٢٠. وعائشُ أُمُّ المُؤمِنين وخَالُنا … معاويةٌ أَكْرِمْ به ثُمَّ أَمْنحُ
يقول: (وعائشُ أُمُّ المؤمنين): عائش: هي عائشةُ بنتُ أبي بكر ﵄، وهذا الحذفُ يُسمَّى ترخيمًا، وأكثرُ ما يقع في النداء، يقال: يا عائشُ، يا فاطمُ، يا خديجُ، ويأتي الترخيم في غير النداء قليلًا، وهذا منه، والذي أوجب له الترخيم رعايةُ النَّظمِ؛ لأنَّ النَّظمَ لا يُسعفُه أن يُعبِّرَ بما يريد.
(وعائشُ): كأنَّه عطفٌ على قوله: (وفاطمة)، وعائشةُ هي إحدى أُمَّهات المؤمنين، وكلُّ أزواجِ النَّبي ﷺ لهنَّ هذا الوصفُ بنصِّ القرآن: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وهذه أمومةُ منزلةٍ واحترامٍ، فليس لهنَّ أحكامُ الأمِّ من حيثُ النظرِ والمحرميَّةِ والخلوة (^١).
فأشار في البيتين إلى فضل خديجةَ وعائشةَ وفاطمةَ ﵅.
ويختلف أهلُ السنَّةِ في المفاضلة بين خديجةَ وعائشةَ ﵄ على ثلاثة مذاهب:
فمنهم مَنْ فضَّلَ خديجةَ وقال: إنَّها أفضلُ أمهات المؤمنين (^٢).
_________________
(١) ينظر: التفسير البسيط (١٨/ ١٧٦).
(٢) جزم به ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي (١٣/ ٢٥١ - ٢٥٢)، ورجحه ابن حجر في الفتح (٧/ ١٣٤).
[ ١٠١ ]
ومنهم مَنْ فضَّلَ عائشةَ على الإطلاق، وكلٌّ يستدلُّ بما ورد في فضل الواحدةِ منهنَّ (^١).
وتوسَّط قومٌ فقالوا: إنَّ كلًّا منهما أفضلُ من الأخرى من وجه، كما ذكر شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ (^٢)، وذلك بأنَّ خديجةَ لها فضلُ السَّبْقِ إلى الإسلام، والمؤازرةِ للرسول ﷺ، والمعاونةِ له على أَمرِه في وقت الشِّدَّةِ، عندما نزل عليه الوحيُ بحِرَاء وجاء يرتعدُ خائفًا، وذكر لها ما كان، وقال: إنِّي خشيتُ على نفسي، فقالت له القولةَ المعروفةَ التي تدلُّ على رجاحةِ عقلها، وعُمقِ فهمِها وعِلمِها بالله: «كلا والله ما يُخزيكَ اللهُ أبدًا، إنك لتَصِلُ الرَّحمَ، وتحملُ الكَلَّ، وتكسبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحقِّ» (^٣).
وعائشةُ أفضلُ من جهة الفقهِ في الدِّين، والتبليغِ لأحكامه، فهي قد حملت عن النَّبي ﷺ حديثًا كثيرًا وبلَّغته، فهذه فضيلةٌ تختصُّ بها ليست لخديجة، ولخديجة فضيلةٌ تختصُّ بها ليست لعائشة، واللهُ أعلمُ أَيَّتُهما أفضلُ عنده.
أمَّا من جهة الفضائل؛ فلكلٍّ منهما فضيلةٌ تتميَّزُ بها عن الأخرى، وكان النَّبي ﷺ يحبُّ خديجةَ ﵂ ويذكرها، وكان يذبح الشاةَ ويقسمُها على صديقاتها، وكانت عائشةُ ﵂ تغار منها وهي ميتة (^٤)،
_________________
(١) نسبه الآمدي إلى أهل السنة وأصحاب الحديث. ينظر: أبكار الأفكار (٥/ ٢٩١)، والإجابة لما استدركت عائشة على الصحابة (١/ ٤٣).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩٣)، ومنهاج السنة (٤/ ٣٠١ - ٣٠٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣) -واللفظ له-، ومسلم (١٦٠) عن عائشة ﵂.
(٤) أخرجه البخاري (٣٨١٦)، ومسلم (٢٤٣٥) عن عائشة ﵂.
[ ١٠٢ ]
فضل معاوية ﵁
وهذه الغيرةُ من طبع النِّساء، وخديجةُ ﵂ لها شأنٌ عظيمٌ، كيف وقد جاء جبريلُ ﵇ يُبلِّغها بواسطة النبيِّ ﷺ السَّلامَ من ربِّها، كما ثبت في الصحيح قال: «أتى جبريلُ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجةُ قد أتت معها إناءٌ فيه إدامٌ أو طعامٌ أو شرابٌ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السَّلامَ من رَبِّها ومنِّي، وبشِّرها ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب» (^١)، وهذه فضيلةٌ عظيمةٌ.
والحديثُ عن فضائل هؤلاء الفُضلاءِ والفاضلاتِ الأخيارِ طويلٌ، وعندي -والله أعلم- أن القول بتفضيل خديجة: قول قوي؛ لأدلة كثيرة دالة على فضلها، وكلهن فُضْليات ﵅.
قوله: (وخالُنا معاويةٌ): خالُ المؤمنين معاويةُ بن أبي سفيان، واسمُ أبي سفيان صخرُ بنُ حربٍ بنِ أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان معاويةُ يُكنى أبا عبد الرحمن، وهو أوَّلُ ملوكِ المسلمين، ولد قبلَ البعثة بخمس سنين (^٢).
وهو أحدُ كُتَّابِ الوحي للنَّبي (^٣) ﷺ، يُعَدُ في مُسلِمَةِ الفتح؛ أو ما بعد صلحِ الحديبية، فإنَّ الصحابةَ ﵃ كان إسلامُهم على مراحل، فأفضلُهم الذين أسلموا قبل الفتح، ثم الذين أسلموا بعد الفتح، ومنهم مَنْ أسلم بعد الفتح وقبل فتحِ مكة، والمرادُ بالفتح: الفتحُ الفاصلُ بين
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٢٠) -واللفظ له-، ومسلم (٢٤٣٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) ينظر: الإصابة (١٠/ ٢٢٧ رقم ٨١٠٦)
(٣) ينظر: صحيح مسلم (٢٥٠١).
[ ١٠٣ ]
نعت معاوية ﵁ بخال المؤمنين
مرحلتين، وهو صلحُ الحديبية، الذي وقع في السَّنةِ السادسةِ من الهجرة، وهو المذكورُ في قوله ﷾: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] (^١).
فمعاويةُ، وعَمرو بنُ العاص، وخالدُ بنُ الوليد ﵃ جميعًا- كلُّهم من هذا النوع، ليسوا من السَّابقين الأوَّلين، فالسَّابقون الأوَّلون هم على القولِ الراجحِ مَنْ أَسلمَ من قبل الفتح (^٢)، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾، قال اللهُ تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، فكلُّهم موعودون بالحُسنى، وكلُّهم على فضائلهم ومنازلهم.
وقول النَّاظم: (وخالُنا معاويةٌ): فيه نعتُ معاويةَ بالخالِ، وقد عُرف ﵁ بخال المؤمنين، ولا أعلم مَنْ الذي لقَّبه به (^٣)، لكن سبب هذا اللقب أن معاوية أخو أمِّ حبيبة بنتِ أبي سفيان أم المؤمنين، واسمُها رَملةُ، وقيل: هندُ (^٤)، وهي إحدى أمَّهات المؤمنين، فهذا سببُ تَلقِيبه خال المؤمنين، ويشركه في هذا المعنى ابن عمر لأنه أخو أم المؤمنين
_________________
(١) ينظر: جامع البيان (٢٢/ ٣٩٣ - ٣٩٥).
(٢) هو قول الشعبي واختاره ابن تيمية ونسبه للجمهور. ينظر: جامع البيان (١١/ ٦٣٧)، ومنهاج السنة (٢/ ٢٦).
(٣) يعني شيخنا أول من لقبه به وإلا فهذا اللقب مشهور عن الحكم بن هشام الثقفي والإمام أحمد. ينظر: الثقات للعجلي (٣٤٢)، والسنة للخلال (٦٥٧ - ٦٥٩)، والشريعة (٥/ ٢٤٣١)، (٥/ ٢٤٤٨).
(٤) ينظر: الإصابة (١٣/ ٣٩١ رقم ١١٣٢٢).
[ ١٠٤ ]
حفصة بنت عمر لكن المشهور بهذا اللقب معاوية (^١). وهناك سببٌ آخر أوجب اشتهاره بذلك مع مشاركة آخرين له، وهو الردُّ على مَنْ يطعنُ عليه ﵁ وذلك ببيان فضائله، ومنها أنه صِهرُ النبيِّ ﷺ، فيجب أن يُعرف له فضلُه وفضلُ الصُّحبة، وفضلُ تقريبِ الرسولِ ﷺ له حتى اتخذه من كُتَّاب الوحي (^٢).
وقد كان ﵁ موضعَ تقديرٍ للخلفاء الثلاثة الراشدين أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان؛ وأول ذلك: أنَّ أبا بكر أمَّره على جمعٍ من الجند، وأمره أن يلحق بأخيه يزيد في الشام (^٣)، وولَّاه عمر الشامَ بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وجمع له عثمانُ الشامَ فولي الشامَ عشرينَ سنة أميرًا، ولَمَّا تنازل الحسنُ بنُ عليٍّ ابنُ أبي طالب ﵁ وعن أبيه- عن الخلافةِ لجمعِ كلمةِ المسلمين، ولكفِّ الدماءِ وقطعِ دابرِ الفتنةِ، اجتمعت الكلمةُ عليه في عام أربعينَ من الهجرة، وسُمِّيَ ذلك العامُ عامَ الجماعةِ كما هو مشهورٌ معروفٌ (^٤)، وصار مَلِكًا على المسلمين عشرينَ سنةٍ، فولايتُه منذ
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة (٤/ ٣٦٧ - ٣٧١).
(٢) ففي مسلم (٢٥٠١) من حديث ابن عباس ﵄ أنَّ أبا سفيان ﵄ قال للنبي ﷺ: … ومعاوية، تجعله كاتبا بين يديك، قال: «نعم». وينظر: الشريعة (٥/ ٢٤٥١)، ومنهاج السنة (٤/ ٤٢٧).
(٣) ينظر: تاريخ الطبري (٣/ ٣٩١).
(٤) قال ابن كثير: «المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، ولهذا يقال له: عام الجماعة. لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين». ينظر: تاريخ الطبري (٥/ ١٦٢)، والبداية والنهاية (١١/ ١٣٣).
[ ١٠٥ ]
ولي بعض الأمور إلى أن صار خليفةً إلى آخر الأمر أربعون سنة، وهو أميرٌ؛ ملكٌ أو خليفةٌ.
وقولُه: (أَكْرِمْ به ثُمَّ أَمْنَحُ): يقول: معاويةُ أَكرم به، و(أَكْرِمْ به): أسلوبُ تعجُّبٍ؛ أي: ما أكرمه. (ثُمَّ أَمْنَحُ): هذه الكلمةُ فيها بعض الإشكال، ولعل المرادُ (ثم أَمْنَحُ): ثم هو أَمْنَحُ؛ أي: أكثرُ منحًا وجودًا وعطاءً.
والمقصودُ: الإشادةُ بكرمِ معاويةَ وفضلِه ﵁.
* * *
[ ١٠٦ ]