إِن قَالَ قَائِل مَا الَّذِي يُوجب خلعه الإِمَام عنْدكُمْ قيل لَهُ يُوجب ذَلِك أُمُور مِنْهَا كفر بعد الْإِيمَان وَمِنْهَا تَركه إِقَامَة الصَّلَاة وَالدُّعَاء إِلَى ذَلِك وَمِنْهَا عِنْد كثير من النَّاس فسقه وظلمه بِغَصب الْأَمْوَال وَضرب الأبشار وَتَنَاول النُّفُوس الْمُحرمَة وتضييع الْحُقُوق وتعطيل الْحُدُود
وَقَالَ الْجُمْهُور من أهل الْإِثْبَات وَأَصْحَاب الحَدِيث لَا ينخلع بِهَذِهِ الْأُمُور وَلَا يجب الْخُرُوج عَلَيْهِ بل يجب وعظه وتخويفه وَترك طَاعَته فِي شَيْء مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ من معاصي الله
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بأخبار كَثِيرَة متظاهرة عَن النَّبِي ﷺ وَعَن أَصْحَابه فِي وجوب طَاعَة الْأَئِمَّة وَإِن جاروا واستأثروا بالأموال وَأَنه قَالَ ﷺ (اسمعوا وَأَطيعُوا وَلَو لعبد أجدع وَلَو لعبد حبشِي وصلوا وَرَاء كل بر وَفَاجِر) وَرُوِيَ أَنه قَالَ أطعهم وَإِن أكلُوا مَالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم مَا أَقَامُوا الصَّلَاة فِي أَخْبَار كَثِيرَة وَردت
[ ٤٧٨ ]
فِي هَذَا الْبَاب
وَقد ذكرنَا مَا فِي هَذَا الْبَاب فِي كتاب إكفار المتأولين وَذكرنَا مَا رُوِيَ فِي معارضتها وَقُلْنَا فِي تَأْوِيلهَا بِمَا يغنى النَّاظر فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَمِمَّا يُوجب خلع الإِمَام أَيْضا تطابق الْجُنُون عَلَيْهِ وَذَهَاب تَمْيِيزه وبلوغه فِي ذَلِك إِلَى مُدَّة يضر الْمُسلمين زَوَال عقله فِيهَا أَو يُؤذن باليأس من صِحَّته وَكَذَلِكَ القَوْل فِيهِ إِذا صم أَو خرس وَكبر وهرم أَو عرض لَهُ أَمر يقطع عَن النّظر فِي مصَالح الْمُسلمين والنهوض بِمَا نصب لأَجله أَو عَن بعضه لِأَنَّهُ إِنَّمَا أقيم لهَذِهِ الْأُمُور فَإِذا عطل وَجب خلعه وَنصب غَيره وَكَذَلِكَ إِن حصل مأسورا فِي يَد الْعَدو إِلَى مُدَّة يخَاف مَعهَا الضَّرَر الدَّاخِل على الْأمة ويوأس مَعهَا من خلاصه وَجب الِاسْتِبْدَال بِهِ فَإِن فك أسره أَو ثاب عقله أَو برىء من مَرضه وزمانته لم يعد إِلَى أمره وَكَانَ رعية للوالي بعده لِأَنَّهُ عقد لَهُ عِنْد خلعه وَخُرُوجه من الْحق فَلَا حق لَهُ فِيهِ
وَلَيْسَ مِمَّا يُوجب خلع الإِمَام حُدُوث فضل فِي غَيره وَيصير بِهِ أفضل مِنْهُ وَإِن كَانَ لَو حصل مفضولا عِنْد ابْتِدَاء العقد لوَجَبَ الْعُدُول عَنهُ إِلَى الْفَاضِل لِأَن تزايد الْفضل فِي غَيره لَيْسَ بِحَدَث مِنْهُ فِي الدّين وَلَا فِي نَفسه يُوجب خلعه وَمثل هَذَا مَا حكيناه عَن أَصْحَابنَا أَن حُدُوث الْفسق فِي الإِمَام بعد العقد لَهُ لَا يُوجب خلعه وَإِن كَانَ مِمَّا لَو حدث فِيهِ عِنْد ابْتِدَاء العقد لبطل العقد لَهُ وَوَجَب الْعُدُول عَنهُ وأمثال هَذَا فِي الشَّرِيعَة كَثِيرَة أَلا ترى أَنه لَو وجد الْمُتَيَمم المَاء قبل دُخُوله فِي الصَّلَاة لوَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَضُّؤ بِهِ وَلَو طَرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِيهَا لم يلْزمه ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو وَجَبت عَلَيْهِ الرَّقَبَة فِي كَفَّارَته وَهُوَ مُوسر لم يجز غَيرهَا وَلَو حدث الْيَسَار بعد مضيه فِي شَيْء من الصّيام لم يبطل حكم
[ ٤٧٩ ]
صِيَامه وَلَا يلْزمه غير مَا دخل فِيهِ فِي أَمْثَال لهَذَا كَثِيرَة
وَكَذَلِكَ حكم القَوْل فِي حُدُوث الْفضل على الإِمَام بعد العقد لَهُ
بَاب الْكَلَام فِي إِمَامَة أبي بكر ﵁
إِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على إِثْبَات إِمَامَة أبي بكر وَأَن العقد لَهُ وَقع موقعا صَحِيحا قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنه بِصفة من يصلح للْإِمَامَة وَزِيَادَة عَلَيْهَا بِمَا سنصفه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَن الْعَاقِدين لَهُ الْأَمر يَوْم السَّقِيفَة من أفاضل أهل الْحل وَالْعقد مِمَّن يصلح أَيْضا لإمامة الْمُسلمين والتقدم عَلَيْهِم
وهم عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح بِمحضر من بشير بن
[ ٤٨٠ ]
سعد وَأسيد بن الْحضير وَعمْرَان بن الْحصين وَغَيرهم من الْأَنْصَار وَمن حضر من الْمُهَاجِرين وَأَن هَذَا العقد وَقع بِمحضر من جُمْهُور الْأمة وَأهل الْقدْوَة مِنْهُم وَلم يُنكره مُنكر وَلَا قدح فِيهِ قَادِح بل تتابعوا على الْبيعَة من ساعتهم وَبَقِيَّة يومهم وأذعنت لَهُ الْأَنْصَار وانقادت بعد خلَافهَا وغلطها فِيهِ الْمُتَّفق عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أَرَادَت إِخْرَاج الْأَمر عَن قُرَيْش وَنصب إمامين فِي وَقت وَاحِد
وَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر مِنْهُم منا أَمِير ومنكم أَمِير وَهَذَا غلط حاولوه بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَلَو أَقَامُوا عَلَيْهِ وخالفوا أَبَا بكر بعد عقد من عقد لَهُ الْأَمر لوَجَبَ أَن يَكُونُوا فِي ذَلِك آثمين ولوجب حربهم وقتالهم إِلَى أَن يرجِعوا عَن الْبَغي وشق الْعَصَا لِأَن العقد قد تمّ لمن حضر وَعقد وَقد دللنا على ذَلِك من قبل فَلَا نحتاج فِي إِثْبَات إِمَامَة أبي بكر إِلَى وُقُوع الْإِجْمَاع عَلَيْهَا وَلَا نستضر وَلَا نستوحش من خلاف مُخَالف فِيهَا غير أَن الله قد وقى كل أحد من الْمُسلمين فِي ذَلِك الْوَقْت مواقعة هَذِه الْمعْصِيَة ووفر دواعي الصَّحَابَة على ذَلِك وَجمع
[ ٤٨١ ]
همتهم على طَاعَته والإذعان للحق الَّذِي لَزِمَهُم الانقياد لَهُ
وَلَيْسَ يجوز لمُسلم اتَّقى الله أَن يضيف إِلَى عَليّ بن أبي طَالب ﵇ وَالزُّبَيْر بن الْعَوام التَّأَخُّر عَن بيعَته بأخبار آحَاد واهية مجيئها من نَاحيَة متهومة لِأَن تأخرهم عَن الْبيعَة مَعَ مَا وصفناه من صِحَة وثبوتها ضرب من الْإِثْم والعصيان وَلَيْسَ يُمكن إِضَافَة مَعْصِيّة إِلَى الصَّحَابَة بِمثل هَذَا الطَّرِيق لَا سِيمَا إِذا رووا مَعَ ذَلِك أَن أَبَا بكر ﵇ كَانَ يَدعُوهُم إِلَى الطَّاعَة وَلُزُوم الْجَمَاعَة وَيحرم عَلَيْهِم تأخرهم وَلَا يسوغهم ذَلِك وَكَذَلِكَ يجب أَن ينفى عَن عبد الله بن مَسْعُود إِخْرَاجه المعوذتين من الْمُصحف ومخالفته الْجَمَاعَة
وكل أَمر رُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِيهِ تأثيم وَقذف بعصيان فَيجب أَن نبطله وننفيه إِذا ورد وُرُود الْآحَاد لِأَن من ثَبت إيمَانه وبره وعدالته لَا يفسق بأخبار الْآحَاد
وعَلى أَن نعلم بواضح النّظر كذب من ادّعى تَأَخّر عَليّ وَالْعَبَّاس وَالزُّبَيْر لِأَن مثل هَذَا الْخطب الجسيم فِي مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم يجب إشهاره وظهوره وَأَن ينْقل نقل مثله فَكيف حفظت الْأمة بأسرها وَعلمت مُخَالفَة عَليّ لأبي بكر وَغَيره من الصَّحَابَة فِي حكم أم الْوَلَد والتوريث الَّذِي إِنَّمَا تعلمه الْخَاصَّة وَذهب عَنْهَا علم تَأَخره وَتَأَخر الزبير عَن الْبيعَة حَتَّى لَا يرد إِلَّا وردا شاذا ضَعِيفا وَتَكون الْأَخْبَار الْكَثِيرَة فِي معارضته ومناقضته وَالْعَادَة جَارِيَة بِلُزُوم مثل هَذَا للقلوب وَإِطْلَاق الألسن بِذكرِهِ واشتهاره وإظهاره دون طيه وكتمانه
[ ٤٨٢ ]
والسهو عَنهُ والإغفال لَهُ وَإِن هَذَا من الْعجب العجيب الَّذِي لَا يذهب فَسَاده على ذِي تَحْصِيل هَذَا على أَن حرصنا إِنَّمَا هُوَ على نفي الشين والعار وَإِضَافَة الْعِصْيَان عَن جلة الصَّحَابَة وعليتها بالتأخر عَن بيعَة قد لَزِمَهُم الانقياد لَهَا والخنوع لصَاحِبهَا فَإِن أَبَوا ذَلِك وَلم يقنعوا إِلَّا بتصحيح الْخلاف مِنْهُم قُلْنَا لَهُم فَهَذَا إِذا من ذنوبهم وَمَا نرجوه أَن يغْفر الله لَهُم وحاشا للصحابة من ذَلِك
على أَنه لَا نَعْرِف أحدا روى تَأَخّر عَليّ وَالزُّبَيْر عَن الْبيعَة أَيَّامًا إِلَّا وَقد رُوِيَ عَنهُ فِي هَذِه الْقِصَّة رجوعهما إِلَى بيعَته ودخولهما فِي صَالح مَا دخل فِيهِ الْمُسلمُونَ وأنهما قَالَا لَا تَثْرِيب يَا خَليفَة رَسُول الله مَا تأخرنا عَن الْبيعَة إِلَّا أَنا كرهنا أَلا ندخل فِي المشورة وأنهما وَصفا من فَضله وسابقته وَأَنه صَاحب الْغَار فِي كَلَام طَوِيل
فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا الدَّلِيل على أَن أَبَا بكر كَانَ بِصفة مَا ذكرْتُمْ من صَلَاحه لإمامة الْمُسلمين واجتماع خلال الْأَئِمَّة وآلتهم فِيهِ قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك سبقه إِلَى الْإِيمَان وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله بِمَالِه وَنَفسه وإنفاقه على الرَّسُول مَاله وإيناسه لَهُ فِي الْغَار بِنَفسِهِ وتعاظم انْتِفَاع النَّبِي ﷺ بدعوة من دعاة إِلَى الْإِيمَان وَإِسْلَام من أسلم باستدعائه وبنائه مَسْجِدا يَدْعُو فِيهِ إِلَى الْإِيمَان وتصديق الرَّسُول حَتَّى قَالَ النَّاس من آمن بِدُعَاء أبي بكر أَكثر مِمَّن آمن بِالسَّيْفِ فَمنهمْ عُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَغَيرهم من علية الصَّحَابَة ﵃ وَإِنَّمَا أَرَادوا أَكثر قُوَّة ومنة لَا أَكثر عددا مِمَّن آمن بِالسَّيْفِ وشراؤه الْمُعَذَّبين فِي الله كبلال وعامر بن فهَيْرَة ومناضلته الْمُشْركين وَقَوله لمثل سُهَيْل بن عَمْرو لما جَاءَ مصالحا عَن قُرَيْش حَيْثُ قَالَ للنَّبِي
[ ٤٨٣ ]
ﷺ مَا أرى حولك إِلَّا من لَو عضه الْحَدِيد أَو قربت الْخَيل لأسلمك فَقَالَ لَهُ اسْكُتْ عضضت ببظر اللات أَنَحْنُ نسلمه وَكَونه مَعَ النَّبِي ﷺ يَوْم بدر فِي الْعَريش وتخصصه لَهُ مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا يركن فِي مثل تِلْكَ الْحَال إِلَّا إِلَى ذِي منَّة ورأي وبصيرة وغناء وَقد دلّ على هَذَا بقوله للأعرابي حَيْثُ قَالَ لَهُ إِنَّك ضنين بصاحبك هَذَا وَقد استحر الْقَتْل فِي أَصْحَابك فَقَالَ لَهُ إِن الله أَمرنِي أَن اتَّخذهُ خَلِيلًا أَو جَلِيسا أَو أنيسا وَمَا هَذَا مَعْنَاهُ من اللَّفْظ هَذَا مَعَ علمنَا ضَرُورَة بِأَنَّهُ كَانَ مُعظما فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلَام وَمن أهل الثروة والجاه مِنْهُم وَمِمَّنْ تَجْتَمِع إِلَيْهِ الْعَرَب وتسأله عَن أَيَّام النَّاس والأنساب وَالْأَخْبَار فَفَارَقَ ذَلِك أجمع إِلَى الذل وَالصغَار وَالصَّبْر على أذية أهل الْكفْر وَعلمنَا ضَرُورَة بِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يعظمه ويشاوره ويخلي لَهُ مَجْلِسا عَن يَمِينه لَا يجلس فِيهِ غَيره
وَمِمَّا رُوِيَ من الْجِهَات الْمَشْهُورَة مِمَّا قَالَه ﵇ فِيهِ نَحْو قَوْله (اقتدوا
[ ٤٨٤ ]
بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر) (وإنهما من الدّين بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد) (وَمَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر) (وَإِنِّي بعثت إِلَى النَّاس كلهم فَقَالُوا كذبت وَقَالَ أَبُو بكر صدقت) فَسُمي لأجل ذَلِك صديقا وَغلب على اسْمه وكنيته وَاسم أَبِيه وَإِلَى غير هَذِه الْأَخْبَار مِمَّا قد بسطنا طرفا من ذكرهَا فِي غير هَذَا الْكتاب
وَقد كَانَ أهل الْكفْر يعْرفُونَ هَذَا من أمره ويعرفون تقدمه فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ فِي الْإِسْلَام وَعند النَّبِي ﷺ وَلِهَذَا صَاح أَبُو سُفْيَان بِأَعْلَى صَوته عِنْد تزاحف الصُّفُوف أَيْن أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة أَيْن عمر بن الْخطاب يَوْم بِيَوْم فِي كَلَام طَوِيل وَلم يناد بِغَيْرِهِمَا وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يقدمهُ فِي الشَّهَادَة عَلَيْهِ فِي عهوده وَكتب صلحه وَيكْتب
[ ٤٨٥ ]
شهد عبد الله بن أبي قُحَافَة وَعمر بن الْخطاب وَفُلَان وَفُلَان وَهَذَا مِمَّا يعلم ضَرُورَة وَلَا يُمكن دَفعه
غير أَن الشِّيعَة تزْعم أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ ممتحنا بِهِ وبعمر على نفاق لَهما وتقية مِنْهُمَا وَهَذِه أماني دونهَا خرط القتاد وَذَهَاب الْأَنْفس حسرات وَلَوْلَا علم النَّبِي ﷺ بِفضل سبقه وهجرته وَعلمه لم يأتم بِهِ وَلم يقدمهُ عَلَيْهِم فِي مَرضه ويعظم الْأَمر فِي بَابه وَيَقُول يَأْبَى الله وَرَسُوله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر وَقَوله لحفصة وَعَائِشَة (إنكن صواحبات يُوسُف) وَلَوْلَا شدَّة تعلق هَذَا الْأَمر بِأبي بكر وتخصصه بِالْفَضْلِ فِيهِ وخشية الْإِثْم فِي تقدم غَيره لم يقل إنكن صواحبات يُوسُف ويأبى الله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر
وَالْأَمر الَّذِي التمس مِنْهُ أَمر سَائِغ لَيْسَ بإثم فِي الدّين لِأَن فضل السن فَقَط وَمَا جرى مجْرَاه لَا يُوجب التحذير بِهَذَا القَوْل
هَذَا وَهُوَ ﷺ يَقُول (يؤم النَّاس خَيرهمْ) (وأئمتكم شفعاؤكم إِلَى الله فانظروا بِمن تستشفعون) وَيَقُول (من تقدم على قوم من الْمُسلمين وَهُوَ يرى أَن فيهم من هُوَ أفضل مِنْهُ فقد خَان الله وَرَسُوله وَالْمُسْلِمين)
وَأما دَعْوَى الشِّيعَة أَنه خرج فَعَزله وَدفعه عَن مَوْضِعه وَأنكر تَقْدِيمه وأعظمه فَمن جنس الترهات والأماني الكاذبة لِأَن مثل هَذَا لَو كَانَ لعلمناه
[ ٤٨٦ ]
ضَرُورَة كَمَا علمنَا أَن أَبَا بكر تقدم ضَرُورَة وَإِنَّمَا اخْتلف فِي أَن أَبَا بكر صلى بِالنَّبِيِّ ﷺ أَو صلى بِهِ النَّبِي ﷺ صَلَاة وَاحِدَة ذكر ذَلِك فِيهَا وَصلى بهم بَقِيَّة أَيَّام مرض رَسُول الله ﷺ وروى الثبت الثِّقَات أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (مَا من نَبِي يَمُوت حَتَّى يؤمه رجل من قومه) وَأَن أَبَا بكر أم رَسُول الله ﷺ وَهَذَا هُوَ الَّذِي عناه أَبُو بكر بقوله (وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ إِنِّي وليتكُمْ الصَّلَاة وَرَسُول الله ﷺ حَاضر) ولعمري إِنَّه لَا يجوز أَن يكون خير قوم فيهم رَسُول الله ﷺ فَلَا مُعْتَبر فِي هَذَا الْأَمر الْعَظِيم بتلفيق الْمُخَالفين وتمنيهم الأباطيل وتلقهم بروايات ترد خَاصَّة مِنْهُم وَلَهُم لَا يعلمهَا غَيرهم
على أَنه لَو يعلم جَمِيع هَذَا من حَاله وَلم يتَقَدَّم لَهُ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ من فضائله ومناقبه لَكَانَ مَا ظهر مِنْهُ بعد موت النَّبِي ﷺ من الْعلم وَالْفضل والشدة فِي القَوْل وَالْفِعْل وَتَحْصِيل مَا ذهب على غَيره دلَالَة على اجْتِمَاع خلال الْفضل والإمامة فِيهِ بل لَو لم يدل على ذَلِك من أمره إِلَّا مَا ظهر مِنْهُ من التثقيف والتقدم والتشدد وسد الْخلَل وقمع الرِّدَّة وَأَهْلهَا فِي أَيَّام نظره لَكَانَ فِي ذَلِك مقنع لمن وفْق لرشده
فَأول مَا ظهر من فَضله وتسديد رَأْيه إِعْلَام النَّاس موت رَسُول الله ﷺ وكفه عمر وَغَيره مِمَّن تشَتت آراؤهم فِي مَوته وفجئتهم
[ ٤٨٧ ]
الْمُصِيبَة بِمَوْتِهِ وَمَا كَانَ من قَوْله وَفعله فِي ذَلِك وَقَالَت عَائِشَة وَغَيرهَا من أَصْحَابه إِن النَّاس أفحموا ودهشوا حَيْثُ ارْتَفَعت الرنة وسجى رَسُول الله ﷺ الْمَلَائِكَة بِثَوْبِهِ وَذهل الرِّجَال فَكَانُوا كأجرام انتخبت مِنْهَا الْأَرْوَاح وحولهم أطواد من الْمَلأ فكذب بَعضهم بِمَوْتِهِ وأخرس بَعضهم فَمَا تكلم إِلَّا بعد الْغَد وخلط آخَرُونَ ولاثوا الْكَلَام بِغَيْر بَيَان وَبَقِي آخَرُونَ مَعَهم عُقُولهمْ فَكَانَ عمر مِمَّن كذب بِمَوْتِهِ وَعلي فِي من أقعد وَعُثْمَان فِي من أخرس وَخرج من فِي الْبَيْت وَرَسُول الله ﷺ مسجى وَخرج عمر إِلَى النَّاس فَقَالَ عمر إِن رَسُول الله ﷺ لم يمت وليرجعنه الله وليقطعن أيديا وأرجلا من الْمُنَافِقين يتمنون لرَسُول الله ﷺ الْمَوْت وَإِنَّمَا وَاعد ربه كَمَا وَاعد مُوسَى وَهُوَ آتيكم
وَأما عَليّ فَإِنَّهُ قعد فَلم يبرح من الْبَيْت وَأما عُثْمَان فَجعل لَا يكلم أحدا يؤخذه بِيَدِهِ فَيذْهب ويجاء بِهِ حَتَّى جَاءَ الْخَبَر أَبَا بكر وتواتر أهل الْبَيْت إِلَيْهِ بالرسل فَلَقِيَهُ أحدهم بعد مَا مَاتَ ﷺ وَعَيناهُ تهملان وغصصه ترْتَفع كَقطع الجرة وَهُوَ فِي ذَلِك جلد الْعقل والمقالة حَتَّى دخل على رَسُول الله ﷺ فأكب عَلَيْهِ وكشف عَن وَجهه ومسحه وَقبل جَبينه وخديه وَجعل يبكي وَيَقُول بِأبي أَنْت وَأمي وَنَفس وَأَهلي طبت حَيا وَمَيتًا وَانْقطع بموتك مَا لم يَنْقَطِع بِمَوْت أحد من الْأَنْبِيَاء والنبوة فعظمت عَن الصّفة الْمُصِيبَة وجللت عَن الْبكاء وخصصت حَتَّى صرت مسلاة وعممت حَتَّى صرنا فِيك سَوَاء وَلَوْلَا أَن موتك كَانَ اخْتِيَارا مِنْك لجدنا لموتك بالنفوس وَلَوْلَا أَنَّك نهيت عَن الْبكاء لأنفذنا عَلَيْك مَاء الشؤون
فَأَما مَا لَا تَسْتَطِيع نَفْيه عَنَّا فكمد وإدناف يَتَحَالَفَانِ لَا يبرحان اللَّهُمَّ فأبلغه عَنَّا اذكرنا يَا مُحَمَّد عِنْد رَبك ولنكن من بالك فلولا مَا خلفت من السكينَة لم نقم لما خلفته من الوحشة اللَّهُمَّ ابلغ نبيك عَنَّا واحفظه فِينَا ثمَّ خرج لما قضى النَّاس عبراتهم وَقَامَ خَطِيبًا فَخَطب فيهم خطْبَة جلها الصَّلَاة على النَّبِي مُحَمَّد ﷺ
[ ٤٨٨ ]
فَقَالَ فِيهَا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَخَاتم أنبيائه وَأشْهد أَن الْكتاب كَمَا أنزل وَأَن الدّين كَمَا شرع وَأَن الحَدِيث كَمَا حدث وَأَن القَوْل كَمَا قَالَ وَأَن الله هُوَ الْحق الْمُبين فِي كَلَام طَوِيل ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت وَإِن الله قد تقدم إِلَيْكُم فِي أمره فَلَا تَدعُوهُ جزعا وَإِن الله قد اخْتَار لنَبيه مَا عِنْده على مَا عنْدكُمْ وَقَبضه إِلَى ثَوَابه وَخلف فِيكُم كِتَابه وَسنة نبيه فَمن أَخذ بهما عرف وَمن فرق بَينهمَا أنكر ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ وَلَا يشغلنكم الشَّيْطَان بِمَوْت نَبِيكُم وَلَا يفتننكم عَن دينكُمْ وعاجلوا الشَّيْطَان بالخزي تعجزوه وَلَا تستنظروه فَيلْحق بكم فَلَمَّا فرغ من خطبَته قَالَ يَا عمر أَأَنْت الَّذِي بَلغنِي أَنَّك تَقول على بَاب نَبِي الله وَالَّذِي نفس عمر بِيَدِهِ مَا مَاتَ رَسُول الله أما علمت أَن نَبِي ارقال يَوْم كَذَا كَذَا وَكَذَا وَقَالَ الله فِي كِتَابه ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ فَقَالَ وَالله لكَأَنِّي لم أسمع بهَا فِي كتاب الله قبل الْآن لما نزل بِنَا أشهد أَن الْكتاب كَمَا أنزل وَأَن الحَدِيث كَمَا حدث وَأَن الله حَيّ لَا يَمُوت وَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون صلوَات الله على رَسُوله وَعند الله نحتسب رَسُوله ثمَّ جلس إِلَى أبي بكر
وَقد كَانَ الْعَبَّاس قل لَهُم إِن رَسُول الله
[ ٤٨٩ ]
ﷺ قد مَاتَ وَإِنِّي قد رَأَيْت فِي وَجهه مَا لم أزل أعرفهُ فِي وُجُوه بني عبد الْمطلب عِنْد الْمَوْت فَلم يرجِعوا لقَوْله حَتَّى كَانَ من أبي بكر مَا ذَكرْنَاهُ فَرَجَعُوا صابرين محتسبين بِقُوَّة نفس وَسُكُون جأش فِي الدّين وَلَو لم يظْهر مِنْهُ غير هَذَا الْفِعْل لَكَانَ كَافِيا فِي الْعلم بفضله وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من اجْتِمَاع مَا هُوَ مفترق فِي غَيره
ثمَّ مَا كَانَ من إِنْفَاذه جَيش أُسَامَة ومخالفته للكافة فِي ترك إِنْفَاذه مَعَ شدَّة خوفهم من الظفر من عدوهم وَقَوْلهمْ إِن هَذَا الْجَيْش فِيهِ الحامية من نقباء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأهل الرِّدَّة قد أطلعوا رؤوسهم وَسَاقُوا الْمَدِينَة فانتظر بإنفاذه انكشاف الرِّدَّة فَقَالَ وَالله لِأَن أخر من السَّمَاء فتخطفني الطير وتنهشني السبَاع أحب إِلَيّ من أَن أكون أول حَال لعقد عقده رَسُول الله ﷺ أنفذوا جَيش أُسَامَة
ونادى مناديه بخروجهم وَسَأَلَ نقباء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار عمر أَن يسْأَل أَبَا بكر أَن يصرف أُسَامَة ويولي من هُوَ أسن وأدرب بِالْحَرْبِ مِنْهُ فَسَأَلَهُ عمر ذَلِك فَوَثَبَ إِلَيْهِ وَأخذ لحيته بِيَدِهِ فهزها وَقَالَ ثكلتك أمك يَا ابْن الْخطاب وعدمتك أيوليه رَسُول الله ﷺ وتأمرني أَن أصرفه وَالله لَا يكون ذَلِك أبدا فَأَمرهمْ بِالْخرُوجِ وشيعهم أَبُو بكر حافيا وَالْعَبَّاس مَعَه وَمن بَقِي من الصَّحَابَة فِي الْمَدِينَة فَمَا زَالَ يَدْعُو لَهُم وَيَأْمُر الْعَبَّاس بالتأمين على دُعَائِهِ وَأُسَامَة يَقُول إِمَّا أَن تركب يَا خَليفَة رَسُول الله أَو أنزل وَهُوَ يَقُول لَا وَالله لَا أركب وَلَا تنزل وماذا عَليّ أَن تغبر قَدَمَايَ فِي تشييع غاز فِي
[ ٤٩٠ ]
سَبِيل الله تَعَالَى
فنفذ الْجَيْش وَفتح الله تَعَالَى لَهُم وغنم وَرجع فِي نَيف وَسِتِّينَ يَوْمًا وَلَقي بهم أهل الرِّدَّة
ثمَّ مَا كَانَ مِنْهُ فِي قتال أهل الرِّدَّة وسدة ثلم الْمَدِينَة وَخُرُوجه لمناضلتهم بِنَفسِهِ وَمن مَعَه حَتَّى دفعهم قبل عود جَيش أُسَامَة وندائه فِي الْمَدِينَة أَلا يؤوي أحد أحدا من رسل أهل الرِّدَّة لما وفدوا إِلَيْهِ الْوُفُود يسألونه الصُّلْح على ترك الزَّكَاة وَقَوله لما سَأَلُوهُ رفع السَّيْف عَنْهُم وأذعنوا بأَدَاء الزَّكَاة لَا وَالله أَو يَقُولُوا إِن قتلاهم فِي النَّار وقتلانا فِي الْجنَّة ثمَّ إِنْفَاذه خَالِد بن الْوَلِيد وَمن مَعَه من الجيوش إِلَى أهل الرِّدَّة ومسيلمة وَمن بِالْيَمَامَةِ من دعاة الْكفْر حَتَّى أبادهم واستأصل خضراءهم وأيد الله بِهِ الدّين وكشف الْغُمَّة وأزال الْكُرْبَة ورد الْحق إِلَى نصابه وانحسرت بيمنه الْفِتْنَة وضعفت مِنْهُ أهل الْكفْر وفشلوا قبل لِقَاء عسكره حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ الْمَشْهُور شعره
(أَلا عللاني قبل جَيش أبي بكر لَعَلَّ منايانا قريب وَمَا نَدْرِي)
(لَعَلَّ جيوش الْمُسلمين وخالدا سيطرقنا قبل الصَّباح من الْبر) فصبحتهم الْخَيل
قَالَ الرَّاوِي فَكَانَ رَأس هَذَا الشَّاعِر أول رَأس رمي بِهِ تدكدك فِي باطئة الْجَمْر
فَكيف لَا يصلح من هَذِه صفته لإمامة الْأمة هَذَا مَعَ مَا ظهر من علمه
[ ٤٩١ ]
وانتدابه لجمع الْقُرْآن وَأَنه لم يتلعثم فِي حكم نزل فِي أَيَّام نظره وَلَا رَجَعَ عَنهُ وَقد جلس مجْلِس النَّبِي وَخَلفه فِي أمته وَإِن ذَلِك لأمر عَظِيم ثمَّ مَا كَانَ من عَهده إِلَى عمر عِنْد مَوته وتسديده فِي رَأْيه وتنبيهه الْقَوْم على فضل رَأْيه وَمَكَان نظره مَا عمر بسبيله وَمَا هُوَ مَخْصُوص بِهِ مِمَّا سنذكر طرفا مِنْهُ فِي بَاب إِمَامَته
وببعض هَذِه الْأَوْصَاف والخلال وتسديد التَّدْبِير والرأي والمقال يصلح وَيسْتَحق الْإِمَامَة
فَإِن قَالُوا وَكَيف يكون أَبُو بكر مُسْتَحقّا لهَذَا الْأَمر مَعَ اعترافه بِأَنَّهُ مِمَّن يمِيل ويضل ويزل وَأَنه غير مَعْصُوم حَيْثُ يَقُول أَلا وَإِنِّي أَكْثَرَكُم شغلا وأثقلكم حملا فَإِن اسْتَقَمْت فَاتبعُوني وَإِن ملت فقوموني أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله فِيكُم وَإِذا عصيت الله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم وَمن سَبِيل الإِمَام أَن يكون مَعْصُوما قيل لَهُم هَذَا غلط لما قد بَيناهُ فِي صدر هَذَا الْكتاب من أَنه لَا يجب أَن يكون الإِمَام مَعْصُوما كَمَا لَا يجب عصمَة أمرائه وقضاته وعماله وَأَصْحَاب جيوشه ومسائله إِذْ كَانُوا يلون من ذَلِك مَا يَلِيهِ بِنَفسِهِ وَقد أوضحنا هَذَا بِمَا نستغني عَن رده
وَهَذَا الْكَلَام الَّذِي قَالَه من أدل الْأُمُور على فَضله وَأَدَاء الْأَمَانَة فِيمَا تحمل وَالْخَوْف من التَّقْصِير فِيهِ وَهُوَ ادّعى الْأُمُور إِلَى الرضى بِهِ والاجتماع على طَاعَته
فَإِن قَالُوا فَكيف يسْتَحق أَبُو بكر هَذَا الْأَمر وَهُوَ يعْتَرف بِأَن لَهُ شَيْطَانا يَعْتَرِيه حَيْثُ يَقُول فِي هَذِه الْخطْبَة أَلا وَإِن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي فَإِذا رَأَيْتُمْ
[ ٤٩٢ ]
ذَلِك فَلَا تقربوني لَا أوثر فِي أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وَأَقل أَحْوَال الإِمَام أَن يكون عَاقِلا سليما من عوارض الشَّيْطَان يُقَال لَهُم لَيْسَ على وَجه الأَرْض ذُو عقل يرى أَن أَبَا بكر كَانَ مَجْنُونا ومعترفا فِي هَذَا القَوْل بالصرع وَالْغَلَبَة وَلَو كَانَ على هَذِه الْحَال لما خَفِي أمره على الصَّحَابَة وَلَا تركُوا بأسرهم دفْعَة عَن هَذَا الْأَمر والاحتجاج بِأَنَّهُ مَجْنُون مُحْتَاج إِلَى العلاج دون الْإِمَامَة والمناظرة فِيهَا وَإِقَامَة الْحجَّاج وَهَذَا جهل مِمَّن بلغ إِلَيْهِ كفينا مؤونة كَلَامه وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك أَبُو بكر مخبرا بِأَن الشَّيْطَان يوسوس لَهُ ويلقي إِلَيْهِ كَمَا يوسوس فِي صُدُور جَمِيع الْخلق وَأَنه لَيْسَ بمباين لَهُم فِي هَذَا الْبَاب ليتقوا وَقت غَضَبه ووسوسته
وَهَذَا رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا من أحد إِلَّا وَله شَيْطَان) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن الله قد أعانني عَلَيْهِ فَأسلم) أفترى أَن رَسُول الله ﷺ أخبر فِي هَذَا القَوْل عَن جُنُونه حاشاه من ذَلِك وجنون سَائِر الصَّحَابَة إِن هَذَا لجهل عَظِيم واقتحام طريف
فَإِن قَالُوا فَكيف يكون أَبُو بكر مُسْتَحقّا لهَذَا الْأَمر وَهُوَ يَقُول فِي هَذِه الْخطْبَة وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ فألا علم بذلك أَن الْأَمر لمن هُوَ خير مِنْهُ وَأَنه ظَالِم فِي استبداده بِهِ قيل لَهُم فِي هَذَا أجوبة كَثِيرَة فأولها أَنه قَالَ ذَلِك محتجا على الْأَنْصَار وعَلى من ظن أَنه يتَأَخَّر عَنهُ لِأَنَّهُ قد وليهم الصَّلَاة وَرَسُول الله ﷺ حَاضر ولعمري إِنَّه لَا يجوز أَن يكون خير قوم فيهم رَسُول الله ﷺ فَكَأَنَّهُ قَالَ كَيفَ لَا أليكم بعد النَّبِي ﷺ وَقد وليتكُمْ مَعَ وجوده وَلست بِخَيْرِكُمْ إِذْ ذَلِك وَمِنْهَا أَنه يُمكن أَن يكون أَرَادَ بقوله وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ أَنِّي لست بِخَيْرِكُمْ قَبيلَة
[ ٤٩٣ ]
وعشيرة وَلِأَن نَبِي هَاشم أَعلَى مِنْهُ فِي ذرْوَة النّسَب لكَي يدلهم بذلك على أَن هَذَا الْأَمر الْعَظِيم لَيْسَ يسْتَحق بعلو النّسَب وَأَنه لَيْسَ بمقصور على بني هَاشم دون غَيرهم من قُرَيْش بِظَاهِر قَوْله ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش)
وَيُمكن أَن يكون أَرَادَ بقوله وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ أَي إِنَّه يجوز عَليّ من السَّهْو والغلط ووساوس الصُّدُور وخواطر النُّفُوس مَا يجوز من السَّهْو عَلَيْكُم لكَي يدلهم بذلك على فَسَاد قَول من زعم أَن هَذَا الْأَمر لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الوافر الْمَعْصُوم
وَيُمكن أَن يكون أَرَادَ بقوله وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ لَوْلَا أَن الله فضلني عَلَيْكُم بِحَق الْولَايَة فَأوجب عَلَيْكُم من طَاعَتي أَن صرت إِمَامًا وَأسْقط عني فرض طاعتكم وَيُمكن أَيْضا أَن يكون قد اعْتقد أَن فِي الْأمة أفضل مِنْهُ إِلَّا أَن الْكَلِمَة عَلَيْهِ أجمع وَالْأمة بنظره أصلح لكَي يدلهم على جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول عِنْد عَارض يمْنَع من نصب الْفَاضِل وَلِهَذَا مَا قَالَ للْأَنْصَار وَغَيرهم قد رضيت لكم أحد هذَيْن الرجلَيْن فَبَايعُوا أَحدهمَا عمر بن الْخطاب وَأَبا عُبَيْدَة بن الْجراح وَهُوَ يعلم أَن أَبَا عُبَيْدَة دونه وَدون عُثْمَان وَعلي فِي الْفضل غير أَنه قد رأى أَن الْكَلِمَة تَجْتَمِع عَلَيْهِ وتنحسم الْفِتْنَة بنظره وَهَذَا أَيْضا مِمَّا لَا جَوَاب لَهُم عَنهُ
فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون أَبُو بكر مُسْتَحقّا لهَذَا الْأَمر وَهُوَ يَقُول أقيلوني أقيلوني
قيل لَهُم لَيْسَ فِي استقالته من تحمل ثقل الْإِمَامَة لفضل دينه وخشيته وورعه مَا يقعده عَن اسْتِحْقَاقهَا وَمَا يَنْبَغِي لفاضل عرضت عَلَيْهِ أَن يظْهر المسارعة إِلَيْهَا وَالسُّرُور بهَا فَإِن ذَلِك ملق لَهُ فِي الظنة ومورط للْقَوْم فِي التُّهْمَة فَمَا قَالَ من ذَلِك إِلَى مَا يَقُوله مثله فِي الْفضل والتقدم وَلَو أقالوه وولوا غَيره لَكَانَ جَائِزا وَقد قَالَ الْقَائِلُونَ بِالنَّصِّ على إِمَامَته إِنَّه إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا القَوْل وَبِقَوْلِهِ وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ امتحان الْقَوْم ليرى من يقبل هَذَا القَوْل ليعرف بذلك الْمُطِيع من العَاصِي وقابل النَّص عَلَيْهِ من الرَّاد لَهُ فيقومه بِمَا يقوم مثله بِهِ قَالُوا وَهَذَا بِمَنْزِلَة قَول عمر لِحُذَيْفَة لما قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ
[ ٤٩٤ ]
عرفه الْمُنَافِقين نشدتك بِاللَّه هَل أَنا مِنْهُم فَقَالَ لَا وَلَا أخبر بعْدك أحدا وَقد علم أَن عمر لم يشك فِي إيمَانه وَأَنه لَيْسَ بمنافق وَأَنه لَو كَانَ منافقا لَكَانَ يعلم ذَلِك من نَفسه فَلَا معنى لاستعلامه حَال نَفسه من حُذَيْفَة وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك امتحانا ليعلم صدقه من كذبه وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِبَعِيد فِي التَّأْوِيل
فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون أَبُو بكر مُسْتَحقّا لهَذَا الْأَمر وَعمر يَقُول قولا ظَاهرا على الْمِنْبَر أَلا إِن بيعَة أبي بكر كَانَت فلتة وقى الله شَرها وَأمر بقتل من عَاد إِلَى مثلهَا بقوله فِي هَذَا الْخَبَر فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ قيل لَهُم مَا شككنا فِي شَيْء فَإنَّا لَا نشك وَإِيَّاكُم فِي أَن عمر لم يكن مَجْنُونا وَلَا مخلطا وَهَذَا الْكَلَام إِن حمل على مَا قُلْتُمْ صَار فِي حكم الْجُنُون من قَائِله لِأَن عمر كَانَ يحْتَج على النَّاس فِي إِثْبَات إِمَامَته وَالدُّعَاء إِلَى طَاعَته والانقياد لَهُ فِي الْإِمَامَة بِعقد أبي بكر لَهُ الْأَمر وَعَهده إِلَيْهِ فِيهِ وَإِذا كَانَت بيعَة أبي بكر بَاطِلَة يجب قتل صَاحبهَا وَمن عَاد إِلَى مثلهَا وَجب أَن يكون عَهده إِلَى عمر بَاطِلا كعهد أبي بكر وموجبا لقتل عمر وَقتل من نظر فِي أُمُور الْمُسلمين بعدهمْ من إِمَام فَكَانَ يجب أَن تَقول لَهُ الصَّحَابَة فَأَنت أَيْضا مِمَّن يجب قَتلك وَلَا يجب الْعَمَل على عَهْدك فِي الشورى
وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَام لما عهد إِلَيْهِم فِي الشورى على الْمِنْبَر وَكَانَ يجب أَن يُقَال لَهُ أَيْضا قد قلت فِيمَن هَذَا وَصفه وددت أَن أكون شعره فِي صَدره وَمَا سابقته إِلَى خير قطّ إِلَّا سبقني إِلَيْهِ
[ ٤٩٥ ]
وَكَانَ وَالله من خيرنا يَوْم توفّي رَسُول الله ﷺ وأمثال هَذِه الْأَقَاوِيل
وَهَذَا الاختلال لَا يتهم عمر بِهِ إِلَّا مخلط جَاهِل
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى الْخَبَر قيل لَهُم إِن عمر كَانَ يعْتَقد أَن أَبَا بكر كَانَ أفضل الْأمة ومبرزا فيهم بِالْفَضْلِ وَغير مشتكل الْأَمر وَأَنه كَانَ يسْتَحق أَخذهَا بالمناظرة عَلَيْهَا وَأَن من بعْدهَا متقاربون فِي الرُّتْبَة وَالْفضل لَا يستحقونها على ذَلِك الْوَجْه وَلذَلِك جعلهَا شُورَى فِي سِتَّة
وَقَوله كَانَت فلته أى تمت على غير إِعْمَال فكر وَلَا روية بل استوثقت فجاءة وَقَوله وقى الله شَرها يَعْنِي شَرّ الْخلاف عَلَيْهَا وشق الْعَصَا عِنْد تَمامهَا فَإِنَّهُ بعيد عِنْده أَن يتم ذَلِك مَعَ مَا رأى من توَاثب الْأَنْصَار عَلَيْهَا واطلاع الْفِتْنَة رَأسهَا وَقَوله فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ إِنَّمَا أَرَادَ إِلَى مثل قَول الْأَنْصَار وَمَا حُكيَ عَن الْأَنْصَار من إرادتهم نصب إمامين فِي وَقت وَاحِد بقَوْلهمْ منا أَمِير ومنكم أَمِير ولإخراجهم الْأَمر من قُرَيْش إِلَى غَيرهم وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ حرَام فعلهمَا فِي الدّين وجالبان الْفِتْنَة وَإِنَّمَا عظم غلط الْأَنْصَار فيهمَا فَقَالَ لأهل الشورى وَغَيرهم لما عهد إِلَيْهِم فِيهَا إِن من عَاد إِلَى مثل قَول الْأَنْصَار فَاقْتُلُوهُ
وَيُمكن أَن يكون أَرَادَ من حاول أَخذهَا بالمناظرة عَلَيْهَا وَإِظْهَار التَّقَدُّم والتبريز بِالْفَضْلِ على وَجه مَا فعله أَبُو بكر وَعرف ذَلِك من أمره فَاقْتُلُوهُ لِأَنَّهُ لم يبْق فِي هَذِه الْأمة من هَذِه مَنْزِلَته
وَإِذا كَانَ كَذَلِك سقط مَا تعلقوا بِهِ وَصَحَّ بِهَذِهِ الْجُمْلَة إِمَامَة أبي بكر ﵁ ونضر وَجهه
بَاب الْكَلَام فِي أُمَامَة عمر ﵁
إِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على إِثْبَات إِمَامَة عمر قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَن أَبَا بكر عهد إِلَيْهِ بِمحضر من جلة الصَّحَابَة بعد تقدمه إِلَيْهِم وَأمره بِالنّظرِ فِي أُمُورهم والتشاور فِي إمامتهم وردهم الْأَمر إِلَى نظره ورأيه فَقَالَ سأخبركم باختياري وَخرج معصوبا رَأسه فَخَطب خطبَته الْمَشْهُورَة فوصف فِيهَا عمر بصفاته ونعته بأخلاقه وَذكر شدته فِي غير عنف وَلينه من غير ضعف
[ ٤٩٦ ]
وَقدرته على الْأَمر ثمَّ أجَاب طَلْحَة لما قَالَ لَهُ تولي علينا فظا غليطا مَاذَا تَقول لِرَبِّك إِذا لَقيته قد فركت لي عَيْنَيْك ودلكت لي عقبيك وجئتني تلفتني عَن رَأْيِي وتصدني عَن ديني وَالله لتتركن عضيهته أَو لأنفينك فِي كَلَام لَهُ طَوِيل أَقُول إِذا سَأَلَني وليت عَلَيْهِم خيرا أهلك ثمَّ قَالَ وَالله لتألمن النّوم على الصُّوف الأذربي كَمَا يألم أحدكُم النّوم على حسك السعدان يَا هادي الطَّرِيق جزت إِنَّمَا هُوَ الْبَحْر أَو الْفجْر فِي كَلَام لَهُ قد ذَكرْنَاهُ فِي غير هَذَا الْموضع
وَقد اعْترف طَلْحَة بصواب رَأْيه وَوصف عمر لما شاورهم بِالْخرُوجِ بِنَفسِهِ إِلَى مُلُوك نهاوند بِمَا وَصفه أَبُو بكر وفوقه وَقَالَ لَهُ فِي كَلَام مَشْهُور لقد استقامت الْعَرَب عَلَيْك وَفتح الله على يَديك فسر بِنَا فَإنَّا لَا نستعصي عَلَيْك وَمَا هَذَا مَعْنَاهُ من قَول طَلْحَة وَقد قَالَ طَلْحَة وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن
[ ٤٩٧ ]
لأبي بكر امْضِ لشأنك وأنفذ أَمرك واعهد إِلَى عمر فَإِنَّهُ أهل لَهَا وَمَا هَذَا نَحوه
وَقَالَ عُثْمَان لقد أحضرني أَبُو بكر وَقَالَ لي اكْتُبْ هَذَا مَا عهد بِهِ أَبُو بكر عبد الله بن قُحَافَة آخر عَهده بالدنيا وَقت يسلم فِيهَا الْكَافِر ويبر فِيهَا الْفَاجِر وَثقل لِسَانه فَلم يبن عَن نَفسه فَكتبت إِلَى عمر فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لي من كتبت قَالَ عُثْمَان قلت عمر فَقَالَ أصبت مَا فِي نَفسِي وَلَو كتبت نَفسك لَكُنْت لَهَا موضعا مطيبا لنَفسِهِ وتوخيا لرضاه وتركا للتعسف والجبرية فَلم يخب فِي عمر رَأْيه وَلَا خَابَ ظَنّه بل زَاد على مَا أمله مِنْهُ وَقدره فِيهِ وَظهر من جلده وشدته فِي الله وصرامته مَا لَا خَفَاء بِهِ فَافْتتحَ الْفتُوح وجند الأجناد ومصر الْأَمْصَار واستأصل الْمُلُوك وَاسْتولى على دِيَارهمْ وأبعدهم عَن ممالكهم وَتَنَاول نفوس أَكْثَرهم وَصلح بنظره الْحَاضِر والبادي والقاصي والداني وقومهم بِالدرةِ دون السَّيْف وَأقَام الدعْوَة وَقَالَ لَئِن عِشْت للْمُسلمين ليبلغن الرَّاعِي حَقه بعدن من هَذَا المَال متواضعا فِي جَمِيع ذَلِك لرَبه خَاشِعًا لأَمره غير وان فِي شَيْء مِمَّا يلْزمه الْقيام بِهِ لَا تغيره الإمرة وَلَا تبطره النِّعْمَة وَلَا يستطيل على مُؤمن بسلطانه وَلَا يحابي أحدا فِي الْحق لعظم شَأْنه وَلَا يدع استخراجه للضعيف لضَعْفه وَلَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم يحمل الجرة بِنَفسِهِ ويلبس المرقع ويباشر نَفَقَة الأرامل وَأهل الْمنَازل بِنَفسِهِ وَيَطوف عَلَيْهِم فِي ليله ونهاره حَتَّى سمع فِي بعض اللَّيَالِي قَول امْرَأَة لبَعض أهل الْبعُوث تَقول
(تطاول هَذَا اللَّيْل وازور جَانِبه وأرقني أَلا حبيب ألاعبه)
(فوَاللَّه لَوْلَا الله لَا شَيْء غَيره لزعزع من هَذَا السرير جوانبه) فَعرف الدَّار وصاحبها فَقَالَ لحفصة وَأهل التجربة من النِّسَاء كم أَكثر مَا يصبر النِّسَاء عَن أَزوَاجهنَّ فَقُلْنَ لَهُ أَرْبَعَة أشهر فَكَانَ لَا يحبس الْبَعْث أَكثر من أَرْبَعَة أشهر وَحَتَّى قَالَت عَائِشَة وَعبد الرَّحْمَن وَعَمْرو بن
[ ٤٩٨ ]
الْعَاصِ وَغَيرهم من الصَّحَابَة مِمَّن وَصفه إِن عمر أبدت لَهُ الدُّنْيَا زينتها وزخرفها وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ أفلاذ كَبِدهَا يَعْنِي كنوز الذَّهَب فَمشى ضحضاحها وَخرج مِنْهَا سليما مَا ابتلت قدماه فِي أَمْثَال هَذِه الْأَقَاوِيل ثمَّ يُحَاسب عماله
[ ٤٩٩ ]
ويتفقد أُمُورهم ويسترجع مَال الله تَعَالَى وَلَا يوليهم أَكثر من سنة ويلين لمن خنع مِنْهُم ويعنف على من تجبر ثمَّ ينزل إِلَى تَدْبِير آرائهم وَأمر متاجرهم وَأَوْلَادهمْ وضياعهم وَيَقُول لَهُم تمعددوا وَاخْشَوْشنُوا واقطعوا الركب وانزوا على الْخَيل نَزْوًا واحفوا وَانْتَعِلُوا فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ مَتى تكون الجفلة وَيكْتب إِلَى أهل الْبَصْرَة علمُوا أَوْلَادكُم العوم ورووهم مَا سَار من الْمثل وَلَا تنهكوا الأَرْض فَإِن شحمتها فِي وَجههَا وَقد كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الْبُنيان فَإذْ قد فَعلْتُمْ فعلوا الْجدر وقاربوا بَين الْخشب وباعدوا الحشوش عَن الْمجَالِس وَيَقُول للنَّاس إِذا اشتريتم بَعِيرًا فاشتروه ضخما فَإِن أَخطَأ خَبرا لم يخطىء سوقا
وَيَقُول لأبي عُبَيْدَة بن الْجراح وَقد قَالَ لَهُ لما رَآهُ فِي بعض طرق الشَّام وَقد انحط عَن بعيره وردم الخطام على عُنُقه وحسر عَن سَاقيه ليعبر
[ ٥٠٠ ]
ضحضاحا وَهُوَ يَقُود بعيره يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتفعل هَذَا وَلَك الكفاة من أَصْحَابك وَأَنت بِإِزَاءِ عَدو يدل بمنة وقدرة فَقَالَ عمر اسْكُتْ يَا ابْن عَامر أَو يَا ابْن أخي عَامر وَالله مَا أعزكم الله بعد الذلة وكثركم بعد الْقلَّة إِلَّا بالخنوع والاستكانة فَإِن تروموا الْعِزّ بغَيْرهَا تهلكوا فِي يَد عَدوكُمْ
وَيكْتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ آس بَين النَّاس فِي مجلسك ونظرك حَتَّى لَا يطْمع شرِيف فِي حيفك وَلَا ييأس ضَعِيف من إنصافك وَلَا يمنعنك قَضَاء قَضيته راجعت فِيهِ رَأْيك وهديت فِيهِ لرشدك أَن ترجع إِلَى الْحق فَإِن الرُّجُوع إِلَى الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل
الْفَهم الْفَهم
وَيَقُول للنَّاس أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخُو الْمُؤمنِينَ فَإِن لم يكن أَخا الْمُؤمنِينَ فَهُوَ عَدو للْمُؤْمِنين
وَيَقُول رحم الله أمرأ أهْدى إِلَيْنَا عيوبنا
وَيَقُول فِي جَوَاب الْمَرْأَة الَّتِي راجعته فِي النَّهْي عَن الْمُبَالغَة فِي مُهُور النِّسَاء وَقَوْلها لَهُ لم تَمْنَعنَا مِمَّا قد جعل الله لنا وَالله يَقُول ﴿وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتانا وإثما مُبينًا﴾ فَقَالَ امْرَأَة أَصَابَت وَرجل أَخطَأ وأمير ناضل فنضل واسترجع وَقَالَ كل النَّاس أفقه مِنْك يَا عمر
وَيَقُول إِذا تأدى إِلَيْهِ الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ (لَوْلَا هَذَا لقضينا فِيهِ برأينا وكدنا أَن نقضي
[ ٥٠١ ]
فِيهِ برأينا)
وَيَقُول (لَوْلَا عَليّ لضل عمر وَلَوْلَا معَاذ لهلك عمر)
وَلَا ينفذ الْأَحْكَام إِلَّا بمجمع من أَصْحَابه وحضورهم ومشاورتهم مَعَ فَضله وفقهه وَحسن بصيرته بمأخذ الْأَحْكَام وطرق الْقيَاس وَمَعْرِفَة الْآثَار
وَلَو لم يظْهر ذَلِك من أَفعاله وَلم يعلم من سَرِيرَته وأخلاقه لكفى فِي بَابه وَالْعلم بفضله وتقدمه مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ فِيهِ نَحْو قَوْله (لما اسْتَأْذن على النَّبِي ﷺ وَعِنْده نفر من نِسَائِهِ وغيرهن وَقد علت أصواتهن فِي مُخَاطبَة النَّبِي ﷺ حَتَّى اسْتَأْذن عمر وعرفن صَوته ابتدرن الْحجاب فَلَمَّا دخل على رَسُول الله ﷺ ضحك فَقَالَ لَهُ عمر مِم تبسمك أضْحك الله سنك فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ عجبت من هَؤُلَاءِ اللائي كن يضحكن فَلَمَّا سمعن صَوْتك ابتدرن بالحجاب
فحول عمر وَجهه نَحْو الْبَيْت الَّذِي هن فِيهِ وَقَالَ أَي عدوات أنفسهم أتهبنني وَلَا تهبن رَسُول الله ﷺ فوَاللَّه إِنَّه لأحق أَن تهبنه
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تلمهن يَا عمر واخفض عَنْهُن فوَاللَّه مَا سلكت فجا قطّ إِلَّا وسلك الشَّيْطَان فجا غير فجك يَا عمر)
وَقَوله (لَو لم أبْعث فِيكُم لبعث عمر) و(لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر) و(إِن الله ضرب الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه يَقُول الْحق وَإِن كَانَ مرا)
وَقَوله (إِن مِنْكُم لمحدثين ومتكلمين وَإِن عمر لمنهم)
وَقَوله (عمر قفل الْإِسْلَام)
وَقَوله (اللَّهُمَّ أعز الْإِسْلَام وأيد هَذَا الدّين بِأحد هذَيْن
[ ٥٠٢ ]
الرجلَيْن عمر بن الْخطاب أَو بِأبي جهل بن هِشَام) فسبقت الدعْوَة فِي عمر وَأظْهر الله الدّين وأعز بِهِ الْمُؤمنِينَ
وَقَوله (لَا يعبد الله سرا بعد هَذَا الْيَوْم)
وَكَانَ يَقُول لأهل مَكَّة إِذْ ذَاك وَالله لَئِن بلغت عدتنا مائَة لتتركونها لنا أَو نتركها لكم)
يُرِيد أَنه كَانَ ينصب راية الْحَرْب بِمَكَّة ويحاربهم على إِقَامَة الْحق
وتتبع فضائله ومناقبه واستيعاب قَول النَّبِي ﷺ فِيهِ وَقَول الصَّحَابَة نَحْو قَوْلهم كَانَ وَالله عمر لِلْإِسْلَامِ حصنا حصينا يدْخل النَّاس فِيهِ وَلَا يخرجُون مِنْهُ فَلَمَّا مَاتَ انثلم وانهدم ذَلِك الْحصن وَالله مَا صلينَا ظَاهِرين حَتَّى أسلم عمر إِلَى مِثَال ذَلِك مِمَّا قَالُوهُ نظما ونثرا مِمَّا يطول وَيكثر
فَبَان بِهَذِهِ الْجُمْلَة أَنه بِصفة من يصلح الْعَهْد إِلَيْهِ والابتداء بِالْعقدِ لَهُ وَفَوق صفة الْإِمَامَة الَّتِي يتوخاها ويبتغيها العاقدون
بَاب الدّلَالَة على صِحَة الْعَهْد من أبي بكر إِلَى عمر وَمن كل إِمَام عدل إِلَى من يصلح لهَذَا الْأَمر
فَإِن قَالَ قَائِل قد أوضحتم أَن عمر بِصفة من يصلح لإمامة الْمُسلمين وَابْتِدَاء العقد لَهُ فَمَا الدَّلِيل على صِحَة عهد أبي بكر إِلَيْهِ وَأَنه جَار مجْرى العقد لَهُ قيل لَهُ الدَّلِيل على صِحَة ذَلِك أَن أَبَا بكر عهد إِلَيْهِ بِمحضر من الصَّحَابَة وَالْمُسْلِمين على صفة مَا ذَكرْنَاهُ فأقروا جَمِيعًا عَهده وصوبوا رَأْيه وَلم
[ ٥٠٣ ]
يقل قَائِل مِنْهُم لم تعهد فِي أَمر مَا جعل الله لَك الْعَهْد فِيهِ وَلَا قَالَ ذَلِك قَائِل فِي غير مَجْلِسه وَلَا بعد وَفَاته وَلَو كَانَ عَهده إِلَى عمر خطأ فِي الدّين لسارعوا إِلَى تَعْرِيفه ذَلِك وموافقته عَلَيْهِ ولكان أَجْدَر من قَول قَائِلهمْ أتولي علينا فظا غليظا إِذْ كَانَ لَيْسَ لَهُ أَن يولي عَلَيْهِم أحدا لَا فظا وَلَا رَفِيقًا وَكَانَ تنبيهه على ذَلِك وادكاره بِهِ ومطالبته بِتَرْكِهِ أولى من خوضهم فِي صفة من يعْهَد إِلَيْهِ لِأَن الْكَلَام فِي صفة من يعْهَد إِلَيْهِ فرع للْكَلَام فِي صفة الْعَهْد أَولا وَإِذا لم يَصح الْعَهْد جملَة سقط الْخَوْض فِيهِ فِي صفة الْمَعْهُود إِلَيْهِ وزالت المؤونة وَمثل هَذَا الْخَطَأ والتفريط الظَّاهِر لَا يجوز على كَافَّة لمسلمين وقادة الْأَنْصَار والمهاجرين لِأَن الْأمة لن تَجْتَمِع فِي عصر الصَّحَابَة وَلَا فِي غَيره على خطأ وإمساك عَن إِنْكَار مَا من سَبيله أَن يُنكر حَتَّى لَا يكون فِيهَا إِلَّا متدين بِصِحَّة الْعَهْد من الإِمَام إِلَى غَيره وَقَائِل بِهِ ومصوب لَهُ لِأَن القَوْل بالعهد وَفعله خطأ من فَاعله الرضي بِهِ وَالْإِقْرَار لَهُ خطأ من الْمقر لَهُ إِذْ كَانَ الْعَهْد خطأ فِي الدّين وَالْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ
وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا إِجْمَاع أهل الِاخْتِيَار الَّذين هم أهل الْحق فِي القَوْل بِالْإِمَامَةِ أَن للْإِمَام أَن يعْهَد إِلَى إِمَام بعده ولسنا نَعْرِف مِنْهُم من يُنكر ذَلِك وَلَا يثبت عَن أحد مِنْهُم بِرِوَايَة شَاذَّة ومقالة مروية أَنه لم يكن قَائِلا بهَا وَلَا ذَاهِبًا إِلَيْهَا
وَيدل على ذَلِك أَيْضا ويوضحه علمنَا أَن الإِمَام الْعدْل لَو لم يكن إِمَامًا وَكَانَ رجلا من الرّعية لَكَانَ لَهُ أَن يبتدىء العقد لمن يصلح للْإِمَامَة وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فكونه إِمَامًا لَا يحطه عَن هَذِه الرُّتْبَة فَوَجَبَ أَن يكون لَهُ أَن يعْقد على إِمَام بعده ويعهد إِلَيْهِ كَمَا كَانَ لَهُ أَن يبتدىء العقد لَهُ لِأَن العقد فِي الْحَقِيقَة عقد على صفة فصح بذلك مَا قُلْنَاهُ
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم من تَحْرِيم الْعَهْد من الإِمَام لغيره لموْضِع التُّهْمَة من العاهد وتجويز ميله إِلَى الْمَعْهُود إِلَيْهِ وإيثاره لولايته قيل لَهُ هَذِه التُّهْمَة مَعْصِيّة لله مِمَّن جناها وظنها بِإِمَام الْمُسلمين إِذا كَانَ عفيفا مَشْهُورا ظَاهر الْعَدَالَة منصفا للْأمة لم تكن مِنْهُ خِيَانَة لَهُم فِي مُدَّة أَيَّام نظره وَلَا مخاتلة وَلَا جبرية فَهُوَ بألا يتهم بعد الْمَوْت ويحتقب عَظِيم الْإِثْم فِي تسليط ظَالِم
[ ٥٠٤ ]
عَلَيْهِم أَو جَاهِل بأمورهم أولى وَفِي هَذَا مَا يُوجب أَن يكون ظن الْمُسلمين بإمامهم الَّذِي لم يعرفوه إِلَّا بالصلاح والاستقامة والتهمة لَهُ ذَنبا مِنْهُم تجب التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار مِنْهُ
وَلَا يجوز أَن يبطل الْعَهْد مِنْهُ إِلَى من عهد إِلَيْهِ وَإِن كَانَ مِمَّن يصلح أَن يبتدىء العقد على غَيره لأجل هَذِه التُّهْمَة وعَلى أَن هَذَا الْمَعْنى قَائِم فِي الْعَاقِد كوجوده فِي العاهد
فَيجب أَيْضا أَن يبطل عقد الْعَاقِد لغيره لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يعقل لمن يمِيل إِلَى نظره ويؤثر ولَايَته ويرجو الِاعْتِدَاد وَالِانْتِفَاع بِهِ مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ غير مقصر فِي هَذَا الشَّأْن فَلَمَّا لم يجز إبِْطَال العقد بِهَذِهِ التُّهْمَة لم يجز إبِْطَال الْعَهْد
فَصحت بِهَذِهِ الْجُمْلَة إِمَامَة عمر ﵁ وَأَنه بِصفة من يصلح الْعَهْد إِلَيْهِ وَابْتِدَاء العقد لَهُ وَكَانَ الْعَاقِد لَهُ إِمَامًا عدلا رضى بِصفة من لَهُ أَن يعْهَد إِلَى غَيره
بَاب الْكَلَام فِي إِمَامَة عُثْمَان ﵁ وَصِحَّة فعل عمر فِي الشورى
إِن سَأَلَ سَائل فَقَالَ مَا الدَّلِيل على إِثْبَات إِمَامَة عُثْمَان ﵁ قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عقدهَا لَهُ بِمحضر من أهل الشورى سوى طَلْحَة وَأَن طَلْحَة بَايعه لما قدم وَعلم ضَرُورَة من حَاله رِضَاهُ بإمامته وَأَن عُثْمَان فِي فَضله وسابقته وقرابته وجهاده بِنَفسِهِ وَمَاله وَمَا هُوَ بسبيله من الْإِحَاطَة بِحِفْظ الْقُرْآن وَمَعْرِفَة الإحكام والحلال وَالْحرَام
وَقد كملت لَهُ الْخلال الَّتِي يصلح مَعهَا التَّقَدُّم لإمامة الْمُسلمين هَذَا مَعَ مَا قد عرف من كَثْرَة مناقبه وَفضل جهاده وإنعامه وَأَنه مجهز جَيش الْعسرَة ومشتري بِئْر رومة وموسع مَسْجِد النَّبِي ﷺ من مَاله
[ ٥٠٥ ]
وَكَونه من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين وتزويج النَّبِي ﷺ ابْنَتَيْهِ مِنْهُ وَقَوله (لَو كَانَت لنا ثَالِثَة لزوجناك) وَقَوله فِي خبر آخر (لَو أمدنا الله بالبنات لأمددناك بالأزواج) وَقَوله (عُثْمَان أخي ورفيقي فِي الْجنَّة) وَقَوله لما ستر رُكْبَتَيْهِ عِنْد دُخُول عُثْمَان عَلَيْهِ (أَلا أستحي مِمَّن تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة) وَقَوله فِيهِ وَفِي عَليّ لما أَتَيَاهُ فِي شَيْء حمل إِلَى النَّبِي ﷺ بعد أَن طرح عَليّ جُبَّة شعر (هَكَذَا تدخلان الْجنَّة وَلَا يحبكما إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضكما إِلَّا مُنَافِق) وَحكمه لَهُ بِأَنَّهُ يقتل شَهِيدا وَأمره إِيَّاه بألا يخلع ثوبا كَسَاه الله إِيَّاه فِي أَخْبَار كَثِيرَة يطول تعدادها مَعَ تَسْبِيح الْحَصَى فِي يَده وَقَوله (اسكن حراء فَمَا عَلَيْك إِلَّا نَبِي وصديق وشهيد) وَفِي بعض الْأَخْبَار شهيدان فَوَجَبَ بذلك أجمع أَن يكون
[ ٥٠٦ ]
بِصفة من يصلح لهَذَا الشَّأْن
فَإِن قَالُوا فَمَا الدَّلِيل على أَن لعمر أَن يَجْعَلهَا شُورَى فِي نفر من الْمُسلمين
قيل لَهُم لَيْسَ الْكَلَام فِي تَصْحِيح الشورى مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي إِثْبَات إِمَامَة عُثْمَان لِأَن السِّتَّة الَّذين هم أَهلهَا كَانُوا أفضل الْأمة وأحق النَّاس بِهَذَا الْأَمر وبالنظر فِيهِ فَلَو أَنهم اجْتَمعُوا بِأَنْفسِهِم ونظروا فِي أَمر إمامتهم وَعقد عبد الرَّحْمَن أَو غَيره لوَاحِد مِنْهُم لتمت بيعَته وَلزِمَ الإنقياد لَهُ
فَلَو اعترفنا بغلط عمر فِي جعله شُورَى فيهم لم يضر ذَلِك بِصِحَّة عقد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لعُثْمَان ﵄ غير أَن الْبَرَاهِين الْوَاضِحَة ودلت على صَوَابه وتسديد رَأْيه وَشدَّة احتياطه للْأمة لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَن يعْهَد إِلَى وَاحِد مِنْهُم فَلَمَّا ترجح الْأَمر فِي نَفسه وأشكل عَلَيْهِ وَلم يرد صَلَاح الْأمة على أَيهمْ يكون أَكثر وَخَافَ هرجا وَفَسَادًا بعهده وَعلم أَنهم أفاضل الْأمة وبلغه أَن قوما يَخُوضُونَ فِي أَمر الْإِمَامَة يُرِيدُونَ إخْرَاجهَا عَن جَمِيع السِّتَّة وَأخْبرهُ بذلك عبد الرَّحْمَن وَغَيره فَقَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا بفضلهم وَأخْبرهمْ أَن الْأَمر لَا يعدوهم وَأَنه فيهم فَقَالَ لَهُم فِي خطبَته الْمَشْهُورَة أَلا وَأَنِّي رَأَيْت كَأَن ديكا نقرني نقرة أَو نقرتين وَمَا أَظن ذَلِك إِلَّا اقتراب أَجلي أَلا وَإِنِّي جعلت الْأَمر شُورَى فِي هَؤُلَاءِ السِّتَّة الرَّهْط الَّذين توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاض وَقد بَلغنِي أَن قوما يَقُولُونَ لَئِن مَاتَ عمر لنولين فلَانا أُولَئِكَ أَعدَاء الله الضلال الْجُهَّال وَالله لقد جالدتهم بيَدي هَذِه على الْإِسْلَام
[ ٥٠٧ ]
وَهَذَا غَايَة مَا يكون من الإحتياط للْأمة وحسم مَادَّة الْفِتْنَة وإطماع من طمع فِي هَذَا الْأَمر من غير أَهله وتنبيهه للْمُسلمين على فضل فاضلهم والتوقيف على مراشدهم ومصالحهم وَقد كَانُوا قَالُوا لعمر أَلا تعهد فَقَالَ إِن أَعهد فقد عهد من هُوَ خير مني يَعْنِي أَبَا بكر وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خير مني يَعْنِي رَسُول الله ﷺ وَذكر لَهُ عبد الله ابْنه لأجل فَضله وَعلمه ونسكه وَكَثْرَة الرِّضَا بِمثلِهِ فَقَالَ لم أكن بِالَّذِي أتحملها حَيا وَمَيتًا وَقَالَ يَكْفِي آل الْخطاب أَن يسْأَل مِنْهُم رجل وَاحِد
وَقَالَ أما إِنَّه لَو حضرني سَالم مولى أبي حُذَيْفَة لرأيت أَنِّي قد أصبت الرَّأْي وَمَا تداخلني فِيهِ الشكوك وَفِي خبر آخر أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح أَو سَالم يُرِيد مُشَاورَة سَالم وَأخذ رَأْيه دون العقد لَهُ لِأَنَّهُ أحد
[ ٥٠٨ ]
المحتجين على الْأَنْصَار بقول النَّبِي ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) وَهَذَا مَا لَا مطلب وَرَاءه من الِاحْتِيَاط وَلَا احْتِيَاط بعده
وَيَا لَيْت شعري مَا الَّذِي حظر على عمر جعلهَا شُورَى وإخبار الْمُسلمين أَنهم أفضل الْأمة وَأَن الْإِمَامَة لَا تعدوهم وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على مَا ذكر هَذَا مَعَ خَوفه مِمَّا أنهِي إِلَيْهِ من طمع من لَيْسَ من أهل هَذَا الْأَمر ثمَّ مَنعهم من أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَاحِد مِنْهُم خوفًا من أَن يظنّ أَو يقدر أَنه كالنص عَلَيْهِ وَأَن رَأْيه فِيهِ وَأَن يصير ذَلِك حجَّة لمن اعْتقد مِنْهُم تَعْظِيم نَفسه وَأَنه أولى بِالْأَمر مِنْهُم أَو لِأَن لَا يكرههُ كَارِه أَو ينفر عِنْد تقدمه نافر فتهيج فتْنَة تعود بتفريق الْكَلِمَات وشتات الرَّأْي وَخُرُوج الْأَمر عَن نصابه وَقدم لَهُم من لَا يَشكونَ فِي أَمَانَته وصلاحه وَهُوَ صُهَيْب فصلى بهم أَيَّام مشورتهم حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ
(صلى صُهَيْب ثَلَاثًا ثمَّ أرسلها على ابْن عَفَّان ملكا غير مقسور) وَقَالَ لَا تنتظروا طَلْحَة أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن قدم وَإِلَّا فأنفذوا أَمركُم وَقَالَ لَهُم فَإِن انقسم الْقَوْم شطرين فكونوا فِي حيّز عبد
[ ٥٠٩ ]
الرَّحْمَن بن عَوْف لعلمه بأمانته وثقته وَأَنه مرضِي عِنْد الكافة وأزهدهم فِي هَذَا الْأَمر على أَن هَذِه الرِّوَايَة شَاذَّة غير مَعْلُومَة وَلم يكن يبعد إِذا اعْتقد هَذَا أجمع فِي عبد الرَّحْمَن أَن ينص عَلَيْهِ أَو يعْهَد إِلَيْهِ وَظَاهر الْفِعْل الْمُتَّفق عَلَيْهِ يدل على اعتدالهم فِي نَفسه وتقاربهم فِي الْمنزلَة وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من صَلَاح الْأمة
وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَكَانَ عمر بِمَا قدمْنَاهُ إِمَامًا عدلا مرضيا وَقد خَالف من الْأَمر مَا وَصفه وَعلم احتياطه وَجب أَن يكون جعله لَهَا شُورَى إِحْدَى فضائله ومناقبه ومضافا إِلَى مَا سلف من إنعام نظره للْمُسلمين ونصحه إيَّاهُم
فَإِن قَالُوا كَيفَ يجوز أَنه يكون قَاصِدا للْمصْلحَة وَحسن النّظر للْأمة بِهَذَا القَوْل مَعَ مَا رُوِيَ عَنهُ من ذمَّة لجَمِيع أهل الشورى وَوَصفه لَهُم بِأَنَّهُم لَا يقومُونَ بِالْإِمَامَةِ وَلَا يصلحون لَهَا نَحْو مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه أَمر بهم يَوْمًا وهم مجتمعون فَأقبل عَلَيْهِم وَقَالَ لَهُم أكلكم يطْمع فِي هَذَا الْأَمر
أما قَول وَأَن طَلْحَة قَالَ لَهُ إِن رَأَيْت أَن تكف عَنَّا القَوْل فافعل فَإنَّك لَا تَقول خيرا وَأَن الزبير قَالَ لَهُ قل وَمَا عساك أَن تَقول فَقَالَ لطلْحَة مَا أَنْت فَمَا أعرفك مُنْذُ أَن شلت يَمِينك مَعَ رَسُول الله ﷺ من البأو وَالْكبر الَّذِي أحدثته وَلَقَد مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَلَيْك غَضْبَان لما قلت مَا قلت حَتَّى نزلت آيه الْحجاب ثمَّ قَالَ للزبير وَأما أَنْت فَإنَّك مُؤمن الرِّضَا كَافِر الْغَضَب يَوْمًا شَيْطَان وَيَوْما إِنْسَان فَمن للْمُسلمين يَوْم تكون شَيْطَانا وَأَقْبل على عُثْمَان فَقَالَ لَهُ أما أَنْت فوَاللَّه لَئِن وليت هَذَا الْأَمر لتحملن بني أبي معيط على رِقَاب النَّاس وليأكلن مَال الله ولتسيرن الْعَرَب إِلَيْك ولتقتلنك وَالله لَئِن فعلت ليفعلن ثمَّ أَخذ لحيته فهزها ثمَّ قَالَ اذْكُرْنِي إِذا كَانَ ذَلِك يَا ابْن عَفَّان ثمَّ أقبل على عَليّ فَقَالَ لَهُ وَأما أَنْت يَا عَليّ فلئن وليتهم لتحملنهم على المحجة الْبَيْضَاء وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَمَا يقعدك عَن هَذَا إِلَّا دعابة فِيك وَأَنَّك
[ ٥١٠ ]
كثير البطالة ثمَّ قَالَ لسعد وَأما أَنْت فَصَاحب قنص وقوس وسهام وَلست بِصَاحِب الجسيم من أَمرهم ثمَّ أقبل على عبد الرَّحْمَن فَقَالَ لَهُ وَأما أَنْت فَلَو وزن إيمانك بِنصْف إِيمَان الْمُؤمنِينَ لوفى عَلَيْهِ إِلَّا أَنه يقعدك عَن هَذَا الْأَمر الْعَجز وَمَا زهرَة وَهَذَا الْأَمر
وَقَوله فِي خبر آخر فِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ لما دخل عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ على سَرِير مرمول قلقا متململا فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ وَالله لقد فرحت بدخولك عَليّ لقرابتك وَفضل رَأْيك وَلَقَد أرقت ليلِي وقلقت يومي فِي أَمر الْأمة وَمَا أَدْرِي مَا أصنع بِأَمْر الْمُؤمنِينَ فَقلت لَهُ وَلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهَذَا الْأَمر إِلَيْك وَمَا هَذَا نَحوه فَقَالَ لي فأشر وَقل مَا عنْدك قَالَ فَقلت إِن بدأت بعلي فَيَقُول جَاءَنَا بِابْن عَمه قَالَ فَقلت عُثْمَان فصاح وَقَالَ وَالله وَالله لَئِن فعلت ليحملن بني أُميَّة على رِقَاب النَّاس ولصارت الْعَرَب إِلَيْهِ فَقتلته قَالَ فَقلت طَلْحَة فَقَالَ إِنَّه كثمر البأو وَلَا يمر الذُّبَاب على أَنفه وَمَا كنت بِالَّذِي أجمع على الْمُسلمين بَين كبره أَو تيهه وإمرته قَالَ فَقلت الزبير قَالَ فَقَالَ ذَلِك ضرس شرس لَو ولي هَذَا الْأَمر لألفي بالبطحاء يلاطم على مد شعير أَو صَاع من تمر وَفِي بعض الْأَخْبَار أَو قَعْب من لبن قَالَ فَقلت سعد قَالَ فَقَالَ فِيهِ مثل مَا قَالَ فِي الْخَبَر الأول قلت فعبد الرَّحْمَن فَقَالَ فِيهِ مثل مقَالَته الَّتِي قدمناها فَقلت فعلي فَقَالَ إِنَّه وَإنَّهُ يقرظه لَوْلَا دعابة فِيهِ وَفِي خبر آخر لَوْلَا أَنه كثير البطالة فِي أَمْثَال لهَذِهِ الْأَقَاوِيل رويت عَنهُ فيهم
فيكف يكون مَعَ هَذَا الرَّأْي مصيبا فِي ردهَا إِلَيْهِم يُقَال لَهُم لَيْسَ من شَأْن أهل الْعلم وَمن أَرَادَ الله ببحثه وفحصه أَن يتْرك الظَّاهِر الْمَعْلُوم من حَال الصَّحَابَة مِمَّا يُوجب إعظام بَعضهم بَعْضًا إِلَى القَوْل بِمَجْهُول من أَمرهم والمصير إِلَى رِوَايَات شَاذَّة فِي ذمّ بَعضهم بَعْضًا وَلَا سِيمَا إِذا عارضها مَا هُوَ أقوى مِنْهَا وَأثبت فَهَذِهِ الْأَخْبَار أَكْثَرهَا كذب مَوْضُوع لَا محَالة وَإِن جَازَ أَن تكون اللَّفْظَة واللفظتان مِنْهَا صَحِيحَة لأَنا علمنَا ضَرُورَة من حَال عمر أَنه عظمهم وقرظهم وَأَنه جعل الْأَمر فيهم وَأمر الْأمة بالانقياد وَأخْبر أَنهم أفضل من بَقِي
وَهَذَا الثَّابِت الْمَعْلُوم لَا يردهُ ظَاهر هَذِه الرِّوَايَات والأقاويل الَّتِي رويتموها
[ ٥١١ ]
فَوَجَبَ دَفعهَا واطراحها
وَكَيف يجوز أَن يظنّ بعمر فِي فَضله وتيقظه وصرامته وثاقب رَأْيه وَعلمه بمواقع الْخطاب وأحوال الْكَلَام وموارد الْأُمُور ومصادرها أَن يُنَاقض بِمثل هَذِه المناقضات فِي كَلَامه وَهُوَ من أعلمهم بضبط الصَّحَابَة وتحصيلهم واستدراكهم للدقيق اللَّطِيف فضلا عَن المناقضة الظَّاهِرَة وَإِن كَانَ قَاصِدا بِهَذَا الْكَلَام الْقدح فِي فَضلهمْ وَكَيف لم يعرف أَن الْقَوْم يعلمُونَ بِأَن الْكثير البطالة والدعابة لَا يحمل النَّاس على المحجة الْبَيْضَاء وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَأَن حملهمْ على هَذَا الْمِنْهَاج ضد البطالة والدعابة وتقيضها فَلَو لم نعلم ضَرُورَة بالروايات الْمُعَارضَة لهَذِهِ الْأَخْبَار الْوَارِدَة عَنهُ فِي تقريظهم وتعظيمهم لوَجَبَ أَن ينفى عَنهُ مثل هَذِه المناقضات فَكيف وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك
وَكَيف يجوز أَن يقبل مثل هَذَا فِي طَلْحَة مَعَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من تفضيله لَهُ وَقَوله هَذَا يَوْم كُله لطلْحَة وَلَوْلَا أَنه قَالَ حس لطار مَعَ الْمَلَائِكَة وَقَوله للصحابة وَقد أَحدقُوا بِهِ لأخذ درعه وَحط السِّلَاح عَنهُ عَلَيْكُم بطلحة فِي أَمْثَال لهَذِهِ الْأَخْبَار مَعْلُومَة ثَابِتَة
وَيكون قَاصِدا بقوله للزبير مَا قَالَه للتحذير لَهُ من التشدد والمضايقة وَلم بِصفة بالبخل فِي نَفسه لِأَن الْإِنْسَان قد يكون أسخى من الرّيح الهبوب مَعَ تشدده ومضايقته فِي الْمُعَامَلَة
وعَلى أَنه لم يقل فِيهِ إِنَّه قد فعل ذَلِك أَو يَفْعَله وَإِنَّمَا قَالَ لألفي فَاعِلا على مَذْهَب التحذير
وعَلى ذَلِك تَأْوِيل قَوْله إِنَّه ضرس شرس
وَأما قَوْله يَوْمًا شَيْطَان وَيَوْما إِنْسَان وَإنَّهُ مُؤمن الرِّضَا كَافِر الْغَضَب فَإِنَّهُ أَيْضا يصف فِيهِ لين أخلاقه تَارَة وَحسن رضَا أَو شدَّة غَضَبه تَارَة وتعسفه والتحذير لَهُ من ذَلِك إِن ولى الْأَمر
وَكَذَلِكَ قَوْله فِي سعد إِنَّه صَاحب قنص وقوس وسهام وَإنَّهُ صَاحب مقنب من مقانبهم وَلَيْسَ بِصَاحِب الجسيم من أَمرهم إِنَّه خرج مخرج التحذير لَهُ من أَن يكون بِهَذِهِ الصّفة إِن ولي الْأَمر وَالدُّعَاء لَهُ إِلَى ترك الِاشْتِغَال
[ ٥١٢ ]
بذلك أَحْيَانًا والانتصاب إِلَى النّظر فِي مصَالح الْأمة وَكَيف يكون هَذَا الْخَبَر صَحِيحا وَهُوَ يستكفيه ويؤمره على الأقاليم وَيَقُول عِنْد مَوته أوصِي الْخَلِيفَة من بعدِي أَن يولي سَعْدا فَإِنِّي لم أصرفه عَن خِيَانَة وَلَا موجدة
وَكَذَلِكَ قَوْله فِي عَليّ وَأَنه لكثير البطالة والدعابة لَو صحت هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا إِنَّمَا المُرَاد بِهِ النَّهْي والتحذير وَالدُّعَاء إِلَى ترك المزح فِي بعض الْأَوْقَات وَهَذَا كُله لَا يُوجب الْفُجُور وَإِسْقَاط الْعَدَالَة وَإِخْرَاج من لَهُ هَذِه الْأَوْصَاف أَو شَيْء مِنْهَا عَن اسْتِحْقَاق الْإِمَامَة
وَأما قَوْله فِي عبد الرَّحْمَن وَمَا زهرَة وَهَذَا الْأَمر إِنَّمَا هُوَ على مَذْهَب التحذير من الْعَجز إِن صَحَّ وَلَقَد ظهر من صرامة عبد الرَّحْمَن وشدته وَجمع الْقَوْم للنَّظَر فِي هَذَا الْأَمر مَعَه شاكا سلاحه مَا يدل على نفي الْعَجز عَنهُ وَبعده مِنْهُ وَهَذَا مَعَ اجْتِمَاع الْقَوْم على الرِّضَا بِهِ والاعتماد على رَأْيه وَمَعَ مَا علم من زهده فِيهِ وإخراجه نَفسه عَنهُ مَعَ صَلَاحه لَهُ وتمكنه من الْقيام بِهِ
فَمن ظن أَن عمر أَرَادَ غير مَا ذَكرْنَاهُ إِن صَحَّ الحَدِيث فقد ظن بَعيدا وَمن قدر أَنا نَتْرُك الظَّاهِر الْمَعْلُوم من إعظام عمر لَهُم وَحسن ثنائه عَلَيْهِم إِلَى هَذِه الرِّوَايَات فقد ظن عَجزا وتفريطا عَظِيما واعتقد شططا
بَاب ذكر الدّلَالَة على صِحَة عقد عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان بن عَفَّان ﵄
فَإِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على صِحَة عقد عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنهم تشاوروا ليَالِي وأياما ونظروا فِي أَمرهم وَرَضوا بِعَبْد الرَّحْمَن أَمينا ومشيرا فِي هَذَا الْبَاب وَعلمنَا ضَرُورَة أَنه عقد لعُثْمَان وَأَن البَاقِينَ
[ ٥١٣ ]
مِنْهُم وَمن سَائِر الْأمة انقادوا لعُثْمَان وخاطبوه بأمير الْمُؤمنِينَ وَعُثْمَان بِصفة من يصلح العقد لَهُ والعهد إِلَيْهِ وَعبد الرَّحْمَن فِي فَضله ونبله وسابقته وَعلمه وَمَا لَا حَاجَة لنا إِلَى الإطالة فِي ذكره من فضائله مِمَّن يصلح لعقد هَذَا الْأَمر بل هُوَ من جلة أهل الْحل وَالْعقد
وَقد ظهر من تبرئه مِنْهَا وزهده فِيهَا مَعَ كَونه مرضيا عِنْدهم وَعند سَائِر الْأمة مَا يدل على قُوَّة إيمَانه وَشدَّة خَوفه وحذره وعظيم مناصحته للْأمة فَهُوَ أبعد النَّاس من التُّهْمَة فِي هَذَا الْبَاب وأشدهم إيثارا وتوخيا لأَدَاء الْأَمَانَة وَحسن النّظر للْأمة هَذَا مَعْلُوم من حَاله وَفعله وَمَا بعد ذَلِك من الرِّوَايَات الَّتِي لَا تلِيق بِمَا وصفناه ملغاة مطرحة
فَإِن قَالُوا أفليس قد رُوِيَ أَن عليا قَالَ لعبد الرَّحْمَن لما عقد لعُثْمَان أغدر هَذَا يَا عبد الرَّحْمَن وَأنكر مَا كَانَ مِنْهُ قيل لَهُم هَذَا من الوساوس وَحَدِيث النَّفس لِأَن الْمَعْلُوم الَّذِي لَا شكّ فِيهِ مبايعة عَليّ لعُثْمَان وتصرفه مَعَه وإقامته الْحُدُود بَين يَدَيْهِ حَتَّى قَالَ كثير من الشِّيعَة إِنَّهُم جهلوا الْحَد فَقَامَ يعلمهُمْ وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّه كَانَ فِي تقية مِنْهُم وَهَذَا كُله بَاطِل لَا سَبِيل إِلَى علمه فَلَا يجوز ترك هَذَا الظَّاهِر بِمثل هَذِه الرِّوَايَات هَذَا لَو لم يعارضها من رِوَايَة أهل الثبت والثقات مَا يُطَابق الظَّاهِر من فعل عَليّ وانقياده فَكيف وَقد ورد ذَلِك بِمَا لَا قبل لأحد بِدَفْعِهِ وَذَلِكَ أَن الصَّحِيح فِي هَذَا مَا رُوِيَ أَن عليا ﵇ قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف بعد أَن عرض عَلَيْهِ الْبيعَة على شَرط مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه شَرطه فأباه عَليّ وَالْتَزَمَهُ عُثْمَان فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇ بَايع أَخَاك فقد أعْطى الرِّضَا من نَفسه واستخر بِاللَّه واصفق على يَده وَهَذَا أشبه بقول عَليّ وَفعله
وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا أفليس قد رُوِيَ أَن عليا ﵇ كَانَ يَقُول أَيَّام الشورى نشدتكم بِاللَّه هَل فِيكُم من قَالَ فِيهِ النَّبِي ﷺ (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ) مناديا بذلك ورافعا صَوته غَيْرِي فَكيف يكون رَاضِيا بِمَا صنعوه قيل لَهُم إِن هَذِه الرِّوَايَة من جنس روايتكم أَنه تَأَخّر عَن بيعَة أبي بكر وَأَن عمر رفض فَاطِمَة وَأَنَّهَا سَقَطت وَأَنَّهُمْ أحضروا عليا إِلَى
[ ٥١٤ ]
الْبيعَة فِي حَبل أسود يسحبه عمر فِي أَمْثَال هَذِه الرِّوَايَات
وَلَيْسَ يجب ترك الظَّاهِر الْمَعْلُوم من حَال عَليّ وَسَائِر الصَّحَابَة لأجل هَذِه الرِّوَايَة الْمَرْدُودَة
وَكَيف يكون ذَلِك صَحِيحا مَعَ مَا رُوِيَ عَنهُ من قَوْله بَايع أَخَاك فقد أَعْطَاك الرِّضَا من نَفسه وَمَعَ قَوْله الظَّاهِر بِالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَة وَالشَّام وَالله مَا قتلت عُثْمَان وَلَا مالأت على قَتله وَقَوله اللَّهُمَّ الْعَن قتلة عُثْمَان فِي الْبر وَالْبَحْر وَقَوله لَو رضيت مني بَنو أُميَّة أَن أَحْلف لَهَا عِنْد الْحجر الْأسود أَنِّي مَا قتلت عُثْمَان لحلفت فِي أَمْثَال هَذِه الْأَخْبَار وَلَو كَانَ مَا رويتموه من احتجاجه على أهل الشورى بقوله من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ صَحِيحا وَكَانَ يرى أَن هَذَا القَوْل من النَّبِي ﷺ نَص عَلَيْهِ لوَجَبَ أَن يكون عَالما بِأَن عُثْمَان بَاغ مُسْتَحقّ الْقَتْل وَلم يجز أَن يلعن قَتله إِذا كَانَ بَاغِيا مُسْتَحقّا للْقَتْل وَهَذَا مِمَّا لَا يُمكن أَن يعْتَقد فِي مثله مَعَ فَضله ونبله وَعلمه وقرابته وسابقته وثاقب رَأْيه فَبَان بذلك سُقُوط مَا تعلقوا بِهِ
وَإِن قَالُوا وَكَيف يكون عقد عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان صَحِيحا وَقد عقد لَهُ على شَرط تَقْلِيده فِي الْأَحْكَام لأبي بكر وَعمر وَمَا رُوِيَ عَنهُ من أَنه قَالَ لعَلي نُبَايِع لَك ونعقد لَك هَذَا الْأَمر على أَن تحكم بِكِتَاب الله وَسنة نبيه وَسنة الشَّيْخَيْنِ من بعده وَأَن عليا قَالَ لَيْسَ مثلي من استظهر عَلَيْهِ وَلَكِن أجتهد رَأْيِي وَأَنه عرض ذَلِك على عُثْمَان فَرضِي بِالشّرطِ وَضَمنَهُ وَعقد لَهُ عَلَيْهِ وَقد اتفقنا على أَن التَّقْلِيد من الْعَالم لغيره حرَام فِي الدّين يُقَال لَهُم هَذَا الْخَبَر أَيْضا من أَخْبَار الْآحَاد وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يعلم صِحَّته ضَرُورَة وَلَا بِدَلِيل
فَإِن كَانَ التَّقْلِيد حَرَامًا فَإِن الصَّحَابَة قد كَانَت أعلم بذلك وَأتقى لله من أَن
[ ٥١٥ ]
تدخل فِي الْحَرَام على غير إِنْكَار لَهُ وَكَانَ يجب على عَليّ ﵇ مَعَ امْتِنَاعه من قبُول الشَّرْط أَن يَقُول هَذَا حرَام فِي الدّين لَا يحل فعله
وَلَيْسَ لنا أَن نطعن على الصَّحَابَة بِشَيْء نضيفه إِلَيْهِم لَا نجيزه علينا بروايات الْآحَاد فَسقط أَيْضا التَّعَلُّق بِهَذِهِ الرِّوَايَات
وَيُمكن أَيْضا إِن كَانَت هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة أَلا يكون عبد الرَّحْمَن أَرَادَ بِسنة الشَّيْخَيْنِ اتباعهما على التَّقْلِيد فِي الْأَحْكَام وَإِنَّمَا أَرَادَ السِّيرَة بِالْعَدْلِ والإنصاف وَألا يكون قَالَ ذَلِك أَيْضا على شكّ مِنْهُ فِي أَن عليا سيحكم بالإنصاف وَالْعدْل إِن صَار الْأَمر إِلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك على مَذْهَب التَّقْرِير لَهُ والتأكيد والتبرئة لَهُ ليَقَع الرِّضَا من الْجَمَاعَة وتزول الْفِتْنَة ويستميل بذلك قُلُوب السامعين لَهُ فَيكون عبد الرَّحْمَن مصيبا فِي اشْتِرَاطه وَتَقْرِيره وتأكيد الْأَمر وَيكون عَليّ مصيبا فِي الِامْتِنَاع مِنْهُ وَيكون عُثْمَان مصيبا أَيْضا فِي قبُول الِاشْتِرَاط لما علمه من أَن عبد الرَّحْمَن مَا قصد إِلَّا التَّأْكِيد والتقرير وَاشْتِرَاط السِّيرَة بِالْعَدْلِ
وَيدل على ذَلِك ويؤكده علمنَا وَعلم سَائِر النَّاس أَن أَحْكَام أبي بكر وَعمر فِي كثير من الفقهيات مُخْتَلفَة كتوريث الْجد والمفاضلة فِي الْعَطاء من عمر وتسوية أبي بكر بَين النَّاس فِيهِ وَغير ذَلِك وَأَن عُثْمَان لَا يُمكنهُ وَلَا يجوز أَن يحكم بحكميهما الْمُخْتَلِفين فَدلَّ ذَلِك على أَنه إِنَّمَا أَرَادَ اشْتِرَاط السِّيرَة بِالْعَدْلِ والإنصاف
وَقد يُمكن أَيْضا إِن كَانَت هَذِه الرِّوَايَة أَلا يكون عبد الرَّحْمَن اشْترط على عُثْمَان ترك التَّقْلِيد فِي الْأَحْكَام لِأَن سيرة أبي بكر وَعمر ترك التَّقْلِيد فيهمَا وَالنَّهْي عَن ذَلِك
فَذَلِك لم يُقَلّد عمر أَبَا بكر بل خَالفه وَلَا قلد أَبُو بكر عمر فِي شَيْء من مسَائِل الْحَلَال وَالْحرَام وَقد علم أَن من سيرتهما اجْتِهَاد الإِمَام وَترك التَّقْلِيد لغيره فَكيف يَدعُوهُ عبد الرَّحْمَن إِلَى التَّقْلِيد وَترك الِاجْتِهَاد وَهَذَا وَهَذَا ضد سنتهما فَبَان أَنه لم يَدعه إِلَّا إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ وَأَن عليا قدر فِيهِ أَنه دَعَاهُ إِلَى التَّقْلِيد فَأصَاب فِي امْتِنَاعه من قبُول الشَّرْط
[ ٥١٦ ]
وَقد قَالَ قوم من الْفُقَهَاء إِن تَقْلِيد الْعَالم للْعَالم وَالْحكم بالتقليد جَائِز سَائِغ فِي الدّين وَهِي مَسْأَلَة اجْتِهَاد أَعنِي تَقْلِيد الْعَالم للْعَالم فَلَعَلَّ عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن كَانَا يريان جَوَاز التَّقْلِيد وَالْحكم بِهِ وَعلي ﵇ لَا يرى ذَلِك فأصابا فِيمَا تعاقدا عَلَيْهِ وَأصَاب عَليّ فِي امْتِنَاعه من غير قدح فِي العقد لِأَنَّهُ لَا يحرم ذَلِك على من رَآهُ وَإِن وَجب عَلَيْهِ أَلا يَفْعَله لِأَنَّهُ لَيْسَ من رَأْيه واجتهاده
فَبَان بذلك أجمع زَوَال مَا تعلقوا بِهِ فِي هَذَا الْفَصْل
فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون عقد عبد الرَّحْمَن صَحِيحا وَهُوَ قد أنكر على عُثْمَان ونقم كثيرا من أَفعاله وَقَالَ للصحابة لما قَالَ لَهُ بَعضهم هَذَا من عَمَلك حَيْثُ عقدت لهَذَا الظَّالِم الْجَبَّار فَقَالَ لَهُم مَا علمت وَإِذا شِئْتُم أخذت سَيفي على عَاتِقي وأخذتم أسيافكم وقتلنا هَذَا الطاغية وأزلناه عَن الْأَمر وَنَحْو ذَلِك يُقَال لَهُم هَذَا أَيْضا من الرِّوَايَات الْمُخْتَلفَة لِأَن الثَّابِت الْمَعْلُوم من حَال عبد الرَّحْمَن رِضَاهُ بِهِ واختياره لَهُ وَقَوله خَطِيبًا بذلك إِنِّي رَأَيْت النَّاس لَا يعدلُونَ بعثمان أحدا فوليته فِي نَظَائِر لهَذِهِ الرِّوَايَات مِمَّا يقتضى مُوالَاة عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان فَلَا وَجه لترك ذَلِك والتعلق بالتعاليل والأباطيل
على أَنه لَو صَحَّ عَن عبد الرَّحْمَن أَنه قَالَ إِنِّي خلعت عُثْمَان فَاقْتُلُوا هَذَا الطاغية أَو سِيرُوا لِخَلْعِهِ لم ينخلع عُثْمَان لهَذَا القَوْل من عبد الرَّحْمَن وَلَا من غَيره لِأَن الْإِمَامَة إِذا ثبتَتْ بِعقد صَحِيح مَأْذُون فِيهِ لم ينخلع صَاحبهَا بخلع الْعَاقِد لَهُ بعد ذَلِك وَلَا بخلع غَيره وَلَا بذم أحد لَهُ وَلَا ينخلع بالقرف وَلَا بالتأويل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ينخلع بالجلي الْمَعْلُوم من الْأَحْدَاث الثَّابِتَة الظَّاهِرَة
فَيجب أَن نَنْظُر فِيمَا أنكرهُ عبد الرَّحْمَن بعد عقده وَمَا نقمه الْقَوْم عَلَيْهِ فَإِن كَانَ مَا يُوجب خلع الْولَايَة وَسُقُوط الطَّاعَة صرنا إِلَيْهِ وطالبناه بِمُوجبِه وَإِن كَانَ غَلطا فِي التَّأْوِيل وقرفا بِالْبَاطِلِ أضربنا عَنهُ وَلم نحفل بِهِ
فَإِن لم تقنع الشِّيعَة وأبت إِلَّا إبِْطَال إِمَامَة عُثْمَان بِهَذَا التَّأْوِيل وَالرِّوَايَات
[ ٥١٧ ]
الَّتِي لَيست بثابتة عَن عبد الرَّحْمَن وَإِن كَانَ قد عقدهَا فِي الأَصْل طَوْعًا واختيارا عَن رَأْي ومشورة وإخبار النَّاس أَنه وجد الصَّحَابَة لَا يعدلُونَ بعثمان أحدا عَاد ذَلِك بأعظم الضَّرَر عَلَيْهِم وَوَجَب عَلَيْهِم بِهِ الْقدح فِي إِمَامَة عَليّ لأجل إِنْكَار طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة لفعله وخلع طَلْحَة وَالزُّبَيْر لَهُ وَإِقْرَاره بذلك على مَا قد رُوِيَ بِمثل رِوَايَة مَا ادعوهُ على عبد الرَّحْمَن فِي قَوْله فِي عُثْمَان وَقَوله بِالْبَصْرَةِ بايعاني بِالْمَدِينَةِ وخلعاني بالعراق وَقَوْلهمْ فِي جَوَاب ذَلِك بايعناك على أَن تقتل قتلة عُثْمَان وَقَول طَلْحَة بَايَعت واللج على قفي
وَقَول الزبير بايعته أَيْدِينَا وَلم تبايعه قُلُوبنَا وَقد كَانَ أحضرا مكرهين فيهمَا أعذر فِي خلعهما لعَلي من عبد الرَّحْمَن فِي خلعه لعُثْمَان وَلأَجل أَن الْمُطَالبَة بِدَم عُثْمَان أَمر لَيْسَ يَقع التَّأْوِيل فِي مثله وَإِن كَانَ الْحق فِي يَد عَليّ وَمَعَهُ دون كل من خَالفه
وَمَا نقم أحد على عُثْمَان شَيْئا فِيهِ شُبْهَة وَلَا مُتَعَلق وعَلى أَن عُثْمَان لم يقْعد عَنهُ أحد دَعَاهُ إِلَى نصرته أَيَّام حصاره وسعى أهل الْفِتْنَة عَلَيْهِ بل كَانُوا يبذلون أنفسهم ونصرتهم وَيَقُولُونَ دَعْنَا نَكُنْ أنصار الله مرَّتَيْنِ فيأبى ذَلِك ويمنعهم مِنْهُ
وَعلي ﵇ قعد عَن نصرته كثير مِمَّن دَعَاهُ إِلَى الْقِتَال مَعَه من جلة الصَّحَابَة كسعد وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل
[ ٥١٨ ]
وَعبد الله بن عمر وَمُحَمّد بن مسلمة وَأُسَامَة بن زيد وسلامة بن وقش وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة فَيجب أَن يكون ذَلِك أظهر فِي الْقدح فِي إِمَامَته وأجدر مِمَّا تعلق على عُثْمَان
وَنحن نبرأ إِلَى الله تَعَالَى من الْقدح فِي إمامتهما جَمِيعًا غير أَن الشِّيعَة تفتح على أَنْفسهَا من هَذَا الْبَاب مَا لَا قبل لَهُم بِدَفْعِهِ
وَلَيْسَ تفْسد إِمَامَة عَليّ بخلع من عقدهَا لَهُ وَلَا بالتأويل عَلَيْهِ بِأَنَّهَا عقدت على شَرط فِيهَا وَلَا يوهنها قعُود من قعد عَنْهَا فَكَذَلِك لَا تبطل إِمَامَة عُثْمَان بِمَا حكوه عَن عبد الرَّحْمَن وَلَا بسعي أوغاد وَأهل فتْنَة إِلَيْهِ وتعديهم عَلَيْهِ لِأَن إِمَامَته قد ثبتَتْ وَصحت فَلَا يقْدَح فِيهَا شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ
فَإِن قَالَت الشِّيعَة نَحن لَا نعتبر بقول طَلْحَة وَالزُّبَيْر وخلعهما وقعودهما لِأَن طَرِيق الْإِمَامَة النَّص من النَّبِي ﷺ قيل لَهُم فَلَيْسَ يجب أَن ينزلُوا مَعنا إِلَى الْكَلَام فِي إِمَامَة عُثْمَان وَعقد عبد الرَّحْمَن وخلعه لِأَن الْخَوْض فِيهَا عنْدكُمْ مُنكر فَإِن قَالُوا إِنَّمَا نسألكم ونلزمكم على مَذْهَب أهل الِاخْتِيَار قيل لَهُم قد أبنا لكم أَن ذَلِك لَا يلْزم على أصولنا وَأَنه لَو لزم لعاد بِإِبْطَال إِمَامَة عَليّ وَذَلِكَ فَاسد
[ ٥١٩ ]
بَاب الْكَلَام فِي مقتل عُثْمَان ﵁ وَالدَّلِيل على أَنه قتل مَظْلُوما
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن عُثْمَان قتل مُسْتَحقّا للْقَتْل أم مَظْلُوما وَهل كَانَ مِنْهُ حدث أوجب قَتله والمطالبة بخلعه أم لَا قيل لَهُ نقُول إِن عُثْمَان ﵁ قتل مَظْلُوما وَإنَّهُ لم يكن مِنْهُ مَا يُوجب قَتله وَلَا الْمُطَالبَة بخلعه وَلَا سُقُوط عَدَالَته وموالاته وَإِن الَّذين توَلّوا قَتله والإغراق فِي السَّعْي عَلَيْهِ أهل فتْنَة ولفيف الْأَمْصَار وَمن لَا مدْخل لَهُ فِي هَذَا الشَّأْن أَعنِي أَمر الْإِمَامَة وحلها وعقدها وَإِنَّهُم لم يستندوا فِي شَيْء مِمَّا خَرجُوا إِلَيْهِ فِي أمره إِلَى مَا يُمكن أَن يكون شُبْهَة فضلا عَن أَن يكون حجَّة
فَإِن قَالُوا وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك الدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قد ثَبت من إِيمَان عُثْمَان ونزاهته وسابقته وفضله وجهاده مَا قدمْنَاهُ من فضائله وَمن صِحَة أمامته وَثُبُوت بيعَته وَوُجُوب طَاعَته والانقياد لَهُ مَا نستغني عَن إِعَادَته ورد قَول فِيهِ وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَجب أَن نعتقد أَنه على جَمِيع هَذِه الْأَوْصَاف وَأَنه قتل مَظْلُوما حَتَّى يذكر القاتلون لَهُ والساعون عَلَيْهِ والمنتصرون لفجورهم مَا يبيحون بِهِ دَمه على ذَلِك الْوَجْه وَيُوجب خلع طَاعَته وَزَوَال عَدَالَته وأنى لَهُم بذلك
وعَلى أَنه لَو ثَبت عَلَيْهِ أَمر يسْتَحق بِهِ خلع الطَّاعَة وَيجب بِهِ زَوَال الْعَدَالَة لم يكن مبيحا لقَتله على ذَلِك الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يحم دَارا وَيمْتَنع على الْمُسلمين وَلَا نصب الْحَرْب بَينه وَبَين من سَار إِلَيْهِ فقد كَانَ يجب عَلَيْهِم الْقَبْض عَلَيْهِ لما أَخَذُوهُ وتمكنوا من دَاره وحريمه أَو حَبسه وإبعاده عَن الْمَدِينَة أَو أَخذه بغاية الإرهاب بخلع نَفسه لَو كَانَ مُسْتَحقّا لِلْخلعِ فَأَما أَن يقتل على ذَلِك الْوَجْه وَهُوَ غير ناصب للحرب فضلال وظلم لَا محَالة
على أَنه لَو اسْتحق قَتله وخلعه وإبعاده لم يجز أَن يتَوَلَّى ذَلِك من أمره الَّذين سَارُوا إِلَيْهِ لأَنهم لَيْسُوا من أضرابه وَلَا أشكاله وَمِمَّنْ يداني مَنْزِلَته وَلَا مِمَّن لَهُ مدْخل فِي الْإِمَامَة وَلَا فِي عقدهَا وحلها والاعتراض على أَهلهَا وَإِنَّمَا يعْتد بِمثل مَا جروا إِلَيْهِ وَيكون لأحد فِيهِ أدنى تعلق لَو تولى ذَلِك مِنْهُ أكفاؤه وَمن لَهُ مدْخل فِي هَذَا الشَّأْن وَلَيْسَ للرعية كَافَّة أَن يتولوا دم من هُوَ دون
[ ٥٢٠ ]
عُثْمَان وَلَا إِقَامَة أقل الْحُدُود على أقل النَّاس قدرا فَكيف بعثمان مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ من أَحْوَاله وَهَذَا وَاضح فِي أَن الْقَوْم يجب تفسيقهم بقتْله لَو كَانَ مِمَّن يسْتَحق الْقَتْل فضلا عَن أَن يكون غير مُسْتَحقّ لَهُ وَقد ذكرنَا فِي غير هَذَا الْكتاب أَسبَاب هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين عدوا عَلَيْهِ وكل وَاحِد مِنْهُم وَالَّذِي بَعثهمْ على السّير إِلَيْهِ وَأَنَّهَا كَانَت أحقادا عَلَيْهِ لأجل إمرة طلبوها وَلأَجل غيظ مِنْهُم على أمرائه وَلِأَن بَعضهم كَانَ طفْلا فِي حجره وَلِأَن بَعضهم حرمه بعض طلبته إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكره
وقادة هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين أشاروا عَلَيْهِم وحملوهم على مَا فَعَلُوهُ الغافقي الْمصْرِيّ إِمَام الْقَوْم وكنانة بن بشر التجِيبِي وسودان بن حمْرَان وَعبد الله بن بديل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ وَمن قادة الْبَصرِيين حكم بن جبلة الْعَبْدي فِيمَن صَحبه مِنْهُم وَمن أهل الْكُوفَة ملك بن الْحَارِث الأشتر النَّخعِيّ فِي رجال قد سميناهم
وَقد كَانَ هَؤُلَاءِ أثاروا الْفِتْنَة مُدَّة قبل قتل عُثْمَان ﵁ وَرَأى من الرَّأْي إبعادهم عَن الْمَدِينَة فَأخْرج مِنْهُم عَن الْمَدِينَة سَبْعَة عشر نفسا مِنْهُم الْقَوْم الَّذين سميناهم وَمِنْهُم على مَا ذكر صعصعة بن صوجان وَزيد بن صوجان العبديان وَعبد الله بن الْكواء وَعمر بن الْحمق فِي آخَرين فَكَانَ مُعَاوِيَة يقربهُمْ ويدنيهم ويحضرهم طَعَامه وَيكثر إذكارهم بِاللَّه ويخوفهم شقّ الْعَصَا والفتك بِإِمَام الْأمة وتعظيم حُرْمَة الْإِمَامَة وَوُجُوب لُزُوم الْجَمَاعَة إِلَى أَن قَالَ لَهُ زيد بن صوجان يَوْمًا كم تكْثر علينا بالإمرة وبقريش فوَاللَّه مَا زَالَت الْعَرَب تَأْكُل من قَوَائِم سيوفها وقريش تَأْكُل من متاجرها فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة اسْكُتْ لَا أم لَك أذكرك بِالْإِسْلَامِ وتذكرني بالجاهلية قبح الله من كثر على أَمِير الْمُؤمنِينَ بكم
[ ٥٢١ ]
فلستم بِرِجَال ضرّ وَلَا نفع أخرجُوا حَيْثُ شِئْتُم فأبعدهم ثمَّ أحضر ابْن الْكواء فَسَأَلَهُ عَن أهل الْفِتْنَة فِي كل بلد وَعَن أَحْوَال أَهلهَا
ثمَّ كتب إِلَى عُثْمَان بِأَن الْقَوْم قد أثاروا الْفِتْنَة بِالشَّام وَقد خفت انخراق الْأَمر فَأن أمرت أنفذت إِلَيْك برؤوسهم وَإِلَّا فَمر بتسريحهم فَكتب إِلَيّ إِن الْفِتْنَة قطّ اطَّلَعت رَأسهَا وَألا ينْكَأ الْقرح فسرحهم إِلَيّ فَأخْرجهُمْ مُعَاوِيَة فَعدا عَلَيْهِم عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد وَكَانَ يَوْمئِذٍ أَمِير الجزيرة وَكثير مِمَّا يتَّصل بهَا فَلم يفلت أحد مِنْهُم فَلَمَّا أدخلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُم لَا مرْحَبًا بكم وَلَا أَهلا يَا حزب الشَّيْطَان قد انْصَرف الشَّيْطَان محسورا وَأَنْتُم فِي ضلالكم تترددون أَنا عبد الرَّحْمَن أَنا ابْن خَالِد بن الْوَلِيد أَنا ابْن فاقىء عين الرِّدَّة لم لَا تَقولُونَ لي مَا كُنْتُم تقولونه لمعاوية وَعبد الله بن عُثْمَان وقمعهم وحصرهم فَكَانَ كلما ركب أَمْشَاهُم بَين يَدَيْهِ ثمَّ يَقُول لملك بن الأشتر أعلمت يَا ملك أَن من لم يصلحه الْخَيْر أصلحه الشَّرّ وَالله لأحسنن تقويمكم فَكَانُوا عِنْده سنة يظهرون التَّوْبَة والندامة من الطعْن على عُثْمَان والإثارة للفتنة وتشعيب الْكَلِمَة
وَكتب إِلَى عُثْمَان بتوبتهم فَكتب إِلَيْهِ أَن سرحهم إِلَيّ فَلَمَّا مثلُوا بَين يَدي عُثْمَان جددوا التَّوْبَة والندم وحلفوا لَهُ على ذَلِك فَخَيرهمْ الْبِلَاد فَاخْتَارَ بَعضهم الْكُوفَة وَاخْتَارَ بَعضهم الْبَصْرَة فَأخْرجهُمْ إِلَى حَيْثُ آثروا
فَمَا اسْتَقَرَّتْ بهم الْبِلَاد حَتَّى شرعوا فِي أعظم مِمَّا تَابُوا مِنْهُ بأنفس
[ ٥٢٢ ]
حنقة وصدور وغرة وَقلة إحفال بِالْإِمَامِ وَالْأمة وإيثار الشغب والفتنة
واتصل ذَلِك بعثمان فَأرْسل رسلًا إِلَى الْبِلَاد ليرفعوا شكواهم ويزيل ظلامتهم فأفسدوا بَعضهم وأثاروا الْفِتْنَة على باقيهم وَلم يقنعوا إِلَّا بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَقَتله فِي دَاره وهتك حريمه والتغلب على مَدِينَة الرَّسُول ﷺ بعد أَن وطئوه وحصبوه ومنعوه الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد وَهُوَ دائبا يسكنهم وَيضمن لَهُم إِزَالَة ظلامتهم وإجمال النّظر لَهُم ويغرق فِي وعظهم وتخويفهم وَيَقُول وَيحلف لَهُم فِي غير خطْبَة خطبهَا عَلَيْهِم من فَوق دَاره أَنه أبْصر النَّاس بأخذهم سيرة عمر وَحَملهمْ على عنف السِّيَاق وَأَنه مَا بسطهم عَلَيْهِ إِلَّا لينه وتجاوزه عَنْهُم فِي صَلَاحهمْ فَيَقُول لَهُم إِن رَأَيْتُمْ أَن تضعوا رجْلي فِي قيد فضعوها وَيَقُول لَهُم تَارَة وَقد أشرف عَلَيْهِم أنْشدكُمْ الله هَل سَمِعْتُمْ رَسُول الله ﷺ يَقُول (لَا يحل دم امرىء مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث كفر بعد إِيمَان أَو زنا بعد إِحْصَان أَو قتل نفس بِغَيْر نفس فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ نعم فَيَقُول وَالله مَا كفرت مُنْذُ أمنت وَلَا قتلت نفسا بِغَيْر نفس وَلَا زَنَيْت فِي جَاهِلِيَّة وَلَا فِي إِسْلَام قطّ فبماذا تستحلون دمي) وَيَقُول لَهُم تَارَة أنْشدكُمْ الله هَل سَمِعْتُمْ رَسُول الله ﷺ يَقُول (من وسع مَسْجِدي هَذَا ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة وَمن جهز جَيش الْعسرَة وَمن اشْترى الْبِئْر للْمُسلمين) فَفعلت ذَلِك وَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ نعم وَيَقُول فَمَا بالكم تَمْنَعُونِي الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد وَمَا بالكم آمنون وَأَنا خَائِف
فِي نَظَائِر لهَذِهِ الْأَلْفَاظ
وَيَقُول لرجل هجم على دَاره من أهل مصر مُقْتَحِمًا بِسَيْفِهِ يُرِيد قَتله فَلَمَّا رأى هيبته وَسمع قِرَاءَته أحجم عَنهُ فَقَالَ لَهُ عُثْمَان
[ ٥٢٣ ]
مَالك رَحِمك الله فَقَالَ إِنَّا جِئْنَا لقتلك فَإِن الْقَوْم كتبُوا إِلَيْنَا أَنَّك كفرت وارتددت وَمَا أَرَاك إِلَّا إِمَامًا صَالحا قواما فَبكى عُثْمَان فَقَالَ لَهُ مَا كفرت مُنْذُ آمَنت اللَّهُمَّ احكم بَيْننَا وَبينهمْ فَقَالَ لَهُ الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي نذرت دمك وآليت على نفس فأبر قسمي قَالَ فأدناه عُثْمَان وكشف لَهُ عَن جنبه فَشرط لَهُ بِالسَّيْفِ شرطة خَفِيفَة حَتَّى خرج دَمه فَقَالَت عِنْد ذَلِك زَوجته نائلة بنت الفرافصة واذل أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ إِن الرجل خرج فَركب رَاحِلَته وَانْصَرف من فوره وَتَبعهُ أنَاس
ثمَّ راسلهم قبل أَن يشْتَد الْحصار الثَّانِي عَلَيْهِ بِسَعْد وَعبد الله بن عمر وَمُحَمّد بن مسلمة وَغَيرهم يناشدهم ويعظهم ويخوفهم ويرفق بهم وَيضمن لَهُم إِزَالَة كل مَا تظلموا مِنْهُ حَتَّى تناذر الصَّحَابَة وَمَشى بعض الصَّحَابَة إِلَى بعض وَسعوا فِي التسكين عَنهُ وَحَتَّى ذكر أَن طَلْحَة خرج قبل قَتله بليلة أَو لَيْلَتَيْنِ فصاح فِي النَّاس وَذكرهمْ الله وَقَالَ لَهُم إِن إمامنا قد أعْطى الرِّضَا من نَفسه وبذل مَا كَانَت الطّلبَة مِنْهُ دونه فَتَفَرَّقُوا رحمكم الله وَانْصَرفُوا إِلَى مياهكم ثمَّ بَكَى فأحدق بِهِ خلق من أهل الْفِتْنَة وَفِيهِمْ ملك الأشتر فنتل لخطابه وَقَالَ لطلحه الْآن ننصرف وَالله لقد كُنَّا فِي ثغورنا مَا ينْتَظر أَحَدنَا إِلَّا سَهْما يَقع فِي لبان فرسه أَو غَارة تقع فِي الْمُشْركين وكتبتم إِلَيْنَا أَن سِيرُوا إِلَى من غير الْكتاب وَالسّنة فَلَمَّا جِئْنَا قعد هَذَا فِي بَيته وَأَشَارَ إِلَى حجرَة عَليّ وقعدتم تعصرون أعينكُم دونه وَالله لَا نَبْرَح الْعَرَصَة أَو نهريق دَمه
وَهَذَا قهر عَظِيم وافتيات على عُثْمَان وَالصَّحَابَة شَدِيد وسرف يدلك على إثارة الْفِتْنَة وتشتيت الْكَلِمَة وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك أجمع وَاقعا مِمَّن لَيْسَ من أهل الْإِمَامَة والخوض فِيهَا والافتيات على أَهلهَا
وَيدل على هَذَا من أَمرهم إظهارهم للنَّاس أَن يحصروه ليخلع نَفسه ويزيل ظلامتهم وَلَا يظْهر مِنْهُم غير ذَلِك ثمَّ يهجمون عَلَيْهِ الدَّار غلسا وَفِي خُفْيَة لإراقة دَمه وتسوروا عَلَيْهِ على مَا ذكر من خوخة من دَار آل عَمْرو بن
[ ٥٢٤ ]
حزم وَفِي ذَلِك يَقُول الشَّاعِر
(لَا ترثين لحزمي رَأَيْت بِهِ ضرا وَلَو قذف الحزمي فِي النَّار)
(الناخشين بِمَرْوَان بِذِي خشب والمقحمين على عُثْمَان فِي الدَّار) وَكَانَ النَّفر الَّذين ذكر أَنهم هجموا عَلَيْهِ من المعروفين دون أتباعهم الغافقي وكنانة بن بشر التجِيبِي وسودان بن حمْرَان وَعبد الله بن بديل بن وَرْقَاء وَعَمْرو بن الْحمق الْخُزَاعِيّ فِي آخَرين مِنْهُم مُحَمَّد بن أبي بكر فتسرع إِلَيْهِ مُحَمَّد وألقاه لجنبه وَجلسَ على صَدره وَأخذ لحيته فهزها وَغلظ لَهُ فِي القَوْل وَذكر أَنه ضرب جَبهته بمشقص كَانَ فِي يَده فَلَمَّا أَرَادَ أَن يثنى وعظه عُثْمَان وَقَالَ لَهُ يعز على أَبِيك أَن ترقى هَذَا المرقى واستحيا
[ ٥٢٥ ]
وَانْصَرف
وَذكر أَنه لم يمسهُ فِي بعض الرِّوَايَات فَعرف الغافقي وكنانة أَنه انْصَرف حَيَاء مِنْهُ فأقحما عَلَيْهِ وبدره التجِيبِي بضربة أَلْقَاهُ مِنْهَا لجنبه والمصحف فِي حجره فَلَمَّا سقط الدَّم عَلَيْهِ أطبقه ثمَّ نحاه وضربه غَيره
وَقَاتل الْبَقِيَّة قوم من بني عبد الدَّار فَقتل مِنْهُم سوى عُثْمَان أَرْبَعَة نفر وَقتل العَبْد الْأسود وَارْتثَّ مَرْوَان بن الحكم خَارج الدَّار وأثخن الْحسن حَتَّى حمل مَغْلُوبًا بألم الْجراح
وَلما رَأَتْ نائلة بنت الفرافصة زوج عُثْمَان وَقع السَّيْف برزت وَأَلْقَتْ نَفسهَا عَلَيْهِ فأصابتها ضَرْبَة اندرت من يَدهَا ثَلَاث أَصَابِع وَضرب بعض أُولَئِكَ الفجرة يَده عَلَيْهَا وَقَالَ مَا أكبر عجيزتها نفلونيها وَصَاح الْآخرُونَ ألْحقُوا بَيت المَال
وأغاروا بديئا على رجل عُثْمَان وَمَا كَانَ فِي دَاره ثمَّ تناولوا مَا أمكنهم أَخذه من بَيت المَال وأضرموا الدَّار عَلَيْهِ بالنَّار فَاحْتَرَقَ أَكثر أَبْوَابهَا
وَذكر أَن عَمْرو بن الْحمق قَالَ طعنت عُثْمَان تسع طعنات مِنْهَا ثَلَاث لله وست لغير الله
وَقد علم كل مُسلم أنصف نَفسه أَن مَا فعله الْقَوْم بِهِ لَيْسَ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فِي شَيْء وَأَنه أبعد الْأُمُور عَن الْحق وَعَن مصلحَة الْأمة وأدعاها إِلَى تَفْرِيق الْكَلِمَة وشتات الرَّأْي وتوهين الدّين والإذلال لسلطان الْمُسلمين والتوثب على أئمتهم وتوخي إضعاف أَمرهم وَقصر هممهم وأيديهم عَن إِقَامَة الدّين وتنفيذ أَحْكَام الْمُسلمين وَأَن عُثْمَان ﵁ لَو كَانَ فِي الْحَقِيقَة قد ارْتَدَّ عَن دينه أَو زنى بعد إحْصَانه لم يسْتَحق سفك دَمه على ذَلِك الْوَجْه وإحراقهم دَاره وَنهب تراثه والمطالبة بتنفيل زَوجته وَهَذَا
[ ٥٢٦ ]
أظهر وَأبين من أَن نحتاج فِيهِ إِلَى إِقَامَة الدَّلِيل على ظلم فَاعله وتعديه
وعَلى أَن ذَلِك أجمع لَو وَجب عَلَيْهِ وَكَانَ من حُدُود الله تَعَالَى فِي شَرِيعَة لم يكن لهَؤُلَاء الْقَوْم توليه وإقامته وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى سُلْطَان الْمُسلمين وَلَا أقل من أَن يكون للأماثل مِنْهُم أهل الْحل وَالْعقد وَمن يقدر فِيهِ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر دون من ذَكرْنَاهُ
وكل من ادعِي عَلَيْهِ قَتله من الصَّحَابَة فقد كذب عَلَيْهِ وأضيف إِلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ بسبيل كعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر رضوَان الله عَلَيْهِم وَمَا من هَؤُلَاءِ أجمع أحد إِلَّا وَقد أظهر الْمُطَالبَة بدمه وَلعن قتلته وَأظْهر البراءه مِنْهُم والتأسف على أَلا يُمكنهُ إِقَامَة الْحق عَلَيْهِم
وَهَذَا ظَاهر مَعْلُوم من حَال عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمَا وَرَاء ذَلِك إِنَّمَا هُوَ من الشواذ وأخبار الْآحَاد وَلَا يحل لمُسلم اتَّقى الله وَعرف قدر الصَّحَابَة أَن يضيف إِلَى أحد مِنْهُم قتل عُثْمَان وَالرِّضَا بِهِ والخذلان لَهُ مَعَ دُعَائِهِ إِلَى نصرته وَالدَّفْع عَنهُ بأخبار آحَاد يعارضها مثلهَا تَارَة وَمَا هُوَ أقوى مِنْهَا أُخْرَى وَيكون الظَّاهِر من قَول عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر بِخِلَافِهَا وَفِي نقيضها لِأَن الظَّاهِر الْمَعْلُوم لَا يتْرك لروايات غير مَعْلُومَة بل لَو لم يظْهر مِنْهُم مثل هَذَا لكَانَتْ مثل هَذِه الْأَخْبَار مدفوعة بِمَا ورد من أَمْثَالهَا فِي نقيضها ومعارضتها وَكَيف يجوز لذِي علم وَدين أَن يضيف إِلَى أدون الصَّحَابَة بعض مَا يُوجب الْفسق من قتل عُثْمَان أَو التأليب عَلَيْهِ أَو خذلانه بروايات لَا تَسَاوِي مدادها وَلَا الِاشْتِغَال بالإصغاء إِلَيْهَا وَقد ظهر عدوان من ذَكرْنَاهُ عَلَيْهِ وتوليه لقَتله وَفِي ذَلِك يَقُول الشَّاعِر
(أَلا إِن خير النَّاس بعد ثَلَاثَة قَتِيل التجِيبِي الَّذِي جَاءَ من مصر) وَذكر أَيْضا مُحَمَّد بن أبي بكر وَغَيره فِي أشعار كَثِيرَة مَشْهُور وَقد ذَكرنَاهَا فِي غير هَذَا الْكتاب
[ ٥٢٧ ]
وَمَا رُوِيَ عَن عُثْمَان أَنه كتب إِلَى عَليّ أَيَّام الْحصار
(فَإِن كنت مَأْكُولا فَكُن خير آكل وَإِلَّا فأدركني وَلما أمزق) إِنَّمَا هُوَ أَيْضا من رِوَايَات الْآحَاد
وَكَيف يَصح ذَلِك وَقد أنفذ عَليّ الْحسن لنصرته وَعُثْمَان يردهُ وَيرد النَّاس عَن الدّفع عَنهُ بِالْقِتَالِ لَهُم ويحملهم الرسائل إِلَيْهِم بالوعظ لَهُم وَهَذَا مَعْلُوم ظَاهر من حَاله وَأَنه قَالَ من كَانَ يظنّ أَن لي فِي عُنُقه طَاعَة فليغمد سَيْفه وليلزم بَيته وَقَالَ لعبيده من غمد مِنْكُم سَيْفه فَهُوَ حر لوجه الله فَفَعَلُوا إِلَّا الْأسود الَّذِي قتل فِي الدَّار وَهَذَا لَا يشبه مَا رَوَوْهُ من استنهاضه لعَلي وَلِأَن فِي ذَلِك أَيْضا قرفا لعُثْمَان فِي اتهامه لمثل عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب
فَكل مَا جرى مجْرى هَذِه الرِّوَايَات فَإِنَّهُ مَرْدُود
وَالظَّاهِر من عَليّ تَكْذِيب هَذِه الرِّوَايَة من قَوْله وَالله مَا قتلت عُثْمَان وَلَا مالأت على قَتله
وَيُمكن لَو صحت هَذِه الرِّوَايَة أَن يكون هَذَا القَوْل من عُثْمَان لَيْسَ على سَبِيل التُّهْمَة لعَلي ﵇ بل على طَرِيق الاستزادة فِي وعظ الْقَوْم وكفهم وإرساله فِي هَذَا الْبَاب وَقد يَقُول الْإِنْسَان مثل هَذَا الْكَلَام إِذا حزبه الْأَمر وفجئه مَا يخافه على غير سَبِيل الظنة والتهمة
فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا كَانَ الْأَمر فِي هَذَا على مَا وصفتم من ظلم الْقَوْم لَهُ وتعديهم عَلَيْهِ فَمَا بَال الصَّحَابَة لم يسارعوا إِلَى إِنْكَار ذَلِك وصدهم عَنهُ وَأي عذر لَهُم فِي إِسْلَامه والتساهل فِي خذلانه قيل لَهُ معَاذ الله أَن يكون فيهم من خذله أَو قعد عَن نصرته عِنْد دُعَائِهِ لَهُم وَإِنَّمَا لزموا بُيُوتهم لِأَنَّهُ أَمرهم بذلك وكرره عَلَيْهِم وناشدهم الله ﷿ وعرفهم أَن الجيوش توافيه وَأَنه لَا يرى منابذة الصَّحَابَة لأهل الْفِتْنَة وَإِنَّمَا يجب أَن يدفعوا بأمثالهم ووكد هَذَا القَوْل وضيقه على الْقَوْم وَقد جَاءَ زيد بن ثَابت شاكا فِي سلاحه وَقَالَ لَهُ
[ ٥٢٨ ]
دَعْنَا نَكُنْ أنصار الله مرَّتَيْنِ يَعْنِي فِي الدّفع عَنهُ مَعَ الدّفع عَن رَسُول الله ﷺ فَمَنعه من ذَلِك فَأَتَاهُ عبد الله بن عمر متدرعا فكفه طَمَعا فِي أَن ينْصَرف الْقَوْم ثَانِيَة كَمَا انصرفوا فِي الأول أَو فِي أَن يلْحق بِهِ من الْبِلَاد من يدْفع عَنهُ غير الصَّحَابَة وَكره أَن يتحدث عَنهُ فِي أَمْصَار الْمُسلمين وَغَيرهَا أَن قوما قصدُوا بَابه لرفع ظلامه فَقَتلهُمْ وناصبهم الْحَرْب وَلَقَد طمع فِيمَا يطْمع فِيهِ مثله وَأحسن السِّيرَة وَالتَّدْبِير فِي الْكَفّ عَنْهُم وَالْأَمر بذلك
وَلَيْسَ يجوز أَن يعْتَقد فِيهِ أَنه أقعدهم عَن الدّفع عَنهُ مَعَ غَلَبَة ظَنّه بِأَنَّهُ يقتل لَا محَالة وَأَن الْقَوْم يقصدون نَفسه دون إشكائه وَإِزَالَة الظلامة لِأَن ذَلِك خطأ من فعله لَو وَقع وَكَذَلِكَ فَلَا يجوز أَن يظنّ بالصحابة وَلَا بِأحد مِنْهُم أَنهم قعدوا عَنهُ وَتركُوا الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي أمره لَهُم بالكف مَعَ ظنهم وتوهمهم أَنه سيقتل لِأَن ذَلِك إِجْمَاع مِنْهُ وَمِنْهُم على الْخَطَأ وَإِنَّمَا قدرُوا أَن الْقَوْم يَنْصَرِفُونَ فأطاعوه فِي أمره وَإِنَّمَا تهجموا على دَاره غلسا بِسحر وَلَو فعلوا ذَلِك بِمحضر الصَّحَابَة أَو بَعضهم لندرت الرؤوس عَن كواهلها دون الْوُصُول إِلَيْهِ وَلم يعْدم النُّصْرَة على كل حَال من كافتهم أَو الْأَكْثَرين مِنْهُم عددا
وَأما قَوْلهم إِنَّه بَقِي ملقى على المزبلة ثَلَاثَة أَيَّام فكذب من رَاوِيه وَطعن على السّلف وَسَائِر الْأمة بل قد وَردت الرِّوَايَات أَنه دفن من يَوْمه وَحمل من دَاره إِلَى بَقِيع الْغَرْقَد وَهَذَا أظهر وأليق بِمثل الصَّحَابَة
وَهَذَا جمل تنبىء عَن ظلم الْقَوْم وعدولهم عَن الْحق فِيمَا جروا إِلَيْهِ
[ ٥٢٩ ]
بَاب ذكر مَا تعلقوا بِهِ على عُثْمَان ﵁ ونقموا من فعله وَالْجَوَاب عَنهُ
فَأَما تعلقهم بِأَنَّهُ ضرب عمارا حَتَّى فتق أمعاءه وَضرب عبد الله بن مَسْعُود حَتَّى كسر ضلعين من أضلاعه وَمنعه الْعَطاء سِنِين كَثِيرَة وَأَنه رد عَلَيْهِ عطاءه فَبَاطِل عِنْد كثير من النَّاس
وَلَيْسَ مَا يروون فِي هَذَا مِمَّا نضطر إِلَيْهِ أَو مِمَّا قَامَ دَلِيل عَلَيْهِ وَلَا مِمَّا يثبت تعلق الْقَوْم بِهِ
وعَلى أَنه لَو ثَبت ذَلِك لوَجَبَ أَن يحمل فعله على الصِّحَّة وَقد رُوِيَ أَن سَبَب ضربه لعمَّار أَنه قَالَ للطاعنين عَلَيْهِ اكتبوا مَا تشكونه من عُثْمَان فِي كتاب واعطونيه حَتَّى أَدخل عَلَيْهِ وَأَوْقفهُ عَلَيْهِ فَكتب ذَلِك وَدخل عَلَيْهِ فغلظ لَهُ فِي القَوْل وافترى واستخف بسُلْطَان الله وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك وَلَا يحل لَهُ وَلَا لغيره أَن يُخَاطب عُثْمَان بذلك وَلَيْسَ بأمير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِمَا يَقْتَضِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ من مَحَله فِي الدّين ومنزلته بَين الْمُسلمين وحرمته وسابقته فِي الدّين فَكيف وَهُوَ السُّلْطَان الْمَأْمُور بِطَاعَتِهِ وَترك الافتيات عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيمَا أنكروه عَلَيْهِ مُنكر يسْتَحق بِهِ مثل مَا خرج إِلَيْهِ عمار
وَقد رُوِيَ أَنه كَانَ يَقُول عُثْمَان كَافِر وَكَانَ يَقُول بعد قَتله قتلنَا عُثْمَان يَوْم قَتَلْنَاهُ كَافِرًا حَتَّى قَالَ لَهُ عَليّ ﵇ مرّة وَهُوَ
[ ٥٣٠ ]
يُخَاصم فِي ذَلِك الْحسن بن عَليّ وَالْحسن يُنكر ذَلِك من قَوْله أتكفر يَا عمار بِرَبّ آمن بِهِ عُثْمَان فَقَالَ لَا فَأرْسل الْحسن يَده من يَده
وَهَذَا سرف عَظِيم من خرج إِلَى مَا هُوَ دونه اسْتحق الْأَدَب من الإِمَام فَلَعَلَّ عُثْمَان انتهزه وأدبه لِكَثْرَة قَوْله قد خلعت عُثْمَان وَأَنا بَرِيء مِنْهُ فَأدى الْأَدَب إِلَى فتق أمعائه
وَلَو أدّى أدب الإِمَام إِلَى تلف النَّفس لم يكن بذلك مأثوما وَلَا مُسْتَحقّا لِلْخلعِ فإمَّا أَن يكون ضربه بَاطِلا وَإِمَّا أَن يكون صَحِيحا فَيكون ردعا وتأديبا ونهيا عَن الإغراق والسرف وَذَلِكَ صَوَاب من فعل عُثْمَان وهفوة من عمار
وَأما ضربه عبد الله بن مَسْعُود وَمنعه الْعَطاء وَكَرَاهَة عبد الله لَهُ فَإِنَّهُ بَاطِل أَيْضا غير صَحِيح فَإِن صَحَّ ذَلِك حمل من عُثْمَان مَعَ ثُبُوت عَدَالَته وإيمانه على وَجه صَحِيح وَهُوَ أَن يكون قصد بذلك تَأْدِيب عبد الله بن مَسْعُود وردعه عَن الِامْتِنَاع من إِخْرَاج الْمُصحف إِلَى مثل عُثْمَان وعَلى سَائِر الصَّحَابَة مَعَ علمه بِشدَّة الْهَرج وَالْفساد وَاخْتِلَاف الْقِرَاءَة وتوخي عُثْمَان حسم هَذِه الْفِتْنَة وَجمع الْكَلِمَة والموافقة على مصحف مُتَّفق عَلَيْهِ مَحْفُوظ محروس يكون الْعِمَاد فِي هَذَا الْبَاب وَلَقَد وفْق فِي ذَلِك لأمر من الدّين عَظِيم وَخير كثير فَلم يكن لعبد الله أَن يمْنَع من ذَلِك هَذَا مَعَ الْعَجَائِب الَّتِي يذكرُونَ أَنَّهَا فِي مصحفه من إِلْغَاء المعوذتين وَإِثْبَات مَا نسخت تِلَاوَته وَيبعد أَن يكون من
[ ٥٣١ ]
كَلَام الله تَعَالَى وَمن الْقُرْآن وَإِلَى غير ذَلِك
وَقد كَانَ يجب أَن يخرج مَا فِي يَده وَيُوَافِقهُ عَلَيْهِ فَإِذا امْتنع من ذَلِك جَازَ للْإِمَام إرهابه بِشَيْء من الضَّرْب إِذا أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَى ذَلِك فَإِن أدّى الضَّرْب إِلَى كسر ضلع وَإِبْطَال عُضْو وإذهاب الْبَصَر لم يكن الإِمَام ذَلِك مأثوما وَلَا حرجا إِذا لم يقْصد إِلَّا التَّأْدِيب وَالتَّشْدِيد وَكَذَلِكَ إِن قرفه بظُلْم أَو ومعصية ألب عَلَيْهِ وَلم يضمر بذلك الْحجَّة وَكَانَت ظَاهر الإِمَام الْعَدَالَة جَازَ لَهُ تأديبيه
وَأما قَوْلهم إِنَّه كره أَخذ الْعَطاء فَلَعَلَّهُ رأى فِي وَقت رده إِلَى من هُوَ أَحَق مِنْهُ أَو لَعَلَّه اسْتغنى عَنهُ أَو لَعَلَّه اعْتقد أَن فِيهِ شُبْهَة تمنع من أَخذه وَإِن كَانَ غالطا فِي اعْتِقَاده ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ بمعصوم لَا يجوز الزلل عَلَيْهِ أَو رأى أَنه يسْتَحق أَكثر مِمَّا أعطَاهُ عُثْمَان وَلم يكن يسْتَحق عِنْده أَكثر مِمَّا قسمه لَهُ وَهَذَا مَرْدُود إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام ورأيه وَلَيْسَ لأحد الافتئات عَلَيْهِ وَلَا رد الْعَطاء إِذا لم يرضه أَو يبين ابْن مَسْعُود أَن رد الْعَطاء لوجه يُوجب فسق عُثْمَان فَينْظر فِي ذَلِك فَإِن لم يكن معنى غير رده حمل أمره على بعض مَا قُلْنَاهُ وَكَذَلِكَ ضرب عُثْمَان إِيَّاه حمل أمره على الْأَلْيَق بِهِ أولى وَأما قَوْلهم إِنَّه مَنعه الْعَطاء لسنين فَإِنَّهُ غير ثَابت فَإِن صَحَّ فَلَعَلَّهُ كره أَن يَأْخُذهُ أَو لَعَلَّ عُثْمَان صرفه إِلَى غَيره لِأَنَّهُ كَانَ أولى مِنْهُ وَهُوَ مُصِيب فِي ذَلِك إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ
وَمثل هَذَا لَا يثبت بأخبار الْآحَاد وَلَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْقدح فِي الْأَئِمَّة وفضلاء الْأمة
[ ٥٣٢ ]
وَأما تعلقهم بِأَن عُثْمَان جمع الْقُرْآن وَحرق الْمَصَاحِف وَسبق إِلَى ذَلِك فَإِنَّهُ جهل عَظِيم لِأَن هَذَا من فضائله وتسديد عمله عِنْدَمَا حدث من الِاخْتِلَاف والتهازج بَين الْقُرَّاء وعدوان بَعضهم على بعض وَوُجُود كل ملحد ومدغل السَّبِيل إِلَى الطعْن فِي الدّين وإفساد التَّأْوِيل والهزل بأئمة الْمُسلمين
وَهَذَا كَانَ الْوَاجِب على عُثْمَان إِذا وَقع لَهُ وخطر بِبَالِهِ وَظن الصّلاح وَلم الشعث وَلَو عدل عَنهُ لَكَانَ عَاصِيا مفرطا قائدا إِلَى الإهمال والتضييع
وَأما قَوْلهم إِنَّه سبق إِلَى ذَلِك فَبَاطِل لِأَنَّهُ قد جمع فِي أَيَّام رَسُول الله ﷺ وَأَيَّام أبي بكر وَعمر فِي الْجُلُود والخزف والأكتاف وَغير ذَلِك وَلم تحتج الصَّحَابَة إِلَى جمعه على وَجه مَا جمعه عُثْمَان لِأَنَّهُ لم يحدث فِي أيامهما من الْخلاف بَين الْقُرَّاء مَا حدث فِي أَيَّامه وَأما تعلقهم بِأَن جمعه مَعْصِيّة وبدعة فَإِنَّهُ جهل لِأَن الْمعْصِيَة هِيَ مَا نهي فاعلها عَنْهَا وَنحن نقُول إِن جمعه من فرض عُثْمَان إِذا قدر فِي جمعه من الصّلاح مَا ذَكرْنَاهُ وَلَيْسَ من نَص الْكتاب أَو السّنة الثَّابِتَة أَو إِجْمَاع الْأمة أَو حجج الْعُقُول مَا يحظر جمع الْقُرْآن وَيَقْضِي على عصيان فَاعله فَبَطل بذلك مَا ظنوه
[ ٥٣٣ ]
وَأما قَوْلهم إِنَّه حرق الْمَصَاحِف فَإِنَّهُ غير ثَابت وَلَا مِمَّا يلْزم قُلُوبنَا الْعلم بِهِ وَلَو ثَبت لوَجَبَ أَن يحمل على أَنه حرق مصاحف قد أودعت مَا لَا تحل قِرَاءَته وَقد خرج عَن أَن يكون قُرْآنًا بإفساد نظمه وإحالة مَعْنَاهُ فِي الْجُمْلَة فَإِنَّهُ إِمَام من أهل الْعلم غير معاند للنَّبِي ﷺ وَلَا طَاعن على التَّنْزِيل
هَذَا هُوَ الْمَعْلُوم من أمره فَيجب أَن يكون حرق مَا يجب إحراقه
وَلذَلِك مَا لم يرو عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه قَالَ لَهُ قد عصيت الله وأذللت الدّين بإحراق مصاحف لَا يحل إحراقها
وَقد شَاهد الْقَوْم من ذَلِك وَعرفُوا مَا ذهب علينا معرفَة كنهه وَقد ثَبت عَدَالَة عُثْمَان وطهارته فَلَا مُتَعَلق فِي ذَلِك
وَأما تعلقهم بِأَنَّهُ حمى الْحمى فَلَا حجَّة فِيهِ لِأَن إبل الصَّدَقَة وماشيتها كثرت واتسعت وَكَثُرت الْخُصُومَات بَين رُعَاة مَاشِيَة الصَّدَقَة وحفاظها وَقتلُوا أَرْبَاب الْمَوَاشِي فحسم مَادَّة الْفِتْنَة ووسع الْحمى وَقد حمى أَبُو بكر وَعمر فَلم يُنكر ذَلِك أحد وَلَا نقمه وَلَا عده من معاصيهما فَلَا تعلق فِي ذَلِك
وَأما تعلقهم بِأَنَّهُ نفى أَبَا ذَر إِلَى الربذَة فَبَاطِل لِأَن أَبَا ذَر اخْتَار الْخُرُوج إِلَيْهَا لما خَيره عُثْمَان وَكره الْمقَام فِي الْمَدِينَة فَلَا عتب على عُثْمَان وَلَو صَحَّ أَنه أبعده عَن الْمَدِينَة لم يكن بذلك مأثوما ولوجب حمل فعله على الْعدْل وَالصِّحَّة حَتَّى يقوم دَلِيل على ظلمه وتعديه وَقد ذكر النَّاس أَن أَبَا ذَر كَانَ
[ ٥٣٤ ]
يطعن على عُثْمَان وعَلى أمرائه وَيَقُول إِنَّهُم قد استأثروا بِالْمَالِ وعلوا الْبُنيان وركبوا المراكب وَكَانَ هَذَا عِنْده مُنْكرا ﵀ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّن يزهد فِي الدُّنْيَا ويرغب فِي الْآخِرَة وَيرى أَن التَّمَتُّع بزينة الدُّنْيَا حرَام وَلَيْسَ كَمَا توهم
وَذكر أَنه أفسد على عُثْمَان الشَّام وَكَانَ أبدا يَقُول إِذا دخل على خلفائه ﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾ ويغرق فِي مجاهرتهم بأغلظ القَوْل وَلَيْسَ لَهُ فعل هَذَا فَأنْكر عَلَيْهِ ذَلِك عُثْمَان وَقَالَ لَهُ إِمَّا أَن تقيم وتكف عَمَّا يثير الْفِتْنَة أَو تبعد إِلَى حَيْثُ لَا يسمع مِنْك وَلَا يُنكر فعلك وكل هَذَا يحِق لَو ثَبت إبعاده على هَذَا الْوَجْه فيكف وَلم يثبت وَإِنَّمَا اخْتَار الْخُرُوج إِلَى الربذَة
وَأما تعلقهم بِأَنَّهُ آوى الحكم طريد رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ
[ ٥٣٥ ]
بَاطِل لِأَن أَكثر النَّاس يُنكره وَيَقُول إِن الحكم خرج بِأَمْر النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ كف وَكبر فَاسْتَأْذن فِي الْخُرُوج إِلَى أَهله فَأذن لَهُ
وعَلى أَن الْقَوْم لَا يَدْرُونَ مَا سَبَب طرده فَمنهمْ من يَقُول إِنَّه كَانَ يحاكي النَّبِي ﷺ وَسلم فِي مشيته وَمِنْهُم من يذكر أَنه كَانَ يحاكيه خلف الصُّفُوف وكل هَذَا من الترهات
وَقد رُوِيَ عَن غير طَرِيق أَيْضا أَن عُثْمَان كَانَ قد قَالَ لأبي بكر وَعمر إِنِّي كنت اسْتَأْذَنت رَسُول الله ﷺ فِي رده فَأذن فِي ذَلِك فطالباه بآخر مَعَه يشْهد بذلك فَلم يجد فَلَمَّا ولى عمل على أمره رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ هَذَا الحكم مِمَّا لَا يجوز عمل الْحَاكِم فِيهِ وَحكمه بِعِلْمِهِ فَلَا مُتَعَلق فِيمَا ذَكرُوهُ من ذَلِك
وَأما تعلقهم بِأَنَّهُ أتم الصَّلَاة بمنى فَإِنَّهُ أَيْضا من قلَّة التَّوْفِيق وللدلالة على العناد لِأَن هَذِه الصَّلَاة صَلَاة سفر يجوز لَهُ إِتْمَامهَا وَيجوز لَهُ قصرهَا وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يتم فِي السّفر تَارَة وَيقصر أُخْرَى وَكَانَت عَائِشَة ﵂ وَغَيرهَا من الصَّحَابَة يتمون هَذِه الصَّلَاة خَاصَّة فَمَا نقم ذَلِك أحد وَلَا عده ذَنبا وعَلى أَن عُثْمَان قد احْتج فِي ذَلِك بشيئين لما
[ ٥٣٦ ]
سُئِلَ عَنهُ أَحدهمَا أَنه قَالَ كَانَ أَهلِي بِمَكَّة فصرت فِي حضر وَخرجت عَن حكم الْمُسَافِر وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذا كَانَ على أهل ومنزل وَالْآخر أَنه قَالَ بَلغنِي أَن الْعَرَب انصرفت إِلَى مياهها وصلت رَكْعَتَيْنِ وَقَالَت إِن الصَّلَاة قصرت فَخفت دُخُول الشُّبْهَة عَلَيْهِم وَأي تعلق فِي هَذَا
وَأما تعلقهم بِتَرْكِهِ قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان فَإِنَّهُ أَيْضا بَاطِل لِأَنَّهُ لم يفعل ذَلِك إِلَّا عَن رَأْي الْأمة ومشورة مِنْهُم أَو من أَكْثَرهم
لِأَنَّهُ قيل لَهُ أمس قتل أَبوهُ وَيقتل الْيَوْم ويتحدث بِهَذَا فِي بِلَاد الْكفْر وَالْإِسْلَام فِيهِنَّ الدّين ويذل سُلْطَان الْمُسلمين
وَقيل إِن الهرمزان حمل أَبَا لؤلؤة على
[ ٥٣٧ ]
قتل عمر حمية للْفرس والمجوسية وَإِن إِسْلَامه لم يكن حسنا وَإنَّهُ كَانَ يسْتَقلّ عَطاء عمر فَإِنَّهُ كَانَ يفْرض لَهُ على مَا ذكر عشْرين درهما وَيَقُول إِنَّه لَا أَب لَهُ فِي الْإِسْلَام وَذكر لَهُ أَن الهرمزان خرج من دَاره أَبُو لؤلؤة بالخنجر يَوْم قتل عمر يرى الخنجر تَحت أثوابه فَقَالُوا لَهُ هَذَا من السَّعْي فِي الأَرْض فَسَادًا وَهُوَ مُسْتَحقّ لما نزل بِهِ غير أَن هَذَا إِلَيْك وَإِلَى من يقوم بِالْأَمر وَقد تعدى عبيد الله بِأخذ حَقه بِيَدِهِ فَقَط وَقد كَانَ هَذَا مِنْهُ فِي غير سلطانك وَالْعقد لَك وَلَيْسَ أَخذه للحق بِيَدِهِ حَقًا لأحد يُطَالب بِهِ فَلَا شَيْء الْآن عَلَيْهِ
وَقد يجوز أَن يعْتَقد بعض الصَّحَابَة أَن دم عبيد الله مُسْتَحقّ وَلَا يعْتَقد ذَلِك عُثْمَان إِذا ظن وَقَوي عِنْده أَن الهرمزان سعى فِي الأَرْض فَسَادًا يقتل عمر بن الْخطاب وَخَافَ أَمْثَالهَا من التوثب على الْأَئِمَّة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي ترك الإفادة من عبيد الله بن عمر
وَأما مَا تعلقوا بِهِ من تَوْلِيَة أَقَاربه كمعاوية وَعبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان ومروان بن الحكم وَغَيرهم فَلَا مُتَعَلق فِيهِ دون أَن يثبتوا أَنهم فساق وَأَن فسقهم ثَبت عِنْد عُثْمَان فأقرهم وَأَنه ولاهم يَوْم ولاهم وهم فساق لَيْسُوا بِأَهْل
[ ٥٣٨ ]
الْولَايَة وَقد كَانَ هَؤُلَاءِ النَّفر أهل نجدة وكفاية وبصر بالإمرة وقدرة عَلَيْهَا وَإِن لم يَكُونُوا زهادا وَقد كَانَ مُعَاوِيَة من أُمَرَاء عمر طول مدَّته فَمَا نقم عَلَيْهِ أحد
وَأما قَوْلهم إِنَّه كَانَ يُحِبهُمْ ويخصهم بالعطاء وَإنَّهُ أعْطى مَرْوَان جَمِيع خمس إفريقية فَإِنَّهُ بَاطِل وتوهم مِنْهُم وَقد كَانَ عُثْمَان أتقى لله وأنزه نفسا مَعَ إِنْفَاقه فِي سَبِيل الله وَكَثْرَة بذله لمَاله وَنَفسه فِي نصْرَة الدّين
وَقد ذكر أَنه إِنَّمَا أعْطى من مَال نَفسه وَقَالَ لَهُم مرّة فِي قسمه إِنَّمَا اقترضت من بَيت مَال الْمُسلمين وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ كَانَ غير مُحْتَاج إِلَى اقتراض مَعَ سَعَة مَاله وَمَتى لم يثبت عَلَيْهِ ذَلِك لم يحل قرفه بِهِ
وَأما تعلقهم بِمَا أنكرته عَائِشَة وَغَيرهَا من تجاوزه فِي تَأْدِيب الصَّحَابَة الضَّرْب بِالدرةِ إِلَى الضَّرْب بالعصا فَلَا عتب عَلَيْهِ فِي ذَلِك لِأَن للْإِمَام التَّقْوِيم وَالضَّرْب بِالدرةِ من الْوَاحِد إِلَى الْألف مرّة بالعصا وَمرَّة بِالدرةِ وَمرَّة بالانتهار وَالْقَوْل وَلَو أَن عمر احْتَاجَ مَعَهم إِلَى الْعَصَا لفعل
وَأما مَا تعلقوا بِهِ من أَمر الْكتاب الَّذِي وجدوه مَعَ عَبده على بعيره وَمَا تضمنه فِي بابهم وَبَاب مُحَمَّد بن أبي بكر مِمَّا أَمر بِهِ عبد الله بن أبي سرح فَلَا حجَّة عَلَيْهِ من وُجُوه أَحدهَا أَنه اعْترف أَن العَبْد عَبده وَالْبَعِير بعيره وَحلف لَهُم أَنه مَا كتب الْكتاب وَلَا أَمر من كتبه
وَقد كَانَ من حق كل مُسلم سمع قسم عُثْمَان أَن يصدقهُ ويثق بقوله فضلا عَن يَمِينه وَأما افتياتهم عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَقَوْلهمْ تسلم مَرْوَان لِأَنَّهُ هُوَ كَاتبه فَإِنَّهُ مُطَالبَة بِمَعْصِيَة لِأَنَّهُ سَأَلَ مَرْوَان عَن ذَلِك وَهُوَ يَوْمئِذٍ مَعَه فِي الدَّار فَأنْكر أَن يكون كتبه فَلم يجز لَهُ
[ ٥٣٩ ]
تَسْلِيمه إِلَيْهِم ليتحكموا فِيهِ فَلَو أَنه أَيْضا اعْترف بِالْكتاب لم يحل دَمه وَلَو حل أَيْضا دَمه لم تكن إِقَامَة الْحَد لَهُم وَلم يجز لإِمَام الْمُسلمين أَن يُمكنهُم من إِقَامَة الْحُدُود وهم رعاع لَيْسَ إِلَيْهِم هَذَا الشَّأْن وَلَا هم بمأمونين عَلَيْهِ
وعَلى أَنه لَو ثَبت أَن عُثْمَان ومروان كتبا الْكتاب لم يكن ذَلِك بذنب لَهما لِأَن أُولَئِكَ الْقَوْم كَانُوا مستحقين لَهُ لسعيهم على عُثْمَان وحصرهم لَهُ واستنفار النَّاس عَلَيْهِ وَشَتمه وتحصيبه على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ وَمنعه المَاء واستخفافهم بسُلْطَان الله وحصرهم الصَّحَابَة فِي مَنَازِلهمْ وَتقدم الغافقي على سَائِرهمْ واستيلائهم على الْمَدِينَة وَبِدُون هَذِه الْأَفْعَال يكْتب بِمَا كتب بِهِ عُثْمَان فليت الْقَوْم انصرفوا وليت الْكتاب وصل فَإِنَّهُ لم يكن وَالله أعلم يجْرِي مَا جرى من قتل عُثْمَان وَمَا أثمر من سفك الدِّمَاء بعده وَمَا نَحن فِي بَقِيَّته إِلَى الْيَوْم فَإِن قتل أُولَئِكَ كَانَ من الصّلاح فِي الدّين وتمكينهم مَا حاولوه من أعظم الْفساد وَقد أعقب من الشتات والفرقة وَسُوء الْعَاقِبَة مَا لَا يَنْقَطِع فِي غَالب الظَّن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
[ ٥٤٠ ]
وَأما تعلقهم بِأَنَّهُ رقي على الْمِنْبَر فَوق الْمرقاة الَّتِي كَانَ يقوم عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ غير ثَابت وَلَو ثَبت لم يحل بذلك دَمه وَلم يكن ذَلِك من مَعَاصيه إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى أَن الصعُود عَلَيْهَا مصلحَة وَأَنه أرهب لِلْعَدو وأبلغ لِلْقَوْلِ وأقمع للطامع فِي إذلال الإِمَام وَلَعَلَّه أَن يكون قد جرى مَا أوجب ذَلِك مِمَّا لم نقف على كنهه وَفِي الْجُمْلَة أَنا نعلم أَن عُثْمَان لم يقدم نَفسه على أبي بكر وَعمر فضلا عَن الترفع على النَّبِي ﷺ لِأَن ذَلِك كفر من فَاعله وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك لم يكن فِي هَذَا تعلق لأحد إِذا فعله الإِمَام لوجه من الْمصلحَة يرَاهُ من تَعْظِيمه لشأن الرَّسُول ﷺ
وَأما تعلقهم بِأَنَّهُ انْصَرف يَوْم حنين فَإِنَّهُ مَا ثَبت أَنه انْصَرف انصراف مُنْهَزِم وَإِنَّمَا انْصَرف انصراف متحرف لقِتَال ومنتهز لفرصة
وَقد ذكر أَن الْعَسْكَر بأسره انْصَرف عَن النَّبِي ﷺ وَلم يثبت مَعَه إِلَّا عَمه الْعَبَّاس وَابْنه عبيد الله بن الْعَبَّاس أَو قثم حِين صَاح يَا للمهاجرين يَا
[ ٥٤١ ]
للْأَنْصَار فتراجع النَّاس
وَلَيْسَ يجب على الْوَاحِد الثُّبُوت عِنْد انصراف الْقَوْم إِلَّا على أَنهم متحرفون لقِتَال أوعلى غير علم بِانْقِطَاع الرَّسُول عَنْهُم إِلَّا من شَاءَ الله فَكيف يتورك هَذَا الذَّنب على عُثْمَان وَحده من بَين الْجَمَاعَة على أَن عُثْمَان قد ذكر أَنه قَالَ لَهُم فَإِن كَانَ الْأَمر على مَا وصفتم فقد عَفا الله عني وَعَن المنصرفين حَيْثُ يَقُول وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم وَقَالَ ثمَّ يَتُوب من بعد ذَلِك على من يَشَاء فَقبل الله تَوْبَته وتوبة الْقَوْم من ذَلِك وَالتَّوْبَة تزيل الذَّنب وعقاب الذَّنب فَلَا تعلق فِي هَذَا
وَأما تعلقهم بِأَنَّهُ لم يحضر بَدْرًا فَإِنَّهُ جهل عَظِيم لِأَن أَكثر مَا فِي ذَلِك أَن يكون غَيره أفضل مِنْهُ وَقد بَينا أَن إِمَامَة الْمَفْضُول جَائِزَة مَعَ حُصُول الْفَاضِل بِسَبَب عَارض يقعده على أَن الْفَضِيلَة لَهُ فِي تَأَخره عَن بدر ثَابِتَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَأَخّر بِأَمْر رَسُول الله ﷺ لَهُ بذلك وإلزامه لَهُ لتعليل ابْنَته ومشاهدة أمرهَا لِأَن بنت الرَّسُول ﷺ قد كَانَت مَرضت فَأمره بِالْقيامِ عَلَيْهَا وَكَانَ ﷺ يَقُول (إِن قوما بِالْمَدِينَةِ تخلفوا وَمَا تخلفوا عَمَّا نَحن فِيهِ) قَالَ الرَّاوِي فَكُنَّا نرى أَنه يَعْنِي عُثْمَان وَقد جعل رَسُول الله ﷺ لَهُ فضل الْحَاضِرين وَضرب لَهُ سَهْمه من غنيمَة بدر وَلَو علم أَنه مُؤثر للتخلف عَن الْغَزْو لغير عذر لَكَانَ حَربًا بذمه والتنبيه على سوء فعله ورأيه فِيهِ وَهَذَا عَائِد بالطعن على النَّبِي ﷺ والتهمة لَهُ دون غَيره
وَأما تعلقهم بتأخره عَن بيعَة الرضْوَان فَإِنَّهُ غَفلَة وَجَهل ولجاج وعناد وَذَلِكَ أَنه إِنَّمَا تَأَخّر لتحمل رِسَالَة النَّبِي ﷺ إِلَى أهل مَكَّة
[ ٥٤٢ ]
حِين أرجف بالعسكر أَن قُريْشًا قتلت عُثْمَان فَغَضب النَّبِي ﷺ وقلق وَقَالَ (وَالله لَئِن كَانَ قَتَلُوهُ لأضْرِمَنَّهَا عَلَيْهِم نَارا) ثمَّ أَخذ لأجل هَذَا الْخَبَر على الصَّحَابَة بيعَة الرضْوَان وَقَالَ (هَذِه شمَالي عَن يَمِين عُثْمَان وَهِي خير لَهُ من يَمِينه) فَهُوَ كَانَ سَبَب بيعَة الرضْوَان وَغَضب النَّبِي ﷺ فَكيف يكون بتأخره عَنْهَا منقوصا
فَدلَّ جَمِيع مَا وصفناه على فضل عُثْمَان ونزاهته وعدالته وسلامة بيعَته وَأَنه قتل مَظْلُوما
بَاب الْكَلَام فِي إِمَامَة عَليّ ﵇ وَالرَّدّ على الْوَاقِف فِيهَا والقادح فِي صِحَّتهَا
فَإِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على إِثْبَات إِمَامَة عَليّ وَأَنه أهل لما قَامَ بِهِ وَأسْندَ إِلَيْهِ ومستحق لإمامة الْأمة
قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك كَمَال خلال الْفضل فِيهِ واجتماعها لَهُ لِأَنَّهُ من السَّابِقين الْأَوَّلين وَمِمَّنْ كثر بلاؤه وجهاده فِي سَبِيل الله وَعظم غناؤه فِي الْإِسْلَام وَعَن رَسُول الله ﷺ مَعَ مَا لَهُ من الْقَرَابَة الْخَاصَّة وتزويجه النَّبِي ﷺ ابْنَته وكريمته فَاطِمَة ﷺ وَمَا رُوِيَ فِيهِ من الْفَضَائِل الْمَشْهُورَة عَن النَّبِي ﷺ نَحْو قَوْله (أقضاكم عَليّ
[ ٥٤٣ ]
وأفرضكم زيد) مَعَ الْعلم بِأَن الْقَضَاء يشْتَمل على معرفَة أَبْوَاب الْحَلَال وَالْحرَام وَأَحْكَام الشَّرْع وَمَا يحْتَاج إِلَى علمه إِمَام الْأمة وَنَحْو قَوْله (حب عَليّ إِيمَان وبغضه نفاق) وَقَوله فِي خَيْبَر (لأدفعن الرَّايَة إِلَى رجل كرار غير فرار يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله) وَدفع الرَّايَة إِلَيْهِ بعد أَن تفل
[ ٥٤٤ ]
فِي عَيْنَيْهِ وَكَانَ رمد قَالَ عَليّ فَمَا رمدت عَيْنَايَ بعد ذَلِك وَقَوله (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ) بعد قَوْله (أَلَسْت أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم فَأوجب من موالاته على بَاطِنه وَظَاهره وَالْقطع على طَهَارَة سَرِيرَته مَا أثْبته لنَفسِهِ وأعلمهم أَن عليا نَاصِر للْأمة مُجَاهِد فِي سَبِيل الله بِظَاهِرِهِ وباطنه لِأَن الْمولى يكون بِمَعْنى النَّاصِر الْمعِين بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ﴾ يَعْنِي ناصره وَقَالَ الأخطل
(فَأَصْبَحت مَوْلَاهَا من النَّاس كلهم وَأَحْرَى قُرَيْش أَن تهاب وتحمدا) يَعْنِي أَصبَحت ناصرها من النَّاس يَعْنِي عبد الْملك بن مَرْوَان لِأَن أحدا فِي وقته لم يقدر على مثل نصرته إِذْ كَانَ إمَامهمْ إِذْ ذَاك وَقَائِدهمْ وَإِن كَانَ فيهم نَاصِر دونه
وَمن فضائله قَوْله ﷺ فِي غزَاة تَبُوك لما لحق بِهِ وشكا خوض النَّاس فِي بَابه (أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي) أَي إِنِّي استخلفك على الْمَدِينَة كَمَا
[ ٥٤٥ ]
اسْتخْلف مُوسَى أَخَاهُ هَارُون لما توجه لكَلَام ربه من غير بغض وَلَا قلى وَقَوله لَا يُؤَدِّي عني إِلَّا رجل مني وإنفاذه بِسُورَة براءه يقْرؤهَا على الْمُشْركين بِمَكَّة وَهَذَا أَمر لَا يَلِيهِ إِلَّا أهل الْقدر والنباهة وَمن يصلح للتحمل وَالْأَدَاء عَن رَسُول الله ﷺ إِلَى مثل قُرَيْش مَعَ وفارة عُقُولهمْ وَصِحَّة أحلامهم وَمَا وَصفهم الله بِهِ فَقَالَ ﴿بل هم قوم خصمون﴾
وَمن فضائله قَوْله ﷺ لفاطمة وَقد شكت لَهُ بعض حَالهَا (أما ترْضينَ أَن الله قد اطلع على أهل الأَرْض فَاخْتَارَ مِنْهُم رجلَيْنِ جعل أحدهم أَبَاك وَجعل الآخر بعلك
وَقَوله ﷺ (اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأحب الْخلق إِلَيْك يَأْكُل معي من هَذَا الطَّائِر) فجَاء عَليّ فَأكل مَعَه من
[ ٥٤٦ ]
الطَّائِر المشوي الَّذِي كَانَ أهدي إِلَيْهِ إِلَى غير هَذَا من الْفَضَائِل مِمَّا يطول تتبعها
هَذَا مَعَ مَا ظهر من إعظام كَافَّة الصَّحَابَة لَهُ وإطباقهم على علمه وفضله وثاقب فهمه ورأيه وَفقه نَفسه وَقَول مثل عمر فِيهِ لَوْلَا عَليّ لهلك عمر وَكَثْرَة مطابقتهم لَهُ فِي الْأَحْكَام وَسَمَاع قَوْله فِي الْحَلَال وَالْحرَام
ثمَّ مَا ظهر من فقهه وَعلمه فِي قتال أهل الْقبْلَة من استدعائهم ومناظرتهم وَترك مبادأتهم والنبذ إِلَيْهِم قبل نصب الْحَرْب مَعَهم وندائه (لَا يبدؤوهم بِالْحَرْبِ حَتَّى يبدؤوكم وَلَا يتبع مُدبر وَلَا يُجهز على جريح وَلَا يكبس بَيت وَلَا تهج امْرَأَة) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى وَلَا يكسر بَيت ورده رحالات الْقَوْم إِلَيْهِم وَترك اغتنام أَمْوَالهم وَكَثْرَة تَعْرِيفه وندائه على مَا حصل فِي قَبضته من أَمْوَالهم وَكَثْرَة الْأَمر لِابْنِ عَبَّاس وَغَيره بِقبُول شَهَادَة أهل الْبَصْرَة وصفين إِذا اختلطوا وَوضعت الْحَرْب أَوزَارهَا وَالصَّلَاة خَلفهم وَقَوله لمن سَأَلَ عَن ذَلِك (لَيْسَ فِي الصَّلَاة وَالْعَدَالَة اخْتَلَفْنَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفْنَا فِي إِقَامَة حد من الْحُدُود فصلوا خَلفهم واقبلوا شَهَادَة الْعُدُول مِنْهُم) إِلَى غير ذَلِك مِمَّا سنه من حَرْب الْمُسلمين حَتَّى قَالَ جلة أهل الْعلم لَوْلَا حَرْب عَليّ لمن خَالفه لما عرفت السّنة فِي قتال أهل الْقبْلَة
هَذَا مَعَ مَا علم من شجاعته وغنائه وإحاطته علما بتدبير الجيوش وَإِقَامَة الْحُدُود والحروب وحماية الْبَيْضَة وَقَوله ظَاهرا من غير رد من أحد حفظ عَلَيْهِ إِن قُريْشًا تَقول إِن ابْن أبي طَالب رجل شُجَاع وَلَكِن لَا رَأْي لَهُ فِي الْحَرْب
لله أبوهم وَمن ذَا يكون أبْصر بهَا مني وَأَشد لَهَا مراسا وَالله لقد نهضت فِيهِ وَمَا بلغت الْعشْرين وَهَا أَنا الْيَوْم قد ذرفت على السِّتين وَلَكِن لَا إمرة لمن لَا يطاع وَكَثْرَة مَا ظهر مِنْهُ من مناظرته لأهل الْبَصْرَة
[ ٥٤٧ ]
وصفين وحروراء والنهروان ولطيف مَا أحتج بِهِ وَأَبَان عَن نَفسه وَفضل رَأْيه وَأَنه على الْوَاضِحَة فِي سَائِر مَا أَتَاهُ مِمَّا أنكروه وَقد بسطنا ذَلِك ضربا من الْبسط فِي كتاب مَنَاقِب الْأَئِمَّة
وببعض هَذِه الْخِصَال وَدون هَذِه الْفَضَائِل يصلح للخلافة وَيسْتَحق الْإِمَامَة فَبَان بِمَا ذَكرْنَاهُ أَنه حقيق بِمَا نظر فِيهِ وتولاه
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل مَعَ مَا ذكرْتُمْ من فَضله وجلالة قدره وصلاحه لهَذَا الْأَمر على أَن العقد لَهُ وَقع موقعا صَحِيحا يجب الانقياد لصَاحبه والاقتداء بِهِ قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَن عُثْمَان ﵁ لما قتل استولى الغافقي وَمن صَار مَعَه من أهل الْفِتْنَة على الْمَدِينَة وهموا بِالْفَتْكِ بِأَهْلِهَا وحلفوا على ذَلِك للصحابة مَتى لم يقدموا النّظر فِي أَمرهم ويعقدوا الْإِمَامَة لرجل مِنْهُم فَأَرَادَ الصَّحَابَة حسم مَادَّة الْفِتْنَة وَعرض هَذَا الْأَمر على عَليّ ﵇ وَالْتمس مِنْهُ وآثره المصريون فَامْتنعَ عَلَيْهِم وَأعظم قتل عُثْمَان وَأَنْشَأَ يَقُول
(وَلَو أَن قومِي طاوعتني سراتهم أَمرتهم أمرا يديخ الأعاديا) وَلزِمَ بَيته
ثمَّ عرض ذَلِك على طَلْحَة وآثره البصريون وأبى ذَلِك وَكَرِهَهُ وَأَنْشَأَ يَقُول
(وَمن عجب الْأَيَّام والدهر أنني بقيت وحيدا لَا أَمر وَلَا أحلي) ثمَّ عرض ذَلِك على الزبير فَأبى وَأَنْشَأَ يَقُول
(مَتى أَنْت عَن دَار بفيحان راحل وباعثها تخني عَلَيْهِ الْكَتَائِب)
[ ٥٤٨ ]
كل ذَلِك مِنْهُم إِنْكَار لقتل عُثْمَان وإعظام لَهُ ورزية بِهِ
فَلَمَّا حلف أهل الْفِتْنَة على الفتك بِأَهْل الْمَدِينَة وإلقاح الْفِتْنَة وردهَا جَذَعَة اجْتمع وُجُوه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار عَشِيَّة الْيَوْم الثَّالِث على مَا رُوِيَ من قتل عُثْمَان فسألوا عليا هَذَا الْأَمر وأقسموا عَلَيْهِ فِيهِ وَنَاشَدُوهُ الله فِي حفظ بَقِيَّة الْأمة وصيانة دَار الْهِجْرَة فَدخل فِي ذَلِك بعد شدَّة وَبعد أَن رَآهُ مصلحَة وَرَأى الْقَوْم ذَلِك لعلمهم وَعلمه بِأَنَّهُ أعلم من بَقِي وأفضلهم وأولاهم بِهَذَا الْأَمر فَمد يَده وَبَايَعَهُ جمَاعَة من حضر مِنْهُم خُزَيْمَة بن ثَابت وَأَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان وَمُحَمّد بن مسلمة وعمار فِي رجال يكثر عَددهمْ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَهَذَا من أصح الْعُقُود وأثبتها لِأَن الْمَعْقُود لَهُ أفضل من بَقِي وَمن ذَكرْنَاهُ من الْعَاقِدين بِصفة من يملك عقد الْإِمَامَة فِي الْفضل والسابقة فَوَجَبَ بذلك تَمام بيعَته وَصِحَّة إِمَامَته
فَإِن قَالَ قَائِل أفليس قد رُوِيَ أَن عليا حضر الْمَسْجِد ثَانِي هَذَا الْيَوْم غدْوَة فَاجْتمع أهل الْمَدِينَة إِلَيْهِ وأحضر طَلْحَة وَالزُّبَيْر مكرهين فَأخْرج أَولا طَلْحَة من بَيته وَأهل الْبَصْرَة قد حفوا بِهِ وَحَكِيم بن جبلة الْعَبْدي يحدوه بِالسَّيْفِ من خَلفه ثمَّ أخرج الزبير وَقد أحدق بِهِ أهل الْكُوفَة وَملك الأشتر يحدوه بِالسَّيْفِ من خَلفه حدوا حَتَّى أحضر الْمَسْجِد وخطب عَليّ خطبَته الْمَشْهُورَة وَوصف دُخُوله فِي هَذَا الْأَمر وَقيل لطلْحَة بَايع فَبَايع مكْرها وصفق على يَد عَليّ بِيَدِهِ الشلاء فَقَالَ قَائِل من أخريات النَّاس لَا إِلَه إِلَّا الله
[ ٥٤٩ ]
أول يَد صفقت على يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ يَد شلاء وَالله لَا يتم هَذَا الْأَمر وَقَالَ النَّاس يَد شلاء وَأمر لَا يتم ثمَّ بَايع الزبير على هَذِه الصّفة من الْإِكْرَاه وَرُوِيَ أَنَّهُمَا قَالَا بايعته أَيْدِينَا وَلم تبايعه قُلُوبنَا وَأَن طَلْحَة قَالَ بايعته واللج على قفي يَعْنِي السَّيْف
وأنهما قَالَا بِالْبَصْرَةِ بايعناك على أَن تقتل قتلة عُثْمَان وَأَن عليا قَالَ بايعاني بِالْمَدِينَةِ وخلعاني بالعراق فَكيف لَا تكون بيعَة الْقَوْم على هَذَا الْوَجْه فَاسِدَة وإمامته بَاطِلَة
قيل لَهُم جَمِيع مَا ذكرتموه لَا يقْدَح فِي صِحَة إِمَامَته لِأَن الْبيعَة قد كَانَت تمت وَوَجَب الانقياد لعَلي بِعقد من عقدهَا لَهُ مِمَّن ذكرنَا قبل حُضُور طَلْحَة وَالزُّبَيْر ومبايعتهما فَلَا مُعْتَبر بالمبايعة بعد تَمامهَا وبالوجه الَّذِي وَقعت عَلَيْهِ مِمَّن أوقعهَا إِذْ كَانَ فعلهمَا كالتبع لما تقدم وَدخُول فِي طَاعَة قد وَجَبت عَلَيْهِمَا وَلَو تأخرا عَن الانقياد لإمامته لوَجَبَ أَن يَكُونَا مأثومين فِي ذَلِك كَمَا أَنه لَو تَأَخّر مُتَأَخّر عَن بيعَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان لوَجَبَ تأثيمه بعد إتْمَام إِمَامَته وقولهما بايعناك مكرهين قد عورض من النَّقْل بِمَا يَدْفَعهُ وَإِن وَقعت مِنْهُمَا على سَبِيل الْإِكْرَاه لم يضر ذَلِك بإمامة عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ لِأَنَّهَا قد ثبتَتْ قبل بيعتهما
وَقَول من قَالَ أول يَد صفقت على يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ يُرِيد أول يَد من أَيدي أهل الْمَسْجِد الَّتِي صفقت على يَده فِي ذَلِك الْوَقْت وَلم يرد أَنَّهَا أول يَد بايعته فَلَا حجَّة فِي هَذَا القَوْل
وَيُمكن أَن يكون هَذَا الْقَائِل ظن أَن يَد طَلْحَة أول يَد صفقت على يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم يكن حضر الْبيعَة عشَاء فَلَا مُتَعَلق لأحد فِي هَذَا القَوْل
وَأما مَا روى من قَوْلهم بايعناك على أَن تقتل قتلة عُثْمَان فَإِنَّهُ مِمَّا يبعد أَن يكون صَحِيحا لِأَن الِاتِّفَاق من عَليّ ومنهما اتِّفَاق على خطأ فِي الدّين وَذَلِكَ مَا يجب نَفْيه عَنْهُم مَا أمكن وَوجد إِلَيْهِ السَّبِيل وَذَلِكَ أَن عقد الْإِمَامَة
[ ٥٥٠ ]
لرجل على أَن يقتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ لَا محَالة خطأ لَا يجوز لِأَنَّهُ متعبد فِي ذَلِك بِاجْتِهَادِهِ وَالْعَمَل على رَأْيه وَقد يُؤَدِّي الإِمَام اجْتِهَاده إِلَى أَن لَا يقتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ وَذَلِكَ رَأْي كثير من الْفُقَهَاء وَقد يكون مِمَّن يرى ذَلِك ثمَّ يرجع عَنهُ إِلَى اجْتِهَاد ثَان فعقد الْأَمر لَهُ على أَلا يُقيم الْحَد إِلَّا على مَذْهَب من مَذَاهِب الْمُسلمين مَخْصُوص فَاسد بَاطِل مِمَّن عقده وَرَضي بِهِ وَلَيْسَ يجوز أَن ينْسب إِلَى عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر خطأ مَقْطُوع بفساده من جِهَة أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يجب الْعلم بِصِحَّتِهَا وعَلى أَنه إِذا ثَبت أَن عليا مِمَّن يرى قتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ لم يجز أَن يقتل جَمِيع قتلة عُثْمَان إِلَّا بِأَن تقوم الْبَيِّنَة على القتلة بأعيانهم وَبِأَن يحضر أَوْلِيَاء الدَّم مَجْلِسه ويطالبوا بِدَم أَبِيهِم ووليهم وَلَا يَكُونُوا فِي حكم من يعْتَقد أَنهم بغاة عَلَيْهِ وَمِمَّنْ لَا يجب اسْتِخْرَاج حق لَهُم دون أَن يدخلُوا فِي الطَّاعَة ويرجعوا عَن الْبَغي وَبِأَن يُؤَدِّي الإِمَام اجْتِهَاده إِلَى أَن قتل قتلة عُثْمَان لَا يُؤَدِّي إِلَى هرج عَظِيم وَفَسَاد شَدِيد قد يكون فِيهِ مثل قتل عُثْمَان أَو أعظم مِنْهُ وَإِن تَأْخِير إِقَامَة الْحَد إِلَى وَقت إِمْكَانه وتقصي الْحق فِيهِ أولى وَأصْلح للْأمة وألم لشعثهم وأنفى للْفَسَاد والتهمة عَنْهُم
هَذِه أُمُور كلهَا تلْزم الإِمَام فِي أقامة الْحُدُود واستخراج الْحُقُوق وَلَيْسَ لأحد أَن يعْقد الْإِمَامَة لرجل من الْمُسلمين بشريطة تَعْجِيل إِقَامَة حد من حُدُود الله وَالْعَمَل فِيهِ بِرَأْي الرّعية وَلَا للمعقود لَهُ أَن يدْخل فِي الْإِمَامَة بِهَذَا الشَّرْط فَوَجَبَ اطراح هَذِه الرِّوَايَة لَو صحت وَلَو كَانَا قد بايعا على هَذِه الشريطة فَقبل هُوَ ذَلِك لَكَانَ هَذَا خطأ مِنْهُم غير أَنه لم يكن بقادح فِي صِحَة إِمَامَته لِأَن العقد لَهُ قد تقدم هَذَا العقد الثَّانِي وَهَذِه الشريطة لَا مُعْتَبر بهَا لِأَن الْغَلَط فِي هَذَا من الإِمَام الثَّابِتَة إِمَامَته لَيْسَ بفسق يُوجب خلعه وَسُقُوط فرض طَاعَته عِنْد أحد
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا تَقولُونَ فِي حربهما لَهُ ومطالبتهما بِهَذَا الْبَاب وخلعهما لَهُ إِن كَانَا خلعاه قيل لَهُ أما خلعهما لَهُ إِن صَحَّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْء وَلَا قَادِح فِي صِحَة إِمَامَته وَلَا مُوجب لسُقُوط طَاعَته لِأَن إِمَامَته قد صحت فَلَا ينخلع بعد صِحَّتهَا بخلعهما لَهُ وَلَا بخلع غَيرهمَا وَلَا بترك الذّهاب إِلَى بعض
[ ٥٥١ ]
مَذَاهِب الْمُسلمين فِي إِقَامَة الْحَد إِنَّمَا ينخلع بالأحداث الَّتِي ذَكرنَاهَا من قبل فَقَط
فَأَما حربهما لَهُ على ذَلِك فَإِنَّهُ اجْتِهَاد مِنْهُمَا وَمَا أداهما الرَّأْي إِلَيْهِ وهما من أهل الْفِقْه والرأي وَكَذَلِكَ عَائِشَة
فَمن النَّاس من يَجْعَل هَذِه الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيَقُول إِن كل مُجْتَهد نصيب كإصابتهم فِي سَائِر مسَائِل الْأَحْكَام وَمِنْهُم من يَقُول إِن الْحق مِنْهَا فِي وَاحِد وَهُوَ رَأْي عَليّ وَقَوله وَإِن مخالفه مخطىء فِي الِاجْتِهَاد خطأ لَا يبلغ بِهِ الْإِثْم والفسوق بل الْإِثْم عَنهُ مَوْضُوع
وَمِنْهُم من يقطع بصواب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَخطأ من خَالفه ونازعه وَأَنه مغْفُور لَهُ وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّهُم تَابُوا من ذَلِك ويستدل بِرُجُوع الزبير وَنَدم عَائِشَة إِذا ذكرُوا لَهَا يَوْم الْجمل وبكائها حَتَّى تبل خمارها وَقَوْلها وددت أَن لَو كَانَ لي عشرُون ولدا من رَسُول الله ﷺ كلهم مثل عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام وَأَنِّي ثكلتهم وَلم يكن مَا كَانَ مني يَوْم الْجمل وَقَوْلها لقد أحدقت بِي يَوْم الْجمل الأسنة حَتَّى صرت على الْبَعِير مثل اللجة
وَأَن طَلْحَة قَالَ لشاب من عَسْكَر عَليّ وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ أمدد يدك أُبَايِعك لأمير الْمُؤمنِينَ وَمَا هَذَا نَحوه
وَالْمُعْتَمد عِنْدهم فِي ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ (عشرَة من قُرَيْش فِي الْجنَّة) وعد فيهم طَلْحَة وَالزُّبَيْر قَالُوا وَلم يكن ليخبر بذلك إِلَّا عَن علم مِنْهُ بِأَنَّهُمَا سيتوبان مِمَّا أحدثاه ويوافيان بالندم والإقلاع
وَمن أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة من يقف فِي عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَلَا يدْرِي
[ ٥٥٢ ]
من الْمُصِيب مِنْهُم وَمن المخطىء كعمرو بن عبيد وواصل بن عَطاء وَمن مَال إِلَى قَوْلهم
وَقَالَ جلة من أهل الْعلم إِن الْوَقْعَة بِالْبَصْرَةِ بَينهم كَانَت على غير عَزِيمَة على الْحَرْب بل فجاءة وَكَانَ على سَبِيل دفع كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ عَن أنفسهم لظَنّه أَن الْفَرِيق الآخر قد غدر بهَا لِأَن الْأَمر قد كَانَ انتظم بَينهم وَتمّ الصُّلْح والتفرق على الرِّضَا فخاف قتلة عُثْمَان من التَّمَكُّن مِنْهُم والإحاطة بهم فَاجْتمعُوا وَتَشَاوَرُوا وَاخْتلفُوا ثمَّ اتّفقت أراؤهم على أَن يفترقوا فرْقَتَيْن ويبدؤوا بِالْحَرْبِ سحرة فِي العسكرين ويختلطوا ويصيح الْفَرِيق الَّذِي فِي عَسْكَر عَليّ بِالْحَرْبِ سحرة من العسكرين ويختلطوا ويصيح الْفَرِيق الَّذِي فِي عَسْكَر عَليّ غدر طَلْحَة وَالزُّبَيْر ويصيح الْفَرِيق الآخر الَّذِي فِي عَسْكَر طَلْحَة وَالزُّبَيْر غدر عَليّ فتم لَهُم ذَلِك على مَا دبروه ونشبت الْحَرْب فَكَانَ كل فريق مِنْهُم دافعا لمكروه عَن نَفسه ومانعا من الإشاطة بدمه
وَهَذَا صَوَاب من الْفَرِيقَيْنِ وَطَاعَة لله تَعَالَى إِذا وَقع الْقِتَال والامتناع مِنْهُم على هَذِه السَّبِيل
فَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور وَإِلَيْهِ نَمِيل وَبِه نقُول
فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا كَانَت إِمَامَة عَليّ من الصِّحَّة والثبوت بِحَيْثُ وصفتم فَمَا تَقولُونَ فِي تَأَخّر سعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وَعبد الله بن عمر وَمُحَمّد بن مسلمة وَأُسَامَة بن زيد وسلامة من وقش وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن يكثر عَددهمْ وقعودهم عَن نصرته وَالدُّخُول فِي طَاعَته قيل لَهُم لَيْسَ فِي جَمِيع القاعدين مِمَّن أسميناه أَو أضربنا عَن ذكره من طعن فِي إِمَامَته واعتقد فَسَادهَا وَإِنَّمَا قعدوا عَن نصرته على حَرْب الْمُسلمين لتخوفهم من ذَلِك
[ ٥٥٣ ]
وتجنب الْإِثْم فِيهِ وظنهم مُوَافقَة الْعِصْيَان فِي طَاعَته فِي هَذَا الْفِعْل فَلذَلِك احْتَجُّوا عَلَيْهِ فِي الْقعُود وَرووا لَهُ فِيهِ الْأَخْبَار وَقَالَ مِنْهُم قَائِل لَا أقَاتل حَتَّى تَأتِينِي بِسيف لَهُ لِسَان يعرف الْمُؤمن من الْكَافِر وَيَقُول هَذَا مُؤمن وَهَذَا كَافِر فاقتله وَلم يقل إِنَّك لست بِإِمَام وَاجِب الطَّاعَة
وَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن مسلمة بعد مُرَاجعَته ومعارضته إِن رَسُول الله ﷺ عهد إِلَيّ إِذا وَقعت فتْنَة بَين الْمُسلمين أَن أكسر سَيفي وَاتخذ مَكَانَهُ سَيْفا من خشب وَفِي خبر آخر أَن أغمد سَيفي وأمتسك فِي بَيْتِي حَتَّى تَأتِينِي ميتَة مَاضِيَة أَو يَد خاطئة فاحذر يَا عَليّ لَا تكن أَنْت تِلْكَ الْيَد الْخَاطِئَة وَلم يقل لَهُ لست بِإِمَام مَفْرُوض الطَّاعَة
وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُ أُسَامَة بن زيد قد علمت يَا عَليّ أَنَّك لَو دخلت بطن أَسد لدخلت مَعَك فِيهِ وَلَكِن لَا مواساة فِي النَّار وَلم يقل إِنَّك لست بِإِمَام وَإِنَّمَا خَافَ من قتل الْمُسلمين
وَلَيْسَ هَذَا من الْقدح فِي الْإِمَامَة بسبيل
وَقد كَانَ عَليّ ﵇ مدفوعا إِلَى أَمر عَظِيم من قتلة عُثْمَان والمطالبين بدمه والمنكرين لقتلة فَكَانَ لَا يُمكنهُ إِقَامَة الْقود وَالْحَد على قوم قتلوا رجلا لَا يعرفهُمْ بأعيانهم وَإِن كَانَ يعلم أَنهم تَحت كنفه ومختلطون بالبراء من أهل عسكره من حَيْثُ لَا يُمكنهُ تمييزهم والوصول إِلَى معرفَة أعيانهم وَلَا أَن يُقيد للْوَلِيّ وهم أهل حَرْب لَهُ وَغير مطالبين بِالدَّمِ لأحد بِعَيْنِه وَلَا مقيمين بَيِّنَة على ذَلِك وَلَا حصل لَهُم إِقْرَار وَلَا اعْتِرَاف من أحد بِالْقَتْلِ على وَجه يَصح مثله وَيُمكن الْعَمَل بِهِ وَكَانَت الحامية من أَصْحَابه مثل ملك الأشتر النَّخعِيّ وَابْن بديل بن وَرْقَاء وَابْن سبأ وَمُحَمّد بن أبي بكر والغافقي وَغَيرهم مِمَّن يرى رَأْيهمْ يكثرون الطعْن على عُثْمَان والمقالة فِيهِ والبراءة مِنْهُ وَمِمَّنْ تولاه
وَكَانَ عَليّ ﵇ لَا يُمكنهُ أَن ينْتَقم مِنْهُم ويجرد القَوْل فِي لعن
[ ٥٥٤ ]
قَاتل عُثْمَان والبراءة مِنْهُ وَالْأَمر بإقصائهم وإخراجهم من الْعَسْكَر لتمالئهم وتضافرهم وخوفه من إِفْسَاد الْأَمر عَلَيْهِ والقدح فِيهِ وَلَا يلتحم وَلَا يلتئم وَلَا يُمكنهُ التصويب لقتل عُثْمَان وَإِظْهَار الرِّضَا بِهِ لعلمه بِأَنَّهُ قتل مَظْلُوما وتبرئه من قَتله وَأَنه لَو قَالَ ذَلِك اشْتَدَّ نفور النَّاس عَنهُ وكوشف واعتقد بذلك الضلال وَظن السامعون أَنه رَأْيه فِي عُثْمَان وَهُوَ بَرِيء من ذَلِك
وَكَانَ إِذا سُئِلَ عَنهُ أورد الْكَلَام الْمُحْتَمل وتغلغل إِلَى لطيف التَّأْوِيل والرفق بالفريقين وَكَانُوا إِذا سمعُوا مِنْهُ الْكَلَام الْمُحْتَمل وَرَأَوا قتلته مختلطين بعسكره ظنُّوا أَنه مُؤثر لما جرى وَأَنه مُتَمَكن من إِقَامَة الْحَد وَأخذ الْقصاص لأوليائه وَأَنه متحيف لَهُم وَإِن كَانَ بَرِيئًا من ذَلِك فَيصير ظَاهر اخْتِلَاط الْقَوْم بعسكره وَمَا يسمع من محتملات أقاويله طَرِيقا لاجتهاد الْمُحَارب المطالب لَهُ بِدَم عُثْمَان والقاعد عَنهُ لموْضِع ظنهم بِهِ مَا هُوَ بعيد عَنهُ فَلَا يبعد أَن يكون الْمُحَارب لَهُ والقاعد عَنهُ مصيبا فِيمَا فعله لأجل هَذِه الشُّبْهَة فيزول الْإِثْم عَمَّن قصد هَذَا الْقَصْد وَلم يطْلب بقتاله وقعوده عَنهُ الخذلان للْإِمَامَة والفتنة والتهاون بالقصة وَحب النهب والغارة وَأخذ مَا لَيْسَ لَهُ
وَقد رُوِيَ أَن عليا ﵇ قَالَ بِالْبَصْرَةِ وَالله مَا قتلت عُثْمَان وَلَا مالأت على قَتله وَلَكِن الله قتل عُثْمَان وَأَنا مَعَه وَهَذَا مُحْتَمل فَظن قوم أَنه خدعهم وَأَنه قد أخبر عَن نَفسه أَنه قَتله بقوله وَأَنا مَعَه وَلَيْسَ ذَلِك كَذَلِك لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنه أَمَاتَهُ ويميتني مَعَه لِأَنَّهُ قد حلف وَهُوَ الصَّادِق أَنه مَا قَتله وَلَا مالأ على قَتله
وَرُوِيَ أَنه سُئِلَ عَن قتل عُثْمَان مرّة أُخْرَى فَقَالَ وَالله مَا سَاءَنِي ذَلِك وَلَا سرني فَصَارَ هَذَا أَيْضا طَرِيقا لتأويل الْفَرِيقَيْنِ عَلَيْهِ غير الْحق وَهُوَ إِنَّمَا أَرَادَ بقوله مَا سَاءَنِي مُطَالبَة من يُطَالب بدمه واجتهاده فِي ذَلِك لطلبه لَهُ من بَابه وَوَجهه وَلَا سرني قتل من قَتله وَكَيف يسره ذَلِك وَلَا يسوؤه وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ الْعَن قتلة عُثْمَان فِي الْبر وَالْبَحْر فَيَقُول التَّأْوِيل
[ ٥٥٥ ]
عَلَيْهِ أَرَادَ بقوله اللَّهُمَّ العنهم إِن كَانُوا مستحقين للعن وَكَانَ عُثْمَان غير مُسْتَحقّ للْقَتْل ليرضى الْعَامَّة بذلك وَإِلَّا فَهُوَ الَّذِي سَبَب قَتله وألب عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك من غَرَضه لظلم عُثْمَان وغضبه الْأَمر
وَسُئِلَ فِيمَا حُكيَ دفْعَة أُخْرَى عَن دم عُثْمَان فَقَالَ إِن دم عُثْمَان فِي جمجمتي هَذِه فَقَالَ أهل الْحق إِنَّه أَرَادَ أَن دَمه فِي عنقِي ولازم لي وواجب عَليّ حَتَّى أقيد بِهِ وأقتل قتلته مَتى قَامَت الْبَيِّنَة عَلَيْهِم بأعيانهم وَأمكن أَخذ الْحق مِنْهُم
وَقَالَ آخَرُونَ لَا بل أَرَادَ أَنه هُوَ الَّذِي قَتله وَأمر بذلك ودعا إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ يجب عَلَيْهِ
فَكل هَذِه الْأَقَاوِيل مَعَ اخْتِلَاط القتلة بِأَهْل عسكره وكونهم تَحت رايته ليسوغ التَّأْوِيل للمحارب لَهُ والقاعد عَنهُ عِنْد يقينه وتشككه وَكَانَ عَليّ ﵇ أبْصر وَأعلم بِمَا يعرض لَهُم من الشُّبُهَات وَكَانَ لَا يجْبر الْقَاعِد عَنهُ على الْحَرْب علما مِنْهُ بِمَا سبق إِلَى وهمه مِمَّا هُوَ بَرِيء مِنْهُ
وَقد رُوِيَ أَن عليا ﵇ قَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا عِنْد مسيره إِلَى الْبَصْرَة فَقَالَ أَيهَا النَّاس املكوا أَنفسكُم وَكفوا أَيْدِيكُم وألسنتكم عَن هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم إخْوَانكُمْ واصبروا على مَا نابكم فَإِن المخصوم من خصم الْيَوْم وَسَار على تعبئته وَأَنه قَامَ فيهم مقَاما آخر فَقَالَ لَا تقاتلوا الْقَوْم حَتَّى يبدؤوكم فَإِنَّكُم بِحَمْد الله على حجَّة وَإِذا قَاتَلْتُمُوهُمْ فغلبتموهم فَلَا تجهزوا على جريحهم وَإِذا هزمتموهم فَلَا تتبعوا مُدبرا وَلَا تكشفوا عَورَة وَلَا تمثلوا بقتيل فَإِذا وصلتم إِلَى رحال الْقَوْم فَلَا تهتكوا سترا وَلَا تدْخلُوا دَارا إِلَّا بِإِذن وَلَا تَأْخُذُوا شَيْئا من أَمْوَالهم إِلَّا مَا تجدونه فِي عَسْكَرهمْ يَعْنِي من سلَاح خَزَائِن السُّلْطَان فَإِنَّهُ قد بَين ذَلِك وَفَسرهُ فِي كَلَام آخر قد ذَكرْنَاهُ فِي غير هَذَا الْكتاب وَلَا تهجوا امْرَأَة وَإِن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فَإِنَّهُنَّ ضِعَاف القوى والأنفس والعقول وَلَقَد كُنَّا نؤمر بالكف عَنْهُن وَإِنَّهُم مشركات
وَهَذَا
[ ٥٥٦ ]
يدل على أَنَّهُنَّ عِنْده غير مشركات وَإِن رأين حربه وَأَنَّهُمْ مَعَ هَذِه الْحَال مؤمنات
وَكَذَلِكَ قَوْله فَإِنَّهُم إخْوَانكُمْ يدل على أَنهم مُسلمُونَ لَيْسُوا بكفار وَلَا فساق أَيْضا
وَلِأَن مثل هَذَا الْإِطْلَاق يَقْتَضِي الْمُسَاوَاة عِنْده فِي الرُّتْبَة والمنزلة الدِّينِيَّة
وَقد روى أَن الْأَعْوَر بن أبان الْمنْقري وَكَانَ من أماثل أَصْحَاب عَليّ ﵁ قَامَ إِلَيْهِ فِي مسيره إِلَى الْبَصْرَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ علام تقدمنا فَقَالَ على الْإِصْلَاح وإطفاء الثائرة لَعَلَّ الله يجمع شَمل هَذِه الْأمة وَيَضَع حربهم وَقد أجابوا قَالَ فَإِن لم يجيبوا قَالَ تركناهم مَا تركونا قَالَ فَإِن لم يتركونا قَالَ دفعناهم عَن أَنْفُسنَا قَالَ فَهَل لَهُم مثل مَا عَلَيْهِم من هَذَا قَالَ نعم
وَرُوِيَ رِوَايَة ظَاهِرَة أَن عليا قَامَ عِنْد مُنْصَرفه من الشَّام وَخُرُوج الْخَوَارِج عَلَيْهِ وإنكارهم التَّحْكِيم وإكفارهم مُعَاوِيَة وَأهل الشَّام وَالْبَصْرَة عِنْد خطاب ورأي أشارت عَلَيْهِ بِهِ همذان وَجَارِيَة بن قدامَة التَّمِيمِي فَقَالَ عِنْد ذَلِك إِنَّا وَالله مَا قاتلنا أهل الشَّام على مَا توهم هَؤُلَاءِ الضلال من التَّكْفِير والفراق فِي الدّين وَمَا قاتلناهم إِلَّا لنردهم إِلَى الْجَمَاعَة وأتاكم هَذَا مِنْهُم فِي الْفرْقَة وَإِنَّهُم لإِخْوَانِنَا فِي الدّين قبلتنا وَاحِدَة ورأينا أننا على الْحق ودونهم وَإِنِّي لعلى عهد من رَسُول الله ﷺ وَأمر أَمرنِي فِيهِ بِقِتَال الباغين والناكثين وَإِن الرشاد عِنْدِي أَن يجمعنا الله وإياهم وَمَا لهَذَا الْأَمر مثل الرِّفْق عَسى الله أَن يجمع هَذِه الْفرْقَة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من الْجَمَاعَة فَمَا كره الصُّلْح من هَؤُلَاءِ الضلال إِلَّا من كَانَ يكره الْجِهَاد لِلْعَدو ويضنون بِأَنْفسِهِم عَن الْحَرْب ويريدون الاعتداء على الْمُسلمين لقد كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَإِن الْقَتْل بَين الْآبَاء وَالْأَبْنَاء والإخوان وَذَوي الْقرَابَات فَمَا نزداد عل كل مُصِيبَة وكل شدَّة
[ ٥٥٧ ]
إِلَّا إِيمَانًا ونصرا للحق وَسلمنَا الْأَمر لله تَعَالَى وصبرنا على ألم الْجراح وَلَكنَّا لما أَصْبَحْنَا نُقَاتِل إِخْوَاننَا فِي الْإِسْلَام على مَا دخل فيهم من الزيغ والتأويل والشبهة فَإِذا طمعنا فِي خصْلَة يلم الله بهَا شعثنا ونزلنا بهَا إِلَى التقية بَيْننَا ورغبنا فِيهَا وأمسكنا عَمَّا سواهَا ثمَّ قطع الْكَلَام
وَجَمِيع مَا قَالَه عَليّ مفارق لما تعتقد الشِّيعَة والشراة فِي أهل الْبَصْرَة وصفين من إكفارهم وإخراجهم عَن الْإِيمَان فَلَا عذر لمشنع فِي الْخلاف عَلَيْهِ والسرف والإغراق فِي إكفار الْمُحَارب لَهُ على التَّأْوِيل والقاعد عَنهُ وَالْحَال مَا وصفناه
وَقد أشبعنا القَوْل فِي جَمِيع هَذِه الْأَبْوَاب وبسطنا الْبَرَاهِين على مَا توخينا من الصَّوَاب فِي غير هَذَا الْكتاب بِمَا فِيهِ تبصرة للمسترشدين وَبَيَان للمتوسمين وَإِن كَانَ فِيمَا أودعناه هَذَا الْمُخْتَصر إقناع وبلاغ وَالله الْمعِين
ثمَّ كتاب التَّمْهِيد بعون الله وتأييده وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَسلم تَسْلِيمًا وَكَانَ تَمَامه فِي غرَّة شعْبَان من سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وأربعمائه
كتبه لخزانة المتَوَكل على الله أبي مُحَمَّد عمر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سَلمَة أيد الله أمره وأعز نَصره وَأَعْلَى يَده وَأطَال أمده مَمْلُوكه وَنعمته الْمُنْقَطع إِلَيْهِ،،، تمّ بِحَمْد الله،،،
[ ٥٥٨ ]