الباب الثامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة
الباب الثّامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة
في الإبانة عن تناقض الأمانة:
نبيّن فيه فساد أمانتهم التي يلقبونها بشريعة الإيمان، وهي التي لا يتمّ لهم عيد ولا قربان إلاّ بها. وكيف أكذب بعضها بعضًا، وناقضه وعارضه، وأنه لا أصل لها في شرع الإنجيل.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "ذكر المؤرخون١ وأرباب النقل أنّ الباعث لأوائل للنصارى على ترتيب هذه الأمانة / (٢/٢٧/أ) - الملقبة٢ أيضًا بالتسبيحة والشريعة ولعن من يخالفها منهم وحرمه - هو أن أريوس٣ أحد أوائلهم، كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره، ولا يرى في المسيح ما يراه
_________________
(١) ١ يشير المؤلِّف إلى مجمع نيقية المسكوني الأوّل عام ٣٢٥م، وقد اقتبس المؤلِّف خبر المجمع من كتاب التاريخ المعتمد عند النصارى وهو: "نظم الجوهر" لبطريرك الإسكندرية سعيد بن البطريق المتوفى سنة ٣٢٨هـ والموافق ٩٤٠م، وفي الكتاب ذكر مبدأ الخلق وتواريخ الأنبياء والملوك والأمم وأصحاب الكراسي بروما والقسطنطينية وغيرهما. ووصف دين النصرانية وفرق أهلها. (ر: أيضًا: مجموع الشرع الكنسي ص ٤٠-٥٠، جمع حناينا إلياس، موجز تاريخ المسيحية ص ٢٦٨) . وقد اشترك في النقل من كتاب ابن البطريق الكثير من علماء المسلمين الذين كتبوا عن النصرانية وفي الرّدّ عليها، ومن هؤلاء العلماء: الإمام ابن تيمية في الجواب الصحيح. (ر: بداية الجزء الثالث)، والإمام القرافي في أدلة الوحدانية في الرّدّ على النصرانية ص ٣٢-٥٥، وابن القيم في هداية الحياري ص ٣١٣-٣٣٩. ٢ في م: المقلبة، وهو خطأ ٣ آريوس: كان قسيسًا بالإسكندرية عاش بين (٢٥٦-٣٣٦م) وكان ليْبِي الأصل وكان يقول: إن الله واحد فرد غير مولود، لا يشاركه شيء في ذاته تعالى، وبأن المسيح مخلوق ومصنوع. فهو يدعو إلى التوحيد ونبوة المسيح ﵇، وله ثلاثة آثار تنسب إليه هي: أ- بعض منثورات من كتابه (ثاليا) . ب- رسالتان: أحدهما إلى أوزيبيوس، والأخرى إلى أسقف الأسكندرية. جـ- العقيدة التي وجهها إلى الإمبراطور قسطنطين سنة ٣٣٠م. (ر: فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية ٢/٢٨٦، ٢٨٧، لويس غرديه، مختصر علم اللاهوت ٢/٣٥، عيسى يبشر بالإسلام ص ١٢٨، ١٤٩، م. عطاء الرحيم) .
[ ٢ / ٤٩٩ ]
النصارى؛ بل يعتقد نبوته ورسالته، وأنه مخلوق بجسمه وروحه، ففشت مقالته في النصرانية فتكاتبوا واجتمعوا بمدينة نيقية١ عند الملك قسطنطين٢ وتناظروا فشرح آريوس مقالته فردّ عليه الأكصيدروس٣ بطريك الإسكندرية وشنع مقالته عند الملك قسطنطين ثم جلس الأكصيدروس وجماعة من حضر
_________________
(١) ١ نيقية: مدينة قديمة بآسيا الصغرى اسمها اليوم: (أزنيق)، أسست في القرن (٤ ق. م) وكانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية (١٢٠٤-١٢٠٦م) . (ر: الموسوعة الميسرة ص ١٨٦٧، المنجد في الأعلام ص ٧٢١) . ٢ الإمبراطور قسطنطين الكبير: ابن غير شرعي لضابط روماني اسمه: (قنسطنطيوس) من خادمة إحدى الحانات اسمها: (هيلانة)، ولم ينل قسطنطين حظًا وافرًا من العلم، إذ انحرط في الجندية مبكرًا، وبعد وفاة والده - الذي تقاسم الإمبراطورية الرومانية مع جليروس بعد اعتزال الإمبراطور دقلديانوس، نادى به الجند إمبراطور سنة ٣٠٦م إلاّ أن القائد مكسنيوس نازعه عرش الإمبراطورية، وبعد معارك طاحنة استطاع قسطنطين القضاء على منافسه في معركة جسر ملفيان سنة ٣١٢م، بفضل دعم النصارى له بسبب تسامحه الديني الذي أظهره نحوهم بعد ما رأى كثرة عددهم في إمبراطوريته، وليضمن تأييدهم فقد أدَّعى أنه رأى - قبل معركة - في حلمه صليبًا من نور في السماء وصوتًا يقول له: بأنه سينتصر بهذا الشعار، وبعد المعركة أصدر مرسوم ميلاد سنة ٣١٣م وفيه اعتبار النصرانية ديانة مرخصة، ثم في ٣٢٤م ادّعى قسطنطين اعتناقه النصرانية بدلًا عن الوثنية الرومانية إلاّ أنه لم يعتمد ويعلن اعتناقه النصرانية رسميًا إلاّ وهو على فراش الموت سنة ٣٣٠م. (ر: قصة الحضارة ١١/٣٨٢-٤٠٣، حياة قسطنطين - يوسابيوس القيصري، الموسوعة الميسرة ص ١٣٧٩، المسيحية نشأتها ص ١٧٢، ١٧٣، شارل جنيبر، يا أهل الكتاب ص ٢٠٦-٢١١، الدكتور رؤوف شلبي) . وعُذري في هذا الاستطراد هو أن دور قسطنطين في انحراف المسيحية لا يقل أهمية وخطرًا عن دور بولس اليهودي، فإن كان بولس قد زرع بذرة التثليث وما يتبعها من الانحرافات فإن قسطنطين هو الذي نمى شجرة التثليث ورعاها ونشرها بقوة السلطان، حيث إن الوثنية الرومانية يعتنقها قسطنطين دفعته إلى تأييد القائلين بالتثليث وألوهية المسيح - وهم أقلية - في مجمع نيقية ضدّ الأكثرية وهم الآريوسية القائلون بالتوحيد وبشرية المسيح. أما حقيقة تنصر قسطنطين فيوضحه لنا المؤرخ ول ديورانت بقوله: "إن اعتناق قسطنطين المسيحية حركة بارعة أملتها عليه حكمته السياسية!! وبأنه قلما كان يخضع لما تتطلبه العبادات المسيحية من شعائر وطقوس، وبأنه لم يكن مسيحيًا حقًّا وإنما كانت المسيحية عند قسطنطين وسيلة لا غاية". اهـ. وبنحو ذلك ذكره أيضًا المؤرخ فاسيليف، والمؤرخ فيشر في كتابه: (تاريخ أوربا، العصور الوسطى) . ٣ ذكر ابن تيمية في الجواب الصحيح ٣/٢٠، أن اسمه الإكصندروس، والصحيح أنه إلكسندروس أو إلكسندر (ALEXANDAR) ولد بالإسكندرية، وأصبح سنة ٢٩٥م البطريرك التاسع عشر للكرازة المرقسية (بابا الكنيسة القبطية بالإسكندرية) . وقد كان تلميذ البابا بطرس وروفيق أرشلاوس البابا الذي كان قبله، وكانت مدة جلوس إلكسندروس على كرسي الكرازة المرقسية (١٥) سنة. ومات في ١٧ أبريل سنة ٣٢٨م. (ر: أخبار بطاركة كرسي المشرق ص ١٨٢-٢٠١/ عمرو بن متى، السنكسار ٢/١٢٧، ١٢٨، جمع مجموعة من القساوسة) .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
فتناظروا، فطال تنازعهم، فتعجب الملك من انتشار مقالاتهم وكثرة اختلافهم وأقام لهم [النّزل] ١ وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي، فاتّفق رأي الإكصيدروس وجماعة٢ على نظم هذه الأمانة بعد أن أفسدوها دفعات وزادوا ونقصوا٣ وهي هذه: "نؤمن بالله الواحد الأبّ ضابط الكلّ، مالك كلّ شيء، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرّبّ الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق / (٢/٢٧/ب) كلّها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلّها، وليس بمصنوع، إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كلّ شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح
_________________
(١) ١ في ص (النّزول) والصواب ما أثبتّه. ٢ انتدب المجمع ثلاثة لوضع قانون الإيمان (الأمانة) وهم: إلكسندروس (البابا الإسكندري)، وشماسه اثناسيوس، وليونتيوس (أسقف قيسارية) . (ر: قصة الكنيسة ص ١٨٩، إيريس حبيب) . ٣ من العجب أن قانون الإيمان (الأمانة) قد وضع على عدة مراحل، ففي مجمع نيقية وضع الجزء الأوّل من الأمانة ابتداء من عبارة: "نؤمن بإله واحد" حتى عبارة: "للقضاء بين الأموات والأحياء وليس لملكه انقضاء". وكان ذلك بسبب مقالة آريوس إن الابن أصغر ومخلوق، وقد عقد المجمع بأمر الأمبراطور قسطنطين. وفي مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١م وضعت مؤخرة الأمانة ابتداء من عبارة: "ونؤمن بروح القدس " الخ. وكان ذلك بسبب مقالة مكدونيوس أن روح القدس مخلوق، وقد عقد المجمع بأمر الإمبراطور ثاؤديوس الكبير. والمرحلة الأخيرة في مجمع أفسس سنة ٤٣١م وضعت مقدمة الأمانة ونصّها: "نعظمك يا أم النور الحقيقي، ونمجدك أيتها العذراء المقدسة والدة الإله لأنك ولدت لنا مخلص العالم أتى وخلص نفوسنا، المجد لك يا سيدنا وملكنا المسيح فخر الرسل. أكليل الشهداء. تهليل الصدّيقين، ثبات الكنائس، غفران الخطايا، نبشر بالثالوث المقدس، لاهوت واحد، نسجد له ونمجده، يا ربّ ارحم، يا ربّ بارك آمين". وكان ذلك بسبب مقالة نسطور إن مريم ليست أم الله، فانعقد المجمع لوضع المقدمة السابقة بأمر الإمبراطور ثيودوسيوس (أوثاديوس) الصغير. (ر: تاريخ الأقباط ١/١٧٨، ١٧٩، زكي شنوده، مجموعة الشرع الكنسي ص ٨٢-٩٠، جمع حنانيا إلياس) .
[ ٢ / ٥٠١ ]
القدس وصار إنسانًا. وحبل به وولد من مريم البتول١، [وأوجع] ٢ وصلب أيام فيلاطس النبطي، ودفن وقام في اليوم الثّالث - كما هو مكتوب - وصعد إلى السّماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحقّ الذي يخرج من أبيه روح محبته وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قديسية جاثليقية٣ وبقيامة أبداننا وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين٤.
_________________
(١) ١ البتول: من النساء العذراء المنقطعة عن الأزواج. وقيل: هي المنقطعة إلى الله تعالى عن الدنيا. (ر: مختار الصحاح ص ٤٠) . ٢ في م: ص (واتجع)، والتصويب من نصّ الأمانة التي ذكرها عبد الله الترجمان في كتابه: (تحفة الأريب ص ١٧٤)، ومن معنى نصّ الأمانة في الفصل في الملل والنحل ١/١١٨، لابن حزم، وقد وردت فيه بلفظ: (وألم) . ٣ الجثيليق والجاثليق: ج جثالقة، متقدم الأساقفة (يوناينة) . (ر: المنجد ص ٧٩ مادة: (جثل) . هي كلمة معربة. (ر: الصحاح ص ١٤٥) . ومعنى الجملة: أنهم المؤمنون بالكنيسة المقدسة المنَزَّهة الكهنونية. ٤ إني أدعو القارئ الكريم إلى أن يقارن تسبيحة النصارى هذه بما ذكره ما لغيرو في كتابه المطبوع في باريس سنة ١٨٩٥م والذي ترجمة إلى العربية (نخلة شفوات) سنة ١٩١٣م ما يأتي: "لقد ذكر في الكتب القديمة الهندية التي ترجمت إلى اللغة الإنجليزية عن عقيدة الهنود القدماء ما يأتي: (نؤمن بـ (سافسترى) - أي: الشمس - إله واحد ضابط الكلّ خالق السماوات والأرض وبابنه الوحيد (أكني) - أي: النر - نور من نور مولود غير مخلوق مساوٍ للأب في الجوهر تجسد من (فايو) - أي: الروح - في بطن (مايا) العذراء. ونؤمن بـ (فايو) الروح المحيي المنبثق من الأب والابن الذي هو مع الأب والابن يسجد له ويمجد". فالثالو ث القديم هو: (سافستري) أي: الأب السماوي و(أكني) النار، أي: الابن وهو النار المنبثقة من الشمس و(فايو)، نفخة الهواء أي: الروح. وهو أساس المذهب عند الشعوب الآرية (الهنود القدماء". اهـ. (نقلًا من كتاب: "إله واحد أم ثالوث - محمّد مجدي مرجان ص ٨١) . وانظر كتاب (البهائية) - عبد الرحمن الوكيل ص ١٧٣، ١٧٤) . فهذا دليل من أدلة كثيرة على تأثر النصرانية المنحرفة بالقعائد الوثنية، فإن نصّ عقيدة الهنود القدماء مطابقة تمامًا لما يسمى عند النصارى بـ: قانون الرسل أو الأمانة أو التسبيحة. وقد علَّق على ذلك المشرف بقوله: "إن هذا الكلام المنسوب إلى عقيدة الهنود القدماء ليس له أساس يذكر، إنما الثالوث المعروف عند الهنود القدماء والمحدثين هو المكون من ثلاثة أقانيم هي: براهما ومعناه: (الخالق)، وفشنو (الحافظ أو المدبر)، وسيفا (المهلك) من حقيقة واحدة هي (بارميشوار) . أي: الإله الأكبر أو الإله الأم.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: هذه الأمانة التي أجمع عليها اليوم سائر فرق النصارى من اليعاقبة والملكية والنسطورية، وهي التي يزعمون أنهم لا يتمّ لهم عيد ولا قربان إلاّ بها، وهي مع كونها لا أصل لها في شرع الإنجيل ولا١ مأخوذة من قول المسيح ولا أقوال تلاميذه مضطربة متناقضة / (٢/٢٨/أ) متهافتة٢ يكذب بعضها بعضًا ويعارضه ويناقضه٣.
وبيان ذلك من وجوه:
أحدها: قولهم: "نؤمن بالله الواحد الأب ضابط الكلّ مالك كلّ شيء صانع ما يرى ولا يرى". فهذا أوّل الأمانة قد أثبتوا فيه الانفراد لله٤ بالألوهية والربوبية والوحدانية. وأنه المستبد بالخلق والاختراع. وأنه مالك كلّ شيء وضابطه وخالقه. فدخل في هذه المخلوقات المسيح روح القدس وغير ذلك. وذلك أنهما إن كانا مرئيين كالأجسام والأعراض فالأب الواحد خالقهما، وأن كانا غير مرئيين كالأرواح والعقول فالأب خالقهما وصانعهما، فهذا كلام حسن لو ثبتوا عليه ولم يشوشوه بالتشريك، غير أنهم نقضوا٥ ذلك على الفور
_________________
(١) ١ و(٢) في م: (وألا) . ٢ في ص (متاهفتة) والصواب ما أثبتّه. ٣ لقد اهتم علماء المسلمين بهذه الأمانة لأهميتها عند النصارى كما ذكر المؤلِّف. فلا يخلو كتاب في الرّدّ عليهم من ذكر هذه الأمانة والإشارة إلى تناقضها واستحالتها أو تحليلها ونقدها بالعقل والنقل. ومن تلك الكتب: تثبيت دلائل النبوة ١/٩٤، ٩٥، للقاضي عبد الجبار، الملل والنحل ١/٢٢٣، للشهرستاني، الفصل في الملل والنحل ١/١١٨ لابن حزم، والجواب الصحيح ٢/١١٩-١٢١، لابن تيمية، وهداية الحياري ص ٢٦٨، ٢٦٩، لابن القيم، تحفة الأريب ص ١٧٤-١٨٤، لعبد الله الترجمان، أدلة الوحدانية ص ٩٨-١٠١، للقرافي، النصيحة الإيمانية ص ١٨٥-١٦٠، لنصر المتطبب. ولقد تتبع المؤلِّف نصّ هذه الأمانة فقرة فقرة ونقدها نقدًا علميًا بأدلة العقل والنقل. وهذا مما يميّز ردّ المؤلِّف - ﵀ - عن سائر الرذود الأخرى ويجعل ردّه على هذه الأمانة من أشمل الردود التي وقفت عليها من كتب التراث - حسب علمي القاصر -. وقد اختصر أبو الفضل المالكي هذا الكتاب في مختصره سمّاه: (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) .ونقل هذه الردود بأكملها في الباب الرابع منه. كما تتبع د. أحمد حجازي السقا في كتابه القيِّم: (أقانيم النصارى ص٥٩-٦٦) فقرات هذه الأمانة بالتحليل والنقد الشامل. ٤ في م: الله. ٥ في م: نقضوه.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
فقالوا: "ونؤمن أيضًا أن مع هذا الإله الواحد المستبد بخلق ما يرى وما لا يرى [ربًا آخر١ واحدًا٢ أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيء". وفي أوّل الأمانة بأن الله هو خالق كلّ شيء. ثم لم يلبثوا أن قالوا: كلا ولكن المسيح ابن مريم هو خالق كلّ شيء ومتقنه. وهذا غاية التناقض. وفيه عبادة رجل من بني آدم مع الله سبحانه. لأن يسوع المسيح اسم / (٢/٢٨/ب) للإنسان المنفصل من مريم، وذلك مناقض لاعتقاد الماضين من أسلافهم وأكابر دينهم ومُدوِّني إنجيلهم كما قدمناه في مواضعه. ومناقض لما اشتملت عليه التوراة والمزامير وسائر النبوات من توحيد الله وإفراده بالربوبية والألوهية.
- الوجه الثّاني: قول الأمانة: "إن يسوع المسيح ابن الله بكر الخلائق الذي ولد من أبيه". وذلك مشعر بحدوث المسيح إذ لا معنى لكونه ابنه إلاّ تأخره عنه وتقدم والده عليه في الوجود. إذ الولد والوالد لا يكونا معًا في الوجود. إذ كونهما معًا مستحيل ببداية العقول.
وكذلك قولهم: "إن يسوع بكر الخلائق كلّها". مع ما في لفظه من الزيادة، لا يفهم منه إلاّ أن المسيح خلقه الله قبل خلق كلّ الخلائق؛ لأن باكورة الشيء أوّله. وذلك مناقض لقولهم في الأمانة: "وليس المسيح بمصنوع بل هو إله حقّ". فبينا هو في الأمانة مولود مصنوع إذ نعتوه بكونه غير مصنوع، فصار حاصل هذا الكلام أن المسيح مخلوق غير مخلوق، وكفى بذلك تجاهلًا وخذلانًا؛ لأن الأب لا [يخلو] ٣ أن يكون / (٢/٢٩/أ) ولد وَلَدًا لم يزل. أو وَلَدَ ولدًا لم يكن. فإن قالوا: ولد ابنًا لم يزل.
_________________
(١) ١ في ص (رب آخر واحد) والصواب ما أثبتّه ٢ ليست في (م) . ٣ في ص (يخلوا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
قلنا لهم: فما ولد شيئًا إذ كان الابن لم يزل. وإن ولد ابنًا لم يكن فالولد١ حادث مخلوق. وذلك مكذب لقول الأمانة: "إنه إله حقّ من جوهر أبيه. وإنه أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيءٍ".
- الوجه الثّالث: قول الأمانة في المسيح: "إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه". ينقضه قول المسيح في الإنجيل وقد سئل عن يوم القيامة، فقال: "لا أعرف ذلك، ولا يعرفه إلاّ الأب وحده"٢.
فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب، لكنه إنسان حقّ من إنسان حقّ من جوهر أبيه داود. إذ سئل داود وغيره من الأنبياء عن القيامة وأشياءكثيرة فقالواكقول المسيح هذا: لا نعلم ذلك، ولا يعلمه إلاّ الله وحده.
ولو قال قائل: إن جوهر الماء من جوهر النار لكان [أحمق] ٣. فكذلك من يقول: إن جسم إنسان وهو مركب من لحم ودم٤ وشعر وظفر وأقذار وأسنان من جوهر الإله الذي يستحيل عليه هذه الأمور.
ثم لو جاز أن يكون إله يأتي من إله أوّل لجاز أن يكون ثالث من ثاني ورابع من ثالث ولما وقف الأمر على غاية. وإذ٥ أبطل / (٢/٢٩/ب) ذلك من أصله وجب الرجوع إلى قول المسيح: "إن أوّل الوصايا: الرّبّ واحد٦. وقوله في إنجيل
_________________
(١) ١ في م: قالوا. وهو خطأ ٢ مرقس ١٣/٣٢. ٣ في ص (أحمقا) والصواب ما أثبتّه. ٤ ليست في (م) . ٥ في م: وإن. ٦ متى ٢٢/٣٥.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
يوحنا: "الله الإله الحقّ هو الذي أرسل يسوع المسيح١. وإلى قوله في إنجيل مرقس وغيره: "لا صالح إلاّ الله وحده"٢. وإلى أوّل الأمانة: "إن الله واحد مالك كلّ شيء صانع ما يرى وما لا يرى".
- الوجه الرّابع: قول الأمانة: "إن يسوع المسيح أتقن العوالم وخلق كلّ شيء". وذلك مناقض للإنجيل ومكذب له إذ يقول متى: "هذا مولد يسوع المسيح ابن داود"٣. ومن أتقن العوالم وخلق كلّ شيء لا يكون متأخرًا عن العوالم وتكون العوالم سابقة له. ثم مِن العالَم أمه مريم فكيف يوصف بأنه خالق أمه قبل أن تلده؟ ! ومِنَ العالَم الثياب التي لُفَّ بها والمعلف الذي أَكنَّه وهو طفل والطعام الذي نمَّى أعضاءه. وذلك من الغلوّ الذي لا يخفى فساده عن لبيب.
أما كان في شيوخ الأمانة من تصفح فساد هذا الكلام قبل تسطيره؟ ألم يسمعوا إلى قول الإنجيل: "إن إبليس قال للمسيح: اسجد لي وأعطيك جميع ما في العالم وأملكك كلّ شيء"٤. وإبليس بزعمهم / (٢/٣٠/أ) من جملة مَنْ خلقه المسيح، فكيف بقي خالق العوالم محصورًا في يد بعض العَالَم يسحبه من مكان ويحول بينه وبين مراده ويطمع في تعبده له وجعله من جملة أتباعه؟!.
أعوذ بالله من العماء والضلال والغلوّ في الرجال.
- الوجه الخامس: قول الأمانة: "إن المسيح الإله الحقّ الذي خلق كلّ شيء، نزل من السماء لخلاص الناس، وتجسد من روح القدس إنسانًا وحبل به وولد".
_________________
(١) ١ يوحنا ١٧/١-٣ ٢ مرقس ١٠/١٨، لوقا ١٨/١٨. ٣ متي ١/١. ٤ متى ٤/٨، ٩.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
في هذا الكلام عدة مفاسد، منها: أن المسيح اسم لا يخص الكلمة على تجردها ولا الجسد على تجرده. بل هو اسم يخص هذا الجسد المأخوذ من مريم والكلمة معًا. ولم تكن الكلمة في الأزل تسمى مسيحًا. فبطل أن يكون هو الذي نزل من السماء. والدليل على ذلك قولهم: "وتجسد من روح القدس". لأنه لو كان الذي نزل هو المسيح لم يكن لتجسده ثانية معنى. وتجسد المتجسد محال.
ومنها: قولهم:"إنه نزل من السماء".وهذا الموصوف بالنُّزُول لا يخلو أن يكون الكلمةأوالناسوت، فإن/ (٢/٣٠/ب) زعموا أن الذي هو الناسوت فذلك مكذّب بنصوص الإنجيل إذ صرّحت بأن الناسوت مكتسب من جسد مريم.
وإن زعموا أنه اللاهوت، قلنا لهم: أتعنون الأب أم صفته، وهي العلم؟! فإن زعموا أنه الأب نزل وتجسد لزمهم لحوق النقائص [بالباري] ١ من الأكل والشرب والقتل وحصر الشيطان وغير ذلك. ثم ذلك لا يقول به أحد منهم.
وإن زعموا أن النازل المتجسد هو العلم المعبر عنه بالكلمة قلنا لهم: لو جاز على ما وصفتموه من التجسد لجاز أَحَدُ مَخذُورَيْن، وهو إما بقاء الباري ولا علم له، أو جعله عالمًا بعلم قائم بغيره. ثم النُّزُول والصعود والحركة والانتقال والتفريغ والاشتغال، كلّ ذلك مستحيل على الباري وعلى صفاته٢. وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون النّازل من السماء هو المسيح؛ لأن المسيح اسم موضوع للمعنيين: الكلمة والجسد عندهم.
_________________
(١) ١ في ص (به الباري) والصواب ما أثبتّه ٢ سبق بيان مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك، والرّدّ على شبهة المبتدعة.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ومنها قولهم: "إنه إنما نزل وتجسد وحبل به لخلاص معشر الناس". فهم يريدون أن آدم لما عصى أوثق سائر ذريته في حبالة الشيطان / (٢/٣١/أ) وأوجب عليهم الخلود تحت طباق النيران، فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتنكيل به، فإنهادعوى لا دلالة عليها، وقدأبطلناها فيما تقدم.
وهب أنا سلمنا لكم، فأخبرونا عن هذا الخلاص الذي يعني الإله الرّبّ الأزلي وفعل بنفسه ما فعل من الدنايا التي جرت عليه في زعمكم، ما هو؟ أو ممن خَلصكم؟! وبمَ خَلَّصكم؟! وكيف استقل بخلاصكم دون الأب والروح والربوبية بينه وبينهم أثلاثًا؟! وكيف صار مبتذلًا ممتهنًا في خلاصكم دون الأب والروح؟!.
فهذه عدة أسئلة، فإن زعموا أن الخلاص قد حصل لهم من تكاليف١ الدنيا وهمومها وأمراضها وأعلالها وهرمها وموتها، أكذبهم الحسُّ، فإنا نراهم ولا مزية لهم على سائر البشر.
وإن زعموا أنهم قد خلصوا من هموم السعي في طلب الرزق والتكسب للعيال والتبذل في تحصيل ضرورات العيش أكذبهم الحسُّ أيضًا.
وإن زعموا أنهم/ (٢/٣١/ب) قد خصلوا من تكاليف الشرع، وأنهم قد حطّ عنهم المسيح بمجيئه الصوم والصلاة وسائر وظائف التكليف، وأنهم غير مؤاخذين بشيء منها، أكذبهم العافرون بما وُظِّف عليهم من الصوم والصلاة والقرابين وغير ذلك.
وإن زعموا أنهم خلصوا من أحكام الدار الآخرة، وأن من تعاطى في الدنيا جريرة فزنى منهم وسرق وقتل وقذف لا يؤاخذ يوم القيامة بشيء من ذلك
_________________
(١) ١ في م: تكليف
[ ٢ / ٥٠٨ ]
أكذبهم الإنجيل والنبوات، إذ يقول المسيح في الإنجيل: "إني أقيم الناس يوم القيامة عن يميني وشمالي فأقول لأهل اليمين: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى النعيم المعدِّ لكم قبل تأسيس الدنيا، وأقول لأهل الشمال: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى العذاب المعدّ لكم قبل تأسيس العالم"١.
وإذا كان هذا حالكم في الدنيا والآخرة، فأين الخلاص الذي تدعون أن الإله تعنى ونزل إلى الأرض وأكل وشرب وخامرته الهموم والغموم وذاق الموت ليحصِّله لكم، وسميتموه بسببه: "مخلص العالم". وإذا لم يحصل لكم الخلاص الذي تدعون فقد بطلت الأمانة.
فهذا بحثنا عن ماهية الخلاص الذي جاء لأجله فلم / (٢/٣٢/أ) يتهيأ له؛ بل بقيتم مركوسين منكوسين على ما كنتم عليه قبل مجيئه.
فأخبرونا ممن خلّصكم؟! هل كان قد غلبه عليكم غالب؟ أو سلبكم من يديه سالب؟ وهل كان معه مزاحم له عليكم أوقع بكم من المكروه ما اضطرّه إلى تجشمه هذه النقائص لخلاصكم؟!.
فإن قلتم: إنه كان له عدوّ مناصب، قد عاث في مملكته حتى استولى٢ عليها وحاز أطرافها وجرت٣ فيها أحكامه شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، فما نرى هذا العدوّ الذي تدعون إلاّ أعظم منه مملكة. وأعزّ جانبًا، وأنفذ قدرة، ومن كان هذا حاله فهو لا شكّ أحقّ بالعباد والبلاد منه.
_________________
(١) ١ متى ٢٥/٣١-٤٦، في سياق طويل. قد ذكره المؤلِّف مختصرًا. ٢ في م: اسوى ٣ في م: جرب
[ ٢ / ٥٠٩ ]
فما نرى هذا الرّبّ الذي تشيرون١ إليه إلاّ معزًّا٢ بنفسه في مقاومة هذا العدوّ، مخاطرًا بمهجته، مهورًا في رأيه، مدخولًا عقله، خفيفًا حكمه، إذ رام مكافحة من هو أثبت جنانًا وأعزّ مكانًا، وأكثر أعوانًا، فهذا بحثنا عمن كنتم في يده.
فأخبرونا بمَ خلَّصكم؟ فإن زعموا أنه نزل إلى الأرض فربط الشيطان واستنقذكم من يده، وأهانه ونكل به غاية التنكيل، وعاقبه أشدّ العقوبة ومحى آثاره وطمس معالمه، وأهان جنده٣ ومن يقول بقوله، فلعمري إن ذلك لقمن/ (٢/٣٢/ب) أن يعبد٤ ويفزع إليه في النوازل ويصمد.
وإن زعموا أن الأمر على العكس من ذلك، وإن المسيح الإله الرّبّ الذي يعبدونه، نزل إلى الأرض يروم خلاصكم، فاستعمل التقية وأعمل٥ الروية وسكن إهاب امرأة، يقلب الأمر بطنًا وظهرًا ويُقْدِم تارة ويحجم أخرى، ثم استعار منها صورة إنسان، وأخفى نفسه بغاية الإمكان. وكان يفر من الناصرة إلى الجليل. ويتحول من خليل إلى خليل، والشيطان يطلبه ويرقبه. والمسيح يتباعد عنه ولا يقربه. ولما رآه الشيطان قد أعمل مطايا الحذار، و[اختار] ٦ طول الاستتار بالحذار، وَكَّل به شرذمة من أتباعه، فآذوه ضربًا ثم قتلوه صلبًا، لقد كذبوا وكذبت الأمانة التي لهم في دعوى الخلاص. فهذا بحثنا عن سبب خلاصكم الذي عوّلتم عليه.
فأخبرونا أليس الأقانيم المعبودة الثلاثة
_________________
(١) ١. في م: الرّب يسرون ٢. في م: معرًا. ٣ في م: جمعه. ٤. في م: يعبده ٥. في م: وأغمد. ٦ في ص (اختال) والصواب ما أثبتّه
[ ٢ / ٥١٠ ]
قديمة أزلية، وهي: أب وابن وروح قدس. فما الذي أوجب اختصاص الابن بالنُّزُول ومحاربة الشيطان، دون الأب والروح، مع استوائهم في الربوبية؟!.
أكان أحْنى على العباد منهما وأرحم؟! أم جريمة الشيطان إليه أكبر وأقحم؟! وما الذي أصاره أولى بالتبدّل والتبديل من الأب والروح ونسبتهم في / (٢/٣٣/أ) الربوبية واحدة؟!.
- الوجه السّادس: قول الأمانة: "وتجسد من روح القدس". وذلك باطل بنصّ الإنجيل؛ إذ يقول١ متى في الفصل الثاني من إنجيله: "إن يوحنا المعمداني حين عمَّد المسيح جاءت وروح القدس إليه من السماء في شبه حمامة"٢. وذلك بعد ثلاثين سنة من عمر المسيح. وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون متجسدًا من روح القدس وكذبت الأمانة. وإذا كان لا بدَّ من تصديق المُخْبِر، فإخبار نبي الله يحيى بن زكريا أولى بالتصديق من أخبار مَن جاء بعد المسيح بمدة متطاولة، ونظم هذه الأمانة المتناقضة، ثم التجسد من شيء إنما يصح لو كان من جنسه كالماء مع الماء وكالنار والنار٣. ولا تجانس بين الإله والإنسان، وبين القديم والحادث، وكلّ ذلك يرد الأمانة. ويبيّن زلل مَن٤ عقدها.
- الوجه السّابع: دعوى النصارى بأجمعهم أن المسيح ابن الله:
إن كان كما يقولون فقد كذبت الأمانة في قولها: "إن المسيح تجسد من روح القدس".
وإن كانت الأمانة صحيحة فالمسيح ابن روح القدس، وليس هو ابن الله. فقد تناقضت الأمانة واعتقادهم؛ إذ في صحّة / (٢/٣٣/ب) أحدهما بطلان الآخر.
- الوجه الثّامن: قول الأمانة: "إن المسيح نزل من السماء، وحبلت به امرأة
_________________
(١) ١ في م: قال ٢ متى ٣/١٦، ١٧. ٣ ليست في (م) . ٤ ليست في (م)
[ ٢ / ٥١١ ]
وسكن رحمها". مُكَذَّب بقول لوقا الإنجيلي إذ يقول في قصص الحواريين في الفصل الرابع عشر منه: "إن الله هو خالق العالم بما فيه، وهو ربّ السماء والأرض، لا يسكن الهياكل، ولا يناله أيدي الرجال، ولا يحتاج إلى شيء من الأشياء؛ لأنه هو الذي أعطى الناس الحياة فوجودنا به، وحياتنا وحركاتنا منه١. فقد شهد لوقا بأن الباري وصفاته لا يسكن الهياكل، ولا تدنه أيدي الرجال، وذلك مُكذّب للأمانة في دعواها سكون الكلمة في هيكل، مريم، وتحولها إلى هيكل المسيح، ومفسد عليهم دعوى قتل المسيح وصلبه، إذ يقول لوقا: "إن الباري لا تناله أيدي الرجال".
وشهد أيضًا بأن المسيح مخلوق؛ لأنه من جملة العالم الذي خلقه الله وذلك تكذيب لدعوى النصارى، ومَشَوَّش نظام الأمانة إذ يقول: "إن المسيح هو إله خالق غير مخلوق". وقد شهد فولس بأن المسيح عبد الله، وأن الله إله وربه، فقال في صدر رسالته الخامسة: "إني قد سمعت بإيمانكم، لست أَفْتَر من الدعاء/ (٢/٣٤/أ) لكم في صلاتي أن يكون إله سيدي يسوع المسيح الأب المجيد يعطيكم روح الحكمة والبيان، وينير عيون قلوبكم"٢.
فهذا فولس المؤتمن عندهم يشهد بأن الله هو إله المسيح، وذلك مما يبطل الأمانة التي لفقوها، والوثوق بهذا القول من فولس أولى من قول غيره، ممن جاء بعد المسيح. وهذا القول من فولس موافق لقول المسيح حيث يقول: "إني ذاهب إلى إلهي وإلهكم"٣.
- الوجه التّاسع: تسمية يسوع: "المسيح" يستدعي ماسحًا مسحه، وفاعلًا
_________________
(١) ١ أعمال الرسل ١٧/٢٤، ٢٥ ٢. رسالته إلى أهل أفسس ١/١٥-١٨ ٣ يوحنا ٢٠/١٧.
[ ٢ / ٥١٢ ]
فعله، وإذا كان مسيحًا بمعنى ممسوح، وقد ثبت بقول الأمانة: (أنه مصنوع) . فإذا قالت: إنه ليس بمصنوع، صار تقدير الكلام أن المسيح مصنوع، ليس بمصنوع ومخلوق ليس بمخلوق؟!.
ولم تزل بني إسرائيل من زمن موسى يتخذون دهنًا مجموعًا من عدة أنواع من الطيب في قرن معلق في الهيكل، تمسح به الكهنة من أرادوا تمليكه، وربما فار القرن عند دخول من يقع الاختيار على تمليكه، فيكون علامة على تمليكه١.
وقد تنبأ داود على المسيح فقال: "من / (٢/٣٤/ب) أجل هذا مسحك ربك بدهن السرور أكثر مما مسح نظراءك"٢. فشهد داود بأنه ممسوح، وأن الله ماسحه وأنه مربوب، وأن الله ربّه، وأن له نظراء قد مسحوا قبله، وذلك مناقض لقول الأمانة: "إن المسيح خالق غير مخلوق".
وقال داود أيضًا نبوءة على المسيح في المزمور الخامس والأربعين: "يا من فاق الناس جمالًا لقد أفرغت الرحمة على شفاهك"٣. فبيَّن أنه إنسان، وأنه جميل الصورة، وأن الله أفرغ الرحمة على فيه، فلو كان المسيح هو الله أو صفة من صفاته لاتَّحَدَ الماسح والممسوح والقائل والمقول له، وذلك مما يفسد الأمانة، ويزحزح أركانها.
- الوجه العاشر: قول الأمانة: "إن يسوع بعد أن قُتل وصلب قام من الأموات،
_________________
(١) ١ ورد في قاموس الكتب ص ٨٥٩: "أن المَسْح في الكتاب المقدس هو صبّ الزيت أو الدهن على الشيء؛ لتكريسه لخدمته تعالى، وقد صار التدهن علامة الفرح، وتركه علامة الحزن، فكانوا يمسحون الكهنة والأنبياء والملوك". اهـ. بتصرف. ٢. مزمور ٤٥/٧. ٣ مزمور ٤٥/٢.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه"١. وذلك من الكذب الفاحش، والاعتقاد الفاسد، أما كونه من الكذب الفاحش فإنه ليس أحد من القائلين هذا الكلام صعد إلى السماء ورأى ذلك عيانًا وعاد إلى الأرض فأخبر به.
وأما كونه من الاعتقاد الفاسد فإنه متى جلس شيء عن يمين شيء / (٢/٣٥/أ) أو عن جهة من جهاته دلَّ على حدث الشيئين، ثم لا خلاف عندهم أن جسد يسوع حادث؛ إذ قالوا: إن هذا الجسد الحادث قد جلس عن يمين الله - فقد اعتقدوا أن الباري تعالى [جسم] ٢ من الأجسام. وسارووا في ذلك حشوية من اليهود القائلين بأن الله تعالى في صورة شيخ أبيض الرأس واللحية، وأنه ينْزل إلى الأرض، ويتردد فيها.
وقد جمعوا في هذا الموضع بين أمرين متناقضين، وهو أنهم قالوا في أوّل الأمانة: "إن المسيح إله حقّ خالق كلّ شيء". فإذا قالوا ها هنا: إنه قتل وصلب ودفن بين الأموات فقد اعترفوا بأن المخلوق قتل خالقه، والمصنوع صلب صانعه.
- الوجه الحادي عشر: قول الأمانة: "إن يسوع هذا الرّبّ الذي صلب وقتل مستعد للمجيء تارة أخرى؛ لفصل القضاء بين الأحياء والموات". للمنكر عليهم أن يقول: إنه لما تجشَّم أوّل مرة فجرى عليه من الشيطان وحزبه ما وصفتم من الأذى والإهانة والقتل والصلب فرَّ إلى أبيه ليستريح برهة، وتثوب إليه نفسه وتستجم قوته، وليستظهر بالعدد والعدد من عند أبيه / (٢/٣٥/ب)، ثم يأتي ثانية لمحاربة عدوه، فإما عليه وإما له.
_________________
(١) ١ في م: ربه ٢. في ص (جسما) والتصويب من المحقِّق
[ ٢ / ٥١٤ ]
وأما قول الأمانة: "إنه يعود لفصل القضاء بين الأحياء والأموات". فهو نازل منْزلة قول القائل:
وفي حياتي ما زودتني زادا
لا ألفينك بعد الموت تندبني
إذا زعموا أنه في المرة الأولى عجز عن خلاص نفسه حتى تَمَّ عليه من أعدائه ما تمّ، فكيف يقدر على خلاصهم بجملتهم في المرة الثانية؟!.
- الوجه الثّاني عشر: قول الأمانة: "ونؤمن بروح القدس الذي يخرج من الله". فيه تصريح بأن المسيح وروح القدس [أخوان وأن الله أبوهما] ١ جميعًا. إذ تقول الأمانة: "إن يسوع ولد من أبيه، وإن روح القدس يخرج من أبيه". أيضًا.
وذلك مُكذِّب بقول لوقا في إنجيله: "إذ حكى عن الملك أن الذي ولدته مريم هو روح القدس"٢. وإذا كان المسيح من روح القدس في الإنجيل، وروح القدس من الله في الأمانة، فقد تناقض الإنجيل والأمانة؛ إذ الأمانة تجعلهما أخوين قد ولدا٣ من الله. والإنجيل يقول:"لا بل المسيح من روح القدس، وذلك خبط عظيم". فقد وضح لك بطلان قول/ (٢/٣٦/أ) الأمانة: "إن المسيح ولد من أبيه قبل العوالم كلّها، وأنه بكر الخلائق كلّهم، فكيف يكون قبل العوالم، وقد سبقه روح القدس، بشهادة الإنجيل.
- الوجه الثّالث عشر: قول الأمانة: "ونؤمن بمعمودية واحدة لغفران الخطايا". فيه مناقضة عظيمة لأصولهم، وذلك أن اعتقاد النصارى أنه لا يغفر خطاياهم بدون قتل المسيح، ولذلك سمّوه: "حمل الله الذي يحمل خطايا العالم". ودعوه أيضًا: "مخلص العالم من الخطيئة". فإذا آمنوا بأن المعمودية
_________________
(١) ١ في ص (أخوين وأن الله أباهما) والصواب ما أثبتّه ٢ لوقا ١/٣٥ ٣. في م: ولدوا
[ ٢ / ٥١٥ ]
الواحدة هي التي تغفر خطاياهم من ذنوبهم فقد صرحوا أنه لا حاجة إلى قتل المسيح لاستقلال المعمودية بالخلاص والمغفرة، فإن كان التعميد كافيًا فقد اعترفوا بوقوع القتل عبثًا.
وإن كان لا تحصل المغفرة بدون قتل المسيح فقد تناقضت الأمانة، وكذبت في دعوى المغفرة بالتعميد؛ إذ كان لا بدَّ من القتل.
- الوجه الرّابع عشر: قول الأمانة: "ونؤمن بجماعة واحدة قديسية". يعنون من عقد لهم هذه الأمانة، التي نحن نتكلم على تناقضها ونوضح فسادها، / (٢/٣٦/ب) وفي الإيمان بها [ولهؤلاء] ١ القوم كفرٌ بالمسيح، وردّ لأقواله وأقوال تلاميذه، وبيانه هو:
أن المسيح ﵇ قد شحن إنجيله بتوحيد الله وتمجيده وتقديسه وتنْزِيهه عن الثاني والثالث وإفراده بالربوبية والألوهية، فقال ﵇: "الله واحد هو الله"٢. وقال: "إن الله لم يره أحد قط"٣. وقال: "لا ينبغي لأحد أن يعبد رَبيَّن"٤. وقال: "لا صالح إلاّ الله وحده"٥. ورفع وجهه إلى السماء وقال: "إلهي أنت الإله الحقّ الذي أرسلت المسيح"٦. فهذه أقوال المسيح التي روتها عنه تلاميذه، ليس فيها تثنية ولا تثليث؛ بل مجردة لتوحيد الباري جلّ وعلا.
_________________
(١) ١. في ص، م (ولاي) . ولعل الصواب ما أثبته. - والله أعلم
(٢) . يوحنا ٥/٤٤. ٣ يوحنا ١/١٨. ٤ متى /١٠، ونصّه: "قال له يسوع: لأنه مكتوب للرّبّ إلهك تسجدوا إياه وحده تعبد". ٥ مرقس ١٠/١٨. ٦ يوحنا ١٧/١-٣.
[ ٢ / ٥١٦ ]
فإذا قالوا في الأمانة: "إنهم يؤمنون بأن الآلهة ثلاثة أزلية، وإن إلهًا واحدًا ولد إلهًا مثله، وإن امرأة من بني آدم ولدت ربّها، وأرضعت خالقها ثديها، وأفرشته حجرها، وإن الرّبّ الذي أتقن العالم بيده كلّ شيء قد قوتل فقتل، وغولب فغلب، ودفن في المقابر، كما رَتَّبوه في أمانتهم، فلا شكّ في كفرهم بالمسيح وتلاميذه، لأن من آمن بالثالوث فقد كفر بالتوحيد فإن كانت [الأمانة] ١ صادقة فقد كذب / (٢/٣٧/أ) الإنجيل، وإن كان الإنجيل صادقًا فقد كذبت الأمانة، وتَبَيَّن عِشُّ من ألفها أو غلطه.
وبعد - يرحمك الله - فقد أقام المسيح وتلاميذه وأكابر أصحابه برهة من الزمان بالناصرة والجليل وأورشليم وغيرها من البقاع، يصلون لله إله إبراهيم ويتعبدون له.
فهل حفظ عنهم أو عن أحد ممن روى عنهم أنه كان إذا قام إلى مصلاّه وشرع يناجي مولاه يقرأ هذه الأمانة المتضمنة عبادة ثلاثة آلهة، بعضها آب، وبعضها ابن، وبعضها قاتل، وبعضها قتيل، وبعضها والد، وبعضها مولود، فكون المسيح وخيار أصحابه لم يؤثر عن واحد منهم من ذلك لفظة ولا كلمة واحدة من أدل دليل على افتعال هذه الأمانة، وجهل من عقدها، وسخريته بدين النصرانية، وقصده الإزراء بهم وإبداء عوراهم.
- الوجه الخامس عشر: في طريق امتحان هذه الأمانة، ومعرفة حقّها من باطلها وصحتها من فسادها؛ بأقوال الأنبياء الذين تنبؤوا على المسيح، وأقوال أصحابه الذين شاهدوه وأخذوا عنه أقواله المروية عنه / (٢/٣٧/ب) وفي الإنجيل.
فنقول لمن نظم هذه الأمانة وعقد هذه الشريعة: قد زعمت أن المسيح إله حقّ، وأنه أتقن العالم بيده، وخلق كلّ شيء، فنحن نورد عليك نصوص٢
_________________
(١) ١ إضافة يقتضيها السياق، ولعلها سقطت من الناسخ ٢. في م: بنصوص
[ ٢ / ٥١٧ ]
كتبك وآيات صحفك، وأقوال مشائخك، وسلفك، وما تنبأ به الأنبياء على من ادعيت ربوبيته، ونحاكمك إلى نفسك فنقول: قالت التوراة في آيات تفوت الحصر: "إن الله تعالى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب واحد لا شريك له". وقال في العشر كلمات من التوراة: "أنا الله ربّك الذي أخرجتك من مصر بيدي القوية، لا يكن لك إله غيري"١.
وقال: "لا تشبهوني بشيء مما في السماء ولا مما في الأرض ولا مما في البحار، أنا الله إله واحد جبار غيور، لا تتّخذوا آلهة غيري"٢. وذلك في التّوراة كثير، وهو تكذيب لأهل الأمانة في قولهم: "إنّ مع الله إلهين آخرين؛ أحدهما إنسان من بني آدم".
وقال أشعيا في نبوته: "قال إله إسرائيل: أنا الأوّل والآخر، وليس بعدي غيري"٣.
وقال: "عرف الحمار والثّور ربّه، ولم يعرف ذلك بنو إسرائيل"٤.
فقد أكذبهم أشعيا في نظم هذه الأمانة، ودعواهم أنّ الآلهة / (٢/٣٨/أ) ثلاثة قديمة أزلية.
وقال داود في مزموره وهو يناجي ربّه: "يا ربّ إنك حين عبرت ببلاد أشيمون تزلزت٥ الأرض من هيبتك، وانفطرت انفطارًا - ثم قال - ما لك أيها البحر هاربًا مزبدًا، وأنت يا نهر الأردن ما بالك وليت راجعًا، وما لكم أيّها الجبال طفرتن٦ كالأيائل" - ثم أجاب عن ذلك بنفسه - فقال: "من هيبة الرّبّ تزلزت البقاع، واصطربت الشوامخ"٧. فهذا الذي يليق بجلال الله وعظمته لا ما
_________________
(١) ١ سفر الخروج ٣٠/٢، ٣ ٢. سفر الخروج ٣٠/٢-٤. ٣ سفر أشعيا ٤٤/٦. ٤ سفر أشعيا ١/٣. ٥ في م: تزلزل. ٦ في م: اصطفرتن ٧. مزمور ١١٤/١-٧، بألفاظ متقاربة
[ ٢ / ٥١٨ ]
وصفه به النصارى من الجوع والعطش، والتعب والسهر، والضعف والعجز، والانحصار في الرحم، والقتل والصلب، تعالى الله عن هذيانهم علوًّا كبيرًا.
وقال المسيح في إنجيله: "الله لم يره أحد قط"١. وقال أيضًا فيما رواه تلاميذه عنه: "إنّ أوّل الوصايا كلّها: اسمع يا إسرائيل الرّبّ واحد فاحبّه من كلّ قلبك ومن كلّ قوتك"٢. ففي هذه الوصية سائر وصايا الأنبياء، وقال فيما رواه عنه يوحنا التلميذ: "إلهي أنت الإله الحقّ، وحدك الذي أرسلت يسوع"٣. وقال له إنسان: "يا معلم صالح". فقال: "لم [تدعونني] ٤ صالحًا، لا صالح / (٢/٣٨/ب) إلاّ الله وحده"٥. وقال: "أنا ذاهب إلى إلهي"٦. وقال: "إلهي أعظم مني"٧. وقال: "إلهَي إلَهِي لِمَ تركتني؟ "٨. وقال لوقا: "قال جبريل لمريم: إنك ستلدين ابنًا يكون عظيمًا، يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود"٩. فشهد عن الله تعالى بأن المسيح هو ابن داود.
وقال بطرس، الحواري في الفصل السّابع من رسالته الأولى: "إن الله هو إله النعمة كلّها، وهو الذي دعانا إلى مجده الدائم بالسيد المسيح، له التسبيح والعزّ إلى دهر الداهرين"١٠. فهذا توحيد أنبياء الله تعالى لخالقهم، وتنْزيههم له سبحانه مسطور مزبور في كتبهم، قد نهجوه لأتباعهم، فتلقوه عنهم، وكلّ
_________________
(١) ١. يوحنا ١/١٨. ٢ متى ٢٢/٣٥-٣٧ ٣. يوحنا ١٧/١-٣. ٤ في ص، م (تدعني) والصواب ما أثبتّه ٥. مرقس ١٠/١٨، لوقا ١٨/١٨. ٦ يوحنا ٢٠/١٧. ٧ يوحنا ١٤/٢٨. ٨ متى ٢٧/٤٦. ٩ لوقا ١/٣٢. ١٠ رسالة بطرس الأولى ٥/١٠، ١١
[ ٢ / ٥١٩ ]
ذلك تكذيب لهذه الأمانة، وردٌّ على من عقدها؛ فإنها تقول: إنه إله، وإنه أتقن العالم بيده وخلق كلّ شيء. وهذا جبريل يخبر عن الله أنه ولد من الناس وأن والده داود، وهذا المسيح يخبر عن نفسه بما سطرناه، فلا التفات بعدها للمحال المضمَّن في هذه الأمانة، التي هي في الحقيقة فساد الأمانة.
وقد قال داود في المزامير: "إن المسيح رجل قد فاق الناس جمالًا"١. وشبَّهه برجل / (٢/٣٩/أ) كاهن، كان في زمن إبراهيم الخليل خادمًا للبيت المقدس، فقال في مزموره: "يا مسيح أقسم الرّبّ إنك أنت الكاهن المؤيّد يشبه ملك الصادق"٢.
فما بال داود لم يقل إن المسيح هو الإله الحقّ الذي أتقن بيده العالم وخلق كلّ شيء، وإنه المولود من الله قبل الدهور، كما هذوا به الأمانة التي لهم؟!.
وكيف يقول نبي الله داود إن المسيح رجل من الآدميين، يشبه كاهنًا من الكهان؟! ويقول أصحاب الأمانة: كلا، ولكنه الإله الذي خلق الكاهن ملكي صادق وغيره.
فإن قالوا: قد خبر جبريل مريم حين بشرها بأن الرّبّ معها، فقال لها: "مريم ربنا معك".
قلنا: ليس كم ذهبتم إليه. وإنما أراد بالمعية ها هنا المعاضدة والمؤازرة وحسن الإرفاق والتعهد بالمعونة. والدليل عليه قول الله في التوراة لموسى: "اذهب برسالتي إلى فرعون، وأنا أكون معك، وراقبا للسانك"٣. وقال ليوشع بعد وفاة موسى: "أنا أكون معك كما كنت مع عبدي موسى"٤.
_________________
(١) ١ مزمور ٤٥/٢. ٢ مزمور ١١٠/٤. ٣ خروج ٤/١٢ ٤. يشوع ١/٥.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وقال حملة الإنجيل: "وكان الله مع الصبي"١. / (٢/٣٩/ب) وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٌ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُم وَلاَ خَمْسَةٌ إّلاَّ هُوَ سَادِسُهُم وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرُ إِلاَّ هُوَ مَعَهُم أَيْنَمَا كَانُوا ﴾ . [سورة المجادلة، الآية: ٧] . وقد قال المسيح: "إنه أفضل من يونس وأفضل من سليمان"٢.
وقال فولس: "إن يسوع أفضل من موسى"٣. وقال المعمداني حين عمد المسيح: "هذا الذي قلت لكن إنه يأتي بعدي وهو أقوى مني"٤.
فما نرى الحواريين ولا يوحنا ولا فولس قالوا كما قالت الأمانة: "إن المسيح إله الحقّ وأنه خلق كلّ شيء".
والعجب من النصارى [يخبروننا] ٥ أنّ المسيح كان رجلًا تجري عليه أحكام الآدميين، وأنه أقام مع الشياطين أربعين يومًا محصورًا في البرية وهو يجره من مكان إلى مكان، وأنه جاع وعطش، وفرح وحزن، ولبس الثياب، وركب الحمار، وبذل الجزية كسائر المستضعفين.
فكيف تقول الأمانة: إن المسيح هو الإله الذي أتقن العالم، وخلق كلّ شيء؟!. هل ذلك إلاّ حمق ورعونة؟!.
فإن كانت الأمانة صحيحة فقد كذب الإنجيل، وإن كان الإنجيل صادقًا فقدكذبت الأمانة وكذب من ألفها، فقد وضح أن هذه الأمانة منتقضة فاسدة / (٢/٤٠/أ) لا تثبت لأدنى نفخة من الحقّ.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٦٦ ٢ متى ١٢/٤١، ٤٢، لوقا ١١/٣١، ٣٢. ٣ رسالة بولس إلى العبرنيين ٣/١. ٤ متى ٣/١١-١٦ ٥. في م: (يخبرونا)، والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٥٢١ ]
ولنختم هذا الباب بإبطال التثليث١ المسطور في هذه الأمانة. فنقول للنصارى: قد زعمتم أن معبودكم عبارة عن ثلاثة أقانيم، وهي: الوجود والحياة والعلم. فما دليلكم على حصرها في هذا العدد؟! وبِمَ تنكرون على من يرى أنها أربعة، ويزيد القدرة فيصير التثليث تربيعًا؟!.
فإن قالوا: لا حاجة إلى ذلك إذ في أقنوم العالم مندوحة عن إثبات القدرة.
قلنا: لا نسلم لكم ذلك. فمن أين يلزم من حصول العلم حصول القدرة؟!. فقد يكون الواحد عالمًا ولا يكون قادرًا، إذ حظ العلم [كشف] ٢ للمعلوم ومعرفته على ما هو به، وحظ القدرة الاختراع والإيجاد، فلا يلزم من معرفة الشيء إيجاده ولو جاز الاجتزاء بالعلم عن القدرة لجاز الاجتزاء بالحياة عن العلم، وكما لا يلزم من الحيّ أن يكون عالمًا، فكذلك لا يلزم من العالم أن يكون قادرًا وكما أن العلم لا يُفْقَدُ إلاّ ويخلفه ضدّه وهو الجهل، فكذلك القدرة لا يجوز أن تفقد إلاّ ويخلفها ضدّها وهو / (٢/٤٠/ب) العجز.
وقد أوجد الباري تعالى العالم بعد أن لم يكن، وذلك أنثر القدرة لا أثر العلم، وإلاّ فقد كان العلم حاصلًا لله تعالى قبل الإيجاد وهو التعلق، فقد وجب وصفه تعالى بالقدرة. وإذا ثبت وصفه بالقدرة فقد وجب وصفه بالإرادة، إذ حظ القدرة الاختراع والإبداع. وحظ الإرادة التخصيص بالمقادير والأشكال والأزمان والأحوال. فقد بطل القول بالتثليث ووجب وصفه تعالى بالجلال والكمال. وذلك يستدعي وصفه ﷾ بأنه واحد حيّ عالم قادر مريد سميع بصير متكلم. وهذه الصفات الزائدة على الثالوث قد نطقت به صحف أهل الكتاب. وهي موجودة في التوراة والإنجيل
_________________
(١) ١ لقد سبق لنا التعليق على عقيدة التثليث عند النصارى في الباب السابع. ٢ في ص (يكشف) ولعل الصواب ما أثبتّه
[ ٢ / ٥٢٢ ]
، والزبور. ولو أردنا انْتزَاعها من كتبهم وإثباتها في هذا المختصر لما أعوزنا ذلك. ولكنا نؤثر الاختصار، فقد ثبت بهذه الوجوه الخمسة عشر بطلان الأمانة وانتقاضها وانتثار١ نظمها. وإذا بطلت شريعة الدين بطل الدين المبني عليها، ووجب الرجوع إلى / (٢/٤١/أ) أقوال الأنبياء في توحيد الله سبحانه وإفراده بالربوبية سبحانه لا إله غير ولا ربّ سواه.
_________________
(١) ١ في م: وانتشار.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
في إثبات الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود: / (٢/٤١/أ)
نذكر في ما اشتملت عليه التوراة وإنجيل النصارى من الفضائح التي يأنف من إيرادها مجان الصبيان والمغفلون من النسوان، ولنبدأ بذكر فضائح اليهود، وتقدمهم هنا لتقدم كفرهم:
١- فضيحة عبدت قدماء اليهود عزيرًا١، وقالوا: إنه ابن الله. وساووا في ذلك النصارى في عبادتهم المسيح. وقد أخبر الكتاب العزيز بالقصة
_________________
(١) ١ عزير: اسمه في العبرانية (عزرا) ومعناه: عون. وهو كاهن بان سرايا. لُقِّب بالكاتب أو الوراق. كان من أحبار اليهود في الأسر البابلي. وقام بقيادة الجماعة التي أذن لها ملك الفرس بالعودة إلى أورشليم سنة ٤٥٧ ق. م. ويزعم اليهود بأنه أعاد التوراة المفقودة من حفظه. وبأنه الذي جمع أسفار الكتاب المقدس ونظمها. وبأنه مؤسس نظم اليهودية المتأخرة (في القرن ٥ ق. م) . وأما الحياة الخاصة لعزرا فلا يعلم عنها شيء إلاّ ما نسجته الأساطير اللاحقة، كما لا يعرف أين قبره، وينسب إليه سفر باسمه مكون من عشرة إصحاحات. (ر: سفر عزرا، السنن القويم في تفسيرالعهدالقديم٥/٨٠،٨١،قاموس ص٦٢١،٦٢٢) . ونظرًا للدور الكبير الذي قام به عزرا فقد غلا فيه اليهود غلوًّا كبيرًا. حتى قالوا فيه: "عزرا أوجد حل البقاء لإسرائيل، فهو من إسرائيل عن طريق التلمود كموسى عن طريق التوراة، وكما أن موسى خلق أمة من العبودية كذلك خلق عزرا أمة من السبي. وكان حَرِيًا بأن يعطي الله التوراة على يد عزرا لو لم يعطها على يد موسى". وهذا القول يعزى إلى مجلس السنهدرين. (ر: المقدمة من كتاب التلمود)، بالإنكليزية EVERYMAN'S TALMUD أكوهين) .فليس غريبًا أن يذهب فريق من اليهود في تعظيم عزرا إلى حدّ تأليهه والقول بأنه ابن الله كما ورد ذلك في القرآن الكريم. أما في المصادر الإسلامية فإنه لم يثبت فيها نبوة عزير بنصّ صحيح. (ر: قصص الأنبياء ٤١٦-٤٢٢ لابن كثير) . بل إن كثيرًا من العلماء الذين كتبوا في الأديان منهم إمام الحرمين الجويني وابن حزم وابن القيم ينسبون إلى عزير (عزرا) تحريف التوراة وتبديلها. (ر: شفاء الغليل ص ٣١، الفصل ١/٢٨٧، ٢٩٨، هداية الحياري ص ٢٠٧، ٢٠٨) . وقيل: إن عزرا ليس هو (العزير) كما يظن؛ لأن العزير هو تعريب (العازار) . فأما عزرا فإنه إذا عُرِّب لم يتغير عن حاله؛ لأنه اسم خفيف الحركات والحروف. (ر: إفحام اليهود ص ١٥٢، للسموأل المغربي) . ويقول العلامة ابن عاشور في تفسيره: (التحرير والتنوير ١٠/١٦٧، ١٦٨): "إن (عزرا) ذُكِر مصغرًا، فيحتمل أنه لما عُرِّب عُرِّب بصيغة تشبه صيغة التصغير فيكون كذلك اسمه عند يهود المدينة. ويحتمل أن تصغيره على لسان يهود المدينة تحببًا فيه". اهـ. والله أعلم.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
والمتأخرون من اليهود ينكرون ذلك ويجحدونه١. وليس الأمر كما يظنون بل قد صحّ أن تلك طائفة من أسلافهم يقال لها: المؤتمنية٢. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيرٌ ابن الله ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٣. فمن عبد المسيح وعَدَّه من الآدميين إنما تأسى بهم وتسبب بأسبابهم.
_________________
(١) ١ قال الفخر الرازي في تفسيره ١٦/٣٣: "المسألة الثانية في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ . على أقوال: الأوّل: قال عبيد بن عمير: إنما قال الله هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه: "فنحاص بن عازوراء". الثاني: قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة: أتى جماعة من اليهود إلى رسول الله ﷺ وهم: سلام بن مشكم والنعمان بن أوفى ومالك بن الصيف وقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ولا تزعم أن عزيرًا ابن الله؟ فنزلت هذه الآية. وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود، إلاّ أن الله نسب ذلك القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد. الثالث: ولعلّ هذا المذهب كان فاشيًا فيهم ثم انقطع، فحكى الله ذلك عنهم. ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك. فإن حكاية الله عنهم أصدق. (ر: أيضًا تفسير ابن جرير الطبري ١٠/١١٠-١١٢) . ٢ قال ابن حزم في الفصل ١/١٧٨: "الصدوقية: ونسبوا إلى رجل يقال له: (صدوق)، وهم يقولون من أثر اليهود أن العزير هو ابن الله - تعالى الله عن ذلك - وكانوا بجهة اليمن".اهـ. ونقله ابن تيمية عنه في الجواب الصحيح ٣/١٨٥. وقال المقريزي في الخطط ٣/٥١١: "وأما يهود فلسطين فزعموا أن العزير بن الله تعالى، وأنكر أكثر اليهود هذا القول". ٣ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣٠، ٣١] .
[ ٢ / ٥٢٨ ]
٢- فضيحة أخرى: عبدت قدماء اليهود الكواكب والزهرة. / (٢/٤١/ب) وقرَّبت لها القرابين، وقد أخبر بذلك نبي الله أرميا في نبوته. فقام أرميا فيهم فوعظهم وخوَّفهم بأس الله وسرعة بطشه وذكرهم بأيامه وما صنعه من الآيات. فتواثب عليه الشعب بأسرهم. وقالوا: إنا لا ندع البخور للزهرة والكواكب وهمّوا بقتله١.
٣- فضيحة أخرى: عبدت اليهود العجل في حياة نبي الله موسى ﵇، وذلك حين ذهب ﵇ إلى مناجاة ربّه وترك هارون خليفة عندهم. وكانوا حين أنجاهم الله من الغرق وأصعدهم من البحر ورأوا قومًا يعبدون أصنامًا على صور البقر، فبقي ذلك في٢ نفوسهم. فلما استبطأوا موسى صنع لهم السامري من الذهب عجلًا، فأقبلوا على عبادته، وتركوا عبادة الله الذي صنع لهم العجايب وأراهم الآيات٣ فقام هارون فيهم خطيبًا ووعظهم. فهمّوا أن يقتلوه فاعتزل عنهم في طائفة من قومه. وقد نطق بذلك الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿وّاتَّخَذَ قَومٌ مُّوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُم / (٢/٤٢/أ) وَلاَ يَهْدِيهُم سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٤٨] .
_________________
(١) ١ سفر أرميا الإصحاحات (٥-١٨) . ٢ قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . [سورة الآعراف، الآية: ١٣٨-١٤٠] . ولم تذكر التوراة المحرفة هذه القصة. ٣ سفر الخروج الإصحاح (٣٢) .
[ ٢ / ٥٢٩ ]
٤- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة يقال لها الأشمعية١. مشبهة مجسمة يعتقدون أن خالقهم في صورة شيخ أبيض الرأس واللحية٢، ويزعمون
_________________
(١) ١ الأشمعية أو الشمعونية (الفريسيون PHARISEES): نسبة إلى شمعون الصديق (ت ١٣٥ ق. م) من بقايا رجال الكنيس الكبرى والمؤسس للدولة الأسمونية أو الحشمنية في أيام المكابيين. واشتهر إطلاق اسم (الفريسيون) بالعبرية (فروشيم) على هذه الطائفة. ومعنى هذا الاسم أنهم المفروزون أو المنعزلون الذين امتازوا عن العامة. وهم طائفة علماء الشريعة من الربانيين قديمًا. ويطلقون على أنفسهم اسم (حسيديم) أي: الأتقياء و(حبيريم) أي: الزملاء. أما الربانيون (RABBINATE) فهم امتداد لفريسيين في أفكارهم، ويمثلون جمهور اليهود قديمًا وحديثًا. وأطلق عليهم هذا اللقب لإيمانهم بأسفار التلمود التي ألَّفها الربانيون وهم الحاخاميم أوالفقهاء لهذه الطائفة. ومن أبرزمبادئ هذه الطائفة ما يأتي: أ- أنها تعترف بجميع أسفار العهد القديم، وتذهب إلى تأويل النصوص. ب- تؤمن بأسفار التلمود. جـ تؤمن بالبعث، وتعتقد أن الصالحين من الأموات سينتشرون في هذه الأرض ليشتركوا في ملك المسيح المنتظر، الذي يزعمون أنه سيأتي لينقذ الناس ويدخلهم في اليهودية. د- أشدّ طوائف اليهود عداوة لغيرهم من الأمم. وينظرون إلى من عداهم بعين النقص والازدراء وبأنهم حيوانات خلقوا في صورة البشر لخدمة اليهود. ومن هذه الطائفة نشأت الحركة الصهيونية والحركات الهدّامة الأخرى التي تهدف إلى إخضاع العالم لليهود. (للتوسع ر: دائرة المعارف اليهودية ١٣/٣٦٣-٣٦٦، ١٤٤٥-١٤٥٨، وتاريخ الإسرائيليين ص ٥٤، ١١٧-١١٩، شاهين مكاريوس، تنقيح الأبحاث ص ٤٨، لابن كمونه اليهودي، إفحام اليهود ص ١٧٤، للسموأل المغربي، قاموس ص٦٧٤، تمهيد الأوائل ص ١٨٧، للباقلاني، الملل والنحل١/٢١٢، لرشهرستاني، الفصل١/١٧٨ لابن حزم، الداعي إلى الإسلام ص٣١٨، للأنباري، الخطط ص٥١٠، للمقريزي، الفكر الديني اليهودي ص٢١٠-٢١٣،د. حسن ظاظا، الأسفار المقدسة ص ٦٣ د. عليّ وافي. اليهودية ص ٢٢٦-٢٢٩ د. أحمد شلبي) . ٢ ورد في سفر دانيال ٧/٩، ١٠، وسيأتي تفصيله في ص ٥٥٦.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
أن له في السماء الثالثة خليفة يسمّونه الله الأصغر. ويزعمون أنه مُدَبِّر العالم١. وهم يقولن بالنسخ٢.
٥- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة يقال لهم: العنانية٣. وهم يوحدون ولكنهم يحيلون النسخ من جهة العقل والسمع جميعًا.
_________________
(١) ١ قال ابن حزم عن اليهود: "واعلموا أنهم أفردوا عشرة أيام من أوّل أكتوبر يعبدون فيه ربًّا آخر غير الله عزوجل. فحصلوا على الشرك المجرد. واعلموا أنّ الرّبّ الصغير الذي أفردوا له الأيام المذكورة يعبدونه فيها من دون الله عزوجل هو عندهم (صندلفون) الملك خادم التاج الذي في رأس معبودهم هذا أعظم من شرك النصارى - ولقد أوقفت بعضهم على هذا، فقال لي: (ميططرون) ملك من الملائكة". اهـ. (ر: الفصل ١/٣٢٨) . ٢ اتّفقت اليهود قاطبة على منع نسخ شريعتهم بشريعة نبي آخر، واختلفوا في جواز النسخ عقلًا وشرعًا: أ- فذهبت طائفة الأشعنية إلى النسخ يجوز عقلًا ولا يجوز توقيفًا (لم يقع شرعًا) . (ر: تمهيد ص ١٨٧، الداعي ص ٣١٨) . وعلى هذا فإن قول المؤلِّف عن هذه الطائفة بأنهم يقولون بالنسخ محمول على أنهم يجوزون وقوع النسخ عقلًا لا شرعًا. ولكن يذكر الآمدي في كتابه: (الإحكام ٣/١٠٦): "بأن هذه الطائفة تقول بامتناع النسخ عقلًا". ب- وذهبت طائفة العنانية إلى أنه لا يجوز عقلًا ولا شرعًا. (ر: تمهيد ص ١٨٧) . ولكن الآمدي يذكر بأنهم يجيزونه عقلًا لا سمعًا. وخالف الأنباري في قوله بأنهم يجيزونه عقلًا وشرعًا. (ر: الإحكام ٣/١٠٦، الداعي إلى الإسلام ص ٣١٨) . جـ وذهبت طائفة العيسوية إلى جوازه عقلًا وسمعًا. واعترفوا بنبوة محمّد ﷺ لكن إلى العرب لا إلى بني إسرائيل. (ر: الإحكام ٣/١٠٦، الداعي ص ٣١٩) . ٣ العنانية (القراؤون) (ANANITES – KARAITES): نسبة إلى عنان بن داود أحد كبار الأحبار في القرن الثامن الميلادي (كان موجودًا سنة ١٣٦هـ) في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وحيث إن هذه الطائفة تتمسك بأسفار العهد القديم وحده - التي كانت تسمى عند اليهود (المقرا) أي: المقروء - وتفكر بالتلمود، فقد سمي أتباع هذه الطائفة بـ: (القرائين) في القرن التاسع الميلادي. ويرى بعض المؤرخين أن القرائين إنما هم امتداد فكري لطائفة (الصدوقيين) القديمة. أما أعداؤهم من اليهود الربانين فيسمون القرائين بـ: (مينيم) أي: الزنادقة، و(أبيقوريم) أي: الأبيقوريين نسبة إلى المدرسة الفلسفية اليونانية الوثنية. والعداء مستحكم بين الطائفتين إلى حدّ أنّ كلًا منها تُكَفِّر الأخرى وتُنَجِّسها وتُحرِّم التعامل والزواج من أتباعها، ومن أبرز مبادئهم ما يأتي: أ- تأثّروا بالصدوقيين والعيسوية في التمسك بأسفار العهد القديم فقط وإنكار التلمود. ب- تأثّروا بالإسلام فقالوا بأن عيسى ﵇ ليس زنديقًا وإنما كان رجلًا من بني إسرائيل تقيًا صالحًا ومصلحًا، وبأن محمّدًا ﷺ نبي حقّ إلاّ أنهم زعموا بأن عيسى لم يكن نبيًّا وبأن محمّدًا ﷺ لم ينسخ شريعة التوراة. وقالوا: بنفي التجسيم والتشبيه عن الله عزوجل. جـ يخالفون سائر اليهود في أحكام السبت والأعياد. وينهون عن أكل الطيور والظباء والسمك والجراد. ويذبحون الحيوان على القفا. د- يعتبرون مؤسس فرقتهم عنان قديسًا ويجعلون له دعاءً خاصًا في صلواتهم. هـ يعادون الحركة الصهيونية وينفرون منها؛ لأنهم يرون أن استيلاء الكفرة الربانيين على مقدسات إسرائيل خطرٌ يهددهم. وقد كان أكثر القرائين يقيمون في مصر والشام وتركيا والعراق وإيران وبعض أجزاء من روسيا وأوربا الشرقية والأندلس. وعددهم قليل بالنسبة إلى اليهود عمومًا حاليًا يوجد منهم حوالي عشرة آلاف يتركزون حول الرملة وعدد معابدهم تسعة. (ر: دائرة المعارف اليهودية ٢/٩١٩-٩٢٢، ١٠/٧٦١-٧٨٥، تاريخ الإسرائلييتن ١١٩، ١٢٠، إفحام اليهود ص ١٧١-١٧٥، تمهيد الأوائل ص ١٧٨، الملل والنحل ١/٢١٥، الفصل ١/١٧٨، الداعي إلى الإسلام ص ٣١٨، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٨٢، للفخر الرازي، الخطط ٣/٥٠٧، الفكر الديني ص ٢٤٧-٢٥٦، اليهودية ص ٢٣١، د. أحمد شلبي، اليهودية ص ١٧٨، ١٧٩، د. محمّد بحر.
[ ٢ / ٥٣١ ]
٦- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تعرف بـ: الأصبهانية١. أصحاب أبي عيسى الأصبهاني، يزعمون أن أبا عيسى كان نبيًّا مبعوثًا قبل موسى وذلك على خلاف رأي سائر اليهود. فليس تعتقد اليهود أنه كان قبل
_________________
(١) ١ الأصبهانية (العيسوية) (ISFAHANIANS – ISAWITES): أتباع إسحاق بن يعقوب (عوبديا) المعروف بأبي عيسى الأصفهاني، من مواليد أصفهان ببلاد فارس، الذي ادّعى النبوة وبأنه رسول المسيح المنتظر، ثم زعم بأنه هو المسيح المنتظر لليهود. وزعم بأن الله كلّمه وأرسله ليُخلّص بني إسرائيل من السبيّ. فلذلك جمع جيشًا قوامه عشرة آلاف رجل لتحقيق أهدافه. إلاّ أنه انهزم في معركة الري وقتل فيها. ويذكر الحبر القرائي القرقشاني أن أبا عيسى ظهر في عهد الخليفة الأموي عبد الملك ابن مروان (٦٨٥-٧٠٥م) . ويخالفه الشهرستاني الذي يقول: بأنه كان في زمن المنصور. (٧٥٠-٧٥٤م) . وابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية مروان بن محمّد (٧٤٤-٧٥٠م) . وقد رجحت دائرة المعارف اليهودية قول الشهرستاني على القرقشاني. وأبرز مبادئهم ما يأتي: أ- ادعى أتباع أبي عيسى له المعجزات. واعتقدوا بأنه حيّ لم يمت. وأنه اختفى في كهف وسيظهر ليتم رسالته بإنقاذ اليهود. ب- أنكر أبو عيسى التلمود. وأدخل تعديلات كثرة على الأحكام اليهودية ضمنها كتابه: (سفر همصفوت) أي: كتب الوصايا. ومنها: أنه حرم الذبائح كلّها، ونهى عن أكل كلّ روح على الإطلاق. وأوجب عشر صلوات على أتباعه. وألغى الطلاق وغير ذلك من التشريعات التي خالف بها أحكام التوراة. جـ يعترفون بنبوة عيسى ﵇ ونبوة محمّد ﷺ، غير أنهم يقولون: بأنهما لم يؤمروا بتبليغ شريعة موسى ﵇، بأن محمّدًا ﷺ لم يرسل إلاّ إلى العرب. وقد بقيت من هذه الطائفة بقية في أصبهان ودمشق والعراق إلى القرن العاشر الميلادي ثم انقرضت. (ر: دائرة المعارف ١/١٨٣، ١٨٤، ٩/٧٧، تمهيد الأوائل ص ١٨٩، الفصل ١/١٧٩، الملل والنحل ١/٢١٥، ٢١٦، اعتقادات ص ٨٣، الخطط ٣/٥١٠، في الفكر الديني ص ١١٥، ٢٤٤، اليهودية ص ١٤٧، د. محمّد بحر، الأسفار ص ٧٢، د. عليّ وافي) .
[ ٢ / ٥٣٢ ]
موسى نبيّ ألبتة. فينكرون نبوة شيث ونوح وإبراهيم وغيره ويقولون: "إن موسى هو مفتاح النبوة وبكر الرسالة". والتوراة التي بأيديهم تكذبهم. إذ هو مصرحة بأن أوامر الله قد وردت على من ذكرنا/ (٢/٤٢/ب) وانتهضوا دعاة إلى الله. وهذه نبوة دانيال تشهد بأن بختنصر حين غزا البيت المقدس حرق كتب الله المنَزَّلة على إبراهيم وشيث وغيره. قال دانيال: "وعدتها مائة كتاب وأربعة كتب"١. فمن زعم أنه لا نبي قبل موسى ﵇ فنبوة دانيال حجّة عليه.
٧- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تعرف باليوزعانية٢ مشبهة. تزعم أن المسيح هو يوزعان. وأنه قد جاء مرة وسيأتي مرة أخرى. وتقول إن
_________________
(١) ١ لم أجد في سفر دانيال بالنسخة التي بين يدي على النصّ الذي ذكره المؤلِّف. ولكن ورد في سفر الملوك الثاني الإصحاحين (٢٤، ٢٥) أن بختنصر قد أخذ خزائن بيت الرّبّ (الهيكل) وما فيها من كنوز ثم أحرقها وأحرق ما فيها. ٢ اليوذعانية أو اليودجيانة (YUDGHANITES): أتباع يوذعان (يودجان) من همذان. وقيل: كان اسمه: يهوذا. وكان تلميذًا لأبي عيسى الأصفهاني. وقام من بعده في منتصف القرن الثامن الميلادي مدعيًا النبوة. ويزعم أتباعه بأنه المسيح المنتظر وأنه سيرجع من السماء مرة ثانية. ولقّبوه باسم (الراعي) . وأهم ما يعرف من تعاليم يودجان التي يقال إنها نفس تعاليم أبي عيسى الأصفهاني، إذ إنهما أوصيا بالتقشف والنسك. والإكثار من الصوم والصلاة. وجعلا تناول اللحم والخمر حرامًا في وقت النسك. كما أعلنا أن طقوس السبت والأعياد ليست فرضًا واجبَ الأداء في فترة تشريد اليهود في الأرض. كذلك عطل يودجان عددًا من الشرائع مدعيًا بأنها واجبة التنفيذ فقط عندما تكون لليهود دولة في فلسطين. وزعم بأن للتوراة ظاهرًا وباطنًا وتنْزِيلًا وتأويلًا. وخالف بتأويلاته عامة لليهود. وخالفهم في التشبيه. ومال إلى القدر. وأثبت الفعل حقيقة للعبد وقدّر الثواب والعقاب عليه وشدد في ذلك. وذكر الشهرستاني شعبة من اليودجانية كانت تسمى بـ: (الموشكانية) أتباع (موشكان) . وكان يوجب الخروج على مخالفيه ونصب القتال معهم. فخرج في تسعة عشر رجلًا فقتل بناحية (قم) بإيران. وذكر عن جماعة من الموشكانية أنهم أثبتوا نبوة محمّد ﷺ إلى العرب وسائر الناس سوى اليهود. لأنهم أهل ملّة وكتاب".اهـ. ومن اليودجانية طائفة تسمى بـ: (الشادجاينة) يتَزَعمها يافث بن عليّ. ويقول أتباعها بإسقاط الشعائر وأحكام النجاسة والطهارة طالمًا شعب الله المختار يعيش مشردًا في البلاد. وفي غضون القرن العاشر الميلادي (سنة ٩٣٨م) - في حكم الخلفاء العباسيين - تقلص أتباع اليودجانية وتجمعوا كلّهم تقريبًا في مدينة أصفهان. ومالوا إلى التأثر بالمعتزلة من المسلمين. وما أن ظهرت فرقة اليهود القرائين حتى اتبعوها. (ر: دائرة المعارف ١٦/٨٦٧، ٨٦٨، الملل والنحل ١/٢١٦، ٢١٧، اعتقادات ص ٨٣، الفكر الديني ص ٢٤٤-٢٤٦) .
[ ٢ / ٥٣٣ ]
مافي التوراةمما يظنه اليهودعلى ظاهره كالسبت وغيره إنماهي معانٍ وأسرارتشيرإلى مجيء مسيحهم يوزعان.
٨- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تسمى البنيامية١ أصحاب بنيامين. موحدة غير أنها تعتقد أن لله تعالى
[مضادًا] ٢ يضاده. وهو فاعل الشّرّ غير أنه مخلوق من خلقه.
_________________
(١) ١ البنيامينية (المقارية) (BENJAMINTES):فرقة متشعبة من طائفة العنانية (القرائين) .وهم أتباع بنيامين بن موسى النهاوندي الفارسي. (٨٣٠-٨٦٠م) . الذي نادى بتعاليمه في أوائل القرن التاسع الميلادي. وهي في جملتها مستمدة من تعاليم (عنان) مع بعض المسائل التي خالفه بها متأثرًا بالمعتزلة والفلاسفة. فقد قرر لأتباعه أن النصوص المتشابهات في التوراة كلّها لا مؤولة. فجعل الله روحانيًا. ومن النقص في حقّه أن يتصل بالماديات إلى حد أنه أنكر أن يكون الله قد تولى عملية الخلق في صورة مباشرة. وبأن الله خلق الملائكة - وهم كائنات روحية - ليتولوا خلق هذا العالم المادي. كما قرر بنيامين بأن الله - لا يوصف بأوصاف، ولا يشبه شيئًا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها. وبأن كلّ ما في التوراة وسائر الكتب من وصف الله تعالى بالكلام والاستواء ونحوه فإن المراد بذلك الوصف ملك عظيم خلقه الله وقدَّمه على جميع الخلائق واستخلفه عليهم. ويبدو لنا أن بنيامين كان متأثرًا أيضًا بعقائد المغاربة أو أصحاب المغار وسيأتي الحديث عنهم. وقد انضم إلى نحلة بنيامين عدد كبير من القرائين. وعظمت مكانته بين أتباعه حتى رفعوه إلى مرتبة عنان. وقد عُرِفَ أتباعه أيضًا باسم (المقارية أو المقاريت) . (ر: دائرة المعارف ١٠/٧٦٧، ٧٦٨، الملل والنحل ١/٢١٧، ٢١٨، إفحام اليهود ص ١٧١، الأسفار ص ٧٢، ٧٣، اليهودية ص ١٥٠، د. محمّد بحر) . ٢ في ص، م (مضاد) والتصويب من المحقِّق.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
٩- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تسمى الملكية١. يقولون بالتوحيد غير أنهم يزعمون أن الذي خلق العالم ليس هو الله بل ملك من الملائكة أقدره الله على ذلك. قالوا: (٢/٤٣/أ) وهذا الملك هو الذي كلَّم موسى من الشجر وفلق له البحر، ورأس هذه الطائفة: "مالك الصيدلاني". من أهل الرملة٢.
_________________
(١) ١ الملكي (الرملية) (RAMILITES): من الفرق المتشعبة عن طائفة القرائين وهم أتباع (مالك الرملي) الذي كان في منتصف القرن التاسع الميلادي. وكان متأثرًا في آرائه بالسامريين. إذ كان مالك يعتقد - مثل السامريين - بأن عيد الحصاد أو عيد الأسابيع ويسمى عندهم بـ: (شبوعوت) لا تكون بدايته إلاّ في يوم الأحد. وقد اندثرت طائفة الملكية في نهاية القرن التاسع. وذابت ضمن الفرق الكبيرة من طائفة القرائين. وذكر المقريزي أن المالكية يزعمون أن الله تعالى لا يحيي يوم القيامة من الموتى إلاّ من احتج عليه بالرسل والكتب. (ر: دائرة المعارف اليهودية ١٠/٧٦٦، ١١/٨٢٦، السامريون واليهود ص ١٨٨، ١٨٩، د. سيد فراج، الخطط ٣/٥١١) . ٢ بلدة في فلسطين شمال شرقي القدس. (ر: المنجد في الأعلام ص ٣١٠) .
[ ٢ / ٥٣٥ ]
١٠- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة يعرفون بأصحاب المغار، وإنما سموا بذلك لأنهم صنفوا كتبًا وتركوها في مغار وانقرضوا، فوجدت تلك الكتب وفيها تأويلات تخالف ما عليه اليهود١.
١١- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة أخرى تعرف بالفارجية أصحاب يوحنا بن فارج٢ وكان على زمن أمريا. كانوا يعبدون صنمًا يقال له "بعل" ويقربون لنجوم السماء كما هو مذكور في نبوة أرميًا. ونزلوا أرض مصر وتكلموا باللسان القبطي. والتوراة والنبوات عندهم مترجمة بالقبطي، ولا يعرفون شيئًا من العبراني ألبتة.
_________________
(١) ١ أصحاب المغار أو الكهوف (المغاربة) (MAGHARIYA): ذكرت دائرة المعارف اليهودية ١٤/١٠٨٨: "أن هذه الطائفة قد انقرضت في القرن الأوّل الميلادي - نقلًا عن العالم القرائي القرقشاني -. وبأنهم كانوا يحفظون كتبهم في كهوف التلال المحيطة بفلسطين. ومن أبرز الاختلافات العقائدية بينهم وبين بقية المجتمع اليهودي هو: اعتقادهم بتنْزِيه الإله وعدم اختلاطه بالمادة. ورفضوا القول أن العالم خلق مباشرة بواسطة الله. ولكنه خلق بواسطة قوة وسيطة (وهو الملك) مسؤول عن الخلق. وحل محله الإله في العالم المخلوق. ونسبوا الشريعة والاتصال الإلهي إلى الملك وليس إلى عزوجل. ويرى بعض المؤرخين بأن هذه الطائفة هي الفرقة المعروفة باسم (الأسينيين) نظرًا لتشابه عقائدها وتاريخ انقراضها". اهـ. باختصار. ٢ ورد في سفر أرميا أن اسم مؤسس هذه الطائفة هو: يوحانان بن قاريح - فعلى ذلك يكون الصواب في اسم هذه الطائفة هو: (القاريحية) - وهو أحد رؤساء سبط يهوذا من بني إسرائيل الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى. فعظموا الأصنام وقدموا لها القرابين. فسلط الله عليهم نبوخذ نصر فقتلهم وسبي أغلبهم إلى بابل. وكان يوحانان ممن بقي في فلسطين بعد السبي البابلي إلاّ أنه بعد ثورة أحد زعماء اليهود على الوالي المكلف من نبوخذ نصر. ومقتله فإن يوحانان ومن اتبعه أرادوا الفرار إلى مصر خوفًا من انتقام نبوخذ نصر، لكن نبيهم أرميا أخبرهم أن ذلك مخالف لإرادة الله الذي يأمرهم بالبقاء في فلسطين. فكذبوه وأخروا ما بقي من الشعب إلى مصر. وتنبأ أرميا بموتهم هناك. (ر: سفر أرميا الإصحاحات (٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، قاموس ص ١١٠٥) . فهذه الطائفة التي يذكرها المؤلِّف من سلالة الشعب الذي سار مع يوحانان إلى مصر وتكلموا باللسان القبطي. والله أعلم.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وقال الشهرستاني١: "يهود الروم على مذهب الأشمعية العراقيين".
١٢- فضيحة أخرى: من اليهود طائفة تعرف بالعيسوية٢ أصحاب أبي عيسى الأصفهاني، وهم يعترفون بنبوة عيسى ومحمّد ﵉ غير أنهم يقولون: لم يرسلا / (٢/٤٣/ب) إلاّ لقومهما خاصة. ولم يؤمرا بنسخ شريعة موسى عليه السلام٣.
١٣- فضيحة أخرى: من اليهود السامرة٤ وهم طائفتان: طائفة تقر بنبوة موسى وهارون ويوشع بن نون لا غير. وتجحد نبوة من عداهم من النّبيّين. والطائفة الأخرى تعترف بنبوة كلّ من عدا عيسى ومحمّد عليهما
_________________
(١) ١ هو أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني. كان إمامًا في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة. يلقّب بالأفضل. ولد في شهرستان سنة ٤٧٩هـ. وتوفي سنة ٥٤٨هـ. (ر: ترجمته في طبقات الشافعية ٤/٧٨، شذرات الذهب ٤/٤٩، وفيات الأعيان ٤/٢٧٣، الأعلام للزركلي ٦/٢١٥) . ٢ في م: بالعيساوية. ٣ ذكر ذلك عنهم أيضًا الباقلاني في التمهيد ص ١٨٩، وابن حزم في الفصل١/١٧٩، والرازي في اعتقادات فرق ص ٨٣، وقد تقدم الحديث عن هذه الطائفة ر: ص٥٣٢. ٤ السامريون (SAMARITANS): نسبة إلى مدينة السامرة القديمة التي يعيشون حولها والتي قامت على أنقاضها مدينة نابلس. وعرفوا أيضًا باسم (الشكميين) نسبة إلى مدينة شكيم (نابلس) . ويسميهم أعداؤهم من الطوائف اليهودية الأخرى باسم (الكوتيين) أي: المرتدين. ويزعم السامريون أنهم البقية على الدين الصحيح. وينتسبون إلى هارون ﵇، ويسمون أنفسهم بـ: (بني إسرائيل أو بني يوسف) . وأبرز مبادئهم الدينية ما يأتي: أ- الإيمان بإله واحد روحاني. وأن موسى خاتم الرسل. وأن جبل جريزيم هو القبلة الصحيحة الوحيدة لبني إسرائيل. ب- يؤمنون بالتوراة وسفر يوشع - لأن التوراة نصت على أنه خليفة موسى من بعده - وسفر الفضاة باعتباره سفرًا تاريخيًا، وينكرون ما عدا ذلك من أسفار العهد القديم والجديد. ونسخة التوراة التي يؤمنون بها تخالف النسخة التي بأيدي سائر اليهود. وتسمى توراتهم بـ: (التوراة السامرية) . جـ ينكرون كلّ الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى ويوشع ﵉ إلاّ أنهم ينتظرون المسيح المخلص لهم الذي يعلن عن مولده ظهور نجم يستمر طوال الوقت في سماء جريزيهم. وقد تقلص عدد أفراد هذه الطائفة فأصبحوا لا يزيدون عن بضع مئات فقط يعيشون جوار مدينة نابلس ولا يستحلون الخروج منها. (ر: دائرة المعارف اليهودية ١٤/٧٢٥-٧٥٨، تاريخ الإسرائيليين ص ١٢٢، السامريون واليهود د. سيد فرج راشد، قاموس ص ٤٤٨-٤٢٥، الملل والنحل ١/٢١٨، ٢١٩، تمهيد الأوائل ص ١٨٨، الفصل ١/١٧٧، ١٧٨، الفكر الديني ص ٢٠٥-٢٠٩، صبح الأعشى ١٣/٢٦٨، للقلقشندي) .
[ ٢ / ٥٣٧ ]
السلام١. وتزعم أن المسيح لم يبعث بعد وأنه سيأتي. ولهم خط غير الخط العبراني. وآراء غير آراء اليهود. ويخالفون اليهود في القبلة ولا يصلون إلى صخرة بيت المقدس ويتوجهون في صلاتهم إلى جبل بالشام٢ وإليه يحجون وهو قريب من نابلس. وهم الذين يقال لهم
_________________
(١) ١ ذكر الشهرستاني أن السامرة افترقوا إلى فرقتين: الأولى: الدوستانية ومعناها: (الفرقة المتفرقة الكاذبة)، وهم الألفانية (أتباع رجل يقال له الألفان، ادعى النّبوّة، وبأنه المسيح المنتظر) . وهذه الفرقة تنكر البعث وتزعم بأن الثواب والعقاب في الدنيا. (ولعل هذه الفرقة هي التي قصدها ابن حزم في الفصل ١/١٧٨، بقوله: إن السامرية لا يقرون بالبعث ألبتة) . الثانية: الكوستانية، ومعناها (الجماعة الصادقة) وهم يقرون بالآخرة والثواب والعقاب فيها. (ر: الملل والنحلل ١/٢١٨، ٢١٩) . وإن الباحثين المحدّثين مثل: د. حسن ظاظا، ود. سيد راشد، يذكرون بأن السامريين يؤمنون بيوم القيامة ويسمونه يوم البعث أو يوم الموقف العظيم، وذلك ناشيء من تأثر السامريين بالإسلام فيما يتعلق بيوم القيامة. والله أعلم. ٢ وهو جبل (جرزيم) الذي يرتفع (٧٠٠قدم) فوق مدينة نابلس. والاسم الثابت لهذا الجبل في التراث السامري هو: (جريزيم - بيت - إيل - لوزا) وبأن جنة عدن سوف تكون عليه. وبأنه البداية إلى السماء. (ر: قاموس ص ٢٥٨، السامريون واليهود ص ١٣١-١٣٣) .
[ ٢ / ٥٣٨ ]
: لا مساس. ويرون تحريم أكل ما مسَّه غيرهم١. واليهود تزعم أنهم ليسوا من بني إسرائيل٢.
وبالجملة فقد ذكر العلماء أن عدة فرق اليهود إحدى وسبعون فرقة٣. وكلّ فرقة من هذه الفرق تضلل الأخرى وتُبدِّعها. والمعروف الآن منهم أربع فرق: فرقة تعرف بالقرائين. وفرقة تعرف بالربانيين. وفرقة تعرف بالعيسوية. وفرقة / (٢/٤٤/أ) تعرف بالسامرة.
_________________
(١) ١ تذكر بعض المصادر الإسلامية طائفة السامرية باسم (الإمساسية) نسبة إلى أنهم يرون تحريم أكل ما مسّه غيرهم. وقيل: نسبة إلى السامري الذي صنع العجل لبني إسرائيل وزيَّن لهم عبادته في زمن موسى فعاقبه الله عزوجل: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ . [سورة طَه، الآية: ٩٧] . (ر: الخطط ٣/٥٠٨، للمقريزي، صبح الأعشى ١٣/٢٦٨ للقلقنشدي) . ٢ يزعم اليهود أن السامريين جاؤوا من بابل. وأسكنهم ملك آشور مكان الأسباط العشرة من بني إسرائيل (في المملكة الشمالية) الذين أخذهم آشور سبيًا إلى بابل. فامتلك القادمون الجدد السامرة واستوطنوا بها. ويعتمد أصحاب هذا الرأي على ما ورد في سفر الملوك الثاني الإصحاح (١٧) . أما المعتدلون من اليهود فيرون أن أصل السامريين يرجع إلى من بقي من اليهود الجهلة الضعفاء في فلسطين بعد السبي البابلي. (ر: دائرة المعارف العبرية المجلد العاشر المقال الخاص بالسامرة، نقلًا من الفكر الديني ص ٢٠٧، د. ظاظا. السامريون واليهود ص ٢١-٢٤. د. سيد راشد) . ٣ ذكر ذلك الأسفرائيني في كتابه: التبصير في الدين ص ١٥٠، والشهرستاني في الملل ١/٢١٩، اعتمادًا منهم على حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". أخرجه أبو داود ٤/١٩٨، والترمذي ٤/١٣٤، وابن ماجه ٢/٤٧٩، والحاكم ١/١٢٨، وأحمد ٢/٣٣٢. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحصح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي. والألباني. (ر: الأحاديث الصحيحة ١/٣٥٦-٣٦٧، ح ٢٠٣، ٢٠٤) .
[ ٢ / ٥٣٩ ]
فأما هذه الفرق الأربع فيزعمون أنهم أهل توحيد لا يذكر بينهم اختلاف في ذلك. فأما القراؤون فمشبهة، وأما الربانيون فمعتزلة١، وأما العيسوية فتقرُّ بنبوة عيسى ومحمّد ﵉، وأما السامرة فهم طائفتان كما تقدم.
الكلام على اليهود:
أما العيسوية المعترفون بنبوة محمّد ﵇ ورسالته إلى العرب خاصة. فنقول لهم: إذا صدقتم محمّدًا في قوله: (إنه نبي) لزمكم تصديقه في كلّ ما أخبر به، ومن جملة ما أخبر به أنه رسول الله إلى الناس أجمعين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم جَمِيعًا﴾ . [سورة الأعراف، الآية:١٥٨] .
فإن قالوا: (الناس) أهل مكة لا غير. إذ كلّ ما في كتابه من هذه الآي فهو مخاطب به أهل مكة، وما كان منه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . فالمخاطب به أهل المدينة.
قلنا: لا نُسَلِّم لكم هذا التأويل. بل الناس المذكورون بالألف واللام لاستغراق جميع الناس من بني آدم. وقد أكَّده بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَلَ الفُرْقَانَ عَلَى٢عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . [سورةالفرقان، الآية:١] .وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلْنَّاسِ﴾ . [سورة سبأ، الآية: ٢٨] . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية:١٠٧] .
_________________
(١) ١ قال الشهرستاني عن اليهو: "وأما القول بالقدر: فهم مختلفون فيه حسب اختلاف الفريقين في الإسلام. والربانيون كالمعتزلة فينا. (الذين يقولون بنفي القدر) والقراؤون كالجبرة والمشبهة (الذين ينفون الفعل حقيقة عن العبد ويضيفونه إلى الله تعالى) (ر: الملل والنحل ص ٢١٢) . ٢ / (٢/٤٤/ب) .
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وقد صحّ عنه ﵇ أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" ١. يريد العربي والعجمي. وقد تواتر عنه ﵇ أنه لم يختص بدعوته قومًا دون قوم، وأنه أرسل رسله إلى ملوك الأطراف والنواحي يدعوهم إلى دينه. والتواتر لا سبيل إلى ردّه. فمن صدَّقه ﵇ في بعض أقواله لزمه تصديقه في جميع أقواله.
وقد قتل ﵇ المخالفين لملته من اليهود٢ كما قتل موسى ويوشع وداود﵈من خالفهم من أهل الأديان، فهذا قولنا للعيسوية.
فأما غير العيسوية فإنهم أنكروا النسخ، فمنهم من أنكره عقلًا، ومنهم من أنكره شرعًا. فالذين أنكروه عقلًا قالوا: يستحيل في العقل أن يتعبد الله عباده بشرع يأمرهم فيه بأمر في وقت ثم يأمر بنقيضه في وقت آخر. قالوا: وهذا هو البداء٣. والبداءة لا يجوز إلاّ من جاهل بعواقب الأمور فأما الباري فلا يجوز منه ذلك. إذ الأمر الأوّل إن كان حقًّا / (٢/٤٥/أ) وحكمة فنقضه باطل وسفه وذلك لا
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/٣٧١، عن جابر بن عبد الله ﵁، والبخاري بلفظ: "وكان النبيّ يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس كافة". (ر: فتح الباري ١/٤٣٥، ٤٣٦) . ٢ كيهود بني قريظة، ويهود خيبر. (ر: السيرة لابن هشام ٣/٣٢٤-٣٥٤، ٤٥٥-٤٦٨)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمّد بيده لا يسمع بِيَ أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلاّ كان من أصحاب النار". أخرجه مسلم ٢/١٤٣. ٣ قال الشهرستاني في الملل والنحل ١/١٤٨: "البداء له معانٍ: البداء في العلم: وهو أن يظهر له ما علم، ولا أظن عاقلًايعتقد هذا الاعتقادفي الله عزوجل. والبداء في الإرادة: وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم. والبداء في الأمر: وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف لك. ومن لم يُجَوِّز النسخ ظنّ أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة". اهـ. والفرق بين النسخ والبداء من وجهين: أحدهما: أن البداء: هو أن يأمر بالأمر والآمر لا يدري ما يؤول إليه الحال. والنسخ هو: أن يأمر بالأمر والآمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا، ولا بدَّ قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه. والثاني: أن سبب النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحة الخطاب الأوّل، والبداء يكون سببه دالًا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأوّل. مثل: أن يأمره بعمل يقصد به مطلوبًا، فيتبيّن أن المطلوب لا يحصل بذلك الفعل فيبدو له ما يوجب الرجوع عنه. (ر: نواسخ القرآن ص ٨٣، لابن الجوزي، الإحكام في أصول الأحكام ٤/٤٤٦ لابن حزم) .
[ ٢ / ٥٤١ ]
يليق بالحكيم سبحانه. فالتزموا ردّ ما جاء من الناسخ بعد موسى ﵇. و١ إنكار شرع من كان قبله من شرائع الأنبياء فالتزموه. وقالوا: ليس قبل موسى نبيّ أصلًا. فردّوا نبوة شيث وإدريس ونوح وإبراهيم ولوط وغيره. وقالوا: أوّل الأنبياء موسى بن عمران ﵇. وزعموا أن الأنبياء أربعة و[عشرون] ٢ نبيًّا أوّلهم موسى٣.
فيقال لهم: إذا كان إنما مستندكم تعاقل العقلاء وتعارفهم وقياس الغائب على الشاهد، فاعلموا أن السيد قد يأمر عبده في وقت بفعل وينهاه عنه في وقت آخر. لعلمه بمصلحته في إيقاع الفعل وتركه في الوقتين جميعًا. وكذلك الوالد قد يأمر ولده في أوّل نشوئه بتحصيل الفضائل، فإذا بلغ مبالغ الرجال واحتاج إلى ما لا بُدَّ له منه أمره بالكسب، ونهاه٤ عما كان يأمره به أوّلًا لعلمه
_________________
(١) ١ في ص م (وليفهم إنكار) ولعل حذف كلمة (ليفهم) موافق لسياق الكلام. ٢ في ص م: (عشرين) والصواب ما أثبتّه. ٣ يحتل موسى ﵇ مكان الصدارة بين الأنبياء عند اليهود. ويقولون: إن كلّ معجزة لنبي جاء بعده - وهو على دين موسى ويدعو إليه - فهي كالمعجزة له. ويقول موسى بن ميمون في الأصل السابع من (الأصول الثلاثة عشر) التي جعلها ابن ميمون أركان الإيمان اليهودي: "أنا أؤمن إيمانًا كاملًا بأن نبوة سيدنا موسى ﵇ كانت حقًّا، وأنه كان أبًا للأنبياء، من جاء منهم قبله، ومن جاء بعده". (ر: الفكر الديني اليهودي ص ١٣٤ د. ظاظا) ويبدو تأثر علامة اليهود في العصور الوسطى الإسلامية ابن ميمون طبيب الدولة الأيوبية - يبدو تأثره واضحًا بالعقائد الإسلامية في الأصول التي وضعها. ففي النّصّ السابق الاعتراف بنبوة الأنبياء السابقين على موسى ﵇ مع أن التراث اليهودي يعتبرهم مجرد آباء للشعب الإسرائيلي. ٤ ليست في م.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
بمصلحته في الحالين.
وكذلك الطبيب الماهر قد ينهى العليل في وقت عن الأغذية المقوية للمادة، ويأمره باستعمال اللطيف الذي لا / (٢/٤٥/ب) يخصب البدن ويزيد في المادة، فإذا نَقِه١ عاد فأمره بما كان ينهاه عنه لمعرفته بما يصلحه في الحالين. وقد عَلِمَ أوّلًا أنه سينهاه عما أمره به ويأمره بتناول ما نهاه عنه أوّلًا، وإذا كان ذلك حسنًا من الوالد في ولده والطبيب في سقيمه، فما المانع أن يتعبد الله عباده في وقت بحكم يعلم أن مصلحتهم في التكليف به، ويطلق لهم الأمر من غير تقييد بمدة ليكون أدعى٢ إلى المسارعة والامتثال، ثم يأمرهم في وقت آخر بترك تلك التكاليف واستعمال غيرها؛ لعلمه بكونها مصلحة لهم في ذلك الوقت، والشرائع مصالح للعباد. والله تعالى هو العالم بمصالح عباده على اختلاف أحوالهم وأوقاتهم! فما الذي جَوَّز ذلك للوالد والطبيب مع الجهل٣ بالعاقبة، وأحاله٤ من العَالِم بعواقب الأمور الذي لا يخفى عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء المدبِّر لعباده كما يشاء. ﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ العَالِمِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] .
واعلم أن النسخ لا يدخل على الأخبار؛ لأن المخبر عنه يصير كذبًا، وإنما يدخل / (٢/٤٦/أ) على الأحكام؛ لاختلاف المصالح باختلاف أحوال المكلّفين واختلاف الأوقات. فهذا بيان جواز النسخ عقلًا٥.
_________________
(١) ١ نقه من مرضه نقهًا ونقوها: أي: صحّ وبرئ وفيه ضعف. (ر: القاموس ص١٦١٩) . ٢ في م: إذعان. ٣ في م: الجهد. ٤ في م: وإحالته. ٥ النسخ في اللغة: قد يطلق بمعنى الإزالة. ومنه يقال: نسخت الشمس الظلّ أي: أزالته. وقد يطلق بمعنى نقل الشيء وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه. كنسخ الكتاب. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . [سورة الجاثية، الآية: ٢٩] . وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. ودليل إثباته عقلًا، هو: أن التكليف لا يخلو أن يكون موقوفًا على مشيئة المُكَلِّق أو على مصحلة المُكَلّف. فإن كان الأوّل فلا يمتنع أن يريد تكليف العباد عبادة في مدة معلومة ثم يرفعها ويأمر بغيرها. وإن كان الثاني فجائز أن تكون المصلحة للعباد في فعل عبادة في زمان دون زمان. ويوضح هذا أنه قد جاز في العقل تكليف عبادة متناهية كصوم يوم، وهذا تكليف انقضى بانقضاء زمان. وأما عن الشبهة العقلية التي احتج بها المنكرون للنسخ، فنقول: بأننا لا نسلم بما قالوه إن النسخ يستلزم البداء على الله تعالى أو العبث، بل إن النسخ يكون لحكة معلومة لله تعالى الذي أحاط بكلّ شيء ولم تخف عليه، غاية الأمر أن مصالح العباد تتجدد بتجدد الأزمان وتختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وأسراره وحكمه ﷾ لا تتناهى. فإذا نسخ الله تعالى حكمًا بحكم لم يخل الحكم الثاني من حكمة جديدة غير حكمة الحكم الأوّل، وما يظهر في النسخ من جديد فإنما يعتبر جديدًا بالنسبة لنا. أما بالنسبة لله عزوجل فقد سبق علمه المحيط الشامل وعليه فلا يستلزم نسخ الله تعالى لأحكامه البداء والعبث، وإنما هو كما قيل: تغير في المعلوم لا في العلم. (للتوسع ر: الداعي إلى الإسلام ص ٣١٩، وما بعدها، تمهيد الأوائل ص ٢١٢-٢١٧، نواسخ القرآن ص ٨٠ لابن الجوزي، الإحكام ٢/٢٣٨-٢٤٠، للآمدي، إظهار الحقّ ص ٢٩٥-٢٩٦، لرحمة الله، فتح المنان في نسخ القرآن ص ٨٠-١٨٦، عليّ العريفي، النسخ بين الإثبات والنفي ص ٤٠/١٣٢ د. محمّد فرغلي) .
[ ٢ / ٥٤٣ ]
فأما جوازه شرعًا فيستدل عليه من توراتهم التي يعتقدون صحّتها ليكون أفحم لهم وأقطع لعذرهم ونحن نثبت ما فيها من النسخ. والله الموفّق والمعين.
فنقول: إن في توراتهم عدة مواضع تدل على تبدل الأحكام وذلك لاختلاف مصالح الأنام:
الموضع الأوّل: قالت التوراة في السفر الأوّل يدعى سفر الخليقة: "إن الله تعالى خلق آدم وخلق من ضلعه حواء زوجه وبارك عليهما وقال: أنميا وأكثرا واملآ١ الأرض. وتسلطا على سمك البحور وطائر السماء والأنعام والدواب
_________________
(١) ١ في م: واملاا.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وكلّ شيء على وجه الأرض، وقال لهما سبحانه: هائنذا١ قد أعطيتكما كلّ ما على وجه الأرض من شجر ودواب وعشب وطير من البحر والبر ليكون لمأكلكم"٢.
فهذا إخبار من الله أنه قد أباح لآدم وزوجه جميع الحيوان مطلقًا لمأكلهم، فهل ما أباحه الله لآدم مباح لكم / (٢/٤٦/ب) في شرع التوراة أم قد حرَّم عليكم كثيرًا من ذلك؟!.
وهَا هنا لا يحيرون جوابًا ولا يجدون إلى الانفصال سبيلًا، فقد قال الله في التوراة لموسى وهارون: "قولا لبني إسرائيل لا تأكلوا من الأنعام التي على وجه الأرض إلاّ ما شقّ ظلفه وهو يجتر، الجمل حرام عليكم، والخنْزِير حرام، ولا تأكلوا من طير السماء النسر والحدأة والغراب، ولا أجناسهم، ولا البوم والعقعق والصعوة والرخمة وأجناسهم، ولا الهدهد والطاوس فهذا كله عليكم حرام"٣. ومعلوم عندكم أن هذا مما أبيح لآدم وحواء بنصّ أوّل التوراة. فهل٤ النسخ إلاّ أن يبيح الله الشيء على لسان نبيّ ثم يحرمه على لسان نبي آخر أو بالعكس. فكيف تقرأ اليهود ذلك ثم تكفر به؟! وإذا كفروا بما في أيديهم من كتب الله، كيف يطمع فيهم أن يؤمنوا بما ليس في أيديهم من عند الله؟!.
الموضع الثّانيّ: قالت التوراة: "كان آدم يزوج بنيه من بناته بإذن الله له في ذلك"٥. حُرم بعد ذلك٦ فهذا نسخ / (٢/٤٧/أ) لشرع آدم نفسه. فإن قالوا: ذلك
_________________
(١) ١ في م: ها أنا. ٢ تكوين ١/٢٧-٣٠. ٣ لاويين ١١/١-١٨. ٤ في م: فهذا. ٥ سفر التكوين ٤/١٧-٢٢. ٦ ورد تحريم ذلك في سفر اللاويين ١٨/٩: "عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجًا لا تكشف عورتها ". و(ر: أيضًا سفر التثنية ٢٧/٢٢) .
[ ٢ / ٥٤٥ ]
لضرورة عدم اتساع الخلق.
قلنا: قد كان الله تعالى قادرًا على أن يخلق لهم أزواجًا ولا يحوجهم إلى وطء الأخوات.
الموضع الثّالث: قالت التوراة: "جمع إسرائيل بين أختين في عصمته وهما١ ليئا وراحيل [ابنتا] ٢ لابان"٣. وإسرائيل نبي ثابت العصمة وهو عند اليهود والنصارى من الصالحين لا غير. وهو إسرائيل٤ الله. ومنصبه يَجِل٥ عن الإقدام على ما لا يحل ومن ظن به سوى ما ذكرناه فقد قدح فيه، ثم قالت التوراة في السفر الثالث منها: "لا تنكح المرأة على أختها فتغبطها وتجتلى عورتها في حياتها ولا يقترب من امرأة طامث في حيضها فمن فعل شيئًا من هذه النجاسات منكم أو ممن يقبل إلي ويسكن بينكم فلتبد تلك النفس"٦.
وهذا فاعلموا تحريم ما كان مباحًا لإسرائيل، ولا جواب لكم عن ذلك.
الموضع الرّابع: "قال الله تعالى في التوراة: إبراهيم، قال: هائنذا يا رب. قال اذهب بابنك الذي تحبه فقربه لي قربانا / (٢/٤٧/ب) على أحد الجبال التي آمرك. فبكّر إبراهيم وذهب بالولد وبني مذبحًا وأوثق الولد ورفعه على المذبح وجذب السكين لينحره فناداه الملك: إبراهيم لا تذبحن الصبي فقد علم الله أنك تخشاه إذ لم تبخل عليه بولدك، ورفع إبراهيم بصره فرأى الكبش فذهب فأخذه ورفعه على المذبح"٧. وهذا فاعلموا أنه لا معنى له غير النسخ
_________________
(١) ١ في ص (هم) والتصويب من نسخة م. ٢ في ص، م (ابنتي) والصواب ما أثبتّه. ٣ تكوين ٢٩/١٦-٣٠. ٤ تقدم التعليق على قول المؤلِّف بأن اليهود والنصارى لا يؤمنون بنبوة يعقوب ﵇. (ر: ص ٤٣٢) . ٥ في م: بحد. ٦ لاويين ١٨/٩. ٧ تكوين ٢٢/١-١٤، في سياق طويل.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
أفتقولون - ويلكم - إن ذلك بداء من الله - تعالى عن كفركم علوًّا كبيرًا -؟!.
الموضع الخامس: الجمع في النكاح بين الحرّة والأمة. قد كان جائزًا في شرع يعقوب فجمع في عصمته بين حُرتين وأمتين١ ثم نسخته التوراة بعد ذلك فلم تجزه.
الموضع السّادس: قالت التوراة: "قال الله تعالى لموسى: اخرج انت وشعبك من مصر ليرثوا الأرض المقدسة التي وعدت بها أباكم إبراهيم أن أُوَرِّثها نسله٢. فلما صار بهم موسى في التيه - قالت التوراة - قال الله تعالى: لا تدخلوها/ (٢/٤٨/أ) أنتم لأنكم أغضبتموني"٣.فلم يدخلوها هم ولا موسى وهارون ولم يدخلها أحد ممن خرج من مصر سوى رجلين: يوشع بن نون وكالاب٤ بن يوفينا. وهذا نسخ لشرع موسى نفسه.
_________________
(١) ١ سفر التكوين ٣٠/١-٩، وذكر بأن اسم الزوجتين الحرتين، هما: راحيا وليئة ابنتا لابان. واسم الأمتين هما: بلهة جارية راحيل، زلفة جارية ليئة. ٢ سفر الخروج ٣٣/١، ٢. ٣ سفر العدد الإصحاح (١٤) . ٤ ورد في النّصّ أن اسمه: كالب: وهو اسم عبري معناه: كلب. وهو ابن يفئة. وكان رأسًا لأحد آباء سبط يهوذا. وأحد الجواسيس الاثني عشر الذين أرسلهم موسى ليتجسسوا على أرض كنعان. وأحد أفراد الجماعة التي أقامها موسى قبل الدخول إلى أرض كنعان لتقسيم الأرض. وكان عمره ٨٥ سنة لما تم الاستيلاء على أرض كنعان. (ر: قاموس ص ٧٥٨) .
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الموضع السّابع: قالت التوراة: "قال الله تعالى لموسى: تنح عن هذا الشعب الخبيث القلوب القاسي الرقاب. فإني أهلكه وأبيده عن جديد الأرض وأبدلك شبعًا خيرًا منه. فلم يزل موسى يصلي ويشفع فيهم حتى عفا الله عنهم فلم يهلكهم ولم [يبدهم١] ٢. وهذا نسخ.
الموضع الثّامن: تحريم السبت٣. وقد أقام الناس من لدن آدم إلى زمن موسى لم يُتعبَّدوا بتحريم الأعمال فيه. بل كانت الأعمال فيه مباحةً ثم حرِّمت على لسان موسى.
ولولا إيثار الاختصار لتلونا عليكم من هذا الجنس [كثيرًا] ٤. فهذه نصوص التوراة تصرح بنسخ الأحكام وتبديل الحرام حلالًا والحلال حرامًا. فمن أشد كفرًا وأبين ضلالًا من قوم يقرؤون التوراة ثم يكفرون بها / (٢/٤٨/ب) بعد اعتقاد صحّتها وينسبون أنبياء الله إلى تعاطي المحرمات ولاستباحة الفروج بغير أمر الله؟! ومن قدح في أنبياء الله فقد كفر بالله. ولو كان اليهود أولي أحلام لما رَدُّوا النسخ واعتلوا بأنه بداء مع وصفهم الله تعالى بالندم والأسف وذلك أشد شناعة من البداء. فرووا٥ في السفر الأوّل من توراتهم: "أن الله رأى ظلم الناس
_________________
(١) ١ في ص، م (يبيدهم) والصواب ما أثبتّه. ٢ سفر الخروج ٣٢/٩-١٥، يرى العلامة ابن حزم ١/١٨١، أن ذلك ليس بنسخ فقد قال بعد ذكره للنّصّ السابق: "وهذا هو البداء - الذي هو أشد من النسخ - والكذب المنفيان عن الله تعالى. لأنه ذكر أن الله تعالى أنه سيهلكهم ويقدمه على غيرهم ثم لم يفعل. فهذا هو الكذب بعينه - تعالى الله عنه - " اهـ. (ر: الفصل ١/١٨١) . ٣ خروج ٢٠/٨-١٠، ونصّه: "اذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك. وأما اليوم السابع ففيه سبت للرّبّ إلهك. لا تصنع عملًا ما أنت وابنك". ٤ في ص، م (كثير) والصواب ما أثبتّه. ٥ في م: وقرروا.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وشرّهم قد كثر على وجه الأرض فأسف الله إذ خلق آدم على الأرض فقال: لأزيلن ما على الأرض من البشر والأنعام والدواب وطير السماء؛ لأني قد ندمت على خلقي إيّاهم"١. فوصفوا ربّهم تعالى بالأسف والندم الدالين على غاية النقص والجهل بالعواقب ثم أنكروا النسخ وهو ضدّ البداء، إذ النسخ أمر بمصالح العباد في أوقاتهم وأحوالهم.
وقد حكوا في توراتهم ما هو أقبح من البداء صريحًا فرووا في السِّفر الأوّل من التوراة: "أنه لما نظر بنو الله بنات الناس حسانًا ونكحوا منهم ما أحبوا قال الله: لا تسكن الروح بعدها في بشر ولتكن أيامهم مائة وعشرين سنة"٢. / (٢/٤٩/أ) فهذا إخبار من الله أنه لا يعمر بشرًا أكثر من مائة وعشرين سنة ولا يسكن الروح في بشر، ثم نصت التوراة بعد هذا القول أن أرفخشد عاش من بعد ما ولد له شالح أربعمائة وثلاث سنين٣. وعاش رعوا من بعد ما ولد ساروج مائتي سنة وسبع سنين٤. وعاش إبراهيم مائة سنة [وخمسًا وسبعين] ٥ سنة٦. وعاش إسحاق مائة سنة وثمان سنة٧. وجماعة كثيرة عُمّروا أعمارًا تزيد على ما حكوه عن الله تعالى. وهذا أشدّ من البداء لأنه كذب في الأخبار. وإذا كان هذا [جائزًا] ٨ عندكم معشر اليهود فكيف تمنعون النسخ وتتعللون٩ بأنه بداء من الله؟!!.
_________________
(١) ١ تكوين ٦/٥-١٣. ٢ تكوين ٦/١-٣. ٣ تكوين ١١/١٠-١٣، وفيه أن اسمه: (أرفكشاد)، وهو ابن سام بن نوح ﵇. ٤ تكوين ١١/٢٠، ٢١، وهو رعو بين فالج بن عابر بن شالح بن أرفكشاد. ٥ في ص (خمس وسبعون) والصواب ما أثبتّه. ٦ تكوين ٢٥/٧. ٧ تكوين ٣٥/٢٨. ٨ في ص (جائز) والصواب ما أثبتّه. ٩ في م: وتتقولون.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وقد جاء في قصة [حزقيا] ١ ملك يهوذا "أنه مرض فأوحى الله إلى أشعيا النبي ﵇ أن قل لحزقيا يوصي فإنه ميت من علته هذه، فدخل عليه أشعيا وأخبره بوحي الله إليه في شأنه. فاستقبل حزقيا الجدار وبكى وتضرع إلى الله فنَزل الوحي على أشعيا النبي قبل خروجه من الدار يقول له، إن جزقيا يقوم من علته وينْزل إلى الهيكل / (٢/٤٩/ب) بعد ثلاثة أيام وأنه قد زيد في عمره خمس٢ عشرة سنة"٣. وإذا كانت كتب اليهود وتشهد بمثل هذه الأشياء لم يلتفت إليهم بعدها في ردّ النسخ. هذا وقد ابتدأ الله تعالى العالم بعد أن لم يكن وفرض تكاليف بعد أن لم تَجِب وأحدث أمورًا ولم يدل ذلك على البداء، وقد نقل سبحانه عباده من حال إلى حال ومن صحة إلى سقم ومن حياة إلى موت ولم يدل على البداء. وكذلك نقلهم من جنس من التكاليف إلى جنس آخر لا يدلّ على البداء، وكأنه سبحانه يأمر عباده بالأمر فيتمرنوا عليه المدة الطويلة حتى يصير عندهم من قبيل الاعتياد، فيأمرهم بتركه والتزام سواه اختبارًا لهم وامتحانًا لطاعتهم له. وهل امتثالهم لأمره طاعة محضة أو عادة مستصحبة٤. وكلّ ذلك منه حسن. فلا يدل شيء من ذلك على البداء والاستدراك.
فإذا وردت العبارة مطلقة بلفظ يوهم التأبيد ثم نسخت تَبَيَّنَّا٥ أن المراد بها وقت دون وقت. وقد تمسكت اليهود بقول التوراة: "تمسكوا بالسبت أبدا الدهر"٦. (٢/٥٠/أ) فظنوا أنّ ذلك للتأبيد، وأن لفظه نصّ لا يحتمل التأويل،
_________________
(١) ١ في ص، م: حزقيال، والتصويب من النّصّ. وحزقيا: تقدمت ترجمته. (ر: ص ٣٧٧) . ٢ في م: عشر. ٣ سفر أشعيا ٣٨/١-٥. ٤ في م: مستطحبه. ٥ في م: بينا. ٦ سفر الخروج ٣١/١٦، ١٧.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وقالوا: أمرت التوراة بقتل من أحل السبت وجوز فيه الأعمال١. قالوا: وقد أحدث سلفنا في السب حدثًا فمسخوا.
واعلم أنّهم لما ألزموا بما في التوراة والنبوات من الأحكام التي نسخت وتجدد غيرها عدلوا إلى هذه اللفظة، وليس كما ذهبوا إليه إذ قوله: "تمسكوا بالسبت أبد الدهر" يحتمل صلة محذوفة وهي: "ما لم يأتكم نبيّ يأمركم بحِلِّه". والدليل على هذا الاحتمال أنه لو قرن بآخر الكلام وسيق معه لم يتناقض ولم ينب عنه وإذ كان الكلام يقبله حملناه عليه إذ نبوة عيسى ومحمّد لا سبيل إلى ردّها.
وقول التوراة إن صحّ يمكن تخصيصه، فواجب أن يُخَصَّ لضرورة الجمع بين أقوال الصادقين حتى لا تقع المعارضة بين الأدلة القطعية، فتحريم العمل في السبت حكم من جملة الأحكام التكليفية فنسخه كنسخ سائر الأحكام. والدليل على أن قوله: "تمسكوا بالسبت أبد الدهر" / (٢/٥٠/ب) ليس للتأبيد بل لدهر مخصوص وزمان مؤقت، قول التوراة: "قال الله تعالى لنوح لما كثرت خطايا البشر: لا تسكن روحي٢ في البشر إلى الدهر"٣ - ثم قال بعد ذلك لموسى ﵇: "يعمل لك قبة الزمان [بصلئيل] ٤ الذي من سبط يهودا٥ الذي ملأته روح الله بالعلم والحكمة". - وقال أيضًا -: "كذلك في رفيقه الذي من سبط دان"٦. وهما من البشر. فوضع أن لفظة الدهر لا تقتضي التأبيد.
_________________
(١) ١ سفر الخروج ٣١/١٥، سفر ١٥/٣٢-٣٦. ٢ في م: روح. ٣ تكوين ٦/٣. ٤ في ص، م (بصل إلي) والتصويب من النّصّ. ٥ في م: اليهود. ٦ خروج ٣١/١، ٢، ٦، ٣٥/٣٠-٣٥.
[ ٢ / ٥٥١ ]
وفي نبوة حزقيال أيضا: "إن الله تعالى قال له: تنبأ على هذه العظام وأنا أبث روحي فيهم فيحيون، ففعل"١. فقد سكنت روح الله في البشر.
وفي التوراة: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن أرض الشام له ولذريته من بعده أبد الدهر"٢. في عدة مواضع من التوراة. وذلك لا يتقاضى إلاّ دهرًا مخصوصًا بدليل خروجها من أيديهم٣. فلم يرد سبحانه إلاّ المدة التي أقامت في أيديهم.
وقالت التوراة: "إن الله تعالى قال لموسى: اصنع قبة الزمان ومن صفتها كيت وكيت وليلبس هارون ثيابًا للتكهن من صورتها كذا وكذا للدهر"٤. وليس بقاء القبة ولا هارون / (٢/٥١/أ) مؤبدًا.
_________________
(١) ١ سفر حزقيال ٣٧/١-١٠. ٢ ورد النّصّ في سفر التكوين ١٧/٨، كالآتي: "وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كلّ أرض كنعان ملكًا أبديًا". وتكرر في نفس السفر ١٣/١٤-١٧، ١٥/١٨-٢١. إلاّ أن هذا الوعد من الله كان مشروطًا بالإيمان والطاعة لله عزوجل. والتمسك بشرائعه وفرائضه. فستحقه من آمن بالله وطبق شريعته، ويحرم منه من أشرك مع الله آلهة أخرى أو كذب بأنبيائه ونقض العهد والميثاق. فحينئذٍ تحل عليه اللعنة والغضب من الله كما ورد ذلك في سفر اللاويين ٢٦/١-٤٦، في سياق طويل جدًا. كما أن هذا الوعد مع إبراهيم ﵇ كان بعد ميلاد إسماعيل وقبل ميلاد يعقوب - ﵉ -. فالسياق يدل إذن على أن المراد بالوعد هو إسماعيل ﵇ وذريته من بعده. ٣ فقد أخرجهم الآشوريون إلى بابل سنة ٧٢ ق. م. (ر: سفر الملوك الثاني ١٧/٦) . وأخرجهم كذلك نبوخذ نصر البابلي سنة ٥٨٧ ق. م. (ر: المرجع السّابق ٢٥/٧، وسفر أخبار الأيام الثاني ٣٦/٥-٢١) . وقد كان ذلك عقابًا لهم من الله عزوجل لكفرهم بالله وعبادتهم الأصنام وقتلهم الأنبياء ونقضهم الميثاق وفسادهم في الأرض. فكتب الله عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، فتشردوا في أنحاء العالم. وفي ذلك ردّ على ما يروجه اليهود ويخدعون به الناس، بأن الله تعالى قد أعطى أجدادهم وعدًا أن يمنحهم أرض كنعان (فلسطين) كما يقول بيجن: إن هذه الأرض أعطيت لنا وعدًا. ولنا عليها حقّ. (للتوسع ر: فلسطين أرض الرسالات الإلهية - رجاء جاروري ص ٢٤١-٢٥٧، اليهودية د. أحمد شلبي ص ٩٠-٩٢) . ٤ سفر الخروج الإصحاحات (٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٩، ٣٠) .
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وقالت التوراة في السِّفر الربع منها لموسى: "اصنع قرنين من فضة تستعين بهما على الدعوة للرحلة، فإذا نفخ فيهما اجتمع [بنو] ١ إسرائيل عند قبة الزمان [وبنو] ٢ هارون هم الذين يهللون بالقرون ولتكن هذه سنة لكم إلى الدهر"٣. وليس ذلك للتأبيد بل لدهر مخصوص. فثبت بذلك أن الذي وعد به إبراهيم من تمليك ولده الأرض مخصوص به ولد يعقوب في ذلك الدهر الذي انقضى ومضى ثم قد زالت من أيديهم وزال ملكهم عنها. وإذ قد ثبت بهذه النصوص أن لفظ: (الدهر) لا يقتضي التأبيد في سكنى روح الله في البشر ولا في ملك الأرض ولا في لباس هارون الثياب وضربه بالقرون للرحيل بل لدهر مخصوص في علم الله. فكذلك لفظ الدهر في تحريم السبت. وهذا هو أقوى ما تمسك به اليهود في تأبيد تحريم السبت ولا جواب لهم عما ألزمناهم من نصوص توراتهم.
وأما احتجاجهم بمسخ من مسخ من أسلافهم قردة وخنازير، فذلك لتعديهم في السبت قبل نسخه إذ كانوا مكلّفين في ترك الأعمال فيه / (٢/٥١/ب) فلما دلسوا على الله وخالفوا أمره وارتكبوا نهيه مع بقاء حرمته عاقبهم بالمسخ٤، فلما
_________________
(١) ١ و(٢) في ص، م (بنوا) والصواب ما أثبتّه. ٣ سفر العدد ١٠/١-٨. ٤ قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٦٣-١٦٦] . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٦٠] .
[ ٢ / ٥٥٣ ]
بعث الله نبيّه المسيح ابن مريم ﵇ نسخ السبت وأباح الأعمال فيه١، وغيَّر كثيرًا من الأحكام وآمن طوائف من اليهود بالمسيح ﵇ وتركوا السبت فلم يُنسبوا بعد إلى عدوان ولم يمسخوا.
_________________
(١) ١ عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد. فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد. وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا والأوّلون يوم القيامة. المقضي لهم قبل الخلائق". أخرجه مسلم ٢/٥٨٦، والبخاري عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا، والنصارى بعد غد". (ر: فتح الباري ٢/٣٥٤) . قال ابن بطال: "ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل - والله أعلم - أنه فرض عليهم يوم من الجمعة وُكِّل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أيّ الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة". اهـ. ومال عياض إلى هذا ورجّحه. وقال النووي: "يمكن أن يكونوا أمروا به صريحًا، فاختلفوا هل يلزم تعيّه أم يسوغ إبداله بيوم آخر؟ فاجتهدوا في ذلك فأخطأو". ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾ . قال: "أرادوا الجمعة فأخطأوا وأخذوا السبت مكانه، ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والصارى في ذلك" (ر: فتح الباري ٢/٣٥٥، شرج النووي لصحيح مسلم ٦/١٤٣، ١٤٤) . وعلى هذا فإن المسيح ﵇ لم يمر أتباعه بتقديس يوم الأحد بدلًا من السبت. (ر: هدية الحياري ص ٢٦٥) . لأنه كان متّبعًا شريعة موسى ﵇. وقد كانت رسالة عيسى ﵇ كما قال عزوجل وحكاية عن عيسى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٥٠] . إنما ينسب إلى بولس استبدال السبت بالأحد عند النصارى فيما ورد من تعاليمه في رسالته الأولى إلى كورنثوس ١٦/١-٢، وهذا الاستبدال من الانحرافات التي أحدثها بولس في دين المسيح كما سبق بيانه. (ر: ص: ١٠٠) . ومما يدلّ على تحريف النصارى واستبدالهم السبت بالأحد هو ما ذكرته أناجيلهم من أن المسيح كان يعظم السبت وبأنه كان يذهب إلى المجامع للصلاة في السبت. (ر: لوقا ٤/١٦) . ويقول مؤلِّفو قاموس الكتاب المقدس ص ٤٥٤، ٤٥٥: "إن المسيحيين الأوّلين قد قدسوا يوم السبت، ولكن يوم الأحد حلَّ تدريجيًا محل يوم السبت، فقد جعلت قيامة ربّنا (أي: قيامة المسيح من الموت) . قيمة خاصة ليوم الأحد. وفي قرار المجمع المسيحي الأوّل لم يفرض قادة الكنيسة الأولى حفظ يوم السبت اليهودي وقد كانت هناك جماعة من المسيحيين يعتقدون بأن عليهم أن يحفظوا يوم السبت لا يوم الأحد. وقد كان بعض المسيحيين الأوّلين يحفظون كلًا من السبت اليهودي ويوم الرّبّ المسيحي (الأحد)، واستمر مدة أربعة قرون ثم انتهى أمره بعد أن منعه مجمع خلقدونية الكنسي في عام ٣٦٤م. ويخبرنا تاريخ الكنيسة أنها حفظت يوم الأحد بناء على أوامر الرسل، حيث يقول جستينوس: نجتمع سوية يوم الأحد، لأنه اليوم الأوّل الذي فيه غيَّر الله الظلمة إلى نور. والعدم إلى وجود، وفي هذا اليوم قام مخلصنا يسوع المسيح من الأموات. وشهد اثناسيوس الإسكندري: أن الله قد غيَّر يوم السبت إلى يوم الأحد". اهـ. بتصرف.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
فقد ثبت جواز النسخ عقلًا ودللنا على وقوعه شرعًا واننقطعت معاذير اليهود١. - والله ربّنا المحمود ١٤- فضيحة أخرى: زعم اليهود: "أن روح الله قبل خلقه العالم كانت ترفرف على المياه"٢. انظر - عافاك الله - إلى سوء هذا التعبير وسماجته، كأنهم يعتقدون أن حياة الباري تزايله وتفارق ذاته. فإن قالوا: إنما عنينا أن المياه كانت مصونة بحفظه عن الضياع.
قلنا لهم: فليس للمياه اختصاص بذلك فهلا قلتم: وصان الله المياه وحفظها كي لا تضيع، ولِمَ استعملتم هذا اللفظ الموهم الموجب للالتباس، القاضي بالفكر الرديء والوسواس؟!
_________________
(١) ١ ر: في إثبات انسخ وإلزام اليهود والنصارى بذلك: إفحام اليهود ص ٨٦-١٠٢، للسموأل المغربي، مقامع هامات الصلبان ص ٢٦٥-٢٦٧، لأبي عبيدة الخزرجي، التمهيد ص ٢٠٤-٢١٩، للباقلاني، الداعي إلى الإسلام ص ٣١٩-٣٤٠، للأنباري، إغاثة اللهفان ص ٦٤٦-٦٥٢، لابن القيم، إظهار الحقّ ص ٢٩٥-٣١٣، لرحمة الله. وغيرها. ٢ سفر التكوين ١/٢. وقد ورد في السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم ١/١٨، تفسير النّصّ كالآتي: "وروح الله يرف على وجه المياه، أو ريح الله، وأكثر مفسري اليهود يفسّرون الروح هنا بريح عظيمة من الله واعتاد العبرانيّون أن ينسبوا إلى الله ما يريدون تعظيمه، وعلى هذا، ذهب جماعة من علماء التفسير إلى أنّ المقصود (بالروح) هنا: ريح عظيمة بدد الله بها ظلمات الغمر والخلو". اهـ. ويقول الفيلسوف اليهودي سبينوزا في: (رسالة اللاهوت والسياسة ص: ١٣٥-١٣٨): "تدلّ كلمة (رواه) في معناه الأصلي على الريح كما هو معروف، ولكنها تستعمل أيضًا في كثير من الأحيان بمعانٍ أخرى مشتقة من المعنى الجأول، فتقول مثلًا: ١- نسمة. ٢- نفخ أو تنفس. ٣- الشجاعة أو القوة. ٤- الصفة أو القدرة. ٥- الرأي أو الفكرة إلى غير ذلك - ثم يقول: وهكذا يسهل علينا تفسير كلّ نصوص الكتاب التي يرد فيها ذكر روح الله، فعبارة (روح الله) أو روح (يهوه) لا تعني في بعض النصوص إلاّ ريحًا قويّة جافة عاتية، كما في سفر التكوين ١/٢". اهـ.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
١٥- فضيحة أخرى: زعم اليهود أنّ الله تعالى حين أكمل خلقة العالم قال: / (١/٥٢/أ) "تعالوا حتى نخلق بشرًا شبهنا ومثالنا فخلق آدم"١. فلذلك اعتق كثير من اليهود التجسيم، فقال: إن الله في صورة آدمي وأنه شيخ أبيض الرأس واللحية وأنه جالس على كرسي والملائكة قيام بين يديه والكتب تقرأ بحضرته٢ - والويل لليهود - من أين الله [شبه ومثال؟!] ٣. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . [سورة الشورى، الآية: ١١] .
_________________
(١) ١ تكوين ١/٢٦. ٢ ورد ذلك التجسيم في سفر دانيال ٧/١٠٧ كالآتي: "كنت أرى أنه وضعت عروش وجلس القديم الأيام. لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي. وعرشه لهيب نار وبكراته نار متقدة. نهر نار جرى وخرج من قدامه. ألوف ألوف تخدمه وربوات ربوات وقوف قدامه. فجلس الدين وفتحت الأسفار". كما ورد في التلمود أن الله - تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا - يطالع الشريعة (التوارة) في الساعات الثلاث الأولى من النهار، وبأنه لا شغل لله في الليل غير تعلمه التلمود مع الملائكة ومع ملك الشياطين". (ر: الكنْزالمرصودفي قواعدالتلمود ص٥٥) . فهذا التصور المنحرف لليهود للذات الإلهية العلية ناشئ من تأثرهم بالوثنية التي كانوا تحت سلطتها في السبي البابلي. وللمادية التي طغت على نفوسهم وتحكّمت في تصوراتهم. ٣ في ص، م (شبها ومثالا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
١٦- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الباري لما خلق الخلق في ستة أيام استراح في اليوم السابع١. واعتقدوا بغلط٢ أفهامهم أن الباري يعتوره التعب والنصب، وربما نُقل عن بعض اليهود أن الباري في اليوم السابع استلقى على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى. وهذه الزيادة لم أقف عليها في نسخ التوراة غير أنها قد نقلت عن بعضهم٣. ولست أبعد من عقولهم اعتقادها والبوح بها.
١٧- فضيحة أخرى: زعم اليهود: "أن الله تعالى قال لآدم وحواء: إنكما في اليوم الذي تأكلان فيه من الشجرة التي نيتكما عنها [تموتان] ٤ موتًا"٥. وذلك من الكذب الفاحش على الله فإن التوراة تشهد إنهما / (٢/٥٢/ب) عاشا بعد الأكل دهرًا حتى رزقا الأولاد ورأيا فيهم البر والفاجر٦.
واليهود تزعم أن الجنة لا أكل فيها ولا شراب٧. وهذا الموضع يكذبهم. وقد قررت ذلك في مسألة مفردة أثبت فيها اشتمال الجنة على أصناف من الملاذ من الأكل والشراب والنكاح٨.
_________________
(١) ١ ورد ذلك في سفر التكوين ٢/١-٣. وقد ردّ الله عزوجل على زعمهم الكاذب بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ . [سورة ق، الآية: ٣٨] . قال قتادة: "قالت اليهود - عليهم لعائن الله - خلق الله السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت وهم يسمونه يوم الراحة. فأنْزل الله تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه". (ر: تفسير ابن كثير ٤/٢٤٥) . ٢ في م: بلغط. ٣ نقل الشهرستاني ذلك عنهم. فقال: "اجتمعت اليهود عن آخرهم على أن الله تعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض استوى على عرشه مستلقيًا على فقاه، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى". (ر: الملل النحل ١/٢١٩) . ٤ في ص، م (تموتا) والصواب ما أثبتّه. ٥ تكوين ٢/١٧. ٦ تكوين ٤/١، ٢، ٢٥. ٧ في م: ولا شرب. ٨ ر: ص: ١١٢، ١١٣.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
١٨- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن نمرود١ لما بنى الصرح وشيَّده نزلالباري إلى الأرض حتى هدمه وحال بين نمرود٢ وبين ما أراد من ذلك. واليهود كثيرًا ما يطلقون في توراتهم نزول الباري فكأنما يعجزون الله تعالى عن القدرة على ما أراد حتى يصفونه بالحركة والانتقال والتفريغ والاشتغال. وذلك كلّه من صفات المحدثين ويتعالى عن ذلك ربّ العالمين.
أين هذا من ألفاظ الكتاب العزيز حيث يقول: ﴿فَأَتَى الله بُنْيَاهُم مِّن القَوَاعِد﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ ٤.
١٩- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن إبراهيم حين مرت به الملائكة لهلاك سدوم وعامورا مدائن لوط ﵇ أضافهم وأطعمهم / (٢/٥٣/أ) خبزًا ولحمًا وسقاهم سمنًا ولبنًا ولما باتوا عند لوط عشاهم فطيرًا٥. وذلك جهل عظيم إذ اعتقدوا أن الملائكة شأنهم شأن الآدميين يتناولون ما يتناوله الآدميون من الأغذية. وتلك أجسام روحانية إنما غذاؤها وقوت أرواحها جنس آخر روحاني لا يعرفه اليهود.
_________________
(١) ١ نمرود: ابن كوش بن حام، صياد جبار وملك قدير. وربما كان هو نفسه جلجاميشي الأكادي أو البابلي. (ر: قاموس ص ٩٧٨) . ٢ تكوين ١١/١-٩. ٣ قال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ . [سورة النحل، الآية: ٢٦] . ٤ قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ . [سورة القصص، الآية: ٨١] . ٥ تكوين ١٨/١-٨.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
وقد قال أهل الكتاب: "إن المؤمنين في الجنان لا يأكلون ولا يشربون بل يكون حالهم عند الله كحال الملائكة". فكيف ناقضوا هَاهنا فزعموا أن الملائكة أكلت الطعام وشربت الشراب. وبهذا التحريف وشبهه تعلم أن أهل الكتاب ليس بأيديهم من كتب أنبيائهم إلاّ الرسوم١. وقد قال الكتاب العزيز: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُم لاَ تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُم وَأَوْجَسَ مِنْهُم خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ﴾ . [سورة هود، الآية: ٧٠] . وذلك كناية عن عدم الأكل ويشبه أن يكون الملائكة وضعوا أيديهم على الطعام وتقدموا به إلى الفقراء وأبناء السبيل.
٢٠- فضيحة أخرى: زعم اليهود - أبعدهم الله - أنّ نبيّ الله لوطًا لما٢ تقدم / (٢/٥٣/ب) الله إليه بالخروج من تلك القرية الظالمة لم يسارع إلى الخروج وتباطأ في الامتثال. حتى جعل الملائكة يدفعون في ظهره دفعًا عنيفًا حتى أخرجوه كرهًا٣. والأنبياء محاشون عن عوارض الشكوك فيما يأمر به الله سبحانه - أعوذ بالله من القد في عصم الأنبياء والتشبه بأمثال اليهود الأغبياء.
٢١- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن نبيّ الله إبراهيم حين حضرته الوفاة وأشرف على القدوم على الله تعالى، ورّث ماله كلّه إسحاق ولده وحرّم
_________________
(١) ١ مفرده: الرّسم. وهو الأثرأوبقيته، أو ما لا خص له من الآثار. (ر: القاموس ص١٤٣٨) . ٢ ليست في م. ٣ تكوين ١٩/١٥-٢٢. ونصّه: "ولما طلع الفجر كان الملكان يعجلان لوطًا قائلين: قم خذ امرأتك وابنتيك الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة. ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه لشفقة الرّبّ عليه أخرجاه ووضعاه خارج المدينة".
[ ٢ / ٥٥٩ ]
باقي أولاده١. فنسبوه - وهو خليل الله - إلى جهل وحيف يتَنَزه عنه جهال الصبيان وقد قال خاتم النّبيين: "إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"٢.
_________________
(١) ١ سفر التكوين ٢٥/٥، ٨. ونصّه: "وأعطى إبراهيم إسحاق كلّ ما كان له. وأما بنو السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحاق ابنه إلى أرض المشرق وهو بعد حيّ. وهذه أيام سني حياة إبراهيم التي عاشها مئة وخمس وسبعون سنة. وأسلم إبراهيم روحه ومات بشيبة صالحة شيخًا ". إن ما نسبه اليهود إلى إبراهيم ﵇ من محاباة ابنه إسحاق وتفضيله على سائر إخوته في توزيع ممتلكاته-ليتسنى لليهود الادعاء بأنهم الصفوة المختارة من البشر والموعودون بالبركة من الله-يخالف قانون الوراثة المذكورة في سفر التثنية ٢١/١٥-١٧. ونصّه: "إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة، فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة. فإن كان الابن البكر للمكروهة فيوم يُقسّم لبنيه ما كان له. لا يحل له أن يقدّم ابن المحبوبة بكرًا على ابن المكروهة البكر. بل يعرف ابن المكروهة بكرًا ليعطيه نصيب اثنين من كلّ ما يوجد عنده. لأنه هو أوّل قدرته. له حقّ البكورية". بناء عليه فإ، حقّ إسماعيل ﵇ في الميراث حقّ شرعي وعادل باعتباره الابن البكر الشرعي لإبراهيم. إذ إن إسماعيل يكبر إسحاق بأربع عشرة سنة. فمن المعلوم من التوراة أن هاجر ولدت إسماعيل وعمر إبراهيم ٨٦ سنة. (تكوين ١٦/١٦) . ولكن عندما ولدت سارة إسحاق كان عمر إبراهيم ١٠٠ سنة. (تكوين ٢١/٥) وهذا يدل على أن إسماعيل الابن البكر لإبراهيم. فإن كان هناك إرث لإبراهيم ﵇كم يزعم اليود-فلإسماعيل الحقّ في الضعف مما يأخذه أولاد إبراهيم ومن بينهم إسحاق ﵇. وإلاّ فإن حقيقة الأمر كما أخبرنا به الصادق الأمين ﷺ: "بأنا معاشر الأنبياء لا يورثون، وأنّ ما تركوه فهو صدقة". فإن الميراث القحيقي للأنبياء هو علم الشريعة والوحي الإلهي فقد ورد في الحديث: "إن العلماء ورثة الأنبياء، ورّثوا العلم. من أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ". أخرجه أبو داود ٤/٥٧، وبن ماجه. (صحيح ابن ماجه للألباني ١/٤٣)، والترمذي ٥/٤٧، ٤٨، وأحمد ٥/١٩٦، من حديث أبي الدرداء ﵁. وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. ٢ أخرجه أحمد في مسنده ٢/٤٦٣، والبخاري في كتاب الفرائض باب (٢) . (ر: فتح الباري ١٢/٥-٧)، ومسلم ٣/١٣٧٩-١٣٨٣، الترمذي في سننه ٤/١٥٧، ١٥٨، وفي الشمائل ص ٣١٤، وأبو داود ٣/١٤٢، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لا نورث ما تركناه صدقة".
[ ٢ / ٥٦٠ ]
٢٢- فضيحة أخرى: زعم اليهود أنّ نبيّ الله يعقوب احتال على أبيه وقد كذب عليه قولًا وفعلًا وأوهمه أنه العيص١ ولده إذ كان إسحاق يحب العيص أكثر من يعقوب. وأنه لبس حلة أخيه العيص وجعل على ذراعيه وعنقه جلد ماعز حتى ذهب بدعوة [إسحاق] ٢ التي ادّخرها٣ للعيص فتمّت حيلته على أبيه ونجحت مكيدته وأن / (٢/٥٤/أ) إسحاق لما عرف حقيقة الحال تعجب من ذلك. وقال: "ليت شعري من هذا الذي ذهب بدعوتي"٤.
والأنبياء وأولادهم منَزّهون عن الكذب٥ والتدليس وسائر الكبائر وعن كلّ ما يجر إليهم جرحًا أو يقتضي قدحًا. والعجب أن اليهود يظنّون أن هذه حيلة على إسحاق وهي في الحقيقة على الله عزوجل.
_________________
(١) ١ ورد في التوراة أن اسمه: (عيسو) ومعناه: (شَعَر) . وهو توأم يعقوب وبكر أبناء إسحاق. لأنه خرج أوّلًا، وتزعم التوراة المحرفة أن يعقوب قد اشترى البكورية من عيسو بحصن عدس. وبأنه سكن جبل سعير وذريته من بعده. (سفر التكوين الإصحاحات (٢٥-٣٥)، قاموس ص ٦٤٩) . ٢ إضافة يقتضيها السياق. ولعلّها سقطت من الناسخ. والله أعلم. ٣ في م: ادخروا. ٤ تكوين ٢٧/١-٣٣، في سياق طويل وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا. ٥ اتّفقت الأمة الإسلامية على أن الأنبياء معصومون في التبليغ عن الله عزوجل، وعن ارتكاب الكبائر من الذنوب. أما غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين ولو كانوا أبناء الأنبياء أو أولياء الله. فهذا ابن نوح ﵇ يعصي ربه وأباه. قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِي قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾ . [سورة هود، الآية:٤٢-٤٧] . وهؤلاء أبناء يعقوب ﵇ وأخوة يوسف ﵇ قد حالوا قتل يوسف حسدًا من أنفسهم ثم كذبوا على أبيهم يعقوب ﵇ واحتالوا عليه وقصتهم مبسوطة في سورة يوسف.
[ ٢ / ٥٦١ ]
٢٣- فضيحة أخرى١: زعم اليهود أن الذبيح هو إسحاق وليس هو إسماعيل٢، فأكذبهم التواتر وسخر منهم البادي والحاضر، وذلك أن التواتر يشهد بأن الذبح والنحر إنما هو بمنى وهي موطن إسماعيل بن إبراهيم - ﵉ -. ولم تزل قرون الكبش - كبش إسماعيل - معلقة في جوف الكعبة إلى أيام ابن٣ الزبير فاحترقت في فتنة الحجاج٤ بن يوسف٥.
_________________
(١) ١ نقل المؤلِّف هذه الفضيحة من كتاب مقامع هامات الصلبان. (ر: ص ٢٤٧) لأبي عبيدة الخزرجي. ٢ سفر التكوين الإصحاح (٢٢) . ٣ هو الصحابي المعروف عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁. توفي سنة ٧٤هـ. وله ثلاثة وثلاثون حديثًا. ٤ هو: الحجاج بن يوسف الثقفي. كان ظلومًا. سفاكًا للدماء. ذا شجاعة ومكر ودهاء وفصاحة وبلاغة. رمى الكعبة بالمنجنيق. مات بواسط سنة ٩٥هـ. قال الإمام الذهبي في ترجمة الحجاج: "فَنَسُبُّه ولا نحبه. بل نبغضه في الله. فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان. وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه. وأمره إلى الله. وله توحيد في الجملة. ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء". اهـ. (ر: ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٤/٢٤٣، تهذيب التهذيب ٢/٢١٠، الأعلام ٢/١٦٨) . ٥ قال الإمام أحمد في منسده ٥/٣٨٠: "ثنا سفيان ثنا منصور عن حاله مسافح عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولّدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة - وقالت مرة - إنها سألت عثمان: لِمَ دعاك النبيّ ﷺ؟ قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما. فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي. قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا". اهـ. قلت: إسناده صحيح. فإن صفية بنت شيبة صحابية - ﵂ -. (ر: التقريب ٢/٦٠٣) . قال الإمام ابن كثير: "وكذا روي عن أن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقًا عند ميزاب الكعبة قد يبس وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل. لأنه كان هو المقيم بمكة. إسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغر. (ر: قصص الأنبياء، ص ١٤٣) .
[ ٢ / ٥٦٢ ]
والدليل على أن الذبيح إسماعيل وأن القصة كانت قبل أن يولد إسحاق قول التوراة: "إن إبراهيم لما أهوى بالسكين إلى نحر ولده ناداه الملك: إبراهيم، إبراهيم قد علمت أنك تخشى الله حيث لم تمنعه ابنك وحيدك"١. وهذا من أدلّ الدليل على أنه إسماعيل.
فإن قالوا: فقد / (٢/٥٤/ب) نصت التوراة على أنه إسحاق.
قلنا: ذلك من تحريفكم. والدليل على كذبكم قوله: "ابنك وحيدك" فلو قلنا: إنه إسحاق لكان قوله: "وحيدك" باطلًا. وكيف يكون إسحاق واحده وابنه إسماعيل أكبر منه؟! ٢. فليس واحده سوى إسماعيل. وقد نقلنا التواتر ومن خالف المتواتر فهو مخصوم به.
تابع للباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
٢٤- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى لما رأى معاصي بني آدم قد كثرت على الأرض، قال: لقد ندمت إذ خلقت آدم. فأرسل ماء الطوفان وأباد ما على الأرض من الحيوان٣ وزعموا أنه لما فعل ذلك ندم أيضًا وقال: لا أعود أفعل ذلك.
وذلك مذكور في سفر الخليقة٤ من توارتهم، فقبح الله هذه الأحلام التي تترفع٥ عن أمثالها الأنعام. وهل خفي عن علام الغيوب ما سيقترفه العباد ويجري في مستقبل الزمان من الصلاح أو الفساد؟. وإنما يتصور الندم والأسف
_________________
(١) ١ تكوين ٢٢/١٠-١٢) . ٢ لقد ظلّ إسماعيل الابن البكر الوحيد لإبراهيم - ﵉ - مدة أربع سنة إلى أن ولد إسحاق ﵇. والدليل على ذلك ما ورد في سفر التكوين ١٦/١٦: "كان أبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام". وفي نفسه السفر ٢١/٥: "وكان إبراهيم ابن مئة سنة حين ولد له إسحاق ابنه". إذن فالوحيد لدى إبراهيم هو إسماعيل - وهو الذبيح - وهو يكبر إسحاق - ﵈ - بأربع عشرة سنة. ٣ في م: الحياة. ٤ سفر التكوين ٦/٥-١٣، ٧/٦، ٨/٢١. ٥ في م: يرتفع.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
من الجهل بعواقب الأمور، والباري تعالى عالم بالخفيات محيط بجزئيات ما فات وما هو آت.
٢٥- فضيحة أخرى: / (٢/٥٥/أ) زعم اليهود أن الذي وسوس لآدم وحواء حتى أكلا من الشجرة ليس هو إبليس وإنما هي الحية١. قالوا: وكانت أحكم الدواب.
فأما إبليس فلا يعتقدون بوجوده وليس له في توراتهم ذكر ألبتة٢. والله تعالى يقول: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَان﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ٢٠] .
_________________
(١) ١ ورد ذلك في سفر التكوين ٣/١-٧. ٢ لم يرد في التوراة المحرفة ذكر إبليس اللعين. ولكن ورد الشيطان في بعض أسفار العهد القديم كسفر أخبار الأيام الأوّل ٢١/١، وسفر أيوب ١/٦، ومزمور ١٠٩/٦. أما قول المؤلِّف بأن اليهود لا يعتقدون وجود إبليس، فإنه يحمل على اعتقاد فرقة الصدوقيين من اليهود التي تنكر وجود الملائكة والشياطين. وتنكر التلمود أيضًا. أما جمهور اليهود من الرّبّانيين ونحوهم، فإنهم يثبتون وجود الشيطان. حيث إنه مذكور في نصوص كثيرة من كتاب التلمود الذي يقدسونه. ومن تلك النصوص: - أن الله خلق الشياطين في غسق يوم الجمعة. ولم يخلق لهم أجسادًا أو ملابس لأن يوم السبت كان قريبًا. فما كان لديه الوقت لعمل كلّ ذلك؟!!. وفي رواية أخرى أن الله لم يخلق لهم أجسادًا عقابًا لهم لأنهم كانوا يريدون أن يخلق الإنسان بدون جسد!!!. وبأن الشياطين على أنواع: فبعضهم مخلوق من مركب مائي وناري. وبعضهم من الهواء. وبعضهم من الطين. أما أرواحهم فمخلوقة من مادة موجودة تحت القمر. وبعض الشياطين من نسل آدم (ر: الكنْز المرصود في قواعد التلمود ص ٦٠-٦٣. د. روهلنج. همجية التعاليم الصهيونية ص ٣٦-٤٣، بولس حنا مسعد. اليهودية ص ١٤٤ د. محمّد بحر عبد المجيد) .
[ ٢ / ٥٦٤ ]
والنصارى وهم أفخاذ منهم يخالفونهم في ذلك ويثبتونه ويعتقدون وجوده، وذكره في الأناجيل كثير١.
٢٦- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن نوحًا ﵇ نام في خيمته فكشف الريح عورته فضحك منه ابنه حام فدعا عليه وعلى عقبه٢. وذلك من ترهات العوام وخرافات العجائز، فجعله اليهود قرآنا يتلى في المحاريب.
_________________
(١) ١ ورد ذكر الشيطان في الأناجيل وبقية الأسفار العهد الجديد مرات كثيرة منها: متى ٤/١٠، ٩/٣٣، ١١/١٨، مرقس ١/١٣، ٣/٢٦، لوقا ٤/٣٣، ٨/٢٩، يوحنا ٦/٧٠، ٧/٢٠، أعمال الرسل ٥/٣، رسالة إلى رومية ١٦/٢٠، وغير ذلك. ويعتقد النصارى أن الشيطان كائن حقيقي. وهو أعلى شأنًا من الإنسان ورئيس رتبة من الأرواح النجسة. وبأن نهايته أن يعذب أبد الآبدين. (ر: قاموس ص ٥٣٣-٥٣٥) . ٢ ورد النّصّ في سفر التكوين ٩/٢٠-٢٧، كالآتي: "وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجا. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافها ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما. ووجهاهما إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من خمر علم ما فعل له ابنه الصغير. فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته. وقال مبارك الرّبّ إله سام وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام وليكن كنعان عبدا لهم". إن هذه القصة من افتراءات بني إسرائيل على أنبياء الله تعالى واتهامهم بارتكاب الكبائر. وتفضح عنصرية اليهود البغيضة حيث قصدوا بهذه القصة اللعنة إلى الكنعانيين سكان فلسطين قبل اليهود. ونسبوا أنفسهم إلى سام وادعوا اختصاصهم بذلك ليتسنى لهم ادعاء حقّ السيطرة على الكنعانيين وأرضهم فلسطين. - ولنا على هذه القصة المكذوبة عدة ملاحظات تفضح افتراءها، منها: - كيف يلام حام وهو لم يفعل شيئًا يستحق اللوم عليه إضافة إلى أنه كان طفلًا صغيرًا ؟. - وكيف يلعن نوح كنعان بن حام - الذي سيولد بعد ٢٠ سنة؟ -. فما ذنب كنعان؟.. كيف يتحمل ذنب أبيه - إن كان لأبيه ذنب؟.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٢٧- فضيحة أخرى: زعم اليهود-أخزاهم الله-أن نبي الله لوطًا لما نجاه الله من عذاب سدوم، سكن كهف جبل. ومعه ابنتاه اللتان سلمتا من أهله. فلما استقر بهم الحال قالت إحداهما للأخرى: هلمي نسقي أبانا الخمر حتى إذا سكر ضاجعناه وأقمنا من أبينا نسلا. وأنهما فعلتا ذلك فوطئهما لوط فحملتا منه بولدين/ (٢/٥٥/ب) وهما مؤاب وعمون١.
أبعد الله اليهود، كيف يحسن أن يبتلي الله من اصطفاه وارتضاه لرسالته بهذه الكبيرة؟ وكيف يحميه بالأمس ويهتك ستره اليوم؟ فأيّ فائدة في نشر هذه الفاحشة وتخليدها الكتب ليقرع بها الأنبياء قرنًا بعد قرن وحقبًا بعد حقب؟ ٢. الله أكرم من ذلك.
_________________
(١) ١ ورد ذلك في سفر التكوين ١٩/٣٠-٣٨. و(مؤاب) فإليه ينسب المؤابيون أو بنو مؤاب وسكنوا في القسم الشرقي من البحر الميت. وأما (عمون) فينسب إليه بنو عمون الذين سكنوا في الشمال بجبال جلعاد بين نهري أرنون ويبوق. وقد كان المؤابيون وبنو عمون في صراع مستمر مع بني إسرائيل. (ر: قاموس ص٦٤٠، ٩٢٨) . ٢ علق المهتدي السموأل المغربي - الذي كان يهوديًا فأسلم - على هذه الفضيحة بقوله: "ومما يؤكّد استحالة ذلك، أنهم زعموا أن ابنته فعلت كذلك به في الليلة الثانية فعلقت أيضًا. وهذا ممتنع مع المشائخ الكبار أن يعلق من أحدهم في ليلة ويعلق منه أيضًا في الليلة الثانية. إلاّ أن العداوة التي ما زالت بين (بني عمون ومؤاب) وبين بني إسرائيل؛ بعث واضع هذا النّصّ على تلفيق هذا المحال ليكون أعظم الأخبار فحشا في حقّ بني عمون وبني مؤاب وأيضًا فإن عندهم أن موسى جعل الإمامة في الهارونيين فلما ولى طالوت وثقلت وطأته على الهارونيين وقتل منهم مقتلة عظيمة ثم انتقل الأمر إلى داود. بقي في نفوس الهارونيين. التشوق إلى الأمر الذي زال عنهم. وكان عزرا هذا خادمًا لملك الفرس حظيا لديه. فتوصل إلى بناء بيت القدس وعمل لهم هذه التوراة التي بأيديهم. فلما كان هارونيا كره أن يتولى عليهم في الدولة الثانية داوديًا. فأضاف في التوراة فصلين طاعنين في نسب داود. أحدهما: قصة بنات لوط. والآخر: قصة ثامار. ولقد بلغ - لعمري - غرضه. فإن الدولة الثانية التي كانت لهم في بيت المقدس لم يملك عليهم فيها داوديون بل كانت ملوكهم هارونيين". اهـ. (ر: إفحام اليهود ص ١٥١، ١٥٢، ونقله القرافي في الأجوبة الفاخرة ص ٨١) .
[ ٢ / ٥٦٦ ]
٢٨- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن رؤبيل١ بكر يعقوب من ولده. زنى بسرية أبيه يعقوب وافتراشها٢. وأن أباه يعقوب لما حضر أجله ودنت وفاته قرّع رؤبيل ابنه بذلك وعَيّره بين إخوته وقال له: يا رؤبيل حقًا لقد نجست فراشي وامتهنته فلذلك لست أعطيك السهم الزائد٣. قالوا: وكان من سنة إبراهيم أن يرث الولد البكر سهمين من الميراث وغيره يرث سهمًا واحدًا٤.
فأي فائدة وأي حكمة في نقل هذه الفاحشة يُعيّر بها سبط عظيم من الأسباط؟ ومآثر الآباء مفاخر الأبناء. وهاهنا حَرْفٌ يتبيّن به كذب اليهود في توريث إبراهيم إسحاق / ماله كله وحرمان إسماعيل٥. وهو أن سُنَّة إبراهيم توريث البكر من الأولاد سهمين. فكيف حرموه الميراث؟ هل ذلك من اليهود إلاّ غفلة وجهالة بما في أيديهم من كتب الله.
٢٩- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن يهوذا٦ بن يعقوب زنى بكنتّه ثامار٧ ورهنها على ذلك خاتمه وعصاه. وأنها حملت منه واشتهرت قصته وقصتها في بني إسرائيل وصارا بذلك شهرة٨. هذا مع حظوته عند أبيه
_________________
(١) ١ في النّصّ (رأوبي): اسم عبري معناه: (هوذا ابن) وهو بكسر يعقوب ولدته ليئة. وإليه ينسب أحد أسباط إسرائيل الاثني عشر وهو سبط رأوبين. (ر: قاموس ص ٣٩٣) . ٢ تكوين ٣٥/٢١، ٢٢. ٣ تكوين ٤٩/٣-٥. ٤ تثنية ٢١/١٧. ٥ تقدم التعليق على ذلك. (ر: ص ٣٩٩) . ٦ يهوذا: اسم عبري معناه: (حمد) وهو رابع أبناء يعقوب ﵇ من ليئة. وأعطي هذا الاسم بسبب أم أمه شكرت الله عند ولادته. ولا يذكر العهد القديم شيئًا كثيرًا عنه. (قاموس ص ١٠٨٥) . ٧ ثامار: اسم عبري منعاه: (نخلة) وهي زوجة (عير) بكر يهوذا. ولما توفي عير أعطيت زوجته لأخيه (أونان) الذي مات أيضًا عاجلًا لشره. (ر: قاموس ص ٢٣٣) . ٨ تكوين الإصحاح (٣٨) .
[ ٢ / ٥٦٧ ]
ودعائه له بتخليد الملك والنبوة في عقبه حتى يأتي محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم١. فأي فخر في ذلك وأي فضل يودعوه التوراة ويعظموه تعظيم الوحي والتّنْزيل جيلا بعد جيل؟!.
٣٠- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن دينا٢ بنة يعقوب خرجت وهي عذارء فرآها مشرك من عبدة الأوثان وهو سحيم بن خمون٣ رئيس القرية فوقع عليها وافترعها، وأزال بكارتها، وأنْزل العار بأبيها نبيّ الله يعقوب، وأن حمور أباه جاء إلى بني يعقوب وتنصل وآمن والتزم أحكامهم هو وجميع أهل القربة. وأن بني يعقوب قالوا: لأهل القرية. إن أحببتم / (٢/٥٦/ب) الاستنان بسنتنا والدخول في ديننا فاختتنوا لنصير شعبا واحدًا، ومكروا بهم واحتالوا عليهم. فلما اختتن كل من في القرية دخلوا عليهم فوجًا وهم بالسلاح وهم لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم وقتلوهم عن بكرة أبيهم وانتهبوا أموالهم وحريمهم. وأن يعقوب لما انتهت إليه القصة قال لنيه: أنا رجل قليل العدد. الساعة يميل عليّ أهل هذه القرى والشعوب فيبيدوا [حضرائي] ٤ وأنه اتخذ الليل جملًا فأصبح ولا أثر له بتلك البلاد٥. فحكموا على أولاد نبي الله يعقوب بأنهم قتلوا المؤمنين وأبادوا
_________________
(١) ١ ونصّه كما في سفر التكوين ٤٩/٨-١٠: "يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يجسد لك بنو أبيك. يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كأسد وكلبوة من ينهضه. ولا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب". ٢ في م: لينا. وفي النسخ المتداولة من التوراة (دينه) وهو اسم عبري معناه: (دينونة) . وهي الابنة الوحيدة ليعقوب ﵇ من زوجته ليئة. (ر: قاموس ص ٣٨٣) . ٣ ورد اسمه في التوراة (شكيم بن حمور الحوي) وكان أميرًا لمدينة شكيم (نابلس) . ٤ وفي نص التوراة: "فأبيد أنا وبيتي". ٥ تكوين الإصحاح (٣٤) .
[ ٢ / ٥٦٨ ]
الموحدين وانتهبوا الأموال الحرام. ونحن نورك١ على اليهود في نقل هذه الأحاديث عن الأنبياء وأولاد٢ الأنبياء.
٣١- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن يعقوب عند منصرفه من حران٣ طالبا بلاده تصارع مع الملك فغلبه يعقوب وتألم ورك يعقوب حين دنا منه الملك. وأن الملك بقي في يد يعقوب مقهورًا حتى قال له: دعني وأباركك٤. فلهذا لا يأكل اليهود عرق الفخذ٥. وربما قال بعض جهال اليهود: "إن الذي / (٢/٥٧/أ) صارعه يعقوب هو الله - تعالى الله عن جهلهم علوًا كبيرًا - وأستغفره من حكاية أقوالهم.
٣٢- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى نزل إلى الجنة ومشى فيها حين كلّم٦ آدم. وأنه تعالى نزل إلى الأرض حتى أنقذ بني إسرائيل من
_________________
(١) ١ في م: نورد. ٢ في م: وأبناء. ٣ حران: مدينة بين النهرين على نهر بليخ وهوفرع للفرات. وتقع على مسافة ٢٨٠. ميلا إلى الشمال الشرقي من دمشق. (ر: قاموس ص ٢٨١) . ٤ تكوين ٢٢/٢٤-٣٢. ٥ في م: العجل. وقد ورد في نفس السفر ٣٢/٣٢. ما يأتي: "لذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا الذي على حقّ الفخذ إلى هذا اليوم. لأنه ضرب حقّ فخذ يعقوب لى عرق النسا". وتصحيح هذا التحريف الواقع في توراتهم، فما أخرجه الحاكم ١/٢٩٢، وابن جرير في تفسيره ٤/٤، عن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن إسرائيل أخذه عرق النساء، فكان يبيت وله زقاء. فجعل إن شفاه الله ألا يأكل لحمًا في عروق. قال: فحرمته اليهود. فنَزلت الآية: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلاّ مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ..﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٩٣] . قال الحاكم:"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".ووافقه الذهبي. وقال به ابن جريج والعوفي والضحاك والسدي. (ر: تفسيرابن كثير١/٣٩٠) .والله أعلم. ٦ في م: كلمه. وقد ورد النّصّ في تكوين ٣/٧-١٩.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
سحرة فرعون١. وأنه نزل إلى الأرض عندما كلم موسى من شجرة العليق٢. وأنه نزل عندما كلم إبراهيم وبشره بالولد٣. وأنه نزل حتى بلبل ألسن نمرود وقومه ومعهم من بنمء الصرح٤.
وكلّ ذلك جهل منهم بأن الباري يتقدس عن الحركات والتنقل في الجهات. فظنوا أن سماع آدم ونوح وإبراهيم وموسى كلام الباري من الجنة وشجرة العليق يقتضي الحلول أو يوجب على الباري الصعود أو النُّزُول٥.
٣٣- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن هارون ومريم أخته وقعا في موسى وتناولوه وجرى بينهم شرّ وتحاسد. وأن مريم عابت على موسى نكاحه امرأة سوداء. وأنهما قالا له: أتظن أن الله تعالى إنكما كلمك وحدك كلمنا نحن أيضًا. قال اليهود فنَزل الله تعالى [إلى] ٦ قبة / (٢/٥٧/ب) الزمان ودعا هارون ومريم وتوعدهما. وبرَّص مريم فصارت برصاء من ساعتها٧.
وكذب اليهود هذا ما لا يبتلى به أمثال هؤلاء الأعلام. إذ الحسد مرغمة لمقدور٨ الله وهو كبيرة لا تجوز على الأنبياء. وهارون نبي ثابت العصمة.
_________________
(١) ١ خروج ١٤/١٩-٢٤. ٢ خروج ٣/٢-٤. ٣ تكوين ١٨/١-٢٣. ٤ تكوين ١١/١-٩. ٥ تقدم بيان مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك. ر: ص ٤٥٨. ٦ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٧ ورد ذلك في سفر العدد ١٢/١-١٠. ٨ في م: لقدور.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
ومريم لا خلاف بين أهل الكتاب في نبوتها١. فصدور الكبائر منهم تخرم الثقة بهم والطمأنينة إليهم. فلعن الله اليهود ما أكثر ما يتناولون أنبياء الله قتلًا وقذفًا.
٣٤- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن أسلافهم الذين شاهدوا الآيات مع موسى عندما خرجوا من البحر. قال لهم موسى: ادخلوا الأرض المقدسة التي وعدكم الله بها على لسان أبيكم إبراهيم. وأنهم أبوا عليه وخالفوا أمره٢. قال الله عزوجل حكاية عنهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخَلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُون﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٢٤] . وقال بعضهم لبعض: هلم فلنول علينا ولاة ويؤمر كلّ سبط رجلًا عليه وندع موسى ونرجع إلى مصر فقد كان الموت بين يدي فرعون [خيرًا] ٣ لنا من الدخول إلى الأرض التي وعدنا بها٤.
وهذا / (٢/٥٨/أ) مع ما شاهدوا من الآيات وعاينوا من العبر والمعجزات. فإن صدقوا في نقلهم فبئس السلف سلفهم. وإن كذبوا عليهم فبئس الخلف خلفهم.
_________________
(١) ١ يقول الحاخام سيجال في كتابه حول تاريخ الأنبياء عند بني إسرائيل ص ٧٩: "نجد أن مريم - أخت موسى - تتزعم جوقة النساء في أنشودة بمصاحبة الدفوف والرقص قد سميت نبية. (خروج ١٥/٢٠، ٢١) لأنها في عملها هذا كانت تقوم بما يقوم به الأنبياء. فهي إذن قد تنبأت. ومن هناك يتأكد لنا أن التغني بالأناشيد بمصاحة آلات الموسيقي والرقص كان من عمل الأنبياء". اهـ. نقول: لعن الله اليهود الذين يقذفون أنبياءهم بالفحشاء والمنكر. ليكون ذلك ذريعة لهم في ارتكاب الفحشاء والمنكر. وهذا من خبث نفوسهم ورداءة طبائعهم. فلا غرو أن كانوا من المغضوب عليهم في الدنيا والآخرة. وقد تقدم ذكر الراجح عند المسلمين بعدم صحّة نبوة النساء. ٢ سفر العدد إصحاح (١٣، ١٤) . ٣ في ص، م (خير) والصواب ما أثبتّه. ٤ سفر العدد، إصحاح (١٣، ١٤) .
[ ٢ / ٥٧١ ]
٣٥- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى حين أراد قتل أبكار فرعون وجنوده قال لموسى: مُرْ بني إسرائيل أن يذبحوا حملًا وينضحون من دمه على أبواب دورهم حتى إذا جزت الليلة في أرض مصر ورأيت الدم عرفت أبوابكم من أبواب المصريين كيلا أهلككم معهم١. كأنهم يعتقدون أن الباري تعالى لا يرى إلاّ بإمارة ولا يعلم إلاّ بإشارة. ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِير﴾ . [سورة الملك، الآية: ١٤] .
٣٦- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن موسى ﵇ لما جاء لميقات ربّه واستخلف هارون على قومه وأمره بإصلاح أحوالهم ونهاه عن اتباع سبيل من أفسد منهم خالف موسى في ذلك واتّخذ لهم عجلًا وأمرهم بعبادته٢.
وذلك مردود عليهم بما حكاه دانيال نبي الله في نبوته٣؛ إذ قال: إن الذي صنع العجل لبني إسرائيل حتى عبدوه هو ميخا / (٢/٥٨/ب) السامري وكان آباؤه يعبدون البقر فاستتابه موسى ونفاه إلى الشام٤. فالسامرة بالشام أكثر منهم بغيرها. وذلك موافق للكتاب العزيز حيث يقول: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ . [سورة طَه، الآية: ٨٥] .
_________________
(١) ١ خروج ١٢/١٢، ١٣. ٢ خروج ٣٢/١-٦. ٣ لم أجد في سفر دانيال النّصّ الذي ذكره المؤلِّف. ٤ أخرج ابن جرير في تفسيره ١/٢٨٢ عن ابن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: وكان السامري رجلًا من أهل باجرما. وكان من قوم يعبدون البقر. وكان حبيبة عبادة البقر في نفسه. وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل وكان اسم السامري موسى بن ظفر. وقع في أرض مصر فدخل في بني سرائيل.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
﴿فَأَخْرَجَ لَهُم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ﴾ . [سورة طَه، الآية: ٨٨] . وإلاّ فكيف يحسن بهارون نبي الله وخليفة موسى صفيه، أن ينتدبه موسى لإصلاح١ فيدعو إلى الكفر الصراح؟!.
٣٧- فضيحة أخرى: عبدت اليهود الكواكب والأصنام وقربوا لها القرابين وعاقروا الزنى وموسى بين أظهرهم حيّ فبينما هم مجتمعون إذ هجم (زمري) ٢ رجل من قبيلة شمعون على بغي من البغايا يقال لها كشتي٣ ابنة صور ففجر بها بحضرة الجمع. فضربهم الله بموت الفجأة فقتل منهم في يوم واحد أربعة وعشرين ألفا، كما شهد بذلك الإصحاح الثامن عشر من السفر الرابع من توراتهم٤.
٣٨- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن موسى عند خروجه ببني إسرائيل من مصر قال لهم: استعيروا حليّ المصريين عارية. فلما فعلوا واستعاروا حلي المصريين القوم وثيابهم / (٢/٥٩/أ) أمرهم موسى أن يهربوا بها ويغصبوها. وقال: هذه أجرة سخرتكم. فلبسوها وذهبوا ليلا٥. ومعلوم أنهم لا أجرة لهم على الأيتام والأرامل والمستضعفين من أهل مصر بل على فرعون وذويه الذين استوفوا منافعهم. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمَرُكُم أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ . [سورة النساء، الآية: ٥٨] . وقد هاجر رسول الله ﷺ من بين المشركين كما فعل موسى غير أنه ترك من أهل بيته من أدّى
_________________
(١) ١ في م: (سد به موسى للاصاح) . ٢ ورد في النّصّ أن اسمه: زمري بن سالور - رئيس بيت أب من الشمعونيين. ٣ ورد النّصّ أن اسمها: كزبي بنت صور. ٤ ورد ذلك في سفر العدد ٢٥/١-١٥. ٥ خروج ١١/١-٣، ١٢/٣٥-٣٧.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
الودائع إلى أربابهاولم يخلل بأمانته صلى الله عليه وسلم١.
٣٩- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى أمرهم بالربا في التوراة وأباحه لهم. فلذلك استحلوه. وقالوا: لم يحرم علينا إلاّ فيما بيننا فقط٢. وقد أخبر الكتاب العزيز عنهم بذلك فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا
_________________
(١) ١ قال ابن إسحاق: "ولم يعلم - فيما بلغني - بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج إلاّ عليّ بن أبي طالب وأبو بكر الصدّيق وآل أبي بكر. أما عليّ فإن رسول الله ﷺ، - فيما بلغني - أخبره وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس. وكان رسول الله ﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلاّ وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانه ﷺ". (ر: السيرة ٢/١٤٢)، ونقله البيهقي عن ابن إسحاق في الدلائل ٢/٤٦٤. ٢ ورد ذلك في التوراة المحرفة سفر الخروج ٢٥/٢٢، كالآتي: "إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي. لا تضعوا عليه ربا" وكذلك في سفر اللاويين ٢٥/٣٥-٣٧. وورد في سفر التثنية ٢٣/١٩، ٢٠: "لا تقرض أخاك بربا. ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرّبّ إلهك ". وبناء على هذه النصوص المحرفة فق احترف اليهود الربا منذ العصور الأولى واعتبروه مهنة لهم ووضعوا لها النصوص المتعددة. فقد جاء في التلمود التأكيد على أنه غير مصرح لليهودي أن يقرض الأجنبي إلاّ بالرّبا. (الكنْز المرصود ص ٨٧-٨٩) . ولكن نظرا لما جبل عليه اليهود من حبّ المال فإنهم تحايلوا - وتلك سجية فيهم - حتى على تحريم الربا فيما بينهم فيقول د. حسن ظاظا: "إنه جاء في المادة ٥٨٥ من المجموعة القانونية التي ترجمها دي بولي، تقييد تحريم الربا بما يعطيه اليهودي من قرض لأخيه اليهودي ليواجه به ضرورات ملحة لا قبل له باحتمالها". "أما إذا اقترض اليهودي نقدًا من يهودي آخر بقصد الاستثمار أو الوسع في التجارة أو تنفيذ بعض المشروعات التي تدر ريعًا. فإن الذي يقرضه المال يمكنه أن يفرض عليه نصيبًافي الأرباح يتفق عليه" (ر: الفكرالديني اليهودي ص١٩٦) . وقد بيّن الله افتراء اليهود وتحريفهم التوراة بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ﴾ . [سورة البقرة، الآية:٢٧٥، ٢٧٦] . ففي هذه الآية وما بعدها الرّدّ على المشركين وغيرهم. لما قالوا: إنما البيع مثل الربا. وهذا يفيد بأن البيع كان حلالًا قبل الإسلام. وبأن الربا كان حرامًا قبل الإسلام. وأكّد الله تعالى تحريم الربا بخصوصه وأنه كان حرامًا على اليهود وهم يتعاطونه؛ بقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٦١] .
[ ٢ / ٥٧٤ ]
لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأَمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكَذبَ وَهُم يَعْلَمُون﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٧٥] ١.
٤٠- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى أمرهم أن يبنوا له قبة ينْزلها إذا سافر معهم وأنه اقترح عليهم صفتها فبنوها له على النعت الذي طلبه٢. قالوا: فكان موسى / (٢/٥٩/ب) إذا أراد الرحيل قال: انهض إلينا يا رب لنكبِّتَ شانئيك. قالوا: فكان الباري جل اسمه يظعن بظعنهم ويقيم بإقامتهم٣. وزعموا أن الله تعالى أبى مرة أن يسير معهم وقال: اظعنوا أنتم؛ فإني لا أظعن أنا بل أنا أبعث معكم ملكًا يغفر ذنوبكم٤.
وهذه الأقاويل تؤذن باستخفافهم بالله عزوجل.
٤١- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى قال لإبراهيم: إن بني إسرائيل تستعبد بأرض مصر أربعمائة سنة٥. وقد تضمنت توراتهم ذلك. ولا خلاف عند متأخريهم ومتقدميهم أن بني إسرائيل لم تستعبد بمصر سوى مائتي سنة وخمس عشرة سنة. ذكر ذلك محرور بن قصطنطين المنبجي أسقف منبج. وذلك خلف عظيم٦.
_________________
(١) ١ روى ابن جرير في تفسيره ٣/٣١٨، عن قتادة ﵀ في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ . قال: "ليس علينا في المشركين سبيل. يعنون: من ليس من أهل الكتاب". اهـ. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . أي: وقد اختلفوا هذه المقالة وائتفكوها بهذه الضلالة؛ فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلاّ بحقّها، وإنما هم قوم بهت. (ر: تفسير ابن كثير ١/٣٨٢) . ٢ سفر الخروج الإصحاحات (٢٣، ٢٥، ٤٠) . ٣ ورد ذلك في سفر العدد ١٠/٣٣-٣٦. ٤ ورد ذلك في سفر الخروج ٣٣/١-٥. ٥ تكوين ١٥/١٣، ١٤، خروج ١٢، ٤٠، ٤١. ٦ سيأتي تفصيل هذا الخطأ التاريخي الواضح. (: ص ٥٨٤، ٥٨٥) .
[ ٢ / ٥٧٥ ]
٤٢- إخبار الله تعالى بما يؤول أمر اليهود إليه من الكفر والعناد وسلوك سبل الضلال والفساد: ذكرت التوراة في أواخر السفر الخامس منها: "أن الله تعالى قال لموسى: أنت ميت ومنتقل إلى أبائك وأن هذا الشعب - يعني بني إسرائيل - سيضل ويتبع آلهة أخرى من آلهة الشعوب التي تُعبد من دوني / (٢/٦٠/أ) ويخالفني ويترك عهدي الذي عهدت فيشتد غضبي عليهم. وأخذلهم وأدير وجهي عنهم وأجعلهم مأكلا لأعدائهم وأنزل بهم شرًّا شديدًا وغمًا طويلًا"١.
قال المؤلِّف: قد أخبر الله تعالى عنهم بذلك؛ فجاء الأمر٢ كما أخبر سبحانه فكفروا وضلوا وعبدوا الأوثان والأصنام وقربوا القرابين للزهرة ونجوم السماء ونحروا لها النحور فلما بعث الله إليهم أرميا النبي ﵇ قام فيهم فوعظهم وخوفهم وحرهم وأنذرهم. وقال: يا بني إسرائيل لِمَ تعملون هذا الشّرّ وتلتوون"٣. عن طاعة الله وتهلكون الرجال والنساء من آل إسرائيل ولا تبقوا لكم بقية عند الله تعالى. بخرتم للنجوم والأوثان في أرض مصر وغيرها حتى أراد أن يهلككم ربكم ويصيركم عارًا بين الشعوب. فلما فرغ أرميا [من] ٤ موعظته أجابوه وقالوا: أما ما قلت لنا عن الرّبّ فلا نقبله ولكنا نفعل ما أحببنا وحسن في أعينا. وننحر ونبخر٥ لنجوم السماء ونقرب القرابين للزهرة كما كان يفعل آباؤنا / (٢/٦٠/ب) وأشرافنا في قرى يهودا وكنا بخير. ولم نعاين الشرّ والآن فمذ٦ تركنا البخور للزهرة وأهملنا القرابين لها أعوزتنا الأشياء وجعنا، ثم تصايح الشعب كلّه على أرميا وقالوا
_________________
(١) ١ تثنية ٣١/١٦-١٨. ٢ في م: الأرض. ٣ في م: وتلثون. ٤ إضافة يقتضيها السياق. ٥ ليست في م. ٦ في م: مذ.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
: نحن لا ندع البخور لنجوم السماء والقاربين لها بل نفعل كما فعل آباؤنا.
فقال أرميا ﵇: "اجتمعوا١ يا معشر اليهود اسمعوا أقوال الرّبّ إله إسرائيل، قال الرّبّ: قد أقسمت باسمي العظيم أنه لا يذكر اسمي في جميع أفواه اليهود الذين بأرض مصر لأني معجل لهم الشّرّ ومهلكهم بالجوع والموت وسيعلمون أي القولين أصدق قولي أم قولهم"٢.
وكذلك أخبر صفنيا بن كوش النبي ﵇ في نبوته: "قال صفنيا: قال الرّبّ لأزيلن إسرائيل عن وجه الأرض زوالًا. ولأبيدن طير السماء وسمك البحور. ولأنزلن عذابي بالخطاة من بين إسرائيل. ولأصيرن أيامهم عبرة. ولأهلكنهم عن حديد الأرض. ولأرفعن يدي على يهودا وسكان أورشليم. ولأهلكن كلّ من عبد بعلا الصنم. ولأعاقبن الذين يسجدون لنجوم السماء. كما فعلت/ (٢/٦١/أ) بآبائهم الذين عبدوا الأصنام والنجوم والعجل"٣.
فالعجب من اليهود ينكرون أخبار الكتاب العزيز بعبادتهم عزيرًا وهذه توراتهم ونبوات أنبيائهم تشهد عليهم بما هو أخبث من ذلك. وقد أخبر إليا النبي في كتابه وهو يشكو ببني إسرائيل إلى الله تعالى: "فقال: يا ربّ إن بني إسرائيل قد كفروا وضلّوا، فقتلوا أنبياءك وهدموا مذابحك، وها هم يريدون قتلي"٤.
_________________
(١) ١ في م: استمعوا. ٢ سفر أرميا الإصحاحات (١١، ١٦، ١٧، ١٨) . في سياق طويل جدًّا. وقد أورده المؤلِّف مختصرًا بالمعنى. ٣ سفر صفنيا ١/٢-٦. ٤ سفر الملوك الأوّل ١٩/١٠.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
فقد تضافرت شهادات أنبيائهم بالكفر والضلال وعبادة غير الله تعالى. - شهادة موسى ﵇ على خيار أسلاف اليهود بالكفر والفسق وارتكاب محارم الله واستحقاقهم الخزي واللعن في الدنيا والعذاب في الأخرى: - لما قربت وفاة موسى ﵇ قال لمن حضره من اليهود: "قد عرفت جفاكم وقسوة قلوبكم وما تصيرون إليه. وكيف لا تكونون كذلك وقد أغضبتم الله وأنا حيّ بين أظهركم فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك". ثم قال ﵇: "أخطأ أولاد / (٢/٦١/ب) الأنجاس الجيل المعوج المتقلب الجاهل الذي ليس بحكيم الناسي ما صنع الله إليه من الإحسان وأراه من العجائب. شرب الخمر وملأ بطنه فتبطن وغلظ وشحم ونسي الإله العظيم الذي خلقه وبعد من الله مخلصه - " ثم قال: "قال الله: أسخطوني بأوثانهم وأغضبوني بأصنامهم وذبحوا للشياطين ولم يقربوا لإله إبراهيم ولم يعرفه الجيل الجديد ونسي عهده. يا إسرائيل تركت الإله الذي أشبعك ونسيته وأسخطته، لأصرفن وجهي عنك ولأظهرن ما يكون من عاقبتك لأنك جيل خبيث أولاد من آسفني بآلهته وأسخطني بأوثانه. لأبتلينه بأمة جاهلة ضالة بعيدة عن الحكمة لا تعقل ولا تفهم".
يقول الرّبّ: هذا كلّه عندي ومحفوظ في خزانتي إلى يوم النقمة١ أجازيهم في اليوم الذي تزل فيه أقدامهم لأن يوم هلاكهم قريب معد لهم. أنا الله الرّبّ وليس غيري. أنا أميت وأحيي وأسقم وأبرئ وليس [هارب] ٢ من يدي. أنا٣ الذي أشحذ سيفي وتجري الأحكام بيدي وأجازي الأعداء بالنقمة وأسكر / (٢/٦٢/أ) نبلي من الدم ويأكل سيفي لحوم الجرحى. أين هي آلهتهم التي توكلوا عليها وأكلت قرابينهم؟! فلتقم الآن وتغني عنهم شيئًا. والرّبّ سبحانه يرحم
_________________
(١) ١ في م: القيامة. ٢ في ص، م (هاربًا) والصواب ما أثبتّه. ٣ ليست في م.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
شعبه وعلى الصالحين من عباده يترأف"١.
فقد أخبر الله تعالى عن اليهود بما أخبر. وشهد عليهم الصادق موسى بما شهد. وصدق الله ورسوله. وتعيّن علينا وعلى كافة عباد الله بغض اليهود ومقتهم وتكذيب أقوالهم وردّ روايتاهم٢.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: إنّا لم نعتمد فيما نقلناه على تعليقات علمائنا ومؤلّفاتهم حتى طالعنا توراة اليهود وأناجيل النصارى ومزامير داود ونبوات الأنبياء مرّة بعد أخرى. ونقلنا كما رأيناه واستنبطنا واستخرجنا مما وجدنا. فمنه ما نقلناه على نصّه ومنه ما أوجزناه لركاكة نصّه. وإن ما نقلناه من فضائحهم [قليل من كثير ويسير] ٣ من خطير. والله الموفّق.
_________________
(١) ١ سفر التثنية ٣١/٢٤-٣٠، ٣٢/١-٤٢، في سياق طويل. وقد ذكره المؤلِّف مختصرا. ٢ لقد تحققت نبوءة موسى ﵇ في بني إسرائيل. فلم يمض وقت طويل على وفاته ﵇ إلاّ وقد انحرفوا عن دين التوحيد الذي جاء به موسى والأنبياء جميعًا والشواهد على ذلك من أسفارهم المقدسة لديهم كالآتي: فقد ارتدوا في زمن يشوع فتى موسى وخليفته من بعده ﵉. (ر: سفر يشوع إصحاح ٢٢) . وارتدوا كذلك بعد وفاة يشوع في عهد القضاة عدة مرات فعبدوا البعل وعشتاروت وآلهة الشعوب الوثنية فسلط الله عليهم كوشان ملك آرام الذي استعبدهم. (ر: سفر القضاة ٣/٥-١١) . وعندما عاد بنو إسرائيل إلى عمر الشّرّ سلط الله عليهم عجلون ملك مؤاب. (ر: قضاة ٣/١٢-٣٠) . وعندما انحرفوا أيضًا سلط الله عليهم يابين ملك كنعان. (ر: قضاة ٤/١-٢٤) . ثم ارتدوا بعد ذلك عدة مرات. وفي كلّ مرة كان الله يسلط عليهم أعداءهم. (ر: سفر القضاة الإصحاحات ٦، ١٠، ١٣، ١٧) . وكذلك انحرفوا مرات عديدة في عهد الملوك. (ر: سفر الملوك الأوّل، الإصحاحات (١٢، ١٤، ١٥، ١٦-١٩، ٢٢) . والملوك الثاني، الإصحاحات (١، ١٣، ١٥، ١٦، ١٧، ٢١، ٢٣، ٢٤) . وبعد هذه الانحرافات المتكررة هل يوثق بتوراةٍ كانت بين ظهراني قوم لا يؤمنون بها وارتدوا عنها؟! وهل دينهم لا زال نقيًا صافيًا كما جاء به موسى والأنبياء من بعده؟! أم قد حرّف وبُدل واختلطت به شوائب الوثنية والشرك؟!!. ٣ في ص، م (قليلا يسيرًا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فضائح النصارى:
اعلم أن جميع ما ذكرنا من فضائح اليهود لازم للنصارى أيضًا؛ لأن كلتاالطائفتين تعتقدحرمةالكتاب التي نقلنا/ (٢/٦٢/ب) منها وتعظمها جدًا. وما النصارى إلاّفخذ من اليهود خلا الروم وقوم من المشرق فإنهم ليسوامن بني إسرائيل والذي يخصّ النصارى من الفضائح دون اليهودفمن ذلك:
٤٣- فضيحة: زعم كلّ النصارى أن الكلمة الأزلية نزلت إلى الأرض فولجت فؤاد امرأة عذراء وسكنت برحمها تسعة أشهر تغتذي بفاضل قوتها ثم خرجت من فرجها إنسانًا فتردد في الأرض بين الناس وناله ما ينال الأطفال من الآلام والإعلال وتقلبت به الأحوال إلى أن بلغ مبالغ الرجال. فلما شرع يشهر نفسه ويظهر قدسه توثبت١ عليه طائفة من عبيده فكذبوا فمه وسفكوا دمه وقتلوه ظمآنا وصلبوه عريانا٢.
فإذاقيل لهم: ماالذي أحوج الكلمة الأزلية إلى تجشم هذه القضية الدّنية؟
قالوا: إنما فعلت٣ ذلك ليخلصنا من الجحيم ويخصصنا بالنعيم المقيم. تبالهم. أيزعمون أن الباري أوصفته عجز عن خلاص عباده حتى اعتضد بناسوت اكتسبه من امرأة منهم وما نراه أيضًا قدر / (٢/٦٣/أ) على خلاصهم وهو معافى بل جاء بخلاصهم فعطب. ورام سلامتهم فقتل وصلب، هذا لعمرك هو التلاعب بالدين. أعوذ بالله من الضلال واعتقاد الربوبية في الرجال.
_________________
(١) ١ في ص (توبت) والتصويب من نسخة م. ٢ ما نقله المؤلِّف عنهم إنما هو اختصار لسيرة المسيح ﵇ في الأناجيل الأربعة المعتمدة عند النصارى. والمحرفة عند المسلمين والعقلاء. ٣ في م: فعل.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
٤٤- فضيحة أخرى: زعم النصارى أنّ١ إلههم صلب مع اللصوص ودفن في المقابر بين الأموات وقام في اليوم الثالث إلى السماء وجلس فيها٢.
وذلك مما يأنف عن اعتقاده أهل الجنون وأرباب المجون، أسأل الله العافية.
٤٥- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن إبليس - لعنه الله - احتمل المسيح ورفعه على جبل عال وأراه الدنيا بأسرّها وقال: هذا كلّه لي وأنا أعطيكه٣ إن خررت لي ساجدًا٤. هذا ينقض قولهم: إن المسيح ربّ إبليس وربّ كلّ شيء، وإذا كان إبليس عبدًا للمسيح، فكيف يسومه السجود له؟!!.
٤٦- فضيحة أخرى: روى النصارى أن جبريل قال مريم: إنك ستلدين ولدًا تسميه يسوع المسيح يكون عظيمًا يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملك على بيت يعقوب٥.
ثم رووا عن بطرس أن المسيح / (٢/٦٣/ب) وأصحابه كانوا يبذلون الجزية لقيصر أسوة سائر المستضعفين٦. وذلك تناقض عجيب. والصحيح ما أخبر به جبريل الأمين عن ربّ العالمين. وأما الرواية الثانية فيلزم من القول بصحّتها تكذيب جبريل. ومن كان عدوًّا لجبريل الأمين فهو عدوّ لله٧ ربّ العالمين.
_________________
(١) ١ في ص زاد (إبليس لعنه الله) وهو خطأ. ٢ وذلك مما اتفقت عليه الأناجيل المرحفة. ٣ في م: أعطيك هو. ٤ متى ٤/١-٩، لوقا ٤/١-٨. ٥ لوقا ١/٣٠-٣٣. ٦ متى ١٧/٢٤-٢٧. ٧ قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ٩٨] .
[ ٢ / ٥٨١ ]
٤٧- فضحية أخرى: عند النصارى ثلاثة آلهة قديمة أزلية ورجل من بني آدم وعبّروا عن ذلك بالأب والابن والروح القدس. وعيسى بن مريم١ على ما تشهد به صلواتهم الثمانية. وذلك باطل وكفر. والدليل عليه قول التوراة والإنجيل: "إن الله خالق العالم واحد لا شريك له"٢. وأنه الإله الحقّ الذي لا ربّ غيره ولا معبود سواه على ما تقدم فمن أشرك مع الله غيره فقد كفر بالتوراة والإنجيل.
٤٨- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن المسيح خلقها آدم وذريته وسائر الخلق أجمعين.
فيقال لهم: فمريم من خلقها؟ فإن قالوا: ليست من خلقه. نقضوا مقالهم. وإن زعموا أنه خلقها، فيقال لهم: يا نوكا كيف تلد المسيح وهو خالقها؟ أم كيف ترضعه وهو رازقها؟ / (٢/٦٤/أ) أسمعتم يا معشر العقلاء بامرأة ولدت خالقها وأرضعت ثديها رازقها؟!!.
٤٩- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن ربّهم وإلههم أكل وشرب ومشى وركب وهُزم وغُلب وصُفع وصُلب. وأكذبهم الإنجيل إذ يقول: "إن الله لا يأكل ولا يشرب ولا يراه أحد ولا رآه أحد قط إلاّ مات"٣.
_________________
(١) ١ في م: (ابن مريم) ساقطة. ٢ لقد تقدم ذكر النصوص الدالة على وحدانية الله عزوجل من التوراة والأناجيل. (ر: ص ٢٣٦، ٢٣٧، وسيأتي ذكرها أيضًا في ص: ٤٥٩، ٤٦٠) . ٣ تقدم تخريجه. (انظر: ص: ١٢٩) .
[ ٢ / ٥٨٢ ]
٥٠- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن معبودهم ين ولدته أمه في السفر لفته في الخرق وتركته في مذود١ من مذاود البقر إذا لم تجد موضعًا تجعله فيه٢، تعالى الله ربّ الأرباب أن تحويه معالف الدواب بل لا تحويه الأقطار ولا يحده المقدار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات٣.
٥١- فضيحة أخرى: من مشائخ النصارى رجل يقال له أفريم يعظمونه جدًّا ويرون فيه وهو الذي يقول: إن الأيدي التي جبلت طينة آدم هي التي سمرت على الصليب. وإن الشّبر التي مسحت السماوات هي التي علقت على الخشبة.
وهذا الرجل قد جمع إلى الكفر الجنون. والجنون فنون، ومن يعتقد فيه خير فهو أجهل وأكفر منه.
٥٢- فضيحة أخرى: النصارى يعظمون غرغوريس وهو القائل: "إن الذي لا يألم ولا يتجع صار متجعًا. وإن الذي لا يحس صار محسوسًا، وإن الذي لا يحد صار محدودًا، وصار الخالق مخلوقًا وإن من لا يقول إن مريم ولدت الله فهو بعيد عن ولاية الله"٤.
_________________
(١) ١ في م: مزود من مزواد. ٢ لوقا ٢/٧. ٣ قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . [سورة الزمر، الآية: ٦٧] . ٤ نقل ذلك أيضًا القاضي عبد الجبار في كتابه: (تثبيت دلائل النبوة ١/٩٨-٩٩)، والمهتدي نصر بن يحيى المتطبب في: (النصيحة الإيمانية ص ١٩٤) .
[ ٢ / ٥٨٣ ]
قال المؤلِّف: وهذا خلاف قول النصارى وذلك أن عندهم إنما كان خاصية الاتّحاد وثمرته أن يقع الفيض الإلهي على الشكل الإنساني فتكسبه شرفًا. فأما أن يقع الأمر بالعكس فيكتسب الإله خسة ونقيصة، فهذا ما لا يقول به إلاّ جهلة القبط من النصارى. فأما أذكياؤهم فيأنفون من القول به.
٥٣- فضيحة أخرى: على الطائفتين جميعًا رووا عن توراتهم: "أن الله تعالى قال لإبراهيم الخليل ﵇: إن ذريتك يستعبدون بأرض مصر أربعمائة سنة"١.
قال مؤرخهم: إن هذا القول لم يتم بل أخلف٢. لأن بني إسرائيل لم يمكثوا بمصر أكثر من مائتين وثلاثين سنة. وقال المنبجي أسقف منبج٣: مائتي سنة وخمس عشرة سنة لا غيره. - كما تقدم في حاشية [وعد] ٤ خليله / (٢/٦٥/أ) إبراهيم - على أنا لو أضفنا لهم٥ إلى إقامتهم بمصر سني التيه وهي الأربعون لم
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في سفر التكوين ١٥/١٣، وورد أيضًا في سفر الخروج ١٢/٤٠، بصيغة مختلفة كالآتي: "وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربعمائة وثلاثين سنة". فزيد في عبارة سفر الخروج لفظ: (ثلاثين) . ٢ في م: خلف. ٣ منبج: اسم عجمي تكلمت به العرب. وهي مدينة في سورية. مركز قضاء منبج. (محافظة حلب) . (ر: معجم ما استعجم ص ١٢٦٤، للبكري، المنجد في الإعلام ص ٦٨٦) . ٤ في ص، م (وعلى) ولعلّ الصواب ما أثبتّه. ٥ اعترف مفسرو العهد القديم بوقوع الغلط في مدة إقامة بني إسرائيل في مصر. قالوا: "ومدة غربتهم في مصر على ما في التوراة العبرانية ٤٣٠ سنة. وجاء في السبعينية (أي: النسخة اليونانية المعتمدة عد الصنارى الكاثوليك) والساميرة أنها كانت نصف ذلك أي: ٢١٥ سنة. ولكن لا سبب يحملنا على إثيار ما في هاتين على ما في الأصل العبراني. (أي: على اختيار ٢١٥ على ٤٣٠) . فلنا أن نعتقد صحّة العدة في العراني". اهـ. (ر: السنن القويم ١/٣٦٣) .
[ ٢ / ٥٨٤ ]
يكمل لهم العدد، والله تعالى محاشى عن وقوع الخلف في خبره. بل قوله الحقّ ووعده الصدق سبحانه وتعالى عما يشركون.
٥٤- فضيحة أخرى: النصارى إذا تقربوا في الكنيس الذي لهم فأكلوا الخبز وشربوا الخمر، قالوا: قد أكلنا جسد الرّبّ وشربنا دمه، ورووا عن المسيح
_________________
(١) نقول: إن ترجيحهم هذا تحكم من غير دليل ومكابرة. والصواب أن المدة مائتان وخمس عشرة سنة. وبيانه كالآتي: إن الزمن من دخول إبراهيم ﵇ أرض كنعان إلى ولادة إسحاق ﵇ (٢٥) سنة، ومن ولادة إسحاق إلى ولادة يعقوب ﵉ (٦٠) سنة. ولما دخل يعقوب أرض مصر كان عمره (١٣٠) سنة. فيكون مجموع السنوات من دخول إبراهيم أرض كنعان إلى دخول حفيده يعقوب ﵈ (٢١٥) سنة. وكانت مدة إقامة بني إرسرائيل في مصر (٢١٥) سنة. فمجموع الكلّ (٤٣٠) سنة. ولذلك صحّح المحقِّقون مهم عبارة النسخة السامرية واعتبروها صحيحة تزيل كل إشكال وقع في غيرها. لأنها تذكر سكنى بني إسرائيل وآبائهم في أرض كنعان وأرض مصر. ونصّها في سفر الخروج ١٢/٤٠، كالآتي: "وسكنى بني إسرائيل وآبائهم ما سكنوا في أرض كنعان وفي أرض مصر ثلاثين سنة وأربعمائة سنة". وقد ذهب إلى تأييد ذلك عدد من محققيهم منهم: الكاهن أبو الفتح السامري في كتابه: (التاريخ مما تقدم عن الآباء ص ٦، ٧)، ومؤلف كتاب: (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، وآدم كلاك في تفسيره، وجامعو تفسير هنري وإسكات وغيرهم) . (ر: الفصل ١/٢١٤-٢١٦، لابن حزم، إظهار الحقّ، لرحمة الله، نقد التوراة ص ١٢٨، ١٢٩، د. السقا) .
[ ٢ / ٥٨٥ ]
أنه أعطاهم خبزًا. وقال: هذا دمي فاشربوه١.
وهذا لعمرك إلى أن يعد جناية موجبة للعقاب أقرب من تسميته قربة مستدعية للثواب. فليت شعري أي شيء أبقوا لليهود ولم يبلغوا منه من النكاية إلى هذه الغاية بل قالوا: إنهم اقتصروا على قتله وصلبه. فأما النصارى فكأنهم لم يرضواله بهذاالقدرحتى ترقوا إلى تمزيق لحمه وشرب دمه. وهذالم يسمع به إلاّمن العدوّالمشاحن وأرباب الأحقادوالضغائن.
_________________
(١) ١ متى ٢٦/٢٦-٢٨، لوقا ٢٢/١٩،٢٠ واستدل النصارى على ذلك أيضًا بما ورد في إنجيل يوحنا الإصحاح (٦)،وفي رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس١١/٢٣-٣٠. وقد استدل النصارى بهذه النصوص على أداء ما يسمى بـ: (سرّ الشكر أو الإخار ستيا) وهو أحد الأسرار السبعة المختصة بالكنيسة ولا يجوز أداؤها إلاّ في الكنيسة. وهي: (١- سر المعمودية. ٢- سر الميرون. ٣- سر الشكر. ٤- سر التوبة. ٥- سر مسحة المرضى. ٦- سر الزواج. ٧- سر الكهنوت) . وتعريف سر الشكر عندهم: أنه سر مقدس يأكل به المؤمن (النصراني) جسد المسيح الأقدس ويشرب دمه الزكي تحت أعراض الخبز والخمر. وله عدة أسماء منها: العشاء الرباني. القربان المقدس. العشاء السري. المائدة المقدسة أو السرية. خبز الرّبّ. الخبز السماوي. وغير ذلك. وصفة إيمان الكنيسة الأرثوذكشية بهذا السر كالآتي: إننا نؤمن أنه بعد تقديس سر الشكر واستدعاء حلول الروح القدس على القرايبن يستحيل الخبز والخمر استحالة سرية إلى جسد المسيح ودمه الأقدسين. حتى إن الخبز والخمر اللذين ننظرهما على المائدة ليسا خبزًا وخمرًا بسيطين، بل هما جسد الرّبّ ذاته ودمه تحت شكلي الخبز والخمر. ونؤمن أن ربنا يسوع المسيح حاضر في هذه الخدمة لا بوجه الرمز أو الإشارة أو الرسم أو الصورة أو المجاز، ولا بأنه مستتر في الخبز بل هو حاضر حضورًا فعليًا. وهذا الإيمان هو إيمان الكنيسة كلّها شرقًا وغربًا منذ ابتدائها. ولا يختلف اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية عن ذلك إلاّ أنّها تجيز أداء هذا السر بالفطير بدلًا عن الخبز الخمير الذي توجب الكنيسة الأرثوذكسية أداء السر به". اهـ. ويزعمون أن من يتناول هذا السر فإنه يستحق أثمارًا خلاصية من همها: ١- الثبات والاتّحاد مع المسيح. ٢- النموّ في النعمة والكمال الروحي والحياة في الرّبّ يسوع. ٣- ينال عربون الحياة والقيامة المجيدة.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
_________________
(١) ومع أهمية هذا السر عندهم، فإنه ليس بمجمع عليه من النصارى جميعًا. فقد أنكره الكثيرون منهم. واعتبروا الخبز والخمر رمزًا لجسد المسيح ودمه وليس حقيقة. ومن أبرز هؤلاء المنكرين يوحنا أيجانا الإيرلندي في القرن (٩م) . وبرنغاريوس رئيس مدرسة تورس بفرنسا في القرن (١١م) . وطائفة البطروبروسيون (تلاميذ بطرس دي بريز بفرنسا) في القرن (١٢) . وطائفة الألبيجنسيين في القرن (١٣م) ثم يوحنا ويكلف الإنجليزي، وزوينكل وكلفن ولوثر في العصر الحديث زعماء طائفة البروتستان. وكان إنكار هذا السر قديمًا أيضًا في زمن أغناطيوس وإيريناوس وكيرلس الأورشليمي ويوحنا ذهبي الفم - آباء الكنيسة القدماء - الذين أنكروا على من أسموهم بالهراطقة الذين لا يؤمنون بهذا السر. (ر: أسرار الكنيسة السبعة ص ٦٢-١٠٢، حبيب جرجس، قصة الكنيسة القبطية ص ٥٠٢، إيريس حبيب) بتصرف واختصار. وهذا السر الذي يؤمن به النصارى كعقيدة التثليث مستحيلة عقلًا وشرعًا. فالعقل السليم يرفض الإيمان بأن الخبز والخمر يتحولان حقيقة - بعد تقديسهما - إلى جسد المسيح ودمه والاعتراضات العقلية والنقلية كثيرة في إبطال هذه العقيدة المستحيلة. (ر: إظهار الحقّ ص ٣٢٦-٣٢٨، للشيخ رحمة الله الهندي) .
[ ٢ / ٥٨٧ ]
قال المؤلِّف: صَرَّح لي بهذا الحرف بعض النصارى وكان معنا في المجلس / (٢/٦٥/ب) رجل من عقلائهم. فقطع عليه الكلام وانتهره حتى فهم القصة من حضر ذلك المجلس.
فأي فائدة وأي فضل وفخر في دعوى هذا المحال على عبد الله المسيح وجعله قرآنًا يتلى؟ ولقباحة هذه الأقوال وسماجتها وبعدها من كلام الأنبياء صار كثير من النصارى يُسْلم من غير أن يطلع على محاسن دين الإسلام ونظافته من هذا الهذيان. بل تبرمًا وتطيرًا من قباحة ما عليه النصارى لا غير.
٥٥- فضيحة أخرى: ترك طوائف من النصارى الاختتان وحرموه ورأوا أنه معصية. وأن إطالة القلف دين يُدان الله به وشرع لا يسع المكلف خلافه. فيجامع أحدهم امرأته وجلدة قفلته مستطيلة والأخرى عضوها بارز نات كأنه عرف ديك [فيكونان] ١ أقبح شيء وأسمجه. وراغموا التوراة والإنجيل وسائر النبيّين. أما التوراة فنصّت: "إن إبراهيم الخليل أمره الله بالختان فقال له: هذه عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك أن يختتنوا غرلة كل ذكر منكم ومن عبدانكم ليكون عهدي مَيْسَمًا / (٢/٦٦/أ) في أجسادكم عهدًا دائمًا إلى الأبد. وكلّ ذكر لا يختتق غرلته. فلتهلك تلك النفس من شعبها لأنها أبطلت عهدي. فعمد إبراهيم فاختتن وهو إذ ذلك شيخ كبير وختن أولاده وعبدانه"٢.
فإذا كان هذا نصّ التوراة، أنه واجب إلى الأبد وأن تاركه يقتل؛ فقد وضح كفر من خالفه من النصارى. وغيرهم. وقد ترك الروم والفرنج وغيرهم الختان. هذا وقد اختتن المسيح وتلاميذه. والعجب من النصارى منهم من يَجُبُ مذاكيره ويخصي نفسه. وآخرون يحلقون لحاهم. ولم يأت ذلك في شرع ولا نزل به كتاب. ويتركون الختان.
ولم يزل النصارى يختتنون بعد رفع المسيح إلى أن أتاهم رجل يدعى عندهم
_________________
(١) ١ في ص، م (يكونا) والصواب ما أثبتّه. ٢ تكوين ١٧/٩-١٤، ٢٣-٢٧.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
فولس بعد المسيح بمدة متطاولة فقال لهم: "إن الختان ليس بشيء وإن الغرلة ليس بشيء"١. وما أعلم على النصارى أشأم من هذا الرجل - أعنى فولس - فإنه حلهم من الدين بلطيف خدعه. فحلهم من سنة الختان إذ رأى عقولهم قابلة لكل ما يلقى إليها٢.
٥٦- فضيحة أخرى: للنصارى كنيسة ببعض البلاد يحجون٣ إليها ويعظمونها / (٢/٦٦/أ) ويزعمون أن يد الله تخرج إليهم من وراء ستر منها فتصافحهم وذلك في يوم من السنة، فبلغ ذلك بعض رؤساء دولتهم وقيل له: ألا٤ تعجب من يد الله تعالى كيف تظهر للناس ويرونها؟! فمضى ذلك الرئيس إلى الكنيسة في ذلك اليوم. فلما ظهرت اليد قَرَّبه الأقساء إليها ليقبلها فلما رآها وضع يده فيها والتزمها فصاحوا به. وقالوا: الساعة يخسف بنا الأرض أو تسقط
_________________
(١) ١ رسالته إلى غلاطية ٦ الشافعي: الأمّ ١٥. ٢ تقدم التعليق على إبطال النصارى لشعيرة الختان (ر: ص ٢٢٨)، ونضيف هنا بأن كثيرًا من النصارى قد مالوا إلى الختان لتقليدهم المسلمين وتأثرهم بهم عن طريق التجارة والدراسة والحروب. وأيضًا لما لمسوه من الفوائد الصحية والنظافة الشخصية للختان. (ر: المجتمع القبطي ص ٢٢٣، ٢٢٤، إيريس حبيب، الصليب في الإسلام ص ٦ حبيب زيات) . ٣ الحج في تعريف النصارى هو: زيادة الأماكن المقدسة. ويُعرف من أدّى عبادة الحج عند النصارى باسم (المقدسي) نسبة أي: بيت المقدس. وتاريخ حجّ النصارى يبدأ على الأكثر منذ القرون الوسطى. فمنذ عهد قسطنطين سنة ٣٠٦م أخذ النصارى يزورون الأماكن التي تقدست بولادة المسيح وموته وقيامته والأماكن التي لها تعلق بعجائب المسيح. ولكن لم يقتصر النصارى على زيارة ما ذكر من الأماكن فقد توسعوا في ذلك كثيرًا فأصبحوا يحجون إلى الصوامع والأديرة التي كان يقيم فيها رهبانهم وقديسيهم وإلى روما حيث كنيسة بطرس بالفاتيكان وكنائس أخرى كثيرة في ألمانيا ومصر وسويسرا وأسبانيا وبريطانيا وتركيا وغيرها كثير جدًّا. (ر: دائرة المعارف ٦/٦٩٣-٦٩٨، للمعلم بطرس البستاني - باختصار) وهذا يؤكّد لنا أن معظم عبادتاهم محرفة ومبتدعة. فالحجّ على الصفة السابقة إنما هو زيارة الأماكن المقدسة الأثرية أو السياحة الأثرية ولا أكثر من ذلك. وما يزعمون أنه الحجّ إنما هو من اتباعهم الهوى والشيطان. ٤ في م: لا.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
علينا السماء وترسل الصواعق فنهلك. فقال: دعوا عنكم هذا فإني والله لا أدع هذه اليد من يدي حتى أرى وجه صاحبها. فلما شاهدوا منه التصميم قالوا له: أرجعت عن دين النصرانية وهو دين آبائك وأسلافك؟ قال: لا ولكني أردت الوقوف على سر ذلك. قالوا: فإنها يد أسقف من أصحابنا وراء هذا الستر. فلما رآه وشاهده أرسل يده وخرج من تلك الكنيس١ فلم يعد بعد. واشتهرت القصة. قال المؤلِّف: سمعت ذلك من كثير من أصحابنا المغاربة ثم شاهدت القصة مسطورة في تصنيف لبعض المغاربة٢.
٥٧- فضيحة أخرى: للنصارى صليب من حديد / (٢/٦٧/أ) معلق في قبة كنيسة لهم بالمغرب. قد وقف في الهواء بغير علاقة ولا دعامة والناس يحجون إليها ليشاهدوا الصليب ويتعجبون من تلك الآية. فأكثر التعجب من ذلك بعض ملوكهم. فقال لكاتب كان عنده من اليهود: ألا تعجب يا فلان من هذه الآية العظيمة التي في هذا الصليب؟ فذكر له اليهودي أن في جهات الصليب المذكورة حجارة المغناطيس العظام مخبأة في الجدار وفي ما يوازيه من سقف القبة وأرض الكنيسة فهي التي أوجبت قيامه ومنعته من السقوط. فحضر الملك إلى الكنيس المذكور في وقت خلوة وتقدم بالكشف عن الحجارة من بعض الجدران من الصليب. فاضطرب الصليب حتى خافوا أن يسقط فعرف حقيقة الحال وانصرف٣.
٥٨- فضيحة أخرى: للنصارى في بلد من بلاد المغرب٤ أيضًا كنيسة
_________________
(١) ١ في م: الكنسي. ٢ هو كتاب: "مقامع هامات الصلبان في الرّدّ على عبدة الأوثان ومراتع روضات الإيمان". لأبي عبيدة الخزرجي الأندلسي ت ٥٨٢هـ. وقد حققه. د. محمّد شامه ونشره بعنوان (بين الإسلام والمسيحية) ر: ص: ٢٦٨، ٢٦٩. من الكتاب المذكور. ٣ نقل المؤلِّف هذه الفضيحة من المرجع السابق. (ر: مقامع هامات ص:٢٦٩، ٢٧٠) . ٤ ذكر أبو عبيدة الخزرجي أن الكنيسة بالأندلس.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
فيها ثريا معلقة نحو تعليق الصليب، ينْزل إليها نور من فوق فتتقد للوقت في وقت من السنة. فهم يعظمون ذلك اليوم ويفخمونه. فأطرق بها بعض ولاتهم فصار إليها فعرف حقيقة الحال / (٢/٦٧/ب) وذلك أنهم مَدُّوا من الجدار قصبة حديد مجوفة وأبرزوا لها أنبوبًا دقيقًا على وزان طرف الذبالة. فإذا كان ذلك الوقت المخصوص أرسلوا نار. النفط في تيك القصبة فتخرج بسرعة فتتقد للوقت. فلما عرف وجه هذه الحيلة أمر بصفع السدنة وانصرف١.
٥٩- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن مريم أم المسيح تنّزل من السماء على الأرض دار المطران٢ بطليطلة في يوم معروف من السنة بكسوة تلبسها له. وهم لا يشكون في صحّة هذا ببلادهم. قال بعض من نقلها: يا ليت شعري هل نزولها٣ بغير إذن الأب أم بإذنه؟ فإن كان ذلك بإذنه فكيف لم يرسل بعض ملائكته ورسله ويوقر أم ولده ويصونها عن التبذل لرجل من جنسها أجنبي عنها؟ وإن كانت تنْزل بغير إذنه مستبدة برأيها، فكيف يجوز من الأب أن يصطفي لنفسه خائنة تخونه وتخرج من بيته بغير إذنه إلى رجل بكسوة تكسوه٤ وتزينه بها؟ أترون الأب لا يعلم خيانتها وترددها إلى من ليس له بمحرم؟ / (٢/٦٨/أ) أو ترونها قد عشقت المطران فهي تتردد٥ إليه شغفًا به؟ فما بالها لا تولي ذلك غيرها من خدمها حتى تتجشم هي بنفسها؟ ٦.
٦٠- فضيحة أخرى: للنصارى عيد بيت المقدس مشهور يعرف بعيد
_________________
(١) ١ نقل المؤلِّف هذه الفضيحة من المرجع السابق. (ر: مقامع هامات ص:٢٧٠، ٢٧١) . ٢ ذكر أبو عبيدة الخزرجي أن اسم المطران: دون أقريس. وبأنها كانت عليه في ليلة النصف من شهر أغسطس. ٣ في م: ترونها. ٤ ليست في م. ٥ في م: زاد (له) . ٦ نقل المؤلِّف هذه الفضيحة من المرجع السابق. (ر: مقامع هامات، ص: ١٧١) .
[ ٢ / ٥٩١ ]
النور، يحجون إليه في يوم من السنة. وإذا اجتمعوا عنده نزلت نار من تجويف القبة فتعلقت بذبالة القنديل فيتقد بسرعة فتكثر الأصوات وتعج بالدعاء والابتهال، فلا يشك الغر ولا يرتاب الغمر١ أن تلك آية نزلت من السماء دالة على صحة دينهم. ووجه الحيلة في ذلك أن رجلًا يختبئ في أفرير القبة من داخل وهي غلسة جدًا. فإذا كان ذلك الوقت الذي يُكمل فيه اجتماعهم وقُرأ الإنجيل والكتب؛ أرسل الرجل قبسا من نار النفط فجرت على خيط مدهون بدهن البلسان فتبتدر٢ الذبالة فيتقد. فيجأرون حينئذٍ بالأدعية.
قال علماؤنا: وقد تفطّن لذلك بعض ولاة بيت المقدس فصار إليهم / (٢/٦٨/ب) في ذلك العيد وأراد أن يفضحهم بكشف القصة فبذلوا له مالًا فقنع به منهم وانصرف. ومعلوم أن ذلك لو كان نورًا لم يتقد منه المصابيح. إذ صفة النار الإحراف وصفة النور الإشراق فقط. ولو كان ذلك نازلًا من السماء كما يدعي النصارى لروئي خارج القبة. والدليل على كذبهم أن تلك البقعة أقامت في أيدي اليهود مدة طويلة ثم جاء الله بالإسلام ولم يُرَ شيء من هذا الجنس٣.
٦١- فضيحة أخرى: النصارى يصلون إلى مشرق الشمس ويتّخذونها قبلتهم٤. وقد كان المسيح ﵇ طول مقامه يصلي إلى قبلة بيت
_________________
(١) ١ في م: زاد (أن) . ٢ في م: فتبدر. ٣ ذكر أبو بكر الطرطوشي (٤٧٤هـ) هذه الحيلة للنصارى، ونقلها عنه ابن القيم في إغاثة اللهفان ص ٦١٩، ونقلها المؤلِّف عن كتاب مقامع هامات ص ٧٥، ٧٦، ٢٧٢. ٤ إنّ الأقباط الأرثوذكس والأقباط الكاثوليك يتجهون في صلاتهم إلى المشرق لعد أسباب (في زعمهم) منها: أن الشرق هو الجهة التي قال السيد المسيح إنه يظهر منها عند مجيئه الثاني. ولأن المسيح نور العالم، والشرق مطلع الأنوار. ولقد كان لاتّجاههم إلى الشرق تأثير في نظام الكنائس حيث جعلت جميع الهياكل تقام في الجهة الشرقية من الكنيسة. أما الأقباط الإنجيليون (البروتستانت) فيتجهون في صلاتهم إلى أية جهة. (ر: المجتمع القبطي في مصر في القرن التاسع عشر ص ٦٢٢، رياض سوريال) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]
المقدس قبلة موسى بن عمران والأنبياء. "وقال: إني لم آت لأنقض١ التوراة بل لأكملها. وأن السماء والأر ليزولان وكلمة واحدة من الناسوت لا تزول حتى يتم بأسره"٢. غير أن النصارى خالفوا المسيح والأنبياء واعتذروا في توجههم إلى المشرق بأنه الجهة التي صلب إليها ربّهم وقتل فيها إلههم فيقال لهم:
يا حمقى لو كنتم أولي ألباب لَمَقَتُّم جهة الشرق وأبغضتموها / (٢/٦٩/أ) وتَطَيَّرتم بها ورفضتموها في أمور العادة فضلًا عن العبادة. وذلك لأنها الجهة التي لم يصل إليها المسيح ولا شهدت [لها الأناجيل ولا٣ صَلَّى] إليها نبي من الأنبياء البتة. ثم إنها الجهة التي٤ تشتت بها شملكم وبددت٥ كلمتكم وفرقت جموعكم. فتعظيمكم لهذه الجهة هي أشأم الجهات عليكم، أمر يقتضي السخرية بكم والإزراء عليكم. وكان الأولى بكم أن لا تتحولوا عن جهة بيت المقدس لقول الإنجيل:
"إن امرأة سامرية من اليهود قالت للمسيح: يا سيد، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل للأب فكيف تقولون أنتم إنه أورشليم؟. فقال لها: أيتها المرأة أنتم تسجدون لما لا تعلمون، ونحن نسجد لما نعلم، فهذا المسيح٦ يشهد أنه ليس لله قبلة يصلي إليها إلاّ بيت المقدس الذي هو أورشليم". فأنتم أعرف وأعلم من المسيح بما يجب لله تعال؟ - إنا لله وإنا إليه راجعون على عقولكم -. لقد رميتم فيها بداهية.
_________________
(١) ١ في ص (لأجل الأنبياء) وفي م: (لأجد) . والصواب ما أثبتّه. ٢ متى ٥/١٧، ١٨. ٣ في ص (ولا الأناجيل صلى إليها) وفي م (الأناجيل بأن صلى) والتصويب من المحقِّق. ولعلّ الناسخ أخطأ في التقديم والتأخير. والله أعلم. ٤ في م: (إنها الجهة التي) ساقطة. ٥ في م: وبدت. ٦ يوحنا ٤/١٩-٢٢.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
٦٢- فضيحة أخرى: الروم من النصارى / (٢/٦٩/ب) على كثرة طوائفها لا يرون وجوب الاستنجاء، فيبول أحدهم ويغوط ويقوم من فوره إلى مصلاه وهو متضمخ ببوله١. وذلك مما أحدثوه بعد المسيح. وإلاّ فشرائع الأنبياء ﵈ قد وردت أن العبد لا يقوم إلى الصلاة إلاّ وهو على أكمل أحواله. فيجتمع لهم في الصلاة بأمور] ٢ قبيحة منها: أن يقوموا بغير طهارة. ومنها: استدبارهم٣ قبلة المسيح التي كان يصلي إليها. ومنها: دعواهم وتضرعهم إلى رجل من بني آدم أن يغفر لهم خطاياهم، ويكفر عنهم سيّئاتهم. وربما سألوه
_________________
(١) ١ قال ابن القيم: "إن النصراني يقوم من على بطن المرأة يبول ويتغوط ولا يمس ماء ولا يستجمر. والبول والنجو ينحدر على ساقه وفخذه ويصلي كذلك. وصلاته صحيحة تامة عنده. ولو تغوط وبال وهو يصلي لم يضره؛ فضلًا عن أن يفسو أو يضرط. ويقولون: إن الصلاة بالجنابة والبول والغائط أفضل من الصلاة بالطهارة؛ لأنها حينئذٍ أبعد من صلاة المسلمين واليهود وأقرب إلى مخالفة الأمتين". (ر: هداية الحياري ص ٢٦٣، إغاثة اللهفان ص ٦١٦) . ومما معلوم أن الطهارة في الديانتين: الإسلامية واليهودية تعتبر شرطًا أساسيًا في صحّة الصلاة وقبولها. بعكس النصرانية التي تعتبر الطهارة الجسمية أمورًا رمزية ثانوية لا قيمة لها أساسًا. وهذا من التحريف الذي أحدثه النصارى في دينهم قطعًا. حيث إن الطهارة لأداء الصلاة وردت به شرائع الأنبياء جميعًا. وقد تطرف القساوسة والرُّهبان في العصور الوسطى إلى حد اعتبار القذارة من وسائل التقرب إلى الله. وأن النظافة من عمل الشيطان. فكان أزهدهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة وأوغلهم في النجاسات. حيث يقول الراهب أتهينس: "إن الراهب أنتوني لم يقترف إثم غسل الرجلين طول عمره. وكان الراهب أبراهام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة. وقد أبت العذراء سلفيًا أن تغسل جزءًا من جسدها عدا أصابعها. وكان في أحد الأديرة النسائية (١٣٠) راهبة لم تستحم واحدة منهم قط أو تغسل قدميها، إلاّ أن الرهبان مالوا إلى استخدام الماء في آخر القرن الرابع، وسَخِر الأب إسكندر من هذا الانحطاط. فأخذ يحن إلى تلك الأيام التي لم يكن فيها الرهبان يغسلون وجوههم قط. (للتوسع ر: قصة الحضارة ١٢/١٢١-١٢٣، تاريخ أخلاق أوروبا الجزء الرابع، كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص ١٦٨، ١٦٩. لأبي الحسن الندوي) . ٢ في ص، م (أمورا) والصواب ما أثبتّه. ٣ في م: استدبارها.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
بحقّ المسامير التي سمر بها في يديه وبالخشبة التي صلب عليها بزعمهم على ما أذكر منه طرفًا في آخر فضائحهم.
٦٣- فضيحة أخرى: من النصارى من لا يقبل توبة [المذنب] ١ ما لم يعترف له بذنوبه. ويقر له بإجرامه ويشرح ما فعله في طول عمره. وأنه زنى وسرق وقتل وفعل كيت وكيت ويعدد الخائر٢ ما ستره الله عليه ويبدي عورته لهم. فيجد أكابرهم الوسيلة إلى التحكم في ماله والتبسط في ما حواه من دنياه فيطوفون حوله٣ / (٢/٧٠/أ) ويوظفون عليه ما رأوه٤ لائقًا بماله واتسع حاله. ويبقى المثكل في أيديهم وفي قبضتهم طول عمره. وقد أُرِّخَت عليه سيّئاته وخلدت في دفاترهم قبائحه. وعرفها من لم يعرفها منهم ومن غيرهم. وعيرت بها أولاده وعقبه من بعده جيلًا بعد جيلٍ وقرنًا بعد قرنٍ٥.
ولقد بلغني عمن لا أشك في صدقه وثبته أن النصارى عندنا بمصر أرادوا نصب رجل من أفضلهم بطريكا عليهم. فبينما هم على ذلك إذ جاء آخر من أكابرهم وذوي الهيبة فيهم، فاعترف أنه وهذا
_________________
(١) ١ أضفنا هذه الكلمة لتستقيم العبارة ويتضح المعنى. والله أعلم. ٢ الخائر: أي: الضعيف والجبان. كما في القاموس ص ٤٩٧. ٣ في م: (فيطوفون حوله) ساقطة. ٤ في م: ما داؤه. ٥ هذه الفضيحة التي ذكرها المؤلِّف تسمى عند النصارى بـ: (سر التوبة) . وهو أحد الأسرار السبعة للكنيسة. وتعريفه عندهم: هو سر مقدس يرجع الخاطئ إلى الله ويتصالح معه تعالى. والاعتراف جزء من سر التوبة. وتعريفه هو: إقرار الخاطئ بخطاياه أمام كاهن الله إقرارًا مصحوبًا بالندامة والتأسف والعزم والثابت على ترك الخطية وعدم الرجوع إليها. لينال الحِلَّ منه بالسلطان المعطى له من الله (المسيح) القائل: "من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت". يوحنا ٢٠/٢١-٢٣، وكذلك في متى ١٦/١٩، ١٨/١٧، ١٨. وهناك عقوبات وتأديبات كنسية متعددة على المذهب منها: الصوم الخصوصي علاوة على الأصوام المفروضة على جميع النصارى. وصلوات يقدمها الخاطئ في مخدعه مع عدد من الركعات. وتأخير التناول من الأسرار المقدسة وقتًا مناسبًا لثقل خطيئته. وتوزيع جزء من ماله صدقة على الفقراء. وتختلف نظرة الكنيسة الأرثونكسية عن الكاثوليكية في أن الغرض من هذه التأديبات إصلاح حال الخاطئ ليس إلاّ، ولكن الكنيسة الكاثوليكية تعتبرها قصاصات حقيقية، الغاية منها وفاء العدل الإلهي الذي أهانه الخاطئ بخطاياه. وبناء على ذلك فقد تمادت الكنيسة الكاثوليكية في إصدار الغفرانات (صكوك الغفران) وقررته حقًّا لها في المجمع الإيتراني الرابع سنة ١٢١٥م. فأصبح البابا يوزع ذلك الصكوك. وتباع وتشترى كالسلع متضمنة الصفح والغفران ليس عن خطايا الماضية فقط بل والمستقبلة أيضًا. فأصبحت هذه الصكوك مصدرًا لريادة ثراء رجال الكنيسة وتوفير الرفاهية والترف لهم. لذلك فقد اعترضت الكيسة الأرثوذكسية والبروتستانتية على هذه الصكوك واعترها عارًا على النصرانية. (ر: أسرار الكنيسة ص ١٠٣-١٢٧، حبيب جرجس - بتصرف - قصة الكنيسة القبطية ص ٥٠٢-٥٠٤، إيربس حبيب، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص ١٧٣، لأبي الحسن الندوي) .
[ ٢ / ٥٩٥ ]
المرشح للبتركة قد فعل كلّ واحد بصاحبه الفعل المحذور أيام الحداثة فتصادقا على ذلك. فأفسدوا على النصارى ما راموا من نصب الرجل وتوليته عليهم، وهذا أمر لا أصل له في شريعة ولا نصّ عليه ناموس؛ ولكنه شيء اختلقه الجهلة من مشائخ النصارى اختلاقًا وابتدعوه بعقولهم ابتداعًا.
٦٤- فضيحة أخرى: (٢/٧٠/ب) زاد النصارى في صومهم الكبير١ جمعة يصومونها لهرقل٢ ملك البيت المقدس. وسبب ذلك أن الفرس لما استولوا على البيت المقدس وقتلوا النصارى وهدموا الكنائس، أعانهم اليهود على ذلك وكانوا أشدّ فتكًا في النصارى من الفرس. فلما توجه هرقل إلى بيت المقدس تلقاه اليهود بالهدايا وسألوه الأمان فكتب لهم كتابًا يؤمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم. فلما
_________________
(١) ١ ويسمى بالصوم المقدس وعدد أيامه (٥٥)، يومًا. وهي عبارة عن الأربعين يومًا التي صامها المسيح مضافًا إليها أسبوعان: الأوّل قبل الأربعين ويسمى أسبوع الاستعداد والتهيئة للصوم الأربعيني المقدس. والأسبوع الثاني: أسبوع الآلام، ويأتي بعد الأربعين وينتهي بـ: (أحد القيامة) . ولهم مواسم للصوم كثيرة منها: صوم يوم الأربعاء. ذكرى التشاور للقبض على المسيح. وصوم يوم الجمعة ذكرى صلب المسيح - حسب زعمهم -. وصوم الميلاد، وعدد أيامه ٤٣ يومًا، ينتهي بعيد الميلاد. ويزعمون أن الصوم ليس إجباريًا عليهم وإنما هو اختياري. وميقاته تتخالف فيه فرقهم. وكيفية صومهم: هو الامتناع عن تناول الطعام مدة من النهار قد تصل على الظهر أو العصر أو الغروب - حسب مقدرة الصائم - ويتناول الصائم بعدها أطعمة خالية من الدسم غير الحيواني. (ر: المجتمع القبطي ص ٢٢٨، رياض سوريال، دائرة المعارف ١١/٧٠، بطرس البستاني، النصرانية والإسلام ص ٨٢، محمّد الطهطاوي) . ٢ هرقل (هيراكليوس): إمبراطور الروم (٦١٠-٦٤١م) عرف عهده حروبًا كثيرة مع الفرس وحرر بيت المقدس منهم سنة ٦٢٨م. ر: قصة الحضارة ١٢/٢٩٥، فجر المسيحية ص: ٢٠٨، حبيب جرجس، المنجد في الأعلام ص:٧٢٧.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
دخل البيت المقدس شكى إليه النصارى ما لقوا من اليهود وكيف مالؤوا عليهم الفرس وسألوه قتل اليهود. فقال: كيف أقتلهم بعد أن أمنتهم؟ فقالوا: نحن نصوم عنك جمعة في أوّل الصوم الكبير كفارة لخطيئتك هذه. وندع أكل اللحم في الصوم ما دامت النصرانية. ونلعن من يخالف ذلك ونُعيَّره ونكتب به إلى الآفاق غفرانًا لذنبنك. فأجابهم مسألتهم وملتمسهم وقتل اليهود قتلًا ذريعًا. فصاموا له جمعة في أوّل الصوم وكتبوا بذلك إلى سائر البلاد، وأهل بيت المقدس ومصر يصومونها. وبقية أهل / (٢/٧١/أ) الشام لا يأكلون اللحم١ فيها ويصومون الأربعاء والجمعة٢.
ولا شكّ أنّ هذا وشبهه من باب التلاعب بالدين. وقد صار هذا النمط سجية للنصارى وخلقًا. أليس هم الذين عمدوا إلى إنسان قد تربى بينهم طفلًا ونشأ حتى صار كهلًا فاتّخذوه إلهًا،
_________________
(١) ١ قال ابن القيم: "وإذا شئت أن ترى التغيير في دينهم، فانظر إلى صيامهم الذي وضعوه لملوكهم وعظمائهم، فلهم صيام للحواريين وصيام لماري مريم، وصيام لماري جرجس، وصيام للميلاد، وتركهم أكل اللحم في صيامهم مما أدخلوه في دين المسيح. وإلاّ فهم يعلمون أن المسيح ﵇ كان يأكل اللحم. ولم يمنعهم منه لا في صوم ولا فطر. وأصل ذلك: أن المانوية كانوا لا يأكلون ذا روح، فلما دخلوا في النصرانية خافوا أن يتركوا أكل اللحم فيقتلوا، فشرعوا لأنفسهم صيامًا فصاموا للمياد والحورايين، وماري مريم، وتركوا في هذا الصوم أكل اللحم محافظة على ما اعتادوه من مذهب ماني، فلما طال الزمان تبعهم على ذلك النسطورية واليعقوبية فصارت سنة متعارفة بينهم ثم تبعهم على ذلك الملكانية". اهـ. نقل ابن القيم ذلك من تاريخ ابن البطريق (نظم الجوهر) . (ر: إغاثة اللهفان ص ٦١٨، الجواب الصحيح ٣/٣٤) . ٢ ذكر هذه الفضيحة بنصّها ابن القيم في إغاثة اللهفان ص ٦٢٤، والمقريزي في خططه ٣/٥٣٣، ٥٣٤.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وأعلنوا بعبادته سفاهًا وخاطبوه بالربوبية شفاهًا؟! نعوذ بالله من الضلال وأن نشرك مع الله الرجال.
٦٥- فضيحة أخرى: للنصارى عيد يقال له: (عيد ميكائيل) ليس له أصل في شرعهم ألبتة، بل هو مما أحدثوه وابتدعوه. وسبب إحداثه على ما ذكر أهل العلم: أنه كان بالإسكندرية صنم١ وكان أهل الإسكندرية ومصر يُعَيَّدون له عيدًا عظيمًا٢، ويذبحون له الذبائح، فولي بطركة الإسكندرية رجل يقال له: (الأكصيدروس) ٣، فرام إبطال هذا العيد وتعطيل الصنم فلم يقدر من عوام النصارى. فقال: إن تعبدكم لصنم لا يضرّ ولا ينفع لضلال وكفر. فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل المَلَك وذبحتم له الذبائح / (٢/٧١/ب) لكان يشفع لكم عند الله. وذلك خير لكم من هذا الصنم. فأجابوه إلى ذلك فكسر ذلك الصنم واتّخذ منه صلبانًا وسمي الهيكل (كنيسة ميكائيل) وتحول العيد فصار لمكيائيل إلى اليوم بمصر وتخومها ولا أصل له في زمن المسيح ولا في زمن الحواريين٤. والشيء الضعيف لا يزيده الأمر الباطل إلاّ ضعفًا. والحقّ متسغن بنفسه عن أن يقوى بأمثال هذه الترهات.
_________________
(١) ١ ورد أنه كان صنمًا من نحاس في هيكل عظيم، بنته أكلًا أو بطرة الملكة وسمّته باسم زحل. ٢ كان ذلك العيد في شهر تشرين الثاني. ٣ ورد أن اسمه: (الأسكندريس) . ٤ ذكر أبو المكارم (النصراني) في كتابه المخطوط: (تاريخ الكنائس والأديرة ١/١٥٢، ١٥٣) قصة عيد ميكائيل والكنيسة التي يقام فيها هذا العيد، مثل ما أورده المؤلِّف - ﵀ -، وأضاف أبو المكارم: "بأن الكنيسة تسمى بـ: (كنيسة الفيسارية) وقد أحرقت هذه الكنيسة في يوم الاثنين لثلاث خلون من شوال سنة ثلاثمائة، عند دخول المغاربة (القرامطة مع المسمى أبو عبيد الله) إلى الإسكندرية". اهـ. وقد نقل هذه (الفضيحة) بعض علماء المسلمين في الرّدّ على النصارى وبيان سخافة عقولهم وتهاونهم في أمور دينهم وتأثرهم بالوثنية. ومن هؤلاء العلماء الإمام ابن تيمية في الجواب الصحيح ٣/٢٠، ٢١، وابن القيم في هداية الحياري ص ٣٢٢، وفي إغاثة اللهفان ص ٦٢٥، والمقريزي في خططه ٣/٥٢٥، ٥٣٩.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
٦٦- فضيحة أخرى: للنصارى عيد يعرف بعيد الصليب١ لا أصل له ألتبة وهو مما أحدثوه بعد رفع المسيح كعيد ميكائيل وعيد النور وغيره. قال العلماء: "من ميلاد المسيح إلى أن وجد الصليب ثلاثمائة سنة وثمان عشرة سنة. وسبب إحداثه أن اليهود اتّخذوا المقبرة التي دفن فيها الشبه مزبلة يطرحون فيها الكناست والأوساخ تحقيرًا لشأن المصلوب، وتصغيرًا لقدره. فأقامت مزبلة نحوًا من ثلاثمائة سنة إلى أن جاءت زوجة٢ قصطنطين الملك فأمرت بالكشف عن المقبرة فظهرت لها فإذا / (٢/٧٢/أ) فيها ثلاث صلب وهم صليب اللصين والشبه. فقالت: كيف لنا أن نَعْلَم خشبة ربّنا التي صلب عليها؟ وكان هناك مريض قد أشرف على الموت، فأمرت فوضع عليه الصليب فلم يقم، فأمسته الثاني فلم يقم، فأمسته الثالث فقام وبرأ من علته كأن لم يكن به بأس. قال النصارى: فعلمت أنه صليب الرّبّ فعلقته بالذهب وبعثت به إلى الملك٣.
_________________
(١) ١ يحتفل النصارى عادة بهذا العيد في الثالث في شهر مايو كلّ عام ويسمى: (عيد اكتشاف الصليب) إحياء لذكرى قصة اكتشاف الصليب الذي صلب عليه الميسح - حسب زعمهم -. أما الكنيسة القبطية فإنها تحتفل بعيد ظهور الصليب باحتفالين: الأوّل: ذكرى اكتشاف الصليب على يد الإمبراطورة هيلانة في يوم ١٦ من شهر توت. (من الشهور القبطية) سنة ٣٢٦م. الثاني: ذكرى استرجاع الصليب من الفرس الغزاة على يد الإمبراطور هرقل في يوم ١٠ من شهر برمهات سنة ٦٢٧م. (ر: السنسكنار ٢/٢٩، ٣٠، الأنبا بطرس الجميل وغيره. ما هي النصرانية؟ ص ٧٤، محمّد تقي العثماني) . ٢ الصواب أنها أم الإمبراطور قسطنطين وليست زوجته ويسمّيها النصارى (القديسة هيلانة) أو (هلينا) الملكة) كما ذكر ابن البطريق في تاريخه نظم الجوهر وغيره من المصادر النصرانية. ٣ وردت هذه القصة في تاريخ سعيد بن البطريق (ت ٩٤٠م) المسمى بـ: (نظم الجوهر) ونقلها عنه العلماء في باين سخافة دين النصارى. ومن هؤلاء العلماء ابن تيمية في الجواب الصحيح ٣/٢٥، وابن القيم في إغاثة اللهفان ص ٦٢٥، ٦٢٦، والقرافي في أدلة الوحدانية في الرّدّ على النصرانية: ٧٥-٧٧، والمقريزي في خططه ٣/٥٢٥، ٥٥٢، وغيرهم. كما نقلها المصادر النصراينة أيضًا مثل: كتاب السنكسار ٢/١٦٢، ١٦٣، موجز تاريخ المسيحية ص ١٩٠، ليسطس الدويري. لكننا نستغرب من أن المؤرخ يوسابيوس القيصري - الذي عاش في العصور الأولى ٢٦٤-٣٤٠م وكان معاصر للإمبراطور قسطنطين، وأسقفا لقيصرية - لم يذكر هذه القصة في كتابه: (حياة قسطنطين العظيم) الذي أَرَّخ فيه حوادث عصر قسطنطين. ومعن ثنائه في هذا الكتاب على الأعمال الخيرة التي قامت بها الإمبراطورة هيلانة أم قسطنطين فإنه لم يشر أبدًا إلى القصة السابقة. (ر: حياة قسطنطين ص ١٠٣-١٠٥) . ويدلنا ذلك على كذب هذه القصة واختلاقها بعد عصر قسطنطين؛ إذ لو كانت القصة صحيحة لبادر إلى ذكرها المؤرخ يوسابيوس الذي يكيل الثناء والمديح بلا حساب لسيده الإمبراطور قسطنطين.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وإذا كان هذا إنما جرى بعد المسيح بهذه المدة فكيف يعد مأخوذًا عن المسيح؟ وهذه الأعياد لو كانت معتبرة لكان الأولى أن تكون مسطورة في الإنجيل ومأخوذة عن التلاميذ، ولو بعث الله التلاميذ الآن لم يعرفوا مها ولا مما عليه النصارى شيئًا. إذ ما في أيديهم شيء مما كان عليه المسيح وأصحابه.
ونحن - يرحمك الله - نسأل النصارى فنقول: أخبرونا بماذا استحق الصليب عندكم هذا التعظيم والتفخيم حتى صرتم تقبلونه وتمرونه على أعينكم وتصلبون به على وجوهكم؟ ١. فمنكم من يصلب على وجه بإصبع / (٢/٧٢/ب) واحد وهم القبط، ومنكم من يصلب بإصبعين وهم الروم. ومنكم من يصلب بالخمسة وبالعشرة وهم الفرنج٢.
_________________
(١) ١ قال أفرايم السرياني - أحد كبار أحبار النصارى وقديسيهم الأوائل -: "لا تعمل عملًا إلاّ وتبدأ بإشارة الصليب، وكذلك اختم بإشارة الصليب الحي جميع أعمالك. لا تخرج من باب منْزلك قبل أن ترسم نفسك بالصليب، ولا تغفل عن ذلك في طعامك وشرابك. حين رقادك أو استيقاطك، في البيت أو في الطريق، في العمل أو الاستراحة". اهـ. (ر: الوسائل العلمية للإصلاحات القبطية ص ١٠٥، ١٠٦، حبيب جرجس) . ٢ يقول حبيب زياد النصراني: "اختلف النصارى منذ القرون الأولى في كيفية التصليب على عدة أشكال: أ- التصليب بأصبع واحد - وهي سنة اليعاقبة من سريان وأقباط وحبش ونوبة، ابتداء من العلوّ إلى الأسفل (إشارة إلى نزول المسيح من السماء إلى الأرض) . ومن الشمال إلى اليمن (إشارة إلى نقلهم من جهة الشمال التي هي الخطيئة إلى ناحية اليمين التي هي المغفرة ومحل النعمة حيث يكون سيدهم) . ب- التصليب بأصبعين - وهو ما كان الأقباط والسريان والنساطرة يتهمون به الروم البيزنطيين والملكيين بالتصليب بأصبعين. جـ التصليب بثلاثة أصابع - وهو الشكل القديم الذي عَمَّ الكنيستين: الشرقية والغربية قبلًا. ولا تزال تستعمله الكنيسة البيزنطية، وجرى عليه الأرمن. د- التصليب بالأصابع الخمس-شاع ذلك في الكنيسة اللاتينية بعد القرن ١٣م، واختاره الموارنة والسريان الكاثوليك من الشرقيين تقليدًا للإفرنج منذ القرنين ١٦م، ١٧م. ثم يقول حبيب زيات مستغربًا مما ذكره المؤلِّف بأن منهم من يصلب بالخمسة والعشرة: "وأغرب من ذلك حكاية بعض كتبه الإسلام عنهم أنهم يصلبون بالخمسة والعشرة، ولا ندري ما الذي رأوه من إشارات الصليبيين حتى نسبوا لهم استعمال اليدين معًا في التصليب". (ر: الصليب في الإسلام ص ٢٦-٣٨)، باختصار.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
أفهذا دين نقلتموه عن الأنبياء وأخذتموه١ من شرائع الرسل؟ فأرونا ذلك في توراة موسى ونبوات أشعيا وأرميا ومزامير داود. وأَنَّى تجدون ذلك في هذه الكتب وهي مشحونة بالتوحيد كما قد بيّناه. وقد كان من حُكم الصليب لو كنتم أَلِبَّاء عقلاءً أن تمقتوه وتلعنوه وتميتوا ذكره وتخفوه فلا تعلنوه.
فإن قالوا: إنما عظمناه لأنه شَرُف بصعود المسيح عليه ونحن نقبله ونعظمه لذلك.
قلنا: فهلاّ تعظموا الحُمُر وتقبلوها وتسجدوا لها؛ لأن لوقا وغيره قد أخبر أن المسيح ركب حمارًا عند دخوله المدينة والصبيان بين يديه ينادون: مبارك الآتي باسم الرّبّ٢. فكان ركوبه لحمار في حال تعظيمه وكرامته وركوبه الصليب في حال تصغيره وإهانته. فهلاّ تعظمون الحمير وتضمخونها بالعير وتقبلونها فإنها أفضل من الصليب بكثير. / (٢/٧٣/أ) فشتان بين مركوب بالرئاسة مخصوص، ومركوب قرنه باللصوص. فلو عقل النصارى لأسقطوا ذكر الصليب ورفضوه ومقتوا ذكره٣ وأبغضوه. فإن ذاكره يُعَرِّض بربّهم ويُنوِّه بثلبهم.
تابع الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
٦٧- فضيحة أخرى: النصارى مختلفون في السجود للصور. فمنهم من يؤثره ويهواه. ومنهم من كان يكرهه ويأباه. وأكثرهم على المذهب الأوّل بدليل أنّ كنائسهم لا تكاد [تخلو] ٤ من الصور. وهذا مما أحدثوه بعد المسيح وأصحابه٥ وهذه الأناجيل الأربعة في أيدينا ليس فيها شيء يدل على انتحال ذلك ألبتة. بل قد صرحت بالتوحيد من غير موضع كما قدمناه. وأيّ فرق بين السجود للصورة والسجود للوثن والصنم؟ ولو كان ذلك من الدين
_________________
(١) ١ في م: وأحدثتموه. ٢ متى ٢١/٩. ٣ في م: ومنعتوا ذاكره. ٤ في ص، م (تخلوا) والصواب ما أثبتّه. ٥ ورد النهي عن صنع التماثيل والتصاوير (وتسمى عندم بالأيقونات) والسجود لها صريحًا في التوراة سفر اللاويين ٢٦/١، كالآتي: "لا تصعنوا لكم أوثانًا ولا تقيموا لكم تمثالًا منحوتًا أو نًصَبًا ولا تجعلوا
[ ٢ / ٦٠١ ]
لكان أولى الصور السميح وأولى الناس بالسجود لها الحواريون. وقد بقوا بعد المسيح حتى اخترموا لم يؤثر عنهم شيء من هذا القبيل. وقد ذكرنا أن التوراة قد
_________________
(١) في أرضكم حجرًا مصورًا لتسجدوا له. لأني أنا الرّبّ إلهكم". وتكرر ذلك النهي أيضًا في سفر التثنية ٤/١٥-٢٠. يقول ول ديورانت: "إن الكنيسة - أوّل أمرها - تكره الصور والتماثيل وتعدها بقايا من الوثنية. وتنظر بعين المقت إلى فن النحت الوثني الذي يهدي إلى تمثيل الآلهة. ولكن انتصار المسيحية في عهد قسطنطين وما كان للبيئة والتقاليد والتماثيل اليونانية من أثر في القسطنطينية والشرق الهلنستي - كلّ هذا قد خفف من حدة مقاومة هذه الأفكار الوثنية. ولما أن تضاعف عدد القديسين المعبودين نشأت الحاجة إلى معرفتهم وتذكرهم، فظهر لهم ولمريم العذراء كثير من الصور. وحَوَّل الشعب المسيحي الآثار والصور والتماثيل المقدسة إلى معبودات يسجدون لها ويقبلونها ويطلبون المعجزات بتأثيرها الخفي". اهـ. وعندما تولى الإمبراطور ليو الثالث (٧١٣-٧٤١م) عرش الإمبراطورية - وكان متأثرًا بالمسلمين في تحريمهم التماثيل والصور - فإنه عقدا مجلسًا من الأساقفة وأعضاء مجلس الشيوخ وأذاع بموافقتهم في عام ٧٢٦م مرسومًا يقضي فيه تحريم عبادة الأيقونات وإزالتها من الكنائس والأديرة. وسانده في هذا المرسوم المثقفون من النصارى. ولكن عارضه المؤيّدون لعبادة الأيقونات وهم الرهبان والأساقفة وقاموا بمساندة الشعب بثوراتهم ضدّه. وخلفه ابنه قسطنطين الخامس (٧٤١-٧٧٥م) الذي عقد مجمعًا بالقسطنطينية سنة ٧٥٤م للتأكيد على تحريم عبادة الأيقونات. كما سار على نهجه ابنه الرابع (٧٧٥-٧٨٠م) وبعد موته انتقلت السلطة إلى أرملته (إيريني) الوصية على ابنها الصغير قسطنطين السادس. وقد كانت من أشدّ أنصار عبادة الصور والتماثيل. فألغت تنفيذ المرسوم السابق وعينت طرسيوس - وهو من عادة الأيقونة - في منصب بطريرك القسطنطينية. ثم سعت إلى عقد المجمع المسكوني السابع في نيقية سنة ٧٨٧م الذي أقر تعظيم الصور والتماثيل المقدسة لا عبادتها وبأنه تعبير مشروع عن التقي والإيمان النصراني. وبذلك انتصر المؤيّدون لمذهب الصور وعبادتها لكن الصراع لا زال دائرًا حيث أيّدت طائفة البروتستانت القول بتحريم الصور والتماثيل وإزالتها من الكنائس. (قصة الحضارة ١٤/١٥٤-١٥٨، المسيحية في العصور الوسطى ص ٤٧، ٥٢-٥٤، جاد المنفلوظي، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، ص ٢٢٥-٢٣٩، د. رؤوف شلبي) .
[ ٢ / ٦٠٢ ]
شددت وغلظت على من يفعل شيئًا من ذلك. / (٢/٧٣/ب) والمسيح ﵇ قد١ قال في إنجيله: "إنه لم يأت لنقض التوراة بل جاء لإكمالها"٢. فهذه التوراة مصرحة بتكفير عابد الصور. وهذا الإنجيل ليس فيه لها ذكر. وهذه كنائس النصارى مملوءة بها. فلم يبق إلاّ المجاهرة والعناد وعبادة الأنداد.
٦٨- فضيحة أخرى: للروم كنيسة ببعض بلادهم يحجون إليها في يوم من السنة فيشاهدون صنمًا بها. إذا قُرأ الإنجيل بين يديه درَّت ثدياه وخرج منه اللبن فيشاهده من حضر ويتحدث فيه من غاب ويعدها آية بيّنة ودلالة على الدين ليست بالهينة. ويحصل للسدنة بسبب ذلك مال عظيم. فبحث ملكهم عن ذلك فوجد القَيِّم قد ثقب من وراء الجدار طاقة لطيفة وهندمها حتى أوصلها بثدي الصنم وجعل فيها أنبوبة من نحاس وأصلحها بالجير وأخفى أمرها. فإذا كان يوم العيد فتحها وصبّ فيها لبنًا فيخرج من ثدي الصنم ويسقط نقطَةً نقطةً على تدريج فلا يشكّ من حضر أنها آية ظهرت عند / (٢/٧٤/أ) تلاوة الإنجيل وبركة العيد. فلما انكشف له وجه هذه الحيلة ضرب عنق القيم وتقدم أن لا يبقى في الكنائس ببلده صورة٣. فوقع بينهم اختلاف بذلك وكفَّر بعضهم بعضًا وبَدَّعه وتبرأ منه.
٦٩- فضيحة أخرى: للنصارى صنم بالقسطنطينية له عيد في السنة تحج إليه النصارى من كلّ وجه في يوم مشهود. فإذا تلي الإنجيل بين يديه بكى بالدموع الغزار. فيشاهد ذلك من حضر ويكثرون الابتهال والدعاء ويعجون بالبكاء فاجتمع عنده مال واحتاج الملك إلى قرض فرام اقتراض ذلك وأخذه
_________________
(١) ١ في ص (فقد) والمثبت من م. ٢ متى ٥/١٧. ٣ نقل ابن القيم هذه الفضيحة وذكر أنها حدثت في زمن المتوكل. (ر: إغاثة اللهفان ص ٦١٩) . ولكن ذكر المقريزي أن هذه الفضيحة وقعت في زمن (قسيما) - الذي تولى بطركية اليعاقية في مصر سنة ٢٤٤م. وأقام فيها سبع سنين وخمسة أشهر ثم مات - وبأن اسم الملك الذي أمر بمحو الصور من الكنائس بسبب هذه الفضيحة - هو نوفيل بن ميخائيل ملك الروم. (ر: الخطط ٣/٥٣٩) .
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فأبى عليه القَيِّم فحضر الملك إلى الكنيس بنفسه وقال للأسقف: اقرأ الإنجيل الساعة حتى نرى كيف يبكي الصنم. فقال: إنما يبكي في يوم واحد من السنة. فاستشعر الملك أن تلك مخرقة فتقدم يحفر ما تحت الصنم فوجد حفرة مصنوعة والصنم مُجَوّف من أسفله تجويفًا ضيّقًا فإذ كان ذلك اليوم وضع الأسقف في تلك الحفرة / (٢/٧٤/ب) قربة ماء وجعل فيها أنبوبة مستطيلة رقيقة متصلة برأس الصنم وستر الحفرة سترًا محكمًا فإذا مسَّها ماسٌّ وأضغطها صعد الماء في الأنبوبة إلى رأس الصنم وقد حشي رأسه بالقطن فإن تشرب القطن الماء سالت منه دمعات وسقطت من عيني الصنم على تدريج بأمر قد أحكم وحيلة قد أتقنت. فلما اطلّع الملك على ذلك أمر بالصنم فأخرج وأخذ ما وجد بالكنيسة من المال وأدَّب القَوَمَة وشرّدهم١.
٧٠- فضيحة أخرى: افترقت النصارى فرقًا كثيرة٢ وتقاطعوا وتدابروا وكفّر بعضهم بعضًا وضلّله. والكل ضلال. فمنهم اليعقوبية ومنهم الملكية ومنهم النسطورية. وقد تقدم ذكرهم. ومنهم الآريوسية أصحاب أريوس. واعتقادهم أن المسيح مخلوق جسمه وروح وأنه ليس بإله ولا ربّ غير أن له سلطانًا على السماء، وأنه قد قُتل وصُلب. واتّفق النصارى بنيقية٣ على لعنه والتبري منه وبسببه عقدوا الأمانة التي أوضحنا فسادها / (٢/٧٥/أ) وجهل من ألفها.
ومن النصارى فرقة تعرف بالليانية٤ شاركت السوفسطائية في السنلان في
_________________
(١) ١ نقل المؤلِّف هذه الفضيحة من كتاب أبي عبيدة الخزرجي. (ر: مقامع هامات الصلبان ص ٢٦٩) . ٢ قال ديورانت: "كان سلس - أحد الرومانيين المهاجمين للنصرانية - قد قال ساخراص: إن المسيحيين تفرقوا شيعًا كثيرة. حتى أصبح هَمَّ كلّ فرد منهم أن يكوِّن لنفسه حزبًا. واستطاع إيرينيوس في عام ١٨٧م أن يحصي عشرين شيعة مختلفة من المسحيين. وأحصى إيفانيوس في عام ٣٨٤م ثمانين. وكانت الأفكار الأجنبية تتسرب إلى العقيدة المسيحية في كلّ نقطة من نقاطها". (ر: قصة الحضارة ١١/٣١٤) . ٣ في م: بنفيه. ٤ في م: باللياميته.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
المسيح خاصة فقالت: إن الذي تراه العين من المسيح ليس هو المسيح، وإنما هو خيال وإلاّ فالمسيح ليس يُتصور أن يرى١.
وفي نفس دعواهم هذه ما يقضي بِرَدَّها إذ يقال لهم: إذا كان المسيح لا يرى وإنما هو خيال فمن أين لكم أن الذي أثبتموه خيالًا للمسيح أنه هو المسيح؟ ولعل الذي رأيتموه خيالًا ليس بخيالٍ أيضًا. ولعل أحدكم [حمار أو كلب أو حيوان] ٢ آخر وإن كان آدميًّا في رأي العين وذلك قلب للحقائق.
ومن النصارى من يقول: إن مريم لم تلد إنسانًا٣ وإنما ولدت جسدًا وجاءت الكلمة فاتّحدت به فصار بها إنسانًا كاملًا.
ومن النصارى من يعتقد أن المسيح مولود من الأب والروح٤. وأنّ الرّوح قوة تحل على الصالحين كما حلّت على يوحنا وهي التي تحلّ على القربان فتبارك فيه. وأنها إذًا من إرث الأنبياء أتتهم في صورة إنسان حسن الصورة. / (٢/٧٥/ب) .
_________________
(١) ١ القائلون من النصارى إن المسيح نزل في جسم خيالي يُسمون بالمتخيلة (DOCETISTS) وهم عدة مبتدعين منهم: في القرن الثاني الميلادي: فالنتيوس، وسطرينس، ومركيون، وتاتيانس، وبرديياس. وفي القرن الثالث الميلادي: ماني. وفي القرن الرابع الميلادي: أبو ليناريوس. وفي القرن الخامس الميلادي: أوطاخي (أفتيخوس) - رئيس دير بضواحي القسطنطينية وقد استمرت بدعته إلى القرن السادس فاعتنقها يولياناس الخيالي. (ر: موجز تاريخ المسيحية ص ٣٠٨، ٣٠٩، يسطس، قصة الحضارة ١١/٢٩٤) . ويوليانس هو الذي تنسب إليه طائفة الإليانية، وأتباعها قوم من فرقة اليعقوبية وهم بالشام واليمن وأرمينيا. (ر: الملل والنحل ١/٢٢٧، للشهرستاني، الجواب الصحيح ظ/ ٢٣، وهداية الحياري ص ٣٣٥) . ٢ في ص، م (حمارا أو كلبًا أو حيوانا) والصواب ما أثبتّه. ٣ لعل خطأ قد وقع من الناسخ في هذه الكلمة. وتصحيحها كالآتي: "إن مريم لم تلد إلهًا وإنما ولدت جسدًا". وهذه مقالة النسطورية من فرق النصارى. وقد تقدم التعريف بها. ر: ص: ٤٨٦. ٤ هذه مقالة فرقة الملكية (الكاثوليك) من النصارى. وقد تقدم التعريف بها. ب: ص: ٤٨٣.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
ومن النصارى فرقة تسمى القافرونية تزعم أنّ أورشليم ليست بيت المقدس، وإنما هي قافرون بأفرنجة. ويزعمون أن المسيح ترائى لهم في تلك المدينة وهو يتّخذون القسيسين من النساء١.
ومن النصارى فرقة تعرف بالمريمية يزعمون أن مريم حين ولدت المسيح لم تكن عذراء وأنهاكانت ولدت قبله عدةأولاد من يوسف٢.
_________________
(١) ١ ظهر في منتصف القرن الثاني الميلادي في مدينة (فريجيه) بآسيا الصغرى، رجل يدعى (مونتانوس) وهو كاهن وثني متنصر. ادّعى أنه نبي مسيحي. وزعم أن (فريجيه) مقر أورشليم الجديد. وأن لديه رسالة جديدة من الروح القدس. ونادى بتحريم الزواج. ووضع قوانين للصوم، ويزعم أتباعه بأن المرأتين اللتين اتبعتا مونتايوس - وهما مكسيميلا وبريسكلا وكانتا متزوجتين فتركا زوجيهما وتتلمذتا عليه - نبيّتان له وأصبحت عذراوين في كنيسته. وتسمى هذه الفرقة بـ: (المونتانية MONTANISM) . (ر: تاريخ الكنيسة ص ٢٦١-٢٧١، يوسابيوس القيصري، فجر المسيحية ص ١٢١، ١٢٢، حبيب سعيد، قصة الحضارة ١١/٢٩٣، ٢٩٤) . ٢ يذكر المقص زكريا إبراهيم: "أن هذه الفرقة ظهرت في القرن الخامس الميلادي. وكان أصحاب هذه البدعة من الوثنيين الذين اعتنقوا المسيحية. وكانوا في وثنيتهم يعبدون الزهرة ويقولون عنها ملكة السماء. وعندما اعتنقوا المسيحية حالوا التقريب بين ما كانوا يعبدون وبين العقيدة المسيحية. فاعتبروا (مريم) ملكة النساء أو إلهة النساء بدلًا من الزهرة ولذلك أطلقوا على أنفسهم اسم (المريميين) " اهـ. (ر: الله واحد في الثالوث المقدس ص ٤١) . وقد ذكر ابن البطريق هذه الطائفة في كتابه: (نظم الجوهر) ونقله عنه ابن تيمية في الجواب الصحيح ٣/٢٢، وابن القيم في هداية الحياري ص ٣٢١، والمقريزي في خططه ٣/٥٢٤. وقد ذكرها ابن حزم باسم (البربرانية) وبأنها قد بادت. (الفصل في الملل والنحل ١/١١٠) . وقد ردّ الله عزوجل على هذه الطائفة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١١٦] . ومع أن النصارى يقولون بانقراض هذه الفرقة وأن الكنيسة لا تعترف بألوهية مريم وتؤمن بأن العذراء مريم إنسانة بشرية. (ر: الله واحد في الثالوث ص ٤٢) . إلاّ أن تقديس النصارى لمريم جاء في مجمع أفسس الأوّل سنة ٤٣١م، الذي وضع مقدمة قانون الإيمان كالآتي: "نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء المقدسة والدة الإله". ويؤكّده أيضًا ما جاء في أوامر الكنيسة وتعاليمها بالتوجه والدعاء إلى مريم. وأن تختم الصلاة الربانية عندهم بالصلاة المريمية عشرين مرة. (ر: الإنجيل الصليب ص ١٢٥، ١٢٦، للمهتدي عبد الأحد داود. المسيحية في العصور الوسطى ص ٤٤ جاد المنفلوطي) .
[ ٢ / ٦٠٦ ]
ومن النصارى فرقة تخالف سائرهم في أمرين: أحدهما تقول: إن مُلكَ المسيح على الأرض لا غير. والآخر يقول: إن في الجنة طعامًا وشرابًا لكنه لا يبقى أكثر من ألف سنة١.
ومن النصارى فرقة لا يدخلون الكنائس إلاّ عراة ويحرمون النكاح٢.
ومن النصارى فرقة يعبدون حَيَّة ويعظمونها كتعظيم المسيح٣.
ومن النصارى فرقة يزعمون أن المسيح جاء معه بجسد من السماء وجرى من مريم مجرى الماء في الميزاب٤.
_________________
(١) ١ هذه اعتقادات طائفة (الكيرنثيون) وهم أتباع كيرنثوس (CERINTHUS) زعيم الهراطقة. وقال بها من بعد بابياس (ولعلّ اسم (بابياس) قد نقله الشهرستاني محرّفًا إلى (بليارس) . ثم قال بها نيبوس (NEPOS) أحد أساقفة مصر في القرن الثالث الميلادي. (ر: تاريخ الكنيسة ص ١٥٧، ١٥٨، ١٧٧، ٣٧١، يوسابيوس، موجز تاريخ المسيحية ص ١٥٢، والملل والنحل ١/٢٢٧ للشهرستاني) . ٢ ذكر يوسابيوس: "فرقة باسم (النيقولاويين) نسبة إلى نيقولاوس أحد الشمامسة الذين أقامهم الرسل مع استفانوس لخدمة الفقراء. وأن نيقولاس كانت له زوجة جميلة وعندما اتهمه الرسل بالغيرة والحسد بعد صعود المخلص أخذها ووضعها في وسطهم وسمح لأي واحد أن يتزوج بها. لأنه يقال إن هذا كان يتفق مع القول المعروف عنه أن المرء يجب أن يذل جسده. أما الذين اتبعوا هرطقته وقلدوا بحماقة كلّ ما فعله وقاله تقليدًا أعمى فإنهم يرتكبون الزنى بلا خجل أو حياء". (ر: تاريخ الكنيسة ص ١٥٩) . ٣ لا عجب في ذلك فإن أسلافهم اليهود قد عبدوا الحية النحاسية التي ورد ذكرها في التوراة المحرفة سفر العدد ٢١/٩. أن موسى قد صنعها وأقامها على عمود في البرية لكي ينظر إليها بنو إسرائيل الذين لدغتهم الحيات فيشفون. وفي السنين التالية اتّخذها اليهود صنمًا يعبدونها إلى أن حطمها نبيّهم حزقيا كما في سفر الملوك الثاني ١٨/٤. وقد زعم النصارى أن تلك الحية النحاسية - المرفوعة على عامود - رمز ونبوءة على صلب المسيح. وأن تلك المقارنة قد وردت في إنجيل يوحنا ٣/١٤، ١٥. ٤ هذه مقالة فالنتيوس (VALENTINUS) الذي ظهر في منتصف القرن الثاني الميلادي. واشتهر في روما في عهد هيجينوس أسقف روما. وأسس شيعة تنتمي له. وقال أبيفانوس عنه: "إنه ولد في مصر ودرس الآدب اليونانية في الإسكندرية". ر: تاريخ الكنيسة ص١٩٤،١٩٥،يوسابيوس، موجز تاريخ المسيحية ص١٥٢، ٣٠٨) . وقد ذكر مقالته تلك ابن البطريق في نظم (الجوهر) ونسبها إلى اليان (يوليانس) الذي كان في القرن السادس الميلادي. ونقل ذلك عن ابن البطريق عدد من العلماء منهم ابن تيمية في الجواب الصحيح ٣/٢٣، وابن القيم في هداية ص ٣٢٣، والمقريزي في الخطط ٣/٥٢٤.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
ومن النصارى فرقة تعرف بالوغانية ينكرون إنجيل يوحنا التلميذ لا يعترفون به ألبتة ويقولون: ليس المسيح إلهًا غير أنا قد أمرنا بعبادته١.
ومن النصارى / (٢/٧٦/أ) فرقة تقول: "إن المسيح من الأب بمنْزلة شعلة نار أخذت من شعلة نار لم تنقص بالأخذ"٢. وقد بقيت من النصارى فرق لو ذكرناها لأطلنا وخرجنا عن شرطنا في الاختصار وقد ذكر العلماء أن عدّة فرق النصارى اثنتنان وسبعون فرقة.
٧١- فضيحة أخرى: ترك طوائف من النصارى أكل اللحم في صيامهم وحرموه، وذلك مما أحدثوه بالرأي بعد المسيح وتلاميذه. فانتحلوا مذهب المانوية أصحاب ماني٣ الزنديق. قال الشاعر في المانوية:
تركنا اللحم للإفلاس والقلة والضيق فقالوا منويين بقول غير تحقيق
ولو مَرَّ بنا ماني أكلناه على الريق
_________________
(١) ١ ورد أن فرقة (الوحين) التي كانت في القرن الثاني الميلادي تنكر إنجيل يوحنا وجميع تصانيفه. وقد سبق لنا في التعليق على إنجيل يوحنا ص ١١٣ ذكر بعض الذين أنكروا هذا الإنجيل. (ر: إظهار الحق ص ٩٠، ١٠٠، لرحمة الله) . ٢ هذه مقالة (سابليوس) الذي كان رئيس شيعة تنسب إليه باسم (السابلية) في روما أثناء أسقفية زفيرينوس (١٩٨-٢١٧م) . (ر: تاريخ الكنيسة ص ٣٤٩، قصة الحضارة ١١/٢٩٥) . وقد ذكر مقالته تلك ابن البطريق في (نظم الجوهر) ونقلها عنه علماء المسلمين منهم: الإمام ابن تيمية في الجواب الصحيح ٣/٢٣، وابن القيم في هداية ص ٣٢٣، والمقريزي في الخطط /٥٢٤. ٣ ماني الطشقوني: الذي ظهر في أواخر القرن الثالث الميلادي. كان فيلسوفًا من بلاد فارس. حاول إيجاد ديانة توفق بين الديانات الفارسية والبوذية واليهودية والنصرانية. وادّعى بأنه المسيح المنتظر وقد رحب به سابور الأوّل ملك الفرس في بداية الأمر. ولكن كهنة المجوس ثاروا ضده فاضطر إلى الهرب. ولما عاد تبعه جمع كثير. ولكن الملك فاراسن الأوّل حكم عليه بالإعلام سنة ٢٧٦م. وقد انتشرت شيعته التي نسبت إليه باسم المانيكيين (MANICHEANS) في غربي آسيا وشمالي أفريقيا ونظريتها الأساسية الاتعقاد بوجود إلهين: إله للخير (النور) وإله للشّرّ (الظلمة) . (ر: تاريخ الكنيسة ص ٣٨٦، موجز تاريخ المسيحية ص ١٥٤-١٥٦، قصة الحضارة ١١/٢٩٥) .
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وبعد، فقد أكل الأنبياء والنجباء من عباد الله اللحم واغتذوا به فلو كان لذلك أصل لكان مذكورًا في نبواتهم ومأثورًا عنهم.
٧٢- فضيحة أخرى: جوَّز النصارى على الباري تعالى النّزول والصعود والحركة والسكون وتلك أدلة حدث العالم عند المحقِّقين١. فإذا وصفوا الباري بذلك / (٢/٧٦/ب) فقد أبطلوا الدلالة على حدث العالم وذلك يمنع من إثبات الصانع. فكأنهم يحاولون إثبات الروبية بما يستدعي نفيها وإبطالها٢.
٧٣- فضيحة أخرى عظيمة: أكل النصارى لحوم الخنازير وأحلوه وذلك مما أحدثوه بعد المسيح وقد رفع الله المسيح وإن الخنْزير لحرام. فراغموا التوراة والإنجيل. أما التوراة فقال الله فيها: "الخنْزير حرام عليكم فلا تأكلوه"٣.
_________________
(١) ١ قلت: تلك أدلة حدث العالم عند الفلاسفة ومن تابعهم من المعتزلة والأشاعرة. وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية: "وأما المعتزلة والجهمية ومن تبعهم، فطريقتهم المشهورة في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع هي الاستدلال بإثبات الأعراض أوّلًا، وإثبات حدوثها ثانيًا. وبيان استحالة خلوّ الجواهر عنها ثالثًا. وبيان استحالة حوادث لا أوّل لا رابعًا. وقد وافقهم عليها أكثر الأشعرية وغيرهم. وهذه هي التي ذمّها الأشعري وبيّن أنها ليست طريقة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا من اتبعهم". اهـ. (ر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٨-٤١، ٧/٢٢٣-٢٣٢ لابن تيمية، رسالة إلى أهل الثغر، ص ١٧٨-١٨٧، لأبي الحسن الأشعري، وللتوسع في الرّدّ على تلك الأدلة، مجموع الفتاوى ٦/٤٩، ٥٠، ٢٤٧-٣٠٢، لابن تيمية) . والفرق ظاهر بين إثبات النصارى لتلك الصفات وبين إثبات المسلمين. فإثبات النصارى إثبات تجسيم لإلههم المجسم المُحدث وهو المسيح بزعمهم. وهو الضلال بعينه. أما إثبات المسلمين لصفات الله عزوجل فمبني على الوحي والنقل الصحيح من غير تشبيه أو تمثيل أو تكييف أو تعطيل. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ولا يحيطون به علمًا. وقدتقدم بيان مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك. ر: ص:٩٠،٩١. ٢ ليست في (م) . ٣ لاويين ١١/٧، ٨.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وهذا نصّ لا يحتمل التأويل.
وأما الإنجيل فقد حكى مرقس في إنجيله: "إن المسيح أتلف الخنْزير وغرق منهم في البحر قطيعًا كبيرًا"١. وقال لتلاميذه: "لا تعطوا القدس الكلاب ولا تلقوا جواهركم قُدَّام الخنازير"٢. فقرنها بالكلاب فمن أحلّ الخنْزير قد كفر بموسى والمسيح. فإن قالوا: إن بطرس رأى في النوم صحيفة نزلت من السماء فيها صور الحيوانات وصور الخنْزير وقيل له: يا بطرس كلّ منها ما أحببت"٣.
قلنا لهم: الشرايع والأحكام لا تنسخ بالمنام والأحلام ونحن نحاشي بطرس أن يخالف التوراة والإنجيل / (٢/٧٧/أ) بمنام رآه. والتوريك على من نقل ذلك عنه أولى من رفع القواعد الثابتة بالرؤيا والأحلام.
٧٤- فضيحة أخرى: اعترض النصارى على قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلِيهِم فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر﴾ . [سورة النحل، الآية: ٤٣] . قالوا: إنما عنى بأهل الذكر حملة التوراة والكتب العتيقة. وقد قال أهل الذكر: إن الله قد بعث أنبياء من النساء منهن مريم أخت موسى وخلدي ورفقا وأستار.
فافتضح النصارى لما حققوا جريان الآية على سبب وهو أن مشركي العرب أَنِفَتْ أن يأتيها برسالة الله رجل منها، وودَّت أن لو كان الرسول إليهم مَلَكًا من ملائكة السماء، فقالوا ما أخبر الله به في كتابه: ﴿وَقَالُوا لَولاَ أُنْزِلَ عَلَيهِ مَلَكٌ﴾ . فقال الله: ﴿وَلَو أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْر﴾ ٤.
_________________
(١) ١ مرقس ٥/١-١٤، متى ٨/٢٨-٣٢، لوقا ٨/٢٦-٣٣. ٢ متى ٧/٦. ٣ أعمال الرسل ١٠/١٠-١٦. ٤ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ٨] .
[ ٢ / ٦١٠ ]
ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا﴾ . ولم نرسل الملائكة بل لم نبعث إلى البشر إلاّ من جنسهم فقل لمن تَعَنّد: فليسأل أهل الكتاب هل بعث الله قط الرسل إلى الناس / (٢/٧٧/ب) إلاّ من جنسهم فإنهم سيخبرونهم بصحّة ذلك. والنَّزاع لم يكن بين النبي ﵇ وبين العرب في إرسال النساء أو الرجال، بل في إرسال الملائكة والآدميين١.
هذا، إن سلمنا ما ادّعوه من نبوة هؤلاء النسوة. ونحن لم نصدّقهم فيما لم تقم عليه حجّة ولا دلّ عليه دليل ولم نتجاوز بهم القدر اللائق بهم والمشهود به على لسان أرميا وأشعيا - ﵈ - من لعنهم وخزيهم ومقتهم ولنا في ذلك أسوة حسنة بمن تقدمنا من أنبياء الله. فقد قال أشعيا فيهم: "عرف الثور من اقتناه، والحمار مربط ربه، ولم يعرف ذلك بنو إسرائيل"٢. ومن لا يعرف ربه فالأولى أن لا يعرف نبيّه. ومن جهل المرسل جهل الرسول لا محالة. ومن غلط فأخرج من ديوان النبوة مثل نوح وإبرهيم وإسرائيل فغير عجيب منه إثباتها للنسوة المجاهيل.
_________________
(١) ١ قال الضحاك عن ابن عباس: "لما بعث الله محمّدًا رسولًا أنكرت العرب ذلك. أو من أنكر منهم. وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمّد. قال: فأنزل الله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ . وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ تعلمون بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ . فاسألوا أهل الذكر: يعني: أهل الكتب الماضية. أبشرًا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمّد رسولًا". أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٤/١٠٩. (ر: تفسير البغوي والخازن ٤/٧٦، أسباب نزول القرآن ص ٢٨٥، لأبي الحسن الواحدي، تفسير القرطبي ١٠/١٠٧، تفسير ابن كثير ٢/٥٩١، الجواب الصحيح ١/٣٣٧، ٣٨، لابن تيمية) . ٢ سفر أشعيا ١/٣.
[ ٢ / ٦١١ ]
٧٥- فضيحة أخرى: ترك طوائف من١ النصارى النكاح المباح ورفضوا النساء ولم يروا بالتناسل وإبراز الذرية الصالحة إلى الوجود/ (٢/٧٨/أ) هذا شيء لو ما لأهم الناس عليه لانقطع التناسل وانقرض جنس الآدميين. وهذا - فاعلم - مما أحدثوه بعد المسيح وكأنهم [نَحَوْ] فيه نَحْوَ المتفلسفين من الطبائعيين.
فإن تمسكوا بقوله في الإنجيل: "من ترك زوجة من أجلي فإنه يعطي للواحد مائة ضعف ويرث الحياة الدائمة"٢.
قلنا: في الفصل كلام أسقطتموه وهو قوله: "من ترك بنين وبنات أو حقولًا فإنه يعطى"٣. وذلك مما لا نصححه عن المسيح إذ لا يجوز إجراء هذا الكلام على ظاهره، فإن الفرار عن الأولاد والأطفال وتركهم بلا كافل يكفلهم ومنفق ينفق عليهم مما لا يجوز، ومن نسب المسيح إلى الجهل بذلك فقد كفر بالمسيح.
ثم ذلك على تقدير صحّته معارض بنصّين عن المسيح؛ أحدهما: قوله في جواب الزنادقة الذين جاؤوا متعنتين له: "إن الذي زَوَّجه الله لا يقدر أحد على تفريقه"٤.
_________________
(١) ١ من المعلوم عن النصارى أن الرهبان والقساوسة ورجال الدين في الكنيسة حرموا النكاح المباح على أنفسهم وادّعوا التبتل وهم بذلك قد انحرفوا عن الفطرة الإنسانية مما نتج عنه انحراف أعظم وأخطر حيث انغمس الكثير منهم في الملذات والشهوات المحرمة واتّخذوا العشيقات والسراري. وخاصة البابوات منهم مثل: البابا إسكندر السادس. وتحولت الأديرة والكنائس من دور عبادة وطهر إلى مواخير دعارة ونجاسة - والعياذ بالله - وكتب مؤرخيهم تشهد بذلك. (ر: كتاب تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر لمؤلِّفه ميرل دوبينياه طبع بيروت سنة: ١٨٧٨م، وقصة الحضارة ١٢/١٢٩-١٣١، ١٨/٨٤-٨٦، في الباب العشرين من الانحلال الخلقي، كتاب (الديارات للشابشتي) . وهناك طوائف أخرى من النصارى دعت إلى العزوبة وترك النكاح منهم: المارسينيون أتباع مرسيون الذي ظهر في عام ١٤١٠م. والمانوية أتباع ماني. والإنكراتيون أتباع تاتيان، والساويرسيون أتباع ساويروس. (ر: تاريخ الكنيسة ص ٢٢٧، ٢٢٨، قصة الحضارة ١١/٢٩٢-٢٩٥) . ٢ متى ١٩/٢٩، مرقس ١٠/٢٩. ٣ متى ١٩/٢٩، مرقس ١٠/٢٩. ٤ متى ١٩/٣-٦، مرقص ١٠/٢٩.
[ ٢ / ٦١٢ ]
والآخر: قوله ﵇: "إن من طلق زوجته باطلًا فقد عرضها للزنا ومن تزوج بمطلقة فقد زنا بها"١. / (٢/٧٨/ب) .
ثم النكاح والتناسل سنّة الأنبياء وخواص الأولياء ودأب النجباء والأقوياء. وقد امتن الله على إبراهيم وإسرائيل وزكريا ومريم وغيرهم بنعمة الأولاد كما هو مزبور مذكور في كتبهم. ومن رغب عن سنة الأنبياء التحق بالأغبياء٢. وقد قال فولس في الرسالة الثانية عشرة: "إن القسيس محقوق أن يكون غير ملزم فإنه وكيل الله غير حقود. ولا يستبد برأيه ولا [مجاوزًا] ٣ للمقصد٤ في الخمر. ولا يسرع بيده إلى الضرب. وأن يكون محبًا للغرباء والأعمال الصالحات. وأن يكون عفيفًا بارًا ضابطًا لنفسه عن الشهوات. عنيًا بالعلم والتعليم. ويكون له زوجة واحدة وبنون صالحون"٥.
فمن رفض النكاح ومنع منه فقدخالف من ذكرنامن الأعلام والقدوة.
٧٦- فضيحة أخرى: مع غلبة الجهل على النصارى فهم أشدّ الناس دعاوى وأوسعهم تخرصًا على الله يزعمون أن فيهم اليوم من يمشي على الماء ويحيى الموت ويفعل العجائب. / (٢/٧٩/أ) ويدّعون أن بفارس بيعة لهم كانت على قنة جبل ولها مرتقى صعب وأن واحدًا منهم دعا إلهه الذي صلبته اليهود فحطها له من أعلى الجبل حتى جعلها على وجه الأرض.
_________________
(١) ١ متى ١٩/٩، مرقس ١٠/١١، لوقا ١٦/١٨. ٢ في م: (التحقق بالأغنياء) . ٣ في ص، م (مجاورا) والصواب ما أثبتّه. ٤ في م: القصد. ٥ رسالته إلى نبطس ١/٦-٩.
[ ٢ / ٦١٣ ]
ويزعمون أن كنيسة بالسوس كانت بأعلى تل ولها بئر في أسفله، وأن القَيِّم بالكنيسة كبر وعجز عن النّزول فدعا ربّه المصلوب وتوسل إليه وأقسم عليه بالخشبة التي صلب عليها فرفع البئر إليه، فيدعي ذلك اليعقوبي على النسطوري، والنسطوري على الملكي١.
_________________
(١) ١ يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: "قد قال بعض الحكماء: هَا هنا ديانات ومقالات تعرف كذب أهلها بأدنى تأمل. منها: النصرانية فإنهم يَدَّعون الآيات لكبرائهم وأنها لا تنقطع في زمان من الأزمنة. وأن الذين أجابوا إلى النصرانية إنما أجابوا بالمعجزات". ثم يقول القاضي: - "ومن أكبر كيد رؤساء النصارى ادعاء المعجزات لأنفسهم ولأمثالهم ممن سلف من رؤسائهم. والنصارى تقبل ذلك منهم بغير برهان ولا حجّة. فإذا مات ذلك الرئيس من راهب أو قس، قعد راهب وقال: أنا كنت أخدمه فرأيت منه العجائب، فتحموا عليه معشر النصارى وتوسلوا إلى الله به فإنه شاهد فاشهدوا قبره وأكثروا زيارته. فيقول النصارى: يا ربّاني حدّثنا بما رأيت منه فيمتنع ويقول: اعفوني من الشرح. وكلما تمنَّع لَجُّوا في مطالبته. فيقول: قد كان انقطع بنا الزيت في البيعة. وكان لا يطلب الزيت من أحد ولا يدعني أطلبه. فإذا كان الليل أشعل القنديل وقام إلى جرة فيها خلّ فيصبه في القنديل فيصير من ساعته زيتًا. فيصطبح به كذا وكذا شهرًا. - ثم يذكر القاضي أمثلة أخرى من تلك المعجزات التي يدعيها النصارى لرهبانهم ورءسائهم، مثل: إحياء الموتى وفعل الخوارق. ثم يقول: - "فيصدق النصارى الرهبان فيما يدعونه ويكتبونه عنهم. ويجعلون له عيدًا وذكرانًا فيقولون: هذا ذكران جورجس وهذا ذكران مرقس، وهكذا. وهذا أصله ومخرجه وأوّله. فإذا تَخَلَّد وانبث ومرت عليه الدهور وأتت عليه الأعصار، ادعوا أنه شيء كان أصله بمشاهدة الأمم. لأن الكذب فيما تقادم عهده أمكن. وإنما يجعلون له كرانًا وعيدًا ويومًا بعينه لتتم الحيلة فيه. وليظن من يسمع أنه ما جعل له عيد ويوم معلعوم وتاريخ محدود مؤقت إلاّ هو حقّ. وله أصل ليتأكد الكذب ويتم التمويه. وليتصل البرّ والصّدقات على الرهبان في هذه الأعياد. والفطناء من النصارى يقولون: هذه الآيات والمعجزات إنما هي من احتيالات الجثالقة والرهبان ومن يبغض العمل ويفر من الكَدِّ. ويسمونهم بلغتهم السريانية: (عازق معناثا) معناه: أنه ترهب ولزم الدين ليأكل من غير ماله ويستريح من الكد". اهـ. (ر: تثبيت دلائل النبوة ١/١٧٥، ٢٠٢-٢٠٩، بتصرف) .
[ ٢ / ٦١٤ ]
٧٧- فضيحة أخرى: النصارى أنزل الناس لما في كتبهم ولما نصّ عليه المسيح من التواضع واللطف والإيثار؛ وذلك أن القتال لم يكن من سنة المسيح ولا من طريق تلاميذه الذين صحبوه. بل كان مذهبهم الذي جاء به المسيح الاستسلام إذا عجزوا والعفو إذا قدروا. وهم الذين رووا عنه في الإنجيل: "من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر. ومن نازعك ثوبك فزده رداءك، ومن سَخَّرك مِيلًا فامض معه/ (٢/٧٩/ب) اثنين"١. وهم الذين حكوا عنه في الإنجيل: "أحبوا مبغضيكم، وصلوا على لاعنيكم، وأعطوا من حرمكم، وصلوا من قطعكم، وأحسنوا إلى من أساء إليكم"٢.
وقالت أوائلهم: لو أراد المسيح نصب الحروب لم يستسلم فنحن لا نخالف سيدنا المسيح.
وقد قال المسيح: "طوبى للذين يرحمون وأن الرحمة تكون لهم، طوبى للذين يصلحون بين الناس، أولئك أصفياء الله ونور بني آدم"٣.
فهم مع كونهم يروون ذلك عن المسيح أنزل الناس له وأبعدهم منه. وقد قال فولس في الرسالة الحادية عشرة: "اهرب من جميع الشهوات، وَاسْعَ للرّبّ وللإيمان والود والسلم. وتنكب المنازعات فإنها تولد القتال، وليس يحل لعبد
_________________
(١) ١ متى ٥/٣٩، لوقا ٦/٢٩. ٢ متى ٥/٤٤، ٦/٢٧، ٢٨. ٣ متى ٥/٧-١٠.
[ ٢ / ٦١٥ ]
من عبيد الله أن يقاتل"١. فأمر فولس بترك ما يؤدي إلى القتال سدًا للذريعة، فكيف خالفه النصارى وشرعوا الحروب وسفكوا الدماء الحرام؟ "٢.
٧٨- فضيحة أخرى: أخصت الحبشة من النصارى أولادهم وكذلك بعض الروم. / (٢/٨٠/أ) والخصي أشدّ المثلة وأفظع الذنوب. ثم هم يفعلون ذلك بأطفال لا دفاع عندهم. وتلك قسوة عظيمة وغلظة جسيمة. وقد قال المسيح ﵇: "طوبى للرحماء"٣. ثم هم يخصونهم ويبيعونهم فيأكلون أثمانهم وهذه مَعَرَّة لو وافقتهم عليها الناس لذهب بنو آدم ومُحي جنس البشر. ثم هم يتصوفون في وجوههم ولحاهم بالحلق والنتف والكشط فيصيرون مع عوج ألسنتهم أسمج شيء خلق الله. وهذه كتب الأنبياء لم تأمر بشيء من هذا الجنس٤.
٧٩- فضيحة أخرى: ليس بين النصارى شيء من الأحكام والفرائض والسنن والمحتاج إليها في المعاملات والمناكحات، والأناجيل التي بأيديهم ليس فيها سوى مواعظ ووصايا قد خلطت بكفر صريح وأكاذيب كثيرة لم يصدقهم عليها أحد من الأمم. وأكثر ما يفزعون إلى أحكام المسلمين لخلو أكابرهم عن معرفة الحلال والحرام. وأي شيء استحسنوه بعقولهم شَرَّعوه وحكموا به فمن نازعهم من (٢/٨٠/ب) أهل ملتهم أحرموه ومنعوه من دخول الكنائس فيحكمون فيهم
_________________
(١) ١ رسالته إلى تيموثاوس ٢/٢٢-٢٤. ٢ وردت في الأناجيل ثلاثة نصوص تشير إلى القتال وهي: أحدها في إنجيل متى ١٠/٣٤، كالآتي: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا. فإني جئت لأفرق الإنسان ضدّ أبيه والابنة ضدّ أمها والكِنة ضدّ حماتها". ثم تكرر هذا النّصّ في إنجيل لوقا ١٢/٤٩-٥٠، والنّصّ الثالث ورد أيضًا في لوقا ١٩٢٧، كالآتي: "أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدّامي". ومع ذلك فإن النصوص الأخرى الكثيرة في الأناجيل - وقد ذكر المؤلِّف بعضها - تطغى على هذه النصوص، وتدعو إلى التسامح والعفو دفع السيئة بالحسنة والمغالاة في المثالية. ٣ متى ٥/٧. ٤ بل قد ورد النهي عن الخصي في سفر التثنية ٢٣/١ كالآتي: "لا يدخل مخصي بالرّض أو مجبوب في جماعة الرّبّ".
[ ٢ / ٦١٦ ]
بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان١. قال أبو الطّاهر بن عوف ﵀: وليس يشتمل ديوان فقه النصارى على أكثر من خمسمائة مسألة ونيف وليست مأخوذة عن المسيح.
٨٠– فضيحة أخرى: زعم النصارى أن يوحنا أحد مدوّني الإنجيل جلس بأفسس٢ بلدة من بلاد الروم يكتب إنجيله فوقع مطر محى بعض ما كتب فغضب يوحنا ورفع وجهه إلى السماء وقال: أما تستتحيي أن تمحو اسم ابن إلهك، قالت النصارى: فلم تمطر تلك القرية من بين سائر البلاد٣.
ليت شعري ما طريق تصحيح هذه الدعوى، وهل البلدة اليوم تمطر أم لا؟ وإن كانت قد محلت فهل كان ذلك بسبب غضب يوحنا على ربّه وتخطئته
_________________
(١) ١ لا عجب إن كانت النصرانية المحرفة من أفقر الديانات تشريعًا وأحكامًا فإن المسيح ﵇ لم يأتِ بشريعة جديدة. وإنما كان متبعًا لشريعة بني إسرائيل. وقد كانت دعوته لإصلاح وهداية بني إسرائيل الذين ضلوا ولتخفيف بعض الأحكام عليهم. قال تعالى حكاية عن عيسى ﵇ قال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٥٠-٥١] . وقال المسيح في إنجيل متى ٥/١٧: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل". لذلك كانت الأحكام الواردة في الأناجيل محصورة في أمور محددة في الخطبة التي ألقاها المسيح على الجبل وعرفت بخطبة أو وصية الجبل. (ر: الإصحاحات ٥، ٦، ٧. من إنجيل متى) - وإن كنا لا نسلم بصحّة نسبة جميع ما ورد في الخطبة إلى المسيح - وعندما حرّف النصارى دعوة المسيح ﵇ فإنهم ابتدعوا عقائد جديدة وعبادات وطقوسًا كنسية خالفوا بها شريعة التوراة وتحكموا فيها من خلال المجامع التي يقعدها قساوستهم فيحلون ويحرمون، ويشرعون بما شاؤوا مصداقًا لقول الله تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ..﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣١] . ٢ أفسس: كلمة يونانية معناها: (المرغوبة) .وهي مدينة قديمة في آسيا الصغرى على بحر إيحة بتركيا. ويحسب الروايات النصرانية فإن يوحنا قام فيها في السنوات الأخيرة في حياته. كما وجه إليها بولس إحدى رسائله. وعقد فيها المجمع المسكوني الثالث عام ٤٣١م. (ر: قاموس ص ٩٢، ٩٣، المنجد في الأعلام ص ٥٤) . ٣ لقد زرت مدينة أفسس في شتاء عام ١٤٠٧هـ الموافق ١٩٨٧م. وكان المطر يهطل فيها بغزارة، وقد وقفت أيضًا في هذه المدينة على قبر يزعمون أن الحواري يوحنا قد دفن فيه.
[ ٢ / ٦١٧ ]
لخالقه أم لا؟ وبعد فلعلّ في بلاد الله بلادًا وبقاعًا كثيرة لا تمطر وأخرى لا تخلو من المطر.
وقد حكى النصارى أن بين هذه [القرية] ١ وبين القسطنطينية نحوًا من ألف فرسخ. وهذا دأبهم فيما يستشهدون به على/ (٢/٨١/أ) أباطيلهم فإنهم يبعدون شاهدهم غاية البعد ليعسر على الممتحن مراجعته، وليت شعري هل كان يعدو أمر ذلك المطر إما أن يكون الله هو الذي ساقه أو مَلَكٌ من قِبَل الله أو سحابة سخرها الله، فإن كان إنما انتهر الغيم والسحاب فهذا سخيف العقل إذ وَبَّخ من لا يعقل ولا يفهم ولا ذنب له. وإن كان إنما وبخ الملك المتولي سوقها فهو جاهل إذ الملك إنما يصدر عن أمر الله تعالى. وإن كان إنما خاطب الله فقد زعم أن لله إلهًا فوقه.
وبالجملة ففي إنجيل يوحنا هذا أمور انفرد بها عن أصحابه ولم يوافقوه عليها، والنصارى يكاتمونا٢ اختلافهم ولا يبوحون به لنا؛ لأنه اختلاف في الإله نفسه وليس هو في الفروع فيغتفر.
٨١- فضيحة أخرى: قال النصارى: إن المسيح لم يتكلم في المهد ولم ينطق ببراءة أمه مريم صغيرًا، بل أقام ثلاثين سنة واليهود تقذف أمه بيوسف النجار وتحكم بأنه ولد زنا. فلزم على سياق قولهم أنه لم تلقَ أُمٌّ بسبب ولدها من الشّرّ ما لقيت مريم من المسيح؛ لأنه فضحها وهتك سترها ودعا / (٢/٨١/ب) إلى رميها٣ بالزنا ولم يدفع عنها بحجّة تقطع شغب اليهود وهو قادر على ذلك. ثم إنه كَلَّفها عبادته فأوجب عليها الصوم والصلاة وألزمها ترك الشهوات ومخالفة الهوى فهي ملتزمة
_________________
(١) ١ في م، ص (الفرقة) والتصويب من المحقِّق. ٢ في م: يكاتمون. ٣ في م: خرمها.
[ ٢ / ٦١٨ ]
لذلك إما خوفًا من عقابة أو رجاءً لثوابه. ثم قضى عليها الموت وجَرَّت غصصه١ وسلط عل جسدها البلى. وهذا شيء لم يُعرف في بِرِّ الأولاد وما سمعنا بعاقٍ بلغ هذا المبلغ من أمه. فبمقتضى قولهم إنه كان مشؤومًا عليها والله تعالى يقول في حقِّه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾ - إلى قوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ ٢.
٨٢- فضيحة أخرى: ربما عَرَّضَ بعض النصارى بردة ابن أبي السرح٣ عن الإسلام. وقال: كيف يكون نبيًّا يوحي إليه ولا يعلم بحال من يرشحه ويختاره لكتابة الوحي. فيقال له: يا أخرق، النبيّ لا يعلم من المغيّبات إلاّ القدر الذي أعلمه الله به وكونه لا يعلم بفساد نية من يصحبه لا يقدح ذلك في نبوّته. فإن أبيت إلاّ القول بذلك فارغب بنفسك عن اتّباع المسيح؛ فإنك رويت وروى أصحابك وأهل دينك أن المسيح/ (٢/٨٢/أ) اختار رجلًا من تلاميذه الاثني عشر الذين شهد لهم بإدانة بني إسرائيل يوم القيامة وَوَلاّه صندوق مال الصدقات وقدمه على غيره من أصحابه ورشحه لأمانته وهو يهوذا
_________________
(١) ١ في م: غصه. ٢ قال تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية:٣١-٣٢] . ٣ هو: عبد الله بن سعد بن أبي السرح القرشي العامري ﵁. أسلم قبل الفتح. وكان من كُتَّاب الوحي. ثم ارتد فأهدر النبيّ ﷺ دمه يوم الفتح. فاستجار له عثمان بن عفان - أخوه من الرضاعة - فعاد مسلمًا. وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص في فتح مصر. ثم ولي مصر في عهد عثمان ﵁. ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع عليًّا ولا معاوية. ومات سنة ٥٩هـ. في آخر عهد معاوية. وقال الذهبي: "الأصح وفاته في خلافة عليّ - ﵃ جميعًا". (ر: ترجمته في: الإصابة ٤/٧٧، سير أعلام النبلاء ٣/٣٣-٣٥) .
[ ٢ / ٦١٩ ]
الأسخريوطي - كفر وفجر وواطأ اليهود على المسيح وارتشى منهم على المسيح ثلاثين درهمًا وزاد على ابن أبي السرح بأن قتل نفسه كافرًا. فأما ابن أبي السرح فإنه راجع الإسلام ومات مؤمنًا١.
فإذا كُفْر من كَفَر من أتباع النبيّ لا يقدح في نبوته بدليل أن اليهود كفروا بعد موسى في حياته عبدوا العجل. ولم يقدح ذلك في نبوة موسى وصحّة رسالته.
٨٣- فضيحة أخرى: عاب النصارى قول ربّنا: ﴿وَلَو شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ . [سورة السجدة، الآية: ١٣] ٢. ونظائرها في إثبات الخير والشّرّ من الله تعالى٣. وقالوا: لا يفعل
_________________
(١) ١ حديث إسلام عبد الله بن سعد بن أبي السرح بعد ردته رواه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة لابن هشام ٤/٧٣) . وأخرجه وأبو داود ٣/١٣٣، ١٣٤، والنسائي في كتاب الحدود. (ر: صحيح النسائي للألباني ٣/٨٥٢) . والحاكم ٣/٤٥، وأبو يعلى في مسنده ١/٢١٦، كلهم من طريق أحمد بن المفضل ثنا أسباط بن نصر. قال: زعم السدي عن مصعب بن سعد عن سعد قال: فذكره في سياق طويل. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي. قال الشيخ الألباني: "إلاّ أن أسباط بن نصر وأحمد بن المفضل قد تكلم فيهما بعض الأئمة من جهة حفظهما. لكن الحديث له شاهد يتقوى به يرويه نافع أبو غالب عن أنس ﵁. أخرجه أبو داود. (ح ٣١٩٤، وأحمد ٣/١٥١، بسند حسن. فالحديث بهذا الشاهد صحيح إن شاء الله تعالى". اهـ. (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٠٠ ح ١٧٢٣) . ٢ وكقوله تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ . [سورة النساء، الآية: ٧٨] . وغيرهما من الآيات في سورة الأنعام: ٣٩، ١٢٥، والإنسان: ٣٠، والتكوير: ٢٩. ٣ دلت النصوص الشرعية على نفي نسبة الشّرّ إلى الله تعالى. وأنه لا ينسب إليه عزوجل إلاّ الخير. فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٢٦] . وقال ﷺ - في ثنائه على ربّه دعاء الاستفتاح -: "لبيك سعديك والخير في يديك. والشّرّ ليس إليك. تباركت وتعاليت". أخرجه مسلم ١/٥٣٤. وهذا يدل على أن الشّرّ لا يضاف إلى الله تعالى ولا وصفًا ولا فعلًا ولا يتسمّى باسمه بوجه من الوجوه. بل يدخل في مفعولاته ومخلوقاته. والله سبحانه لا يوصف بشيء من مخلوقاته ومفعولاته، وإنما يوصف بفعله وخلقه ولا يجيء في كلام الله تعالى إضافة الشّرّ وحده إلى الله. بل لا يذكر الشّرّ إلاّ على أحد وجوه ثلاثة:
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الله سوى الخير المحض. فأما الشّرّ فهو من الشيطان لا من الله. فالتزموا مذهب الثنوية١ القائلين بأن الخير من النور، وأن الشّرّ من الظلمة. فلزمهم
_________________
(١) إما أن يدخل في عموم مخلوقاته ومفعولاته، فإنه إذا دخل في العموم أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق، وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تتعلق بالعموم كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . [سورة الزمر، الآية: ٦٢] . وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ٢٨٤] .
(٢) وإما أن يحذف فاعل الشّرّ كقوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ . [سورة الجن، الآية: ١٠] .
(٣) وإما أن يسند إلى محله القائم به كقول إبراهيم الخليل ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ . [سورة الشورى، الآية: ٧٨-٨٠] . فلم يسند الخليل ﵇ الأمراض إلى الله تعالى بل أسند المرض إلى نفسه التي هي محل المرض. وإنما كان الشّرّ شرًّا لانقطاع نسبته إلى الله تعالى. لأنه إن أريد بالشّرّ وضع الشيء في غير موضعه فهو الظلم والله منَزَّه عنه. وإن أريد بالشّرّ الأذى اللاحق بالمحل بسب ذنب ارتكبه فإيجاد الله العقوبة على ذنب لا يعد ذلك شرًّا بالنسبة له بل ذلك عدل منه تعالى. وإن أريد بالشّرّ عدم الخير وأسبابه الموصلة إليه فالعدم ليس فعلًا حتى ينسب إلى الله. وليس للعبد على الله أن يوفقه. فهذا فضله يؤتيه من يشاء. ومنع الفضل ليس بظلم ولا شر. يقول الإمام ابن القيم: "وأسماء الله الحسنى مثل القدوس والسلام تمنع نسبة الشّرّ والسوء والظلم إليه مع أنه سبحانه الخالق لكلّ شيء. فهو الخالق للعباد وأفعالهم. والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشّرّ والسوء. والرّبّ - تعالى - هو الذي جعله فاعلًا لذلك. وهذا الجعل منه عدل وحكمة وصواب. فَجَعَلُه العبدَ فاعلًا خيرٌ وحسنٌ. والمفعول شرّ وقبيح. فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء موضعه لما له في ذلك من الحكمة البالغة التي يحمد عليها فهو خير وحكمة ومصلحة. وإن كان وقوعه من العبد عيبًا ونقصًا وشرًّا". اهـ. (ر: مجموعة الرسائل الكبرى ١/٣٣٦، ٣٣٧، لابن تيمية، وشفاء العليل ص ٣٥٩-٣٦٣، ٤٣٦، ٥٢٧-٥٣١، لابن القيم، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٢٨٣-٢٨٦، لابن أبي العز الحنفي، لوامع الأنوار ١/٣٤١-٣٤٣، للسفاريني، الحكمة والتعليل ص ١٩٩-٢٠٤، د. محمّد المدخلي) . ١ الثنوية: هم طائفة من المجوس الذين أثبتوا أصلين اثنين، مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر. والنفع والضر، يسمون أحدهما: (النور) وبالفارسية (يزدان) . والثاني (الظلمة) وبالفارسية أهرمن، ويزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس الأصليين القائلين بحدوث الظلام. (ر: الفهرست ص ٤٤٢-٤٧٤، لابن النديم. الملل والنحل ١/١٣٢-٢٤٤) .
[ ٢ / ٦٢١ ]
أن يكون مراد الله أقلّ وقوعًا وأن إرادة الشيطان أنفذ من إرادة الباري./ (٢/٨٢/ب) وكذلك يلزمهم من عزو الشرور إلى النفوس ممن ينكر وجود الشياطين من اليهود وغيرهم - أن يكون سلطان النفوس أنفذ من سلطان الله.
ولو عقل النصارى واليهود لعرفوا في كتبهم ما أنكروا علينا إذ هو مسطور في صحفهم ولكن لا يهتدون إليه سبيلًا. قال الله تعالى في التوراة لموسى: "امض إلى فرعون وقل له: أرسل شعبي يعبدني وأنا أقسي قلب فرعون فلا يرسلهم"١. ثم قالت التوراة عقيب كلّ آية صنعها موسى بحضرة فرعون: "وقسى الله قلب فرعون فلم يؤمن كما قال الرّبّ"٢. هذا تصريح من الله لا جمجمة٣ بأنه سبحانه هو الذي يقذف في قلبه القسوة والكفر وهذا بعينه هو قول المسلمين أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ ولأنه تعالى لو أراد هداية فرعون لشرح صدره للإيمان ولم يقس قلبه كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرْدِ الله أَنْ يَهْدِيَه يَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرْد أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ١٢٥] .
ولما أخرج الصاع من رَحْلِ بنيامين جزع إخوته / (٢/٨٣/أ) وقالوا: من عند الله نزلت هذه الخطيئة. كما نطقت به التوراة٤. وهذا دليل على أنهم كانوا يعتقدون صدور الخير والشّرّ من الله تعالى. وهذا الجنس في التوراة كثير. وقال٥ بلعام بن فعرو - لما قال له الملك: العن لنا بني إسرائيل. فقال: إني لا أستطيع أن أفعل خيرًا ولا شرًّا من قبل نفسي وإنما أقول ما أمرني به الرّبّ. ذكرت التوراة٦ ذلك.
_________________
(١) ١ خروج ٩/١، ١٢. ٢ خروج ٩/١٢، ١٠/١، ٢٠. ٣ في م: حمه. والجَمْجَمَة: أن لا يبين كلامه وإخفاء الشيء في الصدر. (ر: القاموس ص ١٤٠٨) . ٤ تكوين ٤٤/١٥، ١٦، ٤٥/٥، ٧-٨. ٥ في م: (وقال بلعام إلى ذكرت التوراة ذلك) ساقطة. ٦ عدد ٢٢/٣٨، ٢٤/١٣.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وقد قال المسيح في الإنجيل: "إني لم آت لأعمل بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"١. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُون إِلاّ أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّ العَالَمِين﴾ . [سورة التكوير، الآية: ٢٩] .
وقالت التوراة في عدة مواضع: "وقَسَّى الله قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل"٢. وذلك نظير قوله: ﴿وَإِذ يُرِيكُمُوهُم إِذِ التَقَيتُم فِي أَعْيُنِكُم قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُم فِي أَعْيُنِهُم لِيَقْضِي الله أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ . [سورة الأنفال، الآية: ٤٤] . وضرب المسيح مثلًا في الإنجيل: "فقال: إن ملكًا عمل وليمة ودعا إليها أهل مملكته وأمر ألا يتخلف عنها أحد فلما جلس فلم ير إلاّ بعض القوم فقال: المدعوّون كثير والحاضرون قليل"٣. فبيّن ﵇ عموم الدعوة وخصوص الهداية وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . [سورة يونس، الآية: ٢٥] . فبيّن الله تعالى أن دعاء الأنبياء عموم / (٢/٨٣/ب) وهداية الله خصوص. فلا يستنكر قول الإسلام إن الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء. فلم ترد شريعة لم ينْزل كتاب الله إلاّ وهو متضمن ذلك. وبذلك يتحقق أن أصول الشرائع ومقاصدها واحد وإن اختلفت الأحكام التكليفية لاختلاف مصالح المكلفين٤.
_________________
(١) ١ يوحنا ٦/٣٨. ٢ خروج ١٠/٢٠. ٣ متى ٢٢/١-١٤، في سياق طويل. ٤ قال ابن القيم: "قد اتّفقت رسل الله من أوّلهم إلى آخرهم وكتبه المنَزَّلة عليهم أنه سبحانه يضل من يشاء. وأنه من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له. وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد. وأن العبد هو الضال أو المهتدي. فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره. والاهتداء والإضلال فعل العبد وكسبه. ومراتب الهدى أربعة: إحدها: الهدي العام وهو هداية كلّ وهو هداية كلّ نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها. وهذا أعم مراتبه. المرتبة الثانية: هداية الإرشاد والبيان للمكلفين. وهي التي أثبتها الله لرسوله. قال عزوجل: ﴿وإنّك وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام. وتستلزم أمرين: أحدهما: فعل الرّبّ تعالى وهو الهدى. والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء. وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي المهتدي. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ . وهي التي نفاها الله عن رسوله. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ . المرتبة الرابعة: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ . (ر: شفاء العليل ص ١٤١-١٧٩، باختصار.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
٨٤- فضيحة أخرى: لازمة للنصارى واليهود وهي ما اشتملت عليه كتبهم من الاختلاف والتكاذب وقد ذكرنا فيما تقدم نُبذًا من ذلك ليستدل بها من وقف عليها على قلة ضبطهم لدينهم ولنذكر ها هنا ما وقع في التوراة من التكاذب. فمن ذلك ما وقع في تاريخ عمر آدم وأعمار مشاهير أولاده ففي نسخة من نسخ التوراة: أن آدم عاش مائة وثلاثين سنة ثم ولد على شبهه ولد فسماه شيت١. وفي نسخة أخرى: أنه لم يرزق شيت حتى صار له من العمر مائتان وخمسون سنة٢.
وعاش آدم بعد أن ولد له شيت ثمانمائة سنة / (٢/٨٤/أ) فولد له بنين وبنات ثم مات. وكان جميع عمر آدم تسعمائة سنة٣. وفي نسخة: ألف وثلاثون سنة٤.
_________________
(١) ١ اتفقت النسختان العبرية والسامرية على ذلك. (ر: سفر التكوين ٥/٣) . ٢ الصواب: أنه لم يرزق شيت حتى صار له من العمر مائتان وثلاثون سنة. وقد ورد ذلك في النسخة اليونانية أو السبعينية. (التي قام بترجمها ٧٢ حبرًا من اليهود عن النسخة العبرية فيما بين عام ٢٨٥ ق. م إلى ١٥٠ ق. م) وهي النسخة المعتمدة عند النصارى - ما عدا طائفة البروتستانت الحديثة التي تعتمد النسخة العبرية - وهي النسخة المقصودة في كلام الجويني في كتابه: (شفاء العليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل ص ٣٣، ٣٤) . حينما يقول: التوراة التي بيد النصارى. ٣ اتّفقت النسختان: العبرية والسامرية على ذلك. (ر: تكوين ٥/٤، ٥) . ٤ انفردت النسخة اليونانية بذلك.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ثم عاش شيت مائة وخمس [سنوات] ١ فولد له أنوش. وعاش من بعد ما ولد له أنوش تسعمائة واثنتي عشرة سنة ثم مات٢. وفي نسخة تسعمائة وسبع سنين٣. ثم رأيت هذا التناقض التكذيب جاريًا في أعمار مشاهير أولاد آدم إلى نوح عليه السلام٤. فلم تكد نسخة توافق أخرى وإذا كان هذا ضبطهم للتوراة وهي أُسُّ دينهم فكيف يوثق بهم فيما عداها؟.
_________________
(١) ١ في ص، م (سنة) والصواب ما أثبتّه. ٢ اتّفقت النسختان: العبرية والسامرية على ذلك. (ر: تكوين ٥/٦-٨) . ٣ انفردت النسخة اليونانية بذلك. ٤ يعترف مفسرو العهد القديم بوقوع الأغلاط في ذلك فقد ورد في السنن القويم ١/٦٩، ٧٠، ما نصّه: "إن معرفة حقيقة الأعداء في التوراة صعبة جدًّا. لأن الأسلوب العبراني في ضبط الأعداد كان بأحرف يضم بعضها إلى بعض. وإذ لم يكن لمجموعها معنى سهل تغييرها بلا قصد. ولذلك اختلف أعداد المواليد في العبرانية والسامرية والسبعينية. فالوقت بين طرد آدم من الجنة إلى الطوفان ١٥٨٦ سنة بمقتضى العبرانية. و١٣٠٧ سنة بمقتضى السامرية. و٢٢٦٢ بمقتضى السبعينية. على أنّ الثلاث تتفق على مدد أعمار الآباء. والظاهر أنه لا يوثق بأعداد السبعينية. وأما أعداد السامرية فتقرب من أعداد العبرانية". اهـ. وورد في تفسير (هنري وإسكات) جدول كتب فيه في مقابل اسم كلّ شخص سنة ولادة ابنه الذي يليه في الجدول. وكتب في مقابلة اسم نوح ﵇ سنوات عمره وقت حدوث الطوفان. والجدول كالآتي: الاسم عدد السنوات في النسخة العبرية السامرية اليونانية آدم ﵇ ١٣٠ ١٣٠ ٢٣٠ شيت ﵇ ١٠٥ ١٠٥ ٢٠٥ أنوش ٩٠ ٩٠ ١٩٠ قينان ٧٠ ٧٠ ١٧٠ مهللئيل ٦٥ ٦٥ ١٦٥ يارد ١٦٢ ٦٢ ٢٦٢ أخنوخ ٦٥ ٦٥ ١٦٥ متوشالح ١٨٧ ٦٧ ١٨٧ لامك ١٨٢ ٥٣ ١٨٨ نوح ﵇ ٦٠٠ ٦٠٠ ٦٠٠ ١٥٨٦ ١٣٠٧ ٢٢٦٢ كما ورد في نفس تفسير هنري وإسكات: "أن أكستائن كان يقول: إن اليهود قد حرفوا النسخة العبرانية في بيان زمان الأكابر الذي قبل زمن الطوفان وبعده إلى زمن موسى ﵇. وفعلوا هذا الأمر لتصير الترجمة اليونانية غير معتبرة. ولعناد الدين المسيحي. وكان قدماء المسيحيين يقولون: إن اليهود حرفوا التوراة في سنة مائة وثلاثين بعد الميلاد. وكان هيلز وكني كات يقولان بذلك أيضًا. (ر: للتوسع إظهار الحقّ ص ٢٠٥-٢٠٨، ٢٦٢، الفصل ١/١٢٢-١٢٤، لابن حزم شفاء الغليل ص ٣٣-٣٨، للجويني، أدلة اليقين ص ١٥٦-١٦٠، للجزيري. دراسة الكتب المقدسة ص ٤٠-٥٠ موريس بوكاي) .
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وليس يمكن إضافة هذا التحريف إلى سواهم فإن التوراة لم ينقلها من اللسان السرياني إلى غيره إلاّ اليهود وذلك يشعر بتهاونهم بأمور دينهم وإلاّ فكيف يحسن أن يخبر عن شخص أن عمره مائة سنة. وأن عمر خمسين سنة ويكون الخبران صدقًا.
وإذا كان هذا تحريفهم لما لا يتعلق به غرض ظنك بتحريفهم لما يتحققون به الدلالة على نقض أصولهم وذلك من مرغوبات النفس وحبّ الانتصار والتعصب القاضي بعمي البصيرة. ولن يتخلص من ذلك إلاّ موق قد / (٢/٨٤/ب) أعانه الله على قمع هواه وجعل الحق مطلوبه والانقياد إليه مراده ومقصوده. فهو ينقاد إليه حيث دعاه لَبّاه ولو على لسان عدوّه وبذلك وعد الله تعالى فقال عزوجل من قائل: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى﴾ . [سورة النازعات، الآية: ٤٠-٤١] .
٨٥- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن المسيح أراد بقتل نفسه تطهيرهم من خطاياهم. فيقال لهم: تطهير من آمن به واتّبعه أو تطيره من كفر به وخالفه؟! فإن قالوا: تطهير من كفر به.
قلنا لهم: كيف يطهرهم من خطاياهم بأعظم من خطاياهم. وما هذا إلاّ بمثابة من غسل البول بالعذرة يريد تطهيره فإنه لا يزيد المحل إلاّ نجاسة. وعلى هذا ينبغي أن يكون اليهود الذين قتلوه
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وصلبوه والأسخريوطي الذي نَمَّ عليه ونمرود وفرعون قد طهروا من خطاياهم وكذلك الهنود والمجوس وكلّ كافر على وجه البسيطة.
وإن قالوا: إنما أراد تطهير من آمن به واتّبعه. قلنا: فكيف تكون معصية العدوّ طهرةً لولي؟ وإنما يُطَهِّر / (٢/٨٥/أ) الإنسان عملُه الصالح وتوبته الصادقة دون كُفْر من كَفَر. ثم إن كانوا قد آمنوا بالمسيح فإيمانهم يطهِّرهم فلا حاجة إلى قتل المسيح وصلبه.
وإن قالوا: إنما أراد تطهير الحواريين. فيقال: وما هذا الذنب الذي لا يظهره إلاّ قتل الله وصلبه؟! ، وينبغي أن يكون [الحواريون] ١ شرار خلق الله؛ إذ كان لا يطهرهم إلاّ هذا القتل٢ الذي لا يشابهه قتل٣. فليت شعري أَيُّ ذنب لقوم هو عند النصارى خير من جبريل وميكائيل وسائر النبيين والمرسلين؟!.
وإن قالوا: إنما أراد بتسليمه نفسه ليتهذّب الخَلْق و[يتعلموا] ٤ الصبر على الشدائد والمحن ولا يضطربوا تحت مجاري الأقدار ليفوزوا بأجور الصابرين.
قلنا: فإصلاحه لقلوبهم بخلق الصبر فيها والاحتمال مع بقاء جلاله وعظمته كان أليق بالربوبية. فإن كان إلهًا قادرًا فهلا أصلح قلوبهم وهذّب نفوسهم من غير أن يتلبس بما وصفتهم من الصفح والضرب والقتل والصلب ليصلحهم.
ثم أيّ صلاح يظهر في العالم بقتله؟ وأيّ فساد زال؟ أليس العالم على ما كان عليه/ (٢/٨٥/ب) قبل مجيئه؛ السارق يسرق، والفاسق يفسق، والقاتل يقتل
_________________
(١) ١ في ص، م: (الحورايين) وهو خطأ. والتصويب من المحقِّق. ٢ في ص (الغسل، غسل) والتصويب من م. ٣ في ص (الغسل، غسل) والتصويب من م. ٤ في ص، م (يتعلمون) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
والظالم يظلم، وأسواق الشرور قائمة وعيون الشياطين عن إغواء الآدميين غير نائمة. بل قد زادت الشرور بما ذكرتم زيادة كثيرة؛ لأن أهل العالم بزعمكم قتلوه وصلبوه ونكلوا به وبتلاميذه الذين هم عندكم أفضل من الأنبياء والمرسلين. فقد تفاقمت الشرور واتسعت بمصرعه دائرة المحذور. وقد كان أهل العالم قبل مجيئه يعبدون الله تعالى، وإن عُبد صنم ففي العقول السليمة مندوحة عن المتابعة عليه. فلما جاء١ هذا الذي زعمتم أنه قتل وصلب عبد مع الله غيره.
وإن كابرتم وقلتم: إن الخطيئة قد ارتفعت بمجيء المسيح وقتله صرتم ضحكة بين العقلاء على أنكم قد تأنستم بإزراء٢ العقلاء بكم وتمرنتم على السخرية منكم. ألستم الذين تقرؤون بعد الفطر بجمعتين التسبيحة المشهورة عندكم وهي: "بصلبوت ربّنا يسوع المسيح بطل الموت / (٢/٨٦/أ) وانطفأت فِتَنَ الشياطين ودرست آثارها؟ "٣.
ألستم تقرؤون يوم الأحد من الصوم التسبيحة المشهورة عندكم وهي: "أن المسيح هو الذي أنقذ رعيته من الفتن والكفر وغلب بصومه الموت والخطيئة؟ "٤. ألستم الذين تقرؤون بعد كل قربان: "يا ربّنا يسوع الذي غلب بوجعه الموت الطاغي؟ "٥. كذلك قولكم في ثاني جمعة من الفطير: "إن فخرنا إنما هو بالصليب الذي بطل به سلطان الموت. وصرنا إلى الأمل والنجاة بسببه"٦.
_________________
(١) ١ في ص (جاهد) والمثبت في م. ٢ في م: بارز. ٣ وردت هذه التسابيح بألفاظها في رسالة المهتدي الحسن بن أيوب والتي نقل الإمام ابن تيمية جزءًا كبيرًا منهما في كتابه: (الجواب الصحيح ٣/٣٣٠) . ووردت كذلك في النصيحة الإيمانية للمهتدي نصر بن يحيى المتطبب ص ٢٣٢، ٢٣٣. ٤، (٥) وردت هذه التسابيح بألفاظها في رسالة المهتدي الحسن بن أيوب والتي نقل الإمام ابن تيمية جزءًا كبيرًا منها في كتابه (الجواب الصحيح ٣/٣٣٠) . ووردت كذلك في النصيحة الإيمانية للمهتدي نصر بن يحيى المتبب، ص ٢٣٢، ٢٣٣. ٦ وردت هذه التسابيح بألفاظها في رسالة المهتدي الحسن بن أيوب والتي نقل الإمام ابن تيمية جزءًا كبيرًا منها في كتابه (الجواب الصحيح ٣/٣٣٠) . ووردت كذلك في النصيحة الإيمانية للمهتدي نصر بن يحيى المتبب، ص ٢٣٢، ٢٣٣.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وفي هذه التسابيح التي لكم ما يضحك من تأملها إذ يحسن منه أن يقول: كيف بطل الموت بصلب المسيح وموته؟. ألسنا نرى الموت فافرًا لا يشبع، والشيطان مستمرًا على الإضلال والإغراء لا يقلع؟ وأنَّى يغلب الموت من قد مات وغلب. ويقهر الشيطان من قد قهر وصلب؟!!.
٨٧- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في الصلاة الأولى وهي التي يسمونها صلاة السحر وصلاة الفجر١.: "تعالوا نسجد ونتضرع للمسيح إلهنا أيها الرّبّ
_________________
(١) ١ يزعم النصارى أن الصلوات المفروضة عليهم في كلّ يوم سبع صلوات كما ورد في مزمور ١١٨/١٦٤، وكما جاء في كتاب قوانين الرسل وابن العسال. وإن كان الكثيرون منهم يرون أن الانتظام في الصلاة توجيه اختياري لا إجباري. وتنقسم الصلاة إلى فردية وجماعية. وأوقات الصلوات السبع وأسباب تخصيصها عندهم كالآتي:
(٢) صلاة باكر (الفجر) . رتبت وقت شروق النور عند الفجر عند القيام من النوم. وفيها شكر الله على حراسته لهم فيما مضى من الليل. ويسألونه أن يحفظهم في هذا اليوم بغير خطيئة.
(٣) صلاة الساعة الثالثة (حوالي التاسعة صباحًا) . لأنه في الساعة الثالثة من النهار حل الروح القدس على التلاميذ الأطهار.
(٤) صلاة الساعة السادسة (وقت الظهر تقريبًا) . لأنه في تلك الساعة صلب المسيح وسمرت يداه ورجلاه. فينبغي الصلاة فيه ليساعدهم المسيح على النصرة في جهادهم.
(٥) صلاة الساعة التاسعة (حوالي الرابعة بعد الظهر) . ورتبت في هذا الوقت لأن يسوع نادى فيه بصوت عظيم: "يا أبتاه في يديك أستود روحي. ولما قال هذا أسلم الرو ". الخ. فَيُصَلّون ليصنع معهم رحمة.
(٦) صلاة الغروب: رتبت شكرًا لله على حفظه لهم طول النهار ومباركته أعمالهم ويسألونه أن يحرسهم.
(٧) صلاة نصف الليل: رتبت شكرًا لله الذي أجاز النهار بسلام ويسألونه أن يجيز الليل بسلام.
(٨) صلاة نصف الليل: حيث يكون فيها الهدوء من قلق العالم. ولما كانت كلمة (ساعة) هي: (آجب) بالقبطية كان الكتاب المتضمن لهذه الصلوات اليومية يعرف بـ: (الأجبية) . ويزعمون بأن هذه الصلوات شائعة الاستعمال منذ القرون الأولى. (ر: ترانيم ومدائح منتخبة (للكنيسة القبطية) ص ٥-٨، قصة الكنيسة القبطية ص٥٠٦،إيريس حبيب، بتصرف، المسيحية ص٢٣٤،د. أحمدشلبي) .
[ ٢ / ٦٢٩ ]
خروف الله ارحمنا. أنت وحدك القدوس المتعالي. أيها المسيح الرّبّ إنا بكل / (٢/٨٦/ب) كلّ يوم إلى الأبد".
اعلم أن هذه الصلاة للمسيح خاصة وقد صرحوا فيها بأن المسيح هو الله الرّبّ. وأنه وحده المتعالي المبارك إلى الأبد. وهو كما ترى الكفر الصراح الذي لا غبار عليه. وهو باطل بالتوراة والإنجيل والنبوات والمزامير.
فأما التوراة فليس فيها شيء من هذه النجاسات ألبتة بل هي مشحونة بتوحيد الباري إله إبراهيم وتنْزيهه وإفراده بالربوبية. وقد قال في السفر الخامس منها: "الرّبّ واحد في السماء والأرض ليس غيره"١. وقال سبحانه في العشر الكلمات: "أنا الله الذي أخرجتك من مصر لا يكن لك إله غيري"٢. وقال الله تعالى في التوراة: "لا تتخذوا أصنامًا ولا أشباهًا في السماء فوق ولا في الأرض أسفل ولا في البحر تحت، ولا تسجدوا لها ولا تعبدوها أنا الله إله غيور"٣. وقد كلم الله في التوراة آدم ونوحًا وإبراهيم ويعقوب وموسى وهارون وأمرهم ونهاهم كل ذلك٤ يقول: "أنا الله وحدي". وقال الله لموسى: "أنا الله إله آبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لا يكن لك إله غيري"٥. / (٢/٨٧/أ) .
فحذرهم من الإشراك واتّخاذ إله آخر. وذلك من أدلّ الدليل على كفر النصارى٦.
أما الإنجيل فقال المسيح: "لا يقدر أحد أن يعبد رَبَّين"٧. وقال: "لا صالح إلاّ الله الواحد"٨. وقال: "أوّل الوصايا كلّها في الناموس اسمع يا إسرائيل
_________________
(١) ١ تثنية ٤/٣٩. ٢ خروج ٢٠/٢، ٣. ٣ تثنية ٥/٦-٩. ٤ في م: كذلك. ٥ خروج ٢٠/٢، ٣. ٦ في م: الكفر. ٧ متى ٤/١٠، لوقا ١٦/١٣. ٨ متى ١٩/١٧.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الرّبّ الإله واحد هو، فاحببه من كلّ قلبك"١. وقال المسيح لليهود: "أنتم تمجدون نفوسكم ولا تمجدون الله"٢. وسئل عن القيامة، فقال: "لا يعرفها إلاّ الله وحده"٣. ورفع وجهه إلى السماء وقال: (أنت الإله الحقّ وحدك"٤.
وأما المزامير والنبوات فكلّها توحيد أيضًا وليس فيها من كفر النصارى شيء ألتبة. قال داود في المزمور السابع عشر: "الله لا ريب في سلبه، كلام الرّبّ مختبر. وهو منجي من توكل عليه. لا إله إلاّ الرّبّ. لا عزيز مثله"٥. وقال في المزمور التاسع عشر: "الرّبّ يستجيب لك. في يوم شدتك إله يعقوب ينصرك، ويرسل لك عونًا من قدسه. ومن صهيون يعضدك سؤلك. هؤلاء / (٢/٨٧/ب) بالخيل وهؤلاء بالمراكب. ونحن باسم إلهنا ندعو"٦.
فقد وضح لك أن هذه الصلاة التي للنصارى مقصورة على عبادة رجل من بني آدم، وأنها باطلة بما نصت عليه كتب الله المنَزّلة.
٨٨- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة الساعة الأولى٧: "المسيح الإله الصالح الطويل الروح الكثير الرحمة الداعي الكلّ إلى الخلاص"٨.
هذه
_________________
(١) ١ مرقس ١٢/٢٩. ٢ لوقا ١٦/١٥، ١٦. ٣ متى ١٩/١٧. ٤ يوحنا ١٧/٣. ٥ مزمور ١٨/٣٠، ٣١. ٦ مزمور ٢٠/١-٥. ٧ يقصد المؤلِّف بها: "صلاة الساعة التاسعة". ٨ وردت هذه القراءة في كتاب: (ترانيم ومدائح منتخبة للكنيسة القبطية ص ٢٣) . وفي كتاب العبادات المسيحية ص ٦٧ للأرسمنديرت إلياس. وذكر فيها أن هذه القراءة تقرأ أيضًا في آخر كلّ ساعة من الصلوات. ونصّها كالآتي: "ارحمنا يا الله ثم ارحمنا. يا من في كلّ وقت وكل ساعة في السماء وعلى الأرض مسجود له وممجد. المسيح إلهنا الصالح الطويل الروح، الكثير الرحمة الجزيل التخن. الذي يحب الصديقين ويرحم الخطاة الذين أوّلهم أنا. الذي لا يشاء موت الخاطئ مثل ما يرجع ويحيا. الداعي الكلّ إلى الخلاص لأجل الموعد بالخيرات المنتظرة ".
[ ٢ / ٦٣١ ]
الصلاة أيضًا من١ النمط الأوّل وهي باطلة بشهادة المسيح إذ نطق الإنجيل: "بأن إنسانًا قال: يا معلم صالح ما أعمل من الصلاح؟ فقال: أتدعوني صالحًا؟! لا صالح إلاّ الله وحده"٢. وإذا لم يرض المسيح أن يكون معلمًا صالحًا، بل٣ أنكر ذلك وأولى الصلاح لله وحده. فكيف تَخَطَّا النصارى أمره وزادوا حتى سموه الإله الصالح؟ وإذا أنكر ﵇ القول الأوّل فالأولى أن ينكر هذه الصلاة وهذه القراءة. ثم قول النصارى: "المسيح الإله الصالح". وتخصيصه بذلك دون الآب والروح القدس فيه إبطال لمذهبهم في الثالوث؛ إذ لا خلاف عندهم / (٢/٨٨/أ) أن التعبد لأقنوم الكلمة على تجردها لي بجائز. إذ الإله المحقوق بالعبادة هو عبارة عن ثلاثة أقانيم وهي: الآب والابن والروح القدس.
فما لم يتوجه المكلف بالعبادة إلى هؤلاء الثلاثة لم تعتبر عبادته. فإذا قصدوا المسيح بهذه الصلاة فإنما قصدوا أقنومًا واحدًا والمسيح عندهم [ما] ٤ اتّحد به سوى العلم. فأما الآب والروح فلما اتّحدا به. ثم هذه القراءة منهم تشعر بأن المسيح أصلح الثلاثة ثم لا يخلوا أن يقصدوا بهذا القول لاهوت المسيح أو ناسوته. فإن قصدوا ناسوته لزمهم أن يكون الجسد المخلوق إلهًا خالقًا وذلك جهل. وإن قصدوا لاهوته وهي صفة العلم لزمهم أن يكون صفات الله من العلم والقدرة آلهة معه وذلك لا يقول به عاقل.
أما قولهم: "الطويل الروح". فإن زعموا به الروح التي زعموا أنها جاءته عند المعمودية فتلك إن كانت قديمة لم يصح وصفها بطول ولا قصر؛ إذ كل ما دخله المساحة وكان له طول / (٢/٨٨/ب) وعرض وعمق فهو جسم مخلوق حادث. وإن عنوا به
_________________
(١) ١ ليست في (م) . ٢ متى ١٩/١٧. ٣ ليست في (م) . ٤ في ص، م (فما) والأولى حذف الفاء.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
روح الإنسان على معنى أن المسيح صبر في زعمهم على إهانة اليهود مع قدرته على الانتصار فقد ناقضوا قولهم: "إنه الإله الصالح"؛ إذ الإله هو الذي لا تمتد إليه الأيدي وهو الذي يأمر عباده بالصلاح. أما من يشرع الفساد فلا يستحق اسم الصلاح.
وأما قولهم: "الداعي الكلّ إلى الخلاص". فنقول: أدعاهم وأراد هدايتهم أم دعاهم ولم يرد ذلك؟ فإن كان قد أراد هدايتهم فلم يهتدوا فقد تحقق عجزه؛ إذ لم تنفذ إرادته ومثل هذا لا يصلح للربوبية. وإن كان قد دعاهم ولم يرد هدايتهم فقد ظلمهم بعدم إرادة هدايتهم وقد فعل الشّرّ وضد الصلاح. وهذا يهدم أصول النصارى في القول بالتحسين والتقبيح. وإن زعموا أنهم قد اهتدوا بدعائه أكذبهم شاهد الوجود.
٨٩- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة الساعة الثالثة: "يا والدة الإله السماوي أنت هي الكرمة الحقانية الحاملة ثمرة / (٢/٨٩/أ) الحياة إليك نتضرح لترحمي نفوسنا يا والدة الإله السماوي افتحي لنا أبواب رحمتك"١.
أوّل ما نبدأ به أن نقول للنصارى: أخبرونا هل هذا القول منكم من أصول العقائد التي لا يسع المكلف جهله أو لا؟ فإن زعموا أنه لا بدّ للمكلفين من اعتقاده والصلاة به، وأنه لا رخصة لعبد حتى يعتقد أن لله والدًا ولده وأُمًّا حملته وأرضعته.
فإن قالوا: لا يسع [مؤمنًا] ٢ إلاّ ذاك.
قلنا لهم: أخرجتم آدم وإبراهيم وموسى ومن بينهم من المؤمنين عن الإيمان؛ إذ لم يعرفوا ذلك ولا اعتقدوه ولا سمعوا به. ولو كان ذلك إيمانًا وتوحيدًا لم يجهلوه.
وإن زعموا أن موسى وإبراهيم ومن بينهم كانوا يعتقدون أن لله والدةً حملت به ووالدًا ولده.
قلنا لهم: أرونا ذلك في توراة موسى ونبوات الأنبياء وأَنَّى يجدون إلى ذلك سبيلًا.
_________________
(١) ١ ورد معنى هذه القراءة في كتاب: (إنجيلك نور لحياتي) ٣/١٣٦٦، ١٣٦٧. ٢ في ص، م (مؤمن) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
ثم نقول لهم: ما قولكم فيمن خرج عن دين السيح وخالفه من طبقات بني آدم أكفارٌ هم أم مؤمنون؟.
فإن / (٢/٨٩/ب) قالوا: إنهم كفار فجار قد هلكوا بتكذيبهم المسيح. قلنا: فقولهم في أم المسيح: "إنها حملت ثمرة الحياة" كذب وزور وإفك وَمَين؛ إذ الذين هلكوا بانتهاك عرضها وقذفها من اليهود وغيرهم أكثر من أن يحصوا فقد كذبتهم في قولكم: "إنها الكرمة الحاملة ثمرة الحياة". وصارت بمقتضى ما ذكرتهم حاملة ثمرة الهلاك كما قال ولدها في الإنجيل: "لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض [سلامًا] ١ ما جئت لألقي عليها [سلامًا] ٢ لكن سيفًا وأوقد بهانارًا"٣.
وإذا كان هذا قول المسيح وهو الثمرة التي ذكرتهم فما صدقتم في تسميته في صلاتكم (ثمرة الحياة) .
واعلم أن هذه الصلاة أيضًا مقصورة على عبادة مريم ﵍ وهي خارجة عن أصول النصارى؛ لأن جسد مريم لم يتّحد به شيء عند كافة النصارى بل جسدها كسائر أجساد بني آدم. فلو جاز أن يعبد مريم لكونها حملت بالمسيح عن عدة الله لجاز أن تعبد أليصابات٤ وسارة وهاجر؛ إذ حملوا عن عدة الله تعالى. فقد زاد النصارى على الثالوث / (٢/٩٠/أ) إلهًا رابعًا وخالفوا أهل ملتهم من القدماء.
٩٠- فضحية أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة السادسة: "يا من سُمِّرت يداه على الصليب من أجل الخطيئة التي تجرأ عليها آدم. خرق العهدة المكتوب فيها خطايانا وخلصنا. يا من سُمِّر على الصليب وبقي حتى لصق على الخشبة
_________________
(١) ١، (٣) في ص، م (سلامة) والتصويب من النّصّ. ٢ متى ١٠/٣٤، لوقا ١٢/٥١. ٤ أليصابات: صيغة يونانية للاسم العبري (أليشبع) أي: (الله قسم) . وهي: امرأة زكريا وأم يوحنا المعمدان ﵉. (ر: لوقا ١/٥، ٤٥، قاموس ص ١١٣) .
[ ٢ / ٦٣٤ ]
بدمه قد أحببت الممات لموتك، أسألك بالمسامير١ التي سمّرت بهم. نجّني يا الله"٢.
هذه القراءة وإن كانت تصلح لتعاليق المجان ومن يعتن بالأضاحيك فلا بُدّ أن نبيّن مراد النصارى بها، ومرادهم: أن آدم أبيح له كلّ شجر الجنة وقيل له: كُلْ مَا أحببت خلا شجرة معرفة الخير والشّرّ؛ فإنك في اليوم الذي تأكل تموت موتًا. قالوا: فلما أكل وخالف أمر ربّه وجب في حكم الله تعالى أن يميته موت الخطيئة لا موت الطبيعة؛ إذ سبق في علم الله أنه لا يفرغ العالم من نسله. فلما ورد عليه العتاب والتوبيخ أسف وندم على ما فعل. وأنه تعالى تاب عليه وبقي في عهدة قوله السابق / (٢/٩٠/ب) فلطف له وبعث المسيح فصام بدلًا من توسع آدم في تناول الشجرة. وصلب على خشبة بدلًا من تيك الشجرة. وسمّرت يداه بالجذع لامتدادها إلى الثمرة المنهي عنها. وسقي المرار لالتذاذ آدم بحلاوة ما أكله من الجنة. ومات بدلًا عن الموت الذي كان الله يهدد به آدم. وهذه دعوى لا برهان لهم عليها ولو ادّعاها بعض الناس لبعض من صلب في الدنيا قَبل المسيح أو بعده لما وجد النصارى إلى ردّ ذلك سبيلًا. وليس - وعزة الله - لما لفقوه من ذلك أصل في كتب الله لا في العتيقة ولا في الجديدة٣.
وقولهم: "خرق العهدة التي كتبت فيها خطايانا وخلصنا". وذلك أنهم يعتقدون أن خطيئة آدم التي جناها على نفسه قد شمل وزرها وتبعتها سائر ولده حقبًا بعد حقبٍ وقرنًا بعد قرنٍ إلى مجيء المسيح. وقد أبطلنا ذلك فيما تقدم وتلونا ما ورد في التوراة والإنجيل والمزامير مما يكذب هذه الدعوى٤.
_________________
(١) ١ ليست في م. ٢ ورد معنى هذه القراءة في كتاب العبادات المسيحية ص ٦٦. تحت عنوان: (صلاة الساعة السادسة) . ٣ يقصد المؤلِّف أسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد. ٤ ر: ص: ٣٧٢، ٣٧٣.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وقد قالت التوراة: "إن الله / (٢/٩١/أ) قال لقابيل بن آدم: إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة ببابك أنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك"١.
فقد أخبرت التوراة أن في إحسان المحسن وقبول البر من الرجل البار مندوحة عن قتل المسيح وغيره. وقالت التوراة أيضًا: "أما هابيل فإنه يجزئ للواحد سبعة"٢. وفي ذلك مندوحة عن القتل والصلب إذ الجزاء خلاص وزيادة.
وقال الله تعالى في المزامير: "طوبى للرجل الذي لم يتبع رأي المنافقين ولم يقف في طريق المستهزئين ولم يجالس الخاطئين لكن في ناموس الرّبّ هواه، يدرس ليلًا ونهارًا"٣. فقد شهد المزمور أن الاشتغال بقراءة كلام الله وعبادته مخلِّص لصاحبه وأن طوبى له. فلا حاجة إلى الخلاص بشيء آخر. وإلاّ فيلزم تكذيب داود في خبره عن الله تعالى. وقد قال التلاميذ للمسيح وسألوه: من العظيم في ملكوت الله تعالى؟ فقال: "من تواضع مثل الصبيان فهو العظيم في ملكوت الله"٤.
قد أخبر المسيح أنه لا حاجة إلى قتل وصلب بل من تواضع لله ولم يتكبر كفاه الله وخلّصه. / (٢/٩١/ب) والعجب كيف تحكَّم النصارى بصحّة توبة آدم ويقولون: "إن ذريته مأخوذون بجريرته". وقد رووا في بعض نبوات أنبيائهم عن الله: "لا آخذ الولد بذنب والده، ولا الوالد بذنب ولده. طهارة الطاهر له
_________________
(١) ١ تكوين ٤/٦، ٧. ٢ تكوين ٤/١٥. ٣ ١/١، ٢. ٤ متى ١٨/١-٤، مرقس ٩/٣٤-٣٧.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
تكون وخطيئة الخاطئ عليه تكون"١. وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ١٦٤] . والعجب كيف يثبتون عند سماع هذه القراءة ولا يستغربون ضحكًا؟! ولعمري ما بلغ أعداؤهم منهم ما بلغوا في أنفسهم في جعل مثل هذا السخف قرآنًا يتلى.
٩١- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة الساعة التاسعة: "يا من ذاق الموت من أجلنا في الساعة التاسعة إليك ابتهالنا، يا من سلّم نفسه إلى الآب لمّا علّق على الصليب لا تغفل عنا. يا مَن مِن أجلنا ولد من العذراء، واحتمل الموت، لا تخيّب من خلقت بيديك واقبل من والدتك الشفاعة فينا. ولا تنقض عهدك الذي عاهدت عليه إبراهيم وإسحاق ويعقوب"٢. وفي هذه الصلاة يقرؤون أيضًا: "لما رأت / (٢/٩٢/أ) الوالدة٣ الحمل والراعي ومخلّص العالم على الصليب قالت وهي باكية: "أما العالم ففرح٤ بقبوله الخلاص، وأما أحشائي فتلتهب عندما أنظر إلى صلبوتك يا بني".
والغَيّ قولهم: "يا من ذاق الموت من أجلنا". قد بيّنا خُلُو هذه الدعوى عن الفائدة، وأن القتل والصلب وقع باطلًا؛ إذ٥ الخلاص الذي قتل لأجله لم يعرفوا له حقيقة ولا وقفوا من أمره على نبأ إلى الساعة. وما هو إلاّ عنقاء
_________________
(١) ١ سفر خزقيال ١٨/٢٠. ٢ وردت هذه القراءة في كتاب العبادات المسيحية ص ٦٧. ٣ في م: الولدات. ٤ في م: فقدح. ٥ ليست في (م) .
[ ٢ / ٦٣٧ ]
مغرب١ يُسمع به ولا يُرى. على أن هذه القراءة مع أنها سبَّةُ٢ على قارئها ففيها تناقض لا يخفى على من تأمله. وذلك: أن أوّلها يشهد بأنه قتل وصلب وذاق الموت من أجل خلاصهم. وقد سمته أمه بزعمهم: "مخلص العالم". فما حاجتهم إلى التضرع إليه ألا يخيبهم ولا يغفل عنهم وأن يمدوا إليه بشفاعة والدته؟ أهم شاكون في خلاصهم بقتله وصلبه؟ أم يقولون إن الأب لم يفِ له فخسر نفسه ولم يحصل لهم خلاص؟!!.
وأما قولهم: "ولا تنقض عهدك الذي عاهدت عليه إبراهيم / (٢/٩٢/ب) وإسحاق ويعقوب"، فذلك غلط من النصارى. إذ ما عاهد إبراهيمُ وإسحاقُ ويعقوبُ الأبَ. قد قال المسيح: "الله لم يره أحد قط". وعلى مقتضى هذه الصلاة المدبرة يكون المصلوب المُسَمَّر اليدين بالمسامير هو الأب الذي عاهد إبراهيم وإسحاق ويعقوب. والذي غلّط النصارى هَا هنا أفريم - من جهال سلفهم -: "إن اليدين التي جبلت طينة آدم هي التي علقت على الصليب. وإن الشبر الذي مسحت السماء هي التي سمرت في الخشبة". فأستغفر الله من حكاية أقوال هؤلاء الضلال.
وأما قولهم: "إن والدة إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب واقفة تبكي تحت خشبته وتناديه يا بني وإلهي أحشائي تحترق لصلبك". فلو سمعه بعض المجان لاتّخذه من أظرف ما يمجن به. لأن حاصله أن ابنها إلهها الذي ولدته. وخالقها هو ولدها الذي أرضعته.
_________________
(١) ١ العنقاء: الداهية. وطائر معروف لاسم مجهول الجسم. أو طائر عظيم يبعد في طيرانه. أو من الألفاظ الدالة على غير معنى. كما في القاموس ص ١٥٤. ٢ في م: سيئة.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
ولاشتمال صلوات النصارى على هذا السخف يبالغون في ستر أحوالهم ولا يُعجبهم أن يحضر بِيَعهم أحد غيرهم.
٩٢- فضيحة أخرى: / (٢/٩٣/أ) النصارى يقرؤون في صلاة الغروب: "يا والدة الإله العذراء أسعي في خلاصنا وافرحي يا والدة الإله. مباركة أنت في النساء ومبارك ثمرة بطنك لأنك ولدت لنا مخلّصًا. يا والدة الإله لا تغفلي عن وسائلنا١ ونجنا من المعاطب"٢. وفي هذه الصلاة: "يا صابغ المسيح يوحنا اذكر جماعتنا ونجّنا".
قولهم: "يا والدة الإله"، اعلم أن الألوهية عندهم تكون حقيقة وتكون مجازًا. فالإله الحقيقي هو الله الآب عندهم. والإله المجازي هو المعظم في الدين الذي يدعو إلى الله ويعلم الناس أوامر الله ويبيّن لهم أحكامه. فإن عنوا هَا هنا الإله الحقيقي سقطت مكالمتهم لبيان جنونهم.
وإن عنوا القسم الثاني وهو الإله الذي هو مُعظم في الدّين كقول الله في التوراة لموسى ﵇: "أخوك هارون يكون لك مترجمًا وأنت تكون له إلهًا مدبّرًا"٣. وكقول داود لعلماء بني إسرائيل في المزامير: "أنا قالت: إنكم آلهة وبني العلي كلكم تدعو"٤. وكقول حبقوق النبيّ: / (٢/٩٣/ب) "إله يأتي من التيمن ومقدس من جبال فاران"٥. يصف نبيًّا يخرج من الحجاز وصلوات الله عليه وسلامه.
_________________
(١) ١ في م: وساليفا. ٢ وردت هذه القراءة في كتاب ترنيم ومدائح منتخبة ص ٢٠، ٢١. ٣ خروج ٧/١. ٤ مزمور ٨٢/٦. ٥ سفر حقبوق ٣/٣.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
فإذا قال النصارى في صلواتهم: "يا والدة الإله"، لَمْ يُعلم من هي المدْعوَّة. أهي أُمُّ١ إبراهيم فإنه في التوراة عظيم٢ الله. أَمْ٣ أُمُّ إسرائيل، فإنه في التوراة بكر الله٤. أَمْ والدة موسى. فإنه في التوراة: [إله ومدبّر] ٥. أَمْ [إحدى] ٦ أمهات أصحاب داود فإنهم في المزامير آلهة؟! ٧. وإذا كان هؤلاء يُدْعَون آلهة فقد صار اللفظ مجملًا. فمن التي دعوها لتنجيهم من المعاطب وتسعى في خلاصهم؟!.
وقد زادوا في هذه الصلاة إلهًا سادسًا، وهو يوحنا إذ قالوا: "يا يوحنا صابغ المسيح نجّنا من المعاطب". فصارت الآلهة ستة: الآب والابن وروح القدس والمسيح ومريم والمعمداني. وفي دعائهم يوحنا وطلبهم النجاة منه تكذيب لهم في دعوى الخلاص بقتل المسيح، إذ لو كانوا قد خلصوا بالمسيح لم يفتقروا إلى دعاء غيره. وحيث احتاجوا إلى الغير دلّ أنهم ما خلصوا وصار ما ادّعوه من قتل / (٢/٩٤/أ) المسيح خاليًا عن الفائدة.
٩٣- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤون في صلاة النوم: "الملائكة يمدحونك بتهليلات مثلثة. لأنك قبل الكلّ لم تزل أيّها الأب. وابنك نظيرك في الابتداء. وروح القدس مساويك في الكرامة. ثالوث واحد".
_________________
(١) ١ في م: امرأة. ٢ يشير إلى ما ورد في سفر التكوين ١٢/٢: "فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك". ٣ ليست في (م) . ٤ يشير إلى ما ورد في سفر الخروج ٤/٢٢: "هكذا يقول الرّبّ إسرائيل ابني البكر". ٥ في ص، م (إلها ومدبرا) والصواب ما أثبتّه. يشير إلى ما ورد في سفر الخروج ٤/٢٢: "وهو يكون لك فمًا وأنت تكون له إلهًا". ٦ في ص، م (أحد) والصواب ما أثبتّه. ٧ يشير إلى ما ورد في سفر المزامير ٨٢/٦: "إنكم آلهة وبنو العلي كلهم".
[ ٢ / ٦٤٠ ]
أما قولهم: إن الملائكة يعتقدون الثالوث الذي يقولون به فبهت قبيح وكذب صريح بَنَوْهُ على فاسد معتقدهم. وإلاّ فمن أين علموا أن اعتقاد الملائكة ما حكوه عنهم والدليل على تخرص ذلك على الملائكة التوراة والإنجيل والمزامير فإنها شاهدة بالتوحيد وتنْزيه الباري عن الثاني والثالث. وقد قال لوقا: "إن جبريل حين خاطب مريم وسلّم عليها ارتاعت منه. وقالت: ما هذا السلام؟ فقال لها جبريل: اعلمي أبي أنا جبريل الواقف قدّام الله جئتك أبشرك"١.
وقد أكثرنا من ذكر الشواهد على التوحيد مما يقضي ببطلان هذه القراءة وتبيّن تخرص من ألّفها.
وفي قول النصارى / (٢/٩٤/ب) هَا هنا: "لأنك قبل الكلّ لم تزل"، يدلّ على حدث الابن والروح القدس لتأخرهما٢ عن الأب في الوجود. إذ لو كانا قديمين لم يكونا مسبوقين. فإن عبّر النصارى عن صفتي العلم والحياة بالابن والروح. قلنا لهم: فالصفتان قديمتان أيضًا. فكيف يكون الأب قبل الكل والصفة لا تتأخر عن موصوفها؟ فالقراءة على ذلك باطلة. فنحن نسألهم عن الابن والروح أهما [إلهان أزليان أو مخلوقان حادثان؟] ٣.
فإن كانا حادثين٤ مخلوقين فقد أبطلوا القول بألوهيتهما وأبطلوا القول بالتثليث. وإن كانا إلهين خالقين بطل أن يكون الأب سابقًا لهما وفسدت هذه التلاوة.
_________________
(١) ١ لوقا ١/٢٨-٣٠. ٢ في م: إذاخرهما. ٣ في ص، م (إلهين أزليين أو مخلوقين حادثين) والصواب ما أثبتّه. (فإن كانا حادثين) ليست في (م) .
[ ٢ / ٦٤١ ]
وأما قولهم: "ثالوثًا واحدًا". فلا تظن أنهم يعتقدون أنها صفات للذات بل مرادهم أن الآلهة ثلاثة فقط بغير رابع. والدليل عليه إفراد كل واحد منهم بالذكر والتعبد والسؤال كما شهدت به الصلوات والأمانة التي لهم والتسابيح. ولو كانوا يردون ذلك إلى أنهم صفات للذات لاقتصروا على إفراد / (٢/٩٥/أ) الله تعالى بالذكر كما أفرد موسى ﵇ والأنبياء - ﵈ -. فهل تجدون في التوراة والنبوات للتثليث ذكرًا ألتبة؟ على أن النصارى قد عبدوا بني آدم، ألا تراهم كيف يقرؤون في الصلاة: "تعالوا نسجد تعالوا نتضرع للمسيح إلهنا". والمسيح هو المولود الذي ولدته مريم - ﵉ -.
٩٤- فضيحة أخرى: النصارى يقرؤن في صلاة نصف الليل وهي الثامنة: "تبارك الرّبّ إله آبائنا وفوق المتعالي إلى الدهر. تبارك١ مجدك القدوس فوق المسيح وفوق المتعالي إلى الدهر. مبارك أنت فوق المسيح وفوق المتعالي إلى الدهر"٢. وكرروا هذه الفوقية في هذه الصلاة دفعات. فوصفوا الله تعالى بأنه فوق المسيح وفوق مَن هو أعلى من المسيح وذلك مناقض لما قرؤوه في صلاة النوم إذ قالوا فيها: "إن المسيح نطير الله في الابتداء وإن روح القدس مساويه في الكرامة". فإن كان الله فوق المسيح بطل قولهم أنه نظيره. وإن كان المسيح نطيره بطل أن يكون فوقه. / (٢/٩٥/ب) فلا بدّ من إبطال أحد القراءتين ضرورة الوفاء٣ بالأخرى.
ثم نقول لهم: أليس أقنوم الوجود وأقنوم الحياة وأقنوم العلم متساوية في الأزلية والقِدَم واستحقاق الربوبية. فما الذي خصص أحدهم بالفوقية دون الآخرين وليس مقدمًا عليهم؟.
_________________
(١) (تبارك مجد إلى آخر الصلاة) ليست في (م) . ٢ ورد معنى هذه القراءة في كتاب: (ترانيم ومدائح منتخبة ص ٣٣، ٣٤) . ٣ في م: بالوفاء.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
فإن أبيتم إلاّ إثبات الفوقية له عليهما فقد أثبتم أنهما دونه. وذلك تشويش للثالوث وإن وفيتم١ بالثالوث أبطلتم هذه القراءة ولا سبيل إلى إبطالها. فإن التوراة والإنجيل والنبوات شاهد لها٢ بالصحّة؛ إذ خصصت الباري بالألوهية ووصفته بأنه المتعالي فوق المسيح وفوق كل شيء. جلّ وعلا وتقدّس عما يقول الجاحدون علوًّا كبيرًا.
فهذه بهديكم ثمان صلوات قد اشتملت على الكفر والبهت والفجر وقلة الحياة. وذلك أن أحدهم يقوم [مضمخًا] ٣ ببوله فيتوجه إلى مشرق الشمس - وهي جهة كان المسيح وغيره من الأنبياء يتنكبها في صلاته - فيناجي رجلًا من بني آدم فيقول في قراءته: "يا من قتله اليهود وصلبوه، وسمّروا يديه على خشبة وتركوه على جذعة بين اللصوص حتى أسالت الشمس دمه وحتى لصق بالخشبة / (٢/٩٦/أ) جسده. برحمة المسامير التي سمّرت بها في يديك ارحم من خلقت بيديك٤ يا الله".
وهذا - حوشيتم - لو خوطب به زعيم قرية أو رئيس محلة لتطيّر من سماعه وعجّل العقوبة لقائله. فكيف بمن يناجي بذلك إلهه وربّه جل وعلا؟!.
سؤال على النصارى:
نقول للنصارى: أخبرونا ما الذي صنعه الله بيسوع حتى صار ابنًا له إذ لم تقولوا بالنبوة المعروفة المتّحدة من الزوجة والمملوكة؟.
_________________
(١) ١ في م: أفيتم. ٢ ليست في (م) . ٣ في ص، م (متضمخ) والصواب ما أثبتّه. ٤ في م: تكرر: "ارحم من خلقت بيديك".
[ ٢ / ٦٤٣ ]
فإن قالوا: "مسحه فصار بمسحه له مسيحًا وابنًا. قلنا: أبينوا لنا هل مسحه بدهن؟ فإن قالوا: نعم. ساووا بينه وبين داود وغيره. إذ قال داود في مزاميره: "صبيًا كنت في غنم أبي فأخذني ربّبي ومسحني بدهن مسيحه"١.
وقال داود في مزمور آخر: "ائتمر٢ الشعوب على الرّبّ وعلى مسيحه" ٣. يعني: نفسه.
وقال الله تعالي في السفر الثالث من التوراة ويسمى سفر الكهنة: "إن الحبر الممسوح من أولاد هارون هو الذي يتولى القرابين ورش الدم على زوايا المذبح"٤. وذلك مشهور عندهم فالمسيح هو الممسوح فما زادوا أن وصفوه بوصف / (٢/٩٦/ب) كاهن.
وفي الإصحاح الخامس من هذا السفر: "قال الله لموسى: اعمد إلى هارون وبنيه وخذ اللباس ودهن٥ المسيحين الذي يمسح به الأحبار وخذ الجماعة كلها إلى باب قبة الأمد. وقدم هارون وألبسه لباس الكهنة وكلله بأكليل من ذهب وصب على رأسه من دهن المسيحين [وامسحه] ٦ وقدسه. ففعل موسى ذلك بهارون"٧.
فما نرى المسيح له مَزِيَّة على داود وهارون في ذلك. وما نراه نسج له إلاّ على منوال من تقدم من صفوة الله تعالى.
وقد حكوا عن إنجيل لوقا أن جبريل بشّر مريم بأن ولدها المسيح ابن داود يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملكه على بيت يعقوب. وذلك يتقاضى أن
_________________
(١) ١ مزمور ٢٣/٥، ٨٩/٢٠. ٢ في م: أقيموا. ٣ مزمور ٢/٢. ٤ لاويين ٤/٥، ٦. ٥ في م: وهني. ٦ في ص، م (ومسحه) والصواب ما أثبتّه. ٧ سفر الخروج الإصحاح (٨) .
[ ٢ / ٦٤٤ ]
يكون١ أفضل منه أو معه في رتبة الفضل - فيالله العجب - جبريل يخبر عن الله أن المسيح هو ابن داود، وأنتم تقولون كلا ولكنه ربّ داود. لقد تباعد ما بينكم وبين جبريل، ومن كان عدوًّا لجبريل الأمين فهو لا شكّ عدوّ لله ربّ العالمين.
وإن قالوا: إنما جعله مسيحًا وابنًا بتسمية سماه بها وسمى نفسه ابنًا له. قلنا: وكذلك يعقوب إذ حكيتم / (٢/٦٧/أ) لنا عن التوراة أن الله تعالى قال لموسى: "ابني بكري إسرائيل"٢. والبكر أَجَلُّ قَدرًا عند والده من غير البكر على ما لا يخفى. والتوراة تشهد بأن للولد الأكبر سهمين في الميراث ولغيره سهم واحد٣ ثم٤ هو جَدُّ المسيح وعامة الأنبياء من نسله فهلاّ عبدتموه واتّخذتموه إلهًا؟!.
وإن زعموا أن المسيح إنما سمّاه الله ابنًا للتربية وحسن التأديب - فلعمري - لئن كان الله قد غَذَّاه بغير رضاع وقوته بسوى الطعام المألوف وألبسه غير الثياب المعهودة وبعث إليه مَلَكًا يؤدبه واختلفت الملائكة إلى بيت أُمّه لزيارته وامتثال أوامره ليخالف بينه٥ وبين سائر الناس إن ذلك لموضع شبهة. فأما وأمره في جميع أحواله على ما يعهد من الناس ولم تطهر له آية٦ في صباه ولم يتكلم في المهد كما زعموا ولا زاد أبلغ ثلاثين٧سنة على رجل من بني آدم. فما وجه ادعاء ربوبيته وألوهيته؟.
_________________
(١) ١ في ص (يكونا) والتصويب في م. ٢ خروج ٤/٢٢. ٣ تثنية ٢١/١٥-١٧. ٤ ليست في (م) . ٥ في م: عينه. ٦ في م: أنه. ٧ في م: ثلاثون.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
ولو أن النصارى قالوا: إنه تكلم في المهد وخلق من الطين كهيئة الطير كما يقول فيه المسلمون لوجدوا شعبًا / (٢/٩٧/ب) يستريحون إليه ساعة وساعة.
وإن قالوا: إنه إنما صار مسيحًا وابنًا بمعمودية يوحنا، فقد اعترفوا بأن مريم لم تلد الابن المسيح في الحقيقة وإنما هي امرأة ولدت طفلًا من أطفال بني آدم. وحينئذٍ تكون بنوة المسيح مجرد تسمية لا غير. ويستوي حاله وحال من تَقَدَّمه في هذه التسمية من بني إسرائيل. وإن قالوا: إنما اتّخذه الله مسيحًا وابنًا لأنه أطاعه١ طاعةً لم يطعها أحد قبله. وعبده عبادة لا يتصور أن يبلغها أحد. فنقول: كيف ذلك وإنما أطاع الله تعالى منذ عقل وبلغ مبالغ الرجال. وذلك دون [العشرين] ٢ سنة وأنتم حكيتم لنا في التوراة أن موسى ﵇ عَمَّر مائة وعشرين سنة٣. فإذا طرحنا سِنَّ الصبي كان عمر المسيح خُمْس عمر موسى. وإذا كان الأمر كذلك فقد زادت أعمال موسى وطاعاته٤ وأَرْبَت على طاعة المسيح.
وقد حكيتم لنا أن موسى مَلَك جانبًا كبيرًا من الأرض وقاتل الجبابرة وجاهد العمالقة وأباد الفراعنة وقتل عوجًا مبارزة وواصل٥ / (٢/٩٨/أ) لله أربعين يومًا وأربعين ليلة لا يذوق طعامًا وابتلى بخلاف قومه وكثرة تلونهم وتعنتهم بالجهل المركوز في طباعهم فصبر عليهم ورفق بهم وساسهم وتلقى أوامر ربّه بصدر فسيح وباع رحيب. فلم يهب جبارًا وإن عَظُم قَدْرُه ولا نكل عن عدوّ وإن تفاقم أمره. حتى فتح الشام ودوخ البلاد. ولما دنا حمامه وزمه٦
_________________
(١) ١ في ص: زاد "الله". ٢ في ص (العشرون) والصواب ما أثبتّه. ٣ تثنية ٣٤/٧. ٤ في م: وطاعته. ٥ في م: زاد: (من) . ٦ ليس في م.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
من المقدور زمامه. تقدم إلى خادم كان له يقال له: يوشع بن نون يفتح باقي بلاد الشام وأفاض عليه من فاضل همته وصحيح عزمته ما شَدَّد شكيمته وأَيَّد نحيزته فقاتل أربعة وعشرين مَلِكًا وأبادهم عن جديد الأرض. وهذه عبادات لم يتفق للمسيح ﵉ مع نزول سنه. وأنتم أخبرتمونا في الإنجيل أن المسيح كان مذ بلغ الحلم إلى أن ناهز الثلاثين مشتغلًا بتعلم التوراة واقتباس العلم من أتباع موسى فلم يكن يُحَارِب ولا يُحَارَب ولا امتحن بما امتحن به موسى. فقد كذبتم في قولكم / (٢/٩٨/ب) إنه اتّخذ ابنًا لتقدمه في الطاعات على غيره.
وكيف تستقيم لكم هذه الدعوى والمزامير تشهد بخلافهم. قال داود ﵇ متنبئًا على المسيح: "أقسَم الرّبّ ولا يكذب إنك أنت الكاهن المؤيّد تشبه مملكي صادق"١. فشبه المسيح برجل كاهن كان في زمن إبراهيم الخليل وأقصى درجات الشبه أن يساوي المشبه به في الفضل. وهذا الكلام من داود يفضي بانحطاط درجة المسيح عن درجة إبراهيم وموسى - عيلهما السلام - إذ لا خلاف بين أهل الكتاب أن إبراهيم وموسى أفضل من ملكي صادق هذا الذي شُبه به المسيح فاعلم ذلك.
وإن قالوا: إنه كان [له] ٢ من النية ما لم يكن لموسى ولا غيره - والأعمال بالنيات. - قلنا: لو عكس عليكم الأمر وقيل لكم: بل نية موسى كانت أعظم وقصده كان أتم وأفخم. فبماذا كنتم تجيبون؟ فإن من كان له من أنواع العبادات والقُربات ما وصفنا فهو أحق بأن يقال إن نيته أعظم من نية غيره فقد بطل جميع ما تمسك / (٢/٩٩/أ) النصارى به في بنوة المسيح واستوت حاله وحال أحبار بني إسرائيل في المسيحية والبنوة.
_________________
(١) ١ مزمور ١١٠/٤. ٢ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وإنما أوردنا ما أوردنا من ذلك كسرًا لحجج النصارى وهدمًا لأباطيلهم. ونحن والحمد لله أسلم قلوبًا لأنبياء الله وأحسن قولًا منهم وأجمل اعتقادًا صلوات الله عليهم أجمعين. اهـ.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزة المحمدية
لباب العاشر: في البشائر الإلهيّة بالعزّة المحمّديّة
في البشائر الإلهية بالعزّة المحمّدية:
وتشتمل على قسمين: نذكر في القسم الأوّل: ما نصت عليه الأنبياء من لدن إبراهيم إلى المسيح - ﵈ - مما يشهد بنبوة محمّد رسول الله ﷺ ويحقّق رسالته وأنه ﵇ أفضل النّبيّين والمرسلين. فلو لم يبعث محمّد ﷺ لاختلفت أقوال الأنبياء ورُدَّت شهاداتهم وعكَّر ذلك على نبواتهم بالإبطال. وقد بالغوا - ﵈ - في التنصيص على اسمه ونعته وحليته وذكر أرضه وبلده وجميل سيرته وصلاح أمته / (٢/٩٩/ب) وسعادة ملته وأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن. وأن دعوته تدوم إلى قيام القيامة.
والقسم الثاني: ر فيه ما جاء من الآيات البيّنات والخوارق الباهرات مما تضمّنه الكتاب العزيز واشتملت عليه السنة الطاهرة فأوجب الله به الحجة وأنار المحجة وأقام منار الأبرار ومحى بذلك آثار الكفار. ولتقع البداءة بما في التوراة من ذلك١.
- البشرى الأولى:
قالت التوراة في الفصل العاشر من السفر الأوّل منها: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: إن في هذا العام يولد لك ولد اسمه إسحاق. فقال إبراهيم: ليت٢
_________________
(١) ١ لقد حرصت على تتبع مواطن ذكر هذه البشارات في كتب الأديان التي ألّفها العلماء المسلمون. وخاصة العلماء الذين كانوا من أهل الكتاب وهداهم الله إلى الإسلام ذلك لتمكنهم من لغة التوراة والإنجيل ومعرفتهم الجيدة بمعانيها. فاستشهادهم بهذه البشارات يعتبر حجة على من يعتقدون قدسية تلك الكتب. ٢ في م: كيت.
[ ٢ / ٦٥١ ]
إسماعيل هذا يحيى بين يديك يمجدك. فقال الله تعالى: قد استجبت لك في إسماعيل وإني أباركه وأُيَمِّنه وأعظمه جدًّا جِدًّا بما قد استجبت فيه وأُصيِّره لأمة كبيرة وأعطيه شعبًا جليلًا وسيلد اثني عشر عظيمًا"١.
قلت: قد علم الموالف والمخالف والموافق والمفارق أنه لم يكن في ذرية إسماعيل مَنْ ظهرت بركته / (٢/١٠٠/أ) ونمت أمته وأعطي الشعب الجليل سوى محمّد رسول الله ﷺ. فلقد ملئوا الأرض برحبها٢ وطبقوا من شرق الدنيا إلى غربها. ودوخوا الآفاق وأربوا في العدد على أولاد إسحاق. وهم - والحمد لله - لا يزدادون على مرّ الأيام إلاّ نماءً وكثرةً. وهذا بالغ في شرف إسماعيل إذ فخر الولد يكسب الوالد فخرًا ويرفعه دنيا وأخرى. وناهيك بمن يصفه الله بالعظم والبركة واليمن والجلاله وبأقل من هذه الوعود يثبت الفضل على سائر المخلوقات؛ إذ اليسير من الله عظيم والعظيم منه فلا شيء أعظم منه.
_________________
(١) ١ تكوين ١٧/١٥-٢٠. وقد وردت هذه البشارة في المراجع الآتية: (الدين والدولة ص ١٣١، للمهتدي إلى الإسلام علي بن ربن الطبري. إفحام اليهود ص ١١٥-١١٦، للمهتدي السموأل المغربي. الجواب الصحيح ٣/٣٣١، لابن تيمية، أعلام النبوة ص ١٩٨، للماوردي. هداية الحيارى ص ١١٥، لابن القيم، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٣، للقرافي، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأهوام ص ٢٦٥، للقرطبي، مقامع هامات الصلبان ص ٢١٧، لأبي عبيدة الخزرجي، إظهار الحقّ ص ٥١٧، لرحمة الله الهندي، ومحمّد رسول الله هكذا بشرت به الأناجيل ص ٦٤، للمهتدي بشرى زخارى ميخائيل، محمّد ﷺ في التوراة والإنجيل والقرآن ص ٣٦، للمهتدي إبراهيم خليل أحمد) . وقد ذكر السموأل - الذي كان من أحبار اليهود فأسلم - النّصّ العبري للنّصّ السابق ١٧/١٩ كالآتي: "وليشماعيل شمعيتَخَا هَنِّي يبرخْتى أونوا وهفريثي أوثو وهِزْ بيثي أوثو بماد ماد". ثم قال السموأل: فهذه الكلمة (بماد ماد) إذا عددنا حساب حروفها بالجمل كان اثنين وتسعين. وذلك عدد حساب حروف اسم (محمّد) ﷺ. فإنه أيضًا اثنان وتسعون ١٠هـ. وتوضيح كلامه كالآتي: ب=٢+م=٤٠+أ=١+د =٤=٤٧، عدد كلمة (بماد) م=٤٠+أ= أ=١+د=٤=٤٥ عدد كلمة (ماد) . ومجموع تلك الحروف:٤٧-٤٥=٩٢. وهو عدد حروف اسم (محمّد) م=٤٠+ح=٨+م=٤٠+د=٤، المجموع: =٩٢، وقد نقله القرطبي في الإعلام ص ٢٦٥، ٢٦٦. وذكره أيضًا عبد السلام - الذي كان من أحبار اليهود فأسلم - في كتابه: (الرسالة الهادية) . (ر: إظهار الحقّ ص ٥١٨) . ٢ في م: (بر حربا) .
[ ٢ / ٦٥٢ ]
- البشرى الثّانية:
قالت التوراة في الفصل التّاسع من السفر الأوّل: "إن الملك ظهر لهاجر وقد فارقت ساره. فقال يا هاجر مِن أين أقبلت؟ وإلى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحال قال: ارجعي فإني سأكثر ذريّتك وزرعك حتى لا يحصون وها أنت تحبلين وتلدين ابنًا تسمينه إسماعيل، لأن الله قد سمع تذللك١ وخضوعك. / (٢/١٠٠/ب) وولدك يكون وحشي الناس٢. وتكون يده فوق الجميع ويد الكل به. ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته"٣.
فهذه بشارة شافه الله تعالى بها هاجر على لسان ملكه وأخبرها أنه جاعل يد ابنها العليا ويد من سواه السفلى. ولم تتم هذه البشرى إلاّ بمبعث محمّد ﷺ.
_________________
(١) ١ في م: نداءك. ٢ وردت العبارة في الدين والدولة ص ١٣١، كالآتي: "وهو يكون عَيْر الناس". ويبيّن لنا المهتدي عبد الأحد داود أن العبارة محرفة وتصحيحها كالآتي: "وسوف يصبح إسماعيل ذا ذرية كثيرة". ويقول: لقد قام المسيحيون بترجمة نفس هذه الكلمة التي تعني: (وفير أو كثير) من الفعل: (PARA) الذي يرادفه بالعبرية لفظ: (وفير) ترجموها إلى معنى مغاير لحقيقة اللفظ ألا وهو: (الحمار الوحشي؟!) أليس من العار والكفر أن ينعت إسماعيل بالحمار المتوحش وهو النبي الذي كرمه الله فنعته (بصاحب الذرية الخصية الكثيرة العدد؟!! ". ٣ تكوين ١٦/٧-١٢. (ر: هذه البشارة في الدين والدولة ص ١٣١، وأعلام النبوة ص ١٩٧، للماوردي، تحفة الأريب في الرّدّ على أهل الصليب ص ٢٥٨، للمهتدي عبد الله الترجمان، الجواب الصحيح ٣/٣٠٥، وهداية الحيارى ص ١١٤، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٤، مقامع هامات ص ٢١٧، ص ٢٦٦، محمّد ﷺ في الكتاب المقدس ص٦٠، ٦١، للمهتدي البروفسور عبد الأحد داود، محمّد رسول الله ﷺ ٦٤) .
[ ٢ / ٦٥٣ ]
- البشرى الثّالثة١:
قالت التوراة في الفصل الثالث عشر من السفر الأوّل أيضًا: "قال الله لإبراهيم: إني جاعل ابنك إسماعيل لأمة عظيمة لأنه من زرعك"٢.
- البشرى الرّابعة:
قالت التوراة في الفصل العشرين من السفر الخامس: "قال موسى: أقبل الله من سينا٣.وتجلى من ساعير. وظهر من جبال فاران. معه ربوات الأطهار عن يمينه"٤.
_________________
(١) ١ في م: الثالث. ٢ تكوين ٢١/١٢، ١٣، كالآتي: "قال الله لإبراهيم لأنه بإسحاق يدعى لك نسل وابن الجارية أيضًا سأجعله أمة لأنه نسلك". المراد بابن الجارية هو إسماعيل ﵇. وهذا من تحريف أهل الكتاب لتوراتهم. وتثبيت نظرة الحقد الاحتقار إلى ذرية إسماعيل ﵇ واعتبارهم أبناء الجارية. ويؤكد لك ما ورد في رسالة بولس إلى غلاطية ٤/٢١-٣١، وفيه: "كن ماذا يقول الكتاب اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة. إذًا أيّها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد الحرة". اهـ. (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٣٢، والجواب الصحيح ٣/٣١١، وهداية الحيارى ص ١١٤، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٥، محمّد رسول الله ﷺ ٦٤) . ٣ في م: الواو ساقطة. ٤ تثنية ٣٣/١-٣. وقد تكرر معنى هذه البشارة في سفر حقبوق ٣/٣ كالآتي: "الله جاء من تيمان والقدوس من جبال فاران، سلاه. جلاله غطى السماوات والأرض أمتلات من تسبيحه وكان لمعان كالنور". وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٣٨، الإعلام بمناقب الإسلام ص ٢٠٣، للعامري، أعلام النبوة ص ١٩٩، الفصل في الملل والنحل ٨/١٩٤، لابن حزم، الجواب الصحيح ٣/٢١٢، وهداية الحيارى ص ١١٢، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٥، إفحام اليهود ص ١١٨، الإعلام ص ٢٦٤، تحفة الأريب ص ٢٦٥، مقامع هامات ص ٢١٦، إظهار الحق ص ٥١٧، محمّد رسول الله ﷺ ٦٣، النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية ص ٣٤٦، للمهتدي نصر بن يحيى المتطبب، محمّد ﷺ ص ٣٢،عبد الأحد، محمّد رسول الله ص٦٣، محمّد ﷺ ص ٦٥-٦٧، إبراهيم خليل) .
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فسيناء١ الجبل الذي كلم الله فيه موسى. وساعير٢ هو جبل الخليل بالشام. وكان المسيح يتعبد فيه ويناجي ربّه. وفاران٣ جبل بني هاشم الذي كان رسول الله ﷺ يتحنث فيه ويتعبد٤. وقد خصت التوراة محمّد ﷺ / (٢/١٠١/أ) بزيادة على موسى وعيسى، فقالت: "معه ربوات الأطهار عن يمينه". وذلك كناية عن أصحاب رسول الله ﷺ يعني بالربوات: الجماعات من الأكابر والمعظمين في الدين على مذهب تسمية العظيم القدر "ربًا". فجمعوا الرّبّ ربوات ولم يقولوا (أربابًا) لفساد التعبير وسوء الترجمة. كما قال فولس مفسرهم: "إن جبل فاران متّصل ببلاد أرابيا"٥. يريد بلاد العرب.
_________________
(١) ١ سيناء: أو حوريب اسم جبل واقع في شبه جزيرة سيناء جنوبًا. وهناك رأيان في موقعه: أحدهما أنه جبل سربال في واد فيران. والآخر: أنه جبل موسى. (ر: قاموس ص ٤٩٨، الموسوعة الميسرة ص ١٠٥٧) . ٢ ساعير: جبال ممتدة في الجهة الشرقية من وادي عربة من البحر الميت إلى خليج العقبة سميت كذلك نسبة إلى سعير الحوري. ويطلق على جبل في أرض يهوذا. بين قرية يعاريم وبيت شمس. (ر: قاموس ص ٤٦٦، دائرة المعارف ٩/٦٢٣، للبستاني) . ٣ فاران: كلمة عبرانية معربة. من أسماء مكة أو جبال الحجاز. وقيل: إن (فاران) اسم أحد العمالقة السبعة الذين اقتسموا الأرض. فجعلوا الفاران الحجاز. (ر: معجم البلدان٤/٢٢٥،ياقوت الحموي، النصيحة الإيمانية ص٣٤٦،تحفة الأريب ص٢٦٥) . قال شيخ الإسلام في تعليقه على البشارة السابقة: "وعلى هذا فيكون ذكر الجبال الثلاثة حقًا. جبل حراء الذي ليس حول مكة، جبل أعلى منه، ومنه كان نزول أوّل الوحي على النبيّ ﷺ. وحوله من الجبال جبال كثيرة حتى قد قيل: إن بمكة اثني عشر ألف جبل. وذلك المكان يسمى فاران إلى هذا اليوم والبرية التي بين مكة وطور سيناء تسمى (برية فاران) . ولا يمكن أحد أن يدّعي أنه - بعد المسيح - نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي". (ر: الجواب ٣/٣٠١. ٤ ذكر هذه النبوات الثلاثة في هذه البشارة نظير ذكرها في أوّل سورة: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ﴾ . (ر: للتوسع في ذلك هداية الحيارى ص ١١٣، ١١٤) . ٥ لم أقف في رسائل بولس على ما نقله المؤلِّف. ولكن ورد في رسالة بولس إلى غلاطية ٤/٢٥، النّصّ الآتي: "لأن هاجر جبل سيناء في العربية".
[ ٢ / ٦٥٥ ]
ويحتمل أن يكون أراد بالربوات جماعة الملائكة وهو الأقرب. لأن الربوات الجماعات واحدها: ربوة. قال داود في المزمور الثالث: "الرّبّ ناصري لا أخاف من ربوات الشعوب المحيطين بِيَ"١. فيكون ذلك كناية عن تأييد الله نبيّه محمّد ﷺ وبالملائكة في حروبه وغزواته وترددهم إليه بالوحي والتَّنْزِيل. وفي التوراة: "إن إسماعيل سكن برية فاران ونشأ بها وتعلم الرمي"٢.
وذلك كلّه بمكة وإذا كان ذلك كذلك، فلم يأت من جبال فاران من دعا إلى الله وأظهر أحكامه ونشر أعلامه وشرع الدين القويم ونهج للأمم الطريق / (٢/١٠١/ب) المستقيم ومهد الحاج وعمّر الأندية وعمر رؤس الجبال وبطون الأودية بالتلبية سوى محمّد رسول الله ﷺ.
- البشرى الخامسة:
قالت التوراة في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: "يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبيّا من إخوتهم. مثلك. أجعل كلامي في فيه. ويقول لهم ما آمره به. والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه"٣.
_________________
(١) ١ المزمور ٣/٥، ٦. ٢ تكوين ٢١/٢. ومما يؤكّد أن مسكن إسماعيل ﵇ وذريته من بعه في جزيرة العرب وفي أرض الحجاز خاصة ما ورد في تكوين ٢٥/١٧، ١٨: "ومات إسماعيل وانضم إلى قومه وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر". وقد ورد في قاموس الكتاب: "إن حويلة من أبناء يقظان وقد سكنوا بجهة اليمن والحجاز يبن اليمن وأشور أمام مصر". (ر: تكوين ١٠/٧، ٢٩، ٣٠، قاموس ص ٣٢٩، ٤٦٧، ٩٣٩) . ٣ تثنية ١٨/١٨، ١٩. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٣٧، إفحام اليهود ص ١١١، الإعلام بمناقب ص ٢٠٢، أعلام النبوة ص ١٩٨، هداية الحيارى ص ١٠٩، الأعلام ص ٢٦٣، مقامع هامات الصلبان ص ٢١٤، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٤، تحفة الأريب ص ٢٦٠، إظهار الحقّ ص ٥٠٨، محمّد رسول الله ص ٦٤، محمّد ﷺ ص ٦٧، ٦٨، إبراهيم خليل، محمّد ﷺ ص ٣١، عبد الأحد، الانتصارات الإسلامية ص ١٢٠، ١٢١، نجم الدين البغدادي الطوفي.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
قلت: هذه آثار النقمة على من فارقه لائحة وآثار النعمة على من وافقه واضحة. واعلم أن إخوة بني إسرائيل هم ولد إسماعيل ولا يجوز أن يكون هذا النبيّ المذكور من بني إسرائيل ألبتة لأن الله تعالى يقول لموسى: "نبي مثلك". ولم يبعث من بني إسرائيل نبي مثل موسى جاء بكتاب منَزَّل وشرع مبتدأ١. فوجب أن يكون من ولد إسماعيل ولم يقم من ولد إسماعيل من يمكن تنْزِيل هذا الوعد الحقّ عليه سوى٢ رسول الله. فلو لم يبعث محمّد ﷺ لأخلفته أقوال التوراة - وخبر الله تعالى محاشا عن الخلف بل قوله الحقّ ووعده الصدق ﷾ / (٢/١٠٢/أ) .
- البشرى السّادسة:
قالت التوراة في هذا السفر: "قال موسى لبني إسرائيل: لا تطيعوا العرافين ولا المنجّمين. فسيقيم لكم الرّبّ نبيًّا من أخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي"٣.
_________________
(١) ١ ذكر الشيخ رحمة الهندي عشرين وجهًا في المماثلة بين نبيّنا محمّد ﷺ وموس ﵇. (ر: إظهار الحقّ ص ٥١٢) . ٢ ليست في م. ٣ تثنية١٨/١٤، ١٥.وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص١٣٧، والإعلام بمناقب ص٢٠٣،إفحام اليهود ص١١١، الأجوبةالفاخرة ص١٦٤،هداية الحيارى ص١١٥. ومما يؤكّد هذه البشارة والتي قبلها وأنها في نبيّنا محمّد ﷺ وليست في المسيح ولا غيره من الأنبياء قول بطرس في سفر أعمال الرسل ٣/١٩-٢٤: "فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تأتي أوقات الفرح من وجه الرّبّ ويرسل يسوع المبشر به لكم قبل الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنه رد كلّ شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر. فإن موسى قال للآباء: إن نبيّنا مثلي سيقيم لكم الرّبّ إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كلّ ما يكلمكم به ويكون أن كلّ نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب وجميع الأنبياء أيضًا من صموئيل فما بعده جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام". فهذا القول من بطرس الحواري المعظم عند النصارى - فيه التصريح بأن النبي الآتي ليس هو المسيح ولا غيره من الأنبياء؛ لأنهم قد بشروا به. فلا يعقل أن يكون واحدًا منهم. ولأنهم من بني إسرائيل وليس أحد منهم يشبه موسى ﵇ في سيرته وإتيانه بشريعة جديدة. فقد وجب على العاقل المنصف منهم أن يقرّ بالنبي المبشَّر به بأنه محمّد ﷺ الذي تنطبق عليه أوصاف هذه البشارة تمامًا.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
فإن قيل: فلعلّ هذا الموعود به بنو إسرائيل هو هارون أخو موسى ووزيره. أو يوشع خادمه ومشيره.
قلنا: التوراة تأبى ذلك. إذ قد أخبرت أن هارون توفي في حياة موسى وعاش موسى بعده. وأما يوشع بن نون فهو من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم". ولم يقل من أنفسهم. والتوراة أيضًا قد١ سدت هذا الباب فقالت في آخر ورقة فيها من السفر الخامس: "ومات موسى فكان بنو إسرائيل يسمعون من يوشع ويطيعونه ولم يقع من بني إسرائيل بعد موسى مثل موسى الذي عرف الله وجهًا قِبَل وجه وصنع الآيات والعجائب"٢. ثم هارون ويوشع قد كانا أقيما للنبوة قبل صدور هذا الخطاب من الله.
ولا يصحّ أن يُنَزَّل على المسيح بإجماع الأمم. أما اليهود فهو عندهم كذَّاب أشِر. وأنه ما أحيا ميتًا قط ولا أبرأ أبرص. وأما / (٢/١٠٢/ب) النصارى فهم يزعمون أنه الرّبّ الذي بعث الأنبياء وأرسل الرسل وأنه الذي خلق الخلق وأتقن العالم. فإن رجعوا القهقري وقالوا: إن المسيح مثل موسى فقد تناقض قولهم وخبطوا عشوى. وأما المسلمون فالمسيح عندهم نبي كريم غير أنه من بني إسرائيل والله تعالى يقول: "من إخوتهم" ولم يقل من أنفسهم. فبطل أن يكون المسيح أو غيره وتعيّن أن يكون محمّد ﷺ ضرورة الوفاء بقول الله تعالى٣.
- البشرى السّابعة:
قالت التوراة: "لما حضرت إسرائيل الوفاة وهو بمصر عند يوسف دعا أولاده فحضروا بين يديه فباركهم واحدًا واحِدًا ودعا لهم ولما انتهت النوبة إلى ابنه
_________________
(١) ١ ليست في (م) . ٢ تثنية ٣٤/٥-١٢. ٣ تعليق المؤلِّف على البشارة نقله من كتاب الدين والدولة ص ١٣٨.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
يهوذا قال فيه: لا يعدم سبط يهوذا [مَلِكًا مُسلَّطًا] ١ وأفخاذه [نبيًّا مرسلًا] ٢ حتى يأتي الذي لهالكل"٣.
وإنما عنى بذلك رسول الله ﷺ وقد ثبت ذلك فيما تقدم فهذه.
سبع بشائر من التوراة باقية خالدة قد صانها الله عن التحريف وحماها عن التغيير والتصحيف ولو غسل / (٢/٢٠٣/أ) الخاطر٤ من وضر الهموم وإنجاب عن القلب غيوم الغموم حتى تطهر النفس ويضيء الحسّ ويصفوا دهن الذهن لتوسعت في استخراج جميع ما في التوراة من أعلام نبيّنا محمّد ﷺ وفي هذا القدر بلاغ وكفاية.
- البشرى الثّامنة:
من مزامير داود في مزمور له: "سبحوا الله تسبيحًا جديدًا، وليفرح بالخالق من اصطفى الله له أمته وأعطاه٥ النصر وسدد الصالحين منهم بالكرامة. يسبحونه على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه"٦.
_________________
(١) ١ في م: مسلك. وفي ص (ملك مسلط) والصواب ما أثبتّه. ٢ في ص، م (نبي مرسل) والصواب ما أثبتّه. ٣ ورد النّصّ في سفر التكوين ٤٩/١-١٢، وقد سبق تفسير هذه البشارة والتعليق عليها. (ر: ص: ٢٩٨) . وقد وردت البشارة في محمّد ﷺ ص ٧٧-٨٤، عبد الأحد. الأجوبة الفاخرة ص ١٦٤، إظهار الحقّ ص ٥١٨، ٥١٩، مقدمة تعليق د. السقا على كتاب الإعلام ص ٣١، ٣٢، محمّد نبيّ الإسلام للطهطاوي ص ٤، ٥) . ٤ في م: (الخاضر) . ٥ في م: زاد (الله) . ٦ مزمور ١٤٩/١-٩، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٤٢، وأعلام النبوة ص ٢١٠، الجواب الصحيح ٣/٣١٥، هداية الحيارى ص ١٤٣، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٠، والإعلام ص ٢٦٦، ومقامع هامات ص ٢١٨، إظهار الحقّ ص ٥٢٥.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وقوله: "يكبرون الله بأصوات مرتفعة" إشارة إلى ما يفعله الحجيج من التلبية وهذه كلها صفات النبيّ محمّد وأمته١.
- البشرى التّاسعة:
قال داود النبي ﵇: "من أجل هذه بارك الله عليك إلى الأبد. فتقلد أيّها الجبار السيف لأن البهاء لوجهك والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحقّ وسمت التأله. فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك / (٢/١٠٣/ب) وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك"٢. ليس متقلد السيف من الأنبياء بعد داود سوى نبيّنا ﵇ وهو الذي خَرَّت الأمم تحته وقرنت٣ شرائعه بالهيبة. فإما القبول وإما الجزية وإما السيف. وتصديقه قوله ﷺ: "نصرت بالرعب"٤.
فإن قالوا: سماه المزمور جبارًا. قلنا: لا يمتنع أن يكون النبيّ جبارًا على الكافرين رحيمًا بالمؤمنين. كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةً عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الكَافِرِين﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٥٤] . وقد شهد
_________________
(١) ١ قال الإمام ابن تيمية معلّقًا على هذه البشارة: "إن هذه الصفات إنما تنطبق على محمّد ﷺ وأمته. فهم الذين يكبرون الله بأصواتهم المرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس وعلى الأماكن العالية في الحج وفي عيد الفطر وعيد النحر. وليس هذا لأحد من الأمم لا أهل الكتاب ولا غيرهم سواهم فإن اليهود يجمعون الناس بالبوق والنصارى بالناقوس. وقوله: "بأيديهم سيوف ذات شفرتين" فهي السيوف العربية التي فتح الصحابة بها البلاد وهي إلى اليوم معروفة لهم. وقوله: "يسبحون على مضاجعهم" هو: نعت للمؤمنين الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم". اهـ. بتصرف بسيط. (ر: الجواب الصحيح ٣/٣١٥-٣١٨، هداية الحيارى ص ١٤٣، ١٤٤) . ٢ ذكر النّصّ في المزمور ٤٥/٢-٥، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٣٩، والجواب الصحيح ٣/٣١٨، وهداية الحيارى ص ١٤٥، والإعلام ص ٢٦٧، مقامع هامات ص ٢١٩، إظهار الحق ص ٥٢٠، ٥٢١، وقد أفاض وأجاد الشيخ رحمة الله في تحليل هذه البشارة ومطابقة الصفات الواردة فيها لنبيّنا محمّد ﷺ. فمن أراد التوسع فعليه مراجعة كلامه في إظهار الحقّ. ٣ في م: وقونت. ٤ أخرجه البخاري في كتاب التيمم. (ر: فتح الباري ١/٤٥٣) . عن جابر ﵁، وملسم ٢/١٦٤، وأحمد في مسنده ٢/٤١٢، عن أبي هريرة ﵁) .
[ ٢ / ٦٦٠ ]
المزمور له بالنبوة صريحًا إذ أخبر أن له ناموسًا وشرائع كنواميس الأنبياء وشرائعهم. وقال: إن دينه يظهر على كلّ دين فلم يُخْرم ما أخبر به.
- البشرى العاشرة:
قال داود في مزمور له: "إن ربّنا عظيم محمود جدًّا، وفي قرية إلهنا قدوس، ومحمّد قد عَمَّ الأرض كلها فرحًا"١.
فقد نصّ داود على اسم محمّد وبلده وسماه قرية الله تعالى. وأخبر أن كلمته تعُم أهل الأرض٢.
- البشرى الحادية عشرة:
قال داود في مزمور له: "إن الله أظهر من صهيون / (٢/١٠٤/أ) إكليلًا محمودًا"٣.
فهذا داود قد أكثر في مزاميره من ذكر سيدنا محمّد رسول الله ﷺ فهو محمود وأحمد والمحمود. ووصف داود له بأنه (إكليل) ٤ يشير إلى أنه رئيس الأنبياء ﵈. إذ الإكليل هو الذي يجعل على الرأس.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في مزمور ٤٨/١، ٢ كالآتي: "عظيم هو الرّبّ، وحميد جدًّا في مدينة إلهنا. جبل قدسه جميل الارتفاع. فرح كلّ الأرض جبل صهيون. فرح أقاصي الشمال مدينة الملك العظيم". وكذلك في مزمور ٦٦/٤، ونصّه: "لأن الرّبّ عظيم وحميد جدًّا. مهوب هو على كل الآلهة ". وأمّا نصّ ما ذكره المؤلِّف فقد ورد في الدين والدولة ص ١٣٩، والجواب الصحيح ٣/٣١٩، هداية الحيارى ص ١٤٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٧١، والمعنى بين النصين واحد وواضع أيضًا في معنى اسم نبيّنا محمّد ﷺ. ٢ وهذا مما أخبر به نبيّنا محمّد ﷺ. فقد جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها". أخرجه أحمد ٥/٢٧٨، ومسلم ٤/٢٢١٥. ٣ ورد في مزمور ٥٠/٢ ما نصّه: "من صهيون كمال الجمال الله أشرق يأتي إلهنا ولا يصمت". وقد ورد النّصّ الذي ذكره المؤلّف في الدين والدولة ص ١٤٠، أعلام النبوة ص ٢١٠، هداية الحيارى ص ١٤٦، والإعلام ص ٢٦٧. ٤ في ص، م (إكليلًا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٦٦١ ]
- البشرى الثّانية عشرة:
قال داود في مزمور: "لترتاح البوادي وقراها. ولتصر أرض قيدار مروجًا. ولتسبح سكان الكهوف. ويهتفوا من قلل الجبال بحمد الرّبّ ويذيعوا تسابيحه في الجزائر"١.
فليت شعري لمن البوادي من الأمم سوى أمة محمّد؟ ! ومن قيدار٢ سوى ابن إسماعيل جدّ رسول الله ﷺ؟!. ومَنْ سكن الكهوف وقلل الجبال سوى العرب؟!.
- البشرى الثّالثة عشرة:
في صفة رسول الله ﷺ قال داود في مزمور له: "ويجوز من البحر إلى البحر ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض. تخر أهل الجزائر بين يديه. وتلحس أعداؤه التراب وتسجد له ملوك الفرس. وتدين له الأمم بالطاعة / (٢/١٠٤/ب) والانقياد. ويخلص المضطر البائس ممن هو أقوى منه. وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له. ويرأف بالمساكين والضعفاء ويُصلَّى عليه ويبارك في كلّ حين"٣.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في سفر أشعيا ٤٢/١١، ١٢، وليس في مزمور داود كما ذكر المؤلّف. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٤٣، أعلام النبوة ص ٢٠٢، الجواب الصّحيح ٣/٣٢٢، هداية الحيارى ص ١٤٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٧١، الإعلام ص ٢٧٣، مقامع هامات ص ٢٢٥، إظهار الحقّ ص ٥٢٦. ٢ قيدار: سام سامي معناه: "قدير أو أسود". وهو ابن إسماعيل الثاني بنصّ التوراة في سفر التكوين ٢٥/١٢-١٨. "وهذه أسماء بني إسماعيل بأسمائهم حسب مواليدهم، نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار وأدبئيل " وهو أب لأشهر قبائل العرب وتسمى بلادهم أيضاص: قيدار. (ر: قاموس ص ٧٥١) . ٣ مزمور ٧٢/٨-١٥. ونصّه كالآتي: "ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية. وأعداؤه يلحسون التراب. ملوك ترشيش الجزائر يرسلون تقدمه. ملوك شبا وسباء يقدمون هدية. ويسجد له كلّ الملوك. كلّ الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس، ويخلص أنفس الفقراء من الظلم والخطف، يفدي أنفسهم ويكرم دمهم في عينيه ويعيش ويعطيه من ذهب شبًا ويصلي لأجله دائمًا اليوم كله يباركه". ويلاحظ الفرق بين النّصّ الموجود حاليًا في المزامير. وبين نص المؤلِّف الذي ذكره علماؤنا في كتبهم. وإن الاختلاف بين النّصّين يرجع إلى تحريف أهل الكتاب لأسفارهم محاولة منهم لطمس الحقّ بالبشارات الورادة في نبيّنا محمّد ﷺ. (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٤٠، وتحفة الأريب ص ٢٧٥، ٢٧٦، أعلام النبوة ص ٢١٠، الجواب الصّحيح ٣/٣٢٢/ هداية الحيارى ص ١٤٦، الإعلام ص ٢٦٧، مقامع هامات ص ٢١٩، الأجوبة الفاخرة ص ١٧١) .
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وهذه صفات محمّد رسول الله ﷺ فلقد جرت الملوك بين يدي أصحابه، وأسروا ملوك الفرس والروم، ودانت له ولأمته الأمم ولحسوا التراب وصُلِّي عليه على توالي الأيام١.
- البشرى الرّابعة عشرة:
قال داود في مزمور تنبأ به على نبيّنا ﵇: "دامت شكايتي، ونزلت في مساكن قيدان. وكثيرًا ثوت نفسي مع الذين يغضون السلم، وبالسلم كنت أتكلم فيهم وهم كانوا يحاربونني"٢. فهذا تنويه بأن الساكن (ماسكن قيدار) هو رسول الله. وإلاّ فمتى فارق داود البيت المقدس ونزل بمكة في منازل قيدار ابن إسماعيل؟!.
- البشرى الخامسة عشرة:
قال داود في مزموره تنبأ به على كثرة أمة محمّد ﷺ ودوام شرعه إلى الأبد / (٢/٢٠٥/أ) ووجوب النبوة له قبل خلق العالم: "ثماره مثل الزروع الكثيرة على وجه الأرض
_________________
(١) ١ قال ابن رَبَّن: "ولحس أعداؤه التراب، وأتته ملوك اليمين بالقرابين إلى النبيّ ﷺ وأمته وإلى مكة. ولا نعلم أحدًا يصلي ويبارك عليه في كلّ وقت غير محمّد ﷺ وهو قول الأمم: "اللهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد وبارك على محمّد وعلى آل محمّد". (ر: الدين والدولة ص ١٤٢) . ٢ مزمور ١٢٠/٥-٧، ونصّه: "ويلي لغربتي في ماشك لسكنى في خيام قيدار. طال على نفسي سكنها مع مبغض السلام. أنا سلام وحينما أتكلم فهم للحرب".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
كالذي يطلع من لبنان، ويدوم ذكره إلى الأبد. وإن اسمه لموجود قبل الشمس، وكلّ الأمم يتبركون به ويحمدونه"١. وهذه كلّها صفاته وصفات أمته وقد أخبر داود بتأبيد شرعه وتأييده وأنه لا نبيّ بعده وأنه خاتم الأنبياء.
- البشرى السّادسة عشرة:
قال داود في مزمور من المزمور الثاني له وتنبأ به على اتّساع خطة الإسلام: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. سلني أعطيك. الشعوب ميراثك. وسلطانك إلى أقطار الأرض. ترعاهم بقضيب من حديد. ومثل آنية الفخار تسحقهم"٢.
قال مؤلِّفه: اعلم أنه لا يتصور من عارف صرف هذا المزمور عن سيّدنا محمّد رسول الله ﷺ. لأنه ﵇ هو الذي ورث الشعوب كلّها وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض ورعى الأمم وحاطهم بسيفه. ولا يمكن صرف هذا المزمور إلى داود؛ لأنه لم يرث سائر الشعوب / (٢/١٠٥/ب) ولا بلغ سلطانه إلى أقطار الأرض، إذ ما ملك سوى ناحية من الأرض وهي البيت المقدس. ثم خرجت من بعده إلى أمة هذا النبيّ والأقطار والنواحي. وقد بلغ سلطان محمّد ﵇ جوانب الدنيا وأطراف العالم ففتح الله عليهم الحجاز واليمن والحبشة والنوبة والهند والسند إلى الصين. ودوخت أمته الشام والعراق وفارس إلى الترك. وافتتحوا أرض مصر والمغرب الأقصى إلى بحر طنجة. فقد ورث محمّد سائر الشعوب وبلغ سلطانه إلى أقطار الأرض. فصارهذا المزمور مضاهيًا لبشرى يعقوب في التوراة بمحمّدصلى الله عليه وسلم الذي نقلناه.
_________________
(١) ١ مزمور ٧٢/١٦-١٧، ونصّه كالآتي: "تكون حفنة بر في الأرض في رؤوس الجبال تتمايل مثل لبنان ثمرتها. ويزهرون من المدينة مثل عشب الأرض. يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه. ويتباركون به كلّ أمم الأرض ويطوبونه". وقد تقدم ذكر مقدمة هذه البشارة في (البشرى الثّالثة عشرة) . ر: الدين والدولة ص ١٤١. ٢ مزمور ٢/٧-٩، نقل هذه البشارة القرافي في الأجوبة الفاخرة ص ١٧٠.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
فأما قوله في أوّل المزمور: "أنت ابني"، فجرى فيه داود على عادتهم في إطلاق لفظة البنوة على النبيّ والمطيع لله فقد قال في التوراة: (إسرائيل ابني بكري"١. وقال المسيح في الإنجيل: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم".
- البشرى السّابعة عشرة:
قال داود في مزمور له مخاطبًا لربّه ومتنبئًا على رسوله ﷺ / (٢/٢٠٦/أ): "إلهي من الرجل الذي ذكرته، والإنسان الذي أمرته، ألبسته الكرامات والمجد، وملّكته على خلقك؟! "٢.
- البشرى الثّامنة عشرة:
من نبوات نبيّ الله أشعيا قال أشعيا مبشرًا برسول الله ﷺ: "قيل لي: قم نظارًا فانظر ماذا ترى؟ فقلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار والآخر على جمل. يقول أحدهمالصاحبه: سقطت بابل وأصنامها للمنحر"٣.
_________________
(١) ١ خروج ٤/٢٢. ٢ لم أقف في سفر المزامير على نصّ هذه العبارة. ولكن ورد في مزمور ١٤٤/٣، ٤، النّصّ الآتي: "يا ربّ أي شيء هو الإنسان حتى تعرفه، أو ابن الإنسان حتى تفتكر به، الإنسان أشبه نفخة أيامه مثل ظل عابر". وقد نقل القرافي هذه البشارة عن المؤلِّف في كتابه وعلّق قائلًا: "فمن هذا الذي جعل أميرًا ملكًا من قبل الله تعالى على جميع الخلق في جميع الأرض؟! ولم يوجد ذلك إلاّ بمحمّد ﵇. فيكون هو المبشَّر به". (ر: الأجوبة الفاخرة ص ١٧٢) . ٣ سفر أشعيا ٢١/٦-٩، البشارة في الدين والدولة ص ١٤٩، أعلام النبوة ص ٢٠١، ٢٠٢، والجواب الصّحيح ٣/٣٢٣، هداية الحيارى ص ١٤٨، الإعلام ص ٢٨٥، مقامع هامات ص ٢٢٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٢.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
فراكب الحمار هو المسيح ابن مريم١. وراكب الجمل هو محمّد ﷺ وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار. وبمحمّد ﷺ سقطت أصنام بابل٢.
البشرى منها أيضًا - قال أشعيا ﵇ متنبئًا على مكة - شرفها الله تعالى -: "ارفعي ما حولك بصرك فتبتهجين وتفرحين من أجل أن الله يُصيّر إليك ذخائر البحرين. ويحجّ إليك عساكر الأمم، حتى يعم٣ بك فطر٤
_________________
(١) ١ ورد في إنجيل متى ٢١/٥-٧. أن المسيح ﵇ دخل أورشليم راكبًا على الحمار وقد استقبله جموع كثيرة من الناس في الطريق. ٢ قال شيخ الإسلام في تعليقه على هذه البشارة: "ومما ينبغي أن يعرف أن الكتب المتقدمة بشرت بالمسيح، كما بشرت بمحمّد ﷺ. وكذلك أنذرت بالمسيح الدجال. والأمم الثلاثة - المسلمون واليهود والنصارى - متفقون على الإخبار بمسيح هدى من نسل داود. ومسيح ضلالة. وهم متفقون على أن مسيح الضلالة لم يأت بعد وسيأتي. ومتفقون على أن مسيح الهدى سيأتي. ثم المسلمون والنصارى متفقون على أن مسيح الهدى هو عيسى بن مريم. واليهود ينكرونه مع إقرارهم بأنه من ولد داود. والنصارى يقرون بأن المسيح مسيح الهدى بُعث. وبأنه سيأتي مرة ثانية، لكن يزعمون أن هذا الإتيان الثاني هو يوم القيامة. وهو - في زعمهم - هو الله، والله الذي هو اللاهوت في ناسوته كما زعموا أنه جاء قبل ذلك. وأما المسلمون فآمنوا بما أخبرت به الأنبياء على وجهه. وهو موافق لما أخبر به خاتم الرسل حيث قال في الحديث الصحيح: "يوشك أن ينْزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا. فيكسر الصليب ويقتل الخنْزير ويضع الجزية ". ولما كان المسيح ﵇ نازلًا في أمة محمّد ﷺ صار بينه وبين محمّد الاتصال ما ليس بينه وبين غير محمّد ﷺ. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن أولى الناس بابن مريم لأَنَا. إنه ليس بيني وبينه". وروى: "كيف تهلك أمة أنا في أوّلها وعيسى في آخرها؟! ". وهذا مما يظهر به مناسبة اقترانهما فيما رواه أشعيا حيث قال: "راكب الحمار وراكب الجمل". (ر: الجواب الصّحيح ٣/٣٢٤-٣٢٦ بتصرف) . ٣ في م: يعلم. ٤ قَطَر الإبل قطرًا: قُرِّب بعضها إلى بعض على نسق. (ر: القاموس ص ٥٩٦) .
[ ٢ / ٦٦٦ ]
الإبل المؤبلة١. وتضيق أرضك عن القطرات التي تجمع إليك. وتساق إليك كباش مدين. / (٢/١٠٦/ب) وتأتيك أهل سبأ. وتسير إليك أغنام فاران. وتخدمك رجال [نبايوت] ٢ يريد سدنة الكعبة وهم أولاد نبايوت٣ ابن إسماعيل. وهذه الصفحات كلها حصلت بمكة فحملت إليها ذخائر البحرين. وحجّ إليها عساكر الأمم. وسيقت إليها أغنام فاران للهدايا والأضاحي.
- البشرى التّاسعة عشرة:
قال أشعيا النبيّ والمراد مكة: "أيتها المتغلفة في الهموم التي لم تنل حظوة إني جاعل حجرك بَلُّور. ومُوَنِّق أساسك بالحجر الاسما نجوني، ومزين حياطانك باللازورد. ومزخرف خدودك بالأحجار النفسية. وأعم أبناءك بالسلم. وأزينك بالصلاح والبر. وأبعد عنك الأذى والمكاره وأجعلك آمنة. ومن انبعث إليّ فإليك قصده وفيك حلوله. وتصيرين ملجأ [ووزرًا] ٤ لقاطنيك وسكانك"٥.
_________________
(١) ١ أي: الإبل الكثيرة المقتناه. (ر: القاموس ص ١٢٣٩) . ٢ في ص وم (مأرب) وصححت من النّصّ في سفر أشعيا ٦٠/١-٧، بألفاظ متقاربة. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٦١، أعلام النبوة ص ٢٠١، والجواب الصّحيح ٣/٣٢٦، وهداية الحيارى ص ١٤٩، مقامع هامات ص ٢٧٧، الأعلام ص ٢٧٩، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٢. محمّد ﷺ ص ٣٣، عبد الأحد، محمّد رسول الله ﷺ ٦٩، محمّد ﷺ ٧٠، إبراهيم خليل. ٣ نبايوت: الابن الأكبر لإسماعيل. وذكره ابن كثير باسم "نابت" وذكر ابن إسحاق أن عدنان - جد عرب الحجاز - من سلالة نابت بن إسماعيل ﵇. (ر: البداية ٢/١٨٤، ١٩٥، قاموس ص ٩٥٢) . ٤ في ص، م (ووزا) . وصححت من كتاب الدين والدولة ص ١٥٩، والوَزَرُ: الجبل المنيع. وكلّ معقل والملجأ والمعتصم. (ر: القاموس ص ٦٣٣) . ٥ أشعيا ٥٤/١١-١٥.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وهذه صفات مكة والكعبة والمسجد الحرام. لأن مهدي١ بني العباس والملوك قبله وبعده قد تأنقوا في بناء المسجد الحرام بالأحجار النفيسة والذهب والأصباغ / (٢/١٠٧/أ) واللازورد. وحملت تيجان الملوك وذخائرهم فحليت بها الكعبة. ولقد شاهدت شقوف الحرم وهي تكاد تلمع البصر حسنًا. فمن رام صرف كلام النبيّ أشعيا هذا إلى غير مكة من البلاد أَكّد خاطره وأكدى سعيه ولم يظفر ببيت آخر وحرم آخر ينْزل ذلك عليه. ولا يمكن تنْزيل ذلك على البيت المقدس؛ لأنه لم يكن متغلغلًا في الهموم ولا سقوط الحطوة٢ بل هذه صفة الكعبة فاعلم ذلك.
-[البشرى] ٣ العشرون:
قال أشعيا يخاطب الناس عن محمّد رسول الله ﷺ: "تفهّمي أيّتها الأمم إن الرّبّ أهاب بِيَ من بعيد. وذكر اسمي وأنا في الرحم. وجعل لساني كالسيف الصارم وأنا في البطن. وحاطني بظل يمينه. وجعلني كالسهم المختار من كنانته. وخزنني لسره وقال لي: أنت عبدي. فصر في وعد لي حقًا قدام الرّبّ. وأعمالي بين يدي إلهي. وصرت محمّدًا عند الرّبّ. فبإلهي حولي وقوتي"٤.
فهذا (٢/١٠٧/ب)
_________________
(١) ١ أبو عبد الله محمّد بن المنصور عبد الله. ولد سنة ١٢٧هـ. وبويع له بالخلافة العباسية سنة ١٥٨هـ. ومن أعماله في مكة: أنه جرد الكعبة وكساها بالثياب القبطية والخز والديباج. وطلى جدرانها بالمسك والعنبر. وأمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام. وأدخل في ذلك دورا كثيرة. وحمل إلى المسجد الحرام من مصر (٤٨٠) عامودًا من الرخام. وعمل للمسجد (٢٣) بابا وجعل سلاسل قناديله ذهبًا. وقد أمر بعمارة طريق مكة وغير ذلك. وقد مات سنة ١٦٩هـ. (ر: أخبار مكة ٢/٧٤-٨١، للأزرقي، إتحاف الوري بأخبار أم القرى ٢/٢٠٥-٢١٤، لابن فهد، البداية والنهاية ١٠/١٤٧-١٥٢، الجوهر الثمين في سير الخلفاء والسلاطين ص ٩٥-٩٧، لابن دقماق) . ٢ في م: الحطوط. ٣ ليست في ص، وأثبتها من م. ٤ أشعيا ٤٩/١-٥، ولم يذكر في النسخة الحالية اسم محمّد ﷺ وذكر في موضعه العبارة الآتية: "فأتمجد في عيني الرّبّ". وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ٩٦، والنصيحة الإيمانية ص ٣٥٣، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٣، ١٧٤.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
نبي الله أشعيا قد صرح باسم نبيّنا ولم يجمجم وأعرب عنه ولم يجمجم. فلا حاجة بنا مع بيان أشعيا ﵇ إلى مترجم. وقوله: "إنّ الرّبّ أهاب بِي من بعيد". يريد أنه لم يكن من بني إسرائيل ولا من بلدهم بل من غيرهم. فليرونا آخر اسمه محمّد جاء بشريعة جديدة داعية إلى الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب حتى تنصرف هذه البشارات إليه.
- البشرى الحادية والعشرون:
قال أشعيا النبي والمراد هاجر أم العرب: "سبحي أيتها النزور١ الرقوب٢ واغتبطي بالحمد لقد زاد ولد الفارغة المَجفُوَّة على ولد المَشْغُولة المَحْظِيّة. وقال لها الرّبّ: أوسعي مواضع خيامك ومُدِّي مضاربك وطَوِّلي أطنابك واستوثقي من أوتادك. فإنك ستنبسطين وتنتشرين في الأرض يمينًا وشمالًا. ويرث ذريتك الأمم. ويسكنون القرى المعطلة البنيان"٣.
فهل بقي بعد هذا البيان بيان؟! وهل تليق هذه النبوة بغير هاجر ونسلها أو الكعبة شرفها الله تعالى. / (٢/١٠٨/ب) .
- البشرى الثّانية والعشرون:
قال أشعيا نبؤة على محمّد رسول الله ﷺ: "عبدي الذي يرضي نفسي. أعطيه كلامي. فيظهر في الأمم عدلي. ويوصيهم بالوصايا. لا يضحك ولا يصخب. يفتح العيون العور. ويسمع الآذان الصم. ويحيى القلوب الميتة.
_________________
(١) ١ النّزُور: المرأة القليلة الولد. كالنَّزِرة. أو القليلة اللبن. وكلّ شيء يقل. (ر: القاموس ص ٦١٩) . ٢ الرَّقُوب: الناقلة التي لا يبقى لها ولد أو مات ولدها. (ر: القاموس ص ١١٦) . ٣ أشعيا ٥٤/١-٣، بألفاظ متقاربة. ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٥٨، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٤، وإظهار الحقّ ص ٥٢٧، ٥٢٨، مقامع هامات ص ١٧٥، الإعلام ص ٢٧٨، هداية الحيارى ص ١٥٠، محمّد رسول الله ص ٦٧.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وما أعطيه لا أعطيه غيره. أحمد يحمد الله حمدًا حديثًا. يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية وسكانها، ويوحدون الله على كلّ شرف. ويعظمونه على كلّ رابية. لا يضعف ولا يغلب. ولا يميل إلى الهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصب الضعيف بل يُقوي الصديقين المتواضعين. وهو نور الله الذي لا يطفئ. أثر سلطانه على كتفه"١.
فهذا أشعيا نبي الله قد أعلن باسم رسول الله ﷺ كما أعلنت به الأنبياء. وهذا الكلام من أشعيا إبانة واضحة لمن كان مطلبه الحقّ والهدى ولم يمل به التعصب والهوى إلى الاعتداء.
_________________
(١) ١ أشعيا ٤٢/١-٩. ولم يذكر فيه التصريح باسم محمّد ﷺ. وقد وردت البشارة بنصّ المؤلّف في الجواب الصّحيح ٣/٢٨١، هداية الحيارى ص ١٥٣، ١٦٢، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٤، ١٧٥، الإعلام ص ٢٧٣، ومقامع هامات ص ٢٢٥، تحفة الأريب ص ٢٧٩، ٢٨٠. وهذه البشارة مطابقة تمامًا لما أخرجه البخاري في كتابه البيوع. (ر: فتح الباري ٤/٣٤٣) . والإمام أحمد ٢/١٧٤، كلاهما من طريق عطاء بن يسار. قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما -: قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل. والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن. يا أيّها النبيّ إنا أرسلنا شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا. وحرزًا للأميين. أنت عبدي ورسولي. وسميتك المتوكل. ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق. ولا يدفع بالسيئة السيئة. ولكن يعفو ويغفر. ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله الله ويفتح بها أعينا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا". قال الإمام ابن تيمية: ولفظ التوراة (في الحديث) يراد به جنس الكتب التي يقر بها أهل الكتاب. فيدخل في ذلك الزبور. ونبوة أشعيا وسائر النبوات غير الإنجيل.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
- البشرى الثالثة والعشرون:
قال نبيّ الله أشعيا / (٢/١٠٨/ب) مُنَوِّها باسم رسول الله ﷺ: "لتفرح البادية العطشاء ولتبتهج البراري والفلوات ولتزهو. فإنها ستعطي بأحمد١ أحسن محاسن لبنان حتى تصير كالدساكر٢ والرياض، وسيرون جلال الله وبهاء إلهنا"٣.
فذكر البراري القفار أنها تصير بأحمد ﷺ مأهولة معمورة محجوجًا إليها. أفلا يستحيي من يُحجم عن الإسلام من نبيّ الله أشعيا أن يرد قوله؟!.
وكيف يصح الإيمان بأشعيا مع إبطال أقواله ورد أخباره وتكذيب شهادته والقدح في رواياته؟! وأَيّ شكّ في صدر لبيب بعد سماعه أشعيا ينصّ على اسم نبينا واسم أرضه.
- البشرى الرّابعة والعشرون:
قال أشعيا: "هتف هاتف في البدر وقالوا: خلوا طريق الرّبّ. وسهلوا لإلهنا السبيل في القفر. فستمتلئ البادية مياهًا ونقيص فيضًا. وتصيرًا الآكام٤ دكادك٥.
_________________
(١) ١ ليست في م. ٢ الدَّسكرة: القرية. والصومعة. والأرض المستوية. وبيوت الأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي. أو بناء كالقصر حوله بيوت. (ر: القاموس ص ٥٠١) . ٣ أشعيا ٣٥/١-٢، ونصّه كالآتي: "تفرح البرية والأرض اليابسة. ويبتهج القفر. ويزهر كالنرجس يزهر أزهارًا. ويبتهج ابتهاجًا ويرنم. يدفع إليه مجد لبنان. بهاء كرمل وشارون. هم يرون مجد الرّبّ بهاء إلهنا". وقد وردت البشارة بنصّ المؤلِّف في الدين والدولة ص١٥٣، أعلام النبوة ص ٢٠٢، وهداية الحيارى ص ١٥٠، ١٥١، ١٧٢، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٥، ١٧٦، ومقامع هامات ص ٢٢٨، ٢٧٨. ٤ الأَكَمَة: التل من القف من حجارة واحدة. أو هي دون الجبال. أو الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله. وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا. (ر: القاموس ص ١٣٩١) . ٥ الدّك: ما استوى من الرمل. والدكداك من الرمل: ما تكبس واستوى أو ما التبد منه بالأرض. (ر: القاموس ص ١٣٩١) .
[ ٢ / ٦٧١ ]
والوعر سهلًا. وتظهر كرامة الرّبّ. الرّبّ يقول ذلك١. وذلك كله إشارة إلى ما مهد الله برسله محمّد ﵇ والصلاة. / (٢/١٠٩/أ) .
- البشرى الخامسة والعشرون:
قال أشعيا: "يا آل إبراهيم خليلي الذي قويته ودعوته من أقاصي الأرض. لا تخف ولا ترهب فأنا معك. ويدي العزيز مهدت لك. جعلتك مثل الجرجر٢ الحديد تدق ما يأتي عليه دقًا. وتسحقه سحقًا حتى تجعل هشيمًا. تلوي به هوج الريح. وأنت تبتهج وترتاح وتكون محمدًا"٣. ألا ترى هذا النبي الكريم الذكر العظيم القدر لا يكاد يخلي كلامه من التبرك باسم سيد المرسلين حتى كان ذلك عليه ضربة لازب وحتم واجب٤.
_________________
(١) ١ أشعيا ٤٠/٣-٥ بألفاظ متقاربة. قال عليّ بن ربّن الطبري معلقًا على البشارة. - "فهل تعرفون أمة دعاها الله من البدو القفار. وسهل لها الوعورة. وأخصب الجناب. وأمرع الجدوب، وأترع لعطاشهم الأودية إتراعًا. وأذلّ لها الجبارة والملوك الذين شبههم بالروابي والجبال إلاّ هذه الأمة التي صارت دجلة بين أيديهم كالشرك الذلل". اهـ. (ر: الدين والدولة ص ١٥٣، ١٥٤، وردت البشارة أيضًا في أعلام النبوة ص ٢٠٢) . ٢ الجَرْجَر: ما يداس به الحبّ المحصود المجموع والفول ويكسر. ر: القاموس ص ٤٦٤. ٣ أشعيا ٤١/٨-١٦. وقد ورد في عبارة طويلة أنقل منها هذه العبارات: "وأما أنت يا إسرائيل عبدي يا يعقوب الذي اخترته نسل إبراهيم خليلي الذي أمسكته من أطراف الأرض ومن أقطارها دعوته وقلت لك: أنت عبدي اخترتك ولم أرفضك لا تخف لأني معك تدرس الجبال وتسحقها وتجعل الأكمام كالعُصَافة تذريها فالريح تحملها والعاصف تبددها. وأنت تبتهج بالرّبّ. بقدوس إسرائيل تفتخر". ويلاحظ الفرق بين النّصّ الموجود حاليًا في نسخ الكتاب المقدس، وبين نصّ المؤلِّف الذي نقله مختصرًا من ابن ربن في الدين والدولة ص ١٥٥، ١٥٦، وإنّ الاختلاف بين النّصّين يرجع إلى تحريف اليهود والنصارى لكتبهم محاولة منهم لطمس البشارات بالنبي ﷺ وتحريفها. لأن تكون في بني إسرائيل وبأنها وعد من الله لهم بالتمكين في الأرض والانتصار على الأعداء. وذلك من إفكهم وكفرهم. ٤ قال ابن ربن في تعليقه على البشارة: "وإن شغب شاغب فأكثر ما يمكنه أن يقول: إن تفسير اللفظة السريانية هو أن يكون محمودًا وليس بمحمّد. ومن عرف اللغة وفهم نحوها لم يخالفنا في أن معنى محمود ومحمّد شيء واحد".
[ ٢ / ٦٧٢ ]
فهؤلاء الأنبياء الأطهار والأصفياء الأبرار يصرحون باسم محمّد. فلا حاجة بنا بعدها إلى الاستنباط والاستخراج.
- البشرى السّادسة والعشرون:
قال أشعيا النبي ﵇ معلنًا باسم رسول الله ﷺ: "إني جعلت اسمك محمّدًا. يا محمّد يا قدوس الرّبّ اسمك موجود من الأبد"١.
فهل بقي بعد ذلك لزائغ مقال أو لطاعن عن مجال؟ وقول أشعيا أن اسم محمّد موجود من / (٢/١٠٩/ب) الأبد موافق لقول داود الذي حكيناه: "إن اسمه موجود قبل الشمس"٢. وقوله: "يا قدوس الرّبّ". يعني: يا مَنْ طَهَّره الرّبّ وخلّصه من شوائب بشريته واصطفاه لنفسه.
- البشرى السّابعة والعشرون:
وشهد لهذه الأمة بالصلاح والديانة: "سأرفع علمًا لأهل الأرض بعيدًا، فيصفر لهم من أقاصي الأرض فيأتون سراعًا"٣. فالنداء هو ما جاء به النبيّ ﵇ من التلبية في الحجّ. وهم الذين جعلوا لله الكرامة فوحدوه وعبدوه
_________________
(١) ١ أشعيا ٦٣/١٥-١٦، ونصّه كالآتي: "تطلع من السماوات وانظر من مسكن قدسك ومجدك. أين غيرتك وجبروتك؟ زفير أحشائك ومراحمك نحوي امتنعت. فإنك أنت أبونا وإن لم يعرفنا إبراهيم وإن لم يدرنا إسرائيل، أنت يا ربّ أبونا ولينا منذ الأبد اسمك". ويلاحظ الاختلاف بينه وبين ما أورده المؤلِّف وغيره من علماء المسلمين. (ر: هذه البشارة في الدين والدولة ص ١٦٦، والجواب الصّحيح ٣/٣٢٦، وهداية الحيارى ص ١٥١، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٦) . ٢ مزمور ٧٢/١٧، وقد تقدم النّصّ في البشارة الخامسة عشرة. ٣ أشعيا ٥/٢٦. لقد اقتصر المؤلِّف على ذكر مقدمة هذه البشارة وقد وردت تامة في الدين والدولة ص ١٤٥، كالآتي: "قال أشعيا: إني رافع آية للأمم من بلد بعيد. وأصفر لهم من أقاصي الأرض سفيرًا فيأتون سراعًا عجالًا. لا يملون ولا يعثرون ولا ينعسون ولا ينامون ولا يحلون مناطقهم. ولا ينقطع معقد خفافهم. سهامهم مسنونة. وقسيهم موترة. وحوافر خيلهم كالجلاميد صلابة. وعجلهم مسرعة مثل الزوابع. وزئيرهم كنهم الليوث. وكشبل الأسد الذي يزأر وَبَنْهَم للفريسة. فلا ينجو منه ناج. ويرهقهم يومئذ مثل دوي البحر واصطكاكه. ويرمون بأبصارهم إلى الأرض فلا يرون إلاّ النكبات والظلمات. وينكشف النور عن عجاج جموعهم. (وهذا النّصّ موجود في النسخة الحالية بألفاظ متقاربة سفر أشعيا ٥/٢٦-٣٠) . قال ابن ربن: "فهؤلاء بنو إسماعيل ﵇ وأُمّة النبيّ ﷺ الذين صَفَّر الله لهم صغيرًا فجاؤا من بلدانهم سراعًا لا يملون ولا يسأمون وكانت سهامهم مسنونة"الخ. اهـ. (ر: البشارة في مقامع هامات ص ٢٧٥، الجواب الصّحيح /٣٢٧، وهداية الحيارى ص ١٥٠، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٦، الإعلام ص ٢٧٨، ٢٧٩، إظهار الحقّ ص ٥٢٧، مقامع هامات ص ٢٧٥) .
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وأفردوه بالربوبية وكسروا لأصنام وعطلوا الأوثان. والعلم المرفوع هو النبوة، وصفيره هو دعاؤهم إلى بيته ومشاعره فيأتونه سامعين مطيعين.
- البشرى الثّامنة والعشرون:
قال أشعيا النبي والمراد مكة شرّفها الله: "سُرِّي واهتزي أيتها العاقر التي لم تلد. وانطقي بالتسبيح. وافرحي إذ لم تحبلي. فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي"١.
يعني بأهلي: أهل بيت المقدس. ويعني بالعاقر: مكة شرّفها الله. / (٢/١١٠/أ) لأنها لم تلد قبل نبيّنا ﵇ نبيًّا٢. ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي فلم تزل تلك البقعة وَلاَّدة.
_________________
(١) ١ أشعيا ٥٤/١، ونصّه: "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخضي لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل) . (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٥٨، والجواب الصّحيح ٣/٣٢٧، وهداية الحيارى ص ١٥٠، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٦، الإعلام ص ٢٧٨، ٢٧٩، إظهار الحق ص ٥٢٧، ٩٢٨، مقامع هامات ص ٢٧٥) . ٢ وأما إسماعيل ﵊ فإنه لم يولد بمكة. وإنما قِدم إليها بعد ولادته مع أبيه إبراهيم ﵊. لذلك لم يولد بمكة نبيّ سوى نبيّنا محمّد ﷺ.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
- البشرى التّاسعة والعشرون:
قال أشعيا النبيّ - ونصّ على خاتم النبوة: "ولد لنا غلام يكون عجبًا وبشيرًا. والشامة على كتفه. أركون السلام. إله جبار. سلطانه سلطان السلامة. وهو ابن عالمه. يجلس على كرسي داود"١.
قال المؤلِّف (الأركون) هو العظيم بلغة الإنجيل، والأراكنة، المعُظَّمون: (لما أبرأ المسيح مجنونًا من جنونه قالت اليهود: إن هذا لا يخرج الشياطين من الآدميين إلاّ بأركون الشياطين"٢. يعنون: عظيمهم.
وقال المسيح أيضًا في الإنجيل: "إن أركون هذا يدان"٣. يريد إما إبليس أو الشرير العظيم الشّرّ من الآدميين.
وسماه إلهًا على نحو قول التوراة: "إن الله جعل موسى إلهًا لفرعون"٤. أي: حاكمًا عليه ومتصرفًا فيه. وعلى نحو قول داود للعظماء من قومه: / (٢/١١٠/ب) إنكم آلهة"٥. فقد شهد أشعيا بصحّة أمر محمّد رسول الله ووصفه بأخص علاماته وأوضحها وهي: شامته٦. فلعمري لم تكن الشامة لسليمان ولا للمسيح. وقد
_________________
(١) ١ أشعيا ٩/٦. "لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا. وتكون الرياسة على كتفه. ويدعى اسما عجيبًا. مشيرًا إلهًا قديرًا. أبا أبديًا. رئيس السلام لنمو رياسته وللسلام. لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد". (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٤٦، ١٤٧، الجواب الصّحيح ٣/٣٢٧، ٣٢٨، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٧) . ٢ متى ٩/٣٢-٣٤. ٣ يوحنا ١٦/١١، كالآتي: "فلأن رئيس هذا العالم قد دين". ٤ خروج ٤/١٦. ٥ مزمور ٨٢/٦. ٦ جاء في الحديث عن جابر بن سمرة ﵁ قال: رأيت خاتمًا في ظهر رسول الله ﵇ كأنه بيضة حمام ". أخرجه مسلم ٤/١٨٢٣، والترمذي ٥/٦٠٢، وغيرهم. وعن السائب بن يزيد ﵁. وفيه: "فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه". أخرجه البخاري ٤/١٦٣، ومسلم ٤/١٨٢٣.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وصفه بالجلوس على كرسي داود. يعني: أنه سيرث بني إسرائيل نبوتهم وملكهم ويبتزهم رئاستهم.
- البشرى الثّلاثون:
قال أشعيا ووصف أمة محمّد ﵇: "ستمتلئ البادية والمدن من أولاد قيدار. يسبحون من رؤوس الجبال ينادون، هم الذين يجعلون لله الكرامة ويسبحونه في البر والبحر"١.
- البشرى الحادية والثّلاثون:
وقال أشعيا والمراد هاجر أو مكة: "أنا رسمتك على كفي، وستأتيك أولادك سراعًا. ويخرج عنك من أراد أو يخيفك ويخزيك، فارفعي بصرك إلى ما حولك فإنهم سيأتونك ويجتمعون إليك. قسمًا باسمي إني أنا الحيّ لتلبسي الحلل وتزيني بالأكاليل مثل العروس، ولتضيقن خراباتك من كثرة سكانك والراغبين فيك. ولينهزمن كلّ من يناوؤك ولتكثرن أولادك / (٢/١١١/أ) حتى تقولي من رزقني هؤلاء كلهم وأنا وحيدة فريدة نزور رقوب؟: فمن رَبَّى هؤلاء ومن تكفل لي بهم؟! "٢.
_________________
(١) ١ أشعيا ٤٢/١١-١٢. بألفاظ متقاربة. (ر: البشارة في الجواب الصّحيح ٣/٣٢٨، هداية الحيارى ص ١٥٢، الإعلام ص ٢٧٣، مقامع هامات ص ٢٢٥، إظهار الحقّ ص ٢٢٦، ٢٢٧، محمّد رسول الله ﷺ ٦٥، ٦٦. قال الإمام ابن تيمية: "وقيدار هو ابن إسماعيل باتّفاق الناس. وربيعة ومضر من ولده. ومحمّد ﷺ من مضر. وهذا الامتلاء والتسبيح في البر والبحر لم يحصل لهم إلاّ بمبعث محمّد ﷺ. والتسبيح: الصلوات الخمس، وقد جعلت لهم الأرض مسجدًا وطهورًا. فهم يصلون الخمس في البر والبحر". اهـ. ٢ أشعيا ٤٩/١٦-٢١، بألفاظ متاقربة. (ر: البشارة في الدين والدولة ص ١٦٤، ١٦٥، الجواب الصّحيح ٣/٣٢٨، ٣٢٩) .
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وذلك إفصاح من أشعيا بشأن الكعبة. فهي التي ألبسها الله الحلل الديباج الفاخرة ووكّل بخدمتها الخلفاء والملوك. ومكة هي التي رَبَّى لها الأولاد من حجاجها والقاطنين بها. فالحمد لله الذي أوضح لنا الدين وقمع الملحدين.
- البشرى الثّانية والثّلاثون:
قال أشعيا: "مثل الريح العقيم يأتي من التيمن. والظالم يظلم. والمنتهب ينتهب"١.
(التيمن) تهامه. وشُبِّه رسول الله ﷺ بالريح العقيم في تدميره الكافرين، وأنه ﵇ يبعث في زمن جاهلية يظلم بعضها بعضًا وينتهبه، فجاء الأمر كما تنبأ به أشعيا ﵇.
- البشرى الثّالثة والثّلاثون:
قال أشعيا ونَبَّه على انتشار العلم من الحجاز إلى أقطار الأرض: "يا سكان التيمن اسقوا العطاش الماء، وقوتوهم بخبزكم"٢. فالماء هَا هنا كناية عن العلم. قال المسيح في الإنجيل: / (٢/١١١/ب) "من شرب من هذا الماء يعطش. ومن شرب من الماء الذي أسقيه لا يعطش أبدًا. بل تنبع مع بطنه عين ماء الحياة"٣.
_________________
(١) ١ أشعيا ٢١/١، ٢، كالآتي: "وحي من جهة برية البحر. كزوابع في الجنوب. عاصفة يأتي من البرية من أرض مخوفة. قد أعلنت لي رؤيا قاسية. الناهب ناهبًا والخرب مخربًا ". وردت هذه البشارة في: الدين والدولة ص ١٤٨-١٥١، في نصّ مطول فقد كان النّصّ مقدمة للبشارة الثامنة عشرة. ٢ أشعيا ٢١/١٤، ١٥، كالآتي: "هاتوا ماء لملاقاة العطاش يا سكان أرض تيماء. وافوا الهارب بخبزه. فإنهم من أمام السيوف قد هربوا ". قال ابن ربن في تعليقه على البشارة: "فمن هؤلاء العطاش الذين أقبلوا من جهة التيمن الذين أمر الله عزوجل أهل بلدانهم بتلقيهم؟ أو من هؤلاء الذين أجلتهم الحروب أو شردت بهم؟ ومن الذين أمر الله باستقبالهم بالمياه والمطاعم غير العرب عند نهوضها لمحاربة الأمم المحيطة بهم الحائلة بينهم وبين المرعى والماء من الفرس والروم وغيرهم؟ (ر: الدين والدولة ص ١٥٢، وذكرت هذه البشارة في كتاب محمّد ﷺ ص ٣٣، عبد الأحد". ٣ يوحنا ٤/١٤.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
يريد بالماء: العلم والحكمة. وذلك إخبار من أشعيا عن ظهور كتاب الله وسنة نبيّه. وكذلك قوله: "قوتوهم بخبزكم" على نحو قول المسيح في الإنجيل: "أنا هو خبز الحياة الذي من أكل منه لم يمت"١. وهذه كلّها كلمات متروكة الظاهر مؤولة.
-[البشرى] ٢ الرّابعة والثّلاثون:
قال أشعيا حاكيًا عن الله تعالى: "اشكر حبيبي وابني أحمد"٣. فسمّاه الله حبيبًا وسمّاه ابنًا على اصطلاح اللسان العبراني. كتسمية إسرائيل ابنًا غير أنه خصّه عليهم بمزيه. فقال: "حبيبي ابني اشكره". فَتَعَبُّد مثل أشعيا بشرك محمّد ﷺ ووضف عليه وعلى قومه شكره وإجلاله ليتبيّن قدره ومنْزلته عنده. وتلك منقبة لم يؤتها غيره من المرسلين.
-[البشرى] ٤ الخامسة والثّلاثون:
قال أشعيا: "إن الأمة التي كانت في الظلمات رأت نورًا باهرًا. والذين كانوا في الدجى وتحت ظلال الموت سطع عليهم الضوء. فلقد أكثرت من الأتباع / (٢/١١٢/أ) والأحزاب لم يستكثر للاغتباط بهم. فأما هم فإنهم فرحوا بين يديك كمن يفرح يوم الحصاد وعند اقتسام الغنائم. لأنك فككت النير أيضًا الذي كان أذلهم والعصا التي كانت على أعناقهم. وكسرت القضيب الذي كان يستعبدهم مثل كسرك من كسرت في يوم مدين"٥.
_________________
(١) ١ يوحنا ٦/٣٥، ٤٨. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ لم أقف على هذا النّصّ في سفر أشعيا. وقد ذكر النّصّ أيضًا في الجواب الصّحيح ٣/٣٢٩، ٣٠٠، وهداية الحيارى ص ١٦٢، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٧. ولم يقف د. السقا أيضًا على موضع هذا النّصّ في تعليقه على كتاب: هداية الحيارى. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ أشعيا ٩/٢-٤، بألفاظ متقاربة. ر: البشارة في: الدين والدولة ص ١٤٦.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وذلك موافق لقول الله تعالى في نعت نبيّه محمّد ﷺ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُم إِصْرَهُم وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَت عَلَيهُم﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧] . وبرسول الله ﷺ زالت١ ظلمة الشرك وحصل ضوء الإيمان. فكسر الأصنام وأباد الأوثان. وأعلن بالقرآن وعبد الرحمن.
-[البشرى] ٢ السّادسة والثّلاثون:
قال أشعيا: "إنا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمّد"٣.
وهذا إفصاح وليس بجمجمة وإعراب من أشعيا باسم رسول الله ﷺ، فليُرنا أهل الكتاب نبيًّا نصّت الأنبياء على اسمه صريحًا سوى رسول الله ﷺ.
-[البشرى] ٤ السّابعة والثّلاثون:
قال أشعيا - وسمي رسول الله ﷺ / (٢/١١٢/ب) ربًّا وإلهًا كتسمية موسى في التوراة -: "إنّ الرّبّ الإله سيظهر بالعزّ والحول والقوّة. أجره معه وعمله أمامه. فهو كالراعي الذي يحوط غنمه ويذودهم عن مراتع الهلاك"٥.
_________________
(١) ١ في م: أزالت. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ ورد في سفر أشعيا ٢٤/١٦، بنصّ مقارب لما ذكره عليّ بن ربن في الدين والدولة ص ١٥٢، ١٥٣. فقال: "قال أشعيا: إنا سمعنا من أطراف الأرض مزمورًا وترتيلًا للبر والخير وهو يقول: إن لي سرًا إن لي سرًا. ويقول: يا ويحي. فجر الفجار فجر الفجار فجورًا فهأنذا محدق بكم يا سكان الأرض الرعب والمهواة والفخ. فمن نجا من الحرب وقع في المهواة، ومن صعد من المهواة اشتمل عليه الفخ. لأن أبواب السماء تفتحت وتزعزعت أساسيات الأرض وارتاعت". فهذا في تفسير ما رقوس. فأما في العبراني الذي هو الأصل فإنه يقول: "إنا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمّد". ومكة أطراف الأرض وعلى ساحل البحر. فليعلمونا متى وفي أي دهر نزل بأهل الإشراك والكفر من الروعات والنقم والنكبات مثل ما عَمَّهم ونزل بهم في هذه الدولة؟!! ". اهـ. (ر: البشارة في: الجواب الصّحيح ٣/٣٣٠، وهداية الحيارى ص ١٦٢، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٧) . ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ أشعيا ٤٠/١٠، ١١، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٥٤.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
والدليل على ما قلناه أنه جعل (الرّبّ الإله) المذكور هو إنسانًا له أجر وعمل. وقوله: (أجره معه) . يشير إلى الغنائم التي أحلت له وصفاياها، وقد وصفه أشعيا بالجهاد في سبيل الله واستيلائه على أعدائه بالحول والقوّة والعزّ. وكذلك كان ﵇. وهو١ وأمته الذين قهروا الجبابرة وكسروا الأكاسرة وأبادوا الفراعنة والقياصرة واستولوا على ممالك العالم٢ وهابتهم طبقات بني آدم. ومن شَدَّ طَرَفًا من مغازيهم عرف صحّة ما قلناه.
-[البشرى] ٣ الثّامنة والثّلاثون:
قال أشعيا وذكر ما امتن الله به على أهل الحجاز واليمن من أهل ملة محمّد ﷺ: "إن المساكين والضعفاء والذين جفت ألسنتهم من الظمأ سأسقيهم ماء حيث لا ماء لهم. / (٢/١١٣/أ) أنا الرّبّ أجيب دعوتهم ولن أهملهم بل أفجر لهم في الجبال الأنهار. وأجري بين القفار العيون. وأجعل في البدو آجامًا. وأجري في الأرض العطشى معينًا. وأنبت في القفار غروسًا. ليعلم الناس أن يد الرّبّ فعلت ذلك. وقدوس إسرائيل ابتدعه"٤.
فقد نصّ على أرض رسول الله ﷺ ووصفها بصفاتها وما فجر بها من الأنهار وأجرى من العيون وأنبت من الخيرات لأهلها. وذكر أن يده هي التي فعلت ذلك. وقد أكثر أشعيا ﵇ من ذكر محمّد وأحمد ووصفه أرضه وبلاده وبيته ومنازل أبيه إسماعيل. فلم يبق لجاحد علة ولا لمنكر ريبة.
_________________
(١) ١ ليست في م. ٢ في م: العجم. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ أشعيا ٤١/١٧، ٢٠. وقد وردت هذه البشارة في: الدين والدولة ص ١٥٦، وأعلام النبوة ص ٢٠٣.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
-[البشرى] ١ التّاسعة والثّلاثون:
قال أشعيا أيضًا: "لتسبحني وتحمدني حيوانات البر من بنات آوى حتى الأنعام. لأني أجريت الماء في البدو لتشرب منها أمتي المصطفاة التي اصطفيتها"٢.
هذا يصدّقه قول رسول الله ﷺ وقد وَلَّى على أهل مكّة عتاب بن أسيد فقال له: "يا عتاب / (٢/١١٣/ب) أتدري على ما ولّيتك؟. ولّيتك على أهل الله". قالها مرّتين أو ثلاثًا٣. وكنَّى عن أهل الحجاز والبراري ببنات آوى والأنعام لسكنى الفيافي والقفار. وأخبر أشعيا أن الله تعالى اصطفى هذه الأمة من بين سائر الأمم.
-[البشرى] الأربعون:
قال أشعيا: "أنا الرّبّ ولا إله غيري. أنا الذي لا يخفى عليه خافية. بل يخبر العباد بما لم يكن قبل أن يكون، وأكشف لهم الحوادث والغيوب. وأُتِم مشيئتي كلها إني سأدعو طائرًا من البدو البعيد الشاسع"٤.
والطائر المدعو من البدو البعيد الشاسع هو محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ أشعيا ٤٣/٢٠، ٢١. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٥٧، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٧. ٣ تقدم تخريجه. ر: ص: ٢٥٠. ٤ أشعيا ٤٦-٩-١١. كالآتي: "اذكروا الأوليات منذ القديم. لأني أنا الله وليس آخر الإله. وليس مثلي مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يفعل. قائلًا رأيي. يقوم، وأفعل كلّ مسرتي. داع من المشرق الكاسر من أرض بعيدة. رجل مشورتي قد تكلمت فأجريه". وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٥٧، والأجوبة الفاخرة ص ١٨٢. ٥ قال القرافي موضحًا البشارة السابقة: "فهذا (طائرًا) هو: محمّد ﷺ. لأنه من البدو الشاسع عن إقليم بني إسرائيل. وسماه طائرًا لطيران ملكه. وهديه في الآفاق. والحمل على الطائر الحقيقي لا يبقى في هذا الكلام العظيم فائدة. فتعين حمله على معنى نفيس لائق بهذا السياق العظيم ولم تقع في هذا العالم ما يليق بهذا الخبر سوى محمّد ﷺ فتعيّن". اهـ. (الأجوبة الفاخرة ص ١٨٢، ١٨٣) .
[ ٢ / ٦٨١ ]
-[البشرى] ١ الحادية والأربعون:
قال أشعيا متنبئًا على ما شرحه الكتاب العزيز من نعيم أهل الجنة: "يا معشر العطاش توجهوا إلى الماء والورود. ومن ليس معه فضة فليذهب و[يمتر] ٢ ويأكل ويشرب من الخمر واللبن مجانًا بلا ثمن"٣. ذلك تصديق لقوله تعالى: / (٢/١١٤/أ) ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّر طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّن خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٍ مِّن عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُم فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ . [سورة محمّد ﷺ، الآية: ١٥] . وفي ذلك تكذيب للنصارى واليهود وكطائفة من أهل الأهواء إذ قالوا: ليس في الجنة شيء من هذه الملاذ.
[البشرى] ٤ الثّانية والأربعون:
قال أشعيا وتنبأ على دعاء محمّد رسول الله ﷺ الكافة وأخبر أن رسالته عامة إلى الناس أجمعين: "إني أقمتك شاهدًا للشعوب، ومدبّرًا وسلطانًا للأمم. لتدعو الأمم الذين لم تعرفهم. ويأتيك الأمم الذين لم يعرفوك هرولة وشدًّا من أجل الرّبّ إلهك. قدوس إسرائيل هو الذي أحمدك، فاطلبوا ما عند الرّبّ واستجيبوا له. وليرجع الخاطئ عن خطيئته والفاجر عن فجوره وليتب٥ إلي لأرحمه"٦.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ في ص، م (يمتار) والصواب ما أثبتّه. ٣ أشعيا ٥٥/١، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٠. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ في م: زاد (ولينيب) . ٦ أشعيا ٥٥/٤-٧، كالآتي: "هو ذا جعلته شارعًا للشعوب. رئيسًا وموصيًا للشعوب. ها أمة لا تعرفها تدعوها وأمة لم تعرفها تركض إليك من أجل الرّبّ إلهك وقدوس إسرائيل. لأنه قد مجدك. اطلبوا الرّبّ ما دام يوجد ادعوه، وهو قريب ". وقد وردت البشارة بنصّ المؤلِّف في: الدين والدولة ص ١٦٠.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
فهذه نبوة مفصحة وبشرى مصرحة باسم أحمد ﷺ. وكأن كلماتها قد جمعها أشعيا من الكتاب العزيز والسنة الطاهرة.
-[البشرى] ١ الثّالثة والأربعون:
وقال أشعيا: "إن الله سبحانه نظر في الناس فلم ير من يعين على الحقّ فأنكر ذلك. / (٢/١١٤/ب) وبعث وليه فأنفذه بذراعه ومهد له بفضله. فاستلأم العفاف والبر كالدرع ووضع على رأسه إكليل الإغاثة والفلح. ولبس الخلاص لينتقم من المبغضين له المعاديين. ويجزي أهل الجزاء٢ جزاءهم أجمعين ليدوم اسم الله في مغارب الأرض وليخشع في مشارقها لجلاله سبحانه"٣. فقد استلأم ﵇ بالبر والتقى ولبسه والتحفه وارتدى، وخلّص أولياءه وانتقم من أعدائه. وأعلن باسم الله في مشارق الأرض ومغاربها. فهذه نبوات ظاهرة وبشارات متضافرة يؤمن بها من قضى الله له بالتوفيق ويجحدها من عدل به عن نهج الطريق.
-[البشرى] ٤ الرّابعة والأربعون:
قال أشعيا وتنبأ بها على مكّة: "قومي وأزهري مصباحك فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك، فقد تخلل٥ الأرض الظلام وغطى على الأمم كلّها
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ في م: الجزائر. ٣ أشعيا ٥٩/١٦-١٩، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٠، ١٦١. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ في م: (محل) .
[ ٢ / ٦٨٣ ]
الضباب، يشرق عليك إشراقًا. يظهر عليك كرامته. فتسير الأمم إلى نورك. والملوك إلى ضوء طلوعك١./ (٢/١١٥/أ) إنهم سيأتونك ويحجون إليك من البلد البعيد. ويتربى بنوك وبناتك على السرر والأرائك"٢.
وهذه نبوءة على تخصيص مكّة بشدّ الرحال إليها وتمليك أهلها وظهور الإيمان بالله منها. وإزالة ظلم الجهل بمصباح العلم المأخوذ عن أولادها. فمن أبى من المخالفين تنْزيل هذا الكلام على مكّة والكعبة [فليرنا] ٣ كعبة أخرى في الأرض شرقًا وغربًا وشريعةً هاديةً من الضلال. وملة ثابتة خالدة على مرّ الأحوال.
-[البشرى] ٤ الخامسة والأربعون:
وقال أشعيا باسم الكعبة وحجها وتعظيمها: "إنه سيرد عليك أبناؤك من بلد بعيد. ومعهم فضتهم وذهبهم من أجل اسم الرّبّ إلهك قدوس إسرائيل الذي أحمدك. وتبنى أبناء الغرباء سورك. وتخدمك ملكوهم. وتفتح أبوابك آناء٥ الليل والنهار فلا تغلق. وتدخل إليك أرسال الأمم. وتقاد إليك ملوكهم أذلة. وكلّ أمة لا تخضع لك تتبدد تبديدًا. والشعوب التي لا تخدمك/ (٢/١١٥/ب) تصطلم اصطلامًا. وتأتيك الكرامة من صنوبر لبنان البهي. ومن الأبهل لتبخر به بيتي وموضع قدمي ومستقر كرامتي. والقوم الذين كانوا يذلونك يأتون لتقبيل آثار أقدامك. وأجعلك كرامة إلى الأبد وغبطة وفرحًا إلى دهر الداهرين
_________________
(١) ١ في م: طوع. ٢ أشعيا ٦٠/١-٤. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦١، مقامع هامات ص ٢٧٦،الإعلام ص ٢٧٩، هداية الحيارى ص١٤٩،الأجوبة الفاخرة ص١٧٧. ٣ في ص، م (فليرينا) والصواب ما أثبتّه. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ في م: لها.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
و[سترضعين] ١ ألبان الشعوب. وتصيبين من ذخائر الملوك. و[تعلمين] ٢ أني أنا الرّبّ مخلصك. والذي يجعل مصابحك تزهر إلى الأبد"٣.
فهذا أشعيا قد نصّ فصرح وحقق أمر بيت الله العتيق وأفصح [فليوجد لنا] ٤ المخالف بيتًا لله تعالى موصوفًا بهذه الصفات مخصوصًا بهذه الكرامات مشتملًا على قدم إبراهيم مقبلًا مقبولًا في الغداة والأًصيل.
-[البشرى] ٥ السّادسة والأربعون:
قال أشعيا مخاطبًا للنبيّ محمّد ﷺ: "هكذا يقول الرّبّ قدوس إسرائيل ستقوم لك الملوك إذا رأوك وتسجد لك السلاطين. لأن وعد الله حقّ وأنا الذي انتخبتك واخترتك وفي / (٢/١١٦/أ) شدائدك أعنتك. لنفسي اجتبيتك وجعلتك ميثاقًا للشعوب ونورًا للأمم. لترث الأرض وتطلق الأسرى المسجونين وتؤمنهم. وتجعل الجبال طرقًا مذللة. وتوافيك الأقوام من بلاد شاسعة. فسبحي أيتها السماء٦ واهتزي أيتها الأرض فرحًا وابتهجي أيتها الجبال بالحمد. فقد تلاقى الرّبّ شعبه ورحم المساكين من خلقه"٧.
اعلم أن هذه النبوة لا تليق بغير رسول الله ﷺ فهو مختار الله ومجتباه ومنتخبه من خلقه. الذي أعانه على شدائده. وهو رجل واحد بغير أعوان ولا معتضد بأنصار حتى قهر الملوك فدانوا بدينه. والتزموا شرعه وتقيدوا بأحكامه وأخذوا بسنته طوعًا وكرهًا واختيارًا وجبرًا. وورث الأرض وفتحها هو وأمته شرقًا وغربًا
_________________
(١) ١ في ص، م (سترضعين تعلمي) والصواب ما أثبتّه. ٢ في ص، م (تعلمي) والصواب ما أثبتّه. ٣ أشعيا ٦٠/١-٩، وقد وردت البشارة في: ب ٢ ١٦٣، وذكرت مقدمة هذه البشارة في نفس الإصحاح في البشارة الثامنة عشرة. ر: ص: ٤٨٨. ٤ في ص، م (فليوجدنا) والصواب ما أثبتّه. ٥ في ليست في ص، وأثبتها من م. ٦ في ص: تكررت لفظه: (أيتها) . ٧ أشعيا ٤٩-٧-١٣. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٣، ١٦٤. وذكرت مقدمة هذه البشارة في نفس الإصحاح في البشارة العشرون ص: ٤٨٩.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وجنوبًا وشمالًا. وقيد الملوك والطغاة. وفكّ الأسرى والمسجونين. وأمن الجبال الوعرة ودكّها فصارت شرائع وطرقًا١ مسلوكة. وقد كانت العرب قبل مبعثه ﷺ / (٢/١١٦/ب) محبوسة بأرضها [لا يتجاوزونها] ٢ من خوف فارس وكسرى وقيصر وغيرهما من الملوك. وأطلقها الله برسوله من سجنها. وأورثهم أرض فارس وقيصر وغيرهما وملكهم أموالهم فاستخرجوا ذخائرهم وحازوا معاقلهم وتملكوا عقائلهم.
فإن قيل: ما معنى قول أشعيا في أوّل هذه البشارات: "يا قدوس إسرائيل".
قلنا: هو إنما يخاطب في أيامه بني إسرائيل. وبنو إسرائيل إذا دعوا الله قالوا: يا قدوس إسرائيل افعل بناكذا وكذا. فاحتاج أن يخاطبهم بما يفهمون.
-[البشرى] ٣ السّابعة والأربعون:
قال أشعيا وتنبأ على الكعبة والركن الأسود: "هكذا يقول الرّبّ: هأنذا ناصب للأمم علمًا وآية. وهي أنهم يأتونك بأبنائهم وبناتهم على أيديهم وأكتافهم وتكون الملوك ظؤورتك٤ وعاقل نسائهم مرضعاتك ويخرون على وجوههم سجدًا لك ويلحسون تراب أقدامك. فتعلمين حينئذٍ أني أنا الرّبّ الذي لا يخزى الراجون لدى"٥.
الظوؤورة: جمع ظئر. وهي: الداية والمزيِّنة / (٢/١١٧/أ) والمرضعة يشير إلى ما قام الملوك ونساء الملوك من خدمة المسجد الحرام وتحلية الكعبة وتزيينها بالديباج والذهب والفضة وتغليفها بالمسك وغسلها بالماورد المفتوق فيه الطيب٦ الفاخر. وتذللهم
_________________
(١) ١ في م: (طرق) وهو خطأ. ٢ في ص (لا يتجاوزها)، وفي م (لا يتجاوزها) والصواب ما أثبتّه. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ في م: خاوورتك. ٥ أشعيا ٤٩/٢٢-٢٣. وقد وردت هذه البشارى في: الدين والدولة ص ١٦٥، ١٦٦. وذكرت مقدمة هذه البشارة في نفس الإصحاح في البشارتين: العشرين والسّادسة والأربعين. ٦ في م: زاد: (و) .
[ ٢ / ٦٨٦ ]
حولها وخضوعهم لأهلها وتطوافهم حولها. وتقبيلهم حجرها. حفاة الأقدام حسر الرؤوس مبتذلين متواضعين. فأي بيان أبين من هذا البيان لمن نوّر الله قلبه وجوهر لبه وأراد به الخير وحماه من الهوى؟!!.
-[البشرى] ١ الثّامنة والأربعون:
قال هوشاع٢ النبيّ وتنبأ على محمّد رسول الله ﷺ: "قال الرّبّ أنا الرّبّ الإله الذي رعيتك في البدو. وفي أرض قفر خراب غير مأهول. وفي أرض لا أنيس بها"٣.
وما يعرف من هذا حاله سوى محمّد رسول الله ﷺ أو أبوه إسماعيل ﵇.
-[البشرى] ٤ التّاسعة والأربعون:
قال هوشع متنبأ على أمة محمّد ﵇: "قال الله: إنها أمة جليلة عزيزة لم يكن مثلها قط / (٢/١٧٢/ب) ولا تكون. النار تحرق من أمامها ومن خلفها"٥.
وتلك أمة النبيّ محمّد ﷺ وهي التي لا تقوم لها شيء من الأمم كأنها النار في إحراقها، وقد وصفها الله بالجلالة والعزّة٦ وأنه لم يكن في العالم مثلها ولا يكون
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ هوشع: اسم عبري معناه: (الخلاص) . وهو ابن بئري. وهو عند أهل الكتاب من الأنبياء الصغار الاثني عشر. وقد عاصر هوشع سقوط السامرة التي كان ينتمي إليها - سنة ٧٢٢هـ. ق. م. وكان معاصرًا لأشعيا الذي تنبأ في مملكة الجنوب (يهوذا) . وينسب إلى هوشع سفر باسمه يحتوي على (١٤) إصحاحًا. (ر: قاموس ص ١٠٠٥، ١٠٠٦) . يقول سبينوزا: "إن سفر هوشع قد كتب بعد موته بمدة طويلة. ولا يذكر السفر إلاّ جزءًا ضئيلًا من نبوته - ثم يقول: - ولكني أعجب حقًا من أننا لا نعرف شيئًا عن رجلٍ استمرت نبوته أكثر من ٨٤ سنة. كما يشهد الكتاب نفسه. (ر: رسالة في اللاهوت ص ٣١٤، ٣١٥) . ٣ هوشع ١٣/٤-٦ بألفاظ متقاربة. وقد وردت البشارة في: كتاب الدين والدولة ص ١٦٧. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ لم أعثر على هذا النّصّ في سفر هوشع. وقد وردت في البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٧، ١٦٨. ٦ في م: العز.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
أبدًا. وتلك تزكية ومدحة جليلة وثناء فخم من الله لهذه الأمة. وهو دليل محبته لها لأنه تعالى إذا أحب شيئًا فخّمه وعظمه. فلله ربنا الحمد السرمد والمدح المؤبد.
-[البشرى] ١ الخمسون:
قال هوشع النبيّ على محمّد ﷺ: "وقد بلغ وقت النعمة ودنا ميقات الجزاء، فليعرف بنو إسرائيل الجهلة النبي السفير وليتبينوا٢ شأنه. فإنه لا خفاء بالرجل الذي عليه روح السفارة. وإن كثرة إثمهم وخطاياهم هي التي حملتهم على الخبث"٣.
قوله: "قد بلغ وقت النعمة". يعني بذلك وقت محمّد ﷺ، فشهد هوشاع أنه نعمة على العالمين نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧] .
-[البشرى] ٤ الحادية الخمسون:
قال هوشاع وهو أحد الاثني / (٢/١١٨/أ) عشر وتنبأ على أمة محمّد ﵇: "إن
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ في م: وليهوا. ٣ ورد النّصّ في سفر هوشع ٩/٧-٩، كالآتي: "جاءت أيام العقاب جاءت أيام الجزاء، سيعرف إسرائيل النبيّ أحمق إنسان الروح مجنون من كثرة إثمك وكثرة الحقد. أفرايم منتظر عند إلهي النبي فخ صياد على جميع طرقه. حقد في بين إلهه. قد توغلوا فسدوا كأيام جبعة سيذكر إثمهم سيعاقب خطاياهم". وقد ذكر هذه البشارة أيضًا القرطبي في الأعلام ص ٢٧٥، ٢٧٦، بلفظ مقارب لما ذكره المؤلِّف. ولكنه أخطأ في نسبه النّصّ إلى سفر أشعيا. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
إفرام قد اكتفى بالكذب والفرية، وبنو إسرائيل ويهوذا قد عنوا بالكذب والخيانة حتى نزلت أمة الله الأمة المقدسة المؤمنة"١. وهذه صفة أمة محمّد ﷺ.
-[البشرى] ٢ [الثّانية] ٣ والخمسون:
قال ميخا النبيّ وتنبأ على بيت الله الحرام وما يحجه من الناس: "إنه يكون في- آخر الأيام بيت الرّبّ مبنيًا على قلل الجبال وفي أربع رؤوس العوالي. يأتيه جميع الأمم يقولون: تعالوا نطلع إلى جبل الرّبّ"٤.
وذلك كله صفة البيت العتيق وجبل عرفة. فإن زعم أهل الكتاب أن ذلك بيت المقدس لم يصحّ قوله: "إن ذلك إنما يكون في آخر الأيام". وبيت المقدس قد كان موجودًا معظمًا في زمن ميخًا قائل هذه النبوءة. والنبيّ إنما يتنبأ على شيء لم يأت ولا يتنبأ على ما هو حاضر عنده.
-[البشرى] ٥ الثّالثة والخمسون:
قال حبقوق وسمى محمّد رسول الله مرّتين في نبوته: "إن الله جاء من التيمان. والقدوس / (٢/١١٨/ب) من جبل فاران. لقد أضاءت السماء من بهاء محمّد. وامتلأت الأرض من حمده. شعاع منظره مثل النور. يحوط بلاده بعزّة. تسير المنايا أمامه. وتصحب سباع الطير أجناده. قام فمسح الأرض فتضعضعت له الجبال
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في سفر هوشع ١١/١٢، كالآتي: "قد أحاط بِيَ أفرايم بالكذب. وييت إسرائيل بالمكر. ولم يزل يهوذا شاردًا عن الله وعن القدس الأمين". وقد نقل القرافي هذه البشارة عن المؤلِّف في الأجوبة الفاخرة ص ١٧٧، ١٧٨. وقال: "فصرح بأن بني إسرائيل واليهود على الكذب والضلال حتى تأتي الأمة المقدسة. ولم يأت بعد نبي إسرائيل أمة غيرنا. فإن النصارى داخلون في بني إسرائيل. فيكون نحن الأمة المقدسة. وهو المطلوب". اهـ. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ في ص، م (الاثنى) والصواب ما أثبتّه. ٤ سفر ميخا ٤/١، ٢، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٨، وتحفة الأريب ص ٢٧٨، والأجوبة الفاخرة ص ١٧٨. ٥ ليست في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
القديمة. وانخفضت الروابي. وتزعزعت ستور أهل مدين. ولقد حاز المساعي القديمة - ثم قال: زجرك في الأنهار واحتدام أصواتك في البحار. وركبت الخيول. وعلوت مراكب الإنقاذ. وستترع في قسيك إغراقًا وترعًا. وترتوي السهام بأمرك يا محمّد ارتواء. ولقد رأتك الجبال فارتاعت. وانحرف عنك شؤبوب١ السيل. ونعرت٢ المهاري نعيرًا ورعبًا. ورفعت أيديها وجَلا وخوفًا. وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك٣. تدوخ الأرض غضبًا وتدوس الأمم زجرًا. لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراث آبائك"٤.
اعلم أنه من رام صرف نبوة حبقوق هذه عن محمّد ﷺ فقد رام ستر النهار وحبس الأنهار. وأنّى يقدر/ (٢/١١٩/أ) على ذلك وقد سماه باسمه مرّتين وأخبره بقوة أمته وسير المنايا أمامهم واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلاّ بمحمّد ولا تصلح إلاّ له ولا تنَزَّل إلاّ عليه فمن حاول صرفها عنه فقد حاول ممتنعًا.
-[البشرى] ٥ الرّابعة والخمسون:
قال صفنيا النبي ﵇ وتنبأ على كلمة التوحيد هي شهادة أن لا إله إلاّ الله: "أيّها الإنس تَرجوا اليوم الذي أقوم فيه للشهادة. فقد حان أن أُظهر
_________________
(١) ١ الشُّؤبوب: الدفعة من المطر. وحدّ كلّ شيء. وشدّة دفعه. وجمعه: شآبيب. (ر: القاموس ص ١٢٧) . ٢ النعير: الصراخ والصياح في حرب أو شر. (ر: القاموس ص ٦٢٤) . ٣ في م: بناؤكك. ٤ ورد النّصّ في سفر حبقوق ٣/٣-١٥، كالآتي: "الله جاء من تيمان. والقدوس من جبل فاران. سلاه - جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور ". ولم يذكر بالنسخة الحالية اسم محمّد ﷺ كما ذكر المؤلِّف. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٦٩، ١٧٠، أعلام النبوة ص ٢٠٤، مقامع هامات ص ٢٢٧، الإعلام ص ٢٧٤، الجواب الصّحيح ٣/٣٣٠، هداية الحيارى ص ١٦٢، ١٦٣، محمّد ﷺ ص ٧١، إبراهيم خليل، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٨. ٥ ليست في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
حكمي لحشر الأمم كلها. هنالك أجدد لهم اللغة المختارة ليعلنوا باسم الرّبّ جميعًا ويعبدوه في ربقة واحدة. ويأتون بالذبائح في تلك الأيام من معابر أنهار كوش"١.
واللغة المختارة هي لغة العرب. وهي التي طبقت الأرض وملأت الدنيا وتكلم غير أهلها وهجروا لغاتهم لخفتها. ومعابر أنها ركوش هي نواحي اليمن والحجاز، وهي التي تساق منها الأغنام والهدي إلى بيت الله الحرام. فمن ظن أن (كوش) تحمل أغنامه وذبائحه إلى الشام وبيت المقدس فقد ظنّ عجزًا.
-[البشرى] ٢ الخامسة والخمسون: (٢/١١٩/ب)
قال زكريا النبيّ وتنبأ أيضًا على جمع كلمة التوحيد وصيرورة الدين دينًا واحدًا: "أنه يكون الرّبّ يومئذٍ ربًّا واحدًا ويكون اسمه اسمًا واحدًا"٣.
وقد صار الأمر كذلك بمحمّد رسول الله ﷺ، شرقًا وغربًا فجنوبًا وشمالًا، فمن شَذَّ عن ذلك فإلى النار.
-[البشرى] ٤ السّادسة والخمسون:
قال زكريا أيضًا: "وفي ذلك اليوم يكون اسم الرّبّ القدوس على كلّ شيء حتى على لجام الفرس"٥.
فقد تمت هذه النبوة ببعثة محمّد ﷺ. وصار اسم الله على كلّ شيء من ثوب
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في سفر صفنيا ٣/٨-١٠، كالآتي: "لذلك فانتظروني يقول الرّبّ إلى يوم أقوم إلى السلب. لأن حكمي هو بجمع الأمم وحشر الممالك لأصب عليهم سخطي كلّ حمو غضبي. لأنه بنار غيرتي تؤكل كلّ الأرض. لأني حينئذ أحول الشعوب إلى شفة نقية ليدعوا كلّهم باسم الرّبّ ليعبدوه بكتف واحدة. من عبر أنها كوش المتضرعون إلي. متبددي يقدمون تقدمتي". وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧١، ١٧٢، وأعلام النبوة ص ٢٠٦. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ سفر زكريا ١٤/٩، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٢، ١٧٣. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ ورد النّصّ في سفر زكريا ١٤/٢٠، كالآتي: "في ذلك اليوم يكون على أجراس الخيل قدس للرّبّ". وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٣.
[ ٢ / ٦٩١ ]
ودار وسلاح وذهب وفضة وغير ذلك. وذلك شيء لم يكن يعرف قبل بعثه رسول الله ﷺ.
-[البشرى] ١ السّابعة والخمسون:
قال أرميا النّبيّ ﵇ وخاطب بها محمّدًا صلى الله عليهما حاكيًا عن الله: "من قبل أن أصورك في الرحم عرفتك. ومن قبل أن تخرج من الرحم قدستك وجعلتك نبيًّا للأمم. لأنك بكل ما آمرك تصدع٢. وإلى كلّ من أرسلتك تتوجه. وأنا معك لخلاصك يقول الرّبّ: / (٢/١٢٠/أ) أفرغت كلامي في فمك إفراغًا. فانظر فقد سلطتك اليوم على الأمم والممالك لتنسف وتهدم وتبتر وتسحق وتغرس وتبني ما رأيت"٣.
قال المؤلِّف: قول أرميا: "أفرغت كلامي في فمك إفراغًا"، نظير لقول الله تعالى في التوراة: "أجعل كلامي في فمه"٤. يعني النبيّ ﵇. وهذه نبوات متضافرة ودلالات متظاهرة. فسبحان من بخس اليهود والنصارى حظهم من الإيمان بها والتمسك بسببها.
-[البشرى] ٥ الثّامنة والخمسون:
قال أرميا أيضًا وتنبأ على نصر الأمة المحمّدية على اليهود والنصارى وغيرهم: "إني مُهيِّج عليكم يا بني إسرائيل من البعد أمة عزيزة أمة قديمة. أمة
_________________
(١) ١ ليس في ص، وأثبتها من م. ٢ في م: تصنع. ٣ أرميا ١/٤-١٠. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٣، ١٧٤، مقامع هامات ص ٢٢٣، هداية الحيارى ص ١٧٠، ١٧١. ٤ تثنية ١٨/١٨. ٥ ليست في ص، وأثبتها من م.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
لا تفقهون لسانها وكلّها مجرب جبار"١. فهذه هي الأمة الحنيفية العربية التي سلطها الله على كلّ من كفر به وعبد معه عجلًا ووثنًا. واتّخذ من دونه آلهة أخرى. وقد صدق الله في خبره ووفى بقوله سبحانه تعالى.
-[البشرى] ٢ التّاسعة والخمسون:
وقال أرميا متنبئًا على أمة محمّد ﷺ: "إني جاعل شريعتي في / (٢/١٢٠/ب) أفواههم وأكتبها في قلوبهم، وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا. ولا يحتاج الرحل أن يتعلم من غيره الدين والملة ومعرفة الله. بل يصير الكلّ عارفين بالله صغيرهم وكبيرهم، وأنا أغفر حينئذٍ ذنوبهم ولا أقرعهم بخطاياهم"٣.
هذه النّبوة الجليلة القدر شاهدة بأن هذه الأمة هي أمة الله. وأن هذا الشعب الطاهر شعبه، وكفى بذلك فضلًا وشرفًا. فلا نعلم أمة تقرأ كتاب ربّها عن ظهر قلب المَلِك إلى الأتوني سوى هذه الأمة المحمدّية. فأما من عداها من الأمم فإنما يقرؤون من الصحف ويسمعون من غيرهم.
-[البشرى] السّتّون:
قال أرميا أيضًا وتنبأ على إزالة ملك الفرس وهلاك فارس بالمسلمين من أمة محمّد ﷺ: "يقول الرّبّ: إني كاسر قوس٤ [عيلم] ٥ رأس عزّهم وجبروتهم
_________________
(١) ١ سفر أرميا ٥/١٥، ١٦. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٤. والأجوبة الفاخرة ص ١٨٢. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ سفر أرميا ٣١/٣٣-٣٥. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٤. ٤ في م: نفوس. ٥ في ص، م (عيكم) . والتصويب من نصّ سفر أرميا. وعليكم أو عيلام: اسم عبري من أصل أكادي معناه: (مرتفعات) وهي بلاد فيما وراء دجلة، وإلى الشرق من مملكة بابل. وقد سميت بعيلام نسبة إلى عيلام بن سام ونسله العيلاميون. (ر: قاموس ص ٦٥١) .
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وإني أغري بعيلم أربعة رياح من أربع جهات السماء، وأبدد أهلها في تلك الجهات، وأفض عيلم قدام أعدائهم فضًّا. وأفُلُّهم قدام طالبي أنفسهم فلًاّ، وأنْزل عليهم البلاء والرجز / (٢/١٢١/أ) الأليم حتّى أفنيهم ثم أنصب كرسي بعيلم، وأبيد من هناك من الملوك"١.
عيلم هي العراق. والملوك الذين كانوا بها هم ملوك الفرس ونزوله تعالى (بعيلم) هو نزول الأمة المحمّدية التي ذكر في النبوة المتقدمة أنها شعبه وأمته، ونصب كرسيه بها هو إقامة الخلفاء من أهل بيته بها وبناؤهم بها المساجد والجوامع والمدارس لإقراء كلامه وسنن رسله، ولا خفاء أن ذلك كلّه لم يتحقق إلاّ بمحمّد وأمته.
-[البشرى] ٢ [الحادية] ٣ والسّتّون:
قال أرميا وشافه بها محمّدًا رسول الله ﷺ: "أعد آلات الحرب فإني أُبدد بك الشعوب، وأبدد بك الخيل وفرسانها والمراكب وركبانها، وأبدد بك الطغاة لتجازي الكذابين بأوزارهم التي ارتكبوها. هذا قول الرّبّ"٤. فقد صدق الله ورسله، وبدّد برسول الله ﷺ شعوب المشركين وخيلها وفرسانها ومراكبها وركبانها وانتقم به وبأمته من الكذابين من الفرس والديلم والروم وأهل الكتاب، فكذب الفرس أنهم / (٢/١٢١/ب) أناطوا الألوهية والربوبية بالنار. واليهود أنهم قذفوا أنبياءهم وحكموا بأن معبودهم جسم من الأجسام. وكذب النصارى لاعتقادهم أن ربّهم الذي خلقهم ورزقهم هو رجل من بني آدم. وكذب اليهود
_________________
(١) ١ أرميا ٤٩/٣٥-٣٨. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٥. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ في ص، م (الأحد) والصواب ما أثبتّه. ٤ أرميا ٥١/٢٠-٢٤، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٧٦.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
إناطتهم الربوبية بالأنداد من الحجارة والخشب، وكذب الصائبة وغيرهم إناطتهم الربوبية بالكواكب ونجوم السماء، فسلط الله عليهم رسوله محمّدًا ﷺ، فأباد١ أبدادهم وأخمد نيرانهم وكسر صلبانهم ومحق أوثانهم وأفنى فرسانهم.
-[البشرى] ٢ الثّانية والسّتّون:
قال حزقيال النبيّ متنبئًا على هذه الأمة العربية المحمّدية: "إن كرمة أخرجت ثمارها وأغصانها، فأشرفت على الأكابر والسادات، وارتفعت وبسقت أفنانها، فلم تلبث تلك الكرمة أن قلعت٣ بالسخط ورمي بها على الأرض فأكلتها. فعند ذلك غرس٤ غرس في البدو وفي الأرض المهملة المعطلة / (٢/١٢٢/أ) العطشى وخرجت من أغصانه فأكلت تلك حتى لم يوجد فيها [عصا] ٥ قوية ولا قضيب بأمر السلطان"٦.
يريد بالغرس الأوّل: ملل النصارى واليهود وسائر الطوائف. وكيف سخط الله عليهم وأباد جموعهم واجتثت أصولهم وفروعهم. ويريد بالغرس الجديد الذي غرسه في البدو والأرض العطشى هذه الأمة الغريبة والشريعة المحمّدية
_________________
(١) ١ في م: زياد (أيد) . ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ في م: قلت. ٤ ليست في م. ٥ في ص، م (غضوا) والتصويب من الدين والدولة ص ١٧٧. ٦ حزقيال ١٩/١٠-١٤، وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٧٧، أعلام النبوة ص ٢٠٥، ومقامع هامات ص ٢٢٨، والإعلام ص ٢٧٦، هداية الحيارى ص ١٧٢، محمد رسول الله ص ٦٩، ٧٠، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٨، ١٧٩.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
واستيلاءها على ممالك من تقدم حتى لم يدع لها عزًّا ولا سلطانًا إلاّ احتوت عليه وأكلته وهذه نبوءة واضحة وبشارة صادقة.
-[البشرى] ١ الثّالثة والسّتّون:
وقال حزقيال أيضًا وهو يتهدد اليهود ويصف أمة محمّد ﷺ: "وأن الله مظهرهم عليكم وباعث فيهم نبيًّا، ومنَزِّل عليهم كتابًا. ومملكهم رقابكم فيقهرونكم ويذلونكم بالحقّ، وتخرج رجال بني قيدار في جماعات الشعوب، معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين فيحيطون بكم، وتكون عاقبتكم إلى النار"٢. نعوذ بالله من النار.
-[البشرى] ٣ الرّابعة والسّتّون: / (٢/١٢٢/ب)
قال دانيال النبيّ ﵇ وذكر محمّدًا رسول الله ﷺ باسمه فقال: "ستنْزع في قسي إغراقًا، ترتوي السهام بأمرك يا محمّد ارتواء"٤. فهذا تصريح بغير تعريض وتصحيح ليس فيه تمريض. فإن نازع في ذلك منازع فليوجد لنا] ٥ آخر اسمه محمّد له سهام تنْزع. وأمر مطاع لا يدفع.
_________________
(١) ١ ليست في ص. وأثبتّها من م. ٢ لم أعثر على هذا النّصّ في سفر حزقيال بالنسخة الحالية. ولكن توجد بعض ألفاظ هذا النّصّ في سفر حزقيال ٣٨/١٤-٢٣، وقد ورد البشارة بالنّصّ الذي ذكره المؤلِّف في الجواب الصّحيح ٣/٣٣١، وهداية الحيارى ص ١٦٤، ومقامع هامات ص ٢٢٥، والإعلام ص ٢٧٣، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٩. ٣ ليست في ص. وأثبتّها من م. ٤.لم أعثر على نصّ بهذا اللفظ في سفر دانيال. وقد تقدم ذكر هذا النّصّ في البشارة الثّالثة والخمسون التي وردت في سفر حبقوق. وقد وردت هذه البشارة بنصّها في: الجواب الصّحيح ٣/٤، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٩. ٥ في ص، م (فليوجدنا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
-[البشرى] ١ الخامسة والسّتّون:
قال دانيال ﵇: "طوبى لمن أدرك أيام الألف والثّلاثمائة والخمسة والثّلاثين"٢.
وقد اعتبر العلماء العارفون بأيام الناس وتواريخهم فلم يجدوا ذلك ينْزل على واقعة بعد أيام دانيال سوى عدد من كان من المسلمين مع رسول الله ﷺ في عام الحديبية وهي مقدمات الفتح٣.
-[البشرى] ٤ السّادسة والسّتّون:
قال دانيال النبيّ ﵇ حين سأله بختنصر عن تأويل رؤيا رآها ثم نسيها: "رأيت أيّها الملك صنمًا عظيمًا قائمًا بين يديك رأسه من ذهب، وساعداه من الفضة. وبطنه وفخذاه من الناس وساقاه من حديد، ورجلاه من خزف،
_________________
(١) ١ ليست في ص. وأثبتّها من م. ٢ سفر دانيال ١٢/١٢، وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٣، وقال ابن ربن معلقًا عليها: "فأعملت فيه الفكر فوجدته يوحي إلى هذا الدين وهذه الدولة العباسية خاصة. وذلك أنه لا يخلو دانيال من أن يكون أراد بهذا العدد الأيام والشهور والسنين. أو سرًا من أسرار النبوة يخرجه الحساب. فإن قال قائل: إنه أراد به الأيام. فإنه لم يحدث لبني إسرائيل ولا في العالم بعد أربع سنين فرح ولا حادثة سارة. ولا بعد ألف وثلاثمائة وخمس وثلاثين شهرًا. فإن ذلك مائة وأحد عشرة سنة وأشهر فإن قالوا: عنى به السنين، فإنما ينتهي ذلك إلى هذه الدولة، لأن زمن دانيال إلى المسيح نحو من خمسمائة سنة. ومصداق ذلك ما أوحي إليه: "إنه يأتي عليه وعلى قومه سبعون أسبوعًا في السبي، ثم يرجعون إلى بيت المقدس ويبعث المسيح". ومن المسيح إلى سنتنا هذه ثمانمائة وسبع وستون سنة. وينتهي ذلك إلى هذه الدولة العباسية منذ ثلاثون سنة أو يزيد شيئًا. فإن قال قائل: إنه ليس بسنين أيضًا بل سرّ من أسرار النبوة يخرجها الحساب. فإني فكرت فيه فوجدت عدد هذه الأيام مساويًا لما يجتمع مع عدد حروف: "محمّد خاتم الأنبياء مهدي ماجد". فإنه إذا جمع حروف هذه الألفاظ بحساب الجمل خرج منها ما بيّنا وهي خمسة أسماء ". اهـ. ٣ قال ابن حزم في جوامع السيرة ص ٢٠: "اختلف في عدد المسلمين في غزوة الحديبية، فقيل: إنهم بضع عشرة مائة من الصحابة. وقيل: ألف وخمسمائة لا تزيد أصلًا. وقيل: ألف وثلاثمائة. وقيل: ألف وأربعمائة. وقال بعضهم: كانوا سبعمائة. وهذا وهم شديد ألبتة. والصحيح بلا شكّ بين الألف والثلاثمائة إلى ألف وخمسمائة". (ر: السيرة ٣/٤٢٧، ٤٢٨، لابن هشام، الطبقات ١/٦٩، لابن سعد، المغازي (تاريخ الإسلام) ص ٣٦٣، للذهبي، البداية والنهاية ٤/١٦٤، لابن كثير". ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
ورأيت حجرًا لم يقطعه يد إنسان قد جاء وصَكَّ / (٢/١٢٣/أ) ذلك الصنم فتفتت وتلاشى وعاد رفاتًا. ثم نسفته الريح فذهب وتحوّل ذلك الحجر فصار جبلًا عظيمًا حتى ملأ الأرض كلّها. هذا ما رأيت أيّها الملك.
فقال بختنصر: "صدقت. فما تأويلها؟ ".
قال دانيال: "أنت الرأس الذي رأيته من الذهب. ويقوم بعدك ولداك اللذان رأيت من الفضة وهم دونك. ويقوم بعدهما مملكة أخرى وهي دونهما وهي التي تشبه النحاس. والمملكة الرّابعة تكون قوية مثل الحديد الذي يدق كلّ شيء. فأما الرجلان التي رأيت من خزف فمملكة ضعيفة وكلمتها مشتتة. وأما الحجر الذي رأيت قد صَكَّ ذلك الصنم العظيم ففتته فهو نبيّ يقيمه الله إله السماء والأرض من قبيلة شريفة قوية، فيدق جميع ملوك الأرض وأممها حتى تمتلئ منه الأرض ومن أمته. ويدوم سلطان ذلك النبيّ إلى انقضاء الدنيا. فهذا تعبير رؤياك أيّها الملك"١. فقد أخبر دانيال عن الله تعالى أن٢ نبيّنا هو خاتم الأنبياء ودولته خاتمة الدول. وصدق بنبوته هذه جميع النبوات الواردة في رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
_________________
(١) ١ سفر دانيال ٢/٣١-٤٥. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٠، ١٨١، أعلام البنوة ص ٢٠٧، ٢٠٩، مقامع هامات ص ٢٢٩، ٢٣٠، الإعلام ص ٢٧٧، الفصل ١/١٩٤، ١٩٥، لابن حزم. الجواب الصّحيح ٤/٣، هداية الحيارى ص ١٦٥، محمّد ﷺ ص ٦٩، ٧٠، إبراهيم خليل، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٩، ١٨٠، إظهار الحقّ ص ٥٣٠، ٥٣١، الفصل في الملل والنحل ١/١٩٤، ١٩٥. ٢ ليست في (م) . ٣ يوضح لنا الأستاذ إبراهيم خليل - الذي كان قسيساص فأسلم - تحقق هذه النبوة التي أخبر بها دانيال على النحو الآتي:
(٢) سنة ٧٠١ ق. م مملكة بابل. ويرمز لها بالرأس من الذهب في عهد نبوخذ نصر.
(٣) سنة ٦١٢ ق. م مملكة الكلدانيين في عهد ميداس، ويرمز لها بالفضة.
(٤) سنة ٣٢٦ ق. م المملكة الإغريقية في عهد الإسكندر المقدوني. ويرمز لها بالناس.
(٥) سنة ٥٣ ق. م الإمبراطورية الرومانية في عهد بومباي. ويرمز لها بالحديد.
(٦) سنة٦١٢م الإمبراطورية البيزنطية في الغرب. والإمبراطورية الساسانية في الشرق.
(٧) سنة ٦٣٧م الإسلام. وكتب الرسول ﷺ إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وتفويض الإمبراطورية البيزنطية والفارسية.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
-[البشرى] ١ السّابعة والسّتّون: / (٢/١٢٣/ب)
قال دانيال النبيّ أيضًا: "رأيت في نومي كأن الرياح الأربع قد هاجت وتموج بها البحر. واعتلج اعتلاجًا شديدًا. ثم صعد منه أربع حيوانات عظام مختلفة الصور؛ الأوّل مثل الأسد وله أجنحة نسر. والحيوان الثاني مثل الدّبّ وفي فمه ثلاثة أضلاع، وسمعت قائلًا يقول له: قم فكل من اللحم واستكثر منه. والحيوان الثالث مثل النمر. وفي جبينه أربعة أجنحة من حديد عظام فهو يأكل ويدق برجليه ما بقي. ورأيته مخالفًا لتلك الحيوانات وكانت له عشرة قرون فلم يلبث أن نجم له قرن صغير من بين تلك القرون ثم صار لذلك القرن عيون، ثم عظم القرن الصغير جدًا أكثر من سائر القرون، فسمعته يتكلم كلامًا عجيبًا وكان ينازع القديسين ويقاوهم. قال دانيال: فقال لي الرّبّ: تأويل الحيوان الرابع مملكة رابعة تكون في آخر الممالك وهي أفضلها وأجلها تستولي على جميع الممالك وتدوسها وتدقها وتأكلها / (٢/١٢٤/أ) رغدًا"٢.
فقد شهد دانيال النبيّ ﵇ وأخبر عن الله أن أمتنا هي الدائمة إلى الأبد. وأن ملتنا هي التي لا يقاومها أحد. وهي التي كانت أكلت الأمم ودقتها وداستها واستولت عليها بإذن الله. ووعده الحقّ وخبره الصدق. فهل يبقى بيان أبين من الله تعالى على ألسن أنبيائه الأطهار؟ وقد٣ قال من فسر كتب أهل الكتاب: "إن الحيوان الأوّل هو
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ دانيال ٧/٢-٢٢. وقد وردت البشارة في الدين والدولة ص ١٨١، ١٨٣، أعلام البنوة ص ٢٠٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٨١، ١٨٢، محمّد ﷺ ص ٨٦، ١٠٥، ١٣٣، عبد الأحد داود. ٣ هذا كلام عليّ بن ربن الطبري.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
دولة أهل بابل. والحيوان الثاني دولة أهل الماهين١. والحيوان الثالث دولة الفرس، والحيوان الرابع دولة العرب. وفي ذلك تصديق قول الله في التوراة لإبراهيم ﵇: "إني أبارك إسماعيل ولدك وأعظمه جدًّا جِدًّا٢ ومن تولى الله تعالى تعظيمه وتفخيمه وبركته كيف لا يكون كذلك؟ !!.
-[البشرى] ٣ الثّامنة والسّتّون:
قال دانيال: "سألت الله وتضرعت إليه أن يبيّن لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم ويرد إليهم ملكهم ويبعث فيهم الأنبياء أو يجعل ذلك في غيرهم؟ قال دانيال / (٢/١٢٤/ب) ﵇: "فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه فقال: السلام عليك يا دانيال إن الله يقول: إن٤ بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا عليَّ وعبدوا من دوني آلهة أخرى. فصاروا من بعد العلم إلى الجهل ومن بعد الصدق إلى الكذب. فسلطت عليهم بختنصر فقتل رجالهم وسبي ذراريهم وهدم بيت مقدسهم وحرق كتبهم وكذلك فعل من بعده بهم. وأنا غير راضٍ ولا مقيلهم عثرتهم. فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول فأختم عليهم عند ذلك باللعن والسخط فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة، حتى أبعث نبيّ بني إسرائيل الذي بشرت به هاجر وأرسلت إليها ملاكي فبشرتها، فأوحي إلى ذلك النبيّ وأعلمه الأسماء، وأزينه بالتقوى. وأجعل البر شعاره. والتقوى ضميره. والصدق قوله. والوفاء طبيعته. والقصد سيرته. والرشد سنته. أخصه بكتابٍ مصدق لما بين يديه من الكتب وناسخ لبعض ما فيها، أسري / (٢/١٢٥/أ) به إليّ، وأرقيه من سماء
_________________
(١) ١ هي: دولة الماديين: نسبة إلى مادي بن يافث. وكانت مملكتهم قوية تشتمل على فارس وتوابعها وأشور وغيرها. (ر: قاموس ص ٧٢٩-٧٣١) . ٢ تكوين ١٧/١٧. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ ليست في (م) .
[ ٢ / ٧٠٠ ]
إلى سماء، حتّى يعلو فأُدنيه وأُسلِّم عليه وأوحي إليه ثم أرده١ إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظًا لما استودع، صادعًا بما أمر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة. لا فظّ ولا غليظ. ولا صخاب في الأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن آمن به، خشن على من عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رآى من آياتي فيكذبونه ويؤذونه - قال المؤلِّف - ثم سرد دانيال قصة رسول الله ﷺ حرفًا حرفًا مما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أيام أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا"٢. ونبوته كبيرة وهي الآن في أيدي النصارى واليهود يقرؤونها. وفيها ما وصفنا من إشادة الله بذكر هذه الأمة وذكر نبيّها واتصال مملكتهم بالقيامة. ولكن الحسد وفساد المربي صار قتّار عن السعادة والله الموفّق.
-[البشرى] ٣ التّاسعة والسّتّون:
قال يوحنا الإنجيلي: قال يسوع المسيح في الفصل الخامس عشر / (٢/١٢٥/ب) من إنجيله: "إن الفارقليط روح الحقّ الذي يرسله أبي هو يعلمكم كلّ شيء"٤.
_________________
(١) ١ في م: أردوه. ٢ ورد النّصّ مطولًا في سفر دانيال الإصحاحات: (٩، ١٠، ١١، ١٢) . وبألفاظ مختلفة عما ذكره المؤلِّف. والنّصّ في النسخة الحالية ليس ملزمًا لأهل الكتاب لأن يعد من البشارات. وقد وردت البشارة في: الجواب الصّحيح ٤/٤، ٥، وهداية الحيارى ص ١٦٦، ١٦٧، الأجوبة الفاخرة ص ١٨١، ١٨٢. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ ورد النّصّ في إنجيل١٤/٢٦،كالآتي:"وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كلّ شيء ويذكركم بكلّ ما قلته لكم". وقد وردت بشارات الأناجيل المصرخة بلفظ (الفارقليط) في المراجع الآتية: الدين والدولة ص١٧٤،١٨٥، أعلام النبوة ص٢١١-٢١٣، الجواب الصّحيح ٤/٦-٨، هداية الحيارى ص ١١٧-١٣٤، تحفة الأريب ص ٢٦٧-٢٧٠، الإعلام بمناقب ص ٢٠٣، للعامري، الإعلام ص ٢٦٨-٢٧٠، للقرطبي، النصيحة الإيمانية ص ٣١٩-٣٢٠، مقامع هامات ص ٥٥٠، محمّد ﷺ ص ٢١٩، ٢٢٩، عبد الأحد داود، محمّد ﷺ ص ٧٢، إبراهيم خليل، الرسالة السبعية بإبطال الديانة اليهودية ص ٤٠، للمهتدي إلى الإسلام الحبر إسرائيل ابن القطان شموئيل الأورشليمي، الفصل في الملل والنحل١/١٩٥،الأجوبة الفاخرة ص١٦٥،١٦٨، السيرةالنبوية١/٢٩٥، لابن هشام.
[ ٢ / ٧٠١ ]
(فالفارقليط) هو: محمّد رسول الله ﷺ الذي أرسله الله بعد المسيح، وهو الذي علّم الناس كلّ شيء، قال يهودي لرجل من الصحابة١: علمكم نبيّكم كلّ شيء حتى الخراة؟ فقال أجل: "لقد نهى أن يستقبل أحدنا القبلة ببول أو غائط"٢. وقد سماه المسيح (روح الحقّ) وذلك غاية المدحة وأعلى درجات المنحة.
واعلم أن النصارى اختلفوا في تفسير لفظة الفارقليط على أقوال: فقيل: إنه (الحماد) . وقيل: (الحامد) . وقيل: (المعز) . وأكثر النصارى على أنه (المخلًِّص) . فإن فرّعنا عليه فلا خفاء بكون محمّد رسول الله ﷺ مخلِّصًا للناس من الكفر والمعاصي والجهل. ومنقذهم من دركات الهلاك بإرشادهم إلى توحيد الله وعبادته. قال ﵇: "إني آخذ بحجركم وأنتم تقحمون في النار"٣. وبذلك سمّى المسيح نفسه في الإنجيل؛ إذ قال: "إني لم آت لأدين العالم بل لأخلّص العالم"٤. والنصارى يقرؤون في صلاتهم: "يا والدة الإله لقد ولدتي لنا / (٢/١٢٦/أ) مخلّصًا". وإذا كان المسيح مخلّصًا لا بدّ من مخلص آخر لأمته.
فأما على بقية الأقوال، فليس لفظ أقرب إلى محمّد من الحامد والحماد. فقد وضح أن
_________________
(١) ١ هو سلمان الفارسي ﵁. والقائل له ذلك هو: رجل من المشركين وليس من اليهود كما ذكر المؤلِّف. ٢ أخرجه مسلم ١/٢٢٣، ٢٢٤، وأحمد ٥/٤٣٨، وأبو داود ١/٣. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب ٢٦. (ر: فتح الباري ١١/٣١٦) . ومسلم ٤/١٧٨٩، عن أبي هريرة ﵁. ٤ يوحنا ١٢/٤٧.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
(الفارقليط) هو: محمّد عليه السلام١.
-[البشرى] ٢ السّبعون:
_________________
(١) ١ إن الطبعات الحديثة للأناجيل لا توجد فيها لفظة: (فارقليط) . وأبدلت بألفاظ أخرى مثل: (المُعزي، المحامي، المعين، المخلص، الوكيل، الشافع) . علمًا بأن كلمة (الفارقليط) كانت موجودة في الترجمة العربية للأناجيل المطبوعة في لندن سنة ١٨٢١م، ١٨٣١م، ١٨٤٤م. وقد وقفت على مخطوطة لترجمة التوراة والزبور والإنجيل في إسطنبول بمكتبه عاطف أفندي تحت رقم: (٧) . وفيها ذكرت لفظة (الفارقليط) . ومعلوم لدينا أن اليهود والنصارى يسعون إلى إخفاء البشارات بالنبيّ ﷺ من كتبهم المقدسة لديهم أو تحريف معناها. وذلك مما أخبرنا الله عزوجل عنهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة، الآية: ١٤٦] . فما معنى كلمة: (فارقليط) التي اخلف النصارى في معناها؟ إن (فارقليط) معربة من كلمة: (بيركليتوس) اليونانية (PERIQLYTOS) التي تعني اسم: أحمد، صيغة المبالغة من الحمد. والأدلة على ذلك كثيرة منها:
(٢) شهادة العلامة علي بن ربنّ الطبري - الذي كان مسيحيًا فأسلم - في القرن الثالث الهجري بذلك في كتابه: الدين والدولة ص ١٨٤.
(٣) إن هذه الكلمة كانت سببًا في إسلام القس الأسباني: أنسلم تورميدا في القرن التاسع الهجري بعدما أخبره أستاذه القسيس (نقلًا ومرتيل) - بعد إلحاح منه - أن الفارقليط هو اسم من أسماء محمّد ﷺ. فكان ذلك سببًا في إشهار إسلامه وتغيير اسمه إلى عبد الله الترجمان وتأليف كتابه: تحفة الأريب في الرّدّ على أهل الصليب، وذكر فيه قصته مفصلة. ر: ص: ٦٥-٧٥.
(٤) شهادة القسيس (دافيد بنجامين كلداني) - الذي هداه الله إلى الإسلام وغيّر اسمه إلى: (عبد الأحد داود) - في كتابه القيم: (محمّد في الكتاب المقدس) بذلك فقد وضح فيه أن الفارقليط ليس هو الروح القدس وليس أي شيء يدعيه النصارى، وإنما هو اسم محمّد ﷺ. وبيّن ذلك بأدلة من نصوص الأناجيل وقواميس اللغة اليونانية. (ر: ص: ٢٠٧-٢٢٩ من كتابه المذكور) .
(٥) ذكر الأستاذ عبد الوهّاب النجار في قصص الأنبياء ص ٣٩٧، ٣٩٨، أنه كان في سنة ١٨٩٤م زميل دراسة اللغة العربية للمستشرق الإيطالي. (كارلو نالينو) وقد سأله النجار في ليلة ٢٧/٧/١٣١١هـ ما معنى: (بيريكلتوس)؟. فأجابه قائلًا: إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها: (المعزي) . فقال النجار: إني أسأل الدكتور كارلونالينو الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود باللغة اليونانية القديمة. ولست أسأل قسيسًا. فقال: إن معناها:"الذي له حمد كثير".فقال النجار: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟ فقال الدكتور: نعم. فقال النجار: إن رسول الله ﷺ من أسماء (أحمد) فقال الدكتور: يا أخي أنت كثيرًا ثم افترقا. (ر: للتوسع في المزيد من الأدلة: إظهار الحق ص ٥١١-٥١٤، دراسة الكتب المقدسة ص ١٢٥-١٢٩، موريس بوكادي) . ٢ غير موجودة في ص، وأثبتّها من م.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
قال يوحنا التلميذ أيضًا لتلاميذه: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطًا آخر يثبت معكم إلى الأبد. روح الحقّ الذي لم يطق العالم أن يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه. ولست أدعكم أيتامًا لأني سآتيكم عن قريب"١.
قد نقلنا تفسيرهم (للفارقليط) وأنه على صحيح أقوالهم: (المُخلِّص) وقد ذكر المسيح أنه لا بدّ من (فارقليط) آخر يثب إلى الأبد. وثبوت النبي إلى الأبد ممتنع. فلم يبق إلاّ حمل الكلام على الشريعة التي جاء بها النبيّ. وهذه شريعة نبيّنا ﷺ باقية على أس قويم ومنهج من الحقّ مستقيم. لا تنقض بوفاقه ولا تنقرض ولا يتخلل الخلل خلالها ولا يعترض. وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّين﴾ . [سورة الأحزاب، الآية: ٤١] . وقوله ﷺ: "لا نبي بعدي"٢.
فالنصارى في ذلك بين أمرين: وهو إما أن يقولوا: إنه محمّد رسول الله، / (٢/١٢٦/ب) وإما أن يقولوا: إن المسيح أخلف قوله ولم يفِ بوعده وتركهم أيتامًا بغير نبيّ يتكفل بأمورهم ولم يأتهم عن قريب كما وعد، بل إنما أراد أن هذا النبيّ المخلص هو الذي يأتيهم عن قريب، ولم أر أحدًا من النصارى يحسن تحقيق مجيء هذا (الفارقليط) الموعود به. إذ بعضم يزعم أنه ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ٣ ففعلوا الآيات والعجائب. وذلك خلاف ما أخبر به المسيح؛ إذ المسيح ذكر (فارقليطًا) آخر. وذلك يشير إلى أوّل تقدم لهم. وهذه الألسن لم يتقدم محيؤها ولم تعرف أوّلًا. ثم ذلك كذب من قائله؛ إذ سِير التلاميذ تشهد بأنهم بعد المسيح امتهنوا تقتيلًا وعذبوا بأنواع
_________________
(١) ١ يوحنا ١٤/١٥-١٩. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب (٥٠) . (ر: فتح الباري ٦/٤٩٥) . ومسلم ٣/١٤٧١، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه أحمد ٥/٢٧٨، وأبو داود ٤/٤٥٢، والترمذي ٣/٣٣٨، عن ثوبان ﵁. وقال الترمذي: "حديث صحيح". ٣ أعمال الرسل ٢/١-٤.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
العذاب. وذلك تكذيب لمن زعم أنه نزل عليهم من السماء ألسن من نار تؤيدهم على أعدائهم. ثم المسيح يقول: إن هذا (الفارقليط) الآخر يأتي بعده ويدوم مع الناس إلى الأبد ويعلّم الخلائق كلّ شيء. وأنه قد سمي روح الحقّ. فكيف تقول النصارى إنه هو هذا الذي يزعمون أنه ألسنة من نار نزلت ثم انقضت ومضت ولم تدم إلى الأبد ولم تعلّم أحدًا شيئًا؟!. / (٢/١٢٧/أ)، هل هذا إلاّ جهل من قائله، وحمل لكلام الأنبياء والرسل على الخلف والكذب؟!
فقد وضح أن هذا الموعود به على لسان المسيح إنما هو محمّد رسول الله ﷺ. وقد وصفه المسيح: "بأنه لم يطق العالم أن يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه". يريد أنه يأتي في زمن الغالب على أهله عبادة الأوثان وتعظيم الصلبان وسجر النيران. قد نبتت على ذلك أجسادهم وثبتت عليه آباؤهم وأجدادهم فما راعهم إلاّ رسول قد جاءهم من التوحيد بما لم يعرفوه. وهاجم جمعهم بفطم١ ما ألفوه فقالوا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين٢. وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب٣. فلذلك لم يقبلوه والنبيّ على الحقيقة لا يعرفه إلاّ من فاض عليه من فيضه. وارتاض في فسيح روضه.
-[البشرى] ٤ [الحادية] ٥ والسّبعون:
قال يوحنا: "قال المسيح: من يحبني يحفظ كلمتي، وأبي يحبه وإليه نأتي،
_________________
(١) ١ في م: بعظم. ٢ اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ﴾ . [سورة القصص، الآية: ٣٦] . ٣ اقتباس من الآية الكريمة في سورة ص: الآية: ٥. ٤ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٥ في ص، م (الأحد) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وعنده نتخذ المنْزل، كلمتكم بهذا لأتي عندكم مقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي هو يعلمكم كلّ شيء / (٢/١٢٧/ب) وهو يذكركم كلّ ما قلت لكم، أستودعكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع فإني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبونني كنتم تفرحون بمضيي إلى الأب. فإن أنتم ثبتم فيّ ثبت كلامي فيكم كان لكم كلّ ما تريدون وبهذا يمجد أبي"١.
وقد شهد المسيح ﵇ بأن محمّدا هو (روح القدس) ٢. كما شهد أوّلًا بأنه روح الله، وأن الله أرسله، وأنه يعلم الناس كلّ ما يحتاجونه إليه من أمر معاشهم ومعادهم، وأخبر تلاميذه أنهم إن ثبتوا على وصيته في تعظيم أمر هذا المخلّص الثاني والتزام أوامره واجتناب نواهيه والحثّ على اتباعه كان لهم ما أرادوا. نظير ذلك من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرْنَا عَنْهُم سَيِّئَاتِهِم وَلأَدْخَلْنَاهُم جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُم أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِم لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِم وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٦٥-٦٦] .
قال المؤلِّف: إنه لما قربت مدة المسيح وانتهاء مقامه في الأرض ودنا رفعه منها حمَّل أصحابه هذه الأمانة ليؤدوها إلى من بعدهم. / (٢/١٢٨/أ) وكذلك فعل سائر الأنبياء والرسل كما نقلنا عنهم. ولهم في ذلك مقاصد:
_________________
(١) ١ يوحنا ١٤/٢٣-٣١. ٢ اعترض بعض علماء البروتستانت بشبهات على هذه البشارة. ذكرها الشيخ رحمة الله الهندي وردّ عليها. ومن تلك الشبهات: أنه جاء في هذه العبارة تفسير (فارقليط) بروح القدس وروح الحقّ وهما عبارتان. عن الأقنوم الثالث. فكيف يصحّ أن يراد بـ (فارقليط) محمّد ﷺ؟!. وقد ردّ الشيخ رحمة الله الهندي على ذلك بجواب مفصل مقنع خلاصته: "وليس المراد بروح الله وروح الحقّ الأقنوم الثالث الذي هو عين الله على زعمهم كما هو ظاهر. فتفسير (فارقليط) بروح القدس وروح الحقّ لا يضرنا لأنهما بمعنى: (الواعظ) . كما أن روح الحقّ وروح الله بهذا المعنى في رسالة يوحنا الأولى فيصح إطلاقها على محمّد ﷺ بلا ريب". اهـ. ر: إظهار الحقّ ص ٥٤٤-٥٤٥.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
أحدها: أن يقوموا لله تعالى بما وجب من حقّه في تعظيم من عظَّم من أهل صفوته، فقد قال الله تعالى في التوراة لإبراهيم: "إني سأعظّمه جدًّا جِدًّا"١. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُم رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٨١] .
والثّاني: أن يحصلوا لأممهم أجرين: أجر الإيمان بنبيّ حاضر ونبيّ كريم مرتقب ودليله قوله ﷺ: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتّين - وذكر منهم - رجلًا من أهل الكتاب آمن بنبيّه ثم أدركه وآمن به"٢.
والثّالث: دفع الشكوك عن ضعفاء أتباع هذا النبيّ فإنه اتصل بهم أن الأنبياء من المتقدمين قد تنبؤا عليه وذكروه باسمه ووصفوا بلده وأرضه وقومه وميزته زالت عنهم عوارض الشكوك فأثبتوا فيهم. لذلك قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ . [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧] . وعزّ من قائل: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ٣ وَمُوسَى﴾ . [سورة
الأعلى، الآية: ١٨-١٩] . وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ . [سورة الشعراء، الآية: ١٩٦] .
_________________
(١) ١ تكوين ١٧/١٧. ٢ أخرجه البخاري في كتاب العالم باب (٣١) . (ر: فتح الباري ١/١٩٠)، ومسلم ١/١٣٤، ١٣٥، وأحمد ٢/٣٣، عن أبي موسى الأشعري ﵁. قال الحافظ ابن حجر: "وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرّتين﴾ . نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وغيره". ٣ / (٢/١٢٨/ب) .
[ ٢ / ٧٠٧ ]
-[البشرى] ١ الثّانية والسّبعون:
قال المسيح وتنبأ بذلك على شهادة الرسول له بالنبوة والرسالة وتكذيب اليهود فيما رموه به من الكذب والزور ونسبوه إلى أمه الطاهرة من الفجور. قال فيما حكاه يوحنا عنه: "إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله، روح الحقّ الذي من أبي هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتّى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه"٢.
تدبّروا - أتَمَّ الله علينا وعليكم نعمة الإسلام ووفّقنا وإيّاكم لشكر متابعته ﵇ - ما اشتملت عليه فصول (الفارقليط) من الإفصاح بشأن رسول الله ﷺ.
واعلموا أن رسول الله ﷺ قد شهد للمسيح في غير موضع من الكتاب العزيز بالنبوة والرسالة وصدقه فيما جاء به من عند الله كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ . [سورة المؤمنون، الآية: ٥٠] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٧١] .
وقد أكذب اليهود في فريتهم على المسيح وعلى أمه إذ نسبوه إلى بنوة الزنا. وقالوا: إن به شيطانًا يتخبطه ويغويه. / (٢/١٢٩/أ) وزعموا أن (بعل زبول) رئيس الشياطين هو الذي يعينه على الآيات والعجائب كما شهد بذلك الإنجيل. فلهذا استشهد المسيح بمحمّد رسول الله ﷺ فقال: "روح الحقّ الذي أبي أرسله هو يشهد لي". وقول المسيح هذا يشعر بتقدم رسالة محمّد
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ يوحنا ١٥/٢٦، ٢٧.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
رسول الله ﷺ، لأن المسيح ﵇ ذكر ذلك بلفظ الماضي فقال: "الله أرسله"، ولم يقل: (إنه يرسله) . ويؤيدّ ذلك قول محمّد رسول الله ﷺ: "وقد سئل: متى وجبت لك النبوة؟ فقال ﵇: كنت نبيًّا وإن آدم لمنجدل في طينته"١. وقول المسيح للتلاميذ: "ذكرت لكم هذا قبل أن يكون حتى إذا كان لا تشكوا". تحريض لهم على متابعته والمسارعة إلى متابعته. والكلام وإن كان مع من كان حاضرًا من التلاميذ، والمطلوب منه ما قدمناه من المقاصد الثلاث.
وقد روي أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أدرك بعض الحواريين وهو سلمان الفارسي ويوصيه ذلك الحواري: / (٢/١٢٩/ب) "أسلم سلمان٢. ولا جرم أن طائفة من
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٤٢١) . ٢ قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁ أخرجها ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٧٣-٢٨٢) لابن هشام) . وعنه الإمام أحمد في مسنده ٥/٤٤١-٤٤٤، وابن سعد في الطبقات ٤/٧٥-٧٧، والبيهقي في الدلائل ٢/٨٢-٩١، الطبراني في الكبير ٦/٢٢٢-٢٢٦. وقد وهم المؤلِّف رحمه في ظنه أن سلمان ﵁ قد أدرك بعض الحواريين. وإنما كان الذي أدركه سلمان أسقف الكنيسة في الشام. ثم صاحب الموصل. ثم نصيبين. ثم في عمورية بأرض الروم. ممن كانوا على الدين الصحيح لعيسى ﵇. وقد أنبأه صاحب عمورية بعلامات النبي ﷺ. ولا يعقل أن يكون سلمان قد أدرك بعض الحواريين الذين كانوا مع عيسى ﵇. لأن ما بين عيسى ومحمّد صلوات وسلامه عليهما ٦٠٠ سنة تقريبًا.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
النصارى عند مبعثه ابتدرت إلى الإيمان كنصارى نجران١. وإلى هلم جرا الداخلون في دين محمّد ﷺ من النصارى واليهود أكثر من الخارجين منه. فما يحصى٢ من أسلم منهم من علمائهم وصنفوا الكتب في معائب ما كانوا عليه ومحاسن ما صاروا إليه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وحقَّ القول على آخرين فلم يستنيروا بنور الهدى. وصدف بهم عن وصايا٣ المسيح ما حقّ عليهم من الارتكاس في مهاوي الرّدى. فهم المرادون بقول الكتاب العزيز: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ . [سورة الزمر، الآية: ١٩] . ويقول أشعيا النبيّ ﵇: "عرف الثور والحمار ربّه وجهل ذلك بنو إسرائيل"٤. ولقد بَكَّتهم بطرس صاحب المسيح في الفصل الثالث من رسالته الثانية فقال: "لقد كان خيرًا لهم ألا يعرفوا طريق الحقّ من أن يعرفوه ثم ينصرفون إلى خلافه ولنوكهم الظاهره أنالتهم الأمثال الصادقة القائلة، إنهم كالكلب العائد في قيئه والخنْزير الذي اغتسل ثم تمرغ / (٢/١٣٠/أ) في الحمأة"٥.
_________________
(١) ١ قدم على النبيّ ﷺ وفد نصارى نجران وفيهم رؤوساهم السيّد والعقائب والأسقف فساءلهم وساءلوه ونزل فيهم الوحي بصدر سورة آل عمران في الرّدّ عليهم والفصل من القضاء بينه وبينهم ثم نكولهم عن المباهلة (الملاعنة) التي دعاهم النبي ﷺ إليها. وموادعتهم للنبي ﷺ على أن يتركهم على دينهم ويدفعون له الجزية ويبعث معهم رجلًا من الصحابة يحكم بينهم. فأرسل النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح معهم. وقد أخرج ابن إسحاق القصة مطولة. ر: السيرة ٢/٢٥٤-٢٦٦)، وعنه البيهقي في الدلائل ٥/٣٨٢-٣٩١، موصولًا عن كرز بن علقمة ﵁. الذي كان أخ أسقف نجران أبو حارثة وقد أقر له بنبوة محمّد ﷺ وأسلم بعد رجوعهم إلى نجران فضرب كرز وجه ناقته نحو المدينة حتى أتى النبي ﷺ فأسلم. وأخرج القصة مطولة أيضًا ابن سعد في الطبقات ١/٣٥٧-٣٥٨، من طريق محمّد بن عليّ القرشي. وذكر أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك فأسلما. وأخرج البخاري القصة مختصرًا. (ر: فتح الباري ٨/٩٣، ٩٤)، ومسلم ٤/١٨٨٢، عن حذيفة ﵁. ٢ في م: (يحمى) . ٣ في ص: تكررت (عن وصايا) . ٤ أشعيا ١/٣. ٥ رسالة بطرس الثانية ٢/٢١.
[ ٢ / ٧١٠ ]
-[البشرى] ١ الثّالثة والسّبعون:
قال المسيح فيما رواه يوحنا أيضًا: "إن خيرًا لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط؛ فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلامًا كثيرًا أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله. لكن إذا جاء روح الحقّ ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحقّ. لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع. ويخبركم بكلّ ما يأتي. ويعرفكم جميع ما للأب"٢. قال المؤلِّف: في هذا الفصل عدة معاني فليتدبرها اللبيب:
منها: أن المسيح ﵇ اعترف بأن هذا (الفارقليط) الآتي أفضل منه؛ إذ قال: "إن الخيرة لهم في انطلاقه ومجيء الفارقليط الآخر".
ومنها: قوله: "فإذا انطلقت أرسلته". وهذا صحيح المعنى من حيث إن مجيء المصطفى موقوف على ذهاب المسيح.
ومنها أنه أخبر: "أن هذا الآتي هو الذي يوبخ العالم على الخطيئة". وقد فعل ذلك رسول الله ووبخ العالم على خطاياهم، المجوس على عبادة النار، ووبخ اليهود على عبادة عزير والعجل، ووبخ النصارى على عبادة / (٢/١٣٠/ب) الثالوث، ووبخ الصابئة على عبادة الكواكب، ووبخ كفار العرب والهنود على عبادة الأصنام والأنداد، فكان أمره في ذلك مصحِّحًا لما نطق به المسيح من أنه إذا جاء ﵇ وبّخ الأمم على الخطيئة.
ومنها: أن المسيح أخبر أن هذا (الفارقليط) الآخر الآتي: "هو الذي يخبرنا بكلّ ما يأتي، ويعرفنا كلّ شيء للأب". وهذه حال محمّد رسول الله ﷺ.
فإن أبوا
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ يوحنا ١٦/٧-١٦.
[ ٢ / ٧١١ ]
ذلك فليخبرونا مَنْ هو الذي جاء مخلِّصًا (فارقليط) آخر بعد المسيح فوبخ العالم على الخطيئة. وأرشد الخلق إلى عبادة الله وطاعته، وحذرهم من عصيانه ووبال مخالفته، وعرفهم ما لله تعالى عليهم من الحقوق في أنفسهم وأموالهم، ودامت شريعته واستمرت مع الناس إلى الأبد؟!.
وقد قال المسيح في الفصل الأوّل: "إن هذا الرجل الآتي بعده يعلم الناس كلّ شيء، وأنه يدوم معهم إلى الأبد. [فليوجدوا لنا] ١ ذلك وإلاّ فليكذبوا قول المسيح هذا ويردوا٢ صحّته. فقد دار أمرهم فيه بين الإسلام أو تكذيب المسيح في خبره.
فإن رجعوا القهقرى وزعموا / (٢/١٣١/أ) أنها الألسن النارية التي يزعمون أنها نزلت من السماء على التلاميذ وانقضت ومضت.
قلنا: الويل لكم. ألم يقل المسيح: "إن هذا الفارقليط شيء واحد". فكيف يقولون: إنها عدة وجماعة نزلت؟!. وقال: "إنه يدوم إلى الأبد عندكم". فكيف تزعمون أنه أقام أيامًا قلائل ثم ذهب؟! ٣. لقد كاد الله هذه العقول وحاد بها عن سواء السبيل.
وفي هذا الفصل من كلام المسيح٤ دلالة على أن كلّ ما ينطق به محمّد ﷺ من آية مبرورة وسنة مأثورة وموعظة وأدب ونهي وطلب فهو متلقى بالقبول. إذ يقول: "إنه لا يتكلم من عنده بل بما يسمع". نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ . [سورة النجم، الآية:٣-٤] .
- البشرى الرّابعة والسّبعون:
قال المسيح فيما حكاه يوحنا التلميذ عنه: "قالت امرأة من أولاد يعقوب
_________________
(١) ١ في ص، م (فليوجدنا) والصواب ما أثبتّه. ٢ في م: وتروا. ٣ في م: (فكيف تزعمون أنهم أقاموا أيامًا قلائل ثم ذهبوا) . ٤ في ص (دالة) وصحّحته من م.
[ ٢ / ٧١٢ ]
للمسيح: يا سيد آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إنه أورشليم؟ فقال المسيح: يا هذه آمني فإنه ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم يسجدون / (٢/١٣١/ب) للأب"١.
قال المؤلِّف: وهذا القول من المسيح ﵇ تنويه بأمر الكعبة. فإن التوجه إليها على يد محمّد ﷺ نسخ ما عداها. وصار السجود لله تعالى لا في أورشليم ولا في غيرها بل إلى جهة الكعبة لا غير٢.
-[البشرى] ٣ الخامسة والسّبعون:
قال المسيح لمن حضره: "الحقّ أقول لكم إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب فيتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وتخرج بنو الملكوت إلى الظلمة البرّانية خارجًا. هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان"٤.
قال المؤلِّف: وذلك القول من المسيح تنويه بأمة محمّد إذ ليسوا من الذين خاطبهم المسيح بهذا الكلام، فهم الذين يكونون في رفقة إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَولَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا والله وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ٦٨] .
_________________
(١) ١ يوحنا ٤/١٩-٢١. وقد نقل هذه البشارة القرافي في الأجوبة الفاخرة ص ١٦٨. ٢ قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ . [سورة البقرة، الآية: ١٤٤] . ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ متى ٨/١١، ١٢، لوقا ١٣/٢٦-٣٠. ونقل هذه البشارة القرافي في الأجوبة الفاخرة ص ١٦٨، ١٦٩.
[ ٢ / ٧١٣ ]
-[البشرى] ١ السّادسة والسّبعون:
قال متى التلميذ: "سأل التلاميذ المسيح فقالوا: يا معلم لماذا تقول الكتبة إن إلياء يأتي؟ فقال ﵇: إن إلياء يأتي ويعلمكم كلّ شيء. وأقول لكم: إن إلياء قدجاء فلم يعرفوه بل فعلوا/ (٢/١٣٢/أ) به كالذي أرادوا"٢.
وقد فسروا إليا بأنه نبيّ. وقد ذكر: "إن إلياء قد أتى ولم يعرفوا قدره". فلا بدَّ من الوفاء بقول المسيح إن إلياء يأتي ويعلم الناس كلّ شيء. ولم يأتِ بعد المسيح من علَّم الناس كلّ شيء من أمر الدنيا والآخرة سوى محمّد رسول الله ﷺ.
-[البشرى] ٣ السّابعة والسّبعون:
قال يوحنا الحواري: "قال المسيح إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء"٤.
قال المؤلِّف: (الأركون) بلغته العظيم القدر. و(الأراكنة) هم العظماء. وقد قال أشعيا في وصف محمّد رسول الله ﷺ: "أركون السلام"٥. يعني: عظيم الخير والبر. وقال المسيح ﵇: "إن أركون العالم يدان"٦. يشير إلى السلطان الظالم، والإدانة هي شدّة المحاسبة. فقول المسيح: "إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء". يريد أن: (الفارقليط) الذي قدمنا ذكره يأتي ويستولي على سائر الملك وينسخ كلّ شرع فلا يبقى مع شرعه شرع معتبر ولا حكم مقرر.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ متى ١٧/١٠-١٢. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ ورد النّصّ في إنجيل يوحنا ١٤/٣٠، كالآتي: "لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء". وقد وردت البشارة في: الجواب الصّحيح ٤/٧، ١٧، هداية الحيارى ص ١١٨، ١٣١، ١٣٥، الأجوبة الفاخرة ص ١٦٩. ٥ أشعيا ٩/٦. ٦ يوحنا ١٦/١١.
[ ٢ / ٧١٤ ]
-[البشرى] ١ الثّامنة والسّبعون:
قال يحيى بن زكريا - ﵈ - لأصحابه: "إن الذي يأتي من بعدي / (٢/١٣٢/ب) هو أقوى مني وأنا لا أستحق [أحل معقد] ٢ خفه"٣.
وما ذلك إلاّ محمّد ﵇. ولا يليق أن يكون المسيح أصلًا؛ لأن المسيح جاء مع يحيى لا بعده٤. فيحيى أكبر منه بستة أشهر لا غير كما نطق به الإنجيل٥.
-[البشرى] ٦ التّاسعة والسّبعون:
قال متى التلميذ: "قال المسيح: ألم تقرؤوا أن الحجر الذي أرذله البناؤن صار رأسًا للزاوية من عند الله٧ كان هذا. وهو عجيب في أعيننا ومن أجل ذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ستؤخذ منكم وتدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرتها. ومن سقط على هذا الحجر يتشدخ. وكلّ من سقط عليه يمحقه"٨.
فليت شعري من هذه الأمة التي دفعت لها ملكوت الله فأكلت ثمرتها بعد المسيح غير أمة محمّد؟! ومَن هو هذا الذي كلّ من غزاه انشدخ، وكلّ مَن تولى هو غزوه وقتاله محقه سوى محمّد ﷺ وأمته؟!.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ في ص، م: (أجلس مقعد)، وصحّحت من نصّ الإنجيل. ٣ متى ٣/١١، مرقص ١/٧، لوقا ٣/١٦، يوحنا ١/٢٦، ٢٧. وقد وردت البشارة في: النصيحة الإيمانية ص ١٨٥-١٨٧، محمّد ﷺ ص ١٦٦، ١٨٥، عبد الأحد داود، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٠. ٤ في م: زاد (و) . ٥ إنجيل لوقا الإصحاح الأوّل. ٦ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٧ ورد النّصّ الذي استشهد به المسيح في مزمور ١١٨/٢٢، ٢٣. ٨ متى ٢١/٣٤-٤٦، وقد وردت البشارة في: الجواب الصحيح ٤/٧، وهداية الحيارى ص: ١١٨، ١١٩، ١٣٢، وإظهار الحقّ ص ٥٣٥، ٥٣٦، محمّد ﷺ ص ٧٣، إبراهيم خليل، مقامع هامات ص ١٣٢، الأعلام ص ٢٧٢، الأجوبة الفاخرة ص ١٧٠.
[ ٢ / ٧١٥ ]
فإن زعم النصارى أنه عني بالحجر نفسه.
قلنا لهم: ما هكذا أخبرتمونا عنه، بل الذي حكيتم لنا أن شرذمة من اليهود وقعوا / (٢/١٣٣/أ) عليه فمحقوه وقتلوه وصلبوه. وهذا شيء لم نسمعه إلاّ منكم ولا نُقل إلينا إلاّ عنكم.
وإذا قلتم: إن أراذل اليهود ظهروا عليه وشدخوه بطل قولكم إن المسيح عني بالمثل نفسه. فإن أبيتم إلاّ أن يكون المسيح هو رأس الزاوية فقد أكذبتم نفوسكم في القتل والصلب والإهانة؛ لأن الرأس من الناس١. والرئيس منهم هو الذي يرتفع ويجل عن امتداد يد الهوان إليه. فإن ثبتم على دعوى القتل والصلب والإهانة تعيّن صرف المثل المذكور إلى من جاء بعد المسيح، ولم يأتِ بعده مَن صيّره الله رأسًا للعالم وأوتيت أمته ثمرة الملكوت سوى محمّد وأمته.
وقد أخبر المسيح ﵇ بأن اليهود والنصارى يسلبون الملك والرئاسة ويصير ذلك إلى المسلمين إذ يقول: "إن ملكوت الله ستؤخذ منكم وتدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرتها". والمسيح ﵇ صادق في قوله محقّ في خبره. ولم يأتِ بعد أمة المسيح مَن صار الملك والرئاسة والشريعة القائمة والكلمة القاهرة سوى هذه الأمة / (٢/١٣٣/ب) العربية التي بها الأنبياء قبل المسيح كما قدمناه٢. فهذا ما بقي في الإنجيل من البشرى برسول الله ﷺ مما حماه الله عن أيدي الأعادي.
_________________
(١) ١ في م: (هو) . ٢ قال ابن القيم: "وتأمل قوله في البشارة: (ألم تر إلى الحجر الذي أخره البناؤن صار رأسًا للزاوية؟!) كيف تجده مطابقًا لقول النبيّ ﷺ: (ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأتمها إلاّ موضع لبنة منها، فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلا وضعت تلك اللبنة؟ فكنت أنا تلك اللبنة") .
[ ٢ / ٧١٦ ]
- البشرى الثّمانون:
قال يوحنا التلميذ في كتاب رسائل التلاميذ المسمّى فراكسيس: "يا أحبائي إيّاكم أن تؤمنوا بكلّ روح، ميّزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها. واعلموا أن كلّ روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء وكان جسدانيًا فهي من عند الله. وكلّ روح لا تؤمن بأن يسوع المسيح، وكان جسدانيًا فليست من عند الله. بل من المسيح الكذاب الذي سمعتم به وهو الآن في العالم"١.
فقد شهد الحواري بأن محمّد من عند الله؛ لأن محمّد قد آمن أن المسيح قد جاء وكان جسدانيًا. فأما اليهود فلم يؤمنوا بالمسيح ولا كثير من أهل ذلك الزمان. واليهود إلى الآن في انتظار مسيح آخر. ولا مسيح يأتي سوى المسيح الدجّال الكذاب الذي حذرت منه الأنبياء - ﵈ -. فهذا الحواري يوحنا قد شهد / (٢/١٣٤/أ) بصدق محمّد وأمته، وأن اعتقادهم في المسيح هو الاعتقاد الحقّ، وقد أكذب النصارى بقوله هذا في دعوى ربوبية المسيح. إذ فرَّق في قوله بين الله وبين الميسح. وشهد أن الله غيره وأنه غير الله.
-[البشرى] ٢ [الحادية] ٣ والثّمانون:
قال شمعون الصفا رئيس الحواريين في كتاب فراكسيس: "إنه قد حان أن يبتدأ الحكم من بيت الله ابتداء"٤. فبيت الله الذي ذكره الحواري هو الكعبة شرّفها الله. ومنها كان ابتداء الحكم الجديد. ولا يحسن تنْزيل هذا الكلام على
_________________
(١) ١ رسالة يوحنا الأولى ٤/١-٣. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٥، الجواب الصّحيح ٤/٧-٨، وهداية الحيارى ص ١٣٥، الأجوبة الفاخرة ص ١٨٢. ٢ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٣ في ص، م (الأحد) والصواب ما أثبتّه. ٤ رسالة بطرس الأولى ٤/١٧. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٦، الجواب الصّحيح ٤/٨.
[ ٢ / ٧١٧ ]
بيت المقدس؛ لأن حكم ذاك كان مستمرًا عند صدور هذا الكلام من شمعون. ولا يليق إلاّ بشرع جديد ولا يقال فيما كان مستمرًا إنه قد حان أن يبتدأ.
-[البشرى] ١ الثّانية والثّمانون:
قال فولس الذي يسمونه فولس الرسول في رسالة من رسائله وهي الرّابعة إلى بعض إخوانه: "إنه كان لإبراهيم ابنان أحدهما من أَمَةٍ والآخر من حرة، فأما ابن الأمة فكان مولده كمولد سائر البشر، وأما ابن الحرة فإنه ولد بالعِدَةِ / (٢/١٣٤/ب) من الله وهما شبيهان بالناموسين والغرضين. أما هاجر فشبيهة بجبل سيناء الذي في بلاد أرابيا٢ الذي هو نظير أورشليم هذه. وأما سارة فهي نظير أورشليم التي في السماء"٣. فقد أفاد قول فولس هذا أمورًا:
منها: أن إسماعيل وأمه هاجر قد كانا أوطنا أرض العرب (أرابيا)، لأن عجمة فولس العرب (الأرب) . فنقل العين همزة.
ومنها: أن جبل سيناء٤ متّصل بوادي العرب التي هي أرابيا. وهو الذي قالت التوراة: "جاء الله من سيناء"٥.
ومنها: أن بيت مكّة نظير بيت المقدس بشهادة فولس.
ومنها: أن كلا الولدين صاحب ناموس وشريعة وأحكام وفرائض. وقد تعصب فولس هذا على إسماعيل وأمه في موضعين من هذا الكلام وهما قوله: "إن إسماعيل مولده كمولد سائر البشر". و"تشبيه هاجر بالكعبة التي في الحجاز، وسارة بالكعبة التي في السماء". وقد غلط فولس فيهما جميعًا.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتها في م. ٢ في م: (أربيا) . ٣ رسالة بولس إلى غلاطية ٤/٢٢-٢٦. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٨٧. ٤ في م: تتصل. ٥ تكوين ٢١/٢١.
[ ٢ / ٧١٨ ]
أما قوله: "إسماعيل لم يولد بِعدَة من الله تعالى"، فليس الأمر كما ذكر / (٢/١٣٥/أ) بل ما ولد إسماعيل إلاّ بعد أن مَنَّ الله على ما بينته من التوراة.
أما قوله:"إن هاجر شبيهة بسيناء". فَمِنْ غَلَطِه أيضًا وسوء استنباطه واستخراجه، وذلك أن هذا التشبيه الذي صار إليه ليس منصوصًا عليه لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في شيء من النبوات ألبتة ولم يتقدم إلى القول به أحد من الحواريين. فلم بثق١ الإنجيل فولس هذا: "إن الحرة في المجلة أفضل من الأمة؟! ". فشبّه الأمة ببيت الله في الأرض، وشَبَّه الحرة ببيت له في السماء استحسانًا لذلك بعقله. وذلك شيء لا اعتبار له ولا تعويل عليه. وتحكيم العقل في كلّ مورد ومصدر جهل وخرق من فاعله. فالفاضل في الحقيقة من كان عند الله فاضلًا أو شهدت له نبوة نبي بالفضل. وقد اعتبرنا - رحمك الله - شهادات التوراة والنبوات والأناجيل الأربعة فَلَم نجد لما ذكره هذا الرجل من تفضيل ساره وابنها على هاجر وابنها [أصلًا] ٢ يتمسك به، بل قد وجدنا التوراة خاصة تشير إلى تفضيل هاجر وابنها وذلك في عدة مواضع: / (٢/١٣٥/ب) .
منها: أَنّا وجدنا التوراة تنطق صريحًا أن الله ارتضى هاجر لبكر٣ إبراهيم، ورأينا التوراة فضلت البكر من الأولاد في الميراث وحسن الثناء فجعلت للبكر سهمين من الميراث ولمن سواه سهمًا واحدًا٤. وقالت في حقّ بعضهم: "ابني بكري أرسله يعبدني"٥. فمن ولدت البكر لإبراهيم أفضل ممن لم تلده لأن الشجرة إنما يعرف فضلها من ثمرتها وقد أثمرت هاجر بكرًا طيبًا.
_________________
(١) ١ أي: كسر ونقص. (ر: القاموس ص ١١١٨) . ٢ في ص، م (أصل) والصواب ما أثبتّه. ٣ تكوين ١٥/٢-٥، ١٦/١٥، ١٦. ٤ تثنية ٢١/١٧. ٥ خروج ٤/٢٢، ٢٣.
[ ٢ / ٧١٩ ]
ومنها: أن الله تعالى قال لإبراهيم: "دع أَمَتَك وابنك ولا يهمنك أمرهما"١. وتكفل الله بهما وتولاهما وإنما يتولى الله الصالحين من عباده. فتسلمهما سبحانه من يد إبراهيم خليله وكان خير كافل لهما.
ومنها: ظهور الملك لهاجر ومكالمتها من غير حجاب ورأفته بها وقوله لها: "شدي يديك بهذا الصبي، فإن الله تعالى قد سمع تضرعك وأن ولدك هذا يعظمه الله جِدًّا جدًّا"٢. وهذا لم يتفق لسارة أصلًا.
ومنها: تفجير الله لها عين ماء من أرض صلد وبرية معطشة موحشة كلّ / (٢/١٣٦/أ) ذلك قد شهدت به التوراة. فمن رام غضًّا من هاجر وابنها من اليهود والنصارى فقد أزرى على نفسه وكشف عورته بيده وأبان عن جهله بالتوراة والنبوات.
ومنها: جعل بيتها ومسكنها وضريحها بيتًا مقدسًا محجوجًا إليه٣
تُعفِّر الملوك والأكابر جباهها بترابه ويطوفون به كما يطوف بعرش الرحمن، لا مندوحة لمن استطاع إليه سبيلًا عن إتيانه وحجه.
ومنها: سلامة نسلها من المسخ فلم يمسخ أحد من أولاده هاجر قردة ولا خنازير، ولم يلعن صريحًا كما لعن بنو إسرائيل على لسان موسى وأشعيا وداود وعيسى بن مريم في نبواتهم وصحفهم على ما تشهد به التوراة وكتب الأنبياء.
_________________
(١) ١ تكوين ٢١/١٢-١٤. وقد ذكره المؤلِّف بالمعنى. ٢ تكوين ٢١/١٧، ١٨. ٣ لعله سبق قلم من المؤلِّف. فهذا تعبير غير لائق يخالف العقيدة الصحيحة. فإن الله عزوجل قد جعل مكّة حرمًا مقدسًا منذ خلق السماء والأرض كما ثبت ذلك في الصحيحين. ولم يرد في حديث مرفوع أو أثر صحيح أن هاجر أو إسماعيل أو غيره من الأنبياء دفنوا في المسجد الحرام كما أن ذلك يخالف نهي النبي ﷺ عن اتّخاذ القبور مساجد. (ر: تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد، للألباني) .
[ ٢ / ٧٢٠ ]
ومنها: تنبؤ الأنبياء﵈عليها وعلى نسلها وموضع سكنها وشهادتهم بدوام مملكتهم وقيام شريعتهم ولزوم أحكامهم إلى قيام القيامة [فليوجد لنا] ١ فولس هذا المتعصب على أبوينا [اللذين] ٢ كانا في كفالة الله واحدًا من هذه الفضائل لمن تعصب له. ﴿وَأّنَّ الفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَالله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ . [سورة الحديد، الآية: ٢٩] . (٢/١٣٦/ب) .
-[البشري] ٣ الثّالثة والثّمانون:
قال موسى في السفر الأوّل من التوراة: "قال إبراهبم: يا ربّ ها أنا ميّت وليس لي ولد وإنما يرثني غلامي اليعازر الدمشقي. فقال الله: كلا لا يرثك هذا بل ابنك الذي يخرج من صلبك هو الذي يرثك، فاخرج انظر إلى نجوم السماء فإن كنت محصيها فإنك ستحصي ولدك أيضًا"٤. وما نعلم الآن من طبق الأرض وملأ أكناف الدنيا من ولد إبراهيم سوى ولد إسماعيل، فأما اليهود من ولد إسحاق فهم خول وذمة لبني إسماعيل في سائر الأرض كلها، وإنما ورد ذلك مورد الامتنان والإنعام على إبراهيم، ولم يكن الله تعالى ليمتن على خليله بالأولاد الدبري المسموخين قردة وخنازير وعباد العجول.
وأما النصارى من ولد إسحاق فمشردون شَرَّدهم بنو إسماعيل خلف منقطع البحور وفي أطراف مغرب الأرض. فهذه نبوة ظاهرة وآية قاهرة لا يقدر مخالف على جحدها وردها.
_________________
(١) ١ في ص، م (فليوجدنا) والصواب ما أثبتّه. ٢ في ص، م (الذين) والصواب ما أثبتّه. ٣ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٤ تكوين ١٥/٢-٦. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٣٣، ١٣٤، ومحمّد ﷺ ص ٥٦، عبد الأحد داود.
[ ٢ / ٧٢١ ]
-[البشرى] ١ الرّابعة والثّمانون:
وفي هذا السفر الأوّل من التوراة قال موسى ﵇: "فلما أصبح إبراهيم أخرج هاجر وولدها إسماعيل ودفع لها زادا ومزادا. وانتهى في أمرهما إلى ما أمره به ربّه تعالى. فحملت الصبيّ على كتفها وشخصت / (٢/١٣٧/أ) فوصلت إلى برية سبع فنفذ ماؤها، فوضعت الصبي تحت شجرة شيح إذ سمع الله صوت الصبي فنادى مَلَك الله هاجر من السماء فقال: ما بالك يا هاجر ليفرج كربك وروعك فقد سمع الله صوت الصبي قومي فاحمليه وتمسكي به، فإن الله جاعله لأمة عظيمة ومعظمة جِدًّا جدًّا. وأن الله فتح عينيها فرأت بئر ماء فدنت وملأت المزادة وشربت وسقت الصبي. وكان الله معها ومع الصبي حتى تربَّى. وكان مسكنه في بريقة فاران"٢.
فهذه أربع وثمانون بشارة عن الأنبياء وأتباع الأنبياء. وقد تضمنتها كتب الله المنَزَّلة من لدن إبراهيم الخليل إلى أتباع المسيح منوّهة باسم محمّد صريحًا واسم أرضه التي يخرج منها وبلده التي نشأ بها. مصرحة بتعظيم شأنه وتفخيم أمره. شاهدة بأنه ﵇ خاتم الأنبياء وأنه حبيب الله وروحه ومختاره من عباده. مُعَرِّفة العباد / (٢/١٣٧/ب) بعظم خطره عند الله وزلفته لديه، وأن دينه خير الأديان وشريعته خير شريعة. وملته أفضل ملة. وأمته أصدق أمة. وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع وأنها لا تنسخ بل تبقى ما بقيت الدنيا٣.
قال المؤلِّف: وإنما نقلت قليلًا من كثير. ويسيرًا من خطير، ولو استوعبت جميع ما في كتب الله من الإشارة بذكر المصطفى ﷺ وذكر أمته لأطلت الكتاب وخرجت إلى حد الإسهاب. فهذا القسم الأوّل من هذا الباب. والله الموفّق.
_________________
(١) ١ ليست في ص، وأثبتّها من م. ٢ تكوين ٢١/١٤-٢١. وقد وردت البشارة في: الدين والدولة ص ١٣٢، ١٣٣. ٣ قال القرافي: "فإن قالوا: كيف تتمسكون بهذه الكتب - وهي غير صحيحة عندكم؟! - قلنا: نبوة نبيّنا ﵇ ثابتة بالمعجزات غنية عن هذه الكتب. وإنما نذكر ما فيها من الدلالة على نبوته ﵇ إلزامًا لأهل الكتاب الذين يعتقدون صحتها - وهي مثل جميع كتبهم في الصحّة - فإن كان يحسن الاستدلال بها تَمَّ مقصودنا. وإن كانت لا يحسن بها الاستدلال بطل جميع ما بيد أهل الكتاب - لأن جميعه مثلها -. وكيف يسع أهل الكتاب أن يعتقدوا صحّة هذه الكتب ولا يقبلوا ما فيها من الدلالة على محمّد ﵇ المواصل فصل حدّ القطع من كثرتها؟! وإنما عميت منهم البصائر وحنثت السرائر، فلا يجد الحقّ في قلوبهم محلًا، ولأسماع التذكر أهلًا". اهـ. (ر: الأجوبة الفاخرة ص ١٨٣) .
[ ٢ / ٧٢٢ ]
القسم الثّاني منه: في آيات رسول الله ﷺ وإثبات معجزاته الباهرة للعقول الخارقة للعادة:
واعلم أنه قد كان في الأنبياء - ﵈ - من له الآية والنبوة معًا مثل: موسى والمسيح وقد ذهبت آياتهما بذهابهم. فلم يبقَ في أيدي الناس منها إلاّ ذكرها. ومنهم من كانت له آية وليست له نبوة مذكورة مثل اليسع فإنه أحيا ميتًا في حياته وميتًا بعد وفاته ولم ينقل عنه أنه تنبأ نبوة ألبتة.
ومنهم من كانت له نبوة١ / (٢/١٣٣/أ) ولم يكن له آية مثل حزقيال النبي ويوشاع٢. ومنهم من لم تكن له٣ آية ولا نبوة وهو معدود في الأنبياء مثل مالاخي٤ وناحوم٥.
_________________
(١) ١ المراد بالنبوة هنا: الإخبار بما يستقبل من الحوادث. ٢ يعني: هوشع. قد تقدمت ترجمته. ر: ص: ٦٨٧. ٣ ليست في (م) . ٤ ملاخي: اسم عبري معناه (رسولي) وهو عند أهل الكتاب آخر الأنبياء في العهد القديم. ويلقب بـ: (الختم) . لأن نبوته كانت ختامًا لذلك العهد. ولا يعرف شيء عن سيرته وزمنه إلاّ عن طريق التخمين والاستنباط من السفر المنسوب إليه باسمه وعدد إصحاحاته (٤) إصحاحات. (ر: قاموس ص ٦١٣، ٦١٤) . ٥ ناحوم: اسم عبري معناه: (معز) . ويعتبرونه أحد الأنبياء الاثني عشر الصغار، ويعتقد أنه كان ممن سبوا إلى بابل. ولا يعرف شيء عن سيرته وزمنه. وينسب إليه سفر باسمه، عدد إصحاحاته (٣) إصحاحات. (ر: قاموس ص ٩٤٤) .
[ ٢ / ٧٢٣ ]
وقد أثبت أهل الكتاب نبوة جماعة من النسوان مثل مريم١ وحنة٢ وخلدى واستار ورفقًا ولم يكن لواحدة منهن كتاب ولا آية وهن [معدودات] ٣ في زمرة الأنبياء عندهم.
فأما سيّدنا محمّد ﷺ فقد جمع الله له النبوة والآية والتنبؤ. فتنبأ به الأنبياء وأخبروا بمجيئه قبل كونه على ما تقدم في القسم الأوّل من هذا الباب. وأما النبوة فأخبر ﷺ بذلك وأنبأ وعَرَّف بأشياء كثيرة من المغيّبات التي لا يتصور الوقوف على علمها إلاّ بتوقيف٤ من الله وإنباء منه سبحانه وكان ذلك يصدر منه على أنواع:
فمنه: ما أخبر به ﷺ مما وقع واتّفق وسلم في الأزمان الماضية والعصور المتفرقة من عظائم الأمور ومهام الخطوب من مبتدأ خلق الله العالم إلى قيام القيامة؛ فذكر شأن / (٢/١٣٨/ب) آدم وحواء وشأن مشاهير بني آدم مثل: شيث وإدريس ونوح وإبراهيم والأسباط٥ ويوسف وموسى والمسيح وسرد قصصهم ومجرياتهم، وذكر مشاهير سير الملوك والجبابرة والفراعنة وما اتّفق للأنبياء والأصفياء معهم. هذا مع القطع بأميته ﵊، وأنه كان عربيًا لا
_________________
(١) ١ مريم أخت موسى ﵇. وتقدمت ترجمتها. ٢ حنة: بنت فنوئيل. يعتقدون أنها نبية. وكانت أرملة. وعمرت إلى سن (٨٤) سنة. وكانت لا تفارق الهيكل ليلًا ونهارًا. ويزعم النصارى أنها عرفت المسيح وهو طفل وأعلنت أنه هو: (المسيا) أي: المسيح المنتظر. (ر: لوقا ٢/٣٦-٣٨، قاموس ص٣٢٤) . ٣ في ص، م (معدودة) والصواب ما أثبتّه. ٤ في م: بتوفيق. ٥ الأسباط: بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا. ولد كلّ رجل منهم أمة من الناس. فسمّوا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم جماعة. وقيل: أصله من السبط بالتحريك وهو الشجر أي: في الكثرة بمنْزلة الشجرة الواحدة سبطة. (ر: تفسير ابن كثير ١/١٩٣، المفردات ص ٢٢٢ للأصفهاني) .
[ ٢ / ٧٢٤ ]
يحسن الخط ولا قرأ ولا سمع كتابًا١ قط. بل إنما نشأ بأرض قفار بين أجبل وسياسب٢ منقطعة الأطراف عن العمران فوافق خبره ما في صحف الأوّلين لم يخرم منه حرفًا.
ومنه: ما أخبر به أصحابه وحوارييه وأهل بيته فوقع في زمانه واتّفق في أيامه، ومن أخبر إنسانًا في نفسه ممالم يلفظ به لم يمتر في أنه صادق محقّ.
ومنه: ما أخبر به مما٣ سيقع بعد موته بزمان فوقع كما أخبر ﵇ ولم يغادر منه [حرفًا واحدًا] ٤. وذلك مودع في كتابه الذي جاء به من عند الله وفي سنته الصادقة التي نقلها إلينا نقلة هذا الكتاب. فلو تطرق التشكيك إليها لتطرق إلى الكتاب العزيز. وقد ثبت نقل الكتاب بأقوالهم وصحّ. فكذلك ثبتت (٢/١٣٩/أ) السنة بأقوالهم أيضًا والحكم فيهما واحد من حيث لزوم العمل. قال ﵊: "أوتيت القرآن ومثله معه"٥.
ولو قال قائل من اليهود والنصارى لعلّ أصحاب هذا النبيّ تمالؤوا على دعوى هذه المغيّبات والآيات لنبيّهم وقيَّدوها في كتابه وسننه ترويجًا وإفكًا
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ . [سورة العنكبوت، الآية: ٤٨] . ٢ أي: الوديان. ٣ ليست في (ص) والزيادة من (م) . ٤ في ص، م (حرف واحد) والصواب ما أثبتّه. ٥ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/١٣١، وأبو داود ٤/٢٠٠، والآجري في الشريعة ص ٥١، وابن عبد البر في التمهيد ١/١٥٠، كلّهم من طريق حريز بن عثمان عن عبد الحكم بن أبي عوف عن المقدام بن معديكرب ﵁ عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: ، فذكره في سياق كويل. قلت: إسناده صحيح. فإن حريز بن عثمان وعبد الرحمن بن أبي عوف ثقتان. والله أعلم. (ر: التقريب ١/١٥٩، ٤٩٤) .
[ ٢ / ٧٢٥ ]
لقوبلوا١ بمثل ذلك فيمن [ينتمون] ٢ إليه. فما أجابوا به عن أنفسهم كان جوابًا مِنَّا لهم. وكلّ سؤال انقلب على سائله سقط جوابه عن المسؤول. فهذا ما يتعلق بإنبائه عن الغيب الذي لا يدخل تحت مقدرة البشر.
وأما آياته ﵊ وخوارقه ومعجزاته فكثيرة جِدًّا. وقد صنف العلماء وأرباب السير فيها التصانيف الكثيرة٣. ونحن نقتصر في هذا المختصر
_________________
(١) ١ في م: لتقولوا. ٢ في ص، م (ينتموا) والصواب ما أثبتّه. ٣ للعلماء في تقسيم الآيات والبراهين الدالة على نبوة محمّد صلى الله عليه عدة اعتبارات: - فمنهم من قسمها باعتبار المدركين لها إلى حسية ومعنوية. (ر: البداية ٦/٧٦، لابن كثير) . - ومنهم من قسمها باعتبار سندها إلى متواترة وغير متواترة. (ر: الشفا ١/٤٩٣-٤٩٥، للقاضي عياض، وشرح الزرقاني على المواهب ٥/٨١) . - ومنهم من قسمها باعتبار زمنها إلى منقرضة وباقية. (ر: الجواب الصّحيح ٤/٧٠، لابن تيمية، الجامع لأحكام القرآن ١/٧٢، للقرطبي) . - ومنهم من قسمها باعتبار التحدي إلى مُتحدّي بها وغير متحدي بها. (ر: السيرة الحلبية ٣/٢٧٨ للحلبي) . وأوضح هذه التقسيمات وأيسرها التقسيم الأوّل - وهو للإمام ابن كثير -. لأنه ينصب على المعجزة نفسها. وتفصيل ذلك كالآتي المعجزات المعنوية: ومنها: القرآن الكريم، وأخلاق النبي صلى الله عليه وسيرته الشريفة، وسيرة أصحابه - ﵃ -. أما المعجزات الحسية فتنقسم إلى قسمين هما:
(٢) المعجزات السماوية (أي: المتعلقة بالسماء وما فيها) مثل: انشقاق القمر، الاستسقاء والاستصحاء والإسراء والمعراج، احتباس الشمس حتى تصل عير قريش بعد الإسراء والمعراج.
(٣) المعجزات الأرضية: وهي: متنوعة فمنها: ما هو متعلق بالإنسان كتفله صلى الله عليه على الجروح والأمراض وشفائها. ومنها ما هو متعلق بالحيوان كسجود البعير له صلى الله عليه وشكوى البعير له وشهادة الضب له صلى الله عليه. ومنها ما هو متعلق بالنبات كتسليم الشجر عليه وإجابة دعوته صلى الله عليه. ومنها ما هو متعلق بالجمادات كتسليم الحجر عليه ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه. ومنها إجابه دعائه صلى الله عليه كدعائه للصحابة واستجابة دعائه فيهم. ومنها إخباره صلى الله عليه بالمغيّبات التي تحقق وقوع بعضها وينتظر تحقق البعض الآخر. ومنها حمايتهصلى الله عليهمن الأعداء. (ر: البداية والنهاية٦/٧٦-٢٩٠) . أما مصنفات العلماء في دلائل النبوة فهي كثيرة جِدًّا من أبرزها: دلائل النبوة لابن منده، ولأبي نعيم والبيهقي والشافا للقاضي عياض وغيره ذلك. (ر: للتوسع في معرفة الكتب المؤلف في هذا الفن كتاب: (معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه للمنجد) .
[ ٢ / ٧٢٦ ]
منها على لُمْعة [بها] ١ يحصل الغرض والمعونة من الله سبحانه٢.
١- معجزة: قد اشتهر عند أهل التواتر أن محمّدًا ﷺ كان أمّيًّا عربيًّا ناشئًا بأرض لا علوم بها ولا معارف ولا كتب تتضمن معرفة أخبار / (٢/١٢٩/ب) المتقدمين يعرفون ذلك من حاله ضرورة. فلم يفجأهم٣ أن تلي عليهم كتابًا من الله فيه مائة وأربع عشر سورة٤. وقال لهم: هذه آية صدقي وإن مَن جاء منكم بمثل هذا الكتاب أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة من مثله فلست صادقًا في أن الله أرسلني إليكم. فأجمعوا ولم يقدموا وأصمتوا ولم يتكلموا. هذا مع تقريعهم وعيب آلهتهم وانتقاص أوثانهم وأصنامهم وتسفيه
_________________
(١) ١ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٢ قد اعتمد المؤلِّف في القسم الثاني من الباب العاشر على كتاب: (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض. وخاصة فيما يتعلق بذكر معجزات النبي صلى الله عليه. وقد كان المؤلِّف ينقل من كتاب الشفا نقلًا حرفيًا في معظم ما ينقله. وأحيانًا يختصر النّصّ ويكتفي بذكر أمثلة على مواطن الاستشهاد أو يذكره بالمعنى. ولذلك سنعتمد على كتاب (الشفا) كنسخة ثالثة للكتاب ونبيّن مواطن الخلاف أو الخطأ التي حدثت بفعل النسخ إن شاء الله تعالى. ٣ في م: يعجاهم. ٤ وقيل: مائة وثلاث عشرة سورة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة فأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف ومائتا آية. واختلفوا فيما زاد على ذلك. وأما كلماته فسبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة. وأما حروفه فثلاثمائة ألف وأربعون ألفًا وسبعمائة وأربعون حرفًا. وقيل: ثلاثة وعشرون ألفًا وخمسة عشر حرفًا. وقيل: واجد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفًا. (ر: مقدمة تفسير ابن كثير ١/٨، مباحث في علوم القرآن ص ١٤٦، مناع القطان) .
[ ٢ / ٧٢٧ ]
أخلاقهم وإظهار تعجيزهم على رؤوس الملأ نيفًا وعشرين سنة بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . [سورة الإسراء، الآية:٨٨] .وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُم صَادِقِينَ﴾ . [سورة هود، الآية:١٣] .
فأخبر أنهم [لا يقدرون] على ذلك ولا [يفعلونه] أبدًا فكان كما جزم وحَتّم. وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ ١. فكلما زادهم تقريعًا ازدادوا خضوعًا. هذا وَهُمْ أهل البراعة في النظم والنثر والخطب يرتجلون ذلك ارتجالًا، ويتنافسون فيه تنافسًا ويتناقشون عليه مناقشة. فما عدلوا إلى الحرب إلاّ والذي دُعوا إليه من المعارضة أشقّ عليهم وأصعب.
فمن وجوه إعجازه: حسن تأليفه، ورقة ترصيفه وفصاحته وبلاغته الخارقة لعادة / (٢/١٤٠/أ) أهل البيان حتى قال البلغاء منهم حين سمعوه: إن هذا إلاّ سحر مبين٢. ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون الماضية
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [سورة يونس، الآية: ٣٨] . ٢ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . [سورة سبأ، الآية:٤٣] . والذي سوّل لهم القول بذلك هو الوليد بن المغيرة الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه فسمع منه القرآن الكريم ثم رجع إلى قريش فقال لهم: فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته. فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره. فنَزل قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ . [سورة المدثر، الآية: ١١] . (أخرجه ابن جرير في تفسيره٢٩/١٥٦، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/٥٠٧، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وبنحوه أخرجه ابن إسحاق) . (ر: السيرة ١/٣٣٤، ٣٣٥)، وأبو نعيم في الدلائل ص ٢٣٢-٢٣٥) .
[ ٢ / ٧٢٨ ]
[التي يضعف] ١ في عادة الفصحاء عندها الكلام ويذهب ماء البيان -آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض. والتئام سرده، وتناسب وجوهه مع نظمه العجيب وأسلوبه الغريب المباين لأساليب كلام الفصحاء ومناهج نثرها ونظمها.
ومن وجوه إعجازه: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيّبات مما لم يكن فوقع على الوجه الذي أخبر به كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ ٢. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ ٤. وكقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ ﴾ . [سورة النصر، الآية: ١] . إلى آخرها. فدخل الناس في دين الله أفواجًا ودخلوا المسجد الحرام آمنين كما قال ﵇، واستخلف الله أصحابه وأمته في الأرض. ومكَّن لهم دينهم وملَّكهم من أقصى الشرق / (٢/١٤٠/ب) إلى أقصى الغرب حتى دوَّخوا البلاد وملؤوا أقطار العالم. كما قال ﵇: "زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها. وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي
_________________
(١) ١ في ص، م (الذين تضعف) والصواب ما أثبتّه. ٢ قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ . [سورة الفتح، الآية: ٢٧] . وقد كان هذا في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة. (ر: تفسير ابن كثير ٤/٢١٥) . ٣ ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ٣٣، سورة الصّف الآية: ٩] . ٤ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . [سورة النور، الآية: ٥٥] .
[ ٢ / ٧٢٩ ]
منها"١. وتلى عليهم ذلك وأخبرهم به وهم في حالة لا يستطيع أحدهم أن يذهب لقضاء الحاجة فكان كما أخبر ﷺ.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . [سورة الحجر، الآية:٩] . فهو محفوظ من تغيير الأعداء والمخالفين وتبديلهم إلى قيام الساعة. هذا مع اشتماله على هتك أستارهم وإبداء عوارهم. وأنَّى يقدرون ويستطيعون إضاعة ما تكفل الله بحفظه!.
ومن وجوه إعجازه: ما اشتمل عليه من تقريع اليهود والنصارى والمنافقين بما اشتملت عليه كتبهم وصحفهم بتكذيب من كذبوا من الرسل وقتل من قتلوا من الأنبياء٢ وعبادتهم العجل وعزيرًا والمسيح وأمه. فلا جرم أن كثيرًا منهم لما عرف ذلك وأدركته السعادة وساعده التوفيق أسلم من فوره وصدق نبوته وآمن برسالته فسعد في دنياه وأخراه. ومنهم من غلبت عليه شقاوته وأدركته النفاسة٣ وخشي أن يستلب الرئاسة فاستمر على غيه وانهمك في بغيه حتى هلك / (٢/١٤١/أ) وسكن من الجحيم في أسفل درك. ثم هو فيما اشتمل عليه من توحيد الباري وتنْزيهه وتقديسه وتحميده وتمجيده وتسبيحه وتهليله وترغيبه وترهيبه، ووصف الباري تعالى بسعة الرحمة والمغفرة والرضوان والحلم والصفح، وما أعدّ لعباده من البر والنعم وإكرام النّزل إن صاروا إليه - آية من الآيات يعرفها ويقر بها وقف على ذلك وقابل به ما اشتملت عليه الكتب المقدمة والصحف
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢٢١٥، ٢٢١٦، وأبو داود ٤/٩٧، والترمذي ٤/٤١٠، وأحمد ٥/٢٧٨، عن ثوبان ﵁. ٢ قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . [سورة النساء، الآية: ١٥٥] . ٣ النّفاسة: الحسد. ونفس عليه الشيء نفاسة: لم يره أهلًا له. (ر: القاموس ص ٧٤٥) .
[ ٢ / ٧٣٠ ]
المتقدمة والصحف الدَّارسِة كما بيّناه فيما مضى من هذا المختصر١. فلو لم يأتِ رسول الله ﷺ بآية وخارق سوى سورة واحدة من هذا الكتاب العزيز لاستقلت ونهضت بإثبات النبوة٢. فكيف وقد أتى ﵇ بخوارق عظام وآيات طوام؟!.
_________________
(١) ١ إن هذه النتيجة الحتمية التي يتوصل إليها كلّ منصف عاقل يقارن بين مضامين القرآن الكريم - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - وبين التوراة وكتب الأنبياء السابقين والأناجيل المحرفة، حيث إن دليل تحريف التوراة والأناجيل ثابت في مضامينها كما أن دليل تصديق القرآن الكريم ثابت في مضمونه بما احتواه من الكمال في المعارف والأخلاق والأحكام. وقد ذكر نتيجة هذه المقارنة عدد من العلماء منهم: أبو الحسن العامري في كتابه: الإعلام بمناقب الإسلام ص ١٣٢، ١٣٣، والمهتدي نصر بن يحيى المتطبب في النصيحة الإيمانية ص ٣٣١-٣٤٢، والإمام ابن تيمية في الجواب الصّحيح ٤/٧٨، ٧٩، والمهتدي موريس بوكاي في كتابه: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص ٢٨٤-٢٨٦. ٢ اعلم أن القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه ولا تحصى إعجازاته مع كرة بحث العلماء في كل دهر وشدّة فحصهم عنها في كلّ عصر ومصر. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . وقد أفرد علماؤنا تصانيف عديدة في أوجه إعجاز القرآن الكريم، ومنهم: الخطابي، وله: (إعجاز القرآن) . والرماني وله: (النكت في إعجاز القرآن) . والباقلاني وله: (إعجاز القرآن) . والسيوطي وله: (معترك الأقران في إعجاز القرآن) . وفي ذلك يقول د. حسن عتر في: (بينات المعجزة الخالدة ص ٢٢٥): وقد تتابع فحول العلماء قديمًا وحديثًا على استقراء أوجه الإعجاز في كتاب الله تعالى. فمنهم المكثرون ومنهم المقلون. فعد القرطبي عشرة أوجه. والرماني سبعة أوجه. وعدها القاضي عياض أربعة. وعدها الباقلاني ثلاثة. فصّل أحدها في عشرة أمور. وترى الأوجه عند بعض العلماء على جانب من التداخل أو التكرار بينما يذكر بعضهم جانبًا من الأوجه ويغفل بعضها الآخر". اهـ. (ر: للتوسع في أوجه الإعجاز: أعلام النبوة ص ٩٧-١٢٥، للماوردي. البرهان في علوم القرآن ٢/٩٣-١٠٦، للزركشي. الداعي إلى الإسلام ص ٣٩٣-٤٣١، للأنباري النحوي، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١/٥٠٠-٥٤٢، للقاضي عياض. البداية والنهاية ٦/٧٦-٨١، لابن كثير. إظهار الحقّ ص ٣٦٧-٤١٢، لرحمة الله الهندي، التبيان في علوم القرآن ص ٨٥-١٥٢، محمّد الصابوني. أما الإعجاز العلمي في القرآن فيراجع: العلوم الطبيعية في القرآن - د. يوسف مروة. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة - د. موريس بوكاي. ظواهر جغرافية في ضوء القرآن الكريم - لإبراهيم حسن النصيرات وغير ذلك) .
[ ٢ / ٧٣١ ]
٢ - معجزة: انشقاق القمر. قال ابن مسعود١: واستدل رسول الله ﷺ على صدق نبوته لانشقاق القمر فرقتين، وقال ابن مسعود: لقد رأيت الجبل بين فرقتي القمر فقال ﵇: اشهدوا. فقال كفار قريش: سحركم / (٢/١٤١/ب) ابن أبي كبشة. فقال رجل: إن كان سحر، فإنه لا يبلغ الأرض كلّها فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا ذلك فجاء الناس من الآفاق فأخبروا بمثل ذلك. فقال الكفار: هذا سحر مستمر. رواه خلق كثير من أعيان الصحابة خيار المسلمين كأنس بن مالك٢، وابن عباس٣ وابن عمر٤، وعلي بن أبي طالب٥، وجبير٦ بن مطعم، في خلق كثير. ورواه عن هؤلاء
_________________
(١) ١ حديث ابن مسعود ﵁ في انشقاق القمر أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٧) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣١) . ومسلم ٤/٢١٥٨، وأحمد في مسنده ١/٣٧٧، ٤١٣، ٤٤٧، والترمذي ٥/٣٧٠، وأبو نعيم ص ٢٧٩، ٢٨١، والبيهقي ٢/٢٦٤، وكلاهما في الدلائل. ٢ حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٧) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣١)، ومسلم ٤/٢١٥٩، والإمام أحمد ٣/٢٧٥، ٢٧٨، والترمذي ٥/٣٧١، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٦٢. ٣ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاري في كتاب المناقب. (ر: فتح الباري ٦/٦٣١)، ومسلم ٤/٢١٥٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ٢٨٠. ٤ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أخرجه مسلم ٤/٢١٥٩، والترمذي ٥/٣٧١، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٦٧، وأبو نعيم في الدلائل ص ٢٧٩. ٥ حديث عليّ أبي طالب ﵁ أخرجه البخاري في مشكل الآثار ١/٣٠١، قال: ثنا علي بن عبد الرحمن بن محمّد بن المغيرة المخزومي ثنا الوليد (هو محمّد بن سليمان) ثنا حديج بن معاوية الجعفي عن أبي إسحاق عن أبي حذيفة (وهو سلمة بن صهيب الأرجي) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ". فذكره. قلت: إسناده حسن. فإن حديج بن معاوية صدوق يخطئ. وباقي رجاله ثقات. (ر: التقريب٢/٤٠،٢/١٦٦،١/٢٥٦،٢/٧٣،١/٣٧١، حسب ترتيب رجال الإسناد) . ٦ حديث جبير بن معطم ﵁. أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/٨٢، والترمذي ٥/٣٧٢، وابن حبان. (ر: الموارد ص٥١٩) .والبيهقي في الدلائل٢/٢٦٨، كلهم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن محمّد بن جبير بن معطم عن أبيه قال: فذكره. قلت: إسناده صحيح. (ر: التقريب ١/١٨٢، ٢/١٥٠) .
[ ٢ / ٧٣٢ ]
أعلام التابعين ووجوه الأمة. وقد تضمنها الكتاب العزيز. قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ وَإِنْ يَرَوا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌ﴾ . [سورة القمر، الآية: ١-٢] . فلا التفات بعد ذلك إلى قول مخذول. ولو جاز هذه الآية لجاز ردّ آية موسى وعيسى - ﵉.
والطريق في النقل واحد، وإذا كان إنما اعتماد المتأخر على نقل من تقدم فمن أصارهم بتصحيح أخبارهم أولى من غيرهم. هذا وهم ينقلون عن أسلافهم المنكر والمستحيل. ونحن إنما ننقل مُحَوِّزات العقول.
وإن طعن في آية انشقاق القمر يهودي١ قلنا له: ما دليلك على٢ انشقاق البحر لموسى؟ أو يشكك في ذلك نصراني. قلنا له: ما حجتك على انشقاق حجاب الهيكل عند صلب الشبه٣ الذي أشركته مع الله في الربوبية؟ فإذا قالا: النقل الصحيح والخبر الصريح. قلنا: من أصار عباد الصلبان والعجول أولى بالقبول من أخبار الموحدّين العدول؟!.
٣- معجزة: حبست الشمس لرسول الله ﷺ ووقفت عن جريانها، خَرَّج الطحاوي٤ في مشكل / (٢/١٤٢/أ) الحديث أسماء بنت عميس٥ ﵂: "أن النبي ﷺ كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم
_________________
(١) ١ ليست في (م) . ٢ في م: (مادلك) . ٣ إنجيل متى ٢٧/٥١، لوقا ٢٣/٤٥. ٤ هو: أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الأزدي المصري الطحاوي. ولد سنة ٢٣٩هـ. انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر. توفي بالقاهرة سنة ٣٢١هـ. (ر: ترجمته في: الجواهر المضيئة ١/١٠٢-١٠٥، وفيات الأعيان ١/٥٣-٥٥، وسير أعلام النبلاء ١٥/٢٧) . ٥ أسماء بنت عميس الخثعمية كانت زوجة جفعر بن أبي طالب ثم أبو بكر الصديق ثم علي بن أبي طالب. وماتت بعده - ﵃ أجمعين -. ولها ستون حديثًا.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
يصلِّ علي العصر حتى غربت الشمس فقال ﵇: أصليت العصر يا عليّ؟ قال: لا. فقال ﵇: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقفت على الجبال. وذلك بالصهباء بخيبر"١.
_________________
(١) ١ حديث حبس الشمس لعليّ ﵁ أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ٢/٨-١١، وابن الجوزي في الموضوعات ١/٣٥٥-٣٥٧، وابن كثير في الشمائل ص ١٤٤، وذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة ١/٣٣٦-٣٤١، والشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٣٥٠-٣٥٧، وابن عراق الكناني في تنْزيه الشريعة ١/٣٧٨. قال الإمام ابن تيمية: "فضل عليّ وولايته لله وعلوّ منْزلته عند الله معلوم ولله الحمد من طرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني لا يحتاج معها إلى كذب ولا إلى ما لا يعلم صدقه. وحديث ردّ الشمس له قد ذكر طائفة كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما وعدوا ذلك من معجزات النبيّ صلى الله عليه. لكن المحقّقين من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع". اهـ. ثم أورد ابن تيمية طرق الحديث واحدة واحِدة، مُبيّنًا ما فيها من ضعف. ثم اعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغتر بسنده. وعن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقد جيد للأسنانيد كجهابذة الحفاظ. (انظر: منهاج السنة ٨/١٦٥-١٩٨، بتصرف) . وقال الإمام ابن كثير عن هذا الحديث: "هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه. فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال. أو شيعي ومتروك. ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتّصل سنده؛ لأنه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله بالتواتر أو الاستفاضة لا أقل من ذلك". - ثم قال: "والأئمة ينكرون صحّة هذا الحديث ويردونه ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ كمحمّد ويعلى بن عبيد الطنافسيين وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق. وكأبي بكر محمّد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم ابن عساكر، والشيخ أبي الفرج ابن الجوزي. وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين. وممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي والعلامة أبو العباس ابن تيمية". (ر: شمائل الرسول صلى الله عليه ص ١٤٤-١٦٣، بتصرف يسير) . وقال الشيخ الألباني في تعليقه على الحديث: "وهذه القصة لا تثبت". (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٣٥٥) .
[ ٢ / ٧٣٤ ]
قال العلماء١: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حديث أسماء، فإنه علم من أعلام النبوة.
وروى يونس٢ بن بكير عن ابن إسحاق لما أسري بالنّبيّ ﷺ وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير، قالوا: متى تصل؟ فقال: يوم الأربعاء؛ فلما كان يوم الأربعاء أشرفت قريش ينظرون وقد وَلَّى النهار ولم تصل بعد، فدعا فزيد له في النهار ساعة ووقفت الشمس عن جريانها وسيرها حتى وصلت العير فشاهدوها٣.
وإن اعترض على ما شهدت أسماء ﵂ مُخالف من النصارى قيل له: ألم تروُوا عن مريم المجدلانية التي أبرأها / (٢/١٤٢/ب) المسيح من الجنون أمورًا عظامًا من أمور المسيح؟ فإذا قالوا: بلى. قيل لهم: ما الذي جعل امرأة حديثة عهد بجنون أولى بالصدق والعدالة من امرأة غريبة لبيبة عاقلة؟
وإن قدح في ذلك يهودي؛ قيل له: ألم تحكوا عن مريم أخت موسى وهارون أمورًا جمة من أعلام موسى؟ فإذا كانت أخت الإنسان مؤتمنة على ما تحكيه من أعلام أخيها وعِزُّه عِزٌّ لها، فأسماء أولى بذلك وهي أجنبية.
_________________
(١) ١ زاد في الشفا ١/٥٤٩: "قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات، وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغي لِمَن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوة". اهـ قلت: ورد ذلك في مشكل الآثار ٢/١١، للإمام الطحاوي.. ٢ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر، مؤرخ، قال عنه الذهبي: الإمام الحافظ الصدوق صاحب المغازي والسير، روى له مسلم في الشواهد لا في الأصول. وثقه ابن معين، وقال الحافظ ابن حجر: يخطئ. مات سنة ١٩٩هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٩/٢٤٥-٢٤٨، التهذيب ١١/٣٨٢، التقريب ٢/٣٨٤، الأعلام ٨/٢٦٠) . ٣ أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٤٠٤، من طريق يونس بن بكير عن أسباط بن نصر الهمذاني عن إسماعيل بن عبد الرحمن الثقفي، قال: ، فذكره. قلت: الحديث مرسل. فإسماعيل القرشي أو السدي، من الرابعة. روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. (ر: التهذيب ١/٢٧٥، التقريب ١/٧٢) . وفيه أسباط بن نصر الهمذاني، صدوق. كثير الخطأ. يغرب. (ر: التقريب ٢/٣٨٤) .
[ ٢ / ٧٣٥ ]
٤- معجزة: نبع الماء العذب من بين أصابع رسول الله ﷺ والروايات فيه كثيرة وأمره مشهور منشور بين أصحاب رسول الله ﷺ رواه جمع كثير من الصحابة منهم: أنس وجابر وابن مسعود، قال أنس١ وغيره: "رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فَأُتِيَ ﵇ بوضوء فوضع يده في الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال أنس: فرأيت الماء ينبع من بيد أصابعه ﷺ فتوضؤوا من عند آخره. قيل له: فكم كنتم؟ قال: زهاء / (٢/١٤٣/أ) ثلاثمائة رجل، وذلك بالسوق عند الزوراء"٢.
وفي الصحيح عن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ ما معنا ماء، فأتي بماء فصبّه في إناء ثم وضع كفه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ "٣.
وفي الصحيح أيضًا عن جابر بن عبد الله: "عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه فقالوا: ليس عندنا ماء إلاّ ما في ركوتك هذه. فوضع ﵊ يده في الركوة فجعل الماء يفور من أصابعه كأمثال العيون، قال: فقلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة"٤. روى ذلك جمع كثير من الصحابة٥.
_________________
(١) ١ حديث أنس ﵁ أخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب (٤٦) . (ر: فتح الباري ١/٣٠٤) . وفي كتاب المناقب. (ر: ٦/٥٨٠)، ومسلم ٤/١٧٨٣، والترمذي ٥/٥٥٦، والبيهقي في الدلائل ٤/٢١-١٢٥. ٢ الزوراء بالمدينة المنورة عند السوق والمسجد. (ر: فتح الباري ٦/٥٨٥) . ٣ أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨٧)، والترمذي ٥/٥٥٧، وابن أبي شيبة في مصنفه ١١/٢٧٤، وأبو نعيم ص ٤٠٦ن والبيهقي ٤/١٢٩، ١٣٠، كلاهما في الدلائل. ٤ أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب (٢٥)، (ر: فتح الباري ٦/٥٨١)، ومسلم ٢/١٨٥٦،وأبو نعيم ص٤٠٦،٤٠٧، والبيهقي٤/١١٥-١١٨،كلاهما في الدلائل. ٥ حديث معجزة نبع الماء من بين أصابع النّبيّ صلى الله عليه راه جمع الصحابة منهم أنس بن مالك، والبراء بن عازب، والبراء بن مالك، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، والمسور، ومروان بن الحكم، وابن عباس، وعمران بن الحصين، وأبو قتادة، وزياد بن الحارث الصداني - ﵃ أجمعين -.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
وعن عبادة بن الصامت في حديث مسلم الطويل في غزوة بواط١، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا جابر٢ ناد الوضوء -[وذكر الحديث بطوله -] ٣ ولم يجد سوى قطرة في عَزْلاء شَجْب٤ فأتى به النّبيّ ﵇ فغمزه٥ بيده وتكلم بشيء لا أدري ما هو، وقال: ناد بجفنة الرّكْب٦ / (٢/١٤٣/ب) فأتيت بها فوضعها بين يديه فبسط يده في الجفنة وفَرَّق أصابعه وصب جابر عليه. وقال: بسم الله، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه. ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا. فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع ﵇ يده من الجفنة وهي ملأى"٧.
وبالجملة فحديث نبع الماء من بين أصابعه ﵇ متواتر مستفيض، وقد روى مالك في الموطّأ عن معاذ بن جبل: "في غزوة تبوك أنهم وردوا العين وهي تَبِضُّ٨ بشيء من ماء مثل الشِّراك٩ فغرفوا بأيديهم من العين في إناء
_________________
(١) ١ بواط: جبل من جبال جهينة من ناحية رضوى (ينبع) . وقد كانت عزوة بواط ثاني غزواته صلى الله عليه في شهر ربيع الأوّل من السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة. (ر: السيرة ٢/٢٨٤، لابن هشام، معجم البلدان ١/٥٠٣، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص ٥٤، محمّد شراب) . ٢ ساقطة من (ص)، والزيادة من (م) . (وذكر الحديث بطوله) هذه الأضافة من الشفا ١/٥٥٣. ٤ عَزْلاَء شَجب: أي: فم قربة بالية، وعزلاء: فم المزادة الأسفل وجمعه: العزالى. وشجب: السقاء الذي قد أخلق وبلي وصار شَنَّا. وهو من الشب: الهلاك، ويجمع على شجُب وأشجاب. (ر: النهاية في غريب الحديث ٣/٢٣١، ٢/٤٤٤) . ٥ الغَمْز: العصر والكبس باليد. (ر: المرجع السّابق ٣/٣٨٥) . ٦ جفنة الرّكب: أكبر قصاع الرّكب. (ر: المرجع السّابق ١/٢٨٠) . ٧ أخرجه مسلم ٤/٢٣٠١-٢٣٠٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٧-١٠. ٨ بَضَّ الماء: إذا قطر وسال. (ر: النهاية في غريب الحديث ١/١٣٢، لابن الأثير. ٩ الشِّراك: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. (ر: المرجع السّابق ٢/٤٦٧) .
[ ٢ / ٧٣٧ ]
حتى اجتمع منه شيء ثم غسل ﵇ فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس"١.
قال ابن إسحاق: فانخرق من الماء ما له حسّ كحسّ الصواعق٢.
وروى البراء٣ وسلمة بن الأكوع٤ في قصة الحديبية: "أنه ﵇ أتى بئرًا ما تروي خمسين شاة، قال: فنَزحناه فلم ندع فيها ماء، فجلس ﵇ على جانبها وأتي بدلو / (٢/١٤٤/أ) فتفل فيها ودعا الله، فجاشت البئر بالماء فارتووا وأرووا ركابهم".
وقيل٥: بل غزر ﵇ سهمًا من كنانته في قعر البئر فروى الناس حتى ضربوا بعطن٦ وكان عدتهم أربع عشرة مائة٧.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام مالك في الموطّأ كتاب قصر الصلاة في السفر ص ١٠٨، وعنه الإمام مسلم ٤/١٧٨٤، وأحمد في مسنده ٥/٢٣٧، ٢٣٨، وأبو نعيم ص ٥٢٢، والبيهقي ٥/٢٣٦، كلاهما في الدلائل. ٢ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٤/٢٣٢، ٢٣٣) . ٣ حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨١، ٧/٤٤١)، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٠٩، والبيهق في الدلائل ٤/١١٠. ٤ وبمثله حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهما أخرجه مسلم ٣/١٤٣٣، والبيهقي في الدلائل ٤/١١١. ٥ في الشفاء ١/٥٥٧، قال: "وفي غير هاتين الروايتين من طريق ابن شهاب في الحديبية فأخرج سهمًا من كنانته ". ٦ العَطَن: مبرك الإبل وحل الماء. وضرب ذلك مثلًا في اتساع الناس في الرّوي. (ر: النهاية في غريب الحديث ٣/٢٥٨) . ٧ أخرجه البخاري في كتاب الشروط باب (١٥) في سياق طويل. (ر: فتح الباري ٥/٣٢٩-٣٣٣)، وابن إسحاق بنحوه، (ر: السيرة ٣/٤٢٧، ٤٢٨، وعنه البيهق في الدلائل ٤/١١١، ١١٢، كلهم من طريق الزهري عن عروة بن الزبير عن مروان ابن الحكم والمسور بن مخرمة قالا:، فذكره. وأما الجمع بين الرواية الأولى "أنه صلى الله عليه جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض "، والرواية الثانية: "أنه صلى الله عليه انتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر"، فقد قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معًا وقعا". (ر: فتح الباري ٥/٣٣٧) .
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وروى أبو قتادة قال: "اشتكى الناس إلى رسول الله ﷺ في بعض أسفاره العطش فدعا بميضأة ثم التقم فمها - فالله أعلم أنفث فيها أم لا - فشرب الناس حتى رووا ملؤوا كلّ إناء معهم، فَخُيِّل إلي أنها كما أخذها مني"١. وروى مثله عن عمران بن الحصين وفي كتاب مسلم: "أنه ﵇ قال لأبي قتادة: احفظ عليّ ميضأتك فإنه سيكون لها نبأ" فكان ما ذكرت"٢.
وعن عمران بن حصين: "أنه ﷺ وأصحابه أصابهم عطش في بعض أسفاره فبعث رجلين، وقال: ستجدان امرأة بمكان كذا معها بعير عليه مزادتان فأتيا بها، فذهبا إلى حيث ذكر رسول الله ﷺ فوجداها أتيا بها النبي ﵇ فجعل في إناء من مزادتيها. وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثم أعاد الماء في المزادتين ثم فتحت / (٢/١٤٤/ب) عِزَالَيْها٣ وأمر الناس فملأوا أسقيتهم كلّها حتى ملأوا كلّ إناء معهم. قال عمران: وتخيل إلي أن المزادتين لم يزدادا إلاّ امتلاءً. ثم أمر ﵇ فجمع لها من الأزواد حتى ملأوا ثوبها وقال: اذهبي فإنا لم نرزأ من مائك شيئًا ولكن الله هو الذي سقانا" - الحديث بطوله - فرجعت٤ إلى قومها فكان ذلك سبب إسلامهم"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/٤٧٢-٤٧٥، وأبو نعيم ص ٤٠٧، والبيهقي ٦/١٣٢-١٣٤، كلاهما في الدلائل. ٢ هو فم المزادة الأسفل. (ر: النهاية ٣/٢٣١) . ٣ هو: فم المزادة الأسفل. (ر: النهاية ٣/٢٣١) . (فرجعت إلى )، من زيادات المؤلِّف على ما ورد في الشفا ١/٥٥٩. ٥ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨٠)، ومسلم ١/٤٨٤-٤٨٦، وأحمد في منسده ٤/٤٣٤، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤١١، ٤١٢، والبيهقي في الدلائل ٦/١٣٠، ١٣١.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
وقال سلمة بن الأكوع] ١: قال رسول الله ﷺ: "هل من وضوء؟ ". فجاء رجل بإداوة٢ فيها نطفة٣ من ماء فأفرغها في قدح فتوضأنا كلّنا ندغفقه٤ دغفقة حتى تطهرنا٥ عن آخر فكنا أربع عشرة مائة"٦.
وفي حديث عمر: "وذكر ما أصابهم في جيش العسرة من العطش حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه. فرغب أبو بكر إلى النّبيّ ﷺ في الدعاء فرفع يده فلم يرجعهما حتى أسكبت السماء فملؤوا ما معهم من آنية فلم تجاوز السحابة العسكر"٧.
_________________
(١) ١ هذه الزيادة من الشفا ١/٥٥٩. ٢ الإداوة: بالكسر: إناء صغير من جلد. يُتخذ للماء كالسطحية ونحوها. وجمعها: أَدَاوَى. (ر: النهاية ١/٣٣ لابن الأثير) . ٣ يقال للماء الكثير والقليل. وهو بالقليل أخصّ. والمراد به هَا هنا: الماء القليل. وبه سمي المني نطفة لقلته. وجمعها: نطف. (ر: النهاية ٥/٧٤، ٧٥) . ٤ دَغْفَق الماء: إذا دَفَقَه وصبَّه صبًّا كثيرًا واسعًا. (ر: المرجع السّابق ٢/١٢٣) . ٥ في م: (نظرنا) . ٦ حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهما أخرجه مسلم ٣/١٣٥٤، ١٣٥٥، والبيهقي في الدلائل ٤/١١٨، ١١٩. ٧ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٥٢٣، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٤١٨)، والبزار. (ر: كشف الأستار ١/٣٥٤) . والحاكم ١/١٥٩، والبيهقي في الدلائل ٥/٢٣١، كلهم من طريق نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدّثنا من شأن ساعة العسرة. فقال: ، فذكره. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وقال الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٦/١٩٧، ١٩٨: "رواه البزار والطبراني في الأوسط. ورجال البزار ثقات". اهـ.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
وعن [عمرو بن سعيد] ١: "أن أبا طالب قال للنبيّ ﵇ وهو رديفه بذي المجاز: عطشت / (٢/١٤٥/أ) وليس عندي ماء، فنَزل نبي الله ﷺ وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال: اشرب"٢.
وقيل له٣ في سنة من السنين: هلك الناس من العطش "فاستسقى ﵇ فلم يفرغ من دعائه حتى سقي الناس وجاءه أهل العوالم يشكون كثرة المطر فقال ﵇: "اللهم حوالينا ولا علينا"٤.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: هذه عدة من المعجزات تتعلق بهذا الفن. وفيها ما هو مساوٍ لآية موسى ﵇. وفيها ما هو أبهر للعقول من فعل موسى. إذ نبع الماء من الأرض والحجر معتاد لا عجب. فأما نبع الماء من أصابع يد آدمي هو العجب.
فإن نازع في هذه الآيات المتعلقة بسقي الخلق الكثير في المعاطش٥ من بين أصابعه ﵇ منازع من اليهود. قيل له: من أين لك أن موسى ﵇ سقى بني إسرائيل ماءً عذبًا من
_________________
(١) ١ في ص، م، والشفا (عمر بن شعيب)، وهو خطأ. وصححته من الطبقات لابن سعد. والإصابة لابن حجر. ٢ أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/١٥٢، قال: حدّثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن عبد الله بن عون عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب، قال: فذكره. ونقله الحافظ ابن حجر عن ابن سعد في الإصابة ٧/١١٦، وسكت عنه. قلت: الحديث مرسل. فإن عمرًا بن سعيد القرشي، أبو سعيد البصري، ثقة. من الخامسة. (الطبقة الصغرى من التابعين) . (ر: الجرح والتديل ٦/٢٣٦، التهذيب ٨/٣٥، التقريب ٢/٧٠) . (وقيل له: في ) هذه من زيادات المؤلِّف على الشفا ١/٥٦٠. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء باب (٦) . (ر: فتح الباري ٢/٥٠١، ٥٠٨)، ومسلم ٢/٦١٢-٦١٤)، والإمام أحمد في مسنده ٣/١٠٤، ٢٦١، وأبو داود ١/١٤٨، وأبو نعيم ص ٤٤٨، والبيهق ٦/١٣٩-١٤٢، كلاهما في الدلائل عن أنس بن مالك ﵁. ٥ في م: العطش.
[ ٢ / ٧٤١ ]
حجر [الصوَّان]؟ ١. أذلك شيء عاينته أم هو الخبر والنقل والرواية؟ فإنه يفزع في ذلك إلى نقل اليهود إذ لا طريق له سواه، فيقال له عند ذلك: ما الذي جعل عباد/ (٢/١٤٥/ب) العجل وبعلز بول الصنم والزهرة أولى بالعدالة من عباد الله المؤمنين المخلصين له؟!
وإن نازع في ذلك نصراني. قيل له: ألم تروُوا أن المسيح ﵇ لما قرب من أورشليم قال لرجلين من تلاميذه: اذهبا إلى القرية التي أمامكما فإنكما ستجدان أتانًا وجحشًا فأتياني بهما ففعلًا وأتيا بالأتان والجحش٢. فما دليلكم على تصحيح ذلك عن المسيح؟ أذلك٣ مما يمكن اليوم معرفته دون الرواية؟! فما الذي جعلكم أحقّ بما تروون منا بما نروي عن ثقاتنا؟!! وقد بعث نبيّنا رجلين ووصف لهما المرأة والماء الذي معها، وذلك أعجب من قول المسيح في الأتان والجحش.
٥- معجزة: وهي تكثير الطعام اليسير ببركته ﷺ. روى جابر بن عبد الله، قال: "سأل رجل رسول الله ﷺ طعامًا فأعطاه يسيرًا من شعير فما زال الرجل يأكل منه وأهله وضيفه حتى كاله بعد حين. فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: لو لم تكله لأكلتم منه وقام٤ بكم"٥.
_________________
(١) ١ في م، ص: (الطران) ولا معنى له. وصححته بما يوافق السياق. فالصواب: حجر شديد يقدح به. (ر: القاموس ص ١٥٦٣) . ٢ متى ٢١/١-١١، مرقص ١١/١-١١. ٣ في م: زاد: (لا) . ٤ في م: (لقام) . ٥ أخرجه مسلم ٤/١٧٨٤، والبيهقي في الدلائل ٦/١١٤) .
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وقال / (٢/١٤٦/أ) أبو١ طلحة في حديثه المشهور: "أطعم رسول الله ﷺ ثمانين رجلًا من أقراص شعير جاء بها أنس تحت إبطه"٢.
وقال جابر بن عبد الله: "أطعم رسول الله ﷺ يوم الخندق من صاع شعير وعناق٣ ألف رجل حتى تركوه وانحرفوا٤، وإن البرمة٥ لتغط٦ كما هي وإن العجين ليخبر"٧.
وقال أبو٨ أيوب: "صنعت لرسول الله ﷺ ولصاحبيه أبي بكر وعمر قدر ما يكفيهما من الطعام، فقال النبيّ ﵇: ادع لي ثلاثين رجلًا من أشراف الأنصار. فدعوتهم فأكلوا حتى تركوه ثم قال ﵇: ادع لي ستين رجلًا. فأكلوا حتى تركوه ثم قال ﵇: ادع لي سبعين رجلًا. فدعوتهم فأكلوا حتى تركوه فلم يخرجوا حتى أسلموا وبايعوا، قال أبو أيوب: فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلًا"٩.
_________________
(١) ١ هو: أبو طلحة الأنصاري، زيد بن سهل الأسود الأنصاري النجاري الصحابي المعروف باسمه وكنيته. ٢ في الشفا ١/٥٦٢، " فأمر بها ففتت وقال فيها: ما شاء الله أن ي قول: ". اهـ. أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨٦)، ومسلم ٣/١٦١٢، والترمذي ٥/٥٩٥، ٥٩٦، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤١٥، والبيهقي في الدلائل ٦/٨٨، عن أنس بن مالك ﵁". ٣ العَنَاق: هي الأنثى من أولاد المعزّ ما لم يتم له سنة. (ر: النهاية ٣/٣١١) . ٤ أي: مالوا عن الطعام. (ر: فتح الباري ٧/٣٩٩) . ٥ البُرْمَة: القدر مطلقًا وجمعها بِرَام، وهي في الأصل المتّخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. (ر: النهاية ٣/٣٧٢) . ٦ لتَغِطُّ: أي: تغلي ويسمع غطيطها. (ر: النهاية ٣/٣٧٢) . ٧ في الشفا ١/٥٦٢، " وكان رسول الله صلى الله عليه بصق في العجين والبرمة وبارك". اهـ. أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٢٩) . (ر: فتح الباري ٧/٣٩٥، ٣٩٦)، ومسلم ٣/١٦١٠، والترمذي ٥/٥٩٥) . ٨ أبو أيوب الأنصاري، خالد بن زيد النجاري. الصحابي المعروف ﵁. ٩ أخرجه أبو نعيم ص ٤٢٨، وأبو بكر الغرياني ص ٢٨، والبيهقي ٦/٩٤، كلهم في الدلائل من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي الورد بن تمامة عن أبي محمّد الخضرمي عن أبي أيوب ﵁. وذكره الهيثمي في المجمع ٨/٣٠٣، وقال: "أخرجه الطبراني وفي إسناده من لم أعرفه. ونقله ابن كثير في البداية ٦/١١١، وقال: غريب متنًا وإسنادًا". اهـ. قلت: سعيد الجريري، ثقة. اختلط قبل موته بثلاث سنين. (ر: التقريب ١/٢٩١)، وأبو الورد، وأبو محمّد لم أقف على توثيق لهما ولا على متابعة.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وقال سمرة بن جندب: "أُتي ﵇ بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة إلى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون"١.
وقال عبد الرحمن٢ بن أبي عمرة [عن أبيه] ٣ وسلمة بن الأكوع٤ وأبو هريرة٥ / (٢/١٤٦/ب) وعمر بن الخطاب٦: "أصاب الناس مخمصة٧ مع النّبيّ ﷺ في
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/١٨، والترمذي ٥/٥٥٣، والفريابي في الدلائل ص ٣٠، والحاكم ٢/٦١٨، وأبو نعيم ص ٥٢٨، والبيهقي ٦/٩٣، كلاهما في الدلائل، كلهم من طريق يزيد بن هارون تنا سليمان التيمي عن أبي العلاء سمرة بن جندب ﵁، قال: ،قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح". ٢ عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري الخزرجي، أبوه صحابي شهير، ولد في عهد النّبي صلى الله عليه، وأمه هند بنت المقدم بن عبد المطلب بنت عم النبيّ صلى الله عليه، ذكره مطين وابن السكن في الصحابة. وقال ابن أبي حاتم: "ليست له صحبة. وحديث مرسل". قال ابن سعد: "كان ثقة كثير الحديث". وذكره ابن حبان في الثقات. (ر: الطبقات ٥/٨٣، الجرح والتديل ٥/٢٧٣، الإصابة ٥/٧٣، التهذيب ٦/٢١٩) . ٣ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٦٤. أما حديث أبي عمرة الأنصاري ﵁ فقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/٤١٧، وابن حبان في صحيحه. (ر: المورد ص ٣١)، والفريابي في الدلائل ص ١٣، والحاكم ٢/٦١٨، ٦١٩، والبيهقي في الدلائل ٦/١٢١، كلهم من طريق الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه، قال: فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في المجمع ١/٢٤، ٢٥، وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات". ٤ حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أخرجه مسلم ٣/١٣٥٤، ١٣٥٥، والبيهقي في الدئل ٤/١١٨، ١١٩. ٥ حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم ١/٥٥، ٥٦، وأحمد في المسند ٢/٤٢١، و٣/١١، والفريابي في الدلائل ص: ١٧، و١٨، وأبو نعيم ص: ٤١٨، والبيهقي ٦/١٢٠، كلاهما في الدلائل. ٦ وبنحوه حديث عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه الفريابي في الدلائل ص ١٩، ٢٠، وذكره الهيثمي في المجمع ٨/٣٠٧. وقال: رواه أبو يعلى في الصغير والكبير وفيه عاصم بن عبيد الله العمري وَثَّقه العجلي وضعّفه جماعة. وبقية رجاله ثقات. قال السيوطي في الماهل ص ١٢٢: أخرجه أبو يعلى بسند جيد. ٧ المَخْمَصة: المجاعة.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
بعض مغازيه فدعا ببقية الأزواد فجاء الرجل بالقبضة الطعام وفوق ذلك فجمعه على نطع١، قال سلمة: فحزرته كَرَبْضَة٢ العنْز ثم دعا الناس بأوعيتهم فلم يبق في الجيش وعاء إلاّ ملأؤه ثم فضلت فضلة من ذلك".
وقال أبو هريرة: "أمرني النّبيّ ﷺ أن [أدعو] ٣ له أهل الصفة٤ فتتبعتهم حتى جمعتهم فوضعت بين أيدينا قصعة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثل ما كانت [حين] ٥ وضعت إلاّ أن فيها أثر الأصابع"٦.
وقال عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه: "جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وكانوا أربعين ومنهم من يأكلالجذعة٧ ويشرب الفرق٨، فصنع لهم
_________________
(١) ١ النِّطْع: بالكسر وبالفتح وبالتحريك: بساط من الأديم، جمعه: أنطاع. (ر: القاموس ص ٩٩١) . ٢ رَبْضَة العنْز: ويروي بكسر الراء: أي: جثتها إذا بركت. من ربَض في المكان يربض. إذا لصق به وأقام ملازمًا له. (ر: النهاية ٢/١٨٤) . ٣ في ص، م: (أدع)، وصححته من الشِّفا ١/٥٦٥. ٤ أهل الصفة: هم فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منْزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. (ر: النهاية ٣/٣٧) . ٥ ليست في ص، م، وأضيفت من الشفا ١/٥٦٥. ٦ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٦/٣١٤، وعنه الفريابي في الدلائل ص ٢٩، عن حاتم بن إسماعيل عن أنيس عن إسحاق بن سالم عن أبي هريرة ﵁. وأورده الهيثمي في المجمع ٨/٣١١، وقال: "رواه الطبراني في الأسط ورجاله ثقات". اهـ. وله شاهد من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ أخرجه أبو نعيم ص ٤٢١، والبيهقي ٦/١٢٩، كلاهما في الدلائل. وأورده الهيثمي في المجمع ٨/٣٠٧، وقال: "رواه الطبراني بأسنادين وإسناده حسن". ٧ الجذعة: الداخلة في السنة الثانية من المعزّ، ومن الضأن ما تمت له سنة. (ر: النهاية ١/٢٥٠) . ٨ الفَرَق: - بالتحريك - مكيال يسع ستة عشر رطلًا. وهي اثنا عشر مدًا. أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. (ر: النهاية ٣/٤٣٧) .
[ ٢ / ٧٤٥ ]
مدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي كما هو، ثم دعا بعُسٍّ١ فشربوا حتى رووا وبقي العُسُّ كأنه لم يشرب منه"٢.
وقال أنس: "بنى ﵇ بزينب وأمرني أن أدعو من لقيت فدعوت من لقيت فقدَّم إليهم / (٢/١٤٧/أ) مُدًّا من تمر جُعل حيسًا٣ فتناولوا منه حتى شبعوا وعدتهم زهاء ثلاثمائة رجل، ثم قال لِيَ: ارفع. فرفعت فما أدري أكان حين وضع أكثر أم حين رفع"٤.
وقال عمر: "أمرني النبي ﷺ أن أزود أربعمائة راكب من أحمس٥. فقلت: ما عندنا إلاّ آصع من تمر. فقال ﵇: اذهب وزودهم. فذهبت فزودتهم منه وكأنه بحاله". وذكر هذه الآية جمع كبير من الصحابة٦.
_________________
(١) ١ العُسُّ: القدح الكبير، وجمعه: عِسَاس، وأَعْسَاس. (ر: النهاية ٣/٢٣٦) . ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/١٥٩)، عن عفان عن أبي عوانة عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد عن عليّ ﵁ ، فذكره. وأورده الهيثمي في المجمع (٨/٣٠٥)، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات". وقال السيوطي في المناهل ص ١٢٢: أخرجه أحمد والبيهقي وسنده جيد. وله وجه آخر من طريق ابن عباس عن علي - ﵃ -، أخرجه أبو نعيم ص ٤٢٥، والبيهقي ٢/١٧٩، ١٨٠، كلاهما في الدلائل. ٣ الحيس، جمع: هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت. (ر: النهاية ١/٤٦٧) . ٤ أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب ٦٤. (ر: فتح الباري ٩/٢٢٦)، بنحوه، ومسلم ٢/١٠٥١، والفريابي ص ٢٥، وأبو نعيم ص ٤٢٤، كلاهما في الدلائل. ٥ الحُمْس: جمع الأَحْمَس؛ وهم قريش، ومن ولدت قريش. وكنانة، وجديلة قيس. سموا حمسًا لأنهم تحمسوا في دينهم. أي: تشددوا. والحماسة: الشجاعة. (ر: النهاية ١/٤٤٠) . والمراد بهم هنا: وفد قبيلة مزينة وجهينة، كما ورد في الدلائل ٥/٣٦٦، للبيهقي. ٦ منهم: دكين بن سعيد المزني ﵁. أخرج حديثه الإمام أحمد في مسنده ٤/١٧٤، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٢٧، كلاهما من طريق إسماعيل عن قيس عنه. وأورده الهيثمي في: مجمع الزوائد ٨/٣٠٨، وقال: "روه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح". ومنهم: النعمان بن مقرن ض أخرجه أحمد في مسنده ٥/٤٤٥، والبيهيقي في الدلائل ٥/٣٦٥-٣٦٧، كلاهما من طريق حصين بن سالم بن أبي الجعد عنه. وقال السيوطي في المناهل ص ١٢٢: سنده صحيح.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وقال جابر في حديث وفاء دين أبيه بعد موته: "بذلت لغرماء أبي من اليهود كلّ ماله فلم يرضوا به وكان مال أبي تمرًا ولم يكن في ثمره سنتين ما يفي بدينهم، فجاء رسول الله ﷺ بعد جداد المثر وهي في البياد فمشى بينها ودعا الله، قال جابر: فوفيت منه غرمائي وفضل لنا مثل ما نجد في كلّ سنة. فتعجب اليهود من ذلك"١.
وقال أبو هريرة: "أصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله ﷺ: "هل من شيء؟ فقلت: نعم. شيء من تمر في مزود. قال: فأتني به فأدخل / (٢/١٤٧/ب) يده فأخرج قبضة فبسطها ثم دعا بالبركة، ثم قال: ادع عشرة. فدعوتهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: ادع عشرة. فأكلوا حتى أكل الجيش كله وشبعوا. فقال ﵇: خذ ما جئت به. فأكلت منه حياة رسول الله، وأبي بكر، وعمر، وجهزت منه كذا وكذا وسقًا في سبيل الله، قال أبو هريرة: وكان عدة ذلك التمر بضعة عشرة تمرة"٢.
وحديث أبي هريرة أيضًا حين أصابه الجوع: "فاستتبعه النبي ﷺ فوجد قدحًا من لبن قد أهدي إلى رسول الله ﷺ فأمره ﵇ أن يدعو أهل الصفة، قال: فقلت في نفسي: ما هذا القدح فيهم كنت محتاجًا أن أصيب منه شربة أتقوّى بها. فدعوتهم، فقال: اسقهم. فشربوا حتى رووا من عند آخرهم. ثم قال
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض باب ٩. (ر: فتح الباري ٥/٦٠، وأبو نعيم ص ٤٣٥، ٤٣٦، والبيهقي ٦/١٤٩، ١٥٠، كلاهما في الدلائل. ٢ أخرجه أحمد ٢/٣٥٢، والترمذي ٥/٣٤٦، والبيهقي في الدلائل ٦/١٠٩، كلهم من طريق حماد بن زيد عن المهاجر عن أبي العالية عن أبي هريرة ﵁ قال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه. وقد روي الحديث من غير هذا الوجه". قلت: الوجه الآخر أخرجه أبو نعيم ص ٤٣٤، والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ ٦/١٠، كلاهما في الدلائل من طريق يزيد بن أبي منصور عن أبيه ﵁. وله وجه آخر أخرجه أبو نعيم ص ٤٣٤، والبيهقي ٦/١٠، ١٠٠، عن أبي الفتح هلال بن محمّد بن جعفر الحفار عن الحسن بن يحيى بن عباس القطان عن حفص بن عمرو عن سهيل بن زياد أبو زياد عن أيوب السختياني عن محمّد بن سيرين عنه.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
﵇: بقيت أنا وأنت يا أبا هريرة. اقعد فاشرب. فما زلت أشرب ورسول الله ﷺ يقول: اشرب. حتى قلت: والذي بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكًا. فأخذ القدح وسمّى الله تعالى / (٢/١٤٨/أ) وشرب الفضلة"١.
وروى هذا الحديث الجم الغفير والخلق الكثير من أصحاب رسول الله ﷺ ثم تلقى ذلك التابعون بإحسان ثم أخذ ذلك عنهم أكابرهم الأعلام من المسلمين.
فمن نازع في هذه الآيات البيّنات وتوقف في شيء منها من أهل الكتاب.
قلنا له: بأي وجه ثبت عندك أن موسى أطعم قومه في البرية مَنًّا وسلوى٢، وأطعم المسيح أصحابه ومن حضر إليه من أهل القرى خبزًا وسمكًا وهم الجمع الكبير من سمك وخبز يسير فأشبعهم وفضلت فضلة كبيرة٣، وبارك إلياس على دقيق الإسرائيلية فقام بها وبجيرانها ثلاث سنين. و[أشهرا] ٤؟.
فإذا فزع إلى الروايات والأخبار الصحيحة عنده. قيل له: قد أجبت نفسك عنا وكفيتنا مؤنة الجواب. فإن رام قدحًا في أخبارنا لم ينفك من عكس ذلك عليه.
٦- معجزة: ومن معجزاته ﷺ كلام الحجر والشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابة داعيه ﷺ. قال ابن عمر: "كنا معه في سفر فدنا أعرابي فقال: يا أعرابي / (٢/١٤٨/ب) إلى أين تريد؟ فقال: إلى أهلي. قال: هل أدلك
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب ١٧. (ر: فتح الباري ١١/٢٨١) . والترمذي ٤/٥٥٩، والحاكم ٣/١٥، وأبو نعيم ص ٤٢٢، والبيهقي ٦/١٠١، ١٠٢. ٢ سفر الخروج، الإصحاح (١٦) . ٣ متى ١٤/١٣، مرقص ٦/٣٠-٤٤، لوقا ٩/١٠-١٧، يوحنا ٦/١-١١. ٤ سفر الملوك الأوّل؛ الإصحاح (١٧) .
[ ٢ / ٧٤٨ ]
على خير؟ قال: وما هو خير؟ قال: تشهد١ أن لا إله إلاّ الله، وأني رسول الله٢. قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة السَّمُرة٣ التي بشاطئ الوادي. فأقبلت السَمّرة تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت لله ولرسوله ثم رجعت إلى مكانها"٤.
وقال بريدة٥: "سأل أعرابي رسول الله ﷺ آية، فقال: قل لتلك الشجرة رسول الله يدعوك. قال: ففعل. فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها ثم جاءت تخد الأرض حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابي: مرها فلترجع إلى موضعها. فأمرها فرجعت حتى استوت بمكانها كما كانت. فقال الأعرابي: مرني أن أسجد لك. فأبى ﵇ فقال: ائذن لي في تقبيل يدك ورجليك. فأذن له ﷺ "٦.
_________________
(١) ١ في م (أشهد)، وفي ص (أشهر)، والصواب ما أثبتّه. ٢ في الشفا ١/٥٧٣: "وأن محمدًا عبده ورسوله". ٣ السَّمُرة: ضرب من شجر الطلح. جمعه: السَّمر. (ر: النهاية ٢/٣٩٩) . ٤ أخرجه الدارمي في المقدمة ١/٩، والبيهقي في الدلائل ٦/١٤، والبزار في مسنده. (ر: كشف الأستار ٣/١٤٣)، كلهم من طريق محمّد بن فضيل عن أبي حيان عن عطاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. قال السيوطي في المناهل ص ١٢٤: "الحديث أخرجه الدارمي والبيهقي والبزار بسند صحيح. قلت: هو حديث معل. ذكره ابن أبي حاتم في العلل ٢/٣٩٢، وقال: إن أباه قال: أنا أنكر هذا؛ لأن أبا حيان لم يسمع عن عطاء ولم يرو عنه وليس هذا الحديث من حديث عطاء". ٥ بريدة بن الحصيب، أبو سهل الأسلمي، الصحابي المعروف. ٦ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٩٠، والبزار في مسنده (ر: كشف الأستار ٣/١٣٢)، كلاهما من طريق حيان بن عليّ عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه، قال: فذكره. قال الهيثمي في المجمع ٩/١٣، ورواه البزار وفيه صالح بن حيان وهو ضعيف. قلت: وهو كما قال الهيثمي. فقد قال الحافظ في التقريب ١/٣٥٨: "صالح بن حيان القرشي. ضعيف من السادسة".
[ ٢ / ٧٤٩ ]
وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله في حديثه الطويل: "ذهب رسول الله ﷺ / (٢/١٤٩/أ) يقضي حاجته فلم يجد شيئًا يستتر به فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي فأخذ بغصن من إحدى الشجرتين، وقال: إنقادي بإذن الله. فانقادت معه كالبعير الذلول وفعل بالأخرى مثل ذلك، ثم قال: التئما عليّ بإذن الله. فالتأمتا١ - وفي [رواية] ٢ أخرى - قال يا جابر اذهب فقل لهذه الشجرة تلحق بصاحبتها. [فزحفت الشجرة] ٣ حتى لحقت بأختها فجلس خلفها فقضى حاجته"٤.
وكذلك حكى أسامة بن زيد عن النخلات والحجارة وأنه دعاها إلى رسول الله ﷺ فأقبلن يتعادين حتى قضى ﵇ حاجته ثم رجعن يتعادين إلى أماكنهن٥.
وقال يعلى٦ بن مرة: "رأيت شجرة من الطلح جاءت فأطافت برسول الله
_________________
(١) ١ الرواية الأولى، أخرجها مسلم ٤/٢٣٠٦-٢٣٠٩، والبيهقي في الدلائل ٦/١٠٧، في سياق طويل. ٢ ليست في ص، م. وأضيفت من الشفا ١/٥٧٥. ٣ في ص، م: (فخرجت الشجرة تحصر)، وصححت من الشفا ١/٥٧٥. ٤ أما الرواية الأخرى؛ فقد أخرجها البيهقي في الدلائل ٦/١٨، ١٩، من طريق إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر ﵁، في سياق طويل. وأخرجه بهذا الإسناد أبو داود في سننه ١/١٧، وابن ماجه (ر: صحيح سنن ابن ماجه ١/٦٠، للألباني)، مختصرًا. ولم يذكرا قصة انقياد الشجرتين لأمره صلى الله عليه. ولا قصة سجود الجمل له صلى الله عليه. وقال الشيخ الألباني: صحيح. ٥ أخرجه أبونعيم في الدلائل ص٣٩٣،والبيهقي في الدلائل٦/٢٤،٢٥،كلاهمامن طريق معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري عن خارجة بن يزيد عن أسامة بن زيد ﵁. وذكره السيوطي في الخصائص ٢/٦٠، وعزاه أيضًا إلى أبي يعلى وقال: حسنه ابن حجر في المطالب العالية، وبمثل ذلك ذكره السيوطي في المناهل ص ١٢٤. ٦ يعلى بن مرة الثقفي ﵁، أبو المرازم، شهد خيبر وبيعة الشجرة والفتح. يعد في الكوفيين. وقيل: إنه بصري. له ستة وعشرون حديثًا. (ر: الاستيعاب ٤/١٥٨٧، الإصابة ٦/٣٥٣) .
[ ٢ / ٧٥٠ ]
ﷺ ثم رجعت إلى منبتها فقال ﵇: "إنها استأذنت في السلام عليّ"١.
روى هذه المعجزات جماعة من علماء الصحابة وزهادهم كعبد الله ابن عمر وبريدة وجابر وابن مسعود٢ ويعلى بن مرة وأسامة بن زيد٣ وأنس بن مالك٤ وعليّ بن أبي طالب٥ وابن عباس٦ / (٢/١٤٩/ب) وغيرهم٧. وتلقى ذلك عنهم الجم الغفير والخلق الكثير من التابعين.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده٤/١٧٣،وعنه أبو نعيم في الدلائل، ص: ٣٨٢، ٣٩١، والبيهقي في الدلائل٦/٢٣،كلهم من طريق عبد الرزاق، ثنامعمر عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حفص عن يعلى بن مرة الثقفي، قال: ، فذكره في سياق طويل. وذكره الهيثمي في: مجمع الزوائد ٩/٩، وقال: "رواه أحمد بإسنادين والطبراني بنحوه، وأحد إسنادَى أحمد رجاله رجال صحيح". قلت: للحديث متابعات ذكرها الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٧٩٥-٧٩٧، رقم الحديث: ٤٨٥، وقال: "فالحديث بهذه المتابعات جيد". ٢ حديث ابن مسعود ﵁ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٢٠، وذكره الهيثمي في المجمع ٩/١٢، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار بنحوه - وذكر له زيادة - ثم قال: رواه البزار بنحوه وفي إسناد الأوسط رفعة بن صالح وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله حديثهم حسن وأسانيد الطريقين ضعيفة". وقال السيوطي في المناهل ص ١٢٤،: "أخرجه البيهقي والطبراني بسند حسن". ٣ تقدم تخريج أحاديث ابن عمر وبريدة وأسامة - ﵃ -. (ر: ص: ٨٤٨، ٨٤٩، ٨٥٠) . ٤ حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/١٥٤، وذكره السيوطي في الخصائص ١/٢٠٢، وعزاه أيضًا إلى ابن أبي شيبة وأبي يعلى والدارمي وأبي نعيم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عنه. ٥ حديث علي ﵁ سيأتي تخريجه. (ر: ص: ٧٥٦) . ٦ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخرجه الترمذي ٥/٥٤٤، والحاكم ٢/٦٢٠، والبيهقي في الدلائل ٦/١٥. قال الترمذي: "حديث حسن غريب صحيح". وقال الحاكم: "على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. ٧ روى هذه المعجزة أيضًا عمر بن الخطاب، وذكر حديثه الهيثمي في المجمع ٩/١٢/ وقال: رواه البزار. (ر: كشف الأستار٣/١٣٣)، وأبو يعلى وإسناد أبي يعلى حسن. ورواه أيضًا غيلان بن سلمة الثقفي. وعبادة بن الصامت، وأبو أمامة، وجابر بن سمرة - ﵃ أجمعين -. وأخرج أحاديثهم أبو نعيم في الدلائل ص ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٧.
[ ٢ / ٧٥١ ]
قال الأستاذ الإمام ابن١ فورك - رحمة الله عليه -: "بينما رسول الله ﷺ [سائر] ٢ ليلًا [في غزوة الطائف] ٣ اعترضت له سدرة فانفرجت له نصفين فدخل بينهما ومَرَّ وبقيت السدرة على حالها إلى يوم الناس هذا، وذلك بالطائف وهي الآن تعرف بسدرة النبي ﷺ يحترمها الناس"٤.
فإن ارتاب بشيء من هذه الآيات يهودي أو نصراني فيقال له: ألست زعمت أن موسى ﵇ أقام عصاه في قبة الزمان بين عصي قومه فأخضرت وذلت أغصانًا وورقًا وأثمرت لوزًا٥؟! ألست زعمت في إنجيلك أن المسيح أتي شجرة تين وهو وأصحابه ليصيبوا منها فلما لم يجد فيها ثمرة دعا عليها فيبست وجفت لوقتها وساعتها وصارت جذعًا يابسًا؟ ٦ فما طريقك في تصحيح ماادعيته بعد ألفي عام؟ فإنه كلمارضي جوابًاخُصم به.
٧- معجزة: ومن معجزاته ﵇ حنين الجذع وهو مشهور معروف وحديثه متواتر، قد خرجه أهل الصحيح ورواه الأكابر / (٢/١٥٠/أ) من أصحابه منهم: أُبَيُّ٧ بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك
_________________
(١) ١ هو: محمّد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني الشافعي أبو بكر، عالم بالأصول والكلام، من أئمة الأشاعرة، مات مسمومًا سنة ٤٠٦هـ. على مقربة من نيسابور. (ر: طبقات الشافعية ٤/١٢٧-١٣٥، وفيات الأعيان ٣/٤٠٢، الأعلام ٦/٨٣، للزركلي) . ٢ في ص، م (سائرًا) والصواب ما أثبتّه. ٣ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٧٨. ٤ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٢٥، وقال القاري في شرحه للشفا ٣/٥٥،: "ولعلها كانت في زمانهم، وأما في زماننا فليست مشهورة". اهـ. قلت: ذكره الماوردي في أعلام النبوة ص ١٩٣، بلا إسناد. ٥ سفر العدد ١٧/٧، ٨. ٦ متى ٢١/١٩-٢٠، مرقص ١١/١٣، ١٤. ٧ حديث أبي بن كعب ﵁ أخرجه عبد الله بن حنبل عن أبيه في المسند ٥/١٣٧، وعنه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٠١، وابن ماجه (ح: ١٤١٤)، والدارمي ١/١٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٦٧، كلهم من طريق عبد الله بن محمّد بن عقيل عن الطفيل ابن أبي بن كعب عن أبيه. وأورده الهيثمي في المجمع ٢/١٨٣، وقال: "رواه ابن ماجه باختصار رواه عبد الله من زياداته في المسند وفيه رجل لم يُسَمَّ، وعبد الله بن محمّد بن عقيل فيه كلام وقد وثق". اهـ. قال الشيخ الألباني: "حديث حسن". (ر: صحيح ابن ماجه ١/٢٣٨) .
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وعبد الله١ بن عمر وعبد الله٢ ابن عباس وسهل بن [سعد] ٣ وأبو سعيد٤ الخدري وبريدة٥ وأم سلمة٦ والمطلب بن أبي٧ وداعة [كلهم يحدّث بمعنى هذا الحديث] ٨.
_________________
(١) ١ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاري في كتاب المناقب. (ر: فتح الباري٦/٦٠١)، والترمذي في كتاب الجمعة٢/٣٧٩، والبيهقي في الدلائل٦/٦٦. ٢ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه أحمد ١/٢٤٩، والدارمي ١/١٩، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/٧٩٨، والبيهقي في الدلائل ٢/٥٥٨، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عنه. قال الإمام اللالكائي: إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه. ووافقه الإمام ابن كثير في الشمائل ص ٢٤٦، ٢٤٧. ٣ في ص، م: (سهل بن عبد الله)، وهو خطأ وصححته من الشفا ١/٥٨٢. وحديث سهل بن سعد ﵁ أخرجه أبو نعيم ص ٤٠٣، والبيهقي ٢/٥٥٩، كلاهما في الدلائل من طريق عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه ﵁. قلت: عباس بن سهل بن سعد، ثقة. من الرابعة. (ر: التقريب ١/٣٩٧، وأصل حديث سهل في البخاري (ر: فتح الباري ٢/٣٩٧)، ومسلم ١/٣٨٦، ولم يذكرا فيه معجزة حنين الجذع. ٤ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أخرجه الدارمي ١/١٨، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/٨٠١، وأبو نعيم ص ٤٠٢، كلهم من طريق أبي أسامة عن مجالد عن أبي الوداك عنه. وأورده الهيثمي في المجمع ٢/١٨٣، ١٨٤، وقال: "رواه أبو يعلى وفيه مجالد بن سعيد وقد وثقه جماعة وضعّفه آخرون". اهـ. وقال ابن كثير: إسناده غريب. (الشمائل، ص: ٢٥٠) . ٥ بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁، الصحابي المعروف وأخرج حديثه في حنين الجذع الدارمي في سننه ١/١٦، عن محمّد بن حميد عن تميم بن عبد المؤمن عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه. قلت: في إسناده صالح بن حيان القرشي، وهو ضعيف. وقد تقدم. (ر: ص: ٥٥٤) . ٦ حديث أم سلمة ﵂، أخرجه أبو نعيم. (ر: الشمائل ص ٢٥٠، لابن كثير) والبيهقي في الدلائل ٢/٥٦٣، كلاهما من طريق عمار الدهني عن أبي سلمة عبد الرحمن عن أم سلمة. وأروده الهيثمي في المجمع ٢/١٨٦، وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. وقال ابن كثير: إسناده جيد ولم يخرجوه". اهـ. ٧ المطلب بن أبي وداعة القرشي السهمي ﵁ أسلم يوم الفتح، ثم نزل الكوفة، ثم نزل بالمدينة وله بها دار وبقي فيها دهرًا. وله من الأحاديث تسعة أحاديث. (ر: الاستيعاب ٣/١٤٠٢)، الإصافة (٦/١٠٤، ١٠٥)، وأما حديثه في حنين الجذع، فقد قال السيوطي: "أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة". (ر: المناهل ص ١٢٦، الخصائص ٢/١٢٨) . ٨ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٨٢.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
قال الترمذي: "وحديث أنس صحيح". قال جابر١: "كان في المسجد جذع من النخل كان ﵇ يقوم إليه في خطبته فلما اتّخذ له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار٢ - وفي رواية أنس٣ - حتى ارتج المسجد بخواره فكثر بكاء الناس لما رأوه - وفي رواية المطلب - حتى تصدع وانشق - فجاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت. فقال ﵇: إن هذا بكى لما فقد من الذكر، فوالذي نفسي بيده لولا ما التزمه لم يزل هكذا. تحزنًا على رسول الله ﷺ فأمر به ﷺ فدفن تحت المنبر"٤.
وحكى الإسفراييني٥: أن رسول الله ﷺ دعاه إلى نفسه فجاء يخرق الأرض فالتزمه ثم أمره فعاد إلى مكانه٦.
_________________
(١) ١ حديث جابر ﵁ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٠١، وأبو نعيم ص ٤٠٠، والبيهقي ٦/٦٦، كلاهما في الدلائل. ٢ العشار: جمع عُشرَاء. وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر ثم اتّسع فيه فقيل لكل حامل: عُشراء. وأكثر ما يطلق على الخيل الإبل. (ر: النهاية ٣/٢٤٠، فتح الباري ٢/٤٠٠) . ٣ حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه الترمذي ٥/٥٥٤، والدارمي ١/١٩، وأبو يعلى (ر: الشمائل ص ٢٤٠، لابن كثير)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/١٩٨، والبيهقي في الدلائل ٢/٥٥٨، من طريق عمر بن يونس عن مكرمة بن عمار بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال اللالكائي: "إسناده صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه". اهـ. ٤ قال في الشفا ١/٥٨٣،: "كذا في حديث المطلب وسهل بن سعد وإسحاق عن أنس". اهـ. ٥ هو: إبراهيم بن محمّد الإسفراييني الشافعي، أبو إسحاق، الفقيه، المتكلم، الأصولي، بنى مدرسة بنيسابور، توفي سنة ٤١٨هـ. ودفن في إسفراييني. (ر: طبقات الشافعية ٣/١١١، سير أعلام النبلاء ١٧/٣٥٣، الأعلام ١/٦١، للزركلي) . ٦ قال الخفاجي في نسيم الرياض شرح الشفا ٣/٦٢: "وهذه زيادة منه، لا يقال مثلها من قبل الرأي، وهو إمام ثقة، على أن هذا رواه الإمام البيهقي في دلائله والحافظ أبو القاسم في تاريخه عن العباس كما في الشرح الجديد، ولو وقف عليه المصنّف عزاه له". اهـ. قلت: لم يوه الإمام البيهقي في دلائله، وهذه الرواية التي حكاها الإسفراييني تخالف الروايات الصحيحة الأخرى التي أجمعت على أن الرسول صلى الله عليه هو الذي ذهب إلى الجذع فاحتضنه أو مسح عليه. علمًا بأن القصة واحدة لم تتكرر، فلعلّ الإسفراييني اختلط عليه حديث حنين الجذع مع حديث استجابة الشجرة لدعوته صلى الله عليه وإقبالها عليه وقد تقدم. والله أعلم.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
وكان الحسن البصري / (٢/١٥٠/ب) إذا حدَّث بحديث الجذَع بكى وقال: "يا عبد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقًا لمكانه من الله فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه"١.
روى حديث الجذع عالم كبير من أصحاب رسول الله ﷺ وتلقاه التابعون بإحسان وهو من الأحاديث الصحيحة المستفيضة٢.
٨- معجزة: ومن معجزاته ﵇ تسبيح الطعام بين يديه ﷺ قال الصحابة: "لقد كنا نسمع تسبيح الطعام بين يدي رسول الله ﷺ وهو يؤكل"٣.
٩- معجزة: ومن معجزاته ﷺ تسبيح الحصى في يده. قال أنس: "أخذ رسول الله ﷺ كفًا من حصى فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البغوي. (ر: الشمائل ص ٢٤١، لابن كثير)، وعنه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/٧٩٩، والبيهقي في الدلائل ٢/٥٥٩، كلاهما من طريق مبارك بن فضالة. قال: حدّثنا الحسن البصري عن أنس ﵁. قلت: إسناده صحيح. فقد صرح مبارك السماع. (ر: التهذيب ١٠/٢٧، والتقريب ٢/٢٢٧) . ٢ قال الحافظ في الفتح ٦/٥٩٢: "فإن حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كلًا منهما نقلًا مستفيضًا، يفيد القطع عند من يطلع على طرق ذلك من أئمة الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة في ذلك" اهـ. وبمثل ذلك قال الإمام ابن كثير في الشمائل ص ٢٣٩، ٢٥١. ٣ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٥٨٧)، والترمذي ٥/٥٥٧، والدارمي ١/١٤، ١٥، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٠٦، والبيهقي في الدلائل ٦/٦٢، عن عبد الله بن مسعود ﵁. ٤ أخرجه ابن عساكر. (ر: تهذيب تاريخ ابن عساكر ١/١٠٨، الخصائص ٢/١٢٥، للسيوطي)، والماوردي في أعلام النبوة ص ١٩٤، عن ثابت عن أنس ﵁. وله شاهد من حديث أبي ذرٍ ﵁. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٢/١٤٢، وأبو نعيم في الدلائل ٤٣٢، والبزار. (ر: كشف الأستار ٣/١٣٦) . كلهم من طريق الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير الخضرمي عنه. وأورده الهيثمي في: مجمع الزوائد ٨/٣٠٢، وقال: "رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف". قلت: رجال الإسناد السابق ثقات، وإسناده صحيح متصل. (ر: التقريب ٢/٣٣٤، ١/١٢٦) . أما الإسناد الآخر الذي فيه ضعف فقد أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٨٠٦، والبزار. (ر: كشف الأستار ٣/١٣٥)، وأبو نعيم ص ٤٣٢، والبيهقي ٦/٦٤، كلاهما في الدلائل كلهم من طريق قريش بن أنس عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سويد به. قال البزار: "صالح لين الحديث"، وقال البيهقي: "وصالح لم يكن حافظًا". وقال الحافظ ابن حجر: "ضعيف يعتبر به". (ر: التقريب ١/٣٥٨)، إذن الإسناد يزيد الحديث قوة إلى الإسناد السابق. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٥٩٢: "وأما تسبيح الحصى فليست له إلاّ هذه الطريق الواحدة مع ضعفها". اهـ. قلت: وما أوتينا من العلم إلاّ قليلًا، فهذا ذهول منه رحمه الله تعالى السند الآخر الصحيح كما سبق بيانه. والله أعلم.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: "كنا بمكة مع رسول الله ﷺ فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلاّ قال: السلام عليك يا رسول الله"١.
وقال جابر بن عبد الله: / (٢/١٥١/أ) "لم يكن رسول الله ﷺ يمرّ بحجر ولا شجر إلاّ سجد له ﷺ" ٢.
وفي حديث العباس: "إذ٣ اشتمل عليه النبي ﷺ وعلى أهل بيته بملاءة
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي في المقدمة ١/١٢، والترمذي ٥/٥٥٣، والحاكم ٢/٦٢٠، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٨٩، كلهم من طريق الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد ابن أبي يزيد عن عليّ ﵁. قال الترمذي: حديث غريب. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. قلت: هذه غفلة من الحاكم والذهبي رحمهما الله. والصواب ما قاله الترمذي. فإن الوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمذاني، وينسب إلى جده، ضعيف، يكتب حديثه ولا يحتج به. (ر: الجرح والتعديل ٩/٢، التقريب ٢/٣٣٣) . وفي إسناده أيضًا عباد بن أبي يزيد أو ابن يزيد الكوفي، مجهول. (ر: التقريب ١/٣٩٤) . ٢ أخرجه أبو نعيم ص ٤٤٣، والبيهقي ٦/٦٩، كلاهما في الدلائل من طريق مالك بن إسماعيل أبو غسان عن إسحاق ابن الفضل عن الغيرة بن عطية عن أبي الزبير به. قلت: له شاهد من حديث جابر بن سمرة ﵁، أخرجه مسلم ٤/١٧٨٢، وأحمد ٥/٨٩، ٩٥، الترمذي ٥/٥٥٣، والدارمي ١/١٢. ٣ في م: إذا.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
ودعا لهم بالستر من الناس كستره إيّاهم بملاءته. فأمّنت أسكفة الباب وجدران البيت: آمين آمين"١.
١٠- ومن معجزاته ﷺ اضطراب الجبل لهيبته وسكونه بأمره. [عن أنس] ٢: "صعد رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان [أُحدًا] ٣ فرجف بهم فقال ﵇: اثبت أحد فإنما عليك نبيّ وصدِّيق وشهيدان. فقتل عمر وعثمان"٤.
ومثل ذلك عن أبي هريرة: "في حراء [- وزاد - معه عليّ] ٥ وطلحة والزبير، فقال ﵇ اسكن حراء فإنما عليك نبيّ أو صدِّيق أو شهيد"٦.
شاهد٧ ذلك رواه جماعة من أعيان الصحابة ومشاهير الأمة.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٣٢، ٤٣٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٧١، كلاهما من طريق محمّد بن يونس الكديمي ثنا عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص ثنا مالك بن حمزة عن أبيه عن أبي أسيد الساعدي البدري ﵁. وأخرج ابن ماجه في كتاب الأدب. (ر: ضعيف ابن ماجه ص ٢٩٩)، طرفًا عن طريق أبي إسحاق الهدوي عن عبد الله بن عثمان به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد /٢٧٣، وقال: "روى ابن ماجه بعضه في الأدب ورواه الطبراني وإسناده حسن". قلت: إسناده ليس بحسن، ففيه ضعيف مجهول. فإن محمّد بن يونس الكديمي أبو العباس السامي، ضعيف. ولم يثبت أن أبا داود روى عنه. (ر: التقريب ٢/٢٢٢)، وعبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص المدني. مستور. من التاسعة. (ر: التقريب ١/٤٣٢) . ٢ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٩٠. ٣ في ص، م (أحد) والصواب ما أثبتّه. ٤ أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب (٥) . (ر: فتح الباري ٧/٢٢)، والترمذي ٥/٥٨٣، وأبو داود ٤/٢١٢، وأحمد في مسنده ٥/٣٣١، ٣٤٦، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٥٠، وعن أنس بن مالك ﵁. ٥ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٩١. ٦ أخرجه مسلم ٤/١٨٨٠، والترمذي ٥/٥٨٢، البيهقي في الدلائل ٦/٣٥٢. وله شاهد من حديث سعيد بن زيد ﵁. أخرجه أبو داود ٤/٢١١، والترمذي ٥/٦٠٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٣٠، وقال الترمذي: "حسن صحيح". ٧ ليست في م.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
١١- معجزة: قال ابن عمر: "قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ . [سورة الزمر، الآية: ٦٧] . ثم قال: يمجد الجبار نفسه فيقول: أنا الجبار أنا الكبير المتعال، قرجف المنبر حتى قلنا: ليخرن عنه"١.
١٢- معجزة: ومن معجزاته ﷺ / (٢/١٥١/ب) سقوط الأوثان بإشارته. قال ابن عباس: "كان حول البيت ثلاثمائة وستّون صنمًا مثبتة الأرجل بالرصاص، فلما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح جعل يشير إليها٢ بقضيب كان في يده ولا يمسّها، ويقول: ﴿وَجَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ٨١] . فما أشار إلى وجه صنم إلاّ وقع لقفاه، ولا لقفاه إلاّ وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم"٣.
ومثله في حديث ابن مسعود٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢١٤٨، ٢١٤٩، وأحمد في مسنده ٢/٧٢، ٨٨، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/٣٩)، وابن أبي عاصم في السنة ١/٢٤٠. ٢ في م: إليهما. ٣ أخرجه أبو نعيم في ٥١٩، ٥٢٠، والبيهقي ٥/٧١، ٧٢، كلاهما في الدلائل من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عليّ بن أبي بكر عن عليّ بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وتابع عليًّا عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، أخرجه ابن هشام. (ر: السيرة ٤/٨٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٧٩، وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات، ورواه البزار باختصار". اهـ. قلت: للحديث شواهد منها: حديث ابن عمر ﵁ أخرجه ابن حبان. (ر: الموارد ص ٤١٦)، وأبو نعيم ص ٥١٩، والبيهقي ٥/٧٢، كلاهما في الدلائل. وحديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم ٣/١٤٠٥، ١٤٠٦. ٤ وحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٤٨) . (ر: فتح الباري٨/١٥،١٦)، ومسلم ٣/١٤٠٨، والبيهقي في الدلائل٥/٧١.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
١٣- معجزة: ومن معجزاته ﷺ سجود الأشياء له. قال بحيرا١ الراهب حين رأى رسول الله ﷺ: "هذا سيّد العالمين يبعثه الله رحمةً للعباد، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك بذلك يا بحيرا؟ فقال: إنه لم يبق شجر ولا [حجر] ٢ إلاّ سجد له وَخَرَّ بين يديه ولا يسجد إلاّ لنبيّ"٣.
_________________
(١) ١ بحيرا الراهب، ذكره ابن منده في الصحابة وتبعه أبو نعيم، وقصته معروفة في المغازي. وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في (القسم الرابع فيمن ذكر في كتب الصحابة غلطًا وبيان ذلك) . ثم قال: "وما أدري أدرك البعثة أم لا؟ واختلف في أمره، فقيل: كان من يهود تيماء،.وقيل: كان نصرانيًا من عبد القيس". وقال الحافظ: "إنما ذكرته في هذا القسم؛ لأن تعريف الصحابي لا ينطبق عليه. وهو: (مسلم لقي النّبيّ صلى الله عليه مؤمنًا به ومات على ذلك) . فقولنا (مسلم)؛ يخرج من لقيه مؤمنًا به قبل أن يبعث كهذا الرجل". اهـ. والله أعلم. (ر: تجريد أسماء الصحابة ١/٤٤، للذهبي، الإصابة ١/١٨٣، ١٨٤) . ٢ في ص، م (مدر)، وصححت من الشفا١/٥٩٣، ومن رويات الحديث في مصادرها. ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ١/٢٣٦-٢٣٩)، والترمذي ٥/٥٥٠، وابن أبي شيبة ٧/٣٢٧، ح رقم ٣٦٥٤٠، وعنه البيهقي في الدلائل ٢/٢٤-٢٦، وأبو نعيم ص ١٧٠-١٧١، والحاكم ٢/٦١٥-٦١٦، وعنه. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي بقوله: "أظنه موضوعًا. فبعضه باطل". كلهم من طريق قراد أبو نوح عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه ﵁. قال: فذكره في سياق طويل - وفيه -: "إن الراهب ناشد أبا طالب أن يرد الرسول صلى الله عليه إلى مكّة خوفًا عليه من أهل الكتاب، فلم يزل يناشده حتى ردّه وبعث معه أبو بكر بلالًا، وزوده الراهب من الكعك والزيت". اهـ. قال الترمذي: "حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه". وقال الذهبي في السيرة ص ٥٧،: "حديث منكر جدًّا، وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله صلى الله عليه بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلاّ بعد المبعث، وأيضًا فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب وردّه، كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرًا لخديجة؟ وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية". اهـ. بتصرف. وذكره ابن كثير في البداية ٢/٢٨٥-٢٨٦، وتكلم على الحديث بكلام قريب من الذهبي وزاد فيه قوله: "من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة". اهـ. بتصرف. قلت: عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي، ويقال الضبِّي المعروف بقراد ثقة له أفراد. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: "كان يخطئ". وقال الدارقطني: "ثقة له أفراد". (ر: التهذيب ٦/٢٢٣، التقريب ١/٤٩٤) .
[ ٢ / ٧٥٩ ]
١٤- معجزة: ومن معجزاته ﷺ إظلاله بالغمام؛ وفي الحديث١: "أنه ﵇ أقبل وغمامة تظله من الشمس فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجر، فلما جلس مال الفيء إليه"٢.
"ورأت خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله ﷺ حين قدم مع ميسرة / (٢/١٥٢/أ) غلامها من الشام وغمامة تظله من حرّ الشمس"٣.
ومن أنكر ذلك من اليهود والنصارى ورد٤ عليهم مثله في غمام موسى وعيسى، واضطرتهم الحال إلى التصديق وإلاّ شَوَّشُوا٥ قواعدهم إذ طريق الثبوت واحد.
_________________
(١) ١ أي: الحديث السابق الذي رواه بحيرا الراهب، وفيه ذكر سجود الشجر والحجر للنبي صلى الله عليه وإظلاله بالغمام صلى الله عليه. ٢ قال الذهبي في السيرة ص ٥٧: "أي: من الأمور المنكرة في هذا الحديث - فإذا كان عليه غمامة تظله، كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة؟ لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها؟!!! " اهـ. وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٢/٢٨٦، في تعليقه على الحديث أيضًا: "إن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا". اهـ. مع غرابة هذا الحديث ونكارته كما تقدم من بقية كلامه فيما سبق. ٣ أخرجه ابن سعد في الطبقات١/١٣٠،وعنه أبو نعيم في الدلائل ص١٧٢، من طريق محمّد الواقدي عن موسى بن شيبة عن عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك عن أم سعد بن الربيع عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى قالت:..فذكرته في سياق طويل. وذكره السيوطي في الخصائص ١/١٥٤، ١٥٥، وعزاه أيضًا إلى ابن عساكر. (ر: تهذيب تاريخ دمشق ١/٢٧٣-٢٧٤) . قلت: محمّد بن عمر الواقدي، الأسلمي، المدني القاضي، متروك مع سعة علمه. (ر: التقريب ٢/١٩٤، وذكره الذهبي في السيرة ص ٦٣، ٦٤، وقال: حديث منكر. ٤ في م: (أورد) . ٥ في م: (شقشقوا) .
[ ٢ / ٧٦٠ ]
١٥- معجزة: قالت عائشة: "كان عندنا داجن١ فإذا كان عندنا رسول الله ﷺ قَرَّ وثبت مكانه فلم يجئ ولم يذهب، وإذا خرج رسول الله ﷺ جاء وذهب"٢.
١٦- معجزة: ومن معجزاته ﵇ كلام العجماء وشهادتها له بالنّبوّة والرسالة؛ قال عمر: "إن رسول الله ﷺ كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي ومعه ضبّ قد صاده فقال: من هذا؟ قالوا: نبي الله. فقال: واللات والعزى لا آمنت بك حتى يؤمن بك هذا الضّبّ. وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ فقال النبي ﵇: يا ضبّ. فأجابه بلسان مبين: لبيك وسعديك يا زين مَن وافى القيامة. فقال: من تعبد؟ قال: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي / (٢/١٥٣/ب) النار عقابه. قال: فمن أنا؟ قال: رسول ربّ العالمين٣ وخاتم النبييّن قد أفلح مّن صدّقك وخاب مَن كذّبك. فأسلم الأعرابي"٤.
_________________
(١) ١ الداجن: هي: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، جمعها: دواجن. والمداجنة: حسن المخالطة، وقد يقع على غير الشاء من كلّ ما يألف البيوت من الطير وغيرها. (ر: النهاية ٢/١٠٢) . ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/١١٢، ١٥٠، ٢٠٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٨٠، والبيهقي في الدلائل ٦/٣١، كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن عائشة ﵂. وأورده الذهبي في السيرة النبوية - تاريخ الإسلام - ص ٢٤٩، بالإسناد السابق، قال: صحيح. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٦، ٧، وعزاه أيضًا إلى أبي يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، وقال: "رجال أحمد رجال الصحيح". وقال السيوطي في المناهل ص ١٢٩،: "وهو حديث صحيح". وعزاه أيضًا إلى الدارقطني وابن عساكر من طرق عن عائشة ﵂. (ر: الخصائص ٢/١٠٥) . ٣ في ص: (الله)، وصححت من م، والشفا ١/٥٩٥. ٤ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٦، ٣٧٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٦، ٣٧، كلاهما من طريق محمّد بن عليّ بن الوليد السلمي البصري، ثنا أبو محمّد بن عبد الأعلى، ثنا معتمر بن سليمان، ثنا كهمس بن الحسن، ثنا داود بن أبي هند عامر الشعبي، ثنا عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال: فذكره. قال البيهقي: "وقد رواه الحاكم في المعجزات بالإجازة عن ابن عدي الحافظ بنحو إسناده. ثم قال: وروي ذلك من حديث عائشة، وأبي هريرة، وماذكرناه هو أمثل الإسناد فيه". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٥-٢٩٧، في سياق طويل، وقال: "رواه الطبراني في الصغير والإوسط عن شيخه محمّد بن عليّ بن الوليد البصري، قال البيهقي:"والحمل في هذا الحديث عليه"،قال الهيثمي: (وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: محمّد بن عليّ بن الوليد، قال عنه الحافظ في اللسان ٥/٢٩٢، صدق والله البيهقي في قوله: "الحمل في هذا الحديث على السلمي، فإنه خبر باطل، وروى عنه الإسماعيلي في معجمه وقال: بصري منكر الحديث. ولكن قال السيوطي في الخصائص٢/١٠٨،:"لحديث عمر طريق آخر ليس فيه محمّد ابن الوليدأخرجه أبو نعيم، وقد وردمثله من حديث عليّ، أخرجه ابن عساكر".اهـ.
[ ٢ / ٧٦١ ]
وهذا أعجب من كلام الأخرس للمسيح، إذ كلام جنس الآدمي غير بعيد بخلاف الحيوان البهيم.
١٧- معجزة: ومن معجزاته ﵇ كلام الذئب. وقد جرى ذلك مرارًا. قال أبو سعيد الخدري: "بينا راعٍ يرعى غنمًا له إذ عرض له الذئب لشاة فانتزعها الراعي منه فأقعى١ الذئب، وقال للراعي: [ألا تتقي الله؟] ٢ حلت بيني وبين رزقي. فقال الراعي: العجب من ذئب يتكلم بكلام الآدميّين. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ رسول الله بين الحرتين يحدّث الناس بأنباء ما قد سبق، فجاء الراعي فأسلم وحدّث الناس بذلك"٣.
وفي طريق آخر٤: "أنت أعجب مني أقمت في غنمك وتركت نبيًّا لم يبعث الله نبيًّا قط أعظم منه، قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها ينظرون إليه وإلى أصحابه. فأسلم الراعي لذلك".
_________________
(١) ١ أقعى: ألصق أسته بالأرض ونصب ساقيه وفخذيه ووضع يديه على الأرض. (ر: النهاية ٤/٨٩) . ٢ هذه الإضافة من الشفا ١/٥٩٥. ٣ أخرجه الإمام أحمد ٣/٨٣، ٨٤، والترمذي مختصرًا ٤/٤١٣، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٣، والحاكم ٤/٤٦٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٤١، كلهم من طريق القاسم ابن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى القطان وابن مهدي". وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال البيهقي:"هذا إسناد صحيح وله شاهدمن وجه آخرعن أبي سعيدالخدري ﵁". وقال الشيخ الألباني في تخريج الحديث: "وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، رجال مسلم غير القاسم هذا، وهو ثقة اتفاقًا". (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة١/١٩١) . ٤ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/٣٠٦، بنحوه، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٤، كلاهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الأشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٥، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات". وقال السيوطي في المناهل ص ١٣٠،: "أخرجه أحمد بسند جيد". وفي الخصائص ٢/١٠٢: "أخرجه أحمد وأبو نعيم بسند صحيح".
[ ٢ / ٧٦٢ ]
وفي طريق آخر١: "أنت أعجب مني أقمت في غنمك وتركت نبيًّا لم يبعث الله نبيًّا قط أعظم منه، قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها ينظرون إليه وإلى أصحابه. فأسلم الراعي لذلك".
وقال صفوان٢ بن أمية وأبو٣ سفيان بن حرب: رأينا ذئبًا يطرد ظبيًا فدخل الظبي الحرم فانصرف الذئب / (٢/١٥٣/أ) قال: فعجبنا من ذلك. فقال الذئب: أعجب من ذلك محمّد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان: "واللات والعزى لإن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفًا٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/٣٠٦، بنحوه، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٤، كلاهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الأشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٥، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات". وقال السيوطي في المناهل ص ١٣٠،: "أخرجه أحمد بسند جيد". وفي الخصائص ٢/١٠٢: "أخرجه أحمد وأبو نعيم بسند صحيح". ٢ صفوان بن أمية الجحمي ﵁، أسلم بعد عزوة حنين، له ثلاثة عشر حديثًا. ٣ هو: صخر بن حرب بن أمية القرشي ﵁، مشهور باسمه وكنيته. أسلم يوم الفتح، له حديث واحد. ٤ هذا الخبر لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٣٠.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
١٨- معجزة: قال أنس بن مالك١: دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر حائط رجل من الأنصار وفيه غنم فسجدت لرسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: نحن أحقّ بالسجود لك منها يا رسول الله"٢.
وقال أبوهريرة: "دخل رسول الله ﷺ حائطًا، فجاء بعير فسجدله"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو محمّد عبد الله بن حامد الفقيه في دلائل النبوة. (ر: الشمائل ص ٢٧٣، والبداية ٦/١٦٠، كلاهما لابن كثير) . وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٩، كلاهما من طريق إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عباد بن يوسف الكندي عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك ﵁، قال: فذكره. قال ابن كثير بعد ذكره الحديث: "غريب وفي إسناده من لا يعرف". قلت: في إسناده أبو جعفر الرازي وهو: عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، صدوق، سيّء الحفظ، من كبار السبعة، مات في حدود الستّين. قال ابن حبان: "كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني لاحتجاج بحديثه إلاّ فيما وافق الثقات". (ر: التهذيب ١٢/٥٩، التقريب ٢/٤٠٦) . والربعي بن أنس البكري أو الحنفي، صدوق له أوهام، رمي بالتشيع، من الخامسة مات سنة أربعين أو قبلها. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: "الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديث عنه اضطرابًا كثيرًا". (ر: التهذيب ٣/٢٠٧، التقريب ١/٢٤٣) . فإسناده ضعيف لرواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس. والله أعلم. ٢ تتمة الحديث: "فقال: "إنه لا ينبغي من أمتي أن يسجد لأحد، ولو كان ينبغي أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". وذكره أيضًا الماوردي في أعلام النبوة ص ١٨٨) . ٣ أخرجه البزار. "ر: كشف الأستار ٣/١٥٠)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه دخل حائطًا فجاء بعير فسجد له، فقالوا: نحن أحقّ أن نسجد لك. فقال: لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٧، وقال: "رواه البزار - وروى الترمذي طرفًا من آخره: "لو أمرت أحدًا إلى آخره - وإسناده حسن"، ووافقه السيوطي في المناهل ص ١٣١.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وقال ثعلبة بن مالك١، وجابر ابن عبد الله٢، ويعلى بن مرة٣، وعبد الله بن جعفر٤، وعبد الله٥ بن أبي أوفى: "كان ببعض حيطان المدينة جمل لا يدخل أحد الحائط إلاّ شدّ عليه الجمل، فلما دخل رسول الله ﷺ دعاه
_________________
(١) ١ حديث ثعلبةبن أبي مالك، أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص٣٨٢،عن أبي بكربن خلاد عن أحمدبن إبراهيم بن ملحان عن يحيى بن بكيرعن الليث بن سعد عن أبي الهاد عنه. قلت: رجاله ثقات، إلاّ أن يعلبة بن أبي مالك القرظي، إمام بني قريظة، مختلف في صحبته. قال ابن معين: "له رؤية". وقال ابن حبان: "هو من ثقات التابعين". وقال أبو حاتم: "هو تابعي وحديثه مرسل". وقال الذهبي: "له رؤية وطال عمر له حديثان مرسلان". وقال الحافظ: "حديثه عن عمر في صحيح البخاري ومن يقتل أبوه بقريظة، ويكون هو بصدد من يقتل لولا الإنبات. لا يمتنع أن يصح سماعه فلهذا الاحتمال ذكرته في الإصابة". اهـ. (ر: التجريد١/٦٩،الجرح والتعديل٢/٤٦٣، التقريب١/١١٩، الإصابة ١/٢٠٩) . ٢ أخرجه أحمد ٣/٣١٠، وعنه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٨٠، والدارمي ١/١١، وابن أبي شيبة في مصنفه ٦/٣١٥، كلهم من طريق الأجلح عن ذيال بن حرملة عن جابر ﵁، قال: فذكره بلفظ المؤلِّف. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٠، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف". قلت: له وجه آخر صحيح من طريق إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عنه". أخرجه البيهقي في الدلائل٦/١٨،في سياق طويل، وقد تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٥٠) . ٣ حديث يعلى بن مرة عن أبيه في سياق طويل، أخرجه أحمد في مسنده ٤/١٧٢، والحاكم ٢/٦١٧، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٢٠، كلهم من طريق الأعمش عن المنهال بن عمرو عنه عن أبيه. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وللحديث عدة طرق ذكرها الإمام ابن كثير في الشمائل ص ٢٦٣-٢٦٧، وقال: "فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة". اهـ. ٤ حديث عبد الله بن جعفر ﵁ أخرجه أبو داود ٣/٢٣، وابن أبي شيبة ٦/٣٢١، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٦، كلهم من طريق مهدي بن ميمون عن محمّد أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عنه. وأخرجه مسلم بالإسناد نفسه ١/٢٦٨، إلاّ أنه لم يذكر فيه سجود الجمل للنبي صلى الله عليه. ٥ حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁، أخرجه أبو نعيم ص ٣٨٤، والبيهقي ٦/٢٩، كلاهما في الدلائل من طريق فائد أبي الورقاء عنه. قلت: فائد بن عبد الرحمن، أبو الوفاء العطار، متروك، من صغار الخامسة. (ر: التقريب ٢/١٠٧) .
[ ٢ / ٧٦٥ ]
فوضع الجمل. مشفره في الأرض وبرك بين يديه فخطمه، وقال: ما بين السماء والأرض شيء إلاّ ويعلم أني رسول الله ﷺ إلاّ عاصي الجنّ والإنس".
١٩- معجزة: روى الإسفرائيني: أن العضْبَاء١ ناقة رسول الله ﷺ / (٢/ ١٥٣/ب) بعد وفاته لم تأكل ولم تشرب ثم ماتت غما عليه ﷺ ٢.
وروى أن يعفور حماره بعد وفاته جاء إلى بئر فردَّى نفسه فيه فهلك٣.
_________________
(١) ١ قال ابن الأثير: "هو علم لها منقول من قولهم: ناقة عضباء، أي: مشقوقة الأذن. ولم تكن مشقوقة الأذن. - وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأوّل أكثر. وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء، وهي: القصيرة اليد". (انظر: النهاية ٣/٢٥١) . ٢ ورد النّصّ في الشفا ١/٦٠١، كالآتي: "وفي قصة العضباء وكلامها للنبي صلى الله عليه وتعريفها له بنفسها ومبادرة العشب إليها في الرعي وتجنب الوحوش عنها وندائهم لها: إنك لمحمّد..، وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت، ذكره الإسفرائيني". اهـ. قلت: لم يخرجه السيوطي في مناهل الصفا ص ١٣١، وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٨٢: "وهذا الحديث لم يخرجوه ولا يعرف من رواه". وقال القاري في شرحه للشفا: "قال الدلجي: وأما قصة العضباء فلم أدرِ من رواها". ٣ أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ١/٢٩٣، ٢٩٤، والسيوطي في اللآليء المصنوعة ١/٢٧٦، وذكره ابن عراق في تنْزيه الشريعة ١/٣٢٦، من حديث أبي منظور - وكانت له صحبه - في سياق طويل. وقال رواه ابن حبان من طريق محمّد بن مزيد أبي جعفر مولى أبي هاشم. وقال: "لا أصل له". وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع، فلعن الله واضعه، فلأنه لم يقصد إلاّ القدح في الإسلام والاستهزاء به". اهـ. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٨٦، مختصرًا من طريق عبد الله بن أذنية الطائي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل ﵁. قلت: عبد الله بن أذنية، قال عنه ابن حبان: "حدثّنا جمزة بن داود، ثنا إسماعيل بن عيسي بن زاذان الأيلي، ثنا عبد الله بن أذينة، بنسخة لا يحل ذكرها إلاّ على سبيل القدح"، وقال ابن عدي: "هو عبد الله بن عطارد بن أذنية الطائي بصري منكر الحديث"، وقال الحاكم والنقاش: "روى أحاديث موضوعة". وقال الدارقطني: "متروك الحديث". (ر: اللسان ٣/٢٥٧) .
[ ٢ / ٧٦٦ ]
٢٠- معجزة: روى ابن وهب: أن حمام الحرم أظلت رسول الله ﷺ عام الفتح عند دخوله مكّة فدعا لها بالبركة١.
٢١- معجزة: [عن عبد الله بن قرط] ٢ قال: قُرِّب إلى رسول الله ﷺ بدنات خمس أو ستّ في يوم عيد لينحرهن فازدلفن إليه بأيّهن يبدأ صلى الله عليه وسلم٣.
الباب العاشر: في البشائر الإلهيّة بالعزّة المحمّديّة
٢٢- معجزة: قالت أم [سلمة] ٤: "بينا رسول الله ﷺ في صحراء إذ نادته ظبية: يا رسول الله! قال: ما حاجتك؟ قالت: صادني هذا الأعرابي ولي خشفان٥ في ذلك الجبل أرضعهما وأرجع. قال: أو تفعلين؟ قالت: نعم. فأطلقها فذهبت ورجعت فانتبه الأعرابي وأسلم وخلَّى عن الظبية فخرجت تعدو في الصحراء وهي تقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنك رسول الله"٦.
_________________
(١) ١ لم يخرجه السيوطي في مناهل الصفا ص ١٣١. وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٨٢، ٨٣،: "وهذا الحديث لم يخرجوه". وقال القاري في شرحه للشفا: "قال الدلجي: "وأما قصة العضباء فلم أدر من رواها ولا حديث حمام مكة". ٢ في ص، م: (روى ابن وهب) . وهو خطأ من الناسخ حيث كرر ما قبله، والتصويب من الشفا ١/٦٠٢. وهو: عبد الله بن قرط الأزدي الثمالي، قال البخاري وأبو حاتم وابن حبان: "له صحبة، شهد اليرموك واستعمله أبو عبيدة على حمص في عهد عمر، وكان على حمص في خلافة معاوية واستشهد بأرض الروم سنة ٥٦هـ". (ر: الاستيعاب ٣/٩٧٨، الإصابة ٤/١١٨، ١١٩) .
(٢) أخرجه أبو داود ٢/١٤٨، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٢٥٨)، والحاكم ٤/٢٢١، كلهم من طريق ثور عن راشد بن سعد عن عبد الله بن عامر بن لحي عن عبد الله ابن قرط (. قال الحاكم: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» . ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قال الحاكم. ٤ في ص، م: (أم سليم)، وصححت من الشفا ١/٦٠٢، وهي هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين ﵂. ٥ الخِشْفُ: مثلثة: ولد الظبي أوّل ما يولد، أو أوّل مشيه. (ر: القاموس ص ١٠٣٩) . ٦ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٨، وقال: "رواه الطبراني، وفيه أغلب بن تميم، وهو ضعيف". اهـ. وأورده السيوطي في الخصائص ٢/١٠١، وعزاه أيضًا لأبي نعيم، ثم قال: في "إسناده أغلب بن تميم وهو ضعيف. ولكن للحديث طرق كثيرة تشهد بأن للقصة أصلًا". اهـ. قلت: الطرق التي أشار إليها السيوطي - يقصد بها الشواهد على طريقة المتقدمين مثل البيهقي وغيره - ومن هذه الشواهد: أ- حديث أنس بن مالك ﵁، أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٧٦، من طريق صالح المري - وهو ضعيف - عن ثابت به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٧، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط". اهـ. ب- حديث زيد بن أرقم ﵁، أخرجه أبو نعيم ص ٣٧٥، والبيهقي ٦/٣٤، في الدلائل. جـ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٣٥. فبمجموع هذه الشواهد يرتقي الحديث إلى درجة الحسن لغيره ويدل على أن للحديث أصلًا وقصة. قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص ١٥٦: "حديث تسليم الغزالي، اشتهر على الألسنة وفي المدائح النبوية، وليس له-كما قاله ابن كثير- أصل. ومن نسبه إلى النبي فقد كذب. ولكن قد ورد الكلام - يعني: ورد تكليم الغزالة لرسول الله ﷺ وهو حديثنا هذا لا تسليمها - في الجملة في عدة أحاديث يتقوى بعضها ببعض، أوردها شيخنا. (أي: الحافظ ابن حجر)، في المجلس الحادي والستين من تخريج أحاديث المختصر (أي: مختصر ابن الحاجب في الأصول". اهـ.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
٢٣- معجزة: ومن معجزاته تسخير السباع لغلمانه، قال سفينه١ مولى رسول الله ﷺ: "أرسلني ﵇ إلى معاذ باليمن فانكسرت بيَ السفينة فطلعت إلى جزيرة فاستقبلني الأسد / (٢/١٥٤/أ) فقلت: أنا مولى رسول الله ﷺ ومعي كتابه. فهمهم وجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق. فلما رجعت من اليمن لقيت الأسد أيضًا
_________________
(١) ١ سفينة مولى رسول الله ﷺ، أبو عبد الرحمن، اختلف في اسمه كثيرًا، كان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه خدمة رسول الله ﷺ، ما عاش، وسفينة لقب له؛ فإنه حمل مرة متاع الرفاق فقال له النبي ﷺ: وما أنت إلاّ سفينة. فلزمه ذلك. توفي بعد سنة سبعين. (ر: الاستيعاب ٢/٦٨٤، سير أعلام النبلاء ٣/١٧٢، الإصابة ٣/١٠٩) .
[ ٢ / ٧٦٨ ]
فهمهم بشيء فقصصت ذلك على رسول الله ﷺ فقال: إنه يقول: سَلِّم على رسول الله ﷺ"١.
وكذلك جرى لسفينة في فتوح الشام٢ حكاه الواقدي.
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في الشفا ١/٦٠٣، ٦٠٤، كالاتي: "ومن هذا الباب ما روي من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول الله ﷺ إذ وجهه إلى معاذ باليمن فلقي الأسد فعرفه أنه مولى رسول الله ﷺ، ومعه كتابه فهمهم وتنحى على الطريق، وذكر في منصرفه مثل ذلك. وفي رواية أخرى عنه: أن سفينة تكسرت به فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد فقلت: أنا مولى رسول الله ﷺ فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الأرض".اهـ. قال السيوطي في المناهل ص ١٣٢: "حديث تسخير الأسد لسفينة إذ وجهه إلى معاذ لم أقف عليه هكذا، وأخرج البيهقي أن ذلك وقع لسفينة حين ضلّ عن الجيش في أرض الروم. أما حديث:"إنه تكسرت به سفينة "، الحديث، فقد أخرجه البزار والبيهقي".اهـ. قلت: الرواية الأخيرة أخرجها الحاكم ٣/٦٠٦، والبزار. (ر: كشف الأستار ٣/٢٧١)، وأبو نعيم في الدالائل ص ٥٨٣، ٥٨٤، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٥، ٤٦، كلهم من طريق محمّد بن المنكدر أنّ سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها فركبت لوحًا من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد فأقبل إليّ يريدني. فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله ﷺ فطأطأ رأسه وأقبل إليّ فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق وهمهم فظننت أنه يودعني". وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن سعد وأبي يعلى وابن منده. (ر: الخصائص ٢/١٠٨) . وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٦٩، ٣٧٠، وقال: "رواه البزار والطبراني بنحوه، ورجالهما وثقوا". اهـ. ٢ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٤٦، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الحجبي عن ابن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله ﷺ أخطأ الجيش بأرض الروم أو أسر في أرض الروم، فانطلق هاربًا يلتمس الجيش فإذا هو بالأسد ، فذكره بنحوه. ونقله ابن كثير عن البيهقي في البداية ٦/١٦٨.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
٢٤- معجزة: وأخذ رسول الله ﷺ بأذن شاء [لقوم من بني] ١ عبد القيس بين أصابعه ثم خلاّها فصار ذلك مَيْسمًا٢ وبقي فيها وفي نسلها بعد٣.
٢٥- معجزة: أصاب رسول الله ﷺ وأصحابه عطش في بعض أسفاره وكانوا ثلاثمائة رجل فجاءته عنْزل فحلبها ﵇ فأروى الجند هم على غير ماء ثم قال لرافع: املكها وما أراك تقدر. فربطها فوجدها قدذهبت. فقال ﵇: إن الذي جاءبهاهوالذي ذهب بها٤. رواه ابن٥ قانع وغيره.
_________________
(١) ١ في ص، م: (لعبد القيس)، وصححت من الشفا ١/٦٠٤. ٢ الوَسْم: اسم الآلة التي يكوى بها ويُعَلَّم، وأطلقت على العلامة والأثر التي تتركها الآلة مجازًا. (ر: المصباح المنير ص ٦٦٠) . ٣ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٣٣. وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٩٣: "وهذا الحديث لا يعلم من رواه من المحدّثين". وقال القاري في شرحه للشفا: "قال الدلجي: لا أدري من رواه". ٤ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٢٦، والبيهقي في الدلائل ٦/١٣٧، كلاهما من طريق خلف بن خليفة عن أبان بن بشير عن شيخ من أهل البصرة عن نافع وكانت له صحبه مع رسول الله ﷺ فذكره. قلت: أبان بن بشير المكتب قال ابن أبي حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: لا أدري سمع من أبي هاشم أم لا. (ر: لسان الميزان ١/٢٠، ابن أبي حاتم في الجرح ٢/٢٩٨)، وفي الإسناد جهالة ظاهرة. وله تابع أخرجه البيهقي من طريق خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني عن نافع. قلت: أبو هامش الرماني، الواسطي، ثقة، من السادسة. ممن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، ولم يثبت عنه أنه روى عن نافع. مات سنة ١٢٢، وقيل: ١٤٥. (ر: التهذيب ١٢/٢٨٦، التقريب ٢/٤٨٣، الجرح والتعديل ٩/١٤٠) . ونقله ابن كثير في البداية ٦/١٠٣، عن البيهقي، وقال: "حديث غريب جدًّا متنًا وإسنادًا". ٥ عبد الباقي بن قانع الأموي، بالولاء، البغدادي، أبو الحسين، قاض، كان ثقة أمينًا حافظًا، ولكنه تغير في آخر عمره. وقال الدارقطني: "كان يخطئ ويصر على الخطأ". له كتاب: (معجم الصحابة) تعقبه ابن فتحون وبين ما فيه من أوهام في الحديث. توفي سنة ٣٥١هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ١٥/٥٢٦، البداية ١١/٢٤٢، لابن كثير، الإعلام ٣/٢٧٢) .
[ ٢ / ٧٧٠ ]
قال المؤلِّف: هذه الآية نظير آية صالح ﵇.
٢٦- معجزة: روى الواقدي أن النبيّ ﵇ أرسل رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الدين والإيمان / (٢/١٥٤/ب) بالله عزوجل فخرجوا متوجهين فأصبحوا في يوم واحد وكلّ رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين أرسل إليهم١.
قال المؤلِّف: هذه الآية مضاهية ما حكاه الإنجيل عن أصحاب المسيح الذين أرسلهم٢. فإن قدحوا فيها ومنعوا صحّتها لم يسلموا من مقابلتهم مثل ذلك فيما نقلوه، إذ طريق الثبوت واحد.
٢٧- معجزة: قال أبو هريرة: أهديت يهودية للنبي ﵇ بخيبر شاة مسمومة فأكل وأكل القوم. فقال ﵇: "ارفعوا أيديكم، إن الذراع تخبرني أنها مسمومة"، ثم قال لليهودية: "ما حملك على ذلك؟ ". قالت: قلت: إن كان نبيًّا لم يضرَّه، وإن كان ملكًا أرحت الناس منه. فقال ﵇: "ما كان الله ليسلّطكِ عليَّ".
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/٢٦٤، عن بريدة والزهري وزيد بن رومان والشعبي - دخل حديث بعضهم في بعض - مرسلًا. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/٣٤٧، رقم: ٣٦٦٢٨، ثنا حاتم بن إسماعيل عن يعقوب عن جعفر بن عمرو، قال: فذكره. قلت: حاتم بن إسماعيل أبو إسماعيل، صحيح الكتاب صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ١٨٦هـ، أو ١٨٧هـ. (ر: التقريب ١/١٣٧) . وجعفر بن عمرو الخمري، المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة ١٩٥هـ، أو ١٩٦هـ. (ر: التقريب ١/١٣١) . فالحديث مرسل. ٢ سفر أعمال الرسل ٢/١-٢١.
[ ٢ / ٧٧١ ]
روى ذلك جابر١ بن عبد الله، والحسن٢، وأبو سلمة٣، وأنس٤، وأبو هريرة٥، وأبو سعيد٦. قال ابن عباس٧: "فدفعها لأولياء بشر بن البراء فقتلوها، وقد خُرِّج حديث الشاة في الصحيح".
_________________
(١) ١ حديث جابر بن عبد الله ﵁، أخرجه أبو داود ٤/١٧٤، وعنه البيهقي في الدلائل ٤/٢٦٢، من طريق سليمان بن داود المهري عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب الزهري عنه. قلت: إسناده حسن. فإن يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، ثقة إلاّ أن في روايته عن الزهري، وهما قليلًا. وفي غير الزهري خطأ. (ر: التقريب ٢/٣٨٦) . ٢ هو: الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، تابعي ثقة فاضل مشهور، كان يرسل كثيرًا. توفي سنة ١١٦هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٤/٥٦٣، التهذيب ٢/٢٦٣) . قلت: رواية الحسن البصري أخرجها ابن سعد ٢/٢٠٠، عن عمر بن حفص عن مالك بن دينار عنه. ٣ هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، تابعي ثقة مكثر من الحديث، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. توفي سنة٩٤هـ. (ر: سير أعلام النبلاء٤/٢٧٨، التهذيب ١٢/١٢٧) . وروايته أخرجها أبو داود ٤/١٧٤، وعنه البيهقي في الدلائل ٤/٢٦٢، وابن سعد في الطبقات ٢/١٧٢، والدارمي ١/٣٢، كلهم من طريق محمّد ابن عمرو عنه - مرسلًا. وفيه: "فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت". قال البيهقي: "ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمّد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة، ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها. والله أعلم". اهـ. قلت: وبالإسناد الذي وصله البيهقي يكون الحديث حسنًا. فإن محمّد بن عمرو الليثي، صدوق، له أوهام. (ر: التهذيب ٩/٣٣٣، التقريب ٢/١٩٦) . ٤ حديث أنس بن مالك ﵁، أخرجه البخاري في كتاب الهبة باب (٢٨) . (ر: فتح الباري ٥/٢٣٠)، ومسلم ٤/١٧٢١، وأبو داود ٤/١٧٣، أحمد في مسنده ٣/٢١٨، وأبو نعيم في الدلائل ص ١٩٧، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٥٩. ٥ حديث الشاة المسمومة، رواه أبو هريرة ﵁، وأخرجه البخاري في كتاب الجزية باب (٧) . (ر: فتح الباري٦/٢٧٢)، وأبوداود٤/١٧٣، والدارمي١/٣٣، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٥٦. ٦ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ١٩٦، والحاكم ٤/١٠٩، وصححه ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في المجمع ٨/٢٩٩، وقال: "رواه البزار". (كشف الأستار ٣/١٤١) . ورجاله ثقات. ٧ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخرجه أحمد في مسنده١/٣٠٥، وابن سعد ٢/٢٠٠، ٢٠١، كلاهمامن طريق عبادبن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عنه. وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٤٢٥، أيضًا إلى أبي نعيم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٨، وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير هلال بن خباب، وهو ثقة". اهـ. قلت: وهو ثقة كما قال الهيثمي. (ر: الجرح والتعديل ٩/٧٥) .
[ ٢ / ٧٧٢ ]
٢٨- معجزة: روى فهد١ بن عطية، قال: "أتى رسول الله ﷺ بصبي وقد شَبَّ ولم يتكلم / (٢/١٥٥/أ) قط، فقال له: من أنا؟ فقال: أنت رسول الله٢.
وهذه الآية مضاهية لآية المسيح في كلامه المجنون الأخرس، وكما لا يقدح تكذيب اليهود لا يقدح تكذيب النصارى لآية محمّد ﵇.
٢٩- معجزة: قال مُعَرِّض٣ بن معيقب: "رأيت النبي ﷺ فرأيت عجبًا، أتي بصبي يوم ولد فقال له: من أنا؟ قال رسول الله. فقال له: صدقت بارك الله فيك. وذلك في حجّة الوداع بمكّة فهو مبارك اليمامة صدق الله ورسوله"٤.
_________________
(١) ١ قال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٩٧: "قال البرهان الحلبي: لا أعرفه بدال ولا براء، والذي في البيهقي أنه شمر بن عطية بعض أشياخه فيحتمل أنه تحرف على الناسخ". وقال القاري: "وكلاهما لا يعرف على ما ذكره الدلجي تبعًا للحلبي". ٢ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٦١، عن أبي عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن الأعمش عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال:، فذكره. قلت: إسناده منقطع وفيه جهالة ظاهرة، وشمر بن عطية الأسدي صدوق، من السادسة. (ر: التقريب ١/٣٥٤) . ٣ مُعَرِّض بن مُعَيقيب اليمامي، جاء منه حديث في المعجزات تفرد به ولده عنه، قال ابن السكن: "له حديث في أعلام النبوة لم أجده عند الكديمي عن شيخ مجهول فلم أتشاغل بتخريبه". اهـ. (ر: الإصابة ٦/١٢٤) . ٤ أخرجه ابن قانع. (ر: الإصابة ٦/١٢٤)، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٩، كلاهم من طريق محمّد بن يونس الكديمي عن شاصونه بن عبد عبيد عن معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليماني من أبيه عن جدّه. قال الحافظ: "ومعرض وشيخه مجهولان، وكذلك شاصونه، واستنكروه على الكديمي". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص ١٣٥: "أخرجه البيهقي وابن عساكر، وقال ابن دحية: إنه موضوع" اهـ. قلت: الكديمي ضعيف. وقد تقدمت ترجمته. (ر: ص ٧٥٧)، وقال ابن عدي عنه. اتهم بوضع الحديث وبسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم ورواية عن قوم لا يعرفون. وترك عامة مشايخنا الرواية عنه". اهـ. (ر: الكامل ٦/٢٩٢) .
[ ٢ / ٧٧٣ ]
٣٠- معجزة: قال الحسن١: "أتى رجل رسول الله ﷺ فذكر أنه طرح بُنَيَّة له في وادي كذا، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها: يا فلانة أجيْبِي بإذن الله. فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك. فقال لها: إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردك إليهما، فقالت: لا حاجة لي بهما وجدت الله خيرًا لي منهما"٢.
٣١- معجزة: ومن معجزاته حياة الشاب الأنصاري بعد موته: قال أنس: "توفي شاب من الأنصار وله أم عجوز عمياء قال أنس: فسجيناه وعزيناها، فقالت: أمات ولدي؟ قلنا: نعم. فقالت: اللهم إن كنت تعلم/ (٢/١٥٥/ب) إني هاجرت [إليك] ٣ وإلى نبيّك رجاء أن تعينني على كلّ شدّة، فلا تحملن عليّ هذه المصيبة، قال أنس: فما برحنا حتى كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا٤.
_________________
(١) ١ هو: الحسن البصري. ﵀. ٢ الحديث لم يخرجه السيوطي في مناهل الصفا ص ١٣٥. وقال القاري في شرحه للشفا ٣/٩٩: "والحديث عن الحسن لم نعلم من رواه، كذا ذكره الدلجي ، ثم رأيت الحديث في دلائل البيهقي صريحًا في إحيائها حديث ذكر ، " الخ. اهـ. قلت: لم أقف عليه في دلائل البيهقي، وقد أورده الماوردي في أعلام النبوة ص ١٤١. ٣ هذه الإضافة من الشفا ١/٦١٥. ٤ أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه: (من عاش بعد الموت ص ١٩، ٢٠)، وابن عدي. (ر: الكامل٤/٦٢)، وأبو نعيم في الدلائل ص٦١٨، والبيهقي في الدلائل٦/٥٠، ٥١، كلّهم من طريق صالح المري عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁، قال: ، فذكره. قال ابن عدي: "صالح بن بشير المُرِّي البصري هو رجل قاص، ضعفه ابن معين، والبخاري، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه منكرات ينكرها الأئمة عليه، وليس هو بصاحب حديث، وإنما أتي من قلة معرفته بالأسانيد والمتون، وعندي مع هذا لا يتعمد الكذب بل يلغط بينا". (ر: الكامل ٤/٦٤، التقريب ١/٣٥٨) .
[ ٢ / ٧٧٤ ]
قال المؤلِّف: قال نقلة الإنجيل: "إن المسيح أحيا ابن المرأة"١، وهذه الآية أعظم شأنًا منها؛ إذ هي جرت على يد امرأة ضعيفة من أتباع نبيّنا محمّد ﷺ ببركة هجرتها إليه ﷺ فكما لا يضرّ ردّ اليهود لآية المسيح فكذلك لا يضرّ ردّ النصارى لآية محمّد ﷺ.
٣٢- معجزة: عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري، قال: كنت فيمن دفن ثابت٢ بن قيس بن الشماس وكان قتل باليمامة فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول: محمّد رسول الله، أبو بكر الصّدِّيق، عمر الشهيد، عثمان الرحيم، فنظرنا فإذا هو ميّت"٣.
٣٣- معجزة: أخرى من جنسها، قال النعمان٤ بن بشير: "بينا زيد٥ بن خارجة مارًا في بعض سكك المدينة إذخَرَّ ميتًا فرفع وسُجِّي فسمعوه بين العشائين النساء يصرخن حوله يقول: "أنصتوا أنصتوا.
_________________
(١) ١ يوحنا ١١/١-٤٦. ٢ ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، استشهد في يوم اليمامة سنة ١٢هـ، له حديث واحد. (ر: الاستيعاب ١/٢٠٠، سير أعلام النبلاء ١/٣٠٨، الإصابة ١/٢٠٣) . ٣ أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه من عاش بعد الموت ص ٢٩، والبيهقي عنه في الدلائل ٦/٥٨، عن خلف بن هشام البزار عن خالد الطحان عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عبيد الأنصاري: أن رجلًا من قتلى مسيلمة تكلم، فقال: محمّدرسول الله أبوبكر الصّدِّيق عثمان اللين الرحيم، لا أدري أيش قال لعمر".اهـ. قلت: إسناده ضعيف. فإن عبد الله بن عبيد الأنصاري، مجهول، من الثالثة. (ر: التقريب ١/٤٣١) . ٤ النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، أوّل مولود بعد الهجرة النبوية، الصحابي المعروف، له مائة وأربعة عشر حديثًا. ٥ زيد بن خارجة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، قال الذهبي: المتكلم بعد الموت على الصحيح، توفي زمن عثمان بن عفان، له حديث واحد. (ر: الاستيعاب ٢/٥٤٧، التجريد ١/١٩٨، الإصابة ٣/٢٧) .
[ ٢ / ٧٧٥ ]
وحسر عن وجهه/ (٢/١٥٦/أ) وقال: محمّد رسول الله النبي الأمّيّ خاتم النّبيّين كان ذلك في الكتاب الأوّل، ثم قال: صدق صَدق [وذكر أبا بكر وعمر وعثمان] ١، ثم قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم خرَّ ميتًا كما كان"٢.
٣٤- معجزة: قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة: لما كان يوم أحد أصيبت عين [قتادة] ٣ حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله ﷺ فكانت أحسن عينيه٤.
_________________
(١) ١ هذه الإضافة من الشفا ١/٦١٦. ٢ أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه: (من عاش بعد الموت ص ٢٢)، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٥٥، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن يونس عن عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: جاءنا يزيد بن النعمان بن بشير بكتاب أبيه النعمان بن بشير ، فذكره في سياق طويل. ثم رواه البيهقي في الدلائل ٦/٥٧، عن أبي نصر بن قتادة عن أبي عمرو بن نجيد عن عليّ بن الحسين بن الجنيد عن المعافي بن سليمان عن زهير بن معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد ، فذكره. قال البيقهي: "هذا إسناد صحيح". اهـ. وله شواهد، منها: حديث أنس بن مالك ﵁، أخرجه ابن أبي الدنيا في: (من عاش بعد الموت ص ٢٦، ٢٧) . ورواية سعيد بن المسيب أخرجها البيهقي ٦/٥٥، ٥٦، وقال: "هذا إسناد صحيح، وله شواهد". اهـ. وقال ابن كثير في الشمائل ص ٢٩٨-٣٠١، ٥٦٥،: "وأما قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته للبني ولأبي بكر وعمر وعثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة". اهـ. ٣ في ص، م: (أبي قتادة)، وصححت من للشفا ١/٦١٧. وهو قتادة بن النعمان الأوسي الظفري. صحابي مشهور، يكنى أبا عمرو، مات في خلافة عمر - ﵃ -. له سبعة أحاديث. ٤ أخرجه ابن إسحاق، قال: "حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: ، فذكره. (ر: السيرة ٩/١١٩)، وعنه البيهقي في الدلائل ٣/٢١٥، وإسناده منقطع، وقد وصله أبو نعيم في الدلائل ص ٤٨٣، من طريق ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن محمود ابن لبيد عن قتادة بن النعمان ، فذكره. وأوردهالحافظ في الإصابة٥/٢٣٠بالإسنادالسابق وعزاه أيضًاللدارقطني وابن شاهين. قلت: إسناده صحيح، فإن ابن إسحاق إمام في المغازي، وقدصرح بالسماع من عاصم. وأما عاصم بن عمر بن قتاة الأوسي، فهو ثقة عالم بالمغازي. وأما محمود بن لبيد الأوسي، فإنه صحابي صغير وجل روايته عن الصحابة. (ر: التقريب ١/٣٨٥، و٢/٢٣٣) . وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عن قتادة أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٢٥٣، وعزاه الحافظ في الإصابة ٥/٢٣٠ إلى الدارقطني أيضًا.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
قال المؤلِّف: هذا أغرب مما نقلته التوراة عن يوسف الصّدِّيق ﵇ في عيني أبيه، فقد جمع الله لنبيّنا محمّد ﷺ ما تفرق من آيات الرسل والأنبياء وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء.
٣٥- معجزة: نقل رسول الله ﷺ على أثر سهم في وجه أبي١ قتادة الأنصاري في يوم ذي قَار٢، قال أبو قتادة: فما ضرب عليّ ولا قاح٣.
_________________
(١) ١ هو: أبو قتادة بن ربعي الأنصاري، الصحابي المعروف بكنيته، واختلف في اسمه فالمشهور أنه الحارث، وقيل: النعمان أو عمرو. ٢ وتسمى: غزوة الغابة. وهي ماء على ليلتين - وقيل: ليلة من المدينة بينهما وبين خيبر وكانت سنة ست من الهجرة الشريفة. (ر: السيرة ٣/٣٩٠-٤٠٠، لابن هشام، المغازي ص ٣٣٣، وما بعدها للذهبي) . ٣ أخرجه الواقدي في مغازيه ٢/٥٤٤، ٥٤٥، والحاكم ٣/٤٨٠، كلاهما من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن جدّه ﵁. قال: "أدركني رسول الله ﷺ، يوم ذي قرد فنظر إليّ، فقال: اللهم بارك له في شعره، وبشّره. وقال: أفلح وجهك. قلت: ووجهك يا رسول الله. قال: قتلت مسعدة. قلت: نعم. قال: فما هذا الذي بوجهك؟ قلت: سهم رميت به يا رسول الله. قال: فادن. فدنوت منه فبصق عليه فما ضرب عليّ قط ولا قاح". اهـ. وسكت عنه الحاكم والذهبي. قلت: يحيى بن عبد الله ذكره البخاري في تاريخه ٨/٢٨٣، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/١٦٠، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وعبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، ثقة من الثانية. مات سنة ٩٥. (ر: التقريب ١/٤٤١) . وتابع يحيى عليه عكرمة بن عبد الله بن أبي قتادة، أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/٩١-١٩٣، في سياق طويل. وتابعه أيضًا عليه ثابت بن عبد الله بن أبي قتادة به ذكره الحافظ في الإصابة ٧/١٥٥، وعزاه إلى أبي نعيم والطبراني، قال الطبراني: "لم يروه عن أبي قتادة إلاّ ولده ولا سمعناه إلاّ من عنده". اهـ. بتصرف. وثابت بن عبد الله بن أبي قتادة، ذكره ابن حبان في الثقات ٤/٩١، وله ترجمة في التاريخ الكبير ٢/١٦٨.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
٣٦- معجزة: روى النسائي عن عثمان١ بن حنيف، قال: جاء أعمى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي بصري. قال: انطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة، يا محمّد إني أتوجه بك / (٢/١٥٦/ب) إلى ربّك أن يكشف عن بصري. اللهم شفّعه فِيَّ. قال: فرجع الأعمى وقد كشف الله عنه بصره٢.
قال المؤلِّف: هذه الآية تُؤمه آية٣ الإنجيل، وتؤمه آية اليسع في نعمان الرومي وقد حكيناهما فيما تقدم٤.
_________________
(١) ١ عثمان بن حنيف بن واهب الأنصاري ﵁، أبو عبد الله أخو سهل بن حنيف، عمل لعمر ثم لعلي، سكن الكوفة، وتوفي في خلافة عثمان، وتوفي في خلافة عثمان، وله حديثان. (ر: الاستيعاب ٣/١٠٣٣، سير أعلام النبلاء ٣/٣٢٠، الإصابة ٤/٢٢٠) . ٢ أخرجه أحمد في مسنده٤/١٣٨، والترمذي٥/٥٣١، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص ٢٠٤، ٢٠٥، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/٢٣١)، والحاكم ١/٣١٣، والبيهقي في الدلائل ٦/١٦٦، كلهم من طريق عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر، قال: سمعت عمارة بن خزيمة يحدّث عن عثمان بن حنيف ﵁، أن: ، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب لا يعرف إلاّ من هذا الوجه". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: "ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شبعة". قلت: وهذا الحديث مما استدل به المبتدعة على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي ﷺ، أو غيره من الصالحين أو التوسل بالذات، ولكن هذا الحديث لا حجّة لهم فيه، بل هو دليل على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع وهو التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح. (للتوسع ر: التوسل ص ٧٥، وما بعدها، للألباني، والتوصل إلى حقيقة التوسل ص ٢٣٦، وما بعدها للرفاعي) . ٣ أي: تُنْسي، وأصله: أَمِهَ. أي: نسي. (ر: القاموس ص ١٦٠٣) . ٤ ر: ص: ١٧٩.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
٣٧- معجزة: ومن معجزاته ﵇ إبراء علّه الاستسقاء: مرض ابن ملاعب الأسنة١ بالاستسقاء فبعث إلى رسول الله ﷺ رسولًا، فأخذ ﵇ قبضة من الأرض فتفل عليها ثم أعطاها رسوله فأخذها متعجبًا يرى أنه قد هزى به. فأتاه بها وهو على شفا٢ فشربها الرجل فشفاه الله تعالى٣.
قال المؤلِّف - ﵀ - حكت التوراة٤ أن موسى أمر قومه أن يسقوا مَنِ اتَّهمها زوجها بالزنى من طين يكون أسفل المذبح مخلوط برماد بقرة، فإن كانت المرأة فجرت أسفح بطنها وفخذاها٥، وإن كانت برية سلمت من ذلك وحملت بذكر٦، وهذه الآية أنْزل منها.
_________________
(١) ١ قال البرهان الحلبي: إن ابن ملاعب الأسنة لا يعرف اسمه ولا ترجمته، وأما ملاعب الأسنة فهو: عامر بن مالك العامري الكلابي، أبو براء يقال له أيضًا ملاعب الرماح لتقدمه وشجاعته في الحرب فكأنه يلاعبها. (ر: نسيم الرياض ٣/١٠٦، وبهامشه شرح القاري) . وقال الذهبي في التجريد١/٢٨٨: "إنه عم عامربن الطفيل، والصحيح أنه لم يسلم، وقد قدم المدينة فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام فلم يسلم".اهـ. (ر: أيضًا الإصابة٤/١٦) . ٢ شفا: هو حرف كل شيء، والمراد به هنا: الاحتضار. ٣ أخرجه الواقدي في مغازيه١/٣٥٠، وعنه أبو نعيم في الدلائل ص٥١٣، ٥١٤، عن عروة. قلت: الواقدي متروك. وقد تقدم ذكره. (ر: ٧٦٠) . ٤ ورد ذلك في سياق طويل جدًّا في سفر العدد ٥/١١-٣١. ٥ في التوراة: "يرم بطنها ويسقط فخذها". ٦ في م: بكرا.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
٣٨- معجزة: روى العقيلي١ عن حبيب٢ بن فديك أن أباه ابيضت عيناه فكان لا يبصر به شيئًا فنفث رسول الله ﷺ/ (٢/١٥٧/أ) في عينيه فأبصر، فرأيته بعد يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين سنة٣.
٣٩- معجزة: لما تعسر فتح خيبر قال رسول الله ﷺ لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. فلما أصبح دعا عليًّا رضوان الله عليه وكان أرمد، فجيء به يقاد فتفل في عينيه فبرأ لوقته، وتقدم بالراية٤.
وفي هذه القصة عدة من الآيات شفاء عينيه، والإخبار عن دوام حياته وحياة الرسول إلى الغد، وأن خيبر لم تفتح قبل الغد مع كونها محصورة، وأن عليًّا رضوان الله عليه محبوب الله، وأن الفتح يكون على يده.
_________________
(١) ١ هو: الإمام الحافظ أبو جعفر محمّد بن عمرو بن موسى صاحب كتاب الضعفاء، ثقة جليل، توفي سنة: ٣٢٢هـ، بمكّة المكرّمة. (ر: شذرات الذهب ٢/٢٩٥، والأعلام ٦/٣١٩) . ٢ حبيب بن فويك، ويقال: بدل الواو: دال، ويقال: راء، ابن عمر السلاماني، أبو فديك، وهو من بني سلامان بن سعد، وقد قدم في وفد بني سلامان على النبي ﷺ في شوّال سنة عشر من الهجرة، وله حديثان كما ذكر الحافظ في الإصابة. (ر: الاستيعاب -/٣٢٢، والتجريد ١/١٩٩، والإصابة ١/٣٢٢، ٣٢٣) . ٣ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/٣٢٨، وعنه أبو نعيم ص ٤٦٦، والبيهقي ٦/١٧٣، كلاهما في الدلائل. قال: ثنا محمّد بن بشر عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن رجل من بني سلامان بن سعد عن أمه أن خالها حبيب بن فديك حدّثها ، فذكره. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٨/٣٠١، وقال رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم. اهـ. وأورده الحافظ في الإصابة ١/٣٢٣، وقال: "ابن السكن: لم يروه غير محمّد بن بشر ولا أعلم لحبيب غيره، ثم ذكر له الحافظ حديثًا آخر رواه ابن منده. ٤ أخرجه البخاري عن سهل بن سعد ﵁، في كتاب الفضائل باب (٩) . (ر: فتح الباري ٧/٧٠)، ومسلم ٤/١٨٧١، ١٨٧٢، عن سعد بن أبي وقاص وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما. والبيهقي في الدلائل ٤/٢٠٥-٢١٣، عن سهل بن سعد وأبي هريرة وسلمة بن الأكوع وبريدة - ﵃ أجمعين -.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
٤٠- معجزة: ورُمي كلثوم١ بن الحصين يوم أحد في نحره فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرأ٢، وتفل على ضربة بساق سلمة٣ بن الأكوع يوم خيبر فبرأت٤.
وأصاب السيف رجل زيد٥ بن معاذ فتفل عليها رسول الله ﷺ فصحت وبرأت٦.
_________________
(١) ١ هو: أبو رُهم الغفاري ﵁، الصحابي المشهور باسمه وكنيته، وله أربعة أحاديث. ٢ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٣٧. وقال القاري في شرحه للشفا ٣/١٠٨: "قال الدلجي: لا أدري من رواه". قلت: ذكره الحافظ في الإصابة ٧/٦٨، في ترجمة كلثوم بن حصين. فقال: وذكر أبو عروبة أنه رمي بسهم في نحره يوم أحد فبصق عليه ﷺ فبرأ. ٣ هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع، الصحابي المعروف، له سبعة وسبعون حديثًا. ٤ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة خيبر. (ر: فتح الباري ٧/٤٥٧)، وأحمد في مسنده ٤/٤٨، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٥١، كلهم من طريق مكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد، قال: ، فذكره. ٥ زيد بن معاذ الأنصاري، أخو سعد سيّد الأوس، فيمن قتل كعب بن الأشرف، ذكره عبد بن حميد في التفسير، وقال الحافظ: "لم أر له ذكرًا إلاّ في هذه الرواية". اهـ. (ر: الإصابة ٣/٣٤) . ٦ قال السيوطي في المناهل ص ١٣٧: "أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة. وأخرجه الواقدي بأسانيد لكن قال الحارث بن أوس بدل زيد بن معاذ، وأخرجه البيهقي في الدلائل٣/١٩٢، ١٩٩، من حديث جابر. وقال بدلهما عباد بن بشر. اهـ. قلت: الحديث أخرجه ابن إسحاق، قال: فحدّثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس، قال: فذكره في سياق طويل في قتل كعب بن الأشرف اليهودي، وبأن الذي أصيب هو الحارث بن أوس. (ر: السيرة ٣/٨١) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٩٩، وقال: "رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلِّس وبقية رجاله رجال الصحيح". اهـ. إلاّ أن ابن إسحاق قد صرح بالسماع فينتفي تدليسه. وإسناده متصل، وقد أشار الحافظ في الفتح ٧/٣٣٨، في كتاب المغازي باب قتل كعب بن الأشرف إلى حديث ابن عباس من طريق ابن إسحاق، وقال الحافظ: وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/١٨٧-٢٠٠، من طرق أخرى.
[ ٢ / ٧٨١ ]
٤١- معجزة: انكسرت ساق عليّ١ بن الحكم يوم الخندق فتفل عليها رسول الله ﷺ / (٢/١٥٧/ب) فبرأ مكانه ولم ينْزل عن فرسه٢.
٤٢- معجزة: اشتكى عليّ وجعًا فركله برجله، وقال: اللهم اشفه، فما اشتكى ذلك الوجع بعد٣.
٤٣- معجزة: قطع أبو جهل يوم بدر يد معوَّذ٤ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها فلصقها فلصقت وصحت مثل أختها٥. رواه ابن٦ وهب.
_________________
(١) ١ عليّ بن الحكم السلمي، أخو معاوية بن الحكم، له صحبة. من أهل قباء. (ر: الاستيعاب ٣/١٠٨٩، الإصافة ٤/٢٦٨) . ٢ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/١٨٥، من كتاب المعجم لأبي القاسم البغوي، وذكره ابن حجر في الإصابة ٤/٢٦٨، وقال: "روى البغوي والطبراني وابن السكن وابن منده من طريق كثير بن معاوية بن الحكم السلمي عن أبيه، قال: ، فذكره. قال ابن منده: "غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه". وقال ابن حجر: "في الإسناد صفار بن حميد لا يعرف". اهـ. ٣ أخرجه الترمذي ٥/٥٢٣، والإمام أحمد في مسنده ١/١٢٨، وفي فضائل الصحابة ٢/٦٩٧، والحاكم٢/٦٢٠، ٦٢١، وأبو نعيم في الدلائل ص٤٥٠، ٤٥١، والبيهقي ٦/١٧٩، كلهم من طريق شعبه عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة ﵁. قال الترمذي: "وهذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". ٤ معوّذ بن الحرث النجّاري الأنصاري الخزرجي المعروف بابن عفراء، وهي أمه وأخوه معاذ، وقد ثبت ذكرهما في صحيح البخاري في قصة بدر في قتل أبي جهل وفيه - فضربه ابنا عفراء حتى برد - وهما معوذ ومعاذ -. وقال ابن عبد البر: "كان ممن قتل أبا جهل ثم قاتل بعد ذلك حتى استشهد، قتل أبو مسافع". (ر: الاستيعاب ٤/١٤٤٢، الإصابة ٦/١٠٧، ١٢٩) . ٥ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٣٨، ولم أقف على تخريجه. ٦ هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي، أبو محمّد، المصري، الفقيه، ثقة، حافظ، عابد، توفي سنة ١٩٧هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٩/٢٢٣، والتهذيب ٦/٦٥، والتقريب ١/٤٦٠) .
[ ٢ / ٧٨٢ ]
قال المؤلِّف: هذه والله أبهر للعقول من آية الإنجيل في اليد اليابسة١، وفي أذن العبد ملخس ليلة الفزع٢، فالويل لمن كذب بشيء من ذلك.
٤٤- معجزة: أصيب شقّ خبيب٣ بن يساف يوم بدر حتى مال فردّه رسول الله ﷺ بيده ونفث عليه فبرأ وصحّ٤.
قال المؤلِّف: هذا نظير ما حكوه من شفاء المخلع في الإنجيل.
٤٥- معجزة: جاءت امرأة من خثعم إلى رسول الله ﷺ بصبي لها لم يتكلم، فأخذ ﵇ ماء فتمضمض به وغسل يديه فأعطاها إيّاه وأمر بسقيه الصبي، ففعلت فبرأ الغلام وعقل عقلًا يفضل عقول
_________________
(١) ١ متى ١٢/٩-١٣، مرقص ٣/١-٦. ٢ يوحنا ١٨/١٠. ٣ خُبَيب بن يَساف ويقال: يَسَاف بن عِنَبة الأنصاري الأوسي، شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ ومات في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان - ﵃ -. (: الاستيعاب ٢/٤٤٣، سير أعلام النبلاء ١/٥٠١، الإصابة ٢/١٠٣) . ٤ أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٩٧، ٦/١٧٨، وأحمد بن منيع. (ر: الإصابة ٢/١٠٣)، من طريق محمّد بن إسحاق والمسلم أبي سعيد كلاهما عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف عن أبيه عن جدّه، قال: ، فذكره. وأورده أبو نعيم في الدلائل ص ٤٨٤، عن ابن إسحاق معلقًا. قلت: إسناده صحيح، فإن خبيب بن عبد الرحمن ثقة. (ر: الجرح ٣/٣٧٨، والتقريب ١/٢٢٢)، وأبوه عبد الرحمن، قال عنه الحافظ في التعجيل ص ١٦٦: "عن أبيه وله صحبة، وعنه ابنه، وذكره ابن حبان في الثالثة من الثقات. (٦/٢٧٤)، وكأنه لم يثبت له من والده سماع، أو ظن أ، والده ليس من الصحابة". اهـ. (ر: من روى عن أبيه عن جدّه ص ١٩٣، ١٩٤، لابن قطلوبغا) .
[ ٢ / ٧٨٣ ]
الناس وتكلم١. وهذه نظيرة آية الإنجيل وأبهر منها.
٤٦- معجزة: قال/ (٢/١٥٨/أ) ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ بابن لها به جنون فمسح صدر الصبي فثع٢ ثعة فخرج منه مثل الجرو الأسود فذهب وعوفي الغلام"٣.
قال المؤلِّف: من نازعنا في هذه الآية وما يشاكلها، قلنا له: ما دليلك على أن المسيح أخرج الجني من ابن الرجل الذي سأله٤، ومن مريم خادمته٥؟ فما أجاب به فهو جواب لنا.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/٣٧٩، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٦٤، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/٣٢١، رقم: ٣١٧٥٥، كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي عن أمه أم جندب قالت: ، فذكرته. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٦، وقال: "رواه أحمد والطبراني ورجاله وثقوا، وفي بعضهم ضعف". قلت: يزيد بن أبي زياد الهاشمي، مولاهم، الكوفي، ضعيف، كبر فتغير وكان شيعيًا، من الخامسة، مات سنة ٣٦هـ. (ر: التهذيب١١/٢٨٧، والتقريب٢/٣٦٥)، وسليمان ابن عمرو بن الأحوص الجشمي، كوفي، مقبول من الثالثة. (ر: التقريب ١/٣٢٨) . ٢ الثَّعُ: القيء، والثَّعة: المرة الواحدة. (ر: النهاية ١/٢١٢) . ٣ أخرجه أحمد في مسنده١/٢٥٤، ٢٦٨، والدارمي١/١١، ١٢، وأبو نعيم ص٤٦٥، ٤٦٦، والبيهقي ٦/١٨٢، ١٨٧، كلاهما في الدلائل، كلهم من طريق حماد ابن سلمة عن فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، فذكره. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٥، وقال: "رواه أحمد والطبراني وفيه فرقد السبخي، وثّقه ابن معين والعجلي، وضعّفه غيرهما". قلت: فرقد بن يعقوب السبخي، أبو يعقوب البصري، صدوق، عابد، لكنه لين الحديث كثير الخطأ، من الخامسة. (ر: الجرح والتعدل٧/٨١، ٨٢، والتقريب٢/١٠٨) . ٤ متى ١٧/١٤-٢١، مرقص ٩/١٤-٢٩، لوقا ٩/٣٧-٤٣. ٥ لوقا ٨/٢، ٣.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
٤٧- معجزة: كان في كفّ شرحبيل١ الجعفي سلعة٢ تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها إلى رسول الله ﷺ فما زال ﵇ يمسحها بكفه المباركة حتى رفع كفّه وقد زالت ولم يبق لها أثر٣.
٤٨- معجزة: سألت جارية رسول الله ﷺ طعامًا وهو يأكل فأعطاها من بين يديه وكانت قليلة الحياء، فقالت: إنما أريد من الذي في فيك. فناولها من فيه - ولم يكن ﵇ يسأل شيئًا فيمنعه - فلما استقرّ في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشدّ حياء منها ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
_________________
(١) ١ شرحبيل بن عبد الرحمن الجفعي، قال ابن السكن وأبو حاتم وابن حبان: له صحبة. سكن البصرة. (ر: الاستيعاب ٢/٧٠٠، الإصابة ٣/٢٠٠) . ٢ سِلْعَة: هي زيادة في البدن بين الجلد واللحم كالغدة تتحرك إذا حركت وتكون من حمصة إلى بطيخة. (ر: القاموس ص ٩٤٢) . ٣ أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٤/٢٥٠، والطبراني في المعجم الكبير ٧/٢٦٧، والبيهقي في الدلائل ٦/١٧٦، كلهم من طريق يونس بن محمّد المؤدب عن حماد بن يزيد عن مخلد بن عقبة بن شرحبيل الجعفي عن جدّه عبد الرحمن عن أبيه قال: ، فذكره. وعزاه الحافظ في الإصابة ٣/٢٠٠، أيضًا إلى ابن السكن والبغوي. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٣٠١، وقال: "رواه الطبراني ومخلد ومن فوقه لم أعرفهم، وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: مخلد بن عقبة بن شرحبيل بن السمط الكندي، قال العلائي في الوشي: لا أعرف حال عقبه ولا مخلد. (ذكره الحافظ في اللسان ٦/٩)، وذكره ابن أبي حاتم ٨/٣٤٨، ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا. وحماد بن يزيد بن مسلم المقري، أبو زيد، البصري، ذكره ابن أبي حاتم. ٣/١٥١، ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا. ٤ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٨/٢٣٦، ٢٧٥، عن أبي أمامة ﵁. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٣٥١، ٩/٢٤، وقال: "رواه الطبراني وفيه: عليّ ابن يزيد الألهاني، وهو ضعيف".اهـ. وهو كما قال الهيثمي. (ر: التقريب ٢/٤٦) .
[ ٢ / ٧٨٥ ]
٤٩- ومن معجزاته / (٢/١٥٨/ب) إجابة دعائه وهذا باب متسع جدًّا، وإجابة دعائه ﷺ متواتر معلوم ضرورة فكان إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده.
قال أنس: "قالت أمي: يا رسول الله خويدمك أنس ادع الله له. فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادُّون اليوم على نحو المائة وما أعلم أحدًا أصاب من رفيع العيش ما أصبت، ولقد دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي ولا أقول سقطًا ولا ولد ولد"١.
ودعا ﷺ لبعد الرحمن بن عوف بالبركة٢. قال عبد الرحمن: "فلو رفعت حجر لرجوت أن أصيب تحته ذهبًا٣، ومات عبد الرحمن فحفر الذهب في تركته بالفؤس حتى مَجَلَت منه٤ أيدي الرجال وكان له أربع زوجات فأخذت كلّ زوجة في ربع الثمن مائة ألف درهم٥، وقيل: بل صولحت مطلقته في مرضه على ثمانين ألف٦، وأوصى عبد الرحمن بخمسين ألفًا بعد صدقاته / (٢/١٥٩/أ)
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب (٦١) . (ر: فتح الباري ٢/٢٨٤)، ومسلم ٤/١٩٢٩، والإمام أحمد في مسنده ٣/١٠٨، ١٨٨، ٢٤٨، والترمذي ٥/٦٣٩-٦٤١، والبيهقي في الدلائل ٦/١٩٤-١٩٧، عن أنس بن مالك ﵁. ٢ أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب (٥٦) . (ر: فتح الباري ٩/٢٢١)، ومسلم ٢/١٠٤٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٢١٨، عن أنس ﵁. وفي الحديث دعاء النبي لعبد الرحمن لفظ: "بارك الله لك". ٣ أخرجه أبو داود ٢/٢٣٥، مختصرًا، والبيهقي في الدلائل ٦/١٩، في سياق طويل كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁. قلت: إسناده صحيح. ٤ مَجَلَت: قرحت من العمل. والمَجْل أو المَحْلَة: قشرة رقيقة يجتمع فيها ماء من أثر العمل. (ر: القاموس ص ١٣٦٥) . ٥ ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ١/٩٠، من طريق معمر عن ثابت عن أنس. ٦ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٨٤٧، عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وقال ابن عبد البر: "وقد روى غير ابن عيينة في هذا الخبر أنها صولحت بذلك عن ربع الثمن من ميراثه".
[ ٢ / ٧٨٦ ]
الماشية في حال صحّته وعوارفه الكثيرة١، وأعتق ثلاثين٢ عبدًا، وتصدق في مجلس واحد بقافلة فيها سبعمائة جمل بما عليها من البر والبضاعة حتى أقتابها٣ وأحلاسها٤ رضي الله عنه٥. كلّ ذلك ببركة دعاء رسول الله ﷺ.
ودعا ﵇ لسعد بن أبي وقاص أن يجيب الله دعوته٦ فما دعا قطّ إلاّ استجيب له٧ فكانت دعوته مشهورة.
_________________
(١) ١ ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ١/٩٠، من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة. قلت: عبد الله بن لهيعة الحضرمي، أبو عبد الرحمن، صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة ١٧٤هـ. (ر: التقريب ١/٤٤٤) . ٢ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٨٤٨، وأبو نعيم في الحلية ١/٩٩، والحاكم ٣/٣٠٨، من طريق ابن إسحاق، ثنا أبو هشام الحسين بن عليّ عن جعفر بن برقان، قال: "بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف بيت". وسكت عنه الحاكم والذهبي. قلت: جعفر بن برقان الكلابي، صدوق يهم في حديث الزهري، من السابعة مات سنة ١٥٠هـ. (ر: التقريب ١/١٢٩)، فإسناده منقطع. ٣ الأَقْتَاب: مفرده: قَتَب: وهو: الرَّحل الصغيرعلى قدرسنام البعير. (ر: القاموس ص١٥٧) . ٤ الأحلاس: مفرده: حِلْس: وهو الكساء الذي على ظهر البعير تحت البَرْذَعة ويبسط في البيت تحت حرّ الثياب. (ر: القاموس ص ٦٩٤) . ٥ أخرجه أحمد في مسنده ٦/١١٥، عن عبد الصمد بن حسان عن عمارة عن ثابت عن أنس. قال: " فذكره في سياق طويل". اهـ. قلت: عمارة بن زاذان، الصيدلاني، صدوق كثيرةالخطأ من السابعة. (ر: التقريب٢/٤٩) . ٦ عن سعد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك"، أخرجه الترمذي ٥/٦٠٧، وأحمد في فضائل الصحابة ٢/٧٥٠، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥٤٧)، والحاكم ٣/٤٩٩، وأبو نعيم ص ٥٦٧، والبيهقي ٦/١٨٩، كلاهما في الدلائل وكلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه. قال الترمذي: "حديث صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". ٧ إنّ مما ظهر من استجابة الله تعالى لدعاء سعد ما رواه البخاري عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة ﵁. قال شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر ﵁، فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه. فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي. قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأُخُف في الأخريين. قال: ذاك - الظن بك يا أبا إسحاق - فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة ولم يدع مسجدًا إلاّ سأل عنه، ويثنون معروفًا. حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة ابن قتادة يكنى أبا سَعْدة. قال: أما إذ نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية لا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره وأطل فقره وعرضه بالفتن. وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن". اهـ. أخرجه البخاري (ر: فتح الباري ٢/٢٣٦)، ومسلم مختصرًا ١/٣٣٤، وقد ذكرت حوادث متعددة أخرى ظهرت فيها إجابة الله عزوجل دعاء سعد ﵁. ومنها في مستدرك الحاكم ٣/٤٩٩-٥٠١، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص ٥٦٨-٥٦٩، وللبيهقي ٦/١٨٩-١٩١، والخصائص للسيوطي ٢/٢٨٠-٢٨٢.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
ودعا ﵇ أن يعزّ الله الإسلام بعمر فاستجيب١ له وعَزَّ بهالإسلام، قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر٢.
وأصاب [أهل] ٣الإسلام عطش فقال عمر: يا رسول الله ادع الله لنا أن يسقينا. فدعا ﵇ فجاءت سحابة فسقت الناس حاجتهم ثم أقلعت٤.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حبان. (ر: الموارد ص ٥٣٥)، والحاكم ٣/٨٣، كلاهما من طريق هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن البني ﷺ قال: اللهم أعزَّ الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة. قال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وابن حجر. (ر: فتح الباري ٧/٤٨) . وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بمثله، أخرجه الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وشاهد آخر من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب". قال: وكان أحبهما إليه عمر. أخرجه الترمذي ٥/٥٧٦، وقال: "حسن صحيح". وأخرجه أحمد في مسنده ١٥/٩٥، وفي فضائل الصحابة ١/٢٤٩، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥٣٥) . ٢ أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب (٦) . (ر: فتح الباري ٧/٤١، ١٧٧)، وأحمد في فضائل الصحابة ٢/٢٧٧) . ٣ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٤ في الشفا ١/٦٢٨: "وأصاب الناس في بعض مغازيه عطش فسأله عمر الدعاء ". وقد تقدم تخريج الحديث الذي رواه ابن عباس عن عمر بن الخطاب - ﵃ -. (ر: ص: ٧٤٠)، في غزوة تبوك وفيه: أن الذي رغب الدعاء من البني هو أبو بكر الصّدِّيق ﵁.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
ودعا ﵇ في الاستسقاء فسقوا، فجاءه أهل العوالي يشكون كثرة المطر وتهديم الدور فدعا ﷺ برفعه فأقلع١.
وقال ﵇ لأبي قتادة: "أفلح وجهك اللهم بارك له في شعره، وبشره"، فعاش سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة٢.
وقال للنابغة٣: لا يفض اللهفاك٤، قال: فعاش / (٢/١٥٩/ب) مائة وعشرين سنة. وقيل: أكثر من ذلك فما سقطت له سن٥.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ر: ص: ٧٤١) . ٢ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٧٧) . ٣ النابغة الجعدي ﵁، لَقَبُ الصحابي الشاعر المشهور أبو ليلى، اختلف في اسمه فقيل: قيس بن عبد الله، وقيل: عبد الله أو حبان، قال ابن قتيبة: عُمِّر إلى زمن ابن الزبير، ومات بأصبهان وله مائتان وعشرون سنة. وعن الأصمعي أنه عاش مائتين وثلاثين سنة. (ر: الاستيعاب ٤/١٥١٦، الإصابة ٦/٢١٨-٢٢٠) . ٤ أي: لا يسقط الله أسنانك. وتقديره: لا يكسر الله أسنان فيك. فحذف المضاف لعلم المخاطب. كما يقال: يا خيل الله اركبي: أي: يا ركاب خيل الله. (ر: غريب الحديث ١/١٩١، للخطابي، والنهاية ٣/٤٥٣) . ٥ أخرجه أبو نعيم ص ٤٥٨، ٤٥٩، والبيهقي ٦/٢٣٢، كلاهما في الدلائل من طريق يعلى بن الأشدق. قال: سمعت النابغة - نابغة بني جعدة يقول: أنشدت رسول الله ﷺ هذا الشعر فأعجبه: بلغنا السماء مجدنا وثراءنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهر قال لي: إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: قلت: إلى الجنة، قال: كذلك إن شاء الله. فلا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صَفْوه أن يُكدّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا قال النبي ﷺ: "أجدتَ لا يفضض فوك". قال يعلى: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة، وما ذهب له سن". وأورده الحافظ في الإصابة ٦/٢١٩، ٢٢٠، بإسناد من طريق البغوي، ثم قال: أخرجه البزار والحسن بن سفيان في مسنديهما وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/٧٤)، والشيرازي في الألقاب كلهم من رواية يعلى بن الأشدق، وهو ساقط الحديث إلاّ أنه توبع. فقد رواه عبد الله بن جراد في غريب الحديث (١/١٩٠)، للخطابي، و(في الدلائل ٦/٢٣٣ للبيهقي)، وفي كتاب العلم للمرحبي وغيرهما عن عبد الله بن جراد قال: سمعت النابغة يقول: ، فذكره. ورواه كرز بن أسامة في المؤتلف والمختلف للدارقطني والصحبة لابن السكن - وكانت له وفادة مع النابغة - فذكره. وأورده الليثي في الأربعين البلدانية للسفلي، ورواه رجل لم يسم في مسند الحرث بن أبي أسامة، ورواه الطرماح في كتاب الشعراء لأبي زرعة الرازي، كلهم عن النابغة بألفاظ متقاربة". اهـ. بتصرف.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وقال لابن عباس: "اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل"١. فسمي بعد الحبر٢ وترجمان القرآن. وقال لعبد الله٣: "اللهم بارك له في صفقة يمينه"٤، فما اشترى شيئًا إلاّ ربح فيه.
ودعا ﵇ للمقداد بالبركة٥.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده١/٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥، وفي فضائل الصحابة ٢/٩٥٦، وابن سعد ٢/٣٦٥، والحاكم ٣/٥٣٤، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/١٩٣، كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، فذكره. قال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وأخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب (١٠) . (ر: فتح الباري ١/٢٤٤)، ومسلم ٤/١٩٢٧، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عدا قوله: "وعلّمه التأويل". ٢ الحِبْر: الأثر المستحسن، والحَبْر: بالفتح والكسر: العالم. وجمعه: أحبار. لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس ومن آثار أفعالهم الحسنة المقتدي بها. وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين ﵁ بقوله: "العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة". (ر: المفردات ص ١٠٦، للراغب، النهاية ١/٣٢٨) . ٣ هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر ﵁. من المشهورين بالجود والكرم، له خمسة وعشرون حديثًا. ٤ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٢٢٠، والبغوي. (ر: الإصابة ٤/٤٨)، من طريق فطر ابن خليفة عن أبيه عن عمرو بن حريث ﵁، أن النبي ﷺ مرّ على عبد الله بن جعفر وهو يبيع شيئًا يلعب به، فدعا النبي ﷺ، قال: اللهم بارك له في تجارته". ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٨٩، وقال: "رواه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات". وأورده السيوطي في الخصائص ٢/٢٨٨، وقال: "أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبيهقي بسند حسن". اهـ. ٥ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٦١، عن أبي بكر الطلحي وسليمان بن أحمد، قالا: ثنا عبيد بن غنام عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن موسى بن يعقوب عن عمته قُرَيْبَة بنت عبد الله بن وهب عن أمها كريمة بنت المقداد بن عمرو عن ضباعة بنت الزبير وكانت تحت المقداد، قالت: كان الناس إنما يذهبون لحاجتهم فرط اليومين والثلاث فيبعرون كما تبعر الإبل، فلما كان ذات يوم خرج المقداد لحاجته حتى بلغ الحجبة وهو ببقيع الغرقد فدخل خربة لحاجته، فبينما هو جالس إذ أخرج جرذ من حجره دينارًا، فلم يزل يخرج دينارًا دينَارًا حتى بلغ سبعة عشر دينارا، فخرج بها النبيّ ﷺ فأخبرها. فقال: هل اتبعت يدك الحجر؟ قال: لا. والذي بعثك بالحق. فقال: لا صدقة عليك فيها، بارك الله لك فيها. قالت ضباعة: فما فني آخرها حتى رأيت غرائر الوَرِقِ في بيت المقداد". اهـ. قلت: إسناده ضعيف. فإن موسى بن يعقوب المطلبي صدوق سيّء الحفظ وعمته قريبة بنت عبد الله الأسدية مقبولة. (ر: التقريب ٢/٢٨٩، ٢/٦١١) .
[ ٢ / ٧٩٠ ]
فصارت عنده غرائر١ من المال.
ودعا بمثل ذلك لعروة بن أبي الجعد٢.
فقال عروة: لقد صرت أقوم في السوق فما أرجع حتى أربح أربعين ألفًا٣.
وقال البخاري في حديثه: "فكان لو اشترى التراب لربح فيه". [روى مثل هذا لغرقدة أيضًا] ٤، وندت له ناقة فدعا الله فجاءه بها إعصار ريح حتى ردّها عليه ﷺ.
_________________
(١) ١ الغَرَائر: الأكياس الكبيرة. ٢ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٨) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣٢)، وأحمد في المسند ٤/٣٧٥، وأبو داود ٣/٢٥٦، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٢٠، عن عروة بن أبي الجعد البارفي ﵁:"أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشتر له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء دينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه". ٣ هذه الزيادة من قول عروة، أخرجها الإمام أحمد في المسند ٤/٣٧٦، وأبو نعيم في الدلائل ٤٦١، كلاهما من طريق سعيد بن زيد عن الزبير بن خريت عن أبي لبيد عن عروة البارقي، قال: ، فذكره في سياق طويل. وبنفس الإسناد السابق ذكره أبو داود٣/٢٥٦، والترمذي٣/٥٥٩، ولم يذكر الزيادة السابقة. قلت: إسناده حسن، فإن سعيد بن زيد بن درهم الأزدي وأبي لبيد لِمَازَه بن زَبَّار الأزدي صدوقان. (ر: التقريب ١/٢٩٦، ٢/١٣٨) . ٤ هذه الإضافة من الشفا١/٦٣٠، ولم يخرج السيوطي الروايتين: "دعاء النبي ﷺ لغرقدة - وندت له ناقة ". (ر: المناهل ص ٤٦، الطبعة الحجرية القديمة) . قال القاري في شرحه للشفا ٣/١٢١: "روي مثل هذه لغرقدة". قال الدلجي: "لا أدري من رواه". "وندت له". أي: لغرقدة (ناقة فدعا الله) أي: النبي ﷺ على ما هو ظاهر الكلام الخ. اهـ. وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٢١، ١٢٢: "وروي مثل هذا لغرقدة) . غرقدة صحابي يسمى أبا شبيب، روى عنه ابنه (وندت له ناقة) الضمير للنبي ﷺ، وليس ضمير (له) لغرقدة كما توهمه البعض. "فجاء بها إعصار ريح حتى ردّها الإعصار عليه". أي: على النبي ﷺ وهذا لم يُخَرِّجوه، وكون الضمير لغرقدة لا يناسب المقام وإن اتفقوا عليه ". اهـ. بتصرف. قلت: قوله:"وروي مثل هذا لغرقدة"، فقدأخرجه ابن قانع في الصحابة، قال: حدّثناعلي ابن محمّد، حدّثنا مسدد، حدّثنا ابن عيينة عن شبيب بن غرغدة، حدّثني الحيّ من غرقدة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري به أضحية، أو قال: شاة، فاشترى شاتين. الحديث. قال ابن قانع:"كذاقال. وهوتصحيف وإنما هو من عروة لاعن غرقدة".اهـ. قال الحافظ ابن حجر: "وهذا الحديث في صحيح البخاري من حديث سفيان بن عيينة لكنه عن عروة بن الجعد، والحديث مشهور من حديثه، وأما غرقدة والد شبيب ذُكر في الصحابة ولا يصح، هكذا قال ابن منده".اهـ. (ر: الإصابة٥/١٩٧، ١٩٨) . أما كلام الخفاجي إن الضمير في: "وندت له "، يعود إلى النبي ﷺ، فهو كلام جيّد ومقبول إلاّ أن الحديث لم يخرجوه.
[ ٢ / ٧٩١ ]
ودعا ﵇ لأم أبي هريرة١، وقد كانت نالت منه فأسلمت من ساعتها٢ وقصتها مشهورة.
ودعا لعليّ - رضوان الله عليه - أن يُكفى الحرّ والبرد، فكان عليّ بعدها يلبس لباس الصيف في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف ولا يصيبه حرّ ولا برد٣.
_________________
(١) ١ هي: أميمة بنت صبيح أو صفيح بن الحارث، اختلف في اسمها فجاء عن أبي هريرة أنه ابن أميمة، وترجم الطبراني في النساء ميمونة بنت صبيح أم أبي هريرة وساق قصة إسلامها. (ر: الإصابة ٨/١٨، ١٩) . ٢ أخرجه مسلم ٤/١٩٣٨، وأحمد في مسنده ٢/٣٢٠، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٠٣، كلهم من طريق عكرمة بن عمار عن أبي كثير الغُبَري عن أبي هريرة ﵁، قال: فذكره في سياق طويل - وفيه دعاء الرسول ﷺ: "اللهم اهد أم أبي هريرة". ٣ أخرجه ابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه١/٢٦، للألباني)، وأبو نعيم ص٤٦٢، والبيهقي ٤/٢١٣، كلاهما في الدلائل من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عليّ ﵁ ، فذكره في سياق طويل، وفيه: دعاء النبي ﷺ لعليّ: "اللهم أذهب عنه الحرّ والبرد". ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٢٥، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن"، ووافقه الألباني.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
ودعا لفاطمة سلام الله عليها: ألاّيجيعها. قالت: فماجعت قط بعدها١.
وسأله الطفيل بن عمرو آية لقومه/ (٢/١٦٠/أ) فقال: اللهم نَوَّر له. فسطع نور بين عينيه، فقال الطفيل: اللهم في غير وجهي فإني أخاف أن يقولوا مُثْله٢.
فتحوَّل النور إلى طرف سوطه كالقنديل، فكان يضيء في الليلة المظلمة فسمي ذا النور٣.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم ص ٤٦٢، والبيهقي ٦/١٠٨، كلاهما في الدلائل من طريق مُسْهِر ابن عبد الملك الهمداني عن عتبة أبي معاذ البصري عن عكرمة عن عمران بن حصين ﵁، قال ، فذكره في سياق طويل. وفيه دعاء النبي ﷺ لفاطمة: "اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمّد". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٠٧، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه عتبة بن حميد، وثقّه ابن حبان وغيره، وضعّفه جماعة، وبقية رجاله وثّقوا". اهـ. قلت: عتبة بن حُنَيد الصبي. أبو معاذ أبو معاوية البصري، صدوق له أوهام. (ر: التقريب ٢/٤)، وفيه أيضًا مسهر بن عبد الملك الهمداني الكوفي، لين الحديث. (ر: التقريب ٢/٢٤٩) . ٢ أي: يعتبرها قومه عيبًا وتشويهًا أصابه من آلهتهم-على حدّ زعمهم-لتركه دينهم. ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٢/٢٥-٢٩)، في قصة إسلام الطفيل وقومه في سياق طويل، وعنه أبو نعيم ص ٢٣٨-٢٤٠، والبيهقي ٥/٣٦٠-٣٦٣، كلاهما في الدلائل معلقًا، ووصله ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٢٢٠، عن ابن إسحاق عن عثمان بن الحويرث عن صالح بن كيسان أن الطفيل ، فذكره. قلت: إسناده منقطع، فإن صالح بن كيسان لم يرو عن الطفيل. (ر: التهذيب٤/٣٥٠) . وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/٢٣٧-٢٣٩، عن الواقدي وهو ضعيف. وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٢٢١، عن هشام بن الكلبي، وفي الدرر ص ٥٣، بدون إسناد. وذكره الحافظ في الإصابة ٣/٢٨٧، في ترجمة الطفيل بن عمرو الدوسي وعزاه أيضًا إلى الطبري وأبي الفرج الأصبهاني كلاهما من طريق ابن الكلبي". اهـ.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
ودعا ﵇ على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا وأخصبوا١.
ودعا ﵇ على كسرى أن يمزق الله ملكه٢ ففعل الله ذلك وقتله ابنه شِيْروَيه٣ ولم يقم بعدها للفرس قائمة.
وأخبر ﵇ فيروز٤ عامل كسرى في الليلة التي قتل فيها وهو بالمدينة، فكان الأمر كما أخبر فأسلم فيروز فأسلم من معه٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء وكتاب التفسير. (ر: فتح الباري ٢/٤٩٢، ٨/١٧٣)، ومسلم ٤/٢١٥٥-٢١٥٧، وأحمد في المسند ١/٣٨٠، ٤٣١، وأبو نعيم ص ٤٤٧، والبيهقي ٢/٣٢٤-٣٢٧، كلاهما في الدلائل عن ابن مسعود ﵁ في سياق طويل - فيه - دعاء الرسول ﷺ على قريش لما كذبوه واستعصوا عليه، فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف". فأخذتهم السنة حتى حصدت كلّ شيء، فأتاه أبو سفيان فقال: أي محمّد إن قومك قد هلكوا، فادع الله أن يكشف عنهم، فدعا. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب (١٠١) . (ر: فتح الباري ٦/١٠٨)، وأبو نعيم ص ٣٤٨، والبيهقي ٤/٣٨٧، ٣٨٨، كلاهما من في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - وفيه -: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق. ٣ شيرويه بن كسرى، واسم أبيه أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباز، ولم يعش شيرويه بعد قتله أباه إلاّ ستة أشهر أو دونها. (ر: البداية ٢/١٨٠، لابن كثير) . ٤ فيروز الديلمي ﵁، ويقال ابن الديلمي، ويكنى أبا الضحاك ويقال: أبا عبد الرحمن، يماني كناني أبناء الأساورة من فارس الذين كان كسرى بعثهم إلى اليمن لطرد الحبشة، وفد على رسول الله ﷺ فأسلم وروى عنه أحاديث ثم رجع فأعان على قتل الأسود العنسي، ومات في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة معاوية باليمن سنة ٥٣هـ. (ر: الطبقات ٥/٥٣٣، الإصابة ٤/٢١٤) . ٥ أخرجه أبو نعيم ص ٣٤٦، في سياق طويل، والبيهقي في الدلائل ٤/٣٩١، مختصرًا عن دحية الكلبي ﵁، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٣١٠-٣١٢، مطولًا، وقال: "رواه البزار عن إبراهيم بن إسماعيل عن يحيى بن سلمة عن أبيه وكلاهما ضعيف. وأخرجه ابن سعد ١/٢٥٩، من طريق الواقدي عن ابن عباس والمسور بن رفاعة والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن أمية الغمري - دخل حديث بعضهم في بعض - في سياق طويل. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٣٤٨، وابن أبي الدنيا في دلائل النبوة. (ر: الإصابة ١/١٧٥) . عن ابن إسحاق منقطعًا. أخرجه ابن جرير. (ر: البداية ٤/٢٦٩ لابن كثير) عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب مرسلًا. وأخرجه أبو نعيم وابن سعد في شرف المصطفى. (ر: الخصائص ٢/١٧ للسيوطي)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلًا. وأورده ابن هشام عن الزهري منقطعًا. (ر: السيرة ١/١١٢)، في سياق طويل. وقد وردت في الروايات السابقة أن كسرى كتب إلى (باذان) عامله باليمن فأرسل باذان قهرمانه - أي: وكيله - واسمه: (بابويه) ورجلًا من الفرس اسمه: (خرخسرة) إلى النبي ﷺ، وقد أسلم باذان وأسلمت الأبناء من فارس بعد تحققه من صدق خبر النبي ﷺ بقتل كسرى. (ر: للتوسع الإصابة ١/١٧٥، ١٧٦، ٢/١٤٩) . وقد ذكر الماوردي في أعلام النبوة ص ١٥٤-١٥٥، القصة بنحو ما ذكره المؤلِّف وفي الشفا ١/٦٧٢.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
وقطع عليه إنسان صلاته فدعا عليه أن يقطع الله أثره فَأُقْعد١.
وقال لآخر: كُلْ بيمينك. فقال: لا أستطيع. فقال له: لا استطعت. فلم يرفعها بعد إلى فيه٢.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ١/١٨٨، وعنه البيهقي في الدلائل ٥/٢٤٣، من طريق سعيد بن عبد العزيز عن مولى ليزيد عن غران عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلًا بتبوك مقعدًا فقال: مررت بين يدي النبيّ ﷺ وأنا على حمار وهو يصلي، فقال: "اللهم اقطع أثره، فما مشيت عليها بعد". قلت: إسناده ضعيف. ففيه مجهولان: الأوّل: مولى ليزيد بن نمران، قيل: اسمه سعيد، وهو مبهم لا يعرف. (ر: التقريب ٢/٥٧٤)، والمجهول الثاني: راوي الحديث: "رأيت رجلًا ". وله تابع لا يصح. أخرجه أبو داود من طريق ابن وهب المصري عن معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد فسأله عن أمره فقال له: ، فذكره. وإسناده ضعيف. فإن معاوية بن صالح بن حُدَيْر، صدوق له أوهام. (ر: التقريب ٢/٢٥٩)، وسعيد بن غزوان، شامي مستور من السادسة. (ر: التقريب ١/٣٠٣) . ٢ أخرجه مسلم٣/١٥٩٩، والبيهقي في الدلائل٦/٢٣٨، عن سلمة بن الأكوع ﵁. وذكر الحافظ في الإصابة ١/١٥٣ أن الرجل الذي دعا عليه الرسول ﷺ هو: بُسر ابن راعي العير الأشجعي. كذا ذكره ابن منده وأبو نعيم وابن ماكولا وآخرون.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
وقال لعتيبة١ بن أبي لهب: "اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك"، فأكله الأسد بعد أن حرسه أهله وصانوه٢.
ودعا على النفر الذين وضعوا السَّلَى٣ عليه ساجد وسماهم واحدًاواحدًا، قال ابن مسعود: فلم ينج منهم واحد / (٢/١٦٠/ب) لقد رأيتهم قتلى يوم بدر٤.
_________________
(١) ١ في م: عتبة. وهو خطأ فإنه عتبة قد مات مسلمًا. (ر: الإصابة ٤/٢١٦)، وفي رواية البيهقي أنه لهب بن أبي لهب، وقال: وأهل المغازي يقولون: عتبة بن أبي لهب، وقال بعضهم: عتيبة. (ر: الدلائل ٣٣٨) . ٢ أخرجه الحاكم ٣/٥٣٩، وعنه البيهقي في الدلائل ٢/٣٣٨، من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: كان لهب بن أبي لهب يسب النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "اللهم سلّط عليه كلبًا "، الحديث. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث هبار بن الأسود ﵁، أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ص ٤٥٤، وابن منده وابن قانع. (ر: الإصابة ٦/٢٨٠)، كلهم من طريق عروة بن الزبير عنه. قال: كان أبو لهب وابنه عتيبة قد تجهزا إلى الشام وتجهزت معهما. فقال ابنه عتيبة: والله لأنطلقن إليه فلا تؤذينه في رَبِّه، فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فقال له: يا محمّد، هو يكفر بالذي دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم ابعث عليه كلبًا من كلابك "، الحديث في سياق طويل. قلت: إسناده صحيح. وأخرجه ابن إسحاق، وعنه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٥٥-٤٥٧، من طرق أخرى مرسلة عن محمّد بن كعب القرظي وعن طاوس. ٣ السَّلَى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه. وقيل: هو في الماشية السلى، وفي الناس المشيمة. والأوّل أشبه لأن المشيمة تخرج بعد الولد. ولا يكون الولد فيها حين يخرج. (ر: النهاية ٢/٣٩٦) . ٤ أخرجه البخاري في كتاب الضوء باب (٦٩) . (ر: فتح الباري ١/٢٤٩، ٥٩٤)، ومسلم ٣/١٤١٨، وأحمد في المسند ١/٣٩٣، ٤١٧، وأبو نعيم ص ٢٦٦، والبيهقي ٣/٨٢، كلاهما في الدلائل عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل. وفيه دعاء النبي ﷺ على المشركين: "اللهم عليك بقريش - اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش، ثم سمى اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشبيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة ابن الوليد".قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ".واللفظ في البخاري.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
وكان الحكم١ بن العاص يَخْتَلج٢ بوجهه في مجلس رسول الله ﷺ فقال ﵇: "كذلك فكن". فابتلي بهذه العلة إلى أن مات٣.
قال المؤلِّف: هذه الآية نظيرة ما في الإنجيل من دعاء المسيح على شجرة تين فيبست٤.
ودعا ﵇ على مُحَلَّم٥ بن جَثَّامة فهلك فلفظته الأرض فواروه فلفظته أيضًا دفعات فجعلوه بين رضمتين - وهما جانبي الوادي - ثم رضموه بالحجارة٦.
_________________
(١) ١ الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي ﵁، عم عثمان بن عفان، ووالد مروان، أسلم يوم الفتح وسكن المدينة ثم نفاه النبي ﷺ إلى الطائف ثم أعيد إلى المدينة في خلافة عثمان ومات بها سنة ٣٢هـ. وقال ابن السكن: "يقال إن النبي ﷺ دعا عليه ولم يثبت ذلك". اهـ. (ر: الإصابة ٢/٢٨، ٢٩) . ٢ أي: كان يحرك شفتيه وذقنه استهزاء وحكاية لفعل النبي ﷺ، فبقي يرتعد ويضطرب إلى أن مات، وأصل الخَلْج: الجذب والنَّزع. (ر: النهاية ٢/٥٩، ٦٠) . ٣ أخرجه الحاكم ٢/٦٢١، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٢٣٩، عن العباس محمّد بن يعقوب عن إبراهيم بن سليمان عن ضرار بن صرد عن عائذ بن حبيب عن عبد الله المزني عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه ضرار، وهو واهٍ". اهـ. وذكره الحافظ في الإصابة ٢/٢٩، وقال: "في إسناده نظر، وفيه ضرار بن صرد هو منسوب للرفض". اهـ. قلت: ضرار بن صرد التيمي، صدوق له أوهام. وخطئ ورمي بالتشيع. (: التقريب ١/٣٧٤) . ٤ متى ٢١/١٩، ٢٠، مرقص ١١/١٣، ١٤. ٥ مُحَلَّم بن جَثَّامة الليثي، أخو الصعب بن جثامة، قال ابن عبد البر: يقال: إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إنه غير الذي قتل، وأنه نزل حمص، ومات بها أيام ابن الزبير، ويقال: إنه الذي مات في حياة النبي ﷺ ودفن فلفظته الأرض، قال الحافظ: جزم بالأوّل ابن السكن. (ر: الاستيعاب ٤/١٤٦١، الإصابة ٦/٤٩) . ٦ ملخص قصة محلم بن جثّامة أنه كان في سرية بعثها رسول الله ﷺ فقتل رجلًا سَلَّم عليهم بتحية الإسلام وقد كانت بين محلم والرجل عداوة قديمة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فدعا عليه فقال: "اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة" ثلاثًا. وقد أخرجها أحمد في المسند ٥/١١٢، ٦/١٠، ١١، وأبو داود ٤/١٧١، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/١٤٦٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٠٦، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة٤/٣٦٤-٣٦٦)، قال: حدّثني محمّد بن جعفر بن الزبير عن زياد بن سعد بن ضمير السلمي وكاناشهداحنينًا مع النبي ﷺ، قال:..، فذكره في سياق طويل. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٧/١١، وقال:"رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات". وأما خبر موت محلم ولفظ الأرض جثته - ثلاث مرات - ثم جعلوه بين صدين ورضموه بالحجارة، فقد أخرجه ابن ماجه، (ر: صحيح ابن ماجه ٢/٣٤٧، ٣٤٨، للألباني)، عن عمران بن حصين ﵁، في سياق طويل. وقد حَسَّن الشيخ الألباني الحديث لتعدد طرقه. وله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخرجه ابن جرير في تفسيره ٥/٢٢٢، من طريق ابن إسحاق عن نافع عنه. وشاهد آخر من حديث قبيصة بن ذؤيب ﵁ أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/٣١٠)، من طريق ابن إسحاق. وأخرجه ابن إسحاق. (ر: السيرة ٤/٣٦٦)، والبيهقي في الدلائل ٤/٣١٠، عن الحسن البصري مرسلًا.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وجحد رجل١ بيع فرس وهي التي شهد بها خزيمة٢.
فقال: اللهم إن كان كاذبًا فلا تبارك له فيها. فأصبحت من ليلتها على ثلاث قوائم٣.
_________________
(١) ١ هو: سواء بن الحارث المحاربي، ذكره الخطيب البغدادي في الأسماء المبهمة ص ١٢٠، والحافظ في الإصابة ٣/١٤٧، في قصة جحده بيع فرسه للنبي ﷺ. ٢ هو: الصحابي الجليل المعروف خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي ثم الخطمي، ذو الشهادتين، له ثمانية وثلاثون حديثًا. أما حديث شهادة خزيمة لبيع النبي ﷺ للفرس فهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود ٣/٣٠٨، والنسائي في كتاب البيوع، (ر: صحيح النسائي ٣/٩٦١ للألباني)، والحاكم٢/١٧، ١٨، عن عمارة بن خزيمة عن عمه ﵁ ، فذكره في سياق طويل. وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد ورجاله ثقات باتفاق الشيخين"، ووافقه الذهبي والألباني. ٣ ورد في الشفا ١/٦٣٥، كالآتي: "فأصبحت شاصية برجلها، أي: رافعة". وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٣٠: "المراد أن رجلها مرفوعة والإسناد مجازي، وارتفاع رجلها كناية عن أنها مات وانتفخ بطنها حتى صارت رجلها مرفوعة كما يشاهد في الجيف بعد أيام". اهـ. قلت: لم أجد فيما اطلعت عليه في تخريج الحديث من أن النبي ﷺ دعا على تلك الفرس سوى ما ذكره القاضي عياض في الشفا، غير أن الحافظ ابن حجر نقل في الإصابة ٣/١٤٧ خبرًا ينقض ما ذكره القاضي عياض في الشفا، والمؤلِّف، فقال الحافظ في ترجمة سواء بن الحارث: "روى ابن شاهين وابن منده من وجه آخر عن زيد بن الحباب عن محمّد بن زرارة عن المطلب بن عبد الله، قال: قلت لبني الحارث بن سواء: "أبوكم الذي جحد بيعة رسول الله ﷺ؟ فقالوا: لا تقل ذلك، فلقد أعطاه بكرة وقال: إن الله سيبارك لك فيها، فما أصبحنا نسوق سارحًا ولا نازحًا إلاّ منها". اهـ. وسكت عنه الحافظ.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
٥٠- ومن معجزاته ﷺ انقلاب الأعيان له، روى الفِرَبْري١ عن البخاري بإسناده عن أنس بن مالك: أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي٢ طلحة كان به قطاف٣ فكان بطيئًا فلمارجع ﵇ قال: إناوجدناه لَبَحرًا٤ فكان بعد لا يحارى"٥.
_________________
(١) ١ هو: محمّد بن يوسف بن مطر. أبو عبد الله الفربري، أوثق من روى (صحيح البخاري) عن مصنفه، سمعه منه مرتين، الأولى سنة ٢٤٨هـ، والثانية سنة ٢٥٢هـ، ورواه عنه كثيرون. توفي سنة ٣٢٠هـ. (ر: مقدمة فتح الباري ٤٩١، الأعلام ٧/١٤٨) . ٢ هو: زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم أنس - ﵃ -، الصحابي المعروف له خمسة وعشرون حديثًا. ٣ القِطاف: تقارب الخطو في سرعة. من القطف. وهو القطع. والمراد أنه كان بطئ المشي، واسم الفرس (المندوب)، سمي بذلك من الندب، وهو الرهن عند السباق. وقيل: لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح. (ر: النهاية ٤/٨٤، فتح الباري ٥/٢٤١) . ٤ أي: واسع الجري. وسمي البحر بحرًا لسعته. وقال الأصمعي: يقال للفرس بحر إذا كان واسع الجري، أو لأن جريه لا ينفد كما لا ينفد البحر. (ر: النهاية (١/٩٩)، وفتح الباري ٥/٢٤١) . ٥ أخرجه البخاري في كتاب الهبة باب (٣٣) . (ر: فتح الباري ٥/٢٤٠)، ومسلم ٤/١٨٠٢، والإمام أحمد ٣/١٤٧، ١٨٥، ٢٦١، ٢٧١، والترمذي ٤/١٧١، ١٧٢، وابن ماجه (ر: صحيح ابن ماجه ٢/١٢٤)، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٣٩، والبيهقي في الدلائل ٦/١٥٣، عن أنس بن مالك ﵁، كلهم بألفاظ متقاربة.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
وخفق فرسا لُجَعيل الأشجعي١ بمخفقة٢ كانت في يده وبرك٣ عليها فلم يملك رأسها نشاطًا وباع من باطنها باثني عشر ألفًا٤.
وركب حمارًا قطوفًا٥ / (٢/١٦١/أ) لسعد بن عبادة فَرَدَّ هِمْلاجا٦لا يساير٧.
وكانت شعرات من شعره ﷺ في قلنسوة٨ خالد بن الوليد، فلم يشهد بها قتالًا إلاّ رزق النصر٩.
_________________
(١) ١ جعيل بن زيد الأشجعي، وقيل: ابن ضمرة، وقيل: فيه أيضًا جعال. وقد غزا مع رسول الله ﷺ، وله حديث واحد. (ر: الاستيعاب ١/٢٤٦، الإصابة ١/٢٥٠) . ٢ مخفقة: الدِّرة: السوط. (ر: النهاية ٢/٥٦) . ٣ أي: دعا لها بالبركة. ٤ أخرجه الطبراني في الكبير ٥/٢٣٥، والبيهقي في الدلائل ٦/١٥٣، كلاهما من طريق محمّد بن عبد الله الرقاشي عن رافع بن سلمة بن زياد عن عبد الله بن أبي الجعد الأشجعي عن جعيل الأشجعي ﵁، قال غزوت مع النبي ﷺ ، الحديث. وفيه دعاء الرسول ﷺ للفرس: "اللهم بارك له فيها". وتابع الرقاشي عليه زيد بن الحباب عن رافع، أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/١٤٥. وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ١/٢٤٦، وقال: "حديث حسن". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٢٦٥، ٢٦٦، وقال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات". وأورده الحافظ في الإصابة ١/٢٥٠، وقال: روى حديثه النسائي بسند صحيح. ٥ القِطاف: تقارب الخطو في سرعة. من القَطْف، وهو القطع. (النهاية ٤/٨٤) . ٦ الهِمْلاج: فارسي معرَّب، أي: سريع الهرولة. (ر: القاموس ص ٢٦٩) . ٧ أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/١٧٦، مرسلًا عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: زار رسول الله ﷺ سعدًا ، فذكره بنحوه. قلت: إسحاق بن عبد الله الأنصاري، ثقة. من الرابعة مات سنة ١٣٢هـ. (ر: التقريب ١/٥٩) . وله شاهد من حديث عصمة بن مالك الخطمي ﵁، أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/١١٠، وقال: "رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار، وهو ضعيف". اهـ. ٨ قَلَنْسُوة وقَلَنْسية: إذا فتحت ضممت السين، وإذا ضممت كسرتها، تلبس في الرأس، جمعها: قلانس. (ر: القاموس ص ٧٣١) . ٩ أخرجه الحاكم ٢/٢٩٩، وعنه البيهقي ٦/٢٤٩، وأبو نعيم ص ٤٤٤، كلاهما في الدلائل، كلهم عن سعيد بن منصور عن هشيم عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك. فقال: اطلبوها. ثم طلبوها فوجدوها فإذا هي قلنسوة له خَلِقَة. فقال خالد: اعتمر رسول الله ﷺ فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصية فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالًا وهي معي إلاّ رزقت النصر". قال الذهبي: إسناده منقطع. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٥٢، وقال: "رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ورجالهما رجال الصحيح، وجعفر سمع من جماعة من الصحابة فلا أدري سمع من خالد أم لا؟ ".
[ ٢ / ٨٠٠ ]
وفي الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها أخرجت جبة طيالسة١ وقالت: "كان رسول الله ﷺ يلبسها"، فنحن نغسلها للمرض يستشفى بها٢.
وكانت قصعته ﵇ عند بعض العلماء وكان يجعل فيها الماء للمرضى فيستشفون٣ ببركتها٤.
وأخذ جهجاه الغفاري٥ القضيب٦ من يد عثمان ليكسره على ركبته فصاح الناس به فأخذته الأكلة٧ فقطعها ومات بها قبلالحول٨.
_________________
(١) ١ الطَّيْلَس: هو: الأسود، أي: جبة سوداء. وهي كلمة أعجمية معربة أصلها: تالسان. (ر: القاموس ص ٧١٤) . ٢ أخرجه مسلم ٣/١٦٤١، وأحمد في المسند ٦/٢٤٧، ٣٥٣، وأبو داود ٤/٤٩، مختصرًا، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ٢/٢٨٠ للألباني) . ٣ في ص: (فيشفون)، والمثبت من م. ٤ ورد النّصّ في الشفا ١/٦٣٨، كالآتي: "وحدّثنا القاضي أبو عليّ عن شيخه أبي القاسم بن المأمون، قال: كانت عندنا قصعة من قصاع النبي ﷺ فكنا نجعل فيها الماء للمرضى فيستشفون بها". اهـ. قال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٣٤: "عن شيخه أبي القاسم بن المأمون بن محمّد هشام الرعيني السبتي المعروف بابن المأمون الإمام المشهور". اهـ. ٥ جهجاه بن سعيد، وقيل: ابن قيس، وقيل: ابن مسعود الغفاري، شهد بيعة الرضوان بالحديبية ومات بعد عثمان بأقل من سنة رضي الله تعالى عنهما. وله حديث واحد. (ر: الاستيعاب ١/٢٦٩، الإصابة ١/٢٦٥) . ٦ القضيب؛ هو: عصا النبي ﷺ التي كان الخلفاء يتداولونها. ٧ الأَكِلة: داء في العضو يُؤْتَكل منه، أي: الحكة. (ر: القاموس ص ١٢٤٣) . ٨ ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ١/٢٦٩، وقال الحافظ في الإصابة ١/٢٦٥: "روى البارودي (وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٨١) من طريق الوليد بن مسلم عن مالك وغيره عن نافع عن ابن عمر قال: ، فذكره. ورواه ابن السكن من طريق سليمان بن بلال وعبد الله بن إدريس عن عبيد اله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله. ورواه من طريق فليح بن سليمان عن عمته عن أبيها وعمّها أنهما حضرا عثمان قال: فقام إليه جهجاه بن سعيد الغفاري حتى أخذ القضيب من يده فوضعها على ركبته فكسرها فصاح به الناس، ونزل عثمان فدخل داره، ورمى الله الغفاري في ركبته فلم يحل عليه الحول حتى مات. ورويناه في المحامليات من طريق حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن جهجاه ، نحو الأوّل". اهـ. قلت: إسناده صحيح. والله أعلم.
[ ٢ / ٨٠١ ]
وسكب من فضل وضوئه في بئر قباء فما نزفت بعد١.
ومرّ على بئر فسأل عنه فقيل: اسمه (بيسان)، وماؤه ملح، فقال ﵇: "بل هو (نعمان) ماؤه طيب"، فصار كذلك"٢.
وكان لأم٣ مالك عُكَّة تهدي فيها للنبي سمنًا فكانت أبدًا تجدها مملوءة سمنًا فكانت تقيم بإدامهم٤.
وغرس لسلمان الفارسي ثلاثمائة ودية٥ فلم يمت منها / (٢/١٦١/ب) واحدة، وأطعمت من عامها خلًا واحدة غرسها غيره فلم تطعم فنَزعها ثم وضعها فلحقت بأخواتها، وقصة سلمان مشهورة.
وأعطاه نذرًا٦ من الذهب، وقال: أَدِّه فيما٧ عليك، فقال: أين يقع هذا
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ١/٥٠٥، عن الواقدي عن سعيد بن محمّد عن سعيد بن رقيش عن أنس رضي الله تعالى عنهما قال: ، فذكره. وفيه أن اسم البئر (بئر غرس) . وله تابع أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/١٣٦، من طريق إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن سعيد عن أنس ﵁. قلت: فإسناده صحيح. والله أعلم. ٢ ذكره السيوطي في الخصائص١/٤٦١، وقال:"أخرج الزبير بن بكار، قال: ثني إبراهيم ابن حمزة بن إبراهيم بن بسطاس عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث، قال: ، فذكره. قلت: إسناده منقطع. فإن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أبو عبد الله المدني ثقة، له أفراد، من الرابعة. (روايتهم عن كبار التابعين)، مات سنة ١٢٠هـ. (ر: التقريب ٢/١٤٠) . ٣ هي: أم مالك بنت أُبي بن مالك الأنصارية الخزرجية، أخت عبد الله بن أبي بن سلول، ذكرها ابن سعد، وقال: أسلمت وبايعت وأمها سلمى بنت مطرف بن الحارث الأوسية، وتزوج أم مالك رافع بن العجلان، لها حديث واحد. (ر: الاستيعاب ٤/١٩٥٦، والإصابة ٢٧٧، ٢٧٨) . ٤ أخرجه مسلم ٤/١٧٨٤، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/١١٤، عن جابر ﵁ في سياق طويل. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٥٥٩، بإسناده من طريق يحيى بن جعدة عن جدته أم مالك ﵂. ٥ الوَدِيُّ - بتشديد الياء -: صغار النخل. الواحدة: وَدِيَّة. (ر: النهاية ٥/١٧٠) . ٦ في م: (قدرا) . ٧ في: الذهب فيها.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
فيما عليّ يا رسول الله؟ فأخذه ﵇ فَقَلَّبه على لسانه فوفَّى منه أربعين أوقية كانت عليه وبقي منه له مثل ذلك١.
قال حنش٢ بن عقيل: شرب رسول الله ﷺ [سويقا] ٣ وسقاني فَضْلَه، وما برحت أجد شبعًا وريًا وبردًا٤.
وصلى معه قتادة٥ بن نعمان العشاء الآخرة في ليلة مظلمة فأعطاهعرجونًا، وقال: انطلق فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا ومن خلفك عشرًا. فأضاء له العرجون حتى دخل بيبته٦.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند ٥/٤٤١-٤٤٤، ابن سعد ١/١٨٤، ٤/٧٥، وأبو نعيم في الدلائل ص ٢٥٨-٢٦٤، والطبراني في الكبير ٦/٢٢٢-٢٢٦، والبيهقي في الدلائل ٢/٩٢-٩٧، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٧٣-٢٨٢) . قال: حدّثني عاصم بن عمرة بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن ابن عباس عن سلمان الفارسي - ﵃ -، قال:..، فذكره في سياق طويل جدًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٣٥-٣٤٠، وقال: "رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمّد بن إسحاق وقد صرح بالسماع". قلت: وهو كما قال الهيثمي. فإسناده متصل صحيح. ٢ حَنَش - بفتحتين ثم شين معجمة -: ابن عَقيل - بفتح أوّله -، أحد بني نغيلة من مليك، أخي غفار، دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام فأسلم، وتوفي في خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما. (ر: الإصابة ٢/٤٢) . ٣ في ص، م (سويق) والصواب ما أثبتّه. ٤ ذكره ابن حجر في ترجمته في الإصابة ٢/٤٢، وقال: "له حديث طويل ذكره ابن الأثير بغير عزو، وعزاه ابن فتحون في الذيل لقاسم فوجدته في الدلائل له من طريق موسى بن عقبة عن المسور بن مخرمة - وذكر خبرًا طويلًا ملخصه: أنهم خرجوا حجاجًا مع عمر بن الخطاب ﵁ حتى إذا كانوا بالعَرْج إذا هاتف بالطريق: قفوا. فوقفوا ثم استفسرهم الهاتف عن أشياء ثم سأله عمر قال: فمن أنت؟ قال: أنا الحنش ابن عقيل أحد بني نغيلة بن مليك لقيني رسول الله ﷺ على ردهة بني جعال فدعاني إلى الإسلام فأسلمت فسقاني فضلة سويق فما زلت أجد ريها إذا عطشت وشبعها إذا جعت "، اهـ. ملخصًا. ٥ هو: قتادة بن العنمان الأوسي الظفري الصحابي المعروف، له سبعة أحاديث. ٦ أخرجه أحمد في المسند٣/٦٥، في سياق طويل، وأبو نعيم في الدلائل ص٥٦٢، كلاهما من طريق سعيد بن الحارث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري ﵁. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٢١، وقال: "رواه أحمد والطبراني والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح".
[ ٢ / ٨٠٣ ]
ودفع لعكاشة١ بن محصن جذل٢ حطب حين انكسر سيفه، وقال: اضرب به. فعاد في يده سيفًا صارمًا طويلًا أبيض شديد المتن وذلك في يوم بدر فقاتل به وشهد المشاهد إلى أن استشهد في قتال الردة وكان يسمى: "العون"٣.
هاتان الآيتان تجريان مجرى انقلاب العصا حية صلوات الله على سيّدنا محمّد وسلامه / (٢/١٦٢/أ) ودفع لعبد الله٤ بن جحش يوم أحدوقد ذهب سيفه عسيب٥ نخل فرجع في يده سيفًا٦.
_________________
(١) ١ هو: عكاشة بن محصن الأسدي، الصحابي المعروف. ٢ الجِذْل: بالكسر والفتح: أصل الشجرة يقطع، وقد يجعل جذلًا. (ر: النهاية ١/٢٥١) . ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٢/٣٢٦)، وعنه البيهقي في الدلائل٣/٩٨، ٩٩، وأخرجه الواقدي في مغازيه ١/٩٣، وعنه البيهقي في الدلائل ٣/٩٩، عن عمر ابن عثمان الجحشي عن أبيه عن عمته، قالت: قال عكاشة: ، فذكره. وأخرجه ابن سعد ١/١٨٨، عن عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زيد بن أسلم ويزيد بن رومان وإسحاق بن عبد الله بن أبي قروة وغيرهم ، فذكره مرسلًا. وذكره الذهبي في المغازي ص ١٠٠، ١٠١، وابن عبد البر في الدرر ص ١٠٨. ٤ هو: عبد الله بن جحش بن رياب الأسدي، أحد السابقين إلى الإسلام، استشهد بغزوة أحد. ٥ عسيب: أي: جريدة من النخل، وهي: السَّعفة مما لا ينبت عليه الخوص. (ر: النهاية ٣/٢٣٤) . ٦ ذكره ابن عبد البرّ في الاستيعاب ٣/٨٧٩، والحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/٤٦، وابن كثير في البداية ٤/٤٢، قالوا: ذكر الزبير في الموفقيات أن عبد الله بن جحش انقطع سيفه يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونًا. فصار في يده سيفًا وكان يسمى العرجون. وقال: وقد بقي هذا السيف حتى بيع من بغا الكبير بمائتي دينار. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٢٥٠، من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجحشي عن أشياخه: "أن عبد الله، فذكره.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
٥١- ومن معجزاته ﷺ بركة يده في إمرارها على ضروع الشياة الحوَائل١ فتدر ألبانها كفعله في شاة٢ أم٣ معبد. وشاة٤ معاوية٥بن ثور، وشاة٦ أنس،
_________________
(١) ١ الحوائل: جمع حائلة، أي: غير حالمة. والشاة العديمة اللبن. (ر: النهاية ١/٤٦٣) . ٢ خبر شاة أم معبد أخرجه الحاكم ٣/٩، وأبو نعيم ص ٣٣٧، والبيهقي ١/٢٧٧، كلاهما في الدلائل كلهم من طريق حزام بن هشام عن أبيه عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ، قال: فذكره في سياق طويل. وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٣٠٩، أيضًا إلى البغوي وابن شاهين وابن السكن وابن منده والطبراني. اهـ. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه - ثم ذكر بعض الأدلة على صحته وصدق رواته - ". ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث أبي بكر الصديق ﵁، أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٤٩١، ٤٩٢، وشاهد آخر من حديث أبي معبد الخزاعي ﵁ أخرجه ابن سعد ١/٢٣٠. ٣ أم معبد، هي: عاتكة بنت خالد الخزاعية ﵂، صحابية مشهورة بكنيتها، لها حديثان. (ر: الاستيعاب ٤/٤٩٥، الإصابة ٨/٢١٨، ٢٨٢) . ٤ خبر شاة معاوية، ذكره الحافظ في الإصابة١/١٦١، ٦/١١٠، والسيوطي في الخصائص ٢/٤٦، وقال: أخرجه ابن سعد (١/٣٠٤)، وابن شاهين وثابت في الدلائل من طريق الجعدبن عبد الله بن ماعز البكائي عن أبيه، قال: وفد معاوية بن ثور على النبي ﷺ فذكره-وفيه-: وأعطاه ﷺ فأعنْزًا عفرًا وبرك عليهن، قال الجعد: فالسنة ربما أصابت بني البكاء ولا تصيبهم. وقال محمّد بن بشر بن معاوية في ذلك شعرًا جاء فيه: وأبي الذي مسح النّبيّ برأسه ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذا أتاه أعنْزًا عفرًا نواجل لن باللجبات يملأن وفد الحي كلّ عشية ويعود ذلك الملأ بالغدوات ٥ هو: معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء العامري البكائي، وفد على النّبيّ ﷺ وكتب له كتابًا ووهب له من صدقه عامة معونة له، ومسح على رأس ابنه بشر ودعا له. (ر: الاسيتعاب ٤/١٤١٣، الإصابة ١/١٦١، ٦/١١٠) . ٦ حديث شاة أنس ﵁ لم يخرجه السيوطي. (ر: المناهل ص ١٤١)، وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٤٣، (وشاة أنس) قصتها كقصة شام أم معبد، إلاّ أن الشراح لم يذكروها. اهـ.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وغنم حليمة مرضعته وشارفها١، وشاة عبد الله بن مسعود وكانت لم يَنْزُ عليها فحل٢، وشاة المقداد٣. وكلّ ذلك مستفيض عند أهل العلم والحديث.
٥٢- ومن معجزاته ﷺ تحويل الماء لبنًا وهو أعجب من تحويل الماء خمرًا وزيتًا كما حكى أهل الكتاب عن كتابي٤ الإنجيل٥ وسفر الملوك٦.
قال حماد٧ بن سلمة: "زود رسول الله ﷺ أصحابه سقاء من ماءبعد أن
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حبان. (ر: الموارد ص ٥١٢)، وأبو نعيم في الدلائل ص ١٥٥-١٥٧، والطبراني في الكبير ٢٤/٢١٢-٢١٥، والبيهقي في الدلائل ١/١٣٣، ١٣٤، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢١٤-٢١٨)، قال: حدثني جهم بن أبي جهم عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدثت عن حليمة بنت الحارث أم رسول الله التي أرضعته، قال:، فذكرته في سياق طويل جدًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٢٣، ٢٢٤، وقال: "رواه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات. وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن راهويه وابن عساكر، وقال: أخرجه أبو يعلى والطبراني وغيرهما، بسند حسن". (ر: الخصائص١/٩١-٩٣، والمناهل ص١٤٢) . ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/٤٦٢، وابن سعد ١/١٥٦، ١٥٧، ١٨٤، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٢٩، والبيهقي في الدلائل ٦/٨٤، كلهم من طريق عاصم عن زر عن ابن مسعود ﵁ قال:..، فذكره. قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. (ر: المسند رقم: ٤٤١٢) . ٣ أخرجه مسلم٣/١٦٢٥، ١٦٢٦، والبيهقي في الدلائل٦/٨٥، ٨٦، عن المقداد ﵁ ، في سياق طويل. ٤ في ص: (آيتي)، والمثبت من م. ٥ تحويل الماء خمراص ورد في إنجيل يوحنا ٢/١-١١. ٦ تحويل الماء زيتًا كانت معجزة للنبي المسيح ﵇ وقد ورد ذكرها في سفر الملوك الثاني ٤/١-٧. ٧ حمدا بن سلمة بن دينار البصري، الربعي بالولاء، أبو سلمة، مفتي البصرة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، تغير حفظه بآخره. مات سنة ١٦٧هـ. (سير أعلام النبلاء ٧/٤٤٤، التهذيب ٣/١١، الأعلام ٢/٢٧٢) .
[ ٢ / ٨٠٦ ]
أوكاه ودعا فيه فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فَحَلُّوه فوجدوه لبنًا طيبًا وفي فمه زبدة"١. وهذا أنزل من تحويل الماء دمًا كما فعل موسى بمصر.
٥٣- ومسح ﵇ بيده المباركة رأس عمير٢ بن سعد وبرك فعاش ثمانين سنة لم يشب رأسه٣.
وكل ذلك ببركة يد رسول الله ﷺ / (٢/١٦٢/ب) وفعل ذلك بغير واحد من المسلمين
_________________
(١) ١ قال السيوطي في المناهل ص ١٤٢: "أخرجه ابن سعد (في الطبقات ١/١٧٢) عن سالم بن أبي الجعد مرسلًا". قلت: سالم بن أبي الجعد الغطفاني، ثقة، وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين وقيل مائة. (ر: التقريب ١/٢٧٩) . ٢ هو: عمير بن سعد عبيد الأنصاري الأوسي كان يقال له: نسيج وحده واستعمله عمر على حمص، مات في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان. ولم يذكر الحافظ في ترجمته أن النبي ﷺ مسح على رأسه. (ر: الاستيعاب ٣/١٢١٥، الإصابة ٥/٣٢) . والظاهر أن من وقعت له هذه المعجزة هو: عبادة بن سعد بن عثمان الزرقي ﵁، وليس عميرًا - كما ورد عند المؤلِّف وفي الشفا ١/٦٤٤ -. وقد صرح بذلك القاري في شرحه للشفا ٣/١٤٤، والخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٤٥. وقال السيوطي في المناهل ص ١٤٢: "أخرجه الزيبر بن بكار في أخبار المدينة عن محمّد بن عبد الرحمن بن سعد، وسماه عبادة لا عمير". اهـ. ٣ ذكره الحافظ في الإصابة ٣/٨١، وقال: "روى الزبير بين بكار في أخبار المدينة من طريق محمّد بن عبد عبادة يسقي، فلم يعرفه عبادة ثم جاء سعد فوصفه له فقال: ذلك رسول الله الْحِق به. فلحقه فمسح رأسه ودعا له، يقال: مات وهو ابن ثمانين سنة وما شاب".اهـ. ثم أشار الحافظ إلى هذه المعجزة في ترجمة عبادة الزرقي ٤/٢٩.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
منهم السائب١ بن يزيد ومدلوك٢، ومسح على بطن عتبة٣ بن فرقد وظهره فكان يوجد له طيب يغلب طيب نسائه٤
_________________
(١) ١ هو: السائب بن يزيد بن سعيد، وقال: عائد بن الأسود أو الأزدي، ويعرف بابن أخت النمر، له ولأبيه صحبة، وكان العلاء الحضرمي خاله، استعمله عمر على سوق المدينة ومات سنة ٨٢هـ،. وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة - ﵃ -. (ر: الإصابة ٣/٦٢) . وقصته ذكرها السيوطي في الخصائص ٢/١٣٨، وقال: "أخرج ابنُ سعد وابن منده والبغوي والبيهقي (في الدلائل ٦/٢٠٩)، وابن عساكر عن عطاء مولى السائب بن يزيد، قال: كان رأس السائب أسود الهامة إلى مقدم رأسه وكان سائره أبيض فقلت: يا مولاي ما رأيت أحد أعجب شعرًا منك! قال: وما تدري يا بني لم ذلك؟! إن رسول الله ﷺ مَرَّ بِيَ وأنا مع الصبيان، فقال: من أنت؟ قلت: السائب بن يزيد. فمسح بيده على رأسي، وقال: بارك الله فيه. فهو لا يشيب أبدًا". اهـ. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤١٢، بنحوه وقال: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط والكبير، ورجال الكبير رجال الصحيح غير عطاء مولى السائب، وهو ثقة، ورجال الصغير، والأوسط ثقات". اهـ. وقد أخرج البخاري في كتاب الوضوء باب (٤٠) . (ر: ١/٢٩٦)، ومسلم ٤/١٨٢٣)، عن السائب قال: "ذهبَت بيَ خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَقِع، فمسح رأسي دعا لي بالبركة، ثم توضأ "، الحديث. اهـ. ٢ مدلوك الفزاري، مولاهم، أبو سفيان، قال ابن أبي حاتم: له صحبة وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة. (ر: الجرح والتعديل ٨/٤٢٧)، وقال الحافظ في الإصابة ٦/٧٥، أخرج البخاري في التاريخ الكبير (٤/٢/٥٥)، وابن سعد والبغوي والطبراني من طريق مطر بن علاء الفزاري حدثتني عمتي آمنة أو أمية بنت أبي الشعثاء وقطبة مولاة لنا قالتا: سمعنا أبا سفيان - زاد البغوي في روايته مدلوكًا - يقول: ذهب بيَ مولاي إلى النبي ﷺ فأسلمت، فدعا لي بالبركة ومسح رأسي بيده، قالت: فكان مقدم رأس أبي سفيان أسود ما مسه النبي ﷺ وسائره أبيض. وأخرج ابن منده وأبو نعيم من وجه آخر عن مطر". اهـ. وعزاه السيوطي أيضًا في الخصائص ٢/١٣٨، إلى ابن منده وابن السكن وابن عساكر والبيهقي في الدلائل ٦/٢١٥، من طريق مطر بن علاء به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٩/٤١٢،وقال:"رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم". ٣ عتبة بن فرقد بن يربوع السلمي، أبو عبد الله، شهد خيبر وقُسِم له منها، ولاه عمر في الفتوح، ففتح الموصل سنة ١٨هـ، وكان في أذربَيجان ثم نزل الكوفة ومات بها. (ر: الاستيعاب ٣/١٠٢٩، الإصابة ٤/٢١٦) . ٤ أخرجه البيهقي في الدلائل٦/٢١٦،الطبراني في الصغيروالكبير. (ر: الإصابة ٤/٢١٦)، عن حصين بن عبد الرحمن عن أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد، قالت: ، فذكرته. وذكره السيوطي في الخصائص ٢/١٤١، وقال: "أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بسند جيد".
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وجرح عائذ١ بن عمرو يوم حنين٢ فسلت الدم عن وجهه ودعا له فكانت له غرة كغرة الفرس ببركة يدنبي الله صلى الله عليه وسلم٣.
ومسح على رأس قيس٤ بن زيد الجُذامي ودعا له فعاش مائة سنة ورأسه أبيض وموضع كفّ النّبيّ ﷺ وما مرت عليه يد رسول الله ﷺ أسود غربيب، فكان يدعى الأغر٥.
_________________
(١) ١ عائذ بن عمرو بن هلال المزني ﵁، أبو هبيرة، كان ممن بايع تحت الشجرة سكن البصرة، ومات في إمارة ابن زياد، له ثمانية أحاديث. (ر: الاستيعاب ٢/٧٩٩، الإصابة ٤/٢١) . ٢ من الغزوات المشهورة، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة، وحنين تصغير حين، وهو واد من أودية مكّة، يقع شرقها بقرابة ثلاثين كيلًا، يسمى اليوم بـ: (وادي الشرائع) . (ر: معجم المعالم الجغرافية ص ١٠٧، للبلادي) . ٣ أخرجه الحاكم ٣/٥٨٧، ٥٨٨، والطبراني في الكبير ١٨/٢٠، من طريق حشرج بن عبد الله بن حشرج عن أبيه عن جده، قال: قال عائذ بن عمرو ، وذكر الحديث. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤١٥، قال: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم، وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٤٤٩، ٤٥٠، أيضًا إلى أبي نعيم وابن عساكر بالإسناد السابق. وعَقَّب الذهبي على الحاكم بقوله: "سمعه زيد بن الحريش منه (أي: من حشرج بن عبد الله) وإسناده فيه مجهولان". اهـ. ولم يبيّن من هما المجهولان. قلت: المجهول الأوّل، هو: حشرج بن عائذ بن عمرو المزني، قال عنه أبو حاتم الزاري: لا يعرف. (ر: الجرح والتديل ٣/٢٩٥، ٢٩٦) . والثاني: هو: عبد الله بن حشرج بن عائذ، قال عنه أبو حاتم الزاري: لا يعرف. (ر: الجرح والتعديل ٥/٤٠) . ٤ قيس بن زيد بن حباب الجذامي ﵁، والد نائل بن قيس الشامي، ويقال له: قيس الأغر، ذكره ابن السكن والبخاري وابن حبان والبغوي في الصحابة، ووقع لابن أبي حاتم أن قيس الجذامي ليست له صحبة، وقد ذكره ابن سعد في طبقة أهل الفتح. وقال: "كان سيدًا عقد له النبيّ ﷺ على قومه لما وفد عليه". (ر: الجرح والتعديل ٧/٩٨، التجريد ٢/٢٦، الإصابة ٥/٢٥٢، ٢٥٣، التقريب ٢/١٣٠) . ٥ لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٤٣. قلت: ذكر الحافظ في الإصابة ٥/٢٥٢، في سياق طويل، وقال: "أخرجه ابن منده وأبو عليّ ابن السكن باختصار كلاهما من طريق أبي الحسن أحمد بن عمير بن حوصاء الحافظ عن منصور بن الوليد بن سلمة بن يحيى عن الطفيل بن قيس بن الجذامي عن أبيه أنه وفد على رسول الله ﷺ " الحديث. بتصرف. وسكت الحافظ عن الخبر ولم يتكلم فيه.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
وكذلك فعل بعمرو بن ثعلبة الجهني١، ومسح على وجه رجل من
المسلمين فكان لا يزال على وجهه نور٢، وكان لوجه قتادة٣ بن ملحانبريق حتى كان ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة لأنه ﷺ مسح بيده على وجهه٤.
ووضع يده ﵇ على رأس حنظلة٥ بن حذيم وبرك عليه،
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٢١٦، من طريق أبي الوضاح بن سلمة الجهني عن أبيه عن عمرو بن ثعلبة الجهني. وذكره الحافظ في ترجمة عمرو بن ثعلبة الجهني ثم الزهري. (ر: الإصابة ٤/٢٨٨)، قال: "قال السكن: له صحبة، وروى البغوي وابن السكن وابن منده من طريق الوضاح بن سلمة الجهني عن أبيه عن عمرو بن ثعلبة قال: لقيت رسول الله ﷺ بالسيالة فأسلمت، فمسح على وجهي فمات عمرو بن ثعلبة من مائة سنة وما شابت منه شعرة. وقال ابن منده: لا يعرف إلاّ من هذا الوجه. قال ابن حجر: وفي إسناده من لا يعرف وقد خلطه ابن منده بالذي قبله فوهم. (يقصد عمرو بن ثعلبة ابن وهب الأنصاري". اهـ. ٢ قال القاري في شرحه للشفا ٣/١٤٦: "قال الحلبي: هذا الآخر لا أعرفه. وقال الدلجي: لعله خزيمة بن سواء بن الحارث، إذ روى ابن سعد عن وجه السعدي أنه ﷺ مسح فصارت له غرة بيضاء". اهـ. قلت: أخرج المدائني عن رجاله أن أسيد بن أبي إناس مسح رسول الله ﷺ وجهه وألقى يده على صدره، فكان أسيد يدخل البيت المظلم فيضيء، وأخرجه أيضًا ابن عساكر. (ر: الخصائص ٢/١٤٢، للسيوطي) . ٣ قتادة بن ملحان القيسي ﵁، قال البخاري وابن حبان: له صحبة يعد في البصريين، له حديثان. (ر: الجرح والتعديل ٧/١٣٢، الإصابة ٥/٢٢٩) . ٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٢٨، ٨١، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٢١٧، عن عارم ويحيى بن معين وهريم بن عبد الأعلى كلهم عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي العلاء بن عمير الحريري، قال: كنت عند قتادة بن ملحان حين حضر، فمر رجل في أقصى الدار، قال: فأبصرته في وجه قتادة، قال: وكنت إذا رأيته كأن على وجهه الدهان. قال: وكان رسول الله ﷺ مسح على وجهه". اهـ. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٢٢، وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". وهو كما قال الهيثم. اهـ. وذكره الحافظ في الإصابة ٥/٢٢٩، وعزاه لابن شاهين من طريق سليمان اليتمي عن حيان بن عمرو قال:، فذكره. ٥ حنظلة بن حذيم بن حنيفة التميمي ﵁، ويقال الأسدي والمالكي، له ولأبيه وجده صحبة. له ثلاثة أحاديث. (ر: الجرح والتعديل ٣/٢٣٩، الإصابة ٢/٤٢، ٤٣) .
[ ٢ / ٨١٠ ]
فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه وبالشاة قد ورم ضرعها فيضعه على موضع كف رسول الله ﷺ فيذهب الورم ويجد الشفاء١.
ونضح وجه / (٢/١٦٣/أ) زينب٢ بنت أم سلمة بماء، فما يعرف كان في وجه امرأة من الجمال ما في وجهها٣.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٦٧، في سياق طويل، والبيهقي في الدلائل ٦/٢١٤، مختصرًا كلاهما من طريق الذيال بن عبيد بن حنظلة بن حذيم بن حنيفة، قال: سمعت جدي حنظلة يحدّث أبي وأعمامه ، وذكر الحديث. ونقله الحافظ عن الإمام أحمد في ترجمة حنظلة بن حذيم. (ر: الإصابة ٢/٤٣) . ثم قال: رواه الحسن بن سفيان في مسنده من وجه آخر عن الذيال، ورواه الطبراني بطوله منقطعًا، ورواه أبو يعلى من هذا الوجه وليس بتمامه، وكذا رواه يعقوب بن سفيان والمنجنيقي في مسنده وغيرهما. اهـ. ملخصًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤١١، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه وأحمد في حديث طويل ورجال أحمد ثقات". ٢ زينب بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومية ﵂ ربيبة رسول الله ﷺ، أمها أم سلمة بنت أبي أمية، يقال: ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها (برة) فغيره النبيّ ﷺ، تزوجها عبد الله بن زمعة الأسدي، وكانت من فقهاء المدينة، وذكرها ابن سعد فيمن لم يرو عن النبي ﷺ شيئًا وروى عن أزواجه، ولها سبعة أحاديث. (ر: الاستيعاب ٤/١٨٥٤-١٨٥٦، الإصابة ٨/٩٦) . ٣ ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/١٨٥٥، بدون إسناد، وذكره الحافظ في الإصابة ٨/٩٦، قال: "وروينا في القطعيات من طريق عطاف بن خالد عن آمنة عن زينب بنت أبي سلمة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل يغتسل تقول أمي: ادخلي عليه، فإذا دخلت نضح في وجهي من الماء ويقول: ارجعي، قالت: فرأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء - وفي رواية ذكرها أبو عمر - فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعمرت". اهـ. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٩/٢٦٢،وقال:"رواه الطبراني وأم عطاف لم أعرفها".
[ ٢ / ٨١١ ]
ومسح على رأس صبي به عاهة فبرأ واستوى شعره١، وفعل ذلك بجماعة من المجانين والمرضى فشفوا وصحوا.
قال المؤلِّف: وعند هذه الآية صح قول أشعيا النبي حيث يقول متنبئًا على محمّد رسول الله ﷺ: "روح الرّبّ عليّ من أجل هذا مسحني وأرسلني، لأنذر العميان بالنظر والمأسورين بالتخلية، وأبشّر بالسنة المقبولة"٢. فقد أنذر العميان وأطلق الأسارى من أيدي ملوك مثل كسرى وغيره، وكانت العرب في أسارهم يؤدون لهم الأتاوة والخراج، وبشر بالسنة المقبولة ﷺ، وأطلق المجانين من أيدي الشياطين.
_________________
(١) ١ قال القاري في شرحه للشفا ٣/١٤٧: "لا يعرف من رواه بهذا اللفظ إلاّ أن أبا نعيم روى عن الوازع أنه انطلق إلى رسول الله ﷺ بابن له مجنون فمسح وجهه ودعا له، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوته له أعقل منه، وروى مثله في خبر المهلب بن قَبالة، وروى هُلْب بن قُنَافَة كذا ذكره أبو عمر، وقيل: هو الصواب ولعلهما قصتان لرجلين، وقال الطبري: هو المهلب بن يزيد بن عدي الطائي، وفد على رسول الله ﷺ وهو أقرع فمسح على رأسه فنبت شعره فسمي الهلب". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص ١٤٤: "أخرجه أبو نعيم عن الوازع إنه انطلق إلى الحديث" اهـ. قلت: المناسب لسياق الكلام أن يكون المراد بقصة الحديث المذكور هو: الهلب الطائي، فقد ذكره الحافظ في الإصابة ٦/٢٩١، في ترجمته، فقال: قال ابن دريد: أتى النبي ﷺ رجل أقرع فمسح على رأسه فنبت شعره فسمي الهلب، والأهلب: الكثير الشعر، والهُلب، وهو يزيد ابن قُنَافَة، وقال ابن الكلبي: ويقول الشاعر: كان وما في رأسه شعرة فأصبح الأقرع وافي الكشير ٢ سفر أشعيا ٦١/١، ٢.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وأتاه رجل به أَدْرَة فأمره ﵇ أن ينضحها بماء من عين كان رسول الله ﷺ يمج فيها، فذهب الرجل وفعل ذلك فشفي من إدرته١.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه - هذا أعجب من قول المسيح لنعمان الأبرص: اذهب إلى عين كذا وانغمس فيها / (٢/١٦٣/ب) سبع مرات فبرئ٢، وألطف من قول موسى لأخته مريم وقد تبرصت: اخرجي عن عسكرنا وابعدي عنه سبعة أيام. حتى عوفيت٣.
وأعظم من آية الإنجيل التي حكوها في صاحبة٤ النَّزيف.
وعن طاوس٥ قال: لم يؤت النّبيّ ﷺ بأحد به جنون فصك في صدره إلاّ ذهب الجنون عنه٦.
_________________
(١) ١ لم يخرجه السيوطي. (ر: المناهل ص ١٤٤)، وقال القاري في شرحه للشفا ٣/١٤٨: "قال الدلجي: لا أعلم من رواه، وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٤٨: هذا الحديث لم يخرجوه". اهـ. قلت: قال ابن الأثير في النهاية ١/٣١، في مادة (أدر): فيه الحديث: "أن رجلًا أتاه وبه أدرة، فقال ﷺ: أئتِ بعُس، فحسا منه ثم مجه فيه وقال: انتضح به فذهبت عنه". الأُدرة - بالضم -: نفخة في الخيصة. يقال: رجل أدر بَيِّنُ الأَدَر - بفتح الهمزة والدال - وهي التي يسميها الناس القيلة". اهـ. وأخرج ابن سعد في الطبقات ١/٥٠٥، عن الواقدي عن أُبَي بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه، قال: "سمت عدة من أصحاب النبي ﷺ فيهم أبو أسيد وأبو حميد وأبو سهل بن سعد، يقولون: أتى رسول الله ﷺ بئر بضاعة فتوضأ في الدلو ورده في البئر ومج في الدلو مرة أخرى وبصق فيها وشرب من مائها، وكان إذا مرض المريض في عهد يقول: اغسلوه من ماء بضاعة، فيغسل فكأنما حلّ من عقال". اهـ. ٢ سفر الملوك الثاني ٥/٢٠-٢٧. ٣ سفر العدد ١٢/١-١٥. ٤ متى ٩/١٨-٢٦، مرقس ٥/٢١-٤٣، لوقا ٨/٤٠-٥٦. ٥ طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني بالولاء، أبو عبد الرحمن، يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقب، من أكابر التابعين، ثقة فقيه، فاضل، أصله من الفرس ومولده ونشأته باليمن، مات سنة ١٠٦هـ. وقيل: بعد ذلك. (ر: سير أعلام النبلاء ٥/٣٨، التهذيب ٥/٨، الإعلام ٣/٢٢٤) . ٦ لم يخرجه السيوطي. (ر: المناهل ص ١٤٤)، وقال القاري في شرحه ٣/١٤٨: "كذا وقفه المصنف على طاوس، ولم يعلم من رواه من المخرجين". اهـ. وبنحو ذلك ذكره الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٤٨.
[ ٢ / ٨١٣ ]
قال المؤلِّف: هذا ألطف مما فعل المسيح إذ ما خرج الجني من الصبي الذي كلمه أبوه فيه حتى صرع الصبي ولبطه وكاد١ أن يموت٢، وهذا طاوس يخبر أنه بمجرد مسّ رسول الله ﷺ صدر المجنون فيذهب جنونه.
وأخذ ﵇ قبضة من تراب يوم حنين ورمى بها وجوه الكفار وقال: "شاهت الوجوه". وانهزموا يمسحون التراب عن أعينهم٣.
وشكى إليه أبو هريرة النسيان وقلة الحفظ فأمره ببسط ثوبه والنبي يحدّث فلما حدّثه ضَمَّ الثوب إلى صدره، قال أبو هريرة: فما نسيت شيئًا سمعته بعد٤.
وكان جرير٥ بن عبد الله لا يثبت على الخيل فضرب رسول الله ﷺ / (٢/١٦٤/أ) صدره ودعا له فكان أثبت العرب وأفرسهم٦.
_________________
(١) ١ في م: كان. ٢ متى ١٧/١٤-٢١، مرقس ٩/١٤-٢٩، لوقا ٩/٣٧-٤٣. ٣ أخرجه مسلم ٣/١٣٨٩، والبيهقي في الدلائل ٥/١٣٧-١٣٩، عن العباس بن عبد المطلب ﵁، في سياق طويل، وأخرجه مسلم ٣/١٤٠٢، والبيهقي ٥/١٤٠، عن سلمة بن الأكوع ﵁، وأخرجه أحمد في المسند ٥/٢٧٦، والبيهقي ٥/١٤٣، عن أبي عبد الرحمن الفهري ﵁. ٤ أخرجه البخاري في كتاب العلم باب (٤٢) . (ر: فتح الباري ١/٢١٥) . وفي كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣٣)، ومسلم ٤/١٩٣٩-١٩٤١، والترمذي في ٥/٦٤٢، عن أبي هريرة ﵁. قلت: أجمع أهل الحديث على أن أبا هريرة أكثر الصحابة حديثًا. فله من الأحاديث خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، بتكرار الأسانيد، أما المتون فلا تتجاوز ألفي حديث. وقد كان ذلك بهذه المعجزة العظيمة. (ر: مقدمة مسند بقية بن مخلد، الإصابة ٧/٣٠١) . ٥ هو: جرير بن عبد الله بن جبر بن مالك البجلي ﵁، أبو عمر، الصحابي المشهور، له مائة حديث. ٦ أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب (١٥٤) . (ر: فتح الباري ٦/١٥٤)، ومسلم ٤/١٩٢٥، ١٩٢٦، وأحمد في المسند ٤/٣٦٢، وفي فضائل الصحابة ٢/٨٩١، عن جرير ﵁.
[ ٢ / ٨١٤ ]
ومسح رأس عبد الرحمن١ بن زيد بن الخطاب وكان دميمًا ودعا له فَفَرع الرجال تمامًاوطُولًا٢.
٥٤- ومِن آياته ﵇ اطلاعه على الغيوب، وإعلام الله له بما يكون قبل كونه.
قال العلماء والأئمة: "وهذه المعجزة من جملة معجزاته معلومة لنا على القطع واصلة إلينا بتواتر النقل لكثرة رواتها واتفاق معانيها".
قال حذيفة: "قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا فما ترك شيئًا يكون إلى أن تقوم الساعة إلاّ حدّثنا به، حفظه مَنْ حفظه، ونسيه مَنْ نسيَه، وقد علم٣ أصحابي هؤلاء أنه ليكون مني الشيء، فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجهًا إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه"٤.
ثم قال حذيفة: " [واللهِ] ٥ ما أدري أنسيَ أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب القرشي، أُمُّه لبابة الأنصارية، ولد سنة خمس فيما قيل، وقال مصعب: كان له عند موت النبي ﷺ ست سنين. زَوَّجه عمر ابنته فاطمة، ولاّه يزيد بن معاوية إمرة مكّة. ومات في ولاية عبد الله بن الزبير. (ر: الإصابة٥/٧٠) . ٢ أورده الحافظ في الأصابة ٥/٧٠، وقال: "قال الزبير: حدّثني إبراهيم بن محمّد بن عبد العزيز، قال: ولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فكان ألطف مَنْ وُلِد، فأخذه جده أبو لبابة في خرقة فأحضره عند النبي ﷺ وقال: ما رأيت مولودًا أصغر خلقة منه، فحنكه رسول الله ﷺ ومسح رأسه ودعا له بالبركة، قال: فما رؤي عبد الرحمن في قوم إلاّ فرعهم طُولًا". قلت: قوله: "أَلْطَفُ مَنْ ولد"، أي: أصغر المولودين وأدقّهم جسمًا وضعفًا. (ر: النهاية ٤/٢٥١) . ٣ في م: علمه. ٤ أخرجه البخاري في كتاب القدر باب (٤) . (ر: فتح الباري ١١/٤٩٤)، ومسلم ٤/٢٢١٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٣١٢، ٣١٣، عن حذيفة ﵁. ٥ الإضافة من سنن أبي داود.
[ ٢ / ٨١٥ ]
رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي١ الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا إلاّ قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته٢. (/ (٢/١٦٤/ب) .
وقال أبو ذرّ: "لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلاّ ذَكَّرنا منه علمًا"٣.
وقد خرج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به رسول الله ﷺ أصحابه من الظهور على أعدائه وفتح مكّة٤ وبيت المقدس٥ واليمن والشام
_________________
(١) ١ في م: تقضي. ٢ قال السيوطي في المناهل ص ١٤٥: "الحديث من أفراد أبي داود، وظاهر صنع المؤلِّف أنه تتمة الحديث الأوّل بإسناده، وليس كذلك. وإنما أخرجه منفصلًا بسند آخر من طريق ابن قبيصة بن ذؤيب عن أبيه عن حذيفة. اهـ. قلت: أخرجه أبوداود٤/٩٥،عن محمّدبن يحيى بن فارس عن ابن أبي مريم عن ابن فروخ عن أسامة بن زيد عن ابن لقبيصة بن ذؤيب عن أبيه عن حذيفة ﵁ ، فذكره. وفي إسناده: عبد الله بن فروخ الخراساني أو اليماني، صدوق يغلط. وقال عنه البخاري: يعرف وينكر. (ر: التهذيب٥/٣١١، والتقريب١/٤٤٠، والكامل ٤/١٩٩، لابن عدي) . وفيه أسامة بن زيد الليثي، صدوق يهم. (ر: التقريب ١/٥٣) . ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/١٥٣، ١٦٢، من طريق الأعمش عن منذر عن أشياخ من التيم قالوا: قال أبو ذرّ: ، فذكره. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٦٦، قال: "رواه أحمد والطبراني وزاد: - فقال النبي ﷺ: (ما بقي شيء يُقرِّب من الجنة ويباعد من النار إلاّ وقد بيّن لكم) . ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير محمّد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم". اهـ. ثم ذكر الهيثمي للحديث شاهدًا عن أبي الدّرداء ﵁، وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص١٤٥: "أخرجه أحمد والطبراني بسندصحيح، وأخرجه أبويعلى والطبراني وابن منيع عن أبي الدرداء أيضًا".اهـ. (ر: الخصائص٢/١٨٤) . ٤ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٣٥) . (ر: فتح الباري ٧/٤٥٢)، وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الفتح. (ر: فتح الباري ٨/٥٨٣)، ومسلم ٣/١٤١١-١٤١٣، والبيهقي في الدلائل ٤/١٥٤-١٦٠، عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود وسهل بن حنيف وغيرهم - ﵃ -. ٥ أخرجه البخاري في كتاب الجزية باب (٥) . (ر: فتح الباري ٦/٢٧٧)، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٢١، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁.
[ ٢ / ٨١٦ ]
واليمن١. وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة٢ إلى مكّة لا تخاف إلاّ الله٣. وأنّ المدينة سَتُغزى٤. وتفتح خيبر على يد عليّ فيغد يومه٥، وأخبرهم بما يفتح الله على يدي أمته من الدنيا وما يؤتون من زهرتها٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة باب (٥) . (ر: فتح الباري ٤/٩٠)، ومسلم ٢/١٠٠٨،١٠٠٩،والبيهقي في الدلائل٦/٣٢٠،عن سفيان بن أبي زهيرالنميري ﵁. ٢ الحيرة: مدينة بين النجف والكوفة بالعراق. (ر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص ١٠٥، محمّد شراب) . ٣ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦١٠)، وأحمد في المسند ٤/٢٥٧، ٢٧٨، وأبو نعيم ص ٥٤١، والبيهقي ٦/٣٢٣، كلاهما في الدلائل عن عدي بن حاتم ﵁ في سياق طويل. ٤ أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب (٥) . (ر: فتح الباري ٤/٨٩)، ومسلم ٢/١٠١٠. وقال السيوطي في المناهل ص ١٤٦: "أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، بلفظ: "تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلاّ العوافي". (تنبيه): هذا الأمر لم يقع بعد كما اختاره النووي وغيره أن ذلك إنما يقع قرب الساعة، وزعم المصنف في شرح مسلم أنه وقع، فلذا ذكره فيما أخبره به فوقع كما أخبر". اهـ. ٥ أخرجه البخاري في كتاب المغازي. (ر: فتح الباري ٧/٤٧٦)، ومسلم ٣/١٤٤١، ٤/١٨٧١، ١٨٧٢، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٠٥-٢١١، عن سلمة بن الأكوع وسهل بن سعد - ﵃ -. ٦ أخرجه البخاري في كتاب الجزية، باب. (ر: فتح الباري ٦/٢٥٧)، ومسلم ٤/٢٠٩٨، وأحمد في المسند ٤/١٣٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٣١٩، عن عمرو بن عوف ﵁. وفيه قال رسول الله ﷺ: "فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما أخشى عليكم الفقر، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها فتلهيكم كما أَلْهَتْهُم". وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة. (ر: فتح الباري ٣/٣٢٧)، ومسلم ٢/٧٢٨، ٧٢٩، عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح على عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ". الحديث.
[ ٢ / ٨١٧ ]
وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر١. وأنه ستكون لهأنماط٢. ويغدو أحدهم في حلة ويروح في أخرى وتوضع بين يديه صحفة وترفع أخرى ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة٣. وأنهم سيمشون المطيطاء٤ وتخدمهم بنات فارس والروم ويقاتلهم الترك والخزر والروم٥.ويقاتلهم الترك والخزر والروم٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٥)، ومسلم ٤/٢٢٣٧، والترمذي ٤/٤٣١، وأحمد في المسند ٢/٢٣٣، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٤٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٢٤، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمّد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله". ٢ الأنماط: هي: نوع من البسط له خَمْل رقيق، واحدها: نمط. (ر: النهاية ٥/١١٩) . والحديث أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٩)، ومسلم ٣/١٦٥٠، ١٦٥١، والبيهقي في الدلائل ٦/٢١٩، ٣٢٠، عن جابر ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "هل لك من أنماط؟ "، قلت: يا رسول الله وأنَّى؟ فقال: "إنها ستكون لكم أنماط ". الحديث. ٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده٤/٤٨٧،والحاكم٣/١٥،والبيهقي في الدلائل٦/٥٢٤، كلهم من طريق داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن طلحة البصري ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "صحيح سمعه جماعة من داود". ٤ المُطَيْطَاء - بالمدّ والقصر -: مشية فيها تبختر ومَدُّ اليدين، يقال: مَطَوْت ومَطَطْتُ، بمعنى: مددت. وهي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر. (ر: النهاية ٤/٣٤٠) . ٥ أخرجه الترمذي ٤/٤٥٦، والعقيلي في الضعفاء ٤/١٦٢، والبيهقي في الدلائل ٥/٥٢٥، كلهم من طريق موسى بن عبيده عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵁، قال: ، الحديث. قال الترمذي: "هذا حديث غريب". وقد رواه أبو معاوية عن يحيى ابن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ فذكر نحوه. (وأخرجه بهذا الطريق أبو نعيم في الدلائل ص ٥٣٩) . ولا يعرف لحديث أبي معاوية عن يحيى بن سعيد أصل، إنما المعروف حديث موسى بن عبيدة، وقد روى مالك بن أنس هذا الحديث عن يحيى بن سعيد مرسلًا ولم يذكر فيه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر". اهـ. قلت: له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/١٤٠، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن". ٦ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٠٤)، ومسلم ٤/٢٢٣٣، ٢٢٣٤، والإمام أحمد في مسنده ٢/٢٣٣، والترمذي ٤/٤٣٠، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٤٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٣٦، عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٨١٨ ]
وأخبرهم بذهاب كسرى وفارس١ حتى لا كسرى ولا فارس بعده. وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده٢.
وأخبرهم أن الروم ذوات قرون إلى آخر الدهر٣.
وأخبرهم بذهاب الأمثل / (٢/١٦٥/أ) فالأمثل من الناس٤،وقبض العلم وظهور الفتن والهرج٥. وقال: "إنه زويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمته ما زوي له منها"٦.
فلهذا امتدت مملكة أمته - صلوات الله عليه وسلامه - من المشارق إلى المغارب كما ترى، حتى بلغت من أقصى الهند إلى بحر طنجة حيث لا عمارة وراءه.
_________________
(١) ١ قال السيوطي في المناهل ص ١٤٨، وفي الخصائص ٢/١٩٣: "أخرجه الحارث بن أبي سلمة عن ابن مُحَيْريز مرفوعًا: "فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا، والروم ذوات القرون كلما هلك قرن خلفه قرن". قلت: الخبر مرسل، فإن عبد الله بن محيريز الجمحي ثقة من الثالثة. (ر: التهذيب ١/٤٤٩) . ٢ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٨١٨) . التعليق رقم: (١) . ٣ أخرجه مسلم ٤/٢٢٢٢، بنحوه عن المستورد القرشي ﵁، عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة والروم أكثر الناس". قال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/١٥٦: "ذات القرون - بالتعريف - جمع قرن، وهم الجماعة في عصر واحد، أي: كلما مضى قرن خلفه قرن وقوم يملك ملكهم منهم. وقيل: المراد بهم قرون شعورهم التي كانوا يطولونها ويعرفون بها للإشارة إلى طول هممهم". اهـ. ٤ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٣٧) . (ر: فتح الباري ٧/٤٤٤)، وأحمد في المسند ٤/١٩٣، عن مرداس الأسلمي ﵁. ٥ أخرجه البخاري في كتاب الفتن ٥، ٢٥. (ر: فتح الباري ١٣/١٣)، ومسلم ٤/٢٠٥٧، ٢٢٣١، ٢٢٣٢، والترمذي ٤/٤٢٤، عن أبي هريرة وابن مسعود وأبي موسى - ﵃ -. ٦ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٢٩، ٧٣٠) .
[ ٢ / ٨١٩ ]
وقال ﵇: "لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرة على الحقّ لا يضرّهم من ناوأهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. فقيل: يا رسول الله وأين هم يومئذٍ؟. قال: بيت المقدس" ١.
وأخبر ﵇ بملك بني أمية٢ واتّخاذهم مال الله دولًا٣.
وأخبر
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب (٢٨) . (ر: فتح الباري ٦/٦٣٢)، عن المغبرة ابن شعبة ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، قال معاذ: "وهم بالشام". وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/٣٦٩، عن معاوية ﵁، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٩٠، وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني وأبو عبد الله الشامي ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح". وأخرجه بنحوه عبد الله بن أحمد في مسنده ٥/٢٦٩، عن أبي أمامة ﵁. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٩١، وقال: "رواه عبد الله وجادة عن خطّ أبيه والطبراني ورجاله ثقات". وقال السيوطي في المناهل ص١٥٠:"أخرجه الطراني وعبد الله بن أحمدوسنده صحيح". ٢ أخرجه الترمذي ٥/٤١٤، والحاكم ٣/١٧٠، ١٧١، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٥٠٩، ٥١٠، كلهم من طريق القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد، ويقال له يوسف بن مازن الراسبي، قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية ، فذكره بنحوه في سياق طويل. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة، ويوسف بن سعد رجل مجهول". اهـ. ملخصًا. وقال الحاكم: "إسناده صحيح". ووافقه الذهبي. وقال: وروي عن يوسف بن قيس أيضًا وما علمت أن أحدًا تكلم فيه. والقاسم وثّقوه، روه أبو داود والتبوذكي".اهـ. قلت: يوسف بن سعد الجمحي البصري، ويقال: هو يوسف بن مازن، ثقة، من الثالثة. (ر: التهذيب ٢/٣٨٠) . ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/٨٠، والحاكم ٤/٤٨٠، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٠٧، كلهم من طريق جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري، قال: ، فذكره. وتابع الأعمش عليه مطرف بن طريف عن عطية به أخرجه الحاكم ٤/٤٨٠. قلت: إسناده ضعيف. فإن عطية بن سعد جنادة العوفي، صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلّسًا. (ر: التهذيب ٧/٢٠٠، التقريب ٢/٢٤) . لكن له شواهد يتقوى بها منها: حديث أبي ذرٍّ ﵁: أخرجه الحاكم ٤/٤٨٠، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ومنها: حديث أبي هريرة ومعاوية وابن عباس - ﵃ -، أخرجها البيهقي في الدلائل ٦/٥٠٧.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
بخروج بني العباس بالريات السود١ وملكهم أضعاف ما ملكوا٢.
وأخبر ﵇ بخروج المهدي٣.
وأخبرنا بما ينال أهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين٤.
وأخبر بقتل عليّ بن
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه. (ر: ضعيف سنن ابن ماجه ص ٣٣٤)، والحاكم ٤/٤٦٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٥١٥، كلهم في طريق سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان ﵁، مرفوعًا. قال: ، فذكره. - وفيه -: "ثم تطلع الرايات السود من المشرق ،" الحديث. قلت: في إسناده أبو قلابة، وعبد الله بن زيد الجرمي، ثقة في نفسه إلاّ أنه مدلس، وقد عنعن. (التقريب ١/٤١٧) . وقال الشيخ الألباني: ضعيف منكر. (ر: الأحاديث الضعيفة ١/١١٩، ٨٥) . ٢ أخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/٥، من طريق عبد العزيز بن بكّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده عن أبي بكر، قال: قال رسول الله ﷺ: "يلي ولد العباس من كلّ يوم يليه بنو أمية يومين ولكل شهر شهرين". وفيه: عبد العزيز بكار البكراوي فحديثه غير محفوظ، وقال الذهبي في الميزان ٢/٦٢٤: حديثه باطل. ٣ الأحاديث الواردة في المهدي وردت من طرق كثيرة جدًّا صحيحة وحسنة، أخرجها أصحاب السنن وغيرهم. فقد أخرجها الترمذي ٤/٤٣٨، ٤٣٩، وأبو داود ٤/١٠٦-١٠٩، وابن ماجه في كتاب الفتن. (ر: صحيح ابن ماجه ٢/٣٨٩)، وأحمد في المسند ٣/٢١، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٤٦٣)، والحاكم ٤/٤٦٣-٤٦٤، والبيهقي في الدلائل ٦/٥١٤-٥١٦، عن أبي هريرة وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وعليّ وجابر بن سمرة وأم سلمة وعائشة - ﵃ أجمعين -. راجع للتوسع كتاب: (الردّ على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي وعقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر للشيخ عبد المحسن العباد) . ٤ ورد النص في الشفا ١/٦٥٧، كالآتي: "وما ينال أهل بيته وتقتيلهم وتشريدهم ". أخرجه الحاكم ٤/٤٦٤، عن ابن مسعود ﵁، وقال الذهبي: إنه حديث موضوع. وأخرجه الحاكم أيضًا ٤/٤٨٦ عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وخالفه الذهبي. فقال: "لا والله. وكيف؟ وإسماعيل بن رافع متروك، ثم لم يصح السند إليه".
[ ٢ / ٨٢١ ]
أبي طالب رضوان الله عليه، وأن أشقى الناس الذي يخضب لحيته الكريمة من رأسه١.
وقال ﵇: "يقتل عثمان وهو يقرأ بالمصحف"٢. وأن الله سيلبسه قميصًا وأن المنافقين/ (٢/١٦٥/ب) يريدون خلعه٣، وأنه سيقطر دمه "على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: من الآية:١٣٧] ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/٢٦٣، وفي فضائل الصحابة ٢/٦٨٧، والحاكم ٣/١٤٠، ١٤١، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٥٢، كلهم من طريق محمّد بن إسحاق عن يزيد بن محمّد بن خيثمم المحاربي عن محمّد بن كعب القرظي عن محمّد بن خيثم عن عمار بن ياسر ﵁، قال: ، فذكر نحوه في سياق طويل. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٣٩، وقال: "رواه أحمد والطبراني والبزار باختصار ورجال الجميع موثقون، إلاّ أن التابعي لم يسمع من عمار". قلت: إسناده حسن متصل، فقد قال الحافظ في التهذيب ٩/١٤٨: "إنه إسناد متصل، لأن محمّد بن خيثم ولد في عهد النبي ﷺ فما المانع من سماعه من عمار؟ وعند ابن منده من طريق محمّد بن سلمة عن ابن إسحاق التصريح بسماع محمّد بن كعب من ابن خيثم وسماع يزيد من محمّد بن كعب. اهـ. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٧/٢٤٦: "محمّد بن خيثم أبو يزيد المحاربي روى عن عمار بن ياسر، ورى عنه محمّد بن كعب". اهـ. وله شاهد من حديث فضالة بن أبي فاضلة الأنصاري، أخرجه الإمام أحمد ١/١٠٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٣٨، بنحوه. وذكره الهيثمي مجمع الزوائد ٩/١٤٠، وقال: "رواه البزار وأحمد بنحوه ورجاله موثقون". اهـ. ٢ أخبار الرسول ﷺ بقتل عثمان شهيدًا أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٧) عن أبي موسى الأشعري وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما. (ر: فتح الباري ٧/٥٣)، ومسلم ٤/١٨٦٤، عن أبي موسى الأشعري. وقال السيوطي في المناهل ص ٥١، "أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ بدون آخره (يقصد قوله: وهو يقرأ بالمصحف". ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٦/٧٥، ٨٦، ١١٤، ١٤٩، وفي فضائل الصحابة ١/٤٥٣، وابن ماجه، (ر: صحيح ابن ماجه ١/٢٥، للألباني)، والترمذي ٥/٥٨٧، وابن أبي عاصم في السنة ٢/٥٥٩، و٥٦٠، من طرق عن عائشة - ﵄ -، قال الترمذي: حسن غريب. وقال الألباني في ظلال الجنة: صحيح على شرط مسلم. قلت: له شاهد من حديث ابن عمر - ﵄ - أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٣٩٢، ٣٩٣. ٤ أخرجه الحاكم ٣/١٠٣، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وتعقبه الذهبي بقوله: كذب بحت، وفي الإسناد أحمد بن عبد الحميد الجعفي، وهو المتهم به.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وقال ﵇: "إن الفتن لا تظهر ما دام عمر حيًّا"١.
وأخبر ﵇ بقتال الزبير لعليّ٢.
وأخبر أن عمارًا٣ تقتله الفئة الباغية٤. وقال لعبد الله بن الزبير: "ويل للناس منك وويل لك من الناس"٥.
وقال في قزمان٦ وقد أبلى مع المسلمين: "إنه لمن أهل النار". فقتلنفسه٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب (١٧) . (ر: فتح الباري ١٣/٤٨)، ومسلم ٤/٢٢١٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٨٦، ٣٨٧، عن حذيفة ﵁. ٢ أخرجه الحاكم ٣/٣٦٧، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٤١٥، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/٣٦٤، من طريق عبد الملك بن مسلم الرقاشي عن أبي جروة المازني. قال: "سمعت عليًّا والزبير، وعليّ يقول له: نشدتك الله يا زبير، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول إنّك تقاتلني وأنت ظالم، قال: بلى ولكن نسيت". ونقله ابن كثير في البداية ٦/٢٤٢، وقال: "غريب. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح". قلت: عبد الملك الرقاشي، لين الحديث. (ر: التقريب ١/٥٢٣) . ٣ هو: عمار بن ياسر العنسي ﵁، الصحابي المعروف. له اثنان وستون حديثًا. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب (٦٣) . (ر: فتح الباري ١/٥٤١)، ومسلم ٤/٢٢٣٥، ٢٢٣٦، وأحمد في مسنده ٢/١٦١، ١٦٤، ٤/٣١٩، والترمذي ٥/٦٢٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٢٠، ٤٢١، عن أبي سعيد الخدري ﵁. ٥ أخرجه الحاكم ٣/٥٥٤، من طريق موسى بن إسماعيل التبوذكي عن الهنيد بن القاسم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه أتى ، فذكره في سياق طويل. وعزاه السيوطي في الخصائص١/١١٧أيضًا إلى البزار وأبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٧٣، وقال: "رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم وهو ثقة". قلت: هنيد بن القاسم ذكره ابن أبي حاتم ٩/١٢١، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولم يرو عنه غير موسى بن إسماعيل التبوذكي. وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء٣/٣٦٦،وقال:"رواه أبو يعلى في مسنده وما علمت في هنيد جرحًا".اهـ. ٦ قزمان بن الحرث، حليف بن ظفر، أبو العيذاق، مات كافرًا يوم أحد. قال الذهبي: لا ينبغي أن يذكر في الصحابة. قتل يوم أحد فقال: ما أقاتل على دين. (ر: التجريد ٢/١٥، الإصابة ٥/٢٤٠، فتح الباري ٧/٤٧٢) . ٧ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٣٨) . (ر: فتح الباري ٧/٤٧١)، ومسلم ١/١٠٦، عن سهل بن سعد ﵁.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
وقال ﵇ لجماعة فيهم أبو هريرة وسمرة١ بن جندب، وحذيفة: "آخركم موتًا في النار". فكان بعضهم يسأل بعضًا، فكان سمرة آخرهم موتًا هرم فاصطلى بالنار فاحترق٢ فيها٣.
وقال في حنظلة٤ الغسيل: "سلوا زوجته فإني رأيت الملائكة تغسله". فأخبرتهم أنه خرج للحرب جنبًا أعجله الحال على الغسل٥، قال أبو سعيد:
_________________
(١) ١ سمرة بن جندب الغزاري ﵁، الصحابي المعروف، له مائة وثلاثة وعشرون حديثًا. ٢ في م: فاغترف. ٣ أخرجه أبو نعيم ص٥٥٥،٥٥٦، والبيهقي٦/٤٥٩،كلاهما في الدلائل من طريق حماد ابن سلمة عن عليّ بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي محذورة ﵁، قال:..، فذكره. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٣، وقال: "رواه الطبراني، وأوس بن خالد لم يرد عنه غير عليّ بن زيد وفيهما كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: أوس بن خالد الحجازي، أبو خالد، مجهول. (ر: التقريب ١/٨٥) . وعليّ بن زيد بن جدعان التيمي البصري، الضعيف. (ر: التقريب ٢/٣٧) . وله شاهد لا يصّح أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٤٥٨، من طريق أبي نضرة عن أبي هريرة ، فذكره بنحوه. قال البيهقي: "رواته ثقات إلاّ أن أبا نضرة العبدي لم يثبت له عن أبي هريرة سماع"اهـ. وذكره الذهبي سير أعلام النبلاء ٣/١٨٤، وقال: "حديث غريب جدًا ولم يصح لأبي نضرة سماع من أبي هريرة". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص ١٥٣: "أخرجه الطبراني والبيهقي من طريق عن أبي هريرة موصولة ومنقطعة ومرسلة، وروى قضية احتراقه بلاغًا عن بعض أهل العلم، وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن محمّد بن سيرين أن سمرة كان أصابه كراز، وكان لا يكاد يدفأ فأمر بقدر عظيمة فملأت ماء وأوقد تحتها واتّخذ فوقها مجلسًا وكان يصل إليه بخارها فيدفئه فبينما هو كذلك إذ خسف به فاحترق". اهـ. وأخرج ابن سعد ٦/٣٤، ٧/٥٠، منقطعًا عن أبي يزيد المدني بنحوه، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/٥٨، ٦٥٤، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/١٥٨، وقال: فهذا إن صحّ، فهو مراد النبي ﷺ يعني نار الدنيا". اهـ. ٤ هو: حنظلة بن أبي عامر بن صيفي الأنصاري الأوسي، المعروف بغسيل الملائكة استشهد في غزوة أحد ﵁. (ر: الاستيعاب ٢/٣٨٠، التجريد ١/١٤٢) . ٥ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٤٨٤، ٤٨٥، والسراج في مسنده. (ر: الإصابة ٢/٤٥)، والحاكم ٣/٢٠٤، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٤٦، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ٣/١٠٧، معلقًا) . قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جدّه ﵁، قال: ، فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وسكت عنه الذهبي. قلت: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وقد صرح ابن إسحاق بالسماع. وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنحوه. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٢٦، وقال: "رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن".
[ ٢ / ٨٢٤ ]
وجدنا رأسه يقطر ماء.
وقال ﵇: "الخلافة في قريش"١. فها هي لم تعدهم.
وقال: "يكون في ثقيف كذاب ومبير"٢. فكانا وهما: الحجاج٣، والمختار٤.٥.
وقال:"إن فاطمة أوّل أهل بيته لحوقًا به"./ (٢/١٦٦/أ) فكانت٦.وأنذر ﵇ بالردة٧.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/١٨٥، عن عتبة بن عبد السلمي ﵁، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/١٩٥، وقال: "رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات". وقال الألباني: "حديث صحيح". (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٤٤٦، صحيح الجامع ح ٣٣٤٢) . وأخرجه البخاري في كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش. (ر: فتح الباري ١٣/١١٤)، ومسلم في كتاب الإمارة باب الخلافة في قريش ٣/١٤٥٢، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان". ٢ مبير: أي: مهلك. من البوار: الهلاك. ٣ تقدمت ترجمته. (ر: ص: ٥٦٢) . ٤ المختار بن أبي عبيدة الثقفي الكذاب، أبو إسحاق، ولد عام الهجرة، وليست له صحبة ولا رؤية وأخباره غير مرضية حكاها عنه ثقات مثل: الشعبي وغيره. خرج على بني أمية سنة ٦١هـ. وادعى النبوة وقتله مصعب بن الزبير بالكوفة سنة ٦٧هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٣/٥٣٨، الإصابة ٦/١٩٨-٢٠٠، البداية ٨/٢٨٩، الأعلام ٨/٧٠) . ٥ أخرجه مسلم ٤/١٩٧١، ١٩٧٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٨٥، عن أسماء ﵂ في سياق طويل، - وفيه -: "أنها قالت للحجاج: أما إن رسول الله ﷺ حدّثنا "أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا". فأما الكذاب المختار بن أبي عبيد، والمبير الحجاج ابن يوسف. ٦ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٧، ٦٢٨)، ومسلم ٤/١٩٠٥، عن عائشة ﵁. ٧ في م: (وأنذر ﵇ بالردة)، ساقطة. وأخرجه البخاري في كتاب الحدود باب (٩) . (ر: فتح الباري ١٢/٨٥)، ومسلم ١/٨٢، وأحمد في المسند ١/٢٣٠، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٦٠، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
[ ٢ / ٨٢٥ ]
وقال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا". فكانت كذلك بولاية الحسن رضوان الله عليه١.
وأخبر بشأن أويس٢ القرني ووصفه بحليته وأن له والدة وأنّه كان به برص فدعا الله فشفاه إلاّ موضع الدرهم، وأن عليًّا وعمر [سيلقيانه] ٣٤. فكان كل ذلك صلوات الله على سيّدنا محمّد وآله.
_________________
(١) ١ أخرج أحمد في المسند ٥/٢٢٠، والترمذي ٤/٤٣٦، وأبو داود ٤/٣١١، والحاكم ٣/١٤٥، والبيهقي عنه في الدلائل ٦/٣٤٢، كلهم من طريق سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخلافة ثلاثون عامًا ثم يكون بعد ذلك الملكُ"، قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر ﵁ سنتين، وخلافة عمر ﵁ عشر سنين، وخلافة عثمان ﵁ اثني عشر سنة، وخلافة عليّ ﵁ ست سنين، - ﵃ - "، وللفظ لأحمد. قال الترمذي: "وهذا حديث حسن. قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان ولا نعرفه إلاّ من حديث سعيد بن جمهان". قلت: سعيد بن جمهان الأسلمي، صدوق له أفراد، من الرابعة. (ر: التقريب ١/٢٩٢) . وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. (ر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٧٤٢، ح: ٤٥٩، صحيح الجامع الصغير ح: ٣٣٤١) . ٢ أويس بن عامر بن جَزْء القَرَني المرادي اليماين، الزاهد المشهور، خير التابعين مطلقًا بشهادة النبيّ ﷺ، وكان قد أسلم في عهد النبي ﷺ ولكن منعه من القدوم بره بأمه، واستشهد بصفين عام ٣٧هـ مع أصحاب عليّ ﵁. (ر: الطبقات٦/١٦١،سير أعلام النبلاء٤/١٩،والتهذيب١/٣٨٦،والإصابة١/١١٨، البداية ٦/٢٠٢) . ٣ في ص، م (سيلقياه) والصواب ما أثبتّه. ٤ أخرجه مسلم ٤/١٩٦٨، ١٩٦٩، وأحمد في المسند ١/٣٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٧٥-٣٧٧، عن عمر بن الخطاب ﵁ في سياق طويل.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
وأخبر ﵇ أنه سيكون بعد ثلاثون دجّالًا فيهم أربع نسوة وآخرهم الدّجّال الكذّاب١ وكلهم يكذّب على الله وعلى رسوله.
وقال ﵇: "خير القرون٢ قرني ثم الذين يلونهم ". الحديث٣. فكان الأمر كذلك.
وقال: "لا يأتي زمان إلاّ والذي بعده شرّ منه"٤.
_________________
(١) ١ ورد النص في الشفا ١/٤٧٩، كالآتي: "وسيكون في أمته ثلاثون كذّابًا فيهم أربع نسوة، وفي حديث آخر: ثلاثون دجّالًا كذّابًا، آخرهم الدّجّال الكذّاب كلهم يكذب على الله ورسوله". قلت: أما الحديث الأوّل: "أنه سيكون في أمته ثلاثون كذّابًا فيهم أربع نسوة"، فقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٣٩٦، عن حذيفة ﵁ بنحوه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٣٣٥، وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار ورجال البزار رجال الصحيح". وقال السيوطي في المناهل ص ١٥٥: "أخرجه أحمد والطبراني والبزار بسند صحيح عن حذيفة". أما الحديث الآخر: "ثلاثون دجّالًا كذّابًا "، فقد أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦١٦)، ومسلم ٤/٢٢٤٠، والترمذي ٤/٤٣٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٨٠، عن جابر بن سمرة ﵁. وأخرجه الترمذي ٤/٤٣٢، عن أبي هريرة وثوبان رضي الله تعالى عنهما. ٢ القرن: أهل كلّ زمان، وهو: مقدار التوسط في أعمار أهل كلّ زمان. مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل: القرن: أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وقيل: هو مطلق من الزمان وهو مصدر: قرن، يقرن. (ر: النهاية ٤/٥١، المصباح المنير ص ٥٠٠) . ٣ أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب (١٩) . (ر: فتح الباري ٥/٢٥٨، ٢٥٩)، ومسلم ٤/١٩٦٢، ١٩٦٤، والترمذي ٤/٤٣٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٥٢، عن عمران بن حصين ﵁. ٤ أخرجه البخاري في كتاب الفتن باب (٦) . (ر: فتح الباري ١٣/١٩)، والترمذي ٤/٤٢٦، عن أنس ﵁.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
وأخبر ﵇ بظهور القدرية١ والرافضة٢ والخوارج ووصفهم بصفاتهم٣ والمُخْدَج الذي فيهم٤، وأن سيماهمالتحليق٥.
_________________
(١) ١ عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: "إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر "، أخرجه الترمذي ٤/٣٩٧، بنحوه، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٤٨، قال الترمذي: "حديث صحيح غريب، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "القدرية مجوس هذه الأمة ". الحديث. أخرجه أبو داود ٤/٢٥٢، والحاكم ١/٨٥، واللالكائي في شرح أصول ٦٣٩، وابن أبي عاصم في السنة ١٤٩، وقال الحاكم: "صحيح على شرط السيخين، إن صحّ سماع أبي حازم عن ابن عمر". ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٠٨، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه زكريا بن منظور وثقه أحمد بن صالح وغيره وضعّفه جماعة". وقال الألباني في الظلال ١/١٥٠: "حديث حسن، وبأن له طرقًا يتقوى بها". قلت: له شواهد، منها: حديث جابر بن عبد الله أخرجه ابن ماجه، وحسّنه الألباني. (ر: صحيح ابن ماجه ١/٢٢)، ومنها: حديث ابن عباس بلفظ مختلف ومتفق في معناه، أخرجه الترمذي ٤/٣٩٥، وقال: "حسن صحيح". ٢ عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يكون في أمتي قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة يرفضون الإسلام". أخرجه عبد الله في زوائده على مسند الإمام أحمد ١/١٠٣، وابن أبي عاصم في السنة ٢/٤٧٤، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٤٧، ٥٤٨، كلهم من طريق أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن كثير النَّواء عن إبراهيم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه عن جده عليّ ﵁. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٢٥، وقال: "رواه عبد الله والبزار وفيه كثير بن إسماعيل النواء ضعيف". وقال البيهقي: "تفرد به النواء وكان من الشيعة، وروى من وجه آخر ضعيف وذكر له وجهًا آخر من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بمثله ثم قال: وروي في معناه من أوجه أخر كلها ضعيفة. والله أعلم". قلت: في إسناده أيضًا يحيى بن المتوكل وهو ضعيف. (ر: التقريب ٢/٣٥٦، وقال الشيخ الألباني: حديث ضعيف. (ر: الظلال ٤/٤٧٤) . ٣ أخرجه البخاري وغيره - مطولًا - في كتاب المناقب باب (٢٤) . (ر: فتح الباري ٦/٦١٨)، وفي كتاب استتابة المرتدين في باب (٦)، في قتل الخوارج والملحدين وفي باب (٧) باب من ترك قتال الخوارج للتآلف. (ر: فتح الباري ١٢/٢٨٢، ٢٩٠)، وأخرجه مسلم في أحاديث كثير ٢/٧٤٠-٧٥٠، وأحمد في المسند ٢/٢٩١، ٣/٢٢٤، ٥/٣٦، والترمذي ٤/٤١٧، ٤١٨، عن عليّ وأبي سعيد وأبي ذر وابن مسعود - ﵃ أحمعين -. ٤ أخرجه البخاري في كتاب المناقب عن أبي سعيد ﵁ في سياق طويل - وفيه - قوله ﷺ في ذكر الخوارج: "آيتهم إحدى يديه - أو قال: ثدييه - مثل ثدي المرأة - أو قال -: مثل البضعة تدردر ". وأخرج مسلم ٢/٧٤٧ عن عبيدة عن عليّ ﵁ قال: ذكر الجوارج فقال: "فيهم رجل مخدج اليد - أو مودن اليد أو مثدون اليد - لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمّد ﷺ. قال: قلت: أنت سمعته من محمّد ﷺ؟ قال: إي وربّ الكعبة: ثلاث مرات ". الخِداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة، إذا ألقت ولدها قبل أوانه، وإن كان تام الخلق، والمخدج والمودن والمثدون كلها بمعنى، وهو: الناقص الخلق. (ر: النهاية ٢٨/١٢، فتح الباري ١٢/٣٩٥) . وقال الخطيب البغدادي: "إن اسم مخدج اليد الذي كان في جيش الخوارج هو: نافع ذو الثدية. (ر: الأسماء المبهمة ص ٣١٢) . ٥ أخرجه مسلم ٢/٧٤٥، عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق، قال: "هم شرّ الخلق - أو من أشرّ الخلق ". الحديث. وأخرجه مسلم ٢/٧٥٠ عن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يتيه قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم".
[ ٢ / ٨٢٨ ]
وأخبر ﵇ بأن رعاء الشاة يتطاولون في البنيان وأن الأمة تلد ربتها١، وأن قريشًا والأحزاب لا يغزونه أبدًا وهو الذي يغزوهم٢.
وأخبر ﵇ بأن أمته يغزون في البحر كالملوك على الأسرة٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب (٣٧) . (ر: فتح الباري ١/١١٤)، ومسلم ١/١١٤، عن أبي هريرة ﵁ في سياق طويل. وأخرجه مسلم ١/٣٦ عن عمر بن الخطاب ﵁. وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في معنى: "إذا ولدت الأمة رَبَّتَها"، وملخَّصها أربعة أقوال هي:
(٢) قال الخطابي: "معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها، كان الولد منها بمنْزلة ربّها، لأنه ولد سيّدها"، قال النووي وغيره: إنه قول الأكثيرين.
(٣) أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك. وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريهم بيع أمهات الأولاد أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
(٤) وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: "لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرًا من غير سيّدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها.
(٥) أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أُمَّه معاملة السيد لأمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربّها مجازًا لذلك. وإليه ذهب الحافظ ابن حجر. (ر: شرح النووي على مسلم ١/١٥٨، ١٥٩، فتح الباري ١/١٢٢، ١٢٣) . ٢ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٢٩) . (ر: فتح الباري ٧/٤٠٥)، والبيهقي في الدلائل ٣/٤٧٥، عن سليمان بن صرد ﵁. وأخرجه البزار. (ر: كشف الأستار ٢/٣٣٦)، عن جابر ﵁، وحسنه الحافظ ابن حجر. (ر: فتح الباري ٧/٤٠٥) . ٣ أخرجه البخاري في كتاب الجهادباب (٣) . (ر: فتح الباري٦/١٠)،ومسلم ٣/١٥١٨، ١٥١٩،والترمذي٤/١٥٣،وأبو داود٣/٦،وأبو نعيم ص ٥٥٥، والبيهقي ٦/٤٥٠، كلاهما في الدلائل وغيرهم عن أنس بن مالك ﵁ في سياق طويل - وفيه - قال النبي ﷺ: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا ملوكًا على الأسرة - أو مثل الملوك على الأسرة ". والشّكّ من راوي الحديث إسحاق بن عبد الله واللفظ للبخاري.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
وأخبر / (٢/١٦٦/ب) فقال: "لو أن الدين والعلم عند الثريا لنالهرجل من فارس"١. فكان جميع ما قال وأخبر به ﷺ.
وهاجت ريح في غزاته فقال ﵇: "هاجت لموت منافق". فلما رجعوا إلى المدينة وجدوا ذلك٢.
وقال لجلسائه: "ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد". قال أبو هريرة: فذهب القوم وبقيت أنا ورجل فقتل مرتدًا يوم اليمامة٣.
وأخبر ﵇ بالذي غَلَّ خرزًا من المغنم فوجدت في رحله٤ وبالذي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب سورة الجمعة. (ر: فتح الباري ٨/٦٤١)، ومسلم ٤/١٩٧٢، والترمذي ٥/٣٨٥، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٣٣، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: من الآية٣] قال: قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا - وفينا سلمان الفارسي - وضع رسول الله ﷺ يده على سلمان - ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال - أو رجل - من هؤلاء". ٢ أخرجه مسلم ٤/٢١٤٥، والإمام أحمد في المسند ٣/٣١٥، ٣٤١، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق"، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات". وأخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٣/٤٠٤، ٤٠٥، وعنه البيهقي في الدلائل ٤/٥٩، ٦١، وذكر أن اسم المنافق هو: رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان عظيمًا من عظماء يهود وكهفًا للمنافقين. ٣ ذكره السيوطي في الخصائص ٢/٢٤٦، وقال: "أخرجه الواقدي والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن رافع بن خديج، قال: "، فذكره في سياق طويل. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٩٣، وقال: "رواه الطبراني، وقال في (الرحّال) بالحاء المشددة، وهكذا قاله الواقدي والمدائني وتبعهما عبد الغني بن سعيد ووهم في ذلك. والأكثرون قالوا: إنه بالجيم - الدارقطني وابن ماكولا، وفي إسناد هذا الحديث الواقدي وهو ضعيف". اهـ. قلت: ذكره الحافظ في الإصابة ٢/٢٣٢، في ترجمة رجال (بالجيم) بن عنفوه الحنفي، نقلًا عن سيف بن عمرو في الفتوح عن مخلد بن قيس البجلي قال: ، فذكره، وسكت عنه الحافظ. ٤ أخرجه أحمد في المسند ٤/١١٤، وأبو داود ٣/٦٨، والنسائي ٤/٦٤، وابن ماجه، (ر: ضعيف ابن ماجه ص ٢٢٩، للألباني)، والبيهقي في الدلائل ٤/٢٥٥، كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن محمّد بن يحيى بن حبان عن ابن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: ، فذكره. قلت: في إسناده: ابن عمرة، هو: عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري مقبول. (ر: التقريب١/٤٩٣،٢/٤٥٦)،وقال الألباني:"حديث ضعيف". (ر: أحكام الجنائز ص٧٩) .
[ ٢ / ٨٣٠ ]
غَلَّ الشملة١، وأخبر بناقته٢. وحيث هي باقية حين ضلت وكيف تعلقت بشجرة بوادي كذا فوجدت على النعت الذي ذكر٣.
وأخبر بكتاب حاطب٤ إلى أهل مكّة٥. وبالمال الذي تركه العباس عند أم الفضل٦ فكان ذلك سبب إسلامه٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٤٠) . (ر: فتح الباري ٧/٤٨٧)، ومسلم وأبو داود ٣/٦٨، عن أبي هريرة ﵁. وفي رواية البخاري: أن الذي غل الشملة عبد أسود اسمه: (مِدَعم) والشَّملة: هو الكسا والمئزر يتشح به، وجمعه: الشِّمال. (ر: النهاية ٢/٥٠٢) . ٢ في ص: (وأخبر بناقته) ساقطة، وأضيفت من م. ٣ أخرجه أبو نعيم ص ٥١٥، والبيهقي ٤/٥٩، كلاهما في الدلائل عن عروة بن الزبير مرسلًا. وفي الإسناد: ابن لهيعة، وهو صدوق خلط بعد احتراق كتبه. (ر: الجرح ٥/١٤٥، التقريب١/٢٤٤)،وأخرجه البيهقي في الدلائل٤/٥٩،٦٠ أيضًا عن عقبة ابن موسى مرسلًا. ٤ حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو اللخمي ﵁، وقصته مشهورة في الصحيحين والسيرة، توفي سنة ٣٠هـ، في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما. له أربعة أحاديث ذكرها الحافظ في الإصابة ١/٣١٤. ٥ أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (٤٦) . (ر: فتح الباري ٧/٣٠٤، ٥١٩)، ومسلم ٤/١٩١٤، عن علي ﵁ في سياق طويل. ٦ أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، اسمها: لبابة بنت الحارث الهلالية أسلمت قبل الهجرة وقيل بعدها، وماتت في خلافة عثمان. ولها ثلاثون حديثًا. (ر: الإصابة ٨/٢٦٦) . ٧ أخرجه أبو نعيم ص ٤٨٢، والبيهقي ٣/٢٣٧، كلاهما في الدلائل من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ٣/١٢١)، قال: حدّثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، قال: ، فذكره في سياق طويل. قلت: إسناده متصل صحيح، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع. وأخرجه ابن سعد ٢/٤٦، والبيهقي في الدلائل ٣/٢١١، ٢٥٨، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب مرسلًا بنحوه في سياق طويل.
[ ٢ / ٨٣١ ]
وأخبر ﵇ بأنه سيقتل أُبّيّ١ بن خلف فقتله٢. وقال في عتبة بنأبي لهب: "إنه سيأكله الأسد". فأكله بعد أن حُرِس٣.
وأخبر عن مصارع أهل بدر قبل كونها فكان جميع ذلك٤.
وقال: "إن الحسن يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"٥.
وأخبر ﵇ بقتل أهل مؤتة٦ يوم قتلوا". وبينه وبينهم أكثر من شهر٧.
_________________
(١) ١ أحد رؤساء الكفر بمكّة ومن المؤذين للنبي ﷺ، قتله النبي ﷺ بأحد. ٢ أخرجه أحمد في المسند ١/٣٥٣، وأبو نعيم في الدلائل ص ٤٧٦، كلاهما عن محمّد ابن إسحاق. (ر: السيرة ٣/١٢١-١٢٣)، قال: حدّثني من سمع عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: ، فذكره في سياق طويل. وذكره الهيثمي بطوله في مجمع الزوائد ٦/٨٩، وقال: "رواه أحمد وفيه راوٍ لم سم، وبقية رجاله ثقات". وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/٣٢٤ عن ابن إسحاق ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه عن عائشة ﵂، قالت: ، فذكرته، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٢٥٨، ٢٥٩، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب مرسلًا. ٣ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٩٦) . ٤ أخرجه مسلم ٣/١٤٠٣، ٤/٢٢٠٣، وأبو داود ٣/٥٨، والبيهقي في الدلائل ٣/٤٦-٤٨، عن أنس بن مالك ﵁. ٥ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٨)، والإمام أحمد في المسند ٥/٤٤، ٤٩، وفي فضائل الصحابة ٢/٧٦٨، والترمذي ٥/٦٥١، وأبو داود ٤/٢١٦، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٢٢، ٤٤٣، عن أبي بكرة ﵁ قال: "أخرج النبي ﷺ ذات يوم الحسن فصعد به على المنبر فقال: "ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين". - واللفظ للبخاري -. ٦ مؤتة: بلدة أردنية، تقع في جنوب الكرك غير بعيدة منها. (ر: معجم المعالم الجغرافية ص ٣٠٤، للبلادي) . ٧ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٨)، وفي كتاب المغازي. (ر: فتح الباري ٧/٥١٢)، والبيهقي في الدلائل ٤/٣٦٦، ٣٦٧، عن أنس ﵁، - وفيه -: قال أنس: "فنعاهم رسول الله ﷺ إلى الناس قبل أن يجيء الخبر، قال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله ب رواحة فأصيب ثم أخذ الراية بعد سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ".
[ ٢ / ٨٣٢ ]
وأخبر بموت النجاشي١/ (٢/١٦٧/أ) ومات وهو بأرض الحبشة٢. وبينهما ما قد علم.
وأخبر فيروز بقتل كسرى يوم قتل فأسلم فيروز ومن معه٣.
وأخبر أبا٤ ذرٍّ بطريده ورآه في المسجد نائمًا وحده فقال: كيف بك يا أبا ذرٍّ إذا أخرجت منه؟ قال: أسكن المسجد الحرام. قال: فإذا أخرجت منه٥ - الحديث بطوله -، فجرى ذلك كله. وأخبر بعيشهوحده وبموته وحده فمات بالرَّبْدة٦ وحده٧. وقصته مشهورة.
_________________
(١) ١ هو: أصحمة بن أبحر النجاشي، ملك الحبشة واسمه بالعربية عطية، والنجاشي لقب له، اسلم على عهد النبي ﷺ وحسن إسلامه. ولم يهاجر ولا له رؤية. فهو تابعي من وجهٍ، صاحب من وجهٍ، توفي في حياة النبي ﷺ فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ونقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة ٩هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ١/٤٢٨-٤٤٣، الإصابة ١/١١٢) . ٢ أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب (٤) . (ر: فتح الباري ٣/١١٦)، ومسلم ٢/٦٥٦، ٦٥٧، والبيهقي في الدلائل ٤/٤١٠، ٤١١، عن أبي هريرة ﵁. ٣ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٩٤) . ٤ أبو ذرٍّ الغفاري ﵁، الصحابي المشهور، اختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة، له مائتا وواحد وثمانون حديثًا. ٥ أخرجه أحمد في المسند٦/٤٥٧،والطبراني في الكبير مختصرًا٢/١٥٧،كلاهما من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: ، فذكرته في سياق طويل. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/٢٢، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه شهر وفيه كلام وقد وُثِّق. قلت: شهر بن حوشب الأشعري، صدوق كثير الإرسال والأوهام من الثالثة. (ر: التقريب ١/٣٥٥) . ٦ كانت قرية عامرة ولكنها خربت سنة ٣١٩هـ، بسبب الحروب. وتقع في الشرق إلى الجنوب من بلدة الحناكية. (مائة كيلا عن المدينة في طريق الرياض) . (ر: المعالم الأثيرة ص ١٢٥، محمّد شراب) . ٧ أخرجه الحاكم ٣/٥٠، ٥١، وعنه البيهقي في الدلائل ٥/٢٢١، ٢٢٢، من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ٤/٢٢٨)، قال: حدّثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمّد ابن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وخالفه الذهبي بقوله: فيه إرسال. قلت: محمّد بن كعب القرظي لم يذكر أبو حاتم أنه روى عن ابن مسعود. (ر: الجرح والتعديل ٨/٦٧)، وفي إسناده أيضًا بريدة بن سفيان الأسلمي، ليس بالقوي وفيه رفض. (ر: التقريب ١/٩٦)، وذكره الحافظ في الإصابة ٧/٦٢، في ترجمة أبي ذرّ، وقال: وفي السيرة النبوية لابن إسحاق بسند ضعيف عن ابن مسعود.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
وأخبر ﵇ بأن أسرع أزواجه لحوقًا به أطولهن يدًا فكانت زينب لطول يدها بالصدقة١.
وأخبر بقتل الحسن رضوان الله عليه بالطَّف٢. وأخرج بيده تربة وقال: "في هذه مضجعه"٣.
وقال لزيد بن صوحان٤: "يسبقه عضو منه إلى الجنة"، فقطعت يده في الجهاد٥.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/١٩٠٧، والبيهقي في الدلائل ٦/٣٧٤، عن عائشة ﵂. وأخرجه يونس بن بكير في زيادات المغازي. (ر: فتح الباري ٣/٢٨٧)، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٣٧٤ عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي مرسلًا. ٢ الطّقّ: في اللغة: ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، وهو أرض - من ضاحية الكوفة في طريق البرية، فيها مقتل الحسن ﵁. ويسمى الموضع الذي قتل فيه: (كربلاء) في طرف البرية. (ر: النهاية٣/١٢٩،معجم البلدان ٤/٣٥،٣٦،٤٤٥) . ٣ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٤٧٠، من طريق عمارة بن غَزَيَّة عن محمّد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قال: ، فذكرته في سياق طويل. - وفيه - ذكر الطّف. قلت: إسناده حسن. فإن ابن غزية الأنصاري لا بأس به. (ر: التقريب ٢/٥١)، وله شواهد تقويه إلاّ أنه ليس فيها ذكر (الطف) ومنها: حديث نجيء الحضرمي عن عليّ ﵁ نحوه أخرجه أحمد في المسند ١/٨٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٩٠: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله ثقات ولم ينفرد نجيء بهذا". ومنها: حديث أنس ﵁ أخرجه أحمد في المسند ٣/٢٤٢، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥٥٤)، وأبو نعيم ص ٥٥٣، والبيهقي ٦/٤٦٩، كلاهما في الدلائل، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/١٩٠): "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني بأسانيد وفيها عمارة بن زاذان، وثّقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح". اهـ. قلت: عمارة بن زاذان - الصيدلاني صدوق كثير الخطأ. (ر: التقريب ٢/٤٩) . ومنها: حديث أبي الطفيل ﵁، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٣٩: "رواه الطبراني، إسناده حسن". ٤ زيد بن صوحان حجر العبدي الكوفي، أبو سليمان، أخو صعصعة وسيحان اختلف في صحبته. فقال ابن عبد البر والذهبي: لا صحبة له. وقال ابن الكلبي والرشاطي: إن له صحبة. وإليه ذهب الحافظ ابن حجر، قطعت يده يوم القادسية وقتل يوم الجمل. (ر: الاستيعاب٢/٥٥٠-٥٥٣،وسير أعلام النبلاء٣/٥٢٥،الإصابة٣/٣٠،٣٦،٤٥) . ٥ أخرجه ابن عدي. (ر: الكامل ٧/١٢٣)، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٤١٦، عن أبي يعلى عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن حسين بن محمّد عن الهذيل بن بلال عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي عن عليّ ﵁ مرفوعًا قال: ، فذكره. قال البيهقي: هذيل بن بلال غير قوي. اهـ. وهو كما قال البيهقي. (ر: لسان الميزان ٦/١٩٢) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤٠١: "رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفهم". قلت: عبد الرحمن بن مسعود العبدي الجندي لم أقف له على ترجمة، إلاّ أ، للحيدث شاهدًا أخرجه ابن منده من طريق الجريري عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: ، فذكره بنحوه. (ر: الإصابة ٣/٤٦) .
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وقال في الذين معه على الجبل: "اثبت حراء، فإنما عليك نبيّ وصدّيق وشهيد". فقتل عمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وطعن سعد١.
وقال لسراقة٢:"كيف بك إذا ألبست سواري كسرى؟ ".فلما أُتي عمربهماألبسهماإياه. وقال: الحمدلله الذي سلبهماكسرى وألبسهما سراقة٣.
وقال ﵇ لعمر في سهيل٤ بن عمرو حين / (٢/١٦٧/ب) قالله ما قال: "عسى أن يقوم مقامًا يسرك يا عمر". فقام بمكّة حين بلغه وفاة رسول الله ﷺ وخطب خطبة يثبت فيها بصائرهم على الإسلام٥ وكذلك فعل بالشام أيضًا.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٧٥٧) . ٢ سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي ﵁، قصته مشهورة في الهجرة، له تسعة عشر حديثًا. ٣ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/١٥٨، والبيهقي في الدلائل ٦/٢٥، كلاهما من طرق عن الحسن مرسلًا في سياق طويل. وذكره أيضًا. (ر: السيرة ص ٣٧٧)، والحافظ في الإصابة ٣/٦٩، عن الحسن ثم قال: وروى ذلك عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم. اهـ. وقال البيهقي: "قال الشافعي، وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي ﷺ قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه: كأني بك قد لبست سواري كسرى". ٤ سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري، ﵁ خطيب قريش تولى أمر الصلح بالحديبية، سكن مكّة ثم المدينة، ثم الشام ومات بها سنة ١٨هـ في طاعون عمواس. ٥ أخرجه الحاكم ٣/٢٨٢، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٣٦٧، عن الحسن بن محمّد مرسلًا، ونقله الحفاظ في الإصابة ٣/١٤٦، عن البيهقي وقال: وروى - أوّله يونس ابن بكير في مغازي ابن إسحاق عنه عن محمّد بن عمرو بن عطاء، وهو في المحامليات موصول من طريق سعيد بن أبي هند عن عمرة عن عائشة ﵂. اهـ.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
وقال لخالد بن الوليد حين وجّهه لأكيدر١: "إنك ستجده يصيد البقر". فكان الأمر كذلك٢.
إلى ما أخبر به ﵇ جلساءه من أسرارهم وبواطنهم ونَبَّه ﵇ من أسرار المنافقين وكفرهم وإلحادهم حتى صار أحدهم يقول لأصحابه: اسكت فوالله لو لم يكن عنده مَنْ يُخبر لأَخْبَرتْه حجارة البطحاء٣.
_________________
(١) ١ أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكوفي، ملك دومة الجندل، - وهي بين الشام والحجاز - واختلف في إسلامه، فذكر ابن منده وأبو نعيم أنه أسلم، وتعقب ذلك ابن الأثير فقال: ومن قال إنه أسلم فقد أخطأ ظاهرًا، بل كان نصرانيًا، ولما صالحه النبي ﷺ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالد بن الوليد أسره في أيام أبي بكر فقتله. قال الحافظ: "والذي يظهر أن أكيدر صالح على الجزية كما قال ابن إسحاق ويحتمل أن يكون أسلم بعد ذلك كما قال الواقدي ثم ارتد بعد النبي ﷺ مع من ارتد كما قال البلاذري ومات علي. والله أعلم". (ر: الإصابة ١/١٢٩-١٣١) . ٢ قال السيوطي في المناهل ص ١٦٢: "أخرجه ابن إسحاق والبيهقي عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا، ووصله ابن منده في معرفة الصحابة من طريق آخر عن بجير بن بجره الطائي صحابي". اهـ. قلت: أخرجه أبو نعيم ص ٥٢٦، والبيهقي ٥/٢٥٠، ٢٥١، كلاهما في الدلائل من طريق ابن إسحاق. معلقًا. (ر: السيرة ٤/٢٣١)، عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا. قال ابن منده: "هذا مرسل، وقد وقع لنا مسندًا، ثم أخرج من طريق أبي المعارك السماح بن المعارك بن مرة بن صخر بن بجير بن بجرة الطائي حدّثني أبي الطائي، حدّثني أبي عن جدي عن أبيه بجير بن بجرة قال: ، فذكره، وفيه أبيات منها: تبارك سائق البقرات إني رأيت الله يهدي كل هاد قال الحافظ ابن حجر: "وأخرجه ابن السكن وأبو نعيم من هذا الوجه، وأبو المعارك وآباؤه لا ذكر لهم في كتب الرجال". (الإصابة ١/١٤٢) . وقال الحافظ: "ورويناه في زيادات المغازي من طريق يونس بن بكير عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى، قال: "، فذكره. (ر: الإصابة ١/١٢٩)، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٥/٢٥١، من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلًا. ٣ هذه مقالة أبي سفيان لعتاب بن أسيد والحارث بن هشام قبل إسلامهم في يوم فتح مكّة حينما أذّن بلال فوق الكعبة، ذكرها ابن هشام منقطعًا. (ر: السيرة ٤/٨٠)، وأخرجها ابن سعد ٣/٢٣٥ بسياق مختلف مرسلًا عن ابن أبي مليكة.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وأعلم رسول الله ﷺ أصحابه بصفة السحر الذي سحره لبيد١ بن الأعصم وحيث جعله، فوجد على تيك الصفة وفي ذلك المكان٢.
وأعلم قريشًا أن الأَرَضَة قد أكلت صحيفتهم التي كتبوها على بني هاشم خلا قوله: باسمك اللهم٣.
ووصف ﵇ لقريش بيت المقدس حين كَذَّبوه في خبر الإسراء٤، وأعلمهم بشأن العير الواصلة فلم يخرم من ذلك حرف٥.
_________________
(١) ١ لَبيد بن الأعصم من بني زريق من الخزرج، حليف اليهود كان تاجرًا منافقًا. (ر: فتح الباري ١٠/٢٢٦) . ٢ أخرجه البخاري في كتاب الطب باب (٤٧) . (ر: فتح الباري ١٠/٢٢١)، ومسلم ٤/١٧١٩، ١٧٢٠، عن عائشة ﵂ في سياق طويل. ٣ أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٣١٤، ٣١٥، عن ابن إسحاق منقطعًا. وأخرجه ابن عبد البر في الدور ص ٣٨-٤٢، والبيهقي في الدلائل ٢/٣١١-٣١٢، كلاهما من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري مرسلًا. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٢٧٢ عن عروة بن الزبير مرسلًا، وفي إسناده أيضًا ابن لهيعة، وهو ضعيف. وذكره ابن هشام عن بعض العلم. (ر: السيرة ٢/١٩، ٢٠) . ٤ أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (٤١) . (ر: فتح الباري ٧/١٩٦)، ومسلم ١/١٥٦، عن جابر بن عبد الله ﵁ في سياق طويل. وأخرجه الإمام أحمد في المسند١/٣٠٩،عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنحوه. ٥ أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٣٥٥-٣٥٧، من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم الأشعري عن محمّد بن الوليد بن عامر عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نضير عن شداد بن أوس ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل. ثم قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح، وروي ذلك مفرقًا في أحاديث غيره". اهـ. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/٧٩، وقال: "رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه إسحاق بن إبرهيم بن العلاء، وثقه يحيى بن معين وضعّفه النسائي". قلت: لم أجد ترجمة إسحاق في: "الضعفاء والمتروكين". للنسائي. وقال أبو حاتم ٢/٢٠١، عن إسحاق بن إبراهيم: شيخ، وقال: سمعت يحيى بن معين أثنى عليه، وقال: لا بأس به ولكنهم يحسدونه". اهـ.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
إلى ما أخبر به ﵇ من الحوادث التي ستكون ولما تجيء بعد، كقوله: "عمران بيت المقدس / (٢/١٦٨/أ) خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية"١. وهذا نوع من معجزاته لا يكاد يحصر لكثرته واتساعه.
٥٥- ومن ومعجزاته ﵇ عصمته من أعدائه على كثرتهم: قال الله له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: من الآية٤٨] . وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية٦٧] . وقال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: من الآية٣٦] . وقال عزّ من قائلٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ [الحجر:٩٥] .وقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [لأنفال: من الآية٣٠] . الآيات.
قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يُحرس حتى نزل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية٦٧] . فأخرج ﵇ رأسه من القبة فقال: أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربّي عزوجل٢".
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند ٥/٢٣٢، ٢٤٥ت، وأبو داود ٤/١١٠، من طريق مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل ﵁. قال الألباني: صحيح. (ر: صحيح الجامع ٢/٧٥٤،ح:٤٠٩٦أحمد في المسند٤٠٩٦،المشكاة ح: ٥٤٢٤) . ٢ أخرجه الترمذي٥/٢٣٤، والحاكم٢/٣١٣،والبيهقي في الدلائل٢/١٨٤،كلهم من طريق مسلم بن إبراهيم ثنا الحارث بن عبيد ثنا سعيد الجُرَيْري عن عبد الله بن شقيق عن عائشةرضي الله عنها. قال الترمذي: حديث غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قلت: في إسناده الحارث بن عبيد الإيادي، صدوق يخطئ، من الثامنة. (ر: التقريب ١/١٤٢) . وسعيد بن إياس الجريري، ثقة من الخامسة. اختلط قبل موته بثلاث سنين. (ر: التقريب ١/٢٩٠) .
[ ٢ / ٨٣٨ ]
وكان ﵇ إذا نزل منْزلًا اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها فأتاه أعرابي وهو غورث١ بن الحارث فاخترط سيفه، وقال: من يمنعك مني؟ فقال: الله. فأرعدت يده وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى سال دمه٢.
والحديث في الصحيح٣، فنَزل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية٦٧] .
وجرى ذلك له مرات، منها يوم بدر وقد انفرد من أصحابه٤.
ومنها في غزوة غطفان٥ مع رجل يقال/ (٢/١٦٨/ب) له دعثور٦
ابن الحارث وأنه أسلم فلما رجع إلى
_________________
(١) ١ غورث بن الحارث، اخلتف في إسلامه، ذكر الذهبي في التجريد أنه أسلم، وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر طرق الأحاديث: فهذه الطرق ليس فيها أنه أسلم، وكأن الذهبي لما رأى ما في ترجمة دعثور بن الحرث سيأتي - أن الواقدي ذكر له شبهًا بهذه القصة وأنه ذكر أنه أسلم فجمع بين الروايتين فأثبت إسلام غورث، فإن كان كذلك ففيما صنعه نظر من حيث إنه عزاه للبخاري وليس فيه أنه أسلم، ومن حيث إنه يلزم من الجزم بكون القصتين واحدة مع احتمال كونهما واقعتين إن كان الواقدي أتقن ما نقل، وفي الجملة، هو على الاحتمال، وقد يتمسك من يثبت إسلامه بقوله: "جئتكم من عند خير الناس". اهـ. (ر: التجريد ٢/٣، الإصابة ٥/١٩١) . ٢ قال القاري في شرحه ٣/٢٠٤: "وما رواه من الزيادة - يعني قوله: "وضرب رأسه الشجرة حتى سال دمه"، فغير معروف عند أرباب الرواية". اهـ. وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٢٠٤: "وهذا الحديث بهذا اللفظ قالوا: لم يوجد في الكتب المعتبرة عند أهل الأثر ولم يذكروه في أسباب النُّزول". اهـ. قلت: الحديث بلفظ المؤلِّف أخرجه الإمام ابن جرير في تفسيره ٦/٣٠٨، عن محمّد ابن كعب القرظي مرسلًا. ٣ أصل الحديث السابق أخرجه البخاري من غير الزيادة السابقة: "وضرب برأسه الشجرة " في كتاب المغازي باب (٣١) . (ر: فتح الباري ٧/٤٢٦، ٤٢٩)، ومسلم ٤/١٧٨٦، ١٧٨٧)، وابن إسحاق. (ر: السيرة ٣/٢٨٨)، والبيهقي في الدلائل ٣/٣٧٣ عن جابر ﵁. ٤ لم يخرجه السيوطي. (ر: المناهل ص ١٦٣)، وقال الخفاجي: "هذا الحديث لم يخرجه أحد". (ر: نسيم الرياض ٣/٢٠٥) . ٥ وتسمى أيضًا غزوة (ذو أمر) وهو: موضع بنجد من ديار غطفان من ناحية النُّخَيْل. (ر: السيرة ٣/٦٨، لابن هشام، معجم البلدان ١/٢٥٢) . ٦ دعثور بن الحارث الغطفاني، قال الذهبي: "دعثور في حديث عجيب الإسناد والأشبه غورث"، وقال الحافظ بعد أن ذكر قصته من طريق الواقدي: "وقصته هذه شبيهة بقصة عورث بن الحارث المخرجة في الصحيح من حديث جابر، فيحتمل التعدد أو أحد الاسمين لقب إن ثبت الاتّحاد".اهـ. التجريد١/١٦٦، الإصابة ٢/١٦٣) .
[ ٢ / ٨٣٩ ]
قومه الذين أغووه بذلك قالوا له: أين ما كنت تعدنا؟ وكان أبسلهم وأشجعهم، قال: إني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري وسقط السيف من يدي فعرفت أنه ملك فأسلمت١.
وكانت حمالة٢ الحطاب تضع العضاء - وهي جمر٣ - على طريق رسول الله ﷺ فكأنما يطؤها كثيبًا أهيل٤.٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الواقدي في مغازيه١/١٩٣-١٩٦، وعنه البيهقي في الدلائل٣/١٦٨،١٦٩، من طريق عبد الله بن رافع بن خديج عن أبيه قال: ، فذكره في سياق طويل. وذكره الماوردي في أعلام النبوة ص ١٣٣. قال البيهقي: "وقد روي في غزوة ذات الرقاع قصة أخرى في الأعرابي الذي قام على رأسه بالسيف، وقال: من يمنعك مني؟ فإن كان الواقدي قد حفظ ما ذكر في هذه الغزوة فكأنهما قصتان. والله أعلم". اهـ. ٢ هي: أم جميل العوراء، واسمها: أروى بنت حرب بن أمية، زوج لهب، وأخت أبي سفيان وكانت من سادات قريش. (ر: السيرة١/٤٣٥، تفسيرابن كثير٤/٦٠٣، ٦٠٤) . ٣ العِضَاه: شجرة أم غَيْلاَن، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة عِضَة - بالتاء - وأصلها: عِضَهه، وقيل: واحدته: عضاهه. (ر: النهاية ٣/٢٥٥، المصباح ص ٤١٥) . وقال القاري في شرحه للشفا ٣/٢٠٧: "- وهي جمر - جملة حالية، ولعل المراد تشبيه الشوك بالجمرة حال حدتها، فإن الجمرة هي النار المتوقدة ثم اعلم أن بعضهم ذكر في معناه أنه شجر لجمره حرارة شديدة، وقد قال أهل التفسير: إنها كانت تضع الشوك، ولذا سميت (حمالة الحطب)، على أحد الأقوال، ولعلها كانت الشوك مرة والجمرة مرة أخرى أو كانت تجمع بينهما. والله أعلم". اهـ. ٤ كثيبا أهيل: أي: رملًا سائلًا حيث لم يتضرر بها. (كذا ذكره القاري) . ٥ أخرجه الإمام ابن جرير في تفسيره ٣٠/٣٣٩، عن عطية الجدلي مرسلا. قلت: عطية بن سعد الجدلي، صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا من الثالثة. (ر: التقريب ٢/٢٤) .
[ ٢ / ٨٤٠ ]
وقد ذكر ابن إسحاق أن حمالة الحطب حين بلغها قول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ [المسد: من الآية١] ١. وذمّها الله مع زوجها جميعًا أتت رسول الله ﷺ وهو جالس ومعه أبو بكر وفي يدها فهر من حجارة فلما وقفت عليهما لم تر سوى أبي بكر وأخذ الله ببصرها عن نبيّه فلم تره فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه هجاني والله لو وجدته لضربته بهذا الفِهْر٢ فاه٣.
وقال الحكم بن أبي العاص: "تواعدنا على النبي ﷺ حتى إذا رأيناه سمعنا صوتًا ما ظننا أنه بقي بتهامة أحد، فوقعنا مغشيًا علينا فما أفقنا حتى قضى صلاته وانصرف إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة / (٢/١٦٩/أ) فحالت بيننا وبينه٤.
_________________
(١) ١ قال العلماء في هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد الآية:٣]، الآيات، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا سرًّا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة. اهـ. (ر: تفسير ابن كثير ٤/٦٠٤) . ٢ الفِهْر: الحجر ملء الكف، وقيل: هو: الحجر مطلقًا. (ر: النهاية ٣/٤٨١) . ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة١/٤٣٦)،وابن أبي حاتم. (ر: تفسير ابن كثير ٤/٦٠٤)،والحاكم٤/٣٦٢، وعنه البيهقي في الدلائل٢/١٩٥، وذكره الذهبي. (ر: السيرة ص١٤٦،١٤٧)،كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر ﵂، قال: ، فذكرته في سياق طويل. قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. قلت: له شاهد من حديث سعيد بن جبير ﵁، أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ١٩٣، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥١٦)، بنحوه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٤٧: "رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وقال البزار: إنه حسن الإسناد. قلت: ولكن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط". اهـ. ٤ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ٢/٢٠٩، ٢١٠، من طريق داود بن أبي هند عن قيس ابن حبتر، قال: قالت ابنة ابن الحكم: قلت لجدي الحكم: ، فذكرته. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٣٠، وقال: "وراه الطبراني ورجاله ثقات غير بنت الحكم فلم أعرفها". اهـ. وقال السيوطي في المناهل ص ١٦٣: "أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الدلائل وسنده جيد". اهـ. وزاد في الخصائص ١/٢١٥: أخرجه ابن منده.
[ ٢ / ٨٤١ ]
وعن عمر قال: تواعدت أنا وأبو١ جهم بن حذيفة ليلة لقتل رسول الله ﷺ فجئنا منْزله فسمعناه يقرأ: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [سورة الحاقة، الآيات: ١-٨]، إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة﴾ . [الحاقة الآيتان: ١-٨] . فضرب أبو جهم على عصدي وقال: انج. وفررنا هاربين٢.
ولما اجتمعت قريش على قتل نبيّ الله وبَيَّتوه خرج عليهم رسول الله ﷺ فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله على أبصارهم فذر التراب على رؤوسهم وذهب فجعل الرجل يتناول من على رأسه ترابًا وذهبوا خائبين٣.
ومن هذا القبيل كفاية الله له في الغار بما هيأ الله له من الآيات من نسج العنكبوت على باب الغار حتى قال أمية بن خلف حين قالوا: ندخل
_________________
(١) ١ أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي ﵁، اسمه: عامر، وقيل: عبيد، من مسلمة الفتح، كان عالمًا بالنسب ومن معمري قريش ومن مشيختهم، توفي آخر خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما. (ر: الاستيعاب٤/١٦٢٣،الإصابة٧/٣٤، ٣٥) . ٢ قال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٢٠٩: "هذا الحديث لم يوجد بهذا اللفظ إلاّ أنه في مسند أحمد بما يقرب منه عن عمر بن الخطاب ، فذكره في سياق طويل. قلت: أخرجه أحمد ١/١٧، عن المغيرة عن صفوان عن شرع بن عبيدة قال: قال عمر: ، فذكره. وليس في الحديث أن عمر بن الخطّاب صاحب أبا جهم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٦٥، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلاّ أن شريح بن عبيدة لم يدرك عمر". اهـ. وهو كما قال الهيثمي. (ر: التهذيب ٤/٢٨٨)، وشريح ثقة، إلاّ أنّه كان يرسل كثيرًا. (ر: التقريب ١/٣٤٩) . ٣ أخرجه أبو نعيم ص ٢٠٣، ٢٠٤، والبيهقي ٢/٤٦٩، ٤٧٠، كلاهما في الدلائل من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ٢/١٣٩، ١٤٠) . قال: حدّثني يزيد بن زياد عن محمّد بن كعب القرظي مرسلًا. قال البيهقي: "وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا".
[ ٢ / ٨٤٢ ]
الغار-: إن على الغار من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل أن يولد محمّد. ووقفت حمامتان على فم الغار، فقالت قريش: لو كان فيه أحد لما كان هناك الحمام١.
وقصته مع سراقة مشهورة، وذلك أن قريشًا جعلت في رسول الله الجعائل فركب سراقة بن مالك واتبعه حتى إذا قرب منهما دعا عليه رسول الله ﷺ / (٢/١٦٩/ب) فساخت قوائم فرسه في أرض صلبة ومحجر صلد، فخر عنها واستقسم بأزلامه فخرج له ما يكره، ثم اتبعهما ثانية حتى إذا دنا منهما وسمع قراءة رسول الله ﷺ ورسول الله لا يلتفت قال أبو بكر: أُتينا يا رسول الله. فقال: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . [التوبة: من الآية٤٠] . فساخت قوائم فرسه ثانية إلى ركابها فَخَرّ عنها زجرها فنهضت ولقوائمهما مثل الدخان. فناداهم بالأمان فكتب له النبي ﷺ كتاب أمان كتبه أبو بكر، وقيل: كتبه ابن٢ فهيرة. وأمره النبي ﷺ أن لا يدع الطلب
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ١/٢٢٨، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٢٥، والبيهقي في الدلائل ٢/٤٨٢، كلهم من طريق أبي مصعب المكي عن أنس بن مالك وزيد بن الأرقم والمغيرة بن شعبة - ﵃ -. وعزاه السيوطي في الخصائص١/٣٠٦ أيضًا إلى ابن مردويه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد٥/٥٥،٥٦،وقال:"رواه البزار والطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم".اهـ. وأورده ابن كثير في البداية٣/٢٠٠،وقال:"هذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه". وقال الألباني: حديث منكر. (ر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/٢٥٩-٢٦٤) . وأخرجه أحمدفي المسند١/٣٤٨، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بنحوه في سياق طويل. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٣٠: "وراه أحمد والطبراني، وفيه عثمان بن عمرو الجزري، وثّقه ابن حبان وضعّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح". وذكره ابن كثير في البداية ٣/١٩٨، ١٩٩، عن الإمام أحمد وقال: "وهذا إسناد حسن، هو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت". اهـ. وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (ح ٣٢٥١): "في إسناده نظر. وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/٢٦٢، وقال تعقيبًا على قول ابن كثير: وليس بحسن في نقدي، لأن عثمان بن عمرو بن ساج الجزري لا يحتج به. وفيه ضعف". اهـ. (ر: الجرح ٦/١٦٢، التقريب ٢/١٣) . ٢ هو: عامر بن فهيرة التيمي ﵁، مولى أبي بكر الصِّدِّيق وأحد السابقين وكان مولودًا من الأزد استشهد ببئر معونة. (ر: الإصابة ٣/١٤) .
[ ٢ / ٨٤٣ ]
يلحق بهم فانصرف سراقة يقول للناس: كفيتم ما ها هنا. ووقع في نفسه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم١.
ورآهم آخر من الرعاة فخرج ينشد يعلم قريشًا، فلما ورد مكّة ضرب على قلبه فأنسي ما قدم له حتى رجع إلى موضعه٢.
قال ابن إسحاق: "وجاءه أبو جهل بصخرة وهو ساجد وقريش ينظرون إليه ليطرحها عليه، فلزقت بيده ويبست يده إلى حد عنقه فرجع القهقري وسأله فدعا له حتى انطلقت يداه، وكان حلف لقريش لئن رآه ليدمغنه فسألوه عن شأنه / (٢/١٧٠/أ) فذكر أنه عرض له دونه فَحْلٌ ما رأى مثله هَمَّ به أن يأكله، فقال ﵇: ذلك جبريل لو دنا مني لأخذه"٣.
_________________
(١) ١ قصة سراقة في الهجرة أخرجها البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٢)، وفي كتاب مناقب الأنصار باب (٤٥) . (ر: فتح الباري ٧/٣٣٨، ٣٣٩)، ومسلم ٣/١٥٩٢، ٤/٢٣٠٩، ٢٣١٠، وأحمد في المسند ١/٢-٣، وأبو نعيم في الدلائل ص ٣٢٩، ٣٣٠، والبيهقي في الدلائل ٢/٤٨٤-٤٨٧، عن البراء وعن سراقة بن مالك رضي الله تعالى عنهما. ٢ لم يخرجه السيوطي. (ر: في المناهل ص ٥٥، الطبعة الحجرية) . وقال القاري في شرحه ٣/٢١٤: "غير معروف عند أهل الأثر"، وقال الخفاجي في نسيم الرياض ٣/٢١٤: "لا يعرف من وراه". ٣ أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٢٠٥، والبيهقي في الدلائل ٢/١٩٠، ١٩١، كلاهما عن محمّد بن إسحاق. (ر: السيرة ١/٣٦٤-٣٩)، عن بعض أهل العلم. (وفي إسناد البيهقي قال ابن إسحاق: حدّثني شيخ من أهل مصر قديم منذ بضع وأربعين سنة)، عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: ، فذكره في سياق طويل. قلت: إسناده صحيح.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
وذكر السمرقندي١ أن رجلًا من بني المغيرة أتى النبي ﷺ ليقتله فطمس الله على بصره فلم [يره] ٢. وكان يسمع قراءته ولا يهتدي إليه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه٣.
وعن أبي هريرة قال: "إن أبا جهل وعد قريشًا لئن رأى محمّدًا ليؤذينّه، فلما صلى النبي أعلموه فأقبل فلما قرب منه ولَّى هاربًا ناكصًا على عقبيه متقيًا بيديه فسئل عن ذلك، فقال: لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوء نارًا كدت أهوي فيه وأبصرت هولًا عظيمًا وخفق أجنحة قد ملأت الأرض. فقال عليه
_________________
(١) ١ أبو الليث نصر محمّد السمرقندي، الفقيه الحنفي، الملقب بإمام الهدى له تصانيف منها: تفسير القرآن وتنبيه الغافلين. توفي سنة ٣٧٣هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ١٦/٣٢٢، الجواهر المضيئة ٢/١٩٦، الأعلام ٨/٢٧) . ٢ في ص، م (يراه) والصواب ما أثبتّه. ٣ أورده القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يّس: من الآية٩] عن مقاتل قال: ، فذكره بلفظ المؤلِّف. (ر: تفسير القرطبي ١٥/٩، ١٠) . وأخرجه البيهقي في الدلائل ٢/١٩٦، ١٩٧، من طريق محمّد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله عزوجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يّس: من الآية٩]، قال: "وذلك أن أناسًا من بين مخزوم تواصوا بالنبي ﷺ ليقتلوه منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي ﷺ قائم يصلي، فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي النبي ﷺ فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه " الخ. قال البيهقي: "وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا". اهـ. قلت: في إسناده محمّد بن مروان، السدي الصغير كوفي متهم بالكذب. (ر: التقريب ٢/٢٠٦)، وقول البيهقي: "روي عن عكرمة"، يشير إلى ما أخرجه ابن جرير في تفسير ٢٢/١٥٢، عن عكرمة قال: "قال أبو جهل لئن رأيت محمّدًا لأفعلن ولأفعلن، فنَزَلت: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا ﴾ [الآيات، يّس: من الآية٨] . فكانوا يقولون: هذا محمّد، فيقول: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ١٩٩، ٢٠٠، من طريق النضر بن عبد الرحمن أبو عمرو الخزاز عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فذكره بنحوه. إلاّ أنّ في إسناده النضر بن عبد الرحمن وهو متروك. (ر: التقريب ٢/٣٠٢) .
[ ٢ / ٨٤٥ ]
السلام: "تلك الملائكة، لو دنا لاختطفته عضوًا عضوًا"١.
وعن شيبة٢ بن عثمان الحجبي، قال: لما كان يوم حنين وكان حمزة قتل أبي وعمي، قلت: اليوم أدرك ثأري من محمّد. فلما اختلط الناس أتيته من خلفه ورفعت سيفي لأصبه عليه فلما دنوت منه ارتفع لي شواظ من نار أسرع من / (٢/١٧٠/ب) البرق فوليت هاربًا، وأحس بيَ النبي ﷺ فدعاني فوضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إليَ فما رفعها إلاّ وهو أحبّ الخلق إليَّ، وقال لي: أُدن فقاتل، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي وأقيه بنفسي ولو لقيت تلك الساعة أبي لأوقعت به دونه٣.
وعن فضالة٤ بن عمير، قال: أردت قتل النبي ﷺ عام الفتح وهو يطوف بالبيت فلما دنوت، قال: أفضالة؟ قلت: نعم. قال: ما كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شيء. فضحك واستغفر ليَ ووضع يده على صدري فسكن قلبي.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري مختصرًا في كتاب التفسير سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق الآية:١] . (ر: فتح الباري ٨/٧٢٤)، وأخرجه مسلم مطوّلًا ٤/٢١٥٤، وأبو نعيم في الدلائل ص: ٢٠٨، والبيهقي في الدلائل ٢/١٨٩، عن أبي هريرة ﵁. ٢ شيبة بن عثمان، وهو: الأوقص القرشي العبدي، الصحابي المعروف، خادم الكعبة، وإليه ينسب سدنة الكعبة، مات سنة ٥٩هـ، وله ثلاثة أحاديث. ٣ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٤/١٢٤)، وأخرجه أبو نعيم ص ١٩٥، والبيهقي ٥/١٤٥ كلاهما في الدلائل من طريق عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة، قال: قال شيبة: ، فذكره. وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٤٤٩، أيضًا إلى أبي القاسم البغوي وابن عساكر، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٨٥، وقال: "رواه الطبراني، وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف". اهـ. قلت: وهوكما قال الهيثمي، فإن أبا بكر الهذلي متروك الحديث. (ر: التقريب٢/٤٠١) . ٤ في ص، م (فضالة بن عمرو) والتصويب من سيرة ابن هشام ٤/٨٥. وهو: فضالة بن عمير بن الملوح الليثي، له ذكر وشعر يوم الفتح. (ر: التجريد ٢/٨، الإصابة ٥/٢١٠) .
[ ٢ / ٨٤٦ ]
فوالله ما رفع يده حتى ما خلق الله من شيء أحب إليّ منه صلى الله عليه وسلم١.
ووفد عامر٢ بن الطفيل وأربد٣ بن قيس على رسول الله ﷺ، وكان عامر قال لأربد: أنا أشغل عنك وجه محمّد بالحديث فاضربه أنت. فلما خرجا من عنده ولم يصنع شيئًا، قال: أين ما عزمت عليه؟ قال: والله ما هممت به إلاّ وجدتك بيني وبينه أفأضربك بالسيف؟ ٤.
ومن عصمة الله له أن كثيرًا من اليهود والكهنة أنذروا به قريشًا ووصفوه لهم وأخبرهم بسطوته / (٢/١٧١/أ) بهم وحَضُّوهم على قتله فحماه الله وعصمه من كلّ سوء حتى بلغ فيه كرامته.
قال المؤلِّف: وقد روي عن أفاضل الصحابة أنهم سمعوا ليلة ولادة رسول
_________________
(١) ١ ورواه ابن هشام معلقًا. (ر: السيرة ٤/٨٥)، وابن عبد البر في الدر بلا سند ص ٢٦٤، وعنه الحافظ في الإصابة ٥/٢١٠. ٢ عامر بن الطفيل بن مالك العامري ذكره جعفر المستغفري في الصحابة وهو غلط، قال الذهبي: أجمع أهل النقل على أن عامرًا مات كافرًا وقد أخذته غدة، فكان يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. (ر: التجريد١/٢٨٥، الإصابة ٥/١٢٧) . ٣ أربد بن قيس بن جزء بن خالد العامري، كان أخو لبيد بن ربيعة لأمه، أرسل الله عزوجل عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما، فأنْزل الله عزوجل: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: من الآية١٣]، وقد رثاه أخوه لبيد بأبيات ذكرها ابن إسحاق. (ر: السيرة ٤/٢٨٥-٢٩١)، تفسير ابن كثير ٢/٥٢٤، ٥٢٥) . ٤ أورده البيهقي في الدلائل ٥/٣١٨، ٣١٩، من طريق ابن إسحاق بلا سند. (ر: السيرة ٤/٢٨٤، ٢٨٥)، في سياق طويل وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٢٠٦، ٢٠٧، من طريق عبد العزيز بن عمران عن عبد الله وعبد الرحمن ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: ، فذكره بنحوه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٤٤، ٤٥: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف". اهـ. قلت: عبد العزيز بن عمران الزهري، المذني، الأعرج، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه. (ر: التقريب ١/٥١١)، وأورده ابن عبد البر في الدرر في السير ص ٣٠٧، ٣٠٨، بلا سند.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
الله ﷺ يهوديًا ينادي صاحبه على أطم١ من آطام٢ المدينة: يا فلان إنه قد طلع في هذه الليلة نجم أحمد٣. وذلك مواطئ لقول المجوسالذي حكاه النصارى في إنجيلهم عند مولد المسيح٤، وأنَّى لهم بتحقيق تلك الحكاية عن المجوس إلاّ بالطريق التي ثبتت به أخبارنا، فإن قدحوا في صحة أخبارنا لم يسلموا من مثل ذلك فيما صاروا إليه، وقد حكى الصنارى أنّ أم المسيح حين خافت عليه هيرودس هوبَتْ إلى مصر وهو طفل٥، فأما رسول الله فعصمه الله من كيد أعدائه وهو بين أظهرهم وقد جهدوا جهدهم ولم نحتج إلى ما نقله المخالفون.
٥٦- ومن معجزاته ﵇ إمداد الله له بالملائكة وطاعة الجن له، قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، [سورة الأنفال: من الآية١٢] . وقال عزّ من قائل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ٦ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ﴾، [سورة الأنفال: من الآيتان ٩-١٠]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ
_________________
(١) ١ الأطم: بناء مرتفع والمراد به هنا: الحصن. (ر: النهاية ١/٥٤) . ٢ في م: أطم. ٣ أخرجه الحاكم ٢/٢٨٦، وأبو نعيم ص ٧٥، والبيهقي ١/١١٠، كلاهما في الدلائل، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: ١/١١، ٢١٢)، حدّثني صالح بن إبراهيم عن يحيى ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، قال: حدّثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت ﵁: ، فذكره. قلت: في إسناده انقطاع فإن يحيى بن عبد الله لم يسم عمن سمع. وله شاهد من حيدث حويصة بن مسعود ﵁ بنحوه أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٧٧، إلاّ أنّ في إسناده الواقدي وهو متروك، غير أن محمّد بن إسحاق إمام في المغازي والسير، فإذا روى رواية لم يخالفه فيها أحد فهي مقبولة عند المحقِّقين من المحدّثين والمؤرّخين، وروايته هذه رويت من وجه آخر، وإن كان فيها ضعف إلاّ أنّها تدل على أ، لها أصلًا. والله أعلم. ٤ متى ٢/١-٧، لوقا ٢/٨-١٤. ٥ متى ٢/١٣-١٥. (٢/١٧١/ب) .
[ ٢ / ٨٤٨ ]
الْقُرْآنَ﴾، [الاحقاف: من الآية٢٩]، وقد رأى الجن جماعة من أصحاب نبيّنا ﵇ وكذلك شاهدوا جبريل وهو يسأل رسول الله ﷺ عن الإسلام والإيمان١، ورأى جبريل ﵇ ابن عباس٢ وأسامة٣ وغيرهما.
وأبصر سعد٤ جبريل وميكائيل عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله في صورة رجلين عليهما ثياب بيض٥.
وقد كانت الملائكة تصافح عمران بن حصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.
ورأى ابن مسعود الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم٧.
ولما قتل مصعب بن عمير أخذ راية المسلمين ملك على صورته فكان النبي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب (٣٧) . (ر: فتح الباري ١/١١٤)، ومسلم ١/٣٦، ٣٧، وابن ماجه. (ر: صحيح ابن ماجه ١/١٦)، عن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله تعالى عنهما، في سياق طويل. ٢ أخرجه أحمد في المسند ١/٢٩٣، ٢٩٤، والبيهقي في الدلائل ٧/٧٥، كاهما من طريق حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٧٩، وقال: "رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجالهما رجال الصحيح". ٣ حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، أخرحه البخاري في المناقب باب (٢٥) . (ر: فتح الباري ٦/٦٢٩)، ومسلم ٤/١٩٠٦، والبيهقي في الدلائل ٧/٦٨. ٤ هو: سعد بن أبي وقاص ﵁. ٥ كان ذلك في عزوة أحد، أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب (١٨) . (ر: فتح الباري ٧/٣٥٨)، ومسلم ٤/١٨٠٢، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٥٤، ٢٥٥، عن سعد بن أبي وقاص ﵁. ٦ أخرجه مسلم ٢/٨٩٩، ٩٠٠، والبيهقي في الدلائل ٧/٧٩، ٨٠، عن عمران بن حصين ﵁. ٧ قال البيهقي في الدلائل ٢/٢٣٠: "والأحاديث الصحاح تدل على أن عبد الله بن مسعود لم يكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلق به وبغيره ويريهم آثار الجن وآثار نيرانهم". وأخرجه الإمام مسلم ١/٣٣٢، عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا. ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه ". الحديث. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٢٢٩، عن الشعبي عن علقمة بمثله.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
﵇ يقول له: تقدم يا مصعب. فقال: لست بمصعب. فعرف أنه ملك١.
قال المصنِّف: إن طعن في هذه الشهادات المتضافرة يهدي أو نصراني وَرَد عليهم فيما حكوه عن بطرس وابني زيدي من أنهم رأوا الملائكة بالجبل٢ وقد جاءت للمسيح، وكذلك ما رواه اليهود من مجيء الملائكة لإبراهيم ولوط وموسى٣. وكل سؤال انعكس على السائل سقط جوابه عن المسؤول.
وقد أَرَى النبيُّ ﷺ جبريلَ / (٢/١٧٢/أ) لحمزة في الكعبة فخر حمزةُ مغشيًا عليه٤.
وحكى جماعة من العلماء أن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: "بينا رسول الله ﷺ [جالس] ٥ إذ أقبل شيخ في يده عصا فسلم على النبي ﷺ فرد عليه النبيّ. وقال: نغمة الجن فمن أنت؟ قال: أنا هامة بن الهيثم بن لاقش
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ٢/٢٩، ٤٢، وقال: أنا الواقدي ثني الزبير بن سعيد النوفلي عن عبد الله بن الفضل بن العباس، قال: ، فذكره. قلت: إسناده منقطع، فعبد الله بن الفضل، ثقة من الرابعة. (ر: التقريب ١/٤٤٠)، وفيه أيضًا الواقدي وهو متروك. وله تابع أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/٣٦٩، رقم ٣٦٧٧٠، من طريق موسى ابن عبيدة عن محمّد بن ثابت أن رسول الله ﷺ ، فذكره. وإسناده ضعيف. فإن موسى بن عبيدة، ضعيف، من صغار السادسة. (ر: التقريب ٢/٢٨٦)، ومحمّد بن ثابت، عن أبي هريرة، مجهول من السادسة. (ر: التقريب ٢/١٤٩) . ٢ متى ٤/١١، لوقا ٢٢/٤٣. ٣ تكوين ١٨/٢-٢٢، ١٨/٢٣-٣٣. ٤ أخرجه البيهقي مطولًا في الدلائل ٧/٨١، وقال: "هكذا روى هذا (الحديث) عن عمار بن أبي عمار وهو مرسل". قلت: عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، أبو عمرو، صدوق ربما أخطأ، من الثالثة. (ر: التقريب ٢/٤٨) . ٥ في ص، م (جالسا) والصواب ما أثبتّه.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
بن إبليس - فذكر أنه لقي نوحًا ومن بعده ، في حديث طويل، وأقرأه ﵇ سورًا من القرآن١.
وقد حكى الواقدي أنّ خالدًا قتل العُزَّى عندما هدم بيتها٢.
٥٧- ومن دلائل نبوته ما نطقت به قدماء الشعراء الموحدّين من التنويه
_________________
(١) ١ ذكره السيوطي في اللألئ المصنوعة ١/١٧٤، وابن عراق في تنْزيه الشريعة ١/٢٣٨، ٢٣٩، وقال: أخرجه العقيلي (في الضعفاء ١/٩٨)، من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي وجاء من حديث أنس من طريق أبي سلمة محمّد بن عبد الله الأنصاري بنحوه، وهكذا قال العقيلي بنحوه ولم يسقه. ثم قال: وليس للحديث أصل، وتعقب بأن الكاهلي قد تابعه محمّد بن أبي معشر نحوه رواه البيهقي في الدلائل (٥/٤١٨-٤٢٠)، وقال عقب إخراجه: أبو معشر روى عنه الكبار، إلاّ أنّ أهل الحديث ضعفّوه، قال: وقد روي من وجه آخر هذا أقوى منه، وجاء أيضًا من حديث عمر أخرجه أبو نعيم في الدلائل (ص ٣٧٠-٣٧٢) من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس عن عمر، وأخرجه الفاكهي في أخبار مكّة عن ابن عباس لم يذكر عمر، وأخرجه أبو جعفر المستغفري في الصحابة عن سعيد بن المسيب: قال: قال عمر. ولحديث أنس طريق ثانٍ ليس فيه أبو سلمة الأنصاري أخرجه أبو نعيم في الدلائل، وجاء عن عائشة مرفوعًا: أن هامة بن هيثم بن لاقش في الجنة. أخرجه علي بن الأشعث أحد المتروكين المتهمين في كتاب السنن. اهـ. قلت: ومع مجموع هذه الطرق فلا يزال الحديث ضعيفًا. ٢ أخرجه ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٤/١١٢)، وابن سعد ٢/١٤٥، وأخرجه أبو نعيم ص ٥٣٥، والبيهقي ٥/٧٧، كلاهما في الدلائل من طريق محمّد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل ﵁، قال: ، فذكره في سياق طويل، - وفيه -: أن العُزى امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فعممها خالد بنالسيف حتى قتلها. قلت: في إسناده الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري، صدوق يهم، رمي بالتشيع. (ر: التقريب ٢/٣٣٣) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٧٩، وقال: "رواه الطبراني، وفيه يحيى بن المنذر وهو ضعيف". اهـ.
[ ٢ / ٨٥١ ]
بشأنه ﷺ مثل: تبع١ والأوس٢ بن حارثة، وكعب٣ بن لؤي،
_________________
(١) ١ تُبَّع: سم لملك اليمن، وقد تقدم. (ر: ص ٨٨) . والمراد هنا هو: تبع الثاني أبو كرب تبان أسعد بن كلي كرب بن زيد، وقد حاصر المدينة وأراد تخريبها إذ جاءه حبران من أحبار اليهود فقالا له: أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلاّ ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال لهما: ولم ذلك؟ فقالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره. فتناهى عن ذلك تبع وساق الحبرين معه إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه. قال السهيلي: وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله ﷺ شعرًا: شهدت على أحمد أنّه رسول من الله باري النسم فلو مُدَّ عمري إلى عمره لكنت وزيرًا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه وفَرَّجت عن صدره كلّ همّ (ر: سير ابن هشام ١/٥٤-٦٦، ابن سعد ١/١٥٨، ١٥٩، المعارف ص ٣٤٨، لابن قتبية، الروض الأنف ١/٣٥، البداية ٢/١٦٣-١٦٧) . ٢ أوس بن حارثة بن ثعلبة العنقاء، من بني مزيقياء، من الأزد، وإليه تنسب قبيلة الأوس من الأنصار، وكان أوس من عدة ناس في الفترة هداهم الله تعالى للتوحيد لم يعبدوا الأصنام وكانوا يعاشرون أهل الكتاب فيخبرونهم بما في كتبهم من ذكر النبي ﷺ فيذكرونه في خطبهم وأشعرهم، ولأوس شعر فيه أخرجه الخرائطي في (الهواتف) وابن عساكر عن جامع بن جران، قال: لما حضرت الأوس بن حارثة الوفاة أوصى ابنه مالكًا بوصايا ثم أنشأ يقول - ومنه -: ألم يأت قومي أن لله دعوة يفوز بها أهل السعادة والبر إذا بعث المبعوث من آل غالب بمكّة فيما بين زمزم والحَجَر هنالك فابغوا نصره ببلادكم بني عامر إن السعادة في النصر (ر: البداية ٢/٣٣١، ٣٣٢، لابن كثير، الخصائص ١/٤٩، ٥٠، للسيوطي، نسيم الرياض ٣/٢٥٨، الأعلام ٢/٣١، للزركلي) . ٣ أخرج قصته أبو نعيم في الدلائل ص ٨٩، من طريق الحسن بن زبالة المخزومي من محمّد بن طلحة التيمي عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: كان كعب بن لؤي بن غالب بن فهر يجمع قومه يوم الجمعة ، فيخطبهم فيقول: أما بعد: فاسمعوا وتعلموا وافهموا واعلموا، ليل ساج ونهار وضاح ، - وذكر خطبة طويلة فيها -: "حرمكم زَيِّنوه وعَظِّموه، وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم ثم يقول: نهار وليل كلّ أوْب بحادث سواء عليها ليلها ونهارها يؤوبان بالأحداث حين تأوبا وبالنعم الضافي علينا ستورها على غفلة يأتي النبي محمّد فيخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها قلت: أورده الماوردي في أعلام النبو ص ٢٢٩، بلا سند، وابن كثير في البداية ٢/٢٤٤، عن أبي نعيم، وفي إسناده محمّد بن الحسن بن زبالة، أبو الحسن المدني، كذاب. (ر: التقريب ٢/١٥٤) .
[ ٢ / ٨٥٢ ]
وسفيان١ بن مجاشع،
وقس٢ بن ساعدة،
_________________
(١) ١ سفيان بن مجاشع بن دارم التميمي المجاشعي، جد الفرزدق والأقرع بن حابس، أخرج ابن سعد ١/١٦٩ عن قتادة بن السكن العرني، قال: كان في بني تميم سفيان ابن مجاشع أتى أسقفا فقال له: إنه يكون ببلاد العرب نبي اسمه محمّد. فولد له ولد سماه محمّدًا. وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ٩٤ عن خليفة بن عبده، قال: سألت محمّد بن عدي بن ربيعة كيف سَمَّاك أبوك في الجاهلية محمّدًا؟ فقال: ، فذكره بنحوه في سياق طويل. وعزاه السيوطي في الخصائص ١/٤٠، ٤١، إلى البيهقي والبطراني والخرائطي في (الهواتف)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٣٣: "وراه الطبراني وفيه من لم أعرفهم". ونقل الصالحي عن ابن ظفر عن سفيان بن مجاشع أنه رأى قومًا من تميم اجتمعوا على كاهنة لهم فسمعها تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه. فقال سفيان: من تذكرين لله أبوك؟ فقالت: صاحب حِل وحرم وهدى وعلم فقال سفيان لله أبوك من هو؟ فقالت: نبي مؤيَّد قد أتى حين يوجد ودنا أوان يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود بكتاب لا يفند اسمه محمّد. فقال سفيان: لله أبوك أعرابي أم أعجمي؟ قالت: أما والسماء ذات العنان والشجرات ذات الأفنان، إنه لمن معد بن عندنان، فَقَدْك يا سفيان. فأمسك عنها ثم ولد له غلام فسمّاه محمّدًا (ر: الإصابة ٦/٥٩، ١٩٣، سبل الهدى والرشاد ١/١٤٢) . ٢ قُسُّ بن ساعد الإيادي، البليغ الخطيب المشهور، وأحد حكماء العرب، وكان أسقف نجران، ذكره ابن السكن وابن شاهين والمروزي وأبو موسى في الصحابة، وصرح ابن السكن بأنه مات قبل البعثة، وهو أوّل من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأوّل من توكا على عصا في الخطبة، وأوّل من قال: أما بعد، وقد سمع النبي ﷺ حكمته في عكاظ، ومن خطبه: إن لله دينًا هو أحب الأديان إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيًا قد حان حينه وأظلكم أوانه، وأدرككم إبّانه، فطوبى لمن آمن به فهداه وويل لمن خالفه وعصاه، ومن شعره: الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبث لم يُخْلنا حينًا سدى من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمدا خير نبي قد بعث صلى عليه الله ما حجّ له ركب وحثّ أخرج حديث قس وفيه شعره وخطبه أبو نعيم في الدلائل ص ١٠٣، والبيهقي في الدلائل ٢/١٠١-١١٣، والطبراني والبزار. (ر: المجمع ٩/٤١٩)، وغيرهم عن ابن عباس وأنس بن مالك - ﵃ - في سياق طويل. قال البيهقي: "وقد روي من وجه آخر عن الحسن البصري منقطعًا، وروي مختصرًا من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة، وإذا روى حديث من أوجه وإن كان بعضها ضعيفًا دَلَّ على أن للحديث أصلًا". اهـ. وأورد أخباره ابن كثير، ثم قال: "وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة". اهـ. (ر: الإصابة ٥/٢٨٥، ٢٨٦، البداية ٢/٢٣٠-٢٣٧، الأعلام ٥/١٩٦) .
[ ٢ / ٨٥٣ ]
وما ذكرهسيف١ بن ذي يزن الملك، وما عرف به زيد٢ بن عمرو بننفيل. وورقة٣ بن نوفل،
_________________
(١) ١ سيف بن ذي يزن، آخر من ملك اليمن من قحطان، وأخباره مشهورة في التواريخ والسير، أما تبشيره ببعثة النبي ﷺ فقد أخرجه الماوردي في أعلام النبوة ص ٢٣٤-٢٣٦، وأبو نعيم ص ٩٥-٩٩، البيهقي ٢/٩-١٤، كلاهما في الدلائل، وابن عساكر. (ر: تهذيب تاريخ ١/٣٦٢-٣٦٦)، كلهم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: ، فذكره في سياق طويل جدًا - وفيه: أن الملك سيف قال لعبد المطلب: إذا ولد بتهامة غلام به علامة، بين كتفيه شامة كانت لكم الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، هذا زمنه الذي يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمّد، يموت أبوه وأمه، وكفله جده وعمه إلى آخر ما ذكر من وصف النبي ﷺ وأحواله. قلت: حديث منكر، فإن محمّد بن السائب الكلبي متهم بالكذب. (ر: التقريب ٢/١٦٣)، وله شاهد من حديث زرعة بن سيف بن ذي يزن، أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/٩-١٤، بطوله. (ر: للتوسع: السيرة ١/١٠٤-١١١، لابن هشام المعارف ص ٣٥٧، لابن قتيبة، الإصابة ٣/١٩٠، البداية ٢/٣٢٨) . ٢ زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، والد سعيد بن زيد، وابن عم عمر بن الخطّاب ﵁، وكان ممن طلب التوحيد وخلع الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، وكان يحيي المؤودة، ويعبد الله على دين إبراهيم ﵇، مات قبل البعثة بخمس سنين. وسئل عنه النبي ﷺ، فقال: "إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده". قال الذهبي: "إسناده حسن". ومن شعره: أربًا واحدًا أم ألف ربّ أدين إذا تُقُسِّمَت الأمور عزلت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الجَلْد الصّبَّور (ر: أخباره في صحيح البخاري كتاب المناقب. (ر: فتح الباري ٧/١٤٢-١٤٥)، دلائل ٢/١٢٠-١٢٦، للبيهقي، السيرة ١/٢٨٦-٢٩٥ لابن هشام، السيرة ص ٨٥-٩٢، للذهبي، الإصابة ٣/٣١) . ٣ ورقة بن نوفل بن أسد القرشي الأسدي، ابن عم خديجة أم المؤمنين، اعتزل الأوثان، وتنصَّر وقرأ الكتب السابقة، وقصته مشهورة في حديث ابتداء الوحي بغار حراء، وذكره الطبري والبغوي وابن قانع وابن السكن وغيرهم في الصحابة، وقال ابن حجر: في إثبات الصحبة له نظر، وتوفي بعد بدء الوحي بقليل، وفي حديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ سئل عن ورقة فقال: "يبعث يوم القيامة أمة وحده". قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٤١٩: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". اهـ. ومن شعره: هذي خديجة تأتيني لأخبرها وما لنا يخفي الغيب من خبر بأن أحمد يأتيه فيخبره جبريل إنك مبعوث إلى البشر (ر: أخباره في صحيح البخاري كتاب التعبير. (ر: فتح الباري ٩/٣٧)، ومسلم ١/١٣٩، السيرة ١/٢٨٤-٣٠٣، لابن هشام، دلائل ٢/١٢٠-١٢٨، ١٣٥-١٥٤، للبيهقي ص ١١٨-١٢٤، للذهبي، الإصابة ٦/٣١٧-٣١٩) .
[ ٢ / ٨٥٤ ]
وعثكلان الحميري١شامول٢ صاحب تبع.
_________________
(١) ١ قال القاري في شرحه ٣/٢٦٣: لم أر من ذكره في معرض البيان. اهـ. قلت: ذكره الحافظ في الإصابة ٥/١٠٧، وقال: "عسكلان بن عواكن الحميري، أحد المعمرين كان ممن بشر برسالة النبي ﷺ ثم أدرك البعثة وأرسل إلى النبي ﷺ بشعر يمدحه ويذكر فيه إسلامه ولم يبلغنا أنه هاجر، وروى حديثه البلوي عن عمارة بن زيد عن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده، قال: سافرت إلى اليمن قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنة فنَزلت على عثكلان بن عواكن الحميري وكان شيخًا كبيرًا ، فذكر قصة طويلة وفيها -: "أن عثكلان قال لعبد الرحمن: أنبئك بالمعجبة، وأبشرك بالمرغبة، إن الله قد بعث في الشهر الأوّل من قومك نبيًّا، ارتضاه صفيًا، وأنْزل عليه كتابًا، وجعل له ثوابًا، ينهى عن الأصنام، ويدعو إلى الإسلام، ثم حَمَّله إلى النبي ﷺ أبياتا منها: أشهد بالله ذي المعالي وفالق الليل والصباح إنك في السر ومن قريش يا ابن المفدى من الذباح أشهد بالله ربّ موسى أنك أرسلت بالبطاح ثم قال الحافظ: "أخرجه ابن عساكر في تاريخه الكبير من هذا الوجه، والبلوي ضعيف، رواية عنه عمر بن مدرك، اتهمه يحيى بن معين". اهـ. ٢ أخرجه ابن سعد ١/١٥٨، ١٥٩، وعنه ابن عساكر. (ر: تهذيب تاريخ ابن عساكر ٣/٣٣٦-٣٣٨)، عن الواقدي عن سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن ابن عباس عن أبي بن كعب، قال: لما قدم تبع المدينة ونزل بقناة فبعث إلى أحبار اليهود فقال: إني مُخَرِّب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ويرجع الأمر إلى دين العرب. قال: فقال له ساول اليهودي - وهو يومئذٍ أعلمهم -: أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده مكة واسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منْزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتلى الجراح ، الخ. في سياق طويل وفيه ذكر سامول صفة النبي ﷺ. وأورده ابن قتيبة في المعارف ص ٣٥١، بنحوه، والماوردي في علام النبوة ص ٢٣٠، وليس فيه تسمية هذا الحبر اليهودي، وأن تبع نزل في سفح أحد.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
وما حكاه علماء اليهود وأسلم لَمَّا حقق أمره مثل عبد الله١ بن سلام وابني٢ سعية وابن٣ يامين ومخيريق٤ وكعب الأحبار٥ من أحبار اليهود وعلمائهم.
_________________
(١) ١ عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف الإسرائيل ثم الأنصاري، ﵁، من ذرية يوسف ﵇، كان من بني قينقاع، كان اسمه الحصين فغيّره النبي ﷺ، أسلم أوّل ما قدم النبي ﷺ المدينة، وقصة إسلامه مشهورة، أخرجها البخاري وغيره عن أنس أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة، فقال: إني سائلك عن ثلاث خصال لا يعلمها إلاّ نبي ، الحديث. وفيه قصته مع اليهود أنهم قوم بهت، مات بالمدينة سنة ٤٣هـ ﵁، وله خمسة وعشرون حديثًا. (ر: صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار والتفسير. (فتح الباري ٧/٢٤٩، ٢٧٢، ٨/١٦٥)، السيرة ٢/١٨٦، لابن هشام، دلائل ٢/٥٢٦-٥٣٢، للبيهقي، ودلائل ص ٣٥٥-٣٥٧، لأبي نعيم، سير أعلام النبلاء ٢/٤١٣، الإصابة ٤/٨٠) . ٢ هما: أسد، وقيل: أسيد، وثعلبة ابنا سَعْيَة، رضي الله تعالى عنهما، وقيل: سَعْيَة القرظي، ممن أسلم من اليهود، وقد أخرج أبو نعيم ص ٨١، والبيهقي ٢/٨٠، كلاهما في الدلائل وابن السكن. (ر: الإصابة ١/٣١)، كلهم من طريق ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٧٢)، قال: حدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة أن شيخًا من بني قريظة حدّثه أن إسلام ثعلبة وأسد ابني سعية، وأسد بن عبيد إنما كان عن حديث ابن الهيبان - من أحبار اليهود بالشام - فذكره قصته بطولها ، وأنه كان يُعْلمهم بقدوم النبي ﷺ قبل الإسلام، فلما كان الليلة التي في صبحها فتح قريظة، قال لهم هؤلاء الثلاثة: يا معشر يهود إنه والله للرجل الذي كان وصف لنا ابن الهيِّبان فاتقوا الله واتبعوه. فأبوا عليهم، فنَزل الثلاثة إلى النبي ﷺ فأسلموا. اهـ. وأخرجه ابن سعد ١/١٦،عن الواقدي، وذكره الحافظ في الإصابة١/٣١، من طرق عدةعن ابن إسحاق. ٣ ابن يامين بن عمير بن عمرو بن كعب بن حجاش، من بني النضير، وقيل: إنه بنيامين أو منبه، ويقال: بليامين-باللام-وهو أحد الحبرين اللذين قدما من اليمن مع تبع، واسم الآخر: سخيت. (ر: الروض الأنف١/١٦٣، نسيم الرياض ٣/٢٦٤) . ٤ أخرج أبو نعيم في الدلائل ص ٧٨، والطبري في تاريخه ٢/٥٣١، كلاهما عن ابن إسحاق معلقًا. (ر: السيرة ٢/١٨٨)، قال: وكان من حديث مخيريق وكان حبرًا عالمًا، وكان رجلًا غنيًا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته، وما يجد في علمه، وغلب عليه إلف دينه، لم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم أُحُد يوم السبت قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمّد عليكم الحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ بأحد وقاتل حتى قتل. اهـ. وأخرجه الواقدي في المغازي ١/٢٦٣، وعنه ابن سعد ١/٥٠١، ٥٠٢، وذكره الحافظ في الإصابة ٦/٧٣. ٥ كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، أدرك النبي ﷺ رجلًا وأسلم في خلافة عمر ﵁، وكان حسن الإسلام متين الديانة، ثقة، وكان خبيرًا بكتب اليهود، له ذوق في معرفة صحيحها من باطلها في الجملة، روى عنه عدة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وابن عباس، توفي كعب بحمص ذاهبًا للغزو في أواخر خلافة عثمان ﵁ سنة ٣٢هـ. (ر: ابن سعد ٧/٤٤٥، سير أعلام النبلاء ٣/٤٨٩-٤٩٤، التقريب ٢/١٣٥، الجرح ٧/١٦١، الإصابة ٥/٣٢٢-٣٢٤) .
[ ٢ / ٨٥٦ ]
وكذلك ما حكاه أحبار النصارى و[متديّنوهم] ١ مثل: بحيرا الراهب٢ / (٢/١٧٢/ب)، و[نسطور الحبشة] ٣ وصاحب بصرى٤ وضغاطر٥ وأسقف الشام٦
_________________
(١) ١ في ص، م (متديّنيهم) والصواب ما أثبتّه. ٢ تقدمت ترجمته. (ر: ص: ٧٥٩) . ٣ في م، ص: (يصطهون) وهو خطأ، والتصويب من الشفا١ /٧١٩، وقال الخفاجي: ونسطور الحبشة، احترز به عن نسطور الشام وغيره. ونسطور الشام قصته مذكورة في السير وهي: قريبة من قصة بحيرا. (ر: ابن سعد ١/١٣٠، تهذيب تاريخ ابن عساكر ١/٢٧٣)، وفي بعض النسخ (الشفا) نسطور بدون إضافة للحبشة، وقد قال الشراح (الشفا): "إن نسطور الحبشة غير معروف، ولعله من علماء أهل الكتاب الذين كانوا عند النجاشي". اهـ. (ر: نسيم الرياض ٣/٢٦٥) . ٤ قال الخفاجي: وصاحبها: ملكها الذي أرسل إليه النبي ﷺ دحية ﵁ بكتابه، وهو: الحارث بن أبي شمر الغساني - كما قاله ابن حجر - وقال: إنه مات عام الفتح، ولم يذكر قصته وإسلامه وما أخبر به عن أمره ﷺ. (ر: نسيم الرياض ٣/٢٦٥، فتح الباري ١/٣٨) . قلت: أخرج قصته ابن سعد ١/٢٦١، عن ابن عباس والمسور بن رفاعة والشَّفاء والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن أمية الضمري - ﵃ -، دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: ، فذكره في سياق طويل - وفيه -: أن شجاع بن وهب رسولُ رسول الله ﷺ بكتابه إلى الحارث الغساني، وكان بغوطة دمشق فلم يُسْلِم وتَوَعَّد النبي ﷺ بجيش يُسَيِّره إليه وكتب إلى قيصر يخبره بذلك. فكتب إليه قيصر أن لا تسر إليه والْهَ عنه، وأسلم حاجب الحارث واسمه: (مُرّي)، وكان روميًا وكان يقول: إني قد قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي ﷺ بعينه فأنا أومن به وأصدّقه أخاف من الحارث أن يقتلني. وبعث مُرّي بكتاب مع شجاع إلى النبي ﷺ يقرئه به السلام ويخبره أنه على دينه، فقال رسول الله ﷺ: "صدق"، أما الحارث فقال عنه ﷺ: "باد ملكه". فمات الحارث عام الفتح. وأخرجه ابن سعد أيضًا ٣/٦٤، من طريق الواقدي بنحوه، ونقله عنه ابن كثير في البداية ٤/٢٦٨، مختصرًا، والسيوطي في الخصائص ٢/١٨، ١٩. ٥ ضغاطر الرومي الأسقف، ويقال: اسمه: تغاطر، وهو أسقف من كبار الروم أسلم على يد دحية ﵁، لما أرسله رسول الله ﷺ إلى هرقل وغَيَّر لباسه وأظهر إسلامه فقتلوه، وكان ذلك في سنة ست من الهجرة، وهو الذي أبهمه البخاري في حديث أبي سفيان في قصة قيصر حيث قال: كتب هرقل إلى صاحب له برومية كان نظيره في العلم. (ر: التجريد ١/٢٧٢، وفتح الباري ١/٣٣، ٤٢، ٤٣، دلائل ص ١٠١-١٠٣، لأبي نعيم، الإصابة ٣/٢٧٧، نسيم الرياض ٣/٢٦٦) . ٦ قال القاري في شرحه ٣/٢٦٦: "ولعله نسطور المحترز عنه فيما تقدم". اهـ. وقال الخفاجي: (وفي نسخة (أساقفة الشام) ويعني بهم: صاحب إيليا وهرقل ابن الناطور وغيرهم". (ر: نسيم الرياض ٣/٢٦٦) .
[ ٢ / ٨٥٧ ]
والجارود١، والنجاشي ملك الحبشة٢، وسلمان وأساقفة نجران٣ ممن آمن وحقّق وأسلم وصدق.
٥٨- ومن دلائل نبوته ﵇ ما نطقت به الكهان:
مثل شافع٤ بن كليب وشقّ وسَطِيح٥
_________________
(١) ١ الجارود بن المعلى ﵁، ويقال ابن عمرو بن المعلى، أبو غياث، واسمه بشر، وكان سيد عبد القيس على دين النصرانية، وفد على رسول الله ﷺ سنة عشرة فأسلم، وكان حسن الإسلام صُلْبًا على دينه، وأدرك الرِّدة ولما ارتد قومه دعاهم إلى الحقّ، وقتل الجارود بأرض فارس سنة ٢١هـ، وفي خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما. (ر: السيرة ٤/٢٩٣، ٢٩٤، لابن هشام، دلائل ٥/٣٢٨، للبيهقي، الإصابة ١/٢٢٦، البداية ٥/٤٨) . ٢ تقدمت ترجمته. (ر: ص: ٨٣٣) . ٣ هم الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من نجران في ستين راكبًا فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم وكان لهم علم بالكتاب وفيهم أسقفهم وإمامهم أبو حارثة بن علقمة وقد شَرُفَ فيهم ودرس كتبهم وكانت ملوك الروم من النصرانية يُحلّونه ويخدمونه، وقد أبى وفد نصارى نجران قبول الإسلام وفيهم نزلت صدر سورة آل عمران، ودعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة فنكلوا وصالحوه على الجزية، وقد أسلم بعضهم حينمنا رجعوا إلى نجران، ومنهم: كوز بن علقمة أخ لأبي حارثة حينما أقر له بأن محمّدًا ﷺ هو النبي المنتظر، فأضمرها كوز حتى أسلم بعد ذلك. (ر: صحيح البخاري كتاب المغازي. (فتح الباري ٨/٩٣)، السيرة ٢/٢٥٤-٢٦٦، لابن هشام، دلائل ص ٣٥٣-٣٥٤، لأبي نعيم، دلائل ٥/٣٨٢-٣٩٣ للبيهقي) . ٤ شافع بن كليب، هو: كاهن من كهان العرب، أخبر تبعًا بخبر النبي ﷺ وبمهاجرته إلى المدينة - كما تقدم بيانه - وقال الحافظ الحلبي ومن تبعه: لا أعرفه. (ر: نسيم الرياض ٣/٢٧١) . ٥ شقّ وسطيح: هما كاهنان من كهان العرب، وشِقُّ - بكسر الشين - هو: شِق بن صعب بن يَشْكر، وجده الأعلى ربيعة بن أنمار، وكان بيد واحدة ورجل واحدة، وعين واحدة، ولذلك سمي شِقٌّ شِقًّا، لأنه كان كشق الإنسان أي: كنصفه. وسَطِيح - بفتح السين وكسر الطاء - هو: ابن ربيع بن ربيعة بن مسعود، وسمي سطيح سطيحًا لأنه كان كالقطعة من اللحم الملقاة على الأرض وكأنه سطح عليها، فإن جسده لا عظم فيه غير جمجمة رأسه، فكان يدرج كالثوب فإذا غضب انتفخ وقيل: إنه عاش ثلاثمائة سنة. وقصتهما وذكرهما للنبي ﷺ مذكورة في السيرة مشهورة ولهما قصص كثيرة في التواريخ وأدركا زمانه ﷺ. (ر: السيرة ١/٤٨-٥٤، لابن هشام، أعلام النبوة ص ٢٤٠-٢٤٢، للماوردي، دلائل ص١٢٢-١٢٨،لأبي نعيم، دلائل ١/١٢٦-١٣٠، للبيهقي، البداية ٢/٢٦٨-٢٦٩، الخصائص ١/٥٧-٦١، نسيم الرياض ٣/٢٧١) .
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وسواد١ بن قارب الدوسي وخنافر٢.
_________________
(١) ١ سواد بن قارب الدوسي أو السدوسي، الصحابي ﵁، وكان كاهنًا من كهان العرب - قبل إسلامه -، كان له رئي من الجن يزتيه ويخبره بالمغيّبات فبينما هو ذات ليلة إذ أتاه فضربه برجله وقال له: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله عزوجل وإلى عبادته، ثم أتاه ليالي يقول له مثل مقالته، فركب ناقته وأتى المدينة واجتمع مع رسول الله ﷺ وآمن به وأخبره بخبر رؤيته وما قال له من الأشعار فسر بذلك رسول الله ﷺ. قلت: وهذا الحديث له عدة طرق ذكرها الحافظ في الإصابة ٣/١٤٨، ١٤٩، والسيوطي في الخصائص ١/١٧٠-١٧٢، وأخرجه البخاري في التاريخ ٢/٢/٢٠٢، والحاكم ٢/٦٠٣، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٤٨-٢٥٤، وأبو نعيم في الدلائل ص ١١١-١١٤، وابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٦٨)، وابن شاهين في الصحابة والحسن بن سفيان في مسنده وغيرهم. وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري كتاب المناقب. (فتح الباري ٧/١٧٧)، مختصرًا دون ذكر اسم سواد، وقال البيهقي: "يشبه أن يكون سواد بن قارب". اهـ. وجزم به ابن حجر في الفتح. ٢ خُنَافر بن التوأم الحميري، كان كاهنًا من حمير ثم أسلم على يد معاذ بن جبل، وقصة إسلامه أنه كان له رئي في الجاهلية ففقده بعد ظهور الإسلام، ثم أتاه ذات ليلة فقال له: ، فذكر كلامًا طويلًا جاء فيه قول: - فرقان بين الكفر والإيمان أتى به رسول من مضر ثم من أهل المدر ابتعث فظهر، فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجًا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، قلت: ومَن هذا المبعوث بالآي الكبر؟ قال: أحمد خير البشر، فإن آمنت أعطيت البشر، وإن خالفت أصليت سقر، فآمنت يا خنافر وأقبلت إليك أبادر، قال خنافر: فاحتملت أهلي وأقبلت على معاذ بن جبل بصنعاء فبايعته على الإسلام. اهـ. أورد قصته الحافظ في الإصابة ٢/١٥١، بطولها ثم قال الحافظ: في إسناده مقال، وذكره الأزدي وقال: إسناد خبره ضعيف. اهـ.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
وأفعى نجران١، وجِذْل بن جِذْل الكندي٢، وابن خَلَصة الدوسي٣،
_________________
(١) ١ قال الخفاجي: هو: ملك من ملوك نجران كان كاهنًا، وهو الأفعى بن الأفعى الجرهمي، فعن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدم شيخ من صدا على رسول الله ﷺ ومعه أربعون رجلًا يَحُفُّون به فقال: يا رسول الله - فذكر كلامه وفيه -: وقد سمعت أفعى نجران يذكر في غابر الزمان أنه سيبعث نبي من صفته أن له خاتمًا يسطع نوره بين كتفيه يبعث بمكة ويهاجر إلى طيبة، فبالذي فضلك بالرسالة وإيضاح الدلالة إلا كشفت لي عن خاتم نبوتك، فتبسم رسول الله ﷺ، وقال: حفظت على طول العهد وإن فيك لمعتبرًا، ثم كشف له عن خاتم النبوة فأكب عليه يقبله. اهـ. وأفعى نجران هو الذي حكم بين أولاد نزار لما تشاحوا في ميراث أبيهم وهم: مضر وربيعة وأنمار وإياد، وقال: يا مضر، أنت أبو النبي التهامي، فإنا نجد في الآثار أنه من ولد نزار بن معد بن عدنان، وإني لأرى النبوة بين عينيك نورًا، وأجلسه على سرير ملكه وجلس تحته. (ر: نسيم ٣/٢٧٢، تاريخ الطبري ٢/٢٥، سبل الهدى ١/٣٤٢-٣٤٤، للصالحي، الأعلام ٢/٥) . ٢ قال الخفاجي: هو كاهن من كهان العرب أخبر بمبعثه ﷺ قديمًا، ولم نر تفصيل قصته، إلاّ أنّ التلمساني قال: جذل من كنده وهي قبيلة معروفة، لما ولدته أمه التمست ذَكَرَهُ فلم تجده من شدّة البرد، فظنته جارية فطرحته وزوجها في سكرات الموت، فاشتغلت بموته، ثم ذكرت بعد ثلاث رؤيا بشرت فيها بولد ذكر تسميه باسم أبيه، فقامت وهي تظن أنه مات فوجدت كلبه ترضعه فحملته وَسمَّته باسم أبيه. (ر: نسيم الرياض ٣/٢٧٢) . ٣ ابن خلصة الدوسي، كاهن من كهان العرب، بشر بالنبي ﷺ، أخرج خبره الخرائطي في كتاب الهواتف من طريق عيسى بن يزيد عن صالح بن كيسان عمن حدّثه عن مرداس بن قيس الدوسي، قال: حضرت النبي ﷺ وذكرت عنده الكهانة وما كان من تعبيرها عند مخرجه، فقلت: يا رسول الله عندنا شيء من ذلك أخبرك به ، فذكر قصة طويلة منها: - أن كاهنهم ابن خلصة كان يصيب كثيرًا ثم أخطأ مرة بعد مرة ثم قال لهم: يا معشر دوس حرست السماء وخرج خير الأنبياء، فقلنا: من أين؟ قال: بمكة وأنا ميت وإنه مات عقب ذلك. وذكره السيوطي في الخصائص١/١٨٥،١٨٦، وعزاه أيضًا إلى ابن عساكر، وقال الحافظ في الإصابة ٦/٧٩: "وعيسى بن يزيد أظنه ابن داب وهو كذاب، وفي السند عبد الله بن محمّد ابن البلوي أيضًا". اهـ.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
وسعدى١ بنت كريز، وفاطمة ابنة النعمان٢، إلى ما سمع من الأصنام٣ ونطقت به هواتف الجان٤، ووجد مكتوبًا على الحجارة المدفونة بالقلم الأوّل٥. إلى ما ظهر عند مولده من الآيات مما حكته
_________________
(١) ١ سعدي بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس العبشمية ﵂، خالة عثمان بن عفان ﵁، وكانت قد تكهنت لقومها، ذكر أبو سعد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى من طريق محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو الملقب بالديباج عن أبيه عن جده، قال: كان إسلام عثمان أنه ، فذكر قصة طويلة فيها -: أن خالته سعدى أخبرت عثمان ببعثة النبي ﷺ وتزوجه بابنته رقية فصدقها وكان ذلك سبب إسلامه، وفي ذلك تقول خالته سعدى: هدى الله عثمان الصفي بقوله فأرشده والله يهدي إلى الحقّ فبايع بالرأي السديد محمّدًا وكان ابن أروى لا يصد عن الحقّ وذكره الحافظ في الإصابة ٨/١٠٦، ١٠٧، في سياق طويل وسكت عن الخبر ونقله الخفاجي في نسيم ٣/٢٧٣، مختصرًا. ٢ أخرجه ابن سعد ١/١٦٧، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٦١، من طريق عاصم بن عمر ابن قتادة والزهري عن علي بن حسين - مرسلًا - قال: كانت امرأة في بني النجار يقال لها فاطمة بنت النعمان كان لها تابع من الجن فكان يأتيها، فأتاها حين هاجر النبي ﷺ فانقض على الحائط، فقالت: مالك لم تأت كما كنت تأتي؟ قال: قد جاء النبي الذي يُحَرِّم الزنا والخمر، وذكره السهيلي في الروض الأنف ٢/٢١٣، عن ابن إسحاق معلقًا. ٣ ومن ذلك ما سمعه عمر بن الخطاب ﵁ - قبل إسلامه - من صارخ يقول: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلاّ الله. أخرجه البخاري في كتاب المناقب. (ر: فتح الباري ٧/١٧٧)، وقد ذكر ابن إسحاق. (ر: السيرة ١/٢٦٨-٢٦٩)، والبيهقي في الدلائل ٢/٢٤٣-٢٦٠)، وأبو نعيم في الدلائل ص ١١٥-١٢٢، والسيوطي في الخصائص ١/١٧٠-١٧٣، وغيرهم كثيرًا مما سمعه المشركون من أجواف أصنامهم يقول إن أمرهم بطل بظهور الرسول ﷺ ويأمرهم باتباعه. ٤ ومن ذلك سمعه سواد بن قارب ﵁ وقد تقدم، وسماع ذياب بن الحارث هاتفًا يقول: يا ذياب يا ذياب اسمع العجاب بعث محمّد بالكتاب، وسماع ابن قرة الغطفاني هاتفًا يقول: جاء حقّ فسطع ودم باطل فانقمع، إلى غير ذلك. وللخرائطي كتاب (الهواتف) جمع فيه ذلك. وذكره أيضًا أبو نعيم في الدلائل ص ١٠٧-١١٤، والبيهقي في الدلائل٢/٢٤٨،٢٦١،والهيثمي في مجمع الزوائد٨/٢٤٦-٢٥٥، وابن كثير في البداية ٢/٣٣٢-٣٥٦، والسيوطي في الخصائص ١/١٧٣-١٨٢. ٥ وقد نقله المؤرخون في قصص كثيرة، منها: ما ورى عن طلحة ﵁، قال: وجد في البيت حجرًا منقورًا في الهدمة الأولى، فدعي رجل فقرأه، فإذا فيه: عبدي المنتخب المتوكل المنيب المختار، مولده بمكة ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء ويشهد أن لا إله إلاّ الله وأمته الحمادون ، ذكر ابن ظفر أنه وجد بالخط العبراني على حجر: باسمك اللهم جاء الحق من ربّك بلسان عربي مبين. لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، وكتبه موسى بن عمران. (ر: التاريخ الكبير١/١/٤٤٥، للبخاري، دلائل ٢/٦١، للبيهقي الخصائص ١/٦٢، ٦٣، للسيوطي، سبل الهدى والرشاد ١/١٠٣-١٠٧، ٥٠٧-٥٠٩، للصالحي) .
[ ٢ / ٨٦١ ]
أمه والنسوة الثقات من كونه حال بروزه كان رافعًا بصره إلى السماء١، وأنها رأت نورًا خارجًا معه٢، ورأين النجوم وقد تدلت من الأفق٣، والنور قد أضاء حتى ملأ الأرض إلى ما جرى عند ولادته من ارتجاج
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد ١/١٠٢، عن عكرمة مرسلًا، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ص ١٣٨، عن ابن أبي هند بنحوه، وفيه انقطاع فإن داود بن أبي هند القشيري، وإن كان ثقة يهم بآخرة إلاّ أنه من الطبقة الخامسة مات سنة أربعين ومائة وقيل: قبلها. (ر: التقريب ١/٢٣٥) . وأخرجه البيهقي في الدلائل ١/١١٣، عن أبي الحكم التنوخي مرسلًا. ٢ أخرجه أحمد في المسند ٤/١٢٨، والحاكم ٢/٦٠٠، وعنه البيهقي في الدلائل ١/٨٣، وابن حبان. (ر: الموارد ص ٥١٢)، كلهم عن طريق سعيد بن سويد عن العرباض بن سارية السلمي ﵁. وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٢٦، وقال: "رواه أحمد بأسانيد والبزار والطبراني بنحوه، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان". اهـ. وله شاهد من حديث أبي أمامة ﵁ أخرجه أحمد في المسند ٥/٢٦٢، والبيهقي في الدلائل ١/٨٤، كلاهما من طريق فريج بن فضالة عن لقمان ابن عامر عنه. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٢٥، وقال: "رواه أحمد وإسناده حسن وله شواهد تقويه". ورواه الطبراني. ٣ أخرجه أبو نعيم ص ١٣٥، والبيهقي ١/١١١ كلاهما في الدلائل من طريق يعقوب ابن محمّد الزهري عن عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن عثمان عن أبي سويد الثقفي عن عثمان بن أبي العاص عن أمه: أنها حضرت آمنة أم رسول الله ﷺ لما ضربها المخاض ، فذكرته. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٢٢٣: "رواه الطبراني، وفيه: عبد العزيز بن عمران وهو متروك". اهـ. وهو كما قال الهيثمي. (ر: التقريب ١/٥١١) .
[ ٢ / ٨٦٢ ]
أبواب كسرى وسقوط شرفاته١، وغيض ماء بحيرة طبرية، وخمود نار فارس وكان لها ألف عام لم تخمد٢، وحراسة السماء بالشهب وقطع رصد الشياطين٣.
_________________
(١) ١ في م: شرافته. ٢ أخرجه أبو نعيم ص١٣٨-١٤١،والبيهقي١/١٢٦-١٢٩، كلاهما في الدلائل، والماوردي في أعلام ص٢٤٠، وابن السكن في الصحابة. (ر: الإصابة ٦/٢٧٩) . والخرائطي في الهواتف. (ر: البداية ٢/٢٦٨)، وابن عساكر. (ر: الخصائص ١/٨٧)، كلهم من طريق يعلى بن عمران البجلي عن مخزوم بن هاني المخزومي عن أبيه - وقد أتت عليه خمسون ومائة سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ، فذكر في سياق طويل. وذكره الذهبي في السيرة ص ٣٥-٣٨، وقال: "هذا حديث منكر غريب". اهـ. وقال ابن عساكر: "حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث مخزوم عن أبيه، تفرد به أبو أيوب البجلي". اهـ. قلت: وأخرجه عبدان في كتاب الصحابة من طريق سعيد بن مزاحم عن معروف ابن حربوذ عن بشير بن تيم، قال: لما كانت ليلة مولد النبي ﷺ ، فذكر القصة بطولها. وقال الحافظ في الإصابة ١/١٨٧: إنه مرسل. اهـ. ٣ قال تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن الآيان:٨-٩] .
[ ٢ / ٨٦٣ ]
وكونه ﵇ لم يكن له ظل في شمس / (٢/١٧٣/أ) ولا قمر لأنه نور كله١، وكان الذباب لا يسقط على جسدهوثيابه٢.
وأعلم أصحابه بموته ودنوّ أجله٣. وأخبرهم أن قبره بالمدينة يكون٤ وفي
_________________
(١) ١ قال السيوطي في المناهل ص ٤٢: "أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، من طريق عبد الرحمن بن قيس وهو وضاع كذاب عن عبد الملك بن الرائد وهو مجهول عن ذكوان أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى له ظل في شمس ولا قمر، ولا أثر قضاء حاجة". ٢ هذا الخبر لم يخرجه السيوطي في المناهل ص ١٧٣. وقال القاري في شرحه للشفا ٣/٢٨٢: "قال الدلجي: لا علم لي بمن رواه". وقال الخافجي في نسيم الرياض ٣/٢٨٢: "هذا ما قاله ابن سبع أيضًا إلاّ أنهم قالوا: لا يعلم من روى هذا". ٣ نعى رسول الله ﷺ نفسه إلى أبي مويهبة مولاه وقد أخرج حديث أبي مويهبة ﵁ الإمام أحمد في مسنده ٣/٤٨٨، والحاكم ٣/٥٥-٥٦، كلاهما من طريق عبيد بن حنين مولى الحكم بن أبي العاص عن أبي مويهبة مولى رسول الله، قال: ، وذكره في سياق طويل. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. كما نعى رسول الله ﷺ إلى ابنته فاطمة ﵂، وقد أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ من طرق. (ر: فتح الباري ٨/١٣٥، كتاب المغازي باب (٨٣)،وفي كتاب الاستئذان باب (٤٣)، ر:١١/٧٩، ٨٠، (ر: صحيح مسلم ٤/١٩٠٤، ١٩٠٥) . ٤ قال السيوطي في المناهل ص ١٧٣: "أخرجه أبو نعيم في الدلائل عن معقل بن يسار بلفظ: "المدينة مهاجري ومضجعي، من الأرض". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٣١٣، عن معقل وقال: "رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد السلام بن أبي الجنوب وهو متروك". اهـ. وهو كما قال الهيثمي. (ر: التقريب ١/٥٠٥، الكامل في الضعفاء ٥/١٧٦٢) .
[ ٢ / ٨٦٤ ]
بيته سكنه١. ونداء الملائكة عند غسله: ألا تنْزعوا قميصنبيّ الله صلى الله عليه وسلم٢.
٥٩- ومن دلائل نبوّته ﷺ ما أظهر الله على يد أصحابه وأمته من الكرامات والآيات البيّنات، وذلك زيادة في تخصيصه وآياته وصدقه وزلفته عند الله تعالى، وهذه الدلالة متّسعة جدًا فلنقتصر منها على لمعة يسيرة يحصل
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٣/٣٣٨، عن عائشة ﵄، قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ شيئًا ما نسيته، قال: "ما قبض الله نبيًا إلاّ في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه". قال الترمذي: "حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يُضَعَّف من قبل حفظه". اهـ. قلت: إلاّ أنّ له طرقًا وشواهد تقوّيه: فقد أخرجه ابن ماجه، (ر: ضعيف ابن ماجه ص: ١٢٥، للألباني)، وابن إسحاق، (ر: السيرة ٤/٤١٧)، وابن سعد ٢/٢٩٢، والبيهقي في الدلائل ٧/٢٦٠، من طريق ابن عباس عن أبي بكر الصّديق ﵃. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٧/٢٥٩، عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة - عن أبي بكر ﵄. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٧/٢٦١، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن أبي بكر. ورواه مالك ١/٣٢٠ بلاغًا ورواه ابن سعد ٢/٧١، بسند صحيح عن أبي بكر مختصرًا موقوفًا، وهو في حكم المرفوع. اهـ. وذكره السيوطي في الخصائص٢/٤٨٥،وقال: له طرق عدة موصولة ومرسلة. اهـ. وقال الشيخ الألباني: "إنه حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد". (ر: أحكام الجنائز ص: ١٣٧، ١٣٨) . ٢ أخرجه الترمذي ٣/٣٣٨، عن عائشة ﵂، قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا نسيته، قال: "ما قبض الله نبيًّا إلاّ في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه". قال الترمذي: "حديث غريب. وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يُضَعِّف من قبل حفظ". اهـ. قلت: إلاّ أنّ له طرقًا وشواهد تقويه: فقد أخرجه ابن ماجه. (ر: ضعيف ابن ماجه ص ١٢٥، للألباني)، وابن إسحاق. (ر: السيرة ٤/٤١٧)، وابن سعد ٢/٢٩٢، والبيهقي في الدلائل ٧/٢٦٠، من طريق ابن عباس عن أبي بكر الصّدّيق - ﵃ -. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٧/٢٥٩ عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة عن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٧/٢٦١، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن أبي بكر، ورواه مالك ١/٢٣٠ بلاغًا. ورواه ابن سعد ٢/٧١، بسند صحيح عن أبي بكر مختصرًا موقوفًا، وهو في حكم المرفوع. اهـ. وذكره السيوطي في الخصائص٢/٤٨٥، وقال: "له طرق عدة موصولة ومرسلة". اهـ. وقال الشيخ الألباني: "إنه حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد". (ر: أحكام الجنائز ص ١٣٧، ١٣٨) .
[ ٢ / ٨٦٥ ]
الغرض، ففي صدور الكرامات والآيات على يد الأتباع برهان ظاهر على صدق المتبوع١.
- قالت عائشة: لما حضرت أبا بكر الوفاة، قال: يا بنية إن أحبّ الناس إليَّ بعدي أنت، وإن أعزّ الناس عليّ فقره بعدي أنت وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقًا من مالي فوددت والله أنك حزتيه، وإنما هو أخواك وأختاك٢. قالت: هذان أخواي، فمن أختاي، قال: ذو بطن ابنة خارجة فقد ألقي في روعي / (٢/١٧٣/ب) أنها جارية، فولدت أم كلثوم٣.
_________________
(١) ١ قال الإمام ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهو موجود فيها إلى يوم القيامة". (ر: مجموع الفتاوى ٣/١٥٦) . وقال: "إن كرامات الأولياء هي من دلائل النبوة، فإنها لا توجد إلاّ لمن اتّبع النبي الصادق فصار وجودها كوجود ما أخبر به النبي من الغيب، والأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم ولكن قد يشاركونهم في بعضها كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم. وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، لا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقول". (ر: النبوات ص ٨، ١٥٧، مجموع الفتاوى ١١/٢٧٤، ٢٧٥) . وقال حصل في موضوع الأولياء التباس وخلط عظيم بين الناس: فطائفة أنكروا وقوعها ونفوها بالكلية وهم الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم. وفي هذا إنكار لما هو ثابت في القرآن والسنة، فخالفوا النصوص وكابروا الواقع. وطائفة غلت في إثباتها وهم علماء الضلال ومشائخ الطرق الصوفية والمنحرفين. الذين اعتقدوا أن السحر والشعوذة والدجل من الكرامات، واستغلوها وسيلة للشرك والتعلق بأصحابها من الأحياء والأموات حتى نشأ عنه الشرك الأكبر بعبادة القبور وتقديس الأشخاص. وطائفة توسطوا في موضوع الكرامات بين التفريط والإفراط وهم أهل السنة والجماعة. ٢ في الطبقات لابن سعد وردت العبارة كالآتي: "وإنما هو مال الوارث، وهما أخواك وأختاك". ٣ أخرجه ابن سعد ٣/١٩٤، من طريق الزهري وهشام بن عروة كلاهما عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: ، فذكرته. قلت: إسناده صحيح. والله أعلم.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
- وروي عن عمر أنه نادى: يا سارية١ الجبل. يقول ذلك لبعض أمراء المسلمين حين أحاط به العدو، وبينهما أكثر من شهر، فأسمع الله سارية صوتَه، فكانت سبب سلامة المسلمين٢، وهذه كرامة لا توازيها كرامة.
- وروى سيف بن عمر الأسدي٣ أن عمر اعترض الذين سيَّرهم إلى العزاة فرأى فيهم فتية فكرهم وتفرَّس فيهم الشّرّ، وتعجب الناس من كراهيته فيهم، ولم يرد أن يشهر أمرهم للناس، فكان فيهم من غزا عثمان وقتله وقتل عليّ بن أبي طالب وأثاروا الفتن على الناس بعد٤.
_________________
(١) ١ سارية بن زنيم بن عبد الله الدئلي الكناني، اختلف في صحبته، فقال ابن عساكر: له صحبة، وقال الذهبي: "إنه أدرك النبي ﷺ"، وقال المرزباني: "كان سارية مخضرمًا"، وقال العسكري: "روى عن النبي ﷺ ولم يلقه"، وذكره ابن حبان في التابعين، وقد ولاّه عمر ناحية الفرس، وأمّره على جيش وسيّره إلى فارس سنة ٢٣هـ، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في القسم الأوّل، وقال: بأنهم كانوا لا يؤمرون على الجيش إلاّ الصحابة". (ر: التجريد ١/٢٠٣، الإصابة ٣/٥٢، ٥٣، الأعلام ٣/٦٩) . ٢ أخرجه البيهقي في الدلائل ٦/٣٧٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة٧/١٢٣٠، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٧٩، كلهم من طريق ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ٣/٥٣، وعزاه أيضًا للزين عاقولي في زوائد ابن الأعرابي في كرامات الأولياء، وحرملة في جمعه لحديث ابن وهب، وقال الحافظ: إسناده حسن. وذكره ابن كثير أيضًا في تاريخه ٧/١٣١، ثم قال: إسناد جيد. ثم أورد للقصة طرقًا أخرى، وقال في آخرها: فهذه طرق يشد بعضها بعضًا. اهـ. ٣ سيف بن عمر الأسدي التميمي الكوفي، من أصحاب السير، ضعيف في الحديث، عمدة في التاريخ، من كتبه: الجمل، والفتوح الكبير، والرّدّة، وينقل عنه الطبري كثيرًا في تاريخه، توفي ببغداد سنة ٢٠٠هـ. (ر: التقريب ١/٣٤٤، التهذيب ٤/٢٩٥، الأعلام ٣/١٥٠) . ٤ ذكره الطبري في تاريخه ٣/٦، ٧ في حوادث سنة ١٤هـ، ممن خرجوا إلى القادسية، وهؤلاء الفتية الذين كرههم عمر ﵁ فتية دُلْم سباط مع معاوية بن خديج، فكان منهم رجل يقال له: (سودان بن حُمْران) قتل عثمان بن عفان ﵁، وإذا منهم حليف لهم يقال له: (عبد الرحمن بن ملجم) قتل عليّ بن أبي طالب ﵁.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
- وروي أنّ عليًّا١ رضوان الله عليه قدم عليه قوم من الخوارج من أهل البصرة فيهم رجل يقال له: الجعد بن بَعْجَة، فقال له: اتّق الله يا عليّ فإنك ميت. فقال عليّ رضوان الله عليه: بل مقتول، ضربة على هذا تخضب هذه - يعني لحيته من رأسه -، عهد معهود وقضاء مقضي وقد خاب من افترى٢.
- ولما حضر الناس لبيعة عليّ جاءه عبد الرحمن٣ بن مْلْجَم المُرَادِي / (٢/١٧٤/أ) فردّه
_________________
(١) ١ ليست في م. ٢ أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة ١/٥٤٢، والحاكم ٣/١٤٣، والبيهقي في الدلائل ٦/٤٣٨، والخطيب في الأسماء المبهمة ص ٤٩، كلهم من طريق شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب، قال: ، فذكره. قلت: إسناده ضعيف. فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر صدوق يخطئ، سّيء الحفظ. (ر: التهذيب ١/٣٥١، والتقريب ١/٣٥١)، إلاّ أنّ البيهقي فقال: "إن لهذا الحديث شواهد يقوي بها". اهـ. وذكر منها: حديث أبي فضالة الأنصاري، وثعلبة ابن يزيد، ثم قال: "ورويناه في كتب السنن بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم عن أبي سنان الدؤلي عن عليّ ﵁ في إخبار النبي ﷺ بقتله". اهـ. ٣ قاتل عليّ ﵁، خارجي مفترٍ، شهد فتح مصر، واختلط بها مع الأشراف، وكان ممن قرأ القرآن والفقه ومن العُبّاد. قال الإمام الذهبي: "وهو عند الخوارج من أفضل الأمة، وكذلك تعظمه النصيرية، وعند الروافض أشقى الخلق في الآخرة، وهو عندنا - أهل السنة - ممن نرجو له النار، ونُجَوِّز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم قاتل عثمان وقاتل الزبير وقاتل طلحة وقاتل سعيد بن جبير وقاتل عمار وقاتل خارجة وقاتل الحسين، فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله ونكل أمورهم إلى الله عزوجل. (ر: ابن سعد٣/٣٢-٤٠، تاريخ الإسلام-عهد الخلفاءص٦٥٣، ٦٥٤، للذهبي) .
[ ٢ / ٨٦٨ ]
مرتين أو ثلاثًا ثم أتاه، فقال: ما يحبس أشقاها ليخضبن هذه من هذه ثم تمثل:
أشدد حيازيمك١ للموت فإن الموت لاقيك٢
ولا تجزع من الموت٣ إذا حلّ بواديك٤
- ودعا عبد الله بن جحش قبل يوم أحد بيوم فقال: اللهم إنَّا لاقو عدوّنا غدًا، وإني أقسم عليك يا رب لما يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوني٥، فإذا قلت لي: لم فُعِل بك هذا؟ فأقول: اللهم فيك. فلما التقوا وفعلوا به ذلك، فمرّ عليه الذي سمعه بالأمس يدعو بذلك فقال: اللهم أما هذا فقد استجيب له، وأنا أرجو أن يعطى ما سأل في الآخرة٦.
_________________
(١) ١ في م: (رحبان الملك)، والحَيْزُوم: الصدر، أو ما استدار بالظهر والبطن. أو ضلع الفؤاد، وما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر. (ر: القاموس ص ١٤١٣) . ٢ في الطبقات لابن سعد: (آتيك) . ٣ في الطبقات لابن سعد: (القتل) . ٤ أخرجه ابن سعد ٣/٣٣، عن الفضل بن دكين أبي نعيم عن فطر بن خليفة عن أبي الطفيل قال: ، فذكره. قال ابن سعد: "وزاد في غير أبي نعيم في هذا الحديث بهذا الإسناد عن عليّ بن أبي طالب: إنه لعهد النبي ﷺ إليّ". اهـ. ٥ في م: (ويجدعوا بيَ) . ٦ أخرجه أبو نعيم في الحلية١/١٠٩، والبيهقي في كتاب السنن٦/٣٠٧، ٣٠٨، كلاهما من طريق إسحاق بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد ﵁، قال: ، فذكره. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٠٤، ٣٠٥: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". اهـ. وعزاه الحافظ في الإصابة ٤/٤٦ أيضًا إلى البغوي. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/١٠٩، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٤٩، ٢٥٠، عن سعيد بن المسيب مرسلًا.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
- وذكر سيف بن عمر أنه لما كانت وقعة البحرين والمسلمون أميرهم العلاء١ بن الحضرمي فلما كانوا بالدهناء٢ حيث لا ماء أراد الله أن يريهم آية عظيمة فلما نزل الناس نَفَرت ركابهم في جوف الليل فلم يبق معهم منها بعير إلاّ زاد ولا مزاد، وذلك حين نزل الناس وقبل أن يَحُطُّوا، فهجم عليهم من الغم ما لم يهجم على أمة / (٢/١٧٤/ب) حتى أفضى بعضهم إلى بعض فنادى منادي العلاء: أن اجتمعوا. فاجتمعوا إليه، فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقالوا: كيف لا نكون كذلك ونحن إن بلغنا غدالم تَحْم شمسه حتى نصير حديثًا. فقال: لا تراعوا ألستم مسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى. قال: فأبشروا فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم. فلما طلع الفجر صلّى بنا، ومنا المتيمم ومنا من بات٣ على طهوره لعدم الماء، فلما قضى صلاته جثا على ركبتيه وجثا الناس فنصب في الدعاء ونصبوا معه فلمع لهم سراب مع طلوع الشمس فالتفت إلى الصفّ، وقال: رايد ينظر ما هذا؟ فرجع فقال: سراب. فأقبل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر فكذلك ثم لمع آخر فقال العلاء: ماء. فقام وقام الناس فنَزلوا على ماء كثير فشربوا واغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تُكْرَد٤ من كل وجه فأناخت إليهم وعليها أزوادهم، فقام كل رجل
_________________
(١) ١ العلاء بن الحضرمي ﵁، الصحابي المعروف، واسم أبيه عبد الله بن عماد، له أربعة أحاديث. ٢ الدَّهْنَاء: الوادي الذي ببلاد بني تميم ببادية البصرة في أرض بني سعد. (ر: معجم البلدان ٢/٤٩٣) . ٣ في م: (كان) . ٤ أي: تُساق. (ر: القاموس ص ٤٠٢) .
[ ٢ / ٨٧٠ ]
منهم إلى ظهره فأخذه فما فقدوا سِلْكًا فأرووها وشربوا العَلَّ١ بعد النَّهَل٢ ثم ترحوا، قال: وفيهم أبو هريرة صاحب / (٢/١٧٥/أ) رسول الله ﷺ فعمد إلى إداوة فملأها ثم تركها على الماء فلما أبعدوا قال أبو هريرة لرفيقه: ارجع بيَ إلى الماء. فرجع فإذا الإداوة مملوءة والأرض بلاقع٣ فحقق وحققوا أنها آية من الله عزوجل.
- ولما انتهى العلاء إلى البحر وجد العدوّ قد تحرَّز من المسلمين في الجانب الآخر فجمع المسلمين وخطبهم فقال: إن الله - وله - الحمد قد أراكم من آياته في البر ماء تعتبرون٤ به في البحر فانهضوا إلى عدوّكم واستعرضوا البحر إليهم فإن الله قد جمعهم لكم بدارين٥، فقالوا: نفعل والله ولا نهاب بعد الدهناء أحدًا. فارتحلوا بأجمعهم حتى جاءوا ساحل البحر فدعا ودعوا: "يا أرحم الراحمين، يا كريم يا حليم، يا أحد يا صمد، يا حيّ يا محيي الموتى، يا حيّ يا قيوم، لا إلهَ إلاّ أنت يا ربنا". فأجازوا٦ البحر فإذن الله يمشون على مثل رملة ميثاء٧ فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن
_________________
(١) ١ العَلُّ والعَلَلُ: الشربة الثانية، أو الشرب بعد الشرب تباعًا. (ر: القاموس ص١٢٣٨) . ٢ النَّهَل: أوّل الشرب. (ر: القاموس ص ١٣٧٧) . ٣ البَلْقع: الأرض القفر. جمعه: بلاقع. (ر: القاموس ص ٩١٠) . ٤ في م: (تعبرون) . ٥ دارين: فرضة بالحبرين يجلب إليها المسك من الهند، والنسبة إليها: (دَارِيٌّ) وهي حاليًا قرية أو جزيرة من شرق المملكة العربيّة السّعوديّة بالقرب من القطيف. (ر: معجم البلدان ٢/٤٣٢، المعالم الأثيرة ص ١١٥، محمّد شراب) . ٦ في م: (فأخذوا) . ٧ المِيْثاء: الأرض السهلة. (ر: القاموس ص ٢٢٦) .
[ ٢ / ٨٧١ ]
البحر في بعض الأحوال، فالتقوا بعدوّهم فما تركوا منهم مخبرًا وسبوا الذراري واستاقوا الأموال فبلغ / (٢/١٧٥/ب) سهم نفل الفارس ستة آلاف، والراجل ألفين فلما فرغوا من عدوّهم رجعوا عودهم على بدئهم١ حتى عبروا أيضًا، فقال عفيف بن المنذر٢ شاعرهم:
ألم تر أن الله ذَلَّل بَحْرَه وأنزل بالكفار إحدى الجَلاَئِل٣
دَعَوْنا الذي شَقَّ البحار فجاءنا بأعجب من فَلْق البحار الأوائل
ولما اتّصل الخبر بأبي بكر ﵁ قال: إن هذا من عظيم الآيات، اللهم اخلف محمّدًا فينا٤.
- ومن كرامات هذه الأمة كلام العجماء: ورى سيف بن عمر أنسعدًا٥ والمسلمون بالقادسية٦ وهم في الغزاة قرموا إلى اللحم فأرسلوا مَنْ يطلب لهم شيئًا من الغنم والبقر فتحصن أصحابها وأحرزوا ماشيتهم
_________________
(١) ١ في م: (درهم) . ٢ ذكره الحافظ في الإصابة ٥/١٠٩، في القسم الثالث ممن ليسوا من أصحاب النبي ﷺ باتّفاق من أهل العلم والحديث، قال: "عفيف بن المنذر التميمي، أحد بني عمرو بن تميم، ذكره سيف في الفتوح، وأنه شهد مع العلاء الحضرمي في قتال الحطيم وأبلى فيه بلاء حسنًا، وهو القاتل يذكر خوضهم البحر مع العلاء ، وذكر الأبيات. اهـ. وذكر هذه الأبيات أيضًا ياقوت الحموي في معجم البلدان ٢/٤٣٢. ٣ في م: (الجلاجل) . ٤ ذكره الطبري في تاريخه ٢/٥٢٢-٥٢٨، وقال: كتب إليَ السّرَّي عن شعيب عن سيف عن الصعب بن عطية بن بلال عن سهم بن منجاب عن منجاب بن راشد، قال: ، فذكره في سياق طويل. ونقله ابن كثير في البداية ٦/٣٧٠، مختصرًا. ٥ هو: سعد بن أبي وقاص مالك الزهري، الصحابي المعروف ﵁. ٦ القادسية: بين النجف والجفّ إلى الشمال الغربي في الكوفي، وإلى الجنوب من كربلاء. (ر: معجم البلدان٤/٢٩١، معجم المعالم الجغرافية ص ٢٤٨، عاتق البلادي) .
[ ٢ / ٨٧٢ ]
فرأى عاصم١ بن عمرو رجلًا على أجمة٢ فسأله أن يدله على البقر والغنم، فحلف له وقال: لا أعلم. وإذا هو راعي تلك الأجمة فصاح منها ثور: كذب والله هَا نحن أولاء، فدخل فاستاق الثيران فأتى بها العسكر، فقسمها عاصم على المسلمين فأخصبوا، وبلغ ذلك الحجاج بن يوسف أيامه فأنكره فحضر/ (٢/١٧٦/أ) إليه جماعة ممن سمع الثور يقول ذلك فشهدوا به عنده٣.
- ومن كراماتهم في هذه الغزاة ما رآه رستم٤ - الذي كان على الفرس - رأى فيما يرى النائم كأن ملكًا نزل من السماء حتى دخل عسكر فارس فختم السلاح أجمع ثم دفعه إلى النبي ﷺ فدفعه النبي ﷺ إلى عمر رضي الله عنه٥.
- ومن كراماتهم المشهور: أن أسيد٦ بن حضير، وعباد٧ بن بشر كانا عند
_________________
(١) ١ عاصم بن عمر التميمي ﵁، من الصحابة، أحد الشعراء الفرسان، أخو القعقاع بن عمرون أنشد أشعارًا كثيرةً في فتوح العراق، وكان له ولأخيه بالقادسية مقامات محمودة وبلاء حسن. (ر: الإصابة ٤/٦، الأعلام ٣/٢٤٨) . ٢ الأَجَمَة: الشجر الكثيف الملتف. جمعه: أُجُم. (ر: القاموس ص ١٣٨٨) . ٣ ذكره الطبري في تاريخه ٣/١٣، ١٤، عن سيف بن عمر، وفيه أن الذين شهدوا عند الحجاج بصحة هذه الكرامة منهم: نذير بن عمرو، والوليد بن عبد شمس وزاهر. ٤ رستم بن فرخزاد، قائد جيش الفرس بالقادسية، وكان منجمًا، وقد فَوَّضته بوران بنت كسرى ملكة الفرس أمر الملك عشر سنين ثم يصير الملك إلى آل كسرى، وقتله هلال بن علّفة التيمي في القادسية. (ر: البداية ٧/٢٩-٥١) . ٥ ذكره الطبري في تاريخه ٣/٢٥، ٢٦، عن سيف بن عمر، وابن كثير في البداية ٧/٤٢، ٤٣. ٦ أسيد بن الحضير بن سماك الأنصاري الأشهلي ﵁، الصحابي المعروف - له ثمانية عشر حديثًا. ٧ عباد بن بشر بن وقش الأنصاري ﵁، له حديث واحد أورده أبو داود والطبراني وابن شاهين، قال إسماعيل القاضي عن ابن المديني. لا أعلم له غيره. (ر: الإصابة ٤/٢٢) .
[ ٢ / ٨٧٣ ]
نبي الله ﷺ في ليلة ظلماء حندس يتحدثان حتى إذا خرجا من عنده أضاءت لهما عصى أحدهما فمشيا في ضوئها، فلما تفرق بهما الطريق أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها، انفرد بإخراجه البخاري١.
- ومن ذلك أن أم٢ أيمن مولاة خرجت من مكّة مهاجرة إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة وهي ماشية ليس معها زاد وهي صائمة في يوم شديد الحرّ فأصابها عطش شديد، فبينا هي بالروحاء٣ أو قريبًا منها إذا بحفيف شيء فوق رأسها، قالت: فرفعت رأسي فإذا أنا بدلو من السماء / (٢/١٧٦/ب) مدلى برشاء أبيض. قالت: فدنا مني حتى إذا كان حيث استمكن منه تناولته فشربت منه حتى رويت. قال: فلقد كنت بعد ذلك أطول في الشمس في اليوم الشديد الحركي أعطش فما عطشت بعدها٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (١٣) . (ر: فتح الباري ٧/١٢٤، ١٢٥)، وعنه البيهقي في الدلائل ٦/٧٨، عن أنس ﵁. ٢ أم أيمن ﵂ مولاة النبي ﷺ وخاضنته اسمها: بنت ثعلبة، وماتت في خلافة عثمان - ﵃ -، ولها خمسة أحاديث. (ر: الإصابة ٨/٢١٢-٢١٤) . ٣ الروحاء: محطة على الطريق بين المدينة وبدر، على مسافة ٧٤كم، من المدينة. (ر: العالم الأثير ص ١٣١، محمّد شراب) . ٤ أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٢٢٤، أبو نعيم في الحلية ٢/٦٧، وابن السكن. (ر: الإصابة ٨/٢١٣)، من طريق جرير بن حازم وهشام بن حسان عن عثمان بن القاسم، قال: ، فذكره. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٦/١٢٥، عن ثابت وأبو عمران الجوفي وهشام بن حسان قالوا:. .، فذكروه وإسناده منقطع. وأورده الحافظ في الإصابة ٨/٢١٨، عن ابن سعد وابن السكن، وسكت عنه.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
- ومن ذلك أيضًا أن البراء بن مالك لقي جيشًا من المشركين وقد استعلى المشركون على المسلمين فقالوا له: يا براء إن رسول الله قال: إنك لو أقسمت على الله لأبرَّك١، فأقسم على ربّك. فقال: أقسمت عليك يا ربّ لما منحتنا أكتافهم. فمنحوا أكتافهم. ثم التقوا أيضًا على قنطرة السوس قاتلوا في المسلمين فقالوا له: أقسم يا براء على ربّك. فقال: أقسمت عليك يا ربّ لما منحتنا أكتافهم. فمنحوا أكتافهم٢.
- وفي رواية أنه لما كان يوم تستر٣ انكشف المسلمون، فقال البراء: أقسمت عليك يا ربّ لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيّك. فمنحوا أكتافهم فاستشهد٤.
ومن ذلك أيضًا أن الملائكة كانت تسلم على عمران بن الحصين وتصافحه فلما اكتوى انقطعت عنه، فلما كان قبيل موته عاودته فسلمت عليه رضي الله عنه٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٥/٦٥٠، من طريق ثابت وعليّ بن زيد عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك". قال الترمذي: هذا حديث صحيح حسن. ٢ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب ١/١٥٤، والحاكم ٣/٢٩١، ٢٩٢، والبيهقي في الدلائل ٦/٣١٨، كلهم من طريق سلامة بن روح عن عُقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أنس ﵁، قال: ، فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد لم يخرجاه". ووافقه الذهبي. ٣ تُسْتَر - بالضم ثم السكون وفتح التاء الأخرى -: وهو تعريب شوشة، أعظم مدينة بخوزستان، فيها أقبر البراء بن مالك، وفتحت سنة ٢٠هـ، وجعلها عمر ﵁ من أرض البصرة لقربها منها. (ر: معجم البلدان ١/٢٩) . ٤ ذكره الطبري في تاريخه ٣/١٨١، وابن كثير في البداية ٧/٩٥، ٩٦، وابن حجر في الإصابة ١/١٤٨، ١٤٩. ٥ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٨٤٩) .
[ ٢ / ٨٧٥ ]
- ومن ذلك / (٢/١٧٧/أ) قال بعضهم١: غزونا مع العلاء بن الحضرمي دارين فدعا بثلاث دعوات فاستجيب له فيهن، نزلنا منْزلًا فطلب الماء ليتوضأ فلم يجده، فقام فصلى ركعتين وقال: اللهم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوّك، اللهم اسقنا غيثًا نتوضأ منه ونشرب فإذا توضأنا لم يكن لأحد في نصيب غيرنا، فسرنا قليلًا فإذا نحن بماء حين أقلعت عنه السماء فتوضأنا منه وتزودنا.
- قال الراوي: فملأت إداوتي٢ وتركتها مكانها حتى أنظر هل استجيب له أم لا؟ فسرنا قليلًا ثم قلت لأصحابي: نسيت إداوتي، فجئت إلى ذلك المكان فإذا به كأنه لم يصبه ماء قط وأخذت إداوتي، ثم سرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا بين العدوّ، وقال: يا عليم يا حكيم يا عليّ يا عظيم، إنّا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوّك فاجعل لنا إليهم سبيلًا. وتَقحَّم٣ البحر فخضنا ما يبلغ لبودنا٤ فخرجنا إليهم، فلما رجعنا مرض بفؤاده فمات فطلبنا ماء نغسله فلم نجده فلففناه في ثيابه ودفناه فسرنا/ (٢/١٧/ب) غير بعيد فإذا نحن بماء كثير، فقال بعضنا لبعض: فلو رجعنا فاستخرجناه ثم غسلناه. فرجعا فطلبناه فلم نجده. فقال رجل من القوم: إني سمعته يقول: "يا عليّ يا عظيم يا حكيم أخفِ عليهم موتي ولا تطلع على عورتي أحدًا". فرجعنا وتركناه٥.
_________________
(١) ١ هو: سهم بن منجاب، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في صفة الصفوة ١/٦٥٩، وأشار إليه البيهقي في الدلائل ٦/٥٣. ٢ الإِدَاوة - بالكسر - إناء الطهارة أو المهطرة، وجمعه: الأَدَاوَى. (ر: القاموس ص ١٦٢٤) . ٣ أي: دخل البحر، يقال: أقحم فرسه النظر: أدخله. (ر: القاموس ص ١٤٨٠) . ٤ لِبْدٌ ولِبَدة: كلّ شعر أو صوف متلبد. (ر: القاموس ص ٤٠٤) . ٥ ذكر هذه الرواية بنصّها ابن الجوزي في صفة الصفوة ١/٦٩٥، ٦٩٦، والبيهقي مختصرًا في الدلائل ٦/٥٣.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
- ودخلت في أذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت إلى صماخه فأسهرت ليله ونغصت عيش نهاره، فشكى ذلك إلى بعض أصحاب الحسن فقال: ويحك إن كان شيء ينفعك الله به فدعوة العلاء بن الحضرمي التي دعا بها في البحر وفي المفازة. قال: وما هي رحمك الله؟ قال: يا عظيم يا حليم يا حكيم١. فدعا بها فوالله ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى صكَّت الحائط وبرأ٢.
- قال المؤلِّف: هكذا رأيتها في عدة مصنفات وفيها تقديم وتأخير وزيادة ونقصان، فالرأي أن يدعو الإنسان بهذه الرواية مرّة وبالرواية الأخرى مرّة أخرى ليأتي على كلّ ما ورد منها٣.
- وقال / (٢/١٧٨/أ) ثابت البناني٤: شكا قَيِّمُ أنس بن مالك إلى أنس عطش أرضه فصلّى أنس ودعا، فثارت سحابة حتى غشيت أرضه وملأت، صهريجه فأرسل غلامه فقال: انظر أين بلغت هذه؟ فنظر فإذا هي لم تعد أرضه٥.
_________________
(١) ١ في صفوة الصفوة: (يا عليم) . ٢ ذكر هذه القصة ابن الجوزي في صفة الصفوة ١/١٩٦، عن عمرو بن ثابت، قال: ، فذكره. ٣ قصة العلاء الحضرمي ﵁، أخرجها ابن سعد ٤/٣٦٢، وأبو نعيم في الدلائل ص ٥٧٤، والبيهقي في الدلائل ٦/٥٢، ٥٣، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٧٩، والذهبي في تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء ص ٢٣٧)، وابن كثير في البداية ٦/٢٩٢، ٢٩٣، وغيرهم. ٤ ثابت بن أَسْلَم البُناني - بضم الموحدة ونوين مخففين -: أبو محمّد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، روى عن أنس وابن عمر - ﵃ - وغيرهم، مات سنة مائة وبضع وعشرين من الهجرة، وله ست وثمانون. (ر: (ر: الجرح والتعديل ٢/٤٤٩، التقريب ١/١١٥) . ٥ أخرجه ابن سعد ٧/٢١، وابن عساكر في تاريخه ٣/١٦٨، كلاهما من طريق جعفر ابن سليمان الضُّبَعي عن ثابت البناني، قال:. .، فذكره. قلت: إسناده حسن، فإن جعفر الضبعي صدوق. (ر: التقريب ١/١٣١)، وله تابع أخرجه ابن سعد ٧/٢١، ٢٢، وعنه ابن عساكر ٣/١٦٨، عن ثمامة بن عبد الله في سياق أطول بنحوه. يوذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة ١/٧١٢.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
- وقالت مولاة أبي أمامة الباهي: كان أبو١ أمامة يحب الصدقة ويجمع لها الدنانير الدراهم والفلوس وما يُؤكل حتى البصلة ونحوها فلا يقف سائل إلاّ أعطاه ما تهيأ له، قالت: فأصبحنا يومًا وليس معنا ولا عندنا شيء من الطعام وليس في البيت سوى ثلاثة دنانير. فوقف به سائل فأعطاه دينارًا ثم آخر فأعطاه دينارًا ثم وقف ثالث فأعطاه الثالث، قالت: فغضبت. فاستلقى على فراشه وأغلقت عليه الباب حتى أذن المؤذن بالظهر فجئته فأيقظته فراح إلى مسجده صائمًا فرققت عليه فاستقرضت ما هيأت له به عشاء وسراجًا ووضعت المائدة ودنوت من فراشه لأمهد له فوجدت تحته ثلاثمائة دينار فقلت في نفسي: ما صنع الذي صنع إلاّ ثقة بذلك فعددتها فإذا ثلاثمائة دينار فتركتها/ (٢/١٧٨/ب) على حالها حتى انصرف عن المسجد بعد العشاء فلما دخل البيت ورأى ما هيأت له حمد الله وتبسم في وجهي وجلس وتعشّى فلما فرغ قلت: يغفر الله لك جئت بما جئت به ثم تركته بمضيعة. قال: وما ذاك؟ قلت: ما جئت به من هذه الدنانير. ورفعت الفراش عنها، ففزع حين رآها وقال: ويحك ما هذا؟ قلت: لا أعلم إلاّ أني وجدتها هَا هنا على ما ترى. قالت: فكثر فزعه٢.
_________________
(١) ١ أبو أمامة الباهي، اسمه: صُدي بن عجلان بن الحارث، الصحابي المعروف، له مائتان وخمسون حديثًا. ٢ أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٠/١٢٩، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدّثني مولاة أبي أمامة ﵁ قالت: ، فذكرته. - وزاد فيه -: "قالت: (مولاة أبي أمامة): فقمت فقطعت زناري وأسلمت، قال: ابن جابر: فأدركتها في مسجد حمص وهي تعلم النساء القرآن والسنن والفرائض وتفقهن في الدين". اهـ.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
- وقال ميمون١ بن مهران: شهدت جنازة عبد الله بن عباس بالطائف فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى دخل في أكفانه فالتمس فلم يوجد فلما سُوِّيَ عليه سمعنا صوتًا ولا نرى شخصًا يقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [سورة الفجر الآيات: ٢٧-٣٠] ٢.
- ولما أتى العطاء إلى زينب زوجة رسول الله ﷺ من عمر رضوان الله عليه وقسمته في وجوه البرّ رفعت يديها إلى السماء، وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر٣ بعد عامي هذا. فماتت قبل أن يدركها٤.
_________________
(١) ١ ميمون بن مِهْران الجزري، أبو أيوب، أصله كوفي، نزل الرِّقة، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل، من الرابعة، مات سنة ١١٧هـ. (ر: الجرح ٨/٢٣٣، التقريب ٢/٢٩٢) . ٢ أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/٣٢٩، من طريق الفرات بن السائب عن ميمون بن مهران. قلت: إسناده ضعيف. فإن فرات بن السائب أبو سليمان، ضعيف الحديث، منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم. (ر: الجرح والتعديل ٧/٨٠)، إلاّ أنّ له طرقًا أخرى كثيرة صحيحة، منها: ما أخرجه الحاكم ٣/٥٤٣، ٥٤٤، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٣/٣٥٨، من طريق مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٨٥، وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". وذكره الحافظ في الإصابة ٤/٩٤، من طرق، فقال: "أخرجه الزبير بن بكار بسند له إلى موسى بن عقبة عن مجاهد " فذكره. وأخرجه يعقوب بن سفيان من طريق عبد الله بن مامين عن أبيه. وأخرجه المدائني عن حفص بن ميمون عن أبيه. اهـ. ملخصًا. وقال الذهبي في سيرأعلام النبلاء٣/٣٥٨: "فهذه قضية متواترة". اهـ. ٣ في م: (أحمر) . ٤ أخرجه ابن سعد ٨/١٠٩، وأبو نعيم في الحلية ٢/٥٤، كلاهما من طريق محمّد بن عمرو بن علقمة عن يزيد بن خصيفة عن عبد الله بن رافع عن برزة بنت رافع، قالت: ، فذكرته في سياق طويل. قلت: أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢١٢، والحافظ في الإصابة ٨/٣٢، وسكتا عنه. وفي إسناده: محمّد بن عمرو الليثي صدوق له أوهام. (ر: التقريب ١/١٩٦)، وبرزة أو برة بنت رافع لم أقف على ترجمتها. وباقي رجاله ثقات. وأخرجه ابن سعد ٨/١٠٩، أيضًا بسند فيه الواقدي عن محمّد بن كعب، قال: ، فذكره مختصرًا.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
- وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: / (٢/١٧٩/أ) أسلمت أم١ شريك عزيّة بنت جابر بن حكيم الدوسية وجعلت تدخل على أهل مكّة فتدعو النساء إلى الإسلام سرًّا ترغبهن فيه، فلما ظهر أمرها لأهل مكّة قالوا: نبعثك إلى قومك. قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء ثم تركوني ثلاثًا لا يطعمونني ولا يسقونني، وكانوا إذا نزلوا منْزلًا أوثقوني في الشمس واستظلوا هم وحبسوا عني الطعام والشراب، فبينما هم كذلك، وأنا في الشمس إذا بشيء بارد على صدري فتناولته فإذا هو دلوٌ من ماء فشربت منه قليلًا ثم نزع مني فرفع ثم عاد فتناولته فشربت منه ثم رفع مرارًا ثم نزل ليَ فشربت حتى رويت ثم صببت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظوا وجدوا أثر الماء على ثيابي ووجدوا هيئتي حسنة، فقالوا: حَلَلْتِ سقاءنا فشربتي منه. قالت: لا والله. ولكنه كان من الأمور كيت وكيت. فقالوا: لئن كنت صادقة لدينك خير من ديننا. فلما نظروا إلى أسقيتهم وجدوها كما تركوها فأسلموا، ثم جاءت هي فوهبت نفسها لرسول الله ﷺ بغير مهر فقبلها ودخل بها٢.
_________________
(١) ١ أم شريك القرشية العامرية من بني عامر بن لؤي، اختلف في نسبتها أنصارية أو عامرية من قريش أو أزدية من دوس، قال ابن حجر: "واجتماع هذه النسب ممكن كأن يقول: قرشية تزوجت في دوس فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار فنسبت إليهم، أو لم تتزوج بل هي نسبت أنصارية بالمعنى الأعم". اهـ. وقد كانت ممن وهبت نفسها للنبي ﷺ. (ر: ابن سعد ٨/١٥٤، حلية الأولياء ٢/٦٦، سير أعلام النبلاء ٢/٢٥٥، الإصابة ٨/٢٤٨، ٢٤٩) . ٢ نقل المؤلِّف هذه الكرامة من ابن الجوزي في صفة الصفوة ٢/٥٣، ٥٤، عن ابن عباس. وأخرجها ابن سعد ٨/١٥٥، عن الواقدي - وهو متروك - عن الوليد بن مسلم عن منير بن عبد الله الدوسي قال: ، فذكره، وإسناده مرسل. وأخرجها أبو نعيم في حلية الأولياء ٢/٦٦، من طريق محمّد بن مروان السدي - أحد المتروكين -، وأبو موسى في الذيل. (ر: الإصابة ٨/٢٤٨)، كلاهما من طريق مححّد بن السائب اللكبي - وهو متروك متهم بالكذب - عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ، فذكره.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
- وكانت (٢/١٧٩/ب) حفصة١ ابنة سيرين٢ تسرج المصباح وتقومإلى مصلاها فربما طفئ المصباح فيضيء لها البيت حتى تصبح٣.
- قال المؤلِّف: ووقفت على كرامة غريبة لسلف هذه الأمة وهي ما رواه سيف بن عمر في الفتوح قال: حاصر المسلمون بهرسير٤ من أرض العراق فلما اشتد عليهم الحصار وأبطأ على المسلمين الفتح أشرف عليهم رسول من الحصن، فقال: إن الملك يقول لكم هل لكم إلى المصالحة على أنّ لنا ما يلينا من دجلة إلى الجبل ولكم ما يليكم من دجلة إلى الجبل؟ أما شبعتم، لا أشبع الله بطونكم. فبدر الناس أبو مفزَّر الأسود بن قطبة وقد أنطقه الله بشيء لا يدري ولا نحن ما هو فأجابه بالفارسية وهو لا يعرف من الفارسية شيئًا ولا نحن. فرجع الرسول إلى الملك بما سمع من أبي مفزر ورأيناهم يقطعون إلى المدائن هاربين فقلنا له: يا أبا مفزر ما قلت له؟ قال: لا والذي بعث محمّدً بالحقّ ما أدري ما هو إلاّ أنّ عَلَيَّ سكينة، وأنا أرجو أن أكون قد أُنطقت بالذي هو خير. وأنْبَأَت الناس
_________________
(١) ١ هي: حفصة بنت سيرين أم الهذيل الأنصارية البصرية، سيدة جليلة من سيدات التابعيات، اشتهرت بالعبادة والفقه وقراءة القرآن والحديث، روت عن أخيها يحيى وأنس بن مالك وأم عطية الأنصارية وغيرهم، توفيت سنة ١٠١هـ، وهي ابنة سبعين سنة. وفي رواية سنة ٩٢هـ. (ر: ترجمتها في: صفوة الصفوة ٤/٢٤-٢٦، التهذيب ١٢/٤٣٨، أعلام النساء ١/٢٧٣، ٢٧٤، عمر كحالة) . ٢ في م: (سيرويه) . ٣ أخرجه هذه الكرامة ابن الجوزي في صفوة الصفوة ٤/٢٦، عن هشام بن حسان. قلت: هشام بن حسان الأزدي، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين. (ر: التقريب ٢/٣١٨٩) . ٤ بَهُرَسِير - بالفتح ثم الضم، وفتح الراح، وكسر السين المهلمة، وياء ساكنة وراء -: من نواحي سواد، وهي معربة من (دِه أردشير) أو (بِه أردشير)، كأن معناه: خير مدينة أردشير، وهي في غربي دجلة. (ر: معجم البلدان ١/٥١٥) .
[ ٢ / ٨٨١ ]
يسألون عن ذلك حتى / (٢/١٨٠/أ) جاءه سعد فقال: يا أبا مفزّر ما قلت للرسول فوالله إنهم لهراب؟ ثم نادى سعد في الناس ثم نَهَدَ١ بهم فوجد القوم قد هربوا وتركوا المدينة ووجدوا منهم قومًا خارج المدينة فأسروهم، وسألهم المسلمون لأي شيء هربوا وتركوا المدينة؟ فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجاب متكلمكم إنه لا صلح بيننا أبدًا حتى نأكل عَسَل إفريدين بأُترج كوثي. فقال الملك: لا طاقة لا طاقة لأحد بهؤلاء وأسرع الجلاء والهرب٢.
- وقال مالك٣ بن دينار ﵁: لما ولي عمر بن عبد العزيز - ﵀ - قال: رعاة الشاء في رؤوس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس؟ قال: فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب والسباع عن شائنا٤.
- قال مالك بن أنس الإمام ﵁: "كان يونس بن يوسف٥ من العباد ومن خيار الناس فذهب يومًا إلى المسجد فلقيته امرأة في طريقه
_________________
(١) ١ أي: نهض بهم. (ر: القاموس ص ٤١٣) . ٢ أورده الطبري في تاريخه ٣/١١٨، ١١٩، وابن كثير في البداية ٧/٧٠، ٧١، عن سيف بن عمر. ٣ مالك بن دينار البصري، الإمام الزاهد العابد، أبو يحيى من ثقات التابعين ومن أعيان كتبه: المصاحف. توفي سنة ١٣٠هـ. (ر: حلية الأولياء ٢/٣٥٧، سير أعلام النبلاء ٥/٣٦٢، التهذيب ١٠/١٤) . ٤ أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/٢٥٥، من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل عن عليّ ابن مسلم الطوسي عن يسار بن حاتم عن جعفر الضبعي عن مالك بن دينار. قلت: سيار بن حاتم العَنَزي صدوق له أوهام. (ر: التقريب ١/٤٣٤)، إلاّ أنّ أبا نعيم ذكر للخبر شاهدين: أوّلهما: عن جسر القصاب، والآخر عن موسى بن أعين. وأورده ابن الجوزي في صفوة الصفوة ٢/١١٨. ٥ اختلف في اسمه، فقيل: يوسف بن يونس، وقيل: يونس بن يوسف، أبو عمرو بن عماس، وكان متعبدًا مجتهدًا يصلي الليل. (ر: صفوة الصفوة ٢/١٣٤) .
[ ٢ / ٨٨٢ ]
فوقع في نفسه منها، فقال: اللهم إنك جعلت بصري / (٢/١٨٠/ب) لي نعمة وقد خشيت أن يكون عليّ نقمة فاقبضه إليك. قال: فعمي. وكان ابن أخ له١ يقوده إلى المسجد فإذا استقبل الجدار اشتغل الصبي يلعب مع الصبيان فإن نابته نائبة حصب الصبي فأقبل إليه، فبينا هو ذات يوم صحوة في المسجد إذ أحس في بطنه بشيء فحصب الصبي فشغل الصبي مع الصبيان حتى خاف الشيخ على نفسه. فقال: اللهم كنت جعلت لي بصري نعمة فخشيت أن يكون علي نقمة فسألتك فقبضته إليك، وقد خشيت الآن الفضيحة فاردد عليّ بصري. فانصرف إلى منْزله بصيرًا، بغير قائد. قال مالك: فرأيته أعمى ورأيته بصيرًا صحيحًا٢.
- وحجّ٣ المنصور٤ سنة سبع وأربعين ومائة فلما قدم المدينة بعث إلى جفعر٥ بن محمّد وقال: أحضره إلي مُتعبًا، قتلني الله إن لم أقتله.
_________________
(١) ١ في م: (لي) . ٢ ذكر هذه الكرامة ابن الجوزي في صفوة الصفوة ٢/١٣٤، ١٣٥. ٣ ذكره هذه الكرامة القاضي أبو علي المحسن بن عليّ التنوخي ت سنة ٣٨٤هـ، في كتابه الفرج بعد الشدة ١/٣١٨-٣٢٠، والذهبي سير أعلام النبلاء ٦/٢٦٦، كلاهما من طريق الفضل بن الربيع، قال: حجّ أبو جعفر المنصور ، فذكره في سياق طويل. وقد أورد القاضي التنوخي هذا الخبر من وجهين مختلفين، أحدهما: من بعض الكتب بغير إسناد، والآخر: من طريق أبي الفرج الأصفهاني. (ر: الفرج ١/٣١٣-٣١٨) . ٤ عبد الله بن محمّد بن عليّ العباس، أبو جعفر المنصور، ثاني الخلفاء العباسيين، ولي الخلافة بعد أخيه السفاح سنة ١٣٦هـ، وهو الذي بنى بغداد، مات بمكة محرمًا بالحج سنة ١٥٨هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٧/٨٣، الجوهر الثمين ص٩١ لابن دقماق، البداية ١٠/١٢١، الأعلام ٤/١١٧) . ٥ جعفر بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين الهاشمي القرشي، أبو عبد الله الملقب بالصادق، فقيه، إمام، صدوق، كان يغضب من الرافضة ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر الصدّيق، فإن أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصّدّيق، وأمها هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان جعفر يقول: ولدني أبو بكر الصّدّيق مرتين، ولد ومات بالمدينة سنة١٤٨هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٦/٢٥٥، التهذيب٢/١٠٣، التقريب١/١٣٢، حلية الأولياء٣/١٩٢، الأعلام٢/١٢٦) .
[ ٢ / ٨٨٣ ]
فتغافل عنه الربيع١ لينساه، ثم أعاد ذكره للربيع، وقال: ابعث من يأتي به قتلني الله إن لم أقتله. فلما كان في الثالثة أحضره الربيع، وقال: أبا عبد الله اذكر الله فإنه قد أرسل إليك للتي لا شوي لها. فقال جعفر - رضوان الله عليه -: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله / (٢/١٨١/أ) العلي العظيم. ثم أعلم المنصور بحضوره. فلما دخل قال: يا عدوّ الله اتّخذك أهل العراق إمامًا يُؤَدُّون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل، قتلني الله إن لم أقتلك. فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان ﵇ أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلى فصبر، وأن يوسف ظلم فغفر، وأنت من ذلك السِّنخ٢. فقال له المنصور: [أنت عندي يا أبا عبد الله] ٣ البريء الساحة، والسليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك الله من ذي رحم أفضل ما ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه ثم دعا بالغالية والطيب فغلَّفه بيده حتى خلت لحيته قاطرة، ثم قال: في حفظ الله وكلأته. ثم قال: يا ربيع الحقّ أبا عبد الله بجائزته وكسوته، سِرْ أبا عبد الله في حفظ الله وفي كنفه. قال الربيع: فلحقه بذلك فقلت له: إني قد رأيت من هذا الرجل في أمرك ما لم تره، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت عليه؟
_________________
(١) ١ هو: الربيع بن يونس، الوزير الحاجب الكبير. أبو الفضل الأموي، من موالي عثمان ﵁. كان وزيرًا للمنصور، وكان من نبلاء الرجال. وألبائهم، توفي سنة ١٦٩هـ. (ر: سير أعلام النبلاء ٧/٣٣٥، شذارت الذهب ١/٢٧٤) . ٢ السِّنخ - بالكسر -: الأصل. (ر: القاموس ص ٣٢٣) . ٣ في م، ص: (إلى وعندي أبا عبد الله)، وهو خطأ، والتصويب من كتاب الفرج بعد الشدة.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
قال: قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام / (٢/١٨١/ب) واكنفني بركنك الذي لا يرام، واغفر لي بقدرتك عليّ، فلا أهلك وأنت رجائي، اللهم إنك أكبر وأجل ممن أخاف وأحذر، اللهم بك أدفع في نحره وأستعيذ بك من شرّه١.
- مسألة:
[إن] ٢ قال بعض النصارى: أن لا نبيّ بعد المسيح، أكذبه ما في كتاب فراكسيس وهو رسائل الحوريين إذ قال في الفصل الحادي عشر منه: "إنه قدم في تيك الأيام أنبياء من بيت المقدس فقام أحدهم يسمى أغابوس٣ فتنبأ لهم وقال: إنه سيكون في هذه البلاد قحط شديد"٤.
_________________
(١) ١ ورد الدعاء في كتاب الفرج بعد الشدة ١/٣١٩، وفي سير أعلام النبلاء ٦/٢٦٦، كاملًا كالآتي: "اللهم أحرسني بعينك التي لا تنام، واكفني بركنك الذي لا يرام، واذكرني برحمتك، واعف عني بقدرتك، لا أَهْلَكُ وأنت رجائي، ربِّ كم من نعمة أنعمت بها عَلَيَّ، قَلَّ لك عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها قَلَّ لك عندها صبري فلم تخذلني، فيا مَنْ قَلَّ عند نعمه شكري فلم يحرمني، ويا مَنْ قَلَّ عند بليّته صبري فلم يخذلني، يا مَنْ رآني على الخطايا فلم يهتكني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدًا، ويا ذا النعماء التي لا تحصى عددًا، صَلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، بك أدرأ في نحره، وأعوذ بك من شرّه، اللهم أعني على ديني بدنياي، وعلى آخرتي بتقواي، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا مَنْ لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرّك وأعطني ما لا ينقصك، إنك أنت الوهّاب، أسألك فرجًا قريبًا، وصبرًا جميلًا، ورزقًا واسعًا، والعافية من جميع البلايا، وشكر العافية". ٢ إضافة يقتضيها السياق. والله أعلم. ٣ ورد في قاموس الكتاب ص ٨٩، ترجمته كالآتي: "ربما كانت الكلمة من أصل عبري معناها: (المحبوب)، وأغابوس: نبي مسيحي كان في أورشليم في عصر الرسل (الحواريين) الأوّل، وذهب إلى أنطاكية وتنبأ بجوع عظيم، وقد حدث هذا الجوع في أيام كلوديوس قيصر، ولما مَرَّ بولس بقيصرية في رحلته الأخيرة إلى أورشليم جاء أغابوس من اليهودية وربط يديه ورجليه بمنطقة بولس، وحذر بولس من أنهم سيقيدونه هكذا متى وصل أورشليم، ويقول التقليد إن أغابوس كان واحدًا من السبعين تلميذًا اللذين أرسلهم المسيح". اهـ. ٤ سفر أعمال الرسل ١١/٢٨، ٢١/١١.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وقال أيضًا في هذا الفصل: "إنه كان في بيعة أنطاكية أنبياء منهم: برنابا وشمعون ولوقش وما ناين وشاؤل فهؤلاء الخمسة بأنطاكية"١.
وقال أيضًا في الفصل الخامس عشر من الكتاب: "إنه كان [لفيلبس المبشر] ٢ أربع بنات متنبئات"٣.
وقال لوقا في كتاب فراكسيس أيضًا: "إن النفر المتوجهين إلى أنطاكية كان نزولهم على بيت عينًا لأنهم كانوا أنبياء"٤.
قال مؤلِّفه: من زعم أنه لا نبي بعد المسيح فهو جاهل بدين النصارى / (٢/١٨٢/ب) إذ لا خلاف عندهم أن فولس صاحب الأربع عشر رسالة هو رسول جاء بعد رفع المسيح، وقد حكى في رسالته أنه أدرك من أصحاب المسيح شمعون الصفا ويعقوب، فقد بطل قول من قال: إنه لا نبيّ بعد المسيح.
فإن قيل: فقد حَذَّرَنا المسيح ﵇ في الإنجيل من الأنبياء الكذبة الذين يلبسون لباس الحملان وهم في الباطن بصور الذئاب الضارية ثم وصفهم فقال: ومن ثمارهم تعرفونهم٥.
قلنا: هذا تصريح من المسيح ﵇ بمجيء الصادق إذ خصّ التحذير بالكذبة ولولا ذلك لم يقل: "ومن قِبَل ثمارهم تعرفونهم". ولقال: لا نبيّ بعدي، ولم يحوجهم إلى الاستدلال بثمارهم على كذبهم، كلا ولكنه صريح
_________________
(١) ١ سفر أعمال الرسل ١٣/١، كالآتي: "وكان في أنطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلّمون، برنابا، وسمعان الذي يدعى نيجر، ولوكيوس القيرواني، ومناين الذي تربي مع هيردوس رئيس الرِّبع، وشاؤل". ٢ في م، ص (لفولس المفسر) والتصويب من النصّ. ٣ سفر أعمال الرسل ٢١/٨، ٩. ٤ سفر أعمال الرسل ١١/٢٧. ٥ متى ٧/١٥-٢٠، في سياق طويل، وقد اختصره المؤلّف.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
بمجيء النبي الصادق ونصّ عليه في غير موضع من إنجيله كما تقدم، ثم الكاذب من لم يقم على نبوّته برهان.
وقد جاء نبيّنا محمّد رسول الله ﷺ بآيات ظاهرة ودلالات متضافرة كانشقاق القمر وتسليم الحجر واستجابة الشجر وإبراء الأبرص والأجذم والمجنون والآدر / (٢/١٨٢/ب) ونطق الذارع وخسف الأرض بعدوّه عند الإتباع وتفجير الماء ونطق العجماء والإخبار عن الغيوب، والنصر في مواطن الحروب والكتاب العزيز الذي أخرس الشقاشق١ وفضح المنافق وعجز الجنّ والإنس عن الإتيان بمثله وأناط الفصحاء والحكماء حبالهم بحبله.
قال المسيح ﵇: "ومن قِبَل ثمارهم تعرفونهم"، وقد علم الموافق والمفارق أن محمّدًا ﷺ لم تثمر شجرة دعوته عبادة غير الله، فلم يشرك مع الله سواه، ولا جعل له نِدًّا من خلقه، ولا ادّعى له ولدًا، ولا قال: اعبدوا إلهين اثنين ولا ثالث ثلاثة، ولا عَبَدَ رجلًا ولا عجلًا لا كوكبًا ولا وثنًا، بل أمر بعبادة الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والإخلاص له وتنْزيهه عن النقائص والآفات والحلول في المحدثات والتدنس بالزوجات، ولم يجعل الله ولدًا ولا والدً بل خلع الأنداد ونبذ الأضداد، وأمر بطاعة الله ونهى عن معصيته وزهد في الدنيا ورغب في الأخرى، وجاء بكتاب من عند الله يشتمل على الأمر بالمعروف والنهي
_________________
(١) ١ الخطباء، والشِّقْشِقَة: الخُطْبَة. (ر: القاموس ص ١١٦٠) .
[ ٢ / ٨٨٧ ]
عن المنكر / (٢/١٨٣/أ) وبر الوالدين وصلة الرحم وحفظ الجار وفرض الصدقات والأمر بالصيام والصلاة والحثّ على محاسن الأخلاق ومكارم العادات، ثم كسر الأصنام وعطل الأوثان وأخمد النيران وأعلن بالأذان١.
فأما هو في نفسه ﷺ فأربى على سائر الأمم في العبادة وتقدم إخوانه من المرسلين في الإرشاد والإفادة، فهذه ثمار محمّد ﷺ التي صارت أعلق به من الغرام ببني عذرة، والإقدام بابن أبي صفرة.
وقد بين يوحنا الإنجيلي أن التحاذير إنما كان من الدجال قال في رسالته الثانية: "إنه قد خرج في العالم ضُلاّل كثيرون لا يعترفون بالمسيح الجسداني، فمن كان من٢ هؤلاء فهو الضالّ المضل، فأما المقيم على تعليم السيد المسيح فالأب يكون معه"٣.
والتعليم الذي أمر به المسيح هو توحيد الباري وتنْزيهه، وقوله: "أنا نبيّ الله ورسوله وعبده، لا أعمل
_________________
(١) ١ وهذا من دلائل نبوته ﷺ، فإن دعوته وما اشتملت عليه شريعته من الكمال في أمور الدين والدنيا، والآداب والفضائل لا تكون إلاّ وحيًا من عالم الغيب والشهادة العليم الحكيم. ومن دلائل نبوته ﷺ - إضافة على ما سبق - قرائن أحواله ﷺ وسيرته قبل النبوة وبعدها، واتّصافه ﷺ بالأخلاق العظيمة والكمال الإنساني، وزهده في الدنيا بعد إقبالها عليه ﷺ. ومن دلائل نبوته ﷺ أيضًا نصرة الله عزوجل وحفظه إيّاه، وتمكين أسباب النصر له الخارجة عن عادة البشر، وإعلاء أمره وإظهار دعوته على رؤوس الأشهاد في سائر البلاد. ومن دلائل نبوته ﷺ أيضًا أن الداعين إلى دينه من بعده والشاهدين بحقيقة أمره كانوا خيار الناس وأبرارهم كأبي بكر الصّدّيق وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم من الصحابة - رضوان الله عليهم - المبسوطة أخبارهم في كتب التاريخ مما يشهد بزهدهم وورعهم وكمال أخلاقهم - كيف لا يكونوا كذلك وقد تربوا في مدرسة المصطفى ﷺ - وقد أقبلت عليهم الدنيا بزهرتها فأدبروا عنها، فمن كانوا كذلك لم يظن بهم الأباطيل والكذب. والله أعلم. ٢ ليست في م. ٣ رسالة يوحنا الثانية ١/٧-١١.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
بمشيئتي بل بمشيئة من أرسلني"١. كما تقدم فهذا تعليم المسيح الذي دعا إليه وعلّمه، فمن أقام عليه فهو مؤمن بالمسيح، ومن راغمه فهو الضالّ المضل كما / (٢/١٨٣/ب) أخبر المسيح ﵇.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -:واعلم أنه لو جاز أن يتمسك بنهي عيسى في الإنجيل عن الأنبياء الكذبة في ردّ محمّد ﷺ لجاز أن يتمسك بنهي موسى في التوراة عن الأنبياء الكذبة في ردّ عيسى، فقد قال الله في السفر الخامس من التوراة بعد ذكر النبي الصادق: "فأما الذي يقول ما لم آمره به ويدعو باسم آلهة أخرى فليقتل ذلك قتلًا فإنما يريد أن يضلكم عن الطريق - ثم قال -:إن أشكل عليكم معرفة ما لم أقله مما قلته فانظروا فإني لا أتم قول الكاذب ولا أكمل فعله، لأنه قال ما لم أقله وإن ما تَقَوَّله كذب وجرأة وصفاقة وجه، فلا تخافوه ولا تفزعوا منه"٢.
ولمّا لم يقدح ذلك في حقّ عيسى لم يقدح مثله من الإنجيل في حقّ محمّد ﷺ.
فإن قيل: فمن هم الكذبة الذين ذكروا في توراة موسى وإنجيل عيسى؟
قلنا: لا يلزمنا بيانهم ولكنا نتبرع بذلك ونقول: قد نَجَمَ كذابون ونَبَغ متمحلون وقد أخبر بمجيئهم بطرس صاحب / (٢/١٨٤/أ) المسيح، فقال: "اعلموا أنه ما [جاءت] ٣ قط نبوة من مشيئة البشر بل من روح القدس سيق بها قوم عند الله مطهرون، وقد كانت أيضًا في الشعب أنبياء كذبة كما أنه
_________________
(١) ١ ورد النّصّ في نجيل متى ٦/٢٩، ٣٨، ٣٩، كالآتي: "هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي هو أرسله ، لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشية الذي أرسلني". ٢ تكوين ١٨/١٥-٢٢. ٣ في ص، م (خاب) والتصويب من النّصّ.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
يكون أيضًا فيكم معلمون كذبة أولئك الذين يدخلون إلى فرقة الهلكة، ويفتتن بنجاستهم قوم كثير، ويفترون على صحة الحقّ أولئك الذين دينونتهم لا تبطل وهلكتهم لا تنعس"١.
فأخبر بطرس بأنه قد كان ويكون في شعب بني إسرائيل من يفتري على الله الكذب.
قلت: وقد جرى مثل ذلك من أراذل العرب وأدعياء النبوة الكاذبة جماعة كالأسود العنسي٢ باليمن، ومسيلمة٣ باليمامة، وطليحة٤، وسجاح٥
_________________
(١) ١ رسالة بطرس الثانية ١/٢١، ٢/١-٣. ٢ اسمه: عيهلة بن كعب، يلقب ذا الخمار، لأنه كان معتمرًا مختمرًا أبدًا، ادعى النبوة في آخر حياة النبي ﷺ، وكان الأسود رجلًا مشعبذًا يريهم الأعاجيب، وكانت ردته أوّل ردة في الإسلام، وجاء كتاب النبي ﷺ إلى من بقي من المسلمين باليمن بقتله، فقتله أحدهم، وقد كانت فترة ملكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر سنة اهـ. (ر: البداية ٦/٣٠٦-٣١١، الكامل في الأثير ٢/٣٣٦-٣٣٨، الأعلام /١١١) . ٣ مسيلمة بن ثمامة بن كبير الحنفي الوائلي، ولد باليمامة، ويتلقب برحمن اليمامة، وهو أحد من وفدوا إلى رسول الله ﷺ سنة ٩هـ، من بني حنيفة، وبعد عودة الوفد ارتد مسيلمة وادعى النبوة، فأرسل إليه أبو بكر الصّدّيق بقيادة خالد بن الوليد فهزموا جيش مسيلمة وقتله وحشي بن حرب قاتل حمزة، وذلك سنة ١١هـ. (ر: البداية ٥/٥٠، ٥١، ٦/٣٢٠-٣٢٧، الكامل ٢/٣٦١، ٣٦٢، الأعلام ٨/١٢٥) . ٤ طليحة بن خويلد الأسدي، كان من أشجع العرب، قدم على النبي ﷺ في وفد بني أسد سنة ٩هـ، وبعد رجوعهم ارتد طليحة في حياة النبي ﷺ وادّعى النبوة، فأرسل إليه أبو بكر جيشًا بقيادة خالد وهزموا جيش طليحة الذي فرّ مع زوجته إلى الشام ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وبايع عمر بن الخطاب، ثم لحق بجيش المسلمين وأبلى في الجهاد بلاء حسنًا حتى استشهد بنهاوند سنة ٢١هـ. (ر: البداية ٦/٣١٨، الكامل ٢/٣٤٣، ٣٤٨، الأعلام ٣/٢٣٠) . ٥ سجاح بنت الحارث بن سويد التغليبة، وكانت من نصارى العرب، وادعت النبوة بعد موت النبي ﷺ وحدوث الرّدّة في القبائل، وقد اجتمع معها مسيلمة الكذاب، وأقامت في قومها بني تغلب إلى زمان معاوية فأجلاهم عنها عام الجماعة، ويذكر أنها أسلمت وحسن إسلامها وانتقلت إلى البصرة ومات بها سنة ٥٥هـ، وأنه صلى عليها سمرة بن جندب عامل معاوية إذ ذاك على البصرة، وقيل: غير ذلك. (ر: البداية ٦/٣١٩-٣٢١، الكامل ٢/٣٥٤-٣٥٧، الأعلام ٣/٧٨) .
[ ٢ / ٨٩٠ ]
في آخرين فحام على أكثرهم حَمَام الحِمام١ وصُرعوا بسيوف أهل الإسلام، وأحق الله الحقّ وأبطل الباطل وحَلَّى نبيه حلية الرسالة وعطل العاطل.
فإن قيل: قال المسيح في الإنجيل: "إنه سيقوم مسيح كذاب وأنبياء كذبة ويأتون بآيات وعلامات فيضلوا الناس إن قدروا على ذلك". وحتى يتم / (٢/١٨٤/ب) ما قاله دانيال ﵇ في نبوته٢.
قلنا: أما [المتنبؤون] ٣ فقد ذكرنا مجيئهم وكيف أكذبهم الله وأبادهم، وأما المسيح الكذاب فهو الدجال الكذاب الضالّ المضل الذي حذرته الأنبياء قومهم، وقال فيه نبيّنا محمّد ﷺ: "إنه جعد٤ قطط٥ أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية، أشبه الناس بعبد العزى٦ بن قطن"٧.
_________________
(١) ١ الحمام: ككتاب: قضاء الموت وقدره. (ر: القاموس ص ١٤١٧) . ٢ ورد النّصّ في إنجيل متى ٣٤/٥-١٥، في سياق طويل، وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا كما ورد في نفس الإصحاح ٢٤/٢٤، ما يأتي: "لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنيباء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا". ٣ في ص، م (المتنبئين) والصواب ما أثبتّه. ٤ جَعْد: الجِعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًا، فالمدح، معناه: أن يكون شديد الأسْر والخلق، أو يكون جعد الشعر، وهو ضدّ السِّبْط، لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. وأما الذمّ، فهو: القصير المتردد الخلْق، وقد يطلق على البخيل أيضا. (ر: النهاية ١/٢٧٥) . ٥ القطط: الشديد الجعودة. (ر: النهاية ٤/٨١) . ٦ عبد العزى بن قطن بن عمرو الخزاعي، من بني المصطلق من خزاعة، وأمه هالة بنت خويلد، وليس له صحبة، فقد هلك في الجاهلية. (ر: فتح الباري ٦/٤٨٨، ١٣/١٠١) . ٧ أخرجه البخاري في كتاب الفتن باب (٢٦) . (ر: فتح الباري ٣٠/٩٠)، ومسلم ١/١٥٥، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وأخرحه مسلم ٤/٥١، ٥٢، عن النواس بن سمعان ﵁ في سياق طويل.
[ ٢ / ٨٩١ ]
"بين عينيه: (ك ف ر)، يقرأ كل مؤمن ومؤمنة كاتب وغير كاتب"١. "تتقدمه سوء مجاعة"٢.
فقال أعرابي: "بأبي أنت يا رسول الله بلغني أن الدجال الكذاب يجيء إثر جوع ومعه جبال من الثريد، أترى لي صلى الله عليك أن أتبطن من ثريده حتى إذا تضلعت آمنت بالله وكفرت بالدجال. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: إذًا يكفيك الله بما يكفي به المؤمنين"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ١٣/٩١، ومسلم ٤/٢٢٤٨، عن أنس بن مالك ﵁، وأخرجه مسلم ٤/٢٢٤٩، عن حذيفة ﵁. قال الإمام النووي: "الصحيح الذي عليه المحقّقون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره، وكذبه وإبطاله، يظهرها الله تعالى لكل مسلم، كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك". اهـ،. (ر: شرح النووي لصحيح مسلم ١٨/٦٠، فتح الباري ١٣/١٠٠) . ٢ أخرجه أحمد في المسند ٦/٤٥٥، ٤٥٦، من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي فذكر الدجال، فقال: "إن بين يديه ثلاث سنين ، الحديث في سياق طويل. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٣٤٧، ٣٤٨: "رواه كله أحمد والطبراني من طرق، وفي إحدها: "يكون قبل خروجه سنون خمس جدب"، وفيه شهر بن حوشب وفيه ضعف وقد وثق". اهـ. قلت: شهر بن حوشب الأشعري، مولى أسماء بنت يزيد، صدوق، كثير الإرسال والأوهام، وقد تقدم. (ر: ص: ٨٣٣) . وله شاهد من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، أخرجه ابن ماجه. (ر: ضعيف ابن ماجه ص ٣٢٩) . ٣ لم أقف على من رواه بهذا اللفظ، ولكن ورد في الحديث الصحيح أن مع الدجال جبل خبز ونهر ماء. أخرجه البخاري. (ر: فتح الباري ١٣/٨٩)، مسلم ٤/٥٤، عن المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
واعلم أن قصة الدجال مشهورة عند سائر١ الأمم، ولم يبعث نبي بعد نوح ﵇ إلاّ وقد حذّره قومَه٢، وقصة صاف٣ بن صياد صحيحة / (٢/١٨٥/أ) عند أهل الحديث٤ ونحن نؤثر الاختصار.
_________________
(١) ١ أجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان، فإن الإيمان بذلك واجب يدخل ضمن الإيمان باليوم الآخر، لأنه من أشراط الساعة الكبرى ومن أنكر خروجه فقد خالف ما دلت عليه الأحاديث المتواترة وخالف ما عليه أهل السنة الجماعة، ولم ينكر خروجه إلاّ بعض المبتدعة كالخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وبعض الكتاب العصريّين والمنتسبين إلى العلم كالشيخ محمّد عبده، والشيخ محمّد فهيم أبو عبية، وغريهم ممن لم يعتمدوا على حجة صحيحة يدفعون بها النصوص المتواترة سوى عقولهم وأهوائهم ومثل هؤلاء لا عبرة بهم ولا بقولهم، والواجب على المؤمن الإيمان بما صحّ الله ورسوله واعتقاد ما يدلّ عليه، لأن مقتضى الإيمان بالله ورسوله هو التسليم لما جاء عنهما والإيمان به. والله أعلم. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب (٣) . (ر: فتح الباري ٦/٣٧٠)، ومسلم ٤/١١٤٥، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: فقام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني لأنذركموه. ما من نبي إلاّ أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومَه " الحديث. ٣ صاف - ويقال: عبد الله بن صياد - أبو صائد كان من يهود المدينة، ولد على عهد النبي ﷺ أعور مختونًا، وكان دجالًا يتكهن أحيانًا فيصدق ويكذب، وقد فُقد ابن صياد يوم الحرة، وذكره الذهبي في التجريد وقال: إنه أسلم فهو تابعي، له رؤية. وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صياد وأشكل عليهم أمره: فقال بعضهم: إنه غير الدجال الأكبر، وإليه ذهب البيهقي وابن تيمية وابن كثير. قال بعضهم: إنه الدجال، وإليه ذهب القرطبي، والنووي والشوكاني فيما يفهم من كلامهما. ولكل منهم دليله فيما ذهب إليه. (ر: التجريد ١/٣١٩، التذكرة ص ٧٠٢، للقرطبي، شرح النووي لصحيح مسلم ١٨/٤٦، ٤٧، نيل الأوطار ٧/٢٣٠، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٧٧، النهاية ١/١٧٣، لابن الأثير، الإصابة ٥/١٣٦، أشراط الساعة ص ٢٨٣-٣٠٤، يوسف الوابل) . ٤ ابن صياد وما جاء فيه من الأحاديث أخرجها البخاري. (ر: فتح الباري ٣/٣١٨، ١٣/٢٢٣)، ومسلم ٤/٢٢٤٠-٢٢٤٧، وأحمد في المسند ٥/١٤٨، وغيرهم.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
قد شهد يوحنا الإنجيلي أن المسيح الكذاب الآن موجود في الدنيا غير أنه لم يظهر بعد، فقال في الفصل الرابع من رسالته الأولى: "إن المسيح الكذاب الذي سمعتم به سيأتي، وإنه الآن في العالم"١.
وذلك مصدق لما ذكره محمّد رسول الله ﷺ في شأن ابن صياد اليهودي٢.
وقد أطنب فولس في ذكره في الرسالة التاسعة وحذر إخوانه من فِتنَتِهِ فقال: "يا إخواني أطلب إليكم ألا تعجلوا ولا تشدهوا من كلمة ولا من روح ولا من رسالة تأتيكم، فإنه لعل إنسانًا يطغيكم بنحو من الأنحاء، وليس يكون ذلك حتى يأتي [الارتداد] ٣ أولًا ويظهر إنسان الخطيئة ابن البوار الصداد اللدان، ويستكبر على كلٍّ وحتى يجلس في هيكل الله ويخبر عن نفسه، وإنما هو الأثيم الذي يأتي في آيته بالقوى والآيات والعجائب الكاذبة ومكائد الشيطان، وجسد يبيده سيدنا يسوع المسيح بروح فيه"٤.
وقد شهد يوحنا / (٢/١٨٥/ب) الإنجيلي في رسالته الأولى أن الدجاجلة من بني إسرائيل لا من غيرهم، فقال: "إن هذه الساعة هي آخر الزمان وقد
_________________
(١) ١ رسالة يوحنا الأولى ٤/٣، كالآتي: "وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي، والآن هو في العالم". ٢ ورد في حديث تميم الداري ﵁ أنه رأى المسيح الدجال في جزيرة في البحر، وقد صدقه رسول الله ﷺ فيما قال. أخرجه الإمام مسلم ٤/٢٢٦١-٢٢٦٤، عن فاطمة بنت قيس ﵂ في سياق طويل. ٣ في ص، م (العتو) والتصويب من النّصّ. ٤ رسالة بولس إلى تسالونيكي ٢/١-١٢، في سياق طويل بألفاظ متقاربة، وقد اختصر المؤلِّف بعضه.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
سمعتم أنه يجيء المسيح الكذاب، والآن قد كان مسيحون كذابون كثيرون ومِنَّا خرجوا"١.
فأخبر أن الدجاجلة الكذابين من بني إسرائيل لا من بني إسماعيل٢، وقد قال رسول الله ﷺ: "إن بين يدي الساعة [دجالين كذابين] ٣ قريبًا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله". وفي راوية: "فيهم أربع نسوة"٤.
فإن قيل: كيف يجوز إجراء الخوارق على يدي أرباب المخارق.
قلنا: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني٥: "أما على يد مُدَّعي النبوة فلا، وأما على يد مدعّي الربويبة فنعم. إذا الأوّل يؤدي إلى إفحام الرسل والتباس دليل التصديق على المكلّفين بخلاف ذلك في مدعي الربوبية فإن سمات الحدث عليه ظاهرة"٦.
_________________
(١) ١ رسالة يوحنا الأولى ٢/١٨، كالآتي: "أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة، وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون، من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة. منا خرجوا". ٢ إن اليهود ينتظرون المسيح الدجال ويزعمون أنه من سلالة داود ﵇، وقد ورد في الحديث الصحيح أن الدجال يتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان. أما النصارى فإنهم ينتظرون مسيح الضلالة ويزعمون أنه المسيح الذي قتله وصلبه اليهود وأنه ابن الله وسيأتي يوم القيامة لمحاسبة الخلائق. وأما المسلمون فإنهم ينتظرون - تصديقًا للصادق الأمين ﷺ - مسيح الهدى عيسى بن مريم عبد الله ورسوله فيكسر الصليب ويقتل المسيح الدجال والخنْزير ويحكم بشريعة محمّد ﷺ. ٣ في ص، م (دجالون كذابون) والصواب ما أثبتّه. ٤ تقدم تخريجه. (ر: ص: ٨٢٧) . ٥ نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني أنه ينفي الكرامة ولا يرى جوازها، وبأن خوارق العادة لا تكون إلاّ لنبي. وهو بذلك يوافق مذهب المعتزلة. (ر: النبوات ص ٥، لابن تيمية، شرح جوهرة التوحيد ص ١٥٤، للبيجوري) . ٦ قال النووي: "قال المازري: إن قيل: إظهار المعجزة على يد الكاذب ليس بممكن، وكيف ظهرت هذه الخوارق للعادة على يده؟ فالجواب: أنه إنما يَدَّعي الربوبية، وأدلة الحدوث تخل ما ادعاه وتكذبه، وأما النبيّ فإنما يَدَّعي النبوة وليست مستحيلة في البشر، فإذا أتى بدليل لم يعارضه شيء صُدِّق. وأما قول الدجال (أرأيتم إن قلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا) . فقد يُسْتَشْكَل لأن ما أظهره الدجال لا دلالة فيه لربوبيته لظهور النقص عليه ودلائل الحدوث وتشويه الذات وشهادة كذبه وكفره المكتوبة بين عينيه وغير ذلك". اهـ. (ر: شرح النووي لصحيح مسلم ١٨/٧١، ٧٢) . وقال ابن حجر: "قال الخطابي: فإن قيل: كيف يجوز أن يجري الله الآية على يد الكافر؟ فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مفترٍ يدّعي الربوبية؟ فالجواب: أنه على سبيل الفتنة للعباد، إذ كان عندهم ما يدل على أنه مبطل غير محقّ في دعواه، وهو أنه أعور مكتوب على جبهته: (كافر) يقرأه كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسم الكفر ونقص الذات والقدر، إذ لو كان إلهًا لأزال ذلك من وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة فلا يشتبهان". اهـ. ونقل الحافظ أيضًا بنحو كلام الخطابي عن الطبري وابن العربي. (ر: فتح الباري ١٣/١٠٣) .
[ ٢ / ٨٩٥ ]
والذي ارتضاه الأئمة أن الله يفعل ما يريد ويضل من يشاء من العبيد غير أن الكاذب ينتج الله له [ما يُكَذِّبه] ١ ويناقضه، أو يخلق العلم الضروري بالمكلّفين بكذبه٢.
والذي يدل على جريان الخارق على يد المارق نصّ التوراة والإنجيل والقرآن والسنة كما تقدم. والله أعلم وأحكم.
نجز الكتاب الملقَّب بـ: [تخجيل مَنْ حَرَّفَ الإِنْجِيلَ] ولله الحمد، رحم الله مَنْ قرأه ودعا لمؤلِّفه بالرحمة والرضوان وكاتبه وجميع المسلمين.
وصلى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وأتباعه وذرّيّاته والتابعين وتابع التابعين إلى يوم الدين.
_________________
(١) ١ بياض في ص، م، والكلمة المثبتة من اجتهاد المحقِّق لموافقته سياق الكلام. والله أعلم. ٢ قال ابن العربي: "الذي يظهر على يد الدجال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يُصَدِّقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه تجري، كلّ ذلك محنة من الله واختبار ليهلك المرتاب وينجو المتيقن، وذلك كله أمرٌ مُخَوِّف، ولهذا قال ﷺ: "لا فتنة أعظم من فتنة الدجال"، وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعًا لأمته". اهـ. (ر: فتح الباري ١٣/١٠٣) . وبنحو ذلك ذكره ابن كثير في البداية ١/١٦٥.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
خاتمة البحث
الحمد لله فاتحة كل خير وخاتمة كلّ نعمة، أحمده عزوجل وأشكره على توفيقه وعونه، وعلى جميع نعمه الظاهرة والباطنة وبعد.
فإن مَنْ أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي ما يأتي:
١- إن الاطلاع على الكتاب المقدسة عند أهل الكتاب وغيرهم جائز لأهل العلم ممن أراد مجادلتهم وبيان ما فيها من التحريف والتبديل والباطل، وإنه غير جائز للعامي والحدث الغر من الناس.
٢- إن مجادلة اليهود تكون في الأمور الآتية:
- إثبات وقوع النسخ في شريعتهم من التوراة وما يتبعها من الكتب المقدسة لديهم.
- بيان مواطن التحريف والتبديل والتناقض في كتبهم المقدسة وإثبات عدم حجيتها وصلاحيتها.
- بيان بطلان عقائدهم الفاسدة وأقوالهم الباطلة في الذات الإلهية والنبوة والأنبياء اليوم الآخر وغيرها.
- إظهار فصائحهم المخزية وأفعالهم القبيحة خلال تاريخهم.
- إثبات نبوة عيسى ﵇.
- إثبات نبوة محمّد ﷺ ونسخ الإسلام للشرائع السابقة.
٣- إن مجادلة النصارى تكون في الأمور الآتية:
[ ٢ / ٨٩٩ ]
- إثبات وحدانية الله عزوجل وتنْزيهه عن الضد والند والولد.
- إثبات بشرية المسيح ﵇ وعبوديته لله عزوجل.
- بطلان أسس العقيدة النصرانية المنحرفة (التثليث والاتّحاد، صلب المسيح تكفيرًا عن الخطيئة، محاسبة المسيح للناس يوم القيامة) .
- نقد قانون الأمانة.
- تفسير الألفاظ التي ضلّ فيها النصارى في كتبهم المقدسة لديهم.
- بيان مواطن التحريف والتبديل والتناقض في كتبهم المقدسة لديهم.
- إظهار فضائح اعتقاداتهم وعباداتهم وطقوسهم وحيل رهبانهم وأحبارهم.
-إثبات نبوة محمّد ﷺ ونسخ الإسلام للشرائع السابقة.
٤- إن دلائل نبوّة محمّد ﷺ متنوعة ومتعددة، فمنها بشارات الأنبياء السابقين صلوات الله وسلامه عليهم، والإرهاصات السابقة لبعثته ﷺ، والمعجزات الكثيرة ومن أعظمها معجزة القرآن الكريم الخالدة، ودعوته ﷺ إلى مكارم الأخلاق وكمال شريعته، وسيرته ﷺ وأحواله قبل البعثة وبعدها، وتأييد الله له بالنصر والتمكين في الأرض، وسيرة أصحابه - ﵃ - الذين حملوا لواء الدعوة من بعده، وكرامات الأولياء والصالحين من أمته ﷺ، وغير ذلك من الدلائل التي تكفي مفرداتها في إثبات النبوة والرسالة للنبي ﷺ، فكيف بمجموعها؟!!.
٥- إن ما توصل إليه علماء المسلمين قديمًا من نتائج في علم الأديان مثل: بيان بعض مواطن التحريف والتناقض في الكتب المقدسة، وإن
[ ٢ / ٩٠٠ ]
النصرانية الحالية (المنحرفة) من مبتدعات بولس واختراعاته وغير ذلك من التنائج تؤكده أبحاث الباحثين المعاصرين من اليهود والنصارى وأقوال مفكريهم وأحبارهم.
وهذا دليل على أسبقية علمائنا المسلمين ودقة ملاحظاتهم واستنتاجاتهم.
٦- إن في السنة النبوية المطهرة مادة غنية يستفيد منها الباحث في علم الأديان، ينبغي الاستفادة منها ودراستها دراسة مستفيضة من هذا المنظور.
_________________
(١) وأما التوصيات التي أقترحها فمنها:
(٢) ينبغي تدريس العقيدة الإسلامية الصحيحة مقرونة بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة السلف، ثم الاهتمام بتدريس مادة الأديان الفرق في الكلّيّات والجامعات الإسلامية لتثبيت العقيدة الصحيحة ولما لها نم الفوائد الكثيرة، خاصة في البلاد الإسلامية التي تواجه حملات التنصير والاستشراق والغزو الفكري.
(٣) أن يضاف إلى منهج مادة الأديان والفرق بالجامعة الإسلاميّة دراسة الهندوسية والبوذية وبعض الوثنيات الأخرى المعاصرة بدل الاقتصار على اليهودية والنصرانية، حيث إن طلاب الجامعة الإسلاميّة يمثلون شتى بقاع الأرض ويواجهون مختلف الأديان والفرق، لذلك ينبغي توجيههم وإعدادهم للمسؤولية الملقاة على عاتقهم.
(٤) ينبغي أن لا تقتصر دراسة الأديان والفرق على الدراسة الوصفية أو التاريخية، وإنما يجب أن تكون دراسة نقدية تميز بين الصحيح والباطل والخبيث الطيب، وتسلّح الطلاب ببعض أساليب المجالسة وأدوات الهجوم والنقد للعقائد الباطلة والأفكار الفاسدة.
[ ٢ / ٩٠١ ]
٤- الاستفادة من تراث علمائنا المسلمين في علم الأديان - خاصة في مجال نقد الكتب المقدسة عند اليهودية والنصارى - عن طريق ترجمتها وتبسيطها ونشر الأجزاء النقدية منها في كتيبات صغيرة ليسهل توصيل ما بها من المعلومات النقدية إلى الشخص العادي من اليهود والنصارى وغيرهم وتعريفهم بما في كتبهم المقدسة لديهم من مواطن الضعف والقصور، وإبراز البديل لأديانهم الباطلة وهوالإسلام الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
٥- المتابعة المستمرة لخطط التنصير والاستشراق والغزو الكفري وفضح أهدافها وأساليبها وبيان أخطارها ووضع الخطط الكفيلة بمقاومتها.
والله أعلم.
اللهم اغفر لي فيما أذنبت لا تؤاخذني فيما أخطأت وتقبل مني فيما قدمت فأنت نعم الولي ونعم النصير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
مصادر ومراجع
فهرس المراجع:
- القرآن الكريم.
١- أبحاث الفكر اليهودي - د. حسن ظاظا، الطبعة (١)، دار القلم، بيروت، دمشق ١٤٠٧هـ.
٢- أثر أهل الكتاب في الفتن والحروب الأهلية د. جميل عبد الله المصري، الطبعة (١)، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ١٤١٠هـ/ ١٩٨٩م.
٣- أثناسيوس الرسولي (القديس) - الأبّ متى المسكين، الطبعة (١)، مطبعة دير القديس أنبار مقار، وادي النطرون، القاهرة، ١٩٨١م.
٤- الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة - للإمام القرافي (شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ت ٦٨٢هـ)، الطبعة (١)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م، ونسخة أخرى بتحقيق الطالب ناجي محمّد داود - رسالة دكتوراه مقدمة في جامع أم القرى بمكة للعام الجامعي ١٤٠٥-١٤٠٥هـ.
٥- أحكام الجنائز وبدعها - للمحدِّث محمّد ناصر الدّين الألباني، الطبعة (٤ت)، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٦هـ.
٦- الإحكام في أصول الأحكام - للآمدي (سيف الدين أبو الحسن عليّ بن أبي عليّ ت ٦٣١هـ) مكتبة محمّد عليّ صبيح، القاهرة، ١٣٨٧هـ.
٧- أخبار بطاركة كرسي المشرق من كتاب المجدل - عمرو بن متى، طبعة روما، مكتبة المثنى، بغداد، ١٨٩٦م.
٨- أخبار بطارقة كرسي المشرق من كتاب المجدل - ماري سليمان، طبعة روما، مكتبة المثنى، بغداد، ١٨٩٦م.
٩- اختلافات في تراجم الكتاب المقدس وتطورات هامة في المسيحية - اللواء أحمد عبد الوهّاب، الطبعة (١)، القاهرة.
١٠- الأدب الجدلي والدفاعي في اللغة العربية بين المسلمين والنصارى واليهود - للمستشرق الألماني: مورتز شتاينشنيدر (باللغة الألمانية)، طبع لاينبرج عام ١٨٧٧م، وأعيد طبعه عام ١٩٦٦م، بفيسبادن - ألمانيا.
[ ٢ / ٩٦١ ]
POLEMISCHE UND APOLOGE TSCHE LITERATUR IN ARABISCHER SPACHE ZWISCHEN MUSLIMEN CHRISTEN UNOJUDEN، MORITZ STEINS CHNEIDER
١١- أدلة الوحدانية في الرّدّ على النصرانية - للإمام أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: عبد الرحمن دمشقية، الطبعة (١)، ١٤٠٨هـ/ ١٩٨م.
١٢- أدلة اليقين في الرّدّ على كتاب ميزان الحقّ وغيره من مطاعن المبشرين - عبد الرحمن الجزيري، الطعبة (١)، مطبعة الإرشاد، القاهرة، ١٣٥٣هـ/ ١٩٣٤م.
١٣- أسباب نزول القرآن - لأبي الحسن عليّ بن الواحدي، تحقيق: السيد أحمد صقر، الطبعة (٢)، دار القبلة، جدة، ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.
١٤- الاستيعاب في معرفة الأصحاب - لابن عبد البرّ (الإمام يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البرّ ت ٤٦٣هـ)، تحقيق: عليّ محمّد البجاوي، مكتبة نهضة مصر، القاهرة.
١٥- أسد الغابة في معرفة الصحابة - لعز الدين ابن الأثير - (أبي الحسن عليّ بن محمّد الجرزي ت ٦٣٠هـ)، كتاب الشعب - القاهرة.
١٦- إسرائيل حرفت الأناجيل والأسفار المقدسة - المهندس أحمد عبد الوهّاب، الطبعة (١)، مكتبة وهبه، القاهرة، ١٩٧٢م.
١٧- أسرار الكنيسة السبعة - الإرشيديا كون حبيب جرجس، الطبعة (٦)، مكتبة المحبة، القاهرة، ١٩٧٧م.
١٨- الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام - د. عليّ بن عبد الواحد وافي - دار نهضة مصر - القاهرة.
١٩- الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة - للخطيب البغدادي (الحافظ أبي بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغدادي ت ٤٦٣هـ) تحقيق: د. عزّ الدين على السيد الطبعة (١)، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٤م.
٢٠- الإصابة في تمييز الصحابة-لابن حجر (الحافظ أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ) دار الكتب العلمية - بيورت.
٢١- أصول الدين - للرازي (فخر الدين محمّد بن عمر الخطيب الرازي ت ٦٠٦هـ) تحقيق: طهَ عبد الرؤوف، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
٢٢- أصول الدين - للبغدادي (أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي ت ٤٢٩هـ)، الطبعة (٢)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.
٢٣- الأصول والفروع - لابن حزم (الإمام أبي محمّد عليّ بن أحمد ابن حزم ت ٤٥٦هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.
٢٤- إظهار الحقّ - للشيخ رحمة الله الهندي، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، دار التراث العربي، القاهرة.
٢٥- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين - فخر الدين الرازي، مراجعة عليّ سامي النشار، مكتبة ألبا، مكّة المكرّمة، ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.
٢٦- الأعلام - للأستاذ خير الدين الزركلي، الطبعة (٥)، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٨٠م.
٢٧- الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام - للإمام القرطبي (أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي ت ٦٧١هـ)، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، دار التراث العربي، القاهرة، ونسخة أخرى بتحقيق: الطالب فايز سعيد صالح عزام، رسالة دكتوراه مقدمة في جامعة أم القرى، بمكّة، للعام الجامعي ١٤٠٥هـ.
٢٨- الإعلام بمناقب الإسلام - لأبي الحسن العامري ت ٣٨١هـ، تحقيق: أحمد عبد الحميد غراب، الطبعة (١ـ)، مؤسسة دار الأصالة - الرياض، ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.
٢٩- أعلام النبوة - للماوردي (أبي الحسن عليّ بن محمّد الماوردي الشافعي ت ٤٥٠هـ)، تحقيق: محمّد المعتصم بالله البغدادي، الطبعة (١)،دار الكتاب العربي، بيروت،١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
٣٠- أعلام النساء في عالمي العرب الإسلام، عمر رضا كحالة، الطبعة (٣)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٣٩٧هـ/ ١٩٧٧م.
٣١- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - لابن القيم (الإمام أبي عبد الله محمّد بن أبي بكر بن قيم الجوزية ت ٧٥١هـ) .
[ ٢ / ٩٦٣ ]
٣٢- إفحام اليهود - للمهتدي السموآل بن يحيى المغربي ت ٥٧٠هـ، تحقيق: د. محمّد عبد الله الشرقاوي، الطبعة (١)، دار الهداية القاهرة، ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.
٣٣- أقانيم النصارى - د. أحمد حجازي السقا - الطبعة (١)، دار الأنصار، القاهرة.
٣٤- الاقتصاد في الاعتقاد - لأبي حامد الغزالي، الطبعة (١ت)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣هـ.
٣٥- اقتضاء الصراط المستقيم ومخالفة أصحاب الجحيم - لابن تيمية (الإمام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية ت ٧٢٨هـ)، تحقيق: حامد الفقي، الطبعة (١)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
٣٦- الله واحد أم ثالث - محمّد مجدي مرجان، دار النهضة العربية - مصر.
٣٧- الله واحد في الثالوث القدوس - القمص زكريا إبراهيم - الطبعة الرابعة، مركز العبية، السويس، مصر.
٣٨- الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية - نجم الدين الطوفي (سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري ت ٧١٦هـ)،تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، مطبعةدارالبيان، مصر.
٣٩- إنجيل برنابا - تحقيق: سيف الله أحمد فاضل، الطبعة (٢)، دار القلم - الكويت - ١٤٠٣هـ.
٤٠- إنجيل نور لحياتي - إصدار الكنيسة القبطية - القاهرة.
٤١- الإنجيل والصليب - الأستاذ عبد الأحد داود - القاهرة - ١٣٥١هـ.
٤٢- أهل الذمة في مصر العصور الوسطى - د. قاسم عبده قاسم، الطبعة (١)، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٧م.
٤٣- إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، إسماعيل باشا البغدادي، دار العلوم الحديثة، بيروت.
٤٤- بدائع الزهور في وقائع الدهور - لأبي البركات محمّد بن أحمد ابن إياس الناصري الحنفي، تحقيق: محمّد مصطفى، الطبعة (٢)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.
[ ٢ / ٩٦٤ ]
٤٥- البداية والنهاية لابن كثير (الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير ت ٧٧٤هـ)، دار الفكر العربي، القاهرة.
٤٦- البهران في عقائد أهل الأديان، للسككي الحنبلي (العلامة أبي الفضل عباس بن منصور التريني ت ٦٨٣هـ)، تحقيق: د. بسام عليّ العموش الطبعة (١)، مكتبة المنار، الأرد، ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٧م.
٤٧- بنو إسرائيل في الكتاب والسنة - د. محمّد سيد طنطاوي، الطبعة (١)، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
٤٨- البيان والإعراب - للمقريزي (تقي الدين أحمد بن عليّ المقريزي ت ٨٤٥هـ) المحموديةالتجارية، القاهرة،١٣٥٦هـ.
٤٩- بينات المعجزة الخالدة - د. حسن ضياء الدين عتر، دار النصر، حلب، ١٣٩٥هـ.
٥٠- تأويل مختلف الحديث للإمام ابن قتيبة الدينوري ت ٢٧٦هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.
٥١- تاج العروس من جواهر القاموس - للزبيدي (محمّد مرتضى الحسيني الزبيدي ت ١٢٠٥هـ)، تحقيق: إبراهيم الترزي: إصدار وزارة الإعلام بالكويت سنة ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م.
٥٢- تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي - د. حسن إبراهيم حسن، الطبعة (١)، مكتبة النهضة المصرية، القاهرية، ١٩٦٧م.
٥٣- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - للذهبي (للسنوات ٦٦٣-٦٨٠هـ) ميكروفيلم بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٠٧٦١ تاريخ، القاهرة.
٥٤- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (السيرة النبوية، المغازي، عهد الخلفاء الراشدين، للذهبي (الحافظ شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت ٧٤٨هـ)، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري وغيره، الطبعة (١)، دار الكتاب العربي، بيروت ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
٥٥- تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان، (باللغة الألمانية) .
[ ٢ / ٩٦٥ ]
٥٦- تاريخ الإسرائيليين - شاهين بك مكاريوس، مطبعة المقتطف بمصر، ١٩٠٤م.
٥٧- تاريخ الكنائس والأديرة في القرن الثاني عشر الميلادي - لأبي المكارم، إعداد وتعليق الراهب صموئيل السرياني.
٥٨- التاريخ الكبير - للإمام البخاري (محمّد بن إسماعيل ت ٢٥٦هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.
٥٩- تاريخ الكنيسة - يوسابيوس القيصري، ترجمة القصص مرقس داود - مكتبة المحبة، القاهرة، ١٩٧٩م.
٦٠- تاريخ المسيحية (المسيحية في العصور الوسطى) - جاء المنفلوطي، دار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية، القاهرة.
٦١- التاريخ المجموع - سعيد بن البطريق (البطريق أفيتشيوس)، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت، ١٩٠٥م.
٦٢- تاريخ المسيحية (فجر المسيحية)، حبيب سعيد.
٦٣- تاريخ الأمم والملوك - لابن جرير الطبري (الإمام محمّد بن جرير الطبري)، الطبعة (٤)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
٦٤- تاريخ بغداد أو مدينة الإسلام، للخطيب البغدادي (أحمد بن عليّ الخطيب ت ٤٦٣هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
٦٥- تاريخ دمشق، لابن عساكر (الحافظ عليّ بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر ت ٥٧١هـ)، صورة مخطوطة بمكتبة الظاهرية بدمشق، نشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة ١٤٠٧هـ.
٦٦- التبصير في الدين - لأبي المظفر الإسفرايئني ت ٤٧١هـ، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الطبعة (١)، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
٦٧- تثبيت دلائل النبوة - للقاضي عبد الجبار (عبد الجبار بن أحمد الهمذاني تحقيق: د. عبد الكريم عثمان، دار العربية، بيروت.
٦٨- تجريد أسماء الصحابة، للحافظ الذهبي، دار المعرفة، بيروت.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
٦٩- تحفة الأريب في الرّدّ على أهل الصليب - لأبي محمّد عبد الله الترجمان الميورفي ت ٨٣٢هـ، تحقيق: عمر وفيق الداعون، الطبعة (١)، دار البناء الإسلامية، بيروت، ١٤٠٨هـ.
٧٠- ترانيم ومدائح منتخبة، مكتبة المحبة، القاهرة.
٧١- تعجيل المنعفة بزوائد رجال الأئمة الأربعة - لابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ)،طبعة دار المحاسن، القاهرة،١٩٦٦م.
٧٢- تفسير القرآن العظيم - للإمام ابن كثير ت ٧٧٤هـ، الطبعة (١)، دار المعرفة بيروت، ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
٧٣- تقريب التهذيب - للحافظ ابن حجر، تحقيق: عبد الوهّاب عبد اللطيف - دار المعرفة، بيروت.
٧٤- تلبيس إبليس، لابن الجوزي (جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي ت ٥٩٧هـ)، الطبعة (٢)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
٧٥- تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل - للقاضي أبي بكر الباقلاني (محمّد بن الطيب الباقلاني ت ٤٠٣هـ)، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، الطبعة (١)، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ١٤٠٧هـ.
٧٦- تنْزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة - عليّ بن محمّد بن عراق، مراجعة عبد الوهّاب عبد اللطيف وعبد الله الغماري، ١٣٧٥هـ.
٧٧- تنقيح الأبحاث للملل الثلاث: (اليهودية، المسيحية، الإسلام) - لسعد بن منصور بن كمونة اليهود، دار الأنصار، مصر.
٧٨- تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر - تهذيب الشيخ عبد القادر بدران ت ١٣٤٦هـ، الطبعة (٢)، دار المسيرة، بيروت، ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.
٧٩- تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر، الطبعة (١)، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.
٨٠- التوراة السامرية - ترجمة الكاهن السامري: أبو الحسن إسحاق الصوري، تحقيق: د. أحمد السقا، الطبعة (١)، دار الأنصار، القاهرة، ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
٨١- الثقات - لابن حبان (الحافظ أبي حاتم محمّد بن حبان التميمي البستي ت ٣٥٤هـ)، دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد - الهند ١٣٩٨هـ.
٨٢- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام أبي جعفر الطبري، الطبعة (٢)، مطبعة الحلبي، مصر، ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م.
٨٣- الجامع الصحيح - للإمام البخاري (محمّد بن إسماعيل البخاري ت ٢٥٦هـ)، مع فتح الباري.
٨٤- الجامع الصحيح - للإمام الترمذي (محمّد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي ت ٢٧٩هـ)، بتحقيق: أحمد محمّد شاكر، الطبعة (١)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٥٦هـ/ ١٩٣٧م.
٨٥- الجامع الصحيح للإمام مسلم (مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ت ٢٦١هـ)، بتقحيق: فؤاد عبد الباقي، الطبعة (١)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٧٥هـ/ ١٩٥٥م.
٨٦- الجامع لأحكام القرآن - للإمام القرطبي (أبي عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري ت ٦٧١هـ)، تحقيق: أحمد عبد العليم البردوني، دار الكاتب العربي للطباعة، القاهرة، ١٣٨٧هـ.
٨٧- الجرح والتعديل - لابن أبي حاتم (عبد الرحمن بن أبي حاتم ت ٣٧٧هـ)، مطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد، ١٣٨١هـ.
٨٨- الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح - للإمام ابن تيمية، نشر السيّد عليّ صبح المدني، مطابع المجد التجارية، جدة.
٨٩- الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين - لابن دقماق (إبراهيم بن محمّد بن أيدمر العلائي ت ٨٠٩هـ)، تحقيق: د. سعيد عاشور، إصدارات جامعة أم القرى بمكّة.
٩٠- حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ت ٩١١هـ، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة (١)، مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٨٧هـ/ ١٩٦٧م.
٩١- الحروب الصليبية في المشرق والمغرب - محمّد العروسي المطوي، الطبعة (٢)، دار المغربي الإسلامي، بيروت، ١٩٨٢م.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
٩٢- الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى - د. محمّد ربيع هادي المدخلي، الطبعة (١)، مكتبة لينة للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٨م.
٩٣- حلّ مشاكل الكتاب المقدس - القس منسي يوحنا، مكتبة المحبة، القاهرة.
٩٤- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - للحافظ أبي نعيم (أحمد بن عبد الله الأصفاني ت ٤٣٠هـ)، الطبعة (١)، مطبعة السعادة، مصر، ١٣٩٤هـ.
٩٥- حول تاريخ الأنبياء عند بني إسرائيل، م. ص. سيجال، ترجمة: د. حسن ظاظا، دار القلم، دمشق بيروت،١٤٠٧هـ/١٩٨٧م.
٩٦- حياة قسطنطين العظيم - يوسابيوس القيصر، ترجمة القمص مرقس داود، مكتبة المحبة، القاهرة، ١٩٧٠م.
٩٧- الخصائص الكبرى - للحافظ السيوطي (أبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت ٩١١هـ)، الطبعة (١)، دار الكتب العلمية، بيوت، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.
٩٨- خطط المقريزي (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) - للإمام المقريزي (تقي الدين أحمد بن عليّ بن عبد القادر ت ٨٤٥هـ)، مطبعة بولاق، القاهرة، ١٢٧٠هـ.
٩٩- دائرة المعارف القرن البريطانية، الطبعة (١٥)، في عام ١٩٨٣م.
THE NEW ENCYCLOPEDIA BRITANICA (READ REFERINCE) .
١٠٠- دائرة معارف العشرين - محمّد فريد وجدي، الطبعة (٣)، دار المعرفة، بيروت، ١٩٧١م.
١٠١- دائرة المعارف القرن الأمريكية، طبعة عام ١٩٥٩م.
ENCYCLOPEDIA AMERICANA
١٠٢- دائرة المعارف اليهودية، أورشيلم - إسرائيل ١٩٧٨م.
ENCYCLOPEDIA JU-DAICA JERUSALAM – ISRAEL – ١٩٧٨.
١٠٣- الداعي إلى الإسلام - للأنباري النحوي (كمال الدين أبي البركات عبد الرحمن بن محمّد الأنباري ت ٥٧٧هـ)، تحقيق: سيد حسن باغجوان، الطبعة (١)، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٨م.
[ ٢ / ٩٦٩ ]
١٠٤- درء تعارض العقل والنقل - للإمام ابن تيمية، تحقيق: د. رشاد سالم، الطبعة (١)، إصدار جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية، الرياض، ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.
١٠٥- دراسة تحليلية لإنجيل مرقس تاريخيًا وموضوعيًا، د. محمّد عبد الحليم مصطلى أبو السعد، الطبعة (١)، مطبعة الجيلاوي، القاهرة، ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.
١٠٦- الدر المنثور في التفسير بالمأثور - للسيوطي (جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ت ٩١١هـ)، المطبعة الميمنية - القاهرة.
١٠٧- الدرر في اختصار المغازي والسير - لابن عبد البرّ ت ٤٦٣هـ، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، الطبعة (٢)، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.
١٠٨- دلائل النبوة - للبيهقي (أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ت ٤٥٨هـ)، تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، الطبعة (١)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.
١٠٩- دلائل النبوة - لأبي نعيم الأصفهاني ت ٤٣٠هـ، تحقيق: د. محمّد رواس قلعة جي وعبد البرّ عباس، الطبعة (٢)، دار النفائس - بيروت، ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.
١١٠- دلائل النبوة - للغريابي (الحافظ أبي بكر جعفر بن محمّد الغريابي ت ٣٠١هـ)، تحقيق: محمود بن الحداد وأم عبد الله بنت محروس العسلي، دار طيبة، الرياض.
١١١- الدين والدولة في إثبات نبوة محمّد صلى الله عنه وسلم - عليّ بن ربن الطبري ت ٢٤٧هـ، تحقيق: عادل نويهض، الطبعة (٢)، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٩٧٩م.
١١٢- الديانات والعقائد في مختلف العصور - الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة (١)، مكّة المكرّمة، ١٤٠١هـ/ ١٩٨١م.
١١٣- ذيل مرآن الجنان - لليونيني البعلبكي (قطب الدين أبي الفتح موسى بن محمّد اليونيني ت ٧٢٦هـ)، الطبعة (١)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، ١٣٧٤هـ/ ١٩٥٤م.
١١٤- الرّدّ الأثري المفيد على البيجوري في شرح جوهرة التوحيد - عمر بن محمود أبو عمر، الطبعة (١)، دار الكتب الأثرية، الأردن، ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٩م.
[ ٢ / ٩٧٠ ]
١١٥- الرّدّ على النصارى - صالح بن الحسين الجعفري ت ٦٦٨هـ، مخطوطة بمكتبة أيا صوفيا رقم ٢٢٤٦م بتركيا.
١١٦- الرّدّ على النصارى - صالح بن الحسين الجعفري، تحقيق: د. محمّد محمّدِحسانين، الطبعة (١)،مكتبة وهبة، القاهرة،١٤٠٩هـ.
١١٧- الرسالة السبعية بإبطال الديانة اليهودية - للمهتدي الحبر إسرائيل بن شموئيل الأورشليمي. تحقيق: عبد الوهّاب طويلة، الطبعة (١)، دار القلم، دمشق، بيروت ١٤١٠هـ/ ١٩٨٩م.
١١٨- رسالة في اللاهوت والسياسة - باروخ سبينوزا، ترجمة د. حسن حنفي، الهيئة المصرية للتأليف، القاهرة، ١٩٧١م.
١١٩- الروح للإمام ابن قيِّم الجوزية ت ٧٥١هـ، تحقيق: محمّد اسكندريلدا الطبعة (١)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.
١٢٠- الروضة الأنف في شرح السيرة النبوة لابن هشام - للإمام عبد الرحمن السهيلي ت ٥٨١هـ، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، الطبعة (١)،دار الكتب الحديثة، القاهرة،١٣٨٧هـ/١٩٦٧م.
١٢١- الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية - لأبي شامة (شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي ت ٦٦٥هـ)، تحقيق: د. محمد حلمي محمّد أحمد، إصدار المؤسسة المصرية العامة بإشراف وزارة الثقافة المصرية.
١٢٢- السامريون واليهود - د. سيد فراج سيد، دار المريخ للنشر - الرياض.
١٢٣- سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد - للإمام محمّد بن يوسف الصالحي ت ٩٤٢هـ، تحقيق: د. مصطفى عبد الواحد، إصدار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م.
١٢٤- سلسلة الأحاديث الصحيحة - للألباني (الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني) من منشورات المكتب الإسلامي، بيروت.
١٢٥- سلسلة الأحاديث الضعيفة - للألباني، من منشورات المكتب الإسلامي، بيروت.
[ ٢ / ٩٧١ ]
١٢٦- السلوك لمعرفة دول الملوك - للمقريزي، نشر د. محمّد مصطفى، زيادة الطبعة (٢)، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ١٩٧٠م.
١٢٧- السنكسار الجامع لأخبار الأنبياء والرسل والشهداء والقديسين - وضع الأنبا بطرس الجميل والأنبا ميخائيل والأنبا يوحنا وغيرهم، نشر مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية، القاهرة.
١٢٨- سنن أبي داود - للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ت ٢٧٥هـ، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، دار الباز للنشر والتوزيع، بمكّة المكرّمة.
١٢٩- سنن الدارمي - لأبي محمّد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ت ٢٥٥هـ، عناية محمّد أحمد دهمان - دار إحياء السنة النبوية - بيروت.
١٣٠- السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم، تأليف: مجموعة من اللاهوتيين، نشر وطبع مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، بيروت، ١٩٧٣م.
١٣١- سنن النسائي - للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ت ٣٠٣هـ، الطبعة (١)، مطبعة الحلبي، ١٣٨٣هـ/ ١٩٦٤م.
١٣٢- السنة - لابن عاصم (الحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الضحّاك الشيباني ت ٢٨٧هـ)، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة - للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، الطبعة (١)، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٠هـ.
١٣٣- سير أعلام النبلاء - للذهبي (الإمام شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي ت ٧٤٨هـ)، تحقيق: د. شعيب الأرناؤوط وزملائه، الطبعة (١)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.
١٣٤- السيرة النبوية - لابن هشام (أبي محمّد عبد الملك بن هشام الذهبي النحوي ت ٢١٨هـ)، تحقيق: د. همام عبد الرحيم سعيد ومحمّد أبو صعيليك، الطبعة (١)، مكتبة المنار، الأردن، ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٨م.
١٣٥- شرح الشفا - عليّ القاري، مطبوع بهامش نسيم الرياض، الطبعة (١)، المطبعة الأزهرية المصرية، ١٣٢٧هـ.
١٣٦- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - للإمام اللالكائي (أبي القاسم هبة الله ابن الحسن بن منصور البطري اللالكائي ت ٤١٨هـ)، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، الطبعة (١)، دار طيبة، الرياض.
[ ٢ / ٩٧٢ ]
١٣٧- شرح جوهرة التوحيد - إبراهيم بن محمّد البيجوري ت ١٢٧٧هـ، الطبعة (١)، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
١٣٨- شرح صحيح مسلم - للإمام النووي (محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف الخزامي ت ٦٧٦هـ)،المطبعة المصرية، القاهرة.
١٣٩- شرح العقيدة الطحاوية - للإمام ابن أبي العزّ الحنفي، الطبعة (٤)، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩١هـ.
١٤٠- شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الشيخ عبد الله بن محمّد الغنيمان، الطبعة (١)، مكتبة الدار بالمدينة، ١٤٠٥هـ.
١٤١- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن قيّم الجوزية ت ٧٥١هـ، تحرير الحساني حسن عبد الله، دار التراث، القاهرة.
١٤٢- شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل - للجويني (أبي المعالي إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني ت ٤٧٨هـ)، تحقيق: د. أحمد السقا، الطبعة (١)، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.
١٤٣- الشفاء بتعريف حقوق المصطفى - للقاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي ت ٥٤٤هـ)، تحقيق: محمّد أمين قرة عليّ وزملائه، الطبعة (٢)، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٦م.
١٤٤- شمائل الرسول صلى الله عنه وسلم ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه، لابن كثير ت ٧٧٤هـ، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت.
١٤٥- الشمائل المحمّدية - للإمام الترمذي ت ٢٧٩هـ، إخراج: محمّد عفيف الزغبي، الطبعة (٢)، دار المطبوعات الحديثة، جدة ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.
١٤٦- صبح الأعشى في صناعة الإنشا - للقلقشندي (أبي العباس احمد بن عليّ القلقشندي ت ٨٢١هـ)، نسخة مصورة عن الطبعة الأميرية - المؤسسة المصرية لتأليف والترجمة، إشراف وزارة الثقافة المصرية.
[ ٢ / ٩٧٣ ]
١٤٧- الصحاح - للعلامة إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة (٢)، ١٤٠٢هـ.
١٤٨- الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية - د. محمّد أمان بن عليّ الجاهي، الطبعة (١)، إصدار المجلس العلمي بالجامعة الإسلاميّة، ١٤٠٨هـ.
١٤٩- صفة الصفوة - لابن الجوزي (الإمام جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي ت ٥٩٧هـ)، تحقيق: محمود فاخوري ومحمّد رواس قلعة جي، الطبعة (٢)،دار الوعي، حلب،١٣٨٩هـ/١٩٦٩م.
١٥٠- الصليب في الإسلام - حبيب زيات - مطبعة القديس يولس في حريصا، ١٩٣٥م.
١٥١- صحيح الجامع الصغير وزيادته - للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، الطبعة (٢)، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٦هـ.
١٥٢- صحيح سنن ابن ماجه - للشيخ محمّد نصار الدين الألباني، الطبعة (١)، نشر مكتب التربية العربية لدول الخليج.
١٥٣- صحيح سنن النسائي - للشيخ محمّد نصار الدين الألباني، الطبعة (١)، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٩هـ.
١٥٤- الضعفاء الكبير - للعقيلي (الحافظ أبي جعفر محمّد بن عمرو العقيلي ت ٣٢٢هـ)، الطبعة (١)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.
١٥٥- ضعيف الجامع الصغير - للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، الطبعة (٢)، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٨هـ، ١٩٨٨م.
١٥٦- ضعيف سنن ابن ماجه - للشيخ الألباني، الطبعة الأولى، نشر مكتبة التربية العربية لدول الخليج.
١٥٧- طبقات الشافعية - للسبكي (تاج الدين أبي نصر عبد الوهّاب ابن تقي الدين ت ٧٧١هـ)، تحقيق: عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي، الطبعة (١)، مكتبة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
١٥٨- الطبقات الكبرى - لابن سعد (محمّد بن عبد الله بن سعد البصري ت ٢٣٠هـ)، دار صادر، بيروت، ١٣٧٧هـ.
١٥٩- العبادات المسيحية، الأرشمندريت إلياس، القاهرة، ١٩٨١م.
١٦٠- العقائد الوثنية في الديانة النصرانية - محمّد طاهر التنير ت ١٣٥٢هـ، تحقيق: محمّد بن إبراهيم الشيباني، الطبعة (١)، مكتبة ابن تيمية الكويت، ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٧م.
١٦١- عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن - الشيخ حمود بن عبد الله التويجري، الطبعة (٢)، دار اللواء، الرياض، ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٩م.
١٦٢- علاقة الإسلام باليهودية - أ. د. محمّد خليفة حسن أحمد، دار الثقافة للنشر، القاهرة، ١٩٨٨م.
١٦٣- علل الحديث - لابن أبي حاتم (الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ت ٣٢٧هـ)، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.
١٦٤- العلل المتناهية في الأحاديث الواهية - لابن الجوزي ت ٥٩٧هـ، تحقيق: إرشاد الحقّ الأثري، فيصل آباد، لاهور، باكستان.
١٦٥- العلم الشامخ في إيثار الحقّ على الآباء والمشايخ - العلامة صالح بن مهدي المقبلي ت ١١٠٨هـ، الطبعة (٢)، دار الحديث، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.
١٦٦- غريب الحديث، - للخطابي (الإمام أبي سليمان أحمد بن محمّد الخطابي البستي ت ٣٨٨هـ)، تحقيق: د. عبد الكريم العزباوي، إصدارات جامعة أم القرى بمكّة، ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.
١٦٧- الغزو الفكري والعالم الإسلامي - د. عليّ عبد الحليم محمود، الطبعة (٢)،مكتبة عكاظ للنشر والتوزيع،١٤٠٢هـ/١٩٨٢م.
١٦٨- الفارق بين المخلوق والخالق - باجة دي زاده (الأستاذ عبد الرحمن بن سليم البغدادي)، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.
١٦٩- فتاوى ابن تيمية - للإمام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، الطبعة (١)، مطابع الرياض.
[ ٢ / ٩٧٥ ]
١٧١- فتح الباري شرح صحيح البخاري - لابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ، تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن باز، دار المعرفة، بيروت.
١٧٢- فتح المنان في نسخ القرآن - عليّ حسن العريفي، الطبعة (١)، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٩٧٣م.
١٧٣- الفصل في الملل والأهواء والنحل - للإمام ابن حزم الظاهري ت ٤٥٦هـ، تحقيق: د. محمّد إبراهيم نصر، ود. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيرت، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.
١٧٤- فضائل الصحابة ت للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: وصي الله بن محمّد عباس، الطبعة (١)، إصدارات جامعة أم القرى، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
١٧٥- الفكر الديني اليهودي - د. سحن ظاظا، الطبعة (٢)، دار القلم، بيروت، دمشق، ١٤٠٧هـ.
١٧٦- فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية - لويس عرديه وج. قنواتي، ترجمة صبحي الصالح، ود. فريد جبر، الطبعة (١)، دار العلم للملايين، بيوت، ١٩٦٧م.
١٧٧- فهرس الكتاب المقدس - د. جورج بوست، الطبعة (٥)، مكتبة المشعل، بيروت.
١٧٨- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة - للإمام محمّد عليّ الشوكاني ت ١٢٥٠هـ، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني-الطبعة (٢)،المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٢هـ.
١٧٩- قاموس أكسفورد للكنيسة المسيحية (بالإنجليزية) .
THE OXFORD DICTIONARY OF THE CHRISTIAN CHURCH – F.C. CROSS AND F.L. LIVINGSTONE.
١٨٠- القاموس الجديد العالمي للكنيسة المسيحية (بالإنجليزية) .
THE NEW INTERNATIONAL DICTIONARY OF THE CHRISTIAN CHRUCH – J.D DOUGLAS.
[ ٢ / ٩٧٦ ]
١٨١- قاموس الكتاب المقدس - جيمس هاستنج (باللغة بالإنجليزية)، طبعة ابدنبورج بريطانيا الطبعة (٢)، ١٩٦٣م.
١٨٢- قاموس الكتاب المقدس - تأليف: مجموعة من الأستاذة اللاهوتيين - القاهرة.
١٨٣- القاموس المحيط - للفيروزآبادي (مجد الدين محمّد بن يعقوب ت ٨١٧هـ)،الطبعة (٢)،مؤسسة الرسالة، بيروت،١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
١٨٤- القبائل العربية في مصر في القرون الثلاثة الأولى للهجرة - عبد الله خورشيد البري، دار الكتاب العربي، القاهرة، ١٩٦٧م.
١٨٥- القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم - د. موريس بوكاي، دار المعارف، القاهرة.
١٨٦- قصص الأنبياء - للحافظ ابن كثير ت ٧٧٤هـ، تحقيق: محمّد أحمد عبد العزيز، الطبعة (١)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
١٨٧- قصص الأنبياء - الأستاذ عبد الوهّاب النجار، الطبعة (٣)، دار إحياء التراث، بيروت.
١٨٨- قصة الحضارة - ول ديورانت، ترجمة محمّد بدران وغيره، بإشراف جامعة الدول العربية، الطبعة (٣)، القاهرة، ١٩٧٣م.
١٨٩- قصة الكنيسة القبطية (تاريخ الكنيسة الأورثوذكسية المصرية) - إيريس حبيب المصري، الطبعة (٥)، مطبعة الكرنك، الإسكندرية، ١٩٨٤م.
١٩٠- الكامل في ضعفاء الرجال - لابن عدي (الإمام الحافظ أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني ت ٣٦٥هـ)، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، الطبعة (٣)، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٩هـ.
١٩١- الكتاب المقدس - ترجمة تفسيرية - الطبعة (٢)، طبعة جي، سي. سنتر القاهرة.
١٩٢- الكتاب المقدس - طبعة دار الكتاب المقدس، القاهرة.
١٩٣- الكتاب المقدس - منشورات دار المشرق، بيروت، ١٩٨٣م.
كشف الأستار عن زوائد البراز - للحافظ نور الدين الهيثمي ت ٨٠٧هـ. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة (١)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٧٩م.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
١٩٥- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبد الله الشهير بـ (حاجي خليفة)، دار العلوم الحديثة، بيروت، ١٣٦٠هـ/ ١٩٤١م.
١٩٦- الكنْز الجليل في تفسير الإنجيل - د. وليم إدي، طبع ونشر مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، بيروت، ١٩٧٣م.
١٩٧- الكنْز المرصود في قواعد التلمود - د. روهلنج، ترجمة د. يوسف نصر الله، الطبعة (١)، دار القلم، بيروت، دمشق، ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٧م.
١٩٨- لب اللباب في تحرير الأنساب - جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، مكتبة المثنى، بغداد.
١٩٩- لسان العرب - لابن منظور (أبي الفضل جمال الدين بن مكرم ابن منظور الإفريقي)، دار صادر، بيروت.
٢٠٠- لسان الميزان - لابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ، الطبعة (٢)، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ١٣٩٠هـ/ ١٩٧١م.
٢٠١- اللالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، للسيوطي ت ٩١١هـ، بيروت، ١٣٩٥هـ.
٢٠٢- اللباب في تهذيب الأنساب - لابن الأثير الجزري (أبي المحاسن عليّ بن أبي الكرم الشيباني ت ٦٣٠هـ)، دار صادر - بيروت - ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.
٢٠٣- لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية-للإمام السفاريني، (محمّد بن أحمد السفاريني)،المكتب الإسلامي، بيروت.
٢٠٤- ما هي النصرانية؟ - الشيخ محمّد تقي العثماني، مكتب دار العلوم كراتشي، ١٤٠٣هـ.
٢٠٥- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - للحافظ الهيثمي (نور الدين عليّ بن أبي بكر الهيثمي ت ٨٠٧هـ)، مؤسسة المعارف، بيروت، ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.
٢٠٦- المجتمع القبطي في مصر في القرن ١٩م، - رياض سوريال، مكتبة المحبة، القاهرة.
[ ٢ / ٩٧٨ ]
٢٠٧- مجموعة الرسائل الكبرى - للإمام ابن تيمية ت ٧٢٨هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٢٠٨- مجموعة الشرع الكنسي (قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة)، جمع وترتيب الأرشمندريت حنانيا إلياس كاب، مطبعة النور، بيروت، ١٩٧٥م.
٢٠٩- محاضرات في النصرانية، الأستاذ محمّد أبو زهرة، الطبعة (٣)، دار الكتاب الحديث، الكويت.
٢١٠- محمّد رسول الله هكذا بشرت به الأناجيل، بشرى زخارى ميخائيل، الطبعة (٢)، عالم الكتب، القاهرة.
٢١١- محمّد صلى الله عنه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن - إبراهيم خليل أحمد، دار المنار، القاهرة، ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٩م.
٢١٢- محمّد في الكتاب المقدس - الأستاذ عبد الأحد داود، ترجمة فهمي شما، الطبعة (٢)، دار الضياء للنشر، قطر، ١٤٠٥هـ.
٢١٣- محمّد نبي الإسلام في التوراة والإنجيل والقرآن - الأستاذ محمّد عزت الطهطاوي، مطبعة التقدم، القاهرة.
٢١٤- المختار في الرّدّ على النصارى - للجاحظ (أبي عثمان عمرو ابن بحر الجاحز ت ٢٥٥هـ)، تحقيق: د. محمّد عبد الله الشرقاوي، الطبعة (١)، دار الصحوة للنشر، القاهرة، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٤م.
٢١٥- مختصر علم اللاهوت - الحقير فرنسيس أيوب رئيس أساقفة حلب، منشورات المطبعة الكاثوليكية، بيروت.
٢١٦- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة-للإمام ابن قيم الجوزية اختصره الشيخ محمّد بن الموصلي، مكتبة المتنبي، القاهرة.
٢١٧- المدخل إلى السنن الكبرى - للحافظ أبي بكر البيقهي ت ٤٥٨هـ، تحقيق: د. محمّد ضياء الرحمن الأعظمي، دار الخلفاء لكتاب الإسلامي، الكويت.
٢١٨- المدخل إلى الكتاب المقدس - حبيب سعيد - نشر دار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية بالقاهرة، بالاشتراك مع مجمع الكنائس بالشرق الأقصى.
[ ٢ / ٩٧٩ ]
٢١٩- مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء - أحمد ديدات - ترجمة عليّ الجوهري، دار الاعتصام، القاهرة.
٢٢٠- المستدراك على الصحيحين في الحديث - للحافظ الحاكم (أبي عبد الله محمّد بن عبد الله النيسابوري ت ٤٠٥هـ)، وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي، طبع بإشراف د. يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت.
٢٢١- مسند الإمام أحمد بن حنبل - للإمام أحمد بن حنبل الشيباني ت ٢٤١هـ، الطبعة (٢)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.
٢٢٢- المسيح إله أم إنسان؟ - محمّد مجدي مرجان، دار النهضة العربية، مصر.
٢٢٣- المسيحية نشأتها وتطورها، شارل جنيبر، ترجمة: د. عبد الحليم محمود، المكتبة العصرية، صيدا.
٢٢٤- مشكل الآثار - لأبي جعفر الطحاوي (الإمام أحمد بن محمّد ابن سلامة الأزدي) الطبعة (١)، حيدر آباد - ١٣٣٣هـ.
٢٢٥- مشكاة المصابيح - للتبريزي (محمّد بن عبد الله الخطيب)، تحقيق: الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٩هـ.
٢٢٦- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - أحمد بن محمّد المقري الفيومي ت ٧٧٠هـ، المكتبة العلمية، بيروت.
٢٢٧- مصر في العصور الوسطى، د. عليّ إبراهيم حسن، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
٢٢٨- مصنف ابن أبي شيبة - لابن أبي شيبة (عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة العبسي، ت ٢٣٥هـ)، ضبطه كمال يوسف الحوت، الطبعة (١)، دار التاج، بيروت، ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٩م.
٢٢٩- المعارف للإمام ابن قتيبة (أبي محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ت ٢٧٦هـ)، الطبعة
_________________
(١) ، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.
(٢) المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمّد محمد حسن شراب، الطبعة (١)، دار القلم، دمشق، بيروت، ١٤١١هـ/ ١٩٩١م.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
٢٣١- معجم البلدان - ياقوت الحموي (شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، ت ٦٢٦هـ)، دار صادر، بيروت، ١٣٧٦هـ/ ١٩٥٧م.
٢٣٢- المعجم الفلسفي - إصدار مجمع اللغة العربية بالقاهرة - عالم الكتب، بيروت، ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.
٢٣٣- معجم قبائل العرب القديمة والحديثة - عمر رضا كحالة، الطبعة (٢)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.
٢٣٤- المعجم الكبير - للحافظ الطبراني (أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ت ٣٦٠هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة (١)، الدار العربية للطباعة، بغداد.
٢٣٥- معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية - المقدم عاتق بن غيث البلادي، الطبعة (١)، دار مكّة للطباعة، مكّة، ١٤٠٢هـ.
٢٣٦- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي - نشر د. أ. ي. ونسنك مكتبة بريل في ليدين بهولندا، ١٩٣٦م.
٢٣٧- المعجم الأوسط للحافظ الطبراني، تحقيق: د. محمود الطحان، الطبعة (١)، مكتبة المعارف، الرياض.
٢٣٨- المغازي - محمّد بن عمر الواقدي، تحقيق: د. مارسدن جونس مؤسسة الأعلمي، بيروت.
٢٣٩- المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للحافظ محمّد بن عبد الرحمن السخاوي ت ٩٠٢هـ، تحقيق: محمّد عثمان الخشت، الطبعة (١)، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٥هـ.
٢٤٠- مقارنة الأديان (اليهودية - المسيحية) - د. أحمد شلبي، الطبعة (٧)، مكتبة النهضة العربية، القاهرة، ١٩٨٣م.
٢٤١- مقامع هامات الصلبان ومراتع روضات الإيمان في الرّدّ على عبدة الأوثان - لأبي عبيدة الخرزجي ت ٥٨٢هـ، تحقيق: د. محمّد شامة وقد نشره بعنوان: (بين الإسلام والمسيحية)، مكتبة وهبة، القاهرة.
[ ٢ / ٩٨١ ]
٢٤٢- مقدمة مسند بقية بن مخلد ت ٢٧٦هـ، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري الطبعة (١)،مطبعة بساط، بيروت،١٤٠٤هـ/١٩٨٤م.
٢٤٣- الملل والنحل - للشهرستاني (أبي الفتح محمّد عبد الكريم الشهرستاني ت ٥٤٨هـ)، تحقيق: محمّد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت.
٢٤٤- من دحرج الحجر؟ - فرانك موريسون (باللغة الإنجليزية)، طبع فايبر أنه فليبر، لندن:
WHO MOVED THE STONE؟ FANK MORISON، PB. FABER AND FABER، LONDON.
٢٤٥- المناظرة الكبرى بين الشيخ رحمة الله والدكتور القسيس فندر - تحقيق: د. محمّد عبد القادر خليل، الطبعة (١)، دار ابن تيمية للنشر، الرياض، ١٤٠٥هـ.
٢٤٦- مناهل الصفا بتخريج أحاديث الشفا - للحافظ السيوطي ت ٩١١هـ)، الطبعة الحجرية البقديمة.
٢٤٧- مناهل الصفا بتخريج أحاديث الشفا - للحافظ السيوطي، تحقيق: سمير القاضي، الطبعة (١)، دار الجنان ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.
٢٤٨- المنتخب الجليل مِن تخجيل مَنْ حَرَّف الإنجيل - لأبي الفضل المالكي السعودي، مخطوطة بمكتبة أحمد الثالث تحت رقم: (١٧٦٥٩، بتركيا، ومصورة ميكروفيلم بمركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، تحت رقم: ٦٨/١٥ عقيدة) .
٢٤٩- المنتخب الجليل مِن تخجيل مَنْ حَرَّف الإنجيل - لأبي الفضل المالكي، مكتبة أحمد المليجي، مصر، ١٣٢٢هـ.
٢٥٠- المنجد في اللغة والأعلام-الطبعة (٢٧)،المكتبة الشرفية، بيروت.
٢٥١- منهاج السنة النبوية - لابن تيمية ت ٧٢٨هـ، تحقيق: د. محمّد رشاد سالم، الطبعة (١)، نشر جامعة الإمام محمّد بن سعود بالرياض.
٢٥٢- منهج الأشاعرة في العقيدة - د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي، الطبعة (١)، الدار السلفية، الكويت، ١٤٠٧هـ.
٢٥٣- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان - للحافظ الهيثمي، تحقيق: محمّد عبد الزراق حمزة، دار الكتب العلمية، بيروت.
[ ٢ / ٩٨٢ ]
٢٥٤- المواقف في علم الكلام - القاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، عالم الكتب، بيروت.
٢٥٥- موجز تاريخ المسيحية - القمص يسطس الدويري، مطبعة ملجأ الأيتام القبطي الخيري، بمصر، ١٩٤٩م.
٢٥٦- موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف - إعداد: محمّد السعيد بن بسيوني زغلول، الطبعة
(١)، عالم التراث، بيروت، ١٤١٠هـ/ ١٩٨٩م.
٢٥٧- الموسوعة العربية الميسرة، دار نهضة لبنان، بيروت، ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م.
٢٥٨- موسوعة تاريخ الأقباط والمسيحية - زكي شنودة، الطبعة (١)، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٧٤م.
٢٥٩- الموضوعات - لابن الجوزي (أبي الفرج عبد الرحمن بن عليّ ابن الجوزي ت ٥٩٧هـ)، من منشورات المكتب السلفية بالمدينة المنورة - ١٣٦٠هـ.
٢٦٠- الموطّأ - للإمام مالك بن أنس، تصحيح: محمّد فؤاد عبد الباقي، كتاب الشعب، القاهرة.
٢٦١- المسيح في مصادر العقائد المسيحية - المهندس أحمد عبد الوهّاب، الطبعة (١)،مكتبة وهبة، القاهرة،١٣٩٨هـ/١٩٧٨م.
٢٦٢- مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان، الطبعة (١٢)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
٢٦٣- المطالب العالية للحافظ بن حجر العسقلاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي الطبعة (١)، المطبعة العصرية، الكويت.
٢٦٤- المفردات في غريب القرآن - للراغب الأصفهاني ت ٥٠٢هـ، تحقيق: محمّد سيّد كيلاني، دار المعرفة، بيروت.
٢٦٥- مَن روى عن أبيه عن جدّه، لابن قطلوبغا (الشيخ الزين أبي العدل قاسم بن قطلوبغا، ت ٨٧٩هـ)، تحقيق: الدكتور باسم الجوابرة، الطبعة (١)، مكتبة المعلا، الكويت، ١٤٠٩هـ.
٢٦٦- النبوات - للإمام ابن تيمية ت ٧٢٨هـ، دار يالكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
٢٦٧- النبوة والأنبياء - للشيخ محمّد عليّ الصابوني، الطبعة (١)، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٥هـ. ن
٢٦٨- النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام - أحمد عبد الوهّاب، الطبعة (١)، مكتبة وهبة، القاهرة، ١٤٠٠هـ.
٢٦٩- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - لابن تغري بردي (جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي ت ٨٧٤هـ)، طبعة دار الكتب المصرية، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة.
٢٧٠- النسخ بين الإثبات والنفي - د. محمّد محمود فرغلي - دار الكتاب الجامعي.
٢٧١- نسيم الررياض في شرح شفاء القاضي عياض - للخفاجي (أحمد شهاب الدين الخفاجي المصري)، الطبعة (١)، المطبعة الأزهرية المصرية، ١٣٢٧هـ.
٢٧٢- نقد التوراة أسفار موسى الخمسة - د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٩٧٦م.
٢٧٣- النصرانية والإسلام - محمّد عزت الطهطاوي - دار الأنصار، القاهرة.
٢٧٤- النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية - للمهتدي نصر بن يحيى بن عيسى المتطبب، تحقيق: الطالب محمود عبد الرحمن قدح، رسالة ماجستير مقدمة في الجامعة الإسلاميّة للعام الجامعي: ١٤٠٧هـ.
٢٧٥- نقض أساس التقديس - للإمام ابن تيمية، مخطوط بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلاميّة، ميكروفيلم تحت رقم: (٣٦٢٥) .
٢٧٦- النكت على كتاب ابن الصلاح - للحافظ ابن حجر ت ٨٥٢هـ، تحقيق: د. ربيع المدخلي، إصدار المجلس العلمي بالجامعة الإسلاميّة، ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.
٢٧٧- النهاية في غريب الحديث والأثر - لابن الأثير (مجد الدين أبي السعادات المبارك ابن محمّد الجزري ت ٦٠٦هـ)، تحقيق: محمود محمّد الطناحي وطاهر أحمد الزواوي، نشر أنصار السنة المحمدية، لاهور، باكستان.
٢٧٨- النهاية في الفتن والملاحم، للإمام ابن كثير ت ٧٧٤هـ، تحقيق: محمّد أحمد عبد العزيز، دارالحديث،١٤٠١هـ/١٩٨٠م.
[ ٢ / ٩٨٤ ]
٢٧٩- نواسخ القرآن، لابن الجوزي - تحقيق: محمّد أشرف المليباري، إصدار المجلس العلمي، بالجامعة الإسلاميّة.
٢٨٠- هداية الحياري في أجوبة اليهود والنصارى - للإمام ابن القيم (محمّد بن أبي بكر بن قيّم الجوزي ت ٧٥١هـ)، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، الطبعة (٢)، المكتبة القيمة، القاهرة، ١٣٩٩هـ.
٢٨١- هدية العارفين بأسماء المؤلِّفين وآثار المصنفين - إسماعيل باشا البغدادي، دار العلوم الحديثة، بيروت.
٢٨٢- همجية التعاليم الصهيونية - بولس حنا مسعد - المكتب الإسلامي، ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٩م.
٢٨٣- الوافي بالوفيات - للصفدي (صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ت ٧٦٤هـ)، دار النشر فرانز شتاير، فيسبادن بألمانيا - ١٤٠٢هـ.
٢٨٤- الوسائل العلمية للإصلاحات القبطية - حبيب جرجس، المطبعة التجارية، مصر.
٢٨٥- وفيات الأعيان - لابن خلكان. (أبي العباس شمس الدين أحمد ابن محمّد بن أبي بكرت ٦٨١هـ)، الطبعة (١)، مطبعة السعادة، ١٣٦٧هـ.
٢٨٦- يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء - د. رؤوف شلبي.
٢٨٧- اليهودية - د. محمّد بحر عبد المجيد، مكتبة سعيد رأفت، القاهرة، ١٩٧٨م.
٢٨٨- اليهودية والمسيحية - د. محمّد ضياء الرحمن الأعظمي، الطبعة (١)، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ١٤٠٩هـ/ ١٩٨٨م.
[ ٢ / ٩٨٥ ]