ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج، والجهاد، والجمع، والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا، أو فجارًا، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه ﷺ» (^١). وقوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (^٢).
عقد الشيخ ﵀ هذا الفصل الذي ختم به هذه العقيدة؛ لبيان منهج أهل السنة في معاملة الناس، وفي سلوكهم في أنفسهم، وهم مع هذه الأصول المتقدمة كلها من:
إيمانهم بالله وصفاته مما جاء في الكتاب والسنة على التفصيل المتقدم، وإيمانهم باليوم الآخر بكل ما أخبر الله به في كتابه، وأخبر به
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥)، عن أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦)، من حديث النعمان بن بشير ﵄.
[ ٢٧٤ ]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الدين
أهل السنة يقيمون شرائع الإسلام مع الأمراء أبرارا أو فجارا
رسوله ﷺ، وإيمانهم بالقدر، وقولهم في الإيمان، وقولهم في أصحاب الرسول ﷺ على التفصيل المتقدم، واعتمادهم في الاستدلال على الكتاب والسنة والإجماع، واقتفاء آثار السلف الصالح من الصحابة ﵃ هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فهم مصلحون؛ ومنهجهم ليس علميًا وعقديًا فقط.
يقول الشيخ: «على ما توجبه الشريعة»: لا على ما يوجبه الهوى والرأي المجرد، فالمعتزلة من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنهم يدخلون فيه الخروج على الأئمة، ومن الناس من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، دون أن يتقيد بحدود الشريعة؛ فيفسد أكثر مما يصلح.
والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الدين، والأدلة عليه كثيرة من نصوص الكتاب والسنة، فهو واجب عظيم به قِوام الدين، وقِوام أمر المسلمين، وما حل بهم من فساد في دينهم ودنياهم إلا بتفريطهم فيما أوجب الله عليهم، وتفريطهم في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
كما أن من طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يقيمون شرائع الإسلام الحج، والجهاد، والجُمع، والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، فإذا كان القائد، أو أمير الحج فاجرًا لا يعطلون شعائر الإسلام من أجل فجوره، فهم يتعاونون مع كل من أمرهم بالخير، فكل من قادهم بكتاب
[ ٢٧٥ ]
الرافضة يرون أنه لا جهاد إلا مع إمام معصوم
الرابطة الإسلامية تعني الشعور بآلام وآمال المسلمين
الله وسنة رسوله ﷺ اتبعوه، خلافًا لأهل البدع كالروافض الذين يرون أنه لا جهاد إلا مع إمامٍ معصوم (^١)، والإمامُ المعصوم الذين يدعونه معدوم.
كما أن أهل السنة يحافظون على الجماعات: صلاة الجماعة التي استخف بها كثير من المسلمين، والنصوص من الكتاب والسنة الدالة على وجوبها، وعظيم فضلها كثيرة مشهورة مذكورة (^٢).
ويعتقدون معنى قوله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (^٣) أي: يؤمنون بالرابطة الإسلامية، هذه الرابطة التي قد وهنت في نفوس كثير من المسلمين.
وهذه الرابطة تعني: الشعور بآلام وآمال المسلمين «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
وجماع هذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فهذه الأخوة لها حق، وتقتضي المحبة والمواساة، والمشاركة في الآلام والآمال، وإن اختلفت وتباعدت أوطانهم، واختلفت أنسابهم، فلا يجوز الولاء والبراء على أساس الأرض، هذا سعودي، وهذا مصري، وهذا يمني ..
_________________
(١) وسائل الشيعة ١١/ ٣٢، ومنهاج السنة ٦/ ١١٨ و٨/ ٥١٨.
(٢) انظر مثلًا: السنن والأحكام ١/ ٤٢٢، ونيل الأوطار ٣/ ١٣٩، وغيرها من كتب الحديث.
(٣) تقدم تخريجه في [ص ٢٧٤].
[ ٢٧٦ ]
أكثر تعامل الناس الآن على أساس الروابط الجاهلية
والمحزن أن تعامل أكثر الناس الآن على أساس الروابط الجاهلية: التراب والوطن، والوطنية، وهي التي يُشاد بها وتُذكر ويُنَوَّهُ عنها.
والواجب أن تكون العلاقة التي يبنى عليها الولاء والبراء، والحب والبغض هي علاقة الدين؛ فتحب المؤمنين ممن كانوا، وأين كانوا، وتبغض الكافرين ممن كانوا وأين كانوا، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢].
* * * *
[ ٢٧٧ ]