وتؤمن الفرقة الناجية (^١) - أهل السنة والجماعة - بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمَّن شيئين:
فالدرجة الأولى: الإيمان بأنّ الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (^٢)، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (^٣)
_________________
(١) في (ب) زيادة: من.
(٢) رواه أحمد ٥/ ٣١٧، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥) - وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه -، وابن جرير في «تاريخه» ١/ ٢٨، وصححه، والضياء في «المختارة» في مواضع منها: ٨/ ٣٥١ - ٣٥٣، من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
(٣) رواه أحمد ٥/ ١٨٢، وأبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وابن حبان (٧٢٧)، من حديث ابن الديلمي عن أبي بن كعب وابن مسعود وحذيفة موقوفًا، ورفعه زيد بن ثابت ﵃، وقال الذهبي في «المهذب في اختصار السنن الكبير» ٨/ ٤٢١٣: إسناده صالح. وصححه ابن القيم في «شفاء العليل» ص ١١٣. وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٤٣٩).
[ ٢٢٧ ]
جفت الأقلام وطويت الصحف (^١) كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد]، وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، فإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع [٣٢/ ١] كلمات فيقال: «اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (^٢)، ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله تعالى النافذة، وقدرته الشاملة، وهو [الإيمان] (^٣) بأن ما شاء الله كان، و[ما لم يشأ] (^٤) لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة، ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه ﷾ على كل شيء قدير، من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض، ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره، ولا رب سواه، وقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٢٩٣، والترمذي (٢٥١٦)، وقال: حسن صحيح، والضياء في «المختارة» ١٠/ ٢٢ - ٢٥، من حديث ابن عباس ﵄، وحسنه الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» ص ٣٤٥.
(٢) رواه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) زيادة من (ب) و(م).
(٤) في (ظ): شاء.
[ ٢٢٨ ]
المتقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم. والعبد هو المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، والمصلي، والصائم.
وللعباد قدرة على أعمالهم، وإرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم، وإرادتهم، كما قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير].
وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة (^١)، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٨٦ و١٢٥، أبو داود (٤٦٩١ و٤٦٩٢)، والحاكم ١/ ١٥٩، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٤/ ٧٠٧. وقال المنذري في «تهذيب السنن» ٧/ ٥٨: هذا منقطع، سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر، وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس فيها شيء يثبت. وقال ابن القيم في «تهذيب السنن» ٧/ ٦٠ - ٦١: هذا المعنى قد روي عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر وحذيفة وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ورافع بن خديج؛ فأما حديث ابن عمر وحذيفة فلهما طرق؛ وقد ضعفت. وقال ابن أبي العز في «شرح الطحاوية» ٢/ ٣٥٨: كل أحاديث القدرية المرفوعة ضعيفة، وإنما يصح الموقوف منها، وقال في ٢/ ٧٩٧: - بعد ذكر هذا الحديث - وروي في ذم القدرية أحاديث أخر كثيرة تكلم أهل الحديث في صحة رفعها، والصحيح أنها موقوفة. وانظر: الموضوعات لابن الجوزي ١/ ٤٥١، وأجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث المصابيح ٣/ ١٧٧٩، وتعليق العلامة المعلمي على «الفوائد المجموعة» ص ٥٠٣.
[ ٢٢٩ ]
حتى يسلبوا العبد قدرته، واختياره، ويخرجون عن أفعاله، وأحكامه حِكَمها، ومصالحها.
قال الشيخ: «وتؤمن الفرقة الناجية بالقدر خيره وشره»: وكان الأنسب لو قال: فصل؛ لأنه انتقل إلى موضوع جديد، ويلاحظ أن الشيخ ميز هذا المقام بتعبير؛ لأن مسالة القدر هي من المسائل الكبار التي تباينت فيها مذاهب الأمة.
وتؤمن الفرقة الناجية المنصورة - أهل السنة والجماعة - بالقدر خيره وشره، ولاحظ أن هذا هو الأصل السادس، وأن الشيخ أشار إلى بعض ما يتعلق بالإيمان بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ثم انتهى إلى الكلام عن الأصل السادس وهو الإيمان بالقدر، فالفرقة الناجية المنصورة تؤمن بالقدر خيره وشره، كما في قوله ﷺ: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» (^١).
تؤمن بالقدر يعني: بتقدير الله للأشياء قبل كونها، والأشياء المقدرة فيها خير وشر، فالقدر يطلق ويراد به:
التقدير السابق: تقدير الله للأشياء في علمه وكتابه.
ويطلق القدر على: الشيء المقدر، تقول عن الحادث: هذا قدر - يعني -: أمر مقدر، فكل الأشياء قدر: قيامك وقعودك ومشيك وأكلك
_________________
(١) تقدم تخريجه [ص ٣١].
[ ٢٣٠ ]
وشربك، والصحة والمرض كلها قدر، ولهذا لما سُئِل النبي ﷺ عن الأدوية والرقى فقالوا: هل ترد من قدر الله؟ قال: «هي من قدر الله» (^١). ولما رأى عمر ﵁ الرجوع بالناس عن الشام لما بلغهم أنه قد نزل بها الطاعون بعدما استشار الصحابة، فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: يا أمير المؤمنين أفرارًا من قدر الله؟ قال: نعم نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان متغيبًا في بعض حاجته - فقال: إن عندي في هذا علمًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» (^٢).
قال الشيخ: «الإيمان بالقدر على درجتين، وكل درجة تتضمن شيئين ..»:
الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله علم ما يكون قبل أن يكون بعلمه القديم الأزلي، وعلم ما العباد فاعلون من الطاعات والمعاصي كل ذلك معلوم للرب بعلمه القديم، هذه المرتبة الأولى من الإيمان بالقدر، فلا بد في الإيمان بالقدر من الإيمان بعلم الله السابق هذا شيء.
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ٤٢١، والترمذي وحسنه (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤٣٧)، والحاكم ٤/ ١٩٩ وصححه، عن أبي خزامة عن أبيه ﵁. وأخرجه ابن حبان (٦١٠٠)، عن كعب بن مالك ﵁. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٠٩٠)، والحاكم ٤/ ١٩٩، من حديث حكيم بن حزام ﵁. وانظر: العلل لابن أبي حاتم ٢/ ٣٣٨، والعلل للدارقطني ٢/ ٢٥١.
(٢) رواه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢٣١ ]
الشيء الثاني: الإيمان بأن الله كتب مقادير الأشياء عنده في كتاب، وهو: اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهو الكتاب المبين، أو الإمام المبين، وهو الذكر قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء]، كتب ذلك بقلم المقادير كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (^١).
وفي الحديث الآخر عنه ﷺ: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء» (^٢). فكل ما هو كائن إلى يوم القيامة قد كُتِب ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر].
ومن أدلة المرتبتين: العلم والكتابة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج].
فجمع سبحانه بين علمه تعالى بكل شيء، واشتمال كتابه على كل شيء، فكل ما في السماء والأرض، وكل ما جرى ويجري في هذا الوجود مكتوب في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام].
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ١٢٥].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ١٢٤].
[ ٢٣٢ ]
أنواع التقديرات
فعلى سبيل المثال: كل ما يجري للإنسان من أحوال: صحة ومرض، وهم وحزن، أو سعة رزق أو ضيقه، أو سعادة أو شقاوة، كل ذلك مكتوب.
هذا التقدير العام الأول.
وهناك تقديرات أخرى:
تقدير ثانٍ: يتعلق بآدم وذريته، قبل أن يخلق الله آدم بأربعين عامًا كما في الحديث الصحيح في محاجة آدم وموسى قال آدم لموسى ﵉: … هل وجدت في التوراة:﴾ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ: «فحج آدم موسى» (^١).
وتقدير ثالث: وهو تقدير يتعلق بكل إنسان، فكل إنسان له تقدير خاص، كما في الحديث المتفق على صحته عن النبي ﷺ: أنه قال - في الجنين عندما يبلغ أربعة أشهر -: «فيأتيه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (^٢).
وتقدير رابع، وهو التقدير الحولي: وهو ما يكون في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان].
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) - واللفظ له -، من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر تعليقًا لشيخ الإسلام على هذا الحديث في: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١١/ ٢٥٨.
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٢٨].
[ ٢٣٣ ]
الإيمان بالقدر لا يتم إلا بالإيمان بمراتبه الأربعة
غلاة القدرية أنكروا العلم والكتاب
وسميت ليلة القدر؛ لأن الله يقدر فيها ما يكون في السنة من ليلة القدر إلى مثلها - أي - من السنة إلى السنة، وهذه التقديرات لا تناقض التقدير والكتاب الأول، والله تعالى حكيم عليم.
الدرجة الثانية من الإيمان بالقدر: الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن هذا الوجود لا يكون فيه من حركة، ولا سكون، ولا تقديم، ولا تأخير، ولا وجود صغير، ولا كبير إلا بمشيئة الله سبحانه، وهذه المرتبة مضمونها الإيمان بعموم مشيئة الله؛ لأن مشيئة الله عامة، لا يخرج عنها شيء لا أفعال العباد، ولا الحيوان ولا غيرها. وهذه المرتبة الثالثة من مراتب القدر.
والمرتبة الرابعة: - وهي: الشيء الثاني من الدرجة الثانية -: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، فهو خالق السموات والأرض ومن فيهن، وما بينهما من الذوات والصفات والأفعال، خالق العرش وما دون العرش ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
الخلاصة: أن الإيمان بالقدر لا يتم إلا بهذه الأمور الأربعة، وتسمى مراتب الإيمان بالقدر، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بالقدر على هذا الوجه بمراتبه الأربعة.
وأما المنكرون للقدر فهم طائفتان:
غلاة أنكروا العلم والكتاب، ويقولون: إن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وجودها، ومعنى هذا: أنه لم يقدر الأشياء، ولم يكتب ما سيكون،
[ ٢٣٤ ]
المعتزلة أنكروا عموم المشيئة والخلق
اختلاف الناس في إيمانهم بالشرع والقدر
المعتزلة آمنوا بالشرع وأنكروا القدر
المشركون والجبرية آمنوا بالقدر وأعرضوا عن الشرع
كما ينكرون عموم المشيئة، وعموم الخلق، ويُخْرِجون أفعال العباد عن مشيئة الله وخلقه.
وهذا مذهب قدماء القدرية وغلاتهم.
أما المتوسطون منهم فينكرون المرتبة الثالثة والرابعة، وهي: عموم المشيئة، والخلق، ومنهم: المعتزلة، فينكرون عموم المشيئة، وعموم الخلق، فيُخْرِجون أفعال العباد عن مشيئة الله، فعندهم أن أفعال العباد ليست بمشيئة الله، والعبد يتصرف بغير مشيئة الله، والله لا يقدر أن يغيِّر من حال الإنسان شيئًا، فيتضمن ذلك تعجيز الرب تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
ويُخْرِجون أفعال العباد عن ملكه، فمضمون قولهم: أنه تعالى ليس له الملك كله! وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأنه الله تعالى له الملك كله، وله الأمر كله ﷾.
ومع الإيمان بالقدر بما يشتمل عليه من الأمور الأربعة التي نقول: إنها مراتب الإيمان بالقدر؛ فإنه يجب الإيمان بالشرع وقد اختلف الناس في هذا المقام (^١) فمنهم:
من آمن بالشرع، وأنكر القدر، وهم: القدرية؛ كالمعتزلة، وغيرهم.
ومنهم: من آمن بالقدر، وكفر بالشرع، أو أعرض عن الشرع، ولم ينظر إليه؛ كالجبرية الذين يقولون: الإنسان مجبور على أفعاله، وشرهم
_________________
(١) العقيدة التدمرية ص ٥٥٧.
[ ٢٣٥ ]
الإبليسية زعموا أن بين الشرع والقدر تناقض
أهل السنة يؤمنون بالقدر والشرع
ما يتضمنه الإيمان بالشرع
لا يستقيم أمر العباد بل لا تستقيم الحياة إلا بالإيمان بالشرع والقدر
الذين يعارضون الشرع بالقدر، ومنهم المشركون الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فعارضوا دعوة الرسل محتجين بالقدر.
وطائفة قالوا: إن الشرع والقدر فيهما تناقض، فطعنوا في حكمة الرب سبحانه، وتُعَارِض بين الشرع والقدر، وإن أثبتتهما وتسمى: الإبليسية؛ فزعيمهم في هذا إبليس، فهو الذي اعترض على الرب، وطعن في حكمته، مع إقراره بالشرع والقدر، فكان هو إمام هذه الطائفة المخذولة.
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بالقدر بما يشتمل عليه من الأمور الأربعة، ويؤمنون بالشرع، وأن الله أمر عباده بالإيمان والطاعات، ونهاهم عن الكفر والفسوق والعصيان، وأنه تعالى يحب المتقين والمقسطين والتوابين والمتطهرين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد والمفسدين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين.
والإيمان بالشرع يتضمن الفرق بين ما يحبه الله ﷾ ويبغضه، ويتضمن إثبات الأسباب، وكونها مؤثرة بإذن الله، ويدخل في ذلك الإيمان بأن العباد فاعلون حقيقة، وأن لهم مشيئة واختيارًا، خلافًا للجبرية، وأن الله خالق قدرتهم وأفعالهم، كما تقدمت الإشارة إلى هذا عند ذكر وسطية أهل السنة والجماعة بين الجبرية والقدرية (^١).
ولا يستقيم أمر العباد، وإيمانهم، بل لا تستقيم الحياة إلا بهذا وهذا، فمن أنكر واحدًا منهما، أو غفل عنه ضل عن الصراط المستقيم،
_________________
(١) [ص ١٧٥].
[ ٢٣٦ ]
عند المصائب عليك أن تنظر إلى القدر
عند المعائب عليك أن تنظر إلى الشرع
وانحرف في سلوكه وتصرفاته، وفسد من أمور المجتمع بحسب ما وقع من الخلل في ذلك، فلا بد من النظر إلى الأمرين جميعًا ووضع كل من الأمرين في موضعه، فعند المصائب عليك أن تنظر إلى القدر، وتؤمن بقدر الله، ولا تتسخط من قضائه وقدره.
وعند المعائب والمعاصي عليك أن تنظر إلى الشرع؛ فتلوم نفسك، وتستغفر وتتوب إلى ربك، وتراجع نفسك وتندم. ومن نظر إلى القدر عند المعاصي هانت عليه، وأصبح لا يبالي بمعصية الله فيقدم عليها، ويستخف بها.
وقول الشيخ: «وقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين» إلخ:
هذا تفصيل لقوله: «والعباد فاعلون حقيقة»، فما داموا هم الفاعلون حقيقة، إذًا فالعبد هو: المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والعاصي .. إلخ.
وقول الشيخ: «ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره»:
منهم الجبرية؛ فالجبرية يغلون في إثبات القدر، فهم يقرون بعموم مشيئة الله، وبعموم قدرته وخلقه، ولكنهم غلوا حتى سلبوا العبد قدرته واختياره.
[ ٢٣٧ ]
نفي القدرية الجبرية الحكمة في أفعال الله
وقول الشيخ: «ويخرجون عن أفعاله، وأحكامه حِكَمها ومصالحها»:
وهو ما يتضمنه مذهب القدرية الجبرية من نفي الحكمة، فعندهم أن كل ما هو ممكن يجوز على الرب ﷾، وهو تعالى يتصرف بزعمهم بمحض المشيئة لا لحكمة، فهو يجعل هذا طائعًا، وهذا عاصيًا، أو يعذب هذا وينعم هذا، أو يأمر بكذا وينهى عن كذا؛ كل ذلك بمحض المشيئة، فلا فرق عندهم بين أمره بالتوحيد، ونهيه عن الشرك، ولذا يجوز عندهم العكس، وهو: أن يأمر بالشرك، وينهى عن التوحيد!
وأن تنعيمه للمؤمنين والصالحين في الجنة، وتعذيبه للكافرين؛ كل هذا بمحض المشيئة ليس في شيء من ذلك حكمة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
* * * *
[ ٢٣٨ ]
مذهب أهل السنة في الإيمان، ومرتكب الكبيرة
ومن أصول [الفرقة الناجية] (^١): أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية [٣٢/ ٢]. وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، والكبائر، كما تفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٥]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات]، ولا يسلبون الفاسق المِلِّي اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، [ولا يسرق السارق حين يسرق وهو
_________________
(١) في (م): أهل السنة والجماعة.
[ ٢٣٩ ]
المرجئة يقولون: الإيمان: تصديق القلب
الجهمية يقولون: الإيمان: المعرفة
مؤمن] (^١) ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» (^٢). ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.
عقد الشيخ ﵀ هذا الفصل؛ لبيان مذهب أهل السنة في ثلاث مسائل سبقت الإشارة إلى بعضها، عند الكلام على وسطية أهل السنة والجماعة بين فِرَق الأمة (^٣).
المسألة الأولى:
ما يتناوله اسم الإيمان - أي - مسمى الإيمان ما هو؟
يقول الشيخ ﵀: «من أصول أهل السنة والجماعة أن الدين، والإيمان قول وعمل»:
قول وعمل خلافًا للمرجئة الذين يقولون: إن الإيمان تصديق القلب فقط، وأما الأعمال فليست من الإيمان، أو كقول الجهمية: هو المعرفة، والمعنى متقارب.
_________________
(١) زيادة من (م).
(٢) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) [ص ١٧٨] وما بعدها.
[ ٢٤٠ ]
الكرامية يقولون: الإيمان: التصديق باللسان
تعقب الشيخ لقول الكرامية
مرجئة الفقهاء يقولون: الإيمان تصديق القلب وإقرار اللسان
أئمة أهل السنة ينكرون جميع الأقوال المتقدمة
الأدلة من السنة على دخول العمل في الإيمان
وخلافًا للكرامية الذين يقولون: الإيمان هو التصديق باللسان، فمن صدَّق بلسانه؛ فهو مؤمن يعني: في الدنيا، وإن كان مخلدًا في النار يوم القيامة.
لكنه في الحقيقة ليس بمؤمن، من صدَّق بلسانه، وأظهر الإيمان بلسانه فقط؛ فليس بمؤمن في الحقيقة، بل هو منافق هذا هو اسمه الشرعي قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة].
وخلافًا لمرجئة الفقهاء كالإمام أبي حنيفة، ومن تبعه الذين يقولون: الإيمان تصديق القلب، وإقرار اللسان.
وأئمة أهل السنة ينكرون كل هذه الأقوال ويقولون: إن الإيمان قول وعمل؛ للأدلة الكثيرة التي دلت على هذا، فالرسول ﷺ فسَّر الإيمان في حديث جبريل: «أن تؤمن بالله ملائكته وكتبه» الحديثَ (^١). بأصوله الستة، وهي اعتقادية.
وفسَّر النبي ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بأمور عملية قال لهم: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا الله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» (^٢). ففسَّره بأمور عملية بنحو تفسيره للإسلام، وأبلغ من هذا قوله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٣١].
(٢) رواه البخاري (٥٣) - واللفظ له -، ومسلم (١٧)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢٤١ ]
شرح قول أهل السنة في الإيمان
قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (^١).
يقول الشيخ: «من أصول السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل»، ثم يفصل ذلك بقوله: «قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح».
يعني: أن الإيمان يشمل هذه الأمور الخمسة:
قول القلب: اعتقاد القلب، وهو: تصديقه.
وقول اللسان: هو الإقرار، كما يقر الكافر عند إسلامه، بقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وعمل القلب: كمحبة الله تعالى ورسوله ﷺ وأوليائه، ومحبة ما يحب، والخوف من الله ورجائه، والتوكل عليه.
وعمل اللسان: كالذكر بأنواعه، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعمل الجوارح: كالصلاة وما فيها من عمل الجوارح؛ كالقيام، والركوع والسجود، والحج وما فيه من عمل الجوارح؛ كالطواف، والسعي، وسائر المناسك؛ فالإيمان يشمل ذلك كله.
فالإيمان بضع وستون شعبة فالصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والصيام من الإيمان، والحج من الإيمان.
_________________
(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) - واللفظ له -، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٤٢ ]
الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص
قوله: «قول القلب واللسان»:
هذا تفصيل لقول أهل السنة: قول القلب واللسان يعني: اعتقاد القلب، وإقرار اللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
وهذا أتم من قول من يقول: إن الإيمان اعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. صحيح أن هذا يرد مذهب المرجئة، لكن ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الخمسة أتم؛ لأنه يستوعب كل جوانب الإيمان.
وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه أن الإيمان قول، وعمل، خلافًا لكل من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان؛ فالأعمال من الإيمان، وأدلة ذلك ظاهرة بينة لمن تدبر نصوص الكتاب والسنة.
المسألة الثانية:
أن الإيمان يزيد وينقص، وكثير من المرجئة يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه التصديق، وهو شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان يزيد وينقص، وما دخلته الزيادة دخله النقص، إذا خلا عن الزيادة قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال]، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران].
فالإيمان يزيد بالطاعة، فكل من كان لله أطوع كان إيمانه أكمل، والتصديق بالقلب يقوى ويضعف.
[ ٢٤٣ ]
من أوتي علما وبصيرة فإنه يحس زيادة الإيمان ونقصه
المرجئة والمعتزلة والخوارج عندهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص
وينقص الإيمان بالمعصية، وهذا هو المعقول، أفيكون إيمان التقي المستقيم على أمر الله ظاهرًا وباطنًا كإيمان المنتهك لحرمات الله؟!
أفيكون إيمان آحاد المؤمنين كإيمان الكُمَّل من المؤمنين كأبي بكر وعمر ﵄ فضلًا عمن فوقهم؟!
وكل من أُوتي علمًا وبصيرة، وتفقدًا لحاله؛ فإنه يحس بزيادة الإيمان ونقصه: بقوة الخوف من الله، وقوة التوكل، فالخوف يقوى ويضعف، والتوكل يقوى ويضعف، والرجاء يقوى ويضعف.
هذا في أحوال القلوب فضلًا عن الأعمال الظاهرة.
وكما تقول المرجئة: إن الإيمان واحد، وأهله فيه سواء، كذلك الخوارج والمعتزلة عندهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص - بمعنى - أنه كل لا يتجزأ، فإذا فات منه جزء أو فقد منه جزء زال الكل، كمرتكب الكبيرة يزول إيمانه كله بزوال بعضه بفعل تلك الكبيرة.
وعند أهل السنة لا يزول كل الإيمان بزوال بعضه.
والإيمان شعب كما في الحديث (^١) لكن منها شعب قد يزول الإيمان بزوالها، وشعب لا يزول الإيمان بزوالها، وإلا لوقع الناس في حرج عظيم.
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٢٤٢].
[ ٢٤٤ ]
بعض المعاصي توجب الكفر، وأمثلة لذلك
المسألة الثالثة: حكم مرتكب الكبيرة:
أهل السنة والجماعة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، وأهل القبلة هم: كل من أظهر الإسلام، ولم يأتِ ناقضًا من نواقضه. كما في الحديث عن النبي ﷺ «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم ..» (^١).
فكل الطوائف التي لا يحكم بكفرها، فهي من أهل القبلة، والمنافقون من أهل القبلة في الظاهر، وإلا فهم ليسوا من المؤمنين، بل هم مع الكافرين قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء].
فأهل السنة لا يكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي: أي لا يقولون: يكفر بفعل أي معصية.
فالمعاصي أنواع: معاصٍ توجب الكفر، وتنقض الإسلام؛ كالاستهزاء بآيات الله وبرسول الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ [التوبة].
ومثل: سبِّ الإسلام، أو سبِّ الرسول ﷺ هذه ذنوب يخرج بها الإنسان عن الإسلام؛ ولهذا قال الشيخ: إن أهل السنة لا يكفرون
_________________
(١) رواه البخاري (٣٩١)، من حديث أنس ﵁.
[ ٢٤٥ ]
الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة، وبعضهم يكفر مرتكب الصغيرة
الأدلة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر
المعتزلة يسلبون مرتكب الكبيرة الإيمان ولا يكفرونه
أهل القبلة بمطلق المعاصي، خلافًا للخوارج؛ فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعروف أنهم يكفرون مرتكب الكبيرة (^١).
فمن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب خرج عن الإسلام عندهم، وصار مرتدًّا حلال الدم والمال؛ كالسارق والزاني وشارب الخمر.
أما أهل السنة، فإنهم لا يكفرون بهذه الذنوب، بل أخوة الإيمان باقية مع المعصية؛ فالقاتل أخ للمقتول، قال الله تعالى في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ يعني: القاتل الذي عفي له ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ يعني: من دم أخيه المقتول، فالقاتل والمقتول أَخَوان في الإسلام، وإن كان القاتل عاصيًا ظالمًا، والمقتول مظلومًا.
لكن هذا الذنب لا تزول معه أخوة الإيمان، ومثل هذه آية الحجرات ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، إلى أن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فأهل السنة لا يسلبون العاصي أو الفاسق المِلِّي - الملي: نسبة لملة الإسلام - الإيمان كما تفعل الخوارج والمعتزلة.
والخوارج لا يقتصرون على سلبه الإيمان، بل يسلبونه الإيمان ويكفرونه، أما المعتزلة فإنهم يسلبونه الإيمان، وأهل السنة لا يكفرونه، ولا يسلبونه الإيمان، ولا يخلدونه في النار يوم القيامة، بل هو يوم القيامة تحت مشيئة الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ص ٨٦، والملل والنحل ١/ ٨٥. وقال شيخ الإسلام: الخوارج يكفرون بالذنب الكبير أو الصغير عند بعضهم. مجموع الفتاوى ١٩/ ١٥١، وانظر أيضًا: ١٢/ ٤٧٠.
[ ٢٤٦ ]
يخرجه من النار برحمته ﷾، وبشفاعة الشافعين من أهل طاعته، وكل ذلك من فضله وكرمه وإحسانه.
وذكر الشيخ: أن الفاسق يدخل في اسم الإيمان في بعض الآيات، وقد لا يدخل في بعض الآيات، ففي قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ هذه يدخل فيها الفاسق، فليس من شرط الرقبة التي أمر الله بتحريرها كمال الإيمان، بل يجزئ تحرير رقبة إنسان ذكر أو أنثى معه أصل الدين، ولهذا قال الرسول ﷺ للجارية - التي أراد سيدها أن يعتقها -: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (^١).
ولا يدخل الفاسق الملي في الإيمان المطلق في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ - إلى قوله: - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فالفاسق الملي لا يدخل في مَنْ هذه صفاتهم؛ لأنه ليس مؤمنًا حقًّا، هو مؤمن في الجملة، كما لا يدخل في اسم الإيمان في قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (^٢). أي: الإيمان الكامل الذي يمنع من مقارفة هذه الفواحش، فالمؤمنون الكُمَّل يمنعهم إيمانهم عن اقتراف المعاصي الكبيرة كالزنا، أو السرقة، أو الانتهاب.
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ١٥٥].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٤٠].
[ ٢٤٧ ]
الفاسق الملي لا يعطى الإيمان المطلق ولا يسلب مطلق الإيمان
المسلم الزاني وهو يزني عنده أصل الإيمان لا يزول عنه؛ لأنه لو زال عنه صار مرتدًّا، لكن يزول عنه الإيمان الكامل الذي يمنع من الإقدام على الفاحشة.
ومتى يعود له إيمانه؟ إذا تاب عاد إليه ما كان معه من إيمان.
وذكر الشيخ في ختام هذا الفصل حكم الفاسق - وهو مرتكب الكبيرة العاصي من المسلمين - أن أهل السنة يقولون فيه: «إنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه» أي: هو مؤمن بما معه من إيمان.
«فاسق بكبيرته»: أي فاسق باعتبار الكبيرة.
يقول الشيخ: «فلا يعطى الاسم المطلق»: فيقال: هو مؤمن، أو هذا مؤمن.
«ولا يسلب مطلق الاسم»: فيقال: إنه ليس بمؤمن؛ لأن هذه فيها سلب لمطلق الإسلام، فلا يُعطَى الاسم المطلق؛ بحيث يوصف بالإيمان الكامل، فيقال: هذا مؤمن.
ولهذا لما قسم الرسول ﷺ قسمًا، فقال له سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول الله أعطِ فلانًا فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ: «أو مسلم»، أقولها ثلاثًا، ويرددها علي ثلاثًا، «أو مسلم» (^١). ففرَّق بين الإيمان والإسلامِ، الإسلامُ يقع على سائر المسلمين، فكل من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام، فهو
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠).
[ ٢٤٨ ]
مسلم، فاسم الإسلام أعم وأوسع دائرة، ولا يكون الإنسان مسلمًا على الحقيقة، إلا ومعه أصل الإيمان: إيمان القلب.
فكل مؤمن مسلم، وكل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا الإيمان الكامل.
فهذا تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسائل الثلاث:
في مسمى الإيمان وما يتناوله هذا الاسم، وفي زيادة الإيمان ونقصانه، وفي حكم مرتكب الكبيرة، أو الفاسق الملي، يعني: بأي التعبيرين.
وقد أشار إلى مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك، ومذهب الخوارج، ومذهب المعتزلة، فأهل السنة والجماعة يخالفون هذه الطوائف فيما ابتدعوه من الأسماء والأحكام، فمرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا مثلًا: أنه مؤمن ناقص الإيمان ليس بكافر، ولم يخرج عن الإيمان مطلقًا، وفي الآخرة تحت مشيئة الله.
وهذا هو موجب عدل الرب ﷾ فلا يُسَوِّي بين مَنْ آمن به وبرسله مع ارتكاب بعض الذنوب، وبين من كفر به وبرسله، كما لا يسوي بين العاصي الفاسق المجترئ على حرمات الله، وبين المتقين ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص].
* * * *
[ ٢٤٩ ]