١٠. وقد يُنكر الجهميُّ أيضًا يمينَه … وكلتا يديه بالفواضلِ تنفَحُ
يُتابعُ النَّاظمُ ذِكرَ مذهبِ الجهميةِ في صفات الله تعالى، فبعد أن ذكرَ مذهبهم في القرآن، وفي الرؤية، ذكر في هذا البيت مذهبهم في يدي الربِّ ﷾، فقال: (وقد يُنكر الجهميُّ أيضًا)، و(أيضًا): تأتي بمعنى كذلك (^١)، ففيها معنى الرجوع إلى مثل ما سبق كأنَّه يقول: وكذلك، أو مثل ما تقدَّم.
وقوله: (يمينَه): أي: يمينُ الربِّ، فالجهميُّ ينكر أن تكون لله يمينٌ هي يدُه، ثم بيَّن المؤلفُ الحقَّ فقال: (وكلتا يديه): فأثبت لله يدين، وقد دلَّ الكتابُ والسنَّةُ والإجماعُ على إثبات اليدين لله؛ فاللهُ تعالى له يدان يخلق بهما كما خلق آدمَ بيديه، ويأخذ بهما ما شاء كما ثبت في الصحيح، قال رسول الله ﷺ: «يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟» (^٢)، وشاهد هذا في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، فاللهُ تعالى له يدان لا تُشبه أيدي المخلوقين ولا نعلم كيفيتَهما.
_________________
(١) ينظر: لسان العرب (٧/ ١١٦).
(٢) أخرجه البخاري (٧٣٨٢)، ومسلم (٢٧٨٧) -واللفظ له- عن أبي هريرة ﵁.
[ ٦٧ ]
الأصول الثلاثة لمذهب أهل السنة في الصفات
ومذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ في صفات الربِّ يقوم على ثلاثة أصول (^١):
الأول: الإثباتُ؛ إيمانًا بما أخبر اللهُ به أو أخبر به رسولُه ﷺ.
والثاني: نفيُ التمثيلِ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]
والثالث: نفيُ العلمِ بالكيفية، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]
فمَن تمسَّكَ بهذه الثلاثة الأصول كان مستقيمًا على الحقِّ، في أسماء الله وصفاته.
والقولُ بهذه الأصول يقتضي أن نُثبتَ لله تعالى يدين لا نتأوُّلهما، ونعلم أنهما لا تماثلان أيدي المخلوقين، ولا نعلم كيف هما فلا نتخيَّلهما، بل كلُّ ما يخطرُ بالبال من الكيفيات فاللهُ تعالى بخلافه، فالفِكرُ قاصرٌ عن تصوُّرِ كيفيةِ صفاتِ اللهِ تعالى، فلا يجوز أن نقول: كيف يدي الرب؟ أو كيف ينزل؟ أو كيف استوى؟ ولمّا قال السائلُ للإمام مالك: كيف استوى؟ أنكر عليه وقال: الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ، ولا أراك إلَّا رجل سوءٍ، فأَمَرَ به فأُخرِجَ (^٢).
_________________
(١) ينظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص ٣٦٥ - ٣٦٩)، وشرح العقيدة التدمرية لشيخنا (ص ٨٧).
(٢) ينظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ٦٦، رقم ١٠٤)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٤١، رقم ٦٦٤)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٠٤، رقم =
[ ٦٨ ]
والأدلةُ على إثبات اليدين لله تعالى متضافرة من الكتاب والسنَّةِ والإجماعِ.
فمن القرآن: قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، قال ذلك ردًّا على اليهود الذين قالوا: يدُ الله مغلولةٌ، فقال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. واليهودُ لَمَّا قالوا: يدُ اللهِ مغلولةٌ؛ لم يكن غلطُهم في إضافة اليدِ لله، وإنَّما في وصف اللهِ سبحانه بالبخل، فهذا هو المنكَرُ من قولهم.
وعند الجهميةِ ومَن تَبعهم أنَّ نسبةَ اليدِ إلى الله من الباطل، ومن التشبيهِ الذي قال به اليهودُ.
وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وهاتان الآيتان هما أصرحُ الآيات في الدلالة على إثبات اليدين لله لأنهما قد جاءا بلفظ التثنية، وقد جاء ذكر اليدين في مواضع أُخر إمَّا بلفظِ الإفرادِ؛ كقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، أو بلفظ الجمعِ كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، ولفظُ الإفرادِ لا يدلُّ على أنَّ اليدَ واحدةٌ، فقد يُراد به الجنسُ، ولفظُ الجمعِ لا يدلُّ على أنَّ لله أيدي، فإنَّ هذا الأسلوبَ لا يُفيدُ هذا المعنى؛ لأنَّ من قواعد اللسان العربي أنَّ المثنى إذا أُضيف إلى صيغة الجمعِ أو إلى الجمع جُمع (^١)؛ كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وقوله: ﴿إِنْ
_________________
(١) = ٨٦٦ - ٨٦٧ - ٨٦٨)، وقد صحَّح هذا الأثر عن مالك: الذهبي في العلو (ص ١٣٨، رقم ٣٧٧)، وجوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
(٢) ينظر: بيان تلبيس الجهمية (٥/ ٤٧٨ - ٤٨١)، والصواعق المرسلة (١/ ٢٦٦ - ٢٦٨).
[ ٦٩ ]
الأدلة من الكتاب على إثبات اليدين لله تعالى
الأدلة من السنة على إثبات اليدين لله تعالى
لله يدان يمين وشمال
معنى كلتا يديه يمين
تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فاللهُ تعالى له يدان كما صرَّح بذلك في موضعين من القرآن.
وأمَّا أدلةُ السنَّةِ فكثيرةٌ؛ منها: حديثُ عبدِ الله بن عمرو ﵄ في صحيح مسلم (^١) أنَّ النَّبي ﷺ قال: «إنَّ المُقسِطينَ عند اللهِ على منابرَ من نورٍ عن يمين الرَّحمنِ ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يَعدِلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا».
والشاهدُ قوله: «وكلتا يديه»، فله يدان، يمين وشمال، كما في الحديث المتقدِّمِ عند مسلم (^٢)، ولا وجه لمن حكم على رواية ذكر الشمال بالشذوذ وقد ارتضاها مسلم (^٣)، ويؤيد إثباتها من جهة المعنى أن القرآن والحديث كل منهما قد دل على فضل اليمين على الأخرى فقد خص الله قبض السموات بيمينه؛ ففُهم أن قبض الأرض باليد الأخرى كما صرح به في الحديث؛ لأن السموات أفضل من الأرض، ومن وجه آخر أخبر الرسول ﷺ أن المقسطين عن يمين الرحمن، وفي هذا تفضيل لهم لفضل اليمين على اليد الأخرى.
وقوله: «عن يمين الرَّحمنِ»: ليس هو معنى: «وكلتا يديه يمين»، بل معناهما مختلف، ف «كلتا يديه يمين» معناه: أنَّ يمينه واليد الأخرى
_________________
(١) برقم (١٨٢٧).
(٢) وهو رواية في حديث أبي هريرة المتقدم في قبض الأرض والسموات وقوله تعالى: «أنا الملك» أخرجه مسلم برقم (٢٧٨٨ - ٢٤) عن ابن عمر ﵄.
(٣) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٣٩).
[ ٧٠ ]
كلاهما ذاتُ يُمْنٍ وخيرٍ وبركةٍ، فهو كالاحتراز عن توهم النقص في اليد الأخرى بعد قوله عن يمين الرحمن، وقد فَرَّقَ القرآنُ بينهما في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وجاء في تفسير هذه الآية من السنَّة أنَّ الله تعالى يطوي السموات بيمينه ويَقبِض الأرضَ بيده الأخرى، وفي لفظٍ «بشماله» (^١).
ومن أدلَّةِ إثباتِ اليدين في السنَّة ما جاء في حديث الشفاعة: أن الناس يقولون لآدم: «يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه» (^٢).
ومن ذلك حديثُ ابن مسعود ﵁ في قصة الحبر قال: جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى النَّبي ﷺ فقال: إنَّا نجد أنَّ اللهَ يجعل السموات على أَصبع (^٣)، والأرضين على أَصبع، والشجر على أصبع، والماءَ والثرى على أصبع، وسائرَ الخلائقِ على أصبع، ويقول: أنا الملك. فضحك النَّبيُّ ﷺ حتى بدت نواجذُه تصديقًا لقول الحَبْر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (^٤).
_________________
(١) وقد بوَّب البخاري بالآية وذكر حديث أبي هريرة المتقدم في قبض الأرض والسموات وقوله تعالى: «أنا الملك» ينظر: الدر المنثور (٧/ ٢٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أصبع وإصبع بكسر الهمزة وفتح الموحدة ويجوز تثليث الهمزة مع تثليث الباء فتكمل تسعة وعاشرها أصبوع. ينظر: مشارق الأنوار (١/ ٤٧).
(٤) أخرجه البخاري (٤٨١١) -واللفظ له-، ومسلم (٢٧٨٦).
[ ٧١ ]
مذهب المبتدعة في صفة اليدين لله تعالى والرد عليهم
فأهلُ السنَّةِ والجماعةِ مُتَّفقون على إثبات اليدين للهِ على ما جاء في القرآن وفي السنَّة، وأنكرت الجهميةُ ذلك على أصلهم في نفي صفاتِ اللهِ كلِّها، وكذلك المعتزلةُ ووافقتهم الأشاعرةُ في نفي أكثر الصفات، واليدان من الصفات التي تنفيها الأشاعرةُ، فيقولون: ليس لله تعالى يدان. ثم يختلفون فمنهم مَنْ يُفوِّض النصوصَ، ويقول: هذه النصوصُ اللهُ أعلمُ بمراده منها، لا نُفسِّرُها، ولا نفهمُها، ولا نتدبَّرُها، ولا نُفكِّرُ فيها، ولا يمكن أحدًا أن يفهمَ منها شيئًا، وهؤلاء هم المفوِّضةُ من الأشاعرة.
ومن العجب أنَّهم يزعمون: أنَّ رسول الله ﷺ لا يعلم معاني هذه النصوص؛ ولهذا يُسميهم شيخُ الإسلام أهلَ التجهيل (^١)؛ لأنهم يُجهِّلون الرسولَ ﷺ، ويُجهِّلون الصحابةَ ﵃، فقول الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، كلُّ ذلك غيرُ مفهومِ المعنى عندهم، فلا الرسولُ ﷺ يعلمُه ولا الصحابةُ ﵃ تعرفه، وهذا ضلالٌ مبينٌ.
فكلُّ ذلك ليَسلمَ لهم باطلُهم؛ وهو تعطيلُ الصفاتِ عن الله، تعالى اللهُ عن قولهم علوًا كبيرًا.
ومن الأشاعرة مَنْ يؤول الصفات التي ينفونها فيُفسِّرُ اليدَ بالقدرةِ أو النعمةِ، ويقول: إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ بقدرته. فهل لآدم مزيَّةٌ على سائر الخلق على هذا التقدير؟ الجواب: ليست له خصوصيةٌ، فاللهُ خلق كلَّ شيءٍ
_________________
(١) ينظر: درء التعارض (١/ ١٥)، والتوضيحات الجلية في شرح الفتوى الحموية (ص ٢٤٨).
[ ٧٢ ]
بقدرته، فتفسيرُ اليدِ بالقدرة أو بالنعمةِ يذهبُ بخصوصية آدمَ ﵇ وبالفضيلة التي نوَّه اللهُ بها حين قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] (^١).
والشُبهةُ العامةُ عند المعطِّلة هي أنَّ إثباتَ الصفاتِ يستلزم التشبيهَ، فنفوا كلَّ ما أثبته اللهُ ورسولُه من الصفات حذرًا من التشبيه.
وردَّ عليهم أهلُ السنَّة بقولهم: إذا كان إثباتُ الصفاتِ للهِ يستلزم التشبيهَ فانفوا كلَّ شيءٍ حتى الوجود؛ لأنَّ الإنسانَ موجودٌ، فهل إثباتُ الوجود لله يستلزمُ التشبيهَ؟ وقد علموا أنَّ الجواب بالضرورة: لا، فليس وجودُ الربِّ كوجود المخلوق، وكذلك حياتُه، فهل إثباتُ الحياةِ لله يستلزم التشبيهَ؟ الجواب: لا، فليس الحيُّ كالحيِّ، وليست حياةُ الربِّ كحياة المخلوق، ولا سمعه كسمعه، ولا بصره كبصره، وكذلك الشأنُ في وجهه ويديه وغضبه ورضاه ومحبته ﷾، وليس رضاهُ كرضا المخلوق، ولا محبَّته كمحبته، ولا استواؤه كاستوائه، وليست يدُ الربِّ كأيدي المخلوقين.
فالواجبُ: الإثباتُ مع نفي التمثيل ونفي العلمِ بالكيفية.
ثم إنَّ المعطِّلةَ جمعوا بين التعطيل والتشبيه؛ فشبَّهوا أولًا حيث توهَّموا من صفات الربِّ ما يماثلُ صفات المخلوقين، وعطَّلوا ثانيًا حيث نفوها، وشبَّهوا ثالثًا؛ حيث شبَّهوا اللهَ بالنَّاقصات والجمادات والمعدومات (^٢)، واللهُ تعالى أعلمُ بنفسه، وهو الذي أخبر في كتابه
_________________
(١) ينظر: بيان تلبيس الجهمية (٥/ ٤٨١ - ٤٨٢)، والصواعق المرسلة (١/ ٢٧٠).
(٢) ينظر: التوضيحات الجلية في شرح الفتوى الحموية لشيخنا (ص ١٩٢).
[ ٧٣ ]
البسط يراد به ضد القبض ويراد به الجود
وعلى لسان رسولِه ﷺ بما له من الأسماء والصفات، فأيُّ جَهلٍ وأيُّ سَفَهٍ ما يقوله المُعَطِّل! فيقول على الله ما لا يعلم، ويُعارضُ قولَ اللهِ ورسولِه بما يزعم أنَّه معقولٌ!
فقد تبين أنَّ من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة اليدين، فيجب الإيمانُ بهما على ما جاء في كتاب الله وسنَّةِ رسولِه ﷺ إثباتًا بلا تمثيل، مع نفي العلم بالكيفية. والنصوصُ الواردةُ في ذلك على ظاهرها وعلى حقيقتها، وهي نصوصٌ مفهومةٌ؛ فاللهُ تعالى خاطبَ عبادَه بلسانٍ عربيٍّ مُبين، والرسولُ ﷺ عربيٌّ تكلَّم بكلامٍ مفهومٍ.
وقولُ النَّاظم: (وكلتا يديه بالفواضلِ تنفَحُ) أو (تنضحُ) (^١): المرادُ به أنَّ كلتا يديه بالعطايا الجزيلة تنفح، يقال: نفحه بكذا؛ أي: أسعدَه وأسعفَه وأعطاه (^٢)، والناظمُ أخذ هذا من قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
والبسطُ يُطلَقُ ويرادُ به ضدّ القبضِ، واللهُ يقبضُ يديه ويبسطهما كيف يشاء، كما جاء في أخذه السموات والأرض، فيقبض اللهُ الأرضَ يومَ القيامة، وفي حديث عبيد الله بن مِقْسَم أنه نظرَ إلى عبدِ اللهِ بن عمر ﵄ كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: يأخذ اللهُ ﷿ سمواته وأرضيه بيديه فيقول: أنا اللهُ، ويقبض أصابعه ويبسطها (^٣).
_________________
(١) وهو المثبت في لوائح الأنوار (١/ ٣١١).
(٢) ينظر: لسان العرب (٢/ ٦٢٢).
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٨٨ - ٢٥).
[ ٧٤ ]
ويُطلَقُ البسطُ ويراد به الجودُ وكثرةُ العطاء، واللهُ -تعالى- جوادٌ كريمٌ، هو أجودُ الأجودين وأكرمُ الأكرمين؛ فيداه مبسوطتان بكثرة الجودِ والعطاءِ دائمًا، وفي الحديث الصحيح: «إنَّ يمينَ اللهِ ملأى لا يغيضُها نفقةٌ، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلقَ السموات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشُه على الماء، وفي يده الأخرى الفيض، -أو القبض- يرفعُ ويخفضُ» (^١)، فاللهُ تعالى جوادٌ كريمٌ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤١٩) -واللفظ له-، ومسلم (٩٩٣ - ٣٧) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٧٥ ]