابكم ما أثبته التواتر؟! وما ذلك إلاّ بمثابة من ينفي وجود بغداد وغيرها مما عُلم بالضرورة.
والجواب: هو أنّا نقول: مَن سَلَّم لكم أن الذين شاهدوا والقتل وشهدوا به بلغوا حدّ التواتر، كلاَّ. لم يكونوا بهذه الصفة، وبيانه أن الذين حضروا القتل والصلب إنما كانوا شرذمة من اليهود، فأما أصحاب المسيح فلم يحضر منهم أحد البتة كما قدمنا١.
وإذا كان المخبرون آحادًا / (١/١٥٣/ب) وأفرادًا فلا تواتر، إذ التواتر شرطه أن يستوي فيه الطرفان والواسطة.
وإذا كان الحاضرون للقتل لم يوصفوا بهذه الصفة فكثرة من جاء بعدهم إنما أخبر عنهم، فلا جرم قُدِّم تواتر الكتاب العزيز على خبرهم. فهذا وجه.
_________________
(١) ١ ر: الباب الخامس.
[ ١ / ٣٩١ ]
والوجه الثاني: أَنَّا لو قَدَّرنا أنهم بلغوا حدّ التواتر - غير أن التواتر إنما أثبت قتلًا وصلبًا لا غير - فلا جرم أن القرآن الكريم لم يَنْفِه، ولكن القرآن إنما نفى أن يكون المفعول به ذلك المسيح نفسه، وأعلمنا أنه كان قد شُبِّه لهم. وهذا القدر لو عُرِض على الذين شاهدوا الصلب وقيل لهم: أتجوِّزون أن يكون هذا الذي قد أُحْضر للقتل ليس هو المسيح، ولكنه رجل قد ألقى الله شبهه عليه أو خلقه الله ابتداء يُشبه المسيح؟! فإنا نعلم أنهم كانوا يجوّزون ذلك ولا يحيلونه؛ لأن تغيير الأشباه والأشكال جائز في مقدور الله تعالى، وإنما يمتنع ذلك في زمان لا تخرق فيه العوائد، وقد كان في زمان المسيح خوارق [لا يخفى] ١ / (١/١٥٤/أ) أمرها، فلا يمتنع أن يكون الله سبحانه قد خرق العادة بإلقاء شبه المسيح على غيره، أو أتاح لهم شخصًا يشبهه، كما خرق العادة فقلب النار بردًا وسلامًا على إبراهيم الخليل وعلى الفتية في زمن دانيال ﵇، وكما حوَّل لون يد موسى عن لونها الأوّل، وغَيَّر جوهر الماء إلى الخمر والزيت للأنبياء - ﵈ -. وإذا كان ذلك جائزًا، فالذين أخبروا أن المصلوبَ المسيحُ ليسوا على ثبت، فلم يوجب خبرهم عِلْمًا، فلا جرم قُدِّم تواتر الكتاب العزيز عليهم، وإذا ثبت ذلك لم يقع التعارض بين الأدلة القطعية.
فإن قيل: مَن هو الذي وقع عليه الشَّبه حتى التبس أمره على اليهود والنصارى واشتبه؟
_________________
(١) ١ في ص (لا تخفى) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٣٩٢ ]
قلنا: روى وهب١ بن منبه: أن المسيح حين أحاطت به اليهود في بيت كان فيه، صوَّر الله الجميع بصورة المسيح، فخرج واحد منهم وكانوا تسعة عشر رجلًا فأخوه وذهبوا ليلًا٢، وكذلك روى مجاهد٣.
وقال ابن٤إسحاق - عمَّن أسلم منهم -: "إن المسيح/ (١/١٥٤/ب)، حين حصره اليهود قال: من يقبل صورتي فيقتل وله الجنة؟ فقال أحد من معه: أنا. فوقع عليه شبه المسيح. وصعد بالمسيح من ساعته إلى السماء، وأخذ الرجل فقتل صبيحة تلك الليلة"٥. قاله من المفسرين: السُّدِّي٦، وقتادة٧، وابن٨ جريج.
_________________
(١) ١ هو: وَهْبُ بن مُنبه بن كامل اليماني، أبو عبد الله الأنباري. العلامة الإخباري القصصي، من خيار علماء التابعين، مات سنة ١١٠هـ. (ر: ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/٢٤، وسير أعلام ٤/٥٤٤، تهذيب التهذيب ١١/١٤٧، التفسير والمفسرون - الذهبي ١/١٩٥) . ٢ أخرجه الإمام ابن جرير الطبري، ورجّه في تفسيره ٦/١٢، ١٥، ١٦. ٣ هو: مُجَاهد بن جَبْر، الإمام، شيخ القراء والمفسرين، أبو الحجاج المكي، مولى السائب بن أبي السائب. من كبار التابعين، مات سنة ١٠٤هـ على الأشهر. (ر: ترجمته في المصادر السّابقة على الترتيب ٨/٣١٩، ٤/٤٤٩، ١٠/٣٨، ١/١٠٤) . ٤ هو: محمّد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر، المطلبي مولاهم، إمام أهل المغازي، صاحب السيرة النبوية. صدوق يدلس. مات سنة:١٥٠هـ. وقيل: بعدها. (ر: ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/٣٢١، سير أعلام النبلاء ٧/٣٣، تهذيب التهذيب ٩/٣٨، تاريخ بغداد ١/٢١٤) . ٥ أخرجه ابن جرير الطبري في تفسير ٦/١٤، ١٥، عن ابن إسحاق، والسّدّي، وقتادة، وابن جريج، والقاسم ابن أبي بزة. ٦ هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة، الإمام المفسّر، أبو محمّد الحجازي ثم الكوفي الأعورُ السُّدِّي. أحد موالي قريش. صدوق يهم. ورمي بالتشيع. من الرابعة. مات سنة ١٢٧هـ. (ر: ترجمته في: طبقات ابن سعد ٦/٣٢٣، سير أعلام النبلاء ٥/٢٦٤، تهذيب ١/٣١٣، طبقات المفسرين ١/١٠٩) . ٧ هو: أبو الخطاب، قتادة بن دعامة السّدوسي البصري، الأكمه، حافظ العصر، قدوة المفسرين، وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع، فإنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر - نسأل الله العفو - وهو رأس الطبقة الرابعة. مات سنة: ١١٧هـ. (ر: ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/٢٢٩، سير أعلام النبلاء ٥/٢٦٩، تهذيب ٨/٣١٥، طبقات المفسرين ٢/٤٣، التفسير والمفسرون، الذهبي ١/١٢٥) . ٨ هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الإمام الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد وأبو الوليد الأموي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل من السادسة، مات سنة ١٥٠هـ، أو بعدها. (ر: ترجمته في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم٥/٣٥٦،سير أعلام النبلاء ٦/٣٢٥، تهذيب ٦/٤٠٢، التقريب ١/٥٢٠، التفسير والمفسرون ١/١٩٨) .
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقيل: "إن اليهود لما جاؤوا لأخذ المسيح هرب من كان معه من أصحابه وثبت معه رجل واحد يسمّى: جرجس، فألقى الله شبهه عليه، فأخذوه وذهبوا به ليلًا، وستر الله المسيح عن أعينهم، فعذبوا الرجل ليلًا، ثم قتلوه من صبيحة تلك الليلة"١. فلم يشكّ من كان ترك المسيح وهرب عنه أن المأخوذ هو المسيح، فلذلك أخبروا أن المسيح قد صلب.
قال المؤلّف: قد روينا فيما تقدم من كتابنا هذا عن بطرس - صاحب المسيح - أن المسيح ﵇ صعد إلى جبل الجليل في جماعة من أصحابه، فنظروا إلى وجهه وإذا هو قد تغيرت صورته، وابيضت ثيابه، وإذا موسى وإلياء قد نزلا إليه ومعهم سحابة تظلهم، وعند ذلك وقع على بطرس / (١/١٥٥/أ) وأصحاب المسيح النوم فناموا٢، وذلك يحقّق قولنا في الشبه ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير٦/١٥،قال: قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: فذكره بنحوه. ٢ متى ١٧/١-٨، ومرقس ٩/١-٨. ٣ اختلف العلماء في الشبه المصلوب بدلًا عن المسيح ﵇ على أقوال هي: الأوّل: أن عيسى ﵇ سأل أصحابه - ممن كان معه في البيت حين أحاط به اليهود - فقال: "أيّكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ ". فانتدب لذلك شاب من أحدثهم سنًّا، فألقي عليه شبهه فيقتل، ورفع عيسى ﵇. قال بهذا قتادة والسدي والقاسم بن أبي عزة وابن جريج. ورجّحه الإمام ابن كثير ١/٥٨٧، ٥٨٨، وساق في ذلك أثرًا من تفسير ابن عباس ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه. وكذا ذكره غير واحد من السلف. اهـ. الثّاني: قيل: إن شبه عيسى ألقي على جميع من كان معه في البيت من غير مسألة عيسى إيّاهم ذلك، فخرج إلى اليهود بعض من كان في البيت، فقتلوه وهم يحسبونه أنه المسيح ﵇. وهذا القول أحد الروايتين عن وهب بن منبه واختاره الإمام ابن جرير في تفسيره ٦/١٦. الثّالث: قيل: إن الشبه ألقي على الحواري الخائن يهوذا الأسخريوطي الذي أخذ الرشوة من اليهود ليدلهم على مكان المسيح ﵇، فعاقته الله بعكس مقصوده. فألقي شبه عيسى عليه، فقبض عليه اليهود وقتلوه وهم يحسبون أنه المسيح ﵇. وهذا القول أحد الرواتين عن وهب منبه. (ر: تفسير الطبري ٦/١٣، وبه قال نجم الدين الطوفي في كتابه: (الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية ص ١٠٢) . وقد وردت هذه الرواية في إنجيل برنابا: (الفصل الإصحاح ٢١٤، ٢١٥، ٢١٧) . الرّابع: قل: إنه شبه للنصارى القول بذلك، أي: حصلت لهم الشبهة في أمره، وليس لهم علم بأنه قتل وصلب، وكان المشبهون لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت وشُرُطهم المُدَّعون لهم أنهم قتلوه وصلبوه، وهم يعلمون أنه لم يكن ذلك. وإنما أخذوا مَنْ أَمْكَنهم فقتلوه وصلبوه في استتار ومنع من حضور الناس، ثم أنزلوه ودفنوه تمويهًا على العامّة الذين شبه لهم الخبر. وقال بهذا ابن حزم في الفصل الملل والنحل ١/١٢٥، وذكره ابن القيم في هداية الحياري ص ٣١٤. والذي أرجّحه - والله أعلم - هو القول الأوّل لصحّة إسناده إلى ابن عباس ﵄؛ لأن الله ﷾ قد أثنى على الحواريين في عدة آيات من سورة آل عمران، والمائدة، والصّفّ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١١١] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٥٢، ٥٣.] . فناسب أن يكون موقفهم بحسب قوّة إيمانهم بالله وتصديهم لنبيّه عيسى ﵇ أن يفدوه بأنفسهم ويستشهدوا في سبيل الدفاع عنه ﵇.
[ ١ / ٣٩٤ ]
٢- سؤال: قال النصارى: كيف يصحّ أن يكون المصلوب غير المسيح ثم يقترن بصلبه ظهور ما ظهر من الآيات من اسوداد الشمس وانشقاق حجاب الهيكل وقيام الأموات وغير ذلك، وكم قد قُتِلَ من الأنبياء والشهداء ولم يظهر عند مقتلهم شيء من هذا؟
قلنا: قد دللنا على كذب هذا النقل بعدم انتشاره في العالم واشتهاره بين طبقات بني آدم، وأنه لو كان صحيحًا لَدُوِّن في الكتب ونقله علماء العجم والعرب، فيحث لم ينقل ذلك دلّ على كذبه وافتعاله١.
ثم لو قدرناه صدقًا وأمرًا ثابتًا حقًّا لم يلزم منه أن يكون المصلوب هو المسيح بل لكونه من الحواريين الذين هم عندكم أفضل من الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين، ثم ذلك الحواري أفضل الحواريين كلّهم لوجهين:
أحدهما: لإيثاره المسيح بنفسه حتى فداه من القتل.
والثاني: لإيثار المسيح إيّاه بشبهه، فقد صار له بذلك مزيّة أجبت أن تبكى عليه السماء والأرض ويتشوش العالم فيأخذ في النقص والنقض. / (١/١٥٥/ب) .
_________________
(١) ١ ر: ص ٢٢٨، ٢٢٩.
[ ١ / ٣٩٥ ]
٣- سؤال على النصارى: يقال: للنصارى: قد زعمتم أن المسيح هو إله العباد وخالقهم وبارؤهم ورازقهم وآمرهم وناهيهم ومدبِّرهم في جيمع أحوالهم وحافظهم إلى منتهى آجالهم، ثم زعمتم مع ذلك أن اليهود عدوا عليه فأخذوه قهرًا وسحبوه قسرًا بعد أن هرب واختفى، وإنما دَلَّ عليه بعض أصحابه، فلما ظفروا به أهانوا وبذلوه وما صانوه، ثم جعلوا على رأسه إكليلًا من الشكوك، وعبثوا به كما يعبث بأهل النوك، ثم رفعوه على جذع ضمانًاواستسقى ماء فسقي خلًا هوانًا، ثم ترك حتى ألصقت الشمس جسده بالصليب، ولم يكفن لولا تصدّق عليه بالكفن إنسان غريب، وبقي برهة تحت التراب تبكيه الأحباب والأتراب، فأخبرونا يا سخفاء العقول ومنتحلي هذا المحال المنقول-مَنِ الذي كان يقوم برزق الأنام والأنعام في تلك الأيام؟!.
وكيف كان حال الوجود والإله في اللحود؟! ومَن الذي دَبَّر السماء والأرض وخلقه فيها بالبسط والقبض والرفع والخفض؟! وهل دُفنت الكلمة بدفنه وقُتلت بقتله أم خذلته/ (١/١٥٦/أ) وهربت مع تلاميذه؟
فإن كان قد دفنت بدفنه، فإن قبرًا وسع الإله القديم لقبر عظيم، وإن كانت قد فَرَّت وأسلمته، فكيف تصحّ مفارقتها له بعد اتّحادها به؟! أين ذهب الاتّحاد وكيف بطل الامتزاج؟!.
وما شأن هذا الإله المسكين - أسمله قومه لأعدائه وخذله سائر أودائه١؟. أين قولكم في الأمامنة: "إن المسيح أتقن العوالم بيدهوخلق كلّ شيء"؟ أين ما وصفتم عن الإنجيل أن العالم بالمسيح كُوِّن؟
_________________
(١) ١ أي: أحبائه. (ر: القاموس ص ٤١٥) .
[ ١ / ٣٩٦ ]
وقولكم: إن الآب لا يدين أحدًا، بل الابن هو الذي يدين الناس١، أترونه كان راضيًا بما فعل به قادرًا على الدفع عن نفسه؟
فإن كان راضيًا، فالذي فُعِل به كفر، ومذهبكم يأبى ذلك، وكان ينبغي على سياق هذا أن تثبتوا على اليهود وتترحموا على يهوذا الأسخريوطي وتصلوا عليهم؛ فإنهم أعانوا على حصول رضاه وسارعوا إلى ما قدَّره وقضاه.
وإن كان ذلك بغير رضاه فاطلبوا إلهًا سواه، فإن من عجز عن حماية خشاشة حتى تم عليه ما نسبتم له، كيف ترجون عنده نفعًا أو تؤملون / (١/١٥٦/ب) لديه دفعًا؟! وهذه نقيصة تقتضي تَنَقُّضُ من لصقت به.
فإن قيل: إنما يكون ذلك نقيصة إذا كان المفعول به عاجزًا عن الامتناع والدفاع، فأما المسيح فلو شاء لامتنع من اليهود وأهلك من قصده بأذى من سائر الجنود، بل إنما أراد أن يستسلم ويبذل نفسه فداءً عن الناس لينقذهم من الخطيئة ويزيل عنهم درن الذنوب ويطهرهم من التبعات والحوب.
فنقول: لا نسلم ما ذكرتم، إذ كتابكم شاهد عليه بأنه هرب واختفى واستتر من أعدائه مرارًا واعتنى وتنقل من مكان إلى مكان، وبذل في طلب السلامة غاية الإمكان، إلى أن دلَّ عليه رجل من أصحابه فأخذ بغير اختياره وإيثاره.
وهذا شيء لم نسمعه إلاّ منكم ومن كتابكم، وقد حكيتم أن آخر كلام سُمع منه: "إلَهي إلَهِي لِمَ تَركتني؟ ". مع تقدم قوله في دعائه: "إلهي إن كان يحسن صرف هذا اكأس فاصرفها عني". فبطل قولهم في هذا السؤال لو شاء لامتنع وفعل بأعدائه وصنع.
_________________
(١) ١ هذا هو الأساس الثالث من أسس العقيدة النصرانية المنحرفة. وهو الاعتقاد بأن المسيح سيحاسب الناس يوم القيامة. لأنه من أجلهم - كما يزعم النصارى - وهذا الأساس مبنى على الأساس الثاني الذي تقدم بيانه. (ر: ص ٣٧٥) .
[ ١ / ٣٩٧ ]
وأما قولهم: إنه أراد أن يستسلم ويبذل نفسه فداء عن الناس لينقذهم من الخطيئة والبأس، فهذا كلام من الكلام/ (١/١٥٧/أ) السخيف، وذلك أنه لا يخلو أن يفديهم بنفسه من عقاب نفسه أو عقاب غيره.
فإن كان إنما فداهم من عقاب نفسه، فما حاجته أن يرذل نفسه في أمر هو يملكه وزمامه بيده؟ فهلا عفا عنهم وأعفا نفسه من القتل والإهانة!
وإن كان إنما افتداهم من عقاب غيره فقد صار ضعيفًا عاجزًا لم يمكنه صلاح عباده إلاّ بأن يشفع لهم، ثم لا تقبل شفاعته حتى يبذل نفسه للصفع والإهانة والموت.
والعجب أنه مع بذل نفسه لهذه المحن لم تقبل شفاته، ولم يحصل لهم الفداء الذي يدعون، هذا مع أن المشفوع إليه أبوه، أفلم يكن له عند أبيه من الجاه ما يُشَفِّعه في مطلوبه وهو معافى من هذه المحن بلا قتله وصلبه من غير إسعافه بمراده؟
ومثل هذا الفعل لا يصدر إلاّ من العدوّ المشاحن وأرباب الحقود والضغائن، ومما يتعجب منه أن هذا الرّبّ الذي تدعون بعد أن تعنَّى ونزل إلى الأرض وحَلَّ به ما وصفتم يبتغي بذلك خلاصكم، لم يحصل لكم خلاصًا ولا تَمَّ له مراد. لأنه إن كان أراد خلاصكم من محن الدنيا فها أنتم باقون على ما كنتم / (١/١٥٧/ب) عليه من طبائع البشر وتحمل الضرر ومعالجة الهرم والكبر ومضاجعة الأجداث والحُفر.
وإن كان أراد خلاصكم من عهد التكاليف ليحط عنكم الآثام ويسقط الصلاة والصيام، فها أنتم دائبون على التكليف مخاطبون بالتصحيح والتوسيف، وإلاّ فكان ينبغي أن مَن زنا منكم وسرق وافترى وفسق لا يؤاخذ
[ ١ / ٣٩٨ ]
بجريرة ولا يعاقب على صغيرة ولا كبيرة. وإن كان أراد خلاصكم من أهوال القيامة وأنكال يوم الطامة وما يتوجه على العباد عند قيام الأشهاد، أكذبكم الإنجيل إذ يقول فيه: "إني جامع الناس في القيامة عن يميني وشمالي، فأقول لأهل اليمين: فعلتم خيرًا فاذهبوا إلى النعيم، وأقول لأهل الشمال: فعلتم شرًّا فاذهبوا إلى الجحيم"١.
وإذا لم يحصل لكم بنزول المسيح خلاص من عقاب الدنيا ولا من عذاب الآخرة، فأين ترجون الخلاص الذي جاءكم لأجله وفعل بنفسه ما ذكرتم ثم لم يتم له مراد؟!.
وإذ كان ذلك فاطلبوا الخلاص ممن هو بيديه ومُعَوِّل سائر الخلائق عليه وهو الذي لا إله سواه سبحانه وتعالى عما يشركون.
٤ سؤال: (١/١٥٨/أ) قال النصارى: إنما استسلم المسيح ليعلمنا الصبر على الشدائد فتعظم أجورنا وتجزل مثوباتنا، والمتابعة بالحال أبلغ منها بالمقال.
فنقول: فما بال أحدكم لا يجلس في بيته حتى يناله ما وصفتم غير منازع خصمه ولا مدافع عدّوه؟
وما بالكم تقيمون سوق الحروب وتبيحون الغصوب وتنصبون القتال وتسفكون الدماء من النساء والرجال؟ فما نرى التعليم أفادكم خيرًا ولا منعكم شرًّا ولا أكسبكم عِلمًا ولا أنالكم حِلمًا، وصار ما وصفتم به ربكم من الإهانة خاليًا عن الفائدة صفرًا من الحكمة. وكيف يحسن منكم إيراد هذا السؤال مع قولكم عنه: إنه حين نزل به المكروه الذي وصفتم، قال: "إلَهي إن كان يمكن صرف هذا الكأس عني فاصرفه عني". وهذا القول منه إن صحّ عنه يكذبكم في قولكم: إنه استسلم وألقى بيديه لقصد تعليمكم وتقويمكم.
_________________
(١) ١ متى ٢٥/٣١-٤٦.
[ ١ / ٣٩٩ ]
٥- س b ؤال: قال النصارى: إنما يكون القتل نقيصة لو أنه مضاف إلى لاهوت المسيح، ونحن لا نعتقد ذلك؛ وإنما القتل والضرب والصلب مضاف إلى ناسوت / (١/١٥٨/ب) المسيح دون لاهوته.
فنقول: يمتنع ذلك على اليعقوبية١ منكم القائلين بأن المسيح قد صار بالاتّحاد طبيعة واحدة، إذا الطبيعة الواحدة لم يبق فيها ناسوت متميّز عن لاهوت حتى يخص بالقتل والإهانة بل قالوا: إنه صار شيئًا واحدًا، والشيء الواحد لا يقال إنه مات ولم يمت، وقتل ولم يقتل، وأهين ولم يهن.
وأما الروم٢ وغيرهم القائلون بأن المسيح بعد الاتّحاد باق على طبيعتين، فيقال لهم: هل فارق اللاهوت ناسوته عند القتل والصلب؟
فإن زعموا أنه فارقه أبطلوا دين النصرانية جملة، إذ بطل الاتّحاد ولم يستحق المسيح الربوبية عندهم إلاّ بالاتّحاد، فإذا حكموا بأن الإله قد تجرد عن الإنسان وفارقه فقد بطلت ربوبية المسيح في ذلك الزمان.
وإن قالوا: لم يفارقه، فقد التزموا ما ورد على اليعقوبية، وهو كون اللاهوت قتل بقتل الناسوت وأهين بإهانته.
وإن فسروا الاتّحاد بالتَّدَرُع، وهو أن الإله جعله درعًا ومسكنًا له وبيتًا٣، ثم فارقه عند ورود ما ورد على الناسوت أبطلوا ألوهية المسيح في تيك الحال.
وقلنا لهم: أليس / (١/١٥٩/أ) قد امتهن الناسوت وأهين وأرذل؟! وهذا القدر يكفي في إثبات النقيصة إذ لم يأنف لمحله وسكنه ودرعه أن تناله هذه النقائص، وإن الإنسان ليركب دابة ويلبس ثوبًا فيصونه عن الأذى والقذى أن يناله.
_________________
(١) ١ فرقة من فرق النصارى الكبيرة وسيأتي الحديث عنها. ٢ وهم طائفة الملكية من فرق النصارى الكبيرة. ٣ هذا القول هو مذهب طائفة النسطورية. من فرق النصارى الكبيرة.
[ ١ / ٤٠٠ ]
ثم إن كان اللاهوت قادرًا على دفع النقائص عن محله ومسكنه ثم لم يفعل فقد أساء مجاورته ورضي بدخول النقص على موضعه، وذلك بالنقص عليه في نفسه. وإن لم يكن قادرًا، فذلك أبعد له عن عِزَّ الربوبية وأقرب إلى ذلّ العبودية.
٦- سؤال: فإن قال النصارى: كيف يجوز إلقاء الشبه - وهو ضلال؟ - وإذا كان الله تعالى هو الذي أضل عباده فلا معنى لإرسال الرسل إليهم، بل يكون ظالمًا للرسل إذا بعثهم إلى من يكذبهم أقوالهم ويَرُدُّ، وكيف يستقيم أن يرسل رسلًا يهون العباد من كُفْرٍ وهو الذي زينه لهم؟!.
قلنا: الانفصال عن هذا السؤال في التوراة والإنجيل. أما التوراة فإنها مصرحة بأن الله قد قَسَّى قلب فرعون فلم يؤمن بموسى: "فقال الله فيها: يا موسى اذهب إلى فرعون/ (١/١٥٩/ب) وقل له: يقول لك إله بني إسرائيل: أرسل شعبي تتعبد لي، وأنا أُقَسِّي قلب فرعون فلا يرسلهم"١. وفي التوراة: "إن كلّ آية صنعها موسى بمصر قد صنع السحرة مثلها"٢.
وأما الإنجيل فقال: "قال يسوع: إني ذاهب إلى أورشليم لأقتل وأصلب، فقال له بطرس: حاشاك من هذا، فانتهره، وقال: إني جئت لهذا"٣.
فقد علم الكفر وأراده وتعنَّى بسببه، وقدر على كفّ اليهود وتركهم على كفرهم فلم يكففهم.
_________________
(١) ١ سفر الخروج ٤/٢١. ٢ سفر الخروج ٧/١١. ٣ متى ١٦/٢١-٢٣.
[ ١ / ٤٠١ ]
وقد قال يسوع في الإنجيل: "الويل لذلك الإنسان الذي يسلَّم ابن الإنسان خير له لو لم يولد"١.
وإذا كان هذا جائزًا عند النصارى واليهود جميعًا٢، فكيف يمنعونأن يصون الله نبيّه المسيح عن قوم يريدون قتله ويلقي شبهه على رجل آخر قد حضر أجله يجعله له جُنَّةً ويثيب ذلك الرجل عن صبره الجنّة؟!.
على أَنَّا نقول: ليس في إلقاء الشبه ضلال كما زعم مورد السؤال، إذ ليس الإلقاء هو الذي بعثهم على القتل، بل ما جاؤوا إلى المسيح إلاّ وهم قد أجمعوا على الفتك به، وبهذا القصد كفروا، وإنماكان/ (١/١٦٠/أ) الإلقاء لتخليص المسيح من أيديهم، وهذا خلاص من الضلال لا إضلال.
وإنما كان يكون تضليلًا لو كان الله أمرهم بقتل المسيح، ثم ألقى شبهه على آخر فقلتوه، وأما إذ نهوا عن القتل فخالفوا وجاروا ليقتلوا، فحال بينهم وبين المسيح. وإلقاء شبهه على غيره، أو أباح لهم من يشبهه في الصورة، فلا يقال لهذا القبيل تضليل.
_________________
(١) ١ مرقس ١٤/٢١. ٢ يقول ابن القيم: "وقد اتّفقت رسل الله من أوّلهم إلى آخرهم وكتبهم المُنَزَّلة عليهم أنه سبحانه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلّ فلا هادي له. وأن الهدى والضلالة بيده لا بيد العبد. وأن العبد هو الضالّ أو المهتدي. فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء الضلال فعل العبد وكسبه". اهـ. وقد ذكر الإمام ابن القيم بعد هذا مراتب الهدى والضلال في القرآن الكريم، وتكلم على كلّ منها، وبيّن ما بينها من الخصوص والعموم وأطال في ذلك. (ر: شفاء العليل ص ١٤٢-١٨٢) .
[ ١ / ٤٠٢ ]
ثم ولو قدَّرنا ذلك تضليلًا، فمذهب أهل الحقّ أن الله يفعل ما يريد ويضلّ من يشاء من العبيد، ولا ينسب إلى ظلم ولا جور إذ له بحقّ ملكه - وملك حقّه - أن يفعل ما أراد، فلا يجب عليه شيء ولا يتوجه لمخلوق عليه حقّ، وكلّ ما يفعل فهو حسن. وكل ما يوصله من خير فهو ابتداء فضل. وكلّ ما يبتلي به من ضرّ فهو قضاء عدل.
وقد زَلَّ وهفا مَن أوجب على الله ثواب المحسنين أو عقاب المسيئين [إذ لا] ١ يجب على ربّ الأرباب ثواب أو عقاب٢.
_________________
(١) ١ في ص (أنا) والتصويب من المحقِّق. والزيادة يقتضيها السياق. ٢ إن مسألة الوجوب على الله أو (هل يجب على الله تعالى شيء؟)، قد سلك فيها كلّ من المعتزلة والأشاعرة طريقين كليهما خطأ. ولم يوفقوا لطريق الحقّ الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، وتوضيح ذلك:
(٢) أن المعتزلة أفرطوا في تمجيد العقل، حتّى أوجبوا بمقتضاه على الله تعالى أمورًا وحرموا عليه أمورًا أخرى، ووضعوا لله شريعة التعديل والتجوير، فهم بذلك شبهوا الخالق بالمخلوق. (ر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ١٣٢، والمجموع المحيط بالتكليف لابن منتويه ص ٢٣٤) .
(٣) أما الأشاعرة فقد أخطأوا في إطلاقهم القول بنفي الوجوب في حقّه تعالى، فلم ينَزِّهوه عن فعل شيء، بناء منهم على نفي التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا: إن الوجوب لا يتصور في حقّه؛ لأنه المالك المتصرف ولا يسأل عما يفعل، ونسوا أنه لا يسأل لكمال حكمته. (ر: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص ١٤٧، ١٤٨، المواقف للإيجي ص ٣٢٨، ٣٢٩، والتبصير في الدين للإسراييني ص ٦٨) .
(٤) وأما أهل السنة والجماعة - الفريق الوسط - فهم الذين منعوا أن يوجب العقل على الله تعالى شيئًا، ولم يمنعوا أن يوجب الله على نفسه بعض الأمور التي يقتضيها كماله والتي أخبر أنه أوجبها على نفسه. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ٥٤] . وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لما قضى الخلق كتب على نفسه كتابًا، فهو موضوع عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي". أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ١٣/٤٠٤) . ولا يلزم من كونه تعالى أوجب على نفسه بعض الأمور أن يكون فاعلًا بالإيجاب - أي: لا اختبار له ـ؛ لأنه سبحانه أوجبه على نفسه باختياره، فإذا شاء الحسن واختاره لم يكن ذلك نافيًا للاختيار، فاختياره وإرادته اقتضت التعلق بما كان حسنًا على وجه اللزوم فكيف لا يكون مختارًا. (ر: مدارج السالكين ١/٦٦، ٢/٣٣٨، شفاء العليل لابن القيم ص ١٧٩، والحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى د. محمّد ربيع المدخلي ص ١١٠-١١١) . ويُبَيِّن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - موقف السلف في هذه المسألة بقوله: "وأما الإيجاب عليه ﷾، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية - أي: المعتزلة - وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول. وأهل السنة متّفقون على أنه سبحانه خالق كلّ شيء وربّه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا. ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرّم الظلم على نفسه، فإن الله هو المنعم على العباد بكلّ خيرٍ، فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح". اهـ. (ر: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص ٤٠٩، ٤١٠) .
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقد شهد أهل الكتاب واعترفوا بأن الله تعالى هو الذي نفخ الروح في العجل حتى عبده بنو إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِييحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١٧] .
وعيسى / (١/١٦٠/ب) وأمه لا جُرْم لهما، فأخبر تعالى أنه لو أهلكهما لم يكن ممنوعًا من ذلك ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسْأَلُون﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ٢٣] .
٧ سؤال: قال النصارى: شهد كتابكم ونبيّكم بأن المسيح عيسى ابن مريم هو كلمة الله، والكلمة عندنا وعندكم قديمة كالكلام.
[ ١ / ٤٠٤ ]
قلنا: لا نزاع في تسميته ﵇ (كلمة) ١ كما سمّي إبراهيم
خليلًا٢. وموسوى كليمًا٣، والتسميات لا حجر فيها، وإذ وافقناكمعلى تسمية المسيح كلمة، فمن أين لكم قِدَمُهَا؟ وبم تنكرون على من يزعم أن الكلمة عبارة عن الآية؟.
والآيات تسمى كلمات، وهو المعني بقوله: ﴿مَا نَفَدَتْ كَلْمَاتُ الله﴾ ٤. يعني: آياته ومصنوعاته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُ آيَةً ﴾ . [سورة المؤمنون، الآية: ٥٠] . وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وابْنَهَا آيَةً لِلعَالِمينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ٩١] . فهذا وجه.
ووجه آخر: وهو أن نقول: المعنى بإلقاء الكلمة إلى مريم تكوين المسيح من غير نطفة فحل، والمقصود أن الله اخترعه وكَوَّنه من غير تناسل معروف وقال له: كن، فكان. إذ كلّ أمر اتّصل بأمرور فهو ملقى إليه.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٤٥] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ..﴾ . الآية. [سورة النساء، الآية: ١٧١] . قال ابن كثير في تفسيره ١/٦٠٣: "إنما المسيح عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته ألفاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربّه عزوجل فكان عيسى بإذنه عزوجل، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنْزِلة لقاح الأب والأمّ، والجميع مخلوق لله عزوجل، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه إنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال لها بها: كن فكان". اهـ. ٢ قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٢٥] . ٣ قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٦٤] . ٤ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . [سورة لقمان، الآية: ٢٧] . قال قتادة: أي: لو كان شجر الأرض أقلامًا ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفذ عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه". (ر: تفسير ابن كثير /٤٦٠) .
[ ١ / ٤٠٥ ]
وسمى المسيح كلمة لقول لوقا في إنجيله: "إن جبريل قال لمريم: السلام عليك أيتها المباركة / (١/١٦١/أ) في النساء إنك تحبلين بولد يسمى المسيح يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود"١. فعندها حملت مريم بالمسيح؛ أي: عند هذه الكلمة فسمي المسيح بها كما يُسَمَّى الشيء بما يلازمه عادةً، فكان المسيح (كلمة) بهذا الاعتبار لا كما اعتقد جهلة النصارى من انقلاب الكلمة الأزلية جسدًا ذا شعرٍ وظفر.
٨ سؤال: قال النصارى: أليس في كتابكم معشر المسلمين: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ . [سورة التحريم، الآية: ١٢] . فما تأويل ذلك غير ما ذهبنا إليه؟!.
والجواب أنا نقول: هذا لا يفيدكم شيئًا في مطلوبكم؛ إذ ليس اعتقاد أحد منكم أن روح الأب اتّحد بالمسيح، وإنما الذي اتّحد به هو العلم. وقد قلنا: إن الروح ترد على معانٍ شتّى منها: أن ترد والمراد بها الوحي، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّن أَمْرنَا﴾ . [سورة الشورى، الآية:٥٢] .
وترد والمراد بها جبريل، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ . [سورة الشعراء، الآية: ١٩٣] .
وترد والمراد بها ملك كبير يقوم يوم القيامة صفًّا وحده والملائكة كلّها صفًّا آخر.
وترد والمراد بها أرواح الأشخاص وهو المعني بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمْرِ رَبِّي﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٨٥] . وإذا كان اللفظ مترددًا / (١/١٦١/ب) بين معانٍ كثيرة فلا يسوغ التمسك به إلاّ مع اقترانه بما يفسره، وكلّ مفتقر للتفسير فلا وجه للاستدلال بظاهره.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٣٠-٣١.
[ ١ / ٤٠٦ ]
فالمسيح سمّاه الله (روحًا) كتسمية جبريل روحًا، وقد قلنا: إن الشيء قد يسمى بما يلازمه، فالله تعالى نفخ في مريم بواسطة جبريل وهو المعني بقول لوقا في إنجيله: "روح القدس تحلّ عليك"١. وقد قالت التوراة: "إن روح الله حال في يوسف"٢. وذلك كناية عن العلم والحكمة.
وفي التوراة: "إن بصلئيل رجل من سبط يهوذا ورجل آخر من سبط دان قد ملأتهما روح القدس"٣. وفي التوراة: "إن يوشع امتلأ من روح القدس؛ لأن موسى كان قد وضع يده على رأسه"٤.
وفي كتاب الأسباط٥: "إن روح الله لبست جدعون"٦. وفيكتاب شمويال٧: "إن روح الله تكلمت على لساني"٨. وفي كتاب حزقيال يقول: "رأيت قدوس الله فوقعت فدخلت فِيَّ الروح فأقامتني"٩.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٣٥. ٢ سفر التكوين ٤١/٣٨. ٣ سفر الخروج ٣١/١-٣. ٤ سفر التثنية ٣٤/٩. ٥ كتاب الأسباط هو سفر القضاة: نسبة إلى فترة من تاريخ بني إسرائيل كان القضاة هم الذين تولوا شؤون الحكم في بني إسرائيل بعد استيلائهم على بلاد كنعان بقيادة يوشع بن نون، وعدد إصحاحاته (٢١) إصحاحًا، وموضوعه: تاريخ بني إسرائيل من قبل موت يوشع إلى آخر أيام شمعون. أما مؤلِّف هذا السفر، فإنه لا يعرف على التحقيق، ويظن أنه صموئيل النبيّ، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ . [سورة النجم، الآية: ٢٨] . (ر: قاموس ص ٧٣٧، مقدمة الكتاب المقدس بالإنجليزية، طبعة سنة ١٩٧١م، وهي التي يطلق عليها النسخة القياسية المنقحة (R.S.V)، رسالة في اللاهوت ص ٢٧٥، سبينوزا) . ٦ سفر القضاة ٦/٣٤، وجدعون: هو ابن يوآش. أحد قضاة بني إسرائيل، ويزعمون أن ملاك الرّبّ قد دعاه ليخلص شعبه من المديانيين والوثنيين، وليهدم مذبح البعل الذي كان يعبده قومه. (ر: سفر القضاة الإصحاحات (٦، ٧، ٨، قاموس ص٢٥٢) . ٧ كتاب شمويال هو: سفر صموئيل، وصموئيل مناه: (اسم الله)، وهو في العهد القديم من الأنبياء وآخر القضاة في بني إسرائيل، وقد أمره الله أن يمسح شاؤل ملكًا على بني إسرائيل، وينسب إليه سفران باسمه، وكانا في الأصل سفرًا واحدًا وتمَّ تقسيمه إلى جزئين في طبعة البندقية ١٥١٦-١٥١٧م، من النسخة السبعينية، وعدد إصحاحات السفر (٣١)، والثاني (٢٤)، إصحاحًا. أما مؤلِّف السفر الأوّل والثاني فهو مجهول. ويقول سبينوزا: لم يكتب صموئيل سفره؛ لأن الرواية تمتد إلى ما بعد موته بقرون عديدة. (ر: رسالة في اللاهوت ص ٢٧٥، قاموس ص ٥٥٢، وما بعدها، مقدمة الكتاب المقدس، ط سنة ١٩٧١م، بالإنجليزية) . ٨ سفر صموئيل الأوّل ١٠/١٠. ٩ سفر حزقيال ٣/٢٣، ٢٤.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وفي إنجيل لوقا: "إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه"١.
وقال لوقا في إنجيله: "كان في بيت المقدس رجل يقال له: سمعان، ينتظر عزاء إسرائيل / (١/١٦٢/أ) وروح القدس كانت تحلّ عليه"٢.
وقال يوحنا التلميذ في إنجليه: "كلّ إنسانٍ لا يولد من الماء والروح لا يدخل ملكوت الله"٣.
وقال فولس في رسالته الأولى لإخوانه: "أو لا تعلمون أنكم هياكل الله وأن روح الله حال فيكم، ومن يفسد هيكل الله يفسده الله"٤.
وذلك كلّه دليل على مساواة المسيح غيره من الأنبياء والأولياء في حلول هذه الروح التي هي إما الملك، أو العلم والحكمة.
فما أجاب به النصارى عن حلول الروح على من ذكرنا وامتلائهم منها فهو جواب عن قول جبريل لمريم: "روح القدس تحلّ عليكِ"٥.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٤١. ٢ لوقا ٢/٢٥. ٣ يوحنا ٣/٣. ٤ رسالته الأولى إلى هل كورنثوس ٦/١٦، ١٧. ٥ تقدم الحديث عن معاني كلمة (الروح) . (ر: ص ١٢٥) .
[ ١ / ٤٠٨ ]
٩ سؤال: قال النصارى: قال يسوع لمقعد قد غفرت لك١، وذلك دليل ربوبية إذا لا يغفر الذنوب إلاّ الله.
والجواب: هو أنا نقول: ليس كذلك لفظ الإنجيل؛ وإنما قال له: مغفورة لك خطاياك. أخبره عن الله بغفر خطاياه لصبره على بلواه وسكونه تحت مجاري قد مولاه، ثم ولو سلمنا ورد هذه اللفظة بعينها على ما على حرفها السائل فليس فيها مستروح لما يحاول، إذ يحتمل أن يكون / (١/١٦٢/ب) ذلك المقعد من جملة من كان يؤذي المسيح مع اليهود ويقول فيه كقولهم، فلما رآه المسيح وشاهد بلاه رَقَّ له وحنى عليه فقال له: قد غفرت لك، يريد حللتك، والدليل عليه قول بطرس في الإنجيل للمسيح: "يا أبت، إلى كم أغفر لأخي إذا أخطأ إِليَّ إلى سبع مرات؟ قال: لست أقول إلى سبع مرات فقط بل إلى سبعين مرة سبع مرات"٢.
وهذه أكابرهم اليوم يفعلون ذلك ويغفرون لمن أرادوا حط ذنوبه، وليس فيهم من يعتقد خروجه عن ربقة العبودية٣.
وقد ذكر الإنجيل: "إن اليهود ومن حضر يسوع أنكروا عليه هذه الكلمة، فقال: ألم تعلموا أن ابن الإنسان قد جعل له أن يغفر الخطايا"٤.
فصرّح في هذا القول بأنه عبد مخلوق، جعل الله له أن يخبر عباده بغفر خطاياهم لإيمانهم به وتصديقهم له.
_________________
(١) ١ متى ٩/٢. ٢ متى ١٨/٢١، ٢٢. ٣ إنّ تجرؤ قساوسة الكنيسة على ادعائهم غفران خطايا النصارى يعتبر سرًّا من أسرار الكنيسة السبعة، ويُسمَّى (سرّ الاعتراف وغفران الذنوب)، وقد قررته الكنيسة حقًّا لنفسها في المجمع الثاني عشر (الإيتراني الرّابع) سنة ١٢١٥م، وتمادت في ذلك إلى أن أصدرت الكنيسة (صكوك الغفران) لاستغلال النصارى وجمع الأموال للكنيسة وقساوستها، وقد كانت مسألة غفران الذنوب من أبرز الأسباب التي دعت إلى ظهور حركة الإصلاح الكنسي وظهور فرقة البروتستانت. ٤ متى ٩/٣-٦.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وقد قال مرقس في إنجيله: "قال يسوع لتلاميذه: إذا قمتم إلى الصلاة فاغفروا لمن لكم عليه خطيئة، لكيما يغفر لكم ربّكم خطاياكم"١.
وقالت التوراة في السفر الخامس منها: "يا موسى ارحل أنت وبنو / (١/١٦٣/أ) إسرائيل، وأنا أرسل معكم ملكًا يغفر لكم خطاياكم"٢. أضاف الغفران إلى الملك وهو عبد من عبيد الله تعالى.
وقالت التوراة: "إن إخوة يوسف دنوا لتقبيل رجليه، فلم يدعهم، فاعترفوا له بذنوبهم فغفر لهم"٣. فقول المسيح للرجل: قد غفرت لك، معناه: قد حاللتك أو قد شفعت لك.
وقال فولس في آخر الرسالة الخامسة - وهو يوصي بالبر واللطف -: "وأنتم أيّها الأرباب اغفروا ذنوب مماليككم؛ لأن ربّكم في السماء وليس عنده هوادة"٤.
١٠ سؤال: قال النصارى: قال يوحنا المعمداني ين رأى المسيح: "هذا خروف الله الذي يحمل خطايا العالم"٥. فشهد وهو نبيّ صادق بأن المسيح سيقتل ويصلب قربانًا عن خطيئة آدم.
والجواب: أن هذا السؤال دالّ على عدم فهم مورده وسوء بصيرته بالإنجيل، وذلك أنّ يوحنا أورد هذا الكلام شهادة للمسيح بالنبوة والرسالة أسوة غيره من الأنبياء في حملهم خطايا قومهم بما يرشدونهم إليه من الإيمان
_________________
(١) ١ مرقس ١١/٢٥، ٢٦. ٢ سفر الخروج ٢٣/٢٣، ٣٢/٣٤. ٣ لم أجد في النسخة التي يبدي في التوراة اليونانية والسامرية النّصّ الذي ذكره المؤلِّف، وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى في حكاية يوسف مع أخوته: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ. قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . [سورة يوسف، الآية: ٩١-٩٢] . ٤ رسالته إلى أهل أفسس ٦/٩. ٥ يوحنا ١/٢٩، ٣٠.
[ ١ / ٤١٠ ]
والمغفرة بالله سبحانه،/ (١/١٦٣/ب) وقد كان المعمداني يتصل به ما يهتف به اليهود من فذف المسيح وقذف والدته الطاهرة، ويبلغه قول اليهود: "إنه لن يجيء من الجليل والناصرة نبيّ"١، فلما وقع بصره على المسيح وعرفه بتعريف الله له قال: "هذا الذي به يحط الله خطايا عالم زمانه". والدليل عليه: بقية الكلام إذ قال يوحنا: "هذا الذي قلت لكم إنه يأتي بعدي، وهو أقوى مني، وأنا فلا أستحقّ أن أحلّ سيور حذائه ولا أصلح أجلس مقعد خفه، وهو الذي بيده الرفش ينقي بيدره الغلة إلى إهرائه، ويحرق الأتبان بالنار التي لا تطفئ"٢.
فقد أفادنا قول المعمداني هذا معانٍ شتّى في شأن المسيح منها: تسويته المسيح مع مسائر بني إسرائيل في جعله خروفًا، قال المسيح في إنجيله: "إني إنما أرسلت للخراف الضالّة من بني إسرائيل"٣. سمّى الناس خرافًا، وسماه المعمداني خروفًا من غير تفرقه بينه وبين غيره، وكذلك قال المسيح: "أنا الراعي الصالح وأنا عارف برعيتي"٤.
ومنها: أن المعمداني شهد / (١/١٦٤/أ) بأن المسيح عبد الله، وأضافه إليه إضافة ملك، فقال: "هذا خروف الله". وقال مرة أخرى: "هذا حمل الله". فشهد بأن الله مالكه، ولم يقل المعمداني حين رأى المسيح: هذا هو الله - كما يهذي به طوائف من النصارى. ولا قال: هذا الإنسان الذي اتّحد الله به أو سكن الله في إهابه واتّخذه له نزلًا ومسكنًا - كما افتراه متأخرو النصارى.
_________________
(١) ١ يوحنا ١/٤٦. ٢ يوحنا ١/٢٩، ٣٠. ٣ متى ١٠/٦. ٤ يوحنا ١٠/١٤.
[ ١ / ٤١١ ]
وفي ذلك تكذيب للأمانة وإظهار لفسادها ومراغمة لمن عقدها حيث يقولون فيها: "إن المسيح إله حقّ، بيد أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء، وإنه خالق غير مخلوق".
الويل لهم، أَهُم أعلم بالمسيح وأعرف به من نبيّ الله يحيى بن زكريا الذي شهد المسيح "بأن النساء لم تلد مثله"١، فيوحنا هذا النبي ﵇ إنما بعثه الله على زعم النصارى ليشهد للمسيح، وها هو يشهد بأن المسيح خروف وأن الله مالكه، وأنه يأتي بعده يعمد الناس ويستتيبهم كما كان يحيى بن زكريا يفعل غير أنه أقوى منه، وهذا قد يقول ذوو الورع والتقوى تورعًا وخوفًا من السلب بالإعجاب، / (١/١٦٤/ب) ولا يلزم أ، يكون القائل لذلك دون المقول له فلم يزل الصالحون يعتمدون ذلك.
وقد شهد يوحا بنبوة المسيح صريحًا إذ يقول: "إنه يجمع الصلحاء إلى ملته والأبرار ويبعد الكفار إلى النار". فقد وضح أنه ليس في كلام المعمداني ما يدلّ على انتحال الضلال. وإلاّ فما أحسن ربًّاُ له حذاء ينتعله وخف يقي رجليه؟!!. أعوذ بالله من العمي وتنكب الهدى.
١١ سؤال: وهو معضلات النصارى، قال النصارى: قال يسوع: "أنا بأبي، وأبي بِيَ"٢. قالوا: هذا تصريح من المسيح بأنه متّحد بالله، والله متّحد به.
والجواب: في قول يوحنا التلميذ في الفصل السادس عشر من إنجيله، قال يوحنا: "تضرع المسيح إلى الله في تلاميذه فقال: أيها القدوس احفظهم
_________________
(١) ١ متى ١١/١١. ٢ يوحنا ١٤/١٠، ١١.
[ ١ / ٤١٢ ]
باسمك ليكونوا هم أيضًا شيئًا واحدًا كما أنا شيء واحد، قد منحتهم من المجد الذي أعطيتني ليكونوا شيئًا واحدًا، فأنا بهم وأنت بِيَ"١.
وتأويل ذلك: أنت يا إلهي معي وأنت لي، وأنا أيضًا مع أصحابي وأنا لهم، وكما أنك / (١/١٦٥/أ) أرسلتني لأدعو عبادك إلى توحيدك فكذلك أرسلتهم ليدعوا إليك، فكن لهم كما كنت لي، فإن عُدِل عن هذا التأويل لزم منه المحال؛ وهو أن يكون قوام الله وثبوت ربوبيته برجل من خلقه، ويلزم منه محال آخر؛ وهو: أن يكون الباري وعبد من عبيده متداخلين، ويلزم منه محال آخر؛ وهو: أن يكون التلاميذ متداخلين مع المسيح ويكون المسيح متداخلًا معهم٢.
فإن التزمه النصارى قيل لهم: فالله إذًا حالّ في التلاميذ والتلاميذ حالّون في الله - تعالى الله عن هذيان النصارى علوًّا كبيرًا.
وقد قال فولس - وهو يعظ بعض إخوانه ويحذره من الزنى -: "أما علمتم أن أجسادكم أعضاء للمسيح، فيعمد أحدكم إلى عضو من المسيح فيجعله عضوًا للزانية؛ لأن من يصحب الزانية يصير معها جسدًا واحدًا، والذي يصحب سيدنا المسيح يصير معه روحًا واحدًا"٣.
وذلك يفسد على النصارى سؤالهم.
١٢ سؤال ثانٍ: من المعضلات، قال النصارى: قال يوحنا التلميذ في الفصل / (١/١٦٥/ب) الثالث عشر من إنجيله: "من رآني فقد رآى أبي فأنا وأبي واحد"٤.
_________________
(١) ١ يوحنا ١٧/١١-٢٣. ٢ ورد هذا الجواب أيضًا في النصيحة الإيمانية للمهتدي نصر بن يحيى المتطبب ص ١٧٤. ٣ رسالته الأولى إلى كورنثوس ٦/١٥-١٧. ٤ يوحنا ١٤/٩-١١، ١٠/٣٠.
[ ١ / ٤١٣ ]
والجواب: أن له وجوهًا من التأويل:
أحدها: إنه قد اعترف في الإنجيل في غير موضع أنه رسول من الله إلى عباد الله، ولا شكّ أن رسول الملك إذا توجه إلى قطر فأبدى بعض الرعية شماسًا١ عن الامتثال فيحسن منه أن يقول: أنا ومن أرسلني واحد، ومن رآني فقد رآى من أرسلني، ومن بايعني أو عاهدني فقد بايع وعاهد من أرسلني وحصل له العصمة والذمام، وذلك غير مستنكر من الرسل والنواب والوكلاء ومن ندب لسفارة ووساطة بين اثنين أو جماعة، ومنه قول الله عزوجل لنبيّه محمّد ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوقَ أَيْدِيهِم﴾ . [سورة الفتح، الآية: ١٠] .
الوجه الثاني: أن رؤية الصنعة تدل على صانعها؛ إذ لا يتصور بناء محكم متقن إلاّ ببانٍ حكيم متقن، وكلما جَلَّت الصنعة دلّت على جلال صانعها، والمسيح لما بهر الناس بما صدر على يديه من العجائب ورأى التفاتهم إليه / (١/١٦٦/أ) واشتغالهم به فأحب رفع هممهم إلى الله الذي هو أعلى وأجل وأحكم من كلّ حكيم، وقد قال في إنجيله: "أبي أعظم مني"٢. وقال له إنسان: يا معلم صالح. فقال: "لا تقل لي صالحًا، لا صالح إلاّ الله واحده".
_________________
(١) ١ أي: امتناعًا وإباء. (ر: القاموس ص ٧١٢) . ٢ يوحنا ١٤/٢٨.
[ ١ / ٤١٤ ]
والوجه الثالث: المسيح كان عبراني اللسان، والعبرانيون يعتقدون قول التوراة في السفر الأوّل منها: "أن الله خلق آدم يشبهه"١. قولًا صحيحًا، فخاطبهم المسيح بما يفهمون، وإنما أرادت التوراة: أن الله حيّ عالم قادر، وقد أعطي آدم هذه الصفات من الحياة والعلم والقدرة، فكأنه يقول من رآني فقد رأى آدم، ومن رأى آدم فقد رأى الله، فحذف الواسطة.
_________________
(١) ١ سفر التكوين ١/٢٦، ٢٧، ونصّه: "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا". قال الإمام ابن تيمية: "إن لفظ التوراة: "نصنع آم كصورتنا وشبهنا". وبعضهم يترجمه: "نخلق بشرًا على صورتنا شبهنا) . والمعنى واحد. وهو كما قال النبيّ ﷺ: "إن الله خلق آدم على صورته". (أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ٨/٤٣)، ومسلم ٤/٢١٨٣، وأحمد ٢/٣١٥) . وفي رواية: "على صورة الرحمن". (أخرجه ابن أبي عاصم في السنة / ٢٢٨، ٢٢٩، والآجري في الشرعية ص ٣١٥، والبيهقي في الصفات ص ٢٩١، وصحّحه الإمامان: أحمد وابن راهويه. (ر: نقض التأسيس ٢/١٣٣، ١٤٠، المخطوط) - ثم قال - إن شبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيم يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل: هذا حيّ عليم قدير، وهذا حيّ عليم قدير، فتشابها في مسمّى الحيّ والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمّى مماثلًا لهذا المسمّى فيما يجب ويجوز ويمتنع؛ بل هنا ثلاثة أشياء: أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلّي لا يخصّ به أحدهما، ولا يوجد كلّيّ عامٌ مشترك إلاّ في علم العالم. والثاني: ما يختصّ به هذا، كما يختصّ الرّبّ به من الحياة والعلم والقدرة. والثالث: ما يختصّ به العبد من الحياة والعلم والقدرة. فمما اختصّ به الرّبّ عزوجل لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختصّ به العبد لا يشركه فيه الرّبّ، ولا يستحق شيئًا من صفات الكمال التي يختصّ به الرّبّ عزوجل. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلّيّ الثابت في ذهن الإنسان فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه غير محذور. ولفظ التوراة فيه: "سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهنا". لم يقل: على مثالنا، وهو كقول النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح: "لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته". فلم تذكر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كموسى ومحمّد ﷺ إلاّ لفظة (شبه) دون لفظ (مثل) . وقد تنازع الناس: هل لفظ الشبه والمثل بمعنىً واحدٍ أو معنيين؟ على قولين: أحدهما: أنهما بمعنىً واحدٍ، وأن ما دلّ عليه لفظ المثل مطلقًا ومقيدًا يدلّ عليه لفظ الشبه. وهذا قول طائفة من النظار. والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغةً وشرعًا وعقلًا. وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر. وهذا قول أكثر الناس. فإن العقل يعلم أن الأعراض مثل الألوان تشتبه في كونها ألوانًا مع أن السواد ليس مثل البياض. ومعلوم في اللغة أن يقال: هذا يشبه هذا وفيه شبه من هذا؛ إذ أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفًا له في الحقيقة. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ١٨٨] . فوَصَف القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل. فإن القلوب وإن اشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة. (ر: للتوسع: الجواب الصحيح ٢/٢٣١-٢٣٤، شرح كتاب التوحيد ٢/٢٩-٩٨، للشيخ الغنيمان، وعقيدة أهل الرحمن في خلق آدم على صورة الرحمن - للشيخ حمود التويجري، نقض أساس التقديس ٢/١٣٣-١٤٢، للإمام ابن تيمية) .
[ ١ / ٤١٥ ]
فإن عدلوا عن هذا التأويل لزمهم أن يكون اليهود وسائر الكفار والحمير والكلاب قد رأوا الله، وأكذبوا التوراة والإنجيل؛ إذ يقول: "إن الله لم يره أحد قط"١.
١٣ سؤال ثالث وهو من المعضلات: حكى النصارى عن المسيح ﵇ أنه قال: "لا يصعد إلى السماء إلاّ من / (١/١٦٦/ب) نزل من السماء"٢.
والجواب: من وجوه:
أحدها: أنه أشار إلى زاكي الأعمال وهي التي نزلت بالوجه مع الملائكة، وكأنه يقول: لا يصعد من الأعمال إلاّ ما كان خالصًا قد أُريد به وجه الله. قال الله تعالى: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُم أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ ٣. وقال سبحانه: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الكَلْمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . [سورة فاطر، الآية: ١٠] .
الوجه الثاني: أنه لا يبادر إلى سموّ الأخلاق والأعمال والأحوال إلاّ من له سموّ وهِمَّة مثل الحواريين الذين أجابوا داعي المسيح من غير تقدم رؤية آية بل قال لهم: "دعوا الدنيا واتّبعوني ففعلوا"٤.
_________________
(١) ١ يوحنا ١/١٨. ٢ يوحنا ٣/١٣. ٣ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ٤٠] . ٤ متى ٤/١٨-٢٢، في سياق طويل، وقد ذكره المؤلِّف بالمعنى مختصرًا.
[ ١ / ٤١٦ ]
والوجه الثالث: أنه أشار إلى الأرواح الطاهرة السماوية التي تنام على طهارة يؤذن لها فتعرج وتسرح ثم تعود فإذا فارقت الجسد صعدت، وأما أرواح الكفار والفجار فلا تصعد وإذا فارقت الجسد أودعت في الأرض السفلى؛ لأنها لم تنْزل من السماء.
فإن عدلوا عن هذه الوجوه وأجروه على ظاهره، قلنا لهم: فقد صعد إلى السماء / (١/١٦٧/أ) من لم ينْزل منها وهو إدريس الذي يسمونه خنوخ١.
وناسوت المسيح أيضًا لم ينَزل من السماء وقد صعد إلى السماء، فإما أن يتأولوا الخبر وإلاّ أخرجوه إلى الكذب.
فإن قال النصارى: لم يزل يسوع متجسدًا، أكذبتهم نصوص الإنجيل والأمانة إذ تقول: "إنه أخذ جسده من مريم ﵉، وقال في الإنجيل: "هذا مولد يسوع المسيح"، فحكم بأنه مخلوق".
١٤ سؤال رابع من المعضلات: روى النصارى عن المسيح أنه قال: "إن إبراهيم الخليل اشتهى أن يرى يومي فرأى وفرح، فقال له اليهود: لم يأت لك
_________________
(١) ١ أخنوخ: اسم عري ومعنا: (مكرس أو محنك)، وهو ابن يارد، وقد ذكر في التوراة أنه عاش في طاعة الله ثلاثمائة وخمسًا وستين سنة، ثم لم يوجد بعد ذلك؛ لأن الله أخذه. (سفر التكوين ٥/٢-٢٤) . وفسر ذلك بأن الله نقله لكي لا يرى الموت. (ر: قاموس ص ٣٢) . وقال الإمام ابن كثير: "إن إدريس ﵇ هو خنوخ، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية: ٥٦-٥٧] . وقد كان قبل نوح ﵇، ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أوّل من تكلم عن الخطّ بالرمل، ويسمونه هرمس الهرامسة. ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء الحكماء والأولياء" اهـ. (ر: قصص الأنبياء لابن كثير ص ٥٨، وراجع: قصص الأنبياء للنجار ص ٢٤، والنبوة للصابوني ص ٢٤٣) .
[ ١ / ٤١٧ ]
خمسون سنة فكيف رأيت إبراهيم؟ فقال: الحقّ أقول لكم إنني [كنت] ١ قبل أن يكون إبراهيم". قال المؤلِّف: هذا من أقوى ما يتمسك به النصارى في ربوبية المسيح.
والجواب: يحتمل أن يكون الله تعالى قد أرى إبراهيم أيام المسيح كما أرى آدم جميع أيام ولده، وأعلم إبراهيم بأحواله كما أعلم آدم بأحوال ولده من بعده، وكما أرى موسى ما يؤول أمر بني إسرائيل إليه على ما / (١/١٦٧/ب) يشهد بذلك التوراة وذلك بالروح المدركة لا بالعين الباصرة.
فإن أبى النصارى هذا التأويل أكذبوا متّى إذ يقول في صدر إنجيله: "هذا مولد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم"٢. وأكذبوا لوقا في روايته عن جبريل إذ يقول لمريم: "إنك تلدين ولدًا يسمّى يسوع يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود".
وإذ كان المسيح إنما هو ابن مريم ولدته في زمن متأخر عن إبراهيم بمئتين من السنين، فكيف يكون قبل إبراهيم إلاّ على وجه التأويل وهو أن الله تعالى كان قد قَدَّر له الاصطفاء والاجتباء في سباق علمه قبل إبراهيم، وأعلَم الله إبراهيم: أن من ولدك مَن أجعله آية للعالمين، فاشتاق إلى رؤية هذا الولد، فكشف الله له عن روحه الزكية النبوية فرآها وفرح بها.
_________________
(١) ١ ساقطة من الأصل، وقد أثبتّها من نصّ الإنجيل. ٢ متى ١/١.
[ ١ / ٤١٨ ]
وقد روي في الخبر: "أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأشباح بألفي عام"١. وقد قال سليمان في حكمته: "أنا قبل خلق الدنيا"٢. كما حكينا فيما مضى، وقال داود في مزموره: "ذكرتني يا ربّ من البدء وقدّستني بأعمالك"٣.
وقيل لمحمّد ﷺ / (١/١٦٨/أ) متى وجبت لك النبوة؟ فقال ﵇: " كنت نبيًّا وآدم منجدل في طينته"٤.
١٥ سؤال خامس وهو من المعضلات: روى النصارى عن يوحنا الإنجيلي أنه قال في صدر إنجيله: "إن الكلمة صارت جسدًا وحلّت فينا"٥.
_________________
(١) ١ رواه الأزدي عن عليّ ﵁ مرفوعًا بلفظ: "إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثم جعلها تحت العرش ثم أمرها بالطاعة فأول روح سلمت عليّ روح عليّ". قال الأزدي: في إسناده عبد الله بن أيوب بن أبي علاج وهما كذابان، وقال ابن عدي في الكامل ٤/٢١٠: وهو منكر. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع. (ر: الموضوعات لابن الجوزي ١/٤٠١، والآليء المصنوعة للسيوطي ١/١٩٩، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ص ٣٨٢) . ورواه أبو عبد الله بن منده عن عمرو بن عنبسة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "إن الله خلق الأرواح قبل العباد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف". قال ابن القيم: "إسناده لا يصح". ففيه عتبة بن السكن، قال الدارقطني: "متروك". وأرطأة بن المنذر، قال فيه ابن عدي ١/٤٣١: بعض أحاديثه غلط". (ر: الروح لابن القيم ص ٢١٦، ٢٣٢) . ٢ سفر الأمثال ٨/٢٢-٣١، بألفاظ متقاربة. ٣ سفر المزامير ١٤٣/٥، بألفاظ متقاربة. ٤ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/١٢٧، وابن حبان (ر: الموارد ص ٥١٢)، والحاكم ٢/٤١٨، عن العرباض بن سارية ﵁، قال: فذكره بنحوه. وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي. كما صحّحه الشيخ الألباني في حاشية مشكاة المصابيح ٣/١٢٧. وفي رواية أخرى عن ميسرة الفجر ﵁. أخرجها الإمام أحمد ٥/٥٩، والحاكم ٢/٦٠٧-٢٠٩، وصحّحه ووافقه الذهبي. ٥ يوحنا ١/١٤.
[ ١ / ٤١٩ ]
والجواب: أن ذلك يحتمل التقديم والتأخير لفساد التعبير وتبدل اللسان فتكون إن الجسد الإنساني الذي هو جسد المسيح سمي الكلمة، ولا معنى لـ: (صار) إلاّ تجدد ما لم يكن، وقوله: (وحلّ فينا) إشارة إلى جسد يسوع المسيح الذي صار كلمة بالتسمية من الله تعالى، وكأن يوحنا يقول: إن الذي كفر به اليهود ونسبوه إلى الجنون شرَّفه الله سماه كلمة له، وأقام بين أظهرنا ما أقام لم يعرفوا قدره.
ويحتمل أن يكون يوحنا أشار بهذا القول إلى بطرس كبير التلاميذ وَوَصَّي المسيح من بعده، فإنه قام بتدبيرهم بعد رفع المسيح بعهد عهده إليه ووصية أوصاه، وكان التلاميذ يفزعون إليه في نوازلهم بعد المسيح على ما يشهد به سيرهم، / (١/١٦٨/ب) وكأن يوحنا يقول: "إن ذهبت الكلمة من بيننا فإنها لم تذهب حتى صارت جسدًا وحلّ فينا". يريد أن بركة الكلمة وتدبيرها حاضر في جسد بيننا وهو بطرس.
ويحتمل أن يكون يوحنا قال: "إن الكلمة أصارت جسدًا وحَلَّ فينا". فأسقطوا الهمزة عند إخراج الكلام إلى اللسان العربي من العبراني، والميز١ بين صارت وأصارت لا يكاد يدرك في اللسان الواحد، فكيف مع النقل والتحويل وفساد الترجمة؟! وقد أخبر الله تعالى أن المسيح كان يصنع من الطين حيوانًا٢، والنصارى وإن أنكروا هذا ففي الإنجيل ما يصدِّقه وهو: "أن المسيح ﵇ تفل على الطين من ريقه وصوَّره على موضع عيني رجل أكمه قد
_________________
(١) ١ أي: التمييز والتفريق بين صارت وأصارت ٢ قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٤٩] . ولم تذكر الأناجيل المحرفة هذه المعجزة لعيسى ﵇. كما لم تذكر أيضًا كلام عيسى في المهد صبيًّا، وذلك بسبب نسيانهم وإهمالهم وتحريفهم لكتب الله عزوجل.
[ ١ / ٤٢٠ ]
ولد أعمى، وقال: اذهب فاغتسل في عين شلوخا ففعل وأبصر، فتعجب اليهود من ذلك"١.
فإن أبى النصارى تأويلناالكلام يوحنا هذا لزمهم أن تكون الكلمة الأزلية استحالت لحمًا ودمًا وعروقًا وشعرًا وظفرًا واغتذت بالطعام / (١/١٦٩/أ) وكان منها ما يكون من الأنام، وبقيت ذات الباري خرساء غير ناطقة وجاهلة غير عالمة، وذلك لا يقوله لبيب.
فإن قيل: فما المرضي عندك في كلمة يوحنا هذه على تقدير صحّتها وسلامتها عن التحريف والتصحيف؟
فأقول: يحتمل أن تكون كلمة جبريل التي أوردها على مريم قد صارت جسدًا وتخلَّق منها المسيح الذي حلَّ فيهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ - إلى قوله: - ﴿فَحَملَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية: ١٧-٢٢] . وذلك بعينه هو الذي حكاه لوقا في إنجيله عن جبريل، وإذا كانت الكلمة التي صارت جسدًا هي كلمة جبريل اندفعت عنا مؤنة التأويل.
١٦ سؤال سادس من المعضلات: حكى النصارى عن المسيح أنه قال: "كما أقام يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام وليال، فذلك ابن الإنسان يقيم في بطن الأرض وقلبها ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ"٢.
والجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: لا أُسلِّم صحّة هذا النقل بل هو كذب ومَيْن، إذ الإنجيل يشهد أن المصلوب المقبور لم يبق / (١/١٦٩/ب) في قلب الأرض وبطنها سوى يوم واحد وليلتين على كلا الروايتين، فقد أخلف قولهم وظهر كذبه وإفكه فلا حاجة بنا إلى الكلام عليه.
_________________
(١) ١ يوحنا ٩/١-٧. ٢ متى ١٢/٣٩، ٤٠.
[ ١ / ٤٢١ ]
والوجه الثاني: أن المسيح لم يقل: إني أقتل وأصلب وأدفن وأقيم في بطن الأرض هذه المدة كما تخرصه النصارى، إنما قال: إن ابن الإنسان يجري له ذلك، وابن الإنسان هو الذي يُشَبَّه لليهود بالمسيح؛ لأن المسيح على ما قررته وأوضحته فيما تقدم١.
وقد قلَّبت الإنجيل دفعات كثيرة وأنعمت النظر فيه فما وجدته قط أضاف ذلك إلى نفسه الكريمة ولا أورده إلاّ مضافًا إلى ابن الإنسان يعرف ذلك من وقف على الإنجيل.
والعجب من النصارى كيف يُنْزِلون ذلك على المسيح وهو [لا] ٢ يرضون له بنوةإبراهيم وداود؟! فكيف يجعلونه ابن إنسان من عرض الناس؟!
والعجب أيضًا أنهم يصفونه بما وصفه به اليهود من حيث لا يشعرون؛ لأن غاية ما قال فيه اليهود أنه ولد يوسف النجار، فأي فرق بينهم وبين اليهود في ذلك / (١/١٧٠/أ) إذا اعترفوا أنه ابن الإنسان؟
وإذا كان المسيح عندهم إنما هو ابن الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - فلا يمكن أن يكون ابن الله يُقتل ويُدفن في الأرض بين الأموات، هذا مع وصفهم له في الأمانة: "فإنه إله حقّ من إله حقّ من جوهر الله". فإن صدقوا - وحوشوا من الصدق - فالذي قال المسيح: إنه يكون في قلب الأرض أيام وثلاث ليالٍ، إنما هو ابن الإنسان الذي هو إنسان حقّ من إنسان حقّ من جوهر أبيه آدم، وفي ذلك تكذيب لهم في دعوى قتل المسيح وصلبه.
_________________
(١) ١ ر: الباب الخامس في أن المسيح ﵇ وإن قصد وطلب فما قتل وما صلب. ٢ في ص (فلا) والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٤٢٢ ]
١٧- سؤال سابع من المعضلات: حكى النصارى عن المسيح ﵇ أنه قال: "قال داود في مزمور له: قال الرّبّ لربي"١. قال المسيح: "فهذا داود يدعوه ربّه فكيف تقولون إنه ابنه؟ "٢.
والجواب: أنا لا نصحّح هذا النقل عن داود نبيّ الله، فإنه إنما بعث ذابًا عن توحيد التوراة ومقررًا لها أسوة غيره من الأنبياء الذين بعثوا بعد موسى ﵇ والتوراة، فليس فيها ما يدل على ضلال النصارى، ومتى شهر عن / (١/١٧٠/ب) موسى أو داود وغيره من أنبياء الله أن الرّبّ يكون له ربًّا وللإله إلهًا؟!.
وإذا كان ذلك من الهذيان فلنوَرِّك٣ على النقلة عن داود، إذ داود ثابت العصمة وهو أعرف بالله تعالى من أن يجعل له ربًّا فوقه أو ربًّا تحته يشاركه في الربوبية، على أن ذلك مردود بشهادة الإنجيل عن جبريل إذ قال لمريم: "إنك تلدين ولدًا يجلسه الله على كرسي أبيه داود". وفي ذلك تكذيب لمن نقل عن المسيح أيضًا، إذ المسيح قد شحن إنجيله بتوحيد الله وإفراده بالربوبية كما حكيناه عنه، فكيف يَدَّعى أنه ربًّا لداود والناس ينادونه: يا ابن داود ارحمنا، فيفعل ويرضى منهم بهذا القول؟!.
وهو القائل في إنجيله: "لا صالح إلاّ الله"٤. "إن إلهكم واحد"٥. "إن أفضل الوصايا كلّها الله واحد"٦. "أنا ذاهب إلى إلهي و[إلهكم] ٧". "إلَهي إلَهِي
_________________
(١) ١ ورد في مزمور ١١٠/١، وقد نقل الإمام ابن تيمية استدلال النصارى بهذا النّصّ، وذكر الرّدّ عليهم من أربعة أوجه. (ر: الجواب الصحيح ٢/٢٣٧، ٢٣٨) . ٢ متى ٢/٤٣، ٤٤. ٣ أي: فلنوجب حمل الذنب على النقلة عن داود. (ر: قاموس ص ١٢٣٥) . ٤ متى ١٩/١٦-١٧، مرقس ١٠/١٧، لوقا ١٨/١٨. ٥ متى ٢٣/٩. ٦ مرقس ١٢/٢٨-٣٠. ٧ في ص (الاهي) والتصويب من النص في إنجيل يوحنا ٠/١٧.
[ ١ / ٤٢٣ ]
لِمَ تركتني؟ "١. "إنكم تريدون قتلي وأنا إنسان كلمتكم بالحقّ الذي سمعته من الله"٢. وذلك في الإنجيل كثير جدًا.
وإذا كان هذا نصّ المسيح في الإنجيل فقد كذبوا عليه في ادِّعائه أن داود / (١/١٧١/أ) عبده. قال مؤلِّفه: سألت حَبرًا من أحبار اليهود عن هذا المزمور، قال: "قال الرّبّ لربي". تفسيره عندنا بالعبرانية: "قال الرّبّ لوليي". قال والرّبّ عندنا يطلق على المعظم في الدين ثم تلا قول إبراهيم ولوط الذي حكيناه٣.
١٨- سؤال ثامن من العضلات: قال النصارى: نحن واليهود من مخالفينا في الملة ننقل أن الذي قتل وصلب لم يكن سوى يسوع المسيح فلو تطرق التشكيك إلى رواتنا ونقلة أخبارنا وحملة ديننا لتطرق مثله إلى ما تنقلونه عن أسلافكم ولم يثبت لأحد من أتباع الأنبياء قاعدة ألبتة٤.
والجواب: أن الرواة الأربعة الذين رووا لكم القتل والصلب لم يحضر منهم أحد البتة ذلك المشهد من خوف اليهود بشهادة الإنجيل.
وقد شهدت أقاصيص الإنجيل بأن المسيح كان قد تغيَّر منظر وجهه حتى على بطرس وخواص تلاميذه. واستولى عليه ذلك حتى تعدَّى إلى لون ثيابه فغيرهما عما كانت عليه، وأنه لما التبس أمره وتنكرت حلاه على أصحابه فضلًا عن اليهود إحتاجوا / (١/١٧١/ب) إلى أن أرشوا رجلًا من تلاميذه الاثني عشر برشوة حتى دلّهم عليه، ثم لم يعرفوه حتى قال لهم: إذا رأيتموني أُقَبِّل شخصًا فأمسكوه، فإنه
_________________
(١) ١ متى ٢٧/٤٦، مرقس ١٥/٣٤. ٢ يوحنا ٨/٤٠. ٣ ر: ص ٢٦٣، ٢٦٤. ٤ ذكر هذا الاعتراض من النصارى والرّدّ عليه أيضًا في الأجوبة الفاخرة للإمام القرافي ص ٥٠، ٥١، والانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، لنجم الدين الطوفي ص ١٠١.
[ ١ / ٤٢٤ ]
يسوع، هذا مع كون المسيح في كلّ يوم في الهيكل يناظرهم ويفحمهم بالحجج النبوية ويظهر عليهم ويكسر حججهم في كلّ مجلس ومجمع يجتمعون فيه.
فما حاجتهم إلى مَنْ يعرِّفهم عينه بعلامة وأمارة يجعلها لهم لولا وقوع الشبه الحائل بينهم وبين رجلٍ من أسباطهم وعشائرهم فَأَخْذُهم من أخذوه إنما هو الشّبه، ثم الشبه إنما أخذ ليلًا فلم يصيروا به إلى رئيس الكهنة وله حيلة تُعرف فقتلوه صبيحة تلك الليلة كما أخبر الإنجيل. وإذا كان هذا نص الإنجيل أن أصحاب المسيح لم يحضروا، واليهود قد اشتبه عليهم الحال وأنكروا صورة المسيح بعد طول المعرفة به، فإخبار من جاء بعدهم لا يفيد ولا الظن إذ كان مستنده ما ذكرنا.
فالقول بقتل المسيح وصلبه لا سبيل إلى صحته بعد إخبار جبريل عن ربّ العالمين أن المسيح يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملِّكه / (١/١٧٢/أ) على بيت يعقوب على ما تضمنه إنجيل لوقا. وقد حققنا ذلك غير مرة فلا نعيده١.
١٩- سؤال تاسع من المعضلات: قال النصارى: قال المسيح: "إذا كان يوم القيامة أرسل ابن الإنسان ملائكته، فجمعوا أصحاب الشكوك وفاعلي الآثام فيلقونهم في أتون النار، هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان"٢.
قال النصارى: فقد أثبت لنفسه ملائكة، ولا يثبت ملك الملائكة إلاّ لله تعالى، وأثبت أنه المقتول المصلوب.
_________________
(١) ١ ر: الباب الخامس. ٢ متى ١٣/٤١، ٤٢.
[ ١ / ٤٢٥ ]
والجواب: أن هذه نسبة صحبة لا نبسة ملك، والدليل على ذلك من الإنجيل قول يسوع: "لا تحقروا أحدًا من هؤلاء الصغار المؤمنين بِيَ. فإن ملائكتهم ينظرون وجه أبِي الذي في السماوات في كلّ حين"١. فقد أثبت للصغار ملائكة لم يرد الملك، وقد قال يسوع أيضًا لليهود في الإنجيل: "لا تظنوا أني لا أستطيع أن أدعو أبي فيرسل لي اثني عشر جوقًا من الملائكة"٢. أثبت ها هنا ملك الملائكة لله وحده فكان ذلك المطلق [محمولًا] ٣ على هذا المقيد.
وقد قالت التوراة: "إن بني / (١/١٧٢/ب) إسرائيل كان لهم ملك يحمل عمود الغمام ويسير أمامهم ويلهب لهم بالليل نارًا يؤمونها في مسيرهم"٤.
وقوله: "إن ابن الإنسان" يوهم أنه أراد نفسه، ونحن نحمله على الشَّبه الشهيد الذي صلبه اليهود، أنعم فإنه من الحواريين الذين هم تلوا النّبيّين في الشفاعة. قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِّنَ النَّبِيِّين وَالصِّدِّقين..﴾ الآية. [سورة النساء، الآية: ٦٩] . وإذا كان الشَّبَه صِدِّيقًا فهو من خيرهم لإيثاره المسيح، فلا بُعد أن يشهد له المسيح بأنه يشفع يوم القيامة، ويرسل الملائكة بين يديه ويؤمر بامتثال أوامره ويلقي من آذاه وقتله وصلبه في أتون النار.
والدليل على تشريف الأولياء والأصفياء بهذه الرتبة الكتاب العزيز والإنجيل، قال الله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ . [سورة المدّثر، الآية: ٤٨] . دلّ على أن من الشافعين مَنْ تنفع شفاعته.
وقال المسيح لتلاميذه: "أنتم الذين صبرتم معني
_________________
(١) ١ متى ١٨/١٠. ٢ متى ٢٦/٥٣. ٣ في ص (محمول) والصواب ما أثبته. ٤ سفر الخروج ١٣/٢١، ٢٢.
[ ١ / ٤٢٦ ]
في تجاربي وإنكم يوم القيامة تجلسون على اثني عشر كرسيًا من كراسي المجد تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل"١.فقد أثبت محاسبة/ (١/١٧٣/أ) الأسباط من بني يعقوب إلى تلاميذه، والمصلوب من خيرهم كما تقدم. وكيف لا يعظم جرم اليهود ويسلط عليهم في الدار الآخرة أصحاب المسيح وإنما قتلوا في زعمهم واعتقادهم وظنهم المسيح؟! فبشؤم قصدهم عظم إثمهم وإن لم يصادفوه ولا قتلوه فسلط الله عليهم في القيامة بعض خدمه وهو الشَّبه لينتقم منهم.
٢٠- سؤال عاشر وهو من المعضلات، قال النصارى: قال دواد في مزمور له وتنبأ به على آلام المسيح وما يجري عليه من اليهود: "ثقبوا يدي، وجعلوا في طعامي المرار، وعند عطشي سقوني خلًا، يا رب لا تبعد نصرك مني"٢.
_________________
(١) ١ متى ١٩/٢٨. ٢ ورد في مزمور ٢٢/١٦-١٩ كالآتي: "لأنه قد أحاطت بي كلاب جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يديَّ ورجلي، أحصى كل عظامي وهم ينظرون ويتفرسون فيَّ، يقتسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون، أما أنت يا ربّ فلا تبعد، يا قُوَّتي أسرع إلى نصرتي". يقول الشيخ رحمة الله الهندي: "إن هذه العبارة (ثقبوا يدي ورجلي) المذكورة في التراجم الشائعة، لا توجد في العبرانية، بل يوجد بدلًا منها هذه الجملة: "كلتا يدي مثل الأسد". فنسأل النصارى: هل النسخة العبرانية هاهنا محرفة في زعمكم أم لا؟ فإن لم تكن محرفة، فلم حرّفتم هذه الجملة لتصدق على المسيح في زعمكم؟! وإن كانت محرفة فلا بُدَّ أن تُقِرُّوا بتحريفها". (ر: إظهار الحقّ ص٥٥،بتصرف بسيط) . وهذا يؤكّد أن هذا المزمور بالذات قد تعرَّض للكثير من التحريف والتعديل، مما يجعلنا في شكّ من أن تراجمه الشائعة لا تعطي نفس المعاني والمفاهيم التي سجلها داود ﵇ في مزموره الأصلي. كما أن فهم علمائهم لهذا المزمور يتمثل فيما يقوله الأستاذ نينهام-أستا اللاهوت-في كتابه: (تفسيرإنجيل مرقس ص٤٢٨):"بأننا لو أخذناه ككل، فإنه لا يعدوا أن يكون صلاة لعبد بار يعاني آلامًا إلاّ أنه يثق تمامًا في حبّ الله له وحفظه من الشرّ وهو مطمئن تمامًا لحمايته وخاصة الفقرات١٩/٢٦،وبالذات الفقرتين٢٤،٢٦"وفيهما: لأنه لم يحتقر ولم يرذل مسكنة المسكين ولم يحجب عنه بل عند صراخه استمع إليه". وتوجد بعض الشواهد على أن افتتاحية المزمور كان يفسرها قدماء اليهود على ضوء بقية أجزائه وأنه كان يُعرف كصيغة صلاة مؤكّدة الاستجابة من أجل العون في وقت الضيق"اهـ. (نقلًامن المسيح في مصادر-لأحمد عبد الوهّاب ص٢٢٧-٢٢٩) . وأما احتجاجهم بالنّصّ: "وجعلوا في طعامي ". فقد ورد في مزمور ٦٩/٢١ كالآتي: "ويجعلون في طعامي علقمًا وفي عطشي يسقونني خلًا". إلاّ أننا نجد النصّ مختلفًا في الترجمة الحديثة (THE PSALMS) طبعة لندن وجلاسجو عام ١٩٦٣م كالآتي: "أعطوني لطعامي سمًا في عطشي سقونني خلًا". ومن الواضح أنه لا يمكن تطبيق هذه الترجمة على المصلوب حرفيًا لأن الذي يعطي لطعامه سمًا، لا يلبث أن يموت بالسم وليس بالصلب. (ر: المرجع السّابق، ص: ٢٤٦، ٢٥٢) .
[ ١ / ٤٢٧ ]
قالوا: فأي حجة أبين أو دليلًا أوضح من هذا؟!
والجواب: عن ذلك من وجوه:
أحدها: لا نسلم أن دواد عنى بذلك المسيح بل لم يعن إلاّ نفسه، والكلام يحمل على المعنى حيث أعوز حمله على اللفظ، وكأنه ﵇ كَنَّى بذلك عما هو بصدده من قتال المشركين ومنازعة أعداء الدين وجبابرة فلسطين، وكأنهم / (١/١٧٣/ب) لطول حروبهم وموالاة شرورهم فعلوا هذه الأشياء، وداود أخبر بهذا المزمور عن نفسه فمَن أراد صرفه عنه إلى غيره فعليه إقامة الدليل.
قال مؤلِّفه: "بعد تبييض هذه النسخة والفراغ سألت حبرًا من أحبار اليهود عن قول داود: "ثقبوا يدي" بالمزمور، فأجابني بنحو ما ذكرته في الوجه الأوّل على الفور من غير توقف، فتعجبت من اتّفاقه لنصّ ما عندهم.
الوجه الثاني: نسلم أن داود لم يعن بذلك نفسه ولكن عنى غيره فبم تنكر النصارى أن ذلك المعنِيَّ رجلٌ كان قبل داود؟!. واللفظ يساعد عليه فإنه ذكره بلفظ الماضي فقال: ثقبوا يدي جعلوا في طعامي المرار، وذلك يشير إلى أمر قد وقع وفرغ منه، وإذا كان ذلك لم يصلح للاستقبال فلعلّ داود إنما أراد بالمزمور رجلًا من أسلافه الماضين كإبراهيم وموسى وغيره من الأصفياء فتألم بذلك تألم الولد البار لوالده وذوي رَحِمِه وعزَّى نفسه وسلاّها فيما ابتلى به من/ (١/١٧٤/أ) قتال كفار زمانه وملوك دهره.
[ ١ / ٤٢٨ ]
الوجه الثالث: نسلِّم أن داود أرد الاستقبال، لكن ليس في المزمور ما يدلّ على قتل وضرب وصفح وصلب كما نسبه الصنارى لربّهم في زعمهم، وليس فيه إلاّ أن رجلًا من الناس يُثقب يده ويُسقى خلًا عند عطشه ويُمَرَّر طعامه ويسأل ربه وخالقه إلهه أن ينصره، ولا يلزم من وجود هذه الأموروجودقتل وصلب، فقديثقب يد الإنسان ويسقى الخل ولا يموت.
والوجه الرّابع: سلَّمنا أن ذلك يستلزم القتل والصلب والإهانة، وأن داود عبَّر ببعض الآلام عن سائرها، لكن من أين للنصارى أن المفعول به ذلك هو المسيح؟!، وليس في كلام داود له ذكر البتة. فبم ينكرون على من يقول: إن المفعول به ذلك هو الشبه لا المسيح؟ وليس دعواهم أن داود أراد المسيح بأولى من دعوى مَن يقول: لم يرد بذلك إلاّ الشبه. والدليل على أن داود أراد الشبه قوله: "يا ربّ لا تبعد نصرك مني". فصرَّح داود بأن المفعول به ذلك عبد من عبيد الله/ (١/١٧٤/ب) يستصرخ بربه ويلتمس نصر خالقه عند نزول كربه، ويؤيّده قول نقلة الإنجيل إن المصلوب قال في آخر كلام تكلم به على الخشبة: "إلَهِي إِلَهِي كيف تركتني؟ ". والمسيح ليس كذلك عند النصارى. ولاسيما وقد رووا عن داود أنه عنى المسيح بقوله في المزمور: "قال الرّبّ لربِّي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئ قدميك". وإذا قالوا: إن داود يخاطب المسيح بلفظ الربوبية وأن أعداءه تكون موطئ قدميه بطل أن يكون عنى بقوله: "ثقبوا يدي". المسيح وصحّ إضافة ذلك إلى الشبه.
ثم داود عبراني اللسان، فلو كان في مزمور ما ينوه بذكر المسيح وربوبيته وقتله وصلبه لكان العبرانيون - وهم اليهود - أحقّ بمعرفته من غيرهم. لاشتغالهم بتلاوة مزامير داود وانكماشهم على قراءتها والتعبد بها، فإقدامهم على ما أقدموا عليه من طلب المسيح وتكذيبه، وعزمهم على قتله حتى شغلهم الله
[ ١ / ٤٢٩ ]
عنه بالشبه الذي قتلوه وصلبوه-دليل واضح (١/١٧٥/أ) على غلط النصارى فيما استنبطوه من المزامير بعقولهم واستخرجوه بأذهانهم.
فهذه عشرة أسئلة معدودة من معضلات أسئلتهم مضافة إلى ما قدمناه، غير أن هذه الأسئلة هي أساس كفرهم، وعليها عقدوا أمانتهم التي سنبيّن بعون الله فسادها وتناقض ألفاظها ومعارضتها للثالوث ومعارضة الثالوث لها.
وقد بيّن داود في المزمور التاسع عشر على ما ذهبنا إليه من خلاص المسيح من أعدائه اليهود، وأخبر أن الله تعالى حماه منهم وستره عنهم، فقال: "يستجيب لك الرّبّ في يوم شديد، ويرسل لك عونًا من قدسه يعضدك من الآن، عرف خلاص الله لمسيجه ومن سماء قدسه استجاب له"١. فقد شهد داود بأن الله خلّص المسيح.
وهذا المزمور مصدِّق لقول لوقا: "إن جبريل خبَّر عن الله أن المسيح يكون ملك بني إسرائيل". فأما مزمور "ثقبوا يدي"، فكذَّب بشارة جبريل، وما رَدَّ بشارة جبريل عن الله تعالى فهو مردود.
فإن قيل: فالمسيح صعد إلى السماء٢ وهذا يدل على ربوبيته.
قلنا: هذا من أضعف ما يتمسك / (١/١٧٥/ب) به؛ إذ الملائكة تصعد السماء وليسوا آلهةً ولا أربابًا، وأخنوخ الذي هو إدريس قد صعد إلى السماء٣ وهو عبد من عبيد الله. وكذلك إلياء وَدَّع تلميذه اليسع وصعد إلى السماء على فرس من نور٤.
_________________
(١) ١ مزمور ٢٠/١-٧. ٢ مرقس ١٦/١٩، لوقا ٢٤/٥١. ٣ سفر التكوين ٥/٢٤. ٤ سفر الملوك الثاني ٢/١-١١.
[ ١ / ٤٣٠ ]
والعجب أن التلاميذ عندكم أفضل من إدريس وإليا وغيرهم وقد قتلوا وماتوا ودفنوا في الإرض، فليس في صعود السماء ما يدلّ على ما يذهبون إليه.
فإن قيل: فالمسيح أخبر بالمغيِّبات وعَرَّف تلاميذه بما سيحدث في المستقبل١ ولا يعلم الغيب إلاّ الله سبحانه.
قلنا: التعلق بذلك يصلح لإثبات النبوة والرسالة، أما أنه يصلح لما تدّعونه فلا. والدليل على ذلك أنّ نوحًا وإبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وجماعة من الأصفياء قد أخبروا بالمغيَّبات فوقعت على وفق خبرهم. فأخبر نوح بالطوفان وهلاك الخلق بأسرهم إلاّ من ركب سفينته٢، وأخبر إبراهيم بأن ذريّته يكونون في العبودية والسخرة بمصر المدة الطويلة٣، وأخبر يعقوب بأن الله سيذكر بني إسرائيل ويخرجهم من مصر إلى بلادهم بيدٍ / (١/١٧٦/أ) منيعة غزيزة قوية٤، وأخبر موسى بشتات أمر اليهود وعبادتم الأصنام والأوثان وإعراضهم عن طاعة الله الذي أنقذهم من سخرة فرعون٥، وأخبر يوسف بالغلاء والمجاعة التي تعمُّ الأرض سبع سنين٦، وأخبر دانيال بختنصر بمغيبات كثيرة٧. فلم يخرم مما قالوا ولم يخلف كما شهد بذلك كله التوراة
_________________
(١) ١ متى ٢٤/١-٣١، مرقس ١٣/١-٣٢، لوقا ٢١-٥-٢٨، لوقا ٢٢/٣١-٣٨، يوحنا ١٣/٣٦-٣٨. ٢ سفر التكوين إصحاح (٦) . ٣ سفر التكوين ١٥/١٣-١٧. ٤ سفر التكوين ٤٨/٢١. ٥ سفر التثنية ٣١/٢٤-٣٠، ٣٢/١-٤٧. ٦ سفر التكوين ٤١/٢٥-٣٦. ٧ من هذه المغيبات: إخبار دانيال بختنصر بحلمه عن التمثال العجيب وتفسيره له. (ر: دانيال صح ٢)، وعن حلم الملك عن الشجرة العظيمة التي قطعت وتأويل ذلك. (ر: دانيال صح ٣)، وعن تفسير الكتابة التي ظهرت على الحائط في الوليمة التي أقامها الملك. (ر: دانيال صح ٥) . وغير ذلك.
[ ١ / ٤٣١ ]
والنبوات وأربوا على المسيح في ذلك، وذلك كله بتعريف الله: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رُّسُولِ﴾ ١.
والعجب كيف يتمسك النصارى في دعوى ربوبية المسيح بإخباره الغيب، وهذا نوح وإبراهيم ويعقوب يخبرون به وينبؤون عنه، مع أن النصارى لا يعتقدون فيهم سوى أنهم قوم صالحون لا غير٢، وهذا من أجلِّ أغاليطهم وكفرهم إذ
_________________
(١) ١ الآية الكريمة: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ . [سورة الجن، الآية: ٢٦-٢٧] . ٢ إن الفكر النصراني المنحرف في القرون الأولى المسيحية لم يتطرق إلى بحث قضية الوحي والنبوة؛ لأن ألوهية المسيح ﵇ وما يتعلق به من قضايا فلسفية هي المحرر الرئيسي للفكر النصراني أو ما يسمى بعلم: (الثيولويجا: THEOLOGIA) . أما بعد ظهور الإسلام فإن موقف النصارى من بعض قضايا النبوة مثل: نبوة بعض الأنبياء السابقين كنوح وإبراهيم ويعقوب ﵈، فهو يتلخّص في الآتي: الأوّل: اعتبارهم مجرد آباء للشعب الإسرائيلي ورجال صالحين وليسوا أنبياء مرسلين من الله، وهذا الموقف ناشئ من التراث اليهودي الذي ورثه النصارى. (فإن التراث اليهودي يجعل النبوة تبدأ في مرحلة متأخرة من الزمان، بدأت بموسى ﵇ - الذي يعتبر أبًا الأنبياء ومن أبرز آبائهم المتقدمين - وتنتهي بأنبياء القرن الرابع قبل الميلاد. أما نوح وإبراهيم ويعقوب وغيرهم فإنهم - في نظر اليهود - مجرد آباء للشعب الإسرائيلي وبأن ما تلقاه هؤلاء الآباء من الوحي الإلهي فإنه إرث يهوذي خالص. ونادرًا ما يستخدم تعبير (الأنبياء) للتعريف بهذه المجموعة من الأنبياء - حسب الفهم الإسلامي ـ، فكل الشخصيات السابقة على موسى ﵇ في التراث اليهودي يجمعهم لقب البطارقة: (THE PATRIACHS) أو الآباء بما يعني أنهم كانوا بمثابة رؤساء وشيوخ لقبائلهم، وأن وظيفتهم كانت سياسية اجتماعية أكثر منها دينية". (ر: تاريخ النبوة الإسرائيلية ص١٦-٢١، د. محمّد خليفة حسن أحمد، دائرة المعارف اليهودية ١٣/١٨١. مادة البطارقة ١٣/١١٤٩، مادة النبوة، قاموس أكسفورد ص د، ١١٣٢) . كما أن أصحاب هذا الموقف قد يكونون متأثرين برد الفعل المعاكس لما ورد في القرآن الكريم من إثبات نبوة هؤلاء الأنبياء الكرام، مما دعاهم إلى إنكار نبوتهم عنادًا ومخالفةً لما عند المسلمين. أما الموقف الثاني: الاعتراف بنبوتهم، فهو ما ورد في بعض المصادر اليهودية. (ر: تنقيح الأبحاث ص ٢١، لابن كمونة اليهودي، الأصول الثلاثة عشر لموسى بن ميمون) . وأصحاب هذا الموقف متأثرون بالإسلام، وهم بذلك يتحاشون الانتقادات التي توجه إليهم لعدم إثباتهم نبوة هؤلاء الأنبياء الكرام مع ثبوت تكليم الله عزوجل لهم في التوراة. وبذلك يتبيّن لنا أن ما ذكره المؤلِّف عن أهل الكتاب صحيح. والله أعلم.
[ ١ / ٤٣٢ ]
أخرجوا من ديوان النبوة مثل نوح وإبراهيم ﵈ مع شهادة التوراة بأعلامهم ورسوخ أقداهم ومكالمتهم الحقّ ودعائهم الخلق١.
فإن قيل: فالمسيح جاء من غير/ (١/١٧٦/ب) فحل ونحن وأنتم قاطعون بطهارة مريم وبراءتها. وإذا كان لا بدّ من أب فلا أب له سوى الله تعالى.
قلنا: هذا من أضعف ما يُتَمسك به؛ وذلك أن التوراة مصرحة بأن الله تعالى خلق حواء من آدم، قال الله تعالى في صدر التوراة: "لا يحسن أن يبقى آدم وحده بل نخلق له زوجًا مثله، فألقى الله عليه النوم فنام فنَزَع ضلعًا من أضلاعه وأخلف له عوضه لحمًا، فخلق الله من ذلك الضلع حواء زوجته"٢.
فإذا كان لا بدّ لها من أم فهل تقولون: إن الله أمها؟! فَخَلْقُ أنثى من ذكر بغير أم أعجب من خلق ذكر من أنثى بغير أب، وأعجب من هذين خلق بشر من غير أنثى ولا ذكر. وقد خلق الله آدم من تراب، فمن كان قادرًا على أن يخلق بشرًا من غير أبوين ولا يكون ابنًا له كيف لا يقدر أن يخلق بشرًا من أنثى ولا ذكر ولا يكون ابنًا له؟!.
_________________
(١) ١ لقد وردت نصوص كثيرة في سفر التكوين من التوراة تثبت نبوة هؤلاء الأنبياء وإنزال الوحي عليهم، فأما نوح ﵇ فقد ورد في الإصحاحات (٦-٩) النصوص الآتية: "فقال الله لنوح: نهاية كلّ بشر ". "وكلم الله نوحًا قائلًا: اخرج من الفلك "، "وقال الله لنوح: هذه علامة ". وغير ذلك. وأما إبراهيم ﵇ فقد ورد عنه في الإصحاحات (١٢-١٨، ٢٠-٢٤) نصوص كثيرة منها: "قال الرّبّ لأبرام: اذهب من أرضك". "ظهر الرّبّ لأبرام وقال له: أنا الله القدير ". (فقال الله له - أي: لملك جرار الذي أخذ سارة زوجة إبراهيم - في الحلم: فالآن ردّا امرأة الرجل فإنه نبيّ ". وغيرها. وأما يعقوب ﵇ فقد ورد عن الإصحاحات (٣٥، ٤٦) مثل ذلك، منها: "قال الله ليعقوب: قم اصعد ". "وقال له الله: اسمك يعقوب ". وغيرها. لكن التوراة المحرفة لا تذكر أي نشاط للدعوة لهؤلاء الأنبياء. ٢ سفر التكوين ٢/١٨-٢٣.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وكم قد خلق الله سبحانه من مخلوقاته من غير تناسل معروف ولا ولادة معتادة؟! ﴿فَأَيُّ آيَاتِ الله تُنْكِرُون﴾ ١.
انتزاعات لهم:
وانتزع النصارى من / (١/١٧٧/أ) التوراة والكتب العتيقة مواضع زعموا أنها دالة على ربوبية المسيح، ونحن نوردها في معرض الأسئلة، ونجيب عنها، ونبيّن أن ليس فيها [تفريج لكربة النصارى ولا معتصم] ٢ لهم فيما يحاولونه.
١- فإن قيل: ففي التوراة ما يدل على عقد النصارى في المسيح، وهو: "أن إسرائيل لما احتضر بمصر جمع بنيه ودعا واحدًا ثم قال لابنه يهوذا: لا يعدم سبط يهوذا ملكًا مسلطًا، ونبيًّا مرسلًا حتى يأتي الذي له الملك. وإياه ينتظر الشعوب، ربط بالحبلة جحشه، يرخص بالخمر لباسه، ويصبغ بعصير العنب رداءه، عيناه أشد سهولة من الخمر، وأسنانه أشد بياضًا من اللبن"٣.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ . [سورة غافر، الآية: ٨١] . ٢ في ص (تفريجًا للبرية النصارى ولا معتصمًا) والصواب ما أثبته. ٣ ورد النّصّ في سفر التكوين ٤٩/١-١٢ كالآتي: "لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب، رابطًا بالكرمة جحشة وبالجنفة ابن أتانه، غسل بالخمر لباسه وبدم العنب ثوبه، مسوّد العينين من الخمر ومبيض الأسنان من اللبن". قلت: الفرق واضح بين هذا النّصّ وما ذكره المؤلِّف، وقد أشار الشيخ - رحمة الله - إلى اختلاف اللفظ في عبارة: "حتى يأتي الذي له الكل". وذكر أنها موجودة في التراجم العربية للكتاب المقدس المطبوعة سنة ١٧٢٢م، ١٨٣١م، ١٨٤٤م، وأن عبارة: "الذي له الكل"، أو "الذي هو له"، ترجمة للفظ: "شيلوه"، أو "شيلون". (ر: إظهار الحق ص ٥١٨، ٥١٩) . وبناء على ذلك فإن تفسير هذه البشارة كالآتي: إنه لا تزول السلطة من بيت يهوذا والمشترع من بين رجليه أو صُلْبِه - وهو المسيح - لأنه من بيت يهوذا، فيكون ما بيَّنه في الأناجيل من الشريعة يبقى مستمرًا حتى يأتي شيلون "أي: من له الأمر أو الكلّ"، فيكون الحكم والعمل على شريعته، ولم يتحقق هذا إلاّ بمجيءسيدنا محمّد ﷺ. وقد فسر الأستاذ عبد الأحد داود - الذي كان قسيسًا فأسلم - كلمة: "شيلوه" بالرجوع إلى أصل اشتقاق هذه الكلمة في اللغة العبرية، فسرها بثلاث تفسيرات: الأوّل: "الشخص الذي له"، ويكون المعنى كالآتي: "إن الطابع الملكي المتنبئ لن ينقطع من يهوذا إلى أن يجيء الشخص الذي يخصّه هذا الطابع ويكون له خضوع الشعوب". الثاني: "المسلم، الهادئ، الوديع، الأمين". الثالث: أن كلمة شيلوه تحريف لكلمة: "شلواه"، ومعناه: الرسول أو المبعوث. ثم يقرر الأستاذ عبد الأحد أنه على أي تفسير من هذه التفسيرات الثلاثة فإنها تنطبق تمامًا على نبيّنا محمّد ﷺ الذي أقام دين الإسلام ووحَّد جميع الشعوب وأزال سلطة اليهود، وهو ﷺ الملقب بالأمين، وهو رسول الله الذي يتكرر إطلاق هذا اللقب عليه في القرآن الكريم وفي الأذان وفي الصلاة خمس مرات كلّ يوم. ثم يقول: فإننا مضطرون بحكم تحقق هذه الصفات في محمّد ﷺ، أن نُسلِّم بأن اليهود ينتظرون عبثًا مجيء (شيلوه) آخر، وأن النصارى مصرون على خطئهم في الاعقاد أن عيسى كان هو المقصود بـ: (شيلوه". (ر: محمّد في الكتاب المقدس - عبد الأحد داود ص ٧٧-٨٥، بتصرف) .
[ ١ / ٤٣٤ ]
قال النصارى١: وهذه صفات المسيح.
قلنا: اللفظ للتوراة وهي عبرانية واليهود من أولاد يعقوب أعرف بذلك منكم، وها هم إلى الآن ينازعونكم في الموصوف بهذه الصفات، ويدَّعون أنه صاحبكم وهم إلى الآن ينتظرونه، ونحن لا نسلم أن هذا الموعود به عيسى بن مريم ولا غيره بل هو محمّد ﷺ / (١/١٧٧/ب) والدليل على ذلك قول يعقوب: "حتى يأتي الذي له الملك". وليست كذلك وإنما هي: "الكلّ"، فحرفت بسوء النقل وكذلك هي في بعض نسخ التوراة "الكلّ"، فجعله مع النبوة ملكًا مطاع الأمر كما قال
_________________
(١) ١ ويزعم ذلك أيضًا مؤلفو قاموس الكتاب المقدس ص ٥٣٦، وقد توهمه أيضًا العلامة نجم الدين الطوفي في كتابه: (الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، ص ١٠٧، ١٠٨) حينما زعم أن الصفات الواردة في النّصّ السابق هي صفات المسيح، هذا اجتهاد خاطئ منه - ﵀ - يرده ما ذكرناه سابقًا.
[ ١ / ٤٣٥ ]
أبو سفيان للعباس: "لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا فقال له: اسكت فإنها النبوة"١. وقال: لقد أتيت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه فما رأيت قومًا أهيب لملكهم من أصحاب محمّد لمحمّد صلى الله عليه وسلم٢.
وقال صناديد قريش: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كَبْشة٣، جد من أجداد رسول الله ﷺ.
وكذلك كان ﵇، فإن الله جمع له الكلّ كما قال يعقوب: النبوة، والملك، فاستقام أمره واستوسق٤ سلطانه واستتبت دولته وألقت إليه الدنيا سلطان مقاليدها فكان نبيًّا رسولًا كما كان سلطانًا مبعوثًا إلى الأحمر والأسود والقريب والبعيد، ولقد هابته الملوك وهادته واعتصمت منه بالذمم، وحضت على مؤازرته، وتابعه قيصر والنجاشي وملوك العرب.
فأما المسيح عليه
_________________
(١) ١ حديث العباس مع أبي سفيان - ﵄ - ورد في قصة فتح مكة - في سياق طويل - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه ابن إسحاق. (ر: سيرة ابن هشام ٤/٦٤)، وإسحاق بن راهويه في مسنده. (ر: المطالب العالية ٤/٢٤٤-٢٤٦ لابن حجر) . وأخرجه ابن سعد ٢/١٣٤-١٣٧، والبيهقي في الدلائل ٥/٣٢-٣٥، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٦٧-١٧٠٠، وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". وقال الحافظ بن حجر: "هذا حديث صحيح". ٢ هذه مقالة أبي سفيان للعباس رضي الله تعالى عنهما في قصة الفتح حينما رأى أبو سفيان المسلمين يتلقون وضوء رسول الله ﷺ، وقد أخرجها البيهقي في الدلائل ٥/٣٩-٤٠، برواية موسى بن عقبة. ونقلها ابن كثير في البداية والنهاية ٤/٣٢٤. ٣ هذه مقالة أبي سفيان بن حرب قالها لأصحابه من كفار قريش بعد ما ساله هرقل ملك الروم عن أحوال النبي ﷺ، وفد أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي باب (٧) . (ر: فتح الباري ١/٣١-٣٣) . ومسلم ٣/١٣٩٣-١٣٩٧، والبيهقي في الدلائل ٤/٣٧٧-٣٨٠، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في سياق طويل. قال الحافظ ابن حجر: "وابن أبي كبشة أراد به النبيّ ﷺ؛ لأن أبا كبشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جدّ غامض"، وقال ابن قتيبة والخطابي والدارقطني: "وهو رجل من خزاعة خالف قريشًا في عبادة الأوثان فعبد الشعرى، فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة". وكذا قاله الزبير. قال: واسمه: "وجز بن عامر بن غالب". (ر: فتح الباري ١/٤٠) . ٤ استوسق: اجتمع وانتظم. (ر: القاموس ص ١١٩٩) .
[ ١ / ٤٣٦ ]
السلام / (١/١٧٨/أ) فقد شهدت عليه أقواله وأقوال تلاميذه في الإنجيل بأنه لم يرسل إلى كلّ الأمم من العرب والعجم؛ إذ يقول في إنجيله: "إني لم أرسل إلاّ إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل"١. "وسئل أن يقضي حاجة امرأة من الكنعانيّين، فقال: ليس بجيد أن يؤخذ خبز النبيين فيلقى للكلاب"٢. وقال المسيح حيث بعث تلاميذه: "مدن السامرة لا تدخلوا، وطريق الزنادقة لا تسلكوا، واذهبوا إلى الخراف التي ضلت من بيت إسرائيل"٣.
فبين في كلّ كلامه أن دعوته خاصة وليست عامة، فإذًا ليس هو المراد بلفظ إسرائيل، إذ إسرائيل يقول: "إنه ينتظره كلّ الشعوب". ولم يقل ينتظره من ضلّ من شعب إسرائيل لا غير.
والعجب من النصارى كيف ينْزِلون هذا الكلام على المسيح ﵇ وهم مجمعون أن صاحبهم كان مستضعفًا يبذل الجزية أسوة سائر [أهل] ٤ الذمة، فرووا في إنجيلهم الذي بأيديهم اليوم: "أن جباة الجزية من جهة قيصر قالوا لبطرس: ما بال معلمكم لا يؤدّي إلينا الغرم؟ فذكر ذلك بطرس للمسيح، فقال: [والبنون] ٥ أيضًا يؤدّون الغرم / (١/١٧٨/ب) ثم قال لبطرس: اذهب إلى البحر وألق الصنارة واصطد ما تؤدّي عني وعنك"٦.
_________________
(١) ١ متى ١٥/٢٤. ٢ متى ١٥/٢١-٢٨. ٣ متى ١٠/٥، ٦. ٤ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٥ في ص (والبنين) والصواب ما أثبته. ٦ متى ١٧/٢٤-٢٧.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وهذا نقلهم والعُهدة عليهم، وإذا كان الأمر ما نقلوا فليس هو صاحبهم؛ لأن الصادق إسرائيل قال: إن هذا الآتي يكون ملكًا نبيًّا وكلّ الشعوب ينتظرونه، والخلائق معمومون برسالته ودعوته. والنصارى يقولون: هو هذا الذي يبذل الجزية من صيد السمك ويتحمَّل الصَّفار وإن خساس اليهود وأراذلهم وثبوا به وأرذلوه واستذلوه وربطوه ربط اللصوص وأهل الدَّعر١، ووضعوا على رأسه إكليلًا من الشوك، وجعلوا يصفعونه ويسخرون منه، ولما قضوا نهمتهم من عقوبته صلبوه على خشبة فوق نشز من الأرض، وقرنوه بلصين مصلبين، ثم قتلوه وإياهما، كما حكوه لنا في إنجيلهم، أفكانت بشرى يعقوب لسائر الشعوب برجل يرذل ويصفح ويؤيّدي الجزية فيذل لها ويخضع ويحمل خشبته ويصعد عليها ويرفع ويستسقى ماء فَيُذاد عنه ويُدفع ويسأل البقيا فلا يجاب إليها ولا يسمع. قال يعقوب ﵇: / (١/١٧٩/أ) "وإيّاه ينتظر الشعوب". والمسيح عند النصارى إله خالق وربّ رازق. ومعلوم أن أكثر شعوب الأرض وأهل الدنيا ينكرون هذا ولا يقرون به فكيف ينتظرونه؟! وإنما ينتظر الإنسان ما يجوّزه فأما ما يحيله ويقضي بمنعه واستحالته فلا ينتظر مجيئته وإتيانه.
فقد وضح أن الذي نصّ عليه يعقوب في التوراة ليس هو المسيح ﵇. فأما اليهود فيقال لهم: أخبرونا عن مسيحكم هذا الذي أنتم تنتظرونه، هل يعرفه غيركم أو يقرّ به سواكم؟
_________________
(١) ١ الدعر: الفساد والفسق والخبث. (ر: القاموس ص ٥٠١) .
[ ١ / ٤٣٨ ]
فإن ادّعوا ذلك كابروا العيان، فإن أحدًا من الناس لا يعرفه ولا يدين الله بمجيئه، وانتظار الشيء فرع معرفته، وإنما ينتظرون المسيح الدجال الكذاب الضال المضل الذي حذّر منه الأنبياء١ وأتباع الأنبياء، قالت التوراة في السفر الخامس بعد أن نصّ على مجيء النبيّ الصادق: "فأما الذي يقول ما لم آمره به ويتكلم باسم إله أخر فليقتل ذلك٢ قتلًا، وإن أشكل عليهم معرفة الصادق من الكاذب فانظروا فإني لا أتمُّ عمل الكاذب ولا أكمل فعله؛ لأن قوله ذلك / (١/١٧٩/ب) كذب وجرأة وصفاقة وجه لا يخافوه ولا يفزعوا منه"٣. فهذا ما في التوراة.
وأما الإنجيل فقال٤: "إنه سيقوم مسيح كذب وأنبياء كذبة بآيات وعلامات [ويضلون] ٥ الناس إن قَدَرُوا، ويتم الذي حكاه دانيال حيث يقول: "يهرب الناس إلى الجبال ولا ينْزِل مَنْ على سطح داره أن ينْزل لأخذ ثيابه، الويل للحبالى والمرضعات في تيك الأيام، ويكون ضيق عظيم لم يكن مثله في العالم، ولولا أن تيك الأيام قصرت لم يخلص ذو جسد، ولكن من أجل المنتخبين قصرت تيك الآيام، ومن بعد ذل تظلم الشمس والقمر وتسقط الكواكب وترتج السماء".
وقد قال المسيح في الإنجيل "ومن قِبَل ثمارهم يعرفونهم"٦. ونحن نعلم
_________________
(١) ١ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: "قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله فما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: إني لأُنْذَركموه، وما من نبيٍّ إلاّ أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور". أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ٦/٣٧٠) . ٢ في ص: تكررت لفظة: (ذلك) . ٣ سفر التثنية ١٨/٢٠-٢٣، بألفاظ مختلفة. ٤ إنجيل متّى ٢٤/٣-٣٤، مرقس ١٣/٥-٣٢، لوقا ٢١/٨-٣٢. ٥ في ص (ويضلوا) والصواب ما أثبته. ٦ متى ٧/١٦، ٢٠.
[ ١ / ٤٣٩ ]
أن من ثمار محمّد ﵇ توحيد الباري وتقديسه وخلع ما سواه جلّ وتعالى، وأما المسلمون فلا يعدلون لهذا النعت عن محمّد رسول الله ﷺ. وأما النصارى فمكذبون لليهود زاعمون أنه المسيح ابن مريم ﵇، وقد أبطلنا ذلك.
وأما المجوس١ وسائر فرق الناس كالصابئة٢ وأصحاب
هرمس٣
_________________
(١) ١ المجوس؛ هم: الذين أثبتوا أصلين للعالم هما: (إله النور) خالق الخير واسمه: يزدان. و(إله الظلمة) خالق الشّر، واسمه: أهرمن. والمجوس يعظمون النيران والأنوار. وانقسموا إلى مذاهب كثيرة منها: الثنوية، والزرادشتية، والمركونية، والمزدكية، والتناسخية. (ر: التمهيد للباقلاني ص ٨٧، الفصل لابن حزم ١/٨٦، الملل والنحل للشهرستاني ١/٢٣٠، والداعي إلى الإسلام لأبي البركات الأنباري ص ٢٢١، ٢٧١، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص ٨٦، البرهان للسكسكي ص ٩٠) . ٢ الصابئة؛ في مقابلة الحنيفية، وفي اللغة: صبأ الرجل: إذا مال وزاغ. وقيل: بأنها كلمة آرامية الأصل تدل على التطهير، ويعرف منها:
(٢) الصابئة الحرانيون: وقد انقرضوا في القرن (١١هـ) ومركزهم (حران) .
(٣) الصابئة المندائيون: ويزعمون أنهم أتباع النبيّ يحيى ﵇. ويُقَدَّر عددهم حاليًا بعشرة آلاف شخص تقريبًا معظمهم في العراق وإيران. والصابئة يقدسون الكواكب والنجوم، ويعتبر الاتّجاه نحو القطب الشمالي والتعميد في المياه الجارية من أبرز معالم ديانتهم. (ر: الفصل ١/٨٨-٩٠، الممل والنحل ٢/٥-٥٧، اعتقادات ص ٩٠، والبرهان ص ٩٣٢، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب ص ٣١٧) . ٣ هرمس: وجمعه هرامس، يسمى عند العرب إدريس، وعند اليونانيين أطرسمسين، وعند العبرانيين أخنوخ، وعند الفرس: أبهجل أو اللهجد - وتفسيره - ذو عدل. وقد اشتهر من الهرامسة ثلاثة:
(٤) هرمس الأوّل ويسمونه: (هرمس الهرامسة) - وقد كان قبل الطوفان - وهو أخنون أو إدريس، وللصابئة شرائع يسندونها إليه، وقيل أوّل من استخرج الحكمة وعلم النجوم والطبّ.
(٥) هرمس الثاني: من أهل بابل الكلدانيين وكان بعد الطوفان.
(٦) هرمس الثالث: سكن مصر. (ر: الفهرست لابن النديم ص ٤٩٢، الفصل لابن حزم ١/٩٠، الشهرستاني ٢/٤٥، الكامل لابن الأثير ١/٣٤، أخبار العلماء للقفطي ص ٥، دائرة معارف فريد وجدي ١٠/٥٠٤) .
[ ١ / ٤٤٠ ]
وغيرهم فينقسمون إلى من له شبهة كتاب / (١/١٨١٠/أ) وهو لا يدين بالتوراة ولا بشيء من قول اليهود، وإلى من ينكر النبوات جملة كالبراهمة١ والهنود وغيرهم.
وإذا كان ذلك كذلك فليس المذكور في التوراة صاحبهم الذي ينتظره سائر الشعوب، وإذا فسدت دعوى اليهود والنصارى جميعًا فلا بدَّ من الوفاء بقول إسرائيل الله الصادق، ولم يبعث إلى سائر الشعوب سوى محمّد رسول الله ﷺ ولا يمكن دعوى ذلك لموسى ﵇ إذ هو مهجور على كلّ قول ولا ادعاه أحد، ثم اعلم أنه يتعين تأويل ألفاظ إسرائيل وصرفها عن ظاهرها، فأكثر كلام القوم متروك الظواهر موكول استنباطه إلى آراء العلماء وفهوم الحكماء.
والدليل على أنّ نبيّنا محمّدًا ﷺ ينتظره سائر الشعوب قوله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿قُلْ يَا أَيَّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيكُم جَمِيعًا﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٥٨] . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلعَالِمِينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧] . ﴿تَبَارَك الَّذِي نَزَلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . [سورة الفرقان، الآية: ١] .
_________________
(١) ١ البراهمة: نسبة إلى الإله: (براهما)، أحد عناصر الثالوث الهندي المكون من: (براهما، وفشنو، وسيفا)، ويمثلون الديانة الهندوسية، والبراهمة هم أعلى الطبقات في المجتمع الهدوسي، ولهم الكهانة والمراتب العليا، ويزعمون أنهم خلقوا من فم الإله براهما، ثم يلونهم طبقة الكاشتر ثم الويش ثم الطبقة المنبوذة وهم الشودر. وهذه الديانة يعتنقها معظم أهل الهند، وأبرز معتقداتهم: الكارما (قانون الجزاء)، وتناسخ الأرواح، والانطلاق، ووحدة الوجود. (ر: الفصل ١/١٣٧، اعتقادات فرق ٢/٢٥٠، البرهان ص ٨٧ت، والداعي إلى الإسلام ص ٢٧٢، الموسوعة الميسرة ص ٥٣١، مقارنة الأديان، د. شلبي، أديان الهند الكبرى) .
[ ١ / ٤٤١ ]
وقد قال ﵇ / (١/١٨٠/ب) "بعثت إلى الأحمر والأسود، لو أدركني موسى وعيسى ولم يتبعاني لأكبهما الله في النار"١. وذلك الذي يوضح أنه ﵇ المراد في التوراة على لسان يعقوب. وقد نصت الأنبياء في نبواتهم على أن هذا النبيّ المنتظر يكون خاتم الأنبياء، وسنذكر ذلك في الباب الأخير.
أما ما يتعيّن تأويله: فقوله: "ربط بالحبلة جحشة"، فتأويله بعض أصابنا فقال: يشد الحمار بالشجرة - ثم قال - الحمار هم اليهود والشجرة هم أصحاب النبيّ ﵇، قال: وشاهد ذلك من القرآن والتوراة. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّورَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ . [سورة الجمعة، الآية: ٥] . فَشَبَّه اليهود بالحمار. وقال تعالى في التوراة: "أخرجت شجرة من مصر ثم فرعتها في جميع الدنيا"٢. يعني: بالشجرة أصحاب موسى وكذلك أصحاب محمّدأيضًا شجرة بهذا الاعتبار، وكأنه يقول: يربط الكفار بأصحابه وأهل بيته، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُم فَشُدُّوا الوَثَاق﴾ . [سورة محمّد، الآية: ٤] .
_________________
(١) ١ لم أعثر عليه بهذا اللفظ، ولكن ورد معناه بلفظ آخر، فقد أخرج الإمام مسلم ١/٣٧١، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي كان كلّ نبيّ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كلّ أحمر وأسود " الحديث. وأخرجه ابن سعد ١/١٩١، عن أبي جعفر مرسلًا بلفظ: "بعثت إلى الأحمر والأسود". وأخرج الإمام أحمد ٣/٣٨٧، وابن أبي شيبة ٥/٣١٢، عن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحقّ فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﵇ كان حيًّا ما وسعه إلاّ أن يتبعني". وقد تقدم تخريجه. (ر: ص ٢١) . ٢ ورد النّصّ في مزمور ٨٠/٨، ٩، كالآتي: "كرمة من مصر نقلت. طردت أممًا وغرستها. هيأت قدامها فأصَّلت أصولها فملأت الأرض". ولعل المؤلِّف قصد بقوله: "إن النّصّ في التوراة" العهد القديم وكتب الأنبياء. وذلك من باب إطلاق الجزء على الكلّ.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقد قال المسيح لليهود: "إما أن تكونوا / (١/١٨١/أ) شجرة وثمرتها طيبة، إما أن تكونوا شجرة خبيثة وثمرتها خبيثة؛ لأن من الثمرة تعرف الشجرة"١. هذا تأويله عند بعض أسلافنا. ﵏.
وأنا أقول: يحتمل أن يريد بالحبلة جزيرة العرب وهي الحجاز وما والاه، وقد كانت قبل معبث سيّدنا رسول الله ﷺ محمل الشرور ومحط الآثام كالحبلة التي خمَّرتها أم الخبائث فربط ﵇ مركوبه؛ أي: استقر بها فلم يزايلهاحتى أزال ما بها من الشرك، وأبادما اشتملت عليه من الكفر والإفك، وأحال حالها من عبادةالأوثان إلى عبادةالرحمن كاستحالةالخمر خلًا.
وقد قال بعض أهل العلم: إنهم غيَّروا من كلام يعقوب كلمتين: أحدهما: (جحشه) وإنما هي: مهره. والثانية: (الملك) وإنما هي: الكلّ. وذكر أنه رأى ذلك في نسخة لم تتغير - قال -: وإنما فعلوا ذلك لكي يخرجوا نص يعقوب عن رسول الله ﷺ.
قلت: ولا فائدة لهم أيضًا في ذلك، فلعمري لقد كان له ﵇ [حمار] ٢ يسمى يعفور، ومعلوم أنه لا بدَّ من ربطه بالشجر/ (١/١٨١/ب) وغيرها، وخفاء علامة واحدة - لو خفيت - لا يقدح في ظهور بقية الصفات.
وأما قوله: "يرخص بالخمر لباسه"، فذلك كناية عن جهاده الكفار وقتاله في سبيل الله، أسوة سائر الرسل كما صنع إبراهيم وموسى ويوشع وداود، والخمر هو الدم ودليله قول المسيح: "وأشار إلى الخمر: هذا دمي"٣. وكأنه
_________________
(١) ١ متى ٧/١٧-٢٠. ٢ في ص (حمارًا) والصواب ما أثبته. ٣ متى ٢٦/٢٧، ٢٨، مرقص ١٤/٢٤، لوقا ٢٢/٢٠.
[ ١ / ٤٤٣ ]
﵇ لشجاعته وإقدامه في طاعة ربه يصبغ لباسه بدماء المشركين كما ورد: "أنه حين رجع من بعض غزواته ناول سيفه ابنته فاطمة ﵍ وقال: يا بنية أزيلي ما عليه فلقد أبلى عن أبيك اليوم"١.
وكيف لا يصفه يعقوب بذلك وقد روي: "أنه ﵇ حمل في بعض مواقفه سبعين حملة على المشركين"٢.
وكذلك قول يعقوب ﵇: "يصبغ بعصير العنب رداءه". يعني: يغمس سيفه في دماء الكافرين، والسيف يسمى رداءًا وإزارًا. ولو تصرف متأول في كلام يعقوب فقدّم وأخّر فقال: يرخص الخمر بلباسه، / (١/١٨٢/أ) لكان محسنًا؛ يعني: يحرم الخمر ويزيل وضرها بتقواه. قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾ . [سورة الأعراف، الآية:٢٦] .سمى التقوى لباسًا.
وأما قوله: "عيناه أشدُّ سهولة من الخمر". فقد روي في حلاه: ﷺ أنه كان بعينيه حمرة ظاهرة لا تفارقه٣، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى
_________________
(١) ١ أخرجه ابن إسحاق معلقًا: (ر: السيرة ٣/١٤٦)، وعنه الحاكم في مستدركه ٣/٢٤ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما رجع رسول الله ﷺ (من غزوة أحد) أعطى فاطمة ابنته سيفه فقال: يا بنية اغلسي عن هذا الدم، فأعطاها عليٌّ سيفه، قال: وهذا فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقني اليوم القتال، فقال رسول الله ﷺ: لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق معك القتال اليوم سهل بن حنيف وسماك بن خرشة أبو دجانة". وقال الحاكم: "حديث صحيح". وسكت عنه الذهبي. ٢ لم أقف على تخريجه بهذا النصّ، ولكن ثبت أنه ﷺ كان من أشجع الناس وأصبرهم وأجلدهم، حتى قال بعض أصحابه: كنا إذا اشتدّ الحرب وحمى الوطيس نتقي برسول الله ﷺ. (ر: الشمائل ص ١١٠ لابن كثير) . ٣ ورد في صفته ﷺ في حديث جابر بن سمرة ﵁ أنه كان ﷺ: "أشكل العينين". أخرجه مسلم ٤/١٨٢٠، وأحمد ٥/٨٦، ٨٨. والشكلة: حمرة في بياض العينين، وهو محمود. والسهلة: حمرة في سواد العين. قاله القاضي وأبو عبيد وجميع أصحاب الغريب. (ر: شرح النووي لصحيح مسلم ١٥/٩٣) . وقد ورد أيضًا في حديث عليّ ﵁ "أنه كان ﷺ: "هدب الأشفار مشرب العينين بحمرة". أخرجه الإمام أحمد ١/٨٩.
[ ١ / ٤٤٤ ]
شدّة حيائه ﵇ فإنه كان أشدّ حياءً وخفرًا من الغذراء في خدرها١. فكان إذا أتى أهله تلفع من شدّة حيائه ﷺ.
وكان لا [يجابه] ٢ أحدًا في وجهه بما يكره٣، وإن أمضه ما يصدر منه عرَّض، فقال: ما بال قوم يفعلون كذا وكذا٤، ومال الرجال نولِّيه مما ولاّنا الله فيفعل كيت وكيت، وإن أقوامًا استأذنوني في أمر فلا آذن لهم، وذلك لما طبعه الله عليه من الحياء والخفر والسكينة ﷺ.
وأما قوله: "وأسنانه أشدُّ / (١/١/٢/ب) بياضًا من اللبن". فإن حمل على ظاهره فكذلك كان ﵇ لكثرة محافظته على سنة السواك٥، وقد اختلف الفقهاء في وجوب السواك عليه صلى الله عليه وسلم٦.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ﴾ . [سورة الأحزاب، الآية: ٥٣] . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها " الحديث. أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ٦/٥٦٦)، ومسلم ٤/١٨٠٩، والترمذي في الشمائل ص ٢٨٣. ٢ في ص (كبه) والتصويب من المحقِّق. ٣ عن أنس ﵁ أن رجلًا دخل على رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة - وكان رسول الله ﷺ قَلَّما يواجه رجلًا في وجهه بشيء يكرهه - فلما خرج قال: "لو أمرتم هذا أن يغسل ذا عنه". أخرجه أبو داود ٤/٢٥٠، والترمذي في الشمائل ص ٢٧٣. ٤ عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبيّ ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟! ولكن يقول: مابال أقوام يقولون كذاوكذا". أخرجه أبوداود٤/٢٥٠. ٥ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشقّ على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كلّ صلاة". أخرجه البخاري واللفظ له. (ر: فتح الباري ٢/٣٧٤) . ومسلم ١/٢٢٠. وعن عائشة ﵂ "أنّ النبيّ ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك". أخرجه مسلم ١/٢٢٠. ٦ عن عبد الله بن حنظلة الغسيل: "أن رسول الله ﷺ كان يؤمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلمَّا شقّ ذلك عليه أمر بالسواك عند كلّ صلاة". أخرجه أبو داود ١/١٢، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ١/١٥٥، والبيهقي في السنن، وذكر ذلك السيوطي في الخصائص ٢/٣٩٧. قال الحاكم: "حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وإن تأوّل فالأسنان الأصحاب والأعوان الذين هم أعون النبيّ على تبغيغ أوامر ربه تعالى كاستعانة الإنسان [بالأسنان] ١ على تناول غذائه.
فوصف يعقوب أصحاب نبيّنا رضوان الله عليهم وأهل بيته الأكرمين بصفاء التوحيد ونقاء العقائد عن ظلم التجسيم والتجسيد.
قال الشاعر يرثي سنًا سقط له:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته يشقي لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت عيني عليه افترقنا فرقة الأبد
٢- فإن قيل: وفي التوراة ما يدلّ على ما ندين به من صلب المسيح، وهو أن موسى ﵇ صنع لبني إسرائيل في التيه حية من النحاس، وأمرهم بالنظر إليها.
قال النصارى/ (١/١٨٣/أ):"فهذا تنويه بأن المسيح سيقتل ويصلب؛ لأن موسى محاشى عن العبث، قالوا: وقد كان المسيح يقول لأصحابه: "اذكروا الحية النحاس"٢.
فنقول لهم: يا نوكا لو قرأتم ما قبل ذلك لتبيّن لكم غلطكم وسقطكم؛ وذلك أن التوراة تقول: "إن بني إسرائيل شكوا إلى - موسى وهم في التيه - من
_________________
(١) ١ في ص (بالإنسان) وهو خطأ. والتصويب من المحقّق لموافقة السياق. والله أعلم. ٢ يوحنا ٣/١٤، ١٥، ونصّه: "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كلّ مَن يؤمن به، بل تكون له الحية الأبدية". ويقول مؤلفو قاموس الكتاب تعليقًا على النّصّ: "بأنه عندما تنبأ الرّبّ يسوع بصلبه، شرح معناه وأهميته الروحية بمقارنته برفع الحية النحاسية". اهـ. قلت: هذا موافق لما نقله المؤلِّف عن النصارى في زمنه. وهو دليل على سخافة عقولهم، وضعف تفكيرهم، وتمسكهم بأوهى الحجج وأضعفها لإثبات باطلهم وسخافاتهم.
[ ١ / ٤٤٦ ]
حيات تلدغهم، فأهلكت منهم خلقًا كثيرًا، فأمرهم أن يصنعوا حية من نحاس ثم يرفعوها على خشبة. وقال: من لدغته حية فليأتِ ولينظر إلى تلك فيبرأ"١.
وإنما رفعوها لكبر العسكر حتى تسهل رؤيتها ولا تتعذر مشاهدتها. وأما ما ذكرته النصارى من أن ذلك تنويه بصلب المسيح فكذب على نبيّ الله موسى، وكيف يُعدَّى ذلك إلى موسى ﵇ وقد شحن توراته بتوحيد الله وتنْزِيهه وإفراده بالربوبية والألوهية، ثم أمر بقتل المصورين للصور، ونهى عن إتيان العرافين والمنجمين ومتحلمي الأحلام، وحرص على قتل من دعا إلى عبادة غير الله وأشرك مع الله / (١/١٨٣/ب) إلهًا آخر كما [ذكرت] ٢ التوراة. وقال ﵇: "من [دعاك] ٣ إلى عبادة آلهة أخرى فاقتله واقتل من استجاب له من الواحد والجماعة والبلدة، ولا تحننوا عليهم، ولا ترحموهم، وأزيلوا الشرّ من بينكم، فالله ربّكم واحد هو إله جبار عظيم مرهوب إله غيور هو نار محرقة"٤.
فمن زعم من النصارى أن توراة موسى فيها ما يعضد باطله أكذبناه بما نقلناه من التوراة.
قال المؤلِّف: يقال للنصارى هَبْ أن ذلك كان تنويهًا بصلب، فبم تنكرون على من يزعم أن ذلك المصلوب إنما هو الشّبه - الذي قدمنا ذكره - وبيانه أن المسيح أعلى قدرًا من الشّبه؛ لأنه: عندنا نبيّ وعندكم معشر النصارى إله، فلو كانت الحية تنويهًا بالمسيح لاتّخذوها من الذهب أو من شيء أعلى من الذهب
_________________
(١) ١ سفر العدد ٢١/٨، ٩. ٢ بياض في الأصل، والمثبت من المحقِّق حسب سياق الجملة. والله أعلم. ٣ بياض في الأصل، والمثبت من نصّ التوراة. ٤ سفر التثنية ١٣/٦-١١.
[ ١ / ٤٤٧ ]
ليكون ذلك تنويهًا بأن المصلوب يكون أعلى من من كلّ شيء وأفضل كفضل الذهب على غيره من المنطبعات، فلما اتّخذوها من النحاس منع / (١/١٨٤/أ) قدرتهم على الذهب دلّ ذلك على أن المصلوب لا يكون إلاّ مفضولًا.
وقد شهدت التوراة بأن موسى ﵇ حلَّى قبة الزمان التي بناها للرّبّ بقدر كبير من الذهب١ فيا لله العجب تُبنى قبة للرّبّ وتُحَلى بقناطير من الذهب! فكيف تتّخذ الحية من النحاس وهي تنويه بالرّبّ نفسه؟! هذا ما لا يجمل ولا يحسن بمثل موسى وصلحاء أصحابه، ففضل ما بين الذهب والنحاس كفضل ما بين المسيح والشّبه، ثم النحاس يسمى بأرض الشام المجاورة لأرض التيه شَبَهًا٢، فلعل القوم إنما اتّخذوا الحية من الشّبه لتكون منوِّهة بصلب الشبه وحماية المسيح.
فأعجب - هداك الله - المواطأة بين الاسمين، إذ كلّ واحد منهما يسمى شبهًا.
ثم يقال للنصارى: وكيف استدللتم بنصب الحية النحاس على صلب المسيح وهي على النقيض منه، وذلك أن تلك حين صارت على جذعها صارت سببًا للشفاء ووسيلة إلى العافية من البلاء؛ فمن رآها خلص من علته وعوفي من لدغته / (١/١٨٤/ب) لساعته، فأما يسوع فحين صار على جذعه صار سببًا للهلاك ووسيلة إلى الاشتراك، فلو أن يسوع حين صار على الخشبة أطبق اليهود على الإيمان وخلصوا من لدغات الكفر والعصيان لكان ذلك موضع شبهة،
_________________
(١) ١ سفر الخروج الإصحاحات (٣٥، ٣٦، ٣٧، ٣٨، ٣٩) . ٢ ورد في القاموس المحيط (ص ١٦١٠)، أن الشَّبَه والشَّبَهان - محركتين ـ: النحاس الأصفر. ويكسر، وجمعه: أَشْبَاه. اهـ.
[ ١ / ٤٤٨ ]
فأما والأمر على العكس والنقيض مما تذهبون إليه فلا وجه لاستدلالكم بذلك وهي على نقيض مقصودكم، فقد صار ما انتزعوه استدلالًا على الباطل دليلًا على الحقّ١. ولله الحمد والمنة.
/ (٢/٢/ب) قال مؤلِّفه - عفا الله عنه -: ولنَزدهم٢ زيادات أخر من التوراة والإنجيل تدل على وقوع الشبه والاشتباه ليتأنسوا به ولا يحيلونه، ومن ذلك: "أن الله تعالى غَيَّر صورة يد موسى عن لونها الأوّل ثم أعادها إلى لونها"٣. وفعله سبحانه ذلك تدريجًا لهم وتأنيسًا على الاشتباه قبل وقوعه، إذ النفوس تبتدر٤ إلى إنكار ما لم يتقدم معرفته، فكما جاز في القدرة الإلهية تغير لون يد موسى حتى صارت تلمع كالثلج فكذلك وجه المسيح. ولهذا نصّ الإنجيل: "أنه قبل الفزع بقليل صعد إلى جبل بالجليل ونزل إليه موسى وإليا، قال التلاميذ: فنظرنا فإذا منظر وجه المسيح قد تغيَّر وتغيّرت ثيابه فصارت تلمع كالبرق"٥. وهذا الموضع إن وفق الله له ذا لبّ من النصارى اضطره إلى ترك القول بقتل المسيح وأحال ما كان من قتل وصلب على شبه المسيح.
ومن ذلك: أن الله تعالى أمر موسى / (٢/٣/أ) فضرب البحر بعصاه فتحول دمًا عبيطًا، فكان المصريون يشربونه دمًا، والإسرائيليون٦ يشربونه ماء صافيًا.
_________________
(١) ١ ورد في أخره العبارة الآتية: "تَمَّ الجزء الأوّل يتلوه الجزء الثاني من كتاب: (تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل)، ووافق الفارغ منه في يوم السبت في شهر صفر الثالث من سنة سبع وثلاثين وستمائة". ٢ في م: ولنَزدرهم. ٣ سفر الخروج ٤/٦، ٧. ٤ في م: تتبدر. ٥ متى /١-٨، مرقس ٩/٢-٨، لوقا ٩/٢٨-٣٦. ٦ سفر الخروج ٧/١٩-٢٤.
[ ١ / ٤٤٩ ]
ومن ذلك: أن مريم ابنة عمران - أخت موسى - تغيرت على موسى في أمر من الأمور، فأمرهما الله أن يصعدا إلى قبة الزمان، فكلَّم الله مريم وتوعدها في حقّ موسى، فلما خرجت مريم من القبة إذا هي بيضاء برصاء من قرنها إلى قدمها، فرقّ لها هارون فقال لموسى: يا سيد اشفها. فدعا لها، فأمرها الله أن تخرج خارج العسكر وتقيم سبعة ثم تدخل، ففعلت، فزال عنها البرص١.
ومن ذلك: أن عصا موسى كانت من شجرة جوز فبينما هي خشبة يابسة لا نبات بها إذ صارت شجرة ذات أفنان وعرشت وأثمرت جوزًا، وبينما هي كذلك صارت حية ذات روح تسعى وتأكل ما وجدت، وبينما هي كذلك إذ عادت إلى حالها الأوّل٢.
ومن ذلك: أن امرأة لوط لما التفتت تنظر ما نزل من العذاب بقومها صارت لوقتها نصبة ملح٣، وكلّ ذلك تأنيس بشبه٤ / (٢/٣/ب) سيتّفق في المستقبل، هذا ما شهد به المنقول من التوراة.
فأما الإنجيل فقد شهد بأن الماء تحول خمرًا٥، وشهد سفر الملوك
بأن الماء انقلب زيتًا٦.
فأما ما يشاهد من بديع تدبير الله وعجيب فعله؛ ما نرى الرجلين قد استويا في الحلى والصورة حتى لا يكاد الإنسان يفرق بينهما.
_________________
(١) ١ سفر العدد ١٢/١-١٥. ٢ سفر العدد ١٧/٨-١٠، والنصّ يفيد أن عصا هارون هي التي أصبحت شجرة وأثمرت لوزًا وليست عصا موسى. ٣ سفر التكوين ١٩/٢٦. ٤ في م [تشبه] . ٥ يوحنا ٢/١-١١. ٦ سفر الملوك الثاني ٤/٣-٧.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وقد تتاعقب الألوان على الشجر والثمر، فترى الثمرة الواحدة بينما هي في غاية البياض إذ عادت في غاية الاخضرار، وبينمنا هي كذلك إذ صارت صفراء ثم حمراء ثم سوداء وكذلك أحوالها في الطعوم وتنقلها من المرارة إلى الغضوضة إلى الحلاوة وذلك في الزمن اليسير.
وقد نرى الشخص أزهر اللون نقي البشرة في حال الصبوة ثم نراه في حال الشيخوخة فلا تكاد تبين١ صورته، وهذا الشَّيْب فإنه يصبغ الأسود الحالك أبيضًا يَقَقَا٢ وهذا من أعجب أنواع الصباغ، ولا عجب من حسن ما الله خالق، وقد قال شاعرهم في هذا المعنى:
أنكرتني إذ رأت شيبي بدا ثم قالت ما الذي بعدي عراه
قلت هذا صبغة الله ومن يصبغ الأسود مبيضًا سواه
/ (٢/٤/أ) وكم مَنْ قد اتّفق له هم وغم وركوب هول في بر أو بحر فبات غربيبًا فأصبح أشيبًا ولقد خُبرِّت٣ أن عندنا بأرض مصر حيوانًا يعرف بالحرباء يتلون في الساعة الواحدة عدة ألوان، وهذه أمور شاهدة بأن الشبه غير مستحيل في نفسه، وإذا كان جائزًا فقد أخبر الصادق بوقوعه فلا التفات بعد ذلك إلى جهلة٤ النصارى في ردِّه.
_________________
(١) ١ في م: [تثبت] . ٢ اليقق: القطن. وأبيض يقق شديد البياض. (ر: القاموس ص: ١٢٠١) . ٣ في م: أخبرت. ٤ في م: جهة.
[ ١ / ٤٥١ ]
وإن قالوا: لا ننكر جوازه١ وإنه غير مستحيل في نفسه غير أن المسيح قال لنا: إنه سيناله من اليهود قتل وغلب وآلام كثيرة، فوقع الأمر كما أخبر.
قلنا لهم: أين قال ذلك في الإنجيل أم في غيره؟! فإن عزوه إلى غير الإنجيل أكذبهم جملة الإنجيل إذ هو مقصور على أخبار المسيح من حين ولادته إلى حين رفعه، وليس يؤثر عنه شيء خارج عما في الإنجيل، وإن عزوه إلى الإنجيل افتضحوا؛ إذ اللفظ في الإنجيل أقربه إلى مقصودهم قول المسيح: "إن ابن الإنسان سيناله من اليهود كيت وكيت"٢.
وقد بينا غير مرة أن ابن الإنسان المذكور إنما هو الشبه الذي قتل وصلب، والدليل على ذلك أن النصارى إلى يومنا / (٢/٤/ب) هذا ليس فيهم من إذا روى شيئًا عن المسيح قال: قال المسيح ابن الإنسان، ولا إذا أقسم قسما قال: وحقّ المسيح ابن الإنسان، ولا إذا دعا وابتهل سأل المسيح ابن الإنسان، ولكن ديدنه وهجيره أن يقول: قال المسيح ابن الله، وحقّ المسيح ابن الله.
فإذًا دعواهم أن المسيح قال: إني سأُقتل وأُصلب دعوى لا حقيقة لها فاعملوا ترشدوا.
٣- وانتزع النصارى من التوراة تحريم الأعمال في السبت: وقالوا: إنما كان ذلك تنويهًا وتنبيهًا للناس على آلام المسيح، وذلك لأنه صلب يوم الجمعة ودُفن ليلة السبت وقام يوم الأحد باكرًا، فنبَّهت التوراة على أنه يكون يوم السبت كله مَيِّتًا معطلًا من الأعمال.
_________________
(١) ١ في م: [لا شك بوازه] . ٢ مرقس ٨/٣١.
[ ١ / ٤٥٢ ]
ونحن - يرحمك مولاك - قد أريناك١ بعون خالقك حماية الله عبده المسيح وصونه عن كيد أعدائه، وإلقاء شبهه على رجل قد حضر أجله ورضي الله له الشهادة فلا معنى للإعادة، غير أن النصارى يتعلقون في أباطيلهم بأدنى سبب كالغريق في اللجة يتعلق بما لا ينجيه، وإلاّ فأي مناسبة بين خلق الله تعالى العالم في ستة أيام وإنجاز / (٢/٥/أ) المخلوقات في اليوم السابع وبين إهانة رجل وقتله وصفعه وصلبه في ذلك اليوم؟! والفراغ من الأعمال غاية الكمال، والصفع والصلب والقتل غاية الذلّ والنقص ولا مناسبة بينهما البتة.
وإنما حرَّم الله على بني إسرائيل العمل يوم السبت٢ ليتذكروا ما كانوا فيه من السّخر والتعب والنصب عند فرعون، ويحمدوا الله على ما أراحم من جور الفراعنة، فرسم لهم يومًا واحدًا في الأسبوع يكون لهم تذكرة كيلا يتقادم الزمان فينسون حسن صنيع الله عندهم فتلزمهم العقوبة أو نقص المثوبة بقلة الشكر على ما اتّخذ عندهم من النعمة.
فيقولون: لو أن الله وضع لنا علمًا نعلم٣ به ما جرى لسلفنا لم نقصر في الشكر، فأزاح الله عللهم وعين لهم اليوم الذي تمت فيه خلائق الله ومصنوعاته، فهذه هي العلة في العطلة من الأعمال يوم السبت لا كما انتزع النصارى.
على أنا لو تركناهم وما انتزعوا لم يكن فيه دلالة إلاّ على قتل الشبه الذي فرغنا من ذكره.
_________________
(١) ١ في م: [أرينا] . ٢ سفر الخروج ٢٠/٨، ٢١/١٢-١٨. ٣ في م: [نعمل] .
[ ١ / ٤٥٣ ]
وكذلك / (٢/٥/ب) أمره تعالى برجم الزاني واللوطي تذكيرًا لهم ولنا ما فعل بأهل سدوم وعامورا١ ليحصل الانزجار عن مثل فعلهم، ال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِين بِبَعيِدٍ﴾ . [سورة هود، الآية: ٨٣] .
وكذلك أمره سبحانه بالاغتسال من الجنابات والأحداث تذكيرًا لهم ما صنع بفرعون وقومه، وكيف أغرقهم في البحر وفجَّر لهم المياه من الصخر القاسي. وكذلك أمرهم باتّخاذ الأواني من الذهب في بيت مقدسهم إذكارًا لهم بالذهب الذي خرجوا به من مصر وكيف سلبه من الفراعنة ومنحهم٢ إيّاه مع عزِّ المسلوب وضعف السالب.
وكذلك أمره إيّاهم بأن يفدوا أولادهم بذبيحة كلّ على قدر طوقه إذكارًا لهم فعل إبراهيم حين أراد ذبح ولده٣ ليتأسوا به في الرضى والتسليم لله عزوجل فيعظم مثوبتهم ويجزل أجرهم.
وكذلك أمره سبحانه بالقرابين والأضاحي تذكرة فعل ابْنَيْ آدم وسخاء نفس هابيل وشح أخيه قابين٤، لكيف البخيل عن بخله ويجود السخي في سخاه.
وكذلك أمر إياهم أن يقربوا / (٢/٦/أ) عن أبكارهم إذكارًا لهم ما صنعه الله بأبكار فرعون وقومه وكيف قتل في ليلة واحدة فأبكار الناس والحيوان من الملك إلى الأتوني٥.
_________________
(١) ١ تكوين ١٩/٢٤. ٢ في م: بومنحتهم] . ٣ ورد ذلك في سفر التكوين ٢٢/١-١٣. ٤ ورد ذلك في سفر التكوين ٤/٢-٧. ٥ ورد ذلك في سفر الخروج ١٣/١٣-١٦.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وكذلك رش الكهنة الدم على المذبح إذكارًا لهم الدم الذي أرسل على المصريين والنعمة على بني إسرائيل١، إذ يشرب هؤلاء الماء العذب وهؤلاء الدم العبيط من معين واحد ومجرى واحد.
وكذلك أمره لهم بعيد [المظال] ٢ إذكارًا لهم تظليلهم بالغمام من حرّ الشمس، وقد ذكرت التوراة العلة في ذلك، فقال الله تعالى: "إن سألك ابنك عدًا وبعد غد، وقال لك: أيّ شيء هذا؟ فقل له: بيد منيعة قوية أخرجنا قومنا من مصر"٣.
وهذه المواضع تبطل على النصارى ما احتجوا به من العطلة في السبت على قتل المسيح وصلبه.
٤- وانتزع النصارى من التوراة قوله: "تعالوا نخلق بشرًا٤ يشبهنا ومثالنا"٥. وقوله أيضًا فيها: "تعالوا ننْزِل نبلبل ألس الناس"٦. قالوا: فهذا دليلنا على الثالوث وإنما خاطب بذلك الروح / (٢/٦/ب) والابن، وقوله: "شبهنا ومثالنا". دليل على التأنس الذي فعله٧.
_________________
(١) ١ سفر الخروج ٧/١٩-٢٤. ٢ في ص، م (الظال)، والصواب ما أثبته. عنيد المظال: هو آخر الأعياد السنوية الكبرى، وثاني أعياد الحصاد عند بني إسرائيل، واشتقّ الاسم من عادتهم في أن يسكنوا مظالًا أثناء مدة العيد، ويسمى أيضًا (عيد الجمع)، وكان يقام في الشهر السابع. (سبتمبر - أكتوبر) . (ر: قاموس ص ٥٨٦، ٥٨٧) . ٣ سفر اللاويين ٢٣/٤٢، ٤٣. ٤ في م: [بشر] . ٥ تكوين ١/٢٦، والنّصّ كالآتي: "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا". ٦ تكوين ١١/٧، ٩. ٧ نقل الإمام ابن تيمية استدلال النصارى بهذا النّصّ: على أن المراد بشبهه ومثاله هو كلمته وروحه (أي: الله - تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا -) ثم ذكر ابن تيمية الرّدّ على الشبهة من ستة أوجه منها: أ- أن الله ليس كمثله شيء، وليس لفظ النّصّ (على مثالنا) . ب- أنه لا اختصاص للمسيح بما ذكر على كلّ تقدير حقّ وباطل بأيّ تفسير فُسِّر قوله: "سنخلق بشرًا على صورتنا شبهنا". لم يخص ذلك المسيح. (ر: الجواب الصحيح ٢/٢٣١-٢٣٥) .
[ ١ / ٤٥٥ ]
والجواب: أن نقول أخطأتهم الطريق وقذفتم بنفوسكم من مكان سحيق، وذلك أن الروح والابن قديمان لا دخول لهما تحت أوامر الآب حتى يأمرهما، وليس قوله لهما بأولى من قولهما له، فمن صَيّر الأب أولى بافتتاح القول منهما؟!
ثم الأب عبارة عن الذات، والروح عبارة عن الحياة، والابن عبارة عن العلم أو النطق، فكيف يخاطب الله علمه وحياته فيقول لهما: تعالوا ننْزل، والصفة على تجردها لا تُخَاطَب ولا تُخاطِب؟!.
فإذا قالوا: فإذا كان لفظ التوراة هكذا وهو صالح للتثليث فما وجه حمله على التوحيد؟
قلنا: هذه النون مشهورة في كلّ لسان وعند كلّ إنسان يطلقها العظماء بينهم والأكابر، وهي بالله أليق، إذ هو العظيم على الحقيقة وكلّ عظيم سواه فهو عبده، ومخترع١ من صنعه.
وقد قال لوقا في إنجيله: "إن ناسًا راموا ترتيب الأمور التي نحن بها عارفون كما عهد إلينا أولئك الصفوة"٢. فهذا لوقا قد ذكر نفسه٣ بلفظ الجمع فبطل ما تخيّله / (٢/٧/أ) النصارى من ذلك.
وقد قال الله تعالى في الكتاب العزيز: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . [سورة الحجر، الآية: ٩] . ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ في م: [ومخترعا] . ٢ لوقا ١/١، ٢. ٣ في م: [بنفسه] . ٤ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٦٣] .
[ ١ / ٤٥٦ ]
ويحتمل أن يكون أمر الملائكة بالنُزول وبخمر طينة آدم وتديرها على هذا الشكل الإنساني كالفعلة١ والعمال الذين يصدرون عن رأي المهندس الحكيم، فلما كملت فخارته نفخ الله في الروح، والخلق عبارة عن التقدير قال الأوّل:
وَلأَنْتَ تَفْري مَا خَلَقْت وبعـ ـضُ القومِ يخلُق ثم لا يَفْري٢
هذا كله إن كانت ألفاظ التوراة والإنجيل لم يدخلها التحريف والتصحيف، وهذا الموضع إن لم يمش على ما قلناه وإلاّ صادم بقية نصوص التوراة في استبداد الله تعالى بالخلق والاختراع إذ قال الله في السفر الأوّل منها: "في البدء خلق الله السماء والأرض، فقال الله ليكن كذا ليكن كذا، حتى أكمل سائر مخلوقاته في ستة أيام"٣. كلّ ذلك ليس فيه ما يشعر بتثنية ولا تثليث.
فأما قوله: "شبهنا ومثالنا"، فهذا الموضع هو الذي غلط اليهود والنصارى فاعتقدوا أن الله / (٢/٧/ب) [جسم] ٤. وأنه مشابه لهذا الهيكل الإنساني، ويتعالى القديم عن مشابهة مخلوقاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . [سورة الشورى، الآية: ١١] .
وإنما أراد الله تعالى أن آدم صار يعرف الخير والشّرّ، ولم يرد المثال والشبه الخلقي، وقد فسرته التوراة بعد ذلك بأسطر فقال الله تعالى: "هذا آدم قد صار كأحدنا يعرف الخير والشّرّ"٥. والسّرّ في ذلك أن الملك مركوز في خلقه معرفة الخير الشّرّ، والحيوان البهيم خال عن ذلك، وقد كان آدم في بدء أمره
_________________
(١) ١ في ص: لفعله، والمثبت من نسخة م. ٢ ذكر الجوهري في الصحاح ٤/١٤٧١ ونسبه إلى الشاعر: زهير بن أبي سلمى. ٣ سفر التكوين الإصحاح الأوّل. ٤ في ص (جسما)، والصواب ما أثبتّه. ٥ تكوين ٣/٢٢.
[ ١ / ٤٥٧ ]
[ساذجا] ١ عن معرفة ذلك، فلما تناول الشجرة بدت له سوءته، وعرف ما لم يكن يعرف من الخير والشّرّ.
وإذا كان الله سبحانه٢ إنما أراد المماثلة في العلم بالخير والشّرّ بطل قول النصارى إن ذلك [دليل] ٣ على التثليث.
وأما قوله: "ننْزِل نبلبل الألسن". فنُزوله نزول أوامره وتجدد أحكامه وهبوط الملائكة بوحيه، وإلاّ فالحركة والتفريغ والاشتغال يستحيل على القديم سبحانه٤. وقد رُوي عن سيّدنا رسول الله أنه قال: "ينْزِل ربُّنا إلى السماء الدنيا في كلّ ليلة جمعة / (٢/٨/أ) فيقول: هل من تائب " الحديث٥.
_________________
(١) ١ في ص (ساذج) والصواب ما أثبته. ٢ في م: زاد: وتعالى. ٣ في ص (دليلا) والصواب ما أثبته. ٤ في م: زاد: وتعالى. ٥ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينْزِل ربُّنا ﵎ كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له". أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ٣/٢٩)، ومسلم ١/٥٢١، والإمام أحمد في المسند ٢/٢٦٤، ٢٦٥. وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على التصديق بنُزول الله ﷾ إلى سماء الدنيا كما ورد في الحديث من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف وتكييف. ووصفه بالنُزول كوصفه بسائر الصفات كالاستواء على العرش والإتيان والمجيء. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . [سورة الشورى، الآية: ١١] . وأما الشبهة التي أوردها المؤلِّف في أن النُزول يستلزم الانتقال والتفريغ والاشتغال، وذلك من خصائص الأجسام التي تمتنع في حقّ الله عزوجل. فجوابها أن نقول: إن نُزول الله عزوجل وإتيانه ومجيئه لا يشبه نُزول الخلق وإتيانهم ومجيئهم، فلا يلزمه ﵎ ما لزمهم، فإن الله عزوجل لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونُزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة. يقول الإمام ابن القيم: "إن الصفة يلزمها لوازم لنفسها وذاتها، فلا يجوز نفي هذه اللوازم عنها لا في حقّ الرّبّ ولا في حقّ العبد، ويلزمها لوازم من جهة اختصاصها بالعبد، فلا يجوز إثبات تلك اللوازم للرّبّ، ويلزمها لوازم من حيث اختصاصها بالرّبّ. فلا يجوز سلبها عنه ولا إثباتها للعبد". اهـ. (ر: مختصر الصواعق٢/٤٨٥) . يقول ابن قتيبة: "لا نحتم على النُزول منه (الله) بشيء، ولكنا نبيّن كيف النُزول منا وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ - والله أعلم بما أراد - والنُزُول منا يكون بمعنيين: أحدهما: الانتقال عن مكان إلى مكان كنُزولك من الجبل إلى الحضيض ومن السطح إلى الدار. والمعنى الآخر: إقبالك على الشيء بالإرادة والنية، وكذلك الهبوط والارتقاء والبلوغ والمصير وأشباه هذا من الكلام". اهـ. مختصرًا. (ر: تأويل مختلف الحديث ص ١٨٤، ١٨٥. فالإمام ابن قتيبة يبيّن لنا في كلامه ما تحتمله اللغة من معنى النُزُول الحقيقي بالنسبة للخلق، فعلى المعنى الثاني الذي ذكره ليس فيه انتقال جسم - وهو لازم على المعنى الأوّل - فنُزُول البشر يأتي على تلك الصفتين وهو فيهما حقيقة. إذن فلا يحكم على نُزُول الله تعالى أنه يكون كنُزُول خلقه. وأنه يلزم نزوله ما يلزم نُزُولهم، وإن كان هناك اشتراك في اللفظ فإنه لاشتراك في حقيقة الصفة وقيامها بالمتّصف بها، فصفات الله تعالى لائقة بكماله وجلاله وعظمته، ولا يجوز نفيها عنه عزوجل خوفًا من التشبيه؛ لأنه لا مشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. كما لا مشابهة بين ذاته المقدسة وذواتهم. ولأن صفات الخلق مناسبة لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم. وصفاته عزوجل مناسبة لعظمته وبقائه وقدرته وغناه ﷾. (للاستزادة ر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة اللالكائي ٣/٤٣٤-٤٥٣، شرح حديث النُزُول للإمام ابن تيمية) .
[ ١ / ٤٥٨ ]
وقول التوراة في خاتمتها١: "أقبل الله من سيناء، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران"٢. فنُزُوله سبحانه؛ نزول أوامره، وظهوره ظهور٣ شرائعه، وإقباله؛ إسباغ نعمه على خلقه، وهذه كلّها معانٍ معقولة يؤمن بها اللبيب ولا يجريها على الظاهر إلاّ المريب، ونحن فقد بينا نم كتابهم الذي بأيديهم توحيد الباري، واستشهادنا بأقوال المسيح في التوحيد وأقوال تلاميذه، وذلك يبطل تعلقهم بهذه الكلم التي لا دلالة فيها على التثليث.
_________________
(١) ١ في (خاتمتها) ليست في م. ٢ تثنية ٣٣/١-٣. ٣ ليست في م.
[ ١ / ٤٥٩ ]
٥- وانتزع النصارى من التوراة: "أن ثلاثة من الملائكة مروا بإبراهيم ﵇ فسجد لهم وخاطبهم بـ:"يا رب" ١، قالوا: فهذا إبراهيم يعتقد التثليث الذي نحن نقول به٢.
فيقال لهم: غلطتم أيّها القوم غلطًا عظيمًا، وحدتم عن صوب الصواب، وأشكل عليكم غير المشكل، وذلك أن التوراة تقول في السفر الأوّل منها: "إن الله سبحانه كان متجليًا لإبراهيم قبل رؤيته الملائكة الثلاثة"٣. فقوله: "يا رب"، خطاب٤ لله وحده. ويؤيد ما قلته قول / (٢/٨/ب) التوراة: "ومضى الملائكة نحو سدوم وبقي إبراهيم قائمًا بين يدي الله تعالى يشفع في القوم، ويقول: بخطيئة واحدة تهلك الأبرار مع الفجار، حاشاك من ذلك يا حاكم الأرض أن٥يكون هذا من صنيعك"٦. فهذا وجه حسن مقبول.
ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون إبراهيم أَضْمَر (يا رسل رب)، والإضمار في التوراة كثير جدًا: "كقول الملك لهاجر رآها ومعها ولدها إسماعيل: شُدِّي يديك بهذا الغلام فإني سأكثر نسله كثيرًا"٧. فأضمر الملك: "يقول لك الله: إني سأكثر نسل ولدك". إذ الملك لا يقدر على ذلك، وهو صادق لا يكذب.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في تكوين ١٨/٢، ٣، كالآتي: "وسجد إلى الأرض وقال: يا سيد " ٢ نقل ذلك عنهم أيضًا الإمام ابن حزم في كتابه: (الفصل في الملل والنحل ١/٢٢٠)، وقال: "وقد رأيت في بعض كتب النصارى الاحتجاج بهذه القضية في إثبات التثليث". اهـ. ٣ تكوين ١٢/٧، ١٨/١. ٤ في م: [خطابا] . ٥ في م: (أن) ساقطة. ٦ تكوين ١٨/٢٢-٢٥. ٧ تكوين ٢١/١٧، ١٨.
[ ١ / ٤٦٠ ]
وكذلك قول التوراة في هذا السفر: "إبراهيم، إبراهيم لا تذبحن الغلام، فقد علمت أنك تخاف الله حين لم تمنعني ابنك وحيدك"١. فأضمر "قال الله"؛ لأن إبراهيم لم يقصد بذبح ولده التقرب إلى الملك، ولم يكذب في قوله. وإذ ثبت أن إبراهيم إنما خاطب بذلك الله؛ وسجد له؛ بطل انتزاع النصارى لذلك واستشهادهم به.
على أنا نقول: لو ثبت أن إبراهيم خاطب الملائكة وسجد لهم لم يلزم منه / (٢/٩/أ) ما انتحله النصارى من عبادة الثالوث؛ لأن قصد الجماعة الكثيرة٢ بلفظ الواحد هو لسان القوم كان في ذلك الزمان، وشاهده من التوراة قوله لبني إسرائيل: "وتعملون للرّبّ إلهكم ليبارك في طعامكم وشرابكم، ويدفع الآلام عن بيوتكم، ولا يجعل عاقرًا في أرضكم، وأرسل هيبتي بين يديك، وأقاتل عنك كلّ من تذهب إليه، وأجعل أعداءك خاضعة بين يديك"٣. وهذا كما ترى مخاطبة الجمع الكثير بلفظ الواحد، وفي التوراة من هذا الجنس كثير؛ كقوله لبني إسرائيل: "إنكم تعرفون أنفس التواينة؛ لأنكم كنتم تواينة بأرض مصر، ازرع أرضك ستّ سنين ودعها في السابعة"٤.
وشاهد من المزامير لداود: "اسمع يا قوم، أقول لكم يا إسرائيل: أنا الله ربّك"٥. وشاهده من الإنجيل: "لا تقابلوا الشّرّ بالشّرّ، ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر، ومن رام أخذ ثوبك فألق عليه رداءك"٦.
_________________
(١) ١ تكوين ٢٢/١١، ١٢. ٢ في م: [الكبيرة] . ٣ خروج ٢٣/٢٥-٢٧. ٤ ورد النّصّ في سفر الخروج ٢٣/٩/١١، كالآتي: "ولا تضايق الغريب فإنكم عارفون نفس الغريب، لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر، وستّ سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها وأما في السابعة فتريحها". ٥ مزمور ٨١/٨-١٠. ٦ متى ٥/٣٩، ٤٠.
[ ١ / ٤٦١ ]
وفي الإنجيل: "لا تصنعوا بِرّكم قُدَّام الناس لتراؤوا لهم فيحبط أجركم؛ لكن إذا صنعت رحمة فلا تُصوّت/ (٢/٩/ب) قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون في المحافل والأسواق لكي يحمدهم الناس"١.وذلك في كتبهم كثير. فلو كان خطاب إبراهيم للثلاثة بلفظ واحد يدل على التثليث؛ فهذه كتبهم تخاطب الجموع الكثيرة بلفظ الواحد فيلزم منه إفساد التثليث.
وأما قوله: "يا ربّ" فقد قدمنا أن لغة القوم تجيز ذلك، وأنهم يخطابون العظيم القدر الرفيع المنْزلة ولا يستنكر ذلك منهم، وقد قال زكريا ﵇: "قال لي الملك: ما تدري ما هذا؟ قلت: لا يا رب"٢.
ورأى يوشع رجلًا في يده السيف مصلتًا؛ فذهب إليه فقال: "أَمِنَّا أنت أم من عدونا؟ "، فقال: أنا رئيس جند الله٣. فسجد يوشع. وقال: أَيُّ شيء يقول الرّبّ لعبد؟ فقال: اخلع نعليك فإن الموضع الذي أنت فيه مقدس"٤.
وهذا في كتب القوم كثير يخاطبون به أكابرهم وعظماءهم، ولما كان لفظ الرّبّ يطلقونه على غير الله تجوزًا وتوسعًا، احتاجوا إلى لفظ التأكيد والتكرار عند إرادة الرّبّ الحقيقي. فقيل لهم في التوراة والكتب العتيقة: "اعلموا / (٢/١٠/أ) أن الله ربّكم وإلهكم وخالقكم ورازقكم". حتى يرتفع الاشتراك بين المجاز والحقيقة. وقال سبحانه في التوراة لبني إسرائيل: "اختنوا قلفة قلوبكم ولا
_________________
(١) ١ متى ٦/١، ٢. ٢ ورد النّصّ في سفر زكريا ٤/٥ كالآتي: "فأجاب الملاك الذي كلمني وقال لي: أما تعلم ما هذه؟ فقلت: لا يا سيدي". ٣ في م: [الرب] . ٤ سفر يشوع ٥/١٣-١٥.
[ ١ / ٤٦٢ ]
تقسوا رقابكم، الله ربّكم هو إله الآلهة وربّ الأرباب، إله عظيم مرهوب جبار، لا يرتشي ولا يحابي، وينصف الأيتام والأرامل الذين يقبلون إليه"١.
وقد ذكرنا أن السجود كان سلام القوم على أكابرهم وتحيتهم لعظمائهم، فقد سجد يوشع للملك، والتوراة تشهد بأن إبراهيم ولوطًا وإخوة يوسف وأولاده قد فعلوا ذلك، وذلك مذكور مشهور٢.
قال مؤلِّفه-عفا الله عنه-في هذاالفصل من التوراةمعانٍ رديَّة فتأمل:
منها قولهم: "إن الله قال لإبراهيم: لقد وصل إلى إثم سدوم وعامورا فقلت انزل الآن فانظر هل صنعوا وأثموا كما بلغني وإلاّ عرفت ذلك"٣. فإن فيه نسبة الباري إلى عدم العلم بالمغيبات، ونسبة الملائكة إلى عدم الصدق وأنهم في موضع تهمة ومحل ظنه.
والموضع / (٢/١٠/ب) الآخر قولهم: "إن الملائكة أكلت الطعام عند إبراهيم ولوط، فنقلوا عن إبراهيم أنه أطعمهم خبز ملة، وصنع لهم عجلًا سمينًا، وساقهم لبنًا وسمنًا، وأن لوطًا أطعمهم فطيرًا"٤. هذا وأهل الكتاب ينكرون قول أهل الإسلام إن أهل الجنة يغتذون بالطعام والشراب، ويقولون: لا طعام في الجنة ولا شراب ولا نكاح؛ بل يكون حالهم كحال الملائكة لا يأكلون ولا يشربون وهذه غفلة عظيمة. وقد قال تعالى في شأن الملائكة في هذه القصة: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُم لاَ تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهم﴾ . [سورة هود، الآية: ٧٠] . وذلك كناية عن ترك الأكل ويشبه أن يكونوا أمسكوا٥ طعام إبراهيم وباركوا عليه. وتقدموا إليه بإطعامه أبناء السبيل وذوي الحاجة.
_________________
(١) ١ تثنية ١٠/١٦-١٨. ٢ ر: ص ١٧٤. ٣ تكوين ١٨/٢٠-٢١. ٤ تكوين ١٨/٦-٨. ٥ في م: مسوا.
[ ١ / ٤٦٣ ]
٦- وانتزع النصارى من التوراة قولها: "وأهبط الرّبّ على سدوم وعامورا نارًا وكبريتًا من بين يدي الرّبّ من السماء"١. فزعموا أن تكرار "الرّبّ" مرتين دليل لهم على اقنومين٢، وأن الله أَبْهَم ذكر [الأقنوم] ٣ الثالث ووكله إلى استخراج العلماء والفهماء٤ / (٢/١١/أ) لتكثر أجورهم وتجزل مثوبتهم بالبحث والاستنباط.
والجواب عن ذلك: أنه سبحانه٥ إنما كرر لفظة الرّبّ للتأكيد ليُعْلِم عباده أنه هو المتولي عذاب الظالمين، وهذا موجود في كلّ لغة عند إرادة التأكيد وهو كقول القائل: نعوذ بالله من غضب الله، وكقول التوراة: "وصعد موسى إلى الله وناداه الله: قل لبني إسرائيل وأَعْلِم بني يعقوب قد رأيتم ما صنعت بالمصريين"٦.وكررالله مرتين وكرر يعقوب والمعنى واحد.
وقد قال أشعيا في نبوته: "إن الرّبّ رحم٧ يعقوب ونجى إسرائيل"٨. وقال أشعيا أيضًا: "تكلم يا يعقوب وقل يا إسرائيل ولا تخف"٩.
وفي التوراة: "قال موسى: يا ربّ الشعب الذين معني ستمائة ألف، وأنت قلت إنك تطعمهم لحمًا شهرًا كاملًا، فلو ذُبح لهؤلاء أنعام الأرض وثيرانها أو
_________________
(١) ١ تكوين ١٩/٢٤. ٢ نقل الإمام ابن تيمية هذا الاستدلال الفاسد من النصارى. وأورد الرّدّ عليهم من اربعة أوجه. (ر: الجواب الصحيح ٢/٢٣٦، ٢٣٧) . ٣ في ص (القنوم) والصواب ما أثبتّه. ٤ في م: (الفقهاء) . (أنه سبحانه) ليست في م. ٦ خروج ١٩/٣، ٤. ٧ في م: [وهم] . ٨ أشعيا ١٤/١ كالآتي: "لأن الرّبّ سيرحم يعقوب ويختار أيضًا إسرائيل". ٩ أشعيا ٤٠/٢٧.
[ ١ / ٤٦٤ ]
صيد لهم سمك البحور أين كان يقع ذلك منهم؟ فقال الرّبّ: يد الرّبّ تكمل الأشياء، والآن ترى هل يتمّ كلامي أم لا؟ "١. فبطل ما تعلقوا به من قوله: "أنزل / (٢/١١/ب) الرّبّ من بين يدي الرّبّ".
ويقال للنصارى: ما قولكم فيمن يدعي أن الأقانيم خمسة ويستشهد بقول الله تعالى في التوراة: (فدعا بنو إسرائيل، فصعد نحيبهم إلى الله، فرأى الله بَلِيَّتهم فذكر اله ميثاقه مع إبراهيم أبيهم، فنظر الله لهم وعلم الله حالهم واضطرارهم"٢. وإن كان قوله: "أهبط الرّبّ على سدوم ". تدل على أقنومين. فهذه الآية من التوراة تدل على خمسة أقانيم. ولعل ثم أيضًا عدة أقانيم وراء هذه الخمسة أظهر منها ما أظهر وأبهم الباقي؛ ليكثر أجر الحكماء والعلماء في استنباط ما أبهم منها.
وكذلك قال داود في مزمور الثامن عشر: "ناموس الرّبّ بلا عَيب، شهادة الرّبّ صادقة، أمر الرّبّ مستقيم، ووصية الرّبّ تدبر العيون، خشية الرّبّ زكية، أحكام الرّبّ عادلة"٣. فهذا المزمور قد كرر (الرّبّ) ست مرات، أفتقول النصارى إن الأقانيم ستة؟! فبطل ما ادّعوه في قوله: "أنْزله الرّبّ على سدوم) . ونُزِّل ذلك منْزلة قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا فرق في التكرار والتأكيد / (٢/١٢/أ) بين أن يأتي بالاسم الواحد مرتين وبين المغايرة بين الاسمين والمعنى واحد.
٧- فإن قيل: دليلنا على ربوبية المسيح أنه أحيا الميّت، وأبرأ الأكمه وطهَّر الأبصر، ومشى على الماء، وصعد السماء، وحوَّل الماء خمرًا، وكثَّر الطعام القليل، وأقام الز َمِن، وحمته الملائكة، وسترته الغمامة، وأخرج الشياطين من الآدميين.
_________________
(١) ١ سفر العدد ١١/٢١-٢٣. ٢ خروج ٢/٢٣-٢٥. ٣ مزمور ١٩/٧-٩.
[ ١ / ٤٦٥ ]
والجواب: أنه لم يُسلَّم لكم هذه الدعاوى سوى هذه الأمة البارة وهي أمة محمّد ﷺ، فلولا محمّد ﵇ شهد لأخيه عيسى بالرسالة والنبوة لما عَرَّج أحد اليوم على أقوالكم ولا وثق بروايتكم، وإلاّ فما بال بني إسرائيل على كثرتهم لم يصدقوكم بما تنقلون؟! هذا وأنتم تنقلون عن أمور محسوسة إذا وقعت لم تكد تخفى.
فإن قالوا: إن اليهود لعداوتهم لنا تمالؤوا على ستر هذه الخوارق بغيًا وحسدًا.
قلنا لهم: فما بال من عدا اليهود من الأمم والطوائف كالفرس والديلم والترك والهنود والصين لم يصدقوكم على ذلك ويتّفقوا١ على دينكم ويتابعوكم على معتقدكم / (٢/١٢/ب) وقد أَرَّخَ الناس أخبار العالم وحوادثه ودَّنوا في كتبهم عجائبه؟!.
فما بال العالم يُكذبكم ويقولون: إن يسوعكم لم يحي مَيِّتًا قط، ولا أقام زمنًا ألبتة، ولا طَهَّر أبرص أصلًا. وإن جميع ما تنقلونه من ذلك كذب ومين وإفك واختلاق لا أصل له ولا صحة. فلولا محمّد رسول الله ﷺ شهد بصدق أخيه المسيح، وأخبر أنه أحيا الميّت، وأبرأ الأكمه والأبرص، وخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله - لما عَرَّج أحد على أمثالكم وأشباهكم.
فأما بقية الآيات التي تدعونها فإن ثبت أن نبيّنا ﷺ أخبرنا بها أو أخبرنا صادق آخر من الأنبياء المتقدمين شيء منها سمعناه وآمنا به وصدقناه وكان عندنا عَلَمًا من أعلام نبوته ﵇، فأما أنتم فإنا لا نصدقكم فيما تنقلون عن الأنبياء بعد وقوفنا على تخليطكم في منقولكم، وفساد عقولكم وقبولها لكلّ مستحيل، ألستم الذين تنقلون عن يوحنا الإنجيلي: "أن
_________________
(١) ١ في م: [وتصفقوا] .
[ ١ / ٤٦٦ ]
كلمة الله التي هي علمه صارت لحمًا وشعرًا وظفرًا؟ " ألستم الذين تنقلون عن أفريم:"أن اليدين اللتين خمرت طينة آدم سُمِّرت بالمسامير على/ (٢/١٣/أ) الصليب، والشِّبْر التي مسحت السماوات عُلِّقت على خشبة، وأن من لم يقل إن مريم ولدت ربّها إلهها فهو محروم؟! "١.
ألستم الذين زعمتم أنّ لوطًا وقع على ابنتيه فأحبلهما وأولدهما٢؟!، وأنّ رؤبيل بكر يعقوب وقع على سُرِيَّة أبيه وفجر بها؟! ٣، وأنّ يهوذا وقع على امرأة ابنه؟! ٤، وأنّ دينا ابنة يعقوب افترعت وأزيلت بكارتها؟!! ٥.
وصيَّرتم ذلك قرآنًا يتلى في بيِّعكم وكنائسكم بحضرة جموعكم، ألستم الذين زعمتم أن لله الخالق الباري ابنًا، وأنه أرسل أنبياء فقهروا وغلبوا وظهر عليهم الشيطان وقل جدهم وقهر سلطانهم. واستولى على ملك الله، فاحتاج الله أن أرسل ابنه ذلك إلى الأرض. فولج فوائد امرأة من خلقه وأقام برحمها تسعة أشهر، ثم خرج من فرجها طفلًا، وبقي يتردد بين اليهود يدعوهم، وأن الشيطان قهره وأخرجه إلى البرية وسحبه من مكان إلى مكان ودعاه إلى أن يسجد له، فلما أتى عليه هذا الابن سلط عليه شرذمة من أَخس٦ جنده وأدبر أعوانه؛ وهم اليهود فأخذوه وصفعوه / (٢/١٣/ب) وصلبوه وأغضبوا والده وأثكلوه؟! وإذا كان هذا نقلكم فأيّ عاقل بعدها يسكن إليكم أو يعول في أمر عليكم؟!
_________________
(١) ١ نقل ذلك عن النصارى القاضي عبد الجبار المعتزلي، في كتابه: (تثبيت دلائل النبوة ص ١٠٤) . والإمام ابن القيم في: (هداية الحياري، ص ٢٦٩) . ٢ تكوين ١٩/٣٠-٣٨. ٣ تكوين ٣٥/٢٢. ٤ تكوين ١٩/١٢-٣٠. ٥ تكوين ٣٤/١-٣. ٦ في م: [أحسن] .
[ ١ / ٤٦٧ ]
فأما إحياء الميّت١ فقد حكينا أن إلياس أحيا ابن الأرملة٢، وأن اليسع أحيا مَيِّتين [واحدًا] ٣ في حال٤ حياته وآخر بعد وفاته٥، وأن حزقيال أحيا الذين قتلهم بختنصر، وكانوا ألوفًا من الناس، ولهم من يوم قتلوا [نَيِّف وأربعون] ٦ سنة، فقال الله لحزقيال: تنبأ على هذه العظام حتى أحييها لك٧، وقد فعل قبر اليسع٨ أعجب من فعل المسيح؛ لأن قومًا حملوا جنازة إلى الجبال فرأوا٩ عَدُوًّا، فخافوا وطرحوا الميت عن رقابهم وابتدروا فزعه، فقام الميت، وجاء يمشي حتى دخل المدينة، فنظروا فإذا هم قد ألقوه على قبر نبي الله اليسع، وفعل حزقيال أبدع من فعل المسيح، وفعل موسى أغرب من فعله؛ إذ قلب الخشبة لها عينان تبصر بهما١٠، وأخرج من الرمل١١ قملًا يسعى حتى ملأ قياطن فرعون وأرض مصر، وهذا أعجب وأغرب من فعل المسيح.
وأما إبراء الأكمه من بني آدم: فلا شكّ أنّها من الآيات الباهرة أيضًا، وهو يلحق بإحياء الميّت؛ / (٢/١٤/أ) لأن ذاك أحيا عضوًا كان ميّتًا فأشبه إحياء الإنسان جملة، غير أن آية موسى١٢ أغرب عند العقلاء منهم. وذلك أن صنعه عينين
_________________
(١) ١ ورد إحياء عيسى بن الأرملة في إنجيل يوحنا٧/١١-١٧، وإحياء لعازر١١/١-٤٦. ٢ سفر الملوك الأوّل ١٧/١٧-٢٤. ٣ في ص (واحد) والصواب ما أثبتّه. ٤ سفر الملوك الثاني ٤/١٨-٣٧. ٥ سفر الملوك الثاني ١٣/٢٠، ٢١. ٦ في ص (نيفًا وأربعين) والصواب ما أثبتّه. ٧ سفر حزقيال ٣٧/١-١٠. ٨ في م: [اليست] . ٩ في م: [فغذوا] . ١٠ خروج ٤/٢، ٧/٩-١٢. ١١ خروج ٨/١٦، ١٧. ١٢ في م زاد: [﵇] .
[ ١ / ٤٦٨ ]
لخشبة يابسة جافة لا روح فيها أبدع. وأبدع من فتح عيني آدمي، ثم آية موسى كيف أراد أدارها وحولها، إذ بينما هي خشبة صارت حيوانًا يبصر بعينيه ويأكل ما قدر عليه، وبينما هي حيوان إذ عادت شجرة لوز مثمرة، وبينما هي كذلك إذ عادت إلى حالها الأوّل، ثم إنها يستدعي بها الجواد والذباب والقمل والضفادع، ويثير بها الثلوج والمياه والظلمة، ويشق بها البحر، ويُجري بها المياه من الصخر، ويجاهد بها الجبابرة فَتَنْفُذ في كلّ ما عمل بها أعظم نفوذ، وهذا - فاعلموا - لم يكن للمسيح من الآيات مثله، وقد فتح يوسف الصّدّيق عيني أبيه يعقوب ﵉ كلّ ذلك يشهد به التوراة.
وأما إبراء الأبرص١: فقد شهدت التوراة أيضًا أن مريم أخت موسى وهارون تكلمت في موسى فبرصت من ساعتا، فأخرجت عن العسكر، فرضي عنها فزال برصها٢، ولم يدع عليها في الأوّل ولا / (٢/١٤/ب) دعا لها في الثاني وذرنا عن نعمان الرومي أنه برص فرحل إلى اليسع، واستأذن عليه فلم يأذن له، وقال: قولوا له يذهب إلى الأردن فينغمس فيه سبعًا فإنه يبرأ، ففعل، فبرأ من برصه٣.
وأما مشيه على الماء٤ فقد حكينا أن إلياس وتلميذه اليسع ق مَشَيَا على نهر الأردن جميعًا٥، وكذلك يوشع بن نون قد مشى على الماء بتابوت السكينة هو ومن معه٦.
_________________
(١) ١ متى ٨/١-٤، مرقس١/٤٠-٤٥، لوقا ٥/١٢-١٤، ١٧/١١-١٩. ٢ سفر العدد ١٢/١-١٠، في سياق طويل. ٣ سفر الملوك الثاني الإصحاح (٥) . ٤ متى ١٤/٢٥، مرقس ٦/٤٨. ٥ سفر الملوك الثاني ٢/١-٨. ٦ سفر يشوع الإصحاح (٣) .
[ ١ / ٤٦٩ ]
وأما تحويل الماء خمرًا١ فقد حكينا عن سفر الملوك من كتبهم أن إلياس أو اليسع قلب الماء زيتًا؛ فأغنى به بيتًا من الفقراء٢. وذلك أعجب من فعل المسيح على الكلّ سلام الله.
وأما تكثيره القليل من الطعام٣، فقد حكي في التوراة أن موسى دعا الله فأطعم بني إسرائيل مَنًَّا وسلوى في البرية. وهم ستمائة ألف سوى النساء والصبيان٤. وذلك أعجب وأغرب من آية المسيح - علهما السلام -. وقد حكي في سفر الملوك أن إلياس ﵇ نزل بامرأة أرملة في زمن قحط شديد حتى هلك الناس. ومكثت السماء لم تمطر ثلاث سنين / (٢/١٥/أ) فقال لها: هل عندك من طعام؟ قالت: والله يا نبيّ الله، ما عندي إلاّ كفّ دقيق في قلة لنا. أردت أن أخبزه لطفل صغير. وقد أيقنَّا بالهلاك. فقال ﵇: أحضريه ولا خوف عليك. فأحضرته بين يديه. فبارك عليه. فمكث عندها ثلاث سنين وستة أشهر؛ تأكل منه هي وأهلها وجيرانها حتى فرّج الله عن الناس٥. ومَن كَثَّر القليل وأدامه أغرب في الإعجاز ممَّن كَثَّر ولم يدمه.
وأما حراسة الملائكة له٦، فالتوراة تشهد بأن الملك كان يسير في عمود الغمام أيام بني إسرائيل حتى شقّ بهم البحر وخلّصهم من فرعون٧. وذلك أعجب من تخليص المسيح من يد الشيطان.
_________________
(١) ١ يوحنا ٢/١-١١. ٢ سفر الملوك الثاني ٤/١-٧. ٣ متى ١٤/١٥-٢١، ١٥/٣٢-٣٨، مرقس ٦/٣٤-٤٤، لوقا ٩/١٢-١٧، يوحنا ٦/٥-١٢. ٤ سفر الخروج الإصحاح (١٦) . ٥ سفر الملوك الأوّل ١٧/١٠-١٦. ٦ متى ٤/١١، مرقس ١/١٣، لوقا ٤/١٣. ٧ خروج ١٣/٢١، ٢٢.
[ ١ / ٤٧٠ ]
والعجب من النصارى يعتقدون أنّ المسيح ربّ الشيطان وربّ كلّ شيء ومع ذلك يُقِرُّون أنّ الشيطان حصره في البرية واستولى عليه. وقال له: اسجد لي. حتى خلصته الملائكة من يده وأنقذه من ورطته١.
وأما صعوده إلى السماء٢، فسائر كبتهم تشهد أنّ أخنوخ قد صعد إلى السماء٣، وأنّ إلياء قد صعد إلى السماء٤، فاستوت حالهما مع المسيح. / (٢/١٥/ب) .
والعجب أنّ الملائكة مأواها السماء وهي في زعم النصارى خدم المسيح، فكيف يعدون صعوده إلى السماء دلالة على الربوبية؟!.
وأما شفاء الزمن٥ من علة زمانته، فالتوراة شاهدة أن سارة حملت وهي عجوز فانية وولدت إسحاق ببركة نبيّ الله إبراهيم٦، وكذلك الإنجيل يشهد أن أليصابات على كبر سنها حملت وولدت يحيى ببركة نبيّ الله زكريا٧. وما ذلك إلاّ غضو أزيلت علته. فبطش بعد ضمان عطبته وزمانته. فاستوى الأمران.
وأما ستره بالغمامة حين صعد إلى الجبل٨، فالتوراة تشهد بأنّ بني إسرائيل إذ كانوا في التيه مع موسى، وكان الغمام يسترهم من حرّ الشمس وهم ستمائة ألف سوى النساء والصبيان وبهيم الحيوان٩. وذلك أربعة سنة. وهذا
_________________
(١) ١ متى ٤/١-١١، مرقس ١/١٢، ١٣، لوقا ٤/١-١٣. ٢ مرقس ١٦/١٩، ٢٠، لوقا ٢٤/٥٠-٥٣. ٣ سفر التكوين ٥/٢٤. ٤ سفر التكوين الثاني ٢/١-١١. ٥ شفاء المفلوج: متى ٩/١-٨، شفاء الأخرس: ٩/٣٢-٣٤، شفاء الأعمى: متى ٨/٢٢-٢٦. ٦ تكوين ٢١/١-٨. ٧ لوقا ١/٥-٢٥. ٨ متى ١٧/٥، لوقا ٩/٢٨-٣٦. ٩ عدد ١٠/٣٤، ٦/١٥-٢٣.
[ ١ / ٤٧١ ]
أعجب من ستر المسيح بالغمامة ومعه نفر يسيرة.
وأما شفاء المجنون من جنونه١، فالتوراة تشهد أن موت الفجأة وقع في بني إسرائيل فقتل منهم في يوم واحد آلافًا منهم، فأخذ هارون / (٢/١٦/أ) البخور في مجمرة وقام بين الأموات والأحياء، فكفّ الموت عن بقيتهم٢، وما الجنون إلاّ مرض أصاب العقل، وهو دون مرض جملة البُنية. وكذلك نهشتهم الحيات في التيه فاتّخذ لهم حية من نحاس، فكان كلّ من لدغته حية جاء إلى الحية النحاس فيبرأ من علته٣، فهاتان الآيتان من التوراة أعجب من فعل المسيح.
وأما إجابة دعوته٤، فالتوراة تشهد بأن إسحاق حين كبر وقرم إلى اللحم وقضى أولاده شهوته دعا ليعقوب وعيسى فاستجيب فيهما٥. وكذلك قالت: إن يعقوب بارك ودعا لأولاده عند وفاته، فلم ترد دعوته٦، ومما أخبر يعقوب تلميذ المسيح في رسالته: أن إلياس دعا على قومه فلم تمطر السماء ثلاث سنين وستة أشهر. ثم دعا بعد ذلك فزال الجدب٧. وهذا أعجب من فعل المسيح وأغرب. وقد بقيت للأنبياء آيات لم يأت المسيح ﵇ بنظيرها فنسمع بتسطيرها. والله أعلم.
_________________
(١) ١ مرقس ١/٢١-٢٨، يوحنا ٤/٣١-٣٧، متى ٩/٣٢-٣٤، ١٢/٢٢-٣٧. ٢ عدد ١٦/٤١-٥٠. ٣ عدد ٢١/٦-٩. ٤ ورد أن المسيح دعا الله لأجل إحياء لعازر في إنجيل يوحنا ١١/١-٤٦، ودعا لأجل إطعام الكثير من الطعام القليل في إنجيل متى ١٤/١٥-٢١، وغير ذلك. ٥ تكوين الإصحاح (٢٧) . ٦ تكوين الإصحاح (٤٩) . ٧ رسالة يعقوب ٥/١٧، ١٨.
[ ١ / ٤٧٢ ]
الباب السّابع: في إفساد دعوى الاتّحاد والتّثليث
في إفساد دعوى الاتّحاد والتّثليث١:
نحكي فيه مقالات الفرق الثلاث من النصارى اليعاقبة والروم والنسطورية في دعوى اتّحاد اللاهوت بالناسوت. وكيف تناقضوا وتعارضوا، ثم نعكر على الجميع بالإفساد والإبطال٢.
اعلم أنّ فرق النصارى كثيرة ولكن المشهور منهم الآن [ثلاث] ٣ فرق: اليعاقبة والروم والنسطور٤. وعقائدهم في الإله مختلفة وآراؤهم متباينة ومقالاتهم متناقضة، ولم أر لهم قدمًا يثبت ولا قاعدة تستقر في هذه الدعوى، وسبب خبطهم أن كلًاّ منهم يريد أن يفرِّع عن أصل مستحيل؛ مذهبًا صحيحًا جائزًا عند العقلاء٥ وما ذلك إلاّ كقول القائل:
ومتى كان في الأنابيب خلف وقع الطيش في صدور الصِعَاد
_________________
(١) ١ الزيادة من المحقِّق لإكمال عنوان الباب مع محتواه. ٢ إن نقد المؤلِّف وإبطاله لعقيدة الاتّحاد والتّثليث في هذا الباب قد استكمل به نقد أسس العقيدة النصرانية المنحرفة الثلاثة وهي كالآتي:
(٢) التّثليث والاتّحاد.
(٣) صلب المسيح تكفيرًا عن الخطيئة الأزلية التي ارتكبها آدم ﵇. وقد سبق للمؤلِّف نقد هذا الأساس في الباب الخامس. (ر: ص ٣٧٥) .
(٤) محاسبة المسيح للناس يوم القيامة، وقد تقدم مناقشة هذه العقيدة وإبطالها. (ر: ص ٣٩٧) . ٣ في ص، م: ثلاثة، والتصويب من المحقِّق. ٤ في م: النسطورية. ٥ إن اتّحاد اللاهوت بالناسوت - حسب اعتقاد النصارى - غير معقول؛ لأنه بعد الاتّحاد إما أن يكونا اثنين كما كانا، أو صار الاثنان واحدًا. فإن كانا اثنين كما كانا فلا اتّحاد، بل هما متعددان، كما كانا متعددين، وإن كانا قد صارا شيئًا واحدًا، فإن كان هذا الواحد هو أحدهما فالآخر قد عدم. وهذا عدم لأحدهما لا اتّحاده. وإن كان هذا الذي صار واحدًا - ليس هو أحدهما - فلا بدّ من تغييرهما واستحالتهما، وإلاّ فلو كانا بعد الاتّحاد اثنين ابقيين بصفاعهما لم يكن هناك اتّحاد. (ر: الجواب الصحيح ٢/٢٦٧، النصيحة الإيمانية ص ١٤٤، ١٤٥، تنقيح الأبحاث ص ٥٤، ٥٥ لابن كمونة، إظهار الحقّ ص ٣٣٧) .
[ ١ / ٤٧٥ ]
الفرقة الأولى:
فرقة يعقوب السروجي ويسمى البرادعي أيضًا. ادّعت أنّ المسيح أصاره الاتّحاد طبيعة واحدة [وأقنوما] ١ واحدًا٢.
_________________
(١) ١ في ص (وقنوما)، وهو خطأ يكرره الناسخ كثيرًا. والصواب ما أثبتّه. ٢ اليعقوبية: أتباع المذهب القائل بأنّ المسيح طبيعة واحدة - من طبيعتين لاهوتية وناسوتية - ومشيئة واحدة. (المونوفيزيتية MONOPHSIYES)، وأوّل من قال به أوطاخي (أوتيكيس EUTYCHES)، وهو رئيس ديربالقرب من القسطنطينية. وقد أنكر هذا القول فلافيان FLAVIAN بطريك القسطنطينية وعقد مجمعًا محليًّا لإنكار هذه المقالة وحرمان قائلها أوتيكس من الكنيسة، إلاّ أن الراهب لجأ إلى بطريق الإسكندرية ديسقورس، الذي أقنع الأمبراطور ثودوسيوس الصغير بعقد مجمع أفسس الثاني سنة ٤٤٩م برئاسة ديسقورس. وصدر قرار المجمع بإعلان مذهب الطبيعة الواحدة ولعن من يخالفه، إلاّ أنّ هذا القرار أغضب البابا (ليو الأوّل) الذي أطلق على المجمع السابق اسم: (مجمع اللصوص) وعقد مجمعًا آخر من خلقيدونية سنة ٤٥١م قرر فيه تأييد ازدواج طبيعة المسيح وإبطال قرار المجمع السابق. ولعن يسقورس ومن شايعه ونفيه إلى فلسطين. ومن هذا المجمع افترق النصارى إلى ملكية ممن تبعوا مذهب الملك مرقيانوس - إمبراطور الروم الذي أمر بانعقاد المجمع ـ. ويعقوبية على مذهب ديسقورس المنفي. وقد اشتهر تسمية أتباع المذهب باليعقوبيين نسبة لى يعقوب البرادعي (JACOB BARADOS) الذي ظهر في القرن ٦م، فكان داعية لهذا المذهب بليغ الأثر، جزئيًا في الجهر برأيه. وقيل: نسبة إلى ديسقورس الذي كان اسمه قبل بطريكيته: (يعقوب)، فكان يكتب - وهو في منفاه - إلى أصحابه أن يثبتوا على أمانة المسكين المنفي يعقوب. وقد أخذت بهذا المذهب ثلاث كنائس من الكنائس التي سمت نفسها (الأرثوذكسية ORTODOXE) وهي كلمة يونانية معناها: (الرأي الصحيح المستقيم) . وقد استخدم القساوسة اليونانيون هذا الاصطلاح في القرن الرابع الميلادي - وهذه الكنائس الثلاث هي: ١- الكنيسة الأرثوذكسية في مصر والحبشة. ٢- الكنيسة الأرثوذكسية السريانية ويتبعها كثير من مسيحي آسيا. ٣- الكنيسة الأرثوذكسية والأرمنية موطنها أرمنيا. (من بلاد روسيا) . (ر: قصة الحضارة ١٢/٩٦، ١٠٢، ١٠٣، ٢٣٣، ول ديورانت، موجز تاريخ المسيحية ص ٣١٨-٣٢٣، يسطس الديوري، دائرة المعارف البريطانية ٧/٥٩٧-٥٩٨، قاموس أكسفورد للكنيسة النصرانية ص ٩٣١، ٩٣٢، ١٠١٤، خطط المقريزي ٢/٤٨٨، النصيحة الإيمانية ص ١٢٧-١٣٠،نصر المتطبب، الأسفار المقدسة ص ١٣٢،١٣٣،د. عبد الواحد وافي) . وأصحاب هذا المذهب يزعمون أن مريم ولدت الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا - وأنه صلب متجسدًا وسُمِّر ومات ودفن ثم صعد إلى السماء، وإليهم أشار القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١٧، ٧٢] .
[ ١ / ٤٧٦ ]
قالوا: لأن طبيعة اللاهوت تركبت مع طبيعة الناسوت كما تركبت نفس الإنسان بجسده فصار إنسانًا واحدًا فكذلك المسيح. فالمسيح عندهم إله كلّه وإنسان كلّه وله طبيعة واحدة. / (٢/١٧/أ) وهو يفعل بها ما يشبه أفعال الإله وما يشبه أفعال الإنسان وهو [أقنوم] واحد، [والأقنوم] ١ هو الشخص، والأقانيم هي: الأشخاص. ومجرد حكاية هذا المذهب يكفي في الرّدّ عليه؛ إذ حاصله أنّ الإله هو الإنسان والإنسان هو الإله.
وسبيل الرّدّ على هذه الفرقة:
أن يقول لهم: أخبرونا عن هاتين الطبيعتين اللتين أصارهما الاتّحاد طبيعة واحدة، هل تغيرت كلّ واحدة عما كانت عليه قبل التركيب أم لا؟
فإن زعمت أنهما لم يتغيرا بل بقيت طبيعة الإله بحالها وطبيعة الإنسان أيضًا بحالها؛ فقد نقضوا مذهبهم ورجعوا عن قولهم إلى قول من يقول: إن المسيح بعد الاتّحاد كَهُوَ قبل الاتّحاد. وسيأتي الكلام عليه.
_________________
(١) ١ الأقانيم: الأصول، واحدها: أقنوم. وأحسبها رومية. كذا في الصحيح للجوهري ٥/٢٠١٦. وفي المعجم الفلسفي (ص ١٩): أنّ الأقنوم لغة: الأصل. واصطلاحًا: أ- عند أفلوطين: أحد مبادئ العالم الثلاثة: الأولى وهي: الواحد، والعقل، والنفس الكلية. ب- في اللاهوت المسيحي: أحد الأقانيم الثلاثة وهي: الأب والابن والروح القدس. ويقول د. محمّد البهي في كتابه: (الجانب الإلهي ص ١١٣): "تسمية هذه الأمور بالأقانيم أو الأصول يرجع إلى أثر الفلسفة الإغريقية في تفلسف المسيحية. وتحديدها بثلاثة؛ يرجع إلى المصدر نفسه أيضًا. لأن ما نراه في المسيحية على هذا الوجه يذكرنا - بـ: (مثل) أفلاطون. فقد جعلها أصول هذا (الوجود) المشاهد واغتبره ظلًاّ لها وشبيهًا بها فقط. كما يذكرنا بثالوث أفلوطين المصري، الذي يتمثل في الواحد، والعقل، ونفس العالم. ولو فتشنا على الألفاظ الدالة على هذه المعاني الثلاثة في المصدر النّصّي للمسيحية وجدناها: الله، كلمة الله، الروح القدس". اهـ.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وإن زعمت أن الطبيعتين قد صارتا طبيعة ثالثة، لا تشبه واحدة من الأوليين، فهذا تصريح بأنّ هذه الطبيعة لا إله ولا إنسان. فكان ينبغي على سياق هذا القول أن لا يصفوا المسيح بأنه إله ولا يصفوه بأنه إنسان؛ بل شيء آخر غريب عجيب؛ وذلك / (٢/١٧/ب) لأن الطبيعتين كانتا قبل التركيب إلهًا كاملًا وإنسانًا كاملًا، فإن كان التركيب قد أخرجهما إلى طبيعة غيرهما لم تكن تلك الطبيعة لا إلهًا ولا إنسانًا. فإن زعموا أنّهما كانتا قبل التركيب كاملتين، والتركيب لم يخرجهما عن الكمال بل بقي المسيح [إلهًا كاملًا] ١ وهو بعينه إنسان كامل، فقد تحامقوا إذ زعموا أنّ القديم هو بعينه الحادث، وأنّ الزَّمني هو بنفسه الأزلي؛ وذلك بمثابة قول القائل: إن الحركة هي السكون وأنّ السواد هو البياض. وذلك هو الجنون.
الحجّة الثّانية: الجمع بين الجوهرين٢، [والأقنومين] في الجوهرية [والأقنومية] يوجب كون الطبعين طبعًا واحدًا [والأقنومين] أقنومًا واحدًا. فيسقط القول فيه بالدنايا إن كان المسيح إلهًا. أو يسقط القول بظهور الآيات إن كان المسيح إنسانًا٣. فبطل القول بكونه طبعًا واحدًا [وأقنوماُ] واحدًا.
_________________
(١) ١ في ص، م: (إله كامل) وهو خطأ، والتصويب من المحقِّق. ٢ الجوهر: ما قام بنفسه. فهو متقوم بذاته ومتعين بماهيته. وهو المقولة الأولى من مقولات أرسطو، وبه تقوم الأعراض والكيفيات ويقابل العرض. (ر: المعجم الفلسفي ص ٦٤) . ٣ زيادة في الإيضاح نورد هذه الحجّة بصيغة أخرى، فنقول: إن اليعقوبية إذا قالوا: إن المسيح جوهر من جوهرين وأقنوم من أقنومين، لا يخلو أن يقولوا: إن أحدهما أبطل الآخر وأخرجه عما كان عليه عند الاتّحاد. أو كل واحد منهما بحاله لم يتغير ولم يبطل الآخر. فإن قالوا: إن كلّ واحد منهما لم يتغير عما كان عليه، فخرجوا عن قولهم إلى النسطورية في أنهما باقيان بحالهما بعد الاتّحاد. وظاهر أن ذلك ليس باتّحادٍ. وإن قالوا: إن أحدهما قد غيَّر الآخر وأبطله كانوا قد أقروا ببطلان الإله، ولزمهم أن يكون المسيح لا قديمًا ولا محدثًا، ولا إلهًا ولا غير إله. إذا كان كلّ واحد منهما قد خرج عما كان عليه إلى مشابهة الآخر. والعيان شاهد بأن ناسوت المسيح على ما كان عليه ناسوت غيره من الناس. فإن قالوا: اللاهوت أبطل الناسوت، كان العيان يبطل قولهم فإن ناسوت المسيح مثل ناسوت غيره في الجسمية واللحمية. وإن قالوا: الناسوت أبطل اللاهوت لزمهم أن يكون المحدث يبطل القديم. وهذا لا يجوز؛ إذ اللاهوت هو الذي يُؤثِّر في غيره. وغيره يمتنع أن يُؤثِّر فيه. (ر: تنقيح الأبحاث ص ٥٦ لابن كمونه اليهودي، النصيحة الإيمانية ص ١٤٤-١٤٦، نصر المتطبب) .
[ ١ / ٤٧٨ ]
الحجّة الثّالثة: لو قد صار الجوهران واحدًا للزم أن يكون القديم هو الحادث من الوجه الذي هو قديم، / (٢/١٨/أ) والمحدث [قديمًا] ١ من الوجه الذي هو محدث. فبطل أن يكونا صارا واحدًا.
الحجّة الرّابعة: هذا الرأي٢ من اليعقوبية مردود بأقوال المسيح في الإنجيل حيث يقول: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"٣. ففرق بين الذاهب والذي يذهب إليه. فبطل أن يكونا قد صارا واحدًا، وإلاّ لاتّحد الذاهب ومن يذهب إليه والداعي والمدعوّ، ودعاء المسيح نفسه محال.
الحجّة الخامسة: إن كان طبع الإله وطبع الإنسان قد صارا واحدًا والإله خالق والإنسان مخلوق، فطبع٤ الخالق هو طبع المخلوق، وطبع العلة هو طبع المعلول، وذلك محال.
الحجّة السّادسة: إن كان جوهر الأزلي قد تغيّر [وأقنومه] قد تغيّر فقد صار الأزلي زمنيًا والزّمنيّ أزليًّا، وذلك جهل من قائله.
الحجّة السّابعة: إن كان جوهر٥ الابن الأزلي، وجوهر الإنسان قد تغيّرا عن طباعهما فقد بطلت فائدة الاتّحاد التي يدّعيها النصارى؛ لأنّ فائدته عندهم أن يقع الفيض من الطبيعة اللاهوتية على الطبيعة الناسوتية / (٢/١٨/ب) بحلولها فيه. وإذا كانت [الطبيعتان] ٦ قد انقلبتا إلى ثالثة، فلا المفيد بقي مفيدًا، ولا المستفيد بقي مستفيدًا.
_________________
(١) ١ في ص (قديم) والصواب ما أثبتّه. ٢ في م: الذي. ٣ يوحنا ٢٠/١٧. ٤ في م: فبطبع. ٥ ليست في (م) . ٦ في ص، م (الطبيعتين)، وهو خطأ. والتصويب من المحقِّق.
[ ١ / ٤٧٩ ]
الحجّة الثّامنة: إن كان الجوهران و[الأقنومان] سليمين في المسيح، لم يصدق قول من يقول إنهما صارا واحدًا بالعدد. وكيف يقال في الكثرة إنها واحد١ من الجهة التي هي كثرة؟!. وكيف يقال في الواحد إنه كثرة من الجهة التي هو بها واحد؟!.
وإن كان الجوهران والأقنومان قد تفاسدا وعدما فكان ينبغي أن لا يوجد المسيح بل يعدم ويتلاشى.
الحجّة التّاسعة: إن كان الجوهران و[الأقنومان] قد صارا واحدًا بالعدد فيجب أن يبطل فعل هذا وفعل هذا؛ لأنّ المختل في الطباع إذا تركب منهم طبع آخر لم يَبن فعل الأوّل ولا الثاني. فكان يجب أن لا يظهر المسيح٢ لا فعلًا إلهيًا ولا فعلًا ناسوتيًا، ألا ترى أنّ الاستقصات الأربع إذا تركب عنها جسم فلا شكّ أن ذلك الجسم ليس بنار محضة ولا هواء ولا ماء ولا تراب.
فعلى سياق هذا كان يلزم أن يكون المسيح بالاتّحاد / (٢/١٩/أ) الذي يدّعونه لا إله ولا إنسان، ويؤول القول بالاتّحادإلى رفع ثمرته وفائدته.
الحجّة العاشرة: الإنجيل مصرَّح بأنّ المسيح كان يتَزَايد أوّلًا في بنيته ومعارفه وعلومه، والمتزايد غير الكامل فبطل أن يكون شيئًا واحدًا؛ لأنّ الإله لا يتقلب ولا يتغيّر ولا يستحيل ولا يزيد.
فإذا قلتم: إنهما قد صارا واحدًا ثم انقلب وتغيّر، فيكون غير المنقلب منقلبًا وغير المستحيل مستحيلًا.
_________________
(١) ١ في م: واحدة. ٢ في م: للمسيح.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وإذا انقلبت الكلمة فمن القالب لها؟!. ثم جوهر الابن على زعمهم غير مائت ولا١ فاسد. وجوهر الإنسان المأخوذ من مريم مائت وفاسد. فإن كان المجتمع منهما صار واحدًا فقد صار بجملته لا مائتًا ولا غير مائت ولا فاسدًا ولا غير فاسد. وذلك خبط وجهل.
وإنه لقبيح بموجد أوجه خالقه بعد أن لم يكن أن يقول: إنه صار هو وخالقه شيئًا واحدًا وطبيعة واحدة، ولا يقبح أن يقال: إن الخالق الباري أفاض على عبده النعماء.
وقال فولس في أواخر الرسالة العاشرة: "الله مالك العالمين الذي لا يفسد ولا يرى، هو الله / (٢/١٩/ب) الأحد، له الكرامة والحمد إلى أبد الآباد. جلّ وعلا٢.
الحجّة الحادية عشرة: صيرروة الجوهرين المتنافيين كالثلج والنار واحدًا مستحيل ببداية العقول مع اشتراكهما ي أصل الجوهرية. فصيرورة خالق الجوهر مع الجوهر واحدًا أولى٣ بالاستحالة.
الحجّة الثّانية عشرة: قال يحيى بن زكريا حين رأى المسيح: "هذا خروف الله وحمل الله الذي يحمل خطايا العالم"٤. فَفَرَّق بينه وبين الباري تعالى فبطل أن يكونا واحدًا.
الحجّة الثّالثة عشرة: قال شمعون الصفا: "يا رجال بني إسرائيل إن يسوع رجل جاءكم من الله"٥. وأيسوع اسم المسيح. فشهد شمعون وهو رئيس
_________________
(١) ١ في م: وإلا. ٢ رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ١/١٧. ٣ في م: إلى. ٤ يوحنا ١/٢٩، ٣٦. ٥ أعمال الرسل ٢/٢٢.
[ ١ / ٤٨١ ]
أصحاب المسيح بأنّ المسيح رجل، وأن الله أرسله، أنه إنسان كلّه، وذلك تكذيب لليعقوبية في دعوى هذا النوع من الاتّحاد.
الحجّة الرّابعة عشرة: سئل المسيح عن يوم القيامة، فقال: "لا يعرف ذلك إلاّ الأب وحده، فأما الابن فلا يعرفها"١. وقول المسيح أولى بالتصديق، وقد أخبر أنه لا يعلم بالمغيّبات، ولو قد صار مع الله شيئًا واحدًا لعلم ما يعلمه الله / (٢/٢٠/أ) لأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يثبت لبعضه من الحكم ما يجب نفيه عن البعض، فبطل أن يكونا شيئًا واحدًا.
الحجّة الخامسة عشرة: الأناجيل الأربعة تذكر أنّ المسيح بكى على صديقه إلعازر، وفرح بتوبة التائب، وأكل في دعوات أصحابه، وشرب وركب الأتان، وتعب من وعر الطريق، وحزن٢ من نزول الموت. وقال: "إلهي اصرف عني هذا الكأس". وهذه النقائص قبيح إضافتها إلى الابن الأزلي. فبطل أن يكونا صارا واحدًا.
فهذه حجج دامغة لليعاقبة قاضية بفساد ما ذهبوا إليه. وكثيرًا ما [يحاولون] ٣ تحقيق مقالتهم إذا ألزموا٤ ما يعتقدونه من قتل المسيح وصلبه فلا يمكنهم ذلك إلاّ أن يفروا إلى مذهب النسطور.
_________________
(١) ١ مرقس ١٧/٣٢. ٢ في م: وخرز. ٣ في ص (يحاولوا) والصواب ما أثبتّه. ٤ في م: لزموا.
[ ١ / ٤٨٢ ]
الفرقة الثّانية:
فرقة الملكية١؛ ومذهبهم أنّ المسيح بعد صدور الاتّحاد جوهران وهو [أقنوم]
_________________
(١) ١ الملكية؛ نسبة إلى المذهب الذي اعتنقه ملوك الرومان النصارى، وهو: أنّ للمسيح طبيعتين ومشيئتين في أقنوم واحد، وقد أخطأ الشهرستاني حينما زعم نسبة هذا المذهب إلى رجل اسمه: (ملكا) . وقد مرّ هذا المذهب بعدة مراحل، حيث بدأ إقراره في مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، بتأييد الملك قسطنطين لمذهب تعدد الآلهة واعتبار المسيح ابنًا وإلهًا ومستقلًا. ثم في مجمع القسطنطينية الأوّلسنة ٣٨١م، تحددت هوية الثالوث النصراني بالآب والابن في المسيح طبيعتين - خلافًا لليعقوبية - وحيث إن الذي دعا إلى هذا المجمع هو الملك (الإمبراطور) الروماني وتأييده لمذهب ازدواج الطبيعتين فقد أطلق عليه المذهب الملكي أو الملكاني. ثم أضيف إلى هذا المذهب القول بأنّ المسيح له طبيعتان ومشيئتان في مجمع القسطنطينية الثالث سنة ٦٨٠م خلافًا للمارونية القائلين بأنّ المسيح له طبيعتان ومشيئة واحدة. وظلّت الطوائف القائلة بمذهب الملكية (بالطبيعتين والمشيئتين) متّفقة في آرائها إلى أن دَبَّ الخلاف بينها بشأن انبثاق روح القدس. أكان من الأب وحده؟ أم من الأب والابن معا؟ ولأجل ذلك عقد مجمع القسطنطينية الرابع سنة ٨٦٩م، ونتج عنه انفصال الكنيسة الشرقية رئاسة ومذهبًا واسمًا عن الكنيسة الغربية (مذهب المالكية)، حيث أصبحت الكنيسة الشرقية تسمى بـ: كنيسة الروم الأرثوذكسية أو اليونانية، وأتباعها يعتقدون بأنّ الروح القدس منبثق عن الأب وحده، وأكثرهم في الشرق باليونان وتركيا وروسيا، وغيرها. ولهم بطاركة أربعة: ١- بطريك القسطنطينية وهو كبيرهم. ٢- بطريك الإسكندرية للروم الأرثوذكس. ٣- بطريك أنطاكية. ٤- بطريك أورشليم. كما تميّزوا باعتقادهم أن الإله الأب أفضل من الإله الابن. وتحريم الدم والمنخنقة وإيجاب استخدام الخبز في العشاء الرباني وغير ذلك. أما الكنسية الغربية اللاتينية فتسمى بـ: الكنيسة البطرسية - نسبة إلى بطرس رئيس الحواريين - الكاثوليكية (نسبة إلى كاثوليك CATHLIQE) وهي كلمة يونانية ومعناها العالمي أو العام. (وهو اصطلاح استخدمته الكنيسة في القرن الثاني الميلادي) . ويرأسها البابا بالفاتيكان في روما. ويعتقد أتباعها أن الروح القدس منبثق عن الأب والابن معًا. وبالمساواة الكاملة بين الأب والابن، وإباحة الدم والمنخنقة واستخدام الفطير بدلًا من الخبز في العشاء الرباني، وتتميّز الكنيسة الكاثوليكية بعدة سمات بارزة، منها: استعمال اللغة اللاتينية. والبخور، واتّخاذ الأيقونات والمصورات البارزة، والتقويم الخاص وغير ذلك. وينتشر أتباعها في معظم بلاد العالم لما لها من النفوذ والمال. ثم حدث انشقاق آخر بداخل الكنيسة الكاثوليكية عند ما ظهر دعاة الإصلاح الكنسي في أوائل القرن (١٦م) بتخليص الكنيسة من مظاهر الفساد. ومن أبرز هؤلاء الدعاة: مارتن لوثر الألماني سنة ١٥٤٦م، وزونجلي السويسري سنة ١٥٣١م، وكلفن الفرنسي سنة ١٥٦٤م. الذين احتجوا على فساد الكنيسة. فسمي مذهبهم بـ: (البروتستانتية PROTESTANNTISME) أي: المحتجّين، وقد سموا أنفسهم بـ: (الإنجيليين) على كنيستهم (الكنيسة الإنجيلية) لدعواهم أنهم يتبعون الإنجيل ويفهمونه بأنفسهم دون الحاجة إلى البابوات. ومن أبرز مبادئهم: إبطال الرئاسة في الدين، وصكوك الغفران والرهبنة، وتحريم التماثيل والصور في الكنيسة، وأن الخبز والخمر في العشاء الرباني لا يتحولان إلى لحم المسيح ودمه وإنما هو وسيلة رمزية. وينتشر أتباعهم في ألمانيا وإنجلترا وأمريكا الشمالية وغيرها. وعندما ظهرت الحاجة إلى توحيد صفّ النّصارى وجمع كلمتهم عقد عام ١٥٦٣م مجمع (مؤتمر) عالمي في الفاتيكان بدعوة من البابا يوحنا الثالث والعشرين لأجل تحقيق الوحدة الدينية بين المذاهب النصرانية المختلفة، فتساهلت بذلك الكنائس والمذاهب النصرانية المختلفة في الاعتراف للكنيسة الكاثوليكية بالتقدم عليها في الرئاسة لا بالسلطان. (ر: قصة الحضارة ١١/٣٩٦، موجز تاريخ المسيحية ص ٣١٣-٣١٨، دائرة المعارف البريطانية ٢/٥٤٣، ٦٤٤، ٨/٢٤٩، قاموس أوكسفورد ص ٢٥٤-٢٥٦، ١١٣٤-١١٣٦،الموسوعة الميسرة ص٣٥٧،١٤٨٩،١٤٩٠،الملل والنحل ١/٢٢٢-٢٢٤، للشهرستاني، الأسفار المقدسة ١٣٣-١٣٦، ١٤٠-١٤٦، النصرانية ١٣٠-١٣٤ الطهطاوي) . ويزعم أتباع هذا المذهب أن الآلهة ثلاثة متميزون ومنفصلون: الأب، والابن، والروح القدس، ومع ذلك فهم شيء واحد في الطبيعة والذات. ويزعمون أنّ الكلمة (وهي أقنوم العلم وهي الابن) قد اتّحدت بجسد المسيح، وأنّ مريم قد ولدت الإله والإنسان وأنهما شيء واحد، وأن الموت والصلب وقع على اللاهوت والناسوت معًا، وإليهم أشار القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٧٣] .
[ ١ / ٤٨٣ ]
واحد - وقد حكينا عنهم أنّ [الأقنوم] هو الشخص - قالوا: فله بطبيعة اللاهوت مشيئة كمشيئة الأب، وله بطبيعة الناسوت مشيئة كمشيئة إبراهيم وداود غير أنّه / (٢/٢٠/ب) واحد أي شخص واحد.
فردّوا الاتّحاد إلى [الأقنوم] إذ رأوا١ الاتّحاد بالنسبة إلى الجوهر مستحيل.
وسبيل الرّدّ على هذه الفرقة:
أن نقول: إذا قلتم: إن المسيح بعد الاتّحاد باقٍ على طبيعته ومشيئته كما كان قبل الاتّحاد فقد أبطلتم الاتّحاد، إذ افتراق أحد الجوهرين بالطبيعة والمشيئة هو غاية الافتراق، وإذاكان ذلك كذلك، فلا معنى للاتّحاد.
إذ الاتّحاد عبارة عن صيرورة أكثر من الواحد واحدًا. وإذا كان جوهر الأزلي باقٍ بحاله وجوهر الإنسان باقٍ بحاله فقد آل الاتّحاد مجرد تسمية فارغة عن المعنى خالية عن الفائدة.
_________________
(١) ١ في م: رو.
[ ١ / ٤٨٤ ]
الحجّة الثّانية: هو أن نقول لهم: أتقولون إن اللاهوت اتّحد بالناسوت حقيقة أو مجازًا؟ !.
فإن قالوا: إن ذلك [تجوز وتوسع] ١ أبطلوا وتجوزوا بإطلاق ما لم يجز إطلاقه على القديم سبحانه٢.
وإن قالوا: إنه اتّحد به حقيقة لزمهم أن تكون مشيئتهما٣ واحد؛ لأن الواحد لا تكون له إلاّ مشيئة واحدة، إذ لو كان للواحد مشيئتان للزم إما أن يكونا متماثلتين أو مختلفتين، فإن كانتا / (٢/٢١/أ) متماثلتين فإحداهما مغنية عن الأخرى، وإن كانتا مختلفتين تناقضت أحكامهما وامتنع حصول مرادهما.
فثبت أنه لا بدّ من إبطال إحدى٤ المشيئتين إن كان الاتّحاد حقيقة، أو إبطال الاتّحاد جملة أن يثبت المشيئتان.
الحجّة الثّالثة: على الروم أصحاب الجوهرين و[الأقنوم] الواحد، هو أن نقول: إن قلتم: إن [الأقنومين]- أعني: [أقنوم] الأزلي [وأقنوم] الإنسان - قد صارا٥ واحدًا، فالجوهران أيضًا قد صارا واحدًا، والقول [بصيرورة] ٦ الجوهرين واحدًا باطل، والقول بالأقنوم الواحد باطل.
الحجّة الرّابعة: هذا المذهب فيه قباحة، وذلك أن صيرورة جوهرين مختلفي الطباع شخصًا واحدًا [أقنومًا] لا يبوء به عاقل، إذ يلزم عليه أن يشار إلى المسيح بأنه قديم محدث إشارة واحدة.
_________________
(١) ١ في ص (تجوزا وتوسعا) والصواب ما أثبتّه. ٢ في م: زاد: (وتعالى) . ٣ في م: مشيئتها. ٤ في ص (أحد) والتصويب من نسخة (م) . ٥ في م: صار. ٦ في ص، م: (بضرورة)، ولعله خطأ من الناسخ. والتصويب من المحقِّق لموافقته سياق الجملة. والله أعلم.
[ ١ / ٤٨٥ ]
الحجّة الخامسة: إن كان أقنوم المسيح قد صارا [أقنومًا] واحدًا، وأحدهما زمني والآخر أزلي، فقد صار الأزلي زمنيًّا والزمنيّ أزليًّا، أو صار منهما شيء آخر لا أزلي ولا زمني وذلك محال. وعلى هذا يبطل فعل [أقنوم] الإنسان وهو الأكل والشرب وغيره، وقد وُصِف المسيح به (٢/٢١/ب) بذلك، أو يبطل فعل [أقنوم] الإله؛ وهو إحياء الميت وتطهير الأرض وقد وُصف المسيح به.
الحجّة السّادسة: إن كان [الأقنومان] قد صارا [أقنومًا] واحدًا منع تنافي طباعهما فهذا إنما يتم بالامتزاج والاختلاط، فيلزم أن يتغير الإله ويستحيل مع طبع الإنسان، وذلك متعذر على ذات الباري تعالى.
وأكثر الحجج الواردة على الفرقة الأولى ورادة على الفرقة الثانية لقولها باتّحاد الأقنوم.
الفرقة الثّالثة:
فرقة النسطور١ وهم نصارى المشرق المنسوبون إلى نسطورس
أخذوا الأمانة
_________________
(١) ١ النسطورية: نسبة إلى نسطوريوس الذي ولد بسوريا (٣٨٠م - ت ٤٥١م) - وقد أخطأ الشهرستاني في قوله: "إن نسطور الملقب بالحكيم ظهر في زمان المأمون". وقد أصبح نسطور بطريكًا على القسطنطينية سنة ٤٢٨م، لمدة أربع سنين إلى أن أعلن مذهبه - الذي تأثر فيه بأستاذه ثيودور المبسوستيائي ت ٤٢٨م - بأن مريم العذراء أم المسيح الإنسان وليست والدة الإله، ولذلك كان إثبات أحدهما الإنسان الذي هو مولود من مريم، وأن هذا الإنسان الذي يقول إنه المسيح بالمحبة متوحد مع ابن الإله، ويقال له: الإله وابن الإله، ليس على الحقيقة ولكن على المجاز. ولما قال نسطور مقالته تلك كاتبه كيرلس بطريرك الإسكندرية ويوحنا بطريرك أنطاكية ليعدل عن رأيه ولكنه لم يستحب. فانعقد لذلك مجمع أفسس سنة ٤٣١م وتقرر فيه: وضع مقدمة قانون الإيمان، وأن مريم العذراء والدة الله، وأن للمسيح طبيعتان لاهوتية وناسوتية في أقنوم واحد، وتقرر أيضًا خلع نسطور من الكنيسة ولعنه ونفيه إلى مصر. ويذكر المؤرخ ابن البطريق في التاريخ ص ١٥٢؛ "أن مقالة نسطور قد اندثرت، فأحياها من بعده بزمان طويل برصوما (ت ٤٩٠م) مطران نصيبين في عهد قباذ بن فيروز ملك فارس، وثبتها في الشرق وخاصة أهل فارس. فلذلك كثرت النسطورية بالمشرق وخاصة أرض أهل فارس بالعراق والموصل ونصيبين والفرات والجزيرة".اهـ. وهذا يفسر لنا سبب انحراف النسطوريين عن مقالة نسطور الأصلية، فقد مالوا إلى القول بامتزاج اللاهوت (ابن الإله) في الناسوت، وبأن المسيح أقنومان وطبيعتان لهما مشيئة واحدة، وإليهم أشار القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣٠، ٣١] . ولا تزال توجد منهم جماعات متفرقة في آسيا وخاصة في العراق وإيران والهند والصين، ومع أن الكنيسة الكاثوليكية أدخلتهم في خظيرتها إلاّ أنهم لا يزالون ينكرون عبادة مريم. (ر: قصة الحضارة ٢/١٠٠، ١٠١، مجموعة الشرع الكنسي ص ٢٨٨-٢٩٣، دائرة المعارف ٧/٢٦٩، قاموس أكفسورد ص ٩٦١، ٩٦٢، الملل والنحل ١/٢٢٤، ٢٢٥، للشهرستاني، الفصل ١/١١١، لابن حزم، محاضرات في النصرانية ص ١٥٧-١٥٩، لأبي زهرة) . وكان لأتباع النسطورية تأثير بالغ في ظهور الفرق المنتسبة إلى الإسلام، وخصوصًا الغلاة منها إلتي ظهرت في المشرق، قد تأثرت الشيعة بعقائدهم وخاصة حلول اللاهوت في الإمام أو أن الإمام له طبيعة إلهية. (الملل ٢/٥٣ للشهرستاني) . وكان لهم شأن خطير في ترجمة كتب اليونان وخاصة كتب الفلسفة التي أفسدت عقائد المسلمين وسرَّبت إليهم الأفكار المنحرفة التي تأثرت بها فرقة المعتزلة تأثرًا كبيرًا وخاصة في تحكيم العقل والقول بنفي القدر ونحوه.
[ ١ / ٤٨٦ ]
عن السليح١ ماري٢ وعنتوما٣، ساعدوا نسطورس على رأيه فنسبوا إليه. ومذهبها أنّ المسيح بعد الاتّحاد جوهران [وأقنومان] باقيان على طباعهما كما كانا قبل الاتّحاد وردّوا الاتّحاد إلى خاص البنوة وهي علم الباري. قالوا: فهذا الشخص المأخوذ من السيدة شارك الله في هذه الخاصية فصار بها ابنًا ومسيحًا.
_________________
(١) ١ السليح: كلمة سريانية معناها: (الرسول) . ر: المنجد ص ٣٤٤ مادة: (سلح) . ٢ مار ماري: يزعمون أنه في السبعين تلميذًا الذين أرسلهم المسيح، وأنه أسس كرسي المشرق وأوّل الأساقفة في أيام أفرهط ملك بابل ونيرون قيصر ملك الروم. توفي سنة ٣٩٣ يونانية. (ر: أخبار بطاركة كرسي المشرق ص ٣-٥، لماري بن سليمان، أخبار بطاركة كسي المشرق ص ١، ٢، عمرو بن متى) . ٣ توما: اسم آرامي معناه: (توأم) أحد الاثني عشر رسولًا - حسب اصطلاح النصارى - والمقصود به أحد الحواريين حيث ورد اسمه في إنجيل متى ١٠/٣ ضمن الحواريين، ويلقب بالمتشكك؛ لأنه شكّ في قيامة المسيح من الموت - حسب زعمهم - وتذكر الروايات التاريخية أنه كان مبشرًا في بلاد الفرس والهند ومات هناك. وينتسب إليه النصارى الذين يتبعون طقس الكنيسة السريانية (النسطورية)، كما ينتسب إليه النصارى الذين يتبعون طقس الكنيسة السريانية (النسطورية)، كما ينسب إليه (إنجيل توما) الذي لا تعترف به الكنيسة. (ر: قاموس ص ٢٢٦، ٢٢٧، المنجد في الأعلام ص ١٩٦) .
[ ١ / ٤٨٧ ]
سبيل الرّدّ على هذه الفرقة:
أن نقول: إذا/ (٢/٢٢/أ) قلتم إن الجوهرين [باقيان] ١ و[الأقنومين] كذلك على حالهم فلا موقع للاتّحاد وصار الاتّحاد اسمًاساذجًالا ثمرة له ولا فائدة.
الحجّة الثّانية على النسطور: أن نقول: القول بكون المسيح [أقنومين] مُكذَّب بالحسّ؛ وذلك أن الذي يراه كلّ ذي بصر سليم من المسيح إنما هو [أقنوم] واحد، أي: شخص واحد، وتكذيب أصدق الحواس وهو البصر لا سبيل إليه.
الحجّة الثّالثة: القول بكونه [أقنومين] يجر إلى السيلان ويفتح باب السفسطة ويشكك في الضروريات، فالقول به باطل إذ كون المسيح شخصًا واحدًا [أقنومًا] احدًا معلوم ضرورة، ومن زعم أن المسيح كان شخصين لم يسلم من خبل في عقله.
الحجّة الرّابعة: هذا الرّأي أعني: القول [بالأقنومين] مُكذَّب بأقوال حملة الإنجيل الذين كانوا قبل صدور هذا الخلاف. فإنهم يشهدون بأن المسيح ابن داود بن إبراهيم، وأنه ولد في بيت لحم ووضع في معلف وذلك في أيام هيردوس فإنه صام وصلى وأكل وشرب وفرح وحزن وأنه كان شخصًا، / (٢/٢٢/ب) فالقول بأنه كان شخصين مردود بأقوال التلاميذ الذين هم أعرف الناس بالمسيح.
الحجّة الخامسة: قال بطرس-صاحب المسيح-في كتاب فراكسيس: "يا بني إسرائيل، إن أيسوع الناصري رجل جاء من الله، وأن الله مسحه بروح القدس وبالقوة الإلهية"٢. فشهد بطرس المؤتمن عند النصارى بأن المسيح رجل
_________________
(١) ١ في م:، ص (باقيين)، وهو خطأ، والتصويب من المحقِّق. ٢ أعمال الرسل ١٠/٣٨.
[ ١ / ٤٨٨ ]
واحد شخص واحد [أقنوم] واحد، فمن قال بأنه شخصان فقد خَطَّأَ بطرس وجَهَّله. ومن جَهَّل مثل بطرس منهم فهو بالجهل١ أجدر.
الحجّة السّادسة على النسطور: قال فولس-الذي يسمونه فولس الرسول-: "واحد هو الله، وواحد هو المتوسط بين الله والناس"٢.
فشهد بأن المسيح شيء واحد وأنه غير الله الواحد. وقال فولس أيضًا: "إن ربّ جميع الشعوب واحد غني متّسع لكلّ من يدعوه وكلّ من يدعو باسم الرّبّ يحيي"٣. ولكن كيف يدعوه من لم يؤمن به. وذلك يقضي بفساد مذهب النسطور؛ إذ مذهبهم أن المسيح شخصان، وفولس الرسول يقول: كلا، ولكنه واحد.
الحجّة السّابعة على النسطور٤: أن يقال لهم: إن كان المسيح شخصين فلا [يخلو] ٥ / (٢/٢٣/أ) الأمر فيه من أن يكونا متجاورين أو متداخلين، فإن كانا متجاورين فيلزم منه أن يكون [أقنوم] الإله مذروعًا ممسوحًا له قدر وكمية، إذ كلّ شيئين تحاذيا فلا بدَّ أن يكونا متساويين أو متفاوتين، فإن كانا متساويين فقد ساوى [الأقنوم] الإلهي [الأقنوم] الإنساني وذلك محال. وإن كانا متفاوتين فإن كان أقنوم اللاهوت أصغر لم يصلح للربوبية، وإن كان أكبر فقد أخذ [الأقنوم] الإنساني منه بعضه بالمسامته والمحاذاة، والقدر الزائد منه على [الأقنوم] الإنساني يعود إليه التقسيم. فإن كان مساويًا [لأقنوم] الإنسان فقد ساوى الخالق المخلوق، وإن كان أصغر لم يصلح، وإن كان أكبر فقد ساوى أقنوم الإنسان بعض الإله والقدر الزائد يعود إليه التقسيم، وذلك يقضي بالكمية على الأقنوم الإلهي وهو محال.
_________________
(١) ١ في م: بالجهال. ٢ رسالته إلى أهل غلاطية ٣/٢٠. ٣ رسالته إلى أهل رومية ١٠/١١-١٣. ٤ في م: النسور، وهو خطأ. ٥ في ص (يخلوا) والصواب ما أثبتّه.
[ ١ / ٤٨٩ ]
وإن كانا متداخلين فلا يخلو أن يتداخلا تداخل امتزاج أو تداخل إدراع كلابس الدرع، فإن كانا تداخلا تداخل امتزاج حتى صارا طبيعة واحدة فهذا مذهب اليعقوبية / (٢/٢٣/ب)، وقد أبطلناه.
وإن تداخلا تداخل إدراع فيلزم منه أن يكون الأقنوم الأزلي الذي لا يوصف بالجسم قد تشكل الأجسام وصار له لحية وفرج مسامت لما تشكل به من [أقنوم] الإنسان، وكلّ ذلك محال فالقول به محال.
الحجّة الثّامنة: الإنجيل يشهد: "بأن المسيح رفع وجهه إلى جهة السماء وابتهل في الدعاء وقال: يا أبتِ أدعوك فتستجيب لي، وأعلم أنك تستجيب لي في كلّ حين، ولكن إنما أدعوك من أجل هؤلاء القيام ليعلموا أنك أرسلتني"١.
فهذا الداعي المبتهل لا يخلو من أن يكون [الأقنوم] اللاهوتي أو [الأقنوم] الإنساني، فإن كان [الأقنوم الإنساني] ٢ فيلزم منه أن يكون الجسد مولدًا من الأب [مرسلًا] ٣ منه، وهذا ما لا يقول به نصراني ألبتة؛ لأن المولود من الأب عند سائرهم إنما هو الكلمة. وإن كان الداعي هو الأقنوم اللاهوتي فهذا فيه تدليس عظيم إذا المشاهد داعيًا إنما هو الجسد المشاهد بائلًا وغائطًا.
الحجّة التّاسعة: هذا المذهب مردود بقول يوحنا الإنجيلي إذ يقول في كتابه: "إن الكلمة صارت جسدًا وحلّ فينا"٤. وذلك / (٢/٢٤/أ) عند النصارى عبارة عن انقلاب [الأقنوم] اللاهوتي إنسانًا مسيحًا، فكيف يقول النسطور: إن المسيح [أقنومان اثنان] ٥ ويوحنا يقول: إنه واحد؟!.
_________________
(١) ١ يوحنا ١١/٤١، ٤٢. ٢ في م: (فإن كان القنوم الإنساني) ساطقة. ٣ في ص (مرسل) والصواب ما أثبتّه. ٤ يوحنا ١/١٤. ٥ في ص (قنومين اثنين) والصواب ما أثبتّه.
[ ١ / ٤٩٠ ]
الحجّة العاشرة: لا شكّ أنّ طائفتي الروم والنسطور يطلقون اللعن والجرم على طائفة اليعاقبة لقولهم: "إن طبيعة اللاهوت وطبيعة الناسوت قد صارتا طبيعة واحدة بالاتّحاد". فمن قال إنّ المسيح اثنان في العدد بعد كونه واحدًا فهو [حقيق] ١ بهذا الذّمّ.
فهذا ما يخص كلّ طائفة على انفرادها. وقد عرفت أنّ مقالة اليعقوبية أنّ المسيح عبارة عن طبيعتين لاهوتية وناسوتية، وأنهما بالتركيب صارتا طبيعة واحدة لها مشيئة واحدة.
وأنّ مقالةالروم أنّ المسيح بعدالاتّحاد [طبيعتان] ٢لكن [أقنوم] واحد.
وأنّ مقالة النسطور أنّ المسيح بعد الاتّحاد [جوهران وأقنومان] ٣. وردوا الاتّحاد إلى صفة البنوة٤.
_________________
(١) ١ في ص (محقوق) والصواب ما أثبتّه. ٢ في ص (طبيعتين) والصواب ما أثبتّه. ٣ في ص (جوهرين وقنومين) والصواب ما أثبتّه. ٤ قال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح٣/١٧٩: "والنصارى - في هذا الباب - من أبلغ الناس تناقضًا، يقولون الشيءويقولون بمايناقضه ويلعنون من قال هذاومن قال هذا. وأيضًا فلكّ طائفة منكم تلعن الأخرى، فإن أهل الأمانة تلعن الأريوسية وغيرهم من طوائف النصارى. وهم يلعنونكم. وكلّ فرقكم الثلاثة النسطورية واليعقوبية والملكية تلعن الطائفتين الأخريين. فأنتم واليعوقوبية تلعنون من يقول: إن مريم لم تلد إلهًا، ويقولون: إن مريم ولدت إنسانًا تامًا إلهًا تامًا. وأنتم والنسطورية تلعنون من قال: إنهماجوهر واحد بمشيئةواحدةوطبيعةواحدة، ومن قال: إن اللاهوت مولود من مريم، ومع قولكم المسيح الذي ولدته مريم مات وصلب. وفي أقوالكم من العجائب المتناقضة التي توجب أنكم ملعونون - ما يطول وصفه - فما منكم من أحد إلاّ وهو لاعن ملعون. فلعنكم من قال بهذه المقولات لا يوجب أنكم على الحقّ بل يوجب أن يكون من جملة الملعونين عندكم كطائفة من طوائفكم. والنصارى طوائف كثيرون مختلفون اختلافًا كثيرًا. والطوائف الثلاثة المشهورة في الأزمان المتأخرة فهم بعض طوائفهم، وإلاّ فهم طوائف كثيرون مختلفون في التثليث والاتّحاد". اهـ.
[ ١ / ٤٩١ ]
ومما يرد على الجميع ويفسد عليهم دعوى الاتّحاد، قول فولس في الرسالة الثّالثة: "أوسلتم تعلمون وتوقنون بأن يسوع المسيح حال فيكم، ولإن لم يكن حالًا فيكم (٢/٢٤/ب) إنكم لمرذولون، وأنا أرجو أن تكونوا لستم بمرذولين"١. فيجب على مقتضى قول فولس أن يكون اتّحاد اللاهوت بناسوت المسيح كاتّحاد المسيح بناسوت أمته ومتبعيه، ولإن كان من المستحيل أن يتّحد جسم المسيح بأجساد آلاف من النصارى في أقطار الأرض، فاتّحاد القديم ﷻ بجسد المسيح أجدر بالاستحالة! ٢.
_________________
(١) ١ رسالته الثّانية إلى أهل كورنثوس ١٣/٥، ٦. ٢ لقد اعتنى علماء المسلمين بنقد عقائد هذه الفرق النصرانية الثّلاثة بأدلة نقلية وعقلية، ومن هؤلاء العلماء: المهتدي الحسن بن أيوب في رسالته: (الرّدّ على النصارى)، والتي قد نقل الإمام ابن تيمية جزءًا كبيرًا منها في كتابه: (الجواب الصحيح ٢/٣١٥-٣١٨)، والقاضي الباقلاني في كتابه: (تمهيد الأوائل ص: ١٠٠-١٢٥)، والقاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه: (تثبيت دلائل النبوة ص: ٩١-١٠٥)، والعلامة ابن حزم في: (الفصل والنحل ١/١٠٩-١٣٢)، وأبو حامد الغزالي في كتابه: (الرّدّ الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل ص: ١٥٥-١٦٢)، والإمام القرطبي في كتابه: (الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص: ١٢٧-١٣٤)، والمهتدي نصر بن يحيى المتطبب في كتابه: (النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية ص: ١١٩-١٤٩)، والقرافي في كتابه: (أدلة الوحدانية في الرّدّ على النصرانية ص: ٩٥-٩٧)، وغيرهم.
[ ١ / ٤٩٢ ]
القول في إبطال التّثليث:
اعلم أنّ سائر النصارى مجمعون على الثّالوث، وهو أنّ ربهم أبٌ، وابن، وروح، فيعبّرون بالأب عن الذات، وبالابن عن النطق الذي هو الكلام، وبالروح عن الحياة ١.
ويزعمون أنه لا يصحّ التّوحيد لموحّدٍ دون أن يعتقد هذا، فزعموا أنّ الأب جوهر ٢، وأنّ له صفة حياة وصفة نطق.
_________________
(١) ١ إن القول الذي أجمع عليه النصارى هو: "أن الله - تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا - جوهر واحد، له ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وبأنها واحد في الجوهر مختلفة الأقانيم". وقد أشار القرآن الكريم إلى اعتقادهم بهذه الأقانيم الثّلاثة، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُم وَلاَ تَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عَيسَى ابن مَرْيمَ رَسُولُ الله وَكَلْمَتُهُ أَلْقَاَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَة انْتَهُوا خَيرًا لَّكُم ﴾، [سورة النساء، الآيتان: ١٧١-١٧٢] . ولقد تناقض أحبارهم في شرح وعرض هذه العقيدة تناقضًا واضحًا؛ بحيث لا يمكن الجمع بين أقوالهم أو الجزم بواحد منها، فقد اختلفوا في التعبير عن ماهية تلك الأقانيم: فقال بعضهم: إنها أشخاص وذوات، وقال بعضهم: إنها خواص، وقال بعضهم: إنها صفات وهكذا. واختلفوا في انبثاق روح القدس، هل هو من الأب وحده؟ أم من الأب والابن معًا؟ ثم اختلفوا في نسبة كلّ من الأقانيم الثّلاثة من الإله المجموع الذي يسمونه الثّالوث، وقال بعضهم: إن كلاّ منها إله بذاته، كالإله المجموع (الثّالوث)، وقال بعضهم: إن كلاّ منها إلهٌ بذاته، ولكنه دون الإله المجموع، وقال بعضهم: إن هذه الأقانيم ليست آلهة وإنما الإله هو مجموعها: (الثّالوث)، وهكذا نرى سلسلة طويلة من الاختلافات والتناقضات في أهم أسس عقيدتهم؛ لأن الإيمان بالتّثليث والتوحيد في آنٍ واحدٍ هو إيمان بغير المعقول باعتراف فهمه وإدراكه، وإن من يحاول إدراك سرّ الثّالوث تمام الإدراك كمَن يحاول وضع مياه المحيط كلّها في كفه. ويقول القسّ باسيليوس إسحاق في كتابه: (الحقّ): "أجلّ إن هذا التعليم عن التّثليث فوق إدراكنا، ولكن عدم إدراكه لا يبطله". ويقول يس منصور في كتابه: (التّثليث والتوحيد): "إن من الصعب أن نحاول فهم هذا الأمر بعقولنا القاصرة". (ر: النصرانية والإسلام ص: ١٤٩، ١٥٠، محمّد الطهطاوي) . وهذه الشهادات منهم كافية في الدلالة على بطلان هذه العقيدة وفسادها. ٢ قال الإمام ابن تيمية: "وأما قدماء الفلاسفة كأرسطو، وأمثاله، فكانوا يسمّونه (الله) جوهرًا، وعنهم أخذت النصارى هذه التسمية، فإن أرسطو كان قبل المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة، ولهذا قال هؤلاء في كتابهم: نعجب مِمَن ينكر ذلك، وهو قد قرأ شيئًا من كتب الفلاسفة والمنطق". اهـ. ثم أورد ابن تيمية سبعة أوجه في الرّدّ على النصارى في تسميتهم الباري ﷿ بالجوهر. (ر: الجواب الصحيح ٣/٢٠٤-٣٢٧) . ويؤكّد ما ذكره ابن تيمية اعتراف النصارى بذلك، حيث يقول الأب متى المسكين في كتابه: (القديس اثناسيوس الرسولي ص ٣٥١): "إن الجوهر ESSENTIA بمنعى: الوجود الحقيقي أو الكيان الواقعي، كان هذا التعبير مستخدمًا عند أفلاطون قديمًا ليفيد لخواص النوعية للمُثل IDEAS العليا أو الحقائق في مقارنتها بالمظاهر التي نراها. ولما جاء أضاف إليها معانٍ جديدة وتثبتها في المحيط الفلسفي الإغريقي، وهي عنده بمعنى: الكائن". اهـ.
[ ١ / ٤٩٣ ]
قالوا١: فلا يكون الإله فاعلًا حكيمًا إلاّ بعد كونه حيًا ناطقًا فإذا وجب أن يكون الإله حيًّا ناطقًا، فهل الحياة والنطق ذوات أو صفات؟ اختلف فيه أكابرهم، فمنهم من قال: الحياة والنطق صفات٢ لجوهر الأب. ومنهم من قال: بل هي ذوات بأنفسها. ومنهم من قال: بل هي خواص لذلك الجوهر. وطريق مفاوضتهم في ذلك:
أن٣ نقول لهم: هل / (٢/٢٥/أ) تثبون الألوهية لكل واحد من الأقانيم الثلاثة أم تزعمون أن الجميع إله واحد، أم تقولون إن الإله واحد منها والباقي صفات له؟
فإن قلتم: بأن الإله واحد والزائد صفات له، فقد أبطلتم القول بالثالوث وواففقتمونا على قولنا: إنّ الإله واحد وله صفات من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام. وإنّ شيئًا من هذه الصفات ليست إلهًا وإنما ذات موصوفة بهذه الصفات، وفارقتم حينئذٍ قول مشائخ٤ الأمانة إذ يقولون: "إن الأب إله واحد، وإنّ الأب أيسوع إله واحد، وإن الروح القدس إله ثالث". وأفسدتم صلواكم حيث تقرأون فيها: "الملائكة يمجدونك وابنك نظيرك في الابتداء وروح القدس مساويك في الكرامة".
_________________
(١) ١ في م: قال. ٢ ليست في (م) . ٣ ليست في (م) . ٤ في م: المسيح، وهو خطأ.
[ ١ / ٤٩٤ ]
وإن زعمتم أن الجميع إله واحد وأن واحدًا من الثلاثة ليس إلهًا على انفراده فقد تركتم القول بالتثليث وعبدتم إلهًا واحدًا متركبًا من ثلاثة أقانيم وهذا ترك لما انطوت عليه الأمانة في أنّ كلّ واحد من الأب والابن والروح القدس [إله مستقل] ١ بالألوهية. / (٢/٢٥/ب) وهدم لأصل النصرانية إذ لا خلاف بينهم أن اللاهوت اتّحد بالناسوت.
وإذا كان الإله عبارة عن الثلاثة الآب والابن والروح، فالأب والروح ما اتّحدا بالناسوت أصلًا، وإنما اتّحد به الابن الذي هو العلم أو النطق، فإذًا ما اتّحد الإله بل أحد الأقانيم الثلاثة، وذلك على تجرده لا يسمى إلهًا. وفي الأمانة: "إن المسيح إله حقّ وإنه أتقن العوالم بيد، وخلق كلّ شيء، وأنه نزل من السماء لخلاص الناس". وذلك مما يبطل هذا [الأقنوم] لأن الذي نزل إنما هو في زعمكم [أقنوم] الابن، فإذا كان الإله هو مجموع الثلاثة بطل أن يكون الابن هو خالق الأشياء ومتقن العوالم ومخلص الناس؛ إذ لا يوصف بذلك إلاّ الإله الذي هو مجموع الثلاثة القانيم وهي: الأب والابن والروح القدس.
وإن زعموا أنّ كلّ واحد من الثلاثة الأقانيم إله ومجموعها إله واحد، قلنا لهم: أتزعمون أنّ كلّ واحد من الثلاثة إله حقيقة أو على سبيل التجوز والتوسع وأن الإله الحقيقي هو مجموع الثلاثة؟.
فإن قالوا بهذا وصرفوه إلى مجرد التسمية دون الحقيقة تركوا القول بالثالوث وأثبتوا / إلهًا واحدًا له صفات، ثم سَمُّوا صفاته آلهة تحكمًا وتخرصًا بغير توقيف ولا دلالة، هدموا قول الأمانة: "إن المسيح إله حقّ"، وقالوا: بل هو إله تجوز. وأبطلوا عبادة المسيح حيث يقرأون في صلاتهم: تعالوا نسجد، تعالوا نتضرع للمسيح إلهنا، وردوا قول مشائخ الأمانة إذ يقولون: "المسيح إله حقّ، وإنه أتقن
_________________
(١) ١ في ص (إلهًا مستقلًا) والصواب ما أثبتّه.
[ ١ / ٤٩٥ ]
العوالم وخلق كلّ شيء بيده". لأن الذي أتقن العوالم هو الإله بالحقيقة كما لا إله بالتسمية والتجوز، وهذا الإله الحقيقي لم يتّحد بجسد المسيح بل ما اتّحد به إلاّ [أقنوم] واحد، ويسمَّى إلهًا على سبيل التجوز والاستعارة.
وإن زعموا أن كلّ واحد من الثلاثة الأقانيم إله كامل على الحقيقة إذا أفردوا، وأن الجميع إله واحد على الحقيقة إذا جمعوا، وبهذا القول يقولون فهذا في الدرجة العليا من الفساد والتهافت؛ وذلك أَنَّا نقول لهم: أيجوز خلو الإله عن الحياة والعلم؟ فإن جوَّزوا ذلك، قيل لهم: فإذا لا حاجة إلى الأقانيم إذ الإله مستغنٍ عنها.
وإن قالوا: لا بدَّ للإله من أن يكون حيًّا عالمًا، فيقال لهم: إذا قلتم إنّ كلّ واحدٍ / (٢/٢٦/أ) من الأقانيم تسعة فيصير التثليث تتسيعا، إذ حياة كلّ واحد من الأقانيم الثلاثة وعلمه [أقنومان] له، ثم كلّ واحد من التسع الأقانيم إله حقيقة وإنما يصير إلهًا حقيقة إذا ثبت وجوده وحياته وعلمه، إذ لا يجوز خلو الإله عن الحياة والعلم وحينئذٍ يتسلسل القول إلى إثبات آلهة لا نهاية لها.
فهذا يلزم من يقول: إن كلّ واحد من الأقانيم الثلاثة له حياة وعلم.
وإن قالوا: لا يثبت هذا الوصف إلاّ لواحد منها، امتنع عليهم وصف الثاني والثالث بالألوهية حقيقة لم تقرر أن الإله يجب أن يكون حيًّا عالمًا، وبطل عليهم القول بالثالوث على كلّ الوجوه١.
والله أعلم وأحكم.
_________________
(١) ١ انظر: نقد التثليث وإبطاله في رسالة الحسن بن يوسف. (ر: الجواب الصحيح ٣/٣٥٠) . وفي: الفصل في الملل والنحل للإمام ابن حزم ١/١٠٩-١٣٢، وفي الإعلام بما في دين النصارى للإمام القرطبي ص ٥٥-٨٨)، وفي: (الجواب الصحيح للإمام ابن تيمية ٣/٩٠-١١٥ وما بعدها) وفي النصيحة الإيمانية للمهتدي نصر بن يحيى المتطبب ص ١٣٥-١٤٣، وفي تحف الأريب للمهتدي عبد الله الترجمان ص ١٣٩-١٤٩، وفي (إظهار الحقّ للشيخ رحمة الله، ص ٣٣٥-٣٥٠) . وغير ذلك.
[ ١ / ٤٩٦ ]