وقوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها [فافعلوا] (^١)». متفق عليه (^٢).
إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به.
فإن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.
بل هم الوسط في فِرَق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم.
فهم وسط في باب صفات الله ﷾، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة.
وهم وسط في باب أفعال الله بين القدرية، والجبرية.
وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية: من القدرية وغيرهم.
_________________
(١) سقطت من (ب).
(٢) رواه البخاري (٤٨٥١)، ومسلم (٦٣٣)، من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
[ ١٧١ ]
ختم المؤلف أحاديث الصفات بحديث الرؤية كما صنع في آيات الصفات
أحاديث رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة متواترة
وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.
وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض وبين الخوارج.
لاحظ أن المؤلف ختم أحاديث الصفات بحديث الرؤية، كما ختم ما أورده وذكره من آيات الأسماء والصفات بالآيات الدالة على رؤية الرب تعالى تدرك أن الشيخ تعمد هذا الترتيب، وكأنه إشارة إلى أن الرؤية هي التي ينتظرها المؤمنون، وهي محققة للمؤمنين الذين آمنوا بالله، وبما أخبر به في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ مما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ.
وأحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة (^١)، فرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب، وبالسنة المتواترة، وإجماع الصحابة، ومن تبعهم بإحسان، وهم الفرقة الناجية (^٢).
يقول الشيخ: «إلى أمثال هذه الأحاديث» يعني: هذه نماذج، وإلا فأحاديث الصفات التي بيَّن فيها الرسول ﷺ أسماء ربه، وصفاته، وأفعاله كثيرة جدًّا لا حصر لها.
_________________
(١) انظر: رؤية الله للدارقطني، وحادي الأرواح ٢/ ٦٢٥، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ٢٥٠ رقم (٣٠٧).
(٢) تقدم الكلام على الرؤية في [١٤٧].
[ ١٧٢ ]
فإن الفرقة الناجية المنصورة - أهل السنة والجماعة - يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، لا يفرقون بين ما جاء في القرآن، وما جاء في السنة؛ بل يؤمنون بهذا كله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، كما تقدم ذكره (^١).
يقول الشيخ عن الفرقة الناجية أنهم: «وسط في فرق الأمة» الفرقة الناجية هي الوسط في فرق الأمة، والوسط: العدل الخيار، كما أن هذه الأمة وسط في الأمم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
أي: عدولًا خيارًا، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو، ولا جفاء، ولا تقصير، ولا تجاوز، اعتدال، واستقامة، والوسطية تحقق الاستقامة، والاستقامة هي: لزوم الصراط المستقيم، فلا انحراف هنا، ولا هناك.
كما أن الأمة المحمدية التي تحقق لها الإيمان بالله ورسوله، ولم تأتِ بما تخرج به عن الإسلام وسط في الأمم، وإن كان لبعضهم ذنوب وأخطاء، وعند بعضهم بدع.
لكن ما دام أنه قد تحقق لهم الإيمان ظاهرًا وباطنًا، ولم يأتِ أحد منهم بما يخرج به عن الإسلام، فإنه من الأمة المحمدية التي يثبت لها هذا الوصف بحسبها، فكل من كان أتم استقامة كان حظه من الوسطية بحسب ذلك.
_________________
(١) [ص ٣٥].
[ ١٧٣ ]
لفظ الجهمية إذا أطلق يتناول المعتزلة
أهل السنة وسط في باب الصفات بين أهل التعطيل وأهل التمثيل
المقصود أن الشيخ يقول: إن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - وسط في فِرق الأمة، كما أن الأمة وسط في الأمم، ثم يفصل ذلك في مسائل يقول:
فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، أهل التعطيل ينفون صفات الرب، ويعطلون الرب عن صفات كماله، ويعطلون النصوص عما دلت عليه من الحق، وشرهم الجهمية إذ ينفون الأسماء والصفات، ويدخل فيهم المعتزلة، فإن لفظ الجهمية إذا أطلق يتناول المعتزلة.
ويقابلهم أهل التمثيل، الذين يمثلون صفات الرب بصفات الخلق، يقول أحدهم: له يد كيدي - تعالى الله -، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، وهكذا، فهؤلاء أهل التمثيل.
وكل من المذهبين ضلال وكفر، كما قال الإمام نعيم بن حماد (^١) ﵀: من شبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه (^٢).
_________________
(١) نعيم بن حماد الخزاعي، الإمام العلامة صاحب التصانيف، كان صلبًا في السنة، شديدًا على الجهمية، روى عن ابن المبارك والفضيل وابن عيينة، وغيرهم، وروى عنه يحيى بن معين، والبخاري وأبو داود وغيرهم. قال الخطيب: إن أول من جمع المسند وصنفه نعيم. توفي عام ٢٢٩ هـ. سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٩٥.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/ ٥٨٧، وتاريخ دمشق لابن عساكر ٦٢/ ١٦٣.
[ ١٧٤ ]
فأهل السنة يثبتون لله ما أثبته لنفسه بلا تعطيل؛ خلافًا للمعطلة، فإن المعطلة غلوا في التنزيه، وزعموا أنهم ينفون الصفات عن الله حذرًا من التشبيه، فغلوا في التنزيه، فأفضى بهم ذلك إلى التعطيل، وفروا من تشبيه، فوقعوا في تشبيه أقبح.
وقولنا: «بلا تشبيه» معناه تنزيه الله عن النقائص والعيوب خلافًا للمشبهة، أعني: أهل التمثيل الذين غلوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، ولهذا قال بعض أهل العلم (^١): «إن المعطل يعبد عدمًا والمشبه يعبد صنمًا» لأن نفي جميع الصفات يستلزم نفي الذات.
والمشبه الذي يقول: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري، ليس هذا هو الله الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه.
فأهل السنة وسط يثبتون لله الأسماء والصفات، وينزهونه عن كل ما لا يليق به، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، فهذه وسطيتهم، فكانوا بريئين من الإفراط والتفريط، وسائر الانحرافات والضلالات التي وقع فيها من خالفهم.
ثانيًا: وأهل السنة وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية.
الجبرية يقولون: لا فعل للعبد؛ بل كل الأفعال أفعال الله، فالعبد لا فعل له، والله هو الفعال لكل شيء.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٦١.
[ ١٧٥ ]
وعلى مذهبهم الباطل الخبيث يكون الله هو الفاعل لأفعال العبد، بمعنى أنه هو الموصوف بها، فهو المصلي، والصائم، والآكل، والشارب .. ونحوها.
فلا فعل للعبد عندهم، ولا إرادة ولا مشيئة، وحركاته لا اختيار له فيها؛ بل مَثَله مَثَل الريشة في مهب الريح، وحركته كحركة الأشجار، وحركة المرتعش، والعروق النابضة.
ويقابلهم القدرية، ومنهم المعتزلة، ينفون القدر، والجبرية يثبتونه، لكنهم يغلون في الإثبات.
وأما القدرية فيراد بهم في الغالب النفاة الذين يقولون: إن الله تعالى لا يقدر على أفعال العبد، بمعنى أن العبد يخلق فعله، فيتصرف دون مشيئة الله، ودون قدرته، فالله لا يقدر أن يجعل هذا مؤمنًا وهذا كافرًا، ويجعل المطيع عاصيًا أو العاصي مطيعًا، أو الكافر مؤمنًا أبدًا.
فالعبد يفعل بإرادته المحضة المطلقة المنقطعة عن مشيئة الله، وعن قدرة الله، فينفون عموم المشيئة، وعموم الخلق.
وأهل السنة والجماعة بين ذلك، وسط في أفعال الله، فيقولون: إنه تعالى خالق كل شيء، فجميع ما في الوجود خلقه، فهو تعالى خالق السموات والأرض ومن فيهن، وهو خالق العباد، وخالق قدرتهم وإرادتهم، وخالق أفعالهم ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل (٦٢)﴾ [الزمر]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون (٩٦)﴾ [الصافات].
[ ١٧٦ ]
ولكن للعبد فعل، فأفعال العباد ليست أفعالًا لله، فالعبد هو المصلي والقائم، والراكع والساجد، والآكل والشارب، والصادق والكاذب، والظالم والسارق، وهكذا.
العبد هو الذي يُوصَف بهذه الأفعال، هي أفعال للعبد، لكنها واقعة بمشيئته تعالى وبقدرته، وهي مفعولة له ليست فعلًا له، فالمفعول غير الفاعل، المفعول: هو الشيء المصنوع المنفصل عن الفاعل.
وأما الفعل فمن شأنه أن يقوم بالفاعل.
وقد تقدم (^١) أن الذين ينفون صفة المحبة والرضا، والغضب والسخط عن الله، يفسرها بعضهم بأشياء منفصلة، - مفعولات -: بالنعم، والعقوبات المخلوقة.
إذًا؛ أهل السنة والجماعة وسط في أفعال الله، بين الجبرية الذين يقولون: إن العبد مجبور وليس له إرادة ولا اختيار ولا فعل، وإضافة الأفعال إليه إضافة مجازية، وإلا فهي في الحقيقة أفعال لله، لكن الفعل عندهم هو المفعول فليس هناك إلا الفاعل والمفعول ليس هناك فعل يقوم به؛ لأن من الممتنع عندهم قيام الأفعال الاختيارية به ﷾.
والقدرية النفاة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعله، وإنه لا تعلق لمشيئة الله، ولا لقدرته بأفعال العبد.
_________________
(١) [ص ٧٤ و٨٠ و٨٥].
[ ١٧٧ ]
أهل السنة وسط في باب وعيد الله بين المرجئة، والخوارج والمعتزلة
الخوارج والمعتزلة متفقون على تخليد مرتكب الكبيرة في النار
فأهل السنة يثبتون القدر، ويؤمنون بكل مراتبه، ويؤمنون بالشرع، ويثبتون فعل العبد، فخالفوا بذلك الجبرية والقدرية، وكانوا وسطًا بين الطائفتين الضالتين المنحرفتين.
ثالثًا: أهل السنة وسط في باب وعيد الله بين المرجئة، والجهمية، وبين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة.
فالخوارج والمعتزلة وعيدية، والجهمية مرجئة.
فأهل السنة في باب الوعيد - والمراد بالوعيد: الوعد بالعذاب والعقاب لأهل كبائر الذنوب من الموحدين، كما توعَّد الله القاتل، وآكل مال اليتيم، وآكل الربا، ومَن فر من الزحف، وقاذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وما أشبه ذلك من نصوص الوعيد - وسط بين المرجئة الجهمية، والوعيدية من الخوارج والمعتزلة.
فالمرجئة نظرتهم إلى الوعيد ضعيفة؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق فقط، أو المعرفة فقط، ويقولون قولتهم المشهورة: «إنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة»، إذًا؛ انتفى الوعيد، ليفعل المسلم ما يشاء، ولا يخاف! هذه نظرة المرجئة إلى وعيد الله نظرة تهوين وتهاون وغفلة وإعراض ولا يقيمون له وزنًا.
أما الوعيدية وهم الخوارج والمعتزلة فيقولون: إن الوعيد الذي توعد الله به العصاة حتمي، فمن مات مصرًّا على كبيرة، فلا بد له من دخول النار، وإذا دخل النار فلا بد له من الخلود فيها.
وهم يتفقون على تخليد مرتكب الكبيرة في النار.
[ ١٧٨ ]
نصوص الوعيد مقيدة بنصوص التوبة، وبقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ وبنصوص خروج الموحدين من النار
وأهل السنة والجماعة وسط في هذا المقام، يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة من الوعيد، مما توعد الله من عصاه وخالف أمره.
ويقولون: إن هذا الوعيد معلق على المشيئة، فالعاصي إذا مات فهو تحت مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه بالنار؛ فمآله إلى الخروج منها؛ للأحاديث المتواترة في خروج الموحدين من النار (^١).
فيقولون: إن مرتكب الكبيرة مستحق للوعيد، ومتعرض للوعيد، ولا بد أن يعذب الله مَنْ شاء من مرتكبي الكبيرة، خلافًا للمرجئة الجهمية.
ويقول أهل السنة: إنه تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، ثم يخرجه من النار خلافا للخوارج والمعتزلة.
ويقولون: نصوصُ الوعيد تُمَرُّ كما جاءت، ولا تحرف، وإن كانت كل نصوص الوعيد على الذنوب مقيدة بقيد متفق عليه، وهو نصوص التوبة، فكل من تاب من الذنب تاب الله عليه.
ومقيدة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨].
ومقيدة بنصوص خروج الموحدين من النار.
_________________
(١) انظر: قطف الأزهار المتناثرة ص ٣٠٣ رقم (١١٢)، ونظم المتناثر ص ٢٥٢ رقم (٣٠٨)، و[ص ٢٢٢] من هذا الكتاب.
[ ١٧٩ ]
أهل السنة وسط في أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية
الخوارج يقولون مرتكب الكبيرة في الدنيا كافر
ورابعًا: أهل السنة والجماعة وسط في أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، هذا التقابل قريب، ومرتبط بالذي قبله، فالتقابل بين الطائفتين المتطرفتين المنحرفتين واحد.
وأهل السنة والجماعة وسط في أسماء الإيمان والدين، وهي: الأسماء الشرعية التي ترجع إلى حال الإنسان في دينه: مؤمن، مسلم، تقي، صالح. وكذلك: كافر، منافق، فاسق، عاص، هذه هي أسماء الإيمان والدين، فأهل السنة وسط في هذه الأسماء التي تتضمن، وتستتبع أحكامًا دنيوية وأخروية.
وسط في باب أسماء الإيمان والدين، أو في باب الأسماء والأحكام، بين الحرورية - وهو: اسم للخوارج نسبة إلى الموضع الذي خرجوا فيه: حَرَوْراء (^١) -، والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، هذا الانقسام يتعلق أيضًا بمرتكب الكبيرة.
لكن القضية الأولى: تتعلَّق بحكم الوعيد في الآخرة، وقد علمنا حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة عند أهل السنة، وعند الخوارج، والمعتزلة، وعند المرجئة، والجهمية.
والثانية: حكمه في الدنيا؛ فالحرورية يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر، يخرج عن الإيمان، ويدخل في الكفر، ويكون مرتدًّا كافرًا حلال الدم، والمال.
_________________
(١) قيل: قرية بظاهر الكوفة، وقيل: موضع على ميلين منها. معجم البلدان ٢/ ٢٤٥.
[ ١٨٠ ]
المعتزلة يقولون مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين
المرجئة يقولون مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان
تفصيل مذهب أهل السنة في باب الأسماء والأحكام
والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن، ولا كافر، وهذا أصل من أصولهم، كما أن من أصولهم إنفاذ الوعيد يعني حتمية وقوع ما توعد الله به من عصاه.
وأما المرجئة فيقولون: العاصي مؤمن كامل الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، فكل من كان مصدقًا بربوبيته تعالى، ومصدقًا برسالة النبي ﷺ؛ فهو مؤمن كامل الإيمان.
انظر إلى التقابل والتناقض؛ الخوارج يقولون: كافر، والمعتزلة قالوا: هو في منزلة يخرج عن دائرة الإيمان، وليس بمؤمن، والمرجئة يقولون: بل هو مؤمن كامل الإيمان.
وأهل السنة بين ذلك، يقولون: من أظهر الإيمان وأبطن الكفر؛ فهو منافق، ومن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب وأصر عليها؛ فهو فاسق، وهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، مؤمن ناقص الإيمان، فلا يسلبون عنه مطلق الاسم، ولا يعطونه الاسم المطلق يقولون مؤمن ناقص الإيمان (^١).
إذا صاروا وسطًا: في مرتكب الكبيرة وهو الموحد الذي لم يأتِ بناقض يقولون عنه: عاصٍ فاسق ناقص الإيمان، لا يقولون: مؤمن كامل الإيمان، ولا يقولون: كافر، ولا يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين.
وبهذا تظهر وسطيتهم، ويظهر تطرف من خالفهم، فالحرورية والمعتزلة في طرف، والمرجئة في طرف، هؤلاء هم المتطرفون حقًّا،
_________________
(١) انظر: [ص ٢٣٩].
[ ١٨١ ]
أهل السنة وسط فيما يجب للصحابة بين الرافضة والخوارج
الخوارج شر النواصب، والرافضة شر منهم
أما أهل السنة فهم عدول خيار وسط، لا إفراط ولا تفريط، أهل عدل في أحكامهم، وأقوالهم، وأفعالهم.
خامسًا: أهل السنة وسط في ما يجب لأصحاب رسول الله ﷺ فقد اختلفت فيهم الفرق، ففريق غَلَوا، وفريق جَفَوا، وفريق توسطوا.
فأهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج.
فإن الرافضة يغلون في آل بيت النبي ﷺ يغلون في علي بن أبي طالب ﵁، وفاطمة بنت النبي ﷺ ورضي عنها وذريته منها، ويتجاوزون فيهما الحد.
وأما الخوارج فإنهم يكفِّرون كثيرًا من الصحابة، ومنهم علي ﵁، فكانوا مع الرافضة على طرفي نقيض.
فالخوارج هم شر النواصب؛ لأن الطائفة الناصبة نصبوا العداء لأهل بيت النبي ﷺ، وخيرهم مطلقًا علي ﵁. والرافضة مع غلوهم في عليّ ﵁ وذريته نصبوا العداوة لخير هذه الأمة بعد نبيها، لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وجمهور الصحابة ﵃، ولا يستثنون إلا نفرًا قليلًا.
فهم شر من الخوارج؛ لأنهم شاركوا الخوارج في نظير ما ضلوا وانحرفوا فيه من أمر الصحابة، وزادوا عليه، فالرافضة شر، والخوارج خير منهم بكثير (^١)، فالذي يبغض مثلًا عليًا، أو يكفره أهون ممن يبغض أبا بكر، ويكفره، وإن كان الكل ضالًّا منحرفًا زائغًا عن سبيل الحق.
_________________
(١) انظر تقرير هذا المعنى في: مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٦ و٢٨/ ٤٧٧ - ٤٩٩ و٥٢٧.
[ ١٨٢ ]
فأهل السنة وسط، يحبون أصحاب رسول الله ﷺ وينزلونهم منازلهم، ولا يبغضون أحدًا منهم، ولا يتبرؤون من أحد منهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، ويبغضون من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم.
وينزلونهم منازلهم، ولا يغلون في أحد منهم، كما صنعت الروافض، ولا جفاء كما صنعت الخوارج، والله المستعان.
* * * *
[ ١٨٣ ]