إثبات النزول والفرح والضحك والعَجَب والقَدَم
ثم سنَّة رسول الله ﷺ؛ فالسُّنة تفسِّر القرآن وتبيِّنه، وتدلُّ عليه، وتعبِّر عنه، وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقَّاها أهل المعرفة بالقبول؛ وجب الإيمان بها كذلك.
مثل قوله ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه (^١). وقوله ﷺ: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته ..». الحديث متفق عليه (^٢) وقوله ﷺ: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنة» متفق عليه (^٣).
_________________
(١) البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) البخاري (٦٣٠٨ و٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٤ و٢٧٤٧)، من حديث ابن مسعود، وأنس ﵄.
(٣) البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٥٣ ]
وقوله: «عجب ربنا من قنوط عباده [٢٨/ ١] وقرب غِيَرِهِ (^١)، ينظر إليكم أزلين (^٢) قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب». حديث حسن (^٣).
وقوله ﷺ: «لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها [رجله] (^٤) - وفي رواية: عليها قدمه -، فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط». متفق عليه (^٥).
وقوله: يقول الله: «يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار». متفق عليه (^٦).
[وقوله: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان»] (^٧).
_________________
(١) في (ب): خيره.
(٢) في (ب): أذلين.
(٣) رواه أحمد ٤/ ١١، وابن ماجه (١٨١)، من حديث أبي رزين ﵁ بلفظ: «ضحك …»، ورواه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ٢٣٥ بنحوه من حديث عائشة ﵂. وانظر: السلسلة الصحيحة رقم (٢٨١٠).
(٤) زيادة من (م).
(٥) البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦)، من حديث أبي هريرة ﵁. ورواية: «قدمه» عند البخاري (٤٨٤٨)، ومسلم (٢٨٤٨)، من حديث أنس ﵁.
(٦) البخاري (٧٤٨٣) - واللفظ له -، ومسلم (٢٢٢)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٧) زيادة من (م). والحديث تقدم تخريجه في [ص ١٤٤].
[ ١٥٤ ]
وقوله في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا؛ أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع». رواه أبو داود. (^١) وقوله: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». رواه البخاري وغيره (^٢). وقوله: «والعرش فوق الماء، والله فوق العرش (^٣)، وهو يعلم ما أنتم عليه». رواه أبو داود والترمذي وغيرهما (^٤). وقوله للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة». رواه مسلم (^٥). وقوله ﷺ: «أفضل الإيمان
_________________
(١) أبو داود (٣٨٩٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٣٧)، والحاكم ١/ ٣٤٤، من حديث أبي الدرداء، وقال الحاكم: قد احتج الشيخان بجميع رواة هذا الحديث غير زيادة بن محمد، وهو شيخ من أهل مصر قليل الحديث، وتعقبه الذهبي: قلت: قال البخاري وغيره: منكر الحديث. وضعفه ابن عدي في «الكامل» ٤/ ١٤٥، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ٣٠٨، وقال الذهبي في «الميزان» ٢/ ٩٨ - بعد ذكر من ضعف زيادة -: وقد انفرد بحديث الرقية: «ربنا الذي في السماء ..» بالإسناد.
(٢) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) في (م): «والعرش فوق الماء والله فوق العرش ..». حديث حسن رواه أبو داود وغيره.
(٤) رواه أحمد ١/ ٢٠٦، وأبو داود (٤٧٢٣)، والترمذي (٣٣٢٠)، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (١٩٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» ص ١٠١، والحاكم ٢/ ٤١٢ و٥٠٠ وصححه، وتعقبه الذهبي من حديث العباس ﵁، وصححه الجوزجاني في «الأباطيل» ١/ ٧٩، وقواه ابن تيمية في «مناظرة الواسطية» ٣/ ١٩٢، وابن القيم في «تهذيب السنن» ٧/ ٩٢. وشيخ الإسلام ذكر الحديث بالمعنى.
(٥) مسلم (٥٣٧)، من حديث معاوية بن الحكم ﵁.
[ ١٥٥ ]
أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت». حديث حسن. (^١) وقوله ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَلَ وجهه، فلا يبصقنَّ قبل وجهه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه». متفق عليه (^٢).
وقوله ﷺ: «اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن؛ أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس [٢٨/ ٢] فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر». رواه مسلم (^٣). وقوله لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكر: «أيها الناس ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا
_________________
(١) رواه الطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ٣٠٥، و«المعجم الأوسط» ٨/ ٣٣٦، وقال: لم يرو هذا الحديث عن عروة بن رويم إلا محمد بن مهاجر، تفرد به عثمان بن كثير، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص ٣٩٨، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ١٢٤، وقال: غريب من حديث عروة، لم نكتبه إلا من حديث محمد بن مهاجر من حديث عبادة بن الصامت ﵁. وقال: ابن كثير في «تفسيره» ٨/ ٩: غريب.
(٢) رواه جمع من الصحابة بألفاظ مختلفة في «الصحيحين» وغيرها، ولم أجده بهذا اللفظ، وأقرب لفظ له حديث جابر ﵁ في «صحيح مسلم» (٣٠٠٨)، وأما الشاهد منه فرواه البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧)، من حديث ابن عمر ﵄، والبخاري (٤٠٥) من حديث أنس ﵁.
(٣) تقدم تخريجه في [ص ٥٨].
[ ١٥٦ ]
غائبًا إنما تدعون سميعًا قريبًا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». متفق عليه (^١).
تقدَّم بيان مذهب أهل السُّنة والجماعة في صفات الرب ﷾، وأسمائه أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ إثباتًا، ونفيًا.
فيثبتون له ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل.
ومضمون هذا أنه يجب الإيمان بما جاء في القرآن من أسماء الرب وصفاته، وما جاء في سنة الرسول ﷺ، ولهذا لما أورد الإمام ابن تيمية كثيرًا من النصوص القرآنية المتضمنة لكثير من أسماء الله وصفاته مما يدخل في القاعدة المتقدمة (^٢)، وهي: «أنه ﷾ موصوف بالإثبات والنفي» أتبع ذلك بذكر بعض النصوص النبوية المشتملة على بعض أسماء الرب وصفاته.
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ٤٠٢ - واللفظ له -، والبخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) [ص ٤٤].
[ ١٥٧ ]
كل ما يبلغه النبي ﷺ فإنه وحي أوحاه الله إليه
إنكار السنة مطلقا كفر وضلال
سنة الرسول ﷺ هي: أقواله، وأفعاله، وتقريراته
فإن السُّنة هي الأصل الثاني في الاستدلال؛ فإن الله أنزل على نبيه الكتاب والحكمة، الكتاب هو القرآن، والحكمة هي سنة الرسول ﷺ، فكلاهما وحي، كما قال ﷾: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم].
فكل ما يُبَلِّغه النبي ﷺ عن الله - سواء كان قرآنًا، أو سنة - فإنه وحي أوحاه الله إليه، وكل منهما منزل كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء].
فيجب الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ في سنته، كما يجب العمل بما أمر الله به في القرآن، والانتهاء عما نهى عنه سبحانه، وكذلك ما أمر به الرسول ﷺ، أو نهى عنه، فإنه يجب العمل بأوامره ﷺ، ونواهيه، وطاعته في أمره ونهيه.
وإنكار السنة مطلقًا، ودعوى أننا لسنا مكلفين إلا بالقرآن كفر، وضلال، ومخالفة للقرآن؛ فإن الله تعالى أمر باتباع الرسول ﷺ، وطاعته.
قال الشيخ ﵀: «فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه»: المراد بالسنة في هذا السياق سنة الرسول ﷺ وهي: أقواله، وأفعاله، وتقريراته، هذا هو المراد بالسنة إذا قيل: الكتاب والسنة.
فسنة الرسول القولية، والفعلية، والتقريرية؛ تبين وتفسر القرآن، وتدل عليه وتعبر عنه، والأغلب على سنة الرسول ﷺ أنها بيان.
[ ١٥٨ ]
السنة فيها تفصيل ما أجمل في القرآن، وتقييد المطلق، وتخصيص العام
ومن السنة ما يتضمن أخبارًا، وتشريعات ليست في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون (٤٤)﴾ [النحل]، الذكر: القرآن.
فالرسول ﷺ قد فسَّر القرآن وبيَّنه، ففسَّر ما أشكل من ألفاظه، وكثيرٌ من ألفاظه يعرفها المخاطبون باللسان العربي، كما روي عن ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهله، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله (^١).
فالرسول ﷺ بيَّن القرآن، فالسنة فيها تفصيل ما أُجمل في القرآن، وتقييد المطلق، وتخصيص العام؛ فأحكام الصلاة التفصيلية: صفتها، أفعالها، أقوالها، مواقيتها، أكثرها إنما تجده في السنة، وأحكام الزكاة: أنصبة الزكاة، الأموال التي تجب فيها الزكاة، والحج كثير من أحكامه إنما عرفت تفصيلًا بسنة الرسول ﷺ، وهذا الموضوع وتفصيله يطول الحديث عنه.
والمقصود أن ما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث الصحيحة التي تلقَّاها أهل العلم والمعرفة - أهل الشأن وهم أهل الحديث - بالقبول، وجب الإيمان بها كذلك.
_________________
(١) رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره» ١/ ٣٤، والطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٣٠٢ بنحوه.
[ ١٥٩ ]
أهل البدع يردون نصوص الصفات من السنة إما بحجة أنها آحاد أو ظنية الدلالة إن كانت متواترة
أهل البدع ليس لديهم خبرة بالسنة فلا يميزون بين صحيح وضعيف، ولا متواتر وآحاد
يعني كما يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، يجب الإيمان بما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث الصحيحة، التي تلقَّاها أهل العلم بهذا الشأن بالقبول.
يجب الإيمان بها، سواء كانت من قبيل المتواتر، أو الآحاد، فأهل السُّنة والجماعة يقبلون كلَّ ما صحَّ عن النبي ﷺ.
أما أهل البدع (^١) فإنهم بناء على أصولهم الفاسدة في نفي صفات الرب سبحانه يردُّون نصوص الصفات، إما بحجة أنها آحاد، والآحاد يزعمون أنه لا يحتج بها في العقائد.
وإن كانت متواترة قالوا: إنها ظنية الدلالة لا تفيد اليقين، فهم يدفعون هذه النصوص، ويردونها زاعمين؛ إما أنها لم تثبت، أو أنها ظنية الدلالة.
هذا وهم ليسوا من أهل هذا الشأن فلا يميِّزون بين صحيح ولا ضعيف، ولا بين متواتر وآحاد.
أما أهل السُّنة والجماعة فإنهم يصفون الله بكل بما وصفه به الرسول ﷺ مما صحَّ عنه ﷺ في الأحاديث التي تلقَّاها أهل العلم بالحديث بالقبول، ويؤمنون بذلك، وهذا هو الواجب، كما يجب الإيمان بما في القرآن.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٩/ ٧٣ و١٥٦.
[ ١٦٠ ]
وقد أورد الإمام ابن تيمية في هذا الفصل أمثلة لهذه الأحاديث، فمنها ما دلَّ على صفات قد دلَّ عليها القرآن كالتكليم في قوله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» (^١).
أو العلو كما في قوله ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» (^٢). هذا مثل قوله سبحانه: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]، وكقوله ﷺ للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء (^٣). أو إثبات بعض الأسماء مع تفسيرها، كالأول والآخر والظاهر والباطن، كما في حديث أبي هريرة ﵁ في الدعاء الذي كان النبي ﷺ يدعو به يقول: «اللهم رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء» - إلى قوله -: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء» (^٤).
أقول: إن كل هذه الأحاديث إنما دلَّت على مثل ما دلَّ عليه القرآن، فتكون هذه الصفات قد تطابقت عليها دلالة القرآن، ودلالة السنة، فتكون ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة.
وهذه النصوص - أعني تلك النصوص التي قد دلَّت على مثل ما دلَّ عليه القرآن - سنكتفي فيها بهذه الإشارة.
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ١٤٤].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ١٥٥].
(٣) تقدم تخريجه في [ص ١٥٥].
(٤) تقدم تخريجه في [ص ٥٨].
[ ١٦١ ]
عدم تفصيل الشيخ في الأحاديث التي دلت على مثل ما دل عليه القرآن فيما تقدم
حديث نزول الرب إلى سماء الدنيا كل ليلة متواتر
ونتأمل ما أورده الشيخ من النصوص الدالة على صفات لم يأتِ ذكرها في القرآن، وألاحظ أن الإمام ابن تيمية ﵀ قد قدم هذه الأمثلة وساقها تباعًا، وهي هذه الأدلة:
حديث: النزول، الفرح، الضحك، حديث القَدَم، فهذه الصفات إنما ثبتت بالسنة، فليس في القرآن ذكر لهذه الصفات فيما أعلم.
فأول ذلك قوله ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» (^١). وهذا الحديث رواه جمع غفير من الصحابة، وعده أهل العلم من المتواتر، فقد تواترت السنة عن النبي ﷺ بإثبات نزول الرب تعالى في آخر الليل (^٢).
لذلك أهل السنة والجماعة يثبتون النزول الإلهي ويؤمنون به، مع نفي مماثلته لنزول الخلق، ونفي العلم بالكيفية، فيقولون: إنه تعالى ينزل حقيقة، ونزوله سبحانه يتضمن دنوًا وقربًا، وإذا قلنا: ينزل حقيقة، فلا يعني أنه ينزل مثل نزول العباد، لا بل ينزل كيف شاء، والنزول معلوم، والكيف مجهول، لا كما يقول المعطلة: تنزل رحمته، أو أمره، أو ينزل ملَك (^٣). فهذا من التحريف الذي ينكره أهل السنة والجماعة، ويرفضونه، والله قد ذم اليهود لتحريف الكلم عن مواضعه، وهذا منه.
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ١٥٣].
(٢) انظر: الأحاديث الواردة في ذلك في كتاب «النزول» للإمام الدارقطني، و«نظم المتناثر في الحديث المتواتر» للكتاني ص ١٩١ رقم (٢٠٦).
(٣) شرح حديث النزول ص ١٣٨، ومختصر الصواعق ٣/ ١١٠٠.
[ ١٦٢ ]
إذا قال الجهمي: أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: أؤمن برب يفعل ما يشاء
فالرسول ﷺ يقول: «ينزل ربنا»، والأصل أن يحمل الكلام على الحقيقة، ويؤكد الحقيقة قوله: فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ ..» وهذا يمنع من احتمال المجاز.
هل يجوز أن يقول الملك، أو تقول الرحمة: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟
فأهل السنة مجمعون على أن النزول من فعل الرب تعالى، وأنه هو الذي ينزل حقيقة، لا كنزولنا، ولا يقاس به، ونزول الله تعالى صفة فعلية تكون بمشيئته.
والمعطلة يلبِّسون على الجهَّال، ويقولون: هذا يتضمَّن أن الله يزول عن مكانه.
فهذه من الشبهات التي يشبهون بها على الأغرار، ولهذا قال بعض الأئمة: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه.
فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (^١).
ما أحسن هذا الرد المفحم: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
ينزل كيف شاء، واستوى على العرش كيف شاء، ويجيء يوم القيامة للفصل بين عباده كيف شاء، فعَّال لما يريد.
_________________
(١) القائل هو الإمام الفضيل بن عياض ﵀. انظر: خلق أفعال العباد ص ١٧، والإبانة لابن بطة (الرد على الجهمية) ٣/ ٢٠٥، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٥٠٢.
[ ١٦٣ ]
فرح الله يتضمن محبته بما يفرح به، ورضاه به وعنه
ضحك الله يتضمن رضاه، وليس هذا تفسيرا لضحكه تعالى
أما إذا قيل: إنه لا ينزل، لا يجيء، لا يتكلم .. فهذا تعجيز وتنَقُّص للرب سبحانه، فالذي يفعل أكمل ممن لا يفعل.
وكذلك القول في الفرح، والضحك، فيجب الإيمان بالفرح والضحك، أن الله يفرح، وفرحه تعالى يتضمن محبته بما يفرح به، ورضاه به وعنه.
يفرح كما في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن النبي ﷺ: «لله أشد فرحًا …» (^١). يفرح حقيقة، لكن لا كفرح العباد، إذا فسَّرنا فرح العباد بأنه: لذة وسرور بالمحبوب أو نحوه، فهذه صفة المخلوق، فاللذة لا نضيفها لله، لكنه فرح يتضمن المحبة.
فقوله ﷺ: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده». هذا يتضمن أن الله يحب توبة التائبين، بل يفرح بتوبة التائبين، فالفرح إذًا صفة يجب إثباتها له تعالى، وأنها لا تماثل فرح المخلوق، ولا نعلم كنهها، وكيفيتها.
وهكذا الضحك، وقد جاء في أحاديث عدة، ومنها هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخلان الجنة»، فقالوا كيف يا رسول الله؟ قال: «يقاتل هذا في سبيل الله ﷿ فيستشهد ثم يتوب الله على القاتل، فيسلم فيقاتل في سبيل الله ﷿ فيستشهد» (^٢). فالله يضحك إليهما؛ لأن أمرهما عجب، يجتمعان في الجنة، القاتل والمقتول، وضحكه إليهما يتضمن رضاه عنهما، ولا أقول: إن هذا تفسير للضحك، لا، بل هو تعالى يضحك كيف شاء، وهو
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ١٥٣].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ١٥٣].
[ ١٦٤ ]
أدلة من القرآن على إثبات صفة العجب
معنى يختلف عن معنى الفرح، فيجب إثبات ذلك كله، مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية.
وإذا كان العلم بالكيفية مستحيلًا، فلا يجوز التفكر فيه، كالتفكر في كيفية نزول الرب، أو فرحه، أو ضحكه؛ لأنه لا سبيل إلى أن نتعلمها، فلا تفكر ولا تتخيل، بل آمِنْ وأثبت ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية.
وأما الحديث الرابع: فهو حديث قال عنه الشيخ: إنه حديث حسن، رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث طويل، والشيخ اقتصر على الشاهد، كما اقتصر على الشاهد في الحديث الثاني.
فقوله ﷺ: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِهِ، ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب» (^١).
الشاهد منه في هذا المقام: «فيظل يضحك» وفيه دلالة على إثبات صفة العَجَب والضحك والنظر، لكن صفة العَجَب والنظر ثابتتان في القرآن وقد تقدم الكلام على النظر (^٢)، والعَجَب لم يمر في الشواهد التي ساقها المؤلف لكنه ثابت.
ومن الأدلة القرآنية على إثبات العَجَب قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ ١٢﴾ [الصافات] في قراءة صحيحة سبعية (^٣)، فالضمير في
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ١٥٤].
(٢) [ص ١٠٥].
(٣) هي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف العاشر. التيسير ص ١٨٦، وسراج القارئ ص ٣٣٤، والنشر ٢/ ٣٥٦.
[ ١٦٥ ]
معنى القنوط والأزل
﴿عَجِبْتُ﴾ يعود لمن؟ إلى الله تعالى، كما دلَّ على صفة العَجَب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥].
وهذا الحديث - كذلك - من الأدلة على إثبات صفة العَجَب، فهو تعالى يُوصَف بالعَجَب على المنهج المقرر: إثبات مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية.
وليس عجبه تعالى لجهله بالأسباب، فهذا شأن المخلوق الذي يعجب - أحيانًا - لجهله بالسبب، كما يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب، هذا في عجب المخلوق، أو في بعض عجب المخلوق.
«من قنوط عباده» القنوط: شدة اليأس.
«ينظر إليكم أزلين» والأَزْل: الشدة، والأزِل: هو الذي قد بلغت به الشدة حدًّا بعيدًا، واستولى عليه اليأس، فالأزِل والقَنِط معناهما متقارب.
«ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب» مع قرب الفرج، وقرب تغيير الله للأحوال من الشدة إلى الرخاء، من القحط إلى الخصب، في هذا الظرف الله تعالى يعجب لهذه الحال، فيظل يضحك كيف شاء ﷾، فإن العباد إذا طالت عليهم الشدة استولى عليهم اليأس، واشتد، وآل بهم الأمر إلى القنوط، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِين (٤٩) فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ
[ ١٦٦ ]
الصحيح عن ابن عباس في تفسير الكرسي أنه موضع القدمين، وضعف ما روي عنه أنه العلم
اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٥٠)﴾ [الروم].
الحديث الخامس: قوله ﷺ: «لا تزال جهنم يُلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها رجله - وفي رواية: عليها قدمه -، فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط». متفق عليه (^١).
وفي هذا الحديث إثبات الرِّجل، والقدم له ﷾، وأهل السنة يثبتون لله ما جاء في هذا الحديث على حقيقته، كما يثبتون سائر الصفات، كاليدين والعينين له ﷾، ويقولون: إن له تعالى قدمين، كما جاء في الأثر المشهور عن ابن عباس ﵁ في تفسير الكرسي: أنه موضع القدمين (^٢)، أي: قدمي الرب ﷾.
والقول في القدمين واليدين واحد، لا مجال للتفريق، وأهل السنة لا يفرقون، وأهل البدع لا يفرقون! كيف ذلك؟
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ١٥٤].
(٢) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ٣٠١، وصححه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ١٠٧، والحاكم ٢/ ٢٨٢، والضياء في «المختارة» ١٠/ ٣١١، وقال العلامة الأزهري في «تهذيب اللغة» ١٠/ ٥٤: الصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «الكرسي موضع القدمين، وأما العرش فلا يُقدر قدره». وهذه الرواية اتفق أهل العلم على صحتها، والذي روي عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم؛ فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار. وانظر: فتح الباري ٨/ ١٩٩، وانظر: [ص ٥٤] من هذا الكتاب.
[ ١٦٧ ]
طريقة أهل البدع في دفع نصوص الصفات من الكتاب ونصوص السنة
أمثلة لتأويل أهل البدع لبعض الصفات
أهل البدع ينفون كل هذه المعاني، كما ينفون حقيقة نزوله، واستوائه، وينفون حقيقة الفرح، والضحك، والعجب، وينفون اليدين، والعينين، والوجه، والقدم، ينفون ذلك كله؛ لأن مبدأهم أن إثبات الصفات لله يستلزم التجسيم، والتشبيه، وما أشبه ذلك.
ثم إن كانت نصوصًا قرآنيةً لا يمكن أن يدفعوها بعدم الثبوت، يقفون منها - كما تقدم (^١) - أحد موقفين:
إما التفويض بأن يجروها ألفاظًا من غير تدبُّر ولا فهم لمعناها، زاعمين أنها لا يفهم منها شيء.
أو التأويل بحملها على معانٍ بعيدة.
أما الأحاديث (^٢) فالأمر عندهم فيها أوسع، فإنها إن كانت آحادًا قالوا: هذه آحاد، وقد يدفعونها من أول الأمر دون أن ينظروا فيها، أو يحكموا على متنها بتفويض أو تأويل.
وإن كانت متواترة وقفوا منها موقفهم مما جاء في القرآن، كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، هذه الطوائف تتفق على نفي هذه الصفات التي دلَّت عليها السُّنة الصحيحة عن النبي ﷺ، كما نفوا ما جاء في القرآن.
فبالنسبة للفرح، والضحك يمكن أن يفسِّروه بالرِّضا، ثم الرضا له تفسير معروف عند نفاة الصفات وهو: إرادة الإحسان، أو نفس الإحسان بما يخلقه الله من النعم.
_________________
(١) [ص ٨٢ و١٢٤].
(٢) انظر: [ص ١٦٠].
[ ١٦٨ ]
ويفسِّرون الغضب: بإرادة الانتقام، أو هو نفس الانتقام بما يخلقه الله من العقوبة.
أما الرِّجْل فالذين يؤولون يقولون: المراد بالرِّجْل الجماعة من قول العرب: رجل من جراد، فالمراد جماعة من أهل النار. لا تزال جهنم يُلقى فيها حتى يلقي الله تعالى عليها جماعة من أهل النار، وفوجًا كثيرًا حتى يغطيها ويملأها بها.
وهذا خلاف ما فهمه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وخلاف ما يدل عليه السياق، ثم إن رواية «عليها قدمه» توضح، وتدفع هذا التحريف.
ومضمون هذا الحديث قد جاء أصله في القرآن: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَّزِيد (٣٠)﴾ [ق]، فهذه الآية شاهدة لما أخبر به الرسول ﷺ، وكلام الله، وكلام رسوله يصدق بعضه بعضًا، لا تزال جهنم يلقى فيها يعني أهلها، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير (٨)﴾ [الملك]، أهل جهنم يُلقَون فيها إلقاء، ويطرحون طرحًا، ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].
قوله ﷺ: «لا تزال جهنم» هذا الفعل يدلُّ على الاستمرار يعني أنها تبقى، وتستمر تطلب المزيد «حتى يضع رب العزة فيها رِجْله» في بمعنى: على، كما في الرواية الأخرى «عليها قدمه» فينزوي بعضها إلى بعض أي: تتضايق فتمتلئ، وتقول: قط قط، يعني: يكفي يكفي، نعوذ بالله من النار.
[ ١٦٩ ]
يبقى في الجنة فضل فينشئ الله لها أقواما، وأما النار فلا يعذب بها إلا المستحق
وفي هذا تحقيق لوعده ﷾؛ فإنه قد وعد الجنة والنار بملئهما؛ إذ قال ﵎ للجنة: «أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها» (^١).
فالنار يضيقها الرب حتى تمتلئ، وأما الجنة فإذا دخل أهل الجنة يبقى فيها فضل، فهي واسعة مع كثرة من يدخلها من عباد الله، ومع ذلك يبقى فيها فضل، فينشئ الله لها أقوامًا، فيسكنهم الجنة برحمته ﷾ (^٢).
أما النار فإنه لا يعذب بها إلا المستحقين لعذابه، نعوذ بالله من عذاب الله.
فالمقصود أن هذه الصفات التي تضمنتها هذه الأحاديث كلها إنما ثبتت بالسنة، وليس في القرآن - فيما أعلم - ما يدل عليها.
أما ما بعد هذه الأحاديث إلى آخر ما أورده الشيخ، فكلها قد دلت على صفات دل عليها القرآن: كالتكليم، والعلو، والمعية، والسمع، والرؤية، وإثبات بعض الأسماء: كالأول، والآخر، والظاهر والباطن، والسميع وغيرها، والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) هذا جزء من الحديث الذي تقدم تخريجه في [١٥٤]: «لا تزال جهنم يلقى فيها ..».
[ ١٧٠ ]