توضيح قاعدة "الله موصوف بالإثبات والنفي"
٧. وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ … وليس له شِبْهٌ تعالى المسبَّحُ
هذا بيتٌ كأنه مُقحَمٌ بين هذه الأبيات في الرؤية، ومضمونُه التنزيه، ومن القواعد المقرَّرة أنَّ اللهَ موصوفٌ بإثبات صفاتِ الكمالِ، ونفي النقائص والعيوب، وكلُّ نفيٍ في صفاته فإنَّه متضمِّنٌ لإثبات كماله، فالنفيُ المحضُ لا يدخل في صفاته سبحانه، كما أوضح ذلك الإمامُ ابنُ تيمية في مواضعَ من كتبه (^١)، ومن ذلك القاعدةُ الأولى في «العقيدة التدمرية»، قال ﵀: «إنَّ اللهَ سبحانه موصوف بالإثبات والنفي» (^٢)، ثم بيَّن أنَّ النفيَ المحضَ الذي لا يتضمن ثبوتًا ليس فيه مدحٌ ولا كمالٌ، فلا يوصف اللهُ به، بل يوصف بالنفي المتضمِّنِ للكمال، فنفيُ الظلمِ عنه -سبحانه- يتضمن إثباتَ كمالِ عدله، ونفيُ الضلالِ والنسيان يتضمَّنُ كمالَ علمِه، ونفيُ الولدِ والوالد والكفؤ يتضمَّنُ كمالَ صمديته ووحدانيته، ونفيُ السِّنَةِ والنومِ يتضمَّنُ كمالَ الحياةِ والقيامِ.
ومن هذا القبيل ما ذكرَهُ الناظمُ من نفي الشبيهِ والولدِ والوالدِ، قال الله تعالى في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.
_________________
(١) ينظر على سبيل المثال: منهاج السنة (٢/ ١٨٣)، (٢/ ٣١٩)، ودرء التعارض (٦/ ١٧٦ - ١٧٧)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ٢٥٠).
(٢) التدمرية (ص ٥٧)، وبشرح شيخنا (ص ٢١٧).
[ ٦١ ]
سبب ذكر الناظم هذا البيت وسط أبيات الرؤية
قال الناظمُ: (وليس بمولودٍ): أي: ليس اللهُ مولودًا، وهذه الباءُ عند النحويين زائدةٌ، فليس شأنُ اللهِ شأنَ المتولدات، فالمولودُ محدَثٌ بعد أن لم يكن، مسبوق بغيره، واللهُ تعالى لا أوَّل له، فهو الأوَّلُ الذي ليس قبله شيءٌ.
(وليس بوالدٍ): فالولدُ جزءٌ من والده، وهو صِنْوُ أبيه، واللهُ تعالى أحدٌ صمدٌ، ليس له نظيرٌ ولا شريكٌ، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١].
قوله: (وليس له شِبْهٌ): ولو قال: «وليس له كفؤٌ»؛ كان أولى؛ ليطابقَ لفظ القرآن في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، أو قال: «وليس له مِثْلٌ»؛ ليطابق قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، لكنَّ الشبهَ والمثلَ والكفؤَ والند والسَّمي كلماتٌ متقاربةٌ.
وقوله: (تعالى): أي ارتفعَ وجلَّ عن أن يكون له والدٌ أو ولدٌ أو شبهٌ، فتعالى اللهُ عمَّا نفى من المعايب في حقِّه، بل تعالى اللهُ عن كلِّ ما لا يليق به، وكلمةُ (تعالى) تُستعملُ في التنزيه ك (سبحان).
وقوله: (المسبَّحُ): أي المنزَّه عن كلِّ نقصٍ، فجمع له بين التنزيهِ عن النقص مع إثبات علوِّ الشأن والقدرِ المتضمنِ للتنزيه وإثباتِ الكمال، كما جمع اللهُ بينهما لنفسه، قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص]، وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾ [الأنعام].
ولقائلٍ أن يقول: لماذا أتى النَّاظمُ بهذا البيت وأقحمه في وسط الأبياتِ التي يُقرِّرُ فيها مسألةَ الرؤيةِ؟
[ ٦٢ ]
والذي ظهر لي أنَّه أتى به بمناسبة قوله: (كما البدرِ لا يَخفى وربُّك أوضحُ)، فكأنه لما أورد المثلَ الآنفَ جاء بهذا البيت احترازًا من توهُّمِ تشبيهِ اللهِ بالمخلوق، وقال تبعًا: (وليس بمولودٍ وليس بوالدٍ)؛ تكميلًا للمعنى، والجامعُ وُرودُ هذه الثلاثة في سورة الإخلاصِ.
* * *
[ ٦٣ ]