وأما قول الشارح فمذهب السلف عدم الخوض هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله، فاعلم يا أخي أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر
[ ٣٤ ]
في العقل والنقل أقوال أهل التفويض فنذكر من ذلك ما يدل على بطلانه وأنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. قال شيخ الإسلام قدس الله روحه في صفحة خمسة عشر ومائة في الوجه السادس عشر وأما التفويض فمن المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ فذكر أقوال الفلاسفة ثم قال: والجهمية والمعتزله وأمثالهم يقولون أنه أراد أن يعتقدوا الحق على ما هو عليه مع علمهم بأنه لم يبين ذلك في الكتاب والسنة بل النصوص تدل على نقيض ذلك فأولئك يقولون أراد منهم اعتقاد الباطل وأمرهم به، وهؤلاء يقولون أراد اعتقاد ما لم يدلهم إلا على نقيضه، والمؤمن يعلم بالاضطرار أن كلا القولين باطلا ولابد للنفاة أهل التأويل من هذا أو هذا، وإذا كان كلاهما باطلا كان تأويل النفاة للنصوص باطلا فيكون نقيضه حقا وهو إقرار الأدلة الشرعية على مدلولاتها ومن خرج عن ذلك لزمه الفساد ما لا يقوله أهل الإلحاد، وما ذكرناه من لوازم قول أهل التفويض هو لازم لقولهم الظاهر المعروف بينهم إذ قالوا إن الرسول كان يعلم معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة ولكن لم يبين للناس مراده بها ولا أوضحه إيضاحا يقطع به النزاع. وأما على قول أكابرهم إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهر – فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا
[ ٣٥ ]
الملائكة ولا السابقون الأولون وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم
الأنبياء معناه بل بقولون كلاما لا يعقلون معناه، وذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة والنصوص المثبتة للأمر والنهي والوعد والوعيد عند طائفة، والنصوص المثبتة للمعاد عند طائفة، ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتبدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته أو عن كونه خالقا لكل شيء وهو بكل شيء عليم أو عن كونه أمر ونهى ووعد وتوعد أو عما أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للنا س ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما ينافي ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به فيبقي هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء وفتحا لباب من يعارضهم ويقول أن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلا عن أن يبينوا مرادهم. فتبين أن قول أهل التقويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد آخر إلى كلامه ﵀
[ ٣٦ ]
وأما قول الشارح قال ابن عباس هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكذا قال غيره من الصحابة والتابعين، وأما أهل التأويل فأبوا إلا أن يفسروا ويؤولوا حتى خالفوا سلف الأمة وأئمتها وابتدعوا في ذلك وكل بدعة ضلالة انتهى.
فاعلم يا أخي أن هذا القول الذي نسبة الشارح إلى ابن عباس ﵁ وغيره من الصحابة إن كان صحيحا ثابتا فليس معناه ما توهمه الشارح من أن نصوص الكتاب والسنة الواردة في أسماء الله وصفاته أن ١ مما يوهم تشبيها فيكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وأنه مما لا يعقل معناها ٢ وأنها لا تفسر وقد تقدم بيان ذلك في معنى التفويض ونزيد ذلك إيضاحا بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في هذا الكتاب حيث قال: وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. ولهذا قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
_________________
(١) ١ كذا في النسخة فأما أن تكون "أنه" هنا تأكيدًا لأنه في أول الجملة، وإما أن تكون سبق قلم، فأن ما بعدها خبر لأنه الأولى، وحاصل المعنى أن النصوص المذكورة ليست من المتشابه الذي لا يعقل كما توهم الشارح. ٢ تذكير ضمير "وأنه" لأنه راجع إلى "ما توهمه الشارح" وتأنيثه في "كلمة معناها" لرجوعه إلى النصوص، وربما كان سهوا في النسخ.
[ ٣٧ ]