فَإِن قَالَ قَائِل أفليس الله قد أوجب عَدَاوَة الْفَاسِق والتبرؤ مِنْهُ ولعنه وأمرنا بِأَن لَا تأخذنا رأفة بِهِ وأمرنا بالنكال بِهِ فَقَالَ ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ مَعَ قَوْله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَكيف يجوز أَن يكون صَاحب الْكَبِيرَة مُؤمنا وَالْمُؤمن مَرْحُوم وَولي لله تَعَالَى
قيل لَهُ لسنا نقُول إِن الْفَاسِق عَدو لله وَلَا إِن الله لَعنه إِلَّا بشريطة أَن يكون فِي معلومه أَنه يعذبه وَأَن يكون أَرَادَ ذَلِك وقصده
وَإنَّهُ مَتى لم يكن ذَلِك كَذَلِك وَكَانَ الْمَعْلُوم من حَاله أَنه يثيبه وَيغْفر لَهُ ويشفع فِيهِ نبيه فَإِنَّهُ غير مَلْعُون وَلَا عَدو لله وَلَا مِمَّن حكم بعقابه
لِأَن الْعَدَاوَة والبغض من الله إِنَّمَا هِيَ إِرَادَته لعذاب من علم أَنه يعذبه على مَا بَينا فِي بَاب الصِّفَات
[ ٤١٠ ]
وَهَذَا كَمَا تعبدنا بلعن من ظهر مِنْهُ كلمة الْكفْر فِي دَار الْحَرْب وَالْحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَدو لله بشريطة أَن كَانَ مُعْتَقدًا للكفر وَكَانَ ظَاهره كباطنه وكما أَمر عنْدكُمْ بلعن من أظهر الْفسق وذمه والبراءة مِنْهُ إِذا لم تعلم تَوْبَته بشريطة أَن لَا يكون قد تَابَ وَنَدم
وَكَذَلِكَ تعبدنا الله بلعن شُهُود الزِّنَى والبراءة مِنْهُم إِذا اخْتلفت شَهَادَتهم وَقصر عَددهمْ وَالْحكم بفسقهم إِن كَانُوا عِنْد الله كذبه لَا على الْإِطْلَاق
وَكَذَلِكَ قر أمرنَا بموالاة من أظهر لنا الْإِيمَان وتوليه بشريطة أَن يكون عِنْد الله مُعْتَقدًا لذَلِك
وَإِذا كَانَ هَكَذَا بَطل مَا قُلْتُمْ
لِأَن الله تَعَالَى إِن كَانَ قد علم أَنه سيغفر لِلْفَاسِقِ الملي ويشفع فِيهِ نبيه فَلَيْسَ بملعون عِنْده وَلَا عَدو لَهُ
فَأَما إِن كَانَ فِي الْمَعْلُوم أَنه سيعاقبه فَإِن معنى عَدَاوَة الله لَهُ أَنه أَرَادَ عِقَابه على ذَنبه وَهُوَ أَيْضا موَالٍ لَهُ على إيمَانه لِأَنَّهُ مُرِيد لإثباته
وَلَيْسَ بمستحيل أَن يُرِيد الله عِقَاب الْفَاسِق فِي وَقت وإثابته فِي وَقت آخر كَمَا أَنه لَيْسَ بمحال أَن يُرِيد الْإِنْسَان عِقَاب وَلَده على ذَنبه فيريد أَيْضا تبجيله وإثابته على عمله الْجَمِيل وَحسن طَاعَته فِيمَا فِيهِ
وَإِنَّمَا تمْتَنع وتتضاد الْعَدَاوَة وَالْولَايَة من وَجه وَاحِد وعَلى عمل وَاحِد
وَقد
[ ٤١١ ]
قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ وَقَالَ ﷿ ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾
وَقد بَينا فِيمَا سلف أَن الْفَاسِق الملي مُؤمن بِمَا يُغني عَن إِعَادَته
فَوَجَبَ أَن يكون وليا لله تَعَالَى بإيمانه وَبِمَا مَعَه من طاعاته والتقرب إِلَيْهِ
وَقَوله ﷿ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَالْمُرَاد بِهِ إِرَادَته لإثابتهم على إِيمَانهم فِي الْآخِرَة وطاعاتهم لَهُ لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يثيبهم على الْإِيمَان
وإرادته أَيْضا إِرَادَة للْحكم عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَحْكَام الْمُؤمنِينَ من المناكحة والموارثة وعيادة مريضهم ودفنهم فِي مَقَابِر الْمُسلمين
وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بقوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ أَنه رَحِيم بهم فِي كل شَيْء إِلَّا مَا علم أَنه يجازيهم عَلَيْهِ من ذنوبهم
فَبَطل مَا قَالُوهُ
وَأما الْفَاسِق من الْمُؤمنِينَ فَلَا يجوز أَن يكون معاديا لله بمعصيته مَعَ إِقْرَاره بِوُجُودِهِ وإيمانه بربه وتصديقه لَهُ لِأَن الْعَدَاوَة لله متضمنة للكفر بِهِ
وَقد يُمكن أَن يكون الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا تعبدنا بذم الْفَاسِق ولعنه وَجلده وقطعه محنة لَهُ ليثيبه على ذَلِك فِي الْآخِرَة كَمَا أَمر بجلد التائب وقطعه محنة لَهُ ليثيبه على ذَلِك فِي الْمعَاد
بل فَلَا جِهَة لَهُم فِي ذمّ الْفَاسِق وَحده
فَإِن قَالُوا لَو كَانَ مَعَ الْفَاسِق إِيمَان يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب والتعظيم فِي
[ ٤١٢ ]
الْآخِرَة لأزال عَنهُ الْحَد فِي الدُّنْيَا
فَلَمَّا لم يزل ذَلِك عَنهُ بَطل مَا قُلْتُمْ
قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك
ثمَّ يُقَال لَهُم وَلَو كَانَ مَعَ التائب الْمُنِيب مَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب فِي الْآخِرَة لَاسْتَحَقَّ بِهِ إِزَالَة الْعقَاب وَالْحُدُود فِي الدُّنْيَا
فَلَمَّا كَانَ التائب عندنَا وَعِنْدهم مَقْطُوعًا ومحدودا مَعَ تَوْبَته بَطل أَن يكون من أهل التَّعْظِيم وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا لم تزل التَّوْبَة قطع التائب وَحده وتعمل فِي إحباطه لأجل أَن قطعه وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِ لَيْسَ بعقاب وإهانة وَإِنَّمَا هُوَ محنة من الله ﷿ لَهُ
وَلَيْسَ يجب أَن تُؤثر التَّوْبَة فِي إِزَالَة المحن الَّتِي لَيست بنكال وَلَا عِقَاب
قيل لَهُم وَكَذَلِكَ قطع الْمُؤمن الموحد الْمُصدق لله وَلِرَسُولِهِ لَيْسَ بعقاب وَلَا نكال وَإِنَّمَا هُوَ امتحان من الله
وَإِنَّمَا المُرَاد بقوله ﴿نكالا من الله﴾ إِن كَانَا مستحلين للزنى وَمِمَّنْ قد حكم بعقابهما فِي الْآخِرَة
فَلذَلِك لم يزل إيمَانه وولايته قطعه وَحده
ثمَّ يُقَال لَهُم لَو لم يكن مَعَ الْمُؤمن مَا يسْتَحق بِهِ ثَوابًا فِي الْآخِرَة لبطلت موارثته ومناكحته وَحرمت زيارته وعيادة مريضه وَدَفنه فِي مَقَابِر الْمُسلمين
فَلَمَّا لم يزل ذَلِك علمنَا أَنه من أهل الثَّوَاب فِي الْآخِرَة
فَإِن قَالُوا جَمِيع هَذَا لَيْسَ يدل على أَن الْمَفْعُول بِهِ مَا وصفتم من أهل الثَّوَاب لِأَن جَمِيع هَذِه الْأَحْكَام تجرى على الْمُنَافِقين وَلَيْسوا بهَا مثابين
[ ٤١٣ ]
قيل لَهُم وَكَذَلِكَ مَدْحنَا للْمُؤْمِنين وتوليهم وَحسن الثَّنَاء عَلَيْهِم لَيْسَ بِثَوَاب لأننا نَفْعل ذَلِك أجمع بالمنافقين مَتى أظهرُوا لنا الْإِيمَان وَلَيْسَ ذَلِك بِثَوَاب وَلَا دلَالَة على حُصُول الثَّوَاب فِي الْآخِرَة
وَإِن هم قَالُوا لَو جَازَ أَن نعادي الْفَاسِق ونذمه ونلعنه بشريطة أَن يكون مِمَّن يُعَاقب فِي الْآخِرَة لجَاز أَن يعاديه الله ويلعنه على هَذِه الشريطة
يُقَال لَهُم وَلَو جَازَ أَن نلعن نَحن شُهُود الزِّنَى ونبرأ مِنْهُم بشريطة أَن كَانُوا كاذبين لجَاز أَن يلعنهم الله ويعاديهم على هَذِه الشريطة
فَإِن لم يجب هَذَا لم يجب مَا قُلْتُمْ
وَالسَّبَب المفرق بَين لعننا وعداوتنا بشريطة يجوز أَن تكون وَيجوز أَن لَا تكون وَامْتِنَاع لعن الْبَارِي لَهُم بشريطة لأننا نَحن لَا نعلم عواقب أُمُورهم والباري سُبْحَانَهُ عَالم بذلك فَلم يجز عَلَيْهِ لعنهم والعداوة لَهُم بشريطة وَإِن جَازَ وَصَحَّ ذَلِك فِينَا