فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون النَّبِي ﷺ نَص على عَليّ ﵇ بقوله (أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي) قيل لَهُم لَا يجب ذَلِك لِأَن معنى ذَلِك أَنِّي أستخلفك على أَهلِي وعَلى الْمَدِينَة إِذا تَوَجَّهت إِلَى هَذِه الْغَزْوَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك فِي غَزْوَة تَبُوك لما خَلفه بِالْمَدِينَةِ وماج أهل النِّفَاق وَأَكْثرُوا وَقَالُوا قد أبْغض عليا وقلاه وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص وَهُوَ الْعُمْدَة فِي روايه هَذَا الحَدِيث فلحق عَليّ
[ ٤٥٧ ]
بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أتتركني مَعَ الأخلاف فَقَالَ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي أَي إِنِّي لم أخلفك بغضا وَلَا قلى كَمَا أَن مُوسَى لم يخلف أَخَاهُ هَارُون فِي بني إِسْرَائِيل لما توجه لكَلَام ربه بغضا وَلَا قلى
وَمِمَّا يدل على أَن هَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي قَصده بقوله ﷺ علمنَا أَنه كَانَ لهارون من مُوسَى منَازِل مِنْهَا أَنه كَانَ أَخَاهُ وَمِنْهَا أَنه كَانَ شَرِيكا لَهُ فِي النُّبُوَّة وَمِنْهَا أَنه خَلفه فِي قومه لما توجه لكَلَام ربه وَلَيْسَ مِنْهَا أَنه خَلفه بعد مَوته لِأَن هَارُون مَاتَ قبل مُوسَى بسنين كَثِيرَة وَإِنَّمَا خلف مُوسَى بعد مَوته يُوشَع بن نون فَلَا يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ إِنَّمَا عَنى بقوله (أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) أَي إِنَّك أخي لأبي وَأمي وَلَا أَنَّك تخلفني بعد موتِي لِأَن هَذِه منزلَة لم تكن لهارون من مُوسَى فَثَبت أَنه إِنَّمَا أَرَادَ خليفتي على أَهلِي وعَلى الْمَدِينَة عِنْد تَوَجُّهِي إِلَى هَذِه الْغَزْوَة كَمَا خلف مُوسَى أَخُوهُ هَارُون فِي قومه عِنْد توجهه لكَلَام ربه
[ ٤٥٨ ]
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﷺ إِلَّا إِنَّه لَا نَبِي بعدِي وَكَيف يجوز أَن يَقُول أما ترْضى أَن تخلفني فِي قومِي وَفِي أَيَّام حَياتِي إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي قيل لَهُم لم يرد بقوله بعدِي بعد وفاتي وَإِنَّمَا أَرَادَ لَا نبوة بعد نبوتي وَلَا معي وَلَا بعدِي وَهَذَا كَمَا يقل الْقَائِل لَا نَاصِر لَك بعد فلَان وَلَا بَيَان لَك بعد هَذَا الْكَلَام يُرِيد أَنه لَا نصْرَة لَك بعد نصْرَة فلَان لَا فِي حباته وَلَا بعد مَوته وَكَذَلِكَ قَوْلهم لَا بَيَان لَهُم بعد هَذَا الْكَلَام يُرِيد لَا بَيَان مَعَه يزِيد عَلَيْهِ وَلَا بعده فَإِن قَالُوا حمل الْكَلَام على هَذَا التَّأْوِيل يَجعله مجَازًا لِأَن قَوْله لَا نَبِي بعدِي يَقْتَضِي بعد عينه وَأَنْتُم تَقولُونَ بعد نبوته ونبوته غَيره قيل لَهُم هَذَا هُوَ مَفْهُوم الْكَلَام الَّذِي هُوَ أولى بِهِ من مَعْنَاهُ فَهُوَ إِذا كَانَ كَذَلِك حَقِيقَة فالمعقول مِنْهُ أولى بِهِ من حمله على مَا لَيْسَ من مَفْهُومه ثمَّ يُقَال لَهُم وَأَنْتُم أَيْضا قد تركْتُم الظَّاهِر وحملتم الْكَلَام على الْمجَاز لأنكم تَزْعُمُونَ أَنه أَرَادَ بقوله لَا نَبِي بعدِي أَي بعد موتِي وَمَوْت النَّبِي ﷺ غَيره كَمَا أَن حركته وسكونه ولونه غَيره وَأَنْتُم بِمَنْزِلَة من قَالَ لَا نَبِي بعد حركتي وَصفَة من صفاتي وَذَلِكَ تجوز فِي الْكَلَام
وَإِذا كَانَ لَا بُد من ترك الظَّاهِر فَتَركه إِلَى الْمَعْقُول من مَعْنَاهُ من اسْتِعْمَال أهل اللُّغَة أولى
فَإِن قَالُوا فَإِذا زعمتم أَن النَّبِي ﷺ أَرَادَ بِهَذَا القَوْل استخلافه على أهل الْمَدِينَة فَهُوَ على ولَايَته إِلَى أَن يصرفهُ النَّبِي ﷺ وَمَا روى أحد صرفه قيل لَهُم هَذَا من التعاليل لِأَن تولي النَّبِي ﷺ للأمور والإنفاذ لَهَا والاستبداد بِالنّظرِ فِيهَا عِنْد رُجُوعه إِلَى الْمَدِينَة صرف لَهُ مَعَ أَنه لَيْسَ فِي الْأمة من يَقُول إِن النّظر وَالْحكم وَالتَّوْلِيَة كَانَ لعَلي ﵇ فِي الْمَدِينَة عِنْد عود النَّبِي ﷺ إِلَيْهَا من هَذِه الْغَزْوَة فَلَا مُتَعَلق لأحد فِي هَذَا
ثمَّ يُقَال لَهُم فقد كَانَ رَسُول الله ﷺ ولى فِي أَيَّام
[ ٤٥٩ ]
حَيَاته عدَّة من الْوُلَاة على الْمَوْسِم والبلدان والأطراف وَولى قُضَاة وحكاما مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق فَإِنَّهُ ولاه الْمَوْسِم وَإِقَامَة الْحَج سنة تسع من الْهِجْرَة وَولى عمر صدقَات قُرَيْش وَولى زيد بن حَارِثَة وَولى أُسَامَة بن زيد عِنْد مَوته الْجَيْش الَّذِي أنفذه أَبُو بكر إِلَى الشَّام وَولى عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَبا عبيده بن الْجراح فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل وَولى خَالِد بن الْوَلِيد
[ ٤٦٠ ]
وَولى معَاذًا على الْيمن وَولى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَولى عَمْرو بن حزم فَيجب أَن يكون هَؤُلَاءِ على ولاياتهم وإمرتهم وحكمهم وقضائهم لِأَنَّهُ لم يرو عَن النَّبِي ﷺ صرف وَاحِد مِنْهُم فَإِن مروا على
[ ٤٦١ ]
هَذَا قيل لَهُم فَيجب أَن تَقولُوا لَيْسَ لعَلي ﵇ ولَايَة على أحد من هَؤُلَاءِ وَهَذَا خلاف دينكُمْ وَإِن أَبوهُ وَقَالُوا لم تكن هَذِه الولايات مُؤَبّدَة من النَّبِي ﷺ وَأَنَّهَا مُنْقَطِعَة بِمَوْتِهِ وَأَن النَّبِي ﷺ تولى هَذِه الْأَحْكَام بِنَفسِهِ بعد تَوليته لمن ولاه قيل لَهُم مثل ذَلِك فِي تأميره عليا على الْمَدِينَة