٢٦. وقُلْ خيرَ قولٍ في الصحابةِ كلِّهم … ولا تَكُ طعَّانًا تَعيبُ وتَجْرحُ
٢٧. فقد نَطَقَ الوحيُ المُبِينُ بفضلِهمْ … وفي الفَتْحِ آيٌ للصَّحابةِ تَمْدحُ (^١)
في هذين البيتين إرشادٌ من النَّاظم إلى ما يجب لعمومِ الصحابةِ، وهذا البيتُ في بعض الروايات مرتبطٌ بالأبيات الأولى؛ لأنَّ ذِكرَ التَّابعين وذِكرَ الأئمة صار فاصلًا بين الأبيات المتعلِّقةِ بالصحابة، فكان المناسبُ كما في بعض الروايات أن يتقدَّمَ هذان البيتان على ما يتعلَّقُ بالتَّابعين ومَن بعدهم.
قوله: (وقُلْ خيرَ قولٍ): أي: قل أَيُّها السنِّيُّ خيرَ قولٍ في الصَّحابة، وذلك بذكرهم بالجميل، والدعاءِ لهم، والترضي عنهم، وبيان ما يجب اعتقادُه فيهم، (وقُلْ خيرَ قولٍ في الصحابةِ كلهم)، من دون تفريقٍ بينهم إلَّا فيما فرَّقَ اللهُ فيه ورسولُه ﷺ، فيُنزَلُ كلٌّ منهم منزلتَه، وجميعهم
_________________
(١) كذا في طبعة محمد عبد السلام، أما في طبعة الشطي أخّر إلى هذا الموضع قولَه: (ومِنْ بَعدِهم فالتَّابعونَ لحُسْنِ ما … حَذَوْا حَذْوَهُم قَولًا وفِعْلًا فأفلَحُوا) وفي شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين (ص ٣٢٢) قدَّمها كما تقدم وأثبت: (ومِنْ بَعدِهم فالتَّابعونَ لحُسْنِ يأ … خذوا فعلهم قولا وفعلا فأفلحوا) كما تقدم آنفًا.
[ ١١٤ ]
عقيدة الرافضة والخوارج في الصحابة
أقسام الناس في الصحابة ﵃
يشتركون في وجوب محبَّتهم والثَّناءِ عليهم، ووجوبِ الاعترافِ بفضلِهم، وكلُّهم يشتركون في فضيلة الصُّحبةِ على منازلهم فيها، وتفاضلهم كتفاضل الأنبياء.
وقوله: (ولا تَكُ طعَّانًا تَعيبُ وتَجْرحُ): أي: لا تكن طعَّانًا في أحدٍ من الصحابة كما تفعلُ طوائفُ المبتدعةِ من الرافضة والخوارجِ، فالرافضةُ يطعنون في كلِّ الصحابةِ ويَعيبونهم إلَّا نفرًا قليلًا، ويخُصُّون الشيخين بمزيدٍ من الطَّعن والسبِّ واللعنِ، - فعلى الرَّافضةِ لعنةُ اللهِ- فإنهم يلعنون أبا بكر وعمر أفضلَ الصَّحابة، وخيرَ هذه الأمة، بل خير النَّاسِ بعد الأنبياء، ويُكفِّرون أو يُفسِّقون بقيَّةَ الصحابةِ إلَّا القليل منهم؛ مثل: عمار ابن ياسر، وسلمان الفارسي ﵄ ونفرٍ قليلٍ غيرهم (^١).
والخوارجُ كذلك يُكفِّرون عليًا وعثمان ﵄، ويُكفِّرون أصحابَ الجمل، وصفين.
والنَّاظمُ يُرشِدُ إلى ذِكر الصحابةِ بالجميل، ويُحذِّرُ من الطَّعن في أحدٍ منهم.
والنَّاسُ في الصحابة ثلاثُ طوائف -كما تقدَّم- طرفان ووسط:
الطائفةُ الأولى: الرَّافضةُ، وهؤلاء يغلون في أهل البيتِ، ويدَّعون لأئمتهم العصمةَ، ويُقصِّرون في حقِّ سائرِ الصحابةِ ويُبغضونهم،
_________________
(١) ينظر تعارض أقوالهم مع توثيقها من مراجعهم في: عقائد الشيعة الاثني عشرية لعبد الرحمن الشثري (ص ١٥٧ - ١٥٨)، وأصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية -عرض ونقد- للقفاري (٢/ ٧١٦).
[ ١١٥ ]
فالرافضةُ جمعوا بين الضلالتين: ضلالةِ الغلو، وضلالةِ التقصير في الصحابة، فغلو في فريقٍ، وفرَّطوا في حقِّ أكثرِ الصحابة.
الطائفةُ الثانيةُ: وهم الخوارج، فرَّطوا وقصَّروا في شأن أهلِ البيت وآخرين من الصحابة.
والطائفةُ الثالثةُ: أهلُ السنَّةِ، وهم وسطٌ بين هؤلاء وهؤلاء، فأهلُ السنَّةِ في الصَّحابة وسطٌ بين الرَّافضةِ والخوارج، فهم يؤمنون بفضلهم وتفاضلهم، ويُنزلون كلًّا منزلته ولا يطعنون ولا يغلون في أحدٍ منهم، ﵃ وأرضاهم.
وقولُ الناظمِ: (فقد نَطَقَ الوحيُ المُبِينُ بفضلِهمْ): أي: بفضل الصحابةِ نطقَ الوحيُ؛ أي: الكتابُ والسنَّةُ، و(المبينُ): أي البَيِّنُ، كما في سورة براءة والفتح والحديد والحشر، وقد تقدَّم ذِكرُ بعضِ الشواهدِ على ذلك من القرآن والسنَّةِ (^١)، فرضي الله عن صحابة رسولِ الله ﷺ وأرضاهم، ورزقنا حبَّهم، وسلكَ بنا سبيلهم، وجعلنا من التابعين لهم بإحسان.
وقول الناظم: (وفي الفَتْحِ آيٌ للصَّحابةِ تَمْدحُ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ …﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة.
* * *
_________________
(١) تنظر: (ص ٨٤).
[ ١١٦ ]