قد قَالُوا لَو كَانَت أفعالنا خلقا لله لكَانَتْ مقدورة لنا وَله
وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لجَاز أَن نفعلها وَيَتْرُكهَا هُوَ أَو نتركها ويفعلها فَيكون الشَّيْء الْوَاحِد مَفْعُولا متروكا
[ ٣٤٥ ]
قيل لَهُم هَذَا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان لَا يقدر على الْفِعْل إِلَّا فِي حَال وجوده فَلَا يجوز أَن يتْركهُ فِي حَال قد وجد فِيهَا
وَلَا يجوز أَيْضا أَن يتْركهُ الله فِي تِلْكَ الْحَال لِأَنَّهُ هُوَ الموجد لعَينه دون العَبْد الَّذِي يكسبه فَلَو تَركه لم يكن مَوْجُودا
فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَن أفعالنا خلق لنا كَونهَا وَاقعَة بِحَسب قصودنا وإرادتنا وامتناعنا مِنْهَا إِذا شِئْنَا
قيل لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون الله هُوَ الْخَالِق لَهَا والخالق لقصودكم إِلَيْهَا وَهُوَ التارك لخلقها فِي حَال انصرافكم عَنْهَا وإعراضكم عَن الْقَصْد إِلَى اكتسابها فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك مُتَعَلقا
فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَنه لَا يجوز أَن تكون أفعالنا خلقا لله تَعَالَى أَنه لَو كَانَ هُوَ الْخَالِق لَهَا لم يَصح أمره بهَا وَنَهْيه عَن بَعْضهَا وإثابته على الْحسن الْجَمِيل مِنْهَا وعقابه على الْقَبِيح من جُمْلَتهَا
قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك وَجها ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن لَا يكون الله تَعَالَى آمرا لأحد من خلقه بِخلق شَيْء من الْأَفْعَال وَلَا ناهيا لَهُ عَن ذَلِك وَلَا مثيبا لأحد على أَن خلق شَيْئا وَلَا معاقبا لَهُ على ذَلِك لِأَن الْخلق مُسْتَحِيل من العَبْد وَأَن يكون إِنَّمَا أَمر باكتساب مَا خلقه وَنهى عَن ذَلِك وأثاب وعاقب وذم ومدح ووعد وتوعد على أَن اكْتسب العَبْد مَا نهى عَنهُ وَأمر بِهِ فَقَط بل مَا أنكرتم أَن يكون إِنَّمَا جعل هَذِه الْأَفْعَال علما على إثابة من أحب إثابته وعقاب من أحب عِقَابه فَقَط
[ ٣٤٦ ]
فَإِن قَالُوا لَا نعقل معنى قَوْلكُم اكْتسب الْفِعْل حَتَّى نعقل الْأَمر بِهِ وَالنَّهْي عَنهُ
قيل لَهُم معنى الْكسْب أَنه تصرف فِي الْفِعْل بقدرة تقارنه فِي مَحَله فتجعله بِخِلَاف صفة الضَّرُورَة من حَرَكَة الفالج وَغَيرهَا
وكل ذِي حس سليم يفرق بَين حَرَكَة يَده على طَرِيق الِاخْتِيَار وَبَين حَرَكَة الارتعاش من الفالج وَبَين اخْتِيَار الْمَشْي والإقبال والإدبار وَبَين الْجَرّ والسحب وَالدَّفْع
وَهَذِه الصّفة المعقولة للْفِعْل حسا هِيَ معنى كَونه كسبا
فَلَا معنى لدعواكم أَن مَا نقُوله غير مَعْقُول
فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَن الله غير خَالق لأفعال الْعباد أَن مِنْهَا الظُّلم والجور وَالْفساد
فَلَو كَانَ خَالِقًا لَهَا لَكَانَ بِخلق الظُّلم والجور والسفه ظَالِما جائرا سَفِيها
فَلَمَّا لم يجز ذَلِك صَحَّ مَا قُلْنَاهُ
يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ إِن هَذَا وَاجِب وَمَا دليلكم عَلَيْهِ
فَإِن قَالُوا لِأَن فَاعل الظُّلم منا ظَالِم وفاعل الْجَوْز منا جَائِر
قيل لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون فَاعل الظُّلم والجور منا ظَالِما جائرا لِأَنَّهُ مَنْهِيّ عَنهُ وفاعل لَهُ فِي نَفسه ولنفسه وَالْقَدِيم تَعَالَى يخلق الظُّلم والجور والسفه جورا وظلما وسفها لغيره لَا لنَفسِهِ وَلَا فِي نَفسه
وَهُوَ
[ ٣٤٧ ]
تَعَالَى غير مَأْخُوذ بذلك وَلَا مطَالب بِتَرْكِهِ وَلَا مُخَالف بِفِعْلِهِ أَمر من يلْزمه طَاعَته والانقياد لَهُ
فَبَطل مَا قُلْتُمْ
ثمَّ يُقَال لَهُم إِن وَجب أَن يكون الْبَارِي بِفعل الظُّلم ظَالِما قِيَاسا على الشَّاهِد وَجب أَن يكون بِفعل الْإِرَادَة لغيره مرِيدا وبفعل فَسَاد الزَّرْع وَدم الْحيض الَّذِي هُوَ أدّى كَمَا أخبرنَا مرِيدا مُؤْذِيًا مُفْسِدا لِأَن فَاعل الْإِرَادَة والأذى وَالْفساد منا مُفسد مؤذ مُرِيد
فَإِن مروا على ذَلِك فارقوا الدّين وَإِن أَبوهُ لَعَلَّه مَا تركُوا التَّعَلُّق بالوجود
وَيُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ بخلقه حَرَكَة غَيره وَمَوته وحياته وَعلمه وجهله وَصِحَّته وسقمه وجنونه وهوسه ولونه وضرورته متحركا متلونا وَحيا وَمَيتًا ومضطرا وصحيحا وسقيما
فَإِن مروا على ذَلِك فارقوا الدّين وَإِن أَبوهُ تركُوا اعتلالهم
وَيُقَال لَهُم قَوْلنَا ظَالِم وجائر إِنَّمَا أَخذ فِي اللُّغَة من جَار وظلم وَلم يُؤْخَذ من فعل الْجور وَالظُّلم
كَمَا أَن قَوْلنَا ضَارب ومتلون ومتحرك إِنَّمَا أَخذ من قَوْلنَا تحرّك وَضرب وتلون لَا من خلق الْحَرَكَة وَالضَّرْب واللون وَفعل ذَلِك
فَكَمَا جَازَ أَن يخلق الْحَرَكَة واللون وَالضَّرْب من لَيْسَ بضارب متلون متحرك جَازَ أَيْضا أَن يخلق الظُّلم والجور من لَيْسَ بظالم وَلَا جَائِر
وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك
[ ٣٤٨ ]
بَاب ذكر آيَات من الْقُرْآن يحْتَج بهَا الْقَدَرِيَّة فِي أَن الْعباد يخلقون أفعالهم
وَإِن استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿وتخلقون إفكا﴾ فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه تَعَالَى عَنى إِنَّكُم تختلقون كذبا أَي تتخرصون وتكذبون كذبا
فالخلق يكون بِمَعْنى الْكَذِب والاختلاق
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا إِلَّا اخْتِلَاق﴾ و﴿إِن هَذَا إِلَّا خلق الْأَوَّلين﴾ يعنون كذبهمْ
وَقَوْلهمْ هَذَا حَدِيث مَخْلُوق يُرِيدُونَ بِهِ هَذَا الْمَعْنى
وَإِن استدلوا بقوله ﷿ ﴿وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني﴾
فَالْمُرَاد بذلك إِنَّك تقدر بقلبك وتصور بِيَدِك
والخلق يكون بِمَعْنى تَقْدِير الْقلب وفكرته وَيكون مَعْنَاهُ تَصْوِير الْيَد وحركاتها واعتماداتها الَّتِي يخلق عِنْده أشكال مَا ماسته الْيَد وباشرته
وَنحن لَا ننكر أَن يكون عِيسَى ﵇ مفكرا بِقَلْبِه ومحركا ليده وجوارحه حركات وفكرا يخلق الله عِنْده اجْتِمَاع المصدورات من الْأَجْسَام
[ ٣٤٩ ]
قَالَ الشَّاعِر زُهَيْر
(ولأنت تفري مَا خلقت وَبَعض الْقَوْم يخلق ثمَّ لَا يفري) يَعْنِي تمْضِي مَا قدرت وَمِنْهُم من يقدر ثمَّ لَا يمْضِي
وَقَالَ آخر
(وَلَا ينيط بأيدي الْخَالِقِينَ وَلَا أَيدي الخوالق إِلَّا جيد الْأدم) يُرِيد أَيدي المقدرين للأدم بِأَيْدِيهِم وَقُلُوبهمْ
وَإِن استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه تَعَالَى عَنى وَهُوَ أعلم أحسن المقدرين تَقْديرا وَأحسن المصورين تصويرا
يَقُول إِن تَصْوِيره ألطف وَأحسن من تصويرهم وَإِن تَقْدِيره الَّتِي هِيَ إِرَادَته وقصده أصوب من تقديرهم وارتيائهم
وَيحْتَمل أَن يكون الله تَعَالَى لما ذكر نَفسه مَعَ غَيره الَّذِي لَيْسَ بخالق سماهم باسمه مجَازًا واتساعا
كَمَا قَالُوا عدل العمرين يعنون أَبَا بكر وَعمر
وكما قَالُوا الأسودان يعنون المَاء وَالتَّمْر
وكما قَالَ الشَّاعِر
(أَخذنَا بآفاق السَّمَاء عَلَيْكُم لنا قمراها والنجوم الطوالع) يَعْنِي الشَّمْس وَالْقَمَر
فَكَذَلِك قَوْله الْخَالِقِينَ والخالق مِنْهُم وَاحِد
[ ٣٥٠ ]
فَإِن قَالُوا الْألف الَّذِي فِي قَوْله أحسن ألف مُبَالغَة لَا يدْخل فِي مثل هَذَا الْكَلَام إِلَّا للاشتراك وإيقاع التَّفَاضُل فِي الْوَصْف
قيل لَهُم الأَصْل فِي هَذِه الْألف كَمَا زعمتم
إِلَّا أَنَّهَا قد تَجِيء للإفراد بِالْوَصْفِ وَتَكْذيب دَعْوَى من ادّعى مُشَاركَة مَا لَيْسَ لَهُ الْوَصْف لما هُوَ لَهُ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿آللَّهُ خير أما يشركُونَ﴾ على وَجه التَّكْذِيب لدعواهم الْخَيْر فِيمَا يشركُونَ بِهِ وَقَول حسان بن ثَابت
(أتهجوه وَلَيْسَت لَهُ بند فشركما لخيركما الْفِدَاء) يَعْنِي إِن كَانَ فِي هجاء النَّبِي ﷺ خير على مَا ادَّعَاهُ
وَكَذَلِكَ قَول الفرزدق
(إِن الَّذِي رفع السَّمَاء بنى لنا بَيْتا دعائمه أعز وأطول) يُرِيد إِن كَانَ بَيت جرير عَزِيزًا طَويلا على مَا يَدعِيهِ
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي عنْدكُمْ وَفِي اعتقادكم وظنونكم أَن ابْتِدَاء الشَّيْء على كل فَاعل أَهْون عَلَيْهِ من إِعَادَته
فَكَذَلِك
[ ٣٥١ ]
قَالَ ﴿وَله الْمثل الْأَعْلَى﴾ فَكَذَلِك لما علم الله أَن قوما ادعوا مَعَ الله خلقا غَيره مِنْكُم وَمِمَّنْ سلف من إخْوَانكُمْ قَالَ ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ الَّذِي ادّعى المبطلون أَنهم يخلقون فَسقط مَا توهموه
فَإِن قَالُوا أفليس قد قَالَ الله تَعَالَى الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه فَكيف يكون الْقَبِيح من خلقه وَلَيْسَ بِحسن
قيل لَهُم لَيْسَ أحسن من معنى حسن بسبيل وَإِنَّمَا معنى أحسن أَنه يحسن وَيعلم كَيفَ يخلق كَمَا يُقَال فلَان يحسن الظُّلم وَيحسن السَّفه وَيحسن فعل الْخَيْر والجميل أَي يعلم كَيفَ يفعل ويعرفه
وَلَيْسَ معنى قَوْلهم يحسن الْقَبِيح والسفه أَنه يَجْعَل ذَلِك حسنا فَبَطل مَا قُلْتُمْ
فَإِن قَالُوا أفليس قد قَالَ الله ﷿ وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا وَقَالَ ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
وَالْبَاطِل من أَفعَال الْعباد لَيْسَ بِحَق
قيل لَهُم معنى ذَلِك أَنه مَا خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَهُوَ لَا يُرِيد إثابة الْمُتَّقِينَ الطائعين وَلَا مجاراة المسيئين المذنبين والكافرين على مَا يتوهمه من زعم أَنه لَا حشر وَلَا نشر وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب
فَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا فويل للَّذين كفرُوا من النَّار﴾ يَعْنِي من إنكارهم الثَّوَاب وَالْجَزَاء وَالْعِقَاب
[ ٣٥٢ ]
وَقَوله ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي أَنه مَا خلق ذَلِك إِلَّا بقوله وَكَلَامه الَّذِي هُوَ الْحق
وَيُمكن أَن يكون عَنى إِنِّي مَا خلقتهما ظَالِما لخلقهما وَلَا تجاوزت بفعلهما أَمر آمُر وَلَا زجر زاجر
وَيحْتَمل أَن يكون عني إِنِّي مَا خلقتهما وكلفت أهلهما إِلَّا وَأَنا مُرِيد لإثابة الطائعين وعقوبة العاصين