فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون النَّبِي ﷺ قد نَص على عَليّ بقوله (أَنْت أخي وخليفتي فِي أَهلِي وقاضي ديني ومنجز عداتي) قيل لَهُم لَيْسَ فِي هَذَا أَيْضا لَو ثَبت نَص على إِمَامَته لِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ بقوله أخي التَّعْظِيم لم يكن هَذَا عهدا فِي الْإِمَامَة وَلَا من النَّص على ولَايَته فِي شَيْء وَإِن كَانَ ذَلِك خَبرا لَهُ عَن فَضله وعظيم مَحَله مِنْهُ وأمانته فِي نَفسه وَهُوَ أَيْضا خَلِيفَته على أَهله وهم فَاطِمَة وَوَلدهَا ﵈ وَقَوله
[ ٤٦٢ ]
وقاضي ديني مُتَوَجّه إِلَى أَنه أمره بِقَضَاء دينه أَو كَانَ قد قضي عَنهُ قبل هَذَا القَوْل وَلَيْسَ هَذَا من قَوْله أَنْت الإِمَام بعدِي فِي شَيْء وَلِهَذَا مَا لَو قَالَ خَليفَة الْأمة فِي هَذَا الْوَقْت زيد هَذَا أخي وخليفتي فِي أَهلِي وقاضي ديني لم يكن هَذَا عهدا إِلَيْهِ فِي الْإِمَامَة وَلَا من النَّص على ولَايَته فِي شَيْء وَإِن كَانَ ذَلِك خَبرا عَن فَضله عِنْده وعظيم مَحَله مِنْهُ وأمانته وثقته فَلَا مُتَعَلق أَيْضا فِي هَذَا القَوْل
ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب أَن تثبتوا النَّص على أبي بكر وَعمر ﵄ بِمثل هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ قد روى مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن قزعة بن سُوَيْد عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَبُو بكر وَعمر مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) فَيجب النَّص عَلَيْهِمَا بِهَذَا القَوْل
فَإِن قَالُوا هَذَا من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا نعلمها ضَرُورَة وَلَا بِدَلِيل قيل إِن جَازَت لَهُم هَذِه الدَّعْوَى جَازَ لخصمكم أَن يزْعم أَن جَمِيع مَا رويتموه وتعلقتم بِهِ فِي النَّص والتفضيل من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا نعلمها ضَرُورَة وَلَا بِدَلِيل فَلم يلْزم القَوْل بهَا وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك
ثمَّ يُقَال لَهُم كَيفَ لم تعلمُوا أَن جَمِيع مَا رويتموه لَيْسَ بِنَصّ على عَليّ وَلَا عهدا إِلَيْهِ بترك عَليّ الْمُطَالبَة بذلك والاحتجاج بِهِ فِي السَّقِيفَة وعَلى أهل الْبَصْرَة وَمُعَاوِيَة وَفِي كل مقَام كَانَ يسوغ ذكره والاحتجاج بِهِ وعدوله
[ ٤٦٣ ]
إِلَى أَن يَقُول بِالْبَصْرَةِ بايعاني بِالْمَدِينَةِ وخلعاني بالعراق وتعلمون أَن مَا ظهر مِنْهُ من الانقياد لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَالْأَخْذ لغنيمتهم والموطىء للحنفيه من سَبْيهمْ وتزويجه ابْنَته من عمر بن الْخطاب وإقامته حدا بِحَضْرَة عُثْمَان وقتاله مَعَ أبي بكر ﵃ أجميعن وَمَا كَانَ من ثنائه عَلَيْهِمَا وَقَوله فِي عمر وَالله مَا أحد ألْقى الله بصحيفته
[ ٤٦٤ ]
أحب إِلَى من هَذَا المسجى
وَقَوله فِي رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة والجم الْغَفِير من أَصْحَابه أَلا إِن خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ بعد أبي بكر عمر ثمَّ الله أعلم بِالْخَيرِ حَيْثُ هُوَ وَرِوَايَته عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَهما (هَذَانِ سيدا كهول أهل الْجنَّة من الْأَوَّلين والآخرين إِلَّا النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ) وَقَوله مَا حَدثنِي أحد عَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا أحلفته إِلَّا أَبَا بكر وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر فِي نَظَائِر هَذِه الْأَقَاوِيل الْمَشْهُورَة عَنهُ فِي مدحهم وتقريظهم وحس الثَّنَاء عَلَيْهِم وَأَنه رَاض بإمامتهم وَأَنه لَو كَانَ الرَّسُول ﷺ قد نَص عَلَيْهِ وَقطع الْعذر فِي بَابه لم يجز أَنه يَقُول فِيمَن غصبه وجحده حَقه هَذِه الْأَقَاوِيل وَتَكون أَفعاله مَعَهم واقتداؤه بهم مَا ذكرنَا فَكيف تركْتُم هَذَا الظَّاهِر الْمَعْلُوم من قَوْله وَفعله إِلَى تَعْلِيل النُّفُوس وشهواتها وتسويفها للأماني فَإِن قَالُوا كل هَذَا الَّذِي ظهر مِنْهُ على سَبِيل التقية والإرهاب وَالْخَوْف مِنْهُم قيل لَهُم وَمَا الْحجَّة فِي ذَلِك مَعَ مَا فِيهِ من الْقدح وَسُوء القَوْل فِي أُمِّي وَالْمُؤمنِينَ فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك مُتَعَلقا
ثمَّ يُقَال لَهُم كَيفَ لم تستدلوا على إِثْبَات النَّص لأبي بكر ﵁ بقوله ﷺ (يؤم النَّاس أَبُو بكر) وَقَوله (يَأْبَى الله وَرَسُوله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر) وَقَوله لعَائِشَة (إنكن صواحبات يُوسُف يَأْبَى الله إِلَّا أَبَا بكر) وَقَوله (اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر)
[ ٤٦٥ ]
وَقَوله (لَا يَنْبَغِي لقوم يكون فيهم أَبُو بكر أَن يتقدمهم غَيره وَقَوله (إيتوني بِدَوَاةٍ وكتف أكتب لأبي بكر كتابا لَا يخْتَلف عَلَيْهِ اثْنَان) وَقَوله ﷺ (أَنْتُمَا من الدّين بِمَنْزِلَة السّمع وَالْبَصَر من الرَّأْس) وَقَوله (لَو كنت متخذا خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن صَاحبكُم خَلِيل الرَّحْمَن) وَقَوله (إِن تولوها أَبَا بكر تَجِدُوهُ ضَعِيفا فِي بدنه قَوِيا فِي أَمر الله وَإِن تولوها عمر تَجِدُوهُ قَوِيا فِي بدنه قَوِيا فِي أَمر الله وَإِن تولوها عليا تَجِدُوهُ هاديا مهديا) وَعَلمُوا بِهَذِهِ البنية وَالتَّرْتِيب أَنه قصد التَّنْبِيه على النَّص عَلَيْهِ وَبِقَوْلِهِ (الْخلَافَة بعدِي إِلَى ثَلَاثِينَ) وَقَوله (إِن يطع النَّاس أَبَا بكر وَعمر رشدوا)
ورشدت أمتهم وَإِن يعصوهما غووا وغوت أمتهم) وَقَوله (خير أمتِي أَبُو بكر ثمَّ عمر) وَقَوله (من أفضل من أبي بكر زَوجنِي ابْنَته وجهزني بِمَالِه وجاهد معي سَاعَة الْخَوْف) وَقَوله فِي عمر (لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر) و(لَو لم أبْعث فِيكُم لبعث عمر) و(إِن الله ضرب بِالْحَقِّ على لِسَان عمر وَقَلبه يَقُول الْحق وَإِن كَانَ مرا) و(إِن مِنْكُم لمحدثين ومكلمين وَإِن عمر مِنْهُم) فِي نَظَائِر هَذِه الْأَخْبَار والفضائل الَّتِي يطول تتبعها فَكيف لم تَقولُوا بِالنَّصِّ عَلَيْهِمَا
[ ٤٦٦ ]
فَإِن قَالُوا كل هَذِه الْأَخْبَار آحَاد غير ثَابِتَة قيل لَهُم فَمَا الَّذِي يمْنَع خصومكم على هَذِه الدَّعْوَى فِي أخباركم يَجدونَ فصلا
ثمَّ يُقَال لَهُم فكأنكم قد عزمتم على إِنْكَار جَمِيع مَا نرويه لكم وتكذيبه ومطالبتنا بِالْإِقْرَارِ والإذعان لجَمِيع مَا تروونه وكأنكم إِنَّمَا تَقولُونَ لنا سلمُوا لنا مَذْهَبنَا واتركوا الظَّاهِر الْمَعْلُوم من قَول النَّبِي ﷺ فِي أبي بكر وَعمر وَقَول عَليّ فيهمَا واحملوا ذَلِك على التقية مِنْهُ وَهَذَا من حَدِيث النُّفُوس وَمَا لَا سَبِيل لكم إِلَى الْمصير إِلَيْهِ
بَاب الْكَلَام فِي حكم الِاخْتِيَار
فَإِن قَالُوا فَإِذا فسد النَّص على إِمَام بِعَيْنِه فَكيف طَرِيق إِثْبَات الْإِمَامَة وبماذا يصير الإِمَام إِمَامًا قيل لَهُم إِنَّمَا يصير الإِمَام إِمَامًا بِعقد من يعْقد لَهُ الْإِمَامَة من أفاضل الْمُسلمين الَّذين هم من أهل الْحل وَالْعقد والمؤتمنين على هَذَا الشَّأْن لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَرِيق إِلَّا النَّص أَو الِاخْتِيَار وَفِي فَسَاد النَّص دَلِيل على ثُبُوت الِاخْتِيَار الَّذِي نَذْهَب إِلَيْهِ
بَاب القَوْل فِي الْعدَد الَّذِي تَنْعَقِد بِهِ الْإِمَامَة
فَإِن قَالَ قَائِل فبكم يتم عقد الْإِمَامَة عنْدكُمْ قيل لَهُ تَنْعَقِد وتتم بِرَجُل وَاحِد من أهل الْحل وَالْعقد إِذا عقدهَا لرجل على صفة مَا يجب أَن يكون عَلَيْهِ الْأَئِمَّة
فَإِن قَالُوا وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك قيل لَهُم الدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه إِذا صَحَّ أَن فضلاء الْأمة هم وُلَاة عقد الْإِمَامَة وَلم يقم دَلِيل على أَنه يجب أَن يعقدها سائرها وَلَا عدد مِنْهُم مَخْصُوص لَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَالنُّقْصَان مِنْهُ ثَبت بفقد الدَّلِيل على تعْيين الْعدَد وَالْعلم بِأَنَّهُ لَيْسَ بموجود فِي الشَّرِيعَة وَلَا فِي أَدِلَّة الْعُقُول أَنَّهَا تَنْعَقِد بِالْوَاحِدِ فَمَا فَوْقه
[ ٤٦٧ ]
فَإِن قيل أَلا جعلتم العقد إِلَى كل فضلاء الْأمة فِي كل عصر من أعصار الْمُسلمين قيل لَهُ أجمع أهل الِاخْتِيَار على بطلَان ذَلِك ولعلمنا بِأَن الله قد فرض علينا فعل العقد على الإِمَام وطاعته إِذا عقد لَهُ وَأَن اجْتِمَاع سَائِر أهل الْحل وَالْعقد فِي سَائِر أَمْصَار الْمُسلمين بصقع وَاحِد وإطباقهم على الْبيعَة لرجل وَاحِد مُتَعَذر مُمْتَنع وَأَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف فعل الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يَصح فعله وَلَا تَركه ولعلمنا بِأَن سلف الْأمة لم يراعوا فِي العقد لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي حُضُور جَمِيع أهل الْحل وَالْعقد فِي أَمْصَار الْمُسلمين وَلَا فِي الْمَدِينَة أَيْضا وَأَن عمر رد الْأَمر إِلَى سِتَّة نفر فَقَط وَإِن كَانَ فِي غَيرهم من يصلح للْعقد فَوَجَبَ بِهَذِهِ الْجُمْلَة صِحَة مَا قُلْنَاهُ ويوضح ذَلِك أَيْضا أَن أَبَا بكر عقدهَا لعمر فتمت إِمَامَته وَسلم عَهده بعقده لَهُ وسنتكلم فِي بَيَان ذَلِك وَصِحَّته عِنْد انْتِهَاء كتَابنَا إِلَى القَوْل فِي إِمَامَة عمر بِمَا يُوضح الْحق إِن شَاءَ الله