ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر
فتنة القبر
٢٩. ولا تُنْكِرَنْ جَهْلًا نَكِيرًا ومُنْكَرًا … ولا الحَوضَ والمِيزَانَ إنَّكَ تُنْصَحُ
يُشيرُ المؤلفُ في هذا البيت إلى بعض ما يجب الإيمان به من أمورِ الآخرةِ، وهي كل ما يكون بعد الموت، واعتقادِ أهلِ السنَّةِ فيها، ومن ذلك: سؤالُ الملكين في القبر منكر ونكير، وحوضُ النبيِّ ﷺ، والميزانُ.
ومن أصول الإيمانِ: الإيمانُ باليوم الآخر، والإيمانُ باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكلِّ ما يكون بعد الموت، وهو كما قال الإمامُ ابنُ تيمية في «العقيدة الواسطية»: «الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النبيُّ ﷺ مما يكون بعد الموت» (^١). فيدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بما يكون من حال المحتَضَر، وتولي الملائكة لقبض الروحِ، وما يكون بعد ذلك من أحوالٍ وأهوالٍ، وما يكون في القبر من فتنةٍ وعذابٍ ونعيمٍ، وما يكون بعد ذلك من البعث والنشورِ، والحشرِ، والجزاءِ، ووزنِ الأعمالِ، والحوضِ، والصراطِ، وغيرِ ذلك.
كلُّ ذلك يدخل في الإيمان باليوم الآخرِ، فالمؤلفُ أشارَ إلى بعض ذلك.
وأهلُ السنَّةِ والجماعةِ يؤمنون بهذا كله: فيؤمنون بفتنةِ القبرِ، وأنَّ الإنسانَ يُفتنُ في قبره؛ أي: يمتحن، كما قال ﷺ: «أُوحي إليَّ أنَّكم
_________________
(١) الواسطية (ص ٩٥).
[ ١٢٤ ]
تُفتنون في قبوركم، مثلَ أو قريبًا (^١) من فتنةِ المسيحِ الدجَّال» (^٢)، وأكثرُ النَّاسِ لا يُدركون فتنةَ المسيحِ الدجَّال، وأمَّا هذه الفتنةُ -فتنةُ القبرِ- فلا مَحيدَ ولا مَفرَّ منها، فإذا وُضع الميتُ في قبره أتاهُ ملكان فيُقعدانه ويسألانه: مَنْ ربُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نبيُّكَ؟
ثلاثةُ أسئلةٍ، فالمؤمنُ الموقنُ يجيبُ بالصواب، ويقول: ربي اللهُ، وديني الإسلامُ، ونبيي محمَّدٌ ﷺ.
وأمَّا الكافرُ والمنافق؛ فيقول: ها ها لا أدري، سمعت النَّاسَ يقولون شيئًا فقلتُه، فيُضرَبُ بِمِرْزَبةٍ فيصيحُ صيحةً يسمعها كلُّ شيءٍ إلَّا الثقلين، كما جاءت الأحاديثُ الصحيحةُ الثابتةُ بهذا المعنى عن النَّبي ﷺ ثم بعد ذلك يكون الميتُ في قبره في نعيمٍ أو عذابٍ، كما جاء في حديث البراء بن عازب الطويلِ عن قبض روحِ المؤمنِ وروحِ الكافرِ، وما يكون لها، وما يجري عليها بعد ذلك (^٣).
فالقبرُ كما جاء في الحديث: «روضةٌ من رياض الجنَّةِ، أو حُفرةٌ من حُفرِ النَّار» (^٤)، ولهذا جاءت النصوصُ بسؤال النَّجاةِ من عذاب القبرِ،
_________________
(١) في بعض نسخ البخاري: (قريب) بلا تنوين، ورجح شيخنا لفظ (قريبًا) بالتنوين كما في بعض النسخ الأخرى. وينظر توجيه ذلك في فتح الباري (١/ ١٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄.
(٣) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه الحاكم (١٠٧)، (١١١)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٢٠)، (٤٤)، ونقل ابن القيم تصحيح أبي نعيم وأبي موسى الأصبهانيين. ينظر: تهذيب سنن أبي داود (٣/ ٣١٩ - ٣٢٥)، وأحكام الجنائز (ص ١٩٨).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠) عن أبي سعيد الخدري ﵁، وقال أبو عيسى الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه». =
[ ١٢٥ ]
مجي الملكين منكر ونكير
والرسولُ ﷺ أمر بالاستعاذة من عذاب القبر، بل أمرنا أن نستعيذَ بالله من عذاب القبر في كلِّ صلاةٍ؛ فقال: «إذا تشهَّدَ أحدُكم فليستعذْ بالله من أربع، يقول: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذاب جهنَّمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ» (^١).
وقد ذكر الناظمُ من الغيب الذي يحدثُ للميت في قبره ويجب الإيمانُ به أمورًا:
يقول الناظمُ: (ولا تُنْكِرَنْ جَهْلًا نَكِيرًا ومُنْكَرًا): ومنكرٌ ونكيرٌ: اسمان للملكين اللذين يأتيان الإنسانَ في قبره، فيُقعدانِه ويَسألانِه، وتَسميتُهما بمنكرٍ ونكيرٍ جاءت في حديثٍ رواهُ الترمذيُّ (^٢)، وليست معرفةُ اسميهما من المهمَّات، والمهمُّ هو الإيمانُ بفتنة القبرِ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٨٨) عن أبي هريرة ﵁ بنحوه. وأخرجه البخاري (١٣٧٧) بأنه كان يدعو مطلقًا بهذا الدعاء.
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٧١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. وقال: «حديث حسن غريب» وجوَّد إسناده الألباني في الصحيحة (١٣٩١). وسأل أحمد بن القاسم الإمام أحمد فقال: «قلتُ: يا أبا عبد الله تقر بمنكر ونكير وما يُروى من عذاب القبر، فقال: نعم سبحان الله! نقر بذلك ونقوله. قلتُ: هذه اللفظة: منكر ونكير، تقول هذا أو تقول ملكين. قال: نقول منكر ونكير وهما ملكان وعذاب القبر». ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٣٥).
[ ١٢٦ ]
الحوض
والمعروفُ أنَّه لم يثبت من أسماء الملائكةِ إلا: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل (^١)، ومالك خازن النَّار، ومنكر، ونكير، هذه هي كلُّ ما ثبت من أسماء الملائكةِ (^٢).
ومما ذَكرَ الناظمُ في هذا البيت الحوض، والمرادُ به: حوضُ نبيِّنا ﷺ، وقد استفاضت بخبرِه الأحاديثُ، وجاء ذِكرُ طُولِه وعرضِه ووصفِه، فطولُه مسيرةَ شهرٍ، وعرضُه مسيرةَ شهرٍ، وآنيتُه كثيرةٌ عددَ نجومِ السماء، وجاء أنَّ ماءَه أَشدُّ بياضًا من اللبن وأَحلى من العسل، وهو كرامةٌ لنبيِّنا ﷺ وغياثٌ لأمته، تَرِدُ عليه الأُمَّةُ فيشربون، فمَن شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا (^٣)، وعنده تتجاوزُ الأخطارُ كلُّها، وقد ثبت عنه أنَّه قال ﷺ: «إنِّي فَرَطُكُم على الحوض، مَنْ مَرَّ عليَّ شَربَ، ومَن شربَ لم يظمأ أبدًا، ليردَنَّ عليَّ أقوامٌ أَعرفهم ويعرفوني ثم يحالُ بيني وبينهم، فأقولُ: إنهم مني، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لمَن غيَّر بعدي» (^٤).
فمما يجب الإيمانُ به -وهو يدخل في الإيمان باليوم الآخر-: الإيمانُ بحوضِ النَّبي ﷺ وأنَّه حقٌّ، وأنَّه حوضٌ حقيقيٌّ، وأنَّه يكون في
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧٠) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁.
(٢) ينظر: عالم الملائكة الأبرار للأشقر (ص ٢٠).
(٣) والأحاديث التي جاء ذكر الحوض فيها كثيرة جدًا بلغت مبلغ التواتر كما صرح بذلك جمع من الأئمة. ينظر: البعث والنشور للبيهقي (ص ١١٠ - ١٣٠)، ونظم المتناثر (ص ٢٣٦، رقم ٣٠٥).
(٤) أخرجه البخاري (٢٥٨٣ - ٢٥٨٤) -واللفظ له-، ومسلم (٢٢٩٠ - ٢٢٩١) عن سهل بن سعد وأبي سعيد الخدري ﵄.
[ ١٢٧ ]
الميزان
عَرصات القيامةِ قبل دخول الجنةِ، وقد ورد أنه يصبُّ فيه مِيزابان من الكوثر (^١)، الذي هو النهرُ الذي أُعطِيه رسول الله ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر]، قيل: معناه الخيرُ الكثيرُ، وقيل: معناه نهرٌ في الجنَّة، وكلا المعنيين حقٌّ، ولكنَّ الراجحَ هو المعنى الثاني: فالمرادُ بالكوثر في الآية نهرٌ في الجنَّةِ (^٢).
ومما يجب الإيمانُ به ويدخلُ في الإيمان باليوم الآخر: الإيمانُ بالوزن والميزان، وهذا مما جاء في مواضعَ من القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ [القارعة]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾ [القارعة]، وقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِئَايَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وثبت في السنَّةِ ذِكرُ الميزانِ، كما في حديث أبي هريرة: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن» (^٣)، ومثل حديثِ صاحبِ البطاقة (^٤)، والحديث الذي ورد في شأن ابنِ
_________________
(١) أخرجه بمعناه: مسلم (٢٣٠٠)، (٢٣٠١) عن أبي ذر وثوبان ﵄.
(٢) ينظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٦٧٩).
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه أحمد (٧٠٦٦)، (٦٩٩٤)، والترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠) عن عبد الله بن عمرو ﵄، وصححه ابن حبان (٢٢٥)، والحاكم (٩)، وينظر: الصحيحة (١٣٥).
[ ١٢٨ ]
مسعودٍ ﵁ وفيه قولُه ﷺ لَمَّا ضحك بعضُ النَّاس من دِقَّة ساقيه: «لهما أثقلُ في الميزان من جبل أُحدٍ» (^١).
فأهلُ السنَّةِ يؤمنون بالميزان، وأنَّه ميزانٌ حِسِّيٌّ حقيقيٌّ اللهُ أَعلمُ بكيفيَّته، ومن أهلِ البدعِ مَنْ يُنكرُ حقيقةَ الميزانِ، ويقول: هو عبارةٌ عن العدل، فليس هو ميزانٌ حقيقيٌّ؛ بل أَمرٌ معنويٌّ (^٢).
والإيمانُ باليوم الآخرِ يقتضي الإيمانَ بأمورٍ كثيرةٍ جاءت بها النصوصُ؛ كالحساب ونشرِ الصُّحفِ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨]، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ [النبأ]، وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير]، وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء].
* * *
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٩٩١)، والطيالسي (٣٥٣)، وصححه ابن حبان (٧٠٦٩)، والحاكم (٥٣٨٥)، وينظر: الصحيحة (٢٧٥٠)، (٣١٩٢).
(٢) كالإباضية والمعتزلة، ونسبه ابن تيمية للمعتزلة البغداديين دون البصريين. ينظر: التذكرة للقرطبي (٢/ ٧٢٢)، ودرء التعارض (٥/ ٣٤٨)، وشرح غاية المراد للخليلي الإباضي (ص ٩٦ - ٩٧).
[ ١٢٩ ]