٣٠. وقل يُخرِجُ اللهُ العظيمُ بفضلِهِ … مِنَ النَّارِ أجسادًا مِنَ الفَحْمِ تُطْرَحُ
٣١. على النَّهْرِ في الفِرْدَوسِ تَحْيَا بمائِهِ … كحِبَّةِ حَمْلِ السَّيْلِ إذ جَاءَ يَطْفَحُ
ذكر الناظمُ هنا مسألةً أُخرى تدخلُ في الإيمان باليوم الآخر، وهي خروجُ الموحدين من النَّار، قال ﷺ: «يُدخِل الله أهلَ الجنةِ الجنةَ، ويُدخِل أهلَ النارِ النارَ ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه فيخرجون منها حُمَمًا قد امتحشوا، فيلقون في نهر الحياة» (^١) حُمَمًا؛ أي: فحمًا. وقد تواترت السنَّةُ بذلك (^٢)، ومن ذلك أنَّه ﷺ يشفع مرات عند ربِّه، في كلِّ مرَّةٍ يأتي ويسجدُ ويحمدُ ربَّه، فيقال له: ارفع رأسك، وقل يُسْمَع، وسلْ تُعْطَ، واشفع تُشَفَّع. فيقول: أُمتي أُمتي. فيحدُّ اللهُ له حدًّا فيخرجهم من النَّار، فيرجع ويشفع أربعَ مرات (^٣). ويأذن ﷾ بالشفاعة للملائكة وللأنبياء وللمؤمنين (^٤)، كلٌ بحسبه، كما يشاء اللهُ سبحانه.
_________________
(١) أخرجه بنحوه: البخاري (٦٥٦٠)، ومسلم (١٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) ينظر: نظم المتناثر (٣٠١)، (٣٠٤).
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ - ٣٢٦) عن أنس بن مالك ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٣٠ ]
مذهب أهل السنة في أهل الكبائر
فيُخْرِجُ اللهُ بشفاعة الشافعين أقوامًا من النَّار من أهل التوحيد من أهل الكبائر، وكلُّ هذا من دليل أهلِ السنَّةِ على خروج الموحِّدين من النَّار، وأنَّه لا يخلدُ في النَّار إلَّا أهلُ الشركِ والكفرِ، أمَّا الموحدون فإنَّهم لا يخلدون، وإن كانوا من أهل الكبائرِ.
فأهلُ الكبائرِ: حُكمهم في الدنيا أنَّهم ليسوا بكافرين، وليسوا مؤمنين مُطلقًا، لكنهم مؤمنون إيمانًا ناقصًا، فيُقال للفاسق: إنَّه مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ.
وأمَّا حُكمُهم في الآخرة: فإنَّهم تحتَ مشيئةِ اللهِ؛ إن شاء اللهُ غَفرَ لهم ولم يُعذِّبهم، وإن شاء عذَّبهم، ثمَّ يُخرجهم من النَّار بشفاعة الشافعين ممن يأذن له؛ إذ لا أحدَ يشفع عنده إلَّا بإذنه، أو يُخرجهم بمحض رحمتِه دون شفاعةِ شافعٍ، ومردُّ الفضلِ كله إليه ﷾.
وأشار الناظمُ إلى ما جاء في الأحاديث، من أنَّه: يخرج من النَّار أقوامٌ قد صاروا حُمَمًا، فيخرجون ضبائر - أي جماعات محترقين - فيبثون على أنهار الجنَّة، فينبتون كما تنبتُ الحِبة في حميلِ السيلِ (^١)، مثل: حبات البذور البرية، تنبتُ النبتةُ في جانب الوادي عندما يقذفُ السَّيلُ بالغثاء على جانب الوادي، فينبتُ هؤلاء كما تنبتُ الحِبَّة في حَميلِ السيلِ (^٢)، فينبتون ويحيون ويدخلون الجنَّةَ برحمتِه سبحانه.
فهذا مما يُثبته أهلُ السنَّةِ، ويجب الإيمانُ به، وهو خروجُ عُصاةِ الموحِّدين من النَّار.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٥ - ٣٠٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) ينظر: فتح الباري (١١/ ٤٥٨).
[ ١٣١ ]
مذهب الوعيدية في أهل الكبائر
وقد نازع في ذلك الوعيديةُ من الخوارج والمعتزلة:
فالخوارجُ مذهبهم في أهل الكبائر أنَّهم في الدنيا كفار، وإذا ماتوا مُصرِّين على الكبائر فهم مُخلدون في النَّار.
وأمَّا المعتزلةُ فعندهم أصلٌ؛ وهو المنزلةُ بين المنزلتين، فصاحبُ الكبيرةِ في منزلةٍ بين المنزلتين، لكنَّه إذا مات من غير توبةٍ فهو مُخلَّدٌ في النَّار.
فاتَّفقت الطائفتان على حكمه في الآخرة دون حُكمِ الدنيا.
وأهلُ السنَّةِ مذهبهم كما تقدَّم، قال الطَّحاويُّ ﵀: «وأهلُ الكبائرِ من أمَّة محمَّدٍ ﷺ في النَّار لا يُخَلَّدُون إذا ماتوا وهم موحِّدون، وإن كانوا غير تائبين» (^١)، فمَن تاب توبةً نصوحًا -وهي التوبةُ المستوفيةُ لجميع الشروطِ- تاب اللهُ عليه.
فهذه الشفاعةُ تُنكرها الخوارجُ والمعتزلةُ؛ لأنَّها تُخالفُ أصولهم.
والمقصود أنهم يُطرحون في نهر الحياةِ في الفردوس، كأنَّه جعلَ الفردوسَ اسمًا للجنة عمومًا، وكلمةُ الفردوس لم تَرِد في الأحاديث المصرِّحةِ بإخراج الموحدين من النار، والذي ثبت هو أنهم يطرحون في نهر الحياة عند أبواب الجنة (^٢)، فالتقييدُ بالفردوس خطأٌ.
* * *
_________________
(١) الطحاوية بشرح ابن أبي العز (٢/ ٥٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ - ٣٠٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٣٢ ]