وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ، وأجمع عليه سلف الأمة: من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤)﴾ [الحديد] [٢٩/ ١]. وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة [مثل أن يُظن أن ظاهر قوله: ﴿فِي السَّمَاء﴾ أن السماء تقله، أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه
[ ١٨٤ ]
سبب تخصيص المؤلف هذا الفصل مع أنه سبق الكلام عليه
السموات والأرض، وهو الذي يمسك السموات والأرضَ أن تزولا وَيمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره] (^١).
هذا فصل خصَّصه الشيخ ﵀ لتقرير صفتين من صفات الله، تقدم ذكرهما وذِكر أدلتهما من الكتاب والسنة (^٢)، وهما: علوه تعالى على خلقه واستواؤه على عرشه، ومعيته لعباده، ولكنه خصص لهاتين الصفتين فصلًا خاصًّا؛ لوجود الاضطراب في هذا المقام، وكثرة الاشتباه في هذا الأمر.
ذكر الشيخ: أن من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ، وأجمع عليه سلف الأمة: من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا كما في آية الحديد، فإن الله تعالى قد جمع فيها بين الأمرين: بين ذكر العلو والمعية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤)﴾ [الحديد].
_________________
(١) زيادة من (م).
(٢) العلو والمعية ص ١٢٦، والاستواء ص ١١٩.
[ ١٨٥ ]
فمن الإيمان بالله الإيمان بعلوه تعالى، وفوقيته على خلقه، واستوائه على عرشه، وأنه تعالى مع ذلك هو مع عباده، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، فهذا مما أخبر الله به في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ، وأجمع عليه سلف الأمة.
إذًا: هاتان الصفتان ثابتتان بالكتاب والسنة والإجماع، ولا منافاة بين هاتين الصفتين؛ فإنه تعالى مع علوه على خلقه واستوائه على عرشه هو مع عباده، مطلع، ورقيب، ومهيمن عليهم، لا يخفى عليه شيء من حالهم وأمرهم.
والمعية التي وصف الله بها نفسه ويجب إثباتها له لا تقتضي أن يكون الله مختلطًا بالخلق، وحالًّا فيهم، تعالى الله عن ذلك.
يقول الشيخ: «فإن هذا المعنى الباطل لا توجبه اللغة»: المعية لا تقتضي اختلاطًا، ولا حلولًا، فاللغة لا توجبه، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، فالذين لم يفهموا من معيته تعالى لعباده إلا أنه مختلط بهم حالٌّ فيهم حتى قالوا: إنه في كل مكان! هؤلاء خارجون عن موجب اللغة، مخالفون لما أجمع عليه سلف الأمة، ومخالفون لما تقتضيه الفطرة السوية.
ومعية المخلوق للمخلوق لا تقتضي اختلاطًا وحلولًا، ومثاله: هذا القمر، فوق حيث شاء ﷾ وبعيد عن الأرض، ويقال: إنه معنا مع المسافر وغير المسافر، وهو في مكانه، فإذا كانت معية المخلوق للمخلوق لا تقتضي اختلاطًا، فكيف بمعية الخالق للمخلوق؟!
[ ١٨٦ ]
معنى أن الله في السماء؛ أي: في العلو فوق جميع المخلوقات
يجب أن يعلم أن ما وصف الله به نفسه من علوه ومعيته، وفوقيته ومعيته أن كل ذلك حق على حقيقته.
الله تعالى مستوٍ على عرشه حقيقة، عالٍ على خلقه حقيقة، وهو معنا حقيقةً، وليس في قولنا: إنه معنا حقيقة ما يتضمن الحلول، هو معنا حقيقة على ما يليق به، ويناسبه ويختص به، فهو حق على حقيقته.
يقول الشيخ: «لا يحتاج إلى تحريف وصرف له عن ظاهره»: الله تعالى نفسه معنا، وهو فوق سمواته مستوٍ على عرشه، وهو سبحانه معنا يرانا، ويسمعنا، وعلمه محيط بنا ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧].
يقول المؤلف: «ولكن يصان عن الظنون الكاذبة»: ما يُثبت لله من الفوقية من كونه في السماء يجب أن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل: أن يظن أن مَعْنى أنه الله في السماء: في داخل السماء تقله، وتحمله، والسماء الأخرى تظله تعالى الله، فهذا ظن كاذب، وسوء ظن بالله، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، فإن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن معنى في السماء يعني في العلو فوق جميع المخلوقات، فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء.
وكذلك المعية يجب أن تصان عن الظن الكاذب؛ كظن الحلولية الذين يقولون: معنى أنه معنا: أنه في كل مكان حالٌّ في الأشياء في داخل الغرف، في داخل الأمكنة المستخبثة، حال في كل شيء يعني
[ ١٨٧ ]
هذا الفصل ينبغي حفظه
أشبه ما يكون بالهواء الذي يملأ الفراغ تعالى الله عما يقول الظالمون، والجاهلون، والمفترون علوًا كبيرًا، سبحان الله عما يصفون.
ويشير الشيخ إلى الدليل الدال على امتناع أن يحيط به شيء من مخلوقاته، فإنه سبحانه العلي وهو العظيم الذي لا أعظم منه، فالمخلوقات كلها في قبضته ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وهو العظيم الذي ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، فهذه العوالم كلها في قبضته تعالى يدبرها كيف شاء.
وهذا الفصل ينبغي حفظه؛ لأن فيه عبارات جيدة تتضمن بيان ما يجب انتهاجه والثبات عليه من إثبات هاتين الصفتين: العلو والمعية، والإيمان بذلك من الإيمان بالله وبكتابه ورسوله ﷺ.
* * * *
[ ١٨٨ ]