٣٦. وقلْ إنَّما الإِيمَانُ قَولٌ ونِيَّةٌ … وفِعْلٌ على قولِ النَّبيِّ مصرَّح (^١)
٣٧. وينْقُصُ طَورًا بالمعاصي وتَارةً … بطاعَتِه يَنْمِي (^٢) وفي الوزنِ يَرْجَحُ (^٣)
يبيِّنُ النَّاظمُ في البيت الأولِ مذهبَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في الإيمان، وأنَّه قولٌ ونيَّةٌ وفعلٌ، وذكر في البيت الثاني أنَّه يزيد وينقص، وهذا هو قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ.
فالإيمانُ: اعتقادٌ بالجنان وإقرارٌ باللسان وعملٌ بالأركان (^٤)، وكثيرٌ من الأئمة يقول: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يزيد بالطاعة وينقصُ بالمعصية، أو يزيدُ وينقصُ (^٥).
فقولهم: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ»، تفسيرُه ما قاله شيخُ الإسلام ﵀ لَمَّا ذكر أنَّ من أصول أهلِ السنَّةِ أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، قال: «قولُ
_________________
(١) في بعض النسخ (مصبَّح)، والمثبت في طبعة الشطي، ومحمد عبد السلام: (مصرَّح) ورجحه شيخنا كما سيأتي.
(٢) المثبت من طبعة محمد عبد السلام، وقال شيخنا: «ولو قال: (ينمو) كان أولى» وهي كذلك مثبتة في طبعة الشطي.
(٣) في طبعة الشطي وقع تقديم هذين البيتين على البيتين السابقين بعد قوله: وإنَّ رسول الله للخلق شافعٌ وقل في عذاب القبر حقٌ مُوَضَّحُ
(٤) ينظر: الشريعة للآجري (٢/ ٦١١)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٩١١).
(٥) سيأتي قريبًا.
[ ١٤٧ ]
القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ والجوارحِ» (^١)، وقولُ القلبِ هو الاعتقادُ، وقولُ اللسانِ هو الإقرارُ، وعملُ القلبِ هو الانقيادُ والاستجابةُ والقيامُ بأعمال القلوبِ من خوفٍ ورجاءٍ وتوكُّلٍ، وعملُ الجوارحِ ظاهرٌ معروفٌ، وهو ما يكون باليد والسمعِ والبصرِ والأُذنِ والرِّجلِ وسائرِ البدنِ، فصار الإيمانُ يشمل أربعةَ أمورٍ:
أولًا: اعتقادُ القلبِ الاعتقاد الذي يوجب عملَ القلبِ.
ثانيًا: عملُ القلبِ، يتضمن الانقيادَ والالتزامَ والاتباعَ.
ثالثًا: قولُ اللسانِ، وهو الإقرارُ.
رابعًا: عملُ الجوارحِ (^٢).
وقد أخبر رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ: «في الجسد مُضغة إذا صَلحت صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسدت فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب» (^٣).
والمرجئةُ كلُّهم يشتركون في تأخير الأعمالِ عن مسمَّى الإيمان، ويزعمون أنَّ الأعمالَ لا تدخل في مسمَّاه، ولهذا سُمُّوا مرجئة.
وأهلُ السنَّةِ يقولون: الأعمالُ تدخل في مسمَّى الإيمانِ، وأدلةُ ذلك كثيرةٌ، ومن أظهرها وأصرحِها وأصحِّها: قوله ﷺ: «الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق،
_________________
(١) ينظر: العقيدة الواسطية (ص ١١٣).
(٢) ينظر: جواب في الإيمان ونواقضه لشيخنا (ص ٧ - ١٣)، وتوضيح مقاصد العقيدة الواسطية (ص ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٣) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) عن النعمان بن بشير ﵄.
[ ١٤٨ ]
والحياء شعبة من الإيمان» (^١)، وعدِّدْ فيما بين ذلك، الصلاة من الإيمان، والصيام من الإيمان، والحج من الإيمان، والجهاد من الإيمان، وبر الوالدين من الإيمان، وصلة الأرحامِ من الإيمان، وإطعام الطعامِ، وإفشاء السَّلامِ، كلُّ ذلك من الإيمان، وإماطةُ الأذى عن الطريق ابتغاءَ وجهِ اللهِ من الإيمان.
وقد عقد الإمامُ البخاريُّ تراجمَ تتضمَّنُ هذا المعنى في «كتاب الإيمان» من «الجامع الصحيح»، فذكر: باب الصَّلاةِ من الإيمان، باب الجهادِ من الإيمان، باب صومِ رمضان احتسابًا من الإيمان (^٢) وغيرها.
ومن جملة أدلةِ أهلِ السنَّةِ كذلك قولُه ﷺ: «مَنْ رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان» (^٣).
فجعل هذه المراتبَ كلَّها من الإيمان؛ فالتغييرُ باليدِ من الإيمان، وباللسانِ من الإيمان، والتغييرُ بالقلب -ويكون ببغض المنكرِ، والرغبة في إزالته- من الإيمان.
وقولُ النَّاظمِ كما في نسخة: (قَولٌ ونِيَّةٌ وفِعْلٌ على قولِ النَّبيِّ مُصَبَّحُ): وفي نسخة أخرى (مُصرَّحُ) وهو أوضحُ من (مُصبَّحُ)؛ لأنه لا يظهر ب (مصبح) معنى، والتفعيل يستقيم على هذا وهذا.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٥ - ٥٨) بهذا السياق، وللبخاري (٩) نحوه مختصرًا عن أبي هريرة ﵁.
(٢) الأبواب رقم: (٣٠ - ٢٦ - ٢٨) على الترتيب.
(٣) أخرجه مسلم (٤٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٤٩ ]
زيادة الإيمان ونقصانه
ثم ذكر الناظمُ مسألةَ الزيادة والنقصان، ومن مذهب أهلِ السنَّةِ والجماعة: أنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقصُ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (^١)، وبعضُهم يتحاشا أن يقول: ينقص (^٢)، أو يقول: يزيد بالطاعة، يريد أنَّ الإيمانَ يتفاضلُ ولا ريب أنَّ الإيمانَ يتفاضلُ من وجوهٍ، فالتصديقُ يتفاضل، وليس على مرتبةٍ واحدةٍ، بل بعضُه أقوى من بعضٍ، وهذا يجده كلُّ إنسانٍ من نفسه. وكذلك عملُ القلب؛ كالحبِّ، والخوفِ، والرجاءِ، والتوكلِ، والعزمِ، يختلف فيقوى ويضعفُ.
والزيادةُ والنقصانُ في أعمال الجوارحِ أَظهرُ، فهي محسوسةٌ مشاهَدةٌ للعَيان، فالإيمانُ يزيد وينقصُ، يزيدُ بالطاعة، فكلَّما أطاع العبدُ ربَّه ازداد إيمانًا ظاهرًا وباطنًا، والمعصيةُ تُضعِفُ وتُنقِصُ الإيمانَ.
ولهذا قال الناظم:
(وينْقُصُ طَورًا بالمعاصي وتَارةً … بطاعَتِه يَنْمِي )
-أي: يزيد، وفي نسخة ينمو؛ وهو الصواب (^٣) -
( وفي الوزنِ يَرْجَحُ).
_________________
(١) ينظر: الشريعة للآجري (٢/ ٥٨٠)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٦٠).
(٢) إحدى الروايتين عن مالك أنَّ الإيمان يزيد ولا ينقص، والرواية الأخرى، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم أنَّه يزيد وينقص. ينظر: التمهيد (٩/ ٢٥٢)، والإيمان الأوسط (ص ٣٧١).
(٣) وهي كذلك في طبعة الشطي: (ينمو).
[ ١٥٠ ]
الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص
وعند المرجئة ومن جملتهم مرجئةُ الفقهاء أنَّ الإيمانَ لا يزيد ولا ينقص، فهم يزعمون أنَّ الإيمانَ هو التصديقُ، والتصديقُ واحدٌ لا يتجزَّأُ؛ لأنَّ التصديقَ يقابله الشكُّ، فمَن نقص تصديقُه حصل عنده الشكُّ، وانبنى على قولهم هذا تحريمُ الاستثناءِ في الإيمان؛ لأنَّ الاستثناءَ شكٌّ.
وأمَّا عند أهلِ السنَّةِ القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ؛ فعندهم أنَّه يجوز الاستثناءُ في الإيمان أو يجب، فلا تقل: أنا مؤمنٌ إلَّا أن تقول: إن شاء الله؛ تبرُّؤًا من الدَّعوى، فالاستثناءُ للبراءة من تزكية النفسِ، ومن دعوى الكمالِ (^١).
والأدلةُ على أنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقصُ ظاهرةٌ في القرآن والسنَّةِ؛ فمنها قولُ اللهِ تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقولُه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال].
ومن السنَّةِ ما جاء في حديث الشفاعة وفيه: أنَّ اللهَ تعالى يُخرج من النَّار مَنْ قال لا إله إلَّا الله وفي قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمان، ويُخرج من النَّار مَنْ قال لا إله إلَّا الله وفي قلبه أدنى أدنى أدنى خردلةٍ من إيمان (^٢)، فدلَّ هذا على أنَّ في الإيمان تفاضلًا وتفاوتًا، زيادةً ونقصًا.
_________________
(١) ينظر: الشريعة للآجري (٢/ ٦٥٦)، والإيمان لابن تيمية (ص ٣٣٤) وما بعدها.
(٢) أخرجه بنحوه: البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣ - ٣٢٦) عن أنس بن مالك ﵁.
[ ١٥١ ]
التفريق بين مسمى الإسلام والإيمان
وكذا قولُه ﷺ: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أَحسنُهم خُلقًا» (^١).
وهذا التفاوتُ أمرٌ معلومٌ بالضرورة.
وهل يقول عاقلٌ: إنَّ إيمانَ آحادِ المؤمنين كإيمان أبي بكر وعمر؟! هذا لا يكون.
بل الإيمانُ يتفاوت في القلوب تفاوتًا عظيمًا لا يعلمُه إلَّا اللهُ، مثل تفاوت الأنوار، من نور الشمعةِ فما دونها إلى ضوء الشمس، فأين هذا من هذا!
ومن المسائل المتعلِّقة بالإيمان ومسماه التي اختلف أهلُ العلمِ فيها: التفريقُ بين مُسمَّى الإسلامِ والإيمان (^٢):
فمنهم مَنْ يقول: إنَّ الإسلام والإيمانَ مؤدَّاهما واحدٌ.
ومنهم مَنْ يقول: إنَّهما متغايران.
وقال شيخٌ الإسلام ابنٌ تيمية ﵀: إنَّهما يتَّحدان عند الإفراد، فإذا ذُكرَ الإيمانُ وحده دخل فيه الإسلامُ، وإذا ذُكر الإسلامُ وحدَه دخل فيه الإيمانُ، وأمَّا إذا ذُكرا معًا كان المرادُ بالإيمان اعتقادُ القلبِ، وبالإسلام الأعمالُ الظاهرةُ (^٣)، ويؤيد هذا حديثُ جبريل (^٤)، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فسَّرَ الإسلامَ بالأركان الخمسة، وفسَّرَ الإيمانَ بالأصول الستَّةِ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٤٠٢)، (١٠١٠٦)، وأبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢) عن أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن حبان (٤٧٩)، والحاكم (٢)، وينظر: الصحيحة (٢٨٤)، (١٥٩٠).
(٢) ينظر: السنة للخلال (٣/ ٦٠٢)، وتعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٠٦).
(٣) ينظر: الإيمان الكبير (ص ٢٨٣)، والإيمان الأوسط (ص ٤٤٢)، (ص ٤٨٢).
(٤) أخرجه مسلم (٨) بسياق طويل عن عمر ﵁، وأخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) مختصرًا عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٥٢ ]