٣٨. ودعْ عَنْكَ آراءَ الرِّجَالِ وقولَهمْ … فَقَولُ رَسُولِ اللهِ أَزْكَى وأَشْرَحُ (^١)
يقول النَّاظم: (ودعْ عَنْكَ): أي: اترك (آراءَ الرِّجَالِ): التي ليس لها سندٌ من كتابٍ ولا سنَّةٍ، وإنَّما هي ظنونٌ واجتهادات، فدعها عنك، ولا تقلِّدْ آراءَ الرجالِ في دِينِ اللهِ، فكلُّ رأيٍ يُخالفُ كتابَ اللهِ تعالى أو سنةَ رسولِه ﷺ يجب ردُّه واطراحُه ودفعُه، فلا يُقام له وزنٌ في الاعتبار.
وكلُّ رأيٍ يتعارضُ مع حُكم اللهِ ورسولِه فهو باطلٌ، لكن أصحاب هذه الآراء منهم المتأولُ المجتهدُ المعذورُ، ومنهم المتَّبعُ لهواه وهذا هو المذمومُ، وقد رُوي عن عمرَ ﵁ قولُه: «اتهموا الرأيَ على الدِّين» (^٢)، يريد الرأيَ الذي يخالفُ الكتابَ والسنَّةَ، وينعى على نفسه أنَّه كان يُعارضُ رسولَ اللهِ ﷺ في شروط صلحِ الحديبيةِ، فرسولُ اللهِ ﷺ يوافق على شرط المشركين لَمَّا قال: «اكتُب: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ الله»، قالوا: لا، لو نعلم أنَّك رسولُ اللهِ لَمَا قاتلناك، اكتب: (محمد بن عبد الله)، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «اكتُب: محمد بن عبد الله» (^٣)، وهذا لا يُغيرُ من الواقع، فهو رسولُ اللهِ وإن لم يكتب،
_________________
(١) في طبعة الشطي أخّر هذا البيت إلى ما بعد البيت التالي والمثبت بهذا الترتيب من طبعة محمد عبد السلام.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في فضائل الصحابة (٥٥٨)، والبزار (١٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٩٩)، (٣١٨٤)، ومسلم (١٧٨٣) عن البراء بن عازب ﵁ بنحوه. وأخرجه البخاري (٢٧٣١) بسياق طويل عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة ومروان.
[ ١٥٣ ]
خطورة التقليد والتعصب
فعمرُ ﵁ لَمَّا تبيَّنت له فوائدُ الصلحِ تبيَّنَ له خطأُ رأيه، وقال هذه المقولة، يأمر فيها كلَّ مَنْ أراد مخالفةَ كلامِ اللهِ وكلامِ رسولِه ﷺ برأيه عند عدم فهمِه، أو لغير ذلك، أن يتَّهم رأيَه.
فقولُ اللهِ -تعالى- وقولُ رسولِه ﷺ يجب أن يُقدَّمَ على قول كلِّ أحدٍ كائنًا مَنْ كان، وقد تقدَّم (^١) مضمونُ ومعنى هذا الكلام عند ذكر الأئمةِ، وأنَّهم ﵃ أوصوا بهذا، وأمروا أتباعَهم أن يطرحوا أقوالَهم متى عارضت قولَ الرسولِ ﷺ، ويُصوِّرُ ابنُ القيم خطرَ التقليدِ الأعمى، والتعصبِ لآراء المتبوعين والمعظَّمين في نظم «النونية» (^٢) فيقول:
واللهِ ما خَوفِي الذُّنُوبَ فإنَّها … لَعَلَى طَرِيْقِ العَفْوِ والغُفْرَانِ
لكِنَّما أخشى انْسِلاخَ القَلْبِ منْ … تحكِيمِ هذا الوَحْيِ والقُرآنِ
ورِضًا بآراءِ الرِّجَالِ وخَرْصِها … لا كَانَ ذَاكَ بِمِنَّةِ الرحمنِ
فالمقلدُ المتعصِّبُ تجدُه يحكِّم قولَ متبوعِه على النصوص، ويُعارِضُ النصوصَ بأقوال متبوعِه، وهذا يكون في أصحاب المذاهبِ الفقهيةِ، وكذلك في أصحاب النِّحَلِ البدعيَّةِ.
فالنَّاظمُ ﵀ قد أحسن في هذه الوصية حيث أمر بأن لا يُعدَل عن قول رسولِ اللهِ ﷺ وسنَّتِه لقول فلان أو فلان، فقولُ رسولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) تنظر: (ص ١١٢).
(٢) (٣/ ١٠٣٩ - ١٠٤٠).
[ ١٥٤ ]
أزكى؛ أي: أكثر خيرًا وبركةً ونماءً؛ لأنه القولُ المسدَّدُ المعصومُ من الإقرار على باطل، فرسولُ اللهِ لا يقول إلَّا حقًّا، أمَّا غيرُه من النَّاس فيُخطئ ويُصيبُ، وتقدَّم (^١) أنَّ أقوالَ النَّاس يُنْظَر فيها؛ فما وافق منها الحقَّ قُبِل، لا لأنَّه قاله، وإنَّما لموافقته الحقَّ، وما خالف الحقَّ وجبَ ردُّه، وما لم يتبيَّن فيه هذا ولا ذاك؛ يكون سائغَ الاتباعِ لا واجبَ الاتباعِ.
* * *
_________________
(١) تنظر: (ص ١١٢).
[ ١٥٥ ]