ومن الإيمان به وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، وأن الله تكلم [به] (^١) حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة، فإن الكلام إنما [٢٩/ ٢] يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، [وهو كلام الله؛ حروفه ومعانيه؛ ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف] (^٢).
هذا الفصل من أعظم فصول هذه العقيدة أهمية؛ لأنه يتعلق بقضية كبرى ألا وهي مسألة كلام الله التي اضطرب فيها الناس، واختلف فيها أهل الضلال، وهدى اللهُ إلى الحق فيها أهلَ السنة والجماعة، وهذه المسألة هي التي نشأت عنها الفتنة الكبرى فتنة القول بخلق القرآن،
_________________
(١) لا توجد في (ب).
(٢) زيادة من (م).
[ ١٩١ ]
والمحنة بذلك في خلافة المأمون حتى حُمل الناس على هذه البدعة بالقوة، وامتحن العلماء، وعلى رأسهم إمام أهل السنة الإمام أحمد ﵀.
يقول الشيخ ﵀: «ومن الإيمان به وبكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله»: القرآن الكتاب المبين الحكيم العظيم، هذا القرآن هو كلام الله حقيقة تكلم به سبحانه وسمعه منه جبريل، وبلغه إلى محمد ﷺ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء] وهذا هو المعقول؛ فكل عاقل إذا سمع إضافة الكلام إلى متكلم عَقَلَ أنه كلامه، وقال: هذا كلام فلان.
فالقرآن العظيم هو المكتوب في المصاحف المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس، وهو محفوظ في الصدور ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
يقول الشيخ: «القرآن كلام الله منزل» قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، هذه هي عقيدة أهل السنة في القرآن أنه منزل غير مخلوق، بل هو صفة من صفات الله.
فالكلام صفة الله، والقرآن من كلام الله، تكلم به سبحانه، منزل غير مخلوق خلافًا للجهمية والمعتزلة ومن شابههم من القائلين بأن هذا القرآن مخلوق، وأن الله لا يتكلم فالقرآن ليس كلامه حقيقة، وإن أضيف إليه فهو من إضافة المخلوق إلى خالقه، ويقولون: القرآن كلام الله؛ لكنه ليس على معنى أنه تكلم به؛ بل على معنى أنه خلقه، وقد صرح
[ ١٩٢ ]
معنى قول أهل السنة في القرآن: «وإليه يعود»
الله ﷾ بإضافة القرآن إليه وأنه كلامه ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦].
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥].
والمعطلة من الجهمية والمعتزلة يقولون: هذا القرآن مخلوق خلقه الله إما في الهواء أو في نفس جبريل أو كيفما كان (^١)، وأهل السنة يؤمنون بأنه كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق منه بدا - أي -: ظهر القرآن من الله، وسُمع من الله كلامًا تكلم به سبحانه كيف شاء.
فالله يتكلم بالوحي كيف شاء، ويتلقاه عنه من شاء من ملائكته، وجبريل هو الموكل بالوحي كما في آيات كثيرة منها: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣)﴾ [الشعراء]، وجبريل هو الروح الأمين، بل قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين (٢١)﴾ [التكوير].
وقول الشيخ: «وإليه يعود»: يشير إلى رفعه في آخر الزمان حين يرفع القرآن من المصاحف والصدور كما جاء ذلك في كثير من الآثار (^٢)؛
_________________
(١) انظر: [ص ١٣٨].
(٢) انظر جملة منها في: مصنف عبد الرزاق ٣/ ٣٦٢، ومصنف ابن أبي شيبة ١٥/ ٥٢٨، وسنن الدارمي ٢/ ٨٩٥، والدر المنثور ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٦. وذكر شيخ الإسلام في «مناظرة الواسطية» ٣/ ١٧٤: أن الحافظ أبا الفضل بن ناصر، والحافظ أبا عبد الله المقدسي جمعا ما في ذلك من الآثار عن النبي ﷺ، والصحابة، والتابعين.
[ ١٩٣ ]
لا يجوز إطلاق القول أن القرآن حكاية عن كلام الله أو عبارة
لأنه قرب قيام الساعة يُقبض المؤمنون، فلا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله (^١).
وهذا معنى قول أهل السنة: وإليه يعود. إذًا: القرآن هو كلام الله حقيقة لا مجازًا، والذين ينفون الكلام عن الله مطلقًا يقولون: إنه ليس كلام الله حقيقة بل إضافته إليه من قبيل إضافة المخلوق إلى خالقه.
يقول الشيخ: «ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة»: هذه إشارة إلى مذهب الأشاعرة، فالأشاعرة يقولون: إن كلام الله معنى واحد نفسي قديم قائم بالرب ليس بحرف ولا صوت، وأما ما يسمعه الملائكة، أو يسمعه الأنبياء، أو هذا القرآن، أو غيره من الكتب، هذه الألفاظ عبارة أو حكاية قد يعبرون بهذا أو هذا، وقولهم: عبارة أي: تعبير عن كلام الله ليس القرآن كلام الله حقيقة، بل هو مجاز، تعالى الله عما يقول الجاهلون والغالطون علوًا كبيرًا، إنهم بذلك يشبهون الله بالأخرس الذي تكون في نفسه المعاني، ويعبر عنها من يفهم إشارته عن المعنى الذي فهمه منه.
ولهذا أشار الشيخ إلى بطلان قول هؤلاء بقوله: «ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة»: لا بل هو كلام الله حقيقة، والكلام إنما يُضاف إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، فلا يقال: إن القرآن كلام محمد، هذا قول الكفار ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر (٢٥)﴾ [المدثر]، لا يقال: إنه كلام محمد ﷺ، أو كلام بشر، أو إنه كلام جبريل؛
_________________
(١) روى مسلم (١٤٨) عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله». وفي رواية: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله».
[ ١٩٤ ]
أضيف القرآن بلفظ القول إلى جبريل ومحمد ﷺ إضافة بلاغ
لأن الكلام وإن كان جبريل قد بلَّغه ومحمد ﷺ قد بلغه، وقد أضيف إليهما القرآن بلفظ القول ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ كلمة رسول تنبئ أن إضافة القول للرسول إضافة تبليغ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾، وقد أضيف إلى جبريل كما في آية التكوير ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩)﴾ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩)﴾ [التكوير]، وأضيف إلى محمد ﷺ وهو الرسول البشري في سورة الحاقة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُون (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُون (٤١)﴾ [الحاقة].
وهذا يمنع أن يقال: إنه قول جبريل ابتداء؛ ابتدأه جبريل، أو أنه ابتدأه محمد؛ لأنه قد أضيف إليهما، فلا يجوز أن يكون كل منهما ابتدأه، كلا بل كلٌ منهما بلغه، فإضافة القرآن إلى جبريل الرسول من الملائكة، أو إلى محمد وهو الرسول من البشر إضافة تبليغ كما ينبئ عن ذلك لفظ رسول، إذًا: الكلام ليس كلامه، بل كلام مرسِلِه.
ولهذا جاء التنصيص على أنه كلام الله، وقد أجمع أهل السنة على أن القرآن كلام الله؛ لأن من ينفي أن يكون القرآن كلام الله حقيقة، وأنه مخلوق إنما يقول ذلك بناء على أصله الفاسد، وهو أن الله لا يتكلم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وتقدم (^١) أن نفي الكلام عن الله تنقص لرب العالمين، وأن الله بيَّن لبني إسرائيل بطلان إلهية العجل بأنه لا يتكلم، ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين (١٤٨)﴾ [الأعراف].
_________________
(١) [ص ١٣٩].
[ ١٩٥ ]
الجهمية والمعتزلة يقولون: القرآن ليس كلام الله حروفه ومعانيه بل الكل مخلوق
الأشاعرة يقولون في القرآن: المعنى كلام الله، والحروف معبر بها عن تلك المعاني
أهل السنة يقولون: القرآن كلام الله حروفه ومعانيه
وختم الشيخ هذا الفصل بقوله: «فالقرآن هو كلام الله حروفه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف»:
والجهمية والمعتزلة نفاة الكلام مطلقًا يقولون: القرآن ليس كلام الله حروفه ومعانيه، بل الكل مخلوق، وأما الأشاعرة فيقولون: المعنى كلام الله، أما الحروف فهي مُعبَّرٌ بها عن تلك المعاني، والحق أن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هذه الآية تكلم الله بها كيف شاء، وتلقاها عنه الرسول الكريم جبريل ﵇، وبلغها للرسول الكريم من البشر محمد ﷺ.
وهكذا، فالقرآن كله من الله حقيقة حروفه ومعانيه، وهكذا سائر الكتب المنزلة هي كلامه ﷾ يعني -: قبل التحريف، فقد أنزل الله على موسى التوراة، وأنزل الإنجيل على عيسى، وقَرَن الله في كتابه بين الكتب الثلاثة بقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران]، أي: هذا الكتاب.
هذا ما يتعلق بهذا الفصل، وهو فصل ضمَّنه الشيخ ﵀ تقريرًا وافيًا للمذهب الحق - مذهب أهل السنة والجماعة - في القرآن، وهو منافٍ للمذاهب الباطلة.
* * * *
[ ١٩٦ ]