٨. وقد يُنكرُ الجهمِيُّ هذا وعندَنَا … بمِصْدَاقِ ما قُلْنَا حَديثٌ مُصَرِّحُ (^١)
٩. رواه جريرٌ عن مَقَالِ محمدٍ … فقلْ مثل ما قد قَال في ذاكَ تَنْجَحُ
قوله: (وقد يُنكر الجهمِيُّ هذا): و(قد): في هذا السياق للتحقيق.
والإشارةُ في قوله: (هذا) راجع إلى التجلِّي، فالجهميُّ يُنكرُ الرؤية مطلقًا كما تقدم (^٢)، ويُكذِّبُ بأنَّ المؤمنين يرون ربهم، أمَّا قوله: (وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ وليس له شِبهٌ)، فهذا لا يُنكره الجهميُّ.
أمَّا الرؤيةُ فاختلف فيها النَّاسُ على مذاهب تقدم ذكرها (^٣).
والمذهبُ الحقُّ هو مذهبُ أهلِ السنَّةِ، القائلين بأنَّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانًا بالأبصار، رؤيةً من غير إحاطةٍ، والأدلةُ على ذلك من الكتاب والسنة تقدمت الإشارة إليها، وذُكر بعضها، ومن الأدلة من السنة حديثُ جريرُ بن عبد الله ﵁ الذي أشار إليه النَّاظمُ، وقد تقدم ذكره بلفظه (^٤).
_________________
(١) في طبعة الشطي: (مُصحَّح)، والمثبت من طبعة محمد عبد السلام.
(٢) تنظر: (ص ٥٦).
(٣) تنظر: (ص ٥٦ - ٥٧).
(٤) تنظر: (ص ٥٥).
[ ٦٤ ]
شبهة أخرى للجهمية في نفي الرؤية والرد عليها
ومما استدلَّ به الجهميةُ: قولُ اللهِ -تعالى- لموسى ﵇: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقيل في الجواب: ليس في الآية نفيٌ للرؤية بإطلاق، بل نفيٌ لرؤية موسى ﵇ ربَّه في مقامٍ معيَّنٍ، فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، جوابًا لقول موسى في ذلك المقام: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وقال المجيبون أيضًا: إنَّ هذه الآيةَ أدلُّ على الرؤيةِ منها على نفيها؛ لأنَّ الله تعالى لم يقل: إنِّي لا أُرى، بل قال: لن تراني إلَّا أن يستقرَّ الجبلُ، لقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، واستقرارُ الجبلِ ممكنٌ، فيلزم إمكانُ الرؤية.
وقالوا: كان موسى ﵇ أعلمَ وأجلَّ من أن يسألَ ربَّه أمرًا مستحيلًا عليه سبحانه.
وذكروا وجوهًا أُخرى تضمَّنتها الآيةُ تدلُّ على جواز الرؤيةِ، أثبتها ابنُ القيم عند كلامه على هذه الآية في باب: رؤيةِ أهلِ الجنَّة لله تعالى من كتابه «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» (^١).
ثم قال النَّاظم: (وعندَنَا بمِصْدَاقِ ما قُلْنَا حَديثٌ مُصَرِّحُ): أي: وعندنا حجَّةٌ على الخصم حديثٌ واضحٌ صريحٌ يدلُّ على صِدق قولنا، والحقُّ أنَّ عندنا أحاديث متواترة (^٢)، بل قرآنٌ وإجماعٌ، فالرؤيةُ قد دلَّ عليها الكتابُ والسنَّةُ والإجماعُ.
_________________
(١) (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٨).
(٢) رواها سبعةٌ وعشرون صحابيًا ساقها ابن القيم وغيره، ينظر: حادي الأرواح (٢/ ٦٢٥ - ٦٨٥)، ونظم المتناثر (ص ٢٣٨، رقم ٣٠٧).
[ ٦٥ ]
وقوله: (مُصَرِّحُ): أي: فيه التصريحُ بالرؤية، وليس لفظًا محتملًا، بل نصٌّ صريحٌ لا يحتمل التأويل، قال ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته» (^١).
قوله: (رواه جريرٌ): وجريرُ هو ابنُ عبدِ اللهِ البَجليِّ ﵁.
(عن مَقَالِ محمَّدٍ): أي يرفعُه إلى النَّبي ﷺ.
ثم قال النَّاظمُ مُكملًا: (فقلْ مثل ما قد قَال في ذاكَ تَنْجَحُ): والمعنى: قُلْ أَيُّها المسلمُ مثلَ ما قال النبيُّ ﷺ في رؤية المؤمنين لربهم، واعتقد ما قال (تَنْجَحُ): أي: تظفرُ بمطلوبك، فالنجاحُ: الظَّفَرُ بالمطلوب، وضدُّهُ الخيبةُ والخسرانُ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٤)، (٧٤٣٤) -واللفظ له-، ومسلم (٦٣٣) عن جرير بن عبد الله ﵁.
[ ٦٦ ]