فتنة القول بخلق القرآن وأول من ابتدعه
٣. وقُلْ غيرَ مخلوقٍ كلامُ مَلِيكِنَا … بذلك دانَ الأتقِيَاءُ وأَفْصَحُوا
٤. ولا تَكُ في القرآنِ بالوقْفِ قائلًا … كما قالَ أتباعٌ لجهمٍ وأسْجَحُوا
هذان البيتان تضمَّنا الوصيةَ بعقيدةِ أهل السنة في كلامِ اللهِ وفي القرآنِ، والتحذيرَ من بعض مناهجِ المبتدعةِ.
وبدأ ﵀ بنفي خَلقِ القرآنِ؛ لأنَّه أشهرُ ما وقع فيه الخوضُ والجدلُ بين أهل السنَّةِ ومُخالفيهم، ولاسيَّما في زمانه.
ففتنةُ القولِ بخلق القرآنِ كانت فتنةً عظيمةً، والقولُ بخلق القرآنِ قديمٌ، وأَوَّلُ مَنْ ابتدعه الجعدُ بنُ دِرهم، وأَخذَهُ عنه الجهمُ بن صفوان، الذي حملَ لواءَ هذه البدعةِ ونشرها؛ فاشتُهرَ بها واشتُهرتْ به، ولم تزل تتفاقمُ هذه البدعةُ وتشتهرُ، ويضلُّ بها المفتونون، ويتصدَّى الأئمةُ لقمعها ومحاربتِها والتحذيرِ منها ومن أهلها؛ حتى جاء عهدُ الخليفةِ العباسي المأمون، فأحاطت به المعتزلةُ واعتنق مذهبَهم في القرآن، فحمل الناسَ عليه وامتحنَهم به، فعظُمت المحنةُ، وابتُلي العلماءُ، وتأوَّلَ مَنْ تأوَّل، وافتُتِنَ مَنْ افتُتن، وثَبَّتَ اللهُ مَنْ ثبَّت، وأعظمُ مَنْ ثَبَتَ في المحنة: الإمامُ أحمدُ بن حنبل ﵀، فلم يُداهن في دين اللهِ، ولم يتأوَّل، بل ثبتَ على القول بأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ غير مخلوقٍ، وردَّ على المبتدعة وناظرهم وبيَّنَ أنَّ القولَ بخلقِ القرآنِ بدعةٌ منكَرةٌ، لم تأتِ في كتاب اللهِ تعالى، ولا سنَّةِ رسولِه ﷺ، ولا قائلَ بها من سلف الأمَّةِ، بل
[ ٣٧ ]
الفرق بين القرآن وكلام الله
الرد على من قال بخلق القرآن
هي باطلٌ مبنيٌّ على باطلٍ، فالقولُ بخلقِ القرآنِ مَبنيٌّ على نفي كلامِ الربِّ ﷾ وهذا باطلٌ.
فالناظمُ ﵀ بدأ بالنصِّ على ما يجب اعتقادُه في كلام اللهِ وفي القرآن، وحذَّرَ من بدعة الجهميةِ فيه.
فقال: (وقل غير مخلوق): وهذا إرشاد لكل طالبٍ للحق بأن يذهبَ مذهبَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، فيقولَ ما قالوه في كلام الله: (غير مخلوق كلام مليكنا)، بل هو كلامُ اللهِ المنزَّلُ.
وقوله: (كلام مليكنا): تعبيرٌ بالأعمِّ، فالفرقُ بين كلامِ اللهِ والقرآنِ، أنَّ كلامَ اللهِ أعمُّ من القرآن، فكلامُ اللهِ يشمل ما سبق ممَّا أنزله في الكتب المتقدمة، فالتوراةُ والإنجيلُ والقرآنُ كلُّها كلامُ الله، وتكليمُ اللهِ لموسى، وخطابُه الملائكة، ونداؤُه الأبوين، كلُّ ذلك داخلٌ في كلام الله؛ فاللهُ تعالى لم يزل يتكلَّم بما شاء كيف شاء إذا شاء، والقرآنُ من كلام اللهِ.
فقولُ الناظمِ: (وقل غير مخلوق كلام مليكنا): يشمل القرآنَ وسائرَ الكتبِ، بل يشمل سائرَ ما يتكلَّمُ اللهُ به، وكلامُ اللهِ مطلقًا غيرُ مخلوقٍ، خلافًا للجهميةِ والمعتزلةِ، ومَن يقول: إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ؛ يقول: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ، وخطابُ اللهِ لموسى مخلوقٌ، فالمعتزلةُ تقول: إنَّ اللهَ كلَّم موسى بكلام مخلوق، خلقه في الشجرة، فالله خلق كلامًا في الشجرة سمعه موسى (^١)، فالله عندهم إذا أراد أن يكلِّم أحدًا خَلَقَ كلامًا،
_________________
(١) ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٥٣)، والفِصل في الملل والأهواء والنِحل (٣/ ٤).
[ ٣٨ ]
قول أهل السنة في القرآن
ولا يقوم الكلام به، وهذا مع أنه باطل في الشرع فهو مخالف للعقل، فمن الباطل عقلًا أن يُوصف شيءٌ بكلامٍ لم يقم به، فلا يقال: إنَّه متكلِّم بكلامٍ قام بغيره، فهذا غيرُ معقول، وإنَّما يُضاف الكلام إلى من قام به الكلام، ولا يقال لشيءٍ إنَّه متكلِّمٌ إلَّا بكلامٍ قام به، فلا يوصَف أحد بكلامٍ قام بغيره، وعلى مذهب المعتزلة إذا قيل: إنَّ اللهَ تعالى متكلِّمٌ؛ فالمعنى: أنه يخلقُ كلامًا لا يقول كلامًا، والقرآنُ عندهم كلامُ اللهِ مخلوقٌ من جملة المخلوقات فإضافته إليه إضافة مخلوق إلى خالقه كإضافة البيت والناقة، وليس هو كلامًا تكلم الله به، وقام به، فالكلامُ على قولهم ليس صفةً قائمةً به سبحانه عما يقول الظالمون والجاهلون علوًا كبيرًا.
أمَّا أهلُ السنَّةِ، فيقولون إنَّ: «القرآنَ كلامُ اللهِ مُنزَّلٌ غير مخلوقٍ، منه بدأَ وإليه يعود … وهو كلامُ اللهِ حروفُه ومعانيه، ليس كلامُ اللهِ الحروفَ دون المعاني، ولا المعانيَ دون الحروف» (^١).
فاللهُ تكلَّمَ بالقرآن حقيقةً وأَنزله من عنده، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر]، وقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت]، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، فابتداءُ نزولِ القرآنِ من الله، لا مِنْ سواه سبحانه، واللهُ هو المتكلِّمُ به ابتداءً ليس غيره.
ولهذا قال الناظمُ: (كلام مليكنا)، فنفى عنه الخلقَ، وأضافه إلى قائله سبحانه.
_________________
(١) قاله ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص ٨٩ - ٩٠).
[ ٣٩ ]
اضطراب المبتدعة في مسألة كلام الله
والمليكُ: اسمٌ من أسماء اللهِ، فمِن أسمائِه تعالى: الملكُ والمليكُ، قال اللهُ تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ (٥٥)﴾ [القمر]
وبعد أن بيَّنَ الناظمُ القولَ في كلام الله قال: (بذلك دان الأتقياء): يريدُ أهلَ السنَّةِ والأئمة، فكلُّهم دانوا بذلك، أي آمنوا به، (وأفصحوا) فأعلنوه وصرَّحوا به.
وهذا سبيلُ المتقين، الذين اقتَفَوا أثرَ الصحابةِ والتابعين، واجتَنَبُوا طريقَ البدعةِ والمُحْدِثين، فتلك عقيدتُهم في القرآن، وفي كلام الله عمومًا.
وقد اضطربَ المبتدعة في كلام اللهِ على مذاهبَ (^١)؛ منها:
مذهبُ الجهميةِ والمعتزلة.
وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، وإنَّه تعالى لا يقوم به الكلامُ، لا لفظُه ولا معناه، تعالى اللهُ عن قولهم علوًّا كبيرًا.
وهذا راجعٌ إلى أصلهم الباطلِ: وهو نفيُ صفاتِ الربِّ مطلقًا، فإنَّهم ينفون عن الله أن تقومَ به الصفاتُ، فلا يقوم به علمٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ ولا كلامٌ، ولا غيرُ ذلك، ويزعمون أنَّه لو قامت به الصفاتُ لكانت قديمةً، وإذا كانت قديمة لَلَزِمَ تعدُّدُ القدماءِ، فيلزم من ذلك تعدُّدُ الآلهة، وهذا تلبيسٌ من الشيطان عليهم، فاللهُ -تعالى- واحدٌ بصفاته، فتعدُّدُ الصفاتِ لا يلزم منه تعدُّدُ الآلهة، وصفةُ الإله لا يُقال لها: إلهًا، كما أنَّ صفةَ النبيِّ ليست نبيًا.
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة (٢/ ٣٥٨)، ومختصر الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٠٢).
[ ٤٠ ]
مذهب الكرامية
وهذه الشبهة وجوابها مذكور في القاعدة السادسة من الرسالة «التدمرية» لشيخ الإسلامِ ابنِ تيمية (^١)؛ وقد ذكر ﵀ شُبَهَ النفاةِ وأجاب عنها.
المذهبُ الثاني: مذهبُ الكُلَّابيةِ والأشاعرةِ.
وهم أتباعُ أبي محمد عبدِ الله بن سعيد بن كُلَّاب، وهو أحد المتكلِّمينَ المنتسبينَ إلى السنَّةِ، وكان يردُّ على المعتزلة، وعلى منهجه درجَ أبو الحسنِ الأشعري، وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ الله معنىً نفسي قائمٌ بذاته، ليس بحرفٍ ولا صوتٍ، وإنه قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ.
لكن ابن كُلَّابٍ يقول: إنَّه أربعةُ معانٍ: أمرٌ، ونهيٌ، وخبرٌ، واستخبارٌ، وأمَّا الأشعريُّ في المذهب المشهورِ الموروثِ عنه فيقول: إنه معنىً واحدٌ لا تعدُّدَ فيه، وهو قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، وهو معنىً نفسيٌّ ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، وهذا هو مذهبُ الأشاعرةِ الذي يتكلَّمون به ويُقرِّرونه.
ومذهبُ الكُلَّابيَّةِ والأشاعرةِ قريبان في المعنى.
والمذهبُ الثالثُ: مذهبُ السَّالميةِ (^٢).
وهو أيضًا من جنس مذهبِ الكُلَّابيةِ والأشاعرةِ، فهم ينتسبون إلى السنَّةِ ويخالفون المعتزلةَ، وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ قائمٌ به، وهو
_________________
(١) التدمرية (ص ١١٦)، وبشرح شيخنا (ص ٣٨٩).
(٢) نسبة لأبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم البصري، صحِب سهل بن عبد الله التستري، وعنه أخذ أبو طالب المكي، توفي سنة (٣٦٠ هـ) وكناه وسماه السُلمي: أبا عبد الله محمد بن أحمد بن سالم، وكنى ابنه: أبا الحسن. ويجمع =
[ ٤١ ]
بحرفٍ وصوتٍ، ولكنه قديمٌ كله لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، ولا يحدثُ منه شيءٌ بعد شيءٍ.
فهم يتفقون مع الأشاعرة على أنَّ كلامَ اللهِ قديمٌ، وأنَّه لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، لكن هؤلاء السالمية يقولون: إنَّه حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ، وأولئك يقولون: إنَّه معنىً واحدٌ لا تعدُّدَ فيه، وليس بحرف ولا صوت.
وأمَّا المذهبُ الرابعُ: فمذهبُ الكرَّامية.
وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ اللهِ قائمٌ به، وإنَّه بحرفٍ وصوتٍ، وإنَّه يتكلَّمُ إذا شاء بما شاء، لكنهم يقولون: إنَّ الله تعالى صار متكلِّمًا بعد أن لم يكن، فجنس كلامِه حادثٌ، وهذا باطل عقلًا وشرعًا، ولا يخفى أن كل هذه المذاهب مخالفةٌ للعقل والشرع، ومتضمِّنةٌ تنقُّصَ ربِّ العالمين سبحانه، ولأصحابها شُبهاتٌ ومناقشاتٌ واستدلالاتٌ موجودة في الكتب المبسوطةِ ك «شرح الطحاوية»، وقد ذكر فيه مذاهب كثيرة في كلام الله (^١)، وهذه المذكورةُ أشهرُها.
وأمَّا المذهبُ الخامسُ: فهو مذهبُ أهلِ الحقّ، أهلِ السنَّةِ والجماعة.
القائلين بأنَّ اللهَ -تعالى- لم يزل يتكلَّمُ بما شاء إذا شاء كيف شاء، وأنَّ كلامَه صفةٌ له قائمةٌ به، وأنَّه بحرفٍ وصوت، يُسمعه مَنْ شاء من
_________________
(١) = السالمية في مذهبهم بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة مع تصوف. ولشيخ الإسلام كلام عن ابن سالم والسالمية في: درء التعارض (٤/ ١١١، ١٢٧، ١٢٩)، (٦/ ٣٠٤)، (١٠/ ٢٨٧)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٦، ٣١٩، ٥٢٧). وينظر: طبقات الصوفية (ص ٣١٢)، وتاريخ الإسلام (٨/ ١٦١ رقم ٣٦٨).
(٢) (١/ ١٧٢ - ١٧٤).
[ ٤٢ ]
عباده، كما سمع موسى ﵇ كلامَ اللهِ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، وسمع الأبَوَان نداءَه-سبحانه-: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف]، وسمعت الملائكةُ كلامَه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وهكذا جبريلُ ﵇ سمع القرآنَ من اللهِ وبلَّغه لمحمَّدٍ ﷺ، ويقولون: إنَّ الله لم يزل يتكلَّم، فليس لجنسِ كلامِ اللهِ بدايةٌ، أمَّا تكليمُه موسى ﵇ فهو من آحاد كلامِه تعالى عندما جاء لميقات ربِّه؛ فليس بقديمٍ؛ بل هو حادثٌ، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فكلامُ اللهِ قديمُ النوعِ حادثُ الآحادِ، آحادُه مُتجدِّدةٌ تبعًا لمشيئته (^١).
ويقولون: إنَّ كلامَ اللهِ -تعالى- لا يُحصى، وكلماتُه لا تنفد: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، وكذلك الآيةُ في سورة لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان].
وكلامُ اللهِ يكون خبرًا ويكون طلبًا وإنشاءً، وكلماتُ اللهِ منها:
كلماتٌ كونيةٌ بها يُكَوِّن الأشياء.
وكلماتٌ شرعيةٌ تتضمَّنُ الأحكامَ؛ وهي أوامرُه ونواهيه، وأخباره في كتبه المنزَّلةِ كالقرآن، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام]
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة (١/ ١٦٦)، (٢/ ٣٧٩)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٢).
[ ٤٣ ]
هل القرآن قديم؟
التحذير من قول الواقفة
معنى الوقف في القرآن
هذا هو مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في كلام اللهِ تعالى.
وأمَّا القرآنُ فلا يوصَفُ بالقِدَمِ لأنه من آحاد كلام الله، فعُلِم أن وصف القرآن بالقِدم خطأٌ، ومع ذلك قد يقع في كلام بعض المنتسبين لأهل السنة.
ثم بعدما ذكرَ الناظمُ ﵀ المذهبَ الحقَّ في كلام اللهِ وفي القرآن، قال بعد ذلك: (ولا تكُ): (لا): ناهية، و(تكُ): فعلُ مضارعٍ مجزومٌ، تُحذَفُ نونُه جوازًا، وتَعيَّن حذفُها في النَّظمِ للوزن، كما تقدَّمَ في قوله: (ولا تكُ بدعيًا) (^١).
وقوله: (ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلًا): أي: لا تقل أَيُّها المسلمُ السُّنيُّ المتبعُ للسَّلفِ الصالحِ بقول الواقفةِ في القرآن، الذي هو كلامُ اللهِ المنزَّلُ على قلب عبدِه ورسولِه محمَّدٍ ﷺ، الموصوفُ بأنَّه أحسنُ الحديثِ كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
والوقف: هو الإمساكُ عن القول بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ أو غير مخلوقٍ، وهذا مذهبٌ انتحله بعضُ الجهميةِ، وربما سلك على طريقهم بعضُ الجهلة، يقولون: القرآنُ كلامُ اللهِ، لا نقول مخلوقٌ، ولا غير مخلوقٍ؛ لأنَّه ما جاء أنَّ اللهَ تكلَّمَ بالقرآن، والذي جاء أنَّ القرآنَ كلامُ الله، فيقولون هو كلامُ اللهِ، ويتوقَّفون في خلقه نفيًا أو إثباتًا، وهذا التوقُّفُ شكٌّ.
_________________
(١) تنظر: (ص ٢٥).
[ ٤٤ ]
خطر القول بالوقف
اغترار الجهال بمذهب الواقفة
ويلزم القائلين بأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ أن يقولوا تكلَّمَ به؛ لأنَّ قولنا: «تكلَّم اللهُ به»، توضيحٌ لقولنا: «كلام الله».
والقولُ بالوقفِ مذهبٌ باطلٌ، أنكرَهُ أئمةُ أهلِ السنَّة، ومنهم الإمامُ أحمدُ ﵀، وقال: إنَّ الواقفةَ الذين يقولون: القرآنُ كلامُ اللهِ، لا نقول مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ؛ جهميَّةٌ، وقال مرَّةً: هم شرٌّ من الجهمية المصرِّحين بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ (^١)؛ لأنَّ الذي يُصرِّحُ قد أوضحَ مذهبَه، فلا خفاءَ ولا التباسَ على السنيِّ في شأنه؛ فمَن قال: «القرآنُ مخلوقٌ»؛ فقد أَبان مذهبَه، وعرف الناسُ تجهُّمَه، وحَذِروا باطلَه، ولاسيَّما مع اشتهار نكيرِ السَّلفِ لهذه البدعةِ التي لم يقل بها غيرُ أَتباعِ الجعدِ بن دِرهم، والجهمِ بن صفوان (^٢).
لكنَّ الواقفةَ ينخدعُ الجهَّالُ بمسلكِهم، وقد سلك هذا الطريقَ بعضُ الجهميةِ مراوَغةً وتَقِيَّةً تستَّرًا وتلبيسًا، لأنَّه يعلم أنه لو قال: القرآنُ مخلوقٌ؛ نبذَه أهلُ السنَّةِ، وأنكروا عليه، وأغلظوا له، وإن قال: القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، خرج عن مذهبه الذي يستبطنه، فيُمسك عن القول معتقدًا عقيدةَ جهمٍ، سالكًا مسلكَ الخداعِ والمكرِ الخبيثِ.
وهذا قد يستسيغُه بعضُ الجهَّالِ بحسن نيَّةٍ، بل بعضُ العلماءِ رأوا أنَّ الخوضَ في هذه المسألةِ لا طائل تحتَه ولا موجِبَ له، والحقُّ أنَّ
_________________
(١) ينظر: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٧٩).
(٢) وممن حكم على الواقفة بالبدعة: الإمام عبد الملك بن الماجشون، وإسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد وغيرهم كثير، وعدّوهم من الجهمية وعاملوهم معاملتهم. ينظر: الشريعة (١/ ٥٢٦)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٥٧).
[ ٤٥ ]
البدعةَ إذا أُظهِرت، وتُكلِّم بها، ودُعِيَ إليها، فلا بدَّ من التحذيرِ منها وأهلها، وتحديدِ الموقفِ تِجاهها؛ لأنَّ التوقُّفَ مضمونه الشكُّ، والسكوت عليه يتضمنُ إقرارَ هذا الشك، وتوجيهَ احتمالِ صحَّةِ قولِ الجهمية، فمُقتضى التوقُّفِ أنَّ مذهبَهم ليس بالباطل البيِّنِ الذي يجبُ إنكارُه (^١)، ولهذا قال إمامُ أهلِ السنَّةِ: إنَّ الواقفةَ أخبثُ، وإنَّهم شرٌّ من الجهمية، وقال: الواقفةُ جهميَّةٌ.
ولخطرهم نهى الناظمُ عن طريقتهم فقال: (ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلًا كما قال أتباع لجهمٍ)، وفي هذا تصريحٌ بأنَّ الواقفةَ في القرآن، الذين يقولون: إنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، ولا نقولُ: مخلوقٌ ولا غير مخلوقٍ، هم طائفةٌ من الجهمية.
و(جهم): هو إمامُ المعطلةِ في هذه الأمَّةِ.
وقولُ الناظمِ: (وأسجحوا): من أَسجحَ بالشيء إذا لانت به نفسُه (^٢)، فأَتباعُ جهمٍ لانت نفوسُهم ومالت قلوبُهم إلى هذا المعتقد، فَسَهُلَ عليهم القولُ به.
_________________
(١) ولشيخنا -سدده الله- مقال في موقعه الرسمي بعنوان: «لا أجد عذرًا لخطئكم العظيم إلا ضعف قواكم الفكرية»، حرَّره في: ٢٨ ذي القعدة ١٤٣١ هـ. وهو ردٌّ وتعقيب على مقال للأستاذ أبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري، نحى فيه منحى الوقف.
(٢) ينظر: لسان العرب (٢/ ٤٧٥).
[ ٤٦ ]