﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، [وقوله عن فرعون]: (^١) ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَاب (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر]، ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِير (١٧)﴾ [الملك]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤)﴾ [الحديد]، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧)﴾ [المجادلة]، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُون (١٢٨)﴾ [النحل]، ﴿وَاصْبِرُوا
_________________
(١) زيادة من (م).
[ ١٢٦ ]
أنواع الأدلة السمعية على العلو أكثر من عشرين نوعا
ذكر ابن القيم ثلاثين طريقا عقلية تدل على العلو
إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (٤٦)﴾ [الأنفال]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين (٢٤٩)﴾ [البقرة].
جملة من هذه الآيات تدلُّ على علوه تعالى، وأدلَّة علو الله تعالى على خلقه أنواع كثيرة جدًّا في القرآن، والسُّنة، أوصلها العلَّامة ابن القيم إلى أكثر من عشرين نوعًا (^١)، كل نوع تحته أفراد من الأدلة، فمثلًا:
من أنواع أدلَّة العلو:
١ - التصريح باستواء الله على عرشه: هذا نوع، وتحته سبعة أدلة في القرآن، كلها فيها تصريح باستواء الله على عرشه.
٢ - التصريح برفع بعض المخلوقات إليه: قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
٣ - التصريح بصعود بعض المخلوقات إليه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وعروج بعض المخلوقات إليه ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥].
_________________
(١) الكافية الشافية ص ١٠٣، وإعلام الموقعين ٢/ ٢٨١. وذكر في «الصواعق المرسلة» ٤/ ١٢٨٠ - ١٣٤٠ ثلاثين طريقًا عقليًّا تدل على علوه تعالى على خلقه.
[ ١٢٧ ]
٤ - التصريح بفوقيته تعالى على عباده: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام].
٥ - التصريح بالفوقية مقرونة بمِنْ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون (٥٠)﴾ [النحل].
٦ - التصريح بأنه في السماء: وهذا في القرآن في موضعين، قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِير (١٧)﴾ [الملك].
٧ - إخباره تعالى عن فرعون بأنه قال لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَاب (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر]. ووجه دلالة هذه الآية على العلو: أن فرعون تظاهر بأنه يطلب إله موسى في السماء، مما يدل على أن موسى قد أخبره بأن إلهه في السماء، فذهب الطاغية يقول لوزيره هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَاب (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، يعني: الذي يزعم أنه في السماء، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على أن الله في السماء.
٨ - التصريح بوصف العلو ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٤)﴾ [الشورى] العلي: اسم من أسمائه؛ فله العلو بكل معانيه، وله الفوقية بكل معانيها: ذاتًا، وقدرًا، وقهرًا.
[ ١٢٨ ]
العلو الذي فيه النزاع بين أهل السنة وطوائف المبتدعة هو علو الذات
إنكار الإمام أحمد على الحلولية وبيان لازم قولهم الشنيع
وغيرها من أنواع الأدلة (^١). وأنكر المعطِّلة علو الذات (^٢). وعلو القدر وإنْ أثبتوه لفظًا فما أثبتوه في الحقيقة؛ لأن من نفى صفات الرب تعالى، ونفى أسماءه فما أثبت لله علو القدر ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
فالعلو الذي فيه نزاع بين أهل السنة، وطوائف المبتدعة، هو علو الذات، فأهل السُّنة يؤمنون بما دلَّت عليه هذه النصوص من أنه في العلو، فوق جميع المخلوقات، فهو سبحانه عال بذاته فوق جميع المخلوقات، فهو العلي الأعلى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾.
وأما أهل البدع - نعوذ بالله من الضلال، وزيغ القلوب - فيقولون: إنه ليس في السماء، ليس في العلو، بل هو في كل مكان، حال في المخلوقات، وهؤلاء هم الحُلوليَّة الذين ردَّ عليهم الإمام أحمد، وقال: «إن قولكم يستلزم أن يكون الله في أجسامكم، وأجوافكم، وأجواف الخنازير، والحشوشِ» (^٣).
وكفى بهذا تنقُّصًا لرب العالمين، فالله أعلى وأجلُّ من أن تحيط به مخلوقاته، وأن يحويه شيء من مخلوقاته، بل هو العلي العظيم، العلي فوق كل شيء، العظيم الذي لا أعظم منه، فلو كان حالًّا في كل مكان لما كان هو العلي، ولما كان هو العظيم مطلقًا.
_________________
(١) انظرها مع كلام الأئمة في: «كتاب العلو» للذهبي، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» ٩٥ - آخر الكتاب، وانظر الحاشية السابقة.
(٢) انظر: مختصر الصواعق ٣/ ١٠٦٠.
(٣) الرد على الجهمية والزنادقة ص ١٤٤.
[ ١٢٩ ]
أمثلة لتأويلات أهل البدع
وهؤلاء الضلَّال عمدوا لهذه النصوص الكثيرة، فحرَّفوها كما حرَّفوا نصوص الاستواء، أو فوَّضوا، فقد يقولون:
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾: رفع الله عيسى إلى محل عظمته، وسلطانه؛ هذا من نوع تحريفاتهم.
و﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ إلى محلِّ عظمته وسلطانِه؛ وسلطانُ الله في كل مكان.
وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يقولون: أأمنتم من في السماء أمره، وأمرُ الله سبحانه وسلطانه نافذ في كل شيء.
فيؤولون النصوص بنحو هذه التأويلات السمجة.
والنصوص دالَّة على أن من العباد، ومن المخلوقات ما هو عنده ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ هؤلاء الملائكة المقرَّبون.
فعندهم: أن الله في كل مكان، والملائكة لا تعرج إليه، ونسبة كل المخلوقات إلى الله نسبة واحدة ليس بعضها أقرب إلى الله من بعض.
وكفى بهذا تنقُّصًا لرب العالمين، وتلاعبًا بكلامه ﷾ حيث يصرف عن وجهه، ويحرف عن مواضعه، ويدعى أن كل هذه النصوص ليست على حقيقتها بل هي مجاز.
إذًا؛ يجب الإيمان بأنه تعالى له العلو بكل معانيه، والفوقية بكل معانيها، وأنه تعالى فوق جميع المخلوقات، ولا يخفى عليه شيء من
[ ١٣٠ ]
أعمالهم، فتقول: إنه تعالى فوق جميع المخلوقات، وإنه العالي على جميع المخلوقات، ولكن لا تقل: إنه استوى على جميع المخلوقات، فالاستواء مختَصٌّ بالعرش، وأما العلو فإنه على جميع المخلوقات.
والفرق بين العلو والاستواء:
١ - أن العلو: طريق العلم به: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
والاستواء: طريق العلم به: الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
والاستواء دليلٌ على العلو.
٢ - الاستواء متعلِّق بالعرش فلا يقال: مستوٍ على السماء الدنيا مثلًا، وأما العلو فالله تعالى عالٍ على كل شيء تقول: الله فوق العرش، وفوق السماء، وفوق عباده، وفوق كل شيء.
٣ - الاستواء صفة فعلية تتعلَّق بالمشيئة، فالله استوى على العرش حين شاء، وقد أخبر أنه استوى على العرش بعد خلق السموات، والأرض، وهو مستوٍ بذاته تعالى.
وأما العلو فهو صفة ذاتية؛ فالعلو لا ينفك عن ذاته ﷾ فله العلو المطلق دائمًا وأبدًا (^١).
ثم ذكر الشيخ ﵀ بعد أن ساق جملة من النصوص الدالة على علوه تعالى على خلقه - النصوص الدالة على المعية، وفي هذا تناسب،
_________________
(١) نحوه في «شرح حديث النزول» ص ٣٩٥.
[ ١٣١ ]
المعية في اللغة تدل على مطلق المقارنة والمصاحبة ولا تستلزم اختلاطا
ففي مقابل أدلة العلو يذكر أدلة المعيَّة، ومن هذه النصوص آية الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وفي سورة المجادلة: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ وهذه هي المعيَّة العامة المتضمِّنة للعلم.
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾.
والمعيَّة في اللغة العربية: تدلُّ على مطلق المقارنة، والمصاحبة، ولا تستلزم اختلاطًا، ولا ممازجةً، فوصفه تعالى بأنه مع عباده لا يدلُّ على أنه حالٌّ في المخلوقات، كما زعم المبطلون الغالطون: أن هذه الآيات تدلُّ على أنه في كل مكان مع عباده، معهم في بيوتهم، ومعهم في سائر ما يكونون فيه.
هذا فهمٌ خاطئٌ، هو سبحانه في السماء، في العلو، مستوٍ على عرشه، وفي نفس الوقت هو مع عباده يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، وحركاتهم وسكناتهم، ويعلم سرَّهم، ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
ولا يعني ذلك أنه مع النجوى الثلاثة، والأربعة .. في المكان الذي هم فيه، وأنه متَّصِل بهم، ومن فهم أنّ الله تعالى حالٌّ بين أولئك النجوى داخل السقف الذي هم تحته؛ فهو جافُّ الطبع، جامد العقل، فاسد الفهم.
[ ١٣٢ ]
تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا، وعمَّا يظنه الجاهلون، فذلك من ظن السوء بالله.
وهذه المعية يسميها أهل العلم: المعية العامة؛ لأن الله مع الناس كلهم ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾.
ومن قال من السلف إنه تعالى معهم بعلمه؛ فهو حق، إنما قال ذلك؛ لبيان أن مقتضاها: العلم، والسمع، والبصر، وقال الإمام أحمد: إن الله تعالى بدأ آية المعية بالعلم وختمها بالعلم (^١).
فمعنى أنه معهم أين ما كانوا يعني: معهم بعلمه، وهو فوق السموات.
وأما المعية الخاصة ففي الآيات الأخرى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ هذه معيَّة خاصَّة؛ لأنها جاءت مقيَّدة، ف (الصابرون)، و(المتقون) هم بعض العباد لا كلهم. وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هذا قاله الرسول ﷺ لأبي بكر ﵁ عندما قال له: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال ﷺ: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (^٢). وأخبر الله سبحانه عن هذه المقالة ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هذه معية خاصة، والمعية
_________________
(١) الرد على الجهمية والزنادقة ص ١٥٤.
(٢) رواه البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١)، من حديث أنس عن أبي بكر ﵄.
[ ١٣٣ ]
المعية المضافة لله نوعان: عامة وخاصة ومقتضى كل منهما
الخاصة تتضمَّن ما تتضمَّنه المعية العامة من: العلم، والسمع، والبصر، وتزيد: بالنصر، والتأييد، والرعاية، وتتضمن حفظهم، وكلاءتهم.
والخلاصة أن المعية المضافة إلى الله نوعان (^١): معية عامة، ومقتضاها العلم، والسمع، والبصر.
ومعية خاصة، ومقتضاها الخاص: الحفظ، والنصر، والتأييد، والعناية، والرعاية منه ﷾ لأوليائه.
فالمعية العامة، عامة للبر والفاجر، وأما الخاصة، فهي خاصة بالمرسلين، والمؤمنين، والمتقين، والمحسنين، والصابرين، وهكذا.
وأهل السُّنة والجماعة يثبتون المعيَّة له تعالى على ما يليق به، ويؤمنون بأنه لا منافاة بين علوه، ومعيته، فهو عالٍ في دنوه، قريب في علوه، ولا تعارض بين النصوص الدالَّة على علوه، والنصوص الدالَّة على قربه، ومعيَّته ﷾.
وأهل الضلال يعارضون بينها، ولاحظ كيف حرفوا نصوص العلو، وحملوا نصوص المعية على ظاهرها عندهم، وليس ما فهموه هو ظاهرها، كلا، لكنهم فهموا نصوص المعية، وحملوها على ظاهرها عند ذي الفهم السقيم، والذهن الجاف الجامد.
_________________
(١) منهاج السنة ٨/ ٣٧٢، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١١/ ٢٤٩، ومجموع الفتاوى ٥/ ١٢٢، ومدارج السالكين ٢/ ٢٥٤.
[ ١٣٤ ]
والله سبحانه مع عباده أين ما كانوا، لا يخفى عليه من أحوالهم خافية، عِلمُ الله في كل مكان محيط بكل شيء، والله تعالى فوق مخلوقاته ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (^١).
* * * *
_________________
(١) وانظر: [ص ١٨٤]، فهناك فصل خاص لتقرير هذا المعنى.
[ ١٣٥ ]