ويأمرون بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمرِّ القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قول النبي ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا» (^١).
ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين، وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بحق، أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفسافها.
وهذه الجملة هي نوع تفصيل لما تقدم أن من طريقتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمعروف اسم جامع لكل ما أمر الله به من الواجبات أو المستحبات، فيأمرون بالواجبات على وجه الإلزام، ويأمرون بالمستحبات على وجه الندب والترغيب.
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٢٥٠، وأبو داود (٤٦٨٢)، وصححه الترمذي (١١٦٢)، وابن حبان (٤٧٩)، والحاكم ١/ ٣، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٧٨ ]
فمن ذلك: أنهم «يأمرون بالصبر عند البلاء» يأمرون بالصبر على المصائب والأقدار المؤلمة؛ لأن هذا الذي أمر الله به عباده ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (٤٦)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور (٥)﴾ [إبراهيم].
فأثنى الله في كتابه على الصابرين والشاكرين، وهذا شأن المؤمن قال الرسول ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له» (^١).
«ويعتقدون معنى قول ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا»»: فهم يتخلَّقون بالأخلاق الفاضلة، ويأمرون بها غيرهم، ومكارم الأخلاق: الأخلاق الكريمة، والأعمال الحسنة الجميلة.
«ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى اليتامى، والمساكين ..»: كما أمرهم الله بذلك ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء].
فمن منهجهم، وأخلاقهم الإحسان إلى اليتامى والمساكينِ وابن السبيل، والرفقِ بالمماليك، والرفقِ بالخدم والعمالِ، والخدمُ والعمَّالُ
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٩٩)، من حديث صهيب ﵁.
[ ٢٧٩ ]
من جنس المماليك من حيث إنهم مُستخدَمون، فيجب الرفق بهم والإحسان إليهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، وأداء حقوقهم، وقد كثر الخدم عند الناس اليوم، وكثيرًا ما يتعرَّضون للظلم ممن هم تحت ولايته وكفالته، فيجب التآمر بالرفق بهم، والإحسان إليهم.
«وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق»: ينهون عن التفاخر والتعاظم قال النبي ﷺ: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» (^١).
فأهل السنة ينهون عن الفخر والخيلاء والبغي على الخلق، والبغيُ عليهم يعني: بظلمهم في أنفسهم، أو أموالهم، والاعتداء عليهم في ذلك.
والاستطالة: التطاول، والتعاظم على الخلق بحق أو بغير حق، حتى وإن كان لك حق على أحد فلا تتطاول عليه، ولا تتسلط عليه، فالتطاول فيه تعاظم وتسلط بسبب أنك تزري عليه.
«ويأمرون بمعالي الأخلاق»: هذا قريب من الذي تقدم يعني: بالأخلاق العالية، فالأخلاق الكريمة عالية فاضلة فيأمرون بالصدقة، وبذل المعروف، وطلاقة الوجه، والسلام، وعيادة المريض وغيرها.
«وينهون عن سفسافها»: رديء الأخلاق، وحقيرها كالبخل، والجبن.
* * * *
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٦٥)، من حديث عياض بن حمار ﵁.
[ ٢٨٠ ]
الفرقة الناجية هي المتمسكة بالإسلام المحض
المنهج العام لأهل السنة، وحقيقته
وكل ما يقولونه، ويفعلونه من هذا، أو غيره؛ فإنما هم فيه مُتَّبِعُونَ للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام [الذي] (^١) بعث الله به محمدًا ﷺ، [٣٥/ ١] لكن لما أخبر ﷺ: «أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» (^٢). وفي حديث عنه أنه قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه، وأصحابي» (^٣).
صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال (^٤): الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة، [الذين] (^٥) قال فيهم
_________________
(١) من (م) و(ب)، وفي (ظ): التي.
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٣٠].
(٣) تقدم تخريجه في [ص ٣٠].
(٤) في (ب) زيادة: وفيهم.
(٥) في (ظ): التي.
[ ٢٨١ ]
النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة» (^١).
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. والحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله، وسائر المرسلين والنبيين، وآلِ كلٍ وسائر الصالحين (^٢).
يقول الشيخ: إن أهل السنة في «كل ما يقولونه ويفعلونه .. فإنما هم فيه متبِعُون للكتاب والسنة»، يأمرون بما أمر الله به، وبما أمر به رسوله ﷺ، وينهون عما نهى اللهُ عنه ورسولُه ﷺ، فهم في كل ذلك متبعون، لا مبتدعون، ولا متبعون لأهوائهم.
يقول الشيخ: «وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ»: هذا إجمال تام لما سبق، فطريقة أهل السنة والجماعة هي دين الإسلام الجامع لكل العقائد الصحيحة، والعلوم النافعة والأعمال الصالحة كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٣٠].
(٢) في (ظ): تمت - والحمد لله - في عشي يوم الجمعة في أوائل العشر الوسط لرمضان المعظم سنة ست وثلاثين وسبعمائة بالمدرسة الظاهرية داخل دمشق المحروسة على يدي معلقها محمد بن محمد بن محمد بن علي بن عبد الرحمن … لطف الله به وعفا عنه، وجعله من أهل السنة والجماعة لا رب غيره ولا مولى سواه.
[ ٢٨٢ ]
أهل الفرقة الناجية على مراتب كثيرة وهم إجمالا طبقتان
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون (٣٣)﴾ [التوبة]، طريقتهم هي دين الإسلام، والمنتسبون للإسلام كثير، وقد أخبر ﷺ «أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار» كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ قال: «كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» وفي لفظ: قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (^١).
فكل هذه الفرق تنتسب للإسلام، فما الفرقة الناجية؟
هي المستمسكة بالإسلام المحض الخالص، وفي هذا عَلَمٌ من أعلام نبوته ﷺ فقد أخبر عن افتراقها، ووقع كما أخبر.
يقول الشيخ: «صار المتمسكون بالإسلام المحض»: الإسلام الخالص الذي لم يخلط بالبدع الاعتقادية أو العملية، فالمتمسكون بالإسلام المحض خالصًا عن الشوب، وعمّا وقعت فيه الفرق المنحرفة هم أهل الكتاب والسنة، هم الفرقة الناجية المنصورة، وهذه الفرقة أهلها درجات ليسوا على مرتبة واحدة، بل هم على مراتب كثيرة.
وطبقات الأولياء إجمالًا طبقتان (^٢): مقربون، وأصحاب يمين، أو سابقون، ومقتصدون.
فالمقربون السابقون: هم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وفضول المباحات.
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٣٠].
(٢) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١١/ ١٧٦.
[ ٢٨٣ ]
والمقتصدون: هم الذين أدَّوا الواجبات، واجتنبوا المحرمات.
فأهل السنة والجماعة مراتب فيهم: الصديقون، والشهداء، والصالحون، والصديقون هم أعلى طبقات الأولياء بعد الأنبياء، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء].
والصديق هو: المبالغ في الصدق، أو هو: كثير الصدق والتصديق، والصديق المطلق في هذه الأمة هو أبو بكر ﵁، وصار هذا الوصف ملازمًا له، وعلمًا عليه، وإلا فالصديقية ليست مقصورة عليه.
«ومنهم أعلام الهدى»: يعني: فيهم الأئمة الذين يهتدى بهم، يشبهون بالأعلام، أي: الجبال، وعلامات الطريق التي يهتدى بها.
«ومصابيح الدجى»: التي يستضاء بها في حنادس الظلام.
ففي أهل السنة أئمة هداة يُهتدى بهم في علمهم وعملهم، على مراتب ففيهم: أئمة متبوعون، وعباد صالحون تابعون،
فالصحابة سبق الحديث عنهم، وأنهم مفضَّلون تفضيلًا مطلقًا على من بعدهم، والتابعون لهم بعد ذلك هم أهل السنة والجماعة، الذين لزموا الأصول المتقدمة، واقتفوا واتبعوا آثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فهؤلاء على مراتب: التابعون، وتابعوهم، وتابعوهم إلى يوم القيامة.
[ ٢٨٤ ]
لا يصح في الأبدال حديث
معنى الأبدال صحيح واقع
يقول الشيخ: «وفيهم الأبدال»: وهذا اللفظ ورد في بعض الأحاديث (^١)، ولكن ذكر شيخ الإسلام (^٢) وغيره: أنه لم يصح حديث الأبدال.
لكن معنى الأبدال (^٣) صحيح واقع، والمراد بالأبدال: العلماء العاملون والعُبَّاد الصالحون الذين يخلف بعضهم بعضًا، كلما مات عالم قام بدله، وكلما مات عابد خلفه من بعده، هؤلاء أبدال، وجاء في الحديث: «لا يزال الله ﷾ يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته» (^٤).
فالصالحون والأئمة لا يزالون، وإن كان في آخر الزمان يقل العلم ويثبت الجهل، و«الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال وإنما يقبض العلم بقبض العلماء» (^٥). ولكن هذا لا يعني أنه ينقطع وينصرم، وإن قل، فحجة الله قائمة على عباده إلى أن يأتي أمر الله ﵎.
ولهذا نبَّه الشيخ إلى هذا المعنى بقوله: إن هذه الطائفة لا تزال كما أخبر الرسول ﷺ.
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ١١٢ و٥/ ٣٢٢، من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وانظر: المنار المنيف ص ١٣٦، وكشف الخفاء ١/ ٢٤.
(٢) مجموع الفتاوى ١١/ ١٦٧ و٤٣٣ و٤٤١.
(٣) انظر: جامع المسائل ٢/ ٦٧.
(٤) رواه أحمد ٤/ ٢٠٠، وابن ماجه (٨)، وابن حبان (٣٢٦)، من حديث أبي عنبة الخولاني ﵁. وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٤٤٢).
(٥) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٢٨٥ ]
مفهوم أهل السنة والجماعة أوسع من مفهوم الفرقة الناجية
قول النبي ﷺ: «لا تزال طائفة» المقصود جنس الطائفة
وعندي أن مفهوم أهل السنة والجماعة أوسع من مفهوم الفرقة الناجية، فالفرقة الناجية المنصورة، هم أهل السُّنة والجماعة، لكن في أهل السُّنة السابقون، والمقتصدون، وفيهم الظالم لنفسه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير (٣٢)﴾ [فاطر] لكن المتمسِّكون بالإسلام المحض علمًا وعملًا ظاهرًا وباطنًا، هم الفرقة الناجية المنصورة، التي أخبر بها الرسول ﷺ، وأخبر أنها لا تزال في قوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق» (^١) لا تزال هذا يدل على الاستمرار، والمقصود جنس هذه الطائفة، وإلا فهي أجيال تنقرض، ويخلفهم آخرون.
«لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة»، وفي لفظ: «حتى يأتي أمر الله ﵎».
والساعة هنا فُسِّرت بقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان عند قرب قيام القيامة الكبرى، فإنه تعالى يرسل ريحًا فتقبض أرواح المؤمنين، فتخلو الأرض من الخير، ولا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة (^٢).
فهذه الطائفة مستمرة إلى أن يأتي أمر الله ﵎، ويأتي الأجل الذي قدَّره الله لبقاء هذا الدين، وبقاء حملته، فنسأله ﷾ أن يجعلنا بمَنِّه وكرمه من هذه الطائفة، وأن يثبِّتنا على دينه، وأن يرزقنا الاستقامة
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٣٠].
(٢) رواه مسلم (١٩٢٤)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٢٨٦ ]
على الحق، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالِّين ولا مضلِّين، ونسأله تعالى أن يعصمنا من مضلَّات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا.
* * * *
[ ٢٨٧ ]