مقدمة صاحب المتن: ابن قدامة
مقدمة صاحب المتن ابن قدامة
قال الشيخ الإمام العلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي عليه رحمة الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
[١] الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
له الأسماء الحسنى، والصفات العلى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٥-٧] .
أحاط بكل شيء علمًا، وقهر كل خلوق عزة وحكمًا، ووسع كل شيء رحمة وعلما ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْما﴾ [طه: ١١٠] موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم.
الشرح
اللمعة: تطلق في اللغة على معانٍ منها: البُلْغة من العيش وهذا المعنى أنسب معنى لموضوع هذا الكتاب. فمعنى لمعة الاعتقاد هنا: البُلْغة من الاعتقاد الصحيح المطابق لمذهب السلف رضوان الله عليهم.
[ ٢٨ ]
والاعتقاد: الحكم الذهني الجازم فإن طابق الواقع فصحيح وإلا ففاسد.
ما تضمنته خطبة الكتاب: تضمنت خطبة المؤلف في هذا الكتاب ما يأتي:
١- البداءة بالبسملة اقتداء بكتاب الله العظيم واتباعًا لسنة رسول الله -ﷺ- ومعنى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: أي أفعل الشيء مستعينا ومتبركا بكل اسم من أسماء الله تعالى الموصوف بالرحمة الواسعة، ومعنى ﴿اللَّه﴾ المألوه أي: المعبود حبًا وتعظيمًا وتألهًا وشوقًا، و﴿الرَّحْمَن﴾ ذو الرحمة الواسعة و﴿الرَّحِيم﴾ الموصل رحمته من شاء من خلقه، فالفرق بين الرحمن والرحيم أن الأول باعتبار كون الرحمة وصفا له والثاني باعتبارها فعلًا له يوصلها من شاء من خلقه.
٢- الثناء على الله بالحمد والحمد ذكر أوصاف المحمود الكاملة وأفعاله الحميدة مع المحبة له والتعظيم.
٣- أن الله محمود بكل لسان ومعبود بكل ومكان أي مستحق وجائز أن يحمد بكل لغة ويعبد بكل بقعة.
٤- سعة علم الله بكونه لا يخلو من علمه مكان وكمال قدرته وإحاطته حيث لا يلهيه أمر عن أمر.
٥- عظمته وكبرياؤه وترفعه عن كل شبيه وند مماثل لكمال صفاته من جميع الوجوه.
٦- تنزهه وتقدسه عن كل زوجة وولد وذلك لكمال غناه.
٧- تمام إرادته وسلطانه بنفوذ قضائه في جميع العباد فلا يمنعه قوة ملك ولا كثرة عدد ومال.
٨- عظمة الله فوق ما يتصور بحيث لا تستطيع العقول له تمثيلًا ولا تتوهم القلوب له صورة؛ لأن الله:
[ ٢٩ ]
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
٩- اختصاص الله بالأسماء الحسنى والصفات العلى.
١٠- استواء الله على عرشه وهو علوه واستقراره عليه على الوجه اللائق به.
١١- عموم ملكه للسموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
١٢- سعة علمه وقوة قهره وحكمه وأن الخلق لا يحيطون به علمًا لقصور إدراكهم عما يستحقه الرب العظيم من صفات الكمال والعظمة.
[ ٣٠ ]
التسليم والقبول لآيات وأحاديث الصفات
[٢] وكل وجاء في القرآن، أو صحَّ عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا ٥ وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾:
_________________
(١) ٥ تعقيب: قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في قول صاحب اللمعة: "وجب الإيمان به لفظا" وأما كلام صاحب اللمعة فهذه الكلمة مما لوحظ في هذه العقيدة، وقد لوحظ فيها عدة كلمات أخذت على المصنف؛ إذ لا يخفى أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الإيمان بما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته لفظًا ومعنى، واعتقاد أن هذه الأسماء والصفات على الحقيقة لا على المجاز، وأن لها معانٍ حقيقية تليق بجلال الله وعظمته. وأدلة ذلك أكثر من أن تحصر، ومعاني هذه الأسماء ظاهرة معروفة من القرآن كغيرها لا لبس فيها ولا إشكال ولا غموض فقد أخذ أصحاب رسول الله -ﷺ- عنه القرآن ونقلوا عنه الأحاديث لم يستشكلوا شيئًا من معاني هذه الآيات الأحاديث؛ لأنها واضحة صريحة، وكذلك مَنْ بعدهم من القرون الفاضلة، كما يروى عن مالك لما سئل عن قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وكذلك يروى معنى ذلك عن ربيعة شيخ مالك، ويروى عن أم سلمة مرفوعًا وموقوفًا. أما كنه الصفة وكيفيتها: فلا يعلمه إلا الله سبحانه؛ إذ الكلام في الصفة فرع عن الكلام في الموصوف، فكما لا يعلم كيف هو إلا هو فكذلك صفاته وهو معنى قول مالك: "والكيف مجهول". أما ما ذكره في "اللمعة" فإنه ينطبق على مذهب المفوضة، وهو من شر المذاهب وأخبثها، والمصنف -﵀- إمام في السنة، وهو أبعد الناس عن مذهب المفوضة وغيرهم من المبتدعة، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم" أ. هـ عن مكتب الإفتاء "٣٢٨" في ١٣٨٥/٧/٢٨هـ نقلًا عن فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم جمع وترتيب محمد بن عبد الرحمن بن قاسم.
[ ٣١ ]
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] .
وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .
فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .
الشرح
تقسيم نصوص الصفات وطريقة الناس فيها:
تنقسم نصوص الكتاب والسنة الواردة في الصفات إلى قسمين: واضح جلي ومشكل خفي؛ فالواضح ما اتضح لفظه ومعناه فيجب الإيمان به لفظًا وإثبات معناه حقًّا بلا رد ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل؛ لأن الشرع ورد به فوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول والتسليم.
_________________
(١) = قلت: ومن رجع إلى مصنفات ابن قدامة -﵀- علم يقينًا أنه بعيد كل البعد عن مذهب المفوضة وأهل التأويل لاسيما كتابه "ذم التأويل" الذي رد فيه على أهل التأويل ومن حذا حذوهم من المفوضة وأثبت فيه مذهب أهل السنة من الإيمان بما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته لفظًا ومعنى. فما ورد عن ابن قدامة هنا بقوله: "وجب الإيمان به لفظا" من المجمل المتشابه الذي فُسِّر صريحًا واضحًا بينًا في مصنفاته الأخرى فيجب الرد إلى المحكم من كلامه عليه رحمة الله. فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهود مردود إلى المحكم من كلامه في سائر تصانيفه والله أعلى وأعلم.
[ ٣٢ ]
وأما المشكل فهو ما لم يتضح معناه لإجمال في دلالته أو قصر في فهم قارئه فيجب إثبات لفظه لورود الشرع به والتوقف في معناه وترك التعرض له؛ لأنه مشكل لا يمكن الحكم عليه فنرد علمه إلى الله ورسوله.
وقد انقسمت طرق الناس في هذا المشكل إلى طريقين:
الطريقة الأولى: طريقة الراسخين في العلم الذين آمنوا بالمحكم والمتشابه وقالوا ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] وتركوا التعرض لما لا يمكنهم الوصول إلى معرفته والإحاطة به تعظيمًا لله ورسوله وتأدبًا مع النصوص الشرعية وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] .
الطريقة الثانية: طريقة الزائغين الذين اتبعوا المتشابه طلبا للفتنة وصدًّا للناس عن دينهم وعن طريقة السلف الصالح فحاولوا تأويل هذا المتشابه إلى ما يريدون لا إلى ما يريه الله ورسوله، وضربوا نصوص الكتاب والسنة بعضها ببعض وحاولوا الطعن في دلالتها بالمعارضة والنقص ليشككوا المسلمين في دلالتها ويعموهم عن هدايتها وهؤلاء هم الذين ذمهم الله بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .
تحرير القول في النصوص من حيث الوضوح والإشكال:
إن الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي يختلف به الناس بحسب العلم والفهم فقد يكون مشكلًا عند شخص ما هو واضح عند شخص آخر والواجب عند الإشكال اتباع ما سبق من ترك التعرض له والتخبط في معناه أما من حيث واقع النصوص الشرعية فليس فيها بحمد الله ما هو مشكل لا يعرف أحد من الناس معناه فيما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم؛ لأن الله وصف القرآن بأنه نور مبين وبيان للناس وفرقان وأنه أنزله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة، وهذا يقتضي أن لا يكون في النصوص ما هو مشكل بحسب الواقع بحيث لا يمكن أحد من الأمة معرفة معناه.
[ ٣٣ ]
معنى الرد والتأويل والتشبيه والتمثيل وحكم كل منها:
الرد: التكذيب والإنكار مثل أن يقول قائل: ليس لله يدًا لا حقيقة ولا مجازًا وهو كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله.
والتأويل: التفسير والمراد به هنا تفسير نصوص الصفات بغير ما أراد الله بها ورسوله وبخلاف ما فسرها به الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
وحكم التأويل على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون صادرًا عن اجتهاد وحسن نية بحيث إذا تبين له الحق رجع عن تأويله فهذا معفو عنه؛ لأن هذا منتهى وسعه وقد قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
الثاني: أن يكون صادرًا عن هوى وتعصب وله وجه في اللغة العربية فهو فسق وليس بكفر إلا أن يتضمن نقصًا أو عيبًا في حق الله فيكون كفرًا.
القسم الثالث: أن يكون صادرًا عن هوى وتعصب وليس له وجه في اللغة العربية فهذا كفر؛ لأن حقيقته التكذيب حيث لا وجه له.
والتشبيه: إثبات مشابه لله فيما يختص به من حقوق أو صفات وهو كفر؛ لأنه من الشرك بالله ويتضمن النقص في حق الله حيث شبهه بالمخلوق الناقص.
والتمثيل: إثبات مماثل لله فيما يختص به من حقوق أو صفات وهو كفر؛ لأنه من الشرك بالله وتكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى: ١١] .
ويتضمن النقص في حق الله حيث مثله بالمخلوق الناقص.
والفرق بين التمثيل والتشبيه أن التمثيل يقتضي المساواة من كل وجه بخلاف التشبيه.
[ ٣٤ ]
كلام أئمة السلف في الصفات
[٣] قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -﵁- في قول النبي -ﷺ: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا" و"إن الله يُرَى في القيامة" وما أشبه هذه الأحاديث٦: نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله -ﷺ- ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدَّى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول -ﷺ- وتثبيت القرآن٧.
_________________
(١) ٦ يأتي تخريج هذه الأحاديث ص "٥٨، ٨٦". ٧ راجع: الصواعق المنزلة لابن القيم "٢٦٥/١"، ومختصر الصواعق المرسلة لابن الموصلي "٢٥١/٢" ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص "١٥٦" وترجمة الإمام أحمد من تاريخ الإسلام للذهبي ص "٢٧". *قال الشيخ محمد صالح العثيمين في فتح رب البرية في تلخيص الحموية ص "٦٣": "المعنى الذي نفاه الإمام أحمد في كلامه هو المعنى الذي ابتكره المعطلة من الجهمية وغيرهم وصرفوا به نصوص الكتاب والسنة عن ظاهرها إلى معانٍ تخالفه، ويدل على ما ذكرنا أنه نفى المعنى ونفى الكيفية ليتضمن كلامه الرد على كلتا الطائفتين المبتدعتين: طائفة المعطلة، وطائفة المشبهة" أ. هـ.
[ ٣٥ ]
الشرح
ما تضمنه كلام الإمام أحمد في أحاديث النزول وشبهها:
تضمن كلام الإمام أحمد -﵀- الذي نقله عنه المؤلف ما يأتي:
١- وجوب الإيمان والتصديق بما جاء عن رسول الله -ﷺ- من أحاديث الصفات من غير زيادة ولا نقص ولا حد ولا غاية.
٢- إنه لا كيف ولا معنى أي: لا نكيف هذه الصفات؛ لأن تكييفها ممتنع لما سبق وليس مراده أن لا كيفية لصفاته لأن صفاته ثابتة حقا وكل شيء ثابت فلابد له من كيفية لكن كيفية صفات الله غير معلومة لنا.
وقوله: ولا معنى أي لا نثبت لها معنى يخالف ظاهرها كما فعله أهل التأويل وليسمرادة نفي المعنى الصحيح الموافق لظاهرها الذي فسرها به السلف فإن هذا ثابت ويدل على هذا قوله ولا نرد شيئا منها ونصفه بما وصف به نفسه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ولا نعلم كيف كنه ذلك فإن نفيه لرد شيء منها ونفيه لعلم كيفيتها دليل على إثبات المعنى المراد منها.
٣- وجوب الإيمان القرآن كله محكمة وهو ما اتضح معناه ومتشابهه وهو ما أشكل معناه فنرد المتشابه إلى المحكم ليتضح معناه فإن لم يتضح وجب الإيمان به لفظا وتفويض معناه إلى الله تعالى.
[٤] قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ٨.
_________________
(١) ٨ راجع: الرسالة المدنية لابن تيمية ص "١٢١" مع الفتوى الحموية. *قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما ما قال الشافعي فإنه حق يجب على كل مسلم اعتقاده. ومن اعتقده ولم يأتِ بقول يناقضه، فإنه سلك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة" أ. هـ.
[ ٣٦ ]
الشرح
ما تضمنه كلام الإمام الشافعي:
تضمن كلام الإمام الشافعي ما يأتي:
١- الإيمان بما جاء عن الله تعالى في كتابه المبين على ما أراده الله من غير زيادة ولا نقص ولا تحريف.
٢- الإيمان بما جاء به عن رسول الله -ﷺ- في سنة رسول الله -ﷺ- على ما أراده رسول الله -ﷺ- من غير زيادة ولا نقص ولا تحريف.
وفي هذا الكلام رد على أهل التأويل وأهل التمثيل؛ لأن كل واحد منهم لم يؤمن بما جاء عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله فإن أهل التأويل نقصوا وأهل التمثيل زادوا.
[٥] وعلى هذا درج السَّلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- من غير تعرض لتأويله.
_________________
(١) = قلت: ومن أقوال الشافعي المهمة في باب الأسماء والصفات قوله: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحد قامت عليه الحجة ردها، فإن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكر، ويثبت هذه الصفات وينفي عنها التشبيه كما نفى عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] راجع مختصر العلو للألباني ص "١٧٧" واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص "٥٩".
[ ٣٧ ]
الشرح
طريق السلف الذي درجوا عليه في الصفات:
الذي درج عليه السلف في الصفات هو الإقرار والإثبات لما ورد من صفات الله تعالى في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- من غير تعرض لتأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله.
[ ٣٨ ]
الترغيب في السنة والتحذير من البدعة
[٦] وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ: "عَلَيْكُم بِسُنَّتي وسُنَّة الخُلَفَاءِ الرَّاشِدين الْمَهديين مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عليها بالنَواجِذِ، وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُور، فإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة".
الشرح
والاقتداء بهم في ذلك واجب لقوله ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الألباني وجماعة٩.
_________________
(١) ٩ حديث صحيح: أخرجه أحمد في المسند "١٢٦/٤، ١٢٧". وأبو داود: كتاب السنة: باب في لزوم السنة "٤٦٠٧". والترمذي: كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة "٢٦٧٦". وابن ماجه: في المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين "٤٢، ٤٣" والدارمي "٤٤/١" وابن حبان "١٠٢ - موارد" والحاكم "٩٧/١" وابن أبي عاصم في السنة "ص ١٧: ٢٠، ٢٩، ٣٠" البيهقي في دلائل النبوة "٥٤١/٦" وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "٢٢٢/١: ٢٢٤" من حديث العرباض بن سارية أبي نجيح ﵁. وقد صححه غير واحد من أهل العلم: فقال الترمذي: "حسن صحيح" وصححه الحاكم وأقره الذهبي، ونقل ابن عبد البر عن أبي بكر أحمد بن عمرو البزار قوله: حديث عرباض في الخلفاء الراشدين صحيح ثابت، ثم قال: وهو كما قال. وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع "٣٠٩/٢٠" مجموع الفتاوى، وفي اقتضاء الصراط المستقيم "٥٧٩/٢". أما تصحيح الألباني الذي أشار إليه الشيخ ففي صحيح الجامع الصغير "٣٤٦/٢" وفي تخريج السنة لابن أبي عاصم ص "١٧: ٢٠"، ص "٢٩، ٣٠".
[ ٣٩ ]
السنة والبدعة وحكم كل منهما:
السنة لغة: الطريقة. واصطلاحًا: ما كان عليه النبي -ﷺ- وأصحابه من عقيدة أو عمل. واتباع السنة واجب لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
وقوله ﷺ: "عَلَيْكُم بِسُنَّتي وسُنَّة الخلفاءِ الرَّاشدين الْمَهْدِيين مِن بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّواجِذ".
والبدعة لغة: الشيء المستحدث. واصطلاحًا: ما أُحْدِثَ في الدين على خلاف ما كان عليه النبي -ﷺ- وأصحابه من عقيدة أو عمل.
وهي حرام لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
وقوله ﷺ: "وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فإنَّ كُلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بدعةٍ ضَلالَة".
_________________
(١) = *فائدة: *قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص "٣٦٥" في شرحه لهذا الحديث في الكلام على محدثات الأمور وتعديدها: "وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات الله وصفاته مما سكت عنه النبي -ﷺوالصحابة والتابعين لهم بإحسان. فقوم نفوا كثيرا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك وزعموا أنهم فعلوه تنزيها لله عما تقتضي العقول تنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله ﷿. وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة على السكوت عنها" أ. هـ.
[ ٤٠ ]
[٧] وقال عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم ١٠.
[٨] وقال عمر بن عبد العزيز -﵁- كلاما معناه: قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفُّوا وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر،
_________________
(١) ١٠ أثر صحيح: وقد رواه عن ابن مسعود غير واحد من التابعين منهم: أ- أبو عبد الرحمن السلمي: أخرجه الدارمي "٢١١" والطبراني في الكبير "٨٨٧٠" والبيهقي في المدخل "٢٠٤" وابن وضاح في البدع والنهي عنها ص "١٠" كلهم من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عنه، وقال الهيثمي في المجمع "١٨١/١": ورجاله رجال الصحيح. قلت: لكن الإسناد فيه عنعنة الأعمش وعنعنة حبيب بن أبي ثابت وكلاهما مدلس. ب- إبراهيم النخعي: أخرجه أبو خيثمة في العلم "٥٤" من طريق العلاء عن حماد عنه وصحح إسناده الألباني حيث قال: "وهذا إسناد صحيح، فإبراهيم وإن كان لم يدرك عبد الله وهو ابن مسعود فقد صح عنه أنه قال: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو غير واحد عن عبد الله". ج- قتادة: أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها ص "١١" من طريق أبي هلال عنه، وأبو هلال هذا هو محمد بن سليم صدوق وفيه لين أخرج له البخاري في التعاليق. وبالجملة فأثر ابن مسعود بهذه الطرق صحيح بلا ريب والله أعلم.
[ ٤١ ]
وما دونهم مُقصِّر، لقد قصَّر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم ١١.
[٩] وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول١٢.
_________________
(١) ١١ الأثر أورده ابن قدامة في كتابه البرهان في بيان القرآن ص "٨٨، ٨٩" من قول عبد العزيز بن أبي الماجشون ثم قال: "وروي معناه عن عمر بن عبد العزيز". وقد أورده الحافظ ابن الجوزي في مناقب عمر بن عبد العزيز ص "٨٣، ٨٤"، وأورد الحافظ ابن رجب طرفا منه مع اختلاف يسير في رسالته فضل علم السلف ص "٣٦" وهي قوله: "إن السابقين عن علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا، وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا" أ. هـ يشير بهذا إلى أن سكوتهم كان عن علم وخشية وليس سكوت عجز وعي، وأن توسع من توسع بعدهم لا يدل على أنهم أعلم منهم. وراجع في هذا المعنى فضل علم السلف ص "٣٦: ٤١". *كفوا: امتنعوا. بالفضل: بالزيادة. محسر: من الحسر وهو التعب والإعياء. جفوا: من الجفاء وهو التباعد. غلوا: الغلو هو تجاوز الحد. ١٢ أثر صحيح: أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص "٧" والآجرى في الشريعة ص "٥٨" وعنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "١١٤/٢" من طريق العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: "أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: فذكره". وهذا إسناد صحيح. وأما قول الحافظ في التقريب "٣٩٩/١" عن العباس بن الوليد أنه صدوق فمتعقب، فقد وثقه ابن أبي حاتم والنسائي وابن حبان وغيرهم كما في التهذيب "١١٥/٥، ١١٦" والجرح والتعديل "٢١٦/٢" وطبقات الحنابلة "٢٣٥/١". والأثر أورده الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء "١٢٠/٧" وفي العلو للعلي الغفار وصحح الألباني إسناده في مختصره للعلو ص "١٣٨".
[ ٤٢ ]
الشرح
الآثار الواردة في الترغيب بالسنة والتحذير من البدعة:
١- من أقوال الصحابة: قال ابن مسعود -﵁- الصحابي الجليل المتوفى سنة ٣٢هـ عن بضع وستين سنة:
اتبعوا أي: التزموا آثار النبي -ﷺ- من غير زيادة ولا نقص.
ولا تبتدعوا: لا تحدثوا بدعة في الدين.
فقد كفيتم أي: كفاكم السابقون مهمة الدين حيث أكمل الله تعالى الدين لنبيه -ﷺ- وأنزل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ [المائدة: ٣] . فلا يحتاج الدين إلى تكميل.
٢- من أقوال التابعين: قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المولود سنة ٦٣ المتوفى سنة ١٠١هـ قولًا يتضمن ما يأتي:
أ- وجوب الوقوف حيث وقف القوم -يعني بهم- النبي -ﷺ- وأصحابه فيما كانوا عليه من الدين عقيدة وعملا؛ لأنهم وقفوا عن علم وبصيرة ولو كان فيما حدث بعدهم خير لكانوا به أحرى.
ب- إن ما أحدث بعدهم فليس فيه إلا مخالفة هديهم والزهد في سنتهم وإلا فقد وصفوا من الدين ما يشفي وتكلموا فيه بما يكفي.
جـ- إن من الناس من قصر في اتباعهم فكان جافيًا ومن الناس من تجاوزهم فكان غاليًا والصراط المستقيم ما بين الغلو والتقصير.
[ ٤٣ ]
٣- من أقوال تابعي التابعين: قال الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو المتوفى سنة ١٥٧هـ عليك بآثار من سلف: الزم طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان لأنها مبنية على الكتاب والسنة.
وإن رفضك الناس: أبعدوك واجتنبوك.
وإياك وآراء الرجال: احذر آراء الرجال وهي ما قيل بمجرد الرأي من غير استناد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وإن زخرفوه: جملوا اللفظ وحسنوه فإن الباطل لا يعود حقا بزخرفته وتحسينه.
[ ٤٤ ]
[١٠] وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟!! قال الرجل: فإني أقول: قد علموها. قال: أفوسعهم ألا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم. قال فشيء وسع رسول الله -ﷺ- وخلفاؤه، لا يسعك أنت؟!! فانقطع الرجل. فقال الخليفة -وكان حاضرًا-: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم.
[١١] وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله -ﷺ- وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه.
الشرح
مناظرة جرت عند خليفة بين الأدرمي وصاحب بدعة:
لم أطلع على ترجمة للأدرمي ١٣ ومن معه ولا أعلم نوع البدعة المذكورة والمهم أن نعرف مراحل هذه المناظرة لنكتسب منها طريقًا لكيفية المناظرة بين الخصوم
_________________
(١) ١٣ القصة أخرجها الخطيب في تاريخ بغداد "٧٥/١٠" ومن طريقه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص "٤٣١: ٤٣٦" ومن طريقه ابن قدامة في التوابين ص "١٩٤" وأخرجها الذهبي في سير أعلام النبلاء "٣١٣/١١" والآجرى في الشريعة ص "٩١: ٩٥" وأوردها ابن كثير في البداية والنهاية "٣٣٥/١٠" وقد رويت القصة من طريقين أحدهما مطول والآخر مختصر وقال الحافظ الذهبي بعد ذكر الطريقة المختصرة للقصة: "هذه قصة مليحة وإن كان في طريقها من يجهل ولها شاهد" ثم ذكر لها الطريق المطول. ويظهر من كلام الشيخ العثيمين -حفظه الله- أن في هذه القصة مبهمات أربعة الأدرمي، والمناظر له، والخليفة الذي حضر المناظرة، والبدعة التي جرت المناظرة بسببها ومن خلال التعرف على شخصية المُنَاظِر تتبين لنا بقية المبهمات =
[ ٤٥ ]
_________________
(١) = الأول: الأدرمي: والذي نستطيع تأكيده أنه مُصَحَّف من الأذرمي واسمه أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الآذرمي روى عن وكيع وابن عيينه وابن مهدي وغيرهم، وروى عنه أبو داود والنسائي ووثقه أبو حاتم والنسائي، ترجمته في التهذيب "٤/٦، ٥" والأنساب للسمعاني "٦٢/١". وهو صاحب القصة المذكورة كما جاء في المصادر التي وردت بها القصة وكما رجح غير واحد من أهل العلم فروى الخطيب في تاريخه "٧٧/١٠، ٧٨" وابن الجوزي في المناقب ص "٤٣٦" أن الحافظ أبا بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي حدَّث بهذه المناظرة ثم قال: "الشيخ هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرمي" أ. هـ. وقال الخطيب في تاريخه "٧٥/١٠": وكان هارون الواثق بالله أشخص شيخا من أهل أذنه للمحنة وناظر ابن أبي دُوَاد بحضرته واستعلى عليه الشيخ بحجته فأطلقه الواثق ورده إلى وطنه، ويقال: إنه كان أبا عبد الرحمن الأذرمي أ. هـ. وقال الحافظ في التهذيب "٥/٦" بعد أن ذكر كلام الخطيب: قلت القصة مشهورة حكاها المسعودي وغيره، ورواها السياري في الألقاب بإسناد له قال فيه: إن الشيخ المناظر هو الأذرمي هذا أ. هـ. وقال السمعاني في الأنساب "٦٢/١" في مادة: الأذرمي: بعد الألف وفتح الذال المعجمة وسكون الراء، وفي آخرها الميم، هذه النسبة إلى آذرم، وظني أنها من قرى أذنة بلدة من الثغر منها أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الآذرمي ثم ترجم له وذكر مثل كلام الخطيب. الثاني: المناظر له وهو أحمد بن أبي دُوَاد: القاضي الكبير أبو عبد الله أحمد بن فرج بن حريز الإيادي البصري البغدادي الجهمي عدو أحمد بن حنبل. كان داعية إلى خلق القرآن كانت له منزلة ومشورة عند الخليفة المأمون والمعتصم والواثق وكان إلْبًا على الإمام أحمد يوم المحنة يقول يا أمير المؤمنين اقتله هو ضال مضل، راجع ترجمته في: وفيات الأعيان "٨١/١" وسير أعلام النبلاء "١٦٩/١١" والبداية والنهاية "٣١٩/١٠" وشذرات الذهب "٩٣/٢". الثالث: الخليفة الذي حضر المناظرة هو الواثق بالله هارون بن محمد "المعتصم بالله" ابن هارون الرشيد العباسي أبو جعفر من خلفاء الدولة العباسية بالعراق ولد ببغداد وولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة ٢٢٧هـ فامتحن الناس في خلق القرآن وسجن جماعة، والظاهر أن تاب عن ذلك في آخر عمره كما جاء في سياق روايات القصة التي نحن بصدد الكلام عليها ففي آخرها قال المهتدي بالله ابن الخليفة الواثق بالله: "فرجعت عن هذه المقالة، وأظن أن الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت" أ. هـ. وقد عنون الحافظ ابن قدامة في التوابين ص "١٩٤" لهذه القصة بقوله: توبة الواثق بالله وابنه المهتدي بالله. وقال الحافظ ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص "٤٣١": وقد روي =
[ ٤٦ ]
وقد بنى الأدرمي -﵀- مناظرته هذه على مراحل ليعبر من كل مرحلة إلى التي تليها حتى يفحم خصمه.
المرحلة الأولى: العلم فقد سأله الأدرمي هل علم هذه البدعة النبي -ﷺ- وخلفاؤه؟ قال البدعي: لم يعلموها وهذا النفي يتضمن انتقاص النبي -ﷺ- وخلفائه حيث كانوا جاهلين بما هو من أهم أمور الدين ومع ذلك فهو حجة على البدعي إذا كانوا لا يعلمونه ولذلك انتقل به الأدرمي إلى:
المرحلة الثانية: إذا كانوا لا يعلمونها فكيف تعلمها أنت؟ هل يمكن أن يحجب الله عن رسوله -ﷺ- وخلفائه الراشدين علم شيء من الشريعة ويفتحه لك؟ فتراجع البدعي وقال أقوال قد علموها فانتقل به إلى:
المرحلة الثالثة: إذا كانوا قد علموها فهل وسعهم أي: أمكنهم ألا يتكلموا بذلك ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ فأجاب البدعي بأنهم وسعهم السكوت وعدم الكلام فقال له الأدرمي: فشيء وسع رسول الله -ﷺ- وخلفاؤه لا يسعك أنت فانقطع الرجل وامتنع عن الجواب؛ لأن الباب انسد أمامه.
فصوب الخليفة رأي الأدرمي ودعا بالضيق على من لم يسعه ما وسع النبي -ﷺ- وخلفاؤه.
وهكذا كل صاحب باطل من بدعة أو غيرها فلابد أن يكون مآله الانقطاع عن الجواب.
_________________
(١) = أن الواثق ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بين يديه رأى بها أن الأولى ترك الامتحان، ثم ساق القصة بطولها. الرابع: البدعة التي جرت المناظرة بسببها: هي بدعة القول بخلق القرآن تلك الفتنة الكبرى التي امتحن بسببها أئمة أعلام على رأسهم الإمام الرباني والصديق الثاني أحمد بن حنبل ﵀. وراجع مقدمة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على لمعة الاعتقاد حيث نبه على هذا التصويب أيضًا بإشارة لطيفة.
[ ٤٧ ]
ذكر بعض آيات الصفات
[١٢] فمما جاء من آيات الصفات قول الله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ [الرحمن: ٢٧] .
الشرح
الصفات التي ذكرها المؤلف من صفات الله تعالى: ذكر المؤلف -﵀- من صفات الله الصفات الآتية وسنتكلم عليها حسب ترتيب المؤلف.
الصفة الأولى: الوجه: الوجه ثابت لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
وقال النبي -ﷺ- لسعد بن أبي وقاص: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها". متفق عليه ١٤.
وأجمع السلف على إثبات الوجه لله تعالى فيجب إثباته له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وهو وجه حقيقي يليق بالله.
_________________
(١) ١٤ البخاري: كتاب الجنائز: باب رثاء النبي -ﷺ- سعد بن خولة "١٢٩٥". ومسلم: كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث "١٦٢٨" "٥". من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ٤٨ ]
وقد فسره أهل التعطيل بالثواب ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وقوله ﷾: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة: ٦٤] .
الشرح
الصفة الثانية: اليدان: اليدان من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة: ٦٤] .
وقال النبي -ﷺ-: "يَمِينُ الله مَلْأى لا يَغِيضُها نَفَقَة سحَّاء اللَّيل والنَّهار" إلى قوله: "بِيَدِه الأُخْرى القَبْضُ يَرْفَعُ ويَخْفِض" رواه مسلم، والبخاري معناه ١٥.
وأجمع السلف على إثبات اليدين لله فيجب إثباتها له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وهما يدان حقيقيتان لله تعالى يليقان به.
_________________
(١) ١٥ مسلم: كتاب الزكاة: باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف "٩٩٣" "٣٧". وأما رواية البخاري فعنده في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ [ص: ٧٥] "٧٤١١" بلفظ "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ". من حديث أبي هريرة ﵁. لا يغيضها: بِالغين المعجمة والضاد المعجمة الساقطة: أي لا ينقصها. سحَّاء: بمهملتين مثقلا ممدودا: أي دائمة الصب، فتح الباري "٣٩٥/١٣". =
[ ٤٩ ]
وقد فسرها أهل التعطيل بالنعمة أو القدرة ونحوها ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع: أن في السياق ما يمنع تفسيرهما بذلك قطعًا كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ [ص: ٧٥] .
وقوله ﷺ: "وَبِيَدِه الأُخْرَى القَبْضُ".
الأوجه التي وردت عليها صفة اليدين وكيف نوفق بينهما:
الأول: الإفراد كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] .
الثاني: التثنية كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] .
الثالث: الجمع كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] .
والتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول الوجه الأول مفرد مضاف فيشمل كل ما ثبت لله من يد ولا ينافي الثنتين وأما الجمع فهو للتعظيم لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر وحينئذ لا ينافي التثنية على أنه قد قيل إن أقل الجمع اثنان فإذا حمل الجمع على أقله فلا معارضة بينه وبين التثنية أصلًا.
_________________
(١) = *فائدة: قال الحافظ في الفتح "٣٩٥/١٣" في الكلام على لفظ مسلم وروايته وأنها وقع فيها بدل يد الله "يمين الله" قال: "ويتعقب بها على من فسر اليد هنا بالنعمة وأبعد منه من فسرها بالخزائن وقال أطلق اليد على الخزائن لتصرفها فيها" أ. هـ. قلت: وفي هذا دلالة على رد الحافظ على المؤولة!!
[ ٥٠ ]
وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى -﵇- أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .
الشرح
الصفة الثالثة: النفس:
النفس ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] .
وقال عن عيسى -﵇- إنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .
وقال النبي ﷺ: "سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِةِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِه" رواه مسلم ١٦، وأجمع السلف على ثبوتها على الوجه اللائق به فيجب إثباتها لله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّك﴾ [الفجر: ٢٢] .
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّه﴾ [البقرة: ٢١٠] .
_________________
(١) ١٦ مسلم: كتاب الذكر والدعاء..: باب التسبيح أول النهار وعند النوم "٢٧٢٦" "٧٩" من حديث جويرية ﵂.
[ ٥١ ]
الشرح
الصفة الرابعة: المجيء:
مجيء الله للفصل بين عباده يوم القيامة ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّك﴾ [الفجر: ٢٢] . ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّه﴾ [البقرة: ٢١٠] .
وقال النبي ﷺ: "حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين" متفق عليه١٧. في حديث طويل وأجمع السلف على ثبوت المجيء لله تعالى فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وهو مجيء حقيقي يليق بالله تعالى.
وقد فسره أهل التعطيل بمجيء أمره ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] .
_________________
(١) ١٧ البخاري: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "٧٤٣٩". ومسلم: كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية "١٨٣" "٣٠٢" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٥٢ ]
الشرح
الصفة الخامسة: الرِّضَى:
الرِّضَى من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] .
وقال النبي ﷺ: "إنَّ الله لَيَرضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمِدَه عَلَيْهَا أو يَشْرَبَ الشَّرْبَة فَيَحْمِدَه عَلَيْهَا". رواه مسلم١٨.
وأجمع السلف على إثبات الرِّضَى لله تعالى فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وهو رِضَى حقيقي يليق بالله تعالى.
وقد فسره أهل التعطيل بالثواب ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ [المائدة: ٥٤] .
_________________
(١) ١٨ مسلم: كتاب الذكر والدعاء: باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب "٢٧٣٤" "٧٩" من حديث أنس بن مالك ﵁. *الأكلة: الأكلة هنا بفتح الهمزة وهي المرة الواحدة من الأكل كالغداء والعشاء.
[ ٥٣ ]
الشرح
الصفة السادسة: المحبة:
المحبة من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] .
وقال النبي -ﷺ- يوم خبير: "لأُعْطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". متفق عليه١٩.
وأجمع السلف على ثبوت المحبة لله يحب ويحب فيجب إثبات ذلك حقيقة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى.
وقد فسرها أهل التعطيل بالثواب والرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وقوله تعالى في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [الفتح: ٦] .
_________________
(١) ١٩ البخاري: كتاب المغازي: باب غزوة خيبر "٤٢١٠". ومسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل علي "٢٤٠٦" "٣٤". من حديث سهل بن سعد ﵁. *والرجل المقصود في الحديث: هو علي بن أبي طالب -﵁- كما وضحت الرواية.
[ ٥٤ ]
الشرح
الصفة السابعة: الغضب: الغضب من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى فيمن قتل مؤمنا متعمدا: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] .
وقال النبي ﷺ: "إن الله كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" متفق عليه٢٠.
وأجمع السلف على ثبوت الغضب لله فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهو غضب حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بالانتقام ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع أن الله تعالى غاير بين الغضب والانتقام فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] .
أي: أغضبونا.
﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] .
فجعل الانتقام نتيجة للغضب فدل على أنه غيره.
وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] .
_________________
(١) ٢٠ البخاري: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢] "٧٥٥٤". ومسلم: كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه "٢٧٥١" "١٤" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٥ ]
الشرح
الصفة السابعة: الغضب: الغضب من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى فيمن قتل مؤمنا متعمدا: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] .
وقال النبي ﷺ: "إن الله كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" متفق عليه٢٠.
وأجمع السلف على ثبوت الغضب لله فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهو غضب حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بالانتقام ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع أن الله تعالى غاير بين الغضب والانتقام فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] .
أي: أغضبونا.
﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] .
فجعل الانتقام نتيجة للغضب فدل على أنه غيره.
وقوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] .
_________________
(١) ٢٠ البخاري: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢] "٧٥٥٤". ومسلم: كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه "٢٧٥١" "١٤" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٦ ]
وقال النبي ﷺ: "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" رواه البخاري٢٢.
وأجمع السلف على ثبوت ذلك لله فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهي كراهة حقيقية من الله تليق به.
وفسر أهل التعطيل الكراهة بالإبعاد ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
_________________
(١) ٢٢ البخاري: كتاب الأدب: باب عقوق الوالدين من الكبائر "٥٩٧٥". ومسلم: كتاب الأقضية: باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. "٥٩٣" "١٣" واللفظ له من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ٥٧ ]
ذكر بعض أحاديث الصفات
[١٣] ومن السنة قول النبي ﷺ: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا" *.
الشرح
الصفة العاشرة: النزول:
نزول الله إلى السماء الدنيا من صفاته الثابتة له بالسنة وإجماع السلف.
قال النبي ﷺ: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له " الحديث متفق عليه٢٣.
وأجمع السلف على ثبوت النزول لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهو نزول حقيقي يليق بالله.
وفسره أهل التعطيل بنزول أمره أو رحمته أو ملك من ملائكته، ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع أن الأمر ونحوه لا يمكن أن يقول من يدعوني فأستجيب له.. إلخ.
وقوله: "يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة".
_________________
(١) * زاد ابن القيم في اجتماع الجيوش ص "١٩١": وقوله ﷺ: "لله أفرح بتوبة عبده". ٢٣ البخاري: كتاب التهجد: باب الدعاء والصلاة في آخر الليل "١١٤٥". ومسلم: كتاب صلاة المسافرين: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه "٧٥٨" "١٦٨"، من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري -﵁- أخرجه مسلم "٧٥٨" "١٧٢". وراجع لشرح هذا الحديث والكلام عليه باستفاضة "شرح حديث النزول" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ٥٨ ]
الشرح
الصفة الحادية عشرة: العجب:
العجب من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُون﴾ [الصافات: ١٢] .
على قراءة ضم التاء*.
وقال النبي ﷺ: "يعجب ربك من الشاب ليست له صبوه" رواه أحمد وهو في المسند ص ١٥١ج٤ عن عقبة بن عامر مرفوعا وفيه ابن لهيعة٢٤.
وأجمع السلف على ثبوت العجب لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهو عجب حقيقي يليق بالله.
_________________
(١) * يشير الشيخ -حفظه الله- إلى قراءة حمزة والكسائي وخلف بضم التاء. راجع: المبسوط في القراءات العشر لابن مهران الأصبهاني ص "٣٧٥"، والسبعة في القراءات لابن مجاهد ص "٥٤٧". ٢٤ حديث ضعيف: أخرجه أحمد "١٥١/٤" وابن أبي عاصم في السنة "٥٧١" وأبو يعلى "١٤٧٩" والطبراني في الكبير "٣٠٩/١٧" والقضاعي في مسند الشهاب "٥٧٦" وتمام الرازي في فوائده "١٢٨٧" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٦٠٠" ونقل الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص "١٢٣" تضعيف الحافظ ابن حجر العسقلاني له في فتاويه من أجل عبد الله بن لهيعة وضعفه الألباني في الضعيفة "٢٤٢٦" وقال السخاوي: روينا في جزء أبي حاتم الحضرمي من حديث الأعمش عن إبراهيم قال: كان يعجبهم ألا يكون للشباب صبوة. الصبوة: الميل إلى الهوى. ويغني عن هذا الحديث في إثبات صفة العجب ما رواه البخاري "٤٨٨٩" من حديث أبي هريرة في حديث الضيف: "لقد عجب الله ﷿ - أو ضحك - من فلان وفلانة فأنزل الله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] .
[ ٥٩ ]
وفسره أهل التعطيل بالمجازاة ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
والعجب نوعان: أحدهما أن يكون صادرًا عن خفاء الأسباب على المتعجب فيندهش له ويستعظمه ويتعجب منه وهذا النوع مستحيل على الله؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء.
الثاني: أن يكون سببه خروج الشيء عن نظائره أو عما ينبغي أن يكون عليه مع علم المتعجب وهذا هو الثابت لله تعالى.
وقوله: يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة.
الشرح
الصفة الثانية عشرة: الضحك:
الضحك من صفات الله الثابتة له بالسنة وإجماع السلف.
قال النبي ﷺ: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة". وتمام الحديث: "يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد". متفق عليه٢٥.
_________________
(١) ٢٥ البخاري: كتاب الجهاد: باب الكافر يقتل المسلم، ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل "٢٨٢٦". ومسلم: كتاب الإمارة: باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة "١٨٩٠" "١٢٨" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦٠ ]
وأجمع السلف على إثبات الضحك لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهو ضحك حقيقي يليق بالله تعالى.
وفسره أهل التعطيل بالثواب، ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
[١٤] فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين*، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه.
[١٥] ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
الشرح
الصفة الثالثة عشرة: الاستواء على العرش:
استواء الله على العرش من صفاته الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف
قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
وذكر استواءه على عرشه في سبعة مواضع من القرآن.
_________________
(١) * زاد في اجتماع الجيوش ص "١٩١": بل نؤمن بلفظه ونترك التعرض لمعناه قراءته تفسيره.
[ ٦١ ]
وقال النبي ﷺ: "إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه أن رحمتي سبقت غضبي". رواه البخاري٢٦.
وقال النبي -ﷺ- فيما رواه أبو داود في سننه: "إن بعد ما بين سماء إلى سماء إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة إلى أن قال: في العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله تعالى فوق ذلك". وأخرجه أيضًا الترمذي وابن ماجه وفيه علة أجاب عنها ابن القيم -﵀- في تهذيب سنن أبي داود٢٧. ص "٩٢، ٩٣" ج "٧" وأجمع السلف على إثبات استواء الله على عرشه فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهو استواء حقيقي معناه العلو والاستقرار على وجه يليق بالله.
_________________
(١) ٢٦ تقدم تخريجه ص "٥٥". ٢٧ حديث ضعيف: أخرجه أحمد "٢٠٦/١، ٢٠٧" وأبو داود "٤٧٢٣" والترمذي "٣٣٢٠" وحسنه، وابن ماجه "١٩٣" والحاكم في المستدرك "٥٠٠/٢، ٥٠١"، وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية ص "٢٤" وفي الرد على المريسي ص "٩٠، ٩١" وابن أبي عاصم في السنة "٥٧٧" وابن خزيمة في التوحيد "١٤٤" والآجرى في الشريعة ص "٢٩٢، ٢٩٣" ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش "٩، ١٠" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٥٠٤" واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة "٦٥١" والعقيلي في الضعفاء "٢٨٤/٢" وابن الجوزي في العلل المتناهية "٢٥/٢" والواهيات "٩/١، ١٠" وأبو نعيم في أخبار أصبهان "٢/٢" وأبو الشيخ في العظمة "٢٠٤" وابن قدامة في العلو "٢٩" والذهبي في العلو للعلي الغفار "ص ٤٩، ٥٠" وابن عبد البر في التمهيد "١٠٤/٧" وابن حزم في الملل والنحل "١٠٠/٢، ١٠١" والمزي في تهذيب الكمال "٧١٩/٢" وغيرهم من طرق عن سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب فذكره. وسنده ضعيف فيه أكثر من علة: الأولى: تفرد سماك بروايته، وإذا نظرنا إلى حديث سماك حال الانفراد وجدناه لا يحتج به إذا انفرد، ففي التهذيب "٢٣٤/٤": قال النسائي: كان ربما لقن فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن أ. هـ، وهذا جرح بين واضح من إمام ناقد وقد انفرد سماك في حديثه بذكر صفة حملة العرش. الثانية: جهالة عبد الله بن عميرة، وقد أعل الحافظ الذهبي حديثه هذا في العلو بجهالته. وفي الميزان له قال: فيه جهالة. أ. هـ، وقد قال الإمام البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس، كذا في التاريخ الكبير. =
[ ٦٢ ]
وقد فسره أهل التعطيل بالاستيلاء ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة ونزيد وجها رابعا أنه لا يعرف في اللغة العربية بهذا المعنى ووجهًا خامسًا أنه يلزم عليه لوازم باطلة مثل أنّ العرش لم يكن ملكًا لله ثم استولى عليه بعد.
والعرش لغة: السرير الخاص بالملك، وفي الشرع العرش العظيم الذي استوى عليه الرحمن ﷻ، وهو أعلى المخلوقات وأكبرها وصفه الله بأنه عظيم وبأنه كريم وبأنه مجيد.
_________________
(١) = الثالثة: نكارة المتن: فقد أشار أخونا المكرَّم عبد الله بن يوسف في تعليقه على (فتيا وجوابها) لابن العطار ص "٧٢": أن في سياق المتن نكارة من وجهين:
(٢) تشبيه الملائكة بالتيوس، فإن الأوعال جمع وعل، وهو تيس الجبال، وإن كان هذا اللفظ يستعار للأشراف من الناس، فإنه ههنا على الأصل بقرينة ذكر الأظلاف فإنها من خواص ما يجتر من الحيوان.
(٣) أكثر الأصول تذكر الأظلاف والركب مؤنثة وهو معنى منكر في حق الملائكة وقد أنكره الله على المشركين. أ. هـ. وقد ضعف الحديث وأشار إلى ضعفه غير واحد من أهل العلم منهم: ابن عدي في الكامل في ترجمة يحيى بن العلاء فقال: إنه غير محفوظ ورده ابن العربي في شرحه للترمذي بقوله: أمور تلقفت من أهل الكتاب ليس لها أصل الصحة. وكذا ضعفه الألباني في تخريجه للسنة لابن أبي عاصم "٥٧٧" والأرناؤوط في تعليقه على الطحاوية "٣٦٥/٢". وما جاء من تقوية الحافظ ابن القيم له في تهذيب السنن كما أشار الشيخ العثيمين فلاعتقاده أن العلة التي في الحديث هي تفرد الوليد بن أبي ثور عن سماك بالرواية مع ضعفه وأن هذه العلة مدفوعة برواية غيره من الثقات عن سماك مثل: إبراهيم بن طهمان وغيره. والحق كما رأيت أن الأشكال والعلة ليس في الطرق الموصلة لسماك، فقد رواه عن سماك غير واحد مما هو مذكور في طرقه، وإنما الإشكال والعلة في سماك نفسه ومن فوقه. وقد أشار ابن القيم إلى علة أخرى وهي مخالفة هذا الحديث لحديث آخر رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ورد هذه العلة بقوله: إن الترمذي ضعف هذا الحديث عن أبي هريرة، وراجع تهذيب السنن "٩٢/٧، ٩٣". والخلاصة: أن الحديث ضعيف وأن أدلة الفوقية والاستواء مقررة بأدلة أخرى كثيرة في الكتاب والسنة الصحيحة والله أعلم.
[ ٦٣ ]
والكرسي غير العرش؛ لأن العرش هو ما استوى عليه الله تعالى، والكرسي موضع قدميه لقول ابن عباس ﵄: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره. رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه٢٨.
وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] .
_________________
(١) ٢٨ صحيح موقوف: أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش "٦١" وعبد الله بن أحمد في السنة "٤٠٧" والدارمي في الرد على المريسي ص "٧١- ٧٤" وابن خزيمة في التوحيد ص "١٠٧، ١٠٨" والطبري في التفسير "٥٧٩٢" والطبراني في الكبير "١٢٢٠٤" والدارقطني في كتاب الصفات "٣٦، ٣٧" والحاكم في المستدرك "٢٨٢/٢" من طريق سفيان عن عمار الدهني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا عليه. وإسناده حسن: فعمار الدهني أبو معاوية البجلي صدوق روى له أصحاب الكتب الستة إلا البخاري كما في التقريب ص "٤٠٨". ومع ذلك فقد قال الحاكم: صحيح على شرطة الشيخين ووافقه الذهبي!! وقال الهيثمي في المجمع "٣٢٣/٦": رجاله رجال الصحيح أ. هـ. وقد روي هذا الحديث مرفوعًا ولا يصح، وراجع لذلك التهذيب "٣١٣/٤" وتفسير ابن كثير "٣٠٩/١" والعلل لابن الجوزي وشرح الطحاوية لابن أبي العز "٣٦٩/٢" والميزان "١٦٥/٢". وفي الباب: عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرجل، أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش "٦٠"، وعبد الله بن أحمد في السنة وابن جرير في تفسيره "٧/٣" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٥١٠" وأبو الشيخ في العظمة "٤٢/٢" والذهبي في العلو "١٢٤ - مختصر". وإسناده صحيح موقوف كما قال الألباني في مختصره للعلو. *وراجع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة العرشية على هذا الأثر وكذا ما قاله الشيخ العثيمين في تفسيره آية الكرسي ص "٢٤- ٢٦".
[ ٦٤ ]
وقول النبي ﷺ: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك" وقال للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة.
[١٦] وقال النبي -ﷺ- لحصين: "كم إلهًا تعبد؟ " قال: سبعة: ستة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: "من لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء. قال: "فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين". فأسلم، وعلمه النبي -ﷺ- أن يقول: "اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي".
[١٧] وفيما نقل من علامات النبي -ﷺ- وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء.
[١٨] وروى أبو داود في سننه أن النبي -ﷺ- قال: "إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا " وذكر الخبر إلى قوله: "وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك".
[١٩] فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف -﵏- على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده، ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله.
الشرح
الصفة الرابعة عشرة: العلو:
العلو من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى:
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
[ ٦٥ ]
وكان النبي -ﷺ- يقول في صلاته في السجود: "سبحان ربي الأعلى" رواه مسلم من حديث حذيفة٢٩. وأجمع السلف على ثبوت العلو لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهو علو حقيقي يليق بالله.
وينقسم إلى قسمين:
أ- علو صفة: بمعنى أن صفاته تعالى عليا ليس فيها نقص بوجه من الوجوه ودليله ما سبق.
ب- وعلو ذات: بمعنى أن ذاته تعالى فوق جميع مخلوقاته ودليله مع ما سبق:
قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] .
وقول النبي ﷺ: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك " الحديث رواه أبو داود وفيه زيادة ابن محمد، قال البخاري: منكر الحديث٣٠.
_________________
(١) ٢٩ مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل "٧٧٢" "٢٠٣" ضمن حديث طويل لحذيفة. ٣٠ حديث ضعيف: وله إسنادان: الأول: من طريق زيادة بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء، أخرجه أبو داود "٣٨٩٢" والنسائي في عمل اليوم والليلة "١٠٣٧" والحاكم "٣٤٤/١" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٤٢٣" والدارمي في الرد على الجهمية "٧٠" وابن قدامة في العلو "١٨" وإسناده ضعيف جدًا فزياد بن محمد الأنصاري متروك كما في التقريب، وذكر الحافظ الذهبي في الميزان "٩٨/٢" أنه انفرد بهذا الحديث. وعقب على تصحيح الحاكم لهذا الحديث بقوله: زيادة قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث، وفي العلو ص "٢٧" زيادة لين الحديث. الثاني: رواه أحمد "٢٠/٦، ٢١" من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن الأشياخ عن فضالة بن عبيد الأنصاري قال: علمني رسول الله -ﷺ- رقية وأمرني أن أرقي بها.. فذكره. وإسناده ضعيف ففيه جهالة وضعف: أما الجهالة ففي قوله: عن الأشياخ وأما الضعف فأبو بكر بن أبي مريم ضعيف مختلط.
[ ٦٦ ]
وقوله -ﷺ- للجارية: "أين الله؟ ": قالت: في السماء. قال: "اعتقها فإنها مؤمنة" رواه مسلم في قصة معاوية بن الحكم٣١.
وقوله -ﷺ- لحصين بن عبيد الخزاعي والد عمران بن حصين: "اترك السنة واعبد الذي في السماء" هذا هو اللفظ الذي ذكره المؤلف وذكره في الإصابة من رواية ابن خزيمة في قصة إسلامه بلفظ غير هذا وفيه إقرار النبي -ﷺ- لحصين حين قال "ستة في الأرض وواحدًا في السماء" ٣٢.
وأجمع السلف على ثبوت علو الذات لله وكونه في السماء فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وقد أنكر أهل التعطيل كون الله بذاته في السماء وفسروا معناها أن في السماء ملكه وسلطانه ونحوه، ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة.
وبوجه رابع: أن ملك الله وسلطانه في السماء وفي الأرض أيضًا وبوجه خامس: وهو دلالة العقل عليه؛ لأنه صفة كمال.
_________________
(١) ٣١ مسلم: كتاب الجنائز ومواضع الصلاة: باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته "٥٣٧" "٣٣" من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ٣٢ حديث ضعيف: أخرجه ابن قدامة في العلو "١٩" ومن طريقه الذهبي في العلو للعلي الغفار ص "٢٣، ٢٤" من طريق رجاء بن محمد البصري حدثنا عمران بن خالد بن طليق حدثي أبي عن أبيه عن جده.. مطولًا. وقال الذهبي: عمران - يعني ابن خالد - ضعيف. والحديث في إسناده خالد بن طليق قال فيه الدارقطني: ليس بالقوي، كما في لسان الميزان لابن حجر "٣٧٩/٢". والحديث رواه ابن خزيمة في التوحيد ص "١٢٠، ١٢١" عن رجاء به وكذا عزاه ابن حجر في الإصابة "٣٧٧/١" كما ذكر الشيخ العثيمين حفظه الله.
[ ٦٧ ]
وبوجه سادس: وهو دلالة الفطرة عليه؛ لأن الخلق مفطورون على أن الله في السماء.
معنى كون الله في السماء:
المعنى الصحيح لكون الله في السماء أن الله تعالى على السماء ففي بمعنى على وليست للظرفيه؛ لأن السماء لا تحيط بالله أو أنه في العلو فالسماء بمعنى العلو وليس المراد بها السماء المبنية.
تنبيه: ذكر المؤلف -﵀- أنه نقل عن بعض الكتب المتقدمة أن من علامات النبي -ﷺ- وأصحابه أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء وهذا النقل غير صحيح؛ لأنه لا سند له ٣٣ ولأن الإيمان بعلو الله والسجود له لا يختصان بهذه الأمة، وما لا يختص لا يصح أن يكون علامة، ولأن التعبير بالزعم في هذا الأمر ليس بمدح؛ لأن أكثر ما يأتي الزعم فيما يشك فيه.
[٢٠] سئل الإمام مالك بن أنس -﵀- فقيل: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
_________________
(١) ٣٣ ورد ذلك ضمن أثر أخرجه ابن قدامة في العلو "٢١" بإسناده إلى عدي بن عميرة بن فروة المعبدي، والقصة في الإصابة "٤٧٠/٢" في ترجمة عدي بن عميرة وذكرها الذهبي في العلو ص "٢٥" وقال: هذا حديث غريب.
[ ٦٨ ]
كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم أمر بالرجل فأخرج٣٤.
الشرح
جواب الإمام مالك بن أنس بن مالك وليس أبوه أنس بن مالك الصحابي بل غيره وكان جد مالك من كبار التابعين وأبو جده من الصحابة. ولد مالك سنة ٩٣هـ بالمدينة ومات فيها سنة ١٧٩هـ وهو في عصر تابعي التابعين.
سئل مالك فقيل: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
كيف استوى؟ فقال ﵀: الاستواء غير مجهول أي: معلوم المعنى وهو العلو والاستقرار، والكيف غير معقول أي: كيفية الاستواء غير مدركة بالعقل؛ لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن تدرك العقول كيفية صفاته. والإيمان به أي: الاستواء واجب لوروده في الكتاب والسنة. والسؤال عنه أي: عن الكيف بدعة؛ لأن السؤال عنه لم يكن في عهد النبي -ﷺ- وأصحابه. ثم أمر بالسائل فأخرج من المسجد خوفًا من أن يفتن الناس في عقيدتهم وتعزيرًا له بمنعه من مجالس العلم.
_________________
(١) ٣٤ أثر صحيح: أخرجه ابن قدامة في العلو "١٠٤" والذهبي في العلو ص "١٤١، ١٤٢" وأبو نعيم في الحلية "٣٢٥/٦، ٣٢٦" وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية ص "٥٥" واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة "٦٦٤" وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف "٢٤-٢٦" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٤٠٨" من طرق يقوي بعضها بعضًا وصححه الذهبي في العلو وكذا قواه الألباني في مختصره للعلو وقال الحافظ في الفتح "٤٠٦/١٣، ٤٠٧": وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب به.. فذكره. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى "٣٦٥/٥" بعد أن ذكر قول مالك: ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك. أ. هـ.
[ ٦٩ ]
فصل: كلام الله تعالى
[٢١] ومن صفات الله تعالى، أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى -﵇- منه من غير واسطة، وسمعه جبريل ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله.
[٢٢] وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] .
وقال سبحانه:
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] .
وقال سبحانه:
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وقال سبحانه:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] .
وقال سبحانه:
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] .
وقال سبحانه:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] .
وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.
[ ٧٠ ]
[٢٣] وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء" روى ذلك عن النبي ﷺ.
[٢٤] وروى عبد الله بن أنيس عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان". رواه الأئمة واستشهد به البخاري.
[٢٥] وفي بعض الآثار: أن موسى -﵇- ليلة رأى النار فهالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى، فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت، فقال: لبيك لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى. قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع، أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى.
الشرح
الصفة الخامسة عشرة: الكلام:
الكلام صفة من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] .
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
[ ٧١ ]
وقال النبي ﷺ: "إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي" أخرجه ابن خزيمة وابن جرير وابن أبي حاتم٣٥.
وأجمع السلف على ثبوت الكلام لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهو كلام حقيقي يليق بالله يتعلق بمشيئته بحروف وأصوات مسموعة.
والدليل على أنه بمشيئته قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
فالتكليم حصل بعد مجيء موسى فدل على أنه متعلق بمشيئته تعالى.
المخالفون لأهل السنة في كلام الله تعالى٣٦:
خالف أهل السنة في كلام الله طوائف نذكر منهم طائفتين:
الطائفة الأولى: الجهمية، قالوا ليس الكلام من صفات الله وإنما هو خلق من مخلوقات الله يخلقه الله في الهواء أو في المحل الذي يسمع منه وإضافته إلى الله إضافة خلق أو تشريف مثل: ناقة الله وبيت الله. ونرد عليهم بما يلي:
١- إنه خلاف إجماع السلف.
٢- خلاف المعقول؛ لأن الكلام صفة للمتكلم وليس شيئا قائما بنفسه منفصلا عن المتكلم.
_________________
(١) ٣٥ سيأتي تخريجه ص "٧٦". ٣٦ راجع: فصل: كشف تلبيس الجهمية المعتزلة في كلام الله تعالى، وفصل: كشف تلبيس الأشعرية في إثبات صفة الكلام لله تعالى. من كتاب العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية لأخينا الفاضل عبد الله بن يوسف الجديع -كرمه الله- فقد أجاد فيه وأفاد.
[ ٧٢ ]
٣- إن موسى سمع الله يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] .
ومحال أن يقول ذلك أحد إلا الله ﷾.
الطائفة الثانية: الأشعرية قالوا: كلام الله معنى قائم بنفسه لا يتعلق بمشيئته وهذه الحروف والأصوات المسموعة مخلوقة للتعبير عن المعنى القائم بنفس الله ونرد عليهم بما يلي:
١- إنه خلاف إجماع السلف.
٢- خلاف الأدلة؛ لأنها تدل على أن كلام الله يسمع ولا يسمع إلا الصوت لا يسمع المعنى القائم بالنفس.
٣- خلاف المعهود؛ لأن الكلام المعهود هو ما ينطق به المتكلم لا ما يضمره في نفسه.
والدليل على أنه حروف قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] .
فإن هذه الكلمات حروف وهي كلام الله.
والدليل على أنه بصوت قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] .
والنداء والمناجاة لا تكون إلا بصوت. وروى عبد الله بن أنيس عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يحشر الله الخلائق فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان". علقه البخاري بصيغة التمريض، قال في الفتح
[ ٧٣ ]
وأخرجه المصنف في الأدب المفرد وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما وذكر له طريقين آخرين٣٧.
وكلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، ومعنى قديم النوع: أن الله لم يزل ولا يزال متكلما ليس الكلام حادثًا منه بعد أن لم يكن، ومعنى حادث الآحاد: أن آحاد كلامه أي: الكلام المعين المخصوص حادث؛ لأنه متعلق بمشيئته متى شاء تكلم بما شاء كيف شاء.
تعليق على كلام المؤلف في فصل الكلام:
قوله: متكلم بكلام قديم يعني: قديم النوع حادث الآحاد لا يصلح إلا هذا المعنى على مذهب أهل السنة والجماعة، وإن كان ظاهر كلامه أنه قديم النوع والآحاد.
قوله: سمعه موسى من غير واسطة؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣] .
قوله: وسمعه جبريل، لقوله تعالى:
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
_________________
(١) ٣٧ حديث حسن: علقه البخاري في صحيحه في موضعين أحدهما بصيغة الجزم "١٧٣/١" وبصيغة التمريض "٤٥٣/١٣". ووصله في كتابه الأدب المفرد "٩٧٠" وكتابه خلق أفعال العباد "ص ١٣١". وكذا الإمام أحمد في مسنده "٤٩٥/٣" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٧٨، ٧٩" وابن أبي عاصم في السنة ص "٥١٤" والحاكم في المستدرك "٤٣٧/٢-٥٧٤/٤، ٥٧٥" وصححه ووافقه الذهبي، وقواه الحافظ في الفتح "١٧٤/١" وذكر له أكثر من طريق، وقال عن أحدها: إنه صالح، وراجع التعليق له "٣٥٣/٥". وقال الألباني في تخريج السنة "٥١٤": "حديث صحيح". وأورده ابن قدامة في كتاب البرهان في بيان القرآن ص "٨٦".
[ ٧٤ ]
قوله: ومن أذن له من ملائكته ورسله، أما الملائكة: فلقوله ﷺ: "ولكنَّ ربنا إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُم﴾ [سبأ: ٢٣] فيخبرونهم". الحديث رواه مسلم٣٨، وأما الرسل: فقد ثبت أن الله كلم محمدًا -ﷺ- ليلة المعراج٣٩.
قوله: وإنه سبحانه يكلم المؤمنين ويكلمونه، لحديث أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- قال: "يقول الله لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك". الحديث متفق عليه٤٠.
قوله: ويأذن لهم فيزورونه، لحديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم " الحديث رواه ابن ماجه والترمذي وقال: غريب، وضعفه الألباني٤١.
_________________
(١) ٣٨ مسلم: كتاب السلام: باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان "٢٢٢٩" "١٢٤" من حديث ابن عباس ﵄. ٣٩ كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -﵁- عن مالك بن صعصعة: البخاري "٣٢٠٧"، "٣٨٨٧"، ومسلم "١٦٤" "٢٦٤". ٤٠ البخاري: كتاب الرقاق: باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] "٦٥٣٠". ومسلم: كتاب الإيمان: باب قوله: يقول الله لآدم: أخرج بعث النار "٢٢٢" "٣٧٩". من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ٤١ حديث ضعيف: جزء من حديث طويل رواه الترمذي "٢٥٥٢" وابن ماجه "٤٣٣٦" وفي إسناده عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين كاتب الأوزاعي، قال في التقريب ص "٣٣٣": صدوق ربما أخطأ، قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان ولم يكن صاحب حديث، ولذا ضعفه الترمذي بقوله: هذا حديث غريب يعني ضعيف.
[ ٧٥ ]
وقوله: وقال ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، وروى ذلك عن النبي -ﷺ- أثر ابن مسعود، ولم أجده بهذا اللفظ، وذكر ابن خزيمة طرقه في كتاب التوحيد بألفاظ منها: سمع أهل السموات للسموات صلصلة، وأما المروي عن النبي -ﷺ- فهو من حديث النواس بن سمعان مرفوعا "إذا أراد الله أن يوحى بأمره تكلم بالوحي فإذا تكلم أخذت السموات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة من خوف الله فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا " الحديث. رواه ابن خزيمة وابن أبي حاتم٤٢.
_________________
(١) ٤٢ حديث صحيح: قد ورد عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا: - أما الموقوف: فعلقه البخاري في صحيحه "٤٥٣/١٣ - فتح" وقد وصله ابن خزيمة في التوحيد ص "١٤٦، ١٤٧" وابن جرير "٩٠/٢٢" وعبد الله بن أحمد في السنة "٥٣٧" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٢٠١" وغيرهم من طريق أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله به موقوفًا بلفظ: "إن الله إذا تكلم بالوحي، سمع أهل السموات للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون " وسنده صحيح وفي لفظ آخر عند عبد الله بن أحمد في السنة "٥٣٦": "إذا تكلم الله ﷿ بالوحي سمع صوته أهل السماء" الحديث. وعزاه ابن قدامة في البرهان في بيان القرآن ص "٨٤، ٨٥" لعبد الله بن أحمد في الرد على الجهمية قال: قلت يا أبت إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت فقال كذبوا إنما يدورون على التعطيل ثم قال: حدثني عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال فذكره وإسناده جيد. وقد عزاه شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل "٣٨/٢" للخلال عن يعقوب بن بختان عن أحمد. - وأما المرفوع: فأخرجه أبو داود "٤٧٣٨" وابن خزيمة في التوحيد "٩٥، ٩٦" والبيهقي في الأسماء والصفات ص "٢٠٠" عن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة". وقال الألباني في الصحيحة "١٢٩٣": وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ثم قال: والموقوف وإن كان أصح من المرفوع -ولذلك علقه البخاري في صحيحه- فإنه لا يعل المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي كما هو ظاهر، ثم ذكر له شاهدًا من حديث أبي هريرة عند البخاري "٤٧٠١" "٤٨٠٠".
[ ٧٦ ]
فصل القرآن كلام الله
[٢٦] ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم وهو كتاب الله المبين وحبله المتين، وصراطه المستقيم وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
[٢٧] وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلوُّ بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
_________________
(١) = قلت: وأيضًا من حديث ابن عباس عند مسلم "٢٢٢٩"، وأحمد "٢١٨/١" والترمذي "٣٢٧٧" وأيضًا: حديث النواس بن سمعان الذي أشار إليه الشيخ العثيمين وهو عند البيهقي في الأسماء والصفات ص "٢٦٣، ٢٦٤" والطبراني كما في المجمع "٩٤/٧، ٩٥" وقال الهيثمي: "رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح وقد وثق وتكلم فيه من لم يسم بغير قادح معين وبقية رجاله ثقات أ. هـ.
[ ٧٧ ]
الشرح
القول في القرآن:
القرآن الكريم من كلام الله تعالى منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فهو كلام الله حروفه ومعانيه. دليل أنه من كلام الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . يعني القرآن.
ودليل أنه مُنَزَّلٌ قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] .
ودليل أنه غير مخلوق قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
فجعل الأمر غير الخلق والقرآن من الأمر لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥] .
ولأن كلام الله صفة من صفاته وصفاته غير مخلوقة.
ودليل أنه منه بدأ، أن الله أضافه إليه ولا يضاف الكلام إلا إلى من قاله مبتدئًا.
[ ٧٨ ]
ودليل أنه إليه يعود أنه ورد في بعض الآثار "أنه يرفع من المصاحف والصدور في آخر الزمان٤٣.
[٢٨] وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [سبأ: ٣١] .
وقال بعضهم:
﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] .
فقال الله سبحانه:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] .
وقال بعضهم: هو شعر، فقال الله تعالى:
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] .
فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآنا لم يبق شبهة لذى لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر.
_________________
(١) ٤٣ وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ بذلك كما في حديث حذيفة مرفوعًا: " وليسري على كتاب الله -﷿- في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية" الحديث. رواه ابن ماجه "٤٠٤٩" والحاكم "٤٧٣/٤" وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال الألباني في الصحيحة "٨٧": وهو كما قالا. وكذا صح موقوفا من حديث أبي هريرة وابن مسعود وراجع لذلك: العقيدة السلفية في كلام رب البرية ص "١٧٣، ١٧٤".
[ ٧٩ ]
[٢٩] وقال ﷿: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] . ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل.
[٣٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] .
فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم.
[٣١] وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧-٧٩] . بعد أن أقسم على ذلك.
[٣٢] وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] . ﴿حم، عسق﴾ [الشورى: ١، ٢] . وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة.
[ ٨٠ ]
[٣٣] وقال النبي ﷺ: "من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة". حديث صحيح٤٤.
[٣٤] وقال ﵊: "اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه" ٤٥.
_________________
(١) ٤٤ حديث ضعيف جدًا: أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد "١٦٣/٧" عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "أعربوا القرآن، فإن من قرأ القرآن فأعربه، فله عشر حسنات، وكفارة عشر سيئات، ورفع عشر درجات" وقال الهيثمي وفيه نهشل وهو متروك. ونهشل هو ابن سعيد بن وردان الورداني متروك، وقد كذبه إسحاق بن راهويه. وكذا أورد الحديث ابن قدامة في البرهان ص "٣٨، ٣٩" ثم قال: حديث صحيح!! والحق أنه حديث ضعيف جدًا. وقد ورد في فضل قراءة القرآن عن ابن مسعود حديث آخر قريب من هذا بلفظ: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ولا أقوال الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" أخرجه الترمذي "٢٩٠" مرفوعًا وصوب الأخ الكريم عبد الله بن يوسف وقفه على ابن مسعود في بحث فريد في تذيله على كتاب الرد على من يقول "الم" حرف لابن منده فجزاه الله خيرًا. ٤٥ حديث صحيح: أخرجه أحمد "٣٣٨/٥" وأبو داود "٨٣١" وابن حبان "١٨٧٦ - موارد" وفي إسناده ضعف، ففيه وفاء بن شريح الصدفي مقبول -كما في التقريب- يعني حيث يتابع وإلا فلين الحديث. إلا أن الحديث له شواهد يتقوى بها: منها حديث جابر بن عبد الله عند أحمد "٣٩٧/٣" وأبو داود "٨٣٠" وإسناده صحيح كمال قال الألباني في الصحيحة "٢٥٩". والحديث أورده ابن قدامة في البرهان ص "٣٥، ٣٦" من حديث سهل بن سعد. *الترقوه: الحلقوم.
[ ٨١ ]
[٣٥] وقال أبو بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه"٤٦.
[٣٦] وقال علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله٤٧.
[٣٧] واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه.
[٣٨] ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف.
الشرح
_________________
(١) ٤٦ أثر ضعيف جدًا: أخرجه ابن الأنباري في الوقف والابتداء "٢٠/١" بلفظ: لبعض إعراب القرآن أعجب إلينا من حفظ بعض حروفه، وإسناده ضعيف جدا فيه ضعف وانقطاع، فيه جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف وكذا شريك القاضي صدوق يخطئ كثيرا وتغير حفظه، وانقطاع بين أبي بكر وعمر وبين الراوي عنهما. عن تعليق بدر البدر على اللمعة ص "١٩". وأورده ابن قدامة في البرهان ص "٤٤". ٤٧ أخرجه ابن أبي شيبة "٥١٣/١٠، ٥١٤" وابن جرير في تفسيره "٥٦" من طريق شعيب بن الحبحاب قال: كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل: ليس كما يقرأ، وإنما يقول: أما أنا فأقرأ كذا وكذا، قال فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: أرى صاحبك قد سمع: "أن من كفر بحرف منه، فقد كفر به كله" وإسناده صحيح. وقد أورده ابن قدامة في البرهان ص "٤٥" وأورد أثرا آخر عن علي أنه سئل عن الجنب، هل يقرأ القرآن؟ قال: "ولا حرفًا". قلت: هو عند ابن أبي شيبة في مصنفه "١٠٢/١".
[ ٨٢ ]
القرآن حروف وكلمات:
القرآن حروف وكلمات وقد ذكر المؤلف -﵀- لذلك أدلة ثمانية:
١- أن الكفار قالوا:إنه شعر ولا يمكن أن يوصف بذلك إلا ما هو حروف وكلمات٤٨.
٢- أن الله تحدى المكذبين به أن يأتوا بمثله ولو لم يكن حروفًا وكلمات لكان التحدي غير مقبول إذ لا يمكن التحدي إلا بشيء معلوم يدرى ما هو.
٣- أن الله أخبر بأن القرآن يتلى عليهم ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] .
ولا يتلى إلا ما هو حروف وكلمات.
٤- أن الله أخبر بأنه محفوظ في صدور أهل العلم ومكتوب في اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] .
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧-٧٩] .
_________________
(١) ٤٨ قال ابن قدامة في البرهان ص "٢٧": (ومن المعلوم أنما عنوا هذا النظم؛ لأن الشعر كلام موزون، فلا يسمى به معنى، ولا ماليس بكلام، فسماه الله ﵎ ذكرًا وقرآنًا مبينًا". أ. هـ. وراجع الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن حروف وكلمات في البرهان في بيان القرآن لابن قدامة ص "٢٦: ٨٣".
[ ٨٣ ]
ولا يحفظ ويكتب إلا ما هو حروف وكلمات.
٥- قول النبي ﷺ: "من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة"، صححه المؤلف ولم يعزه ولم أجد من خرجه٤٩.
٦- قول أبي بكر وعمر: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
٧- قول علي ﵁: "من كفر بحرف منه فقد كفر به كله".
٨- إجماع المسلمين -كما نقله المؤلف- على أن من جحد منه سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه فهو كافر٥٠.
وعدد سور القرآن "١١٤" منها "٢٩" افتتحت بالحروف المقطعة.
أوصاف القرآن:
وصف الله القرآن الكريم بأوصاف عظيمة كثيرة ذكر المؤلف منها ما يلي:
١- أنه كتاب الله المبين أي: المفصح عما تضمنه من أحكام وأخبار.
٢- أنه حبل الله المتين أي: العهد القوي الذي جعله الله سببًا للوصول إليه والفوز بكرامته.
٣- أنه سور محكمات أي: مفصل السور كل سورة منفردة عن الأخرى والمحكمات المتقنات المحفوظات من الخلل والتناقض.
٤- أنه آيات بينات أي: علامات ظاهرات على توحيد الله وكمال صفاته وحسن تشريعاته.
_________________
(١) ٤٩ وقد تقدم أنه غير صحيح وأنه حديث ضعيف جدا عزاه الهيثمي في المجمع للطبراني في الأوسط وفيه نهشل بن سعيد متروك. ٥٠ راجع: البرهان لابن قدامة ص "٤٩- ٥١" ونقل ابن قدامة الإجماع على ذلك وفي أمور كثيرة تتعلق بذلك.
[ ٨٤ ]
٥- أن فيه محكمًا ومتشابهًا، فالمحكم ما كان معناه واضحًا والمتشابه ما كان معناه خفيًا ولا يعارض هذا ما سبق برقم "٣" لأن الإحكام هناك بمعنى الإتقان والحفظ من الخلل والتناقض، وهنا بمعنى وضوح المعنى، وإذا رددنا المتشابه هنا إلى المحكم صار الجميع محكمًا.
٦- أنه حق لا يمكن أن يأتيه الباطل من أي جهة: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] .
٧- أنه بريء مما وصفه به المكذبون به من قولهم إنه شعر:
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] .
وقول بعضهم:
﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] .
﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] .
فقال الله متوعدا هذا القائل:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] .
٨- أنه معجز لا يمكن لأحد أن يأتي بمثله وإن عاونه غيره:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
[ ٨٥ ]
فصل رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
[٣٩] والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] .
وقال تعالى:
﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] .
[٤٠] فلما حجب أولئك في حال السخط، دَلَّ على أنَّ المؤمنين يرونه في حال الرضى، وإلا لم يكن بينهما فرق.
[٤١] وقال النبي ﷺ: "إنكم ترَوْنَ رَبَّكُم كّمَا تَرَوْنَ هَذَا القّمَرَ لا تُضَامُّون في رُؤْيِتَه". حديث صحيح متفق عليه٥١.
_________________
(١) ٥١ البخاري: كتاب مواقيت الصلاة: باب فضل صلاة الفجر "٥٧٣". ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما "٦٣٣" "٢١١" من حديث جرير بن عبد الله ﵁. وأحاديث الرؤية متواترة كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم منهم: ابن القيم في حادي الأرواح ص "٢٧٧" وابن أبي العز في شرح الطحاوية "٢١٥/١" والحافظ ابن حجر في فتح الباري "٢٠٣/١". وراجع ما صُنف في هذه المسألة مثل: التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للآجري، وضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة المقدسي وكلاهما مطبوع.
[ ٨٦ ]
[٤٢] وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.
الشرح
رؤية الله في الآخرة:
رؤية الله في الدنيا مستحيلة لقوله تعالى لموسى وقد طلب رؤية الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
ورؤية الله في الآخرة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] .
وقال تعالى:
﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] .
فلما حجب الفجار عن رؤيته دل على أن الأبرار يرونه وإلا لم يكن بينهما فرق.
وقال النبي ﷺ: "إنكم سترَوْنَ رَبَّكُم كّمَا تَرَوْنَ هَذَا القّمَرَ لا تُضَامُّون في رُؤْيِتَه". متفق عليه وهذا التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي؛ لأن الله ليس كمثله شيء ولا شبيه له ولا نظير.
وأجمع السلف على رؤية المؤمنين لله تعالى دون الكفار بدليل الآية الثانية.
يرون الله تعالى في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى.
وهي رؤية حقيقية تليق بالله.
[ ٨٧ ]
وفسرها أهل التعطيل بأن المراد بها رؤية ثواب الله أو أن المراد بها رؤية العلم واليقين ونرد عليهم باعتبار التأويل الأول بما سبق في القاعدة الرابعة وباعتبار التأويل الثاني بذلك، وبوجه رابع أن العلم واليقين حاصل للأبرار في الدنيا وسيحصل للفجار في الآخرة٥٢.
_________________
(١) ٥٢ راجع في الرد على المخالفين: حادي الأرواح لابن القيم وشرح الطحاوية لابن أبي العز، وكذا حديثا: "دلالة القرآن والأثر على رؤية الله تعالى بالبصر" لعبد العزيز بن زيد الرومي.
[ ٨٨ ]
فصل القضاء والقدر
[٤٣] ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
قال الله تعالى:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
وقال تعالى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا﴾ [الفرقان: ٢] .
وقال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] .
وقال تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجا﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
[ ٨٩ ]
[٤٤] وروى ابن عمر أن جبريل -﵇- قال للنبي ﷺ: ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره". فقال جبريل صدقت. رواه مسلم٥٣.
[٤٥] وقال النبي ﷺ: "آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره"٥٤.
[٤٦] ومن دعاء النبي -ﷺ- الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: "وقني شر ما قضيت"٥٥.
_________________
(١) ٥٣ مسلم: كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان "٨" "١" وفي الباب عن أبي هريرة ﵁: عند البخاري "٥٠" ومسلم "٩" "٥". ٥٤ إسناده ضعيف: أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث "٣١، ٣٢" ومن طريقه العراقي في شرحه لألفيته ص "٣٢٧" كمثال للحديث المسلسل بأحوال الرواة القولية والفعلية معا من طريق يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره" ورأيت رسول الله -ﷺ- قبض على لحيته ثم قال: "آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره" قال: وقبض أنس على لحيته فقال: آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره الحديث. وقال الحاكم بعد أن ساق تسلسل الرواة على هذه الصفة: وأنا أقول عن نية صادقة وعقيدة صحيحة: آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره، ويزيد الرقاشي ضعيف كما في التقريب "٧٦٨٣" بل قال النسائي فيه: متروك وقال أحمد: منكر الحديث كما في الميزان "٤١٨/٤". والحديث عزاه الشيخ ياسين الفاداني في ورقات في "مجموعة المسلسلات والأوائل الأسانيد العالية" ص "٦، ٧" للديلمي في مسند الفردوس. ٥٥ حديث صحيح: أخرجه أحمد "١٧٢٣" وأبو داود "١٤٢٥، ١٤٢٦" والترمذي "٤٦٤" والنسائي "٢٤٨/٣" وابن ماجه "١١٧٨" وإسناده صحيح وقد صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي. =
[ ٩٠ ]
الشرح
القدر:
من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد كما قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد﴾ [هود: ١٠٧] .
فلا يخرج شيء عن إرادته وسلطانه ولا يصدر شيء إلا بتقديره وتدبيره، بيده ملكوت السموات والأرض يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه وهم يُسْألون لأنهم مربوبون محكومون.
والإيمان بالقدر واجب وهو أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي ﷺ: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره". رواه مسلم وغيره.
وقال النبي ﷺ: "آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره" فالخير والشر باعتبار العاقبة، والحلاوة والمرارة باعتباره وقت إصابته. وخير القدر ما كان نافعا وشره ما كان ضارا أو مؤذيا.
_________________
(١) = *فائدة مهمة: قال الشيخ محمد صالح العثيمين في دروس فتاوى في الحرم المكي عام ١٤٠٨هـ، ص "١٣٦": في شرح دعاء القنوت: "وقنا شر ما قضيت"، الله ﷿ يقضي بالخير ويقضي بالشر. أما قضاؤه بالخير فهو خير محض في القضاء والمقضي مثال: أن يقضي الله -﷿- للناس بالرزق الواسع والأمن والطمأنينة والهداية والنصر.. إلخ، فهذا خير في القضاء والمقضى. وأما قضاؤه بالشر فهو خير في القضاء شر في المقضي ومثال ذلك: القحط وامتناع المطر فهذا شر لكن قضاء الله به خير، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] . فلهذا الفساد غاية حميدة وهي الرجوع إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته فصار المقضي شرا، وصار القضاء خيرا. ونحن نقول "شر ما قضيت": و"ما" هنا اسم موصول، أي شر الذي قضيته، فإن الله تعالى قد يقضي بالشر لحكمة بالغة حميدة. أ. هـ.
[ ٩١ ]
والخير والشر هو بالنسبة للمقدور وعاقبته فإن منه ما يكون خيرا كالطاعات والصحة والغنى، ومنه ما يكون شرًا كالمعاصي والمرض والفقر، أما بالنسبة لفعل الله فلا يقال: إنه شر؛ لقول النبي -ﷺ- في دعاء القنوت الذي علمه الحسن بن علي: "وقني شر ما قضيت" فأضاف الشر إلى ما قضاه لا إلى قضائه.
والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله عالم كل ما يكون جملة وتفصيلا بعلم سابق لقوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
الثاني: أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء لقوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] .
أي: نخلق الخليقة، ولقوله ﷺ: "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة". رواه مسلم٥٦.
الثالث: أنه لا يكون شيء في السموات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه وهم يسألون وما وقع من ذلك فإنه مطابق لعلمه السابق ولما كتبه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
_________________
(١) ٥٦ مسلم: كتاب القدر: باب حجاج آدم وموسى ﵉ "٢٦٥٣" "١٦" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ولفظ: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة..".
[ ٩٢ ]
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
فأثبت وقوع الهداية والضلال بإرادته.
الرابع: أن كل شيء في السموات والأرض مخلوق لله تعالى لا خالق غيره ولا رب سواه لقوله تعالى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
وقال على لسان إبراهيم:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ [الصافات: ٩٦] .
[٤٧] ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل. قال الله تعالى:
﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
الشرح
القدر ليس حجة للعاصي على فعل المعصية:
أفعال العباد كلها من طاعات ومعاصٍ كلها مخلوقة لله كما سبق ولكن ليس ذلك حجة للعاصي على فعل المعصية وذلك لأدلة كثيرة منها:
[ ٩٣ ]
١- أن الله أضاف عمل العبد إليه وجعله كسبا له فقال:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] .
ولو لم يكن له اختيار في الفعل وَقْدرة عليه ما نُسِبَ إليه.
٢- أن الله أمر العبد ونهاه ولم يكلفه إلا ما يستطيع لقوله تعالى:
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
ولو كان مجبورا على العمل ما كان مستطيعا على الفعل أو الكف؛ لأن المجبور لا يستطيع التخلص.
٣- أن كل واحد يعلم الفرق بين العمل الاختياري والإجباري وأن الأول يستطيع التخلص منه.
٤- أن العاصي قبل أن يقدم على المعصية لا يدري ما قُدَّر له وهو باستطاعته أن يفعل أو يترك فكيف يسلك الطريق الخطأ ويحتج بالقدر المجهول، أليس من الأحرى أن يسلك الطريق الصحيح ويقول هذا ما قُدَّر لي؟!
٥- أن الله أخبر أنه أرسل الرسل لقطع الحجة:
﴿لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
ولو كان القدر حجة للعاصي لم تنقطع بإرسال الرسل.
[٤٨] ونعلم أن الله ﷾ ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعةٍ، قال الله تعالى:
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
[ ٩٤ ]
وقال الله تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦] .
وقال تعالى:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] .
[٤٩] فدل على أن للعبد فعلًا وكسبًا يُجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره.
الشرح
التوفيق بين كون فعل العبد مخلوقًا لله وكونه كسبًا للفاعل:
عرفت مما سبق أن فعل العبد مخلوق لله وأنه كسب للعبد يجازى عليه: الحسن بأحسن والسيئ بمثله فكيف نوفق بينهما؟
التوفيق بينهما أن وجه كون فعل العبد مخلوقًا لله تعالى أمران:
الأول: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى.
الثاني: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية وقدرة بدنية ولولاهما لم يكن فعل، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله تعالى وخالق السبب خالق للمسبب، فنسبة فعل العبد إلى خلق الله له نسبة مُسَبَّب إلى سبب لا نسبة مباشرة؛ لأن المباشر حقيقية هو العبد فلذلك نُسِبَ الفعل إليه كسبا وتحصيلا ونُسِبَ إلى الله خلقا وتقديرا فلكل من النسبتين اعتبار والله أعلم.
[ ٩٥ ]
المخالفون للحق في القضاء والقدر والرد عليهم:
المخالفون للحق في القضاء والقدر طائفتان:
الطائفة الأولى: الجبرية، يقولون: العبد مجبور على فعله وليس له اختيار في ذلك. ونرد عليهم بأمرين:
١- أن الله أضاف عمل الإنسان إليه وجعله كسبًا له يعاقب ويثاب بحسبه ولو كان مجبورًا عليه ما صح نسبته إليه ولكان عقابه عليه ظلمًا.
٢- أن كل واحد يعرف الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري في الحقيقة والحكم، فلو اعتدى شخص على آخر وادعى أنه مجبور على ذلك بقضاء الله وقدره لَعُدَّ ذلك سَفَهًا مخالفًا للمعلوم بالضرورة.
الطائفة الثانية: القدرية، يقولون: العبد مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة ولا قدرة ولا خلق ونرد عليهم بأمرين:
١- أنه مخالف لقوله تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ [الزمر: ٦٢] .
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ [الصافات: ٩٦] .
٢- أن الله مالك السموات والأرض فكيف يكون في ملكه ما لا تتعلق به إرادته وخلقه؟!
[ ٩٦ ]
أقسام الإرادة والفرق بينهما:
إرادة الله تنقسم إلى قسمين كونية وشرعية:
فالكونية: هي التي بمعنى المشيئة كقوله تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
والشرعية: هي التي بمعنى المحبة كقوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم﴾ [النساء: ٢٧] .
والفرق بينهما أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله، وأما الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبًا لله ولا يلزم وقوعه.
[ ٩٧ ]
فصل: الإيمانُ قولٌ وَعَمَلٌ
[٥٠] والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.
[٥١] قال الله تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين.
[٥٢] وقال رسول الله ﷺ: "الإيمَانُ بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
[٥٣] فجعل القول والعمل من الإيمان. وقال تعالى:
﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] .
وقال تعالى:
﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانا﴾ [الفتح: ٤] .
[٥٤] وقال رسول الله ﷺ: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبة مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من الإيمان" فجعله متفاضلًا.
[ ٩٨ ]
الشرح
الإيمان:
الإيمان لغة: التصديق،
واصطلاحًا: قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان.
مثال القول: لا إله إلا الله، ومثال العمل: الركوع، ومثال العقد: الإيمان بالله وملائكته وغير ذلك مما يجب اعتقاده.
والدليل على أن هذا هو الإيمان قوله تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
فجعل الإخلاص والصلاة والزكاة من الدين.
وقال النبي ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" رواه مسلم، بلفظ "فأفضلها قول لا إله إلا الله" وأصله في الصحيحين٥٧. والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لقوله تعالى:
﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانا﴾ [آل عمران: ١٧٣] .
﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] .
_________________
(١) ٥٧ مسلم: كتاب الإيمان: باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.. "٣٥" "٥٨" من حديث أبي هريرة ﵁. وهو عند البخاري: كتاب الإيمان: باب أمور الإيمان "٩" مختصرًا بلفظ: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان".
[ ٩٩ ]
وقال النبي ﷺ: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة أو ذرة من إيمان" رواه البخاري٥٨ بنحوه، فجعله النبي -ﷺ- متفاضلًا وإذا ثبتت ثبت نقصه؛ لأن من لازم الزيادة أن يكون المزيد عليه ناقصًا عن الزائد.
_________________
(١) ٥٨ البخاري: كتاب الإيمان: باب زيادة الإيمان ونقصانه "٤٤". ومسلم: كتاب الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة "١٩٣" "٣٢٥". من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ١٠٠ ]
فصل: الإيمان بكل ما أخبر به الرسول
[٥٥] ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي -ﷺ- وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج٥٩ وكان يقظة لا منامًا، فإن قريشًا أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات.
[٥٦] ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى -﵇- ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه.
الشرح
السمعيات:
السمعيات كل ما ثبت بالسمع أي: بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيها مدخل، وكل ما ثبت عن النبي -ﷺ- من أخبار فهي حق يجب تصديقه سواء شاهدناه بحواسنا أو غاب عنا وسواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] .
وقد ذكر المؤلف من ذلك أمورًا:
_________________
(١) ٥٩ البخاري "٣٢٠٧" "٣٨٨٧" ومسلم "١٦٤" "٢٦٤" من حديث أنس بن مالك -﵁- عن مالك بن صعصعة. وراجع "الآية الكبرى" في شرح قصة الإسراء للسيوطي. ونور المسرى لأبي شامة. والإسراء والمعراج لأبي شهبة.
[ ١٠١ ]
الأمر الأول: الإسراء والمعراج.
الإسراء لغة: السير بالشخص ليلًا وقيل: بمعنى سرى، وشرعًا: سير جبريل بالنبي -ﷺ- من مكة إلى بيت المقدس لقوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] الآية.
والمعراج لغة: الآلة التي يُعْرَجُ بها وهي المصعد، وشرعًا: السلم الذي عرج به رسول الله -ﷺ- من الأرض إلى السماء لقوله تعالى:
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١، ٢] .
إلى قوله:
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] .
وكانا في ليلة واحدة عند الجمهور، وللعلماء خلاف متى كانت، فيروى بسند مُنْقَطِع عن ابن عباس وجابر -﵃ أنها ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ولم يعيِّنا السنة. رواه ابن أبي شيبة.
وَيُرْوَى عن الزهري وعروة أنها قبل الهجرة بسنة رواه البيهقي فتكون في ربيع الأول ولم يُعَيِّنا الليلة، وقاله ابن سعد وغيره وجزم به النووي، وَيُرْوَى عن السدي أنها قبلة الهجرة بستة عشر شهرًا رواه الحاكم، فتكون في ذي القعدة وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل: بخمس وقيل: بست.
وكان يقظة لا منامًا لأن قريشا أكبرته وأنكرته، ولو كان منامًا لم تنكره لأنها لا تنكر المنامات.
وقصته أن جبريل أمره الله أن يسري بالنبي -ﷺ- إلى بيت المقدس على البراق ثم يعرج به إلى السموات العلا سماء سماء حتى بلغ مكانًا سمع فيه صريف الأقلام وفرض الله عليه الصلوات الخمس واطلع على الجنة والنار واتصل بالأنبياء الكرام
[ ١٠٢ ]
وصلى بهم إمامًا ثم رجع إلى مكة فحدث الناس بما رأى فكذبه الكافرون وصدق به المؤمنون وتردد فيه آخرون.
الأمر الثاني: مجيء ملك الموت إلى موسى ﷺ:
جاء ملك الموت بصورة إنسان إلى نبي الله موسى -﵊- ليقبض روحه فلطمه موسى ففقأ عينه فرجع الملك إلى الله وقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله عليه عينه وقال: ارجع إليه وقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطى يده بكل شعرة سنة فقال موسى: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال: فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي ﷺ: "فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر". وهذا الحديث ثابت في الصحيحين٦٠ وإنما أثبته المؤلف في العقيدة لأن بعض المبتدعة أنكره معللًا ذلك بأنه يمتنع أن موسى يلطم الملك، ونرد عليهم بأن الملك أتى موسى بصورة إنسان لا يعرف موسى من هو، يطلب منه نفسه، فمقتضى الطبيعة البشرية أن يدافع المطلوب عن نفسه، ولو علم موسى أنه ملك لم يلطمه ولذلك استسلم له في المرة الثانية حين جاء بما يدل أنه من عند الله وهو إعطاؤه مهلة من السنين بقدر ما تحت يده من شعر ثور٦١.
_________________
(١) ٦٠ البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء: باب وفاة موسى وذِكُره بعد "٣٤٠٧". ومسلم كتاب الفضائل: باب فضائل موسى "٢٣٧٢" "١٥٧". من حديث أبي هريرة -﵁- وراجع في الدفاع عن هذا الحديث ضد طعن الطاعنين وتلبيسات المضلين، تعليق الشيخ أحمد شاكر على المسند "٧٦٣٤" والأنوار الكاشفة للمعلمي اليماني "٢١٩، ٢٢٠". ٦١ قال الإمام ابن حبان في صحيحه تحت عنوان: ذكر خبر شنع به على منتحلي سنن المصطفى -ﷺ- من حُرِمَ التوفيق لإدراك معناه، ثم قال عقب روايته: "إن الله جلا وعلا بعث رسوله -ﷺ- معلما لخلقه فأنزله موضع الإبانة عن مراده فبلغ -ﷺ- رسالته وبيَّن عن آياته بألفاظ مجملة ومفصلة، عقلها عنه أصحابه أو بعضهم. وهذا الخبر من الأخبار التي يدرك معناه من لم يحرم التوفيق لإصابة الحق؛ وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى عليه
[ ١٠٣ ]
[٥٧] ومن ذلك أشراط الساعة مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -﵇- فيقتله. وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل٦٢.
_________________
(١) = السلام رسالة ابتلاء واختبار وأمره أن يقول له: "أجب ربك" أمر اختبار وابتلاء، لا أمرًا يريد الله جلا وعلا إمضاءه كما أمر خليله -صلى الله على نبينا وعليه- بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء دون الأمر الذي أراد الله جلا وعلا إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه وتله للجبين، فداه بالذبح العظيم. وقد بعث الله جلا وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها كدخول الملائكة على إبراهيم، ولم يعرفهم حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسوله -ﷺ- وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام والإحسان فلم يعرفه المصطفى -ﷺ- حتى ولى. فكان مجيء ملك الموت إلى موسى -﵇- على غير الصورة التي كان يعرفه موسى -﵇- عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلًا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها لا الصورة التي خلقه الله عليها ولما كان المصرح عن نبينا -ﷺ- في خبر ابن عباس حيث قال: "أمَّني جبريل عند البيت مرتين" فذكر الخبر وقال في آخره: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك" كان في هذا الخبر البيان الواضح أن بعض شرائعنا قد يتفق مع بعض شرائع من قبلنا من الأمم. ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر في بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله ولا حرج على مرتكبه؛ للأخبار الجمّة الواردة فيه التي أمليناها في غير موضع من كتبنا كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة: شريعة موسى، بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيا بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء -كما ذكرنا من قبل- إذ قال الله له: قل له: إن شئت فضع يدك على متن ثور، فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة، فلما علم موسى كليم الله -صلى الله على نبينا وعليه- أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله طابت نفسه بالموت ولم يستمهل وقال: فالآن. فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت ما استعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به ضد قول من زعم أن أصحاب الحديث حمالة الحطب ورعاة الليل يجمعون مالا ينتفعون به ويروون ما لا يؤجرون عليه، ويقولون بما يبطله الإسلام جهلًا منهم بمعاني الأخبار وترك التفقه والآثار، معتمدًا في ذلك على رأيه المنكوس وقياسه المعكوس. أ. هـ. ٦٢ راجع في ذلك: النهاية لابن كثير، و"الإذاعة" لصديق حسن خان.
[ ١٠٤ ]
الشرح
الأمر الثالث: أشراط الساعة:
الأشراط جمع شرط وهو لغةً: العلامة، والساعة لغةً: الوقت أو الحاضر منه، والمراد بها هنا القيامة، فأشراط الساعة شرعًا العلامات الدالة على قرب يوم القيامة قال الله تعالى:
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] .
وذكر المؤلف من أشراط الساعة ما يأتي:
١- خروج الدجال، وهو لغة: صيغة مبالغة من الدجل وهو الكذب والتمويه وشرعًا: رجل مموه يخرج في آخر الزمان يدعي الربوبية. وخروجه ثابت بالسنة والإجماع، قال النبي ﷺ: "قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" رواه مسلم٦٣. وكان النبي -ﷺ- يتعوذ منه في الصلاة متفق عليه٦٤. وأجمع المسلمون على خروجه.
وقصته: "أنه يخرج من طريق بين الشام والعراق فيدعو الناس إلى عبادته فأكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب. ويتبعه سبعون ألفًا من يهود أصفهان فيسير
_________________
(١) ٦٣ مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب ما يستعاذ منه في الصلاة "٥٩٠" "١٣٤" من حديث ابن عباس ﵄. ٦٤ البخاري: كتاب الأذان: باء الدعاء قبل السلام "٨٣٢" ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب ما يُسْتعاذ منه في الصلاة "٥٨٩" "١٢٩" من حديث عائشة ﵂. وفي الباب عن أبي هريرة: عند مسلم "٥٨٨" "١٣٠".
[ ١٠٥ ]
في الأرض كلها كالغيث استدبرته الريح إلا مكة والمدينة فيمنع منهما ومدته أربعون يوما، يوم كسنةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعةِ وباقي أيامه كالعادة. وهو أعور العين مكتوب بين عينيه (ك ف ر) يقرؤه المؤمن فقط، وله فتنة عظيمة منها أنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، معه جنة ونار فجنته نار وناره جنة، حذر منه النبي -ﷺ- وقال: "مَنْ سَمِعَ بهِ فلينأَ عنه، ومن أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف أو بفواتح سورة الكهف" ٦٥.
٢- نزول عيسى ابن مريم: نزول عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] .
أي: موت عيسى وهذا حين نزول كما فسره أبو هريرة بذلك.
وقال النبي ﷺ: "والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما وعدلًا". الحديث متفق عليه٦٦.
وقد أجمع المسلمون على نزوله فينزل عند المنارة البيضاء في شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلب الدجال حتى يدرك بباب لدٍ فيقتله، ويكسر الصليب
_________________
(١) ٦٥ راجع حديث النواس بن سمعان عند مسلم: كتاب الفتن: باب ذكر الدَّجال وصفته: "٢٩٣٧" "١١٠"، "١١١". ٦٦ البخاري: كتاب البيوع: باب قتل الخنزير "٢٢٢٢". كتاب الأنبياء: باب نزول عيسى ابن مريم ﵉ "٣٤٤٨". ومسلم: كتاب الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد -ﷺ- "١٥٥" "٢٤٢".
[ ١٠٦ ]
ويضع الجزية، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين، ويحج ويعتمر، كل هذا ثابت في صحيح مسلم وبعضه في الصحيحين كليهما٦٧. وروى الإمام أحمد وأبو داود: "أن عيسى يبقى بعد قتل الدجال أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"٦٨ وذكر البخاري في تاريخه أنه يدفن مع النبي -ﷺ- فالله أعلم٦٩.
_________________
(١) ٦٧ راجح حديث النواس بن سمعان عند مسلم "٢٩٣٧" "١١٠" "١١١". وأما قوله: "ويكسر الصليب ويضع الجزية وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين" ففي حديث أبي هريرة عند البخاري "٣٤٤٨" ومسلم "١٥٥" "٢٤٢". وعندهما: " حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها". واللفظ الذي ذكره الشيخ عزاه الحافظ في الفتح "٤٩٢/٦" لابن مردويه. وأما قوله: "ويحج ويعتمر" فعند مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- قال: "والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليثنينهما" كتاب الحج: باب إهلال النبي -ﷺ- وهديه "١٢٥٢" "٢١٦". ٦٨ حديث صحيح: رواه أحمد "٩٢٥٩" وأبود داود "٤٣٢٤" وابن حبان "٢٧٧/٨" والحاكم "٥٩٥/٢" وصححه ووافقه الذهبي. وابن أبي شيبة "١٥٨/١٥" وابن جرير "٣٨٨/٩" من حديث أبي هريرة ﵁. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند. ٦٩ البخاري في التاريخ الكبير "٢٦٣/١" والترمذي "٣٦١٧" والآجري في الشريعة ص "٣٨١" من طريق عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وصفة عيسى ابن مريم يدفن معه. قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الهيثمي في المجمع "٣٠٦/٨": في سنده عثمان بن الضحاك وثَّقه ابن حبان وضعفه أبو داود. وقال الحافظ في الفتح "٦٦/٧" وروى عنها -أي عائشة- في حديث لا يثبت أنها استأذنت النبي ﷺ إن عاشت بعده أن تدفن إلى جانبه فقال لها: "وأنى لك بذلك وليس في ذلك الموضع إلا قبري وقبر أبي بكر وعمر وعيسى ابن مريم" وفي أخبار المدينة من وجه ضعيف عن سعيد بن المسيب قال: إن قبور الثلاثة في صفة بيت عائشة وهناك موضع قبر يدفن فيه عيسى ابن مريم. أ. هـ.
[ ١٠٧ ]
٣- يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان أو عربيان مشتقان من المأج وهو الاضطراب أو من أجيج النار وتلهبها.
وهما أمتان من بني آدم موجودتان بدليل الكتاب والسنة.
قال الله تعالى في قصة ذي القرنين:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٣، ٩٤] الآيات.
وقال النبي ﷺ: "يقول الله يوم القيامة: يا آدم قم فابعث بعث النار من ذريتك" إلى أن قال رسول الله ﷺ: "أبشروا فإن منكم واحدًا ومن يأجوج ومأجوج ألفًا" أخرجاه في الصحيحين٧٠.
وخروجهم الذي يكون من أشراط الساعة لم يأتِ بعد ولكن بوادره وجدت في عهد النبي -ﷺ- فقد ثبت في الصحيحين أن النبي -ﷺ- قال: "فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها" ٧١.
وقد ثبت خروجهم في الكتاب والسنة.
_________________
(١) ٧٠ البخاري: كتاب الرقاق: باب قوله ﷿ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم﴾ [الحج: ١] . "٦٥٣٠". ومسلم: كتاب الإيمان: باب قوله: يقول الله لآدم أخرج بعث النار "٢٢٢" "٣٧٩" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ولفظه عندهما: "يقول: أخرج بعث النار " وفي لفظ للبخاري "٦٥٢٩": "أخرج بعث جهنهم من ذريتك" وهذا اللفظ قريب من اللفظ الذي ذكره الشيخ صالح العثيمين. ٧١ البخاري: كتاب الفتن: باب يأجوج ومأجوج "٧١٣٥" ومسلم: كتاب الفتن: باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج "٢٨٨٠" "٢". من حديث زينب بنت جحش ﵂.
[ ١٠٨ ]
قال الله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧] .
وقال النبي ﷺ: "إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات.." فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. رواه مسلم٧٢، وقصتهم في حديث النواس بن سمعان أن النبي -ﷺ- قال في عيسى ابن مريم بعد قتله الدجال: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم" ويقول: "لقد كان بهذه مرة ماء ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم محضوبة دما، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله" رواه مسلم٧٣.
_________________
(١) ٧٢ مسلم: كتاب الفتن: باب في الآيات التي تكون قبل الساعة "٢٩٠١" "٣٩". من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁. ٧٣ مسلم: كتاب الفتن: باب ذكر الدَّجال وصفته "٢٩٣٧" "١١٠". وراجع تعليق النووي على غريب الحديث في رياض الصالحين حديث "١٨١٧".
[ ١٠٩ ]
٤- خروج الدابة، الدابة لغة: كل ما دب على الأرض. والمراد بها هنا الدابة التي يُخْرجها الله قرب قيام الساعة، وخروجها ثابت بالقرآن والسنة.
قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] .
وقال النبي ﷺ: "إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات وذكر منها الدابة" رواه مسلم٧٤.
وليس في القرآن والسنة الصحيحة ما يدل على مكان خروج هذه الدابة وصفتها وإنما وردت في ذلك أحاديث في صحتها نظر، وظاهر القرآن أنها دابة تنذر الناس بقرب العذاب والهلاك والله أعلم.
٥- طلوع الشمس من مغربها: طلوع الشمس من مغربها ثابت بالكتاب والسنة، قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
والمراد بذلك طلوع الشمس من مغربها.
وقال النبي ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين، وذلك حين: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] . متفق عليه٧٥.
_________________
(١) ٧٤ تقدم تخريجه ص "١٠٩". ٧٥ البخاري: كتاب التفسير من سورة الأنعام: باب ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] "٤٦٣٦"، ومسلم: كتاب الإيمان: باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان "١٥٧" "٢٤٨" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١١٠ ]
[٥٨] وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ النبي -ﷺ- منه، وأمر به في كل صلاة.
[٥٩] وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل -﵇- في الصور:
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .
الشرح
فتنة القبر:
الفتنة لغة: الاختبار، وفتنة القبر سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه.
وهي ثابتة بالكتاب والسنة. قال الله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وقال النبي ﷺ: " المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله". فذلك قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] متفق عليه٧٦.
_________________
(١) ٧٦ البخاري: كتاب الجنائز: باب ما جاء في عذاب القبر "١٣٦٩". ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه "٣٨٧١" "٧٣" من حديث البراء بن عازب ﵁.
[ ١١١ ]
والسائل ملكان لقول النبي ﷺ: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه..". رواه مسلم٧٧. واسمهما: منكر ونكير، كما رواه الترمذي عن أبي هريرة مروفعًا وقال: حسن غريب، قال الألباني: وسنده حسن وهو على شرط مسلم٧٨، والسؤال عام للمكلفين من المؤمنين والكافرين ومن هذه الأمة وغيرهم على القول الصحيح وفي غير المكلفين خلاف. وظاهر كلام ابن القيم في كتاب الروح ترجيح السؤال. ويستثنى من ذلك الشهيد لحديث رواه النسائي٧٩، ومن مات مرابطًا في سبيل الله لحديث رواه مسلم٨٠.
عذاب القبر أو نعيمه:
عذاب القبر أو نعيمه حق ثابت بظاهر القرآن وصريح السنة وإجماع أهل السنة قال الله تعالى في سورة الواقعة:
﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣، ٨٤] .
_________________
(١) ٧٧ البخاري: كتاب الجنائز: باب الميت يسمع خفق النعال "١٣٣٨". ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه "٢٨٧٠" "٧٠" من حديث أنس ﵁. ٧٨ حديث حسن: الترمذي "١٠٧١" وابن حبان "٧٨٠ - موارد" وابن أبي عاصم في السنة "٨٦٤" وقال الترمذي: حسن غريب وحسنه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة "٨٦٤" وقال في الصحيحة "١٣٩١": إسناده جيد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. ٧٩ حديث صحيح: أخرجه النسائي "٢٧٩/١" عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- أن رجلًا قال: يا رسول الله: ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة". وقال الألباني في أحكام الجنائز ص "٣٦": وسنده صحيح. أ. هـ. ٨٠ مسلم: كتاب الإمارة: باب فضل الرباط في سبيل الله ﷿: "١٩١٣" "١٦٣" من حديث سلمان الفارسي ﵁.
[ ١١٢ ]
إلى قوله:
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] السورة.
وكان النبي -ﷺ- يتعوذ بالله من عذاب القبر وأمر أمته بذلك٨١. وقال النبي -ﷺ- في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر قال في المؤمن: "فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره" وقال في الكافر: "فينادي منادٍ من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا من النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه". الحديث رواه أحمد وأبوداود٨٢. وقد اتفق السلف وأهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه ذكره ابن القيم في كتاب الروح، وأنكر الملاحدة عذاب القبر متعللين بأننا لو نبشنا القبر لوجدناه كما هو ونرد عليهم بأمرين:
١- دلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف على ذلك.
٢- أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا فليس العذاب أو النعيم في القبر كالمحسوس في الدنيا.
_________________
(١) ٨١ مسلم: كتاب المساجد: باب ما يستعاذ منه في الصلاة "٥٩٠" "١٣٤" من حديث ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر "الحديث. وفي الباب عن عائشة: عند البخاري "١٠٤٩" ومسلم "٩٠٣" "٨". وعن أبي هريرة: عند مسلم "٥٨٨" "١٣٠". وزيد بن ثابت: عند مسلم "٢٨٦٧" "٦٧". ٨٢ حديث صحيح: أخرجه أحمد في المسند "٢٨٧/٤، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦" وأبو داود "٤٧٥٣". وقد ساقه الألباني -حفظه الله- سياقًا واحدًا ضامًّا إليه جميع الزوائد والفوائد التي وردت في شيء من طرقة الثابتة فليراجع. قال الحافظ في الفتح "٢٨٢/٣": وهو أتمُّ الأحاديث سياقًا. أ. هـ.
[ ١١٣ ]
هل عذاب القبر أو نعيمه على الروح أو على البدن؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا فيحصل له معها النعيم أو العذاب٨٣.
النفخ في الصور:
النفخ معروف. والصور لغة: القرن. وشرعًا: قرن عظيم التقمه إسرافيل ينتظر متى يؤمر بنفخه، وإسرافيل أحد الملائكة الكرام الذين يحملون العرش وهما نفختان إحداهما: نفخة الفزع ينفخ فيه فيفزع الناس ويصعقون إلا من شاء الله، والثانية نفخة البعث ينفخ فيه فيبعثون ويقومون من قبورهم.
وقد دل على النفخ في الصور الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال الله تعالى:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثم ينفع في الصور فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى ليتا ورفع ليتا ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم ينزل الله مطرًا كأنه الطل أو الظل -شك الراوي- فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون". رواه مسلم في حديث طويل.
وقد اتفقت الأمة على ثبوته.
_________________
(١) ٨٣ مجموع فتاوى ابن تيمية "٢٨٢/٤".
[ ١١٤ ]
[٦٠] ويحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلًا بُهْما، فيقفون في موقف القيامة، حتى يشفع، فيهم نبينا محمد -ﷺ- ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورا، وَيَصْلَى سَعِيرا﴾ [الانشقاق: ٧-١٢] .
الشرح
البعث والحشر:
البعث لغة: الإرسال والنشر، وشرعًا: إحياء الأموات يوم القيامة.
والحشر لغة: الجمع وشرعًا جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم.
والبعث والحشر حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى:
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُن﴾ [التغابن: ٧] .
وقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠] .
وقال النبي ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد". متفق عليه٨٤.
_________________
(١) ٨٤ البخاري: كتاب الرقاق: باب يقبض الله الأرض يوم القيامة "٦٥٢١". ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار: باب في البعث والنشور.. "٢٧٩٠" "٢٨" من حديث سهل بن سعد ﵁. *بيضاء عفراء: أي غير شديدة البياض، يضرب إلى الحمرة. والقرصة: الرغيف. والنَّقي: الدقيق المنخول المنظف. ليس فيها علم لأحد: ليس بها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر.
[ ١١٥ ]
وأجمع المسلمون على ثبوت الحشر يوم القيامة.
ويحشر الناس حفاة لا نعال عليهم، عراة لا كسوة عليهم، غرلا لا ختان فيهم، لقوله تعالى:
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
وقول النبي ﷺ: "إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ:
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
وأول من يكسى إبراهيم" متفق عليه٨٥. وفي حديث عبد الله بن أنيس المرفوع الذي رواه أحمد: "يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا بهما، قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء" الحديث٨٦.
_________________
(١) ٨٥ البخاري: كتاب الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ [النساء: ١٢٥] "٣٣٤٩". ومسلم: كتاب الجنة: باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة "٢٨٦٠" "٥٨". ٨٦ حديث حسن: تقدم تخريجه ص "٧٤".
[ ١١٦ ]
الحساب:
الحساب لغة: العدد، وشرعًا إطلاع الله عباده على أعمالهم.
وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] .
وكان النبي -ﷺ- في بعض صلاته: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" فقالت عائشة ﵂: ما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه" رواه أحمد، وقال الألباني إسناده جيد٨٧.
وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.
وصفة الحساب للمؤمن "أن الله يخلو به فيقرره بذنوبه حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق، هؤلاء الذي كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين" متفق عليه من حديث ابن عمر٨٨.
_________________
(١) ٨٧ حديث صحيح: أخرجه أحمد "٤٨/٦" وابن أبي عاصم في كتاب السنة "٨٨٥" واللفظ لأحمد. وقال الألباني في تخريج السنة "٤٢٩/٢": إسناده صحيح. أ. هـ. وأصل الحديث في الصحيحين عند البخاري "١٠٣"، "٦٥٣٦"، "٦٥٣٧" ومسلم "٢٨٧٦" "٧٩" عنها بلفظ: "ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، قلت: أو ليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابا يَسِيرا﴾ [الانشقاق: ٨] فقال: إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك". ٨٨ البخاري: كتاب المظالم: باب قول الله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِين﴾ [هود: ١٨] "٢٤٤١". ومسلم: كتاب التوبة: باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله "٢٧٦٨" "٥٢". من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ١١٧ ]
والحساب عام لجميع الناس إلا من استثناهم النبي -ﷺ- وهم سبعون ألفًا من هذه الأمة منهم عكاشة بن محصن يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، متفق عليه٨٩. وروى أحمد من حديث ثوبان مرفوعًا: "أن مع كل واحدٍ سبعين ألفًا" قال ابن كثير: حديث صحيح وذكر له شواهد٩٠.
_________________
(١) ٨٩ البخاري: كتاب الرقاق: باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب "٦٥٤١". ومسلم: كتاب الإيمان: باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب "٢٢٠" "٣٧٤". من حديث ابن عباس ﵄. وفي الباب: عن أبي هريرة ﵁: عند البخاري "٥٨١١" "٦٥٤٢" ومسلم "٢١٦" "٣٦٧" وعن عمران بن حصين ﵁: عند مسلم "٢١٨" "٣٧١". ٩٠ حسن: حديث ثوبان عند الطبراني في الكبير "١٤١٣" وأحمد "٢٨٠/٥، ٢٨١" من طريق محمد بن إسماعيل الحمصي، حدثني أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن ربي ﷿ وعدني من أمتي سبعين ألفًا لا يحاسبون مع كل ألف سبعين ألفًا" وسكت عنه الهيثمي في المجمع "٤٠٧/١٠" ولم يتكلم عليه بشيء، مع أن فيه محمد بن إسماعيل بن عياش الحمصي. قال أبو داود لم يكن بذاك وقال أبو حاتم لم يسمع من أبيه شيئًا، راجع التهذيب "٥١/٩، ٥٢" والمغني في الضعفاء للذهبي "٥٥٥/٢". وللحديث شواهد كثيرة ذكرها ابن كثير في النهاية "٣٢٢- ٣٣٠" منها حديث أنس عند البزار فيه أبو عاصم العباداني لين الحديث كما في التقريب، ومنها: حديث أبي أمامة عند أحمد "٢٦٨/٥" والترمذي "٣٤٣٧" وابن ماجه "٤٢٨٦" وصححه ابن حبان "٢٦٤٢ - موارد". ومنها: حديث أبي سعيد الخدري عند ابن أبي عاصم في السنة "٨١٤" وضعف إسناده الألباني في تخريج السنة "٣٨٥/٢". وغير ذلك من الشواهد وراجع النهاية لابن كثير. وبالجملة فالحديث حسن على أقل أحواله بهذه الشواهد.
[ ١١٨ ]
وأول من يحاسب هذه الأمة، لقول النبي ﷺ: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق" متفق عليه٩١، وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب" الحديث٩٢.
وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة، لقول النبي ﷺ: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله" رواه الطبراني في الأوسط وسنده لا بأس به إن شاء الله، قاله المنذري في الترغيب والترهيب٩٣ "ص: ٢٤٦، ج: ١" وأول ما يقضى بين الناس في الدماء لقول النبي ﷺ: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" متفق عليه٩٤.
[٦١] والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣] .
_________________
(١) ٩١ الحديث بهذا اللفظ: عند مسلم كتاب الجمعة: باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة "٨٥٦" "٢٢" من حديث أبي هريرة وحذيفة -﵄- ولفظه عند البخاري "٨٧٦" ومسلم "٨٥٥" "٢١": "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا" من حديث أبي هريرة. ٩٢ أخرجه ابن ماجه "٤٢٩٠" وأحمد "٢٨٢/١، ٢٧٤/٢، ٣٤٢" والبيهقي في دلائل النبوة "٤٨٢/٥" من حديث ابن عباس ﵄، وقال البوصيري في الزوائد "٣١٧/٣": هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الشيخ الألباني. ٩٣ حديث صحيح: أخرجه الترمذي "٤١٣" والنسائي "٢٣٢/١" وابن ماجه "١٤٢٦" من حديث أبي هريرة -﵁- وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب "١٨٥/١". ٩٤ البخاري: كتاب الديات: باب قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] "٦٨٦٤". ومسلم: كتاب القسامة: باب المجازاة بالدماء في الآخرة "١٦٧٨" "٢٨"، من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١١٩ ]
الشرح
الموازين:
الموازين جمع ميزان، وهو لغة: ما تقدر به الأشياء خفة وثقلا، وشرعًا: ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، قال الله تعالى:
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣] .
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
وقال النبي ﷺ: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" متفق عليه٩٥، وأجمع السلف على ثبوت ذلك.
وهو ميزان حقيقي له كفتان لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -ﷺ- في صاحب البطاقة قال: "فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة" الحديث رواه الترمذي وابن ماجه قال الألباني: إسناده صحيح٩٦.
_________________
(١) ٩٥ البخاري: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] "٧٥٦٣". ومسلم: كتاب الذكر والدعاء: باب فضل التهليل "٢٦٩٤" "٣١"، من حديث أبي هريرة -﵁- وهو خاتمة صحيح البخاري. ٩٦ حديث صحيح: أخرجه أحمد "٢١٣/٢" والترمذي "٢٦٣٩" وابن ماجه "٤٣٠٠" وإسناده صحيح، وقد صححه ابن حبان "٢٥٢٤" والحاكم "٦/١، ٥٢٩" ووافقه
[ ١٢٠ ]
واختلف العلماء هل هو ميزان واحد أو متعدد؟
فقال بعضهم: متعدد بحسب الأمم أو الأفراد أو الأعمال؛ لأنه لم يرد في القرآن إلا مجموعًا، وأما إفراده في الحديث فباعتبار الجنس.
وقال بعضهم: هو ميزان واحد؛ لأنه ورد الحديث مفردًا، وأما جمعه في القرآن فباعتبار الموزون، وكلا الأمرين محتمل والله أعلم.
والذي يوزن العمل؛ لظاهر الآية السابقة والحديث بعدها وقيل: صحائف العمل، لحديث صاحب البطاقة، وقيل: العامل نفسه لحديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة" وقال اقرءوا:
﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا﴾ [الكهف: ١٠٥] متفق عليه٩٧.
وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن الجميع يوزن أو أن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره وحرمته، وهذا جمع حسن والله أعلم.
نشر الدواوين:
النشر لغة: فتح الكتاب أو بث الشيء، وشرعًا: إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة وتوزيعها.
_________________
(١) = الذهبي، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في الصحيحة "١٣٥"، وقال: والأحاديث في ذلك متضافرة إن لم تكن متواترة. أ. هـ. ٩٧ البخاري: كتاب التفسير من سورة الكهف: باب ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] "٤٧٢٩". ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار "٢٧٨٥" "١٨".
[ ١٢١ ]
والدواوين جمع ديوان، وهو لغة:الكتاب يحصى فيه الجند ونحوهم، وشرعًا: الصحائف التي أحصيت فيها الأعمال التي كتبها الملائكة على العامل، فنشر الدواوين إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة فتتطاير إلى الأيمان والشمائل، وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧-١٢] .
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] .
وعن عائشة -﵂- أنها سألت النبي ﷺ: هل تذكرون أهليكم؟ قال: "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعندتطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز" رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرطهما٩٨.
وأجمع المسلمون على ثبوت ذلك.
_________________
(١) ٩٨ أخرجه أبو داود "٤٧٥٥" والحاكم في المستدرك "٥٧٨/٤" والآجري في الشريعة "٣٨٥" من طرق عن الحسن عن عائشة، وذكره الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود. وقال الحاكم: صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة وأقره الذهبي. وللحديث طريق آخر رواه أحمد "١١٠/٦" من طريق ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة. وقال الهيثمي في المجمع "٣٥٩/١٠": عند أبي داود طرف منه رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ١٢٢ ]
صفة أخذ الكتاب:
المؤمن يأخذ كتابه بيمينه فيفرح ويستبشر ويقول:
﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] .
والكافر يأخذه بشماله أو من وراء ظهره فيدعو بالويل والثبور ويقول:
﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥، ٢٦] .
[٦٢] ولنبينا محمد -ﷺ- حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
الشرح
الحوض:
الحوض لغة: الجمع يقال حاض الماء يحوضه إذا جمعه، ويطلق على مجتمع الماء.
وشرعًا: حوض الماء النازل من الكوثر في عرصات القيامة للنبي ﷺ.
ودل عليه السنة المتواترة وأجمع عليه أهل السنة.
قال النبي ﷺ: "إني فرطكم على الحوض" متفق عليه٩٩.
_________________
(١) ٩٩ البخاري: كتاب الرقاق: باب في الحوض "٦٥٨٣"، "٦٥٨٤". ومسلم: كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- "٢٢٩٠" "٢٦"، "٢٢٩١" "٢٦" من حديث سهل بن سعد وأبي سعيد الخدري ﵄.
[ ١٢٣ ]
وأجمع السلف أهل السنة على ثبوته، وقد أنكر المعتزلة ثبوت الحوض ونرد عليهم بأمرين:
١- الأحاديث المتواترة عن الرسول ﷺ.
٢- إجماع أهل السنة على ذلك.
صفة الحوض:
طوله شهر وعرضه شهر وزواياه سواء وآنيته كنجوم السماء، وماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من ريح المسك، فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والثاني من فضة، يرده المؤمنون من أمة محمد، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، وكل هذا ثابت في الصحيحين أو أحدهما١٠٠. وهو موجود الآن لقوله
_________________
(١) = *قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية "٢٧٧/١": والأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًّا -﵃- ولقد استقصى طرقها شيخنا عماد الدين ابن كثير تغمده الله برحمته في آخر تاريخه الكبير المسمى بالبداية والنهاية. أ. هـ، وكذا انظر فتح الباري "٤٦٨/١١، ٤٦٩". وقوله: "إني فرطكم على الحوض"، أي: متقدمكم إليه، النهاية لابن الأثير "٤٣٤/٣". ١٠٠ البخاري: كتاب الرقاق: باب في الحوض "٦٥٧٩". ومسلم: كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته "٢٢٩٢" "٢٧". من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. والبخاري: كتاب الرقاق: باب في الحوض "٦٥٨٠". ومسلم: كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته "٢٣٠٣" "٤٣" من حديث أنس بن مالك ﵁. ومسلم: في المصدر نفسه "٢٣٠١" "٣٧"، من حديث ثوبان ﵁.
[ ١٢٤ ]
ﷺ: "وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن" رواه البخاري١٠١، واستمداده من الكوثر لقوله ﷺ: "وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوض". رواه أحمد، قال ابن كثير: وهو حسن الإسناد والمتن١٠٢.
ولكل نبي حوض ولكن حوض النبي -ﷺ- أكبرها وأعظمها وأكثرها واردة؛ لقول النبي ﷺ: "إن لكل نبي حوضًا وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة". رواه الترمذي وقال: غريب، وروى ذلك ابن أبي الدنيا وابن ماجه من حديث أبي سعيد وفيه ضعف لكن صححه بعضهم من أجل تعدد الطرق١٠٣.
[٦٣] والصراط حق يَجُوزه الأبرار، وَيَزِلّ عنه الفجار.
_________________
(١) ١٠١ البخاري: كتاب الرقاق: باب في الحوض "٦٥٩٠"، من حديث عقبة بن عامر ﵁. ١٠٢ نهاية البداية والنهاية "٢٤٤/٢" وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. ١٠٣ حديث صحيح: الترمذي "٢٤٤٣" من طريق الحسن عن سمرة، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. قال الحافظ في الفتح "٤٦٧/١١": وأشار -أي: الترمذي- إلى أنه اختلف في وصله وإرساله، وأن المرسل أصح، قلت: والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لكل نبي حوضًا وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته، إلا أنهم يباهون أيهم أكثر تبعًا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا"، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن سمرة موصولا ومرفوعًا مثله وفي سنده لين، وأخرج ابن أبي الدنيا أيضًا حديث أبي سعيد رفعه: "وكل نبي يدعو أمته، ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام ومنهم من يأتيه العصبة ومنهم من يأتيه الواحد ومنهم من يأتيه الاثنان ومنهم من لا يأيته أحد، وإني لأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة" وفي إسناده لين. وإن ثبت فالمختص بنبينا -ﷺ- الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه فإنه لم ينقل نظيره لغيره. أ. هـ. وصححه الألباني في الصحيحة "١٥٨٩".
[ ١٢٥ ]
الشرح
الصراط:
الصراط لغة: الطريق، وشرعًا: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة، وهو ثابت بالكتاب والسنة وقول السلف.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] .
فّسَّرها عبد الله بن مسعود وقتادة وزيد بن أسلم بالمرور على الصراط، وفسرها جماعة منهم ابن عباس بالدخول في النار لكن ينجون منها.
وقال النبي ﷺ: "ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم"، متفق عليه١٠٤. واتفق أهل السنة على إثباته.
صفة الصراط:
سئل النبي -ﷺ- عن الصراط فقال: "مدحضة مزلة عليها خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان" رواه البخاري١٠٥، وله من حديث أبي هريرة: "وبه كلاليب مثل شوك السعدان غير
_________________
(١) ١٠٤ جزء من حديث أبي سعيد الخدري الطويل الذي أخرجه: البخاري: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] "٧٤٣٩". ومسلم: كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية "١٨٣" "٣٠٢". * الجسر: بفتح الجيم وكسرها لغتان مشهورتان وهو الصراط. شرح النووي لمسلم "٢٩/٣". ١٠٥ جزء من حديث أبي سعيد الخدري المتقدم عند البخاري ومسلم.
[ ١٢٦ ]
أنها لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، يخطف الناس بأعمالهم" ١٠٦، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد -﵁- قال: "بلغني أنه أدق من الشعر وأحد من السيف" ١٠٧، وروى الإمام أحمد نحوه عن عائشة -﵂- مرفوعًا.
العبور على الصراط وكيفيته:
لا يعبر الصراط إلا المؤمنون على قدر أعمالهم لحديث أبي سعيد -﵁- عن النبي -ﷺ- وفيه: "فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناجٍ مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في جهنم". متفق عليه١٠٨، وفي صحيح مسلم: "تجرى بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: يا رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا" ١٠٩، وفي صحيح البخاري: "حتى يمر آخرهم يسحب سحبا" ١١٠.
_________________
(١) ١٠٦ البخاري: كتاب الرقاق: باب الصراط جسر جهنم "٦٥٧٣". ومسلم: كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية "١٨٢" "٢٩٩". من حديث أبي هريرة مطولا. ١٠٧ ذكره الإمام مسلم في صحيحه عقب روايته لحديث أبي سعيد الخدري "١٨٣" "٣٠٢" المتقدم، قال: قال أبو سعيد: بلغني أن الصراط أحدُّ من السيف وأدَقٌ من الشَّعرة، وراجع تعليق الحافظ ابن حجر في الفتح "٤٥٤/١١" على هذا البلاغ في بحث جيد. ١٠٨ تقدم تخريجه ص "١٢٦". ١٠٩ مسلم: كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة "١٩٥" "٣٢٩"، من حديث حذيفة وأبي هريرة ﵄. ١١٠ البخاري: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] "٧٤٣٩" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٢٧ ]
وأول من يعبر الصراط من الأنبياء محمد -ﷺ- ومن الأمم أمته لقوله النبي ﷺ: "فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم" رواه البخاري١١١.
[٦٤] ويشفع نبينا -ﷺ- فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا فيدخلون الجنة بشفاعته.
[٦٥] ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
[٦٦] ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.
الشرح
الشفاعة:
الشفاعة لغة: جعل الوتر شفعًا، واصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة والشفاعة يوم القيامة نوعان خاصة بالنبي -ﷺ- وعامة له ولغيره.
فالخاصة به ﷺ شفاعته العظمى في أهل الموقف عند الله ليقضي بينهم حين يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون فيذهبون إلى آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسى وكلهم يعتذرون فيأتون إلى النبي ﷺ فيشفع فيهم إلى الله فيأتي ﷾ للقضاء بين عباده.
_________________
(١) ١١١ البخاري كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] "٧٤٣٧" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٢٨ ]
وقد ذكرت هذه الصفة في حديث الصُّور المشهور لكن سنده ضعيف متكلم فيه١١٢، وحذفت من الأحاديث الصحيحة فاقتصر منها على ذكر الشفاعة في أهل الكبائر.
قال ابن كثير وشارح الطحاوية: وكان مقصود السلف من الاقتصار على الشفاعة في أهل الكبائر هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة.
وهذه الشفاعة لا ينكرها المعتزلة والخوارج ويشترط فيها إذن الله لقوله تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
النوع الثاني: العامة، وهي الشفاعة فيمن دخل النار من المؤمنين أهل الكبائر أن يخرجوا منها بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحميمًا. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أو كما قال تصيبهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة" الحديث رواه أحمد١١٣.
قال ابن كثير في النهاية ص: ٢٠٤، ج: ٢، وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه.
وهذه الشفاعة تكون للنبي -ﷺ- وغيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لحديث أبي سعيد عن النبي -ﷺ- وفيه: "فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون
_________________
(١) ١١٢ حديث ضعيف: وهو حديث طويل جدًا في إسناده إسماعيل بن رافع وهو ضعيف، ومحمد بن يزيد أو زياد: هو مجهول، وقد أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره "١٤٦/٢- ١٤٨" عن الطبراني، وقال: هذا حديث مشهور وهو غريب جدًا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونصَّ على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، وراجع النهاية لابن كثير "٢٥٣/١". ١١٣ أحمد في مسنده "٩٤/٣".
[ ١٢٩ ]
وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًالم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا" متفق عليه١١٤.
وهذه الشفاعة ينكرها المعتزلة والخوارج بناء على مذهبهم أن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة ونرد عليهم بما يأتي:
١- أن ذلك مخالف للمتواتر من الأحاديث عن النبي ﷺ.
٢- أنه مخالف لإجماع السلف.
ويشترط لهذه الشفاعة شرطان:
الأول: إذن الله في الشفاعة لقوله تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له لقوله تعالى:
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]
فأما الكافر فلا شفاعة له لقوله تعالى:
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
أي: لو فرض أن أحدًا شفع لهم لم تنفعهم الشفاعة.
وأما شفاعة النبي -ﷺ- لعمه أبي طالب حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وإنه لأهون أهل النار عذابا، قال النبي ﷺ: "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" رواه مسلم١١٦. فهذا خاص بالنبي -ﷺ- وبعمه
_________________
(١) ١١٤ حديث أبي سعيد الخدري تقدم تخريجه ص "١٢٦". ١١٥ مسلم: كتاب الإيمان: باب شفاعة النبي -ﷺ- لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه "٢٠٩" "٣٥٧" من حديث العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
[ ١٣٠ ]
أبي طالب فقط، وذلك -والله أعلم- لما قام به من نصرة النبي -ﷺ- والدفاع عنه، وعما جاء به.
[٦٧] والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥] .
الشرح
الجنة والنار:
الجنة لغة: البستان الكثير الأشجار، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للمتقين.
والنار لغة: معروفة، وشرعًا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين.
وهما مخلوقتان الآن لقوله تعالى في الجنة:
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
وفي النار:
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين﴾ [البقرة: ٢٤] .
والإعداد: التهيئة ولقوله ﷺ حين صلى صلاة الكسوف: "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع منها". متفق عليه١١٦.
_________________
(١) ١١٦ البخاري: كتاب الكسوف: باب صلاة الكسوف جماعة "١٠٥٢". مسلم: كتاب الكسوف: باب ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار "٩٠٧" "١٧" من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
[ ١٣١ ]
والجنة والنار لا تفنيان لقوله:
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: ٨] .
والآيات في تأبيد الخلود في الجنة كثيرة، وأما في النار فذكر في ثلاثة مواضع في النساء:
﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩] .
وفي الأحزاب:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥] .
وفي الجن:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
وقال الله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥] .
مكان الجنة والنار:
الجنة في أعلى عليين لقوله تعالى:
﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] .
[ ١٣٢ ]
وقوله -ﷺ- في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر: "فيقول الله -عزوجل- اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض"١١٧.
والنار في أسفل سافلين لقوله تعالى:
﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] .
وقوله ﷺ في حديث البراء بن عازب السابق: "فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى" ١١٨.
أهل الجنة وأهل النار:
أهل الجنة كل مؤمن تقي؛ لأنهم أولياء الله، قال الله تعالى في الجنة:
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] .
وأهل النار كل كافر شقي، قال الله تعالى في النار:
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] .
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار﴾ [هود: ١٠٦] .
[٦٨] ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.
_________________
(١) ١١٧، ١١٨ تقدم تخريجه من حديث البراء بن عازب المشهور في أحوال الموتى وفتنة القبر.
[ ١٣٣ ]
الشرح
ذبح الموت:
الموت زوال الحياة، وكل نفس ذائقة الموت، وهو أمر معنوي غير محسوس بالرؤية، ولكن الله تعالى يجعله شيئًا مرئيا مجسما، وَيُذْبَح بين الجنة والنار لحديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناديًا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت" ثم قرأ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] .
أخرجه البخاري في تفسير هذه الآية١١٩، وروى نحوه في صفة الجنة والنار من حديث ابن عمر مرفوعًا١٢٠.
_________________
(١) ١١٩ البخاري: كتاب التفسير من سورة مريم: باب ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] "٤٧٣٠". ١٢٠ البخاري: كتاب الرقاق: باب صفة الجنة والنار "٦٥٤٨".
[ ١٣٤ ]
فصل: حُقُوقُ الَنّبِي وَأَصَحابِهِ
[٦٩] ومحمد رسول الله -ﷺ- خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبدٍ حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته، ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته.
[٧٠] صاحب لواء الحمد والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈.
الشرح
أفضل الخلق عند الله الرسل، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، وقد ذكر الله هذه الطبقات في كتابه في قوله:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .
وأفضل الرسل أولوا العزم منهم، وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلوات من الله والتسليم، وقد ذكرهم الله في موضعين من كتابه في الأحزاب:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] .
[ ١٣٥ ]
وفي الشورى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] .
وأفضلهم محمد -ﷺ- لقوله ﷺ: "أنا سيد الناس يوم القيامة" متفق عليه١٢١، وصلاتهم خلفه ليلة المعراج وغير ذلك من الأدلة.
ثم إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء وملته أصل الملل، ثم موسى؛ لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل وشريعته أصل شرائعهم، ثم نوح وعيسى لا يجزم بالمفاضلة بينهما؛ لأن لكل منهما مزية.
خصائص النبي ﷺ
:
اختص النبي -ﷺ- بخصائص نتكلم على ما ذكر المؤلف منها:
١- خاتم النبين لقوله تعالى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
٢- سيد المرسلين وسبق دليله.
٣- لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن برسالته لقوله تعالى:
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء: ٦٥] .
_________________
(١) ١٢١ البخاري: كتاب التفسير من سورة بني إسرائيل: باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح﴾ [الإسراء: ٣] . "٤٧١٢". ومسلم: كتاب الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها "١٩٤" ٣٢٧" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٦ ]
الآية، وغيره من الأنبياء يُبْعثون إلى أقوام معينين كُلٌ إلى قومه.
٤- لا يُقْضَى بين الناس إلا بشفاعته وسبق دليل ذلك في الشفاعة.
٥- سَبْقُ أمته الأمم في دخول الجنة لعموم قوله قوله ﷺ: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" وَسبَقَ،١٢٢.
٦- صاحب لواء الحمد يحمله -ﷺ- يوم القيامة ويكون الحامدون تحته لحديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، رواه الترمذي وقد روى الأولى والأخيرة مسلم١٢٣.
٧- صاحب المقام المحمود أي: العمل الذي يحمده عليه الخالق والمخلوق لقوله تعالى:
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
وهذا المقام هو ما يحصل من مناقبه -ﷺ- يوم القيامة من الشفاعة وغيرها.
٨- صاحب الحوض المورود، والمراد الحوض الكبير الكثير واردوه، أما مجرد الحياض فقد مر أن لكل نبي حوضًا.
_________________
(١) ١٢٢ تقدم تخريجه ص "١١٩". ١٢٣ حديث صحيح: الترمذي "٣١٤٨" "٣٦١٥" وقال: حسن صحيح وأيضًا ابن ماجه "٤٣٠٨" من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- وصَحَّحه الألباني في الصحيحة "١٥٧١" وأما رواية مسلم فمن حديث أبي هريرة: كتاب الفضائل: باب تفضيل نبينا -ﷺ- على جميع الخلائق "٢٢٧٨" "٣"، بلفظ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع".
[ ١٣٧ ]
٩-١١- إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم لحديث أبي بن كعب أن النبي -ﷺ- قال: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر" رواه الترمذي وحسنه١٢٤.
١٢- أمته خير الأمم لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
فأما قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] .
فالمراد عالمي زمانهم.
[٧١] وأفضل أمته أبوبكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى -﵃ أجمعين- لما روى عبد الله بن عمر -﵄- قال: كنا نقول والنبي -ﷺ- حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان*، ثم علي، فيبلغ ذلك النبي -ﷺ- فلا ينكره ١٢٥.
[٧٢] وصحت الرواية عن علي -﵁- أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث ١٢٦.
_________________
(١) ١٢٤ حديث حسن: أخرجه أحمد "١٣٧/٥، ١٣٨" والترمذي "٣٦١٥" وقال: حديث حسن، وابن ماجه "٤٣١٤" والحاكم "٧١/١"، "٧٨/٤" وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي وحسَّنه الألباني في تخريج المشكاة "٥٧٦٨". * قال المعلق على طبعة السلفية ص "٢٥": اقتصر الحديث على هؤلاء الثلاثة في طبعة دمشق سنة ١٣٣٨، وطبعة المنار سنة ١٣٤٠، وزيد في طبعتي ١٣٥١، ١٣٥٥: "ثم علي" أ. هـ. ١٢٥ يأتي التعليق على هذا الأثر ص "١٤٢". ١٢٦ أثر صحيح: أخرجه الإمام أحمد في مسنده "١٠٦/١، ١١٠" وابنه عبد الله في زوائده "١٠٦/١، ١١٠، ١٢٧" وأحمد في فضائل الصحابة "٣٩٧" بأسانيد صحيحة وحسنه =
[ ١٣٨ ]
[٧٣] وروى أبو الدرداء عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر" ١٢٧.
[٧٤] وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي -ﷺ- لفضله وسابقته، وتقديم النبي -ﷺ- له في الصلاة على جميع الصحابة -﵃- وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.
[٧٥] ثم من بعده عمر -﵁- لفضله وعهد أبي بكر إليه.
[٧٦] ثم عثمان -﵁- لتقديم أهل الشورى له.
[٧٧] ثم علي -﵁- لفضله وإجماع أهل عصره عليه.
[٧٨] وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله -ﷺ- فيهم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ" ١٢٨.
_________________
(١) = وكذا أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة "١٢٠١" وصححه الألباني في تخريج السنة "٥٧٠/٢". ١٢٧ إسناده ضعيف: أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة "١٣٥" وابن أبي عاصم في السنة "١٢٢٤" وأبو نعيم "٣٢٥/٣" من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف فيه عنعنه "بقية" وعنعنه "ابن جريج" وهما مدلسان، وكذا ذكره الهيثمي في المجمع "٤٤/٩" من حديث أبي الدرداء وعزاه إلى الطبراني في الكبير، وقال: وفيه "بقية" وهو مدلس، وبقية رجاله وثقوا. وكذا فيه عبد الله بن سفيان الخزاعي الواسطي، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وراجع التعليق على الأثر في تخريج فضائل الصحابة للإمام أحمد بتحقيق وصي الله بن محمد بن عباس "١٥٢/١، ١٥٣". ١٢٨حديث صحيح: تقدم تخريجه من حديث العرباض بن سارية ص ٣٩.
[ ١٣٩ ]
[٧٩] وقال ﷺ: "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة" ١٢٩.
فكان آخرها خلافة علي ﵁.
الشرح
فضائل الصحابة
الصحابي من اجتمع بالنبي -ﷺ- مؤمنًا به ومات على ذلك.
وأصحاب النبي -ﷺ- أفضل أصحاب الأنبياء؛ لقول النبي ﷺ: "خير الناس قرني" ١٣٠، الحديث رواه البخاري وغيره.
_________________
(١) ١٢٩ حديث صحيح: أخرجه أبو داود "٤٦٤٦"، "٤٦٤٧" والترمذي "٢٢٢٦" وحسنه، والنسائي في فضائل الصحابة "٥٢" والحاكم "٧١/٣، ١٤٥" وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في مسنده "٢٢٠/٥، ٢٢١" وفي فضائل الصحابة "٧٨٩، ٧٩٠، ١٠٢٧" وابن حبان "١٥٣٤، ١٥٣٥" وابن أبي عاصم في السنة "٥٦٢/٢" والطبراني في الكبير "١٣، ١٣٦، ٦٤٤٢" والطيالسي "١١٠٧" والبيهقي في دلائل النبوة "٣٤/٦" من طرق عن سفينة أبي عبد الرحمن مولى رسول الله -ﷺ- به، وإسناده حسن وله شواهد ترفعه إلى مرتبة الصحيح لغيره؛ ولذا صححه وقواه غير واحد من أهل العلم منهم الإمام أحمد والترمذي وابن جرير الطبري وابن أبي عاصم وابن حبان والحاكم وابن تيمية والذهبي والحافظ ابن حجر العسقلاني، وراجع الصحيحة للألباني في بحث جيد "٤٥٩" للرد على من ضعف الحديث. ١٣٠ البخاري: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب فضائل أصحاب النبي ﷺ "٣٦٥١". ومسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم "٢٥٣٣" "٢١٢" من حديث ابن مسعود -﵁- وفي الباب عن عمران بن حصين: عند البخاري "٢٥٦١"، "٣٦٥٠"، "٦٤٣٨"، "٦٦٩٥" ومسلم "٢٥٣٥". وعن أبي هريرة: عند مسلم "٥٣٤" "٢١٢"، وغيرهم. وهو حديث متواتر صرح بتواتُره الحافظ ابن حجر في مقدمة الإصابة.
[ ١٤٠ ]
وأفضل الصحابة المهاجرون لجمعهم بين الهجرة والنصرة ثم الأنصار.
وأفضل المهاجرين الخلفاء الأربعة الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.
فأبو بكر هو الصديق: عبد الله بن عثمان بن عامر بن بني تيم بن مرة بن كعب، أول من آمن برسول الله -ﷺ- من الرجال، وصاحبه في الهجرة ونائبه في الصلاة والحج، وخليفته في أمته، أسلم على يديه خمسة من المبشرين بالجنة: عثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، توفي في جمادى الآخرة سنة ١٣هـ عن ٦٣ سنة، وهؤلاء الخمسة مع أبي بكر وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة هم الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام، قاله ابن إسحاق يعني من الذكور بعد الرسالة.
وعمر: هو أبو حفص الفاروق عمر بن الخطاب من بني عدي بن كعب بن لؤي، أسلم في السنة السادسة من البعثة بعد نحو أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، ففرح المسلمون به وظهر الإسلام بمكة بعده، استخلفه أبو بكر على الأمة فقام بأعباء الخلافة خير قيام إلى أن قتل شهيدًا في ذي الحجة سنة ٢٣هـ عن ٦٣ سنة.
وعثمان: هو أبو عبد الله ذو النورين عثمان بن عفان من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلم قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم، كان غنيا سخيا تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب باتفاق أهل الشورى إلى أن قتل شهيدًا في ذي الحجة سنة ٣٥هـ عن ٩٠ سنة على أحد الأقوال.
وعلي: وهو أبو الحسن علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، أول من أسلم من الغلمان، أعطاه رسول الله -ﷺ- الراية يوم خيبر ففتح الله على يديه، وبويع بالخلافة بعد قتل عثمان -﵄- فكان هو الخليفة شرعًا إلى أن قتل شهيدًا في رمضان سنة ٤٠هـ عن ٦٣ سنة.
[ ١٤١ ]
وأفضل هؤلاء الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي؛ لحديث ابن عمر ﵄: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي -ﷺ- فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان". رواه البخاري ١٣١، ولأبي داود: كنا نقول ورسول الله -ﷺ- حَيُّ: أفضل أمة النبي -ﷺ- بعده أبوبكر ثم عمر ثم عثمان، زاد الطبراني في رواية: "فيسمع ذلك النبي -ﷺ- فلا ينكره" هذا ولم أجد اللفظ ذكره المؤلف بزيادة علي بن أبي طالب١٣٢.
وأحقهم بالخلافة بعد النبي -ﷺ- أبو بكر -﵁؛ لأنه أفضلهم وأسبقهم إلى الإسلام، ولأن النبي -ﷺ- قدمه في الصلاة، ولأن الصحابة -﵃- أجمعوا على تقديمه ومبايعته، ولا يجمعهم الله على ضلالة، ثم عمر -﵁- لأنه أفضل الصحابة بعد أبي بكر، ولأن أبا بكر عهد بالخلافة إليه، ثم عثمان، ﵁؛ لفضله وتقديم أهل الشورى له وهم المذكورون في هذا البيت:
علي وعثمان وسعد وطلحة زبير وذو عوف رجال المشورة
_________________
(١) ١٣١ البخاري: كتاب فضائل الصحابة: باب فضل أبي بكر بعد النبي -ﷺ- "٣٦٥٥" وفي لفظ للبخاري "٣٦٩٧": كنا في زمن النبي -ﷺ- لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي -ﷺ- لا نفاضل بينهم. ١٣٢ إسناده صحيح: أبو داود "٤٦٢٨" والترمذي "٣٧٠٧" وابن أبي عاصم في السنة "١١٩٠" وإسناده صحيح كمال قال الألباني في تخريج السنة "٥٦٧/٢". وأما الزيادة التي ذكرها الشيخ العثيمين عند الطبراني وهي: "فيسمع ذلك النبي -ﷺ- فلا ينكره" فهي زيادة صحيحة ثابتة من طرق كثيرة عند ابن أبي عاصم في السنة "١١٩٤، ١١٩٥، ١١٩٦، ١١٩٧" وأحمد "١٤/٢" وغيرهم بأسانيد صحيحة وراجع تخريج السنة لابن أبي عاصم "٥٦٨/٢، ٥٦٩" وكذا فتح الباري "١٦/٧، ١٧".
[ ١٤٢ ]
ثم علي: ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه.
وهؤلاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال فيهم النبي ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عَضُّوا عليها بالنواجذ" ١٣٣.
وقال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة". رواه أحمد وأبو داود والترمذي، قال الألباني: وإسناده حسن، فكان آخرها خلافة علي، هكذا قال المؤلف وكأنه جعل خلافة الحسن تابعة لأبيه، أو لم يعتبرها حيث إنه -﵁- تنازل عنها.
فخلافة أبي بكر -﵁- سنتان وثلاثة أشهر وتسع ليال، من ١٣ ربيع الأول سنة ١١هـ إلى ٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٣هـ.
وخلافة عمر -﵁ - عشر سنوات وستة أشهر وثلاثة أيام، من ٢٣ جمادى الآخرة سنة ١٣هـ إلى ٢٦ ذي الحجة سنة ٢٣هـ.
وخلافة عثمان -﵁- اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا، من ١ محرم سنة ٢٤هـ إلى ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥هـ.
وخلافة علي -﵁- أربع سنوات وتسعة أشهر من ١٩ ذي الحجة سنة ٣٥هـ إلى ١٩ رمضان سنة ٤٠هـ.
فجموع خلافة هؤلاء الأربعة تسع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة أيام.
ثم بويع الحسن بن علي -﵄- يوم مات أبوه علي -﵁- وفي ربيع الأول سنة ٤١هـ سلم الأمر إلى معاوية وبذلك ظهرت آية النبي -ﷺ- في قوله: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" وقوله في الحسن: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين". رواه البخاري١٣٤.
_________________
(١) ١٣٣ تقدم تخريجه ص "٣٩". ١٣٤ البخاري: كتاب الصلح: باب قول النبي -ﷺ- للحسن بن علي "٢٧٠٤" من حديث أبي بكرة -﵁- ضمن رواية مطولة.
[ ١٤٣ ]
فالحسن سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته وهو أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولد في ١٥ رمضان سنة ٣هـ ومات في المدينة ودفن في البقيع في ربيع الأول ٥٠هـ.
والحسين سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته وهو ابن علي بن أبي طالب -﵁- ولد في شعبان سنة ٤هـ وَقُتِل في كربلاء في ١٠ محرم سنة ٦١هـ، وثابت وهو ابن قيس بن شماس الأنصاري الخررجي خطيب الأنصار قتل شهيدًا يوم اليمامة سنة ١١هـ في آخرها أو أول سنة ١٢هـ.
[٨٠] ونشهد للعشرة بالجنة، كما شهد لهم النبي -ﷺ- فقال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة".
[٨١] وكل من شهد له النبي -ﷺ- بالجنة شهدنا له بها، كقوله: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". وقوله لثابت بن قيس: "إنه من أهل الجنة".
[٨٢] ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، إلا من جزم له الرسول -ﷺ- لكنا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
الشرح
الشهادة بالجنة أو بالنار
الشهادة بالجنة أو بالنار ليس للعقل فيها مدخل فهي موقوفة على الشرع، فمن شهد له الشارع بذلك شهدنا له، ومن لا فلا، لكننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.
[ ١٤٤ ]
وتنقسم الشهادة بالجنة أو بالنار إلى قسمين عامة وخاصة:
فالعامة: هي المعلّقة بالوصف مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة أو لكل كافر بأنه في النار أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سببًا لدخول الجنة أو النار.
والخاصة: هي المعلقة بشخص: مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعين إلا ما عينه الله أو رسوله.
المعينون من أهل الجنة
المعينون من أهل الجنة كثيرون ومنهم: العشرة المبشرون بالجنة، وخُصُّوا بهذا الوصف؛ لأن النبي -ﷺ- جمعهم في حديث واحد فقال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" رواه الترمذي وصححه الألباني١٣٥.
وقد سبق الكلام على الخلفاء الأربعة وأما الباقون فجمعوا في هذا البيت:
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة
وعامر فهر والزبير المُمَدَّح
فطلحة: هو ابن عبيد الله من بني تيم بن مرة أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، قتل يوم الجمل في جمادى الآخرة سنة ٣٦هـ عن ٦٤ سنة.
_________________
(١) ١٣٥ حديث صحيح: أخرجه أبو داود "٤٦٤٩"، "٤٦٥٠" والترمذي "٣٧٤٨" و"٣٧٥٧" وابن ماجه "١٣٤" وأحمد "١٨٧/١، ١٨٨، ١٨٩" وفي فضائل الصحابة "٨٧، ٩٠، ٢٢٥" وابن أبي عاصم "١٤٢٨، ١٤٣١، ١٤٣٦" والحاكم "٤٤٠/٤" والنسائي في الفضائل "٨٧، ٩٠، ٩٢، ١٠٦" وأبو نعيم "٩٥/١" وغيرهم من حديث سعيد بن زيد مرفوعًا، وإسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير "٤٠١٠". وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف: أخرجه الترمذي "٣٧٤٨" وأحمد "١٩٣/١" وفي الفضائل "٢٧٨" والنسائي في الفضائل "٩١" والبغوي في شرح السنة "٣٩٢٥" بإسنادٍ صحيحٍ.
[ ١٤٥ ]
والزبير: هو ابن العوام من بني قُصَي بن كلاب ابن عمة رسول الله -ﷺ- انصرف يوم الجمل عن قتال علي فلقيه ابن جرموز فقتله في جمادي الأولى سنة ٣٦ عن ٦٧ سنة.
وعبد الرحمن بن عوف: من بني زهرة بن كلاب توفي سنة ٣٢هـ عن ٧٢ سنة ودفن بالبقيع.
وسعد بن أبي وقاص: هو ابن مالك من بني عبد مناف ابن زهرة، أول من رَمَى بسهم في سبيل الله، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ودفن بالبقيع سنة ٥٥هـ عن ٨٢ سنة.
وسعيد بن زيد: هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، كان من السابقين إلى الإسلام، توفي بالعقيق ودفن بالمدينة سنة ٥١هـ عن بضع وسبعين سنة.
أبو عبيدة: هو عامر بن عبد الله بن الجراح من بني فهر من السابقين إلى الإسلام، توفي في الأردن في طاعون عَمْواس سنة ١٨هـ عن ٥٨ سنة.
وممن شهد له النبي -ﷺ- بالجنة، الحسن والحسين وثابت بن قيس.
قال النبي ﷺ: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح١٣٦.
_________________
(١) ١٣٦ حديث صحيح: أخرجه الترمذي "٣٧٦٨" وأحمد "١٦٦/٣، ١٦٧" والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف "٣٩٠/٣" وابن حبان "٢٢٢٨ - موارد" والحاكم "١٦٦/٣، ١٦٧" والخطيب في تاريخ "٢٠٧/٤، ٩٠/١١" وأبو نعيم في الحلية "٧١/٥" من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الألباني في الصحيحة "٧٩٦": وهو كما قال. أ. هـ، وأورد له طرقًا كثيرة عن جمع من الصحابة، ثم قال: وبالجملة فالحديث صحيح بلا ريب، بل متواتر كما نقله المناوي أ. هـ.
[ ١٤٦ ]
وقال -ﷺ- في ثابت بن قيس: "إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة" رواه البخاري١٣٧.
المُعيَّنون من أهل النار في الكتاب والسنة
من المعينين بالقرآن أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي -ﷺ- وامرأته أم جميل أَرْوى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان لقوله تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] إلى آخر السورة.
ومن المعينين بالسنَّة أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب لقول النبي ﷺ: "أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه" رواه البخاري١٣٨.
_________________
(١) ١٣٧ البخاري: كتاب المناقب: باب علامات النبوة "٣٦١٣". ومسلم: كتاب الإيمان: باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله "١١٩" "١٨٧" من حديث أنس ﵁. ١٣٨ أخرجه بهذا اللفظ: مسلم: كتاب الإيمان: باب أهون أهل النار عذابًا "٢١٢" "٣٦٢" من حديث ابن عباس ﵄. وأخرجه البخاري "٦٥٦١" ومسلم "٢١٣" "٣٦٤" من حديث النعمان بن بشير بلفظ: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه".
[ ١٤٧ ]
ومنهم عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي قال النبي ﷺ: "رأيته يجر أمعاءه في النار" رواه البخاري وغيره ١٣٩.
[٨٣] ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعملٍ.
[٨٤] ونرى الحج والجهاد ماضيًا مع طاعة كل إمام، بَرًّا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة.
[٨٥] قال أنس: قال النبي ﷺ: "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله -﷿- حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار". رواه أبو داود١٤٠.
_________________
(١) ١٣٩ البخاري: كتاب التفسير من سورة المائدة: باب ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَة﴾ "٤٦٢٤" من حديث عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: "رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا ورأيت عَمْرًا يجر قصبه، وهو أول من سيب السوائب". وفي الباب عن جابر في حديث الكسوف الطويل وفيه "ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك يجر قصبه في النار" أخرجه مسلم "٩٠٤" "٩". وقُصْبُهُ: أَمْعَاؤه. ١٤٠ حديث ضعيف: أخرجه أبو داود "٢٥٣٢" وأبو عبيد القاسم بن سلام في الإيمان ص "٤٧" وإسناده ضعيف فيه يزيد بن أبي نشبة، وهو مجهول كما في التقريب وضعف إسناده المنذري في مختصر سنن أبي داود "٣٨٠/٣" لهذا السبب.
[ ١٤٨ ]
الشرح
تكفير أهل القبلة بالمعاصي
أهل القبلة هم المسلمون المصلون إليها لا يكفرون بفعل الكبائر ولا يخرجون من الإسلام بذلك ولا يخلدون في النار؛ لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] .
إلى قوله:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] .
فأثبت الإخوة الإيمانية مع القتال وهو من الكبائر، ولو كان كفرًا لانتفت الإخوة الإيمانية.
وقال النبي -ﷺ- يقول الله تعالى: "من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه" يعني من النار، متفق عليه١٤١.
وخالف في هذا طائفتان:
الأولى: الخوارج قالوا: فاعل الكبيرة كافر خالد في النار.
الثانية: المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان ليس بمؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين وهو خالد في النار، ونرد على الطائفتين بما يأتي:
١- مخالفتهم لنصوص الكتاب والسنة.
٢- مخالفتهم لإجماع السلف.
_________________
(١) ١٤١ تقدم تخريجه ص "١٠٠".
[ ١٤٩ ]
[٨٦] ومن السنة تَوَلي أصحاب رسول الله -ﷺ- ومحبتهم وذكر محاسنهم والتَّرحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] .
وقال تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
الشرح
حقوق الصحابة ﵃
للصحابة -﵃- فضل عظيم على هذه الأمة حيث قاموا بنصرة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وحفظ دين الله بحفظ كتابه وسنة رسوله -ﷺ- علما وعملا وتعليما حتى بَلَّغُوه الأمة نقيا طريا.
وقد أثنى الله عليهم في كتابه أعظم ثناء حيث يقول في سورة الفتح:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة.
[ ١٥٠ ]
وحمى رسول الله -ﷺ- حمى كرامتهم حيث يقول ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" متفق عليه١٤٢. فحقوقهم على الأمة من أعظم الحُقُوق فلهم على الأمة:
١- محبتهم بالقلب والثناء عليهم باللسان بما أسدوه من المعروف والإحسان.
٢- الترحم عليهم والاستغفار لهم تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
٣- الكف عن مساوئهم التي إن صدرت عن أحد منهم فهي قليلة بالنسبة لما لهم من المحاسن والفضائل وربما تكون صادرة عن اجتهاد مغفور وعمل معذور لقوله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي" الحديث.
[٨٧] وقال النبي ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ١٤٣.
_________________
(١) ١٤٢ البخاري: كتاب فضائل الصحابة: باب قول النبي ﷺ: "لو كنت متخذًا خليلا " "٣٦٧٣". ومسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب تحريم سب الصحابة "٢٥٤١" "٢٢٢" من حديث أبي سعيد الخدري ﵃. *مُدَّ أحدهم: المُدُّ بضم الميم ربع الصاع، والنَّصيف: بمعنى النصف. ١٤٣ تقدم تخريجه.
[ ١٥١ ]
الشرح
حكم سب الصحابة
سب الصحابة على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفر أكثرهم أو أن عامتهم فسقوا فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله بالثناء عليهم والترضي عنهم، بل من شك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ لأن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب أو السنة كفار أو فساق.
الثاني: أن يسبهم باللعن والتقبيح ففي كفره قولان لأهل العلم، وعلى القول بأنه لا يكفر يجب أن يجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عما قال.
الثالث: أن يسبهم بما لا يقدح في دينهم، كالجبن والبخل فلا يكفر ولكن يُعَزَّر بما يردعه عن ذلك، ذكر معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الصارم المسلول ونقل عن أحمد في ص: ٥٧٣، قوله: لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص فَمَنْ فعل ذلك أُدِّبَ فإن تاب وإلا جلد في الحبس حتى يموت أو يرجع.
[٨٨] ومن السنة: التَّرضى عن أزواج رسول الله -ﷺ- أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهم خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي -ﷺ- في الدُّنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.
الشرح
حقوق زوجات النبي ﷺ
زوجات النبي -ﷺ- زوجاته في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين ولهن من الحرمة والتعظيم ما يليق بهن كزوجات لخاتم النبيين فهن من آل بيته طاهرات
[ ١٥٢ ]
مطهرات طيبات مطيبات بريئات مبرآت من كل سوء يقدح في أعراضهن وفرشهن، فالطيبات للطيبيين والطيبون للطيبات فرضي الله عنهن وأرضاهن أجمعين وصلى الله وسلم على نبيه الصادق الأمين.
زوجاته -ﷺ- اللاتي كان فراقهن بالوفاة وهن:
١- خديجة بنت خويلد أم أولاده ما عدا إبراهيم، تزوجها رسول الله -ﷺ- بعد زوجين الأول عتيق بن عابد والثاني أبو هالة التميمي، ولم يتزوج -ﷺ- عليها حتى ماتت سنة ١٠هـ من البعثة قبل المعراج.
٢- عائشة بنت أبي بكر الصديق أريها -ﷺ- في المنام١٤٤ مرتين أو ثلاثة، وقيل: هذه امرأتك، فعقد عليها وله ست سنين بمكة ودخل عليها في المدينة ولها تسع سنين، توفيت سنة ٥٨هـ.
٣- سودة بنت زمعة العامرية، تزوجها بعد زوج مسلم هو السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، توفيت آخر خلافة عمر وقيل: سنة ٥٤هـ.
٤- حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها -ﷺ- بعد زوج مسلم هو خنيس بن حذافة الذي قتل في أحد وماتت سنة ٤١هـ.
٥- زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، تزوجها بعد استشهاد زوجها عبد الله بن جحش في أُحد وماتت سنة ٤هـ بعد زواجها بيسير.
٦- أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، تزوجها بعد موت زوجها أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد من جراحة أصابته في أُحد وماتت سنة ٦١هـ.
٧- زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته -ﷺ- تزوجها بعد مولاه زيد بن حارثة سنة ٥هـ، وماتت سنة ٢٠هـ.
_________________
(١) ١٤٤ البخاري: كتاب مناقب الأنصار: باب تزويج النبي -ﷺ- عائشة. "٣٨٩٥". ومسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب فضل عائشة. "٢٤٣٨" "٧٩" من حديث عائشة ﵂.
[ ١٥٣ ]
٨- جويرية بنت الحارث الخزاعية تزوجها بعد زوجها مسافع بن صفوان، وقيل: مالك بن صفوان سنة ٦هـ، وماتت سنة ٥٦هـ.
٩- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، تزوجها بعد زوج أسلم ثم تنصر هو عبيد الله بن جحش، وماتت في المدينة في خلافة أخيها سنة ٤٤هـ.
١٠- صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من ذرية هارون بن عمران -ﷺ- أعتقها وجعل عتقها صداقها بعد زوجين أولهما سلام بن مشكم، والثاني: كنانة بن أبي الحقيق بعد فتح خيبر سنة ٦هـ، وماتت سنة ٥٠هـ.
١١- ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها سنة ٧هـ في عمرة القضاء بعد زوجين، الأول ابن عبد ياليل، والثاني أبو رهم بن عبد العزى، بنى بها في سرف، وماتت فيه سنة ٥١هـ.
فهذه زوجات النبي -ﷺ- اللاتي كان فراقهن بالوفاة اثنتان توفيتا قبله وهما: خديجة وزينب بن خزيمة، وتسع توفي عنهن وهن البواقي.
وبقى اثنتان لم يدخل بهما ولا يثبت لهما من الأحكام والفضيلة ما يثبت للسابقات وهما:
١- أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها النبي -ﷺ- ثم فارقها، واختلف في سبب الفراق، فقال ابن اسحق: إنه وجد في كشحها بياضًا ففارقها فتزوجها بعده المهاجر بن أبي أمية.
٢- أميمة بنت النعمان بن شراحيل الجونية، وهي التي قالت: أعوذ بالله منك١٤٥ ففارقها والله أعلم.
_________________
(١) ١٤٥ راجع تلخيص الحبير لابن حجر "١٣٢/٢، ١٣٣".
[ ١٥٤ ]
وأفضل زوجات النبي -ﷺ- خديجة وعائشة ﵄، ولكل منهما مزية على الأخرى١٤٦، فلخديجة في أول الإسلام ما ليس لعائشة من السبق والمؤازرة والنصرة، ولعائشة في آخر الأمر ما ليس لخديجة من نشر العلم ونفع الأمة، وقد برأها الله مما رماها به أهل النفاق من الإفك في سورة النور.
قذف أمهات المؤمنين
قذف عائشة بما برأها الله منه كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم أصحهما أنه كفر؛ لأنه قدح في النبي -ﷺ- فإن الخبيثات للخبيثين.
[٨٩] ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وَحْي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃.
الشرح
معاوية بن أبي سفيان
هو أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب، ولد قبل البعثة بخمس سنين، وأسلم عام الفتح، وقيل: أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه وَلَّاه عمر الشام
_________________
(١) ١٤٦ قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء "١٤٠/٢" في ترجمة أم المؤمنين عائشة: وكانت امرأة بيضاء جميلة ومن ثم يقال لها الحميراء، ولم يتزوج النبي -ﷺ- بكرًا غيرها، ولا أحب امرأة حبها، ولا أعلم في أمة محمد -ﷺ- بل ولا في النساء مطلقا امرأة أعلم منها، وذهب بعض العلماء إلى أنها أفضل من أبيها وهذا مردود وقد جعل الله لكل شيء قدرا، بل نشهد أنها زوجة نبينا في الدنيا والآخرة، فهل فوق ذلك مفخر؟ وإن كان للصديق خديجة شأوٌ لا يلحق وأنا واقف في أيتهما أفضل، نعم جزمت بأفضلية خديجة عليها لأمور ليس هذا موضعها. أ. هـ.
[ ١٥٥ ]
واستمر عليه وتسمى بالخلافة بعد الحكمين عام ٣٧هـ، واجتمع الناس عليه بعد تنازل الحسن بن علي سنة ٤١هـ، كان يكتب للنبي -ﷺ- ومن جُمْلة كُتَّاب الوحي، توفي في رجب سنة ٦٠هـ عن ٧٨ سنة، وإنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه، وسماه خال المؤمنين؛ لأنه أخو أم حبيبة إحدى أمهات المؤمنين، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ص: ١٩٩، ج: ٢ نزاعًا بين العلماء، هل يُقَال لإخوة أمهات المؤمنين أخوال المؤمنين أم لا؟
[٩٠] ومن السنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، مالم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.
[٩١] ومن وَلِىَ الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وَسُمَّى أمير المؤمنين، وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين.
الشرح
الخلافة
الخلافة منصب كبير ومسئولية عظيمة وهي تَوَلّى تدبير أمور المسلمين بحيث يكون هو المسئول الأول في ذلك، وهي فرض كفاية؛ لأن أمور الناس لا تقوم إلا بها، وتحصل الخلافة بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: النص عليه من الخليفة السابق كما في خلافة عمر بن الخطاب فإنها بنص من أبي بكر ﵁.
الثاني: اجتماع أهل الحل والعقد سواء كانوا معينين من الخليفة السابق كما في خلافة عثمان -﵁- فإنها باجتماع من أهل الحل والعقد المعينين من قبل عمر بن
[ ١٥٦ ]
الخطاب -﵁- أم غير معينين كما في خلافة أبي بكر -﵁- على أحد الأقوال، وكما في خلافة علي ﵁.
الثالث: القهر والغلبة كما في خلافة عبد الملك بن مروان حين قتل ابن الزبير وتمت الخلافة له.
حكم طاعة الخليفة
طاعة الخليفة وغيره من ولاة الأمور واجبة في غير معصية الله لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
ولقوله ﷺ: "السمع والطاعة على المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" متفق عليه١٤٧.
وسواء كان الإمام بَرًّا: وهو القائم بأمر الله فعلا وتركًا، أو فاجرًا: وهو الفاسق؛ لقوله ﷺ: "إلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة". رواه مسلم١٤٨.
والحج والجهاد مع الأئمة ماضيان نافدان وصلاة الجمعة خلفهم جائزة سواء كانوا أبرارًا أو فجارًا؛ لأن مخالفتهم في ذلك توجب شق عصا المسلمين والتمرد عليهم.
_________________
(١) ١٤٧ البخاري: كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة "٧١٤٤". ومسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء. "١٨٣٩" "٣٨" من حديث ابن عمر ﵄. ١٤٨ مسلم: كتاب الإمارة: باب خيار الأئمة وشرارهم "١٨٥٥" "٦٦" من حديث عوف بن مالك ﵁.
[ ١٥٧ ]
والحديث الذي ذكره المؤلف: "ثلاث من أصل الإيمان إلخ" ضعيف، كما رمز له السيوطي في الجامع الصغير وفيه راوٍ، قال المزي: إنه مجهول، وقال المنذري في مختصر أبي داود: شبه مجهول١٤٩.
والثلاث خصال المذكورة فيه هي: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، والثانية: الجهاد ماضٍ إلخ، والثالثة: الإيمان بالأقدار.
والخروج على الإمام محرم، لقول عبادة بن الصامت ﵁: بايعنا رسول الله -ﷺ- على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان. متفق عليه١٥٠.
وقال ﷺ: "يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ماصلوا لا ماصلوا".
أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه. رواه مسلم١٥١.
ومن فوائد الحديثين أن ترك الصلاة كفر بواح؛ لأن النبي -ﷺ- لم يجز الخروج على الأئمة إلا بكفر بواح، وجعل المانع من قتالهم فعل الصلاة، فدل على أن تركها مبيح لقتالهم، وقتالهم لا يباح إلا بكفر بواحٍ كما في حديث عبادة.
_________________
(١) ١٤٩ تقدم تخريجه ص "١٤٨". ١٥٠ البخاري: كتاب الفتن: باب قول النبي ﷺ: "سترون بعدي أمورًا " "٧٠٥٥" "٧٠٥٦". ومسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء. "١٧٠٩" "٤٢" من حديث عبادة بن الصامت ﵁. ١٥١ مسلم: كتاب الإمارة: باب خيار الأئمة "١٨٥٤" "٦٣" "٦٤" من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ١٥٨ ]
[٩٢] ومن السُّنة: هجران أهل البدع، ومُبَاينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدِّين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثةٍ في الدِّين بدعة.
الشرح
هجران أهل البدع
الهجران مصدر هَجَرَ وهو لغة: الترك والمراد بهجران أهل البدع الابتعاد عنهم، وترك محبتهم وموالاتهم والسلام عليهم وزيارتهم وعيادتهم ونحو ذلك.
وهجران أهل البدع واجب لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
ولأن النبي -ﷺ- هجر كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلَّفوا عن غزوة تبوك١٥٢.
لكن إن كان في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك، وربما يكون ذلك مطلوبًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
وهذا قد يكون بالمجالسة والمشافهة وقد يكون بالمراسلة والمكاتبة، ومن هجر أهل البدع ترك النَّظر في كتبهم خوفًا من الفتنة بها أو ترويجها بين الناس فالابتعاد
_________________
(١) ١٥٢ قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه في الصحيحين: البخاري "٤٤١٨" ومسلم "٢٧٦٩" "٥٣". وراجع الكلام على فقه القصة وما فيها من الفوائد والحكم في كتاب زاد المعاد لابن القيم "٥٥٨/٣".
[ ١٥٩ ]
عن مواطن الضلال واجب لقوله -ﷺ- في الدجال: "من سمع به فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات". رواه أبو داود، قال الألباني: وإسناده صحيح١٥٣.
لكن إن كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها فلا بأس بذلك لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به، وكان قادرًا على الرد عليهم بل ربما واجبًا؛ لأن رد البدعة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الجدال والخصام في الدين
الجدال: مصدر جادل، والجدل منازعة الخصم للتغلب عليه، وفي القاموس الجدل: اللدد في الخصومة، والخصام المجادلة فَهُمَا بمعنى واحد.
وينقسم الخصام والجدال في الدين إلى قسمين:
الأول: أن يكون الغرض من ذلك إثبات الحق وإبطال الباطل وهذا مأمور به إما وجوبًا أو استحبابًا بحسب الحال لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
الثاني: أن يكون الغرض منه التعنيت أو الانتصار للنفس أو للباطل فهذا قبيح منهي عنه لقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] .
_________________
(١) ١٥٣ حديث صحيح: أخرجه أحمد "٤٣/٤، ٤٤١" وأبو داود "٤٣١٩" والحاكم "٥٣١/٤"، من حديث عمران بن حصين. وقد صححه الألباني في صحيح الجامع "٦٣٠١" وتخريج المشكاة "٥٤٨٨".
[ ١٦٠ ]
وقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] .
[٩٣] وكل مُتَّسمٍ بغير الإسلام والسُّنة مبتدع، كالرافضة، والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها.
الشرح
علامة أهل البدع وذكر بعض طوائفهم:
لأهل البدع علامات منها:
١- أنهم يتصفون بغير الإسلام والسنة بما يحدثونه من البدع القولية والفعلية والعقائدية.
٢- أنهم يتعصبون لآرائهم فلا يرجعون إلى الحق وإن تبين لهم.
٣- أنهم يكرهون أئمة الإسلام والدين.
ومن طوائفهم:
١- الرافضية: وهم الذين يغلون في آل البيت ويُكَفَّرون من عداهم من الصحابة أو يفسقونهم، وهم فرق شتى فمنهم الغلاة الذين ادعوا أن عليًا إله ومنهم دون ذلك.
وأول ما ظهرت بدعتهم في خلافة علي بن أبي طالب حين قال له عبد الله بن سبأ: أنت الإله، فأمر علي -﵁- بإحراقهم وهرب زعيمهم عبد الله بن سبأ إلى المدائن.
[ ١٦١ ]
ومذهبهم في الصفات مختلف، فمنهم المشبه ومنهم المعطل ومنهم المعتدل، وسموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه عن أبي بكر وعمر -﵄- فترحم عليهما فرفضوه وأبعدوا عنه. وسموا أنفسهم شيعة؛ لأنهم يزعمون أنهم يتشيعون لآل البيت وينتصرون لهم ويطالبون بحقهم في الإمامة.
٢- الجهمية: نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي قتله سالم أو سلم بن أحوز سنة ١٢١هـ، مذهبهم في الصفات التعطيل والنفي، وفي القدر القول بالجبر، وفي الإيمان القول بالإرجاء، وهو أن الإيمان مجرد الإقرار بالقلب وليس القول والعمل من الإيمان، ففاعل الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، فهم معطلة جبرية مرجئة وهم فرق كثيرة.
٣- الخوارج: وهم الذين خرجوا لقتال علي بن أبي طالب بسبب التحكيم.
مذهبهم التبرؤ من عثمان وعلي والخروج على الإمام إذا خالف السنة، وتكفير فاعل الكبيرة وتخليده في النار وهم فرق عديدة.
٤- القدرية: وَهُم الذين يقولون بنفي القدر عن أفعال العبد وأن العبد إرادة وقدرة مستقلين عن إرادة الله وقدرته، وأول من أظهر القول به معبد الجهني في أواخر عصر الصحابة، تلقاه عن رجل مجوسي في البصرة، وهما فرقتان غلاة وغير غلاة فالغلاة ينكرون علم الله وإرادته وقدرته وخلقه لأفعال العبد وهؤلاء انقرضوا أو كادوا، وغير الغلاة يؤمنون بأن الله عالم بأفعال العباد لكن ينكرون وقوعها بإرادة الله وقدرته وخلقه وهو الذي استقر عليه مذهبهم.
٥- المرجئة: وهم الذين يقولون بإرجاء العمل عن الإيمان، أي تأخيره عنه، فليس العمل عندهم من الإيمان، والإيمان مجرد الإقرار بالقلب، فالفاسق عندهم مؤمن كامل الإيمان وإن فعل ما فعل من المعاصي أو ترك ما ترك من الطاعات وإذا حكمنا
[ ١٦٢ ]
بكفر من ترك بعض شرائع الدين فذلك لعدم الإقرار بقلبه لا لترك هذا العمل، وهذا مذهب الجهمية وهو مع مذهب الخوارج على طرفي نقيض.
٦- المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري وقرر أن الفاسق في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر وهو مخلد في النار وتابعه في ذلك عمرو بن عبيد، ومذهبهم في الصفات التعطيل كالجهمية، وفي القدر قدرية ينكرون تعلق قضاء الله وقدره بأفعال العبد، وفي فاعل الكبيرة أنه مخلد في النار وخارج من الإيمان في منزلة بين منزلتين، الإيمان والكفر، وهم عكس الجهمية في هذين الأصلين.
٧- الكرامية: أتباع محمد بن كرام المتوفى سنة ٢٥٥هـ، يميلون إلى التشبيه والقول بالإرجاء وهم طوائف متعددة.
٨- السالمة: أتباع رجل يقال له ابن سالم يقولون بالتشبيه.
وهذه هي الطوائف التي ذكرها المؤلف ثم قال: ونظائرهم مثل الأشعرية أتباع الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، كان في أول أمره يميل إلى الاعتزال حتى بلغ الأربعين من عمره ثم أعلن توبته من ذلك وبين بطلان مذهب المعتزلة وتمسك بمذهب أهل السنة -﵀- أما من ينتسبون إليه فبقوا على مذهب خاص يعرف بمذهب الأشعرية، لا يثبتون من الصفات إلا سبعًا زعموا أن العقل دل عليها، ويؤولون ما عداها وهي المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له إرادة وكذلك السمع والبصر
ولهم بدع أخرى في معنى الكلام والقدر وغير ذلك.
[٩٤] وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين كالطَّوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مُثَابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.
[ ١٦٣ ]
[٩٥] نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسُّنة، ويجعلنا ممن يتَّبع رسول الله -ﷺ- في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله، آمين.
وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
الشرح
الخلاف في الفروع
الفروع: جمع فرع وهو لغة: ما بني غلى غيره، واصطلاحًا: ما لا يتعلق بالعقائد، كمسائل الطهارة والصلاة ونحوها.
والاختلاف فيها ليس بمذموم حيث كان صادرًا عن نية خالصة واجتهاد لا عن هوى وتعصب؛ لأنه وقع في عهد النبي -ﷺ- ولم ينكره حيث قال في غزوة بني قريظة: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فحضرت الصلاة قبل وصولهم فأخر بعضهم الصلاة حتى وصلوا بني قريظة وصلى بعضهم حين خافوا خروج الوقت، ولم ينكر النبي -ﷺ- على واحد منهم" رواه البخاري١٥٤، ولأن الاختلاف فيها موجود في الصحابة وهم خير القرون؛ ولأنه لا يورث عداوة ولا بغضاء ولا تفرق كلمة بخلاف الاختلاف في الأصول.
وقول المؤلف: المختلفون فيه محمودون في اختلافهم، ليس ثناء على الاختلاف فإن الاتفاق خير منه وإنما المراد به نفي الذم عنه، وأن كل واحد محمود على ما قال؛ لأنه مجتهد فيه مريد للحق فهو محمود على اجتهاده واتباع ما ظهر له من الحق وإن كان قد
_________________
(١) ١٥٤ البخاري: كتاب صلاة الخوف: باب الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً "٩٤٦" من حديث ابن عمر ﵄.
[ ١٦٤ ]
لا يصيب الحق وقوله: إن الاختلاف في الفروع رحمة وإن اختلافهم رحمة واسعة، أي داخل في رحمة الله وعفوه حيث لم يكلفهم أكثر مما يستطيعون ولم يلزمهم بأكثر مما ظهر لهم، فليس عليهم حرج في هذا الاختلاف بل هم فيه داخلون تحت رحمة الله وعفوه إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.
الإجماع وحكمه
الإجماع لغة: العزم والاتفاق، واصطلاحًا: اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد -ﷺ- على حكم شرعي بعد النبي -ﷺ- وهو حجة لقوله تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] .
وقول النبي ﷺ: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". رواه الترمذي١٥٥.
_________________
(١) ١٥٥ حديث صحيح: أخرجه الترمذي "٢١٦٧" وابن أبي عاصم في السنة "٨٠" والحاكم "١١٥/١، ١١٦" والخطيب في الفقيه والمتفقة "٦١/١" من حديث ابن عمر، وقال الترمذي "حديث غريب" وإسناده ضعيف كما في تخريج السنة للألباني "٤٠/١" وله طريق آخر عند الطبراني في الكبير "٤٤٧/١٢" وإسناده حسن، وقال الهيثمي في المجمع "٢١٨/٥": رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات رجالِ الصحيح خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة. أ. هـ. وللحديث شواهد كثيرة: منها حديث ابن عباس مرفوعا "لا يجمع الله أمتى -أو قال هذه الأمة- على ضلالة ويد الله على الجماعة" أخرجه الحاكم "١١٦/١" واقتصر الترمذي على الجملة الأولى منه وإسناده جيد. ومنها حديث أبي مسعود: أخرجه ابن أبي عاصم في السنة "٨٥" والطبراني في الكبير "٢٣٩/١٧، ٢٤٠" والحاكم "٥٠٦/٤، ٥٠٧" وصححه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع "٢١٩/٥": رجاله ثقات، وقال الحافظ في التلخيص "١٤١/٢": إسناده صحيح ومثله لا يقال من قبل الرأي. وراجع تلخيص الحبير "١٤١/٢" للاطلاع على بقية شواهده. =
[ ١٦٥ ]
التقليد
التقليد لغة: وضع القلادة في العنق. واصطلاحًا: اتباع قول الغير بلا حجة.
وهو جائز لمن لا يصل إلى العلم بنفسه لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
والمذاهب المشهورة أربعة:
المذهب الحنفي: وإمامه أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام أهل العراق ولد سنة ٨٠هـ وتوفي سنة ١٥٠هـ.
المالكي: وإمامه أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة ولد سنة ٩٣هـ وتوفي سنة ١٧٩هـ.
الشافعي: وإمامه أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ولد سنة ١٥٠هـ وتوفي سنة ٢٠٤هـ.
الحنبلي: وإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ولد سنة ١٦٤هـ وتوفي سنة ٢٤١هـ.
_________________
(١) = والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليمًا، وتم التعليق على هذا الكتاب النافع المفيد "شرح لمعة الاعتقاد لابن قدامة" للشيخ محمد الصالح العثيمين في صباح يوم الجمعة الموافق ٦ من شهر رجب ١٤١٠هـ. بمصر، مدينة الإسماعيلية على يد الفقير إلى عفو ربه أشرف بن عبد المقصود بن عبد الرحيم غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، آمين.
[ ١٦٦ ]
وهناك مذاهب أخرى كمذهب الظاهرية والزيدية والسفيانية وغيرهم وكلٌ يؤخذ من قوله ما كان صوابًا ويترك من قوله ما كان خطأ، ولا عصمة إلا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله -ﷺ- ظاهرًا وباطنًا وأن يتوفانا على ذلك وأن يتولانا في الدنيا والآخرة وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
والحمد لله كثيرًا، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه عز جلاله والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآل وصحبه.
تم في عصر الجمعة الموافق ١٣٩٢/١/١٠هـ
بقلم مؤلفة الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين.
[ ١٦٧ ]
الفهارس العامة للكتاب
١- فهرس الآيات
٢- فهرس الأحاديث
٣- فهرس الآثار
٤- فهرس الموضوعات
[ ١٦٩ ]
١- فهرس الآيات
الآية رقمها الصفحة
_________________
(١) سورة البقرة ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٢٣ ٨٠ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين﴾ ٢٤ ١٣١، ١٣٣ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي﴾ ٤٧ ١٣٨ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١١٩ ١٠١ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢٥٥ ١٢٩، ١٣٠ ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ٢١٠ ٥١، ٥٢ ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّه﴾ ٢٥٣ ٧٠، ٧١ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ ٢٥٥ ٦٥ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه﴾ ٢٨٢ ٤ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٢٨٦ ٣٤، ٩٤ سورة آل عمران ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون﴾ ٧ ٣٢، ٣٣ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّه﴾ ٧ ٣٢ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُون﴾ ٧ ٣٢، ٣٣ ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانا﴾ ١٧٣ ٩٩ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١٣٣ ١٣١، ١٣٣ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١١٠ ١٣٨ سورة النساء ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ٢٧ ٩٧ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى﴾ ٥٩ ١٦٥ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ ٦٥ ١٣٦ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ﴾ ٦٩ ١٣٥ ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ٩٣ ٥٥ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ﴾ ١١٥ ٤٠
[ ١٧١ ]
الآية رقمها الصفحة
_________________
(١) ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ١٤٢ ٢٥ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ﴾ ١٥٩ ١٠٦ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١٦٤ ٧٠، ٧١ ﴿لِئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ ١٦٥ ٩٣، ٩٤ ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلاَّ طَرِيقَ﴾ ١٦٨، ١٦٩ ١٣٢ سورة المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٣ ٤٣ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ ٥٤ ٥٣، ٥٤ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٦٤ ٢٠، ٤٩، ٥٠ ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي﴾ ١١٦ ٥١ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١١٩ ٥٢، ٥٣ سورة الأنعام ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٥٤ ٥١ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ﴾ ١٢٥ ٨٩، ٩٣، ٩٧ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ ١٥٨ ١١٠ ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ﴾ ١٥٨ ١١٠ سورة الأعراف ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ﴾ ٣٣ ٢٠ ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٥٤ ٧٨ ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ﴾ ١٤٣ ٧٢ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ١٤٣ ٨٧ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ ١٤٤ ٧٠ ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١٨٠ ٢١ سورة الأنفال ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٣٠ ٢٤ سورة التوبة ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ٦ ٧٨ ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ ٤٦ ٥٦
[ ١٧٢ ]
الآية رقمها الصفحة
_________________
(١) سورة يونس ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ﴾ ١٥ ٨٠، ٨٣ سورة هود ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ ١٠٦ ١٣٣ ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ١٠٧ ٩١ سورة إبراهيم ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ﴾ ٢٧ ١١١ سورة النحل ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ ٤٣ ١٦٦ ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٦٠ ٢٤ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١٠٢ ٧٤ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ ١٢٥ ١٥٩، ١٦٠ سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ١ ١٠٢ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا﴾ ٧٩ ١٣٧ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ﴾ ٨٨ ٧٧، ٨٥ سورة الكهف ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٤٩ ٢٥ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ٩٣، ٩٤ ١٠٨ ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ١٠٥ ١٢١ سورة مريم ﴿كهيعص﴾ ١ ٨٠ ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ ٣٩ ١٣٤ ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ ٥٢ ٧٣ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ٧١ ١٢٦ سورة طه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ ٦١، ٦٨، ٦٩ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥-٧ ٢٨
[ ١٧٣ ]
الآية رقمها الصفحة
_________________
(١) ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى، إِنِّي﴾ ١١، ١٢ ٧٠، ٧٣ ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ١٣ ٧٤ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ١٤ ٧٠، ٧٣ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ١١٠ ٢٦ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ١١٥ ٢٨ سورة الأنبياء ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٢٣ ٨٥ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾ ٢٨ ١٢٨، ١٣٠ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ﴾ ٤٧ ١٢٠ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ١٠٤ ١١٦ ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ٩٦، ٩٧ ١٠٩ سورة الحج ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي﴾ ٧٠ ٩٢ سورة المؤمنون ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ﴾ ١٠٢، ١٠٣ ١٢٠ سورة الفرقان ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ١ ٧٨ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٢ ٨٩، ٩٣ سورة الشعراء ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ﴾ ٨٨، ٨٩ ٤ سورة النمل ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا﴾ ٨٢ ١١٠ سورة العنكبوت ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ﴾ ٤٩ ٨٠، ٨٣ سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ ٧ ١٣٥ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ ٢١ ٤٠
[ ١٧٤ ]
الآية رقمها الصفحة
_________________
(١) ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٤٠ ١٣٦ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ ٦٤، ٦٥ ١٣٢ سورة سبأ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ ٣١ ٧٩ سورة يس ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ ٥١ ١١١، ١١٤ ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ٦٩ ٧٩، ٨٥ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ﴾ ٧١ ٥٠ سورة الصافات ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٩٦ ٩٣، ٩٦ سورة الزمر ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٦٢ ٩٦ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ﴾ ٦٨ ١١٤ سورة غافر ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ﴾ ٤ ١٦٠ ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا﴾ ١٧ ٩٤، ٩٥ ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا﴾ ٥ ١٦١ سورة فصلت ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ ٤٢ ٧٧، ٨٥ سورة الشورى ﴿حم، عسق﴾ ١، ٢ ٨٠ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١١ ٢٦، ٢٨، ٣٠، ٣٤، ٣٥، ٦١ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ﴾ ١٣ ١٣٦ ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ ٥١ ٧٠ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا﴾ ٥٢ ٧٨
[ ١٧٥ ]
الآية رقمها الصفحة
_________________
(١) سورة الزخرف ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ٥٥ ٥٥ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾ ٧٤، ٧٥ ١٣١ سورة محمد ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ﴾ ١٨ ١٠٥ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ﴾ ٢٨ ٥٥، ٥٦ سورة الفتح ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ ٤ ٩٨ ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٦ ٥٤ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ﴾ ٢٩ ١٥٠ سورة الحجرات ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٩ ١٤٩ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١٠ ١٤٩ سورة النجم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ﴾ ١، ٢ ١٠٢ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ١٨ ١٠٢ سورة القمر ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٤٩ ٨٩، ٩٢ سورة الرحمن ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٢٧ ٤٨ سورة الواقعة ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ﴾ ٤٩، ٥٠ ١١٥ ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ﴾ ٧٧- ٧٩ ٨٠، ٨٣ ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ ٨٣، ٨٤ ١١٢ ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ﴾ ٨٨، ٨٩ ١١٣ سورة المجادلة ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ ٢٢ ١٥٩
[ ١٧٦ ]
الآية رقمها الصفحة
_________________
(١) سورة الحشر ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١٠ ١٥٠ سورة التغابن ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ ٧ ١١٥ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١٦ ٩٣، ٩٥ سورة الحديد ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ ٢٢ ٨٩، ٩٢ ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ ٢١ ١٣٣ سورة الطلاق ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ٥ ٧٨ سورة الملك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ١ ٥٠ ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١٦ ٦٥ سورة الحاقة ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ١٩ ١٢٣ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ ٢٥ ١٢٢ ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ ٢٥، ٢٦ ١٢٣ سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ﴾ ٢٣ ١٣٢ سورة المدثر ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ٢٤ ٨٥ ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٢٥ ٧٩، ٨٥ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٢٦ ٧٩، ٨٥ ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٤٨ ١٣٠ سورة القيامة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا﴾ ٢٢، ٢٣ ٨٦، ٨٧
[ ١٧٧ ]
الآية رقمها الصفحة
_________________
(١) سورة المطففين ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ ٧ ٣٣ ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١٥ ٨٦، ٨٧ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ١٨ ١٣٢ سورة الانشقاق ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ٧-١٢ ١١٥، ١٢٢ سورة الطارق ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدا﴾ ١٥، ١٦ ٢٥ سورة الغاشية ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ ٢٥، ٢٦ ١١٧ سورة الفجر ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٢٢ ٥١، ٥٢ سورة البينة ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ٥ ٩٨، ٩٩ ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ٨ ١٣٢ سورة المسد ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ١ ١٤٧
[ ١٧٨ ]
١- فهرس الأحاديث
الحديث الرَّاوي الصفحة
_________________
(١) آمنت بالقدر خيره وشره أنس ٩٠، ٩١ أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة سعيد بن زيد ٤٤، ١٤٧ اترك الستة واعبد الذي في السماء حصين بن عبيد ٦٥، ٦٧ إذا أراد الله أن يوحي بأمره النواس بن سمعان ٧٢، ٧٦ إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته ابن مسعود ٧١، ٧٦ إذا كان يوم القيامة كنت إمام أبَى بن كعب ١٣٨ أسألك بكل اسم هو لك ابن مسعود ٢٢ أعتقها فإنها مؤمنة معاوية بن الحكم ٦٥، ٦٦ اقرءوا القرآن أن يأتي قوم سهل بن سعد ٨١ اللهم إني أعوذ برضاك من عائشة ٥٦ اللهم حاسبني حسابا يسيرا عائشة ١١٧ أما أهل النار الذين هم أهلها أبو سعيد ١٢٩ أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر عائشة ١٢٢ إن ابني هذا سيد ولعل الله أن أبو بكرة ١٤٣ إن أهل الجنة إذا دخلوا فيها أبو هريرة ٧٥ إن بعد ما بين سماء إلى سماء العباس بن عبد المطلب ٦٢ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ابن عمر ٩٠ إن العبد إذا وضع في قبره أنس ١١٢ إن لكل نبي حوضا وإنهم أبو سعيد ١٢٥ إن لله تسعة وتسعين اسما أبو هريرة ٢٢ إن الله قدر مقادير الخلق عبد الله بن عمرو ٩٢ إن الله كتب كتابا عنده فوق أبو هريرة ٥٥ إن الله كره لكم قيل وقال المغيرة بن شعبة ٥٧ إن الله لما قضى الخلق كتب أبو هريرة ٦٢ إن الله ليرضى عن العبد أن أنس بن مالك ٥٣ إن الله يرى في الآخرة ٣٥ إن الله ينزل إلى السماء الدنيا أبو هريرة ٣٥
[ ١٧٩ ]
الحديث الرَّاوي الصفحة
_________________
(١) إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة العباس ٦٥ أن موسى -﵇- ليلة رأى ٧١ أنا سيد الناس يوم القيامة أبو هريرة ١٣٦ أنا سيد ولد آدم يوم القيامة أبو سعيد الخدري ١٣٧ إنك لست من أهل النار أنس ١٤٦ إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها سعد بن أبي وقاص ٤٨ إنكم تحشرون حفاة عراة ١١٦ إنكم ترون ربكم كما ترون جرير ٨٦ إنكم سترون ربكم كما جرير ٨٧ إنه من أهل الجنة أنس ١٤٤ إنها لن تقوم حتى تروا قبلها حذيفة بن أسيد الغفاري ١٠٩، ١١٠ إنهم يسجدون بالأرض ويزعمون ٦٥ إني رأيت الجنة فتناولت منها ابن عباس ١٣١ إني فرطكم على الحوض سهل بن سعد وأبو سعيد ١٢٣ أهون أهل النار عذابا أبو طالب النعمان بن بشير ١٤٧ أول ما يحاسب به العبد يوم أبو هريرة ١١٩ أول ما يقضى بين الناس يوم ابن مسعود ١١٩ إلا من ولي عليه وال فرآه عوف بن مالك ١٥٧ الإيمان أن تؤمن بالله ابن عمر ٩١ الإيمان بضع وسبعون شعبة أبو هريرة ٩٨ بايعنا رسول الله -ﷺ- على عبادة بن الصامت ١٥٨ بلغني أنه أدق من الشعر أبو سعيد ١٢٧ تجرى بهم أعمالهم ونبيكم أبو هريرة وحذيفة ١٢٧ ثلاث من أصل الإيمان أنس ١٤٨، ١٥٨ ثم يضرب الجسر على جهنم أبو سعيد ١٢٦ ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه عبد الله بن عمرو ١١٤ حتى إذا لم يبق إلا من يعبد أبو سعيد الخدري ٥٢ حتى يمر آخرهم يسحب سحبا أبو سعيد ٢٧ الحسن والحسين سيدا أبو سعيد الخدري ١٤٤، ١٤٩ الخلافة من بعدي ثلاثون سفينة أبو عبد الرحمن ١٤٠، ١٤٣
[ ١٨٠ ]
الحديث الرَّاوي الصفحة
_________________
(١) خير الناس قرنى ابن مسعود ١٤٠ رأيته يجر أمعاءه في النار عائشة ١٤٨ ربنا الله الذي في السماء أبو الدرداء ٦٦ سئل النبي -ﷺ- عن الصراط أبو سعيد الخدري ١٢٦ سبحان الله وبحمده عدد جويرية ٥١ السمع والطاعة على المسلم ابن عمر ١٥٧ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء العرباض بن سارية ٣٩، ٤٠، ١٣٨، ١٤٣ فأكون أنا وأمتي أول من أبو هريرة ١٢٨ فبينما هو كذلك إذ أوحى النواس بن سمعان ١٠٩ فتح اليوم من ردم يأجوج زينب بنت جحش ١٠٨ فتوضع السجلات في كفة عبد الله بن عمرو ١٢٠ فلو كنت ثم لأريتكم قبره أبو هريرة ١٠٣ فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة أبو سعيد ١٢٩ فيقول الله ﷿: اكتبوا البراء بن عازب ١١٣ فيمر المؤمنون كطرف العين أبو سعيد ١٢٧ فينادي منادٍ من السماء أن البراء بن عازب ١١٣ قولوا اللهم إني أعوذ بك من ابن عباس ١٠٥ كان النبي -ﷺ- يقول في صلاته حذيفة ٦٦ كلمتان حبيبتان إلى الرحمن أبو هريرة ١٢٠ كنا نخير بين الناس في زمن ابن عمر ١٤٢ كنا نقول والنبي -ﷺ- حي: أفضل. ابن عمر ١٣٨ لا تجتمع أمتي على ضلالة ابن عمر ١٦٥ لا تسبوا أصحابي فوالذي أبو سعيد الخدري ١٥١ لا تسبوا الدهر فإن الله هو أبو هريرة ١١٠ لا تقوم الساعة حتى تطلع أبو هريرة ١١٠ لا يصلين أحد العصر إلا في ابن عمر ١٦٤ لأعطين الراية غدا رجلًا سهل بن سعد ٥٤ ما طلعت الشمس ولا غربت أبو الدرداء ١٣٩ المسلم إذا سئل في القبر البراء بن عازب ١١١
[ ١٨١ ]
الحديث الرَّاوي الصفحة
_________________
(١) من سمع به فلينأ عنه عمران بن حصين ١٦٠ من سمع به فلينأ ومن أدركه النواس بن سمعان ١٠٦ من قرأ القرآن فأعربه فله ابن مسعود ٨١، ٨٤ من كان في قلبه مثقال حبة ١٤٩ نحن آخر الأمم وأول من ابن عباس ١١٩ نحن الآخرون السابقون أبو هريرة وحذيفة ١١٩ هذه امرأتك عائشة ١٥٣ وإني والله لأنظر إلى حوضي عقبة بن عامر ١٢٥ وإياكم ومحدثات الأمور العرباض بن سارية ٤٠ وقني شر ما قضيت الحسن بن علي ٩٠، ٩٢ ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح ابن عباس ٧٥ والله لينزلن عيسى ابن مريم ١٠٦ ولولا أنا لكان في الدرك العباس بن عبد المطلب ١٣٠ يا أهل الجنة خلود ولا موت أبو سعيد ١٣٣ يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح أبو سعيد الخدري ١٣٤ يحشر الله الخلائق فيناديهم عبد الله بن أنيس ٧٣ يحشر الناس يوم القيامة عراة عبد الله بن أنيس ١١٦ يحشر الله الخلائق يوم القيامة عبد الله بن أنيس ٧١ يحشر الناس يوم القيامة على أرض سهل بن سعد ١١٥ يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله أنس ٩٨، ١٠٠ يضحك الله إلى رجلين قتل أبو هريرة ٦٠ يعجب ربك من الشاب ليست عقبة بن عامر ٥٨، ٥٩ يقول الله لأهل الجنة: يا أهل أبو سعيد الخدري ٧٥ يقول الله يوم القيامة: يا آدم أبو سعيد الخدري ١٠٨ يكون عليكم أمراء تعرفون ابن مسعود ١٥٨ يمين الله ملأى لا يغيضها أبو هريرة ٤٩ ينزل ربنا ﵎ كل أبو هريرة ٥٨ ينزل ربنا إلى السماء الدنيا أبو هريرة ٥٨
[ ١٨٢ ]
٣- فهرس الآثار
الأثر الرَّاوي الصفحة
_________________
(١) آمنت بالله وبما جاء عن الله الإمام الشافعي ٣٦ الاستواء غير مجهول والكيف الإمام مالك ٦٩ اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ابن مسعود ٤١ إعراب القرآن أحب إلينا من أبو بكر وعمر ﵄ ٨٢، ٨٤ خير هذه الأمة بعد نبيها علي ١٣٨ عليك بآثار مَنْ سلف وإن الأوزاعي ٤، ٤٢ فاصبر نفسك على السُّنة الأوزاعي ٤ قف حيث وقف القوم فإنهم عمر بن عبد العزيز ٤١ الكرسي موضع القدمين والعرش ابن عباس ٦٤ من كفر بحرف منه فقد كفر به علي ٨٢، ٨٤ نؤمن بها ونصدق بها لا كيف الإمام أحمد ٣٥ هل عَلِمَها رسول الله ﷺ الأذرمي ٤٤
[ ١٨٣ ]