وفي بعض النسخ: (وأسمحوا)، وهو الذي اعتمده السفاريني في شرحه (^١)، واللفظان معناهما واحد أو متقارب، ومعناه: سمحت نفوسُهم باعتقادِ هذا القول وتقريرِه، مع فسادِه وبطلانِه.
ولما ذكر الناظم مذهب الواقفة من الجهمية ذكر مذهب اللفظية فقال:
* * *
_________________
(١) لوائح الأنوار (١/ ٢٣١).
[ ٤٧ ]
فتنة اللفظية ومحنة البخاري بسببها
٥. ولا تقلِ القُرآنُ خَلقٌ قُرَانُه (^١) … فإنَّ كلامَ اللهِ باللَّفْظِ يُوضَحُ
قوله: (ولا تقلِ القُرآنُ خلقٌ قُرَانُه) بالتسهيل أي: قِراءته؛ فإن القرآن اسم للكتاب العزيز، ويُطلَق على القراءة كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة] أي: قِراءته (^٢)؛ فالقرآن في أول الشطر هو القرآن المجيد، والقرآن في آخر الشطر بمعنى القراءة، فالمعنى: لا تقل: قراءةُ القرآنِ خلقٌ؛ أي: قراءتي، وكذا تلاوتي ولفظي بالقرآن مخلوقٌ.
والنَّاظمُ يريدُ نهيَ المسلمِ السنِّي أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، أو تلاوتي، وقراءتي للقرآن مخلوقةٌ، وهذه مسألةٌ كبيرةٌ كثرَ فيها الخوضُ والقيلُ والقالُ والافتراءُ، واشتُهرَ عن الإمام أحمد أنَّه قال: «مَنْ قال لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جهميٌّ، ومَن قال غير مخلوقٍ فهو مبتدعٌ» (^٣)، والقائلون بأنَّ اللفظَ بالقرآن مخلوقٌ يُسَمَّونَ اللفظية (^٤).
_________________
(١) في طبعة الشطي: (قراءة)، وفي طبعة محمد عبد السلام: (قرائه)، وفي شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين (ص ٣٢٢)، والشريعة للآجري (٥/ ٢٥٦٤): (قراءته).
(٢) ينظر: المحرر الوجيز (٨/ ٤٧٧).
(٣) أورده بهذا اللفظ الطبري في صريح السنة (ص ٣٧ رقم ٣٢).
(٤) ينظر كلام أهل العلم فيهم في: الشريعة للآجري (١/ ٥٣٢)، والإبانة لابن بطة (٥/ ٣١٧).
[ ٤٨ ]
إنكار السلف قول اللفظية وتحذيرهم من الألفاظ المجملة
ولا ريب أنَّ من الجهمية مَنْ يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وهو يريد القرآنَ الملفوظَ به مخلوق، وقد اشتُهر أنَّ الإمامَ البخاري قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فنشأ عن ذلك فسادٌ بينه وبين شيخه محمد بن يحيى الذهلي (^١) رحمهما الله (^٢)، والبخاريُّ بيَّن المسألةَ وقرَّرَ فيها مذهبَ أهلِ السنَّةِ في كتابه «خلق أفعال العباد» (^٣)، وفي «كتاب التوحيد» من صحيحه (^٤).
وقد أنكر السلفُ قولَ اللفظية؛ لأنهم يريدون باللفظ الكلام الملفوظ بصوت القارئ، وهو القرآن، فحكموا على ما يلفظ به القارئ بأنه مخلوق؛ فرجع ذلك إلى قولهم بأنَّ كلام الله مخلوق أو القرآن مخلوق، ولذا قال الإمام أحمد: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي» وهو ﵀ خبير بمقاصد الجهمية فلذا حكم على اللفظية والواقفة بأنهم جهمية، وسبب هذا الاشتباه أن اللفظَ مصدرُ لَفَظ يلفِظ لفظًا، والمصدرُ في اللغة العربية يُطلق ويُراد به المعنى المصدري، ويُطلقُ ويُراد به اسم المفعول، مثل: «الخلق»؛ يُطلَقُ على المخلوق إذا أُريد به المفعول،
_________________
(١) محمد بن يحيى الذهلي: إمام أهل الحديث بخرسان وكان من الحفَّاظ المتقنين والثقات المأمونين، كان أحمد بن حنبل يثنى عليه وينشر فضله، واعتنى بحديث الزهري فجمعه وصنفه وجوَّده، توفي سنة (٢٥٨ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٤/ ٦٥٦ رقم ١٨١٦)، والسير (١٢/ ٢٧٣ رقم ١٠٤).
(٢) ينظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٥٣)، وهُدى الساري-ط الرسالة- (٢/ ٥٥١).
(٣) ينظر: خلق أفعال العباد (٢/ ٧٠ رقم ١٣٢ - ١٣٣).
(٤) ينظر: «باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم»، وما بعده من الأبواب.
[ ٤٩ ]
ويُطلَقُ على فعل الخالق إذا أُريد به المصدرُ، ومثله «الرد» بمعنى المردود، والردُّ بالمعنى المصدري، ردَّ يردُّ ردًّا، وهذا كثيرٌ.
وقس عليه من جنسه فتقول: هذا خلقُ اللهِ -تشير إلى بعض الأشياء-: أي مخلوقٌ لله مفعولٌ له، أمَّا الخلقُ بالمعنى المصدري فهو صفةٌ لله وفعلٌ من أفعاله قائم به، ومثلُه الأمر، يأتي بمعنى المأمور، ويأتي بالمعنى المصدري الذي هو الفعلُ، أمر يأمر أمرًا، وهكذا.
فصارت كلمةُ (لفظ) كلمةً مجملةً.
فإذا قال قائلٌ: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فينبغي أن يُستفصَلَ منه، فيُقال: ما تريد بقولك هذا؟ فإن قال: أُريد أنَّ تلفظي ونطقي وصوتي وحركة جوارحي -لساني وشفتي- مخلوقةٌ، كان المعنى الذي وصف صحيحًا، فالكلامُ كلامُ الباري، والصوتُ والألحانُ صوتُ القارئ (^١).
وإذا قال: لفظي بالقرآن، أُريد ما أتلفَّظُ به، مخلوقٌ، قلنا: هذا باطلٌ، الكلامُ الذي تتلفَّظُ به وتؤدِّيه بصوتك كلامُ ربِّ العالمين، فاللهُ تعالى تكلَّم بالقرآن، وسمعه منه جبريلُ ﵇، وبلَّغه لمحمدٍ ﷺ، والصحابةُ سمعوا القرآن من الرسول ﷺ، والمسلمون سمع بعضُهم القرآنَ من بعضٍ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، أي: يسمع كلامَ الله من الرسول، أو من أحدِ الصحابةِ، أو من آحادِ المؤمنين، فالنَّاسُ لا يسمعون كلامَ اللهِ من الله، إنما يسمعونه من بعضهم، فيُؤدُّونه بأصواتهم وحركاتهم وأفعالهم (^٢).
_________________
(١) ينظر: التسعينية (٣/ ٩٦٤ - ٩٦٥)، والرد على المنطقيين (ص ٥٨٥ - ٥٨٦).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٧٥).
[ ٥٠ ]
معنى عبارة الإمام أحمد "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال "لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع"
التلاوة والقراءة واللفظ ألفاظ مجملة
وهذه المسألةُ لمّا كان فيها إشكالٌ واشتباهٌ؛ أتى الإمامُ أحمد في جوابها بهذا التفصيل، وهو قوله: «مَنْ قال لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جهميٌّ»، ومرادُه الذين يتسترون ويُطلقون هذا التعبير المُلَبِّس المشابه لتلبيس الواقفة، فمَن قال به فهو جهميٌّ، «ومَن قال: لفظي بالقرآن غيرُ مخلوقٍ فهو مبتدعٌ»؛ لأنَّ هذا فيه اشتباهٌ وتَكَلُّمٌ بالمجملات.
والإمامُ البخاريُّ أَلَّفَ كتاب: «خلق أفعال العباد»، ردَّ فيه على القدرية، وضمَّنَه الرَّدَّ على اللفظية.
والحاصلُ: أنَّ التلاوةَ والقراءةَ واللفظَ، هذه الكلمات كلُّها ألفاظٌ محتملةٌ مجملةٌ؛ فلهذا منع الأئمةُ من إطلاق القولِ بلفظي بالقرآن مخلوقٌ، أو تلاوتي القرآنَ مخلوقةٌ، أو قراءتي؛ لأنَّ القراءةَ مصدرٌ كاللفظ، يُطلق ويُراد به الفعلُ، ويُطلق ويُراد به المفعولُ (^١). ولهذا قال النَّاظمُ ﵀: (ولا تقلِ القرآن) الذي هو كلام الله، (خلقٌ قرانه): أي: خلقٌ قراءتي له.
قال: (فإنَّ كلامَ اللهِ باللَّفْظِ يُوضَحُ): أي: إنَّ كلامَ اللهِ يُوضَّح ويُبيَّن ويُظهر بتلفُّظ القارئ، وكلامُ الله يأتي على وجوهٍ: فيجيءُ ملفوظًا مقروءًا، ويأتي مكتوبًا مسطورًا، ويكون لدى السامعِ مسموعًا، ولدى الحافظِ محفوظًا، وهو كلامُ اللهِ في كلِّ هذه الأحوال؛ فالقرآنُ كلامُ اللهِ كيفما تَصَرَّف كما قال الإمامُ أحمد ﵀ (^٢)، فهو كلامُ اللهِ محفوظًا
_________________
(١) ينظر الخلاف في مسألة اللفظ في: مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، (١٢/ ٣٥٩) وما بعدها، ومختصر الصواعق (٤/ ١٣٢٥).
(٢) ينظر: السنة للخلال (٥/ ١٣١ رقم ١٧٩٠)، واعتقاد الإمام المنبَّل لعبد الواحد التميمي (ص ٣٣).
[ ٥١ ]
إلمام ابن القيم بمسألة اللفظ بالقرآن وذكره لمعان جليلة في نونيته
في الصدور، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ومكتوبًا في المصاحف، كما قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ [الطور]، وقال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةِ (١٤)﴾ [عبس]، ومتلوًّا بالألسُن، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف]، ومسموعًا بالآذان، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
وقد ألمَّ الإمام ابن القيم بأطراف هذه المسألة، أعني مسألة اللفظ بالقرآن في «الشافية الكافية» النونية (^١)؛ فقال:
وتلاوة القرآن في تعريفها … باللام قد يُعنى بها شيئان
يُعنى بها المتلو فهو كلامه … هو غير مخلوق كذي الأكوان
ويُراد أفعال العباد كصوتهم … وأدائهم وكلاهما خَلقان
هذا الذي نصت عليه أئمة ال … إسلام أهل العلم والعرفان
_________________
(١) (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٩ رقم ٧٧٦ - ٧٨٥).
[ ٥٢ ]
وهو الذي قصد البخاري الرضا … لكن تقاصر قاصر الأذهان
عن فهمه كتَقاصُرِ الأفهام عن … قول الإمام الأعظم الشيباني
في اللفظ لَمَّا أن نفى الضدين عن … هـ واهتدى للنفي ذو عرفان
فاللفظ يصلح مصدرًا هو فِعلنا … كتلفظ بتلاوة القرآن
وكذاك يصلح نفسَ ملفوظٍ به … وهو القران فَذانِ محتملان
فلذاك أنكر أحمد الإطلاق في … نفي وإثبات بلا فرقان
وقد مهد لهذه المسألة بذكر معانٍ جليلة وتفصيلات جميلة تضمنتها الأبيات التي أولها قوله:
والله أخبر أنه سبحانه … متكلم بالوحي والفرقان
إلى قوله:
فعليك بالتفصيل والتمييز فال … إطلاق والإجمال دون بيان
[ ٥٣ ]
قد أفسدا هذا الوجود وخبَّطا ال … أذهان والآراء كل زمان (^١)
* * *
_________________
(١) (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٧ رقم ٧٥٩ - ٧٧٥).
[ ٥٤ ]