الفَصْلُ الأَوَلُ: فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ ﵃
الفَصْلُ الثَّاني: وُجُوْبُ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃
الفَصْلُ الثَّالِثُ: وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ لِلصَّحَابَةِ ﵃
الفَصْلُ الرَّابِعُ: عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ ﵃
الفَصْلُ الخَامِسُ: حُكْمُ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃
الفَصْلُ السَّادِسُ: فَضَائِلُ مُعَاوِيَةَ ﵁
[ ٨٩ ]
الفَصْلُ الأَوَلُ
فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ ﵃
إنَّ فَضَائِلَ وشَمَائِلَ الصَّحَابَةِ ﵃ في الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وكَلامِ السَّلَفِ، أكْثَرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ وأشْهَرُ مِنْ أنْ تُذْكَرَ؛ فَهَذِهِ المَكْتَبَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ مَلِيْئَةٌ بِكُتُبِ فَضَائلِهِم وشَمَائِلِهِم ومَنَاقِبِهِم وسِيَرِهِم، وَهَذَا لاَ يَخْفَى عَلى أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وبِهِ التَّوفِيْقُ والعِصْمَةُ (١).
_________________
(١) ومِنَ الكُتُبِ الَّتِي سَاهَمَتْ في تَرَاجُمِ وفَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بعَامَّةٍ: «فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ» للإمَامِ أحْمَدَ، و«مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ» لابنِ مَنْدَه، و«الاسْتِيْعَابُ» لابنِ عَبْدِ البَرِّ، و«أُسُدِ الغَابَةِ» لابنِ الأثِيْرِ، وغَيْرُها كَثِيْرٌ، ومِنْ آخِرِها «الإصَابَةُ في تَمْيِيْزِ الصَّحَابَةِ» لابنِ حَجَرٍ، وهو مِنْ أجْمَعِها وأنْفَعِها تَحْقِيْقًا وتَدْقِيْقًا، تَحْرِيْرًا وتَمْيِيْزًا إلاَّ أنَّه ﵀ لم يُكْمِلْه بِشَكْلِه النِّهائِي، لأنَّه خَصَّصَ بابًا للمُبْهمَاتِ في آخِرهِ ولم نَرَه فِيْهِ!، كما أنَّه في حَاجَّةٍ مُلِحَّةٍ لتَحْقِيْقِه تَحْقِيْقًا عِلْمِيًّا؛ لاسِيَّما أنَّ مَخْطُوطَاتِه مَوْجُوْدَةٌ، كُلُّ ذَلِكَ نُصْرَةً لأصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ، وبِرًّا لابنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
[ ٩١ ]
إلاَّ أنَّنا أحْبَبْنا أنْ نَقِفَ بالقَارِئ الكَرِيْمِ على بَعْضِ ما ذُكِرَ في فَضَائِلِهِم بِعَامَّةٍ، أمَّا ذِكْرُ ما وَرَدَ في فَضَائلِهِم على وَجْهِ الخُصُوصِ فَلَمْ نُشِرْ إِليْهِ؛ لأنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ بَحْثِنَا؛ اللَّهُمَّ مَا كَانَ مِن ذِكْرِ فَضَائِلِ: مُعَاوِيَةَ ﵁؛ لأنَّ الكَلامَ حَوْلَهُ قَدْ أَخَذَ مَنْحَىً آخَرَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ والبِدَعِ، وعَلَيْهِ تَأَثَّرَ بَعْضُ المُسْلِمِيْنَ بِهِ إمَّا جَهْلًا، وإمَّا سُوْءَ طَوِيَّةٍ عَيَاذًا بِاللهِ!
أَمَّا فَضْلُ الصَّحَابَةِ بِعَامَّةٍ فَهَاكَ طَرَفًا مِنْهَا، عَسَانِي أُطَرِّبُ (١) سَمْعَكَ، وأُثْلِجُ صَدْرَكَ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى:
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فَهَذِهِ الآيَةُ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَبْلَغِ الثَّنَاءِ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ عَلَى السَّابِقِيْنَ الأوَّلِيْنَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والتَّابِعِينَ لَهُم بِإحْسَانٍ،
_________________
(١) أطْرَبَ الآذَانَ أو أمْتَعَها، لا شَنَّفَها اعْتِمادًا عَلى ما يَدُوْرُ عَلى ألْسِنَةِ الأُدَباء، ومَا تُحَبِّره أقْلامُهُم!، لأنَّ الشَّنَفَ: هُو ما عُلِّقَ في أعْلَى الأذُنِ، أي القُرْطُ الأعْلَى. انْظُرْ «مُعْجَمَ الأغْلاطِ اللُّغَوِيَّةِ «لمحَمَّدٍ العَدْنانيِّ (٣٥٦).
[ ٩٢ ]
حَيْثُ أَخْبَرَ تَعَالَى أنَّهُ رَضِيَ عَنْهُم، ورَضُوْا عَنْهُ بِمَا مَنَّ عَلَيْهِم وأكْرَمَهُم مِنْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ خَالِدِيْنَ فِيهَا أبَدًا، وقَد خَسِرَ نَفْسَهُ بَعْدَ هَذَا مَنْ مَلأ
قَلْبَه بِبُغْضِهِم، واسْتَعْمَلَ لِسَانَهُ في سَبِّهِم، والوَقِيعَةِ فِيْهِم عَيَاذًا بِاللهِ!
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٩]. وقَدْ أَطْبَقَ كَثِيْرٌ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ المُصْطَفِيْنَ هُنَا في الآيَةِ: هُم أصْحَابُ النَّبيِّ - ﷺ -؛ بَلْ هُم أوْلى النَّاسِ يَقِينًا بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ.
قَالَ ابنُ جَرِيْرٍ الطَبَرِيُّ ﵀: «(الَّذِينَ اصْطَفَاهُم) يَقُولُ: الَّذِينَ اجْتَبَاهُم لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَجَعَلَهُم أَصْحَابَهُ ووُزَرَاءهُ عَلَى الدِّيْنِ الَّذِي بَعَثَهُ بِالدُّعَاءِ إِلَيهِ دُوْنَ المُشْرِكِيْنَ بهِ الجَاحِدِيْنَ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِم، ثُمَّ ذَكَرَ بِإسْنَادِهِ إلى ابْنِ عَبَّاسٍ في تَّأوِيْلِ هَذِهِ الآيَةِ، قَالَ: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ اصْطَفَاهُم اللهُ لِنَبِيِّهِ»، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبَارَكِ (١).
* * *
_________________
(١) «جَامِعُ البَيَانِ» لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (٢٠/ ٢).
[ ٩٣ ]
قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀؛ في مَعْرَضِ تَفْسِيْرِ هذه الآيَةِ: «قال طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: هم أصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، ولا رَيْبَ أنَّهُم أفْضَلُ المُصْطَفِيْنَ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ» (١).
وقَالَ السَّفَّارِيْنِيُّ ﵀ (١١٨٩)؛ في مَعْرَضِ تَفْسِيْرِ هذه الآيَةِ: «هُم أصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -» (٢).
وقَالَ تَعَالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وهَذِه الآيَةُ كَذَلِكَ تَضَمَّنَتْ مَنْزِلَةَ الرَّسُوْلِ - ﷺ - بالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَاءَ اللهِ تَعَالى فيها بالثَّنَاءِ على سَائِرِ الصَّحَابَةِ ﵃ أجْمَعِيْنَ.
* * *
_________________
(١) «مِنْهاجُ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (١/ ١٥٦).
(٢) «لَوامِعُ الأنْوارِ البَهِيَّةِ» للسَّفَّارِيْنِيِّ (٢/ ٣٨٤).
[ ٩٤ ]
وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قُلْنَا لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوْعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لأصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَهَذَا الحَدِيْثُ قَدْ تَضَمَّنَ فَضِيْلَةَ الصَّحَابَةِ ﵃ على وجْهِ العُمُوْمِ كما اشْتَمَلَ على بَيَانِ مَنْزِلَتِهِم ومَكَانَتِهِمُ العَالِيَةِ في الأمَّةِ وذَلِكَ بأنَّهُم في الأمَّةِ بِمَنْزِلَةِ النُّجُوْمِ مِنَ السَّمَاءِ.
وعَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»، قَالَ عِمْرَانُ: لا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً؟
_________________
(١) أخْرجَهُ مُسْلِمٌ (٤/ ١٩٦).
[ ٩٥ ]
قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويُنْذِرُونَ ولا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
* * *
وقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ بَعْضَ الأحَادِيْثِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا: «وهذه الأحَادِيْثُ مُسْتَفِيْضَةٌ؛ بل مُتَوَاتِرَةٌ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ والثَّنَاءِ عَلَيْهِم، وتَفْضِيْلِ قَرْنِهِم على مَنْ بَعْدَهُم مِنَ القُرُونِ، والقَدْحُ فِيْهِم قَدْحٌ في القِرْآنِ والسُّنَّةِ» (٢).
* * *
أمَّا ذِكْرُ فَضَائلِهِم عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَحَدِيْثٌ ذُو شُجُونٍ لا تَشْبَعُ مِنْهُ النُّفُوسُ.
فهَاكَ بَعْضَ ما قَالَهُ حَبْرُ الأمَّةِ تُرْجُمَانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵁: «إنَّ اللهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ وتَقَدَّسَتْ أسْمَاؤُهُ - خَصَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِصَحَابَةٍ آثَرُوْهُ على الأنْفُسِ والأمْوَالِ، وبَذَلُوا النَّفْسَ دُوْنَهُ في كُلِّ حالٍ، ووَصَفَهُم اللهُ في كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ
_________________
(١) أخْرجَهُ البُخارِيُّ (٢/ ٢٨٨)، ومُسْلِمٌ (٤/ ١٩٦٣).
(٢) «مَجْمُوعُ الفَتاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٤/ ٤٣٠).
[ ٩٦ ]
رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
قامُوا بِمَعَالِمِ الدِّيْنِ، وناصَحُوا الاجْتِهَادَ لِلمُسْلِمِيْنَ حَتى تَهَذَّبَتْ طُرُقُهُ، وقَوِيَتْ أسْبَابُهُ وظَهَرَتْ آلاءُ اللهِ، واسْتَقَرَّ دِيْنُهُ وَوَضَحَتْ أعْلامُهُ، وأذَلَّ بِهِمُ الشِّرْكَ، وأزَالَ رُؤُوْسَهُ ومَحَا دَعَائِمَهُ، وصَارَتْ كَلِمَةُ اللهِ العُلْيَا، وكَلِمَةُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا السُّفْلَى، فَصَلَوَاتُ اللهِ ورَحْمَتُهُ وبَرَكَاتُهُ على تِلْكَ النُّفُوْسِ الزَّكِيَّةِ، والأرْوَاحِ الطَّاهِرَةِ العَالِيَةِ، فَقَدْ كانُوا في الحَياةِ للهِ أوْلِيَاءَ، وكانُوا بَعْدَ المَوْتِ أحْيَاءَ (بِذِكْرِهِم)، وكانُوا لِعِبَادِ اللهِ نُصَحَاءَ، رَحَلُوا إلى الآخِرَةِ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إليْهَا، وخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وهُم بَعْدُ فِيْهَا» (١).
* * *
_________________
(١) «مُرُوجُ الذَّهَبِ ومَعَادِنُ الجَوْهَرِ» للمَسْعُوْدِيِّ (٣/ ٧٥).
[ ٩٧ ]
ورَوَى ابْنُ بَطَّةَ بإسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: «مَنْ كان مِنْكُمْ مُسْتَنًا فلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ؛ فإنَّ الحَيَّ لا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ، أُوْلَئِكَ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ كانُوا واللهِ أفْضَلَ هذه الأمَّةِ، وأبَرَّها قُلُوْبًا، وأعْمَقَهَا عِلْمًا وأقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمًا أخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وإقَامَةِ دِيْنِهِ، فاعْرِفُوا لَهُم فَضْلَهُم، واتَّبِعُوهُم في آثارِهِم، وتَمَسَّكُوا بِمَااسْتَطَعْتُم مِنْ أخْلاقِهِم ودِيْنِهِم؛ فإنَّهُم كانوا على الهُدَى المُسْتَقِيْمِ» (١).
ورَوَى أبُو نُعَيْمٍ الأصْبَهَانيُّ بإسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمْرَ ﵄ (٢) نَحْو كلامِ ابنِ مَسْعُوْدٍ.
* * *
ورَوَى الإمَامُ أحَمْدُ بإسْنَادِهِ إلى قَتَادَةَ بنِ دُعَامَةَ أنَّهُ قال: «أحَقُّ مَنْ صَدَّقْتُمْ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - الَّذِيْنَ اخْتَارَهُم اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وإقامَةِ دِيْنِهِ» (٣).
قَالَ الإمَامُ أبُو زُرَعَةَ ﵀: «إذا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - فاعْلَمْ أنَّهُ زِنْدِيْقٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّسُوْلَ
_________________
(١) انظُر «مِنْهاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (١/ ١٦٦).
(٢) «حِلْيةُ الأوْلياءِ» (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، وذَكَرهُ البَغَوِيُّ عَنِ ابنِ مَسْعُوْدٍ (١/ ٢١٤).
(٣) أخْرَجَهُ أحْمَدُ (٣/ ١٣٤).
[ ٩٨ ]
- ﷺ - عِنْدَنَا حَقٌّ، والقُرْآنَ حَقٌ، وإنَّمَا أدَّى إلَيْنَا هذا القُرْآنَ والسُّنَنَ أصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وإنَّمَا يُرِيْدُونَ أنْ يَجْرَحُوا شُهُوْدَنا لِيُبْطِلُوا الكَتَابَ والسُّنَّةَ، والجَرْحُ بِهِم أوْلى وَهُم زَنَادِقَةٌ» (١) رَوَاهُ الخَطِيْبُ، وابْنُ عَسَاكِرَ.
وقَالَ الفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ، وسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ انْتَقَصَ مُعَاوِيَةَ،
وعَمْرَو بْنَ العَاصِ أيُقَالُ لَهُ: رَافِضِيٌ؟ قال: «إنَّهُ لم يَجْتَرِئ عَلَيْهِمَا إلاَّ وله خَبِيْثَةُ سُوْءٍ، ما يُبْغِضُ أحَدٌ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - إلاَّ ولَهُ دَاخِلَةُ سُوْءٍ» (٢).
* * *
وقَالَ العَلاَّمَةُ السَّفَّارِيْنِيُّ: «ولا يَرْتَابُ أحَدٌ مِنْ ذَوِي الألْبَابِ أنَّ الصَّحَابَةَ الكِرَامَ هُمُ الَّذِيْنَ حَازُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ، واسْتَوْلَوْا على مَعَالِي الأمُوْرِ مِنَ الفَضْلِ والمَعْرُوْفِ والصِّدْقِ، فالسَّعِيْدُ مَنِ اتَّبَعَ صِرَاطَهُم المُسْتَقِيْمَ، واقْتَفَى مَنْهَجَهُم القَوِيْمَ، والتَّعِيْسُ مَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيْقِهِم، ولم يَتَحَقَّقْ بِتَحْقِيْقِهِم فلا مَعْرُوْفَ إلاَّ ما عَنْهُم عُرِفَ، ولا بُرْهَانَ إلاَّ بِعُلُومِهِم كُشِفَ، ولا سَبِيْلَ نَجَاةٍ إلاَّ ما سَلَكُوا، ولا
_________________
(١) «الكِفَايَةُ» للخَطِيْبِ البَغْدادِيِّ (٩٧)، و«تارِيْخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (٣٨/ ٣٢).
(٢) «تارِيْخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (٥٩/ ٢١٠)، و«السُّنةُ» للخَلاَّلِ (٤٤٧).
[ ٩٩ ]
خَيْرَ سَعَادَةٍ إلاَّ ما حَقَّقُوهُ وحَكَوْهُ، فَرِضْوَانُ اللهُ تَعَالى عَلَيْهِم أجْمَعِيْنَ» (١).
وقَدْ قِيْلَ: «كُلُّ خَيْرٍ فِيْهِ المُسْلِمُوْنَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الإيْمَانِ، والإسْلامِ، والقُرْآنِ، والعِلْمِ، والمَعَارِفِ، والعِبَادَاتِ، ودُخُوْلِ الجَنَّةِ والنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وانْتِصَارِهِم على الكُفَّارِ، وعُلُوِّ كَلِمَةِ اللهِ - فإنَّمَا هُوَ بِبَرَكَةِ ما فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ الَّذِيْنَ بَلَّغُوا الدِّيْنَ، وجَاهَدُوا في سَبِيْلِ اللهِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ آمَنَ باللهِ فَلِلْصَّحَابَةِ ﵃ الفَضْلُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢).
* * *
وبِهَذا نَكْتَفِي بِمَا جَاءَ في فَضْلِهِم، والثَّنَاءِ عَلَيْهِم ﵃ أجْمَعِيْنَ، ومَنْ أرَادَ زِيَادَةً في فَضْلِهِم فَعَلَيْهِ بِكُتُبِ السُّنَّةِ، والسِّيَرِ، لا سِيَّمَا الكُتُبُ الَّتِي عَنَتْ بِتَرَاجِمِهِم.
لِذَلِكَ لمَّا وَقَفَ عُلَمَاءُ الأمَّةِ ﵏ سَلَفًا وخَلَفًا حِيَالَ هَذِهِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، والأحَادِيْثِ النَبَوِيَّةِ، والآثارِ السَّلَفِيَّةِ الدَّالَةِ على فَضْلِ
_________________
(١) «لوَامِعُ الأنْوارِ البَهِيَّةِ» للسَّفارِيْنِيِّ (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
(٢) مِنْ كلامِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ، وانْظُر «طَرِيْقَ الهِجْرَتَيْنِ» لابنِ القَيِّمِ (٣٦٢) نَقْلًا عَنْ «عَقِيْدَةِ أهْلِ السُّنةِ والجَمَاعةِ» لناصِرٍ.
[ ١٠٠ ]
الصَّحَابَةِ ﵃، قابَلُوْها بالتَّسْلِيْمِ والقَبُولِ مَعَ اعْتِقَادِ فَضْلِهِم، والتَّرُحُّمِ عَلَيْهِم، وذِكْرِ مَحَاسِنِهِم بَيْن النَّاسِ ممَّا يَحْصُلُ بِذَلِكَ سَلامَةُ صُدُورِهِم وقُلُوْبِهِم تُجَاهَ الصَّحَابَةِ ﵃، وهذا كُلُّهُ لا يَسْتَقِيْمُ ولا يَكُوْنُ إلاَّ باعْتِقَادِ ضِدِّهِ، ومُنَابَذَةِ خِلافِهِ.
وذَلِكَ بالكَفِّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، وعَدَمِ ذِكْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ ممَّا يَحْصُلُ بِهِ سُوْءُ ظَنٍّ، وضِيْقُ صَدْرٍ، وإثارَةُ شُبَهٍ عَلَيْهِم؛ وهذا يَتَنَافَى مَعَ ما يَجِبُ في حَقِّهِم مِنْ حُبٍّ، وتَرَضٍّ عَنْهُم، وتَرَحُّمٍ عَلَيْهِم، وحِفْظِ فَضَائِلِهِم، والاعْتِرَافِ لَهُم بِسَوَابِقِهِم، ونَشْرِ مَنَاقِبِهِم، وأنَّ الَّذي حَصَلَ بَيْنَهُم إنِّمَا كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ؛ فالْقَاتِلُ والمَقْتُوْلُ مِنْهُم في الجَنَّةِ، ولم يُجَوِّزْ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ الخَوْضَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُم كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ، ولا يُخَالِفُ ذَلِكَ إلاَّ مُبْتَدِعٌ أو جَاهِلٌ!
[ ١٠١ ]
مَا وَقَعَ بَينَ الصَّحَابَةِ قَدْ دَلَّتْ عَلَيْه
النُّصُوصُ الشَّرْعَيَّةُ
هُنَاكَ نُصُوصٌ شَرْعِيَّةٌ قَدْ أَشَارَتْ وَأَخْبَرَتْ بِمَا سَيَقَعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ قِتَالٍ ونِزَاعٍ مَعَ بَيَانِ فَضْلِهِم وَاصْطِفَائِهِم كَمَا مَرَّ مَعَنَا آنِفًا، فَمِنْهَا:
مَا رَوَاهُ الشَيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيْمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ» (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
فَالمُرَادُ بِالفِئَتَيْنِ في هَذَا الحَدِيْثِ جَمَاعَةُ عَلِيٍّ، وَجَمَاعُةُ مُعَاوِيَةَ ﵄، والمُرَادُ بالدَّعْوَةِ أيْضًا الإسْلامُ على الرَّاجِحِ، وقِيْل المُرَادُ: اعْتِقَادُ كُلٍّ مِنْهُما الحَقَّ (٢).
* * *
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٤/ ٢٣١)، ومُسْلِمٌ (٤/ ٢٢١٤).
(٢) انظُرْ «فَتْحَ البارِي» لابنِ حَجَرٍ (١٢/ ٣٠٣).
[ ١٠٢ ]
وعَنْ أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ جَاءَ الحَسَنُ،
فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» (١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
ففِي هَذَا الحَدِيْثِ شَهَادَةٌ مِنَ النَبِيِّ - ﷺ - بإسْلامِ الطَّائِفَتَيْنِ - أهْلِ العِرَاقِ وأهْلِ الشَّامِ - لِذَا كَانَ يَقُوْلُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ ﵀: «قَوْلُهُ: فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، يُعْجِبُنَا جِدًّا».
قال البَيْهَقِيُّ: «وإنَّمَا أعَجَبَهُم لأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمَّاهُمَا مُسْلِمِيْنَ، وهذا خَبَرٌ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - بِمَا كَانَ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بَعْدَ وَفَاةِ عَلِيٍّ في تَسْلِيْمِهِ الأمْرَ إلى مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ» (٢).
* * *
وهَذَا عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ﵁ يَقُوْلُ فِيْمَا رَوَاهُ حَمْزَةُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أبِيْهِ قَالَ: وقَفَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ عَلَى قَتْلاهُ وقَتْلَى مُعَاوِيَةَ، فقَالَ: «غَفَرَ اللهُ لَكُم» لِلْفَرِيْقَيْنِ جَمِيْعًا» (٣).
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٢٧٠٤)، (٣٧٤٦).
(٢) «الاعْتِقَادُ» للبَيْهَقِيِّ ص (١٩٨)، و«فَتْحُ البارِي» لابنِ حَجَرٍ (١٣/ ٦٦).
(٣) «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيانَ» لأبي يَعْلَى الحَنْبَلِيِّ (٩٢).
[ ١٠٣ ]
وقَالَ أيْضًا فِيْمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عُرْوَةَ (١٢٦) قالَ: أخْبَرَني مَنْ شَهِدَ
صِفِّيْنَ، قَالَ: رَأيْتُ عَلِيًّا خَرَجَ في بَعْضِ تِلْكَ اللَّيَالِي فَنَظَرَ إلى أهْلِ الشَّام، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ولَهُم» (١).
ورَوَى الشَّعْبِيُّ (١٠٤) قَالَ: قُلْتُ لِلْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ: ما شَأنُ الحَسَنِ (ابْنِ عَلِيٍّ) بايَعَ مُعَاوِيَةَ؟
قَالَ: إنَّه سَمِعَ مِنْ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ ما سَمِعْتُ.
قُلْتُ: ومَا سَمِعْتَ؟
قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: «لا تَكْرَهُوا إمَارَةَ مُعَاوِيَةَ، فإنَّكُم لَو فَقَدتُّمُوهُ رَأيْتُم رُؤُوْسًا تَبْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِها كأنَّهَا الحَنْظَلُ» (٢) ابنُ أبي شَيْبَةَ.
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فِإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنَا بالاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُونَ» (٣).
* * *
_________________
(١) أخْرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفِهِ» (١٥/ ٢٩٧)، وانُظْر «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ» لأبي يَعْلَى (٩٣).
(٢) أخْرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في «مُصَنَّفِهِ» (١٥/ ٢٩٣) وانُظْر «تَنْزِيهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ» لأبي يَعْلَى (٩٣).
(٣) «الشَّرْحُ والإبانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (١١٩)، وأوْرَدَهُ القُرْطُبيُّ في «تَفْسِيْرِه» (١٨/ ٣٣)
[ ١٠٤ ]
وهَذِهِ الأحَادِيْثُ والآثَارُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا قَاطِعَةٌ بأنَّ أهْلَ العِرَاقِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ، وأهْلَ الشَّامِ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ بأنَّهُم مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، ومُتَعلِّقُوْنَ جَمِيْعًا بالحَقِّ، كَمَا شَهِدَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ (١).
«والكِتَابُ والسُّنَّةُ قَدْ دَلاَّ عَلَى أنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مُسْلِمُوْنَ، وأنَّ تَرْكَ القِتَالِ كَانَ خَيْرًا مِنْ وُجُوْدِهِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]، فَسَمَّاهُم مُؤْمِنِيْنَ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الاقتِتَالِ والبَغْي» (٢).
_________________
(١) وفي هذا رَدٌّ على طَائِفَتَيْنِ ضَالَّتَيْنِ: الخَوَارِجِ الَّذِيْنَ كَفَّرُوا الصَّحَابَةَ، والشِّيْعَةِ الَّذِيْنَ كَفَّرُوا مُعْظَمَ الصَّحَابَةِ ﵃!
(٢) انظُرْ «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
[ ١٠٥ ]
أقْوَالُ النَّاسِ فِيْمَا وَقَعَ في صِفِّيْنَ
فلا رَيْبَ أنَّ مَا وَقَعَ بَيْنَ العَسْكَرَيْنِ (عَسْكَرِ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ بِصِفِّيْنَ)، لم يَكُنْ لِعَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ ﵄ اخْتِيَارٌ في الحَرْبِ ابْتِدَاءً؛ بَلْ كَانَا مِنْ أشَدِّ النَّاسِ حِرْصًا على أنْ لا يَكُوْنَ قِتَالٌ.
وقِتَالُ صِفِّيْنَ لِلْنَّاسِ فِيْهِ أقْوَالٌ:
الأوَّلُ: مَنْ يَقُوْلُ: كِلاهُمَا كَانَا مُجْتَهِدًا مُصِيْبًا، وَبِهِ قَالَ أكْثَرُ أهْلِ الكَلامِ، والفِقْهِ، والحَدِيْثِ ممَّنْ يَقُوْلُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيْبٌ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيْرٍ مِنَ الأشْعَرِيَّةِ، والكُّرَّاميَّةِ وَغَيْرِهِم.
الثَّاني: مَنْ يَقُوْلُ: بَلِ المُصِيْبُ أحَدُهُمَا لا بِعَيْنِهِ.
الثَّالِثُ: مَنْ يَقُوْلُ: عَلِيٌّ هُوَ المصِيْبُ وَحْدَهُ، ومُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ، وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أهْلِ الكَلامِ، والفُقَهَاءِ أهْلِ المَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ.
وقَدْ حَكَى هَذِهِ الأقْوَالَ الثَّلاثَةَ أبُو عَبْدِ اللهِ ابنُ حَامِدٍ عَنْ أصْحَابِ أحْمَدَ وغَيْرِهِم.
[ ١٠٦ ]
الرَّابِعُ: مَنْ يَقُوْلُ: كَانَ الصَّوَابُ أنْ لا يَكُوْنَ قِتَالٌ، وكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا لِلْطَّائِفَتَيْنِ، فَلَيْسَ في الاقْتِتِالِ صَوَابٌ، ولَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ أقْرَبَ إلى الحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ، والقِتَالُ قِتَالُ فِتْنَةٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ولا مُسْتَحَبٍ، وكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا لِلْطَّائِفَتَيْنِ، مَعَ أنَّ عَلِيًّا كَانَ أوْلى بالحَقِّ!
وهَذَا هو قَوْلُ أحْمَدَ، وأكْثَرِ أهْلِ الحَدِيْثِ، وأكْثَرِ أئمَّةِ الفُقَهَاءِ، وهُوَ قَوْلُ أكَابِرِ الصَّحَابَةِ، والتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بإحْسَانٍ (١)، وعَلَيهِ تَحْقِيْقُ أهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ.
_________________
(١) انْظُر «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٤/ ٤٤٧ - ٤٤٨) بتَصَرُّفٍ.
[ ١٠٧ ]
أيُّهُمَا أوْلَى بالحَقِّ عَلِيٌّ أمْ مُعَاوِيَةُ؟
ومَعَ ما ذَكْرْناهُ آنِفًا؛ فَلا نَشُكُّ أنَّ عَلِيًّا ومَنْ مَعَهُ أوْلى بالحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةِ ومَنْ مَعَهُ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ قاَلَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، تَقْتُلُهُم أُوْلى الطَّائِفَتَيْنِ بالحَقِّ» (١) مُسْلِمٌ.
فَدَلَّ هَذَا الحَدِيْثُ عَلَى أنَّ عَلِيًّا أوْلى بالحَقِّ ممَّنْ قَاتَلَهُ؛ فإنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الخَوَارِجَ لمَّا افْتَرَقَ المُسْلِمُونَ (٢).
ومَعَ هَذَا؛ إذَا قُلْنَا: إنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ أوْلَى بالحَقِّ مِمَّنْ قَاتَلَهُ، إلاَّ أنَّ الصَّوَابَ والحَقَّ كُلَّه كَانَ فِي تَرْكِ القِتَالِ؛ لأنَّ القِتَالَ قِتَالُ فِتْنَةٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، ولا مُسْتَحَبٍّ، فكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا للطَّائِفَتَيْنِ قَطْعًا!
* * *
_________________
(١) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١٠٦٥).
(٢) «مِنْهَاجُ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٧/ ٥٧).
[ ١٠٨ ]
« فأصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - جَمِيْعُ ما يُطْعَنُ بِهِ فِيْهِم أكْثَرُهُ كَذِبٌ، والصِّدْقُ مِنْهُ غَايَتُهُ أنْ يَكُوْنَ ذَنْبًا أو خَطَأً، والخَطَأُ مَغْفُوْرٌ، والذَّنْبُ لَهُ أسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُوجِبُ المَغْفِرَةَ، ولا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَقْطَعَ بأنَّ واحِدًا مِنْهُم فَعَلَ مِنَ الذُّنُوبِ ما يُوجِبُ النَّارِ لا مَحَالَةَ» (١).
«وبالجُمْلَةِ لَيْسَ عَلَيْنَا أنْ نَعْرِفَ كُلَّ واحَدٍ تَابَ، ولَكِنْ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ التَّوبَةَ مَشْرُوْعَةٌ لِكُلِّ عَبْدٍ: لِلأنْبِيَاءِ ولِمَن دُوْنِهِم، وأنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، يَرْفَعُ عَبْدَهُ بالتَّوبَةِ، وإذا ابْتَلاهُ بِمَا يَتُوبُ مِنْهُ، فالمَقْصُودُ كَمَالُ النِّهَايَةِ، لا نَقْصَ البِدَايَةِ، فإنَّهُ تَعَالى يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِيْنَ، وهُوَ يُبَدَّلُ بالتَّوبَةِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ» (٢).
_________________
(١) «مِنْهَاجُ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٧/ ٥٧).
(٢) السَّابِقُ (٦/ ٢٠٩).
[ ١٠٩ ]
الفَصْلُ الثَّاني
وُجُوْبُ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃
لَقَدْ بَاتَ مِنْ عَقَائِدِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ: وُجُوبُ مَحَبَّةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وتَعْظِيْمِهِم، وتَوْقِيْرِهِم، وتَكْرِيْمِهِم، والإقْتِدَاءِ بِهِم، والأخْذِ بآثارِهِم، وحُرْمةُ ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ: بُغْضِهِم، أو ازْدِرَائِهِم، أو ذِكْرِ مَسَاوِئِهِم !
قَالَ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيْلٌ على وُجُوْبِ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ، لأنَّهُ تَعَالى جَعَلَ لِمَنْ بَعْدَهُم حَظًا في الفَيْءِ ما أقَامُوا على مَحَبَّتِهِم، ومُوَالاتِهِم، والاسْتِغْفَارِ لَهُم، وأنَّ مَنْ سَبَّهُم، أو واحِدًا مِنْهُم، أو اعْتَقَدَ فِيْهِ شَرًّا: أنَّه لا حَقَّ لَهُ في الفَيْءِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وغَيْرِهِ.
[ ١١٠ ]
قَالَ مَالِكٌ: «مَنْ كَانَ يُبْغِضُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، أو كَانَ في قَلْبِهِ عَلَيْهِم غِلٌّ فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِيْنَ، ثمَّ قَرَأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾» (١).
وقَالَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ مُبَيِّنًا مَا يَجِبُ على المُسْلِمِ اعْتِقَادُهُ في مَحَبَّةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - «ونُحِبُّ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، ولا نُفْرِطُ في حُبِّ أحَدٍ مِنْهُم، ولا نَتَبَرَّأُ مِنْ أحَدٍ مِنْهُم، ونُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم وبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم، ولا نَذْكُرُهُم إلاَّ بِخَيْرٍ، وحُبُّهُم دِيْنٌ وإيِمَانٌ وإحْسَانٌ، وبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ» (٢).
* * *
فَعَلى المُسْلِمِ أنْ يَسْلُكَ في حُبِّ الصَّحَابَةِ مَسْلَكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، بِحَيْثُ يُحِبُّهُم جَمِيْعًا، ولا يَفْرُطُ في حُبِّ أحَدٍ مِنْهُم، وأنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ طَرِيْقَةِ الشِّيَعَةِ الرَّافِضَةِ الَّذِيْنَ يَتَديَّنُوْنَ بِبُغْضِهِم وسَبِّهِم، ومِنْ طَرِيْقِ النَّوَاصِبِ والخَوَارِجِ الَّذِيْنَ ابْتُلُوا بِبُغْضِ أهْلِ بَيْتِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -!
_________________
(١) «الجامِعُ لأحْكامِ القُرآنِ» للقُرْطُبِيِّ (١٨/ ٣٢).
(٢) «شَرْحُ الطَّحاوِيَّةِ» لابنِ أبي العِزِّ (٢/ ٦٨٩).
[ ١١١ ]
قَالَ ابنُ تَيْمِيَةّ ﵀: «ويَتَبَرَّؤُوْنَ (أَي السَلَفُ) مِنْ طَرِيْقَةِ الرَّوَافِضِ والشِّيَعَةِ الَّذِيْنَ يُبْغِضُوْنَ الصَّحَابَةَ ويَسُبُّونَهُم، وطَرِيْقَةِ النَّوَاصِبِ والخَوَارِجِ الَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ أهْلَ البَيْتِ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ» (١).
وبَعْدَ هَذا؛ فمَنْ أرَادَ السَّلامَةَ لِدِيْنِهِ فَليُحِبَّهُم جَمِيْعًا، وأنْ يَخْتِمَ ذَلِكَ على نَفْسِهِ، وعلى كُلِّ أبْنَاءِ جِنْسِهِ؛ لأنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ على جَمِيْعِ الأمَّةِ، واتَّفَقَ على ذَلِكَ الأئمَّةُ، فلا يَزُوْغُ عَنْ حُبِّهِم إلاَّ هَالِكٌ، ولا يَزُوْغُ عَنْ وُجُوبِ ذَلِكَ إلاَّ آفِكٌ (٢).
_________________
(١) «شَرْحُ العَقِيْدَةِ الوَاسِطِيَّةِ» لمُحَمَّد خَلِيْل هَرَّاسٍ (١٧٣).
(٢) انظُرْ «لَوَامِعَ الأنْوَارِ البَهِيَّةِ» للسَّفارِيْنِيِّ (٢/ ٣٥٤).
[ ١١٢ ]
الفَصْلُ الثَّالِثُ
وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ لِلصَّحَابَةِ ﵃
وَاجِبٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ عِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِيْنَ أنْ يَدْعُوَ لَهُم، ويَسْتَغْفِرَ لَهُم، ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم لِمَا لَهُم مِنَ القَدْرِ العَظِيْمِ، ولِمَا حَازُوْهُ مِنَ المَنَاقِبِ الحَمِيْدَةِ، والسَّوَابِقِ القَدِيْمَةِ، والمَحَاسِنِ المَشْهُوْرَةِ، ولِمَا لَهُم مِنَ الفَضْلِ الكَبِيْرِ على كُلِّ مَنْ أتَى بَعْدَهُم (١).
وأخْرَجَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ أبي حَاتِمٍ، وابنُ الأنْبَارِيِّ في (المَصَاحِفِ)، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِي - ﷺ -، فَسَبُّوهُم!، ثُمَّ قَرَأتُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآيَةُ» (٢).
_________________
(١) انْظُرْ «طَرِيْقَ الهِجْرَتَيْنِ» لابنِ القَيِّمِ (٥٣٧).
(٢) «الدُّرُّ المَنْثُوْرُ» للسِّيُوْطِيِّ (٨/ ١١٣).
[ ١١٣ ]
قَالَ النَّوَوَيُّ ﵀: «أمَّا قَوْلُهَا: (أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَبُّوْهُم)، قَالَ القَاضِي: الظَّاهِرُ أنَّهَا قَالَتْ هذا عِنْدَما سَمِعَتْ أهْلَ مِصْرَ يَقُوْلُوْنَ في عُثْمَانَ ما قَالُوا، وأهْلَ الشَّامِ في عَلِيٍّ ما قَالُوا، والحَرُوْرِيَّةَ في الجَمِيْعِ ما قَالُوا!
وأمَّا الأمْرُ بالاسْتِغْفَارِ الَّذِي أشَارَتْ إلَيْهِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآيَةُ.
وبِهَذا احْتَجَّ مَالِكٌ في أنَّهُ لاحَقَّ في الفَيْءِ لِمَن سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃؛ لأنَّ اللهَ تَعَالى إنَّمَا جَعَلَهُ لِمَن جَاءَ بَعْدَهُم ممَّنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ لَهُم، واللهُ أعْلَمُ» (١).
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ (، فَإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُوْنَ» (٢).
* * *
_________________
(١) «شَرْحُ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٨/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٢) «الشَّرْحُ والإبانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (١١٩)، وأوْرَدَهُ القُرْطُبيِّ في «الجامِعُ لأحْكامِ القُرآنِ» (١٨/ ٣٣).
[ ١١٤ ]
وذَكَرَ البَغَوَيُّ ﵀ عِنْدَ تَفْسِيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ قَالَ: قَالَ عَامِرُ بنُ شُرَاحِيْلِ الشَّعْبِيُّ: يا مَالِكُ تَفَاضَلَتْ (أيْ: فَضُلَتْ) اليَهُوْدُ والنَّصَارَى الرَّافِضَةَ بِخِصْلَةٍ، سُئِلَتِ اليَهُوْدُ مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالَتْ: أصْحَابُ مُوْسَى ﵇، وسُئِلَتِ النَّصَارَى: مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: حَوَارِيُّ عِيْسَى ﵊، وسُئِلَتِ الرَّافِضَةُ: مَنْ شَرُّ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. أُمِرُوا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم فَسَبُّوهُم، فالْسَّيْفُ عَلَيْهِم مَسْلُوْلٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا تَقُوْمُ لَهُم رَايَةٌ، ولا يَثْبُتُ لَهُم قَدَمٌ، ولا تَجْتَمِعُ لَهُم كَلِمَةٌ، كُلَّمَا أوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ بِسَفْكِ دِمَائِهِم وتَفْرِيْقِ شَمْلِهِم وإدْحَاضِ حُجَّتِهِم، أعَاذَنَا اللهُ وإيَّاكُم مِنَ الفِتَنِ المُضِلَّةِ» (١).
_________________
(١) «تَفْسِيْرُ البَغَوِيِّ» (٧/ ٥٤)، وذَكَرَه القُرْطُبيُّ في «الجَامِعِ لأحْكَامِ القُرْآنِ» (١٨/ ٣٣)، وانْظُر أيْضًا «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (١/ ٦ - ٧)، و«شَرْحَ الطَّحاوِيَّةِ» لابنِ أبي العِزِّ (٥٣١ - ٥٣٢).
[ ١١٥ ]
وأخِيْرًا هَاكَ ما قَالَهُ الإمَامُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةُ: «أمَرَهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ أنْ يَطْلُبُوا مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ أنْ يَنْزِعَ مِنْ قُلُوبِهِمُ الغِلَّ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا على الإطْلاقِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الصَّحَابَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِكَوْنِهِم أشْرَفَ المُؤْمِنِيْنَ، ولِكَوْنِ السِّيَاقُ فِيْهِم، فَمَن لم يَسْتَغْفِرْ لِلْصَّحَابَةِ على العُمُومِ، ويَطْلُبْ رِضْوَانَ اللهِ لَهُم فَقَدْ خَالَفَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فإنْ وَجَدَ في قَلْبِهِ غِلًاّ لَهُم فَقَدْ أصَابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وحَلَّ بِهِ نَصِيْبٌ وافِرٌ مِنْ عِصْيَانِ اللهِ لِعَدَاوَةِ أولِيَائِهِ وخَيْرِ أُمَّةِ نَبِيِّهِ - ﷺ -، وانْفَتَحَ لَهُ بَابُ الخُذْلانِ يَفِدُ بِهِ على نارِ جَهَنَّمَ إنْ لم يَتَدَارَكْ نَفْسَهُ باللَّجَأ إلى اللهِ سُبْحَانَه، والاسْتِغَاثَةِ بِهِ بِأنْ يَنْزِعَ عَنْ قِلْبِهِ ما طَرَقَهُ مِنَ الغِلِّ لِخَيْرِ القُرُونِ وأشْرَفِ هَذِهِ الأمَّةِ، فإنْ جَاوَزَ ما يَجِدُهُ مِنَ الغِلِّ إلى شَتْمِ أحَدٍ مِنْهُم، فَقَدْ انْقَادَ لِلْشَّيْطَانِ بِزِمَامٍ وَوَقَعَ في غَضَبِ اللهِ وسَخَطِهِ، وهذا الدَّاءُ العُضَالُ إنَّمَا يُصَابُ بِهِ مَنِ ابْتُلِيَ بِمُعَلِّمٍ مِنَ الرَّافِضَةِ، أو صَاحِبٍ مِنْ أعْدَاءِ خَيْرِ الأمَّةِ الَّذِيْنَ تَلاعَبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ، وزَيَّنَ لَهُم الأكَاذِيْبَ المُخْتَلَقَةَ، والأقَاصِيْصَ المُفْتَرَاةَ، والخُرَافَاتِ المَوْضُوْعَةَ، وصَرَفَهُم عَنْ كِتَابِ اللهِ الَّذِي لا يَأتِيْهِ
[ ١١٦ ]
البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ، وعَنْ سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - المنقُوْلَةِ إلَيْنَا بِرِوَايَاتِ الأئِمَةِ الأكَابِرِ في كُلِّ
عَصْرٍ مِنَ العُصُوْرِ فاشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بالهُدَى، واسْتَبْدَلُوا الخُسْرَانَ العَظِيْمَ بالرِّبْحِ الوَافِرِ، وما زَالَ الشَّيْطَانُ الرَّجِيْمُ يَنْقُلُهُم مِنْ مَنْزِلَةٍ إلى مَنْزِلَةٍ، ومِنْ رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتَّى صَارُوا أعْدَاءَ كِتَابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسُوْلِهِ، وخَيْرِ أُمَّتِهِ، وصَالِحِي عِبَادِهِ، وسَائِرِ المُؤْمِنِيْنَ، وأهْمَلُوا فَرَائِضَ اللهِ، وهَجَرُوا شَعَائِرَ الدِّيْنَ، وسَعُوا في كَيْدِ الإسْلامِ وأهْلِهِ كُلَّ السَّعْي، ورَمُوا الدِّيْنَ وأهْلَهُ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ واللهُ مِنْ ورَائِهِم مُحِيْطٌ» (١).
* * *
فَهَذِهِ النُّصُوْصُ الَّتِي سُقْنَاهَا في هذا المَبْحَثِ عَنِ المُتَقَدِّمِيْنَ والمُتَأخِّرِيْنَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ كُلُّهَا تُبَيِّنُ: أنَّهُم هُمُ الفَائِزُوْنَ بِسَلامَةِ الصُّدُورِ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ لأصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وأنَّهُم يَعْتَقِدُوْنَ أنَّ مِنْ حَقِّ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ على مَنْ بَعْدَهُم التَّرَحُّمَ عَلَيْهِمْ، والاسْتِغْفَارَ لَهُم، فأهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ يَتَرَحَّمُوْنَ على أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، صَغِيْرِهِم وكَبِيْرِهِم، وأوَّلِهِم وآخِرِهِم، ويَذْكُرُونَ مَحَاسِنَهُم
_________________
(١) «فَتْحُ القَدِيْرِ» للشَّوْكانِيِّ (٥/ ٢٠٢).
[ ١١٧ ]
ويَنْشُرُونَ فَضَائِلَهُم، ويَقْتَدُوْنَ بِهَدْيِهِم، ويَقْتَفُونَ آثارَهُم، ويَعْتَقِدُوْنَ أنَّ الحَقَّ في كُلِّ مَا قَالُوْهُ، والصَّوَابَ فِيْمَا فَعَلُوْهُ (١).
وبَعْدَ هَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مَنْ لم يَتَرَحَّمْ على الصَّحَابَةِ، ويَسْتَغْفِرْ لَهُم، ولَيْسَ لَهُ حَظٌ في شَيْءٍ مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِيْنَ كَمَا ذَكَرَهُ الإمَامُ مَالِكُ ﵀ وغَيْرُهُ.
_________________
(١) انْظُر «الشَّرْحَ والإبَانَةَ على أُصُوْلِ السُّنةِ والدِّيانَةِ» لابنِ بَطَّةَ (٢٦٤ - ٢٦٥).
[ ١١٨ ]
الفَصْلُ الرَّابِعُ
عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ ﵃
أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على: أنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيْعَهُم عُدُوْلٌ بِلاَ اسْتِثْنَاءٍ سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتْنَةَ مِنْهُم أوْ لا، نَظَرًا لِمَا أكْرَمَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ شَرَفِ الصُّحْبَةِ لِنَبِيِّهِ - ﷺ -، ولِمَا لَهُمْ مِنَ المآثِرِ الجَلِيْلَةِ، والمَوَاقِفِ العَظِيْمَةِ مَعَ النَّبِي - ﷺ -، مِنْ مُنَاصَرَةٍ، ومُؤَازَرَةٍ، وإيْمَانٍ، ومُتَابَعَةٍ، وإيْثَارٍ، وجِهَادٍ، بَيْنَ يَدَيْهِ!
وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على عَدَالَتِهِم جَمْعٌ غَفِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.
قَالَ الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ ﵀ (٤٦٣) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الأدِلَّةَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، الَّتِي دَلَّتْ على عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وأنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ، قَالَ: «هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ العُلَمَاءِ، ومَنْ يَعْتَدُّ بِقَوْلِهِم مِنَ الفُقَهَاءِ» (١).
_________________
(١) «الكِفَايَةُ» للخَطِيْبِ (٦٧).
[ ١١٩ ]
وقَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أيْضًا: «ونَحْنُ وإنْ كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ قَدْ كُفِيْنَا البَحْثَ عَنْ أحْوَالِهِم لإجْمَاعِ أهْلِ الحَقِّ مِنَ المُسْلمِيْنَ وَهُم أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على: أنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ، فَوَاجِبٌ الوُقُوْفُ على أسْمَائِهِم» (١).
وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ كالإمَامِ الجُوَيْنِيِّ، والغَزَالِيِّ، وابنِ الصَّلاحِ، والنَّوَوَيِّ، وابنِ كَثِيْرٍ، والعِرَاقِيِّ، وابنِ حَجَرٍ، والسَّخَاوِيِّ، والألُوْسِيِّ، وغَيْرِهِم ممَّا لا تَسَعُهُم هَذِهِ الرِّسَالَةُ (٢).
* * *
وبَعْدَ هذا؛ نَخْتِمُ بِقَوْلِ أبي زُرَعَةَ الرَّازِيِّ ﵀ كَمَا مَرَّ مَعَنَا: «إذا رَأيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - فاعْلَمْ أنَّهُ
_________________
(١) «الاسْتِيْعَابُ» لابنِ عَبْدِ البَرِّ (١/ ٨).
(٢) انْظُر «فَتْحَ المَغِيْثِ» للسَّخَاوِيِّ (٣/ ١١٢)، و«تَدْرِيْبَ الرَّاوِي» للسِّيُوْطِيِّ (٢/ ١٦٤)، و«مَعْرِفَةَ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ» لابنِ الصَّلاحِ (١٤٦ - ١٤٧)، و«شَرْحَ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٥/ ١٤٩)، و«شَرْحَ مُخْتَصَرِ عُلُوْمِ الحَدِيْثِ» لأحْمَدَ شَاكِرٍ (١٨١ - ١٨٢)، و«التَّبْصِرَةَ والتَّذْكِرَةَ» للعِرَاقِي (٣/ ١٣ - ١٤)، و«الإصَابَةَ» لابنِ حَجَرٍ (١/ ١٧).
[ ١٢٠ ]
زِنْدِيْقٌ وإنَّمَا يُرِيْدُوْنَ أنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ والسُّنَّةَ، والجَرْحُ بِهِم أوْلَى وهُم زَنَادِقَةٌ» (١) رَوَاهُ الخَطِيْبُ.
فَقَدْ صَدَقَ ﵀ فلا يَتَجَرَّأُ على تَجْرِيْحِ الصَّحَابَةِ إلاَّ مَجْرُوحٌ في دِيْنِهِ ودُنْيَاهُ، زِنْدِيْقٌ في مُعْتَقَدِهِ، عَبْدٌ لِهَوَاهُ، عَدُوٌ للهِ وأوْلِيَائِهِ.
وأخِيْرًا؛ فَهَذَا ما عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ: وهُوَ أنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ ومَنْ لم يُلابِسْها.
وما أحْسَنَ ما قَالَهُ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀ (٧٤٨) في هَذِهِ المَسْألَةِ حَيْثُ قَالَ: «فأمَّا الصَّحَابَةُ ﵃ فَبُسَاطُهُم مَطْوِيٌّ وإنْ جَرَى ما جَرَى، إذْ على عَدَالَتِهِم وقَبُولِ ما نَقَلُوْهُ العَمَلُ، وبِهِ نَدِيْنُ اللهَ تَعَالى» (٢).
_________________
(١) «الكِفَايَةُ» للخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (٩٧)، و«تَارِيخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (٣٨/ ٣٢).
(٢) «الرُّوَاةُ المُتَكَلَّمُ فِيْهِم بِمَا لا يُوْجِبُ الرَّدَّ» للذَّهَبِيِّ (٤٦).
[ ١٢١ ]
الفَصْلُ الخَامِسُ
حُكْمُ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃
إنَّ سَبَّ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، مُحَرَّمٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ وإجْمَاعِ السَّلَفِ والخَلَفِ، وهو ما عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، وعَلى هَذا جَاءتِ الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا يَلِي:
قَال تَعَالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وكَذَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «لا تَسُبُّوا أصْحَابي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيْفَهُ» (١) البُخَارِيُّ.
وهو عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ أبي سَعِيْدٍ ﵁ بِلَفْظٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الوَلِيْدِ، وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ فَقَالَ: رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَهُ (٢).
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٢/ ٢٩٢).
(٢) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤/ ١٩٦٧ - ١٩٦٨).
[ ١٢٢ ]
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ سَبَّ أصْحَابي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، والمَلائِكَةِ، والنَّاسِ أجْمَعِيْنَ» (١) الطَّبَرَانِيُّ.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ أصْحَابي» (٢).
قَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: «واعْلَمْ أنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ ﵃ حَرَامٌ مِنْ فَوَاحِشِ المُحَرَّمَاتِ، سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ مِنْهُم ومِنْ غَيْرِهِم لأنَّهُم مُجْتَهِدُوْنَ في تِلْكَ الحُرُوبِ مُتَأوِّلُوْنَ» (٣).
قَالَ ابنُ تَيْمِيَةَ ﵀: «فإنْ قِيْلَ: فَلِمَ نَهَى (رَسُوْلُ اللهِ) خَالِدًا عَلى أنْ
يَسُبَّ أصْحَابَهُ إذْ كَانَ مِنْ أصْحَابِهِ أيْضًا؟ وقَالَ: «لو أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بلغَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيفَهِ».
_________________
(١) أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ (٣/ ١٧٤)، وقَدْ ذَكَرَه السِّيُوْطِيُّ في «الجَامِعِ الصَّغِيْرِ»، ورَمَزَ له بـ (بالحُسْنِ)، انْظُر «فَيْضَ القَدِيْرِ» للمُنَاوِيِّ (٦/ ١٤٦)، وأوْرَدَهُ الألْبَانِي في «صَحِيْحِ الجَامِعِ» (٥/ ٢٩٩)، وقَالَ: حَسَنٌ، و«الصَّحِيْحَةِ» (٢٣٤٠).
(٢) ذَكَرَه السِّيُوْطِيُّ في «الجَامِعِ الصَّغِيْرِ» ورَمَزَ له بـ (بالصَّحَةِ)، انْظُر «فَيْضَ القَدِيْرِ» للمُنَاوِيِّ (٥/ ٢٧٤)، وأوْرَدَهُ الألْبَانِي في «صَحِيْحِ الجَامِعِ» (٥/ ٢٣)، وقَالَ: حَسَنٌ.
(٣) «شَرْحُ صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٦/ ٩٣).
[ ١٢٣ ]
قُلْنا: لأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ونُظَرَاءهِ هُم مِنَ السَّابِقِيْنَ الأوَّلِيْنَ الَّذِيْنَ صَحِبُوهُ في وَقْتٍ كان خَالِدٌ وأمْثَالُهُ يُعَادُوْنَهُ فِيْهِ، وأنْفَقُوا أمْوَالَهُم قَبْلَ الفَتْحِ وقَاتَلُوا وهُمْ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِيْنَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدِ الفَتْحِ وقَاتَلُوا، وكُلًا وَعَدَ اللهُ الحُسْنى، فَقَدْ انْفَرَدُوا مِنَ الصُّحْبَةِ بِمَا لم يَشْرَكْهُم فِيْهِ خَالِدٌ ونُظَرَاؤُهُ ممَّن أسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ - الَّذِي هُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَّةِ - وقَاتَلَ، فَنَهَى أنْ يَسُبَّ أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ صَحِبُوهُ قَبْلَهُ، ومَنْ لم يَصْحَبْهُ قَطُّ نِسْبَتُهُ إلى مَنْ صَحِبَهُ كَنِسْبَةِ خَالِدٍ إلى السَّابِقِيْنَ وأبْعَدُ. وقَوْلُهُ: «لا تَسُبُّوا أصْحَابي» خِطَابٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَسُبَّ مَنِ انْفَردَ عَنْهُ بِصُحْبَتِهِ ﵊، وهَذَا كَقَوْلِهِ ﵊ في حَدِيْثٍ آخَرَ: «أيُّها النَّاسُ إنِّي أتِيْتُكُم، فَقُلْتُ: إنِّي رَسُوْلُ اللهِ إلَيْكُم، فَقُلْتُم: كَذَبْتَ، وقَالَ أبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، فَهَلْ أنتُمْ تارِكُوا لِي صَاحِبِي ؟» (١)، أو كَمَا قَالَ بأبِي هُوَ وأُمِّي (، قَالَ ذَلِكَ لَمَّا عَايَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أبا بَكرٍ، وذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ فُضَلاءِ أصْحَابِهِ، ولَكِنِ امْتَازَ أبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِصُحْبَتِهِ وانْفَرَدَ بِهَا عَنْهُ» (٢).
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ «فَتْحُ البَارِي» (٨/ ٣٠٣).
(٢) «الصَّارِمُ المَسْلُوْلُ على شَاتِمِ الرَّسُوْلِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٥٧٦ - ٥٧٧).
[ ١٢٤ ]
قَالَ بِشْرُ بنُ الحَارِثِ: «مَنْ شَتَمَ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، فَهُوَ كَافِرٌ وإنْ صَامَ وصَلَّى وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» (١).
وقَالَ الأوْزَاعِيُّ: «مَنْ شَتَمَ أبا بَكْرٍ الصِدِّيْقَ ﵁ فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْ دِيْنِهِ، وأبَاحَ دَمَه» (٢).
وقَالَ المَرْوَزِيُّ: سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ (الإمَامَ أحْمَدَ): عَمَّنْ شَتَمَ أبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وعَائِشَةَ ﵃. فَقَالَ: «ما أَرَاهُ على الإسْلامِ» (٣).
وقَالَ أبُو طَالِبٍ لِلإمَامِ أحْمَدَ: الرَّجُلُ يَشْتُمُ عُثْمَانَ؟ فأخْبَرُوْنِي أنَّ رَجُلًا تَكَلَّمَ فِيْهِ فَقَالَ: «هَذِهِ زَنْدَقَةٌ» (٤) نَعُوْذُ باللهِ مِنَ الضَّلالِ!
_________________
(١) «الشَّرْحُ والإبَانَةُ» لابنِ بَطَّةَ (١٦٢).
(٢) السَّابِقُ (١٦١).
(٣) السَّابِقُ.
(٤) «السُّنةُ» للخَلاَّلِ (٣/ ٤٩٣).
[ ١٢٥ ]
أقْوَالُ أهْلِ العِلْمِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - على قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ إلى القَوْلِ بِتَكْفِيْرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃، أو انْتَقَصَهُم وطَعَنَ في عَدَالَتِهِم وصَرَّحَ بِبُغْضِهِم، وإنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَقَدْ أبَاحَ دَمَ نَفْسِهِ وحَلَّ قَتْلُهُ؛ إلاَّ أنْ يَتُوْبَ مِنْ ذَلِكَ ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم.
* * *
وممَّن ذَهَبَ إلى هَذَا القَوْلِ مِنَ السَّلَفَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيْلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ أبْزَى، وغَيْرُهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِيْنَ مِثْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الأوْزَاعِيِّ، وأبي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ يُوْسُفَ الفِرْيَابِيِّ، وبِشْرِ ابنِ الحَارِثِ المَرْوَزِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ العَبْدِيِّ وغَيْرِهِمْ كَثِيْرٌ (١).
_________________
(١) انْظُرْ «الشَّرْحَ والإبَانَةَ» لابنِ بَطَّةَ (١٦٠ - ١٦٢)، و«الصَّارِمَ المَسْلُوْلَ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٥٧٠)، و«فَتَاوَى السُّبْكِيِّ» (٢/ ٥٨٠).
[ ١٢٦ ]
فَهَؤُلاءِ الأئِمَّةُ صَرَّحُوا بِكُفْرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وبَعْضُهُم صَرَّحَ مَعَ ذَلِكَ
أنَّهُ يُعَاقَبُ بالقَتْلِ، وإلى هَذَا القَوْلِ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَمَاءِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، والمَالِكِيَّةِ، والشَّافِعِيَّةِ، والحَنَابِلَةِ، والظَّاهِرَيَّةِ.
قَالَ الإمَامُ الطَّحَاوِيُّ: «وحُبُّهُم - أي الصَّحَابَةَ - دِيْنٌ وإيْمَانٌ وإحْسَانٌ، وبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ» (١)، ومَنْ سَبَّهُم وطَعَنَ فِيْهِم فَقَدْ زَادَ على بُغْضِهِم.
وقَالَ الإمَامُ السَّرْخَسِيُّ الحَنَفِيُّ ﵀ (٤٨٣): «فأمَّا مَنْ طَعَنَ في السَّلَفِ من نُفَاةِ القِيَاسِ لاحْتِجَاجِهِم بالرَأْيِ في الأحْكَامِ فَكَلامُهُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾، لأنَّ اللهَ تَعَالى أثْنَى عَلَيْهِم في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
ورَسُولُ اللهِ - ﷺ - وصَفَهُم بأنَّهُم خَيْرُ النَّاسِ فَقَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِيَ الَّذِي أنَا فِيْهِم» (٢).
_________________
(١) «شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ» لابنِ أبي العِزِّ (٥٢٨).
(٢) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٥٣٥).
[ ١٢٧ ]
والشَّرِيْعَةُ بَلَغَتْنا بِنَقْلِهِم، فَمَنْ طَعَنَ فِيْهِم فَهُوَ مُلْحِدٌ مُنَابِذٌ لِلإسْلامِ،
دَوَاءُهُ السَّيْفُ إنْ لَم يَتُبْ» (١).
وبِهَذَا قَالَ كُلٌّ مِنَ الحُمَيْدِيِّ القُرَشِيِّ، والقَاضِي حُسَيْنِ المَرْوَزِيِّ، والإمَامِ الذَّهَبِيِّ، والسُّبْكِيِّ، والقَاضِي أبِي يَعْلَى، وابنِ تَيْمِيَّةَ وغَيْرِهِم كَثِيْرٌ (٢).
قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَةَ ﵀: «وقَدْ قَطَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ مِنْ أهْلِ الكُوْفَةِ وغَيْرِهِم بِقَتْلِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وكُفْرِ الرَّافِضَةِ» (٤).
وقَالَ أيْضًا: «فَمَنْ سَبَّهُم فَقَدْ زَادَ على بُغْضِهِم، فَيَجِبُ أنْ يَكُوْنَ مُنَافِقًا، لا يُؤْمِنُ بِاللهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ» (٣).
* * *
_________________
(١) انْظُر «أُصُولَ السَّرْخَسِيِّ» (٢/ ١٣٤).
(٢) انْظُر «مُسْنَدَ الحُمَيْدِيِّ» (٢/ ٥٤٦) و«الشَّرْحَ والإبَانَةَ» لابنِ بَطَّةَ (١٦٢٩) و«الجَامِعَ لأحْكَامِ القُرْآنِ» للقُرْطُبيِّ (١٦/ ٢٩٧)، و«شَرْحَ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٦/ ٩٣)، و«الصَّارِمَ المَسْلُوْلَ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٥٨١ - ٥٨٢).
(٣) السَّابِقُ (٥٨١ - ٥٨٢).
[ ١٢٨ ]
الثَّانِي: ذَهَبَ فَرِيْقٌ آخَرُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ سَابَّ الصَّحَابَةِ لا يَكْفُرُ بِسَبِّهِم؛ بَلْ يَفْسُقُ ويُضَلَّلُ؛ بَلْ يَكْتَفِي بِتَأدِيْبِهِ وتَعْزِيْرِهِ تَعْزِيرًا شَدِيْدًا يَرْدَعُهُ ويَزْجُرُهُ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ ارْتِكَابِ ضَلالِهِ وجُرْمِهِ، وإنْ لم يَرْجِعْ تُكَرَّرُ عَلَيْهِ العُقُوْبَةُ حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ.
فَقَدْ رَوَى اللاَّلَكَائِيُّ عَنِ الحَارِثِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: «إنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيْزِ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَبَّ عُثْمَانَ، فَقَالَ: ما حَمَلَكَ على أنْ سَبَبْتَهُ؟ قَالَ: أُبْغِضُهُ، قَالَ: وإنْ أبْغَضْتَ رَجُلًا سَبَبْتَهُ؟ قَالَ: فأمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ثَلاثِيْنَ سَوْطًا» (١).
وممَّنْ ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: عَاصِمُ الأحْوَلُ، والإمَامُ مَالِكُ، والإمَامُ أحْمَدُ وكَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاءِ (٢).
* * *
قُلْتُ: وبَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأقْوَالِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ إلاَّ أنَّ في المَسْألَةِ تَفْصِيْلًا بِهِ يَنْحَلُّ الخِلافُ وتَجْتَمِعُ الأقْوَالُ إنْ شَاءَ اللهُ وَهُوَ أنَّ السَّبَّ نَوْعَانِ (دِيْنِيٌّ، ودُنْيَوِيٌّ):
_________________
(١) ذَكَرَهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ في «الصَّارِمِ المَسْلُوْلِ» (٥٦٩).
(٢) انْظُرْ «الصَّارِمَ المَسْلُوْلَ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٥٦٨ - ٥٦٩)، و«الشِّفَاءَ» للقَاضِي عِيَاضٍ (٢/ ٢٦٧).
[ ١٢٩ ]
الأوَّلُ: وهُوَ مَنْ سَبَّهُم لأمْرٍ مُتَعلِّقٍ بِدِيْنِهِم، فَهُو عَلى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: أنَّ مَنْ سَبَّهُم جَمِيْعًا، أو طَعَنَ في عَدَالَتِهِم، كَصُحْبَتِهِم
أو نُصْرَتِهِم لِرَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، أو الجِهَادِ مَعَهُ، أو زَعَمَ أنَّهُم ارْتَدُّوا أو فَسَقُوا فَهَذَا مُرْتَدٌ زِنْدِيْقٌ عِيَاذًا باللهِ؛ لأنَّ في قَوْلِه هَذَا تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ!
القِسْمُ الثَّاني: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالنِّفَاقِ، أو الطَّعْنِ في عَدَالَتِه، أو ادَّعَى رِدَّتَه؛ ممَّنْ وَرَدَ النَّصُّ القَاطِعُ عَلى إيمانِه وعَدَالَتِه فَهَذا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ في قَوْلِه هَذَا تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ!
القِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالنِّفَاقِ، أو الطَّعْنِ في عَدَالَتِه، أو ادَّعَى رِدَّتَه؛ ممَّنْ لَم يَرِدِ النَّصُّ القَاطِعُ على إيمانِه وعَدَالَتِه فَهَذا فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ على الحَاكِمِ أن يُنَكِّلَ بِهِ نَكَالًا شَدِيْدًا حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ، ويَرْجِعَ عَنْ طَعْنِهِ في الصَّحَابَةِ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، واللهُ أعْلَمُ.
الثَّاني: وهُوَ مَنْ سَبَّهُم لأمْرٍ مُتَعلِّقٍ بدُنْيَاهُم، فَهذَا أيْضًا على ثَلاثَةِ أقْسَامٍ:
القِسْمُ الأوَّلُ: مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُم، كَقَوْلِهِ مَثَلًا: إنَّهُم جُبَنَاءُ أو بُخَلاءُ فَهَذَا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ في وصْفِهِ هَذَا لَهُم تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ!
القِسْمُ الثَّاني: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالجُبْنِ أو البُخْلِ مَثَلًا؛ ممَّنْ وَرَدَ النَّصُّ القَاطِعُ على كَرَمِهِ وشَجَاعَتِهِ فَهَذا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ فِيْهِ تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ!
القِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالجُبْنِ أو البُخْلِ مَثَلًا؛ ممَّنْ لَم يَرِدِ النَّصُّ القَاطِعُ على كَرَمِهِ وشَجَاعَتِهِ ففِيْه الخِلافُ السَّابِقُ، فجَمْهُوْرُ أهْلِ العِلْمِ لا يَرَوْنَ تَكْفِيْرَه، بَلْ يَقُوْلُوْنَ: أنَّه فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ على الحَاكِمِ أن يُنَكِّلَ بِهِ نَكَالًا شَدِيْدًا حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ، ويَرْجِعَ عَنْ طَعْنِهِ في الصَّحَابَةِ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، ومِنْهُم مَنْ يَرَى تَكْفِيْرَه، وعَلى الحَاكِمِ أنْ يَقْتُلَه مَا لم يَتُبْ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، واللهُ أعْلَمُ.
[ ١٣٠ ]
حُكْمُ منْ سَبَّ أزْوَاجَ النَبِيِّ - ﷺ -
أمَّا مَنْ سَبَّ أزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَفِيْهِ مَطْلَبَانِ:
المَطْلَبُ الأوَّلُ: حُكْمُ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂.
أمَّا حُكْمُ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ (بِقَذْفٍ) فَهُوَ كَافِرٌ بالإجْمَاعِ، وقَدْ دَلَّ على ذَلِكَ الكِتَابُ، والسُّنَّةُ والإجْمَاعُ، وأقْوَالُ السَّلَفِ.
* * *
وقَدْ سَاقَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ (٤٥٦) بإسْنَادِهِ إلى هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أنَسٍ يَقُوْلُ: «مَنْ سَبَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ جُلِدَ، ومَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ، قِيْلَ لَهُ: لِمَ يُقْتَلُ في عَائِشَةَ؟ قَالَ:
لأنَّ اللهَ تَعَالى يَقُوْلُ في عَائِشَةَ ﵂: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ [النور: ١٧].
[ ١٣١ ]
قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ القُرْآنَ، ومَنْ خَالَفَ القُرْآنَ قُتِلَ، قَالَ ابنُ حَزْمٍ: قَوْلُ مَالِكٍ هَهُنَا صَحِيْحٌ، وهِيَ رِدَّةٌ تَامَّةٌ، وتَكْذِيْبٌ للهِ تَعَالى
في قَطْعِهِ بِبَرَاءتِها» (١).
قَالَ القَاضِي أبُو يَعْلَى الحَنْبَلِيُّ: «مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ بِمَا بَرَّأهَا اللهُ مِنْهُ كَفَرَ بِلا خِلافٍ، وقَدْ حَكَى الإجْمَاعَ على هَذَا غَيْرُ واحِدٍ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ بِهَذا الحُكْمِ» (٢).
وقَالَ ابنُ أبي مُوْسَى: «ومَنْ رَمَى عَائِشَةَ ﵂ بِمَا بَرَّأهَا اللهُ مِنْهُ فَقَدْ مَرَقَ مِنَ الدِّيْنِ، ولم يَنْعَقِدْ لَهُ نِكَاحٌ على مُسْلِمَةٍ» (٣)، وهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُدَامَةَ (٤)، وغَيْرِه مِنْ أهْلِ العِلْمِ.
* * *
وقَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ حَدِيْثِ الإفْكِ: «بَرَاءَةُ عَائِشَةَ ﵂ مِنَ الإفْكِ، وهِيَ بَرَاءَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِنَصِّ القُرْآنِ العَزِيْزِ، فَلَو تَشَكَّكَ فِيْهَا إنْسَانٌ والعَيَاذُ باللهِ صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بإجْمَاعِ المُسْلِمِيْنَ، قَالَ
_________________
(١) «المُحَلَّى» لابنِ حَزْمٍ (١٣/ ٥٠٤)، و«أحْكامُ القُرْآنِ» لابنِ العَرَبِيِّ (٣/ ١٣٥٦)، و«الشِّفاءُ» للقَاضِي عِيَاضٍ (٢/ ٢٦٧).
(٢) «الصَّارِمُ المَسْلُوْلُ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٥٦٦ - ٥٦٧).
(٣) السَّابِقُ (٥٦٨).
(٤) «لُمْعَةُ الاعْتِقَادِ» لابنِ قُدَامَةَ (٢٩).
[ ١٣٢ ]
ابْنُ عَبَّاسٍ وغَيْرُهُ: لم تَزْنِ امْرَأةُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِم أجْمَعِيْنَ، وهذا إكْرَامٌ مِنَ اللهِ تَعَالى لَهُم» (١).
وقَدْ حَكَى ابنُ القَيَّمِ اتِّفَاقَ الأمَّةِ على كُفْرِ قَاذِفِ عَائِشَةَ ﵂ حَيْثُ قَالَ: «واتَّفَقَتِ الأمَّةُ على كُفْرِ قَاذِفِهَا» (٢).
ومِنْ خِلالِ هَذِهِ الأقْوَالِ: يَكُوْنُ قَذْفُ عَائِشَةَ ﵂ كُفْرًا وزَنْدَقَةً، ويُقْتَلُ فاعِلُهُ رِدَّةً، نَعُوْذُ باللهِ مِنْ ذَلِكَ!
* * *
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ - ﷺ -.
وأمَّا حُكْمُ مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ - ﷺ - فَفِيْهِ لأهْلِ العِلْمِ قَوْلانِ:
أحَدُهُمَا: أنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ على حَسَبِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (٣).
الثَّاني: أنَّ مَنْ قَذَفَ واحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂، وهُوَ الأصَحُّ مِنَ القَوْلَيْنِ على ما سَيَتَّضِحُ مِنْ أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ.
_________________
(١) «شَرْحُ مُسْلِمٍ» للنَّوَوِيِّ (١٧/ ١١٧ - ١١٨).
(٢) «زَادُ المَعَادِ» لابنِ القَيِّمِ (١/ ١٠٦).
(٣) انْظُرْ ص (١٣٩).
[ ١٣٣ ]
قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: «وأمَّا مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ - ﷺ - فَفِيْهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُمَا: أنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ.
والثَّاني: وهُوَ الأصَحُّ أنَّهُ مَنْ قَذَفَ واحِدَةً مِنْ أمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ وذَلِكَ لأنَّ هَذَا فِيْهِ عَارٌ وغَضَاَضَةٌ على رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وأذَىً لَهُ أعْظَمُ مِنْ أذَاهُ بِنِكَاحِهِنَّ» (١).
وممَّا يُرَجِّحُ القَوْلَ الثَّاني (أنَّهُنَّ مِثْلُ عَائِشَةَ في حُكْمِ السَّبِّ)؛ أنَّه لمَّا كَانَ رَمِيُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ أذَىً لِلْنَّبِيِّ - ﷺ - لُعِنَ صَاحِبُهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، ولِهَذا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَيْسَ فِيْهَا تَوْبَةٌ»؛ لأنَّ مُؤْذِي النَّبِيَّ (لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تَابَ مِنَ القَذْفِ حَتَّى يُسْلِمَ إسْلامًا جَدِيْدًا، وعلى هَذَا فَرَمْيَهُنَّ نِفَاقٌ مُبِيْحٌ لِلدَّمِ.
* * *
وممَّا يَدُلُّ على أنَّ قَذْفَهُنَّ أذَىً لِلْنَبِيِّ - ﷺ - ما خَرَّجَاهُ في الصَّحِيْحَيْنِ في حَدِيْثِ الإفْكِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -
_________________
(١) «الصَّارِمُ المَسْلُوْلُ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٥٦٧).
[ ١٣٤ ]
فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُوْلٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ على المِنْبَرِ: «يامَعْشَرَ المُسْلِمِيْنَ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أذَاهُ في أهْلِ بَيْتِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ على أهْلِي إلاَّ خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلَمْتُ عَلَيْهِ إلاَّ خَيْرًا، وما كَانَ يَدْخُلُ على أهْلِي إلاَّ مَعِي»، فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ: «أنا أعْذُرُكَ مِنْهُ يا رَسُوْلَ اللهِ إنْ كَانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وإنْ كاَنَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ» (١)، وهُنَالِكَ أدِلَّةٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ (٢).
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، ولا عُدْوَانَ إلاَّ على الظَّالِمِيْن
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٣/ ١٦٣)، ومُسْلِمٌ (٤/ ٢١٢٩ - ٢١٣٦).
(٢) انْظُرْ «عَقِيدَةَ أهْلِ السُّنةِ والجَمَاعةِ في الصَّحابَةِ» لنَاصِرٍ الشَّيْخِ (٢/ ٨٧٨).
[ ١٣٥ ]
الفَصْلُ السَّادِسُ
فَضَائِلُ مُعَاوِيَةَ ﵁
أمَّا فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ فَكَمَا ذَكَرْنَا؛ فإنَّهَا أكْثَرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ، وأشْهَرُ مِنْ أنْ تُنْكَرَ، حَيْثُ دَلَّ على فَضْلِهِم والثَّنَاءِ عَلَيْهِم الكِتَابُ والسُّنَّةُ وإجْمَاعُ سَلَفِ الأمَّةِ، وعلى هذا مَشَى عُلَمَاءُ الأمَّةِ وعَامَّتُهُم على صِحَّةِ العَقِيْدَةِ، وسَلامَةِ الصُّدُورِ، ونَزَاهَةِ الألْسُنِ على أصْحَابِ الرَّسُولِ - ﷺ -، لا يَلْوُوْنَ على قَوْلٍ مُبْتَدَعٍ، أوْ رَأيٍّ مُخْتَرَعٍ.
* * *
ومَعَ هذا؛ فإنَّ طَائِفَةً مِنْ أهْلِ البِدَعِ والأهْوَاءِ لم تُمْسِكْ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَوَقَعَتْ فِيْمَا لايُحْمَدُ عُقْبَاهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ!
فأمَّا الدُّنْيَا: فَقَدْ نَفَرَ مِنْهُم أهْلُ السُّنَّةِ عَامَّةً، وصَاحُوا بِهِم بَيْنَ النَّاسِ تَحْذِيرًا وتَنْفِيْرًا، وبارَزُوْهُم بالحُجَّةِ والبَيَانِ، ونابَذُوْهُم بالتَّشْهِيْرِ
[ ١٣٦ ]
والتَّعْيِيْرِ، فَهُم بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ (كالجَمَلِ الأجْرَبِ) مَنْبُوْذُوْنَ مَقْهُوْرُوْنَ مَخْذُوْلُوْنَ وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ.
وأمَّا في الآخِرَةِ: فَيَوْمٌ تَجْتَمِعُ فِيْهِ الخُصُوْمُ، وتُوْضَعُ المَوَازِيْنُ، وتُنْشَرُ
الصُّحُفُ، وتُسَعَّرُ جَهَنَّمُ، وفِيْهِ يَغْضَبُ ربُّنَا غَضَبًا لم يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولا بَعْدَهُ فَحِيْنَئِذٍ سَيَقُوْمُ النَّبِيُّ - ﷺ - يُخَاصِمُ عَنْ أصْحَابِهِ، ويَنْتَصِرُ لَهُم مِنْ أعْدَائِهِم فَعِنْدَئِذٍ حِسَابٌ وعَذَابٌ، وذِلَّةٌ ونَارٌ، اللَّهُمَّ أحْفَظْ لَنَا قُلُوْبَنَا وألْسِنَتَنَا ما أبْقَيْتَنَا آمِيْنَ!
فلا تَثْرِيْبَ ولا غَرَابَةَ، أن يُنَالَ مِنْ أصْحَابِ رسُوْلِ اللهِ - ﷺ - مِصْدَاقًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂، لمَّا قِيْلَ لَهَا: إنَّ نَاسًا يَتَنَاوَلُوْنَ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، قَالَتْ: «أتَعْجَبُوْنَ مِنْ هَذَا؟! إنَّمَا قَطَعَ (اللهُ) عَنْهُم العَمَلَ، وأحَبَّ أنْ لا يقْطَعْ عَنْهُم الأجْرَ» (١) ابنُ عَسَاكِرَ.
وقَالَ المُغِيْرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ﵁: «لا جَرَمَ لمَّا انْقَطَعَتْ أعْمَارُهُم، أرَادَ اللهُ أنْ لا يَقْطَعَ الأجْرَ عَنْهُم إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، والشَّقِيُّ مَنْ أبْغَضَهُم، والسَّعِيْدُ مَنْ أحَبَّهُم» (٢).
* * *
_________________
(١) أخْرَجَهُ ابنُ عَسَاكِرَ في «تَبْيِيْنِ كَذِبِ المُفْتَرِي» ص (٤٢٣).
(٢) «جَامِعُ الأُصُوْلِ» لابنِ الأثَيْرِ (٩/ ٤١١).
[ ١٣٧ ]
عِلْمًا أنَّ نَابِتَةً نَكِدَةً مَمْقُوْتَةً في زَمَانِنَا هذا قَدْ أطَلَّتْ بِرَأسِهَا تُرِيْدُ أنْ تَنْفُثَ سُمُومَ مَرَضِهَا وباطِلِهَا بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ لِلنَّيْلِ مِنْ مُعَاوِيَةَ ﵁، وكَأنِّي بِهَا عَمْيَاءُ شَوْهَاءُ لا حِرَاكَ لَهَا تُرِيْدُ أنْ تُزَاحِمَ مَا عَلَيْهِ سَلَفُ الأمَّةِ مِنْ صَفَاءٍ ونَقَاءٍ تُجَاهَ الصَّحَابَةِ ﵃.
لِذَا رَأيْتُ أنْ أُضَمِّنَ كِتَابِي هذا فَصْلًا عَنْ فَضْلِ مُعَاوِيَةَ ﵁، حَيْثُ لاكَتْهُ ألْسِنَةٌ، ونَفَرَتْ عَنْهُ قُلُوبٌ مَرْضَى!
ومُعَاوِيَةُ ﵁؛ كَانَ كَمَا قَالَ أئِمَّةُ السَّلَفِ: «مُعَاوِيَةُ ﵁ بِمَنْزِلَةِ حَلْقَةِ البَابِ: مَنْ حَرَّكَهُ اتَّهَمْنَاهُ على مَنْ فَوْقَهُ» (١).
وعَنْهُ قَالَ الرَّبِيْعُ بْنُ نَافِعٍ: «مُعَاوِيَةُ بْنُ أبي سُفْيَانَ سِتْرُ أصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ على ما وَرَاءَهُ» (٢).
* * *
وبَعْدَ هَذَا؛ فَهَذِهِ بَعْضُ فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ ﵁، مَعَ كَشْفِ بَعْضِ ما دَارَ حَوْلَهُ مِنْ شُبَهٍ وأقْوَالٍ مُحَرَّفَةٍ على غَيْرِ وجْهِهَا.
_________________
(١) «تَارِيْخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (٥٩/ ٢١٠).
(٢) السَّابِقُ (٥٩/ ٢٠٩).
[ ١٣٨ ]
أمَّا فَضَائِلُهُ ﵁ فَكَثِيْرَةٌ، نأخُذُ مِنْهَا على وَجْهِ الاخْتِصَارِ مَا يَلِي (١):
لا يَشُكُّ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ مِنْ أكَابِرِ الصَّحَابَةِ عِلْمًا، وحِلْمًا، ونَسَبًا، وقُرْبًا مِنْ النَبِيِّ - ﷺ -، والحَالَةُ هَذِهِ فَمَحَبَّتُهُ حِيْنَئِذٍ واجِبَةٌ بالإجْمَاعِ!
كَمَا أنَّهُ ﵁: أمِيْنُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - على وَحْي رَبِّهِ، حَيْثُ كَانَ أحَدَ الكُتَّابِ لِلْرَّسُولِ - ﷺ - كَمَا صَحَّ في مُسْلِمٍ (٢)، وغَيْرِهِ.
قَالَ أبُو نُعِيْمٍ ﵀: «كَانَ مُعَاوِيَةُ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، حَسَنَ الكِتَابَةِ فَصِيْحًا حَلِيْمًا وَقُوْرًا» (٣).
* * *
_________________
(١) هُنَاكَ جَمْهَرَةٌ مِنْ أهْلِ السُّنةِ لَهُم جُهُودٌ مَشْكوْرةٌ في الذَّبِّ عَنْ مُعاوِيَةَ ﵁، وذَلِكَ فِي تَصَانِيْفَ مُسْتَقِلَّةٍ، مِنْها: «أخْبَارُ مُعَاوِيَة»، و«حِكَمُ مُعَاوِيَة» كِلاهُما لابنِ أبِي الدُّنيا (٢٨١)، و«جُزْءٌ في فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ» لعُبِيْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيِّ (٦٠٤)، و«تَنْزِيْهُ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ مُعَاوِيَةَ بن أبي سُفْيانَ» لأبي يَعْلَى الحَنْبَلِيِّ (٤٥٨)، و«شَرْحُ عَقْدِ أهْلِ الإيْمَانِ في مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ» لأبي عَليٍّ الأهْوَازِيِّ (٤٤٦)، و«سُؤالٌ في مُعَاوِيَةِ بن أبي سُفْيانَ» لابنِ تَيمِيَّةَ (٧٢٨)، و«تَطْهِيْرُ الجِنَانِ واللِّسَانِ» لابنِ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ (٩٧٣)، و«النَّاهِيَةُ» للفَرْهارَوِيِّ وغَيْرُها.
(٢) انْظُرْ «صَحِيْحَ مُسْلِمٍ» (٢٥٠١).
(٣) انْظُرْ «الإصَابَةَ» لابنِ حَجَرٍ (٩/ ٢٣٢).
[ ١٣٩ ]
وناهِيْكَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ الرَّفِيْعَةِ: كِتَابَةُ الوَحِي، ومِنْ ثمَّ نَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ أنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْمُعَافَى بْنِ عُمْرَانَ: أيْنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالعَزِيْزِ مِنْ مُعَاوِيَةَ؟ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيْدًا، وقَالَ: «لا يُقَاسُ بأصْحَابِ النَبِيِّ - ﷺ - أحَدٌ، ومُعَاوِيَةُ صَاحِبُهُ، وصِهْرُهُ، وكَاتِبُهُ، وأمِيْنُهُ على وَحْي اللهِ» (١). وبِمِثْلِهِ قَالَ ابْنُ حَاتِمَ (٣٢٧) لمَّا سُئِلَ عَنْ مُعَاوِيَةَ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ (٢).
وقِيْلَ لِلإمَامِ أحْمَدَ: «هَلْ يُقَاسُ بأصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - أحَدٌ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللهِ، قِيْلَ: فَمُعَاوِيَةُ أفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ؟ قَالَ: أيْ لَعَمْرِي، قَالَ النَبِيُّ - ﷺ -: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» (٣).
ومِثْلُ ذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ، حَيْثُ سُئِلَ: يا أبا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أيُّمَا أفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أوْ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ؟ فَقَالَ: «واللهِ إنَّ
_________________
(١) انْظُر «تَارِيْخَ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (٥٩/ ٢٠٨)، و«مُخْتَصَرَ تَطْهيْرِ الجِنَانِ واللِّسَانِ» لابنِ حَجَرٍ (٤٧)، اخْتَصَرَهُ سُلَيْمَانُ الخَرَاشِيُّ.
(٢) انْظُرْ «جَامِعَ بَيَانِ العِلْمِ وفَضْلِهِ» لابنِ عَبْدِ البَرِّ (٢/ ٢٢٧).
(٣) «السُّنةُ» للخَلاَّلِ (٤٣٥).
[ ١٤٠ ]
الغُبَارَ الَّذِي دَخَلَ أنْفَ فَرَسِ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - أفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بألْفِ مَرَّةٍ، صَلَّى مُعَاوِيَةُ خَلْفَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ، فَمَا بَعْدَ هَذَا الشَّرَفِ الأعْظَمِ؟!» (١).
قَالَ أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ الصَّائِغُ: «وجَّهْنَا رِقْعَةً إلى أبي عَبْدِ اللهِ: ما تَقُوْلُ رحِمَكَ اللهُ فِيْمَنْ قَالَ: لا أقُوْلُ إنَّ مُعَاوِيَةَ كَاتِبُ الوَحِي، ولا أقُوْلُ إنَّهُ خَالُ المُؤْمِنِيْنَ، فإنَّهُ أخَذَها بالسَّيْفِ غَصْبًا (أي: البَيْعَةَ)؟، قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: هذا قَوْلُ سُوْءٍ رَدِيْءٍ يُجَانَبُوْنَ هَؤُلاءِ القَوْمُ، ولا يُجَالَسُوْنَ ويُبَيَّنُ أمْرُهُم لِلْنَّاسِ» (٢).
قِيْلَ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: «يا أبا سَعِيْدٍ إنَّ هَاهُنَا قَوْمًا يَشْتُمُوْنَ أوْ يَلْعَنُوْنَ مُعَاوِيَةَ، وابْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: على أولَئِكَ الَّذِيْنَ يَلْعَنُوْنَ: لَعْنَةُ اللهِ» (٣).
* * *
_________________
(١) السَّابِقُ (٤٨).
(٢) «السُّنةُ» للخَلاَّلِ (٢/ ٤٣٤).
(٣) «تَارِيْخُ دِمِشْقَ» لابنِ عَسَاكِرَ (٥٩/ ٢٠٦).
[ ١٤١ ]
وجَاءَ رَجُلٌ إلى الإمَامِ إبي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ فَقَالَ: «يا أبا زُرْعَةَ، أنا أُبْغَضُ مُعَاوِيَةَ؟ قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لأنَّهُ قَاتَلَ عَلِيَّ بنَ أبي طَالِبٍ، فَقَالَ أبُوزُرْعَةَ: إنَّ رَبَّ مُعَاوِيَةَ رَبٌّ رَحِيْمٌ، وخَصْمَ مُعَاوِيَةَ خَصْمٌ كَرِيْمٌ. فَأيْشَ دُخُوْلُكَ أنْتَ بَيْنَهُما ﵃ أجْمَعِينَ؟» (١).
* * *
ثمَّ إذا تَقَرَّرَ لِلْجَمِيْعِ أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ كَاتِبُ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وأمِيْنُهُ على وَحْي رَبِّهِ؛ كَانَ لِزَامًا أنْ نأمَنَهُ على أمُوْرِ دُنْيَانا قَطْعًا، والحَالَةُ هَذِهِ فمُعَاوِيَةُ ﵁ قَدْ حَازَ الحُسْنَيَيْنِ (دُنْيًا وآخِرَةً)!
* * *
ومِنْ غُرَرِ فَضَائِلِهِ ﵁ ما رَوَاهُ أحْمَدُ في (مُسْنَدِهِ)، والتِّرْمِذِيُّ في (سُنَنِهِ) أنَّ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - دَعَا لَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلَه هَادِيًا مَهْدِيًّا، واهْدِ بِهِ» (٢) أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ.
فإنْ قُلْتَ: هَذَانِ اللَّفْظَانِ: «هَادِيًا مَهْدِيًا»، مُتَرَادِفَانِ، أو مُتَلازِمَانِ؛ فَلِمَ جَمَعَ النَبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمَا؟!
_________________
(١) السَّابِقُ (٥٩/ ١٤١).
(٢) أخْرَجَهُ أحْمَدُ (٤/ ٢١٦)، والتِّرْمِذِيُّ (٣٨٤٢)، وهُوَ صَحِيْحٌ، انْظُرْ «صَحِيْحَ التِّرْمِذِيِّ» (٣٠١٨)، و«السِّلْسِلَةَ الصَّحِيْحَةَ» للألْبَانِيِّ ﵀ (١٩٦٩).
[ ١٤٢ ]
قُلْتُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلا تَلازُمَ بَيْنَهُمَا ولا تَرَادُفَ، لأنَّ الإنْسَانَ قَدْ يَكُوْنُ مُهْتَدِيًا في نَفْسِهِ غَيْرَ هَادِيًا لِغَيْرِهِ، وكذا قَدْ يَكُوْنُ هَادِيًا لِغَيْرِهِ غَيْرَ مُهْتَدِيًا في نَفْسِهِ، فالأوَّلُ قَدْ أصْلَحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ، وأفْسَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّاسِ، والآخَرُ قَدْ أصْلَحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّاسِ، وأفْسَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنُ اللهِ، وقَدْ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هذا الدِّيْنَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ» (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فلأجْلِ هَذَا طَلَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِمُعَاوِيَةَ حِيَازَةَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ العَظِيْمَتَيْنِ!
* * *
ومِنْهَا: ما رَوَاهُ أحْمَدُ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - قَالَ في حَقِّ مُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الكِتَابَ، والحِسَابَ، وقِهِ العَذَابَ» (٢) أحْمَدُ.
_________________
(١) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٣٠٦٢)، ومُسْلِمٌ (١١١).
(٢) أخْرَجَهُ أحْمَدُ (١٧١٥٢)، وأوْرَدَهُ الهَيْثَمِيُّ في «مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ» (٩/ ٣٥٦) وقَالَ: «رَوَاهُ البَزَّارُ وأحْمَدُ في حَدِيْثٍ طَوِيْلٍ، والطَّبَرانِيُّ، وفيه الحَارِثُ بنُ زِيَادٍ ولَمْ أجِدْ مَنْ وَثَّقَهُ، ولَمْ يَرْوِ عَنْه إلاَّ يُوْنِسُ بنُ سَيْفٍ، وبَقِيَّةُ رِجَالِه ثِقَاتٌ، وفي بَعْضِهِم خِلافٌ»، والحَدِيْثُ أخْرَجَهُ أيْضًا ابنُ حِبَّانَ (٧٢١٠)، وقَالَ مُحَقِّقُ كِتَابِ «فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ» (٢/ ٩١٣): «إسْنَادُهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ» وسَاقَ لَه شَاهِدًا، وبِهَذا يَكُوْنُ الحَدِيْثُ حَسَنًا وللهِ الحَمْدُ.
[ ١٤٣ ]
فَحَسْبُكَ أخِي المُسْلِمَ هذا الدُّعَاءُ الجَامِعُ النَّبَوِيُّ المُسْتَجَابُ مِنَ الرَّسُوْلِ - ﷺ -!
ومِنْهَا: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ مَدَحَهُ، وأثْنَى عَلَيْهِ، ووَلاَّهُ دِمِشْقَ مُدَّةَ خِلافَةِ عُمَرَ، وكَذَلِكَ عُثْمَانَ ﵁، ونَاهِيْكَ بِهَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيْمَةٌ مِنْ مَنَاقِبِ مُعَاوِيَةَ، ومَنِ الَّذِي كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَرْضَى بِهِ لِهَذِهِ الوِلايَةِ الوَاسِعَةِ المُسْتَمِرَّةِ (١)؟!
* * *
وهذا فَقِيْهُ الأمَّةِ وحَبْرُهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُوْلُ في مُعَاوِيَةَ ﵁ فِيْمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ، حِيْنَ سُئِلَ: أنَّ مُعَاوِيَةَ أوْتَرَ بِرَكْعَةٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إنَّهُ فَقِيْهٌ»، وفي رِوَايَةٍ: «إنَّهُ صَحِبَ النّبِيَّ - ﷺ -» (٢).
وقَالَ أيْضًا ﵁: «مَا رَأيْتُ لِلْمُلْكِ أعلى مِنْ مُعَاوِيَةَ» (٣) البُخَارِيُّ في تَارِيْخِهِ.
_________________
(١) انْظُرْ «مُخْتَصَرَ تَطْهِيْرِ الجِنَانِ واللِّسَانِ» ص (٦٢ - ٦٣).
(٢) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٧/ ١٣٠) مَعَ الفَتْحِ.
(٣) انْظُرْ «الإصَابَةَ» لابنِ حَجَرٍ (٩/ ٢٣٣).
[ ١٤٤ ]
ومِنْهَا: ما جَاءَ عَنْ أبي الدَّرْدَاءِ ﵁، أنَّهُ قَالَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: «ما رَأيْتُ أحَدًا بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - أشْبَهَ صَلاةً بِرسُوْلِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أمِيْرِكُم هَذَا» (١) يَعْنِي مُعَاوِيَةَ!
وهذا عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ﵁ يَقُوْلُ في شَأنِ مُعَاوِيَةَ: «لا تَكْرَهُوا إمَارَةَ مُعَاوِيَةَ، فإنَّكُم لَو فَقَدتُّمُوْهُ رَأيْتُمْ رُؤُوْسًا تَبْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِهَا كأنَّها الحَنْظَلُ» (٢) ابْنُ أبي شَيْبَةَ.
* * *
ومِنْهَا: أنَّهُ رَوَى عَنْ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - مَائَةَ حَدِيْثٍ وثَلاثَةً وسِتِّيْنَ حَدِيْثًا.
اتَّفَقَ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ على أرْبَعَةٍ، وانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بأرْبَعَةٍ، ومُسْلِمٌ بِخَمْسَةٍ.
* * *
_________________
(١) انْظُرْ «مَجْمَعَ الزَّوَائِدِ» للهَيْثَمِيِّ (٩/ ٣٦٠) وقَالَ عَنْهُ: «رَوَاهُ الطَّبَرانيُّ، ورِجَالَهُ رِجَالَ الصَّحِيْحِ غَيْرُ قَيْسِ بنِ الحَارِثِ المَذْحَجِيِّ، وهُوَ ثِقةٌ».
(٢) أخْرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ» (١٥/ ٢٩٣)، وانْظُرْ «تَنْزِيْهَ خَالِ المُؤْمِنِيْنَ» لأبي يَعْلَى (٩٣).
[ ١٤٥ ]
ومِنْهَا: أنَّهُ لمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ أوْصَى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيْصٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَسَاهُ إيَّاهُ، وأنْ يُجْعَلَ ممَّا يَلِي جَسَدَهُ، وكَانَتْ عِنْدَهُ قُلامَةُ أظْفَارِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - فأوْصَى أنْ تُسْحَقَ وتُجْعَلَ في عَيْنَيْهِ وفَمِهِ (١).
أمَّا وَفاتُهُ ﵁؛ فَقَدِ اتَّفَقُوا أنَّهُ تُوُفِّيَ بِدِمِشْقَ، والمَشْهُوْرُ أنَّ وَفَاتَهُ كانَتْ لأرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ (٦٠ هـ)، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وثَمَانِيْنَ سَنَةٍ.
وبِهَذا نَكْتَفِي بِهَذا القَدْرِ مِنْ فَضَائِلِهِ ﵁ وأرْضَاهُ
_________________
(١) انْظُرْ «سَيَرَ أعْلامِ النُّبلاءِ» للذَّهَبِيِّ (٣/ ١٦٢).
[ ١٤٦ ]
الشُّبهُ الَّتِي قِيْلَتْ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ، والرَّدُّ عَلَيْهَا
أمَّا ما دَارَ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ مِنْ شُبَهٍ وأقْوَالٍ مُحَرَّفَةٍ على غَيْرِ وجْهِهَا فَكَثِيْرٌ لا كَثَّرَهَا اللهُ، قَدْ أفْرَزَها أهْلُ الأهْوَاءِ والبِدَعِ بِدَافِعِ عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ، وآرَاءَ باطِلَةٍ ما كَانَ لَهَا أنْ تأخُذَ حَيِّزًا مِنْ عَقَائِدِ المُسْلِمِيْنَ؛ إلاَّ مَعَ وُجُوْدِ انْتِشَارِ الجَهْلِ ودُعَاتِهِ، وقِلَّةِ العِلْمِ ودُعَاتِهِ!
ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ؛ فَلَنْ تَقُومَ لِلْبَاطِلِ دَوْلَةٌ؛ اللَّهُمَّ صَوْلَةٌ وجَوْلَةٌ ثمَّ يُزْهِقُهُ اللهُ ويَدْمَغُهُ بالحَقِّ، فالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ.
* * *
لِذَا؛ رَأيْتُ أنْ أقِفَ مَعَ بَعْضِ ما قِيْلَ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ مِنْ شُبَهٍ مَشْبُوْهَةٍ لا سِيَّمَا ما كَانَ مِنْهَا مُسْتَنَدُهُ الدَّلِيْلُ الصَّحِيْحُ، أو التَّعْلِيْلُ القَوِيُّ (١)!
_________________
(١) أمَّا الأدِلةُ الضَّعِيْفَةُ والمَوْضُوْعَةُ، والتَّعْلِيْلاتُ المَعْلُوْلةُ فَلَمْ أعِرْها اهْتِمَامًا، ولَمْ أتَكَلَّفْ تَوْجِيْهَها رَأسًا؛ لأنَّ تتبُّعَ البَاطِلَ بِكُلِّ ما فِيْهِ لا يَنْتَهِي أمْرُهُ، ولا يَنْقَطِعُ أهْلُهُ، فَيَكْفِينا مِنَ القِلادَةِ ما أحَاطَ بالعُنُقِ!
[ ١٤٧ ]
الشُبْهَةُ الأوْلَى: ما رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ كان يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ؛ فَجَاءَهُ النَّبِيُّ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - فهَرَبَ وتَوَارَى مِنْهُ، فَجَاءَ لَهُ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ؛ ثمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فادْعُ لي مُعَاوِيَةَ» قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يأكُلْ. ثمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فادْعُ لي مُعَاوِيَةَ» قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يأكُلْ؛ فَقَالَ: «لا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ» (١) مُسْلِمٌ.
* * *
قُلْتُ: لا نَقْصَ على مُعَاوِيَةَ بِهَذا الحَدِيْثِ لأمُوْرٍ، مِنْهَا:
الأوَّلُ: لَيْسَ فِيْهِ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُعَاوِيَةِ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعُوْكَ فَتَبَطَّأ، وإنَّمَا يَحْتَمِلُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لمَّا رَآهُ يَأْكُلُ اسْتَحْيَ أنْ يَدْعُوَهُ فَجَاءَ وأخْبَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - بأنَّهُ يَأْكُلُ، وكَذَا في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
الثَّاني: فَيَحْتَمِلُ أنَّ هذا الدُّعَاءَ جَرَى على لِسَانِهِ - ﷺ - مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَمَا قَالَ لِبَعْضِ أصْحَابِهِ: «تَرِبَتْ يَمِيْنُكَ»، ولِبَعْضِ أمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ: «عَقْرَى حَلْقَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الألْفَاظِ الَّتِي تَجْرِي على ألْسِنَتِهِم بِطَرِيْقِ العَادَةِ مِنْ غَيْرِ أنْ يقْصِدُوا حَقِيْقَتَها.
_________________
(١) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٦٠٤).
[ ١٤٨ ]
الثَّالِثُ: ما أشَارَ إلَيْهِ الإمَامُ مُسْلِمٌ ﵀، أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ لم يَكُنْ أهْلًا لِهَذا الدُّعَاءِ؛ وذَلِكَ حِيْنَمَا أوْرَدَ تَحْتَ بَابِ (فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ) حَدِيْثَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البَشَرُ، فَمَنْ سَبَبْتُهُ، أو لَعَنْتُهُ، أو دَعَوْتُ عَلَيْهِ ولَيْسَ أهْلًا لِذَلِكَ فاجْعَلِ اللَّهُمَّ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً، وأجْرًا، وَرَحْمَةً» (١) مُسْلِمٌ، ثمَّ أتْبَعَهُ بِحَدِيْثِ: «لا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ ». وبِهَذا التَّوْجِيْهِ ذَهَبَ كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ.
* * *
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ بَعْضَهُم زَعَمَ أنَّهُ لم يَصِحْ في فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ شَيْئًا؛ مُحْتَجًا بِقَوْلِ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، حَيْثُ قَالَ: «لا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - في فَضْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ شَيْءٌ» (٢).
قُلْتُ: أمَّا مَا أُثرَ عَنِ ابْنِ رَاهَوَيْهِ؛ فَهُوَ أثَرٌ لا يَصِحُّ؛ سَنَدًا ومَتْنًا:
فأمَّا سَنَدًا: فَفِيْهِ رَجُلٌ مَجْهُوْلُ الحَالِ.
_________________
(١) أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٦٠٠).
(٢) رَوَاهُ عَنْهُ ابنُ الجَوْزِيِّ في «المَوْضُوْعَاتِ» (٢/ ٢٤).
[ ١٤٩ ]
أمَّا مَتْنًا: فَقَدْ وَرَدَتْ أحَادِيْثُ صَحِيْحَةٌ، وآثارٌ ثَابِتَةٌ في فَضْلِ مُعَاوِيَةَ، ممَّا يُقْطَعُ بِرَدِّ ما جَاءَ عنِ إسْحَاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ ﵀، وقَدْ مَرَّ بَعْضُها آنِفًا!
* * *
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: وكَذَا احْتَجُّوا بِصَنِيْعِ البُخَارِيِّ ﵀ في صَحِيْحِهِ حَيْثُ قَالَ: (بَابُ ذِكْرِ مُعَاوِيَة)، ولم يَقُلْ: (فَضَائِلُ أو مَنَاقِبُ مُعَاوِيَةَ)!
قُلْتُ: أمَّا قَوْلُ تَصَرُّفِ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ فَلَيْسَ فِيْهِ حُجَّةٌ لَهُم؛ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِم، كَمَا يَلي:
أوَّلًا: أنَّ هَذَا تَفنُّنٌ مِنَ البُخَارِيِّ ﵀ لا غَيْرَ؛ وهَذِهِ عَادَتُهُ في صَحِيْحِهِ هذا لِمَنْ سَبَرَ عِلْمَ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ مِنْ تَرَاجِمَ، وتَبْوِيْبٍ، وتَعْلِيْقٍ، وتَقْطِيْعٍ لِلأحَادِيْثِ وهَكَذَا.
ثَانِيًا: نَجِدُ البُخَارِيَّ نَفْسَهُ ﵀ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا التَّبْوِيْبِ في بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ: أسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وجُبَيْرِ بنِ
[ ١٥٠ ]
مُطْعِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ؛ وهَؤُلاءِ لا يَشُكُّ أحَدٌ في فَضَائِلِهِم، في حِيْنِ أنَّهُ ﵀ ذَكَرَ لَهُم فَضَائِلَ جَلِيْلَةً (١).
ثَالِثًا: أنَّ البُخَارِيَّ لَهُ شَرْطُهُ الخَاصُّ في ذِكْرِ الحَدِيْثِ في (صَحِيْحِهِ)، ومِنْهُ لم يُدْخِلْ البُخَارِيُّ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ في كِتَابِهِ لأنَّهَا لَيْسَتْ على شَرْطِهِ، ولَيْسَ مَعْنَى هَذَا نَفْيُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا، وكَمْ حَدِيْثٍ قَالَ عَنْهُ البُخَارِيُّ صَحِيْحٌ إلاَّ أنَّهُ لم يُدْخِلْهُ في (صَحِيْحِهِ).
وأدَلُّ شَيْءٍ على هذا صَنِيْعُ التِّرْمِذِيِّ في (سُنَنِهِ) حَيْثُ يَقُوْلُ:
_________________
(١) ونَحْوُ هَذِه الشُبْهَةِ (المَشْبُوْهَةِ) ما ذَكَرَها لِي أحَدُ رُؤوْسِ الرَّافِضَةِ فِي مَجْلِسِ مُناظَرَةٍ كَانَ بَيْنِي وبَيْنَه في المَسْجِدِ المَكِّي، وهي بِشَأنِ البُخَارِيِّ و«صَحِيْحِهِ»، - وهُوَ أحَدُ مُتَحَدِّثي الشِّيْعَةِ في إذَاعَةِ طَهْرَانَ، وله كُتُبٌ غَبْرَاءُ - ونَصُّ شُبْهَتِه: «أنَّ البُخَارِيَّ مُتَّهمٌ في كِتَابِه؛ لأنَّه ذَكَرَ لأبي هُرَيْرَةَ مِنَ الأحادِيْثِ أكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَ لعَليٍّ، عِلْمًا أنَّ عَليًّا كانَ أكْثَرَ مُلازَمَةً للنَّبِيِّ مِنْ أبي هُرَيْرَةَ!»، فَقُلْتُ له: إذا كَانَتْ هذِه الشُّبْهَةُ عِنْدَكُم بِمَكَانٍ؟!، فَنَحْنُ أوْلَى بها - عَيَاذًا باللهِ - فَقَالَ لِي: كَيْفَ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لأنَّ البُخَارِيَّ ﵀ قَدْ ذَكَرَ لأبي هُرَيْرَةَ ﵁ مِنَ الأحَادِيْثِ أكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَ لأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ؛ عِلْمًا أنَّهُم أكْثَرُ مُلازَمَةً للنَّبِيِّ ﷺ مِنْ أبي هُرَيْرَةَ!، ومَعَ هَذا لَمْ نَزْدَدْ نَحْنُ (أهْلَ السُّنةِ) إلاَّ يَقِينًا بأمَانَةِ البُّخارِيِّ في «صَحِيْحِهِ»، فَعِنْدَ هَذا غُصَّ بِرِيقِه!، عِلْمًا أنَّ هذا الرَّافِضِيَّ (المَرْفُوْضَ) كَانَ مَحْشُوْرًا ببَعْضِ المُتَشَابِهَاتِ والضَّلالاتِ، لذا فإنَّنِي عَازِمٌ على إخْرَاجِ ما دَارَ بَيْنِي وبَيْنَه في رِسَالَةٍ صَغِيْرةٍ إذا نَشِطْتُ لِذَلِكَ إنْ شَاء اللهُ!
[ ١٥١ ]
سَألْتُ أبا عَبْدِ اللهِ البُخَارِيَّ عَنْ هذا الحَدِيْثِ، فَقَالَ: صَحِيْحٌ، وعلى هَذَا لا نَجِدُهُ في (صَحِيْحِهِ) لأنَّهُ لَيْسَ على شَرْطِهِ (١)!
* * *
الشُّبْهَةُ الرَابِعَةُ: قَوْلُهُم: إنَّ الَّذِيْنَ قَاتَلُوا عَلِيًّا ﵁، كَانُوا بُغَاةً
بِنَصِّ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - عَنْ عَمَّارٍ: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُه الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوْهُم إلى الجَنَّةِ، ويَدْعُوْنَهُ إلى النَّارِ» (٢) البُخَارِيُّ.
* * *
قُلْتُ: نَعَمْ؛ إنَّ هذا الحَدِيْثَ صَرِيْحٌ بأنَّ الَّذِيْنَ قَتَلُوا عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ﵁ هُمُ الَّذِيْنَ كَانُوا في عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ ﵁؛ إلاَّ أنَّ لِلْحَدِيْثِ تَوْجِيْهَاتٍ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ تَرُدُّ ما يَدَّعِيْهِ أهْلُ الأهْوَاءِ والبِدَعِ، ومِنْ ذَلِكَ:
أوَّلًا: هَلْ لَفْظُ «البَغْي» في الحَدِيْثِ عَامٌ أمْ خَاصٌ؟
فإن كَانَ خَاصًا؛ فَمَنِ المَقْصُوْدُ بِهِ هُنَا؟ مُعَاوِيَةُ أمْ قَاتِلُ عَمَّارٍ؟
فَمَنْ قَالَ: إنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ هُوَ المَقْصُوْدُ بِهِ، فَهُوَ مَرْدُوْدٌ مِنْ وُجُوْهٍ:
_________________
(١) انْظُرْ «النَّاهِيَةَ» للفَرْهَارَوِيِّ (٣٤)، و«مُخْتَصَرَ تَطْهِيْرِ اللِّسَانِ» للهَيْتَمِي (٤٥)، و«الفُصُوْلَ في سِيْرَةِ الرَّسُوْلِ» لابنِ كَثِيْرٍ (٣٣٧).
(٢) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٤٣٦).
[ ١٥٢ ]
١ - أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ لا يَشُكُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ أنَّهُ لم يَقْتُلْ عَمَّارًا؛ بَلْ لم يَثْبُتْ مُطْلَقًا أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَتَلَ صَحَابِيًا مِثْلَهُ!
٢ - لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ: وَصَفَ مُعَاوِيَةَ ﵁ بالبَغْي والضَّلالِ!
وإنْ كَانَ المَقْصُوْدُ بِهِ قَاتِلَ عَمَّارٍ؛ فَهَذا ممَّا لاشَكَّ فِيْهِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكَالَ حِيْنَئِذٍ.
* * *
ومَنْ قَالَ: إنَّ اللَّفْظَ عَامٌ يَشْمَلُ مُعَاوِيَةَ ومَنْ مَعَهُ، فَهَذا هُوَ مَحَلُّ خِلافِ وتَوْجِيْهِ أهْلِ العِلْمِ كَمَا هُوَ الآتي.
ثَانِيًا: هَلْ كَلِمَةُ «البَغْي» الوَارِدَةِ في الحَدِيْثِ شَرْعِيَّةٌ أمْ لا؟ والجَوَابُ أنَّهَا شَرْعِيَّةٌ ولا شَكَّ، فَعِنْدَئِذٍ كَانَ حَمْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ على الوَجْهِ الشَّرْعِيِّ ثُبُوتًا ومَنْعًا
كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].
[ ١٥٣ ]
لِذَا نَجِدُ أكْثَرَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وأهْلَ العِلْمِ كَأبي حَنِيْفَةَ، ومَالِكٍ، وأحْمَدَ وغَيْرِهِم يَقُوْلُوْنَ: لم يُوْجَدْ شَرْطُ قِتَالِ الطَّائِفَةِ البَاغِيَةِ؛ فإنَّ اللهَ لم يَأمُرْ بِقِتَالِهَا ابْتِدَاءً؛ بَلْ أمَرَ إذا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُما، ثمَّ إنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا على الأخْرَى قُوْتِلَتِ الَّتِي تَبْغِي، وهَؤُلاءِ (عَسْكَرُ مُعَاوِيَةَ) قُوْتِلُوا ابْتِدَاءً قَبْلَ أنْ يَبْدَؤُوا بِقِتَالٍ، ولِهَذا كان القِتَالُ عِنْدَ مَالِكٍ، وأحْمَدَ وغَيْرِهِمَا: قِتَالَ فِتْنَةٍ (١).
* * *
ثَالِثًا: البُغَاةُ لا يَخْرُجُوْنَ عَنْ ثَلاثِ حَالاتٍ:
١ - أنْ يَكُوْنُوا مُتَأوِّلِيْنَ بِشُبْهَةٍ، وهُوَ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ والدِّيْنِ الَّذِيْنَ اجْتَهَدُوا، واعْتَقَدَ بَعْضُهُم حِلَّ أُمُوْرٍ، واعْتَقَدَ الآخَرُ تَحْرِيْمَها فَقَدْ جَرَى ذَلِكَ وأمْثَالُهُ مِنْ خِيَارِ السَّلَفِ، فَهَؤُلاءِ المُتَأوِّلُوْنَ المُجْتَهِدُوْنَ غَايَتُهُم أنَّهُم مُخْطِئُوْنَ، وقَدْ قَالَ تَعَالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
_________________
(١) انْظُرْ «مِنْهَاجَ السُّنةِ» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٤/ ٣٩٠ - ٣٩١).
[ ١٥٤ ]
ومِنْ خِلالِ هذا يَكُونُ صَاحِبُ هذا القِسْمِ مِنَ المُجْتَهِدِيْنَ المُتَأوِّلِيْنَ؛ لأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ مُحِقٌّ، وإنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُخْطِئٌ في اجْتِهَادِهِ لم تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ «باغِيًا» مُوْجِبَةً لإثْمِهِ، أو فِسْقِهِ، وهَذَا مَا حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ (١).
٢ - أنْ يَكُوْنُوا مُتَأوِّلِيْنَ بِشَهْوَةٍ، وهذا ما عَلَيْهِ أهْلُ الفَسَادِ.
٣ - أنْ يَكُوْنُوا مُتَأوِّلِيْنَ بِشُبْهَةٍ وشَهْوَةٍ مَعًا.
* * *
رَابِعًا: ولَو قُلْنَا أيْضًا: إنَّ كُلَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا باغٍ، فَلَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ بِمُخْرِجِهِ مِنَ الإيْمَانِ، ولا بِمُوجِبٍ لَهُ النِّيْرَانَ، ولا مَانِعٍ لَهُ مِنَ الجِنَانِ؛ فإنَّ البَغْيَ إذا كَانَ بِتَأوْيِلٍ كَانَ صَاحِبُهُ مُجْتَهِدًا، ولِهَذا اتَّفَقَ أهْلُ السُّنَّةِ على أنَّهُ لم تَفْسُقْ واحِدَةٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وإنْ قَالُوا في إحْدَاهُمَا: إنَّهُم كَانُوا بُغَاةً لأنَّهُم كَانُوا مُتَأوَّلِيْنَ مُجْتَهِدِيْنَ، والمُجْتَهِدُ المُخْطِئُ لا يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ (٢).
* * *
يَقُوْلُ ابنُ تَيْمِيَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، «فَقَدْ جَعَلَهُم مَعَ وُجُوْدِ
_________________
(١) انْظُرْ «مَجْمُوْعَ الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٣٥/ ٧٥ - ٧٦).
(٢) السَّابِقُ (٤/ ٣٩٤).
[ ١٥٥ ]
الاقْتِتَالِ والبَغْي مُؤْمِنِيْنَ إخْوَةً؛ بَلْ مَعَ أمْرِهِ بِقِتَالِ الفِئَةِ البَاغِيَةِ جَعَلَهُم مُؤْمِنِيْنَ، ولَيْسَ كُلُّ ما كَان بَغْيًا وظُلْمًا، أو عُدْوَانًا يُخْرِجُ عُمُوْمَ النَّاسِ عَنِ الإيْمَانِ، ولا يُوْجِبُ لعْنَتَهُم؛ فَكَيْفَ يُخْرِجُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ خَيْرِ القُرُوْنِ!
وكُلُّ مَنْ كَانَ بَاغِيًا، أو ظَالِمًا، أو مُعْتَدِيًا، أو مُرْتَكِبًا ما هُوَ ذَنْبٌ فَهُوَ قِسْمَانِ: مُتَأوِّلٌ، وغَيْرُ مُتَأوِّلٍ أمَّا إذا كَانَ البَاغِي مُجْتَهِدًا ومُتَأوِّلًا، ولم يَتَبَيَّنْ لَهُ أنَّهُ بَاغٍ؛ بَلْ اعْتَقَدَ أنَّهُ على الحَقِّ وإنْ كَانَ مُخْطِئًا في اعْتِقَادِهِ: لم تَكُنْ
تَسْمِيَتُهُ «بَاغِيًا» مُوْجَبَةً لإثْمِهِ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ تُوجِبَ فِسْقَهُ» (١).
ويَدَلُّ على ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ - عَنِ الحَسَنِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» (٢) البُخَارِيُّ.
لِذَا كَانَ يَقُوْلُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ﵀: «قَوْلُهُ: (فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، يُعْجِبُنَا جِدًّا)، قَالَ البَيْهَقِيُّ: «وإنَّمَا أعَجَبَهُم لأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمَّاهُمَا مُسْلِمِيْنَ، وهذا خَبَرٌ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله
_________________
(١) «مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٣٥/ ٧٤ - ٧٦).
(٢) أخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٢٧٠٤).
[ ١٥٦ ]
عليه وسلم - بِمَا كَانَ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بَعْدَ وَفَاةِ عَلِيٍّ في تَسْلِيْمِهِ الأمْرَ إلى مُعَاوِيَةَ ابنِ أبي سُفْيَانَ» (١).
* * *
خَامِسًا: هُنَاكَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ مَنْ طَعَنَ في الحَدِيْثِ.
ومِنْهُم مَنْ تأوَّلَهُ: على أنَّ المُرَادَ بالبَاغِيَةِ هُنَا هُمُ الفِئَةُ الَّتِي تَبْغِي أخْذَ الثَّأرِ بِدَمِ عُثْمَانَ، كَمَا قَالُوا: نَبْغِي ابنَ عَفَّانَ بأطْرَافِ الأسَلِ.
ومِنْهُم مَنْ قَالَ: إنَّ البَاغِيَةَ هِيَ الَّتِي جَاءَتْ بِعَمَّارٍ لِلْقَتْلِ لا القَاتِلَةُ وكُلُّها ضَعِيْفَةٌ، والثَّالِثُ أضْعَفُهَا تَأوِيْلًا!
سَادِسًا: مِنْ أهْلِ العِلْمِ مَنْ قَالَ: إنَّ هذا الحَدِيْثَ لَيْسَ نَصًّا في عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ ومَنْ مَعَهُ؛ بَلْ يُمْكِنُ أنَّهُ أُرِيْدَ بِهِ تِلْكَ العِصَابَةُ الَّتِي حَمَلَتْ علَى عَمَّارٍ ﵁ فَقَتَلَتْهُ، وهِيَ طَائِفَةٌ مِنَ العَسْكَرِ، ومَنْ رَضِيَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمُهَا، ومِنَ المَعْلُوْمِ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ لم يَرْضَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ لا مُعَاوِيَةُ
_________________
(١) «الاعْتِقَادُ» للبَيْهَقِيِّ ص (١٩٨)، و«فَتْحُ البَارِي» لابنِ حَجَرٍ (١٣/ ٦٦).
[ ١٥٧ ]
ولا عَمْرٌو ولا غَيْرُهُمَا رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيْعِ؛ بَلْ أكْثَرُ النَّاسِ كَانُوا مُنْكِرِيْنَ قَتْلَهُ ﵁، وهذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ (١).
* * *
وأخِيْرًا؛ أُعِيْذُكَ باللهِ أخِي المُسْلِمَ أنْ تَتَفَوَّهَ بِشَيءٍ فِيْهِ غَمْزٌ أو لَمْزٌ بأصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، لاسِيَّمَا كَاتِبُ رَسُوْلِ اللهِ وأمِيْنُهُ على وَحْي رَبِّهِ: وهُوَ مُعَاوِيَةُ بنُ أبي سُفْيَانَ ﵁ وأرْضَاهُ، وجَعَلَ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ مَأوَاهُ، وطَيَّبَ بالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ آمِيْنَ!
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، ولا عُدْوَانَ إلاَّ على الظَّالِمِيْنَ
_________________
(١) انْظُرْ «مَجْمُوْعَ الفَتَاوَى» لابنِ تَيْمِيَّةَ (٣٥/ ٧٦ - ٧٧).
[ ١٥٨ ]