وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]، ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق]، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩)﴾ [الشعراء]، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وقوله: ﴿شَدِيدُ الْمِحَال (١٣)﴾ [الرعد]، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ [وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين (٥٤)﴾ [آل عمران] (^١)، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُون (٥٠)﴾ [النمل]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق]، وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء]، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢٢)﴾ [النور]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، [وقوله عن إبليس:] (^٢) ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢)﴾ [ص].
_________________
(١) تتمة الآية من (ب).
(٢) زيادة من (م).
[ ١٠٢ ]
المعتزلة تزعم أن أسماء الله أعلام محضة لا تدل على معان
سبب نزول قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾
هذه الآيات كنظائرها التي تقدَّمت اشتملت على إثبات العديد من أسماء الله، وصفاته ﷾، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، من أسمائه وصفاته مع الإيمان بأنه تعالى لا مثيل له في شيء من ذلك، وأنه لا يَعلم كيفية شيء من صفاته أحد من خلقه، فلا يعلم كيف هو إلا هو، ولا يعلم أحد من العباد كُنْهَ هذه الصفات، بل ذلك مما استأثرَ الله به، وهذه الصفات التي اشتملت عليها الآيات، منها من الأسماء: السميع، والبصير، والعفو، والغفور، والقدير؛ كلها أسماء ثابتة لله، وكل اسم من هذه الأسماء متضمِّن لصفة من صفاته ﷾، وليست كما تقول المعتزلة: إنها مجرَّد أعلام محضة، لا تدلُّ على معانٍ. لا بل هي أسماء تدلُّ على صفات، فهو تعالى: السميع، وهو يسمع أقوال العباد حسنها، وقبيحها. ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] المرأة التي ظاهر منها زوجها، جاءت تجادل النبي ﷺ، وتشتكي حالها، وعيالها إلى الله، وقد كان الظهار في الجاهلية طلاقًا تحرم به المرأة، وليس لهذا حَلٌّ، ولكن الله ﷾ أنزل هذه الآيات في شأنها، فأبان تعالى أن الظهار ليس طلاقًا، ولا تحرم به المرأة، ولكن تجب فيه الكفارة، وأن الظهار منكر من القول وزور، وجاء في قصة هذه المرأة عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: إني في جانب البيت، وإنه ليخفى عليّ بعض كلامها، وتقول ﵂: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات» (^١).
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ٤٦، والنسائي ٦/ ١٦٨، وابن ماجه (١٨٨)، وصححه الحاكم ٢/ ٤٨١، وشيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» ١/ ٣١٠.
[ ١٠٣ ]
سبب نزول قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير﴾
المرأة تجادل الرسول ﷺ، وعائشة قريبة منهم يخفى عليها بعض كلامها، والله العلي الأعلى يسمع كلامها.
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ (قد): تفيد التحقيق، سمع كلامها حين مجادلتها الرسول ﷺ، ثم علَّل سبحانه ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وكذلك يسمع كلام المفترين المجترئين على الله من الكفار، لكنه يحلم عليهم ويمهلهم ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾، هذه مقالة لبعض اليهودِ، واليهودُ أهل جرأة على الله وتنقُّص ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، سمع الله قول هذا الكافر العنيد المجترئ على الله، لما أنزل الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ﴿البقرة ٢٤٥﴾ [البقرة: ٢٤٥]، قال هذا الخبيث: الله فقير يستقرضنا أموالنا (^١). والله يخبرنا بأنه سمع، وليس المراد الإخبار فقط، بل في ضمن هذا الإخبار التهديد.
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ لقد: اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى: والله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ فيه تهديد، كما أن من هذا القبيل ما جاء في قوله تعالى مهدِّدًا للمكذبين بالرسل: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾، الله يسمع سرهم، ونجواهم، وسيجزيهم على ما يدور في هذا السر والنجوى، فالله يسمع
_________________
(١) المختارة ١٠/ ١١٢ من حديث ابن عباس ﵄. وانظر: العجاب في معرفة الأسباب ٢/ ٨٠٤، ولباب النقول ص ٥٠.
[ ١٠٤ ]
الأثر السلوكي للإيمان برؤية الله وسمعه
كلام المتآمرين على رسل الله، والمتناجين بالإثم والعدوان، والرسل الملائكة الموكَّلون بكتابة الأعمال تكتب.
إذًا: هذه الأقوال الخفية التي يستسر بها أهلها، هي مسموعة للرب، ومكتوبة بأيدي الحفظة الكرام الكاتبين، وكذلك من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾، هذا خطاب من الله لموسى وهارون لما أرسلهما الله إلى فرعونَ - وفرعونُ طاغيةٌ -، وهما بشر فخافا، قال الله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، فلما خافا ثبتهما بوعدهما بمعيَّته لهما، وبأنه يسمع ويرى ما يدور بينهما، وبين فرعون وقومه، وفي هذا وعد ووعيد، ولكن جانب الوعد أظهر؛ لأنه جاء خطابًا لموسى وهارون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾، ومن صفاته تعالى الرؤية، فهو سميع بصير.
واسمه البصير ليس اسمًا مجرَّدًا عن المعنى، بل اسم يدلُّ على أنه تعالى ذو بصر نافذ لجميع المخلوقات، والله تعالى ينوع الأدلة على إثبات صفة الرؤية ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾، والله تعالى يرى ما يجري بين الرسل، وأعدائهم المكذبين، يرى ﷾ العباد في مساجدهم، ومحاريبهم، يراك أيها العبد، فاحذر أن يراك ربك حيث نهاك.
وفي ذكر السمع والرؤية في هذه المواطن تثبيت لقلوب الرسل، وأتباعهم، وتقوية لعزمات العابدين، فإذا استحضر العبد وهو يعبد ربه
[ ١٠٥ ]
أن الله يراه، فهذا مقام من مقامات الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» (^١).
ومن الآيات الدالة على الرؤية قوله ﷾: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وفي هذا تهديد للمنافقين بأن ما تعملون سيراه الله، ويراه الرسول، ويراه المؤمنون، وفي آية قبلها ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَّ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٩٤)﴾ [التوبة]، هذه صريحة في المنافقين، فالله يرى أعمال المؤمنين من: صلاتهم، وصدقاتهم وحجهم، وجهادهم، ويرى أعمال الكافرين من: شركهم، وظلمهم، وعدوانهم، وجرائمهم، يرى هؤلاء وهؤلاء.
ومن الصفات التي اشتملت عليها هذه الآيات المتقدمة: صفة المكرِ، والكيدِ، والمكرُ والكيدُ معناهما متقارب، وكذلك المحال ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، يعني: شديد المكر بأعدائه من: الكافرين، والمنافقين، فَمَنْ مَكَرَ اللهُ به فهو المغلوب؛ ولهذا قال ﷾ في الكافرين: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾، وفي قوم صالح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾، فالله يكيد الكافرين والمنافقين، ويمكر بهم، وهو
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٨)، من حديث عمر ﵁.
[ ١٠٦ ]
المراد بالمكر والكيد
المكر والكيد من الناس منه محمود ومذموم
أمثلة لمكر الله بأعدائه
خير الماكرين، والعباد يمكرون ويكيدون، وليس المكرُ كالمكرِ، ولا الكيدُ كالكيدِ، ولكنه تعالى يمكر بأعدائه حقيقة، ويكيدهم حقيقة.
والمكرُ والكيدُ: تدبير خفي يتضمَّن إيصال الضرر من حيث يظن النفع. فالذي يريد أن يمكر يظهر المحبة، ويظهر الإحسان، وهو يتَّخذ ذلك وسيلة للإيقاع بخصمه وعدوه.
والمكر من الناس منه: المحمود والمذموم، فإذا كان على وجه العدل؛ فهو محمود، وإذا كان على وجه الظلم، والعدوان؛ فهو مذموم، فمن المحمود: المكر مجازاة، أو المكر بالكفار بالتدابير الخفية للإيقاع بهم، هذا كله من أنواع الجهاد في سبيل الله؛ ف «الحربُ خَدْعَة» (^١). لكن المكرَ بالمؤمنين بغيرِ حقٍ؛ ظلمٌ وعدوانٌ.
أما مكر الله، فهو كله محمود، وعدل، وحكمة، هو تعالى يمكر بالكافرين مكرًا حقيقيًّا، ويدبر تدبيرًا خفيًّا، يوصل به العقاب من حيث يُظن الإنعام، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُون (١٨٢)﴾ [الأعراف]، الاستدراج هذا هو المكر، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين (١٧٨)﴾ [آل عمران]، إملاء الله للكافرين هو من مكره بهم، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يشتهونه، ويفرحون به ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ أليس هذا مكرًا؟
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩)، من حديث جابر ﵁.
[ ١٠٧ ]
على المسلمين ألا يغتروا بما يعيشه الكفار من مظاهر عز وتقدم ورقي وعليهم السعي فيما ينفعهم
يفتح الله عليهم أبواب المسرَّات، والنعم، والخيرات، ويصبُّ عليهم ما يشتهون حتى إذا فرحوا بما أوتوا أحلَّ بهم النقمة ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُون (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٤٥)﴾ [الأنعام]، إي والله مكر، والآن ما تتمتع به أمم الكفر من الحضارة القائمة، والرقي والتقدم المادي، والسلطان والقوة على سائر أمم الأرض، هذا والله من مكر الله بهذه الأمم الطاغية، فهم يعيشون في مكر من الله، فهذه الفتوح المادية أدَّت بهم إلى الاغترار، والزهو، والغطرسة، والكبرياء، والتسلط، والظلم .. هل انتفعوا بهذه الحضارة؟
لا والله، بل ازدادوا بها إثمًا، «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (^١).
فالواجب على المسلمين ألا يغتروا بما يعيشه الكفار من مظاهر عز، وتقدم، ورقي، وعلوم، ومعارف، وعلى المسلمين أن يسعوا فيما ينفعهم، لكن من غير أن يعجبوا بالكفار، أو يعظموهم، أو يسيروا في ركابهم، أو يقلدوهم في التوافه، وفيما يضر، ولا ينفع.
المقصود أن هذا من مكر الله، ومن مكر الله بالمنافقين أن شرع قبول علانيتهم، فمن أظهر الإيمان، وأبطن الكفر، فقد أمر الله أن نقبل علانيته، ونترك سريرته، فيظن المنافق أن نفاقه قد راج على الله، وأنه بهذا قد خدع الله ﴿يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون (٩)﴾ [البقرة].
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ١٠٨ ]
العفو إنما يكون كمالا مع القدرة؛ ولذا قرن الله العفو بالقدير
ومن الصفات التي اشتملت عليها هذه الآيات المتقدمة صفة: العَفْوَ، والقدرة، ومن أسمائه تعالى العَفُوّ، والقدير، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾، في هذه الآية إثبات اسمين من أسماء الله تعالى العَفُوّ، والقدير، وكل اسم متضمِّن لصفة، فمن صفاته: العفو والتجاوز عن السيئات، وإزالة آثارها، ومن صفاته القدرة.
والعفو إنما يكون كمالًا إذا كان مع قدرة؛ ولهذا قرن الله بين هذين الاسمين العفو والقدير، فعفوه تعالى لا عن عجز، بل مع كمال القدرة.
وهكذا قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾، فيه إثبات اسمين من أسمائه، وهما: الغفور الرحيم.
والغفور صيغة تدل على كثرة مغفرته للذنوب، فهو سبحانه: الغفور، والغفار، وهو غافر الذنب.
وهو الرحيم ذو الرحمة الواسعة، الذي لم يزل موصوفًا بالرحمة، وفي هاتين الآيتين ترغيب في العفو، والرحمة، فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا عفا الله عنه، ومن غفر غفر الله له ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾، ومن سنة الله في الجزاء أن يجازيَ كُلًّا بجنس عمله، ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَان (٦٠)﴾ [الرحمن]، وفي الدعاء الذي علمه النبي ﷺ لأم المؤمنين عائشة حين سألته: أرأيت إن وافقت ليلة
[ ١٠٩ ]
كلما كان حظ الإنسان من الإيمان أكبر كان حظه من العزة والنصر أوفر
القدر ما أقول؟ قال قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني» (^١). فالله يحبُّ لعباده أن يعفو بعضهم عن بعض، وأن يغفر بعضهم لبعض ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾، وهذه الآية نزلت في أبي بكر ﵁ عندما حلف ألا ينفق على مسطح ابن بنت خالته، فلما أنزل الله هذه الآية قال: «بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي»، فَرَدَّ على مسطح نفقته (^٢).
ومن الصفات التي ورد بعض الأدلة والشواهد عليها العزة، فمن صفاته تعالى العزة، والعزة تفسر: بالقوة، والغلبة، ومن أسمائه العزيز، فله العزة جميعا بكل معانيها، وهو الذي منه العزة، فيعز من يشاء، ويذل من يشاء، وقد جعل العزة الحقة للرسول ﷺ، وللمؤمنين، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
وكلما كان حظُّ الإنسان من الإيمان أكبر كان حظه من العزة، والنَصْر، والنجاة أوفر، فاسمه العزيز يدل على صفة العزة، فليس اسمًا محضًا مجردًا خاليًا عن المعنى.
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ١٧١، والترمذي (٣٥١٣) وصححه، وابن ماجه (٣٨٥٠)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٨٧٢ - ٨٧٨)، والحاكم ١/ ٥٣٠، من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشة ﵂، وقال الدارقطني والبيهقي: لم يسمع من عائشة. سنن الدارقطني ٤/ ٣٣٦، والسنن الكبرى ٧/ ١١٨. وصححه النووي في «الأذكار» ص ٢٧٧، وابن القيم في «إعلام الموقعين» ٤/ ٢٩٨. وانظر: العلل للدارقطني ١٥/ ٨٨.
(٢) رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠)، من حديث عائشة ﵂.
[ ١١٠ ]
وقال عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢)﴾ [ص]، فأقسم إبليس بعزة الله، وهدد آدم وذريته بالإغواء، نعوذ بالله من إبليس، وجنوده من شياطين الإنس والجن.
فلله تعالى الغلبة على كل شيء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّين (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز (٢١)﴾ [المجادلة]، وهو سبحانه العزيز - أي -: الذي لا مثيل له، فله تعالى العزة بكل معانيها على أكمل وجه، وإن كان المخلوق قد يسمى عزيزًا، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١]، فله عزة تناسبه، وليس العزيز كالعزيز، ولا العزة كالعزة، فسبحان الله العظيم الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وله المثل الأعلى.
* * * *
[ ١١١ ]
وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء]، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [التغابن]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان]، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (٩٢)﴾ [المؤمنون] [٢٧/ ١]، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٧٤)﴾ [النحل]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُون (٣٣)﴾ [الأعراف].
[ ١١٢ ]
هذه الآيات التي ساقها المؤلف ﵀ تختلف عن الآيات السابقة، فإن هذه الآيات: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾.
هذه الآيات تتضمَّن وصف الله بنفي تلك النقائص عنه سبحانه، فالله موصوفٌ بالإثبات وبالنفي، ومن صفات النفي التي يُوصَف الله بها تعالى أنه منزَّه عن: الولد، والوالد، والكفء، والنِّدِّ، والشريك، والولي من الذل.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيه نفي الولد، ونفيُ الولد نَجده في القرآن كثيرًا كما في هذه الآيات التي فيها التنديد بالذين ينسبون إليه الولد، وذلك لأن كثيرًا من الأمم نسبوا إليه ذلك تعالى الله عمّا يقولون، فاليهود قالت: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله؛ ولهذا كثر التنديد بمقالتهم ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُون (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُون (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون (١٥١)﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُون (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِين (١٥٦)﴾ [الصافات]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ
[ ١١٣ ]
هذه الآيات ساقها المؤلف للاستشهاد بها على الصفات السلبية
وَلَهُ الأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم]. توبيخٌ لهم وتقريعٌ وإفحامٌ، وأنه لا حجَّة لهم من عقلٍ ولا شرعٍ ولا حسٍّ، ما هو إلا الكذب والافتراء الذي زينه الشيطان لهم.
وكل من أشرك مع الله غيره فقد جعل له مثلًا، وجعل له ندًّا؛ ولهذا أنكر الله عليهم ذلك ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ لا تجعلوا له أشباهًا، ونظراء؛ فإنه لا نظير له، لا تجعلوا له أندادًا في العبادة، فإنه الإله الحق الذي لا يستحقُّ العبادة سواه، فلا مثيل له في ذاته، ولا في صفاته، ليس كمثله شيء.
وهذه الآيات الغالب فيها النفي، وإن كان فيها إثبات، لكن الشيخ ﵀ ساقها للاستشهاد بها على الصفات السلبية، فالله تعالى موصوفٌ بنفي النقائص، والعيوب، كنفي الشريك، ففي القرآن: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٤٣)﴾ [الطور] ونفي الولد، والصاحبة ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن]، ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ونفي المِثْل ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٧٤)﴾ [النحل]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
فذمَّ ﷾ الذين اتخذوا من دون الله أندادًا في المحبة يحبونهم كحبهم لله.
والسمي، والندّ، والكفء أو الكفو، والمثل؛ كلها ألفاظ متقاربة تفسر بالمثل، والشبه، والشبيه، والنظير، فإنه ﷾ لا سمي له، ولا كفو له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه، ونفي هذه النقائص يستلزم إثبات
[ ١١٤ ]
معنى كلمة (تبارك)
الكمال، وتفرُّده به، فهو ﷾ المتفرد بربوبيته، وإلهيته، وأسمائه، وصفاته، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، نفى الولد، ونفى الإله، لو كان مع الله إله آخر لكان للإله خلق، ولانفرد، وذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولكنه ما ثَمَّ إلا إله واحد، هو الإله الحق، وكل ما يعبد من دون الله فهو معبود بالباطل.
فليس في الوجود إله حق إلا الإله الواحد ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، لا إله إلا الله: أصل دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، لا إله إلا الله: نفي لإلهية ما سوى الله، وإثبات الإلهية له تعالى، ولا يتحقق التوحيد إلا بذلك بإثبات الإلهية له، ونفي الإلهية عما سواه، ثم تخصيصه بالعبادة، وعبادته تعالى وحده، وترك عبادة ما سواه ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾.
تبارك: هذه الكلمة تدل على التنزيه، والتقديس، تنزيه الله تعالى، وتقديسه عن كل النقائص، والعيوب من: الشركاء، والأنداد، والأولاد.
وفيها: الدلالة على أنه تعالى ذو الخيرِ، والبركةِ، والبركةُ: هي الخير الكثير، وهو ﷾ الذي بيده الخير، وهو الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا.
[ ١١٥ ]
بركة الله ﷾ ذاتية، وبركة المخلوق موهوبة
تبارك لا يجوز أن تطلق على غير الله فلا يقال: تباركت علينا يا فلان
وتبارك: تدلُّ على أن بركته تعالى ذاتيَّة ليست مكتسبة، أما المخلوق فما يكون فيه من بركة، فهي بركة موهوبة.
قال الله عن عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مريم: ٣١]، فالعبد يكون مباركًا، ولا يقال في العبد: إنه تبارك، لا تقل: فلان تبارك، كما يجري على ألسنة بعض الناس يقولون: تباركت علينا يا فلان، أو تبارك هذا الشيء، تباركت هذه السلعة، أو هذه الدار .. هذا غلط، والصواب أن تقول: هذه سلعة مباركة، وهذه دابة مباركة، وسيارة مباركة، وهذا شيء مبارك، وما إلى ذلك .. (^١) فالله يجعل البركة فيما شاء من خلقه، أما الله تعالى فبركته ذاتية له، فهو الذي يوصف بأنه تبارك، يقال: تبارك الله أحسن الخالقين، تبارك الله رب العالمين، تبارك الذي نزل الفرقان على عبده.
ف (تبارك) لا تضاف إلا إلى الله، أو إلى اسم من أسمائه، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن].
وتقدَّم (^٢): أن القاعدة فيما يُوصَف الله به من النفي: أن يكون مجملًا لا مفصلًا، وهذا هو الغالب، وقد يأتي النفي مفصلًا؛ فنفي الكفء، والندّ، والسمي، والمثل؛ كل هذا من قبيل النفي المجمل؛ لأنه نفي مطلق عام، فلا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذا نفي مجمل.
_________________
(١) المحرر الوجيز ٦/ ٤١٦، وبدائع الفوائد ٢/ ٦٨٠، والإتقان في علوم القرآن ٢/ ١٨٨، وفتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ٢٠٧، وأضواء البيان ٦/ ٢١٩، والفتاوى والدروس في المسجد الحرام ص ١٢٩.
(٢) [ص ٤٤].
[ ١١٦ ]
قد يأتي النفي في الصفات مفصلا كنفي الولد والنوم والسنة والصاحبة
كل نفي يوصف الله به فهو متضمن لإثبات كمال ضده
أما نفي الولد، ونفي النوم والسِّنة، ونفي الصاحبة؛ فهذا من النفي المفصَّل.
وكلُّ ما يُوصَف الله به من النفي؛ فإنه متضمِّن لإثبات كمال، فنفي السِّنة والنوم؛ يتضمَّن إثبات كمال حياته، وقيوميَّته.
ونفي الضلال والنسيان ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه] يتضمن إثبات كمال علمه.
ونفي الغفلة عنه تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِين (١٧)﴾ [المؤمنون]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون (١٢٣)﴾ [هود] يتضمَّن كمال علمه، فلِكمال علمه سبحانه لا يغفُل.
ونفي الشريك يتضمن كمال تفرده ﷾ في ربوبيته، وإلهيته؛ فهو الواحد، وهو الأحد، وهو الإله الذي لا شريك له ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ نَفَى الولد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ لا شريك له في ملكه، ولا شريك له في شيء من: أسمائه وصفاته سبحانه.
ونفي الولي من الذل يتضمَّن كمال عزَّته، وكمال قوَّته، وقدرته. ووَلايتُهُ لأوليائه لم تكن لحاجة وذلٍّ يلحقه تعالى وتقدَّس؛ بل هو القوي العزيز، وهو القدير المقْتدِر؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء]، عَظِّم ربك تعظيمًا بالقول، وبالفعل؛ فهو الكبير المتعال، وهو أكبر من كل شيء، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
[ ١١٧ ]
معنى الفواحش والبغي
ومن الآيات التي ساقَها المؤلِّف قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
الفواحش: الفَعْلات المنكرة البالغة في القبح غايته، وتستفحشها، وتستقبحها الفطر السليمة، والعقول المستقيمة.
والبغي: ظلم الخلق.
﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ ولعل هذا هو الشاهد، فتحريم الشرك بالله يتضمَّن نفي الشريك كما أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ نهيٌ عن جعل الأنداد لله؛ لأنه لا ندَّ له، فلما كان تعالى لا ندَّ له حَرَّم على عباده أن يتَّخذوا له أندادًا؛ لأن ما يتَّخذونه أندادًا، وشركاء هي ليست أندادًا، ولا شركاء إلا في زعم المشركين وظنهم، وإلا فهي مخلوقات مربوبة ناقصة عاجزة.
المقصود أن هذه الآيات ساقها المؤلف استشهادًا على أنه تعالى: موصوف بالإثبات، والنفي، وأن الله جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فنجد بعض الآيات فيها إثبات، وبعضها فيها نفي فقط، وبعضها يجمع الله فيها بين النفي والإثبات، وكل إثبات فإنه يتضمَّن نفي ضده.
فإثبات العلم يستلزم نفي الجهل، والنسيان، والضلال، والغفلة، ونفي هذه الأشياء يتضمن كمال العلم، وهكذا نجد أن أساليب القرآن في وصفه تعالى متنوعة كثيرًا، مجملةً، ومفصلةً، ونصوص الصفات هي أكثر ما في القرآن.
[ ١١٨ ]