ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى] فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرِّفون الكلِم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له، ولا كفو له، ولا نِدَّ له، ولا يُقاس بخلقه ﷾؛ فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه.
بعدما ذكر اعتقاد أهل السنة والجماعة إجمالًا، شرع في ذكر اعتقادهم تفصيلًا، فقال: «ومن الإيمان بالله»؛ أي: مما يدخل في الإيمان بالله: الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، وبما وصفه به الرسول ﷺ فيما صحَّ من سنَّته، والإيمان بذلك يكون بإثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ، وبنفي ما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ.
فالإيمان بهذا يكون بإثبات ونفي.
[ ٣٥ ]
معنى التحريف والتعطيل
يقول الشيخ: «من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل»:
يؤمنون بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، من غير تحريف، يعني: من غير تحريف للنصوص عن وجهها، ومن غير تحريف للكلم عن مواضعه، وهو ما ذمَّ الله به أعداءه اليهود ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦].
والتحريف معناه العام: التغيير، وهو يشمل التغيير اللفظي، والتغيير المعنوي، فالتحريف اللفظي يكون بالزيادة على النص، أو النقص منه، أو تغيير الشكل.
فلا يجوز تحريف النصوص، ولا سيما آيات القرآن، فإنه يجب الالتزام بلفظها، فلا يُغيَّر لفظها زيادةً ولا نقصًا، ولا شكلًا.
وكذلك سنَّة الرسول ﷺ لا يجوز تغيير لفظها بما يستلزم تغيير معناها، فإن ذلك من تحريف الكلم عن مواضعه، بل يجب إجراء النصوص على ظاهرها.
«ولا تعطيل»: التعطيل مأخوذ من العطل بمعنى: الخلو، فمعناه إخلاء الرب عمَّا وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ.
وتعطيل أسماء الرب وصفاته، وتعطيل الرب عن صفات كماله؛ إنما يكون بجحدها ونفيها.
فالمعطِّلة: ينفون ما وصف الله به نفسه، وما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ، فيعطِّلون الرب عن كماله المقدَّس، فينفون استواءه على عرشه، وينفون حقيقة اليدين، كما سيأتي مفصلًا (^١).
_________________
(١) [ص ٩٣ و١٢٢].
[ ٣٦ ]
مذهب أهل السنة في باب الأسماء والصفات قائم على النفي والإثبات
كيفية الإلحاد في أسماء الله
«ومن غير تكييف»: من غير بحث عن كيفيَّة صفات الرب، ولا تعرُّض لتحديد كُنْهِ صفاته، فأهل السُّنَّة والجماعة يصفون الله بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله، من غير تحريف لنصوص الكتاب والسُّنَّة، ولا تعطيل للنصوص عما دلَّت عليه، ولا تعطيل للرب عمَّا يجب إثباته له، ولا تكييف لصفاته، ولا تمثيل لصفاته بصفات خلقه.
إذًا؛ اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات قائم على الإثبات والنفي، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا - له تعالى عن كل نقص وعيب - بلا تعطيل، خلافًا لأهل الضلال، الذين غلوا في الإثبات حتى شبَّهوا صفاته بصفات خلقه، فيقول قائلهم: له سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيَدي، وخلافًا لمن غلا في التنزيه، حتى سلب الله صفات كماله، زعمًا منه أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه.
فلهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة بريئًا من التشبيه، وبريئًا من التعطيل، فلا ينفون ما وصف الله به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته.
فإن الله ذمَّ الملحدين في أسمائه كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠].
والإلحاد في أسماء الله يكون بنفيها، أو بنفي معانيها، أو بتسمية الله بغير ما سمَّى به نفسه، أو بتسمية بعض المخلوقين بما هو من خصائصه ﷾.
[ ٣٧ ]
معنى السمي والكفو والند
لا سبيل إلى معرفة أسماء الله وصفاته إلا ببيانه وتعريفه ﷺ
يقول الشيخ ﵀: «ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه»:
كل هذا تأكيد لما سبق، وأن مذهب أهل السنة والجماعة بريء من هذه الأباطيل: بريء من التعطيل، ومن الإلحاد، ومن التكييف، ومن التحريف، ومن التمثيل.
ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ فإنه ﷾ لا سَميَّ له، ولا نِدَّ له، ولا كفو له، وهذا كله منفي في كتابه ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]، والسميُّ، والكفو، والندُّ؛ ألفاظ متقاربة، كلها تُفسَّر: بالمثيل والنظير، فهو ﷾ لا مثيل، ولا نظير له من خلقه، ولا سميَّ، ولا كفو، ولا ندَّ، ولا يُقاس بخلقه ﷾.
وهو: «أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه»:
هو أعلم بنفسه كما قال المسيح ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١١٦)﴾ [المائدة]، فهو أعلم بنفسه.
فالعباد لا سبيل لهم إلى معرفة أسمائه وصفاته إلا ببيانه وتعريفه وتعليمه سبحانه، فهو أعلم بنفسه وبغيره؛ لأن علمه محيط بكل شيء، وهو تعالى أصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلا (١٢٢)﴾ [النساء].
[ ٣٨ ]
فإذا كان تعالى هو أعلم بنفسه، وهو أصدق الصادقين؛ فكيف يُكَذَّب ما أخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ؟ كيف لا يُثْبَت ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ؟
فالمعطِّلة قد كذَّبوا بما أخبر الله به ورسوله ﷺ من أسمائه تعالى وصفاته، وكأنهم ادَّعوا لأنفسهم أنهم أعلم بالله من الله، وأعلم بالله من رسول الله ﷺ، وهذا من أبطل الباطل، وأسفه السفه، وأعظم الجهل، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلا (١٢٢)﴾ [النساء].
* * * *
[ ٣٩ ]