٤٠. إذا ما اعْتَقَدتَ الدَّهْرَ يا صَاحِ هذِه … فأنْتَ على خَيْرٍ تَبِيتُ وتُصْبِحُ
كأنَّ الناظمَ ختم المنظومةَ والقصيدةَ بنحو ما بدأها به:
فقال: (إذا ما): و(ما) هذه زائدةٌ دائمًا، تقع كثيرًا بعد إذا، و(إذا ما اعْتَقَدتَ الدَّهْرَ): أي: في الدهر وهو الزمانُ، والمعنى إذا اعتقدتَ في كلِّ زمانك هذه العقيدة حتى تلقى ربك.
وقوله: (يا صَاحِ): ترخيمٌ في النداء، وأصلُه: يا صاحبي إذا ما اعتقدت في كلِّ الزمان هذه العقيدةَ التي ذكرتها لك فيما مضى من النَّظم، وما تضمَّنته الأبياتُ من وصايا عامَّةٍ ومفصَّلةٍ، فالعامةُ في البيتين الأولين بالتمسُّكِ بكتاب اللهِ وسنَّةِ رسولِه والاعتصامِ بهما، والوصيةِ بالحذرِ من البدعِ.
والوصايا المفصَّلةُ؛ كالوصيةِ بمذهب أهلِ السنَّةِ في كلام الله، وفي القرآن، والتحذير من قولِ الجهميةِ فيه، ومنهم الواقفة، والأمر باعتقاد ما دلَّ عليه القرآنُ ودلَّت عليه السنَّةُ من رؤية العباد لربهم يومَ القيامة، ومن الإيمان بأنَّ لله تعالى يَدَين، وأنَّه ينزل إلى السماء الدنيا، وهذه جملةُ مسائل من باب الأسماءِ والصفاتِ، ذكرها على سبيل المثالِ وإلَّا فالوصيةُ العامَّةُ تقتضي الإيمانَ بكلِّ ما وصف اللهُ به نفسه أو وصفه به رسولُه من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، إثباتًا بلا
[ ١٥٨ ]
تمثيلٍ، وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى].
كما مضى ذِكرُ ما يجب اعتقادُه من فضل الصحابةِ ﵃ وتفاضلهم وإنزال كُلٍّ منزلَتَه، والتنويه بذكر الخلفاءِ الراشدين، وبقيَّةِ العشرة، وبأمهات المؤمنين إلى آخره.
وتقدَّم ذِكرُ جملةٍ من المسائل المتعلِّقةِ باليوم الآخرِ؛ كالحوضِ والميزانِ وعذابِ القبرِ ونعيمِه وفتنةِ القبرِ.
كما تقدَّمَ ذِكرُ الإيمانِ بالقدر، ثم التنويهُ في الأبيات الأخيرة على عقيدة أهلِ السنَّةِ والجماعة في الإيمان خلافًا للخوارج والمرجئة، والتحذيرُ من مذهبي الخوارجِ والمرجئةِ، وبيانُ مذهبِ أهلِ السنَّةِ في الإيمان، وأنَّه قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ، وأنَّه يزيد بالطاعة وينقصُ بالمعصية، ثم ختمَ بالتحذير من التعصُّبِ والتفريطِ، وتحكيمِ الرجالِ وتقديمِ أقوالِهم على سنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وقرَّرَ أنَّ قولَ الرسولِ ﷺ هو الواجبُ التحكيم، فيجب تقديمُ قولِه على قول كلِّ أحدٍ كائنًا مَنْ كان.
وأخيرًا ختم بهذا البيت للتنويه بحالِ وعاقبةِ مَنْ تمسَّكَ بمضمون هذه المنظومة:
إذا ما اعتقدتَ الدَّهرَ يا صاحِ هذه … فأنت على خيرٍ تَبيتُ وتُصبحُ
أي: أنت على الخير قائلٌ بالاعتقاد الحقِّ، تبيتُ وتصبحُ مؤمنًا بالله ورسوله، ومؤمنًا بما أخبر اللهُ به في كتابه، وبما أخبر به رسولُه ﷺ.
[ ١٥٩ ]