وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣)﴾ [المطففين]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد (٣٥)﴾ [ق]. وهذا البابُ في كتابِ اللهِ تعالى كثيرٌ، مَنْ تدبَّرَ القرآن طالبًا للهدى منه؛ تَبينَ له طريق الحق.
وهذه الآيات ختم بها المؤلف ﵀ ما أورده من النصوص القرآنية الدالة على إثبات صفات الرب ﷾، وهي النصوص الدالة على إثبات رؤية العباد لله تعالى، وهذه مسألة كبيرة ضلَّ فيها كثير من الطوائف، ووفَّق الله للحق فيها وغيرها أهل السُّنة والجماعة، ومسألة الرؤية داخلة في مسائل الصفات.
والمعطلة: يقولون إنه تعالى لا يرى (^١).
وأهل السُّنة والجماعة يؤمنون بما دلَّ عليه الكتاب والسُّنة: من أنه تعالى يرى بالإبصار، يراه من شاء من عباده، وقد دلَّت النصوص على
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٥٦ و١٠/ ٦٩٥، ومنهاج السنة ٢/ ٣١٥، وحادي الأرواح ٢/ ٦٠٥.
[ ١٤٧ ]
(نظر) يأتي متعديا (بنفسه)، وب (في) وب (إلى)
أن المؤمنين يرونه يوم القيامة في الجنة، وفي عَرَصات القيامة، ومن هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ ناضرة: بهية حسنة مشرقة، وهي: وجوه أولياء الله المؤمنين يوم القيامة.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ مِنْ النظر بالبصر؛ يعني: تنظر إلى ربها بأبصارها.
ونظر: يأتي متعديًا (بنفسه)، ومتعديًا ب (فِي)، ومتعديًا ب (إلى) (^١)؛ فالمتعدي بنفسه بمعنى الانتظار قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُور (٢١٠)﴾ [البقرة]، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] بمعنى: هل ينتظر هؤلاء الكفَّار إلا تأويل ما وعدوا به.
والمتعدي ب (في)، بمعنى التفكر ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، يعني: أولم يتفكروا، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨].
أما المتعدي ب (إلى)، فهو بمعنى نظر العين، تقول: نظرت إلى كذا، يعني: بعيني، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوج (٦)﴾ [ق].
فهذه الآية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ هي أدلُّ دليل على إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى.
ومن الأدلَّة ما توعَّد الله به الكفار المكذبين بقوله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم
_________________
(١) تهذيب اللغة ١٤/ ٣٧١، وحادي الأرواح ٢/ ٦٢٣.
[ ١٤٨ ]
الزيادة والمزيد هي النظر إلى وجه الكريم سبحانه
(١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون (١٧)﴾ [المطففين]، فتهديد الكافرين بحجبهم عن ربهم؛ يدلُّ على أن المؤمنين بخلاف ذلك، وأنهم يرون الله سبحانه، فلو كان المؤمنون لا يرونه لما كان بينهم وبين المكذبين فرق، ولو كان تعالى لا يرى البتة كما تزعم المعطلة؛ لما كان في هذا الوعيد فائدة؛ لأن الرؤية على قولهم مستحيلة؛ فالكل محجوب.
ومن الأدلة القرآنية على إثبات الرؤية قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾، وقد جاء تفسير: الزيادة (^١) والمزيد (^٢) بأنه: النظر إلى وجهه الكريم ﷾، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾: الجنة، وزيادة عظيمة هي نظرهم إلى وجهه الكريم ﷾، وفي الدعاء المأثور: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك» (^٣). نسأله تعالى أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم.
_________________
(١) روى مسلم (١٨١) عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ: يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجِّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿، ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾». وانظر: تفسير ابن كثير ٧/ ٤٠٧.
(٢) قال ابن القيم في «حادي الأرواح» ٢/ ٦١٧: قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله ﷿، وقاله من التابعين: زيد بن وهب وغيره. وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/ ٥١٩.
(٣) رواه أحمد ٤/ ٢٦٤، والنسائي ٣/ ٥٤، وصححه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ١٢، وابن حبان (١٩٧١)، والحاكم ١/ ٥٢٤، من حديث عمار ﵁. ورواه أحمد ٥/ ١٩١، وصححه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ١٤، والحاكم ١/ ٥١٦، من حديث زيد بن ثابت ﵁.
[ ١٤٩ ]
بطلان استدلال المبتدعة بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وبيان أنه دليل عليهم
تحري المؤلف ختم نصوص القرآن بالرؤية وسبب ذلك
هذه أظهر الآيات التي يستدل بها على إثبات رؤية العباد لربهم ﷾، وهناك أدلة منها قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والمعطلة يتمسكون بهذه الآية، ويقولون: لا تدركه الأبصار: لا تراه الأبصار، ثم يحرفون الآيات الأخرى، وهذه الآية التي يحتجون بها على نفي الرؤية، هي حجة عليهم؛ لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، فمعنى قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أي: لا تحيط به الأبصار؛ لكمال عظمته ﷾، ونفي الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية من غير إحاطة؛ إذ لو كان لا يرى مطلقًا لما كان لنفي الإحاطة وهو المعنى الخاص فائدة، فنفي الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية من غير إحاطة.
فكانت الآية التي يستدل بها المعطلة على نفي الرؤية دليلًا عليهم لا لهم (^١).
ولعل الإمام ابن تيمية تعمَّد هذا الترتيب وتحرَّاه، وهو أنه ختم هذه النصوص التي أوردها من القرآن على إثبات صفات الرب، مما يحقق للعباد معرفتهم بربهم، فنحن عرفنا ربنا بأسمائه وصفاته، وذلك بما أنزله في كتابه، وبلَّغه رسوله ﷺ، فيحصل للعباد في هذه الحياة العلم بربهم، لكنه علم من غير إحاطة ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]، ففي الدنيا العباد لا يرونه، ويوم القيامة يرونه، فيجتمع لهم العلم الذي في قلوبهم، والرؤية له تعالى بأبصارهم، فكأن الإمام ابن تيمية في إيراد هذه الآيات في هذا الموضع ينبه إلى أن رؤية العباد لربهم غاية لهم،
_________________
(١) منهاج السنة ٢/ ٣١٧، وبيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٠٤، وحادي الأرواح ٢/ ٦١٨.
[ ١٥٠ ]
فتتوق نفوسهم إلى النظر إلى وجهه الكريم، بعد أن عرفوه في الدنيا بأسمائه، وصفاته، كما علَّمهم، فإنه تعالى يتمم هذا لأوليائه يوم القيامة، ويكشف الحجاب لهم؛ فينظرون إليه، وذلك غاية نعيمهم، فلا يلتفتون إلى شيء مع نظرهم إليه ﷾ (^١).
وفي النهاية يقول المؤلف: وهذا باب واسع، يعني: النصوص الدالَّة على أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، مما يورث العلم بالله، باب واسع، مَنْ تدبر هذه النصوص؛ تبين له طريق الحق، فتَدَبُر القرآن هو سبيل العلم النافع، وهو الطريق لمعرفته ﷾ المعرفة الصحيحة؛ فإن العقول لا تستقل بمعرفته، غاية ما تحصله العقول المعرفة الإجمالية، أما معرفة أسماء الله، وصفاته على التفصيل، فلا سبيل للعقول إلى ذلك، وإنما طريق العلم في ذلك هو ما جاءت به الرسل.
فرحم الله الإمام ابن تيمية على هذه العناية العظيمة، فقد يقول بعض الناس: إنه أسهب وأكثر، لكن المقام جدير بالعناية، فنصوص الصفات في القرآن ليست محدودة قليلة في موضع، أو اثنين، أو ثلاثة، بل هي كثيرة جدًّا، فهذه الآيات التي ساقها هي قليل من كثير.
فاقرأ أيَّ سورة تجد فيها من إثبات أسمائه، وصفاته، وأفعاله.
وانظر السورة الجامعة لمضمون القرآن كله سورة الفاتحة، وكيف أنها صدرت ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ
_________________
(١) سيأتي الكلام على الرؤية أيضًا في [ص ١٧١].
[ ١٥١ ]
الانتفاع بالقرآن لا يحصل بمجرد التدبر بل لا بد من صحة النية وكون القصد من التدبر طلب الهدى
الدِّينِ (٤)﴾، هذه الآيات الثلاث، فيها جماع أسماء الرب، وصفاته، لكن على سبيل الإجمال.
وفي قول الشيخ: «من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه»: تنبيه إلى أن الانتفاع بالقرآن، وحصول المعرفة، وظهور الحق لا يحصل بمجرد التدبُّر بل لا بد من صحة النية، وسلامة القصد، وذلك بأن يكون القصد من التدبر طلب الهدى والفرقان بين الحق والباطل.
* * * *
[ ١٥٢ ]