[ ٦ / ٥ ]
جماع مقدمات
عقدية هامة في توحيد الأسماء والصفات
[ ٦ / ٧ ]
[٧٨٦] باب في وجوب تصفية العقيدة مما شابها من البدع بما فيها أبواب الأسماء والصفات
الشيخ: كثير من الناس من هؤلاء الموحِّدين يمرون على بعض الآيات التي فيها تتضمن عقيدة وبعض الأحاديث الأخرى وهم غير منتبهين لما تتضمن هذه النصوص من عقيدة صحيحة! وهي من تمام الإيمان بالله ﷿، خذوا مثلًا عقيدة أو الإيمان بعلو الله ﷿ على خلقه أنا أعرف بالتجربة أن كثيرًا من إخواننا الموحِّدين السلفيين يعتقدون معنا بأن الله ﷿ على العرش استوى دون تأويل ودون تكييف ولكنهم حينما يأتيهم معتزلي عصري أو جهمي عصري، أو ماتريدي أو أشعري عصري فيلقي إليه شبهة قائمة على ظاهر آية لم يفهم معناها لا الموسْوِس ولا الموَسْوَس إليه، فيحار في عقيدته ويضل عنها بعيدًا، لماذا؟
لأنه لم يتلقن العقيدة الصحيحة من كل الجوانب التي تعرَّض لبيانها كتابُ ربِنا وحديثُ نبِينا.
حينما يقول المعتزلي المعاصر: الله ﷿ يقول: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)، وأنتم تقولون إن الله في السماء، وهذا معناه أنكم جعلتم معبودكم في ظرف هو السماء المخلوقة، ما أريد أن أخوض طويلًا في هذه القضية؛ لأن المقصود هو التذكير فقط، وإلا فالبحث في هذه الجزئية يحتاج إلى جلسة خاصة، أريد من هذا المثال أن عقيدة التوحيد بكل لوازمها ومتطلباتها ليست واضحة في أذهان الذين آمنوا بالعقيدة السلفية، لا أعني الآخرين الذين اتبعوا الجهمية أو المعتزلة أو الماتريدية أو الأشاعرة في مثل هذه المسألة، فأنا أرمي بهذا المثال إلى أن المسألة ليست باليسر الذي يصوره اليوم بعض إخواننا
[ ٦ / ٩ ]
الدعاة الذين يلتقون معنا في الدعوة إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، أن الأمر ليس بهذه السهولة التي يدعيها بعضهم، والسبب في هذا ما سبق بيانه مني من الفرق بين جاهلية المشركين الأولين حينما يدعون أن يقولوا: لا إله إلا الله فيأبون؛ لأنهم يفهمون معنى هذه الكلمة الطيبة، وبين المسلمين المعاصرين اليوم حينما يقول هذه الكلمة لكنهم يأبون معناها الصحيح، هذا الفرق الجوهري هو الآن متحقق في مثل هذه العقيدة، عقيدة علو الله ﷿ على مخلوقاته كلها، فهذا يحتاج إلى بيان، ولا يكفي أن يعتقد المسلم فقط معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ومعنى: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، دون أن يعرف أن في هنا «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» في هذه الظرفية في هذا الحديث هي كـ "في" في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) أي: من على السماء، حتى إذا جاء ذلك المعتزلي أو الأشعري ووسوس إليه وقال له: أنتم تجعلون ربكم في ظرف في السماء، فيكون الجواب عنده: لا لا منافاة بين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، وبين قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)؛ لأن «في» هنا بمعنى «على» هناك، والدليل كثير وكثير جدًا، من هذا الحديث المتداول على ألسنة الناس، وهو بمجموع طرقه والحمد لله حديث صحيح: «ارحموا من في الأرض» لا يعني الحشرات والديدان التي هي في الأرض، وإنما من على الأرض من الإنسان والحيوان، «يرحمكم من في السماء» أي من على السماء، فمثل هذا التفصيل لا بد أن يكون المستجيبون لدعوة الحق على بينة من الأمر.
ويُقرِّب لكم هذا أن تتذكروا حديث الجارية وهي راعية غنم كما تعلمون، حينما سألها الرسول ﵇، وأنتم إن شاء الله ذاكرون الحديث، وإنما أذكر
[ ٦ / ١٠ ]
بالشاهد منه قال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء. لو سألت اليوم كبار شيوخ الأزهر لقالوا لك: في كل مكان، بينما الجارية تحسن الجواب، وهي جارية راعية غنم، ما هو السبب؟ لأنها كانت تعيش في جو بتعبيرنا العصري جو سلفي، أي جو سني بالتعبير العام؛ لأنها تخرجت كما يقولون أيضًا اليوم من مدرسة الرسول - ﵌ -، هذه المدرسة لم تكن خاصة في بعض الرجال ولا في بعض النساء، وإنما كانت تنتقل من ناس إلى ناس فتعم السكان جميعهم من رجال ونساء؛ ولذلك عرفت الجارية وهي راعية غنم العقيدة الصحيحة التي جاء بها رسول الله - ﵌ - في الكتاب وفي السنة.
اليوم لم يوجد شيء من هذا، من هذا البيان وهذا الوضوح، بحيث أنه لو سألت - ما أقول راعية غنم- بل لو سألت راعي أمة وجماعة قد يحار في الجواب، كما يحار الكثيرون اليوم.
فإذًا قضية الدعوة إلى التوحيد وتثبيتها في قلوب الناس، ما يكفي أن نمرِّر آيات كما كان الأمر في العهد الأول؛ لأنهم أولًا كانوا يفهمون العبارات العربية بيسر، وثانيًا لم يكن هناك زيغ وانحراف في العقيدة نبع من الفلسفة ومن علم الكلام، فقام يعارض العقيدة السليمة، فنحن أوضاعنا اليوم تختلف تمامًا، فلا يجوز أن نتوهم بأن الدعوة إلى العقيدة الصحيحة هي اليوم من اليسر، كما كان الأمر في ذلك اليوم من اليسر، وأقرب لكم هذا بمثل لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان إن شاء الله، من اليسر المعروف يومئذٍ أن الصحابي يسمع الحديث من رسول الله مباشرةً ثم التابعي يسمع الحديث من الصحابي مباشرة وهكذا نقف عند القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية هل كان هناك شيء اسمه: علم الحديث، لم يكن هناك شيء اسمه علم الحديث، علم الجرح والتعديل لم
[ ٦ / ١١ ]
يكن شيء منه هناك، أما الآن فهذا أمر لا بد منه، وهو فرض من فروض الكفاية، العالم اليوم لكي يتمكن من معرفة هذا حديث صحيح أو ضعيف، ليس هذا ميسرًا له كما كان الأمر بالنسبة للصحابي؛ لأنه يتلقى الحديث من فم النبي - ﵌ - غضًا طريًا، ثم التابعي يتلقاه من الصحابة الذين زكوا بشهادة الله ﷿ لهم إلى آخره، فما كان ميسورًا يومئذٍ ليس ميسورًا اليوم، لهذا ينبغي ملاحظة هذا الأمر، والاهتمام كما ينبغي مما يتناسب مع المشاكل المحيطة بنا اليوم بصفتنا مسلمين، ما لم يكن المسلمون الأولون قد أحاط بهم مما أحاط بنا من الإشكالات والشبهات وعلم الكلام، من أجل ذلك، أو يحسن بنا أن نذكر من أجل ذلك في بعض الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﵌ - لما ذكر الغرباء في بعضها، قال: «للواحد منهم خمسون من الأجر»، قالوا: منا يا رسول الله أم منهم، قال: «منهم»، ثم عللَّ ذلك بقوله ﵇: «إنكم تجدون على الحق أنصارًا، ولا يجدون على الحق أنصارًا»، هذا من مقتضى الغربة الشديدة القائمة اليوم، التي لم تكن في الزمن الأول، لا شك أنه الزمن الأول الغربة كانت بين شرك وتوحيد، بين كفر وإيمان، أما الآن المشكلة بين المسلمين أنفسهم، فهذه قضية ينبغي الانتباه لها أولًا، ثانيًا: لا ينبغي أن يقول ناس من الناس ولنقل نحن مثلًا معشر السلفيين المحصورين في بلد ما، نحن الآن ينبغي أن ننتقل إلى مرحلة أخرى غير مرحلة الدعوة إلى التوحيد، وأعني بهذه المرحلة الأخرى هو العمل السياسي، لا ينبغي أن نقول هذا؛ لأن الإسلام دعوته دعوة حق أولًا، وعامة ثانيًا، نحن ما ندري من أين ستنبغ الحركة التي يبدأ منها تحقيق الحكم بالإسلام في أرض الله الواسعة، ولذلك فيجب أن تكون دعوتنا عامة، إن كانت مثلًا دعوتنا في بلد عربي كمثل بلدنا هذا مثلًا، فما ينبغي أن نقول: نحن عرب والقرآن نزل بلغتنا العرب، مع أننا نذكر بأن العرب اليوم كبعض الأعاجم الذين استعربوا، فالعرب اليوم استعجموا؛ بسبب
[ ٦ / ١٢ ]
بعدهم عن لغتهم، وهذا مما أبعدهم عن فهم كتاب ربهم وسنة نبيهم، فهب أننا نحن العرب هنا فهمنا الإسلام فهمًا صحيحًا، فلا نقنع بأننا نكفي نحن أن نعمل عملًا سياسيًا، ونحرك الناس ونشغلهم بالسياسة عما يجب عليهم من الاشتغال بفهم الإسلام كما
قلنا آنفًا، ليس محصورًا بالعقيدة بل بالعبادة، وفي المعاملات وفي السلوك، أنا لا أعتقد أن هناك في الأرض الإسلامية العامة شعبًا يعد الملايين يمكن أن يعتمد عليهم بأنهم فهموا الإسلام بهذه الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها: عقيدةً، وعبادةً، وسلوكًا، ورُبوا على هذه التربية، لا أعتقد هذا موجود؛ ولذلك نحن ندندن دائمًا وأبدًا حول ونركز حول نقطتين أساسيتين، وكثير من إخواننا الحاضرين يعلمون ذلك حينما نقول: التربية، فإنما نعني من هذه التربية التربية القائمة على التصفية، فلا بد من الأمرين معًا، التصفية والتربية، فإن كان هناك نوع من التصفية فهو في العقيدة، وليس بصورة عامة، وفي شعب قد يعد الملايين، وإنما ذلك في أفراد منهم ضاعوا في هذا المجتمع الواسع، وليس لهم كلمة وليس لهم ما يجمعهم حتى يكونوا كتلة واحدة، بحيث يمكنهم أن يؤثروا في ذلك المجتمع الذي هو جزء من المجتمع الإسلامي الكبير، أعني شعبًا من الشعوب، فقد يكون هناك أفراد فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا من كل الجوانب نفترض هذا وهذا بعيد جدًا؛ لأني أعتقد أن فردًا بل ولا خمسة ولا عشرة ولا عشرين يستطيعون أن يقوموا بواجب التصفية، تصفية الإسلام مما دخل فيه في كل جوانب الإسلام من عقيدة من عبادة من سلوك من معاملة ما شابه ذلك، لا يستطيع أن ينهض بهذا الواجب أفراد قليلون خاصة في هذا المجتمع الذي يعد الملايين لا بد ما يكون هناك المئات من الدعاة الذين فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا، ثم قاموا بواجب تربية من حولهم، التربية هذه الآن مفقودة ولذلك سيكون للتحرك السياسي الآن آثار سيئة قبل تحقيق هاتين القضيتين الهامتين التصفية والتربية، هل
[ ٦ / ١٣ ]
نعني بتحقيق بكلمة التحقيق تحقيق ذلك في المجتمع الإسلامي كله، هذا مما لا نفكر فيه ولا منامًا؛ لأن هذا أمر مستحيل؛ لأن الله ﷿ يقول في القرآن الكريم: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود:١١٨، ١١٩)، هؤلاء المرحومون لا يتحقق فيهم أنهم مرحومون فعلًا من ربنا ﵎ إلا إذا فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا، وربوا أنفسهم أيضًا على هذا الإسلام الصحيح، فالاشتغال الآن بما يسمى بالعمل السياسي، ونحن لا ننكر العمل السياسي، لكننا نعتقد بالتسلسل المنطقي الشرعي في آن واحد، أن نبدأ بالعقيدة ونثني بالعبادة وبالسلوك تصحيحًا لكل هذه الأمور، ثم لا بد أن يأتي يوم لا بد من العمل السياسي فيه؛ لأن السياسة معناها: إدارة شؤون الأمة، من الذين يدير شؤون الأمة، ليس زيد وبكر وعمر الذي هو يتريس على جماعة أو يوجه جماعة هذا أمر الأمير الإمام الأول، يعني الذي يبايع من قبل المسلمين فهذا هو الذي يجب أن يكون على معرفة بسياسة الواقع، أما أن نشغل أنفسنا بأمور نحن لو عرفناها حق المعرفة لا نتمكن من إدارتها؛ لنضرب مثلًا واضحًا جدًا اليوم مع الأسف الشديد، هذه الحروب القائمة ضد المسلمين اليوم في كثير من بلاد الإسلام، هل يفيد تحريك وإثارة حماس المسلمين في كل بلاد الدنيا ونحن لا نملك الجهاد الواجب إدارتها من إمام مسؤول، لا فائدة من هذا العمل، لا نقول: هذا ليس بواجب، هو واجب،
ولكنه أمر سابق لأوانه، ولذلك فعلينا أن نشغل أنفسنا وأن نشغل غيرنا ممن ندعوهم إلى دعوتنا أن نفهمهم الإسلام الصحيح، وأن نربيهم تربية صحيحة، وإشغالهم بأمور حماسية فذلك مما سيصرفهم عن التمكن في الدعوة التي هي تجب أن يقوم بها أو أن تقوم في ذهن كل مكلف من المسلمين كتصحيح العقيدة وتصحيح العبادة وتصحيح السلوك، هذه من الفروض العينية التي لا يعذر مُقَصِّر فيها، أما الأمور الأخرى فهي بعضها يكون من
[ ٦ / ١٤ ]
الفروض الكفائية كما يقال اليوم من معرفة فقه الواقع، أو الاشتغال بالعمل السياسي وما شابه ذلك، هذا إذا عرفه بعض الأفراد إذا كان بإمكانهم أن يستفيدوا من ذلك عمليًا، أما أن يشغلوا جمهور الناس به؛ فذلك مما يشغلهم بالمهم عن الأهم، وهذا هو الذي نراه ملموسًا لمس اليد في كثير من الجماعات الإسلامية أو الأحزاب الإسلامية، حيث نعرف أن بعضهم كان يهتم بتربية الشباب المسلم المتكتل والملتف حول هؤلاء الدعاة ليفهموا العقيدة الصحيحة والعبادة الصحيحة والسلوك الصحيح، وإذا بهم بسبب الانشغال السياسي ومحاولة الدخول في البرلمانات التي تحكم بغير ما أنزل الله، فقد صرفهم عن الجانب الأهم، واشتغلوا بما هو مهم، وقد لا يكون مهمًا في ظرف من الظروف
القائمة الآن.
"الهدى والنور" (٧٥٠/ ٠٠: ٠٠: ٠٠)
[٧٨٧] باب في أهمية جعل العقيدة بما في ذلك توحيد الأسماء والصفات أولى الأولويات في الدعوة، مع بيان أهمية فهم السلف وخطورة التنكب عنه
[قال الإمام ناصحًا لبعض الدعاة]: فينبغي أن تدندن حول تنبيه إخوانك الذين عشت معهم عشرين سنة كما قلت أن يصححوا عقيدتهم بالله ﵎، كل مسلم يعلم أصول الإيمان آمنت بالله وملائكته وإلى آخره، وبالقدر خيره وشره، لكن هناك إيمان بهذه الأصول إيمان مجمل وهذا هو الأصل الذي لا يعذر أحد بجهله به .. الإيمان مجملًا بالله وملائكته إلى آخره، لكن هذا الإيمان المجمل لا يكفي، لا بد من أن يقترن به الإيمان المفصل الذي جاء بيانه في كتاب الله وفي حديث رسول الله - ﵌ - أو سنته، وعلى منهج سلفنا الصالح، ولا بدأ الآن البيان
[ ٦ / ١٥ ]
للفرق بين الإيمان المجمل الذي هو الأصل الذي لا بد منه لكل مسلم ثم لا بد أن يقترن معه التفصيل، الإيمان بالله .. أصل الإيمانات ..، كل أهل الأديان يشتركون في هذا الإيمان المجمل، ويختلفون عن الملاحدة الذين لا يؤمنون إلا بالطبيعة، فاليهود يؤمنون بالله والنصارى يؤمنون بالله والصابئة يؤمنون بالله والبوذيون والكفر والشرك إلى آخره ..، إلا الملاحدة فإذًا هذا الإيمان المجمل لا يكفي، لا بد من أن يكون إيمانًا مبينًا مفصلًا، وكما قلت آنفًا على ما جاء في الكتاب والسنة، والآن لنضرب مثلًا من واقع حياتنا ومن جهل شبابنا المتحزب المتكتل على غير هدى من الله، إنهم جميعًا لا يعلمون أن الله ﷿ يجب أيضًا هذا الكلام مجمل لا بد من التفصيل .. لا بد من الإيمان بالله كما وصف نفسه في الكتاب والسنة .. كما وصف نفسه في الكتاب والسنة، وصف نفسه بالتنزيه ووصف نفسه بالصفات الكاملة التي تليق بالله ﷿ الآية المعروفة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) الآن المسلمون وفيهم من أشرنا إليهم آنفًا يصدق فيهم كلمة لأحد الأمراء القدامى الأذكياء حينما سمع بعض المشائخ الذين لا ينحون منحى منهج السلف في التمسك بالكتاب والسنة حين وصفوا ربهم بما يأتي قالوا: الله ﷿ لا يوصف بأنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف ولا يقال هو داخل العالم ولا يقال هو أيضًا خارج العالم، فماذا قال ذلك الأمير الكيس الفطن الذكي؟ قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم، هذه حقيقة، المسلمون اليوم هذه عقيدتهم وهناك عقيدة أخرى قد تكون دونها شرًا لكنها هي في الشر تحيا، وهي مسموعة دائمًا في كل المجالس حينما يريد أحدهم أن يذكر ربه ماذا يقول؟ الله موجود في كل الوجود، هذا ذكرهم الله موجود في كل مكان، وهذا هو الكفر بعينه، ما هو السبب؟ انصراف المسلمين عن الكتاب والسنة، وعن منهج أرجو أن تتذكر هذه الإضافة لأنها ضرورية جدًا، وعن منهج السلف
[ ٦ / ١٦ ]
الصالح، لماذا؟ لأن أولئك المتكلمين أو الفلاسفة الضالين الذين وصفهم ذلك الأمير الكيس بأنهم أضاعوا ربهم، أو هؤلاء المتأخرون الضالون الذين حشروا ربهم في كل مكان حتى القاذورات حتى الكراهة، حتى المجاري حتى الكنف إلى آخره ..
هؤلاء لا ينكرون كلام الله ولا ينكرون سنة رسول الله - ﵌ -، بل قد يتحدون المخالفين لهم بأنهم يقولون نحن على الكتاب والسنة، لأننا نعلم جميعًا الفرق الضالة التي كانت في القرون الأولى كالمعتزلة والجبرية والقدرية والخوارج والإباضية الموجودين اليوم، هؤلاء كلهم لا يقولون نحن لسنا على الكتاب والسنة، وأيضًا هؤلاء المختلفين في هذا الزمان لا يمكن أن تسمع منهم تَبَرؤًا من كتاب أو سنة، إذًا ما هو منشأ الخلاف؟ منشأ الخلاف هو أنهم خالفوا سبيل المؤمنين، ربنا ﷿ حينما ذكر سبيل المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥) كان يمكن أن يقال: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى، لكنه لحكمة بالغة عطف على مشاققة الرسول قوله ﷿: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥) والحكمة واضحة جدًا أن هؤلاء المؤمنين هم الذين بينوا لنا القرآن والسنة، ولذلك قال رسول الله - ﵌ - في بيانه لمثل هذه الآية، وجوابًا عن سؤال السائل حينما ذكر ﵇ أن الفرقة الناجية هي واحدة من بين ثلاث وسبعين فرقة، لما سُئل ما هي الفرقة الناجية؟ قال ﵇: «ما أنا عليه وأصحابي»، ما قال ما أنا عليه فقط، وإنما أضاف إلى ذلك وأصحابي، اليوم بارك الله فيك أبو إيش أنت يقال لك؟
مداخلة: محمد.
الشيخ: أبو محمد .. يا أبو محمد الآن جماهير المسلمين خاصة المتحزبين
[ ٦ / ١٧ ]
المتكتلين لا يلقون بالًا إطلاقًا لهذه الضميمة التي ذكرها الله في الآية السابقة محذرًا من مخالفة سبيل المؤمنين ولهذه الضميمة الأخرى التي قرنها الرسول مع سنته ﵇ مبينًا أن تمام النجاة وكون الإنسان من الفرقة الناجية أن يتمسك بما كان عليه الرسول وأصحابه، هذه الضميمة الآن رفعت من أذهان جماهير المسلمين، لا أقول المعتزلة القديمة والحديثة، أقول أهل السنة والجماعة اليوم لا يلقون بالًا إطلاقًا لهذه الجملة، لذلك الإيمان بالله يجب أن يكون كما وصف نفسه كتابًا وسنة وعلى منهج السلف الصالح، فالآن ما هي عقيدة السلف الصالح بالنسبة للضلالة الأولى والكبرى التي وصفها ذلك الأمير بأنهم أضاعوا ربهم؟ والضلالة أختها الذين يقولون الله في كل مكان، يقول عبد الله بن المبارك ﵀ وهو من أئمة المسلمين المجاهدين علمًا وعملًا وجهادًا في سبيل الله ﷿، ومن من كبار شيوخ الإمام أحمد إمام السنة قال: (ربنا ﵎ فوق عرشه بذاته، وهو بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه)، هذه عقيدة السلف الصالح، اليوم انظر إلى هذه العقيدة وانظر إلى قول عامة المسلمين لا أستثني منهم خاصتهم: الله موجود في كل مكان .. الله موجود في كل وجود .. ! أما تلك الضلالة لا فوق لا تحت لا يمين لا يسار إلى آخره ..، لا داخل العالم ولا خارجه، أنا أقول لو طُلِب من أفصح من نطق بالضاد أن يصف لنا المعدوم، لما استطاع أن يصف هذا المعدوم بأكثر مما يصف هؤلاء المسلمون المهابيل ربهم ومعبودهم، لا فوق ولا تحت ولا يمين .. الله أكبر، ربنا يقول في عباده المصطفين الأخيار ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (النحل:٥٠) هذه صفة المؤمنين الذين يخشون الله، يراقبونه ﵎ معتقدين أن الله ﷿ على العرش استوى كما قال ذلك الإمام عبد الله: (ربنا فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه) .. رد على الصوفية الذين يقولون بقول إمامهم الضال الكبير ابن عربي: وما الله في التمثال إلا كثلجة بها الماء، وصف الله
[ ٦ / ١٨ ]
من حيث مخالطته لمخلوقاته كالماء في الثلج، بينخصوا عن بعضهم البعض؟ أبدًا، شعر إلى هذا كبير، أما هذاك الشعر الموجود في مقدمة كتابه الفتوحات المسماة بالفتوحات المكية بزعمه، قال:
العبد رب والرب عبد فليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك نفي أو قلت رب أنا يكلف؟
حيران مسكين بين العبد وبين الرب، العبد لا وجود له؛ لأنه (لا هو إلا هو) ولذلك ذِكْرُهم هوهو .. لا إله إلا الله يصرحون، لا إله إلا الله الذي خاطب الله نبيه في القرآن ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد:١٩) هذا توحيد الخاص في العامة، لا إله إلا الله توحيد العامة، المساكين الدراويش الضايعين، فيهم العلماء فيهم الصحابة كلهم هؤلاء عامة، توحيد الخاصة (لا هو إلا هو) وتوحيد خاصة الخاصة (هو) ما في غيره، انظروا الآن كلمة ما في غيره تمشي على ألسنة الناس اليوم بدون انتباه لهذه الضلالة الكبرى، العامي الرجل المسلم الذي عقيدته لا تزال على الفطرة، لكن توارث بعض العبارات لا ينتبه لمرماها ومغزاها، يقول لك: ما في غيره، طيب أنا أقول له أنت من؟ أنت عدم أو غير موجود؟ أعوذ بالله ما في غيره يقول لك، وهذه تساوي تمامًا الله في كل مكان، خلاصة هذا البحث يطول جدًا ولذلك أتيت بهذا المثال الأول ولعلي آتي بالأخير وما بين ذلك بحث طويل، فالإيمان بالله يجب أن يكون على ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله وعلى ما كان عليه سلفُنا الصالح؛ لأنه لا أحد .. يتبرأ من الكتاب والسنة، لكنه بريء من الكتاب والسنة لأنه يتأولهما حسب جهله وضلاله وو .. أنا جاءني هنا رجل ربما سمعتم به أو لعلكم ابتليتم بلقائه وهو يعلن ويرفع راية ضلاله بأن يقول أنا معتزلي، سمعتم بهذا الإنسان؟ هذا جاء هنا فبدأ يرفع من شأن العقل، وبدأ
[ ٦ / ١٩ ]
يطرح أنه كأنه إذا اختلفنا لا بد أن نرجع للعقل، فأنا صبرت عليه قليلًا بعدين قلت له: لكن الله ﷿ يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (النساء:٥٩) إلى آخره، يعني إذا قلنا لكم ما تصدقون أن مسلمًا يقول هذا الكلام، لكن هنا شهود.
مداخلة: والشريط نفسه.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: والشريط.
الشيخ: والشريط، قال: كلام الله يتحمل وجوهًا من المعاني .. كلام الله يتحمل وجوهًا من المعاني، ولذلك لا بد من تحكيم العقل، قلت: يا شيخ هذا الكلام في منتهى الضلال، هات نشوف المعنى الثاني لقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ (إبراهيم:١٠) فما أجاب وحاد، وأصر على ضلاله، وهكذا يقولون يعني ما ضلت الفرق كلها إلا لأنهم تأولوا القرآن بغير تأويله الذي بينه الرسول ﵊، الشاهد هذا المثال الأول الإيمان بالله، فلا يكفي الإيمان بالله المجمل لا بد من الإيمان المفصل في حدود الكتاب والسنة، نأتي إلى الإيمان بالقدر، فيه ناس إلى اليوم يؤمنون بالقدر لكن القدر عندهم يساوي الجبر، فهل آمن بالقدر؟ ما آمن بالقدر، إذًا يجب ألا نغتر بالإيمان بألفاظ الكتاب والسنة دون الإيمان بمعانيها الحق، الإيمان بالألفاظ لا يسمن ولا يغني من جوع؛ لأن كل الفرق الضالة تشترك هذه مع تلك في الإيمان بألفاظ القرآن والسنة، لكنهم يختلفون في التأويل، وهذا بحث كما قلت طويل وطويل جدًا، حسبنا إذًا الآن أن ندندن دائمًا في دعوتنا المسلمين إلى الإيمان بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح ثم نعالج فيهم في حدود الأهم فالأهم، ما نراهم قد انحرفوا قد يكونوا
[ ٦ / ٢٠ ]
انحرفوا في السلوك وهذا شيء كثير، انحرفوا في العبادة وهذا كثير، انحرفوا في العقيدة وهذا أيضًا كذلك، ولذلك الأمر كما قيل العلم إن طلبته كثير، والعمر عن تحصيله قصير، فقدم الأهم منه فالأهم.
"الهدى والنور" (٦٦٠/ ٣٤: ٣٣: ٠٠)
[٧٨٨] باب هل ينبغي على الدعاة أن يتجنبوا الكلام
على الأسماء والصفات أمام العامة؟
السؤال: جزاكم الله خيرًا. بمناسبة ذكر الأسماء والصفات يقول بعض الناس: بأنه يجب على الدعاة إلى الله ألا يتحدثوا في هذا الباب أمام عامة الناس وغوغائِهم؛ لأن الخوض في هذا يؤدي إلى وقوع الشك في نفوسهم، فما هو مدى صحة هذا الكلام؟
الشيخ: نعم. أولًا: نقول لهؤلاء: تحدثوا أنتم أمام العامة بخير من هذا الكلام، تحدثوا أنتم بخير من هذا الكلام، فإذا كان لا يعجبكم هذا الكلام فواجبكم أن تتحدثوا بما يعجبكم من غير هذا الكلام، وإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فستسمعون ما لا يرضيكم، وهذا الذي لا يرضيكم المهم أنه يرضي ربكم، وهذا هو الذي وصلنا من علم السلف وندين الله به، والعامة - كما قلنا لكم آنفًا - هم على الفطرة، إذا قيل لهم: لا فوق، لا تحت استنكرته قلوبهم، لكن إذا قيل لهم: الله فوق المخلوقات كلها وليس فوقه أي مخلوق فهذا هو الذي يلتقي مع الفطر السلمية ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم:٣٠) نعم.
"الهدى والنور" (٣١٤/ ٠٠:١٤:٠٨).
[ ٦ / ٢١ ]
[٧٨٩] باب هل آيات الصفات
وأحاديثها من المتشابهات أم من المحكمات؟
سؤال: هنا يسأل سائل: هل آيات الصفات والأحاديث من المتشابهات أم من المحكمات كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية
الشيخ: هي من جهةٍ من المتشابهات، وذلك فيما يتعلق بالكيفيات، وليست من المتشابهات من حيث أن لها معنًى ظاهرًا كما قلنا آنفًا في قول السلف: أمِرُّوها كما جاءت يعني بالمفهوم العربي والمثال عن مالك سابقًا ذكرناه أيضًا، فهي بهذا الاعتبار أي: بمعنى أن هذه الآيات لها معاني معروفة في اللغة العربية فهي غير متشابهة ..
أما باعتبار الكيفية فهي متشابهة؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيفية ذات الله فبالتالي لا يمكن أن نعرف كيفية صفات الله ﷿، ولذلك قال بعض أئمة الحديث وهو أبو بكر الخطيب صاحب التاريخ المعروف بتاريخ بغداد: يقال في الصفات ما يقال في الذات سلبًا وإيجابًا، يقال في الصفات ما يقال في الذات، فكما أننا نثبت الذات ولا ننفيها فإن هذا النفي هو الجحد المطلق، كذلك نقول في الصفات: نثبتها ولا ننفيها ولكننا كما لا نكيف الذات لا نكيف الصفات، هذا جواب هذا السؤال.
"فتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠:٥٨:٠٦) "فتاوى الإمارات" (٣/ ٠٠:٠٠:٣٨)
[٧٩٠] باب منه
السؤال: باب توحيد الأسماء والصفات من الأبواب الدقيقة التي غاصت فيها أفهام عقول كثير من الناس قديمًا وحديثًا، فترى كثيرًا من الناس يتكلم فيه بغير
[ ٦ / ٢٢ ]
علم، وقليلًا منهم من يتكلم فيه بعلم، ومن هؤلاء الذين يتكلمون فيه بغير علم من يقولون بأن آيات الأسماء والصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ﷾، فما هو قولكم في هذا؟ نرجو التوضيح جزاكم الله خيرًا.
الشيخ: هذه المسألة قد صُنِّفت فيها مصنفاتٌ كثيرة منا نحن أهل السنة والجماعة ومن المخالفين لأهل السنة والجماعة، فليس من الممكن الإجابة عن مثل هذا السؤال في دقائق معدودات، ولكني أقول: إن التأويل المنفي بنص القرآن الكريم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران:٧) ليس المقصود به مطلقًا والبتة: لا يعلم معناه إلا الله. وهنا يظهر خطأ الذين ينتحون ناحية التفويض في آيات الصفات وأحاديث الصفات، فيقولون: نَكِلُ معانيها إلى الله ﷿ ولا نخوض فيها، ليس لهم حجة في مثل هذه الآية ولا حجة لهم سواها، وإذا كانت حجتهم هي هذه فكما تسمعون، ربنا يقول: لا يعلم تأويلها ولم يقل: لا يعلم معانيها إلا الله، وتأويل الشيء هو معرفة عاقبة أمره وحقيقة أمره.
مداخلة: ما يؤول إليه.
الشيخ: ما يؤول إليه وينتهي إليه، نعم. فنحن حينما نقرأ بعض آيات الصفات أو أحاديث الصفات لا شك ولا ريب نفهم معانيها، كمثل قوله ﵎ في الآية المذكورة في أماكن عديدة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) كما نفهم حديثه ﵇ المتواتر عنه: «ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا» فنفهم معنى الاستواء ونفهم معنى النزول، ولكن حقيقة ذاك الاستواء وذاك النزول لا يعلمه إلا الله، هذا هو المقصود بهذه الآية، وليس المقصود ما يزعم أهل التفويض أننا لا نعرف معاني هذه الآيات. كيف يكون ذلك معقولًا فضلًا عن أن يكون مشروعًا؟
[ ٦ / ٢٣ ]
فربنا ﷿ كما قال في القرآن الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف:١٨٠) فأسماؤه الحسنى قسم كبير جدًا مذكور في القرآن الكريم، وقسم آخر مذكور في أحاديث الرسول ﵊، وهذه الأسماء بلا شك في الوقت الذي هي أسماء لله هي صفات له.
فإذا قلنا: أن هذه الأسماء كالصفات لا يمكن أن نفهم منها شيئًا، لأن الله يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران:٧) معناها: عطلنا أسماء الله وعطلنا صفاته ﵎، وحينما ندعوه بأسمائه الحسنى ندعوه بأشياء لا نعرف معانيها.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ (البقرة:٢٥٥) ما معنى الحي؟ ما ندري. القيوم؟ ما ندري، عدد الأسماء التسعة والتسعين وزيادة، فمعنى ما سبق طرحه كسؤال أنهم لا يفقهون شيئًا من معاني هذه الأسماء الكريمة، فهل يقول مسلم بأن الله ﷿ تعرف إلى عباده بأسماء وصفات لا معاني لها مفهومة عندنا؟ حاشا لله ﵎، هذا هو التعطيل بعينه الذي صرح عنه الإمام بحق ابن القيم الجوزية ﵀ حينما قال: "المجسِّم يعبد صنمًا والمعطِّل يعبد عدمًا"، المعطل يعبد عدمًا فعلًا؛ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة:٢٥٥) أيش هذه الأسماء معانيها؟
ما ندري، إما أن ندري وإما ألا ندري، إن كنا ندري فما معنى: لا يعلم تأويله؟ أي: لا يعلم حقائقها، لأننا نعتقد في ذات الله ما نعتقده في صفات الله إثباتًا ونفيًا، فحينما نثبت وجود الله نثبت له وجودًا حقيقيًا واجب الوجود كما يقول علماء الكلام، وحينما نثبت له تلك الصفات أيضًا نثبتها له ونحن نفرق في المعنى بين صفة وأخرى.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فنفهم أن السميع غير
[ ٦ / ٢٤ ]
البصير والبصير غير القدير وو إلى آخر ما هنالك من صفات.
إذًا هذه الصفات كُلُّها مفهومة والحمد لله، ولكن حقائقها مجهولة لدينا، كالذات. هل نعرف ذات الله: حقيقتها؟ حاشا لله، لكننا نعلم يقينًا أن ذات الله هي التي أوجدت هذه الكائنات وهي متصفة بكل صفات الكمال ومنزهة عن كل صفات النقص.
من أجل ذلك صح عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ حينما جاءه ذاك السائل فقال له: يا مالك! الرحمن على العرش استوى، ما استوى؟ أيش معنى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه - أي عن الكيف - بدعة، أخرجوا الرجل فإنه مبتدع.
فإذًا الاستواء معلوم، أي: هو الاستعلاء كما ثبت ذلك عن السلف، لكن كيف الاستواء؟ مجهول كما نجهل حقائق الذات والصفات كلها كما ذكرنا، فجهلنا بحقيقة الذات وبحقيقة الصفة لا يحملنا على أن ندعي أننا لا نفهم شيئًا، وعلى قولة إخواننا في حلب: "طاول"، ما نفهم شيئًا لهذه الأسماء إطلاقًا هذا هو الجهل بعينه والمكابرة، لأن الله ﷿ حينما يقول لنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ماذا يعني؟ ألا يعني أن نعتقد ما يصف به نفسه؟ لا شك
في ذلك.
وهل يمكن أن نعتقد في الله ما وصف به نفسه بالجهل أم بالعلم؟ لا شك أن الجواب بالعلم وليس بالجهل.
تمام الآية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فربنا وصف نفسه بأنه سميع وبصير. هل نستطيع أن نفهم الله بأن نقول: لا ندري ما معنى سميع وما معنى
[ ٦ / ٢٥ ]
بصير؟ ذلك هو الجهل، ذلك هو التعطيل الذي سمعتموه آنفًا من ابن القيم: المجسِّم يعبد صنمًا والمعطِّل يعبد عدمًا.
لقد وصل الأمر بهؤلاء المعطلة إلى أن يقولوا فعلًا: لا وجود لله، هذا الله الذي تعبدون له لا وجود له، لماذا؟ لأن كل موجود لا بد إما أن يكون داخل العالم أو أن يكون خارج العالم، وهم قد وصفوا ربهم بهذه الصفات السلبية الآتية؛ قالوا. وأنا سمعتها من أحد مشائخهم على المنبر يوم الجمعة يُضَلِّل الناس بالرد على السلفيين الذين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) استعلى كما قال الإمام مالك وكما قال كل السلف.
فهم يقولون: الله، هكذا يقولون وبئس ما يقولون، الله لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه. زاد بعض الفلاسفة ما سمعته من شيخي، أنا بريء من قوله، ما سمعت هذا الوصف الأخير قالوا: لا متصلًا به ولا منفصلًا عنه أنا قلت مرة لبعضهم: لو قيل لأفصح العرب بيانًا: صف لنا المعدوم الذي لا وجود له لما استطاع أن يصف هذا المعدوم بأكثر مما وصف أولئك معبودهم، حين قالوا: الله لا فوق ولا تحت، لا يمين ولا يسار، لا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه.
قالت الفلاسفة: لا متصلًا به ولا مفصولًا عنه. هذا هو العدم، إذًا لا تستغربوا قول ابن القيم: المعطل يعبد عدمًا، لأنه هذا قولهم، وهذا يُذكِّرني بموقف ابن تيمية بالنسبة لمشايخ علماء الكلام لما أقاموا الدعوى عليه أمام أمير دمشق يومئذ، فجمعهم مع ابن تيمية وتناقشوا بينهم، كان الملك عاقلًا لم يكن عالمًا لكنه كان عاقلًا كان ذكيًا، فسمع مثل هذه العبارات قد تكون هي عينها، لأن الخلف ورثوا عن خلفهم هذه الكلمات وقد يكون معانيها. المهم ابن تيمية ﵀ شرح هناك
[ ٦ / ٢٦ ]
عقيدة السلف بطبيعة الحال بأحسن مما ذكرنا لكم آنفًا، وشرح أولئك عقيدة الخلف وطبعًا أقول أيضًا بأسوأ مما ذكرنا آنفًا، أي نعم. فقال الأمير الكَيِّس الذكي الفطن: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم. الحقيقة أنا أعجبت بهذا الكلام تمامًا مع أنه ليس بعالم، لكن لما يسمع العامي الذي فطرته سليمة: الله لا هو لا تحت، لا يمين،
لا يسار، لا أمام، لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، والله هؤلاء قوم
أضاعوا ربهم.
مداخلة: أخونا يقول: يعني نفهم من شيخنا أن آيات الصفات ليست من المتشابه؟ ..
الشيخ: ليست من المتشابه.
مداخلة: يعني من المحكمة.
الشيخ: المتشابه هو تأويلها بس.
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم.
"الهدى والنور" (٣١٤/ ٠٠:٠٠:٤٥).
[٧٩١] باب هل عقيدة السلفيين
في الصفات هي عقيدة الصحابة؟
سؤال: شيخنا هل العقيدة التي يحملها السلفيون هي عقيدة الصحابة، فإن هناك من الناس من يزعم أو يقول: إن كانت هي عقيدة الصحابة فأتونا ولو بصاحبي واحد يقول بصفات نؤمن بالمعنى ونفوض الكيف، فما هو قولكم؟
[ ٦ / ٢٧ ]
الشيخ: نحن نعكس السؤال ثم نجيب عن هذا الجواب، هل هناك صحابي تأول تأويل الخلف؟ نريد مثالًا أو مثالين.
مداخلة: يذكرون أحيانًا عن ابن عباس ﵁، أي نعم، أنه تأول آية من كتاب الله ﵎.
الشيخ: طيب، إذا تأول ما هو الذي حمله على التأويل؟ وهل كان ذلك هو منهج الصحابة الأولين؟ نحن جوابًا عن السؤال الأول نقول: إن السلف الصالح لم يكونوا بحاجة إلى أن يشرحوا ما هو واضح لديهم وضوح الشمس في
رابعة النهار.
المثال السابق يشبه تمامًا ما لو قال قائل: أعطونا مثالًا واحدًا أن أحد الصحابة قال هذا فاعل وهذا مفعول به وهذا مفعول للتمييز وهذا للحال إلى آخر ما هنالك من مصطلحات وضعت بعد الصحابة وبعد السلف لضبط فهم النصوص على الأسلوب القرآني والعربي الأصيل.
لا نستطيع أن نأتيهم بنص من مثل هذه النصوص التي اصطلح عليها العلماء الذين وضعوا قواعد النحو ووضعوا قواعد الصرف، وكذلك سائر العلوم التي منها أصول الفقه ومنها أصول الحديث إلى آخره.
ذلك لأن الصحابة الأولين كانوا عربًا أقحاحًا فلم يكونوا بحاجة أن يُفسِّروا ما يُفسِّره اليوم السلفيون الذين ينتمون إلى السلف الصالح، ذلك لأنهم يفهمون النصوص المتعلقة بآيات الصفات وأحاديث الصفات، كما فهمها السلف، فالمهم أن الأصل ليس هو التأويل الأصل هو عدم التأويل وهذا الأصل أمر متفق عليه عند جميع العلماء حتى الذين يؤولون أي كلام عربي سواء كان متعلقًا بآيات
[ ٦ / ٢٨ ]
الصفات أو أحاديث الصفات أو متعلقًا بأي خبر عربي، كلهم يتفقون فيقولون مثلًا الأصل في كل جملة عربية أَن تُحمل على الحقيقة وليس على المجاز، فإذا تعذرت الحقيقة حينئذٍ يقولون نصير إلى المجاز، فالآن هذه القاعدة المتفق عليها بين السلف والخلف نحن في هذه القاعدة فنقول لهم: العرب الأولون الصحابة الذين قصد السائل فهمهم لتلك النصوص هم ماشون على هذه القاعدة التي عليها الخلف فضلًا عن السلف، فإذًا حينما قال الله ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢).
ما الذي يفهمه العربي فيما يتعلق بالملائكة مثلًا من كلمة جاء الملائكة هل يفهم التأويل المعنى المؤَول أم يفهم المعنى الحقيقي؟ لا شك أن الجوب سيكون يفهم المعنى الحقيقي، سنقول له أعطنا نص أن الصحابة فسروا مجيء الملائكة بالمعنى الحقيقي، لن يستطيع أن يصل إلى ذلك أبدًا لماذا؟ لأن الأمر واضح لديهم يمشون على قاعدة علمية مجمع عليها -ليس فقط بين السلف بل والخلف أيضًا-، فما كان قولهم عن هذا المثال السهل البسيط هو نفس جوابنا على السؤال الذي أوضحته أو وجهته آنفًا.
الحقيقة والحق نقول أن هؤلاء المعطلة هم يعني متأثرون بعلم المنطق الذي يخرج كثيرًًا أصحابَه من دائرة الاتباع إلى دائرة الابتداع، فحينما يوردون هذا السؤال معنى ذلك أنه ليس هناك ضابط لفهم نصوص الشريعة إطلاقًا لأنه لا يمكننا أن نتصور إلا أن كل من يدعي العلم سواء كان سلفيًا أو كان خلفيًا لا بد له أن يفسر نصًّا في القرآن أو في السنة على القاعدة المذكورة آنفًا وهي الأصل الحقيقة وليس المجاز، فعندما يأتينا أي خلفي من هؤلاء ويفسر لنا تفسيرًا ما لنص ما نقول له ما هو مستندك في هذا التفسير؟ هل عندك نص عن الصحابة عن
[ ٦ / ٢٩ ]
التابعين عن تابع التابعين سيضطر أن يعود إلى أصل اللغة وحينئذٍ نقول هذه حجتنا عليكم، لماذا تتأولون النصوص التي لا تعجبكم ظاهرها ولا إشكال فيها إنما جاء الإشكال كما هو الأصل من التكييف من التشبيه.
لهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أصل المعطلة أنهم وقعوا في التشبيه فلما أرادوا الخلاص من التشبيه لجأوا إلى التأويل، فلو أنهم أخذوا بمثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) وكذلك سورة الصمد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:١ - ٤) لو أنهم وقفوا عند هذا النص ما احتاجوا إلى التأويل لأن مصيرهم للتأويل هو أنهم فهموا هذه الآيات على مقتضى التشبيه، فإذا قلنا جاء ربك أي كما يليق بجلاله، كذلك الملائكة الملائكة أيضًا خلق من الخلق لكن لا شك ولا ريب أن مجيئهم لا يشبه مجيء البشر بل الجن الذين خُلقوا من نار مجيئهم وذهابهم وإيابهم لا يُشبه بأي وجه من الوجوه مجيء البشر.
فهل نؤول المجيء المتعلق بالجن أو المجيء المتعلق بالملائكة أن نقول أن مجيء كل ذات تتناسب مع تلك الذات. هكذا ينبغي أن تفهم نصوص الكتاب والسنة أي على القاعدة العربية: (الأصل في كل جملة الحقيقة وليس المجاز) فإذا تعذرت الحقيقة صير إلى المجاز، هذا جواب ذلك السؤال.
ثم يخطر في بالي شيء آخر وهو أن هذا السؤال يعني عدم الاعتداد بفهم الأئمة الذين يتظاهرون بالتمسك بعلمهم وبفهمهم، بينما هنا لا يقيمون لفهمهم وزنًا إطلاقًا، مع أن الأئمة هم الذين اقتدينا بمنهجهم، وبأسلوبهم في تفسير الآيات وتفسير الأحاديث، لذلك كان كثير من علماء السلف يحذرون عامة الناس أن
[ ٦ / ٣٠ ]
يجالسوا أهل الأهواء؛ لأنهم أهل شبهات وطرح إشكالات ومع الأسف لا يستطيع كثير من أهل العلم أن يجيبوا جوابًا مقنعًا موافقًا للكتاب والسنة من جهة، ومتابعًا للعقل الصحيح من جهة أخرى، كثير من الناس لا يستطيعون أن يُقدِّموا الحجة والبيان لأولئك الذين تأثروا بالشبهات والإشكالات التي يطرحها أهل الأهواء والبدع لذلك حسموا الباب ونُهُوا عن مخالطة أهل البدع والأهواء.
"الهدى والنور" (٧٣٨/ ٥٨: ٠١: ٠٠)
[ ٦ / ٣١ ]
جماع أبواب أصول
أهل السنة في باب توحيد الأسماء والصفات
[ ٦ / ٣٣ ]
[٧٩٢] باب أصول عقيدة السلف في الأسماء والصفات
[قال الإمام في مقدمة كتابه "مختصر العلو"]:
وهنا يطيب لي بهذه المناسبة أن أنقل من بعض المخطوطات فصلًا رائعًا من كلام بعض علماء السلف مما لم يُطبع حتى الآن فيما علمت وهو للخطيب البغدادي الحافظ المؤرخ المشهور، وقد ذكر المصنف طرفًا منه في ترجمته كما يأتي فرأيت أن أذكره هنا بنصه إتمامًا للحجة على الخَلَف الذين يتوهم الكثير منهم أن القول بوجوب الإيمان بحقائق الصفات ومعانيها كما يليق بالله تعالى هو مذهب تفرد به ابن تيمية ومن اقتدوا به فيها، ولم يعلموا أنه ﵀ تابع لهم في ذلك، وإنما فضله في بيانه وشرحه له، وإقامة الأدلة عليه بالمنقول والمعقول، ودفع الشبهات عنه، وإلا فهو سلفي المعتقد، وهو الواجب على كل مسلم، ولذلك بادرنا إلى نشر كتاب الذهبي هذا الذي بين يديك لتعلم به ما قد يكون خافيًا عليك كما خفي على غيرك، فكان ذلك سببا قويًاّ من أسباب الابتعاد عن العقيدة السلفية والطريقة المحمدية.
قال الحافظ الخطيب رحمه الله تعالى:
" أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها من المثبتين قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين ودين الله بين الغالي فيه والمقصِّر عنه.
والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ويحتذي
[ ٦ / ٣٥ ]
في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله تعالى يد وسمع وبصر فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها؛ لقوله ﵎ ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وقوله ﷿: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾.
ولما تعلق أهل البدع على عيب أهل النقل برواياتهم هذه الأحاديث، ولبَّسوا على من ضعف علمه بأنهم يروون ما لا يليق بالتوحيد ولا يصح في الدين، ورموهم بكفر أهل التشبيه وغفلة أهل التعطيل أجيبوا بأن في كتاب الله تعالى آيات محكمات يفهم منها المراد بظاهرها، وآيات متشابهات لا يوقف على معناها إلا بردها إلى المحكم، ويجب تصديق الكل والإيمان بالجميع، فكذلك أخبار الرسول - ﵌ - جارية هذا المجرى، ومنزلة على هذا التنزيل، يرد المتشابه منها إلى المحكم ويقبل الجميع.
وتنقسم الأحاديث المروية في الصفات ثلاثة أقسام:
أ - منها أخبار ثابتة أجمع أئمة النقل على صحتها لاستفاضتها وعدالة ناقليها، فيجب قبولها والإيمان بها، مع حفظ القلب أن يسبق إليه اعتقاد ما
يقتضي تشبيها لله بخلقه، ووصفه بما لا يليق به من الجوارح والأدوات والتغير والحركات.
[ ٦ / ٣٦ ]
ب - القسم الثاني: أخبار ساقطة بأسانيد واهية وألفاظ شنيعة أجمع أهل العلم بالنقل على بطلانها، فهذه لا يجوز الاشتغال بها ولا التعريج عليها.
ج - والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها فقبلهم البعض دون الكل، فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها لتلحق بأهل القبول أو تجعل في حيز الفساد والبطول ".
قلت: فاحفظ هذا الأصل من الكلام في الصفات وافهمه جيدًا؛ فإنه مفتاح الهداية والاستقامة عليها، وعليه اعتمد الإمام الجويني حين هداه الله تعالى لمذهب السلف في الاستواء وغيره كما تقدم ذكره عنه، وهو عمدة المحققين كلهم في تحقيقاتهم لهذه المسألة كابن تيمية وابن القيم وغيرهما قال ابن تيمية في " التدمرية " (ص ٢٩): طبع المكتب الإسلامي:
" القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات.
فإذا قال السائل كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ﵃: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة "؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه؛ وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته. قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تُقر
[ ٦ / ٣٧ ]
بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزوله واستواؤهم ".
وقال في " الحموية " (ص ٩٩) بعد أن ذكر مختصر ما تقدم:
" ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل، فلا يُمثلِّون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف بها نفسه ووصفه به رسوله، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويحرِّفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته.
وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل، أما المعطلِّون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل مثلَّوا أولًا وعطلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به ﷾؛ فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال - ونحو ذلك من الكلام - فإنه لم يَفهم من كون الله على العرش إلا ما يَثُبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، أما استواء يليق بجلال الله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهرًا أو عرضًا إذا لا يعقل موجود إلا هذان، وقوله: إذا كان مستويًا على العرش فهو مماثل لاستواء
[ ٦ / ٣٨ ]
الإنسان على السرير والفلك؛ إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كليهما مَثَّلَ وكليهما عَطَّلَ حقيقة ما وصف الله به، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين.
والقول الفصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه سبحانه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأغراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم؛ فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.
واعلم أنه ليس في العقل الصريح، ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلًاَ".
"مختصر العلو" (ص٤٦ - ٥٠).
[٧٩٣] باب من أصول مذهب السلف في الأسماء والصفات
[قال الإمام]:
- أحاديث الصفات يجب (إمرارها) على (ظاهرها)، دون تعطيل أو تشبيه كما هو مذهب السلف
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٥).
[وقال ﵀]:
-[الذي] كان عليه السلف [هو] تفسير النصوص على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه كما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى:١١).
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٨).
[ ٦ / ٣٩ ]
[وقال ﵀]:
- طريقة السلف ..: الإثبات مع التنزيه.
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٣٣).
[وقال ﵀]:
- أئمة الحديث مجمعون على اتباع السلف في الإيمان بحقائق الصفات الإلهية اللائقة به ﵎: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١).
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٠٨).
[وقال ﵀]:
والأصل إمرارها [أي نصوص الصفات] على ظاهرها على الوجه
اللائق بعظمة الله وجلاله؛ كما في قوله سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٦٣٨).
[وقال ﵀]:
فالتمسك بظاهر النصوص دون تأويل أو تعطيل هو مذهب السلف الصالح والأئمة الأربعة وغيرهم، لا يرغب عنه إلا كل هالك.
"الضعيفة" (٢/ ١٨٩).
[وقال ﵀]:
فرحم الله امرءًا آمن بما صح عن رسول الله - ﵌ - في الصفات وغيرها، على الحقيقة اللائقة بالله تعالى، ولم يقبل في ذلك ما لم يصح عنه - ﵌ -.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٦).
[ ٦ / ٤٠ ]
[٧٩٤] باب منه
[قال الإمام]:
صفاته تعالى توقيفية فلا تثبت له صفة بطريق اللزوم مثلًا، كأن يقال: يلزم من ثبوت مجيئه تعالى ونزوله ثبوت الحركة، فإن هذا إن صح بالنسبة للمخلوق، فالله ليس كمثله شيء فتأمل.
"التعليق على التنكيل" (١/ ٣٤٩).
[٧٩٥] باب أحاديث وآيات الصفات يجب إمرارها كما جاءت
[قال الإمام]:
أحاديث الصفات وآيات الصفات يجب إمرارها كما جاءت وكما قال سلفنا الصالح ﵃، بدون تأويل ولا يكفي هذا؛ بل ينبغي أن ينضم إلى ذلك أن يقال: وبدون تعطيل.
والمقصود بدون تعطيل هو أن لا يُؤَوِل معانيها وتصرف هذا المعاني عن دلالتها الظاهرة، فلا يكفي فقط عدم التأويل، وإنما يجب أن ينضم إلى ذلك أيضًا التفسير الصحيح مع التنزيه، يعني مثلًا: لا يجوز أن نفسر ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) بمعنى: استولى؛ لأن هذا تأويل، كما أنه لا يجوز إمرارها دون فهم لمعناها، ومعنى استوى هو: استعلى. فنقول حينئذ: معنى استوى على العرش أي: استعلى عليه دون كيف ودون تشبيه ودون تعطيل أيضًا، هكذا يجب أن تكون أو أن يكون موقف كل مسلم تجاه آيات الصفات وأحاديث الصفات، هو الإيمان بمعانيها الحقيقية دون تأويل ودون تجسيم .. هذه نصيحتي ..
مداخلة: هذا قول الشيخ الألباني، فما القول لطلبة العلم، لأن هناك أحاديث
[ ٦ / ٤١ ]
للصفات، فهم يؤولون فيها باجتهاد منهم.
الشيخ: لا يجوز التأويل، نقول نحن: بدون تأويل وبدون تجسيم، التأويل هو التعطيل والتجسيم هو التشبيه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فربنا سميع وبصير ولكن ليس كمثله شيء.
فنحن ننصح الطلبة هكذا أن يكونوا دائمًا مع الآيات، مع التسليم بمعانيها الظاهرة دون تشبيه ودون تأويل الذي هو التعطيل كما يقول ابن القيم ﵀: المجسم يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا، المجسم يعبد صنمًا، والله منزه أن يكون مجسمًا، والمعطل يعبد عدمًا، ولذلك فينبغي التسليم .. وهكذا.
مداخلة: أيضًا إلقاء الضوء أن الإخوة لا يتبعون كل ما روى الرواة وخط كل بنان، وينتقوا الأحاديث المنتقاة عن
الشيخ: طبعًا الحديث لو كان في الأحكام وفي الأخلاق لا يجوز إلا أن يكون صحيحًا فكيف به إذا كان له علاقة بالعقيدة، فلا ينبغي إلا أن يؤخذ بالأحاديث الصحيحة في كل ما يتعلق بالشريعة سواء كان عقيدةً أو كان عبادةً أو كان سلوكًا.
"الهدى والنور" (١٦٩/ ٠٠:٣٩:٥٨)
[٧٩٦] باب شرح ما جاء عن جماعة من السلف من قولهم في نصوص الصفات:"أمرُّوها كما جاءت بلا تفسير"
قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات؟ فكلهم قالوا لي:
"أمرُّوها كما جاءت بلا تفسير".
[ ٦ / ٤٢ ]
[قال الإمام]:
أي بلا تكييف ..: قال المؤلف [أي الذهبي] في "الأربعين" (١٨٠ك ١ - ٢) عقب هذا الأثر:
"قلت: مالك في وقته إمام أهل المدينة، والثوري إمام الكوفة، والأوزاعي إمام أهل دمشق، والليث إمام أهل مصر، وهم من كبار أتباع التابعين، وحكى الإجماع على ذلك بعدَهم محمد بن الحسن فقيه العراق ".
"مختصر العلو" (ص١٤٢)
[٧٩٧] باب معنى ما روي
عن السلف من أنهم لا يفسرون نصوص الصفات
قال يحيى بن معين: شهدت زكريا بن عدي سأل وكيعًا فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث مثل حديث الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا ؟
فقال: كان إسماعيل بن أبي خالد، والثوري، ومسعر يروون هذه الأحاديث، لا يفسرون منها شيئًا.
(صحيح).
[قال الإمام]:
المراد بقوله: "لا يفسر منها شيئًا" لا يتأولونها، ولا يخرجون معناها
عن ظاهرها.
"مختصر العلو" (ص١٥٠).
[ ٦ / ٤٣ ]
[٧٩٨] باب شرح ما جاء عن جماعة من السلف من قولهم لمن سأل عن أحاديث الرؤية: "امضها بلا كيف"
[قال الإمام]:
قال ابن القيم في (الجيوش الإسلامية) (ص٧٧): "ومراد السلف بقولهم: بلا كيف هو نفي للتأويل، فإنه التكييف الذي تزعمه أهل التأويل، فإنهم هو الذي يثبتون كيفية تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة وإثبات التكييف بالتأويل وتعطيل الرب عن صفته التي أثبتها لنفسه، وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيف ما أثبته الله تعالى لنفسه ﴾ إلخ كلامه.
"مختصر العلو" (ص١٤٣).
[ ٦ / ٤٤ ]
جماع أبواب الكلام على بطلان
مذهب التفويض وبراءة أهل السنة منه والرد على المفوضة
[ ٦ / ٤٥ ]
[٧٩٩] باب معنى التفويض في الأسماء والصفات
[قال الإمام]:
والتفويض بزعمهم إمرار النصوص بدون فهم، مع الإيمان بألفاظها.
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٥)
[٨٠٠] باب بيان خطر التفويض وأنه ليس مذهب السلف
[قال الإمام في مقدمة " مختصر العلو" بعد أن بيِّن وهاء مقولة المخالفين:"مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم"]:
والظن الذي أُتي منه المخالفون هو مما يُكرِّر ذكرّه بعض المؤيدين لمذهب الخلف على مذهب السلف ويتوهم صحته بعض الكتاب الإسلاميين الذين لا علم عندهم بأقوال السلف ويسمونه بـ " التفويض "، وهو مما يكثر الكوثري عزوه إليهم زورًا فيقول في تعليقه على " السيف الصقيل " (ص ١٣): " الذي كان عليه السلف إجراء ما ورد في الكتاب والسنة المشهورة (!) في صفات الله سبحانه على اللسان مع التنزيه بدون خوض في المعنى ومن غير تعيين المراد ".
وأعاد هذا المعنى في مواضع أخرى منه (ص ١٣١ و١٤٥) وجرى على منواله قرينُه المتعاون معه على تحريف نصوص كتاب " الأسماء والصفات " للبيهقي ذاك في التعليق عليه وهذا في التقديم له في كتابه الذي سماه " فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان " أعني الشيخ سلامة القضاعي العزامي فقد ذكر نحوه في مواطن منه غير أنه قال: " أكثر السلف على الكف عن بيان المعنى المراد اللائق بالحق تعالى " كذا قال (ص ٩٤).ونحوه (ص ٨١ و٥)
[ ٦ / ٤٧ ]
فقد نسب إلى أكثر السلف تنزههم عن بيان المعنى اللائق بالحق تعالى. فهل كان ذلك جهلا منهم بالله أم كتما للعلم؟ فبأيهما أجاب فهو كما قيل: أحلاهما مر. وصدق الله العظيم: ﴿ذلك مبلغهم من العلم﴾.
وجملة القول في التأويل الذي تمسك به الخلف أنه كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في منتصف قصيدته الرائعة " الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية "المعروفة بالنونية:
هذا وأصل بلية الإسلام من تأويل ذي التحريف والبطلان
ثم أفاض في سرد أضراره نظمًا بما لا تجده عند غيره نثرًا فراجعه فإنه هام جدًاّ. وانظرها مع شرحها للشيخ أحمد بن عيسى المسمى بـ " توضيح المقاصد وتصحيح القواعد بشرح قصيدة ابن القيم " (١)، ثم إن عجبي لا يكاد ينتهي من الكوثري وأمثاله الذين ينسبون السلف الصالح في آيات الصفات إلى التفويض وعدم البحث عن المراد منها كما سبق النقل الصريح بذلك عنه؛ فإنه إن لم يجد في قلبه من التعظيم للسلف وعلمهم ما يزعه عن التلفظ بها بما يمس مقامهم في المعرفة بالله تعالى وصفاته؛ أفلم يقف على ما نقله العلماء عنهم من العبارات المختلفة لفظًا والمتحدة معنى وكلها تلتقي حول شيء واحد وهو إثبات الصفات، مع الرد على المعطلة النافين لها والممثلة المشبهين لها بصفات الخلق؟! وإليك بعض النصوص في ذلك مما ستراه في الكتاب [أي: مختصر العلو] في تراجمهم إن شاء الله تعالى.
١ - قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري
_________________
(١) في مجلدين كبيرين وهي من مطبوعات (المكتب الإسلامي). [منه].
[ ٦ / ٤٨ ]
والليث بن سعد: عن الأحاديث التي في الصفات؟ فكلهم قالوا لي:
"أمرُّوها كما جاءت بلا تفسير".وفي رواية: "بلا كيف".
٢ - قال ربيعة الرأي ومالك وغيرهما: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب "
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتوى الحموية " (ص ١٠٩ مطبعة السنة المحمدية):
" فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول "موافق لقول الباقين" أمروها كما جاءت بلا كيف " فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" ولما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم".
وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات الجزئية - أو الصفات مطلقًا - لا يحتاج إلى أن يقول "بلا كيف" فمن قال: "إن الله ليس على العرش" لا يحتاج أن يقول:
"بلا كيف" فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر فلما قالوا:
"وبلا كيف".
وأيضا فقولهم " أمروها كما جاءت " يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: " أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد
[ ٦ / ٤٩ ]
أن (من) (١) الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة " وحينئذ تكون قد أمرت
كما جاءت، ولا يقال حينئذ " بلا كيف " إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو
من القول".
٣ - قال الإمام الخطابي:
" مذهب السلف في الصفات إثباتها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها".
٤ - قال الحافظ ابن عبد البر:
" أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لم يُكَيَّفوا شيئا من ذلك، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئًا على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود ".
قلت: فهذا قُلٌّ من جُلٍّ النصوص التي سنراها في الكتاب وهي كلها متفقة على أن السلف كانوا يفهمون آيات الصفات ويفسرونها ويعينون المعنى المراد منها على ما يليق به ﵎.
"مختصر العلو" (ص٣٥ - ٣٨).
[٨٠١] باب هل التفويض هو مذهب السلف؟
[قال الإمام]:
ليس مذهبهم [أي السلف] التفويض كما يزعم الكوثري وأمثاله من المعطلة،
_________________
(١) كذا، والصواب بدونها كما في الأصل"الحموية".
[ ٦ / ٥٠ ]
كما شرحه ابن تيمية في رسالته " التدمرية " وغيرها.
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٥).
[٨٠٢] باب منه
سؤال: هناك من يزعم أن التأويل أو التفويض كان من منهج السلف الصالح في العقيدة، هل هذا الأمر صحيح وهل ثبت عن أحد من السلف التأويل أو التفويض، وما حكم من يؤول أو يفوض؟
الشيخ: أولًا: يبدو لي أن هنا كثيرًا من الشباب فعلًا متأثر بكتب هذا السقاف الذي سماه بعضهم بحق بالسخاف؛ لأن هذه الشبهات التي تثار في هذا الزمان هو أصلها هذا السقاف الذي يعيش في هذا البلد.
أولًا: علماء السلف القاعدة عندهم هو عدم التأويل وعدم التفويض وإنما تفسير الآيات والأحاديث تفسيرًا يدل عليه علمهم باللغة العربية وآدابها، فهم يفسرون مثلًا النزول بالنزول ولا يؤولونه، ويفسرون الاستواء بالاستواء والاستعلاء ولا يؤولونه وإنما يؤول الخلف الذين خالفوا السلف، وهذا طبعًا يحتاج إلى بيان وتفصيل ولي أشرطة كثيرة في هذا المجال خضنا فيها إلى حد كبير في ضرب الأمثلة.
لكني أقول الآن: قد يوجد لبعض السلف تفسير لبعض النصوص من القرآن أو السنة يتوهم هؤلاء المؤولة الذين خالفوا السلف بأنه تأويل، وهو ليس من التأويل بسبيل، فأريد أن أذكر شيئًا هنا حول كلمة التأويل: التأويل له معنيان: أحدهما لغوي، والآخر: عرفي.
[ ٦ / ٥١ ]
أما التأويل بالمعنى اللغوي فهو بمعنى التفسير تمامًا والبيان، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران:٧) أي: ما يعلم ما يؤَوُل إليه وما يعود إليه، هذا
معنى لغوي.
أما التأويل الآخر الذي هو عرفي: أي: اصطلاحي فهو بمعنى إخراج
دلالة النص عن الظاهر إلى معنى غير متبادر، هذا التأويل هو يقصد في كلام
علماء الكلام.
على هذا نقول: إذا فسر بعض السلف آية في القرآن الكريم بخلاف ما يفهمه بعض المتأولة، يقولون: هه! هذه سلف أول، والحقيقة: أن هذا الذي يسمونه تأويلًا أي: إخراج للنص عن معناه الظاهر هو ليس تأويلًا إنما هو تفسير، يعني: مثلًا ما ذكر في تفسير ابن كثير وغيره عن ابن عباس في تأويل آية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) قال ابن عباس: وهو معكم بعلمه، هذا ليس تأويلًا! هذا تفسير لأنه نظر إلى سياق الآية من أولها إلى آخرها فانتبه إلى أن الله ﷿ يتحدث عن المعية العلمية وليس عن المعية الذاتية التي يظهر من هذه الجملة أن المقصود وهو، أي: بذاته، ليس هذا الذي يتبادر من دراسة الآية من أولها إلى آخرها وإنما المتبادر أنه ربنا ﷿ عني المعية العلمية، فهذا ورد عن ابن عباس، فهم يتشبثون بهذا ويسمونه تأويلًا وهو ليس من التأويل في شيء.
ومثله نصوص كثيرة وكثيرة جدًا، مثلًا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) أيضًا: هذه ليست معية ذاتية وإنما هي معية صفتية .. ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) معكما فسرت بما بعدها: أسمع وأرى! هذا ليس تأويلًا بمعنى إخراج اللفظ عن ظاهره، وهكذا الأمثلة كثيرة وكثيرة جدًا.
[ ٦ / ٥٢ ]
الخلاصة: هؤلاء الذي يزعمون بأن السلف أولوا: إن كانوا يعنون أنهم جعلوا مذهبهم التأويل كما هو مذهب الخلف فهم يُكَذِّبون أنفسَهم بأنفسِهم؛ لأن الخلف يقولون: مذهب السلف أسلم، ما هو مذهب السلف؟ هو أنهم لا يؤولون، ومذهب الخلف زعموا أنه أعلم وأحكم، لماذا؟ لأنهم يؤولون، فنفس علماء الخلف يعترفون بأن السلف ما كانوا يؤولون، لكن هؤلاء لتضليل الناس اليوم وإخراجهم عن سبيل المؤمنين الأولين يزعمون بأن السلف أولوا، الحقيقة: أنهم ما أولوا والنصوص الكثيرة والكثيرة جدًا يجدها المسلم مجموعة في كتاب الحافظ الذهبي المعروف بالعلو للعلي الغفار.
وكنت أنا اختصرته وحذفت منه بعض الروايات والآثار الواهية الضعيفة، فتجد هناك عشرات الصحابة والتابعين وأتباعهم والحفاظ من الأئمة كلهم لا يؤولون ويردون على المؤولة؛ لذلك فهذا تضليل من هذا السخاف لسبيل المؤمنين، من أجل أن يضلوا هؤلاء الناس الذين لا علم لهم بما يدجل به هذا الإنسان الذي ابتلي من حوله اليوم ومن وصلت رسائله إليهم بأضاليله الكثيرة المبثوثة في رسائله.
"الهدى والنور" (٧٩٥/ ١٧: ٤٤: ٠٠)
[٨٠٣] باب منه
سؤال: كثيرًا ما يُزْعَمُ أن مذهب السلف هو التفويض في الصفات، ويستندون على ذلك ببعض الأقوال لأهل العلم.
الشيخ: الأهل من؟
مداخلة: للأئمة مثل الإمام أحمد كقوله: أَمِرُّوها كما جاءت بلا تفسير، نعم،
[ ٦ / ٥٣ ]
شيخنا يعني لم توجهوا هذه الأقوال خاصة أنها ثابتة عن الإمام أحمد وغيره نرجو منكم بيان هذه المسألة وجزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: سبق أن تكلمنا عن هذه المسألة وجوابًا عنها نقول: إن السلف كما جاء في كتب أئمة الحديث وكما جاء في بعض كتب الأشاعرة كالحافظ ابن حجر العسقلاني، هو من حيث الأصول والعقيدة هو أشعري على علمه وفضله وهو قد ذكر في أكثر من موضع واحد في الكتاب العظيم المسمى بفتح الباري أن عقيدة السلف فهم الآيات على ظاهرها دون تأويل ودون تشبيه، فقول الأمام أحمد أمروها كما جاءت أي افهموها كما جاءت دون أن تتعمقوا في محاولة معرفة الكيفية، والذين يقولون إن مذهب السلف هو التفويض أولًا يلزمهم أمران اثنان وكما يقال أحلاهما مر يلزمهم أن الآيات التي وصف الله ﷿ نفسه بها فضلًا عن الأحاديث الكثيرة التي وصف النبي - ﵌ - ربه فيها كل هذه النصوص معناها على مذهب التفويض أننا لا نفهم هذه النصوص بل ولا ندري لماذا ربنا ﷿ أنزلها في كتابه ولا ندري لماذا نبيه وصف ربه بهذه الصفات، والواجب علينا أن لا نفهم هذه الصفات المذكورة في القرآن والسنة علمًا أن الله ﷿ نعى على قوم أنهم لا يهتمون بفهم القرآن الكريم حينما قال رب العالمين: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤).
بلا شك أن أعظم شيء يتعلق بهذا الإسلام هو معرفة الرب الذي شرع هذا الدين وعلى لسان نبيه ﵊، فحينما يقال في آيات الصفات وفي أحاديث الصفات لا نفهم منها شيئًا إذًا هم لم يعتبروا بمثل قوله في الآية السابقة ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤) ويشملهم أيضًا: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (الحج:٤٦).
[ ٦ / ٥٤ ]
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٣).
والآيات كلها إنما أنزلت لتُعقل وتُفهم عن الله ﷿ فإن كانت متعلقة بالعقيدة تبناها عقيدةً وأن كانت متعلقة بالأحكام تبناها وعمل بها.
إذًا إذا كانت الآيات المتعلقة بصفة الله ﷿ لا تفهم فإذًا نحن لا ندري عن ربنا شيئًا إلا أن له وجودًا، وعلى هذا هناك صفات مجمع عليها بين العلماء حتى علماء الخلف مثلًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
هل نفهم من السميع أن نُفَوِّض فنقول: لا ندري ما هي صفة السمع البصير لا ندري ما هي صفة البصر والقدير والحكيم والعليم إلى آخره معنى ذلك التفويض المزعوم أننا لا نفهم شيئًا من هذه الصفات، إذًا آمنا برب موجود لكن لا نعرف له صفة من الصفات وحينئذٍ كفرنا برب العباد حينما أنكرنا الصفات بزعم التفويض، هذا هو الذي يرد أولًا على أولئك المفوضة زعموا.
الشيء الثاني: إذا قال الإمام أحمد أو غيره أمروها كما جاءت تُرى قبل الإمام أحمد إمام دار الهجرة وهو الإمام مالك رحمه الله تعالى هل كان على هذا المذهب حينما جاءه ذاك السائل فقال له: يا مالك يا مالك ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم فالاستواء معلوم لا يعني الاستواء مفوض معناه لا قال الاستواء معلوم، وهو العلو، ولكن الكيف مجهول، وهذا هو مذهب السلف، ولذلك تمام كلام الإمام مالك ﵀ أن قال: أخرجوا الرجل فإنه مبتدع لم يكن هذا الرجل السائل مبتدعًا لأنه سأل عن معنى خفي عليه من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥).
وإنما أخرج وبُدِّع؛ لأنه سأل عن كيفية الاستواء فكان قول الإمام مالك هذا
[ ٦ / ٥٥ ]
هو الذي يمثل منهج السلف الصالح والمتبعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
وهو أن معاني آيات الصفات وأحاديث الصفات مفهومة لغة لكن كيفياتها
مجهولة تمامًا.
فلا يعرف كيفية الذات إلا صاحب الذات ولا يعرف كيفية الصفات إلا الذات نفسها، لكن الاستواء والسمع معلوم والبصر معلوم والعلم معلوم وو إلى أخره ولذلك فأنا أعتقد أن تفسير كلمة الإمام أحمد أمِرُّوها كما جاءت هو بأنها تعني عدم فهم الآيات وأن نقول الله أعلم بمراده كما يزعم الخلف هذا هو أصل التعطيل أن نؤدي إلى جحد الخالق ﷾، ولذلك فأنا يعجبني كلمة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأكررها على مسامعكم لتحفظوها لأن فيها جماع هذه المسألة في كلمتين اثنتين يقول ﵀: المشبه يعبد صنمًا والمعطل
يعبد عدما.
فالله إذا قال إنسان ليس فوق وليس تحت وليس يمين وليس يسار وليس داخل العالم ولا خارجه كما يقول بعض المبتدعة الضالين في هذا البلد
خاصة يزعمون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه هذا وصف للمعدوم الذي
لا وجود له.
لو قيل لإنسان ما العدم ماذا تتصورون يكون الجواب؟ هو شيء لا شيء العدم لا شيء، إذا قيل هذا العدم لا شيء هل هو داخل العالم أو خارجه هل يصح هذا الوصف؟
مداخلة: لا يصح
الشيخ: لا يصح هذا الوصف. لا يصح طيب، فإذا كان هناك شيء له وجوده
[ ٦ / ٥٦ ]
وله كيانه فهل يقال أنه ليس داخل العالم وليس خارج العالم؟ كذلك لا يقال إذًا من هنا قال ابن تيمية ﵀: والمعطل يعبد عدما أي شيء لا وجود له، وقد قلنا في بعض مناسبات كثيرة أن حديث عمران بن حصين ﵁ المروي في صحيح البخاري: أن رجلًا سأل النبي - ﵌ - عن العرش وعما خلق الله بعد العرش وعما كان قبل العرش فقال ﵊: «كان الله ولا شيء معه».
أي لا مخلوق، فإذًا هو كان ولا مخلوق ثم خلق العرش ثم خلق السموات والأرض فإذًا حينما خلق السموات والأرض كان الموجود بإيجاد الله إياه، لا شك ولا ريب أن الله والحالة هذه ليس في المخلوقات.
أما أن يقال أنه ليس خارج المخلوقات فهذا جحد لوجود الله ﷿؛ لأنه كان ولا مخلوقات ولا أي عرش ولا كرسي ولا سماء ولا أرض ولا .. إلى أخره.
لذلك نحن نقول عاقبة التأويل هو التعطيل، لهذا يقول ابن تيمية:
المجسم يعبد صنمًا، وهذا حرام بلا شك لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).
والمعطل يعبد عدمًا أي شيئًا لا وجود له، فآمِنوا بالله ورسوله على أساس من الفهم للآيات على الأسلوب العربي الذي كان عليه سلفنا الصالح أولًا مع الاحتفاظ بأن حقائق هذه الصفات وهذه الأسماء لا يعرفها إلا الله ﵎.
مداخلة: شيخنا إذا سمحت بارك الله فيك كما الإثبات على أنه الإمام أحمد ﵁ ورحمه الله تعالى يعرف ويفهم معنى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ عندما أثبت أن الله ﷿ فوق السماء بذاته سُئل وقيل له يا إمام: ماذا تقول في قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (المجادلة:٧).
[ ٦ / ٥٧ ]
قال بعلمه إلى آخر الآيات فهذا يدل أيضًا على أن الإمام أحمد يفهم قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥).
الشيخ: يا سيدي هذه الحقيقة أن يقال أن السلف ما فسَّروا هذا جحد لحقيقة تشبه جحد البديهيات من الأمور.
مداخلة: ثم بدعة جديدة يا شيخ.
الشيخ: الله المستعان نعم.
مداخلة: ابتدعها السقاف في هذه الأيام بالنسبة لهذه المسألة تكلمت مع أحد تلامذته أو رواده فعندما ناقشت هذه المسألة قال شيخنا يقول لنا عندما قالوا له أن هي في صحيح مسلم هذا الحديث الجارية قال: الصحابة قالوا أن الرحمن على العرش استوى ولكنهم يريدون التأويل، فعندما ناقشت هذا الرجل كلما يأتي بشيء آتي له بشيء قال في النهاية: أنا أثبت أن الله ﷿ فوق السماء كما أثبتتُّ في الجارية يعني بقي مصر على كلام شيخه أن الجارية أثبتته ولكن تريد التأويل.
الشيخ: وما يدريه؟
مداخلة: أنا قلت له ما هي الحجة ما هو البرهان هذا لا بد له من برهان
ودليل قال ..
الشيخ: على كل حال هذه الكلمة أعتقد أنا أنها كلمة يقولونها بألسنتهم يقولونها هربًا من الحجة التي تقام عليهم لأن الرجل في كتبه يصرح بأن القول بأن الله في السماء كفر هكذا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦).
قال في بعض كتبه ونقلًا عن بعض المفسرين المؤولين مع الأسف: ﴿أَأَمِنتُمْ
[ ٦ / ٥٨ ]
مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦).
كما يقول أهل الشرك هكذا الكتاب مطبوع، ولذلك إذا وصل معك إلى أن يقول أنا أقول كما قالت الجارية لكن مع التأويل هذا أولًا: أعتقد أحد شيئين حتى ننصف الرجل هذا أو الشاب الذي تشير إليه إما أنه كفر بشيخه أو تأول كلام الشيخ بتأويل لا يرضاه الشيخ.
أو أن الشيخ علمهم إذا قيل لكم كذا فقولوا كذا لكن قولهم هذا يخالف المسطور في كتبهم لأن الرجل يصرح بأنه لا يجوز للمسلم أن يقول الله في السماء، لأن هذه قول كفار فالمشركين في العهد الجاهلي، وهو تلقاه عن الشيخ عبد الله الغماري المغربي، فهو يصرح أيضًا في بعض تعليقاته على كتاب "التمهيد" هذا الكتاب العظيم الذي ابتلي ببعض المعلقين من أهل الأهواء وأهل التعطيل ولا أقول التأويل، ولذلك فهذا القول إذا قال حقيقة فهذه خطوة إلى الأمام، لكن الحقيقة أن السقاف لا يؤمن إلا أن كلمة الله في السماء هذا كفر لأنه يفسر في السماء أي في جوف السماء، وهذا كفر لهذا يقول بأننا نحن نقول بأن الله ﷿ ليس في مكان ومن قال إن الله في مكان فقد كفر، لذلك يتأولون ليتهم يتأولون في بمعنى على كما هو صريح الآيات الأخرى.
ثم يقول أن الله ﷿ ليس في مكان وليس خارج المكان، الله لا داخل العالم ولا خارجه، وذلك هو شنشنة المعطلة، ومن عجائب أقوالهم أنهم يُكَفِّرون من يقول بقول الله ورسوله ويؤمنون بمن يقول بِقَوْلة ما قالها لا رسول الله ولا صحابي ولا تابعي ولا إمام من أئمة المسلمين.
نقول لذلك السائل من قال من العلماء الذين هم يؤمنون بعلمهم وصلاحهم:
[ ٦ / ٥٩ ]
الله ليس داخل العالم ولا خارجه هذه عقيدتهم من أين جاؤوا بهذه العقيدة؟ الله لا داخل العالم ولا خارجه مهما حاولوا أن يتأولوا مثل هذا الكلام فإنه لا يقبل التأويل في شطره الثاني أبدًا إلا إنكار وجود الله ﵎، ونحن نعتقد أن كثيرًا من المؤولة ليسوا زنادقة لكن في الحقيقة أنهم يقولون قَوْلَة الزنادقة، فالزنديق المنكر لوجود الله هو الذي سيقول لا شيء مما تزعمون لا داخل العالم ولا خارجه لكن هم بسبب تأثرهم بعلم الكلام وصلوا إلى أن يقولوا كلمة هي زندقة بعينها لكن مع ذلك فهم لا يعلمون ويصدق فيهم قول رب العالمين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٤، ١٠٥).
"الهدى والنور" (٧٣٨/ ٤٥: ١٩: ٠٠)
[٨٠٤] باب هل التفويض
مذهب السلف لقولهم: «نُمِرُّها كما جاءت»؟
السائل: يأتي (عن) السلف في الصفات؛ في آيات الصفات وأحاديثها يقولون: نمرها كما جاءت أو يعني: قد يأتي أنها لا تفسر، لا نفسر شيئًا منها ونفسر شيئًا منها ، فنريد يعني: توضيح هل آيات الصفات أحاديثها يعني يفهم معناها أو يفوض معناها؟
الشيخ: الذي نفهمه من هذه الكلمة وهي قولهم نمرها كما جاءت، أي نفهمها على ظاهر دلالتها بالأسلوب العربي دون أن نُسَلِّط عليها معول التأويل والذي هو أشبه ما يكون بالتحريف والتعطيل، وليس المقصود بداهة من
هذه الكلمة أن نقرأها وألا نفهم معناها، وقد جاءت هذه الصفات بلسان عربي مبين في الكتاب والسنة فلا بد من فهمها، ثم المرور على ظاهرها دون تأويل لها
[ ٦ / ٦٠ ]
أو تعطيل بمعناها، وعلى هذا جرى علماء السلف في تفسير كل آيات الصفات ولم نجد عن أحد منهم أن آيات الصفات وأحاديث الصفات لا تفهم، وأن هذا هو المعنى من قول بعض السلف أمرها كما جاءت، ليس هذا هو المراد وإنما المراد إمرارها بفهم ..
ففي ذلك إثبات الصفات بالمعنى العربي المتبادر إلى الأذهان وليس عدم فهمها؛ لأن مُؤَدَّى ذلك ألا نَصِف الله ﵎ بشيء مما وصف به نفسه وهذا هو عين التعطيل ولَنِعْم ما جاء من بعض أئمتنا ابن القيم ﵀ ﵎ أو شيخه ابن تيمية حينما قال: المجسم يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدمًا.
فتعطيل الصفات وعدم فهمها هو يؤدي إلى إنكار وجود الله تبارك
وتعالى، وإلى هذا أشار ابن القيم - ﵀ - في كلمته الأخيرة المجسم يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدمًا، هذا الذي يفهمه من هذه الكلمة وهو الصواب الذي
لا ريب فيه.
"الهدى والنور" (٣٦٣/ ٣٨: ٢٥: ٠٠)
[٨٠٥] باب لازم القول بالتفويض
[قال الإمام]:
ولازم ذلك "أي القول بالتفويض".
نسبة الجهل إلى السلف بأعز شيء لديهم وأقدسه عندهم وهو أسماء
الله وصفاته.
ومن عرف هذا علم خطورة ما ينسبونه إليهم. والله المستعان. وراجع لهذا
[ ٦ / ٦١ ]
مقدمتي لكتابي " مختصر العلو للذهبي "
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٥).
[٨٠٦] باب مناقشة الشيخ لمن يدعي
أن مذهب الصحابة في الصفات هو التفويض
سؤال: بالنسبة لفهم آيات الصفات.
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: الذي يقرأ ويطلع على مذهب أصحاب الرسول يجد أنه يفوضون في فهم صفات الله ﷿.
الشيخ: ما شاء الله، زادك الله فتوحًا.
مداخلة: معظمهم لما كان يسأل عن هذا يقول: تفسيرها تلاوتها، يعني هذا ثابت عن ابن عيينة وغيره وغيره.
الشيخ: لكن أنت كنت تحكي عن الصحابة سهيت أم نسيت؟
مداخلة: عن الصحابة، مِثل التابعين
الشيخ: يعني أفهم منك أن ابن عيينة صحابي؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذًا؟!
مداخلة: الصحابة مش معروف أيش مذهبهم إلا التفويض بدون بيان بدون سؤال.
[ ٦ / ٦٢ ]
الشيخ: هذا فهمناه منك، لكن قفزت قفزة غزلان ذهبت إلى ابن عيينة.
مداخلة: يعني السلف.
الشيخ: إذًا: لا تخصص الصحابة، السلف (مفوضون)، هكذا؟
مداخلة: (مفوضون)
الشيخ: بس أنا لك ناصح أمين لا تسجل على السلف أنهم مفوضون، لأنك بعدين ستندم، ولات حين مندم، تريد تسجل تفضل سجل.
مداخلة: نعم أسجل لأن هذا الذي فهمناه إلى الآن.
الشيخ: خير، الله يرضى عنكم.
مداخلة: يعني: وارد مجموعة من العبارات عنهم مثلًا الإمام مالك قال: (السؤال عنه بدعة) أنه ما كان الصحابة يسألون عن هذه الأمور، كانوا يمُرُّونها على ظاهرها.
الشيخ: بس شايف أخذت الأثر المالكي من ذنبه، ما أتيت رأسه.
مداخلة: معروف الأول.
الشيخ: لكن يجوز أنت تأخذ من ذنبه وما تأتي برأسه؟
مداخلة: يعني هو لما قال: الاستواء معلوم لم يقل له- يعني حسب فهمنا نحن على الأقل- أن الاستواء يعني الاستعلاء.
الشيخ: ما شاء الله صار نحن، الآن نحن.
مداخلة: ما فيه فرق، قال له: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.
[ ٦ / ٦٣ ]
الشيخ: سؤال قوله: الاستواء معلوم تفويض؟
مداخلة: لا، معلوم يعني بالكتاب والسنة تفويض طبعًا، ما قال له أن الاستواء يعني الاستعلاء مثلما نحن نفهمها.
الشيخ: ماذا يُقصد بمعلوم مجهول؟
مداخلة: معلوم ليس مجهول، معلوم لفظًا بالقرآن والسنة كما جاءت الأسماء والصفات في الكتاب والسنة على لفظها.
الشيخ: معلوم معناه مجهول؟
مداخلة: لا، كيف معلوم يساوي مجهول.
الشيخ: هذا الذي أريده، التفويض معناه العلم؟
مداخلة: نعم.
مداخل آخر: لا، التفويض معناه عدم العلم.
الشيخ: من هنا يبين المكتوب من عنوانه، التفويض معناه فهم وعلم، أم
عدم علم؟
مداخلة: أنا مقدرش أقول عنه جهل، ما أقدر أنسب هذا المذهب الجهل للصحابة.
الشيخ: أنا ما قلت جهل.
مداخلة: طبعًا لأنه عدم علم يساوي جهل.
الشيخ: إذًا يساوي علم؟
[ ٦ / ٦٤ ]
مداخلة: لا ميساويش علم.
الشيخ: إذًا لا علم ولا جهل.
مداخلة: لا، تفصيل.
الشيخ: إذًا لا علم ولا جهل.
مداخلة: آه لا علم ولا جهل.
الشيخ: ما شاء الله التفويض معناه قراءة النصوص المتعلقة بالصفات الإلهية بدون فهم لها إطلاقًا كما لو أن الأعجمي قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:١ - ٤) لا يفهم شيئًا من معنى هذه الآية، ويَكِلُ أمر معناها إلى الله ﵎، هذا معنى التفويض، فهو يسلم بأن هذه آية أو سورة من القرآن، لكن ما معناها لا أدري، أمرها إلى الله ﵎، هذا التفويض.
فالمذاهب ثلاثة:
مذهب السلف، وهو: فهم الآيات آيات الصفات وأحاديث الصفات بالأسلوب العربي، مع تنزيه الله ﷿ عن مشابهته للمخلوقات كما هو معلوم من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) تنزيه، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) إثبات، إثبات بمعنى أن السميع هو غير البصير، والبصير غير السميع، هذا مذهب السلف، -وفي هذا المثال- والخلف أيضًا، لأنهم يفسرون السميع البصير على تفسير السلف ولا يفوضون، هذا المذهب الأول وهو الإيمان [بالمعاني] المعروفة لغة مع تنزيه الله ﷿ فيها عن مشابهته للمخلوقات، الفهم اللغوي مع التنزيه.
[ ٦ / ٦٥ ]
- مذهب الخلف تارةً مع السلف يفهمون وينزهون، تارةً يؤولون، بل يعطلون، فهما مذهبان مذهب الفهم لآيات الصفات وأحاديث الصفات مع التنزيه، الفهم الثاني تأويلها وعدم التسليم بمعانيها الظاهرة، ولو كانت مقرونة بالتنزيه، مذهب لا من هؤلاء ولا من هؤلاء مذهب المفوضة.
المفوضة لا يفهمون من آيات الصفات شيئًا، ويقولون: الله أعلم بمراده، فهم خالفوا السلف وخالفوا الخلف، خالفوا السلف لأنهم يقولون ربنا علمنا بلسان عربي مبين، فنحن نفهم ﴿وهو السميع البصير﴾ أن السميع هو غير البصير، وأن السمع له علاقة بسمع الأصوات، والبصر له علاقة برؤية الموجودات، هذا هو المعنى العربي، لكن سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا.
قلنا: الخلف التقوا مع السلف في بعض هذه الآيات كالآية المذكورة آنفًا، لكن اختلفوا معهم في آيات أخرى، كإثبات اليدين لله ﷿، وإثبات العين أو العينين وإثبات العلو والاستواء على العرش، فالسلف أثبتوا هذه المعاني على ضوء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) أما الخلف فأولوها، فقالوا الاستواء معناه الاستيلاء، قالوا في إثبات اليد ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة:٦٤) فأولوها ما أثبتوا لله ﷿ اليدين اللتين تتناسبان مع عظمته وجلاله، ولا تشبهان أيدي البشر، الخلف هنا خالفوا السلف في إيمانهم بصفة السمع والبصر بالمعنى العربي مع التنزيه، هنا أولوا، أما المفوضة فهم الذين يقولون: لا ندري لا ندري لا ندري.
ولذلك هؤلاء إذا قالوا: وهذا يوجد اليوم ناس من الكُتَّاب المعاصرين خاصة من بعض الأحزاب الإسلامية يدعون أن التفويض هو مذهب السلف، وهذا كذب عليهم، السلف يعرفون ما معنى السميع البصير، يعرفون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
[ ٦ / ٦٦ ]
اسْتَوَى﴾ (طه:٥) لكنهم ينزهون، لأنهم يأخذون القرآن جملة وتفصيلًا، لا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالتفويض إذًا لا يجوز نسبته إلى السلف، هذا كذب وافتراء عليهم، ولذلك قلت لك: كيف تستدل بالأثر المذكور عن مالك: الاستواء معلوم .. هذا دليل على أنهم كانوا لا يفوضون، كانوا يفسرون القرآن باللغة العربية، بل لا يفسرون لأن النظر واضح، ولذلك قال له: ما قال له الاستواء هو الاستعلاء كما قلت أنت، لكنه قال: الاستواء معلوم، أنت تسأل عن الاستواء ما هو؟ الاستواء معلوم، وهو العلو، وهذا ما صرح به الإمام البخاري عن بعض السلف أن ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) أي: استعلى، لكن مذهب مالك يتابع كلامه فيقول: والكيف مجهول، إذا كان هناك تفويض فهنا التفويض، أي: تفويض في الكيفية لا في الحقيقة، فكيفية الاستواء مجهول، أما الاستواء نفسه فهو معلوم، فالاستواء مثلًا ليس هو النزول، هذا عربيةً، الاستواء ليس هو النزول، بل هو ضد النزول، لأنه يأتي بمعنى الصعود، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (البقرة:٢٩) أي: صعد إليها، الاستواء هنا في آية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) معناه معروف لغة، لكن كيف استوى؟ قال: الكيف مجهول.
فإذا أُريد بالتفويض تفويض حقائق الصفات الإلهية هذا صحيح ومسلم
فيه تمامًا.
مداخلة: الواقع أن السؤال عن كيف؟
الشيخ: كيف ما أحد يتكلم من السلف عن الكيف أبدًا، والسؤال هنا عن الكيف، ولذلك أجاب: أن الاستواء معلوم والكيف مجهول، إذًا السلف يثبتون معاني آيات الصفات وأحاديث الصفات، لكن يفوضون كيفية هذه الصفات، وهذا هو المذهب الحق، وإلا لزم منه أمور لا يتحملها إنسان مسلم أبدًا من الضلال.
[ ٦ / ٦٧ ]
السؤال: هل وارد أخبار أو آثار عن الصحابة أنهم كانوا يفهمون هذه الآيات: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (الملك:١) يد يعني لله يد ولكنها ليست كيد المخلوقات، يعني: اللغة العربية تحتمل، كلمة اليد يعني القدرة، وتحتمل اليد يعني الجارحة بالنسبة لنا كبشر، لله يد نحن نقول: لله يد لكنها ليست كيد المخلوقات، يد يعني يد حقيقة، ولكنها ليست كيد المخلوقات، من معاني اللغة العربية أيضًا كما ذكرنا في اللغة العربية أن كلمة يد تؤخذ بمعنى القدرة والغلبة. فلماذا نحن لا نقول أن هذا القول الثاني أيضًا هو قول يؤخذ به في موضوع الأسماء والصفات، وإن كان هو يلزم منه التعطيل، أنه ليس لله يد ولكن المقصود هنا الغلبة والقهر؟
الشيخ:، مُسَلَّمٌ لله الغلبة، لله القدرة، هذا مُسَلَّمٌ به لدى الجميع، تركناها جانبًا هل لله يد؟
مداخلة: هم يقولون لا ليس له يد.
الشيخ: وقف حمار الشيخ عند العقبة.
مداخلة: أنا المفهوم، المنهج الذي أخذنا عليه أنه ما تقول: لله يد، الله أعلم بمراده، هذا هو مذهب الخلف الذين نحن قلنا عنهم قبل قليل أنهم المفوضون الذين هم الخلف، أما إذا قلنا .. موضوع اليد هذه مَن من الصحابة فهم هذه الآية على أن اليد بمعنى: .. كان لله يد.
الشيخ: الموضوع ليس موضوع اليد، اليد مثال، الموضوع موضوع صفات.
مداخلة: عام، نريد من صفات الله ﷿ وارد عن الصحابة [أنهم] يفهمونها بهذا التفصيل؟
الشيخ: سامحك الله.
[ ٦ / ٦٨ ]
مداخلة: وإياك، ابن القيم تلميذه الذي فهمه في آيات الصفات بهذا التفصيل.
الشيخ: اسمح لي أن ألفت نظرك إلى شيء أن هذا القول ما هو بقولك هذا، هذا قول إمامك هذا.
مداخلة: هو فعلًا هكذا يقول.
الشيخ: انظر يا شيخ علي الله يهدينا وإياكم جميعًا، العلم يريد طاقات معينة وقدرات، فإذا إنسان يقرأ اليوم بحث وينساه غدًا هذا عبث يعتمد عليه، هذه شبهات وهذه الأسئلة لا تتناهى، ومن الأساليب العلمية التي تقرب وجهتي نظر مختلفتين أن نأخذ نقاط نحن متفقين عليها، أنا أتيت آنفًا لآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ، نحن لا بد نأخذ نقطة التقاء، قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) السميع البصير صفتان لله ﷿، ماذا يقول الذين يؤولون اليد والاستواء إلخ، ماذا يقولون في هاتين الصفتين؟ أو غير العبارة هذه: نعيد عليكم سؤالكم: في آثار عن الصحابة أنهم فسروا السمع والبصر بما السلف والخلف متفقون على تفسيرهما به؟
الجواب: ما في آثار.
مداخلة: أنا أعتقد أنه ما في بيان عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية.
الشيخ: جميل جدًا، فكيف اتفق السلف والخلف على عدم التأويل؟
مداخلة: اتفقوا هكذا.
الشيخ: صدفة، يعني: بدون علم؟
[ ٦ / ٦٩ ]
مداخلة: سبحان الله تجتمع القلوب.
الشيخ: بدون علم؟ المسألة الحقيقة أوضح مما تتصور، الله ﷿
له وجود.
مداخلة: بدهي.
الشيخ: فيه نص عن السلف.
مداخلة: القرآن المنزل من رب السماوات والأرض.
الشيخ: خالفت طريقتك، وفي القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) سميع بصير مفهوم معناهما؟
مداخلة: يسمع سمعًا يليق به لا ندري كيف يسمع.
الشيخ: الصحابة قالوا هكذا؟
مداخلة: لا ما قالوا هكذا، لكن نقدر نقول لك: السميع البصير.
الشيخ: لا تطول الشغلة نحن نقول: السلف والخلف يعني: كل المسلمين متفقون على تفسير الآية على ظاهرها، لماذا ما سألتم الآن عن السلف أين آثارهم؟ ولماذا أنا سألتك: الله موجود؟ لكن رجعت إلى القرآن وإلى الأدلة القاطعة في الموضوع، لكن هذه الأدلة القاطعة عند ناس أدلة قاطعة وعند ناس أدلة ما هي قاطعة، لأنه يسلط عليها معول التأويل، فهذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) قلنا: ما فيه خلاف بين المسلمين السلف أو الخلف، كلهم مؤمنون بأن الله سميع بصير، هنا لماذا لم يؤول؟ ولماذا لم يفوض؟ لماذا هنا لا نسلط معول الهدم باسم التأويل أو باسم التفويض؟
[ ٦ / ٧٠ ]
مداخلة: .. الآية واضحة وضوح الشمس ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)
الشيخ: لم تجبني الله يهديك، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) أنا أدندن على تمام الآية أنت تدندن على أولها، فيه صفتان هنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ليس هناك نزاع بين سلف الأمة وخلفها، كلهم ينزهون، لكن النزاع في الإثبات، هل ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) بمعنى استولى أم بمعنى أعلى، هذا نزاع، أما أنه آية في القرآن في القرآن ما فيه خلاف، كذلك لا خلاف في التنزيه، لكن هل هناك خلاف في تمام الآية ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)؟
الجواب: لا، لا خلاف، لماذا ترجع إلى هذه القضية، الآن ماذا تقولون عن هذه الآية حينما آمنتم بها ما عطلتموها بالتأويل، ولا أنكرتم معناها بالتفويض؟
مداخلة: هذا رد على المعطلة، كيف فهموا هذه الآية واتفق فهمهم مع فهم السلف وهم معطلون.
الشيخ: تريد تدافع عن التفويض، أنت تتبنى مذهب الدفاع، مش أنا بدي أدافع أنا بدي أن أهدمه، لأنه ضد الكتاب وضد السنة، أنا لما سألتك آنفًا: الله موجود؟ قلت: نعم موجود، أنت موجود أم مفقود؟
مداخلة: ولو موجود
الشيخ: موجود، كيف جعلت نفسك شريك مع الله في الوجود؟
مداخلة: له وجود ولي وجود.
الشيخ: سَلِّكْها واستريح، كل الآيات هكذا، ما المشكلة إذا قلت في قوله
[ ٦ / ٧١ ]
تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة:٦٤) يداه ليست كأيدينا وانتهى الموضوع، شو الواقف في الطريق؟
مداخلة: السلف لم يفهموا هذا الفهم.
الشيخ: والسلف لم يفهموا هذا الفهم السميع البصير.
مداخلة: وأنا أقصد بالسلف يعني فعل السلف اللي هم الصحابة.
الشيخ: وأنا أقصد الذي تقصد أنت، ما الفرق.
مداخلة: يعني التفويض هذا من العصور المتأخرة
الشيخ: على شفا جرف هار، الصحابة ما تكلموا في السميع البصير، لماذا أنت تتكلم وتقول: نبين المعنى؟
مداخلة:
الشيخ: هذا نريده في كل الصفات، لكن أنا أسألكم لماذا تقول هنا مبينة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) وهناك تقول: لماذا لا نؤول؟
مداخلة: من قولك نفهم هذه الأسماء والصفات بناء على مفاهيم اللغة العربية، اللغة العربية تحتمل المعنيين يد بمعنى القدرة، ويد بمعنى يد ..
الشيخ: هذا ما هو دائمًا الله يهدينا وإياك، لأنه لما نفسر يداه ما تستطيع تقول: قدرتاه، إذًا: ما معنى يداه، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وحديث: «كلتا يدي ربي يمين» (١) أحاديث صحيحة وصريحة، هذا لا تتأول هنا لا تتأول بقدرة ولا بنعمة، من أي تأويل من التآويل التي رجع إليها المتأخرون أو المؤولة أو المعطلة، لا
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٥٢٠٩).
[ ٦ / ٧٢ ]
تتأول هذه، يمكن أن تؤول في بعض الأمكنة، لكن التأويل هناك لا يعطل الصفة، ولذلك أنا أذكر أني سألتك: هل تعتقد أن لله يدين؟ ما سمعت منك جوابًا، مع أن هذه الآية لا تتأول ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ومن عجائب أحاديث الرسول ﵇ حينما قال وكثيرا ًما سُئلت عن هذا القول: «كلتا يدي ربي يمين» كيف؟
كان الجواب: هذا السؤال هو الذي أنكره الإمام مالك، كيف؟ أنت بتسأل عن الكيف هذا أولًا، وثانيًا هذا الحديث يؤكد عموم النص القرآني: (ليس كمثله شيء) البشر لهم يمين ولهم شمال، لكن الله ليس كمثله شيء فكلتا يدي ربي يمين، هذا تأكيد للتنزيه، فإذًا: لله يدان لا تشبهان أيدي المخلوقات.
مداخلة: نصيغ السؤال بصيغة أخرى: هل هذا التفسير معروف قبل ابن
تيمية؟
الشيخ: كيف لا يا أخي الله يهديك.
مداخلة: الأئمة الأربعة ماذا يقولون في الأسماء والصفات؟
الشيخ: هكذا يقولون كما يقول السلف: الإيمان بالصفات بمعانيها الحقيقية بدون تكييف.
مداخلة: والله الشافعي سئل عن هذا فيما أعلم بصريح لفظه قال: أمروها كما جاءت، فهمنا من هذه العبارة أنه يفوض.
الشيخ: أنا أفهم من هذه العبارة أنه ما يؤول، فيه معنيين هنا: أمروها كما جاءت بدون فهم، هذا الذي تقوله أنت، أنا أقول: أمروها كما جاءت بدون تأويل، يعني: مشوها على ظاهرها، ماذا تفهموا منها؟ هذا هو المعنى العربي، وهذا يلتقي مع قول مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول.
[ ٦ / ٧٣ ]
مداخلة: وما قول السلف.
الشيخ: هو سلف، لأنه من أئمة السلف.
مداخلة: أنا حقيقة الذي ارتاح قلبي هو القول الثاني، الذي هو الإمرار بلا تعطيل أو تأويل.
الشيخ: التأويل أخو التعطيل.
مداخلة: الإمرار بلا تعطيل، عطل، أنا لما واحد يسألني ما أقول أبدًا أن لله يد، ما أقول.
الشيخ: هذا الكلام يسجل عليك يا أخي هؤلاء الخلف مثل ما قلت لك تعرف أن السلفيين لا يؤولون، (الذين) يؤولون (هم) خلفيون، فالرضى والغضب والعجب والنزول والاستواء كل هذه يؤولونها، نحن حجتنا عليهم، لماذا تؤولون هذه الأشياء؟ لا، الغضب عندنا هو ثوران الدم وانتفاخ الأوداج، يا جماعة اتقوا الله، هذا غضب المخلوق، لكن ما دام الغضب نسب إلى الله فليس كمثله شيء.
مداخلة: بدون إشكال
[مداخلات وكلام غير واضح].
مداخلة: تجد كلامًا بعضه قد يكون منهم وبعضه قد يكون منسوبًا لهم بدون صحة يعني مثلا من الأشياء أن ابن تيمية أو واحد من تلامذته أنه وقف على المنبر
الشيخ: سامحك الله سامحك الله، أنت تأخذ كلام أعدائهم لا، أنت جيب لي من كلامهم، وما لقيت إلا أن تأتي بكلام من أعدائهم أول مثال تأتي به.
[ ٦ / ٧٤ ]
مداخلة: أنا تحاورت على كل حال، قلت لك: قد يكون من كلامهم وقد يكون
الشيخ: أنا أكاد أموت من القدقدة هذه، هذه لن تأتي لنا بشيء هذه، أنت الآن بارك الله فيك متخذ موقفًا تريد أن تثبت أن هؤلاء الذين تبنوا مذهب السلف في عندهم التشدد، وجئت بمثال: أول مثال هو باطل بالنسبة لابن تيمية، فهلا أتيت بمثال آخر يكون ثابتًا.
[مداخلة غير واضحة يبدو أن المحاور نسب كلامًا للشيخ الألباني].
الشيخ: أنا أريد أن أنبهك أنك غيَّرت الخِطة أنت تتكلم عن فكر السابقين ليس فكر واحد الآن، الله يهديك، أنت تحكي عن فكر السابقين، ولذلك بدأت بمثال نسبته إلى ابن تيمية، قلنا لك: هذا يذكره أعداؤه، ائت لنا بمثال عنه أو عن غيره، ليس عني أنا، أنا ألفت نظرك خليك ماشي على خطك الأول، لأني أنا لو كنت متشددًا هل معنى ذلك أن السلف متشدد؟
[مداخلة غير واضحة خلاصتها أن المحاور يرى أن من تشدُّد السلفيين أنهم يثبتون لله فوقية كفوقية شيء على شيء مع أنه لا يلزم ذلك من الوصف بالفوقية].
الشيخ: سامحك الله سامحك الله، الله يهديك الله يهديك، أولًا: ما فيه أحد يقول بهذا، مش لازم كذا، مش لازم كذا، لا أحد يقول هذا، لكن أنت غيَّرت خطك، قلت: فيه هناك تشدد لاحظته مما قرأته، فما هو هذا التشدد، أنت تقول: مش لازم يكون فوقية كفوقية هذا على هذا، من يقول بهذا، غيرت الخط تمامًا إن كنت غيرت بمعنى تبين لك أن كلامك كان خطأ اعترف يا أخي، والاعتراف بالخطأ هو عين الصواب، وإن كنت لست مخطئًا تابع الخطأ وجيب لنا الأمثلة،
[ ٦ / ٧٥ ]
يهمنا نشوف التشدد الذي أنت نسبته لهؤلاء الذين تبنوا خط السلف.
فأولًا: أتيت المثال بيّنا لك هذا المثال ما هو صحيح، أتيت بمثال ثاني من واقعنا الآن قلنا لك أنت تحكي عن الماضين ليس عن الحاضرين، ورجعت أخيرًا تقول: إن الفوقية مو معناها هكذا، من قال معناها هكذا، ما دام سنكرر مرارًا وتكرارًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، استواؤنا ليس كاستوائه، وهذا كل السلفيين يعتقدون هذه العقيدة، فأنت حول ماذا تدندن.
[مداخلة غير واضحة يظهر أن المحاور ذكر فيها أن الفهم الذي فهمه هو لازم سؤال السلفيين عن الله بـ «أين»؟]
الشيخ: الله يهديك الله يهديك يا أستاذ عدنان، لما نسأل نحن أين الله؟ لا، أنت غلطان تمامًا، لأنه يأتينا رجل من حزب من الأحزاب يقول: أنتم كذا وكذا وكذا إلخ، أقول له: يا أخي نحن ليس دعوتنا القائمة فقط على ما أنت تتكلم عنه، تحريك الإصبع في الصلاة، تعليق الصورة ما يجوز، تعليق الساعة الدقاقة في المسجد إلخ، نحن نبحث في العقيدة، يقول لك: العقيدة فيها خلاف،
فيها خلاف كبير، ويتسلسل الموضوع، [أقول:] خلينا ندخل في تجربة: تفضل .. أين الله؟
بيبحلق في ويقول: ما هذا السؤال، وناس أشكال وألوان في بيقولك السؤال ما يجوز، وهو آتي بالحديث (١) كما تعلم إلى آخره طول بالك، أنا سأحكي لك قصة تشوف أنه أنت المعاني التي تنفيها الآن عن كلمة الأينية هذه هي نحن دائمًا نكررها، لكن لا مؤاخذة قلة الصلة والتجالس والاجتماع بينسي الحقائق التي
_________________
(١) أي حديث الجارية.
[ ٦ / ٧٦ ]
استقرت في النفوس، الآن سأحكي؛ جرت بيني وبين أحد المشايخ أظن أنت من الذين سمعوها مني مرة أو أكثر من مرة، وإن كنت ما سمعت بها سَمِعَهَا غيرك بطبيعة الحال، وهات ما رأيك في هذا الإنسان الذي يقرر ويسأل أين الله هل هو يفهم هذه الصفة الإلهية بالمعنى المحدود البشري؟
سنة من سنين الحج ونحن في منى وأنا أجلس مع بعض الحجاج في مصري في شامي ونتحدث، دخل علينا شيخ أزهري: السلام عليكم، وعليكم السلام، جلس، أصغى لحديثي شم من الحديث رائحة السلفية، قال لي: أنتم جماعة الوهابية تشبهون رب العالمين بالمخلوقات. قلنا: كيف؟ قال: أنتم بتقولوا أن الله فوق السماوات. قلت له: نحن نقول أم هذا كلام رب العالمين؟
وذكرنا آية ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤) إلخ، فهذا ليس كلامنا كلام رب العالمين، ويجب الإيمان به.
ثم تابعت معه الموضوع موضوع منطقي عقلي أظن أنا بيعجبك طريقته هذا المنطق، لأنك أنت بيترشح منك من الكلام السابق، قلت له: تعال نرى أن هؤلاء الذين يؤمنون بأن الله على العرش استوى هؤلاء مجسمة، هؤلاء جعلوه في مكان حصروهم في مكان أم هذا افتراء عليهم؟
قلت له: قبل كل شيء أسألك سؤال: الكون المخلوق محدود أم غير محدود؟ قال: محدود، قلنا له: الله ﵎ محدود؟ قال: لا، هذا نحن متفقين عليه.
سؤال ثاني: فوقنا الآن السماء الدنيا.
[ ٦ / ٧٧ ]
مداخلة: الدلالة على أن الكون المخلوق محدود دلالة شرعية أو فكرية؟
الشيخ: لا، فكرية وشرعية، وهذا السؤال إذا كان لا يكفيك الجواب الآن بإيجاز فأجِّله إلى ما بعد.
قلت له: هذه السماء الدنيا ماذا فوقها؟ قال: السماء الثانية والثالثة .. إلخ باختصار السماء السابعة، وفوق السماء السابعة ماذا فيه؟ قال: العرش، قلنا: والعرش ماذا فوقه؟ قال: الملائكة الكروبيون، قلت له: ما الملائكة الكروبيون؟ قال: ملائكة على العرش، قلت له: عندك آية فيها هذا؟ قال: لا، فيه عندك حديث عليها؟ قال: لا، قلت له: من أين أتيت بالملائكة هؤلاء ووضعتهم على العرش هناك؟ قال: والله هكذا لقنونا المشايخ في الأزهر الشريف.
قلت له: عجبًا من مشايخ الأزهر؛ يقررون على الطلبة أن العقائد لا تثبت بالأحاديث الصحيحة إذا كانت آحاد غير متواترة، وأنت الآن تثبت عقيدة بلا حديث إطلاقًا، لكن ليس هذا هدفنا، نمشي معك الآن، الملائكة الكروبيون فوق العرش، وما فوق الملائكة الكروبيون، فيه شيء أم انتهى؟
قال: انتهى، هكذا الخلق محدود يعني، قلنا له: الكون مشتق من كان يكون، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) فهذا الكون الآن على اعتقادنا نحن أعلى المخلوقات عرش الرحمن، على اعتقادك أنت الملائكة الكروبيون، وبعد ذلك ماذا فيه، هل هناك شيء، هل هناك مخلوق، هل هناك مكان؟ قال: لا، إذًا: لماذا أنتم تتهمونا أننا جعلنا ربنا في مكان وأنت الآن بالمنطق العلمي السليم قلت أن بعد العرش ما فيه مكان، الله حينما يقول المسلم السلفي فوق العرش استوى لا يعني أنه في مكان مثل إنسان في مكان، ولا يعني أن فوقيته
[ ٦ / ٧٨ ]
على العرش كفوقية الملك على الكرسي أو العرش تبعه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
فإذًا: التعبير إذا صح المنفيات -جمع نفي-، الذي عم تنفيه أنت هذا من لوازم الدعوة السلفية، لأنه مرات نكرر مع أخينا علي هنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فكل صفاته تتناسب مع جلالته وعظمته، فهي لا تشبه شيء من صفات مخلوقاته.
وصفاته عند العلماء تنقسم إلى قسمين: صفة فعل وصفة ذات، فـ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) صفة فعل، نزوله ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا صفة فعل أيضًا، لكن نزوله ليس كنزول الناس، واستواؤه ليس كاستوائنا، وإلى آخر ما هنالك، فأنت الذي تدندن حوله أنت كأنك لأول مرة تتصل بهذه الدعوة، فتحاول تقول: أن هذا ليس هكذا وليس هكذا، وهذا كما يقولون من منفياتنا، التنزيه هذا من لوازم الإثبات وإلا كان مشبهًا، ورحم الله ابن القيم حينما قال: المجسم يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا.
فالسلفي إذا كان يريد بسبب إثباته للصفات يريد يجسم معناها عبد صنمًا لا سمح الله، فالتنزيه مع الإثبات هما مذهب السلف الصالح في كل الصفات، فلا يخطر في بالك أنه إذا قلنا: استوى أو أين الله أن هناك تشبيه الخالق بالمخلوق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
[ثم رجع المحاور لعرض لوازم إثبات السلفيين للصفات -في نظره- من التشبيه والتجسيم في مداخلات غير واضحة، فقال الشيخ]:
[ ٦ / ٧٩ ]
الشيخ: أنا أرى أن ما فيه التقاء في التفاهم في هذه النقطة بالذات، وأنا مضطر أن أختم، بصراحة أنا ما سمعت منه شبهة حتى ينال الجواب، ولا أنا مستعد أن أؤلف في هذا الموضوع كتابًا.
"الهدى والنور" (١٤٧/ ٥٩: ٥٩: ٠٠) وتتمته (١٤٨/ ٠١: ٠٠: ٠٠)
[٨٠٧] باب الرد على من نسب التفويض للسلف
[قال الذهبي في العلو]:
قال البخاري في أواخر صحيحه باب قوله ﷿: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ﴿وهو رب العرش العظيم﴾، ثم قال: وقال مجاهد: استوى [علا]
على العرش.
[فعلق الألباني قائلًا]
وصله الفريابي بسند صحيح عن مجاهد. قلت: وفيه رد على بعض الكتاب المعاصرين الذين يوهمون الناس أن السلف لم يتكلموا في آيات الصفات ولم يُفسِّروها إطلاقًا، وأنهم اكتفوا بقراءتها دون تدبرها وتفهمها، وهذا مما أبطله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتبه، نعم لم يفسروها تفسيرًا مقرونًا بالتشبيه والتكييف، بل نهوا عن ذلك أشد النهي، كما ستراه في الكتاب عن مالك وغيره، وقد روى اللالكائي في " السنة" (١/ ٩١/ ٢) عن بشر بن عمر الثقة المتوفي (٢٠٧) قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قال: على العرش ارتفع.
"مختصر العلو" (ص ١٠١ - ١٠٢).
[ ٦ / ٨٠ ]
[٨٠٨] باب الرد على المفوضة والمعطلة
السائل: بعض العلماء يقول أن مذهب السلف في الصفات أن تقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ولا تقل: استوى بذاته.
الشيخ: أيوة.
مداخلة: نعم.
مداخلة: [كذلك] ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، لا تقل بذاته، فقط استوى فقط، بدون تفسير بالمرة، فما جوابكم؟
الشيخ: جوابي كما قال إمام دار الهجرة الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهولة، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل.
نحن نقول الذين حكيت عنهم ما ذكرت، وهم يسمون بجماعة التفويض، فهؤلاء ليسوا من السلف من قريب أو بعيد.
نقول لهؤلاء: حين تقولون: لا تقل: الرحمن على العرش استوى بذاته، وإنما نقول: الرحمن على العرش استوى. هكذا يقولون.
نسألهم بفهم أم بغير فهم؟ نقول لهم: نوافق معكم مبدئيًا، نقول: الرحمن على العرش استوى بدون قيد بذاته، لكن حين نقول نحن وأنتم: الرحمن على العرش استوى. بفهم أم بغير فهم؛ فإن قال: بغير فهم سقط، وانكشف وعرفنا منه أنه معطل يتستر وراء ما كان يدعيه كثيرون من قبل ومن بعد، أنهم يقصدون التنزيه.
نحن أيضًا نقصد التنزيه، ولكن مع الفهم، فما معنى: الرحمن على العرش استوى؟
[ ٦ / ٨١ ]
لعلك فهمت إلى هنا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب.
﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كما تقول: سبحان ربي الأعلى. وكما تقول: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) .. إلى آخر الآية، فالله ﷿ فوق عرشه كما قال الإمام عبد الله بن المبارك: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، [بائن من خلقه] وهو معكم بعلمه، ثلاثة أشياء: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه.
فحينما يقول الإمام عبد الله بن المبارك، إنما يقولها تفقهًا منه؛ لأن الرحمن من الأسماء التي يسمى بها ربنا ﷿ كاسم الإله، فهو من أسماء الذات، فلو قال: عليم .. بصير، فهذا اسم صفة، لكن الله والرحمن اسم الذات، فكلمة: بذاته، ليست إضافة من عندنا، وإنما هو ما يفهمه كل إنسان.
يعني مثلًا: الله خلق السموات والأرض.
إذا قلنا: الله بذاته خلق السموات والأرض، هذا ليس معنى ذلك أننا أضفنا معنًا لا يؤخذ من كلمة الله، خلق الله السموات والأرض، أي: خلق الله بذاته، لم يشاركه في ذلك أحد سواه.
هذا التأويل، أي: التفسير لا يعني أننا نحن أوَّلنا كما يريد أن يقول ذلك الناصح خطأً، قولوا: الرحمن على العرش استوى، ولا تقولوا: بذاته.
نحن إذا قلنا: الرحمن على العرش استوى. بفهم، فمعناه: بذاته، وإذا قلنا
[ ٦ / ٨٢ ]
الرحمن على العرش استوى. كلام لا ندري ما معناه، فقد خالفنا السلف الصالح، كما هو الشأن في كل الصفات التي نؤمن بها معهم دون تشبيه ودون تعطيل.
دون تشبيه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، دون تعطيل لقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فبعض الفِرق القديمة من المعتزلة كانوا يُعطِّلون الله عن هاتين الصفتين: صفة السمع والبصر، فيقولون: يعني هو عليم.
الله عليم ثابت؛ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:٢٩)، لكن هنا يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، وأنكروهما؛ لأنهم يتوهمون أننا إذا آمنا بما جاء في كتاب ربنا بدون تشبيه، مع ذلك بظنهم أننا نشبهه.
فهذا بحث يطول ونهايته أن يؤدي بهؤلاء المعطلة إلى إنكار وجود الله ﵎ من الأصل، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم الجوزية ﵀، حين قال: المجسِّم إنما يعبد صنمًا، والمعطل إنما يعبد عدمًا.
كلاهما ضال، لكن أيهما أشد ضلالًا؟ الذي نفى نفيًا مطلقًا؛ لأنهم يقولون - وهذا ذكرناه في بعض مجالسنا القديمة -، حينما يتحدثون عن الله ﷿ وأنه على العرش استوى، يقولون: لا، لا يوصف ربنا، لا يقال فيه ﷿عندهم-: الله فوق، لا يقال: فوق. لا هو فوق، لا هو تحت، لا هو يمين، لا هو يسار، لا هو داخل العالم، ولا خارجه.
إذًا: رجعوا إلى العدم؛ لذلك قال ابن القيم بحق: المعطل يعبد عدمًا محضًا.
فإذا لم يكن لا داخل العالم ولا خارجه، لو قيل لأفصح الناس بيانًا: صف لنا المعدوم ما هو؟ فقال لك: لا هو فوق ولا هو تحت، لا يمين لا يسار، لا أمام لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه.
[ ٦ / ٨٣ ]
نقول له: صدقت هذا هو المعدوم، فقد وصفوا ربهم بأنه معدوم لما عطلوه من الصفات، فالمعطل إذًا: يعبد عدمًا، نحن يجب أن نقف عند حدود الشرع ولا نستعمل الأقيسة؛ لأن الله ﷿ إذا كان سميعًا بصيرًا، فسمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، كما أن وجوده ليس كوجودنا، فنحن الآن نقول: الله موجود، وأنا موجود، فهل معنى ذلك أن نقول -حتى لا نقع فيما يزعمون فيه من التشبيه- أحد شيئين .. ننكر حقيقة من حقيقتين: الله موجود، وأنا وأنت وهذه المخلوقات موجودة، فلا بد من إنكار حقيقة من الحقيقتين وأيهما أنكرت، فقد قرمطت.
إذا قلت: أنا موجود، الله موجود.
صار هنا اشتراك، صار هنا تشبيه؟
إذًا: الله ليس موجودًا؛ لأنه فيه تشبيه الخالق بالمخلوق، كيف غير موجود؟ موجود.
إذًا: أنا الذي لست موجودًا.
وأحلاهما مر.
إذًا: الله موجود، وأنا موجود، لكن وجوده كما يقولون: وجود بدون موجد، واجب الوجود، أما أنا ممكن الوجود؛ لأن الله ﷿ هو الذي أوجدني، وإن شاء أعدمني؛ ولذلك قال تحقيقًا لهذه الفارقة العظيمة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:٢٦ - ٢٧).
فإذًا: نحن نثبت ما أثبت، وننفي ما نفى، نفى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، وهو السميع البصير، أثبت.
[ ٦ / ٨٤ ]
فسمعه وبصره حقيقتان صفتان ثابتتان، ولكن: ليس كمثله شيء، وعلى ذلك طَرِّد كل الصفات، فتستريح ولا تقع في التشبيه ولا في التعطيل.
هذا جواب ما سألت من السؤال.
مداخلة: قال لي هذا القائل: الرحمن على العرش استوى، استوى على، هذا فهمك لاستوى، فما تقول لفهمك ليد الله، ماذا تقول معناها، فماذا أقول له؟
الشيخ: اليد التي يعطي بها، أقول وهي ليست خيالية، ما هذه المشكلة الكبيرة، وماذا يقول هو؟
مداخلة: هو يقول: ما دام أن اليد لا تستطيع أن تفسرها، ..
الشيخ: لا، هو ماذا يقول؟ ما المقصود باليد عنده؟
مداخلة: هو مفوض.
الشيخ: هذا هو، معطل إذًا.
إذًا: نرجع لنفس الموضوع: ما هو الله؟ موجود أو مفقود؟
مداخلة: موجود.
الشيخ: موجود، وأنا موجود، إذًا: أنكر إحدى الحقيقتين وحينئذ نحكم عليك بأنه سقط التكليف عنك.
مداخلة: شيخنا في نفس المسألة، أستاذي هم في الحقيقة متأخرو الأشاعرة نفوا لفظ: موجود، كما أشرت في آخر كلامك أستاذنا، فقالوا: لأن لفظ موجود يقتضي موجدًا، فهو واجب الوجود، فهربوا في شرح البيجوري وكذا، هربوا من لفظ موجود، قالوا: لا نقول: موجود؛ لأن الموجود يثبت موجدًا، والله واجب الوجود.
[ ٦ / ٨٥ ]
الشيخ: هذه مناقشة لفظية.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: لكن هذا لا يرد في الأخذ والرد.
مداخلة: لكن أنا أحب أن توضح لنا يا شيخنا هذه الجزئية، لفظ موجود هل هو في الحقيقة كما يزعمون يقتضي موجدًا؟
الشيخ: لا، لكن هذه مناقشة بيزنطية كما يقولون فعلًا؛ لأنهم هم يناقشون الآن مناقشة لفظية.
فعلًا: اسم موجود، اسم مفعول، يستلزم عادة بالنسبة للعرف البشري أن يكون له موجدًا، فهذا الكأس وهذا الإبريق .. إلى آخره، موجود، أوجده الذي صنعه .. إلى آخره، لكن الله ﷿ كما قلنا في أثناء الكلام: هو واجب الوجود، لكن كونه واجب الوجود ما ينفي أن يكون قائمًا وجوده، فنترك كلمة موجود، قائمًا وجوده متحققًا وجوده، فحينئذ هم يفرون من المناقشة تمسكًا بلفظ لا يقدم ولا يؤخر.
مداخلة: حقيقة البحث.
الشيخ: محينا هذا الاسم، اسم موجود ألغيناه من قاموس اللغة في هذا البحث، لكن متحقق وجوده، لا يستطيعون أن يقولوا: لا، مفقود.
مداخلة: صحيح.
الشيخ: فإذًا: التمسك بهذا اللفظ لا يفيدهم شيئًا.
وأرجو إخواننا أن يحفظوا كلمة كنت قرأتها في رسالة لا تزال مخطوطة من
[ ٦ / ٨٦ ]
كلام الخطيب البغدادي، وربما نقلت في بعض الكتب: ما يقال في الصفات يقال في الذات سلبًا وإثباتًا.
هل تقول في الله موجود ولاّ؟ موجود.
إذا قلت إنه موجود، وقد أوضحنا المقصود من لفظة الموجود، هل يلزم من ذلك مشابهة الخالق بالمخلوق؟
الجواب: لا.
كذلك قل في الصفات ما تقول في الذات، تستريح من كل هذه المناقشات؛ لأنه الحقيقة الدخول في تفاصيل هذه المسائل والتناقش فيها مضلة؛ لأن كثير من الناس قد أوتوا منطقًا وأوتوا جدلًا، وناس آخرون لم يُعطوا علمًا ولم يُعطوا جدلًا، وعندهم سلامة وعقيدة صحيحة، لكن ذلك المجادل قد يتغلب عليه بجدله؛ بسبب سلامة علم هذا الإنسان وقلبه.
ولذلك فعلى كل مسلم أن يحفظ هذه القاعدة وهي قائمة على الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
يقال في الصفات ما يقال في الذات سلبًا وإثباتًا، حينذاك تستريح من أي مناقشة قد تضطر للدخول فيها وأنت غير مستعد لها.
" الهدى والنور" (٢٨١/ ٣٣: ٠٠: ٠٠)
[٨٠٩] باب بيان خطر التفويض والتأويل
[قال ابن أبي عاصم في "السنة":]
ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن
[ ٦ / ٨٧ ]
ابن عباس قال: حدث رجل بحديث أبي هريرة (١)، فانتفض قال ابن عباس ما بال هؤلاء يجدّون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه.
[قال الإمام]:
(إسناده صحيح).
[وعلق على كلمة "يجدّون" بقوله:]
كذا في المخطوطة ولعله: يحيدون، أي يجتهدون ويهتمون لفهم المعنى المراد من القرآن عند محكمة، (ويهلكون عند متشابهه) لأنهم لا يهتمون لفهم معناه الحقيقي مع التنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يصرفهم عن ذلك التأويل أو التفويض.
"ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص ١٩٧).
[٨١٠] باب مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه، وبيان ضلال المفوضة والمعطلة
[قال الإمام]:
مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه:
السلف يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه أو أخبر به نبيه - ﵌ - ويؤمنون بذلك أنه كما وصف به نفسَه حقيقةً من غير تأويل الخ، في
_________________
(١) يعني استنكارًا لما سمع من حديث أبي هريرة، ولم أقف على من نبه على المراد بهذا الحديث، ويغلب على الظن أنه حديث: "إن الله خلق آدم على صورته وهو حديث صحيح مخرج في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٨٦٠). [منه].
[ ٦ / ٨٨ ]
هذه (١) الصفة المميزة للسلفي على غيره من الخلفيين؛ فان هؤلاء على قسمين: قسم مفوضة يؤمنون بألفاظ الآيات وأحاديث الصفات دون الإيمان بحقائق معانيها اللائقة بالله تعالى. وهذا هو الذي عليه الآن كثير من الخلفيين الذين لم يدرسوا عقيدة السلف أو درسوها ولم يفهموها أو فهموها ولم يهضموها ولم يؤمنوًا بها.
ويغلب هذا على الذين يتظاهرون بأنهم من الدعاة إلى الإسلام (وفاقد الشيء لا يعطيه) وبعضهم يزعم أن هذا هو مذهب السلف جهلا أو تجاهلا ومنهم الكوثري شيخ أبو غدة كما صرح بذلك في تعليقه على «الاختلاف في اللفظ» لابن قتيبة (ص٣٠).
وقسم مؤولة معطلة ينكرون حتمًا بعض صفات الله تعالى باسم التأويل وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنهم الكوثري، بل هو حامل راية هذا الانحراف في العصر الحاضر.
"كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات" (ص٨٠ - ٨١)
[٨١١] باب الرد على من ادعى أن كتاب
"الإبانة" للأشعري هو على طريقة التفويض
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال الأشعري في كتاب "الإبانة في أصول الديانة" له، في باب الاستواء:
_________________
(١) كذا، والظاهر أن صوابها: فهذه الصفة
[ ٦ / ٨٩ ]
فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل (له) (١) نقول: إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ وقال حكاية عن فرعون: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأضنه كاذبًا﴾ فكذب موسى في قوله: إن الله فوق السموات وقال ﷿: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ يعني جميع السموات فقال: ﴿وجعل القمر فيهن نورًا﴾ ولم يرد أن يملؤهن جميعًا، "وأنه فيهن جميعًا" قال: ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم - إذا دعوا - نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش.
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وأنه تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش وبين الأرض السابعة لأنه قادر على كل شيء، والأرض شيء، فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وكذا لو كان مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء، لجاز أن يقال: هو مستو على الأخلية والحشوش، فبطل أن يكون الاستواء ﴿على العرش﴾: الاستيلاء.
وذكر أدلة من الكتاب والسنة والعقل سوى ذلك (٢).
وكتاب "الإبانة" من أشهر تصانيف أبي الحسن، شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه، ونسخه بخطه الإمام محيي الدين النووي.
_________________
(١) زيادة من المخطوطة، وقد وقعت هذه الزيادة في " الإبانة " بعد "قيل" ولعله الأقرب إلى الصواب. [منه].
(٢) "الإبانة" (ص ٣٤ - ٣٧). [منه].
[ ٦ / ٩٠ ]
[قال الإمام]:
قلت: وفي قول الأشعري دليل واضح على بطلان قول الكوثري في تعليقه على "تبيين كذب المفتري" (ص ٢٨) أن كتاب "الإبانة" هذا هو على طريقة المفوضة في الإمساك عن تعيين المراد، وهو مذهب السلف!
فإن كلام الأشعري الذي نقله المصنف ﵀ عن "الإبانة" وأشرنا إلى محله منه صريح في تعيين المراد، وهو أن الاستواء بمعنى العلو، فأين التفويض والإمساك عن تعيين المراد الذي زعمه الكوثري، ولا شك أن قوله " وهو مذهب السلف "، كذب أيضًا كما يعلمه من درس أقوالهم في كتب أصول السنة التي جمعها المصنف رحمه الله تعالى في كتاب " العلو" فأوعى، ثم قَرَّبتها إليك في "مختصره" هذا، منبهًا على ما صح إسناده منها كما ترى.
"مختصر العلو" (ص٢٣٨ - ٢٣٩)
[ ٦ / ٩١ ]
جماع أبواب الكلام
على ضلال المؤولة والمعطلة، وجناية أصولهم على الدين
[ ٦ / ٩٣ ]
[٨١٢] باب بيان خطر التأويل ونقد مقولة:"مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم"
[قال الإمام]:
وبعد فإن ضرر التأويل على أهله وحمله إياهم على الانحراف عن الشرع مما لا حدود له في نظري، فلولاه لم يكن للقائلين بوحدة الوجود اليوم وجود، ولا لإخوانهم القرامطة الباطنية من قبل الذين أنكروا الشريعة وكل ما فيها من حقائق كالجنة والنار والصلاة والزكاة والصيام والحج ويتأولونها بتآويل معروفة، قال العلامة المرتضى اليماني في " إيثار الحق على الخلق" في صدد بيان قبح التأويل (ص ١٣٥):
" فإن المعتزلة والأشعرية إذا كَفَّروا الباطني بإنكار الأسماء الحسنى والجنة والنار يقول لهم الباطني: لم أجحدها إنما قلت: هي مجاز مثلما أنكم لم تجحدوا الرحمن الرحيم الحكيم وإنما قلتم: إنها مجاز، وكيف كفاكم المجاز في الإيمان بالرحمن الرحيم وهما أشهر الأسماء أو من أشهرها ولم يكفني في سائرها وفي الجنة والنار مع أنهما دون أسماء الله بكثير؟ وكم بين الإيمان بالله وبأسمائه والإيمان بمخلوقاته؟ فإذا كفاكم الإيمان المجازي بأشهر الأسماء الحسنى فكيف لم يكفني مثله في الإيمان بالجنة والنار والمعاد؟ ".
قلت: ونحوهم طائفة القاديانية اليوم الذين أنكروا بطريق التأويل كثيرًا من الحقائق الشرعية المجمع عليها بين الأمة كقولهم ببقاء النبوة بعد النبي - ﵌ - متأسين في ذلك بنبيهم ميرزا غلام أحمد ومن قبله ابن عربي في " الفتوحات المكية " وتأولوا قوله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ بأن المعنى زينة
[ ٦ / ٩٥ ]
النبيين وليس آخرهم وقوله - ﵌ -: «لا نبي بعدي» بقولهم: أي معي، وأنكروا وجود الجن مع تردد ذكرهم في القرآن الكريم فضلًا عن السنة وتنوع صفاتهم فيهما، وزعموا أنهم طائفة من البشر إلى غير ذلك من ضلالاتهم، وكلها من بركات التأويل الذي أخذ به الخلف في آية الاستواء وغيرها من آيات الصفات.
وليس أدل على ضرر التأويل على أصحابه المغرمين به من القول الذي شاع بينهم ولهجت به ألسنتهم كلما أثير بحث الصفات والإيمان بها على حقائقها أو على تأويلها ألا وهو قولهم:
«مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم».
والشاب المثقف اليوم الذي لم تتلوث ثقافته الشرعية بشيء من علم الكلام ربما لا يصدق أن أحدًا من الخلف يقول مثل هذا القول وحق له ذلك لخطورته وفظاعته ولكنه - مع الأسف - هو الواقع المعروف لدى طلبة الشريعة، وإليك مثالا واحدًا على ذلك مما يقرؤونه على مشايخهم قال الباجوري في حاشيته (ص٥٥) تحت قول صاحب " الجوهرة ":
وكل نص أوهم التشبيها أوِّله أو فوِّض ورم تنزيها
"وطريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيه من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم وهي الأرجح، ولذلك قدمها المصنف، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى".
وكلام الكوثري المشهور بعدائه الشديد لأهل السنة والحديث في تعليقاته كلها يدور على هذا المعنى من التفصيل المزعوم وفي تعليقه على " السيف الصقيل " التصريح بذلك (ص ١٣٢)
[ ٦ / ٩٦ ]
وهذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلالة قال ابن تيمية في " العقيدة الحموية ": " كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كَثُر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم حيث يقول:
لعمري قد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أو قارعًا سن نادم
وأقروا على أنفسهم بما قالوا متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم مثل قول بعض رؤسائهم:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ويقول الآخر منهم:
" أكثر الناس شَكَّا عند الموت أصحاب الكلام "
ثم إذا حُقَّ عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولا وقعوا من ذلك على عين وعلى أثر.
كيف يكون هؤلاء المنقصون المحجوبون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذي بهم قام الكتاب وبه قاموا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع
[ ٦ / ٩٧ ]
الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة.
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟
وقال العلامة السفاريني في " شرح العقيدة " (١/ ٢١ - مختصره):
"فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض من لا تحقيق له به ممن لا يقدر قدر السلف ولا عرف الله تعالى ولا رسوله ولا المؤمنين به حق المعرفة المأمور بها: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف (١) أعلم وأحكم.
وهؤلاء إنما أُتوا من حيث ظنوا أن طريق السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ذلك بمنزلة الأميين، أو أن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر. وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم".
ثم استشهد على ذلك بكلام للحافظ ابن رجب في كتابه " فضل علم السلف على علم الخلف " فليراجعه من شاء.
"مختصر العلو" (ص٣٢ - ٣٥).
_________________
(١) سقطت من "المختصر" واستدركتها من "اللوامع" (١/ ٢٥). [منه].
[ ٦ / ٩٨ ]
[٨١٣] باب بيان خطر التأويل والتفويض
[قال ابن أبي عاصم في "السنة"]:
ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: حدث رجل بحديث أبي هريرة (١)، فانتفض قال ابن عباس ما بال هؤلاء يجدّون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه.
[قال الإمام]:
(إسناده صحيح).
[وعلَّق على كلمة يجدّون بقوله]:
كذا في المخطوطة ولعله: يحيدون، أي يجتهدون ويهتمون لفهم المعنى المراد من القرآن عند محكمة، (ويهلكون عند متشابهه) لأنهم لا يهتمون لفهم معناه الحقيقي مع التنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يصرفهم عن ذلك التأويل أو التفويض.
"ظِلال الجنة في تخريج السنة" (ص ١٩٧).
[٨١٤] باب بيان خطر التأويل وجنايته على العقيدة
[قال الإمام]:
و(بالتأويل) أنكر الفلاسفة وكثير من علماء الكلام كالمعتزلة وغيرهم رؤية
_________________
(١) يعني استنكارًا لما سمع من حديث أبي هريرة، ولم أقف على من نبه على المراد بهذا الحديث، ويغلب على الظن أنه حديث: "إن الله خلق آدم على صورته وهو حديث صحيح مخرج في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٨٦٠). [منه].
[ ٦ / ٩٩ ]
المؤمنين لربهم يوم القيامة، وعُلِوُّه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة ومجيئه تعالى يوم القيامة. وغير ذلك من آيات الصفات وأحاديثها.
"الصحيحة" (٤/ ٦١٣).
[٨١٥] باب لا يجوز العدول عن ظاهر النصوص إلا لقرينة
[قال الإمام]:
أُذكِّر .. بقاعدة لغوية مهمة جدًا: إذا دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأصل عدم التقدير، بعبارة أخرى: إذا أمكننا أن نفسر العبارة أو الجملة العربية من كلام الله أو من حديث رسول الله - ﵌ - أو أي جملة عربية إذا أمكننا أن نفسرها على الحقيقة، فلا يجوز تفسيرها على المجاز إلا إذا قامت القرينة الشرعية أو العقلية فحينذاك يقال: وجدت القرينة التي تضطرنا إلى تفسير الآية أو الحديث أو الجملة العربية على المجاز وليس على الحقيقة لكن إذا دار الأمر بدون وجود قرينة بين تفسير الجملة على الحقيقة أو على المجاز فالأصل الحقيقة وليس المجاز، وإلا فسدت اللغة وفسدت استعمالها بين الناس، إذا قال قائل: جاء الأمير، فهل يجوز للسامع أن يفهم جاء خادم الأمير؟ وهذا تعبير عربي معروف بتقدير مضاف محذوف، لا يجوز؛ لأنه ليس هناك ما يضطر السامع أن يتأول قول القائل: جاء الأمير يعني: لا ليس الأمير وإنما جاء خادمه، أو جاء نائبه أو أو إلى آخره، لو فتح هذا الباب لفسد التفاهم بين الناس باللغة العربية.
ومن هنا كان من رد العلماء والفقهاء على غلاة الصوفية الذين يقولون من جهة بما يعرف عند العلماء بوحدة الوجود، والذين يتكلمون بعبارات صريحة في الكفر وفي وحدة الوجود فيأتي المدافعون عن أولئك الصوفية بالباطل فيتأولون كلامهم تأويلًا يتفق في نهاية المطاف مع الشريعة، فنحن نقول لهؤلاء بهذه
[ ٦ / ١٠٠ ]
الطريقة: لا يمكن أن نقول أن هذا الكلام كفر، حتى قلت مرة لبعضهم: ائتني بأي جملة هي كفر في ظاهر العبارة وأنا على طريقتك أجعلها توحيدًا خالصًا؟ طريقته ما هي؟ تأويل النصوص، مثلًا مما قال قائلهم المغرق في الضلال:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة
يتكلفون في تأويل: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، أي: إلا إلى هنا .. إلى هنا .. إلى: حرف جر، ما هذا التأويل؟! ولذلك مثل هذا التأويل يمكن إجراؤه على أي عبارة، مثلًا أنا أقول: لو قال قائل: [فرعون] خلق السموات والأرض، ما رأيكم في هذا الكلام يجوز أو لا يجوز؟ طبعًا بالإجماع لا يجوز، لكن أنا أجعله توحيدًا بطريقة الصوفية، وهو رب [فرعون]، هذا معروف في اللغة تقدير مضاف محذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف:٨٢) اسأل القرية ماذا؟ حيطانها .. شجرها؟ لا، إنما أهلها، كذلك العير، لكن هذا المضاف المحذوف، الأسلوب العربي نفسه يوحي به إلى السامع فإن أحدًا لا يتساءل يا ترى! المقصود هنا القرية؟ لا، ولذلك تسمية هذا التعبير في اللغة العربية أن هذا مجاز مما يدفعه ابن تيمية ﵀ في رسالته الخاصة بالحقيقة والمجاز، يقول: تسمية هذه العبارة خاصة بأنها مجاز من باب حذف المضاف هذا اصطلاح طارئ، وإلا فالعرب ما كانوا يفهمون من هذه العبارة إلا معنًى واحدًا هو الذي يسمونه بالمجاز بحذف المضاف.
كذلك مثلًا في الأسلوب العربي: سال الميزاب، على طريقة المتأخرين في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حقيقة هذه العبارة: سال الميزاب، يعني: الميزاب من شدة الحرارة ذاب وصار سائلًا سال الميزاب، لكن مَن مِن العرب إذا سمع هذه العبارة يتبادر إلى ذهنه المعنى الذي يسمونه حقيقة، فيقولون: لا، هنا
[ ٦ / ١٠١ ]
المقصود المجاز، هذا المعنى الذي يسمونه مجازًا في هذا المثال هو المعنى الحقيقة المراد منه، سال الميزاب، يعني: سال ماء الميزاب، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف:٨٢) تمامًا، وهكذا أمثلة كثيرة يذكرها ابن تيمية.
منها مثلًا: جرى النهر، النهر هو الأخدود الذي يجري فيه الماء فحينما يقول العربي: جرى النهر، لا هو يعني جرى الأخدود نفسه بدون ماء ولا السامع منهم من العرب يفهم إلا الذي أراده، أي: جرى ماء النهر، إذًا: تسمية هذه التعابير بأنها مجاز يقول ابن تيمية: هذا خطأ، المجاز هو الذي يخرج المعنى الظاهر من العبارة إلى معنى آخر لوجود قرينة، لكن هنا لا معنى آخر إلا معنى واحد محدد هو اسأل القرية، يعني: أهلها .. سال الميزاب، أي: ماؤه .. جرى النهر، أي: ماؤه، من هنا يصل ابن تيمية إلى الرد على المتأخرين الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات باللجوء إلى ارتكاب طريق التأويل وهو سلوك طريق المجاز، لكن ما الذي يضطرهم إلى ترك فهم المعاني من هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة كلها بالصفات أن تفسر على حقائقها؟ لا سيما وهم يقولون جميعًا المتقدمون منهم والمتأخرون: الأصل في كل عبارة أن تفسر على حقيقتها.
فمثلًا قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) لا، جاء ربك لا يجوز هذا الفهم، إذًا: جاءت رحمة ربك، جاء أي مضاف محذوف يقدمونه، وعلى ذلك فقس، نحن نقول: الحق كما نطق الحق في كتابه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر:٢٢) لكن كيف يجيء؟ ما ندري.
وهذا البحث طرقه العلماء قديمًا وحديثًا، فنحن في مناسبة قريبة تعرضنا لمثله أيضًا، الخلاصة: أن الكلام العربي أول ما ينبغي أن يفسر به هو على الحقيقة.
"أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٤٧: ٠٥: ٠٠).
[ ٦ / ١٠٢ ]
[٨١٦] باب هل التأويل من مذهب السلف؟
سؤال: هناك من يزعم أن التأويل أو التفويض كان من منهج السلف الصالح في العقيدة، هل هذا الأمر صحيح وهل ثبت عن أحد من السلف التأويل أو التفويض، وما حكم من يؤول أو يفوض؟
الشيخ: أولًا: يبدو لي أن هنا كثيرًا من الشباب فعلًا متأثر بكتب هذا السقاف الذي سماه بعضهم بحق بالسخاف؛ لأن هذه الشبهات التي تثار في هذا الزمان هو أصلها هذا السقاف الذي يعيش في هذا البلد.
أولًا: علماء السلف القاعدة عندهم هو عدم التأويل وعدم التفويض وإنما تفسير الآيات والأحاديث تفسيرًا يدل عليه علمهم باللغة العربية وآدابها، فهم يُفسِّرون مثلًا النزول بالنزول ولا يؤولونه، ويفسرون الاستواء بالاستواء والاستعلاء ولا يؤولونه وإنما يؤول الخلف الذين خالفوا السلف، وهذا طبعًا يحتاج إلى بيان وتفصيل ولي أشرطة كثيرة في هذا المجال خضنا فيها إلى حد كبير في ضرب الأمثلة.
لكني أقول الآن: قد يوجد لبعض السلف تفسير لبعض النصوص من القرآن أو السنة يتوهم هؤلاء المؤولة الذين خالفوا السلف بأنه تأويل، وهو ليس من التأويل بسبيل، فأريد أن أذكر شيئًا هنا حول كلمة التأويل: التأويل له معنيان: أحدهما لغوي، والآخر: عرفي.
أما التأويل بالمعنى اللغوي فهو بمعنى التفسير تمامًا والبيان، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران:٧) أي: ما يعلم ما يؤَوُل إليه وما يعود إليه، هذا معنى لغوي.
[ ٦ / ١٠٣ ]
أما التأويل الآخر الذي هو عرفي: أي: اصطلاحي فهو بمعنى إخراج دلالة النص عن الظاهر إلى معنى غير متبادر، هذا التأويل هو يقصد في كلام العلماء الكلام.
على هذا نقول: إذا فسر بعض السلف آية في القرآن الكريم بخلاف ما يفهمه بعض المتأولة، يقولون: هه! أَوَّل، والحقيقة: أن هذا الذي يسمونه تأويلًا أي: إخراج للنص عن معناه الظاهر هو ليس تأويلًا إنما هو تفسير، يعني: مثلًا ما ذُكر في تفسير ابن كثير وغيره عن ابن عباس في تأويل آية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) قال ابن عباس: وهو معكم بعلمه، هذا ليس تأويلًا! هذا تفسير لأنه نظر إلى سياق الآية من أولها إلى آخرها فانتبه إلى أن الله ﷿ يتحدث عن المعية العلمية وليس عن المعية الذاتية التي يظهر من هذه الجملة أن المقصود وهو، أي: بذاته، ليس هذا الذي يتبادر من دراسة الآية من أولها إلى آخرها وإنما المتبادر أنه ربنا ﷿ عني المعية العلمية، فهذا ورد عن ابن عباس، فهم يتشبثون بهذا ويسمونه تأويلًا وهو ليس من التأويل في شيء.
ومثله نصوص كثيرة وكثيرة جدًا، مثلًا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) أيضًا: هذه ليست معية ذاتية وإنما هي معية صفتية .. ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) معكما فسرت بما بعدها: أسمع وأرى! هذا ليس تأويلًا بمعنى إخراج اللفظ عن ظاهره، وهكذا الأمثلة كثيرة وكثيرة جدًا.
الخلاصة: هؤلاء الذي يزعمون بأن السلف أوَّلُوا: إن كانوا يعنون أنهم جعلوا مذهبهم التأويل كما هو مذهب الخلف فهم يُكَذِّبون أنفسَهم بأنفسِهم؛ لأن الخلف يقولون: مذهب السلف أسلم، ما هو مذهب السلف؟ هو أنهم لا يؤولون، ومذهب الخلف زعموا أنه أعلم وأحكم، لماذا؟ لأنهم يؤولون، فنفس علماء
[ ٦ / ١٠٤ ]
الخلف يعترفون بأن السلف ما كانوا يؤولون، لكن هؤلاء لتضليل الناس اليوم وإخراجهم عن سبيل المؤمنين الأولين يزعمون بأن السلف أولوا، الحقيقة: أنهم ما أولوا، والنصوص الكثيرة والكثيرة جدًا يجدها المسلم مجموعة في كتاب الحافظ الذهبي المعروف بالعلو للعلي الغفار.
وكنت أنا اختصرته وحذفت منه بعض الروايات والآثار الواهية الضعيفة، فتجد هناك عشرات الصحابة والتابعين وأتباعهم والحفاظ من الأئمة كلهم لا يؤولون ويردون على المؤولة؛ لذلك فهذا تضليل من هذا السخاف لسبيل المؤمنين، من أجل أن يضلوا هؤلاء الناس الذين لا علم لهم بما يدجل به هذا الإنسان الذي ابتلي من حوله اليوم ومن وصلت رسائله إليهم بأضاليله الكثيرة المبثوثة في رسائله.
"الهدى والنور" (٧٩٥/ ١٧: ٤٤: ٠٠)
[٨١٧] باب أثر القول بالمجاز في أبواب الصفات
مداخلة: هل [تعتقد] بالمجاز؟
الشيخ: ما نعتقد في مجاز إلا المعنى الضيق: المحدَّد، ونستطيع أن نأتي بجانب منه: هنا تعابير في القرآن يسميها بعض المتأخرين بأنها مجاز، لكن تسمية هذا النوع من المجاز يتنافى مع قولهم: الأصل في كل عبارة الحقيقة أن تُفَسَّر على ظاهرها وعلى حقيقتها، وأنه لا يجوز الخروج عنها بتأويلها إلا لقرينة، هذا تعريفهم للحقيقة والمجاز، لكن مع ذلك نجدهم يأتون إلى بعض عبارات فيقولون عنها بأنها مجاز، فتسميتهم مجاز هذا محض اصطلاح مثلًا: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (يوسف:٨٢) يقولون: هذا مجاز
[ ٦ / ١٠٥ ]
لعلهم يسمونه مجاز الحذف، طيب! هذا الكلام من حيث الأسلوب العربي لا أحد يفهم منه ظاهر العبارة وهي اسأل القرية، يعني: شجرها وحيطانها ونحو ذلك، هذا المعنى لا يتبادر إلى ذهن عربي إطلاقًا وإنما المتبادر هو سكانها .. أهلها، ولأن هذا المعنى هو المتبادر لا يسمى هذا الكلام مجاز؛ لأنه المتبادر، مع ذلك هم يحشرونه في اسم المجاز.
مثلًا يقول العربي: سال الميزاب، لو أردنا أن نأخذ هذه العبارة العربية القديمة على طريقة الحقيقة والمجاز، حقيقة هذه العبارة أن الميزاب من شدة الحرارة ذاب حتى سال، لكن هذا المعنى لا أحد يفهمه إطلاقًا، ما هو المفهوم؟ سال الميزاب، أي: ماء الميزاب، هذه الحقيقة وليست مجازًا، لكن هم يسمونها مجاز، حينما ينتقل البحث في هذه المسألة إلى ما يتعلق بأحاديث الصفات وآيات الصفات نجد بأنهم حادوا عن القاعدة التي أشاروا إليها: أن الأصل بكل جملة عربية الحقيقة، ولا يصار عنها إلى المجاز إلا للضرورة، فمثلًا الآية المعروفة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) جاء ربك: يفسرونها بمعنى: ما جاء ربك، ولذلك يسمي علماء السلف هؤلاء المؤولة بالمعطلة، فربنا يقول: جاء ربك، ثم يقولون: لا، ربنا ما يأتي ولا يجئ ولا ولا إلى آخره، «ينزل ربنا في كل ليلة ..» لا ما ينزل، لماذا؟ قال: هذا مجاز، ما الذي اضطرهم إلى القول بالمجاز؟ ليس هناك شيء إلا انحرافهم عن فهم الكتاب والسنة على الأسلوب العربي الذي فهمه الصحابة مباشرًة من نبيهم ﵊؛ ولذلك لم يتكلفوا التأويل.
فإذًا: ليس هناك مجاز إلا للضرورة، وأين الضرورة في تأويل آيات الصفات وأحاديث الصفات؟ وهذا بحث وَفَّاه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث لا أحد يستطيع أن يأتي بمثل ما أتى هو به
"لقاءات المدينة" (١/ ٠٠:٤٢:٠٩)
[ ٦ / ١٠٦ ]
[٨١٨] باب ذكر بعض أهل
الضلال من المعطلة في الصفات والرد عليهم
[قال الإمام]:
وهو (أي حسن السقاف) إلى ذلك خلفي العقيدة، معتزلي النزعة، ينكر الصفات الإلهية، ويرمي المؤمنين بها من الأئمة وأتباعهم - وأنا منهم والحمد لله - في تعليقاته التي سوَّدها على كتاب ابن الجوزي "دفع شبه التشبيه"، ويكذب عليهم أنواعًا من الأكاذيب لو استقصيت لكان من ذلك كتاب في مجلد؛ فهو يقول - على سبيل المثال - (ص١١٤) من تعليقاته:
"ندم الحافظ ابن خزيمة على تأليفه كتابه "التوحيد" أخيرًا؛ كما روى ذلك الحافظ البيهقي في "الأسماء والصفات " (ص٢٦٧) ".
وهذا كذب مزدوج؛ لأن ابن خزيمة لم يندم البتة، ولأن البيهقي لم ينسب ذلك إليه، وكيف يُعقل أن يندم الحافظ ابن خزيمة على "توحيده" وهو الإيمان المحض؟! بل كيف يعقل أن ينقل ذلك الحافظ البيقهي؟! سبحانك هذا بهتان عظيم من أفاك أثيم.
وأنت أيها القارئ الكريم! إن رجعت إلى الصفحة المذكورة من"الأسماء والصفات"؛ لم تجد فيها الندم المُفترى، وإنما فيها اعتراف ابن خزيمة بأنه لا يحسن علم الكلام، في قصة رواها البيقهي إن صحت؛ فإن أبا الفضل البطاييني لم أعرفه، ولا ذكره السمعاني في هذه النسبة؛ فالله أعلم به، ومع ذلك فإني أقول:
إن الاعتراف المذكور من ابن خزيمة - إن صح عنه - لا يعيبه كما يظن ذلك الجاهل المغرض، بل هو مما يرفع شأنه، ويزيد من فضله؛ فإن له في ذلك الأسوة
[ ٦ / ١٠٧ ]
الحسنة بالسلف الصالح والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان، وليس منهم يقينًا (علماء الكلام)، كيف وهم القائلون: "علم السلف أسلم، وعلم الخلف أعلم وأحكم (١) "؟! وهذا هو الكفر بعينه لو كانوا يعلمون، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٢) كيف لا ورسول الله - ﵌ - على رأس السلف الذين غمزوا من علمهم! وليس الآن مجال ضرب الأمثلة التي خالفوا فيها سلف الأمة، ولكن يكفي المسلم الموفق أن يعلم أنهم وافقوا المعتزلة والخوارج في كثير من ضلالاتهم، من ذلك قولهم بأن القرآن كلام الله مخلوق، ولكنهم لا يصرحون تصريح المعتزلة، بل يقولون - تقية-: كلام الله، غير مخلوق "! ثم يتأولونه بالكلام النفسي الذي لا يسمع! ولكنه يفهم! فعطلوا بذلك صريح قوله تعالى لكليمه موسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٣).، فجعلوا الكلام الإِلهي هو العلم الإِلهي (٤)، فعطلوا صفة الكلام، ولكن باللف والدوران! تمامًا كما فعل المعتزلة - أو بعضهم - بصفة السمع والبصر، فقالوا: إن المراد: العلم (٥)! فعطلوا بذلك صفتي السمع والبصر كما عطلوا صفة الكلام، فإن لم يكن هذا هو التعطيل؛ فليس في الدنيا تعطيل.
_________________
(١) انظر "حاشية الباجوري" (ص٥٥).انظر إبطال هذه الخرافة في مقدمتي لكتابي "مختصر العلو" (ص٣٤ - ٣٦). [منه].
(٢) الكهف: ٥. [منه].
(٣) طه: ١٣. [منه].
(٤) وهو مذهب الكوثري الجهمي، كما صرح في "مقالاته" (ص٢٧)، شيخ ذاك الجاهل الباغي السقاف. ﴿منه﴾.
(٥) انظر مقدمتي لكتابي "مختصر العلو" (ص٢٦). [منه].
[ ٦ / ١٠٨ ]
ولوضوح بطلان علم الكلام تاب منه جمع من أفاضل علمائهم (١)؛ مثل الشيخ (العلامة أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني) والد إمام الحرمين ﵏، (ورسالته في اثبات الاستواء والفوقية والحرف والصوت في القرآن المجيد)، من أقوى الأدلة على ذلك؛ فقد كتبها نصيحة لإخوانه في الله، بيَّن لهم فيها سبب تراجعه عن الأشعرية إلى السلفية، وهي مفيدة جدًّا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر؛ فلتُراجع في " مجموعة الرسائل المنيرية" (١/ ٥٧٠/٥٨٧).
ولقد جرى على سننه (ابنه إمام الحرمين)؛ في التوبة والرجوع إلى مذهب السلف؛ كما حكى ذلك عنه غير واحد من العلماء، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ فقد نقل في "الفتح" (١٣/ ٣٥٠) عنه أنه لم يستفد من علم الكلام إلا الحيرة، ولذلك قال: "والآن؛ فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف".
وقال عند موته ناصحًا لأصحابه كما فعل أبوه من قبل: "يا أصحابنا! لا تشتغلوا بالكلام؛ فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت؛ ما تشاغلت به ".وإذا أردت أيها القارئ الكريم أن ترى أثرًا من آثار علم الكلام الخطيرة، والمنافية للنقل الصحيح والعقل الصريح؛ فاقرأ كتب الكوثري ومن جرى مجراه، كذاك التلميذ السقاف، فسوف ترى ما يزيدك بصيرة وقناعة بأن الذي يتعلمونه منهم إنما ﴿يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (٢)، بل هو الكفر بعينه إذا التزموه، ولا أدل على ذلك من اتفاقهم على إنكار صفة العلو لله العلي القطعية الثبوت القطيعة الدلالة؛ لتواترها في الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة، محكمين فيها عقولهم العفنة، ومن ثم
_________________
(١) انظر المصدر السابق (ص٢٧).بمنه].
[ ٦ / ١٠٩ ]
فقد اختلفوا: فمنهم - كالإباضية والمعتزلة (١) - من قال: إنه في كل مكان! ولازمه القول بالحلول أو وحدة الوجود كما هو عقيدة غلاة الصوفية! ومنهم من يقول: إنه لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أما م ولا خلف، ولا داخل العالم ولا خارجه! ولقد سمعت هذا من بعض المشايخ في دمشق في خطبة الجمعة!! وأعرق بعضهم في التعطيل، فقال لا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه!! وهذا لعمر الله هو الكفر والجحد للوجود الإلهي؛ فإنه لو قيل لأفصح العرب بيانًا: صف لنا المعدوم الذي لا وجود له؛ لما استطاع أن يصفه بأكثر من هذا الذي وصف هؤلاء به ربهم!! وهذا الجحد هو الذي وقع فيه هذا الجاهل المتعالم الطاعن في أئمة السلف، والمفتري على أهل السنة شتى الافتراءات، فقال في رسالته المزعومة "التنديد لمن عدد التوحيد" (ص٥٠):
"صرح أهل السنة والجماعة بأن الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله". وكرر هذا في رسالة أخرى لما أسماها كذبًا وزورًا: "عقيدة أهل السنة" (ص٢٦).
قلت: فلينظر المسلم في هذا الوصف: هل هو وصف لموجود أم لمعدوم؟ َ! ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٢).
_________________
(١) يثني السقاف على الإباضية وكتابهم "مسند الربيع"، ويوافقهم على تسميتهم إياه بـ "الجامع الصحيح" معارضة منهم لـ "صحيح البخاري"، وهي زور؛ لكثرة الأحاديث الموضوعة فيه، ارتضى بعضها السقاف (ص١٢٥)، ويصف الربيع بـ (الإمام)! انظر "الضعيفة" (٦٣٣١)، ويصرح (ص ١٢٧) بأنه يوافق المعتزلة في تفسيرهم (الاستواء) بالاستيلاء! ويرد على أبي الحسن الأشعري لأنه رد ذلك عليهم!!. [منه].
(٢) الإسراء: ٤٣. [منه].
[ ٦ / ١١٠ ]
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه أصاب كبد الحقيقة حين وصف هؤلاء النفاة المعطلة ومعارضيهم من المشبهة بقوله:
"المشبه يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا، والمشبه أعشى، والمعطل
أعمى"َ! والحق الذي عليه السلف والأئمة: إثبات الصفات بدون تشبيه، وتنزيه بدون تعطيل. ومن اللطائف التي وقعت لبعض الأمراء العقلاء أنه لما سمع
ذلك الوصف المُعطِّل من بعض المشايخ المجادلين بالباطل؛ قال: "هؤلاء قومٌ أضاعوا ربَّهم"!
ويبدو لي أن ذلك الجاهل الطاعن في السلف شعر بخطورة الوصف المذكور، وأنه مرفوض نقلًا وعقلًا؛ لذا لجأ إلى التدليس على القراء بعبارة أخرى تؤدي الغرض الكمين في نفسه دون أن ينتبه له عامة قرائه، فقال في تعليقه له على كتاب ابن الجوزي المتقدم (ص١٢٧):
"وهنا أمر مهم جدًّا، وهو أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان ألبتة، بل نُكَفِّر من يقول ذلك، ونعتقد أن الله سبحانه موجود بلا مكان؛ لأنه خالق المكان"! فأقول: هذا تصريح منك يناقض تصريحك السابق: أن الله تعالى ليس بخارج العالم، وذلك أنه لا مكان خارج العالم، فإن كنت صادقًا في قولك هذا؛ فقد اهتديت ورجعت إلى عقيدة السلف التي كنت ولا تزال - فيما نعلم- تتهم من دان بها بالكفر والتجسيم؛ مثل ابن تيمية وغيره كمثلي، وإلا قرأنا عليك قول الحق ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (١)؛ مذكِّرين بالمثل العامي: (من كان بيته من زجاج؛ فلا يرم الناس بالحجارة!) وإن من تلك الآثار السيئة لعلماء الكلام
_________________
(١) - (ص:٢٧). [منه].
[ ٦ / ١١١ ]
والمتأثرين بفلسفتهم كذاك السقاف المغرور بهم: أنهم لا يقيمون وزنًا لجهود أئمة الحديث وعلمائهم ونقادهم؛ فإنهم يسلطون أهواءهم على ما صححوا من الأحاديث أو ضعفوا، فما راق لهم منها قبلوه واحتجوا به، ولو كان ضعيفًا، وإلا رفضوه ولو كان صحيحًا!! وهذا ظاهر جدًّا في المتقدمين منهم والمتأخرين، وأوضح مثال على ذلك الشيخ الكوثري، وعبد الله الغماري؛ فقد ضعفوا حديث الجارية الذي فيه سؤاله - ﵌ - "أين الله؟ ".قالت: في السماء: قال - ﵌ -: "أعتقها فإنها مؤمنة"، وتبعهم على ذلك ذاك الهالك في تقليدهم؛ السقاف! بل إنه زاد عليهم طغيانًا وغرورًا، فقال في "تعليقه على دفع شبه التشبيه" (ص١٠٨):
"ونحن نقطع بأن النبي - ﵌ - لم يقل: أين الله "!
وقال (ص١٨٨):
"ذاك اللفظ المستشنع"!
يقول المستهتر هذا وهو يعلم أن الحديث متَّفق على صحته عند علماء المسلمين، متلقي بالقبول خلفًا عن سلف، واحتج به كبار الأئمة؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصححه مسلم وأبو عوانة وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان، ثم تبعهم على ذلك جماعة من الحفاظ - وبعضهم من المتأولة - كالبيهقي والبغوي وابن الجوزي والذهبي والعسقلاني وغيرهم.
فماذا يقول المسلم العاقل في جاهل جاحد مكابر يخالف هؤلاء الأئمة والحفاظ؟! ويستشنع لفظ النبي - ﵌ - الذي صححوه!! بل ويصف الذين يردِّدون هذا اللفظ النبوي (ص١٨٧) بـ (المجسمة)، بل ويصف فضيلة الشيخ ابن باز لأنه انتصر في تعليقه على "الفتح" (١/ ١٨٨) لعقيدة استواء الله على عرشه، وأنه
[ ٦ / ١١٢ ]
يجوز السؤال بـ (أين الله؟)، فيقول مشيرًا للشيخ حفظه الله:
"ولا عبره بكلام المعلق عليه - "الفتح" - البتة؛ لأنه لا يعرف التوحيد فليخجل بعد هذا من يدعو الناس إلى عقيدة "الله في السماء" وليتب"!!
وبالجملة؛ فهو جهمي جلد، وينكر معاني آيات الصفات بطريق التأويل والتعطيل، كما فعل بآيات الاستواء، وينكر أحاديث الصفات الصحيحة بادعاء ضعفهم ومخالفة علماء الحديث والجرح والتعديل، كهذا الحديث ونحوه كثير؛ فهو يضعف قوله - ﵌ -: "رأيت ربي في أحسن صورة "، ويفتري في تخريجه على بعض الأئمة، كما يضعف أحاديث اليدين، والقبضة، والأصابع، والضحك وغيرها، فلعل بعض إخواننا يتفرغون له، ويكشفون للناس جهله وضلاله وعواره، كفى الله المؤمنين شروره.
إذا عرفت أيها القارئ الكريم ما سبق من البيان لحال هذا الإنسان - وهو قُلُّ من جُلٍّ - ينكشف لك سبب حمله وطعنه على أتباع السنة وأئمتها والداعين إليها والذابين عنها، فلا يكاد يخلو صفحة من صحائف ما سودَّه من غمزه ولمزه، وقد خصَّني بقسط وافر منه، فلا يكاد يذكرني إلا وهو يصفني بـ (المجسم) و(المتناقض)!! مقرونًا بالزور والكذب، والأمر الذي يدل دلالة قاطعة أنه يحمل في قلبه ﴿غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾! وأنه دبَّ إليه داء الأمم من قبلنا: البغضاء والحسد، وهي الحالقة: حالقة الدين والعياذ بالله، إلى جهل بالغ بطرق نقد الأحاديث وتصحيحها.
"السلسلة الصحيحة" (١/ ١/ص٥ - ١٢).
[ ٦ / ١١٣ ]
[٨١٩] باب مذهب السلف في الصفات
وموقف الدعاة اليوم فيه، وبيان ضلال المعطلة
[قال الإمام]:
مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه:
السلف يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه أو أخبر به نبيه - ﵌ - ويؤمنون بذلك أنه كما وصف به نفسه حقيقةً من غير تأويل الخ، في هذه (١) الصفة المميزة للسلفي على غيره من الخلفيين؛ فان هؤلاء على قسمين: قسم مُفَوِّضة يؤمنون بألفاظ الآيات وأحاديث الصفات دون الإيمان بحقائق معانيها اللائقة بالله تعالى. وهذا هو الذي عليه الآن كثير من الخلفيين الذين لم يدرسوا عقيدة السلف أو درسوها ولم يفهموها أو فهموها ولم يهضموها ولم يؤمنوًا بها.
ويغلب هذا على الذين يتظاهرون بأنهم من الدعاة إلى الإسلام (وفاقد الشيء لا يعطيه) وبعضهم يزعم أن هذا هو مذهب السلف جهلا أو تجاهلا ومنهم الكوثري شيخ أبو غدة كما صرح بذلك في تعليقه على «الاختلاف في اللفظ» لابن قتيبة (ص٣٠).
وقسم مؤولة معطلة ينكرون حتمًا بعض صفات الله تعالى باسم التأويل وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنهم الكوثري، بل هو حامل راية هذا الانحراف في العصر الحاضر.
كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات" (ص٨٠ - ٨١)
_________________
(١) كذا، والظاهر أن صوابها: فهذه الصفة
[ ٦ / ١١٤ ]
[٨٢٠] باب الرد على المعطلة والمفوضة
السائل: بعض العلماء يقول أن مذهب السلف في الصفات أن تقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ولا تقل: استوى بذاته.
الشيخ: أيوة.
مداخلة: نعم.
مداخلة: [كذلك] ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، لا تقل بذاته، فقط استوى فقط، بدون تفسير بالمرة، فما جوابكم؟
الشيخ: جوابي كما قال إمام دار الهجرة الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهولة، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل.
نحن نقول الذين حكيت عنهم ما ذكرتَ، وهم يُسمَّون بجماعة التفويض، فهؤلاء ليسوا من السلف من قريب أو بعيد.
نقول لهؤلاء: حين تقولون: لا تقل: الرحمن على العرش استوى بذاته، وإنما نقول: الرحمن على العرش استوى. هكذا يقولون.
نسألهم بفهم أم بغير فهم؟ نقول لهم: نوافق معكم مبدئيًا، نقول: الرحمن على العرش استوى بدون قيد بذاته، لكن حين نقول نحن وأنتم: الرحمن على العرش استوى. بفهم أم بغير فهم؛ فإن قال: بغير فهم سقط، وانكشف وعرفنا منه أنه معطل يتستر وراء ما كان يَدِّعِيه كثيرون من قبل ومن بعد، أنهم يقصدون التنزيه.
نحن أيضًا نقصد التنزيه، ولكن مع الفهم، فما معنى: الرحمن على العرش استوى؟
[ ٦ / ١١٥ ]
لعلك فهمت إلى هنا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب.
﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كما تقول: سبحان ربي الأعلى. وكما تقول: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) .. إلى آخر الآية، فالله ﷿ فوق عرشه كما قال الإمام عبد الله بن المبارك: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، [بائن من خلقه] وهو معكم بعلمه، ثلاثة أشياء: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه.
فحينما يقول الإمام عبد الله بن المبارك، إنما يقولها تفقهًا منه؛ لأن الرحمن من الأسماء التي يسمى بها ربنا ﷿ كاسم الإله، فهو من أسماء الذات، فلو قال: عليم .. بصير، فهذا اسم صفة، لكن الله والرحمن اسم الذات، فكلمة: بذاته، ليست إضافة من عندنا، وإنما هو ما يفهمه كل إنسان.
يعني مثلًا: الله خلق السموات والأرض.
إذا قلنا: الله بذاته خلق السموات والأرض، هذا ليس معنى ذلك أننا أضفنا معنًا لا يؤخذ من كلمة الله، خلق الله السموات والأرض، أي: خلق الله بذاته، لم يشاركه في ذلك أحد سواه.
هذا التأويل، أي: التفسير لا يعني أننا نحن أولنا كما يريد أن يقول ذلك الناصح خطأً، قولوا: الرحمن على العرش استوى، ولا تقولوا: بذاته.
نحن إذا قلنا: الرحمن على العرش استوى. بفهم، فمعناه: بذاته، وإذا قلنا
[ ٦ / ١١٦ ]
الرحمن على العرش استوى. كلام لا ندري ما معناه، فقد خالفنا السلف الصالح، كما هو الشأن في كل الصفات التي نؤمن بها معهم دون تشبيه ودون تعطيل.
دون تشبيه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، دون تعطيل لقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فبعض الفرق القديمة من المعتزلة كانوا يعطلون الله عن هاتين الصفتين: صفة السمع والبصر، فيقولون: يعني هو عليم.
الله عليم ثابت؛ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:٢٩)، لكن هنا يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، وأنكروهما؛ لأنهم يتوهمون أننا إذا آمنا بما جاء في كتاب ربنا بدون تشبيه، مع ذلك بظنهم أننا نشبهه.
فهذا بحث يطول ونهايته أن يؤدي بهؤلاء المعطلة إلى إنكار وجود الله ﵎ من الأصل، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم الجوزية ﵀، حين قال: المجسم إنما يعبد صنمًا، والمعطل إنما يعبد عدمًا.
كلاهما ضال، لكن أيهما أشد ضلالًا؟ الذي نفى نفيًا مطلقًا؛ لأنهم يقولون - وهذا ذكرناه في بعض مجالسنا القديمة -، حينما يتحدثون عن الله ﷿ وأنه على العرش استوى، يقولون: لا، لا يوصف ربنا، لا يقال فيه ﷿عندهم-: الله فوق، لا يقال: فوق. لا هو فوق، لا هو تحت، لا هو يمين، لا هو يسار، لا هو داخل العالم، ولا خارجه.
إذًا: رجعوا إلى العدم؛ لذلك قال ابن القيم بحق: المعطل يعبد عدمًا
محضًا.
فإذا لم يكن لا داخل العالم ولا خارجه، لو قيل لأفصح الناس بيانًا: صف لنا
[ ٦ / ١١٧ ]
المعدوم ما هو؟ فقال لك: لا هو فوق ولا هو تحت، لا يمين لا يسار، لا أمام لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه.
نقول له: صدقت هذا هو المعدوم، فقد وصفوا ربَّهم بأنه معدوم لما عطلوه من الصفات، فالمعطل إذًا: يعبد عدمًا، نحن يجب أن نقف عند حدود الشرع ولا نستعمل الأقيسة؛ لأن الله ﷿ إذا كان سميعًا بصيرًا، فسمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، كما أن وجوده ليس كوجودنا، فنحن الآن نقول: الله موجود، وأنا موجود، فهل معنى ذلك أن نقول -حتى لا نقع فيما يزعمون فيه من التشبيه- أحد شيئين .. ننكر حقيقة من حقيقتين: الله موجود، وأنا وأنت وهذه المخلوقات موجودة، فلا بد من إنكار حقيقة من الحقيقتين وأيهما أنكرت، فقد قرمطت.
إذا قلت: أنا موجود، الله موجود.
صار هنا اشتراك، صار هنا تشبيه؟
إذًا: الله ليس موجودًا؛ لأنه فيه تشبيه الخالق بالمخلوق، كيف غير موجود؟ موجود.
إذًا: أنا الذي لست موجودًا.
وأحلاهما مر.
إذًا: الله موجود، وأنا موجود، لكن وجوده كما يقولون: وجود بدون موجد، واجب الوجود، أما أنا ممكن الوجود؛ لأن الله ﷿ هو الذي أوجدني، وإن شاء أعدمني؛ ولذلك قال تحقيقًا لهذه الفارقة العظيمة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:٢٦ - ٢٧).
[ ٦ / ١١٨ ]
فإذًا: نحن نثبت ما أثبت، وننفي ما نفى، نفى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، وهو السميع البصير، أثبت.
فسمعه وبصره حقيقتان صفتان ثابتتان، ولكن: ليس كمثله شيء، وعلى ذلك طَرِّد كل الصفات، فتستريح ولا تقع في التشبيه ولا في التعطيل.
هذا جواب ما سألت من السؤال.
مداخلة: قال لي هذا القائل: الرحمن على العرش استوى، استوى على، هذا فهمك لاستوى، فما تقول لفهمك ليد الله، ماذا تقول معناها، فماذا أقول له؟
الشيخ: اليد التي يعطي بها، أقول وهي ليست خيالية، ما هذه المشكلة الكبيرة، وماذا يقول هو؟
مداخلة: هو يقول: ما دام أن اليد لا تستطيع أن تفسرها، ..
الشيخ: لا، هو ماذا يقول؟ ما المقصود باليد عنده؟
مداخلة: هو مفوض.
الشيخ: هذا هو، معطل إذًا.
إذًا: نرجع لنفس الموضوع: ما هو الله؟ موجود أو مفقود؟
مداخلة: موجود.
الشيخ: موجود، وأنا موجود، إذًا: أنكر إحدى الحقيقتين وحينئذ نحكم عليك بأنه سقط التكليف عنك.
مداخلة: شيخنا في نفس المسألة، أستاذي هم في الحقيقة متأخرو الأشاعرة
[ ٦ / ١١٩ ]
نفوا لفظ: موجود، كما أشرت في آخر كلامك أستاذنا، فقالوا: لأن لفظ موجود يقتضي موجدًا، فهو واجب الوجود، فهربوا في شرح البيجوري وكذا، هربوا من لفظ موجود، قالوا: لا نقول: موجود؛ لأن الموجود يثبت موجدًا، والله
واجب الوجود.
الشيخ: هذه مناقشة لفظية.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: لكن هذا لا يرد في الأخذ والرد.
مداخلة: لكن أنا أحب أن توضح لنا يا شيخنا هذه الجزئية، لفظ موجود هل هو في الحقيقة كما يزعمون يقتضي موجدًا؟
الشيخ: لا، لكن هذه مناقشة بيزنطية كما يقولون فعلًا؛ لأنهم هم يناقشون الآن مناقشة لفظية.
فعلًا: اسم موجود، اسم مفعول، يستلزم عادة بالنسبة للعرف البشري أن يكون له موجدًا، فهذا الكأس وهذا الإبريق .. إلى آخره، موجود، أوجده الذي صنعه .. إلى آخره، لكن الله ﷿ كما قلنا في أثناء الكلام: هو واجب الوجود، لكن كونه واجب الوجود ما ينفي أن يكون قائمًا وجوده، فنترك كلمة موجود، قائمًا وجوده متحققًا وجوده، فحينئذ هم يفرون من المناقشة تمسكًا بلفظ لا يقدم ولا يؤخر.
مداخلة: حقيقة البحث.
الشيخ: محينا هذا الاسم، اسم موجود ألغيناه من قاموس اللغة في هذا البحث، لكن متحقق وجوده، لا يستطيعون أن يقولوا: لا، مفقود.
[ ٦ / ١٢٠ ]
مداخلة: صحيح.
الشيخ: فإذًا: التمسك بهذا اللفظ لا يفيدهم شيئًا.
وأرجو إخواننا أن يحفظوا كلمة كنت قرأتها في رسالة لا تزال مخطوطة من كلام الخطيب البغدادي، وربما نقلت في بعض الكتب: ما يقال في الصفات يقال في الذات سلبًا وإثباتًا.
هل تقول في الله موجود ولاّ؟ موجود.
إذا قلت إنه موجود، وقد أوضحنا المقصود من لفظة الموجود، هل يلزم من ذلك مشابهة الخالق بالمخلوق؟
الجواب: لا.
كذلك قل في الصفات ما تقول في الذات، تستريح من كل هذه المناقشات؛ لأنه الحقيقة الدخول في تفاصيل هذه المسائل والتناقش فيها مضلة؛ لأن كثير من الناس قد أوتوا منطقًا وأُوتوا جدلًا، وناس آخرون لم يعطوا علمًا ولم يُعطوا جدلًا، وعندهم سلامة وعقيدة صحيحة، لكن ذلك المجادل قد يتغلب عليه بجدله؛ بسبب سلامة علم هذا الإنسان وقلبه.
ولذلك فعلى كل مسلم أن يحفظ هذه القاعدة وهي قائمة على الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
يقال في الصفات ما يقال في الذات سلبًا وإثباتًا، حينذاك تستريح من أي مناقشة قد تضطر للدخول فيها وأنت غير مستعد لها.
" الهدى والنور" (٢٨١/ ٣٣: ٠٠: ٠٠)
[ ٦ / ١٢١ ]
[٨٢١] باب بيان انحراف المعتزلة في الأسماء والصفات واتِّباع الأشاعرة والماتريدية لهم
[تكلم الشيخ على الفرق الإسلامية إلى أن قال]: إذا استثنينا الفرق المعروفة بالانحراف عن الشريعة كالشيعة مثلًا والزيدية والخوارج، وحصرنا كلامنا على من يُسمَّون أو يتسمون بأهل السنة والجماعة اليوم هم ثلاثة مذاهب فيما يتعلق بالعقائد وأربعة مذاهب فيما يتعلق بالفقه.
أما المذاهب الثلاثة الأولى: فهي الماتريدية، والأشاعرة وأهل الحديث، فهذه فرق ثلاث تتعلق في العقيدة فقط في أهل السنة والجماعة.
أما المذاهب الأربعة فمعروفة لدى الجميع في الفقهيات الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، إذا رجعنا إلى المذاهب الثلاثة الأولى الماتريدية والأشاعرة نجد في هذين المذهبين الشيء الكثير مما هو من مذاهب وآراء وأفكار المعتزلة، ومع ذلك فهي موجودة ومبثوثة في المذهب الأشعري، والمذهب الماتريدي، أهم ما يتعلق بهذا الذي أقوله أنه موجود من الاعتزال شيء في المذهبين المذكورين: الماتريدي والأشعري أهم ما يمكن ذكره الآن أصل من الأصول وقاعدة من القواعد هي: أن الحديث الصحيح لا تثبت به عقيدة، هذا رأي المعتزلة، لكن الأشاعرة والماتريدية يتبنون هذا الرأي، هذا كقاعدة وأصل.
والشيء الثاني: أن المعتزلة عُرِفُوا عند أهل السنة حقًا بأنهم يتأولون آيات الصفات، وأحاديث الصفات، والتأويل أخو التعطيل، والمقصود بالتعطيل: إنكار الشيء إنكار الحقيقة، فحينما تكون هناك آية، أو يكون هناك حديث نبوي
[ ٦ / ١٢٢ ]
صحيح، وله دلالة واضحة صريحة، فيُعطلِّون هذه الدلالة ويأتون بمعنى غير متبادر للذهن لذاك النص القرآني أو الحديث النبوي، فهذا معناه: أنه ما اتبعوا الكتاب ولا السنة، لكنهم لا نستطيع أن نقول: ما اتبعوا الكتاب والسنة إنكارًا لهما، وإنما دورانًا عليهما، وخروجًا عن دلالتهما الصريحة باسم التأويل ولذلك قلت التأويل أخو التعطيل.
نحن نضرب مثلًا عاديًا: إذا قال الرجل العربي: جاء الملك فما يتبادر إلى ذهنه إلى ذهن المخاطبين بكلامه أنه يعني جاء خادم الملك هو قال جاء الملك، فالسامعون لا يفهمون من كلامه أنه يعني: جاء خادم الملك، بل ولا يفهمون منه أنه جاء وزير الملك، فلو أن رجلًا عربيًا تكلم بهذه اللفظة العربية، بهذه الجملة العربية جاء الملك فأحد السامعين قال: يعني: خادم الملك، هذا عطل كلام هذا المتكلم فما بالكم إذا كان الكلام المُعطَّل هو كلام الرب ﵎؟! فيأتي المعتزلة ويتبعهم في ذلك الماتريدية والأشاعرة، فيتأولون بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بمثل هذا التأويل الذي قلنا عنه بحق: إنه أخو التعطيل.
في الآية الكريمة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) جاء ربك، ولا تشبيه مثلما قلنا آنفًا جاء الملك، لا، ما جاء الملك، من أتى؟ خادم الملك، وزير الملك، في فرق بين خادم الملك ووزيره طبعًا، مع ذلك فإذا فُسِّر بوزير الملك يكون عاطل باطل، وإذا فُسِّر بخادم الملك فهو أعطل، نعم.
فقولهم في تفسير قول ربنا ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢).
[ ٦ / ١٢٣ ]
جاء ربك أي: أمْر ربك، أو خلق من خلق ربك، أو كذا يمكن، أما لا به، ولا بروحه، ومن أين جاءتهم هذه المشكلة؟ أو من أين جاء هذا التعطيل؟! من قياس الخالق على المخلوق، من قياس الغائب على الشاهد.
يقولون: لا يجوز وصف الله بالحركة، نحن ما نصف الله بالحركة؛ لأنه ما وصف بذلك لا هو وصف بذلك نفسه، ولا وصفه بذلك نبيه؛ لكن وصف نفسه بأنه جاء أي: يوم القيامة، فنحن نقول جاء، وما نقول إنه جاء يعني: تحرك هم يأبون أن يؤمنوا بصريح القرآن، كذلك مثلًا فيما يتعلق بهذا المعنى: الحديث المعروف والمشهور بل هو عندنا حديث متواتر؛ لكثرة طرقه الصحيحة: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا» أهل السنة حقًا وهم أهل الحديث: يؤمنون بالآية السابقة الذكر على ظاهرها، جاء ربك: ربك جاء، وينزل ربنا: ينزل ربنا، أما المعتزلة وتبعهم الأشاعرة في جملة ما تابعوهم عليه: لا، ربنا لا ينزل كما قالوا: لا يجيء، قالوا أيضًا لا ينزل، إذًا: ما معنى ينزل ربنا أي: رحمته هذا تأويل، هذا التأويل هو تعطيل، يلزم من هذا التعطيل إنكار حقائق شرعية متعلقة بالصفات الإلهية، ربنا ﷿ حينما يصف نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه - ﵌ -، فإنما ذلك ليُعَرِّف عباده به ﵎؛ لأنه غائب عنا، ولا يمكننا أن نراه إلا يوم القيامة إن شاء الله، فحينما نأتي إلى آيات الصفات وأحاديث الصفات، فنأتي لها بمعاني غير المعاني الظاهرة الجلية من النصوص القرآنية أو الحديثية، فمعنى ذلك أننا أنكرنا هذه الصفات الإلهية، جاء ربك ما جاء ربك، ينزل ربنا لا ينزل ربنا سبحان الله، لو كان هناك نص أنه لا يجيء ولا ينزل، كنا (سنؤمن)، لكن النصوص على خلاف ذلك، فكيف نصف ربنا بما لم يصف نفسه به، وننزهه عما وصف نفسه به، هذا هو التعطيل، وهذا مما وقعت فيه كما قلنا بعض المذاهب الإسلامية
[ ٦ / ١٢٤ ]
السنية، كالماتريدية، والأشعرية لهذا قلنا: إننا ندعو إلى اتباع الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح حتى ما نقع في مثل هذه الانحرافات التي ابتدأها المعتزلة، ثم تبعهم عليها كثير ممن ينتمون إلى أهل السنة والجماعة، أهل السنة والجماعة اليوم في عُرف العصر الحاضر، وفي الأزهر الشريف، والجامعات الإسلامية وإلى آخره هي أهل الحديث، والماتريدية والأشعرية.
"الهدى والنور" (١٦١/ ١٣: ٠٨: ٠٠)
[٨٢٢] باب الفرق بين النفي والتعطيل
سؤال: [نرجو] التعليق على كلمة التعطيل والنفي، شو الفرق بين التعطيل والنفي؟
الشيخ: النفي قد يقترن مع التعطيل بمعنى واحد يعني، نفي الصفة، لكن النفي بيكون صريح، التعطيل يلعب حول الآية ويتأولها، فيعطل الله عن هذا الصفة، لكن بطريقة التأويل ينكرها.
النفي أن ينكر رأسًا، مثلًا: هناك حديث في الصحيحين وغيرهما بيدخل في هذا الموضوع الذي يجب الإيمان به كما جاء دون تكييف بعقولنا الصغيرة الضيقة هذه، وبدون تعطيل، إنكار يعني، الحديث لا بد كلكم سمعه: «ينزل الله في كل ليلة في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا هل من سائل فأعطيه؟! ألا هل من داع فاستجيب له؟! ألا هل من مستغفر فأغفر له؟! ألا كذا .. ألا كذا .. حتى يطلع الفجر».
الذين يعطلون الصفات الإلهية المنصوص عليها في الكتاب، والكتاب لا يمكن إنكاره، من أشد الفرق ضلالًا، لا يقدرون أن ينكروا، وحينئذ ينكشف
[ ٦ / ١٢٥ ]
أمرهم، ويخرجون عن الملة، أما الأحاديث فيتجرؤون أحيانًا على إنكارها، فينفونها، فهم يقولون: «ربنا لا ينزل».
إذا: ً نفوا الحديث.
فخلاصة الجواب كما قلت في أوله: أن النفي يلتقي مع التعطيل، بس أحيانًا يلزم مع التعطيل إنكار النص من أصله، لا يثبتون صحته عن الرسول ﵇؛ لأنهم لو أثبتوه أثبتوا لله تصرفًا هو في عقولهم الضيقة يشبه نزول الملك من عرشه، مشكلتهم دائمًا قياس الخالق على المخلوق، وهذا بلا شك أبطل قياس على وجه الأرض، لا سيما وقد قال تعالى في الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، ومن بلاغة القرآن أنه ما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فقط، فنزه ثم أثبت، قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فهو سميع لكن ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، كل الصفات: منها النزول الإلهي، نزوله ليس كنزولنا، هكذا الجواب إن شاء الله.
"الهدى والنور" (٦٩/ ٢٠: ١٠/ ٠١)
[٨٢٣] باب ذكر بعض رؤوس البدع من الجهمية
[قال الإمام]:
وبشر المرِّيسي: هو المبتدع الجهمي الضال، قال الذهبي وغيره:
"لا ينبغي أن يروى عنه، ولا كرامة ".
وهو القائل بخلق القرآن، والإباضية معه في هذه الضلالة!
"الضعيفة" (١٣/ ١/١١١).
[ ٦ / ١٢٦ ]
[٨٢٤] باب هل ثبت قتل خالد القسري للجعد بن درهم؟
مداخلة: يقول السائل: ما مدى ثبوت قصة قتل خالد بن عبد الله القسري للجعد بن درهم؟
الشيخ: هذا كما قلت لما ذكر آنفًا عن الإمام أحمد: يروى دون إسناد ويذكره أهل السنة كقضية مُسًلَّمة، فأنا شخصيًا أقول: الله أعلم إن صح أو لم يصح، ولا يترتب من وراء تصرف ذلك الأمير لقتل الجعد حكم شرعي مطلقًا، فقد يصح
وقد لا يصح.
"رحلة النور" (ب٣١/ ٠٠:١٠:٠٠)
[٨٢٥] باب جمهور الحنفية مؤولة في العقيدة
[قال الإمام]:
أبو منصور الماتريدي الذي ينتمي إليه أكثر الحنفية في العقيدة، وجمهورهم فيها من المؤولة.
"مختصر العلو" (ص١٣٦)
[٨٢٦] باب مذهب ابن حزم في الصفات
[قال الإمام]:
"ابن حزم" في الصفات جهمي جلد.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٩١).
[ ٦ / ١٢٧ ]
[٨٢٧] باب تنبيه حول عقيدة الشيخ
الشعراوي - ﵀ - في الأسماء والصفات
السؤال: بالنسبة للشيخ متولي الشعراوي، الكثير معجب بكلامه وبأسلوبه وأستطيع أن أقول أنا أيضًا أستمتع بالسماع إليه فبعض العلماء أو بعض شباب العلم يقولون: له أخطاء فادحة في أمور العقيدة أو في أمور شرح المعاني والخواطر التي تخطر بباله، فأنا طبعًا لا أشعر أنه يخطئ أو أنه يتكلم بكلام والعياذ بالله خطير أو يؤثر في عقيدة، فلو كنت تعلم [في] بعض خطبه أو دروسه وتعطينا مثلًا حتى في المستقبل نقيس عليه أو ننتبه أكثر إن كان لديك بعض ما تعرفه من خطبه ودروسه.
الشيخ: أنت لست عالمًا فلن تستطيع أن تميز أخطاء من يقال إنه من العلماء؛ لذلك الصواب أنك تجمع بين شعورك الذي ابتدأت كلامك به وبين ما نقلته عن بعض العلماء أو طلاب العلم، شعورك أن أسلوبه جذاب، وهو كذلك، ويمكن تشاركني أيضًا فيما إذا قلت لك أن أسلوب الشيخ كشك أيضًا أسلوب جذاب، ولاَّ لست معي في هذا؟
مداخلة: نعم للعامة، نعم.
الشيخ: لكن هذا وذاك علمهما خلفي، وإن كان هذا الذي سألت عنه الشعراوي أعلم من ذاك، ولذلك ذاك أنا أسميه قصاصًا، لكن أصبح قدوة لخطباء لكثير من البلاد الإسلامية يحاولون يقلدونه في أسلوب خطابه، فالشعراوي هذا هو من علماء الأزهر وعلماء الأزهر علماء يعني: يتقنون اللغة العربية ويتقنون التفسير والفقه التقليدي إلى آخره لكنهم بعيدين عن السنة كل البعد.
[ ٦ / ١٢٨ ]
إلا أن فيهم ناسًا مخلصين إذا أتيح لهم من ينبههم ينتبهوا، الشعراوي يبدو ليس من هؤلاء، ومنذ سنين صدروه للكلام في الإذاعة وأخذ بألباب كثير من المستمعين إليه، وكان من هؤلاء أحد إخواننا السلفيين، وهو يحكي من شدة إعجابه به له صاحب له سيارة، أركب الشيخ الشعراوي يوصله إلى مكان وكان صاحبنا معه، خطر في باله خاطرة جيدة أن هذا الشيخ الذي نحن نسر بإلقائه وكلامه على الآيات وإعجاز القرآن بالنسبة لعلم الحديث .. خطر بباله أن يسأله يراه سلفي العقيدة أم لا؟
قال له: ما رأي فضيلة الشيخ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) هل يوصف ربنا بأن له صفة علو، فثار عليه ثورة أن الله ليس له مكان وليس له زمان والله في كل مكان، الضلالة التي تعرفها ليست في عامة المسلمين فقط بل وفي كثير من خاصتهم، فهو منحرف عن العقيدة، وكثيرًا [ما] يتأول فعلًا الآيات بتآويل من أجل تناسب مفاهيم العصر الحاضر، أما أسلوبه فالمصريين يمتازون فيما ظهر لي على الشعوب الإسلامية بطلاقة اللسان وبحسن أسلوب الكلام، عندهم الاستطاعة أن يسيطروا على الناس، والشعراوي من هذا القبيل لكن لا يؤخذ منه العلم؛ لأن العلم شيء والأسلوب شيء
فأناس عندهم العلم صحيح وما عندهم الأسلوب الصحيح، وهذا بالعكس عنده أسلوب جيد جذاب لكن ليس عنده علم صحيح، ولذلك فالذي يريد أن يستمع إليه مأخوذ بروعة أسلوبه يجب أن يأخذ حذره من أن يتلقن منه ما ليس بصحيح.
"الهدى والنور" (٢٠٦/ ٤٨: ٢٦: ٠٠).
[ ٦ / ١٢٩ ]
[٨٢٨] باب هل يُكَفَّر من أَوَّل الصفات؟
السائل: من أوَّل الصفات هل نقول بضلاله أم بكفره؟
الشيخ: نقول بضلاله، إلا أن يظهر أنه كان متعنتًا وقاصدًا الضلال
فحينئذ يُكَفَّر.
(الهدى والنور/٣١٧/ ٥٢: ٣٦: ٠٠)
[ ٦ / ١٣٠ ]
جماع أبواب ذكر المجسمة
والمشبهة وبيان ضلالهم في أبواب الأسماء والصفات
[ ٦ / ١٣١ ]
[٨٢٩] باب التعريف بالكرَّامية ومذهبهم في الصفات
[قال الإمام]:
الكرامية: .. طائفة من المبتدعة تقول بالتجسيم وغيره، ينتسبون إلى محمد بن كرام السجستاني العابد المتكلم قال الذهبي: " شيخ الكرامية ساقط الحديث على بدعته مات سنة (٢٥٥ ").
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠١).
[٨٣٠] باب بدعة الغلو في إثبات الصفات (التشبيه والتجسيم)
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إذا كان عشية عرفة هبط الله ﷿ إلى السماء الدنيا فيطلع إلى أهل الموقف: مرحبًا بزواري والوافدين إلى بيتي، وعزتي لأنزلن إليكم ولأساوي مجلسكم بنفسي، فينزل إلى عرفة فيعمهم بمغفرته ويعطيهم ما يسألون إلا المظالم، ويقول: يا ملائكتي أُشهدكم أني قد غفرت لهم، ولا يزال كذلك إلى أن تغيب الشمس، ويكون إمامهم إلى المزدلفة، ولا يعرج إلى السماء تلك الليلة، فإذا أشعر الصبح وقفوا عند المشعر الحرام غفر لهم حتى المظالم، ثم يرجع إلى السماء وينصرف الناس إلى منى».
(موضوع).
[قال الإمام]:
رواه ابن عساكر (٤/ ٢٤٠/١) عن أبي علي الأهوازي بسنده عن الحسن بن سعيد: أخبرنا أبو علي الحسين بن إسحاق الدقيقي: أخبرنا أبو زيد حماد بن دليل،
[ ٦ / ١٣٣ ]
عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة الباهلي مرفوعا. وقال: " هذا حديث منكر، وفي إسناده غير واحد من المجهولين".
قلت: بل هو حديث موضوع، ولوائح الوضع عليه لائحة، ولعل آفته أبو علي الأهوازي، واسمه الحسن بن علي، وهو إن وثقه بعضهم، فقد قال الخطيب." كذاب في الحديث وفي القراآت جميعًا ".
وقال ابن عساكر عقب كلامه السابق: " وللأهوازي أمثاله في كتاب جمعه في " الصفات " سماه " كتاب البيان في شرح عقود أهل الإيمان "، أودعه أحاديث منكرة كحديث " إن الله تعالى لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل، فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك العرق "! مما لا يجوز أن يروى ولا يحل أن يعتقد، وكان مذهبه مذهب السالمية يقول بالظاهر، ويتمسك بالأحاديث الضعيفة التي تقوي له رأيه (١).
"الضعيفة" (٢/ ١٨٩).
_________________
(١) قلت: لعل ابن عساكر يعني بـ (رأيه) غلوه في إثبات الصفات كما يدل عليه هذا الحديث ونحوه مما اتهم بوضعه. وإلا فالتمسك بظاهر النصوص دون تأويل أو تعطيل هو مذهب السلف الصالح والأئمة الأربعة وغيرهم، لا يرغب عنه إلا كل هالك. ثم إن (السالمية) نسبة إلى أحمد بن محمد بن سالم الزاهد البصري شيخ السالمية، قال في " الشذرات " (٣/ ٣٦): " كان له أحوال ومجاهدات، وعنه أخذ الأستاذ أبو طالب صاحب " القوت "، وقد خالف أصول السنة في مواضع، وبالغ في الإثبات في مواضع، وعُمِّر دهرا وبقي إلى سنته بضع وخمسين وثلاثمائة". [منه].
[ ٦ / ١٣٤ ]
[٨٣١] باب ضلال المجسمة
[قال الإمام في ترجمة] القاسم بن إبراهيم الملطي ..:مجسم ضال.
"الضعيفة" (١/ ٦٨٤).
[٨٣٢] باب من مفاسد الغلو في الإثبات
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يجلسني على العرش».
(باطل).
[قال الإمام]:
ذكره الذهبي في " العلو" (٥٥ طبع الأنصار) من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا
عند رسول الله - ﵌ - أقرأ عليه حتى بلغت عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا
قال: فذكره
ومما يدل على [بطلانه ..] أنه ثبت في " الصحاح " أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا - ﵌ -.
ومن العجائب التي يقف العقل تجاهها حائرا أن يفتي بعض العلماء من المتقدمين بأثر مجاهد هذا كما ذكره الذهبي (ص ١٠٠ - ١٠١ و١١٧ - ١١٨) عن غير واحد منهم، بل غلا بعض المحدثين فقال: لو أن حالفًا حلف بالطلاق ثلاثا أن الله يُقْعِدُ محمدا - ﵌ - على العرش واستفتاني، لقلت له: صدقت وبررت!
قال الذهبي ﵀: " فأبصر - حفظك الله من الهوى - كيف آل الغلو
[ ٦ / ١٣٥ ]
بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر، واليوم فيردن الأحاديث الصريحة
في العلو، بل يحاول بعض الطغام أن يرد قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾.
قلت: وإن مثل هذا الغلو لمما يحمل نفاة الصفات على التشبث بالاستمرار في نفيها، والطعن بأهل السنة المثبتين لها، ورميهم بالتشبيه والتجسيم، ودين الله الحق بين الغالي فيه والجافي عنه، فرحم الله امرءًا آمن بما صح عن رسول الله - ﵌ - في الصفات وغيرها، على الحقيقة اللائقة بالله تعالى، ولم يقبل في ذلك ما لم يصح عنه - ﵌ - كهذا الحديث، فضلًا عن مثل هذا الأثر!
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
[٨٣٣] باب أهمية تصفية صحيح أحاديث الصفات من ضعيفها وبيان خطورة الإخلال بذلك حيث يؤدي إلى الغلو في باب الإثبات، وضرب أمثلة على ذلك
سؤال: ذَكَرَ في كتاب "السنة" للبربهاري
الشيخ: كتاب السنة لمن؟
مداخلة: البربهاري، هذا مخطوط هو الكتاب.
الشيخ: لذلك أُعجم علي! ما عرفت هذا الكتاب، طيب!
مداخلة: كان يتحدث عن حوض النبي - ﵌ -، قال بأن لكل نبي حوض إلا صالح فإن حوضه هو بضع ناقته.
الشيخ: هذا شيء غريب! نسبه بدون سند؟
[ ٦ / ١٣٦ ]
مداخلة: كتابه سوف يطبع.
الشيخ: سوف يطبع؟
مداخلة: سوف يطبع نعم.
الشيخ: طيب! هذا مخطوط؟
مداخلة: حُقق الآن هذا هو الكتاب.
الشيخ: طيب! ذاكره بالسند؟
مداخلة: نقرؤه؟
الشيخ: البربهاري هذا هذا متكلم فيه من حيث الصفات حنبلي هو ..
مداخلة: أبي محمد الحسن.
الشيخ: حنبلي هو.
مداخلة: في القرن الرابع هو؟
مداخلة: الرابع يمكن ..
الشيخ: أنا في ذهني أن هذا متكلم فيه من حيث غلوه في الصفات، هل هو كذلك؟ البربهاري هذا.
مداخلة: عندما تحدث عنه المحقق أتى بأقوال الأئمة وكان يعتبر هو إمام أهل السنة في عصره.
الشيخ: هو يثني عليه من حيث أنه كان يحارب المبتدعة، وكان يتمسك بالسنة وبالعقيدة السلفية صحيح، لكن في كثير من أمثال هؤلاء غلو وتطرف،
[ ٦ / ١٣٧ ]
مثلًاكابن بطة الحنبلي صاحب "الإبانة" فهو على هذا النمط، لكن هو يروي في إبانته نفسه ما هب ودب من أحاديث حتى ما كان منها متعلقًا بالصفات، فهذه نقطة مهمة جدًا ليس كل من يكتب في الصفات يكون متحققًا فيما يذكر من الروايات.
وعلى كل حال! هذا الاستثناء المذكور في هذه الفقرة فلأول مرة سمعت به، وما أظنه يصح في أحاديث الحوض المتواترة، وفي كتاب "السنة" لابن أبي عاصم طائفة كبيرة من الأحاديث الواردة في الحوض، وليس فيها مثل هذا الاستثناء، فهو أقل ما يقال فيه: أنه غريب، وينبغي التوقف عن البت أو الجزم به حتى يأتي من طريق تقوم الحجة به.
مداخلة: طيب! .. ابن بطة كتابه "الإبانة الصغرى" هل يؤخذ عنه في الأسماء والصفات مثلا، أنت قلت "الإبانة" لكن هل هي الصغرى أم الكبرى؟
الشيخ: ما أستحضر الجواب الآن، عندنا في المكتبة الظاهرية نسخة خطية من الإبانة مشوشة الترتيب، وكانت النسخة قد أصابها الماء فمحا كثيرًا من كتابتها، وكنت استفدت منها أشياء كثيرة فتجلى لي أن ابن بطة من الحنابلة الذين عندهم شيء من الغلو في إثبات الصفات، وقد يثبتون صفةً بروايات لا تصح أسانيدها، وإن صحت فلا تصح نسبتها إلى الرسول ﵇؛ لأنها تكون إما موقوفة وإما مقطوعة، نعم.
وعلى نحو هذا الدارمي في رده على المرِّيسي .. فيه أيضًا مثل هذا.
والحقيقة أن هذا الموضوع هام جدًا وينبغي تصفية الروايات الضعيفة وإبعادها عن العقيدة الصحيحة، وهذا ما حاولت القيام به حينما اختصرت "العلو للعلي الغفار" أو للعلي العظيم للإمام الذهبي، فمع كون الإمام الذهبي كما
[ ٦ / ١٣٨ ]
تعلمون إمامًا في هذا الصدد ومع ذلك تساهل في ذكر بعض الروايات، ومنها مثلًا رواية مجاهد أن الله ﷿ يُقْعِدُ معه النبي - ﵌ - على عرشه، وهذه الرواية تلقاها كثير من العلماء ممن نثق بعقيدتهم كأنه حديث مرفوع إلى الرسول ﵇، مع أنه لو قال مجاهد: قال رسول الله - ﵌ - في حديث فقهي لكان هذا الحديث مرسلًا، ولا يثبت حكم فقهي، فكيف وهو أولًا لم يرفعه إلى الرسول ﵇؟! وثانيًا: هو في العقيدة وليس في الفقه ومع ذلك تلقوه على طريقة المُسَلَّمات.
فالحقيقة ينبغي الاحتياط في مثل هذه القضايا.
"الهدى والنور" (٨٧/:٠٠:١٤:٣٦)
[٨٣٤] باب الدارمي مغال في الإثبات مع إمامته في السنة
[قال الإمام]:
لا شك في حفظ الدارمي وإمامته في السنة، ولكن يبدو من كتابه "الرد على المريسي" أنه مغال في الإثبات فقد ذكر فيه ما عزاه الكوثري إليه [أي: إلى الدارامي] من القعود والحركة والثقل ونحوه، وذلك مما لم يرد به حديث صحيح، وصفاته تعالى توقيفية فلا تثبت له صفة بطريق اللزوم مثلًا، كأن يقال: يلزم من ثبوت مجيئه تعالى ونزوله ثبوت الحركة، فإن هذا إن صح بالنسبة للمخلوق، فالله ليس كمثله شىء فتأمل.
"التعليق على التنكيل" (١/ ٣٤٩).
[ ٦ / ١٣٩ ]
جماع أبواب الرد على شبه
أهل الضلال من مخالفي أهل السنة في الأسماء والصفات
من المفوضة والمعطلة والمؤولة والمجسمة والمشبهة وغيرهم
(وقد تقدم بعضه)
[ ٦ / ١٤١ ]
[٨٣٥] باب رد بعض شبهات المفوضة
السائل: نحن نعلم أن عقيدة أهل السنة في الصفات هي يعني تحديد المعنى ورفض الكيف، ففي القرآن جاءت الحروف المقطعة لا نفهم معناها، ويقول البعض: أنتم لا تفوضون المعنى وفي هذه تفوضون في الصفات وتفوضون في هذه الحروف، نقول: نفوض المعنى إلى الله ﷾ في بقية الصفات، فنريد توضيحًا؟
الشيخ: نحن نقول كما قلت ولا نزال ونرجو أن نحيا على ذلك وأن نموت، وهو أن الله ﷿ أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وأنه تَعرَّف لعباده بأن يصف نفسه ليعرفوه بلسان عربي مبين، فكل عبارة وكل جملة في القرآن والسنة لا شك إن لها معنى عربي على أساس أن القرآن عربي، ولهذه الجملة معنى مقصود من رب العالمين يستحيل أن يكون غير مقصود كما يفعل المفوضة وأمثالهم في كل عصر.
لكن لا يرد على هذا الإشكال الذي طرحته آنفًا، لأن هذه الحروف
التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ليست أولًا جملًا عربية، وليست ألفاظًا معروفة في لغة العرب حتى يُكلف أن يفهموها، فهذه الأحرف تخرج عن أصل الموضوع بالكلية.
شيء آخر: فربنا ﷿ حينما يقول: ﴿الم﴾ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ كل عربي يفهم أن هذه ليست لفظة عربية لها دلالة لها معنى معروف عندهم، فإذا قال: أنا لا أفهم لهذا معناها، لهذه اللفظة معناها يكون هذا هو الموقف الصحيح، عكس إذا ادّعى أنه يفهم كما يدعي بعض الناس اليوم
والعكس بالعكس حينما يقول رب العالمين: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا
[ ٦ / ١٤٣ ]
صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) يقول: أنا لا أفهم هذه الجملة، أفوض أمرها إلى الله كما أفوض فهمي لألف لام ميم ووأمثالها هذا يكون جاهلًا يقيس المعلوم على المجهول لغة، على أن الحكمة غير يعني خفية من هذا الاستعمال القرآني في افتتاح بعض السور بمثل ما سمعتم وبمثل: ﴿كهيعص﴾ (مريم:١).
فيها لفت أنظار العرب الذين لا شك يقطعون بأن هذا القرآن بلسانهم، وفي الوقت نفسه يقطعون بأنه جاءهم ببعض الاستعمالات التي ما سبق لهم أن عرفوها في لغتهم، منها هذه الحروف المقطعة: ﴿الم﴾ (آل عمران:١).
فالحكمة منها أن العربي هذا الصميم حينما يسمع هذا التركيب الجديد يعطي أذنًا صاغية، ما وراء هذا الكلام؟ ولذلك بعض المتأخرين يقولون في مثل هذه الحروف: إنها كأداة الاستفتاح في اللغة العربية.
ألا أيها الرجل المعلِّم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
ألا ما فيها؟ يعني انتبه. ﴿الم﴾ مثلها.
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ وأبلغ منها: ﴿كهيعص﴾ هذا بلا شك يستدعي الانتباه تمام الانتباه، آه، ولذلك فالشبهة يعني لا تستحق حكايتها، واضح؟
"الهدى والنور" (٣٠٨/ ٥٦: ٣١: ٠٠)
[٨٣٦] باب الرد على شبهات المعطلة
والمؤولة الصفات شبهة: التنزيه عن التشبيه
[قال الإمام]:
نفاة الصفات والرؤية من المعتزلة وغيرهم إنما ينفونها تنزيها لله تعالى
[ ٦ / ١٤٤ ]
بزعمهم عن التشبيه وهذا زلل وزيغ وضلال إذ كيف يكون ذلك تنزيهًا وهو ينفي عن الله صفات الكمال ومنها الرؤية؛ إذ المعدوم هو الذي لا يُرى، فالكمال في إثبات الرؤية الثابتة في الكتاب والسنة.
والمشبهة إنما زلُّوا لغلوهم في إثبات الصفات وتشبيه الخالق بالمخلوق ﷾. والحق بين هؤلاء وهؤلاء: إثبات بدون تشبيه وتنزيه بدون تعطيل. وما أحسن ما قيل: "المعطل يعبد عدما والمجسم يعبد صنمًا".
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٢ - ٣٣).
[٨٣٧] باب منه
[قال الإمام]:
لا يلزم من إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات شيء من التشبيه أصلًا، كما لا يلزم من إثبات ذاته تعالى التشبيه، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات وهي حق ثابت، فكذلك صفاته تعالى لا تشبه الصفات وهي أيضا حقائق ثابتة، تتناسب مع جلال الله وعظمته وتنزيهه.
"الصحيحة" (٢/ ١٢٨).
[٨٣٨] شبهة نفي حلول الحوادث
[وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية ابنَ أبي العز بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قرَّرها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام]:
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمنًا حقًا بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا
[ ٦ / ١٤٥ ]
أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد - مع الأسف- ما رميته به من المداراة.
المسائلة الأولى: قال الإمام [أي ابن أبي العز] (ص ١٢٥):
"وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حدوث الحوادث ".
قلت: وهذا الإطلاق وهو مما يدندن به شيخه الكوثري في تعليقاته، ليتوصل، إلى نفي حقيقة الكلام الإلهي المسموع. وراجع له "شرح الطحاوية" (ص ١٦٨ - ١٨٨) و"التنكيل" (٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢).
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٦).
[٨٣٩] باب الرد على من اتهم أهل السنة بأنهم حشوية لأنهم يقولون: الله فوق عرشه بذاته
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخ المالكية في أول رسالته المشهورة في مذهب مالك الإمام: "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه، وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي في كتاب الإبانة له؛ فإنه قال وأئمتنا كالثوري، ومالك، والحمادين وابن عيينة، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد، وإسحاق، متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان
[ ٦ / ١٤٦ ]
وكذلك أطلقها ابن عبد البر كما سياتي.
وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري فإنه قال: وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه، وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة
عقائدهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب
وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.
وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي، والمفتي عبد العزيز القحيطي، وطائفة. والله تعالى خالق كل شيء بذاته، ومدبر الخلائق بذاته، بلا معين ولا مؤازر وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه تعالى معنا وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال: ومعنا بالعلم، وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمناه، وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام، وكان ابن أبي زيد من العلماء العاملين بالمغرب، وكان يلقب بمالك الصغير، وكان غاية في علم الأصول، وقد ذكره الحافظ ابن عساكر في كتاب "تبيين كذب المفتري" فيما نُسِب إلى الأشعري ولم يذكر له وفاة.
توفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وقيل سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وقد نقموا عليه في قوله "بذاته" فليته تركها.
[قال الإمام]:
قلت: وهؤلاء وأمثالهم من أهل السنة وفيهم المؤلف يقول عنهم الكوثري
[ ٦ / ١٤٧ ]
- عاملة الله بما يستحق - بأنهم شيوخ الحشوية! لأنهم يتسارعون إلى نقل هذه اللفظة "بذاته" عن ابن أبي زيد هذا، ويقول عنها إنها إما مدسوسة، أو من قبيل الاحتراس بالرفع أي: المجيد بذاته! وهكذا فليكن التشكيك في أقوال أهل العلم بالإنكار أصلًا أو بتأويله تأويلًا باطلًا!
[وقال معلقًا على قول الذهبي:"فليته تركها"]:
يعني لكي لا ينقم الناس عليه، لا لأنه خطأ في نفسه، كيف وقد قاله من سبق ذكرهم من العلماء عند المؤلف، مع ملاحظة أنه لا فرق في الحقيقة بينه وبين قول المؤلف المتقدم آنفًا: "والله تعالى خالق كل شي بذاته"! وراجع لهذا الكلام ابن تيمية في " حديث النزول " (ص ٥٦).
"مختصر العلو" (ص٢٥٦).
[٨٤٠] باب معنى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ والرد على من استدل به على تأويل الصفات
[عَلَّق الإمام على قول صاحب الطحاوية: «ولا شيء مثله» بقوله]:
هذا أصل من أصول التوحيد وهو أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولكن المبتدعة والمتأولة قد اتخذوه أصلًا لإنكار كثير من صفات الله ﵎ فكلما ضاقت قلوبهم عن الإيمان بصفة من صفاته ﷿ سَلَّطوا عليها معاول التأويل والهدم فأنكروها، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ متجاهلين تمام الآية: ﴿وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١) فهي قد جمعت بين التنزيه والإثبات فمن أراد السلامة في عقيدته فعليه أن ينزه الله تعالى عن مشابهته للحوادث دون تأويل أو تعطيل وأن
[ ٦ / ١٤٨ ]
يثبت له ﷿ من الصفات كل ما أثبته لنفسه في كتابه أو حديث نبيه دون تمثيل وهذا هو مذهب السلف وعليه المصنف ﵀ تبعا لأبي حنيفة وسائر الأئمة كما تراه مفصلا في الشرح ﴿فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام: ٩٠).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠ - ١١).
[٨٤١] باب هل هناك جهمية في العصر الحديث؟
والكلام على ضلال الجهمية، والرد على شبه المعطلة، والكلام على حديث الجارية
الشيخ: (هناك طوائف) في الحديث (١) قطعًا تتبنى بعض أفكار الجهمية القديمة لكنها لا تنتمي إليها اسمًا ولا مذهبًا، وإنما تلتقي في بعض ما كانت الجهمية تذهب إليه فكرًا وعقيدةً، غلاة الجهمية الحقيقة يلتقون مع القائلين بوحدة الوجود؛ لأنهم لا يصفون الله ﷿ بالصفات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، ينفون عنه الصفات، وإذا نفوا عنه الصفات عَطَّلُوه، يعني حكموا عليه بعدم الوجود، كما يقول الدهريون تمامًا، هؤلاء غلاة الجهمية.
دونهم طبقة من الجهمية ينكرون ما سبق ذكره آنفًا من أن الله ﷿ فوق مخلوقاته كلها، ويُصرِّحون بما يصرح به عامة المسلمين مع أنهم لا يقصدون ذلك المعنى الذي يقصده أولئك الجهمية، يصرحون بأن الله ﷿ في كل مكان، فكثير من الناس اليوم حتى الكُتَّاب ونحو ذلك ممن لم يدرسوا العقيدة الإسلامية الصحيحة، يقولون بهذه الكلمة، وينفون أيضًا عن الله ﷿ صفاتًا أخرى
_________________
(١) أي في العصر الحديث.
[ ٦ / ١٤٩ ]
كثيرة، منها مثلًا يقولون على الرغم من تصريح القرآن بقوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤)، يقولون بأن الله لا يتكلم، هذا من عقيدة الجهمية، ووافقهم على ذلك المعتزلة كلهم، فالمعتزلة يُصرِّحون بأنه ليس من صفات الله الكلام، وهذا سبب هذا الإنكار حديثًا وقديمًا، وهو تسليط العقول كما أشرت آنفًا على أمورٍ غيبيةٍ وعالِمُ الغيوب هو الله ﵎، فلا يجوز نحن أن نكيف صفات الله ﷿ بالكيفية التي يعرفها بعضنا من بعض، مثلًا: الكلام، نحن الكلام نعرفه، لا بد من جهاز معروف هو الفم، هو اللسان، هو الحلق، هو الأسنان، أضراس، إذا نقص شيء من هذه الآلات التي خلقها الله في الإنسان صار الكلام غير طبيعي، فلما هم بيتصوروا أن الله كلم موسى تكليمًا، ينتقل تصورهم من المخلوق إلى الخالق، ويستنتجوا من ذلك أن الله يتكلم بلهاة .. بلسان .. بأضراس .. وهذا طبعًا تشبيه، والتشبيه باطل، فما لزم منه الباطل فهو باطل، مقدمات يقيمونها هي في الأصل على شرف جرف هار: خيال، ثم يبنون
عليها علالي وقصورًا، وهذا الذي يبنون عليه تعطيل النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية.
ربنا ﷿ بحكمته البالغة خلق لهذا البشر في هذا العصر آلة صماء بكماء، وهو المسجلة، من قبل صندوق السمع بتعرفونه يتكلم بكلام عربي مبين، وليس هناك شيء من هذه الآلات التي يتكلم بها الإنسان، فالله ﷿ الذي خلق هذا الجهاز جامد، ليس بإنسان، والإنسان كما نعلم جميعًا مفضل على المخلوقات كلها، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:٧٠)، هذا الجهاز الأصم الأبكم يتكلم بدون ما يكون له تلك الآلات، تُرَى! ربنا ﷿ القادر على كل شيء لا
[ ٦ / ١٥٠ ]
يستطيع أن يتكلم مع أنبيائه ورسله بدون أن نتصور نحن تصور المعتزلة، أن الإنسان يتكلم بوسائل، فإذًا ربنا لا بد أن يكون له كذا وكذا .. حاشاه؛ ولذلك يقول ﷿ في القرآن الكريم جمعًا بين -كما يقول العلماء -الإثبات لصفات الله، وتنزيها لهذه الصفات أن تُشابه صفات المخلوقات، فيقول ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
من العجيب أنك ترى هؤلاء المعتزلة وبعض المتشبهين بهم قديمًا وحديثًا، يقولون: الله سميع وبصير.
طيب، كما أثبتم صفة السمع والبصر وما قلتم: لازم يكون له حدقة، ولازم يكون له أجفان، ولازم يكون له عين الإنسان، ما قلتم شيء من ذلك أطلقتم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، كذلك قولوا عن كلام الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) وتنتهي القضية، مع ذلك بعض من طَرَّدَ الفرار من التشبيه بالتعطيل، جاء إلى هذه الآية نفسها: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فنفى أن يكون له سمع، ونفى أن يكون له بصر، بحجة أن الإنسان له بصر، والإنسان له سمع، وهذا تشبيه. سبحان الله!
أجابهم أهل الإثبات من أهل السنة والجماعة، إذا أنتم طَرَّدْتُم أن تنفوا عن الله كلَّ الصفات التي أثبتها لنفسه، لمجرد الاشتراك في الاسم، وليس في الحقيقة، إذًا: قولوا كما قال غلاة الصوفية: لا وجودان، إنما هو وجود واحد؛ لأن الآن يسأل بعضنا البعض: نحن موجودين وِلاَّ معدومين؟ طبعًا موجودين.
الله موجود أو معدوم؟ الله موجود هو موجود ووجوده الحق كما قلنا من قبل.
[ ٦ / ١٥١ ]
فإذًا: صار هنا اشتراك بوجود الله ووجود الإنسان، تنكروا إذًا ووجود الله، وتخرجوا من المشاكل كلها، لا وجود غير وجودنا، كلمة حق اثبتوا عليها، وجوده غير وجودنا، صفاته غير صفاتنا، وانتهت المشكلة.
فنقول: كلامه ليس ككلامنا، بصره ليسه كبصرنا، سمعه، كل ما أثبت الله ﷿ له من صفات هي لا تشبه صفات المخلوقات، كما في الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
إذًا: جهمية العصر الحاضر هم الذين يلتقون مع الجهمية الأولين في إنكار بعض صفات الله، أولئك نفوا صفات الله كلها، هؤلاء يشتركون مع الجهمية القديمة، في إنكار بعض الصفات باسم التنزيه، لكن حقيقة التنزيه أن نثبت لله ﷿ ما أثبته لنفسه دون تكييف ودون تشبيه، وبهذه المناسبة يقول ابن القيم الجوزية ﵀ كلمة حق وهي:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحاب ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
فنفي الصفات خوفًا من التشبيه والتعطيل، هذا مذهب المعتزلة الذين هم فرع من الجهمية، ومذهب بعض المعاصرين اليوم ممن يلتقون مع أولئك في بعض ما أنكروا من الصفات.
ويحضرني أيضًا في هذه المناسبة قصة وقعت لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في زمانه، والحقيقة أنه كان عالمًا فذًاّ في إحاطتة بعلم الكتاب والسنة، زائد معرفته بعقائد الفرق المخالفة بما فيهم الفلاسفة الذين ينكرون الشرائع، فكان من مزاياه الشجاعة التي قلما توجد مع الأسف في أهل العلم، فشكوه إلى الوالي في
[ ٦ / ١٥٢ ]
دمشق يومئذ؛ بأن هذه يعتقد كذا .. وكذا، يرمونه بالتشبيه، فعقد له مع الشيوخ مجلس مناظرة، فسمع الأمير من كلٍّ من الشيخ والجماعة، الجماعة ينكرون بعض الصفات منها: أن يكون الله ﷿ فوق مخلوقاته. وسمع من الشيخ آيات كثيرة ذكرنا نحن آنفًا بعضها، ومما ذَكَرَ حديث يعرف عند علماء الحديث بحديث الجارية، وهذا الحديث رواه الإمام مالك من الأئمة الأربعة كما تعلمون في "موطئه"، والإمام أحمد في «مسنده»، والإمام مسلم في «صحيحه» بالسند الصحيح عن رجل [حصل هنا انقطاع صوتي] فيقول معاوية هذا يُحَدِّثُ عما وقع له في أول إسلامه، قال: «صلَّيت وراء النبي - ﵌ - يومًا، فعطس رجل بجانبي، فقلت له: يرحمك الله وهو يصلي، قال: فنظروا إلي هكذا .. فقلت: وا ثكل أمياه! والرجال يصلون، وا ثكل أمياه مالكم تنظرون إلي»؟،هو حديث عهد بالإسلام، ليس متعلم أحكام الصلاة كما ينبغي، (فلا يدري) هو أن الكلام في الصلاة يفسدها ويبطلها، ولذلك صاح بعادة الأعراب، ورفع عقيرته «وا ثكل أمياه، مالكم تنظرون إليَّ»:ماذا عملت أنا معكم، الجماعة يضربون على أفخاذهم تسكيتًا له، بلا شك الرجل صلى وما درى كيف صلى، يريد أن يعرف ما هو ذنبه، لكن بلا شك بصفةٍ عامة أنه فهم أن الجماعة ما عاملوه هذه المعاملة إلا أنه مخطئ، ولذلك هو يتصور الآن أن هذا النبي الذي يصلى خلفه، تُرَى ماذا سيفعل به، وإذا به يفاجئ كما هو الأمر الطبيعي من الرسول ﵇، «فلما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة أقبل إليّ، فو الله ما قهرني، ولا كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، وإنما قال لي: إنما هذه صلاة لا يصلح فيها من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتكبير وذكر وتلاوة للقرآن» هذا كل شيء فعله معه، ولا شك أن الواحد منا عندما يبدو أنه
[ ٦ / ١٥٣ ]
أخطأ خطأً مع رجل كبير، يتصور أن هذا الكبير سينهره وسيقهره، وإذا به يُفاجأ بما هو المفروض واللائق بالرسول، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:١٥٩)، وإذا به لم ير منه إلا التعليم، وكأنه لم يصنع شيئًا: «لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ..» إلى آخره.
فلما رأى هذا اللطف، وهو يشعر الآن بأنه بحاجة إلى أن يتعلم، فأخذ يلقي السؤال على الرسول ﵇، بعد السؤال، والرسول يجيبه، فقال: «يا رسول الله! إن منا أقوامًا يأتون الكهان» المنجمين العرافين المسمون البصارة، قال: «فلا تأتوهم». الكلام موجز شَرْحُهُ معروفٌ عند العلماء.
قال: «يا رسول الله! إن منا أقوامًا يخطون» الخط يعني: ضرب الرمل.
فقال ﵇: «قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطهم فذاكا» هذا يسميه العلماء بالتعليق بالمحال.
مداخلة: المقصود بالخط مش مفهوم؟ .. كلمة خط.
الشيخ: الرمل يا أستاذي، يكتبوا على الرمل، بعض المنجمين يستعملون الرمل كوسيلة بزعمهم لاكتشاف المغيبات، ألا يوجد عندكم هذا الشيء؟
مداخلة: معروف .. البصارة
مداخلة: كان أحد الأنبياء يستعمل هذه الطريقة؟
الشيخ: سآتيك بالكلام.
يقول الرسول ﵇ لهذا السائل: «قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه خطه فذاك» قلت آخر ما قلت: إن هذا يسميه العلماء بالتعليق بالمحال،
[ ٦ / ١٥٤ ]
أي: إن الله ﷿ كان قد جعل لنبي من الأنبياء السابقين الضرب على الرمل وسيلة من الوسائل الخاصة به لاكتشاف بعض المغيبات؛ لذلك قال ﵇ لهذا السائل، لما قال له إن فينا أقوامًا يخطون، كان جوابه: «قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطُّه منكم خطَّ ذاك فذاك» أي: مصيب، لكن هذا تعليق بالمحال، هذا مستحيل؛ لأن تلك كانت معجزة لذلك النبي.
قال: «يا رسول الله! إن منا أقوامًا يتطيرون، قال: فلا يصدنكم» التطير: التشاؤم، معروف هذا، والتشاؤم اليوم بالرغم من أن الإسلام أبطله وقال: «لا طيرة» فتجد كثير من المسلمين بسبب إغراقهم في جهلهم يتطيروا، خاصة النساء منهن، يعني إنه الغسيل يوم كذا ما بيجوز، إدخال الصابون ما بيجوز يوم كذا، هذه خرافات كثيرة وكثيرة جدًا، هذا كله تطير لا يجوز في الإسلام، لا طيرة في الإسلام.
قال: إن منا أقوامًا يتطيروى قال:
«فلا يصدنكم» جواب في منتهى الحكمة واللطف وعدم التحذير والتضييق على الناس؛ لأنه لا يقول: لا تتطيروا، في فرق كبير جدًا بين ما قاله ﵇: «لا يصدنكم» وبين ما لو كان القول: لا تتطيروا، لو قال لا تتطيروا تكليف بما لا يطاق، والله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة:٢٨٦)، لكن كَلَّفهم
بما يطيقون.
أصل كلمة التطير مشتقة من الطير، وكانوا في الجاهلية من خرافاتهم وسخافاتهم، كان أحدهم إذا عزم على سفر، وخرج من داره لا بد ما يصادفه طير، هذا الطير الحيوان إذا طار يمينًا، فالسفر ميمون في زعم هذا الإنسان
[ ٦ / ١٥٥ ]
إذا طار هذا الطير وهو الطير نفسه لو سُئل: «لماذا طرت يمينًا» ما يدري، إذا طار يمينًا فسفره ميمون، وإذا طار شمالًا فسفره مشؤوم، هذه عادة الجاهلية.
طار شمالًا يعود إلى بيته كل التخطيط الذي وضعه في هذا السفر يبطل بمجرد طيران الطير شمالًا ويسارًا، فالرسول ﵇ أبطل هذه الطِّيَرة، لكن ما أبطلها كشيء يصدر من الإنسان فجأة دون تفكير، دون تخطيط، لكن أبطل التجاوب مع الطيرة، فقال: لا يصدنكم.
مثلًا إنسان أيضًا عزم على سفر، خرج من بيته آخذ الشنطة معه .. إلى آخره، وإذا بواحد يتشاجر مع شخص آخر، فيقول له: الله لا يوفقك. تجي طق في أذنه، يتشاءم منها، ويرجع، لكن لو كان مسلم متأدب بآداب الرسول لا يرجع، كلمة جاءت على الطاير مثل ذاك الطير، ما هو تأثيرها؟ ليس لها تأثير، لذلك قال ﵇: «لا يصدنكم»، فأنت سمعت كلمة فيها تشاؤم، لا تتجاوب معها، كونك تشاءمت لأول وهلة ما عليك مؤاخذة، لكن إذا تجاوبت معها فهنا تأتي المؤاخذة.
والآن يأتي الشاهد: قال: «يا رسول الله! عندي جارية ترعى غنمًا لي في أحد، فسطا الذئب يومًا على غنمي» افترس الذئب ما شاء الله من غنم هذا الرجل.
قال: «وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فصككتها صكةً» أين كنتي؟! غافلة .. نائمة .. إلى آخره، حتى سطا الذئب على غنمي، طبعًا هو صكها هذه الصكة ثم ندم، لذلك يقول في تمام سؤاله: «وعليّ عتق رقبة» كأنه يقول: أَعِتْقُهَا يجوز لي كفارة؟ قال: «ائت بها» فلما جاءت قال لها ﵊: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة».
[ ٦ / ١٥٦ ]
يقول أهل العلم: عرفت ربها في السماء كما قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) إلى آخر الآية التي ذكرناها آنفًا، وعرفت أن محمدًا عبده ورسوله في الأرض، فشهد لها بالإيمان، وقال لسيدها: «اعتقها» فعتقك إياها وفاء لنذرك أن تعتق رقبة.
الشاهد: أن في قصة ابن تيمية مع مجلس الاختبار والمناقشة والمناظرة، فذكر ابن تيمية من هذه الأحاديث ما شاء الله، منها الحديث الذي هو والحمد الله لا يزال شائعًا على ألسنة الناس: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
سمع كلام ابن تيمية قال الله، قال رسوله، مثلما قال ابن القيم في
الشعر السابق:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحاب ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذرًا من التعطيل والتشبيه
سمع ابن تيميه يثبت وجود الله، وأنه فوق المخلوقات كلها، أما المشائخ، فإذا قيل لهم: أين الله؟! قالوا: لا ندري. فماذا كان جواب الأمير العاقل، قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم.
فعلًا: ربنا الذي خلق الكون وكان الله - كما جاء في حديث عمران بن حصين في "صحيح البخاري"-: «كان الله ولا شيء معه، ثم خلق هذا الكون» بما فيه من سماوات من أرضين من جبال من وديان، من ملائكة، من جن، من إنس، من دواب، كيف لا يدرون أين الله، والآيات والأحاديث متواترة، كلها على أن الله
[ ٦ / ١٥٧ ]
﷿ فوق المخلوقات كلها، ولذلك كان من أوراد المسلم إذا وضع جبهته ساجدًا لربه أن يعظمه ويقول: سبحان ربي الأعلى.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى:١)، من السنة إذا الإنسان سمع هذه الآية تتلى أن يقول: سبحان ربي الأعلى؛ لأن الله أمر في الآية أن يقول أحدنا: سبحان ربي الأعلى، فلما سمع المناظرة ذلك الأميرُ العاقل، الذي قاس بين الشيخ من جهة والمشايخ من جهة أخرى، قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم.
فعلًا، هذه حقيقة نسمعها اليوم، ونلمسها لمس اليد، إما أن يقول: لا ندري، ويتبع هذا النفي إنكار السؤال الصادر من الرسول، الرسول قال للجارية: «أين الله» فالآن نسمع إنكار السؤال الصادر من الرسول، فضلًا أن يُقرِّوا الجواب الصادر من الجارية، والذي عليه شهد الرسول ﵇ لها بالإيمان، وبناء على ذلك أمر سيدها بأن يعتقها.
الناس اليوم إما أن يقولوا حقيقةً: إن الله في كل مكان، وهؤلاء هم الجهمية وبعض المعتزلة، وإما أن يقولوا جوابًاَ عن سؤال الرسول للجارية: أين الله؟:لا ندري، وأنا سمعت أحد الخطباء ممن درست عليه الفقه وعلم النحو على المنبر، وفي مسجد إذا كان فيكم أحد يعرف دمشق جيدًا، اسمه جامع التربة في العقيبة، سمعته يقول: الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه.
وأنا أقول يا جماعة وأظن ستؤيدونني جميعًا: لو قيل لأفصح العرب لسانًا صف لنا المعدوم الذي لا وجود له، لما وسعته اللغة العربية الفصيحة كلها أن يصف المعدوم بمثل ما وصف هذا الشيخ -وهذا متلقيه من كتب-، بمثل ما وصف هذا الشيخ ربه، حيث قال: لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، لا
[ ٦ / ١٥٨ ]
أمام، ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، هذا هو العدم يا جماعة.
بعض الفلاسفة ضغثًا على إبَّاله كما يقال، يقولون: لا متصل به ولا
منفصلًا عنه.
إذًا: هذا هو المعدوم، هذه وحدة الوجود فعلًا، لكن غلاة الصوفية يعلنوها صريحةً، لا هُوْ إلا هُوْ.
كل ما تراه بعينك فهو الله، لكن ناس آخرون على طريقة اللف والدوران، ويُصَلُّون ويصومون، لكن هذا مما تأثر به من منطق الفلاسفة، وما استطاعوا بسبب جهلهم بكتاب الله، وبحديث رسول الله، أن يردوا ذلك لمثل ما سمعتم من كلام عبد الله بن المبارك: «الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه».
فهذه قصة وقعت لابن تيمية ﵀ مع المشايخ، والحاكم كما تعلمون أغلب الحكام ليس عندهم علم، لكن المفروض فيهم أن يكون عندهم عقل بالمعنى القياسي، يميزوا الصواب من الخطأ، فهو بعقله وفطرته السليمة قال عن المشايخ أهل العلم: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم. فعلًا كلام صحيح.
"الهدى والنور" (٦٩/ ١٣: ٣٦: ٠٠)
[٨٤٢] باب الرد على المجسمة والمشبهة والمعطلة
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية: "وتعالى [أي ربنا] عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات"].
قلت: مراد المؤلف ﵀ بهذه الفقرة الرد على طائفتين:
[ ٦ / ١٥٩ ]
الأولى: المجسمة والمشبهة الذين يصفون الله بأن له جسمًا وجثة وأعضاء وغير ذلك تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
والأخرى: المعطلة الذين ينفون علوه تعالى على خلقه وأنه بائن من خلقه. بل يصرح بعضهم بأنه موجود بذاته في كل الوجود وهذا معناه حلول الله في مخلوقاته. وأنه محاط بالجهات الست المخلوقة وليس فوقها فنفى المؤلف ذلك بهذا الكلام. ولكن قد يَستغِلُّ ذلك بعض المبتدعة ويتأولونه بما قد يؤدي إلى التعطيل كما بينه الشارح رحمه الله تعالى وقد لخص كلامه الشيخ محمد بن مانع عليه الرحمة فقال (ص ١٠):
ومراده بذلك الرد على المشبهة، ولكن هذه الكلمات مجملة مبهمة وليست من الألفاظ المتعارفة عند أهل السنة والجماعة، والرد عليهم بنصوص الكتاب والسنة أحق أولى من ذكر ألفاظ توهم خلاف الصواب. ففي قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ رد على المشبهة والمعطلة، فلا ينبغي لطالب الحق الالتفات إلى مثل هذه الألفاظ ولا التعويل عليها، فإن الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منعوت بنعوت العظمة والجلال، فهو سبحانه فوق مخلوقاته مستو على عرشه المجيد بذاته، بائن من خلقه، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، ويأتي يوم القيامة وكل ذلك على حقيقته، ولا نؤوله، كما لا نؤول اليد بالقدرة، والنزول بنزول أمره، وغير ذلك من الصفات، بل نثبت ذلك إثبات وجود لا إثبات تكييف. وما كان أغنى الإمام المصنف عن مثل هذه الكلمات المجملة الموهمة المخترعة، ولو قيل إنها مدسوسة عليه وليست من كلامه لم يكن ذلك عندي ببعيد إحسانًا للظن بهذا الإمام، وعلى كل حال فالباطل مردود على قائله كائنًا من كان، ومن قرأ ترجمة المصنف الطحاوي لا سيما في لسان الميزان عرف أنه من أكابر
[ ٦ / ١٦٠ ]
العلماء وأعاظم الرجال وهذا هو الذي حملنا على إحسان الظن فيه في كثير من المواضع التي فيها مجال لناقد. انتهى كلام ابن مانع ﵀.
التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٣ - ٣٦).
[٨٤٣] باب الرد على المشبهة
[قال الإمام معلقًا عبى قول صاحب الطحاوية:"ولا يشبه الأنام"]:
فيه رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ﷾ قال ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١).
وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في " الفقه الأكبر ": لا يُشبه شيئًا من خلقه ولا يُشبِههُ شيءٌ من خلقه. ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين: يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا. انتهى.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٣)
[٨٤٤] باب رد تهمة التجسيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية
[قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو" بعد أن ساق نصوصًا كثيرة عن السلف تثبت أن التفويض لم يكن مذهبهم كما يدَّعي أهلُ الأهواء]:
قلت: فهذا قُلٌّ من جُلٍّ النصوص التي سنراها في الكتاب وهي كلها متفقة على أن السلف كانوا يفهمون آيات الصفات ويفسرونها ويعينون المعنى المراد منها على ما يليق به ﵎.
[ ٦ / ١٦١ ]
فلماذا لا يرفع الكوثري وأمثاله من الخلف رؤوسهم إلى هذه النصوص، ويظلون يصرون على أن السلف كانوا لا يفهمونها وإنما كانوا يُجرونها على ألسنتهم فقط دون تدبر لها وبيان لمعناها؟
والجواب: أحسن أحواله أن يكون حاله كحال الجويني الذي كان متأثرًا بشيوخه من علماء الكلام، ولكنه لما كان مخلصا في علمه لله تعالى هداه الله ﵎ إلى عقيدة السلف في الاستواء وغيره مصداقًا لقوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ فهل كان الكوثري وأمثالُه من الطاعنين في أئمة الحديث والسلف مخلصين أيضا؟
من الصعب جدا أن نجيب عن هذا بالإيجاب؛ لكثرة ما نرى من عدائه الشديد - في كل تعليقاته - لأئمة السلف والتوحيد واستمراره على اتهامهم بالتجسيم والتشبيه وبصورة خاصة لابن تيمية منهم، مع رد هذا على المجسمة ومبالغته في ذلك في سائر كتبه، فلا نكاد نراه في صدد الرد على المعطلة إلا ويشرك معهم في الرد المجسمة كما يعرف ذلك كل من له دراسة لكتبه رحمه الله تعالى، ومن كلامه في هذا الصدد قوله في " الحموية " (ص ١٦٠):
"فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين، قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه ".
قلت: وهذا قليل من كثير من كلامه الذي يدل دلالة قاطعة على أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو منزه وليس بمشبه أو مجسم كما يفتري الكوثري، وقد نقل
[ ٦ / ١٦٢ ]
صديقه (١) العلامة أبو زهرة في كتابه " ابن تيمية " نصوصًا كثيرة من كلام ابن تيمية في موضع الصفات الإلهية ولخص عقيدته فيها تلخيصا جيدًا لا تحامل فيه بل إنه قد برأه مما اتهمه الكوثري فقال (ص ٢٦٤):
"وليس في ذلك ما يتنافى مع التنزيه أو يخالف التوحيد أو يثبت مشابهة بينه سبحانه وبين الحوادث ".ثم قال (ص ٢٦٦ "):
"وينتهي بلا ريب إلى أن يثبت لله ﷾ الاستواء واليد وغير
ذلك ولكن يقول: إن هذا كله بما يليق بذاته تعالى، لا نعرف حقيقته وعلينا
الإيمان به".
ولكنه عاد فنقل عن كتاب " رد شبه التشبيه " لابن الجوزي كلاما له ينتصر فيه للتأويل ويرد به على من يرميهم بالتشبيه فقال أبو زهرة (ص ٢٧٢) عقبه: " وهو مؤدى كلامهم، ومهما حاولوا نفي التشبيه فإنه لاصق بهم، وإذا جاء ابن تيمية من بعده بأكثر من قرن وقال: إنه اشتراك في الاسم لا في الحقيقة فإنهم إن فسروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الاقتعاد والجلوس، والجسمية لازمة لا محالة، وإن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل وقد وقعوا فيما نهوا عنه "
فأقول: " رويدك يا فضيلة الشيخ فأنت تعلم أن ابن تيمية لا يفسر الاستواء بشيء مما ذكرت وإنما بالعلو، وكتبه طافحة بذلك فلماذا أوهمت القراء خلاف الواقع، فهلا جريت على سننك في نقل أقوال ابن تيمية وأنت تشرح عقيدته ورأيه، أم ضقت ذرعًا بالتزام النقل الصحيح فأخذت تنسب إليه ما ليس بصحيح تارةً بالتلويح كما فعلت هنا وتارة بالتصريح كما فعلت في كتابك الآخر " المذاهب
_________________
(١) كما صرح به في " المذاهب الإسلامية " (ص ٢٩٠). [منه].
[ ٦ / ١٦٣ ]
الإسلامية " إذ قلت في بحث " السلفية " والإمام ابن تيمية (ص ٣٢٠):
" وهكذا يثبتون كل ما جاء في القرآن والسنة عن أوصافه سبحانه ويثبتون الاستقرار على العرش "
فأين رأيت ابن تيمية يقول بالاستقرار على العرش علمًا بأنه أمر زائد على العلو وهو مما لم يرد به الشرع، ولذلك رأينا مؤلفنا الحافظ الذهبي قد أنكر على بعض القائلين بصفة العلو التعبير عنها بالاستقرار كما نراه في الترجمة (١٥٨، الفقرة ٣٢٢)، ويقول أبو زهرة أيضًا (ص ٣٢٢) من كتابه المذكور:
" يقرر ابن تيمية أن مذهب السلف: هو إثبات كل ما جاء في القرآن من فوقية وتحتية واستواء على العرش " وقال في الصحف التي قبلها: " فيكرر هذا المعنى فيقول مؤكدًا أن الله ينزل ويكون في فوق وتحت من غير كيف ".
فأين قرر ابن تيمية وأثبت لله تعالى صفة التحتية؟ غالب الظن أن الشيخ أبا زهرة فهم من أحاديث النزول التحتية المزعومة، ثم عزا ذلك لابن تيمية، كما فهم من آيات الاستواء: الاستقرار ثم عزاه إليه، وكل ذلك خطأ عليه كما يعلم ذلك من درس كتبه دراسة تفُّهم ووعي لا دراسة سريعة من أجل النقل عنه في ترجمته وتسويد صفحاتها.
ومثل هذا العزو منه لابن تيمية دلني على أنه لم يفهم ابن تيمية وعقيدته وأفكاره فهمًا جيدًا بل لعله لم يقرأ كل ما لابن تيمية من البحث والتحقيق في المسائل التي أثارها الشيخ أبو زهرة في ما طبع من كتب ابن تيمية فضلًا عن المخطوطة منها ككتابه المطبوع في المكتب الإسلامي: " شرح حديث النزول " فإن ابن تيمية ﵀ قد قرر فيه أنه لا يلزم من نزوله تعالى أن يصير العرش فوقه
[ ٦ / ١٦٤ ]
تعالى وهو تحت العرش؛ فإن هذا من طبيعة المخلوق والله ليس كمثله شيء كما سيأتي الإشارة إلى ذلك في ترجمة الإمام إسحاق بن راهويه من الكتاب تعليقًا على الفقرة (٢١١) (١) بل قد قال ابن تيمية في " منهاج السنة " (٢/ ٢٤٨):
(ومن ظن من الجهال أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا كما جاء الحديث سيكون العرش فوقه ويكون محصورًا بين طبقتين من العالم؛ فقوله مخالف لإجماع السلف مخالف للكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه "
وإن مما يؤكد ما ذكرته من عدم فهمه لابن تيمية أنه لم يقتنع لما لخصه هو نفسه عن ابن تيمية (ص ٢٧٦) من كتابه " ابن تيمية " فقال:
" إن ابن تيمية يرى أن الألفاظ في اليد والنزول والقدم والوجه والاستواء على ظاهرها ولكن بمعان تليق بذاته الكريمة كما نقلنا من قبل ".
لم يقتنع بصواب رأي ابن تيمية هذا مع أنه الحق الصراح بل أخذ يرد عليه بكلام هزيل مضطرب لا طائل تحته وهذا أحسن ما يقال فيه فقال عقبه:
" ومن هنا نقف وقفة: إن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها، وإذا أطلقت على غيرها سواء أكان معلومًا أم مجهولًا فإنها قد استعملت في غير معناها، ولا تكون بحال
من الأحوال مستعملة في ظواهرها بل تكون مؤولة، وعلى ذلك يكون ابن تيمية قد فر من التأويل ليقع في تأويل آخر، وفر من التفسير المجازي ليقع في تفسير مجازي آخر ".
_________________
(١) الصفحة (١٨١). [منه].
[ ٦ / ١٦٥ ]
فقل لي بربك - أيها القارئ اللبيب - هل يقول هذا في ابن تيمية عالم كأبي زهرة فهم كلام ابن تيمية الذي نقله هو نفسه أكثر من مرة كقوله أنه لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحقيقة. ويبين ذلك ما نقله (ص ٢٦٥) عن " التدمرية " لابن تيمية (ص ١٢) أنه قال:
" إذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم؛ فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصص والتقيد، فلا يقول عاقل إذا قيل له: إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود: " إن هذا مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود [وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه لا يشركه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما] (١).
ثم علق أبو زهرة على هذا الكلام بما يوضحه قال:
" ولذا يقول ابن تيمية في هذا المقام:
" قد سمى الله نفسه حيًاّ فقال سبحانه: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وسمى بعض خلقه حيًاّ فقال: ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله " الحي " اسم لله مختص به وقوله ﴿يخرج الحي من الميت﴾ اسم للحي المخلوق مختص به وإنما يتفقان إذا أطلقا وجُرِّدا عن التخصيص "
_________________
(١) زيادة من (التدمرية) ص (١٣ - ١٤) طبع المكتب الإسلامي. [منه].
[ ٦ / ١٦٦ ]
فهل تجد أيها القارئ أثرا للتأويل الذي زعمه أبو زهرة في تفسيره لهذه الأسماء والآيات، أم هو يصرح بأنها كلها حقائق تتناسب مع ذواتها وتختلف حقائقها باختلاف ذواتها، غير أن ما في الأمر أن ما كان منها محسوسًا فمن الممكن أن نعرف حقيقته بخلاف ما كان غائبًا عنا كصفات الله تعالى بل والجنة والنار فلا نعرف حقيقته، فقد ضرب لك أمثلة توضح للناس هذا الموضوع الخطير الذي كان الجهل به سببًا كبيرًا لانحراف الناس في الصفات عن طريق السلف. فنحن جميعًا نقول: " الله موجود " كما نقول: " الخلق موجود "، ووجود كل منهما حقيقة تتناسب مع ذواتهما وتقول: " الله حي " و" وأنا حي " حياة كل منهما حقيقة تتناسب مع ذواتهما، وهكذا طرد ذلك في جميع الأسماء والصفات تجد كلام شيخ الإسلام واضحًا بينًا مقنعًا لكل ذي لب، وإذا كان الشيخ أبو زهرة لم يفهم كلام ابن تيمية وبناءً عليه نسب إليه التأويل خطأً، فهذا الخطب فيه سهل جدًا بالنسبة لخطأ آخر في كلامه السابق فإنه إذا كان يعتقد " أن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية، ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها، وإذا أطلق على غيرها سواء أكان معلومًا أم مجهولًا فإنها قد استعملت في غير معناها " إلخ كلامه السابق.
أقول: إذا كان الشيخ يعتقد هذا فإن معنى كلامه - لو كان يدري ما يقول - وهو يجادل شيخ الإسلام متأثرًا بعلم الكلام: أن وجود المخلوق وحياته وعلمه واستواؤه وغير ذلك كله حقيقة، وأما وجود الخالق سبحانه وحياته وعلمه واستواءه وغير ذلك من صفاته فهي مجاز وليست بحقيقة، ولازمه أن الله غير موجود، وليس بحي، ولا هو يعلم، ولا هو مستو على العرش، ولا ولا إلخ ما هنالك من أساليب معروفة يقول بها الفلاسفة وبعض من تأثر بهم من المعتزلة
[ ٦ / ١٦٧ ]
وعلماء الكلام، نقول هذا لأن الشيخ - هدانا الله وإياه قال: " إن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسيةً " ووجوده الله وعلمه وحياته وسائر صفاته ليست حسية، وعليه فلا تطلق عليها كما قال إلا مجازًا فهل أحس الشيخ أين طَوَّحت به كلمته هذه؟ فإن كنت لا تدري فأقول: قد عرفنا معنى الوجود المحسوس والحياة المحسوسة والعلم المحسوس والاستواء المحسوس، فما هو معنى هذه الأسماء إذا أضيفت إلى الله تعالى وهو غير محسوس؟ فالجواب: إنه لا معاني لها وإنما هي أسماء له فقط كما تقوله المعتزلة تمامًا كما حكاه الشيخ نفسه عنهم فإنه قال في " المذاهب " (ص ٣٠٣):
" نفى المعتزلة الصفات كما قررنا وأثبتها الأشعري، وقالوا إنها شيء غير الذات فقد أثبتوا القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وقالوا: إنها غير الذات، وقال المعتزلة لا شيء غير الذات وإن المذكور في القرآن من مثل قوله تعالى: " عليم، وخبير، وحكيم، وسميع، وبصير، هو أسماء له تعالى ".
أي لا معاني لها وإنما هي كالأعلام المحضة المترادفة، ولذلك نعى ذلك عليهم العلماء ونسبوهم إلى التعطيل كما هو مبين في كتب شيخ الإسلام وغيره.
فهل يلتزم فضيلة الشيخ أبو زهرة ما لزمه من كلامه السابق من التعطيل الذي حكى مثله عن المعتزلة فيكون على ذلك مثلهم منكرًا لصفات الله تعالى الثابتة بالقرآن والسنة، أم يتراجع عن تلك الكلمة لأنها زلة لسان ويلتزم المذهب الذي شرحه ابن تيمية شرحًا ليس من السهل الاستدراك عليه فيه، ومنه الاستواء؛ فيؤمن به على أنه صفة حقيقية لله تعالى تليق به، كما ينبغي أن يؤمن كذلك بجميع صفاته ﷿ كالعلم والكلام ولا يصرفها إلى المجاز فيقع في التعطيل؟ كنت أرجو أن أعتبر تلك الكلمة منه زلة لسان صدرت منه، ولكن صدني عن ذلك هو نفسه
[ ٦ / ١٦٨ ]
حيث رأيته قد مال كما سيأتي إلى تفسير " الاستواء " بالمعنى المجازي وهو السلطان الكامل، وتفسير "النزول " بفيوض النعم الإلهية دون أن يتنبه الشيخ المسكين أن مثل هذا التفسير لازمه الكفر لأن تمام حديث النزول - كما يعلم - فيقول: ألا هل من داع فاستجيب له ألا ألا فهل الفيوض هي التي تستجيب وتغفر وتعطي أم الله ﷿ لا شريك له.
وجملة القول فيما نقله الكوثري عن ابن تيمية أنه أراد أن يكون معه نزيهًا أديبًا غير متأثر بموقف صاحبه الكوثري منه، ولكنه - مع الأسف - تغلب عليه أثر الصحبة فأخذ يطعن في عقيدة ابن تيمية ولكن تلويحًا لا تصريحًا كما يفعل صاحبه، وينسب إليه صراحةً ما لم يقله كما تقدم بيانه، ولا أقول إنه فعل ذلك عمدًا كصاحبه لا؛ وإنما أُتي من سوء فهمه لكلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومما يؤكد ذلك قوله عقب ما سبق نقله من كلامه الذي فيه " وعلى ذلك يكون ابن تيمية قد فر من التأويل ليقع في تأويل آخر ".فقال (ص ٢٧٧):
" ثم ما المآل وما الغاية من التفسير الظاهري أيؤدي إلى معرفة حقيقة أم لا يؤدي إلا إلى متاهات أخرى إنه يقول " يعني ابن تيمية ": إن الحقيقة غير معروفة فيقول: إن الله له وجه غير معروف الماهية وله استواء غير معروف الماهية ويد و
إننا بلا شك إذا فسرنا تلك المعاني (كذا قال ولعله سبق قلم وإنما أراد الألفاظ) بتفسيرات لا تجعلنا نحمله على مجهولات يكون ذلك التفسير أحرى بالقبول ما دامت اللغة تتسع له، وما دام المجاز بينا فيها؛ كتفسير اليد بمعنى: القوة أو النقمة، والاستواء: بمعنى السلطان الكامل، وتفسير النزول: بفيوض النعم
[ ٦ / ١٦٩ ]
الإلهية إلخ، ولا يعترض بأن (١) ذلك ليس فيه أخذ بالظاهر؛ لأن الذي اختاره ليس فيه أخذ بالظاهر ".
كذا قال ولو أردنا أن نبين ما تحته من الخطأ والبعد عن جادة الصواب الذي لا يجوز أن يقع فيه عالم مثله لطال بنا المقام أكثر مما تتحمله هذه المقدمة، ولكني أقول للشيخ كلمة موجزة:
ألا يكفيك يا فضيلة الشيخ مآلا وغاية أن تفهم أن الاستواء هو صفة لله غير صفة النزول، وأن هذه الصفة غير صفة السيطرة والإنعام وهكذا، كما يكفيك - فيما أرجو - أن تعتقد أن صفة السمع غير صفة البصر وأنهما غير صفة العلم، وأن لا تعطلهما وتنكر وجودهما بتأويلك إياهما بما يعود إلى أن المراد بهما صفة العلم كما يقوله بعض المعتزلة، وإن كان كثيرون منهم ينكرون جميع صفات الذات لله ﵎ كما نقلناه عنهم فيما سبق؟
بلى إنه يكفيك هذا، وإلا فما الفرق بين تفسيرنا تبعا للسلف لهذه الصفات على ظاهرها مع اعتقاد أن حقيقتها لا يعلمها إلا المتصف بها ﷾؛ وبين إنكارك الاستواء مثلًا وإيمانك - فيما أظن- بتفسيرنا لسائر الصفات ككونه حيًاّ قديرًا مريدًا حكيمًا إلخ صفاته تعالى تفسيرًا لها على ظاهرها دون تأويل أيضًا مع اعتقاد أن حقيقتها لا يعلمها إلا الله؟
الذي أعتقده وأقطع به: أن كل عاقل من أهل العلم لا بد من أن يسلم بأنه لا فرق بين هذا وهذا أبدًا؛ إذ الكل يعود إلى صفات ذات الله تعالى، فكما أننا نؤمن
_________________
(١) في الأصل: " مختصر العلو": "بأمن" وهو خطأ ظاهر.
[ ٦ / ١٧٠ ]
بذاته تعالى دون أن نعلم كنهها وحقيقتها، فكذلك القول في صفاته سبحانه ولا فرق، وإذا كان الأمر كذلك فإما أن يؤمن الشيخ معنا بحقائق الصفات ومنها الاستواء على ما شرحنا، وإما أن يتأولها كلها وبذلك يُلْزَم بإنكار وجود الله تعالى؛ لأنه لا يعرف حقيقته، وكل ما لا يعرف حقيقته كالاستواء فهو يتأوله، وهذا ما وقع فيه الباطنية وكثير من الفلاسفة وقارب ذلك المعتزلة ومن تأثر بهم من علماء الكلام كما فصل ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتبه الكثيرة جزاه الله عن الإسلام خيرًا.
"مختصر العلو" (ص٣٨ - ٦٤).
[ ٦ / ١٧١ ]
جماع أبواب ذكر بعض من رجع
إلى عقيدة السلف في الأسماء والصفات
[ ٦ / ١٧٣ ]
[٨٤٥] باب ذكر ما آلت إليه عقيدة الجويني إمام الحرمين وأبيه
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني: أنبأنا عبد القادر الحافظ بِحرَّان، أنبأنا الحافظ أبو العلاء، أنبأنا أبو جعفر بن أبي علي الحافظ، قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فقال كان الله ولا عرش، وجعل يتخبط في الكلام، فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيله ..؟ فقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح ياللحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع وصارت قيامة في المسجد، ونزل ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة. فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون سمعناه يقول حيرني الهمداني، توفي إمام الحرمين في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وله ستون سنة، وكان من بحور العلم في الأصول والفروع يتوقد ذكاء.
[قال الإمام في "مختصر العلو"]:
قلت: وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحُفَّاظ، وأبو جعفر اسمه محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمداني مات سنة (٥٣١)، وقد وصفه ابن تيمية في " مجموعة الفتاوى" (٤/ ٤٤) بـ" الشيخ العارف ".
ويبدو لي أن هذه الحيرة كانت قبل استقرار عقيدة أبي المعالي الجويني على
[ ٦ / ١٧٥ ]
المذهب السلفي، بل لعلها كانت المنطلق إلى هذا الاستقرار الذي أبان عنه فيما سبق من كلامه في " الرسالة النظامية " (١)، وما أشبه حاله بحال أبيه العلامة أبي عبد الله بن يوسف الجويني، فقد كان برهة من الدهر متحيرًا في هذه المسألة " الاستواء " وسواها من مسائل الصفات، بسبب تأثره بعلم الكلام الذي تلقاه عن شيوخه، ثم استقر أمره - والحمد لله - على العقيدة السلفية فيها، كما شرح ذلك هو نفسه أحسن الشرح في رسالته القيمة في " إثبات الاستواء والفوقية " وهي مطبوعة في المجلد الأول من " مجموعة الرسائل المنيرية " (ص ١٧٠ - ١٨٧) وإني لأستغرب كيف فات ذكر هذا الإمام على الحافظ الذهبي في جملة
هؤلاء الأئمة الإعلام الذين قالوا بقول السلف في هذه المسألة الهامة، ولكن جَلَّ من لا ينسى.
" مختصر العلو" (ص٢٧٧).
[٨٤٦] باب هل تصح نسبة كتاب «دفع شبة التشبية» لابن الجوزي؟ وبيان رجوع ابن الجوزي لمذهب السلف
سؤال: فضيلة الشيخ، هناك استفسار لأني قرأت أنا في كتاب المدعو السقاف، قرأت في المقدمة أنه يقول: أن الإمام الذهبي ﵀ قد ألف كتابه العلو وهو في العشرينات من عمره، فهل صحيح
الشيخ: يا أخي! بارك الله فيك، أنا قلت لك في السيارة لا تُقِم وزنًا لهذا
_________________
(١) وقد أثبتنا كلامه في موسوعتنا هذه تحت باب" إثبات صفة الاستواء لله تعالى والرد على من أنكر ذلك والرد على شبهة المعطلة: أن إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه، مع نقل مهم عن الإمام الجويني حول ذلك كله" ..
[ ٦ / ١٧٦ ]
الرجل .. هذا رجل دجال، إذا كان ألف هذا الكتاب في أول أمره وهل مات عنه وهو راض عنه أم منكر له؟ هذا كله تركيب كلام من أجل توهيم على العوام، لا تُقِم لهذا وزنًا يا أخي! هذا رجل كذاب ..
مداخلة: هناك كتاب طبع حديثًا: «دفع شبه التشبيه»، هل يصح نسبته إلى
ابن الجوزي؟
الشيخ: مع الأسف النسبة إلى ابن الجوزي صحيحة، وابن الجوزي من بين الحنابلة .. جماهير الحنابلة في الصفات أشعري، ثم جاء هذا السخاف هذا فطبع هذا الكتاب على كيفه! كما يقولون عندنا في الشام، وعلق عليه تعليقات زاد في الطين بلة وفي الطنبور نغمة، وكلما جاء ابن الجوزي بنقل عن بعض الحنابلة المتأخرين وضع هو السخاف في طبعته الجديدة بين هلالين: فلان مثلًا ابن أبي يعلى المجسم .. المجسم، فالذي لا يعرف الحقيقة يتوهم أن هذه الصفة من المؤلف، وهو ابن الجوزي بينما هو الذي طبع هذا الكتاب، وهو السقاف هذا .. هو حشر عديدًا من هذه الكلمات في ترجمة كثير من الحنابلة تضليلًا أيضًا للعوام.
الكتاب صحيح النسبة إلى ابن الجوزي، لكن ابن الجوزي له كلمات في تفسيره المسمى بـ" زاد المسير" يخالف كثيرًا مما ذكره في هذا الكتاب.
علي حسن: فضيلة الشيخ حول هذا، الله يبارك فيكم أستاذي، شيخ الإسلام ابن تيمية ينقل «في درء التعارض» عن ابن الجوزي أنه رجع إلى عقيدة السلف في آخر عمره وذلك في كتاب له سماه «الانتصار لأصحاب الحديث»، وهناك كتاب شيخنا طبع قريبًا منذ نحو عشر سنوات في مصر، عندي منه نسخة اسمه: مجالس في الآيات المتشابهة ..
الشيخ: له؟
[ ٦ / ١٧٧ ]
مداخلة: لابن الجوزي، يسرد فيه عقيدة السلف تمامًا، ولعل هذا شيخنا بعد ما كتب له أبو إسحاق العلفي وهو أحد معاصريه كما ينقل ابن رجب في ذيل الطبقات كتب له رسالة يعاتبه فيها، وهي رسالة قوية جدًا في الحقيقة ويشتد عليه، فيقول: كيف تخالف إمامك .. كيف تخالف المنهج الحق .. كيف كذا .. فلعل هذا، يعني: فلعل رجوعه أثر عن ذلك الإنكار الذي حصل في عصره.
الشيخ: هذا الكتاب أولى أن يقال بأنه ألفه ابن الجوزي في حداثة علمه ثم رجع عنه، وهذه فائدة سجلت والحمد لله، لكن أنا رأيت له بعض الكلمات في تفسيره يخالف فيها ما ذكره ..
مداخلة: مسألة الاستواء ﴿الرحمن على العرض استوى﴾ يَردُّ فيها على من أوَّل الاستواء بالاستيلاء، بينما هناك يفسر الاستواء بالاستيلاء.
الشيخ: هو هذا! وهذا أنا ذكرته في بعض تعليقاتي التي ستخرج إن
شاء الله.
مداخلة: فضيلة الشيخ ما قرره السقاف في مقدمة هذا الكتاب من رد خبر الآحاد في مجال العقيدة، ما تعليقكم على هذا الأمر؟
الشيخ: أيضًا هذا ..
علي حسن: أخونا مشهور شيخنا الآن يتعقب هذا الكلام كله.
الشيخ: نحن لنا رسالتان مطبوعتان من قديم في أن حديث الآحاد تثبت به العقيدة، والرد على المنكرين لذلك، فإذا تيسر لكم الاطلاع عليه فيكون القضاء المبرم على هذه الدعوى الباطلة، نعم.
"الهدى والنور" (٧٩٥/ ١٤: ٥٣: ٠٠)
[ ٦ / ١٧٨ ]
أسماء الله تعالى
(جماع أبواب قواعد في أسماء الله تعالى)
[ ٦ / ١٧٩ ]
[٨٤٧] باب تقسيم أسماء الله الحسنى من حيث معرفة الناس بها من عدمها
السائل: حديث الرسول - ﵌ -: «اللهم أسألك بكل اسم هو لك» (١) إلى نهاية الحديث، إلى أن قال فيه: «أو علمته أحد من خلقك» فهل هذا يعني نريد توضيح لهذه الكلمة، وهل هذا يعني أن هناك من الخلق من يعلم بأسماء يختص الله ﷿ بها أحد من الناس؟
الشيخ: لا ليس هذا معنى الحديث؛ لأنه جاء في فيما بعد: «أو استأثرت به بعلمك» فليس معنى: ما استأثر به يعلمه أحد، لكن هناك الحديث الذي جاء في الصحيحين مختصرًا، ثم جاء مفصلًا في سنن الترمذي وغيره، التفصيل لا يصح، أما المختصر فهو الصحيح، وهو قوله ﵊: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» فأسماء الله ﷿ التي يترتب على إحصاءها هذا الوعد الصادق، وهو أن يدخل الجنة من أحصاها فهي
تسعة وتسعون، لكن هذا لا يعني أن أسماء الله ﷿ محصورة في تسعة وتسعين اسمًا.
نستطيع أن نقول: بأن أسماء الله ﷿ تنقسم إلى قسمين:
قسم استأثر به ﷿ بعلمه الخاص الذي لا يشاركه فيه أحد، وقسم مما علمه للناس: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة:٢٥٥) فالله ﷿ هذا القسم الذي يتعلق بالعباد وبعلم العباد ينقسم إلى قسمين:
_________________
(١) "الصحيحة" (١/ ٣٣٧).
[ ٦ / ١٨١ ]
قسم يشترك فيه عامة المسلمين من خواصهم من علمائهم، فهي الظاهرة في بعض نصوص الأحاديث الصحيحة فضلًا عن القرآن الكريم، لكن هناك أسماء أخرى لا يشترك كل الناس في معرفتها إلا من كان على سعة وبسطة من العلم، فهذا هو المقصود: "أو علَّمته أحدًا من خلقك" وليس مما استأثر به هو ﵎، وضح أظن الآن المراد تمامًا؟
يعني مثلًا: هناك حديث يقول: «يا حنان يا منَّان» (١) فهذا الاسم لإثباته ينبغي أن نعرف الحديث الذي جاء فيه هذا الاسم أولًا، ثم ينبغي أن نعرف: هل هذا الحديث ثابت وصحيح ثانيًا أم لا؟ هل كل الناس يشتركون في معرفة هذا؟ الجواب: لا، فإذًا: من وقف على هذا الحديث ثم تبين صحة هذا الحديث عرف أن من أسمائه ﵎، الحنان المنان، أما الذين لا علم عندهم فيقولون: إنه سميع وبصير؛ لأن هذه الأسماء مبثوثة في آيات كثيرة فيشترك في معرفتها كل الناس، أما بعض الأسماء التي وردت في بعض النصوص من السنة وقد يكون شيء من ذلك أيضًا في القرآن فيختص بمعرفة ذلك بعض الخاصة من أهل العلم.
هذا الذي يعني به الحديث الذي ذكرته آنفًا.
مداخلة: هناك نقطة .. بالنسبة لأسماء الله وقفت على أربع مؤلفات صغيرة لبعض العلماء المعاصرين من جهة، فحصرت الأسماء الموجودة وجدتهم مختلفين يعني: من هذا من هذا كل واحد عنده زيادة أسماء، وهذا لا يأتي ببعض الأسماء، فلما جمعت الأسماء وجدت مائة وسبعة عشر، كلهم وقفوا على صحتها هذا أيضًا دليل على أن بعضهم علم وبعضهم ..
_________________
(١) "ضعيف الجامع" (رقم٤٨٢٤).
[ ٦ / ١٨٢ ]
الشيخ: هذا صحيح، لكن على كل حال: هذا ينبغي أن نلاحظ أن الذين ذكروا بعض الأسماء هل ذكروا أدلتها؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ومن السنة الصحيحة، فحينئٍذ يكون الملاحظة في محلها، لكنهم قد يذكرون بعض الأحاديث، وقد لا تصح هذه الأحاديث.
"فتاوى جدة - الأثر -" (٣٠/ ٠١:٠٨:٠٤)
[٨٤٨] باب وهل تشتق الأسماء من الصفات؟
سؤال: كلام السائل، قال: روى الإمام مسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﵌ -: «أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» قال السؤال: هل يجوز تسمية الله تعالى بالطيب واعتباره من أسمائه تعالى؟
الشيخ: نعم، يقال: الطيب، كما جاء في هذا الحديث في صحيح مسلم،
«إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا» يظهر أن هذه صفة وليست اسمًا علمًا يوصف
ربنا ﷿ بهذه الصفة ولا يطلق عليه اسمًا، هذا هو الجواب عن السؤال،
أنت السائل؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: تريد شيئًا آخر؟
مداخلة: أريد يا شيخ أيضًا: هل يشتق من الصفات أسماء لله ﷿؟
الشيخ: لا.
[ ٦ / ١٨٣ ]
مداخلة: طيب! هذه صفة مشتق منها اسم.
الشيخ: وما هي؟
مداخلة: إن الله طيب، صفة لله ﷿.
الشيخ: نصفه لكن لا نسميه.
مداخلة: لا نسميه، أي: لا نقول: إن من أسماء؛ لأني حضرت مجلسًا لأحد المشايخ فكان يطلب فوائد من هذا الحديث، فذكر أحد الجالسين من الطلبة بهذا اللفظ قال: نستفيد من هذا الحديث أن الله ﷿ يسمى بالطيب، فسألت هذا الشيخ قلت له: يا شيخ، هل هذا صحيح، يشتق من الصفة اسم؟ قال: نعم، يسمى الله ﷿ بالطيب،
الشيخ: لو قال: الطيب، كما جاء في بعض الأسماء كنا نسميه، لكن هو جاء هناك صفة لله ﷿، فهو صفة.
مداخلة: من الخطأ أن يطلق اسمًا.
الشيخ: نعم، اسمًا هكذا مفردًا لا.
"رحلة النور" (٤١أ/٠٠:٠٤:٢٨)
[٨٤٩] باب إذا جاءت صفة لله على وزن اسم الفاعل فهل نعدها اسمًا لله تعالى، وهل "الدليل" من أسماء الله؟
مداخلة: هنا يقول السائل: في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف:١٨٠) ومعلوم أن أسماء الله توقيفية لكن نجد بعض السلف كابن منده في كتابه التوحيد يجعل من أسماء الله صفات لله جاءت على وزن قال تعالى:
[ ٦ / ١٨٤ ]
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (الفرقان:٣١) و"الدليل" كما جاء عن الإمام أحمد يا دليلَ الحائرين، وذكره شيخ الإسلام، فما الضابط في ذلك لديكم؟
الشيخ: هو ما جاء في السؤال أسماء الله توقيفية، فلا يشتق لله ﷿ اسم من صفة تكون ثابتة له ﵎، فالتوقف في هذا الموقف أهم شيء فيما أنه يتعلق في ذات الله ﵎، فلا يجوز مناداته ولا تسميته إلا بما ثبت ذلك في السنة، اللهم إلا إذا جرى على لسان أحد لفظ ولم يلتزمه فلا بأس من وراء ذلك؛ لأن المعنى من حيث دلالة العمومات من الأدلة فهو صحيح، فالله ﵎ دليل الحائرين، ولكن لم يأت هذا في أسمائه ﵎ لا في الكتاب ولا في السنة فالأولى عدم قيامه، نحن نقول مثلًا: الله موجود، وهذا تعبير عن حقيقة قائمة ووجوده ليس كوجود المخلوقات لكن ليس من أسمائه تعالى أنه موجود، كما أننا قد نقول بالنسبة لرب العالمين أنه سخي لكن لا نسميه؛ لأنه ليس من أسمائه السخي وإنما هو الكريم وعلى هذا نلتزم الوقف في أسمائه ﵎، نعم.
مداخلة: السؤال ما الضابط من ناحية ما ورد في السؤال على وجه اسم الفاعل مثل هادي هل نجعلها أسم من أسماء الله تعالى هادي الهادي؟
الشيخ: إذا لم يأت ما ينفي ذلك فلا أرى مانعًا في ذلك
"رحلة النور" (٣١ب/٠٠:٠٤:٢٦)
[٨٥٠] باب ما قد يستدل به على أن الاسم والمسمى واحد
[قال رسول الله - ﵌ -]:
" إن هذا الحي من مضر، لا تدع لله في الأرض عبدًا صالحًا إلا فتنته وأهلكته حتى يدركها الله بجنود من عباده، فيذلها حتى لا تمنع ذنب تلعة ".
[ ٦ / ١٨٥ ]
[قال الإمام]:
وللحديث شاهد بنحوه، ولفظه: " لتضربن مضر عباد الله حتى لا يعبد لله اسم، وليضربنهم المؤمنون حتى لا يمنعوا ذنب تلعة ".أخرجه أحمد (٣/ ٨٦ - ٨٧): حدثنا خلف بن الوليد حدثنا عباد بن عباد عن مجالد ابن سعيد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات غير مجالد بن سعيد، وليس بالقوي كما في " التقريب ".وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٧/ ٣١٣): " رواه أحمد، وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات ".قلت: إنما وثقه النسائي مرة، وقال مرة أخرى: ليس بالقوي، كما في " التهذيب "، وقد أورده في كتابه " الضعفاء والمتروكون"، وقال (رقم ٥٥٢): " كوفي ضعيف ".
وخلف بن الوليد ثقة من رجال " التعجيل "، وقد تابعه إبراهيم بن زياد، سبلان قال: حدثنا عباد بن عباد به دون قوله: " وليضربنهم المؤمنون .. ".أخرجه اللالكائي في " أصول السنة " (١/ ٢١٠/٣٤٢).وعزاه السيوطي في " الجامع الكبير " لأحمد وحده، ووقع فيه: " .. حتى لا يُعبَد اللهُ "، فكأنه تحرفَّ على الناسخ قوله: " حتى لا يعبد لله اسم ".واستدل به اللالكائي على أن الاسم والمسمى واحد، ونِعْمَ الدليل لو صح بهذا اللفظ. والله أعلم.
" الصحيحة" (٦/ ١/٥٧٦، ٥٧٩ - ٥٨٠).
[ ٦ / ١٨٦ ]
جماع أبواب الكلام على عدد الأسماء الحسنى، وهل ذُكرت في حديث، ومعنى حديث من أحصاها دخل الجنة
[ ٦ / ١٨٧ ]
[٨٥١] باب هل وردت الأسماء الحسنى في حديث؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، ما من عبد يدعو بهذه الأسماء إلا وجب له الجنة، إنه وتر يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام إلى قوله: الرشيد الصبور».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (١٠/ ٣٨٠) من طريق أبي العباس القاسم بن القاسم السياري: حدثنا أحمد بن عباد بن سلم - وكان من الزهاد -: حدثنا
محمد بن عبيدة النافقاني: حدثنا عبد الله بن عبيدة العامري: حدثنا سورة بن شداد الزاهد عن سفيان الثوري عن إبراهيم بن أدهم عن موسى بن يزيد عن أويس القرني عن علي بن أبي طالب مرفوعا، وقال في آخره: " مثل حديث الأعرج عن أبي هريرة.
حديث الأعرج عن أبي هريرة صحيح متفق عليه. وحديث الثوري عن إبراهيم فيه نظر، لا صحة له ".قلت: وحديث الأعرج الذي أشار إليه أبو نعيم والمتفق عليه؛ ليس فيه " ما من عبد " إلخ، ولا فيه سرد الأسماء، وإنما جاءت الأسماء في بعض الطرق الواهية كما بينته في " تخريج المشكاة " (٢٢٨٨).
"الضعيفة" (٦/ ٧٦ - ٧٧).
[ ٦ / ١٨٩ ]
[٨٥٢] باب هل صح حديثٌ في تحديد أسماء الله الحسنى؟
وما معنى قوله - ﵌ -: «من أحصاها دخل الجنة؟»
سؤال: فضيلة الشيخ! ما مدى صحة حديث تحديد أسماء الله؟
الشيخ: تحديد! المقصود حصر أسماء الله، هناك روايتان:
إحداهما: رواية صحيحة، والأخرى: ضعيفة، أما الرواية الصحيحة: فما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» هذا هو الصحيح .. [أما الحديث] المذكور في سنن الترمذي وغيره من كتب السنة له علتان:
العلة الأولى: أن السند في هذه الزيادة التي فيها عدد الأسماء لا يصح، ومع عدم الصحة فهو مخالف للحديث الصحيح حيث اقتصر على قوله: «مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» ثم لم يذكر تلك الزيادة، فيمكن اعتبار هذه الزيادة زيادة شاذة.
وشيء آخر: أن هذه الأسماء تختلف الروايات في عَدِّها فمنهم من يذكر اسمًا بدل اسم آخر، ولذلك هذا الفضل المذكور في هذا الحديث وهو: «من أحصاها دخل الجنة» في الحقيقة ليس المقصود به أن يحفظ الإنسان هذه الأسماء المسرودة في بعض المصنفات كالترمذي، وإلا لكان دخول الجنة ميسرًا بينما ذلك على خلاف الحديث الصحيح، ألا وهو قوله ﵊: «حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات» (١) فأي مكروه في أن يحفظ الإنسان تسعة
_________________
(١) "مسلم" (رقم٧٣٠٨).
[ ٦ / ١٩٠ ]
وتسعين اسمًا في كتاب ما؟!
نحن ليس عندنا دليل من السنة على أن المسلم إذا قرأ القرآن من أوله إلى آخره دخل الجنة، فكيف يعقل أن يكون في السنة مثل هذا التكليف اليسير ويكون له ذلك الأجر العظيم، من أحصى تسعة وتسعين اسمًا مسطورة في كتاب دخل الجنة، ليس هذا هو المقصود، أنا أعتقد أن كبار أهل العلم بالحديث وبتتبع طرق الحديث نادر جدًا من وفق لهذا الإحصاء الذي ربط به دخول الجنة؛ لأن المقصود بهذا الإحصاء هو تتبع أسماء الله ﵎ في كتاب الله وفي أحاديث رسول الله - ﵌ - أولًا، ثم الوقوف عند هذا العدد، وهنا الدقة في الموضوع والصعوبة التي إذا قام بتحقيق هذا الأمر مسلم ما كان أن جوزي بدخول الجنة.
إن هذا الحديث لا يعني أنه ليس لله من الأسماء إلا تسعة وتسعين اسمًا ليس هو المقصود لأنه قد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك» فهناك استئثار من الله ﷿ لبعض الأسماء لا يعرفها الناس، فأسماء الله أكثر من تسعة وتسعين اسمًا لكن الأسماء التي لها هذه الفضيلة: «من أحصاها دخل الجنة» هي تسعة وتسعون اسمًا وأكد ذلك بقوله: «مائة إلا واحدًا» فالمقصود أن من استخرج هذه الأسماء من كتاب الله ومن حديث رسول الله بطلب وصبر وثبات ثم وُفِّق إلى ذلك فقد دخل الجنة يقينًا، ومن أين لنا أن نعرف ذلك؟ لا سبيل إلى ذلك وإنما فيه الحض على هذا العمل العظيم.
وأنا فيما علمتم لم أجد أحدًا من علماء المسلمين قد قام بتتبع وإحصاء الأحاديث .. بتتبع الأحاديث وإحصاء الأسماء الحسنى كما فعل الحافظ ابن حجر
[ ٦ / ١٩١ ]
العسقلاني في كتابه فتح الباري، ومع ذلك وجدناه يتردد بين أن يكون هذا الاسم مكان هذا الاسم أو العكس، المهم أن أسماء الله ﵎ أكثر من مائة ولكن من أحصى تسعة وتسعين منها إحصاءً مبنيًا على كتاب الله وعلى حديث رسول الله - ﵌ - ووُفِّق لذلك العمل فكان ذلك بشيرًا له لدخول الجنة، غيره.
مداخلة: شيخ هو يقول الإحصاء، يعني: العمل بها ومعرفة حقيقة معانيها والعمل بها.
الشيخ: هذا من تمام الإحصاء، نعم.
"رحلة النور" (١٧أ/٠٠:٤٢:٢٧) (١٧أ/٠٠:٠٠:٠٠)
[٨٥٣] باب هل أسماء الله تعالى محصورة في التسعة وتسعين؟ وهل خطوط باطن الكف تدل على ذلك؟
السائل: [بعضهم] يقول: يتكون في الكفين الرقم تسعة وتسعين، يعني: جمع الرقم في خطين في الكف الأيمن بعدد ثمانية عشر، وفي الأيسر بواحد وثمانين، مجموعهما: تسعة وتسعين، وهي يقول: هذه أسماء الله الحسنى، وبعض الناس يقرؤون الكف، فما حكم ذلك؟
الشيخ: هذا مما لا يلتفت إليه؛ لأن أسماء الله الحسنى أكثر من تسعة وتسعين اسمًا، والحديث الذي جاء في صحيح البخاري ومسلم من قوله ﵊: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» فهذا الحديث لا يعني: أنه ليس لله ﵎ أسماء أخرى، وإنما يعني: أن هذه التسعة وتسعين اسمًا من أحصاها، أي: من استخرجها من الكتاب والسنة وعمل بمعانيها فكان ذلك بشارة له بدخول الجنة، وإلا فقد جاء في بعض الأحاديث
[ ٦ / ١٩٢ ]
الصحيحة أن النبي - ﵌ - سأل ربه بكل اسم سمى به نفسه أو علمه بعض خلقه، أو استأثر هو ﵎ بعلمه، فأسماء الله ﷿ ليست محصورة بهذا العدد الذي زعم ..
"فتاوى جدة - الأثر -" (٢٦ب /٠١:٢٨:٥٧)
[٨٥٤] باب حال حديث «إن لله تسعة وتسعين اسمًا»،والكلام حول التوسع في باب الإسماء الحسنى
سؤال: [حال] حديث التسعة وتسعين أسمًا ..؟
الشيخ: هو الحديث الذي فيه تفصيل الأسماء. [ضعيف]
مداخلة: نعم.
الشيخ: أي نعم، أما بدون التفصيل ففي صحيح البخاري.
ثم بالإضافة إلى الضعف في سنده في اختلاف كثير جدًا في الروايات في تحديد هذه الأسماء التسعة والتسعين، فبعض الروايات يذكر بعض الأسماء وروايات أخرى في نفس الحديث أسماء أخرى.
مداخلة: اضطراب.
الشيخ: نعم.
"الهدى والنور" (٦٥٣/ ٠٦: ٠٦: ٠٠)
[ ٦ / ١٩٣ ]
[٨٥٥] باب معنى قول النبي - ﵌ - في الأسماء الحسنى: «من أحصاها دخل الجنة» وهل الأسماء محصورة في التسعة والتسعين؟
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - ﵌ - قَالَ «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، والله وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ».
[قال الإمام]:
وفي رواية لمسلم: «مائة إلا واحدًا، من أحصاها ».والمراد بإحصائها حفظها كما في الرواية الأولى على ما هو الراجح عند المحققين.
وليس عدد التسعة والتسعين لحصر أسماء الله بها، وإنما القصد أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «أسألك بكل اسم لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، وهو مخرج في " الأحاديث الصحيحة" رقم (١٩٧).
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٤٨٨).
[٨٥٦] باب هل من الممكن
أن يتوصل عالم إلى تحديد الأسماء التسعة والتسعين؟
سؤال: هل تظن أن الممكن لعالم محقق أن يتوصل إلى تحليل الصفات التسعة والتسعين؟
الشيخ: بالتحديد لا يمكن، لكن يستطيع أن يحصي الأسماء الحسنى، وهي بلا شك أكثر من مائة إلا واحدًا، أما التي جاء فيها الفضيلة من أحصاها دخل
[ ٦ / ١٩٤ ]
الجنة، فهذه من الصعوبة بمكان.
مداخلة: يعني أنتم ترون أن الأسماء الحسنى أكثر من تسعة وتسعين؟
الشيخ: أي نعم؛ لأن الحديث كما أظن لا يخفاكم لا يفيد حصر الأسماء الإلهية، وإنما يفيد حصر الأسماء الإلهية التي من أحصاها دخل الجنة، أظن الفرق في تعبيري واضح؟
مداخلة: نعم. واضح، ولماذا نقول لماذا .. هذا النص.
الشيخ: لأن هناك أولًا بالتتبع أسماء أكثر من تسعة وتسعين أولًا، وثانيًا هناك الدعاء: أسألك بكل اسم سميت به نفسك .. إلى آخر الحديث.
مداخلة: أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أو علمته أحدًا من خلقك.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: بس هذا الحديث قسم الأسماء إلى ثلاثة أقسام القسم الأول الذي استأثر الله به في علم الغيب عنده، وقد اطلعنا عليه. والقسم الثاني هو الذي استأثر به بعض خلقه.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: وهذا أيضًا خاص به، طبعًا بعض الملائكة أو الملائكة أو بعض المرسلين، فيبقى ما أنزله في كتابه.
الشيخ: وهذا سبق الجواب عنه.
مداخلة: نعم.
[ ٦ / ١٩٥ ]
الشيخ: ولذلك يبقى أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، شاملًا للبشر أيضًا.
مداخلة: كل ما قيل في الأسماء أولًا، وجدت أن أكثر من توسع فيها ابن العربي وابن الوزير، ولكن بإجراء اختبارات على هذه الأسماء التي وصلوا بها إلى حوالي ١٧٦ أكثر الزيادات على التسعه وتسعين لا يسلم بها، يعني مثلًا عدُّوا من أسمائه الماكر.
الشيخ: لا، هذا اشتقاق هذا ليس اسمًا.
مداخلة: المخادع والمستهزى والمبلي والبالي والشيء والممكن ولذلك اشتد ابن القيم في تعليقه على ابن العربي في إيراده هذه الأسماء.
الشيخ: لا شك، هذا ليس اسمًا، هذا اسم من عندنا اشتقاق.
مداخلة: الذي وارد في الكتاب والسنة يزيد على تسعة وتسعين بضعة أسماء بس، حوالي ست أسماء سبع أسماء فقط.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: التي يمكن أن تطبق عليه الضوابط والقواعد المستخلصة من الكتاب والسنة.
الشيخ: شيء جميل.
ما أدري كيف ابن الوزير وابن العربي أجازوا الاشتقاق.
مداخلة: ينص ابن العربي على هذا صراحة، على جوازه.
الشيخ: هنا كل فعل ربنا ﷿ نسبه إلى نفسه سيشتق منه اسم.
[ ٦ / ١٩٦ ]
مداخلة: نعم، ولذلك هو يقول أكثر من هذا.
الشيخ: يعني مثلًا يسمي ربه بالمبكي والمضحك.
مداخلة: لم يورد هذا، لكن
الشيخ: يرد علي هذا.
مداخلة: ومثلًا الجائي جعله اسم، وجاء ربك.
الشيخ: إذًا: أيضًا المستوي.
مداخلة: المستوي نعم اسم عنده.
في أحكام القرآن ذكرها
الشيخ: لا هذا بلا شك توسع غير محمود.
مداخلة: ولذلك يقول أنه تبلغ ألف.
الشيخ: على الطريقة هذه ستزيد كمان.
"الهدى والنور" (٦٥٣/ ٣٣: ٠٩: ٠٠)
[٨٥٧] باب معنى قوله - ﵌ -: «من أحصاها دخل الجنة»
سؤال: يقول الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] وقال ﵊: «إن لله تسعًا وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة».
السؤال: فضيلتكم نريد أن توضحوا لنا كيف يكون إحصاء أسماء الله الحسنى حتى نفوز بهذا الأجر العظيم، وجزاكم الله خير.
[ ٦ / ١٩٧ ]
الشيخ: أولًا: لفظ الحديث: «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا» وليس: «تسعًا وتسعين اسمًا».
أما ثانيًا: فالإحصاء هنا ليس هو عبارة عن حفظ الأسماء التي سُرِدت في بعض كتب السنة كسنن الترمذي حتى بلغت: تسعةً وتسعين اسمًا؛ لأن الراوية هذه التي فيها عد الأسماء الحسنى لم تصح وإنما صح الحديث مطلقًا دون بيان وسرد الأسماء الحسنى، الحديث كما سمعتم آنفًا: «إن لله تسعًة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» والإحصاء ليس بالأمر السهل كما يتوهم بعض الناس وهو حفظها من رسالة أو من رواية جمعت فيها هذه الأسماء، وإنما الإحصاء هو إفراغ الجهد لتتبع أسماء الله ﷿ في الكتاب والسنة الصحيحة، وهذه عملية قد تختلف من إنسان إلى آخر من جهة، ثم قد يُوفَّق لهذه الأسماء لأنها حصرت بدقة حيث جاء في الألفاظ لهذا الحديث: «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا» فهذا الإحصاء بهذه الدقة قد يوفق الإنسان إلى هذه الأسماء جمعًا من القرآن ومن الحديث الصحيح، وقد لا يُوفَّق فمن وُفِّق فأحصاها دخل الجنة، ومن لم يُوفَّق كان له أجر السعي في سبيل تحصيل هذه الأسماء، فالأمر هاهنا كالأمر تمامًا في بعض الأحكام الشرعية التي يبتغي الفقيه معرفة الصواب فيها فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.
كذلك فيما بدا لي من شرح ذاك الحديث أن من أحصى تلك الأسماء التسعة وتسعين اسمًا فكان ذلك بشارة له بدخول الجنة، وليس ذلك بالأمر المادي بحيث يمكن أن يقال: فلان أحصى الأسماء فهو من أهل الجنة، هذا مما لا يمكن الوصول إليه بهذا الوضوح وهذا البيان، وإنما على المسلم أن يسعى بالتقاط هذه
[ ٦ / ١٩٨ ]
الأسماء من القرآن الكريم وهذا سهل؛ لأن القرآن الكريم محفوظ، ثم من السنة وهذا أصعب ما يكون؛ لأن السنة واسعة الأطراف كما تعلمون من جهة، ثم فيها ما يصح وما لا يصح من جهة أخرى.
فالذي يريد أن يقوم بإحصاء الأسماء الحسنى عليه أن يكون أولًا على إحاطة تكاد أن تكون كاملةً بكتب السنة أولًا، ثم أن يكون على علم بتمييز الصحيح من الضعيف ثانيًا.
وَقلَّ من قام بهذا الأمر وذلك لما أشرت إليه من صعوبته، والذي أعرفه أن الإمام الخطابي قد شرح الأسماء الحسنى ولكن لا أدري إذا كان قد أحصاها جمعًا كما ذكرنا أو أنه اعتمد على الرواية المشهورة من رواية الترمذي، لكن قد قام بإحصاء هذه الأسماء على الطريقة التي أشرت إليها آنفًا الحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم قام بعض المعاصرين وقد توفي إلى رحمة الله في مجلة الأنصار السنة المحمدية في القاهرة درويش أو نحو ذلك .. نعم أبو الوفاء محمد درويش، هذا كان من أفاضل أنصار السنة في القاهرة وكان قد نشر بحوثًا ومقالات متتابعة في مجلة الأنصار يحصي فيها الأسماء هذه الحسنى.
هذا ما يحضرني من الجواب عن ذاك السؤال.
"فتاوى جدة" (٣/ ٠٠:١١:٥٤)
[ ٦ / ١٩٩ ]
[٨٥٨] باب منه
سؤال: يا شيخ ما معنى حديث الرسول - ﵌ -: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» ما المقصود يعني: من هذا الحديث وما مضمون هذا الحديث جزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: المقصود هو: أنه هذه الأسماء البالغ عددها تسعة وتسعين اسمًا، وكما في الصحيح: «مائة إلا واحدًا» تأكيدًا للتسع والتسعين، «من أحصاها» أي: من تَمكَّن من استخراجها والعثور عليها من القرآن وحديث الرسول ﵇ كان هذا جزاؤه أن يدخل الجنة، هذا هو المقصود بمن أحصاها.
أي: من تطلبها من الكتاب والسنة، ووفق لها فله هذا الجزاء، هذا هو المعنى.
"الهدى والنور" (٧٠٨/ ٢٠: ٥٩: ٠٠)
[ ٦ / ٢٠٠ ]
جماع أبواب الكلام
على بعض ما ثبت لله تعالى من أسماء وبعض ما لا يثبت
[ ٦ / ٢٠١ ]
[٨٥٩] باب اسم الله الأعظم
[عن] عبد الله بن العلاء قال: سمعت القاسم أبا عبد الرحمن يخبر عن أبي أمامة مرفوعًا: «اسم الله الأعظم في سور من القرآن ثلاث: في البقرة وآل عمران وطه».
قال القاسم أبو عبد الرحمن: " فالتمست في البقرة، فإذا هو في آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وفي آل عمران، فاتحتها ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وفي طه: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ ".
[قال الإمام]:
فائدة قول القاسم: أن الاسم الأعظم في آية ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ من سورة "طه" لم أجد في المرفوع ما يؤيده، فالأقرب عندي أنه في قوله في أو السورة (إني انا الله لا إله إلا أنا ..) فإنه موافق لبعض الأحاديث الصحيحة، فانظر "الفتح" (١١/ ٢٢٥)، وصحيح أبي داود (١٣٤١).
"السلسلة الصحيحة" (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢).
[٨٦٠] باب ذكر اسم الله الأعظم وهل هو: ربِّ ربِّ؟
«اسمُ الله الأكبرُ: ربِّ ربِّ».
(موقوف).
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف، (١٠/ ٢٧٣/٩٤١٤): حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ عن سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني الحسن بن ثوبان عن هشام بن أبي رقية عن أبي الدرداء وابن عباس: أنهما كانا يقولان: فذكره موقوفًا عليهما.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات معروفون؛ غير هشام بن أبي رقية: فذكره البخاري وابن أبي حاتم في كتابيهما، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ لكن روى عنه جمع من الثقات، ووثقه الفسوي وابن حبان؛ فهو في مرتبة الصدوقين - كما حققته في "تيسير انتفاع الخلان " -؛ فمثله يحسن حديثه إن شاء الله تعالى.
وإنما ذكرت له هذا الأثر هنا؛ لأن الحافظ ابن حجر ﵀ ذكره في "الفتح " (١١/ ٢٢٥) دليلًا من حديث أبي الدرداء وابن عباس لقول من قال: إن الاسم الأعظم: ربِّ ربِّ فأوهم أنه مرفوع من قوله له - ﵌ -، وإنما موقوف عليهما - كما ترى -؛ فإن لفظ: (حديث) إذا أطلق؛ فلا يراد منه إلا المرفوع إلا لقرينة، ولا قرينة في كلامه رحمه الله تعالى. بل الأمر فيه على العكس تمامًا؛ فقد ذكر لبعض الأقوال المخالفة لهذا القول أحاديث هي مرفوعة، ومع ذلك لم يصرح برفعها؛ بل قال فيه - كما قال في هذا، فقال - (ص ٢٢٤): "الخامس؛ "الحي القيوم"، أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة؛ "الاسم الأعظم في ثلاث سور " الحديث "، وهو حسن الإسناد، ومخرج في "الصحيحة " (٧٤٦).
ثم إن هذا الأثر الموقوف قد عزاه الحافظ للحاكم فقط، وقد أخرجه في كتاب (الدعاء) من "المستدرك " (١/ ٥٠٥) من طريق يعقوب بن سفيان الفسوي: ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ به. وسكت عنه هو والذهبي.
واعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين اسم الله الأعظم على أربعة عشر قولأ، ساقها الحافظ في "الفتح"، وذكر لكل قول دليله، وأكثرها أدلتها من الأحاديث، وبعضها مجرد رأي لا يلتفت إليه، مثل القول الثاني عشر؛ فإن دليله: أن فلانًا سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم، فرأى في النوم؛ هو الله، الله، الله، الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم!! وتلك الأحاديث منها الصحيح "، ولكنه ليس صريح
[ ٦ / ٢٠٤ ]
الدلالة، ومنها الموقوف كهذا، ومنها الصريح الدلالة؛ وهو قسمان: قسم صحيح صريح، وهو حديث بريدة: "الله لا إله إلا هو، الأحد الصمد الذي لم يلد " إلخ، وقال الحافظ:
"وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك ".
وهو كما قال ﵀، وأقره الشوكاني في "تحفة الذاكرين " (ص ٥٢)، وهو مُخرَّج في "صحيح أبي داود" (١٣٤١).والقسم الآخر: صريح غير صحيح، بعضه مما صرح الحافظ بضعفه؛ كحديث القول الثالث عن عائشة في ابن ماجه (٣٨٥٩)، وهو في "ضعيف ابن ماجه " رقم (٨٤١)، وبعضه مما سكت عنه؛ فلم يُحسّن! كحديث القول الثامن من حديث معاذ ابن جبل في الترمذي، وهو مخرج في "الضعيفة" برقم (٤٥٢٠).وهناك أحاديث أخرى صريحة لم يتعرض الحافظ لذكرها ولكنها واهية، وهي مخرجة هناك برقم (٢٧٧٢ و٢٧٧٣ و٢٧٧٥).
"الضعيفة" (١٣/ ١/٢٧٨ - ٢٨٠).
[٨٦١] باب منه
سؤال: بالنسبة للاسم الأعظم لله ﷿ هناك عدة أحاديث، هل ممكن تذكر بالأحاديث الصحيحة في هذا المجلس؟
الشيخ: لا يمكن الآن لكن يقينًا اسم الله الأعظم هو الله اسم الذات؛ لأنه قد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن رجلًا سمع رجلًا يدعو في آخر صلاته وهو يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال ﵊، هناك حديثان بهذا المعنى في أحدهما يقول: «ادع فقد استجيب لك .. ادع فقد سألت الله باسمه الأعظم، الذي إذا
[ ٦ / ٢٠٥ ]
سئل به أعطى وإذا دُعي به استجاب» وفي حديث آخر يقول: «لقد دعا هذا الله باسمه الأعظم»، فالأحاديث كلها التي جاءت بهذا الخصوص تلتقي مع لفظة الجلالة غيره.
"الهدى والنور" (٦١٦/ ٣٨: ٥٠: ٠٠)
[٨٦٢] باب هل صح حديث
أن النبي - ﵌ - لم يُرِد أن يُعلِّم عائشة الاسم الأعظم؟
السائل: في كتاب طبعًا معروف الذي هو الناس تتداوله يعني: ليس بجيد كما يقولون الذي هو كتاب الدعاء المستجاب .. فيسألني [أحدهم] يقول لي: هناك حديث قرأه لي أحدهم قال: إن الرسول ﵊ ما أراد أن يعلم عائشة الاسم الأعظم، هل صح عنه هذا الشيء؟
الشيخ: لم يصح، وبتلاقي هذا الحديث في «فتح الباري»، وهو يقول: إسناده ضعيف، لكن أنت لم تنصح هذا الرجل الذي قال لك عن الحديث وقرأه في الدعاء المستجاب.
مداخلة: أنا نصحته أن يبتعد عنه، يعني: لو استبدل بدله كتاب الكلم الطيب ..
الشيخ: نصحته؟!
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! جزاك الله خيرًا.
مداخلة: جميعًا وإياكم.
"الهدى والنور" (٣٣٩/ ٣١: ٠٤: ٠٠)
[ ٦ / ٢٠٦ ]
[٨٦٣] باب هل نثبت لله اسم الطيب؟
سؤال: كلام السائل، قال: روى الإمام مسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﵌ -: «أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» قال السائل: هل يجوز تسمية الله تعالى بالطيب واعتباره من أسمائه تعالى؟
الشيخ: نعم، يقال: الطيب، كما جاء في هذا الحديث في صحيح مسلم
«إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا» يظهر أن هذه صفة وليست اسمًا عَلَمًا يوصف ربنا ﷿ بهذه الصفة ولا يطلق عليه اسمًا، هذا هو الجواب عن السؤال،
أنت السائل؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: تريد شيئًا آخر؟
مداخلة: أريد يا شيخ أيضًا: هل يشتق من الصفات أسماء لله ﷿؟
الشيخ: لا.
مداخلة: طيب! هذه صفة مشتق منها اسم.
الشيخ: وما هي؟
مداخلة: إن الله طيب، صفة لله ﷿.
الشيخ: نصفه لكن لا نسميه.
مداخلة: لا نسميه، أي: لا نقول: إن من أسماء؛ لأني حضرت مجلسًا لأحد المشايخ فكان يطلب فوائد من هذا الحديث، فذكر أحد الجالسين من الطلبة بهذا اللفظ قال: نستفيد من هذا الحديث أن الله ﷿ يسمى بالطيب، فسألت هذا الشيخ قلت له: يا شيخ، هل هذا صحيح، يشتق من الصفة اسم؟ قال: نعم، يسمى الله ﷿ بالطيب،
[ ٦ / ٢٠٧ ]
الشيخ: لو قال: الطيب، كما جاء في بعض الأسماء كنا نسميه، لكن هو جاء هناك صفة لله ﷿، فهو صفة.
مداخلة: من الخطأ أن يطلق اسمًا.
الشيخ: نعم، اسمًا هكذا مفردًا لا.
"رحلة النور" (أ٤١/ ٠٠:٠٤:٢٨)
[٨٦٤] باب هل النور من أسماء الله؟
سؤال: شيخنا في مثل هذا الموضوع استغرب بعض طلبة العلم ما سمعه منكم في تفسير قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النور:٣٥) لكونه ينورهما وليس له اسم النور، فنريد تفصيل في هذا جزاكم الله خيرًا.
الشيخ: ما عندي تفصيل إلا أنني لا أعلم أن النور اسم من أسماء الله ﷿ في حديث صحيح، بل قوله ﵇: حجابه النور لما سئل: هل رأيت ربك، قال: «نور أنى أراه»، وفي حديث أبي موسى الأشعري في صحيح مسلم يقول: «حجابه النور لو كشف هذا الحجاب لأحرق نوره كل شيء» أو كما قال ﵊، فالجواب: لا أعلم أن النور اسم من أسماء الله ﷿.
"الهدى والنور" (٥١٤/ ٢٢: ٠٥: ٠٠)
[٨٦٥] باب هل الساتر من أسماء الله؟
السائل: هل الساتر من أسماء الله؟
الشيخ: انظر بارك الله فيك! يقول أهل العلم: أسماء الله توقيفية، ما معنى توقيفية؟ يعني: نحن لا نعرف أسماء الله إلا بإيقاف النبي لنا عليها مفهوم هذا
[ ٦ / ٢٠٨ ]
الكلام؟ طيب! نحن لا يجوز لنا أن نسمي الله ﷿ بما لم يُسمِ هو به نفسه أو يسمه به نبيه، نحن لا يجوز لنا أن نسمي ربنا إلا بما سمى هو به نفسه أو سماه نبيه به، فالآن: لا يوجد في أسماء الله ﷿ إلا الستير، أما الساتر، أما الستار فلم يرد في أسمائه تعالى، وإن كان المعنى صحيح، يعني الآن: لو قال لك قائل: إن الله ﷿ سخي غير بخيل هذا المعنى صحيح أو لا؟
مداخلة: نعم، صحيح.
الشيخ: صحيح، لكن لا يجوز أن نسميه سخيًا وإنما نسميه بالاسم المرادف له؛ لأنه سمى الله به نفسه على لسان نبيه - ﵌ - ألا وهو الكريم، والكريم والسخي في لغة العرب لفظان مترادفان يؤديان إلى معنى واحد، فكون السخي بمعنى الكريم لا يسوغ لنا أن نقول: يا سخي أكرمني .. تفضل علي، لكن نقول: يا كريم؛ لأن أسماء الله توقيفية، واضح هذا الكلام؟ طيب.
الشيخ: نحن نتكلم عما يتعلق بالله ليس عما يتعلق بعباد الله .. أنا رأيت إنسانًا على خطأ فأستر عليه ما في مانع، وأقول: أن الله يستر عليه أيضًا ما في مانع، ما ستر عبد مسلمًا أخاه المسلم إلا ستره الله ﷿، لكن هل نشتق من هذا الاسم اسمًا نطلقه على الله فنقول: أنه ساتر أو ستار؟ لا، وإنما ما جاء في الحديث وهو
قوله ﵇: «إذا أتى أحدكم الخلاء فليستتر فإن الله حيي ستير يحب من عبده الحياء والستر» حيي ستير، فهذا الذي جاء، [وإن كانت] كلمة ستار وساتر مشهورة جدًا.
فالشاهد: أسماء الله توقيفية، وربنا قال في القرآن الكريم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران:٥٤) فلا يجوز لنا أن نسمي الله بالماكر، ولا يجوز أن
[ ٦ / ٢٠٩ ]
نسميه بالمكار؛ لأنه ما سمى بذلك نفسه، لا نشتق من هذا الاسم المركب: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران:٥٤) ما نشتق منه اسم فاعل ماكر، أو فاعل مبالغة مكار لا؛ لأن أسماء الله توقيفية.
"رحلة النور" (٣أ/٥١: ٠٤: ٠٠)
[٨٦٦] باب ضبط اسم الله تعالى الستير
السائل في الحديث «سِتير» أو «سَتير»، بكسر السين أو بفتحها؟
الشيخ: والله أنا اتحدثت معك إني لازم أراجعه ، وغاب عن ذهني لسه ما راجعناه فعسى أن نراجع،
مداخل آخر: هذه مضبوطة في البخاري عن موسى ﵇ كان حييًا ستيرًا بكسر السين.
قال ابن حجر: وهذه الصيغة الأصح في اللغة كصيغة فعيل على
وزن رحيم.
الشيخ: نعم.
مداخلة: قال: ويجوز أن نقول: ستير على وزن فعيل.
الشيخ: أيوه.
مداخلة: هذا في سنده في الصحيح.
الشيخ: هذا معناها في المسألة قولان أو وجهان، أنا ما عندي مراجعة في الحقيقة، لكن الذي يعني: أنا قائم في ذهني وفي لفظي ستير، فمن نقل الأخ هنا أبو حمزة يدل أنه لهذا وجه.
[ ٦ / ٢١٠ ]
مداخلة: هو كذلك.
الشيخ: أي نعم.
"الهدى والنور" (١٩٧/ ١٧: ٤٩: ٠٠)
[٨٦٧] باب هل المنتقم من أسماء الله؟
سؤال: أحيانًا نسمع الإمام يقول: اللهم انتقم لنا؟ هل ورد من أسماء الله وصفاته أنه المنتقم حتى يقول: انتقم لنا من كذا؟
الشيخ: هو ليس من الضروري أن يكون من أسمائه (المنتقم) حتى يجوز لنا أن نقول: انتقم، يعني لو قلنا يا رب اقتل أعداءنا، هذا ما يحتاج إلى أن نقول:
هل من أسماء الله -﷿- (القتال)؛ لا، لأنه هذا ليس وصفًا، ليس اسمًا اسم علم، واضح؟
مداخلة: يعني هل الله ينتقم أو يأخذ يعني؟
الشيخ: ما في مانع ينتقم ممن؟ من الظالمين ومن الكافرين.
مداخلة: طيب وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (آل عمران:٤).
الشيخ: هاه، صفة.
مداخلة: صفة.
الشيخ: لكن ليس من أسمائه (المنتقم).
مداخلة: ليس من أسمائه.
شيخي يزيدون في الدعاء بـ سيف نقمتك.
[ ٦ / ٢١١ ]
الشيخ: كيف.
مداخلة: اللهم انتقم لنا بـ سيف نقمتك.
الشيخ: ما سمعت.
مداخلة: بسيف نقمتك.
الشيخ: بيت؟
مداخلة: بسيف.
الشيخ: بسيف نقمتك.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: يا أخي الكلام في اللغة العربية واسع، ما لم يخالف شرعًا فما في
منه مانع.
الملقي: نعم.
الشيخ: هذا كلام بيسموه مجازي مش حقيقي، الله ما عنده سيف، ولذلك أضاف السيف للنقمة، فهو تعبير مستساغ عربيةً.
"الهدى والنور" (٥٢٣/ ٢١: ٤١: ٠٠) و(٥٢٣/ ٤٢: ٤٢: ٠٠)
[٨٦٨] باب هل نثبت اسم "الواهب" لله تعالى؟
[قال الإمام]:
لا أعلم أن من أسماء الله الواهب إلا اشتقاقًا.
"الصحيحة" (٧/ ١/٨٤).
[ ٦ / ٢١٢ ]
[٨٦٩] باب اسم الحنان
عن أنس بن مالك:
أن النبي - ﵌ - سمع رجلًا يقول: اللهم! لك الحمد، لا إله إلا أنت، وحدك
لا شريك لك، المنّان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام! فقال
النبي - ﵌ -: «لقد سأَلتَ اللهَ باسمِ اللهِ الأعظَم: الذي إذا دُعيَ به أجابَ، وإذا سُئل
به أعطَى».
[قال الإمام]:
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/ ٢٧٢/٩٤١٠)، وأحمد (٣/ ١٢٠) قالا: ثنا وكيع: حدثني أبو خزيمة عن أنس بن سيرين عن أنس
بن مالك:
أن النبي - ﵌ - سمع رجلًا يقول: اللهم! لك الحمد، لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، المنّان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام! فقال النبي - ﵌ -: فذكره. ومن طريق وكيع: أخرجه ابن ماجه (٣٨٥٨).
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي خزيمة، قال أبو حاتم: "لابأس به ".
وذكره ابن حبان في "الثقات " (٦/ ٤٦٥)، وسماه: (صالح بن مرداس) وروى عنه جمع من الثقات الحفاظ، وقال الذهبي، والحافظ:"صدوق ".
وله طريقان آخران:
أحد هما: يرويه محمد بن إسحاق: حدثني عبد العزيز بن مسلم عن إبراهيم
[ ٦ / ٢١٣ ]
بن عبيد بن رفاعة عن أنس به، دون قوله:"وحدك لا شريك لك ".
أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٥)، والبخاري في " التاريخ " (٣/ ٢/٢٧)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/ ٦٢).
قلت: وهذا إسناد حسن أو قريب من الحسن، رجاله ثقات معروفون؛ غير عبد العزيز بن مسلم- وهو الأنصاري مولى آل رفاعة-، وثقه ابن حبان (٥/ ١٢٣)، وروى عنه أيضًا معاوية بن صالح. وقال الحافظ:
"مقبول ".
والآخر: يرويه خلف بن خليفة: ثنا حفص بن عمر عن أنس به نحوه، دون قوله المذكور، وزاد بعد جملة (الجلال):
"يا حي يا قيوم! ".
ورجاله ثقات؛ لكن خلفًا هذا كان اختلط، وقد خرَّجت حديثه هذا في "صحيح أبي داود" (١٣٤٢) لطرقه، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
(تنبيه): وقع في الطريق الأولى- بين عبد العزيز بن مسلم وإبراهيم بن عبيد- زيادة: (عن عاصم) في "المسند" فقط، وهي ثابتة في "جامع المسانيد" لابن كثير (٢١/ ٢٢/٩)، وكذا في "أطراف المسند" لابن حجر العسقلاني (١/ ٢٧١)، والظاهر أنه خطأ قديم مقحم من بعض النساخ؛ لعدم ورودها عند البخاري والطحاوي أولًا، ولأنهم لم يذكروا (عاصمًا) هذا في شيوخ عبد العزيز بن مسلم- كما تقدم-، ولا في الرواة عن إبراهيم بن عبيد ثانيًا، والله أعلم.
تنبيه آخر: لقد وقع في سياق حديث الترجمة عند المنذري في "الترغيب "
[ ٦ / ٢١٤ ]
(٢/ ٢٣٤/٤) - وقد ساقه بلفظ أحمد- زيادة ونقص، فقال:
"لا إله إلا أنت، يا حنان يا منان! يا بديع " فزاد: "يا" النداء في الجمل
الثلاثة، وزاد اسم: "حنان"! وأسقط جملة: "وحدك لا شريك لك ".ولا أصل للاسم المذكور إلا في رواية لأحمد في طريق (خلف) (٣/ ١٥٨)، وأظنها خطأ أيضًا من بعض النساخ أو الرواة؛ ففي الرواية الأخرى عنده (٣/ ٢٤٥): "المنان"، وهو الثابت في رواية أبي داود والنسائي والطحاوي وابن حبان والحاكم، ويشهد له حديث الترجمة.
وأظن أن ما في "الترغيب " بعضه من تلفيق المؤلف نفسِه بين الروايات- وهو من عادته فيه! - وبعضه من النساخ. ولم يتنبه لهذا الخلط المعلقون الثلاثة عليه (٢/ ٤٨١)، فلم ينبهوا عليه كما هو واجب التحقيق الذي ادعوه في طبعتهم الجديدة لـ "الترغيب "! بل زادوا عليه خلطًا من عندهم! فجعلوا مكان قوله: "سألت الله"- الثابت في "مسند أحمد" وغيره-: قولهم: [دعا الله]، هكذا بين معكوفتين، وعلقوا عليه فقالوا: "ليست في (ب) "!
قلت: وهذا تعليق هزيل، فمع أن الزيادة مخالفة لرواية "المسند" " فإنها تعني أن الأصل الذي طبعوا عليه فيه سقط، وأنه بلفظ:
"لقد .. باسمه الأعظم ".
وهذا غير معقول ولا مفهوم! فكان عليهم أن يبينوا ماذا في نسخة (ب)، (ذلك مبلغهم من العلم) والتحقيق المزعوم! وزادوا- ضغثًا على إبَّالة- أنهم عزوا الحديث لأحمد (٥/ ٣٤٩و٣٦٠)! وإنما هو في المجلد الثالث منه كما تقدم.
وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان " في
[ ٦ / ٢١٥ ]
طبعتيه، فرأيت في حديث خلف:"أنت الحنان المنان "؛ جمع بين الاسمين، لكن ليس في "زوائد ابن حبان " (٢٣٨٢) للهيثمي إلا:"أنت المنان ".وهو المحفوظ، وزيادة: " الحنان " شاذة باعتبارين:
أحدهما: عدم ورودها مطلقًا في حديث الترجمة وغيره، كما سبق.
والآخر: مخالفتها لكل الطرق الدائرة على (خلف)، فليس فيها الجمع المذكور. ومما يؤكده أن راويه في "صحيح ابن حبان" عن (خلف) هو قتيبة بن سعيد، وعنه رواه النسائي دون الزيادة، فكان هذا مما يرجح ما في "زوائد ابن حبان " على ما في "الإحسان ".
من أجل ذلك؛ يبدو جليًا خطأ المعلقين الثلاثة الذي سكتوا في تعليقهم على "الترغيب" عن هذه الزيادة، وليس ذلك غريبًا عنهم؛ فإنهم لا يحسنون غيره لجهلهم، ولكن الغريب أن يلحقها بـ "زوائد ابن حبان" (٢/ ١٠٧٥ - طبع المؤسسة) المعلقان عليه، ويجعلاها بين معكوفتين: [الحنان]،وهي لا تصح لشذوذها ومخالفتها للطرق عن (خلف)، ومنها طريق قتيبة، ولمباينتها لسائر الطرق على أنس، وبخاصة طريق حديث الترجمة.
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٢٠٩ - ١٢١٢).
[ ٦ / ٢١٦ ]
[٨٧٠] باب هل «موجود» من أسماء الله؟
الشيخ: .. نحن نقول مثلًا بكل بساطة ولا إنكار ولا جحود: الله موجود فهل اسم موجود من أسماء الله ﷿؟ طبعًا لا، الذي ينكره العلماء أنه لا يجوز تسمية الله ﷿ ووصفه إلا بما سمى ووصف به نفسه، لا يعنون الجملة الخبرية التي يطلقها الإنسان ثم لا يقف عندها فيصف الله ﷿ بأنه من أسمائه
أنه موجود، .. وإنما هو يخبر خبرًا محضًا، وهذا ما يبينه ابن تيمية الذي يقول السائل بأنه يستعمل كلمة الشارع لأن هذا إخبار عن معنى قائم في الذهن يعبر
عنه الإنسان.
فالله ﷿ إذا قال قائل: ليس بمفقود .. ليس بمعدوم، لا يكون قد أطلق اسمًا على الله أو صفة من صفات الله، لكنه بهذه الكلمة: ليس بمعدوم يعبر عن كلمة الباقي أو اسم باقي، والحي والقيوم ونحو ذلك؛ لهذا لا ينكر مثل هذا الاستعمال إذا لم يستعمل على أنه اسم جاء عن السلف، أو أنه صفة جاء في الشرع منصوصًا عليها.
"الهدى والنور" (٧٩٣/ ٢٠: ٢٧: ٠٠)
[٨٧١] باب هل الماكر والخادع من أسمائه تعالى؟
سؤال: في العقيدة أحيانًا بعض الإخوة يسألون في باب الصفات يقول مثلًا في المكر والخداع: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء:١٤٢)، ومثلها من الصفات، فأيش يعني، ما رأيكم بمثل هذا، هل هو من باب المقابلة كما يقول ابن القيم في الصواعق أم ما رأيكم؟
[ ٦ / ٢١٧ ]
الشيخ: نعم، هو كذلك، لكن قد لا نضطر أن نقول من باب المقابلة باعتبار أن صفة من الله -﷿- أو كل صفة من صفات الله -﷿- تختلف كل الاختلاف عن صفات المخلوقين، فمكر الإنسان غير مكر رب الأنام، فـ ﴿مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران:٥٤) مجرد أنه وصف نفسه بأنه خير الماكرين خلاص أخذ الله -﷿- الصفة التي تليق بعظمته وجلاله دون الصفة التي إذا أطلقت على البشر تكون وصف ذم لهم وليس وصف مدح، فحينئذٍ إذا قيل من باب المجانسة والمقابلة أو لم يقل بهذه الكلمة، المهم أن أي صفة فهي تختلف عن صفات المخلوقين تمامًا، ثم لا يشتق منها، لا يشتق منها اسم فاعل، فلا يقال مثلًا: ربنا ماكر، أو خادع أو مخادع أو ما شابه ذلك، وإنما ينطق
بالصفة كما جاءت في الكتاب أو في السنة، ولعل في هذا القدر كفاية، والحمد لله
رب العالمين.
"الهدى والنور" (٦٧٣/ ٣٣: ١٩: ٠٠)
[٨٧٢] باب ما تفسير اسمي الخالق والبارئ، وما الفرق بينهما، وطلب ذكر كتاب يشرح الأسماء الحسنى على منهج السلف
سؤال: بالنسبة لتفسير أسماء الله الحسنى ﷾ ما هو تفسير اسم الخالق والبارئ، والفرق بينهما، واذكر لنا اسم كتاب يشرح الأسماء الحسنى على منهج السلف الصالح يتبع فيه كاتبُهُ الكتابَ والسنةَ؟
الجواب: لا يحضُرُني الآن فرقٌ بين الخالق والبارئ، لكن الإمام الخطابيّ له كتاب في تفسير الأسماء الحسنى، ولا أعرف في المطبوعات سواه، فمن شاء رجع إليه إن شاء الله.
" الهدى والنور" (٢/ ٠٩ ٣٠: ٠٠)
[ ٦ / ٢١٨ ]
[٨٧٣] باب هل يجوز أن يتسمى إنسان بالطبيب؟
سؤال: مِنْ أسماء الله الطبيب، هل يجوز أن يتسمى الإنسان بالطبيب فلان؟
الشيخ: التسمية ما يجوز، لكن الوصف يجوز، يعني: تقول: محمدٌ طبيبٌ، زيدٌ طبيبٌ، لكن ابنك تسميه «الطبيب» لا يجوز، كما تقول: زيدٌ عليمٌ، مؤمنٌ رحيمٌ إلخ، لكن ما تقول: رحيم سميع اسم علَم، لا يجوز، كذلك الطبيب.
مداخلة: عليّ؟
الشيخ: العليّ ما يجوز، علي يجوز.
مداخلة: يعني: مؤمن يجوز والمؤمن لا يجوز.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: مؤمن يجوز.
الشيخ: يجوز على هذا القياس، المؤمن لأن الله سمى نفسه المؤمن. ترجع هي على كل حال ترجع للوصف.
مداخلة: عبد الطبيب؟
الشيخ: إذا سميت الطبيب: الله ﷿، خصصته به، جازت النسبة إليه.
"الهدى والنور" (٥٦/ ٥٥: ٢٦: ٠٠)
[٨٧٤] باب هل "آه" من أسمائه تعالى؟!
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
دعوه يئن فإن الأنين اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه العليل.
(ضعيف).
[ ٦ / ٢١٩ ]
[قال الإمام]:
قال المناوي "أي لفظ "آه" من أسمائه، لكن هذا لم يرد في حديث صحيح ولا حسن، وأسماؤه تعالى توقيفية".
قلت: ففيه رد على الصوفية الذين يذكرون الله بلفظ "آه، آه "! لأنه لم
يرو أصلًا!
"ضعيف الجامع" (٤٣٧).
[٨٧٥] باب هل القديم من أسماء الله؟
[قال الإمام]:
اعلم أنه ليس من أسماء الله تعالى: (القديم) وإنما هو من استعمال المتكلمين، فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا جديد للحديث، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره لا فيما لم يسبقه عدم كما قال تعالى: ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾ (يس: ٣٩) والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني فإذا وجد الجديد قيل للأول قديم وإن كان مسبوقًا بغيره كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١/ ٢٤٥) والشارح في "شرحه" لكن أفاد الشيخ ابن مانع هنا فيما نقله عن ابن القيم في " البدائع " أنه يجوز وصفه سبحانه بالقدم بمعنى أنه يخبر عنه بذلك وباب الإخبار أوسع من باب الصفات التوقيفية.
قلت: ولعل هذا هو وجه استعمال شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الوصف في بعض الأحيان.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١١ - ١٢).
[ ٦ / ٢٢٠ ]
[٨٧٦] باب هل الماجد من أسماء الله
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن الله تعالى يقول: يا عبادي! كلكم مذنب إلا من عافيت؛ فاستغفروني أغفر لكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد؛ أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام؛ إذا أردت شيئًا فإنما أقول له: كن فيكون».
(ضعيف).
[ثم بين الإمام ضعفه ثم قال]:
وقد كان الداعي إلى تخريجه: أنني سافرت سفرة اضطرارية إلى الإمارات العربية، فكنت في دعوة غداء عند بعض المحبين في الله في (أبو ظبي) يوم الجمعة ٩ محرم سنة ١٤٠٢ هـ، وفي المجلس شاب يماني سلفي يُدعى بـ (عبد الماجد)، فسأل أحد الحاضرين: هل (الماجد) من أسماء الله تعالى؟ فقلت: لا أعلمه إلا في رواية الترمذي للحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة:
"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة"، فزاد الترمذي فيه سرد الأسماء، وفيها هذا الاسم (الماجد)! لكن العلماء ضعفوا هذه الزيادة، وهي في "المشكاة" (٢٢٨٨)، مع بيان ضعفها.
فذكر أحد الحاضرين أنه رأى هذا الاسم في حديث آخر في "مختصر تفسير ابن كثير" للشيخ الصابوني، فطلبته، فرأيته قد ساقه محذوف السند كعادته، غير مشير إلى ضعفه؛ لأنه من الجمهور الذي لا علم عنده بالصناعة هذه؛ بل هو يستكثر بما ليس عنده؛ فإن الحديث يكون في الأصل "تفسير ابن كثير" مخرجًا
[ ٦ / ٢٢١ ]
معزوًا لبعض أصحاب الحديث المؤلفين، فيختصر التخريج من "مختصره"، ويجعله في أسفل حاشيته، يوهم القراء أن التخريج له، وليس له منه إلا التزوير، كما يشير إلى ذلك قوله - ﵌ -:
«من تشبع بما لم يعط؛ فهو كلابس ثوبي زور».
ولو أنه فعل ذلك مرة أو مرتين لما تعرضنا له بذكر، ولكنه جعل ذلك ديدنة ومنهاجًا؛ فإنه جعل كل التخريجات التي في الأصل في حاشية "مختصره"! والله تعالى هو المستعان.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٦٢٧ - ٦٢٩).
[٨٧٧] باب معنى قوله تعالى
على لسان نبيه - ﵌ - «إني انا الدهر»
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر (وفي رواية: يسب الدهر) فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر: أُقِلِّب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما».
[قال الإمام]:
معنى الحديث:
قال المنذري: " ومعنى الحديث أن العرب كانت إذا نزلت بأحدهم نازلة وأصابته مصيبة أو مكروه يسب الدهر اعتقادًا منهم أن الذي أصابه فعل الدهر كما كانت العرب تستمطر بالأنواء وتقول: مطرنا بنوء كذا اعتقادا أن ذلك فعل الأنواء،
[ ٦ / ٢٢٢ ]
فكان هذا كاللاعن للفاعل ولا فاعل لكل شيء إلا الله تعالى خالق كل شيء وفاعله، فنهاهم النبي - ﵌ - عن ذلك.
وكان (محمد) ابن داود ينكر رواية أهل الحديث " وأنا الدهر " بضم الراء ويقول: لو كان كذلك كان الدهر اسمًا من أسماء الله ﷿، وكان يرويه " وأنا الدهر أقلب الليل والنهار "، بفتح راء الدهر على النظر في معناه: أنا طول الدهر والزمان أُقلِبّ الليل والنهار. ورجح هذا بعضهم ورواية من قال: " فإن الله هو الدهر " يرد هذا. والجمهور على ضم الراء. والله أعلم ".
وللحديث طريق أخرى بلفظ آخر وهو: " لا تسبوا الدهر، فإن الله ﷿ قال: أنا الدهر الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك ".
"الصحيحة" (٢/ ٦٧ - ٦٩).
[٨٧٨] باب هل يُطلق على الله تعالى لفظ الذات؟
سؤال: هل يطلق على الله لفظ الذات؟
الشيخ: قد أُطْلِقَ من بعض الصحابة لفظ ذات الله.
مداخلة: ألم يرد فيه حديث: (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في
ذات الله) ..؟
الشيخ: أنا ما أذكر الآن الحديث، أنا أقول له جاء هذا عن بعض الصحابة.
مداخلة: (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله).
الشيخ: أنا ما أحفظ والله الآن في ذات الله.
مداخلة: [يعني هذا] جائز؟
[ ٦ / ٢٢٣ ]
الشيخ: جائز طبعًا بعد صحة الحديث ورود ذلك عن السلف، [يحاول الشيخ تذكر البيت] .. «في ذات الله».
مداخلة: وذلك في ذات الإله وإن يكن
الشيخ: أيوه هذا.
مداخلة:: [و] كلام عبد الله بن المبارك:
الله فوق عرشه بذاته بائن من خلقه
الشيخ: إيه نعم (١).
" الهدى والنور" (٢٥/ ٤٩: ٤١: ٠٠)
[٨٧٩] باب هل يجوز إطلاق لفظ شيء على الله ﷿؟
السؤال: هل يجوز إطلاق لفظ شيء على الله ﷿؟
الشيخ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور:٣٥).
مداخلة: أو مثلًا ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (الأنعام:١٩).
الشيخ: ممكن يعني، بس يعني بدك تحكي مع ناس يفهموا عليك.
مداخلة: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: وإياك.
" الهدى والنور" (٣٢٦/ ٤٠: ١٧: ٠٠)
_________________
(١) أقول: وقد جاء إطلاق هذا اللفظ: «ذات الله» من كلام النبي - ﷺ -، وذلك في حديث كذبات إبراهيم ﵇ الثلاث حيث قال النبي - ﷺ - في أوله: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله ﷿ ..» الحديث أخرجه «البخاري» (٣١٧٩) «ومسلم» (٦٢٩٤).
[ ٦ / ٢٢٤ ]
جماع أبواب قواعد عامة في صفات الله تعالى
[ ٦ / ٢٢٥ ]
[٨٨٠] باب إثبات قيام الأفعال الاختيارية بذاته تعالى
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﵌ - قال: «قال الله ﷿ أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إليَّ يمشي أقبلت إليه أُهرَوِل.»
(صحيح لغيره).
[قال الإمام]:
قلت: فيه دلالة ظاهرة على أن لله قُربًا يقوم به، بفعله القائم بنفسه. وهذا مذهب السلف وأئمة الحديث والسنة، خلافًا للكلابية وغيرهم ممن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته تعالى، ومن ذلك نزوله تعالى إلى السماء الدنيا. انظر " مجموع الفتاوى لابن تيمية" (٥/ ٢٤٠ - ٢٥٠) ومنه دنوه عشية عرفة، وكل ذلك خاص بالمؤمنين، فراجع كلامه فإنه هام جدًا.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٣/ ١١٤٤).
[٨٨١] باب هل صفاته تعالى محدودة؟
سؤال: فضيلة الوالد حفظك الله، قال رسول الله - ﵌ - في الحديث الذي يرويه مسلم: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» فالسؤال: هل هذا يعني أن بصره ﷾ له نهاية؟
الشيخ: ما انتهى إليه من الخلق يعني، الخلق هو الذي له نهاية، أما بصره تعالى وكل صفاته ليس لها حد محدود، لكن المخلوقات فهي محدودة، هذا هو المقصود من الحديث، التحديد ليس له علاقة بالصفة وإنما بالمخلوق فقط.
"رحلة النور" (٢٩أ/٠٠:٣٥:٣٧)
[ ٦ / ٢٢٧ ]
[٨٨٢] باب جواز الحلف بصفات الله تعالى
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا من أهل الجنة، فيقول أصبغوه صبغة في الجنة، فيصبغونه فيها صبغة، فيقول الله ﷿: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط أو شيئا تكرهه؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت شيئًا أكرهه قط، ثم يُؤتى بأنعم الناس كان في الدنيا من أهل النار فيقول: أصبغوه فيها صبغة، فيقول: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط قرة عين قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت خيرا قط ولا قرة عين قط».
[قال الإمام]:
(فائدة): في الحديث جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى ومن أبواب البيهقي في " السنن الكبرى " (١٠/ ٤١) " باب ما جاء في الحلف بصفات الله تعالى كالعزة والقدرة والجلال والكبرياء والعظمة والكلام والسمع ونحو ذلك". ثم ساق تحته أحاديث وأشار إلى هذا الحديث واستشهد ببعض الآثار عن ابن مسعود وغيره وقال: " فيه دليل على أن الحلف بالقرآن كان يمينًا ".ثم روي بإسناد الصحيح عن التابعي الثقة عمرو بن دينار قال: " أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله ﷿ ".
"الصحيحة" (٣/ ١٥٥ - ١٥٦).
[٨٨٣] باب هل يجوز الحلف بيد الله وقدم الله؟
سؤال: شيخنا مسألة الحلف بيد الله وقدم الله هل يجوز قياسًا على جميع الصفات؟
الشيخ: ألم تسألني هذا السؤال؟
[ ٦ / ٢٢٨ ]
السائل: سألتكم نعم. بعض أهل العلم قالوا: أن السلف ما كانوا يحلفون هذا النوع من الحلف.
الشيخ: أنت تسأل يجوز أم لا يجوز؟
السائل: أنا أسأل يجوز، لكن صفات
الشيخ: أنت تسأل عن الجواز، هل كل أمر جائز ينبغي أن يكون واقعًا من قبل، هل ترى هذه الأشياء التي حولك هذه أشياء جائز استعمالها أم لا؟
لكنها لم تكن في عهده السلف، هذا كلام ليس كلام فقهاء لأن العلماء ذكروا حديث أحد الذين يخرجهم الله ﷿ بفضله من النار إلى الجنة، لا أستحضر الآن تمام الحديث، لا أدري هو الذي قال عنه الرسول: إني لأعرف آخر رجل يخرج من النار، وآخر رجل يدخل الجنة رجل يخرج من النار يحبو حبوًا، أو هو رجل آخر، الشاهد في هذه القصة وهي صحيحة ربنا يسأل العبد سؤالًا فيقول: لا وعزتك، فأخذ العلماء من هنا جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى، هذا متى يقع؟ يقع يوم القيامة، لكن أخذ منه حكم شرعي وهو أنه يجوز الحلف بصفة من صفات الله.
مداخلة: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾
الشيخ: لا لا، هذه ما يجوز، هذه على العكس نعم.
فإذًا: كون أمر دل الدليل الشرعي على جوازه لا يستلزم أن يكون هذا الأمر الجائز واقعًا في عهد السلف، هذا الاستلزام يرد في التعبديات.
"الهدى والنور" (٥١٤/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)
[ ٦ / ٢٢٩ ]
[٨٨٤] باب هل يجوز التسمي بعبد الرحمة وعبد الرضا ؟
سؤال: هل يجوز التسمي بعبد الرحمة وعبد الرضا ..؟
الشيخ: ما علمت ذلك.
"لقاءات المدينة" (٨/ ٠٠:١٩:٢١)
[٨٨٥] باب الفرق بين صفة المعنى والصفة المعنوية؟
سؤال: قال الشنقيطي ﵀: قسَّم المتكلمون الصفات إلى ستة أقسام، قال: الأولى صفة نفسية، والثانية: صفة معنى، والثالثة: قال: صفة معنوية، ما الفرق بين صفة المعنى والصفة المعنوية؟
الشيخ: ما عندي دراية.
"رحلة النور" (٣٠أ/٠٠:٣٩:٣٧)
[٨٨٦] باب هل لله صفات سلبية
سؤال: التقسيم في الصفات مثال على ذلك الصفات السلبية كما يقول بعضهم
الشيخ: عفوًا يا أخي سؤال، الصفات السلبية هل ورد هذا التعبير في الكتاب والسنة فيما تعلم؟
مداخلة: لم يرد.
الشيخ: طيب لماذا تسأل عنها؟
مداخلة: لأني سمعت بعض المشائخ يقول عنه، فأريد أعرف مدى صحة هذا القول أو بطلانه.
الشيخ: إسأله، نحن ما عندنا صفات سلبية.
"الهدى والنور" (٥٦٣/ ١٩: ٣٧: ٠٠)
[ ٦ / ٢٣٠ ]
جماع أبواب الكلام على جملة
مما ثبت لله تعالى من الصفات الفعلية
[ ٦ / ٢٣١ ]
(صفة الضحك)
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ضحك ربنا ﷿ من قنوط عباده، وقرب غيره، فقال أبو رزين: أويضحك الرب ﷿؟ قال: نعم. فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا».
[قال الإمام]:
الحديث صريح في إثبات صفة الضحك لله تعالى بحيث لا يمكن تأويله.
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٣٢ - ٧٣٣).
[٨٨٨] باب إثبات صفة الضحك
والرد على من ضعَّف بعض أدلتها
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«آخرُ مَن يدخلُ الجنةَ رجلٌ؛ فهو يمشي مرة، ويكبو مرةً، وتسفعُهُ النارُ مرةً، فإذا ما جاوزَها التفتَ إليها فقال: تباركَ الذي نجاني منكِ، لقدْ أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فتُرفعُ لهُ شجرةٌ، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، فلأستظلَّ بظلِّها، وأشربَ من مائها، فيقولُ الله ﷿: يا ابن أدم! لعلِّي إن أعطيتُكَها سألتني غيرها؟ فيقولُ: لا يا ربِّ! ويعاهدُه أن لا يسألَه غيرها، وربُّه يعذِرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صبْرَ لَهُ عليه، فيدنيهِ منها، فيستَظلُّ بظلِّها، ويشربُ من مائها.
ثم ترفعُ له شجرةً هي أحسن من الأولى، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه لأشربَ من مائها، وأستظلَّ بظلِّها، لا أسأَلُكَ غيرها، فيقولُ: يا ابن آدم! ألم تعاهدْني أن لا تسألنِي غيرها؟ فيقول: لعلِّي إن أدنيتُك منها تسألُني غيرها؟ فيعاهدهُ أن لا يسألَه غيرَها، وربُّه يعذرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صَبْرَ له عليه، فيدنيهِ منها، فيستظلُّ بظلِّها، ويشربُ من مائها.
[ ٦ / ٢٣٣ ]
ثم ترفعُ له شجرةٌ عند باب الجنة هي أحسن من الأولَيَيْنِ، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه لأستظلَّ بظلِّها، وأشربَ من مائها، لا أسألُكَ غيرها! فيقولُ: يا ابن آدمَ! ألمْ تعاهدني أن لا تسألَني غيرها؟ قال: بلى يا ربِّ! هذه لا أسألُك غيرها، وربُّه يعذرُه؛ لأنه يرى ما لا صَبْرَ له عليها، فيدنيه منها.
فيسمعُ أصوات أهل الجنة فيقولُ: أيْ ربِّ! أدخِلنِيها، فيقول: أيِ ابنَ أدمَ! ما يَصْرِيني منكَ؟ أيرضيك أن أعطيكَ الدنيا ومثلَها معَها؟ قال: يا ربِّ! أتستهزئ مني وأنت ربُّ العالمين؟
فضحكَ ابنُ مسعودٍ، فقالَ: ألا تسألوني ممَ أضحكُ؟ فقالوا: ممَ تضحكُ؟ قال: من ضَحِكِ ربِّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنتَ ربُّ العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئُ منكَ، ولكنِّي على ما أشاء قادر.- وفي رواية: قدير-».
[قال الإمام]:
ثم وقفت بعد زمن من تحرير هذا التخريج على من ينكر صحة الحديث من جهة ما فيه من إثبات صفة الضحك لرب العالمين بقوله - ﵌ -:
«.. من ضَحِكِ رب العالمين».
وأعني به ذاك الجهمي الجاحد المعطل، فقد قال- فُضَّ فوه- في تعليقه على
[ ٦ / ٢٣٤ ]
"دفع الشبه " (ص ١٧٨) مشيرًا إلى إنكاره هذه الصفة:
"وهي عندنا (!) لا تثبت؛ لأن راويها حماد بن سلمة ضعفه مشهور؛ وإن كان من رجال مسلم .. ".
فأقول: مجال الكلام في الرد عليه واسع جدًا لا سبيل إليه الآن، فحسبي منه ما يأتي؛ مما يؤكد تجهمه وعداءه لأئمة السنة وكذبه عليهم!
أولًا: قوله في حماد﵀-! "ضعفه مشهور"؛ كذب وزور، لم يسبقه إليه أحد من المسلمين! فخذ ما شئت من كتب الرجال، فلن تجد فيها هذا التضعيف المطلق فضلًا عن أن يكون مقرونًا بأنه مشهور!! غاية ما قيل فيه: إنه يخطئ! وهل هناك من لا يخطئ غير رسول الله - ﵌ -؟!
ومع ذلك؛ فحماد موصوف بالضبط والإتقان فيما يرويه عن بعض التابعين؛ ومنهم ثابت البناني راوي هذا الحديث عند مسلم وغيره كما رأيت، وقد قال الإمام أحمد في "العلل " (١/ ٢٦٣ و٢/ ٢٢٢):
"حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني ".
وكذا قال ابن المديني وغيره.
ولو أن القارئ الكريم راجع ترجمته في المطوَّلات من كتب الرجال والتاريخ؛ لرأى العجب العجاب من الثناء عليه والرفع من شأنه، وحسبك في ذلك قول إمام المؤرخين- الذي لا يحابي ولا يداري- الحافظ الذهبي، فقد أورده في "تذكرة الحفاظ "، وفي "أعلام النبلاء"، ووصفه بالحافظ الإمام القدوة شيخ الإسلام، ثم قال:
[ ٦ / ٢٣٥ ]
"قلت: كان بحرًا من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى؛ وهو صدوق حجة .. وكان مع إمامته في الحديث إمامًا كبيرًا في العربية، فقيهًا فصيحًا، رأسًا في السنة .. ".
وقال ابن حبان في " الثقات " (٦/ ٢١٦):
"لم يكن من أقرانه مثله في البصرة في الفضل والدين والعلم، والنسك، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدعة، ولم يكن يَثْلُبُه في أيامه إلا قدري أو مبتدع جهمي، لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة".
قلت: سبحان الله اما أشبه اليوم بالبارحة، فها هو الجهمي المبتدع- بل الجاحد- يثلبه من جديد ويطعن فيه تقليدًا منه للكوثري والغماري وأمثالهما من المتجهمة للسبب نفسه الذي ذكره ابن حبان﵀-، لذلك؛ تجده قد نصب نفسه- مثلهما- لرميه بما لا يصح، حتى ضعف به هذا الحديث الصحيح المتلقى من الأمة بالقبول، حتى من ابن الجوزي في "الدفع " الذي فتح له باب التجهم؛ فإنه لعلمه بثقة حماد لم يَسَعْهُ إلا التسليم به، ولكنه فسره بالمجاز الذي يؤدي بهم إلى أن يفسروا وجود ذاته تعالى بالمجاز أيضًا؛ لأن للمخلوقات وجودًا أيضًا، فإذا قالوا: لا ينسب الضحك إلى الله لأن الضحك من صفة الإنسان؛ فلينفوا إذن وجوده تعالى؛ لأن الإنسان موجود أيضًا! فسيقولون: وجوده تعالى ليس كوجودنا .. فنقول: قولوا إذن في كل صفة لله ثبتت في الكتاب أو السنة: إنها ليست كصفتنا؛ تستريحوا وتهتدوا ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾؛ فله سمع ولكن ليس كسمعنا، وبصر ليس كبصرنا .. ويضحك ولكن ليس كضحكنا؛ فإنه يقال في الصفات كلها ما يقال في الذات إثباتًا وتنزيهًا.
فهذا الحق ما به من خفاءٍ فدعني عن بُنَيَّات الطريق.
[ ٦ / ٢٣٦ ]
ثم إن الواقع يشهد أن كل جهمي جاحد إنما هو من الذين قال الله فيهم: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾ ذلك؛ لأنهم يحاولون تضعيف أحاديث الصفات بكل وسيلة غير مشروعة، كما فعل هذا الجاحد بهذا الحديث، فضعف إمامًا من أئمة المسلمين بزور ادعاه عليه، ثم لم يعبأ بمن تابعه من الثقات كما تقدم، ولا بورود هذه الصفة في أحاديث أخرى في "الصحيحين " وغيرهما، بحيث يقطع الواقف عليها بثبوت نسبتها إلى الله تعالى. وكذلك يفعل بكل أحاديث الصفات الأخرى جحدًا لها- بتضعيفها-، أو تعطيلًا لها- بتأويلها- كما فعل بآيات الصفات كالمجيء والفوقية والاستواء؛ تقليدًا منه للكوثري وأمثاله من الجهمية، عاملهم الله بما يستحقون!
"الصحيحة" (٧/ ١/٣٤٥ - ٣٤٦، ٣٥٣ - ٣٥٦).
[٨٨٩] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إذا جمع الله الأولى والأخرى يوم القيامة، جاء الرب ﵎ إلى المؤمنين، فوقف عليهم، والمؤمنون على كوم (فقالوا لعقبة: ما الكوم؟ قال: مكان مرتفع) فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إن عرفنا نفسه عرفناه، ثم يقول لهم الثانية، فيضحك في وجوههم، فيخرون له سجدا».
[قال الإمام]:
اعلم أن هذا الحديث كغيره من أحاديث الصفات يجب إمرارُه على
ظاهره، دون تعطيل أو تشبيه كما هو مذهب السلف ..
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
[ ٦ / ٢٣٧ ]
[٨٩٠] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ضحك ربنا ﷿ من قنوط عباده، وقُرب غيره، فقال أبو رزين: أويضحك الرب ﷿؟ قال: نعم. فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا».
[قال الإمام]:
غريب الحديث:
١ - (غيره)، في " شرح القاموس ": " الغير من تغير الحال، وهو اسم بمعنى القطع والعتب، ويجوز أن يكون جمعا واحدته غيرة ".قال أبو الحسن السندي في " حاشية ابن ماجه ": " والضمير لله، والمعنى أنه تعالى يضحك من أن العبد يصير مأيوسا من الخير بأدنى شر وقع عليه مع قرب تغييره تعالى الحال من شر إلى خير ومن مرض إلى عافية ومن بلاء ومحنة إلى سرور وفرحة. لكن الضحك على هذا لا يمكن تفسيره بالرضا ".
٢ - (قلت: لن نعدم) من عدم كعلم إذا فقده. قال السندي: " يريد أن الرب الذي من صفاته الضحك لا نفقد خيره بل كلما احتجنا إلى خير وجدناه، فإنا إذا أظهرنا الفاقة لديه يضحك فيعطي ".
٣ - (أزلين): " الأزل بسكون الزاي: الشدة، و(الأزل) على وزن (كتف) هو الذي قد أصابه الأزل واشتد به حتى كاد يقنط "." زاد المعاد ".
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٣٢، ٧٣٦ - ٧٣٧).
[ ٦ / ٢٣٨ ]
[٨٩١] باب الرد على ابن حبان في تأويله صفة الضحك
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ضحك ربنا ﷿ من قنوط عباده، وقرب غيره، فقال أبو رزين: أويضحك الرب ﷿؟ قال: نعم. فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا».
[قال الإمام]:
أخرجه الطيالسي في " مسنده " (١٠٩٢): حدثنا حماد بن سلمة عن
يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبي رزين قال: قال النبي - ﵌ -: فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أحمد في " المسند " (٤/ ١٢) وفي " السنة " (٤٥٢ - دار ابن القيم) وابن أبي عاصم في " السنة " (رقم ٥٥٤ - بتحقيقي) وابن ماجه في "سننه" (رقم ٢٨١) وعبد الله بن أحمد في " زوائد السنة " (٤٥٣) والدارقطني في " الصفات " (٤٦/ ٣٠ - تحقيق الدكتور الفقيهي) والآجري في "الشريعة " (ص ٢٧٩ و٢٧٩ - ٢٨٠) والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص٤٧٣) من طريق الطيالسي - كلهم عن حماد بن سلمة به. قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجالهثقات رجال مسلم غير وكيع بن عدس، ويقال: " حدس " بالحاء بدل العين، قال الذهبي في " الميزان ": " لا يعرف، تفرد عنه يعلى بن عطاء ".وقال الحافظ في "التقريب": " مقبول ".قلت: يعني عند المتابعة كما نص عليه في المقدمة، وقد توبع كما يأتي. وقال الذهبي عنه في " الكاشف ": " وثق "! قلت: يشير إلى أن ابن حبان وثقه، وأن توثيقه هنا غير معتمد لأنه يوثق من لا يعرف، وهذا اصطلاح منه لطيف عرفته منه في هذا الكتاب، فلا ينبغي أن يفهم على أنه ثقة عنده كما يتوهم بعض الناشئين في هذا العلم. وابن حبان أورده في التابعين من "ثقاته"
[ ٦ / ٢٣٩ ]
(٥/ ٤٩٦) من رواية يعلى عنه فقط، وحكى الخلاف المتقدم في " عدس "، وقال: " أرجو أن يكون الصواب بالحاء ".وقد أخرج له حديثا آخر عن أبي رزين في الرؤية، وهو مخرج في " الظلال " (٤٥٩)، ولم يخرج له هذا الحديث، وهو عجيب منه خالف فيه الجماعة مع أنه على شرطه، وأخشى ما أخشاه أن يكون الصارف له عنه هو أنه صريح في إثبات صفة الضحك لله تعالى بحيث لا يمكن تأويله كما فعل بحديث " ضحك الله من رجلين قتل أحدهما صاحبه وكلاهما في الجنة "، فقد رأيته تأوله تأويلًا متكلفًا قبيحًا (١)، خالف فيه طريقة السلف في الإثبات مع التنزيه، فانظر كلامه إن شئت في " صحيحه " (٤٦٤٧ - الإحسان).
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٣٢ - ٧٣٣).
[٨٩٢] باب خطأ من تأول صفة الضحك بالرضا
[قال الإمام]:
" العجب " غير " الضحك "، فهما صفتان لله ﷿ عند أهل السنة خلافا للأشاعرة، فإنهم لا يعتقدونهما، بل يتأولونهما بمعنى الرضا.
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٣٨).
[٨٩٣] هل تُؤول صفة الضحك بالرضا؟
سؤال: يا شيخ، البيهقي رحمة الله عليه تأول ضحك الرب ﷾ بالرضا وكذا الخطابي صاحب «معالم السنن».
_________________
(١) وقد حكى الإمام الدارمي نحوه في رده على المريسي ثم أبطله، فراجعه فإنه مهم (ص ١٧٧ - ١٧٨).اهـ. [منه].
[ ٦ / ٢٤٠ ]
الشيخ: كل الأشاعرة كذلك يفعلون.
مداخلة: والشيخ أبو إسحاق الحويني أقرهم على هذا في كتاب البيهقي في كتابه الأربعين
الشيخ: بم؟
مداخلة: الحويني أبو إسحاق أقرهم على هذا في الحاشية نقل قول الخطابي أن الضحك بمعنى الرضا وأقرهم عليه، يعني يقول هذا، ما المبرر أو ..
الشيخ: هو لازم من الضحك ذلك، لكن لا يفسر به.
مداخلة: هم أولوه إلى الرضا ..
الشيخ: لا يفسر به.
مداخلة: بارك الله فيك.
الشيخ: وفيك بارك.
"الهدى والنور" (٤٠٩/ ٣٤: ١٤: ٠٠)
[ ٦ / ٢٤١ ]
(صفة العجب والمغايرة بينها وبين الضحك)
[٨٩٤] باب إثبات صفة العجب لله تعالى
[قال الإمام]:
إضافة العجب إلى الله تعالى ثابتة في غير ما حديث واحد، من ذلك قوله - ﵌ -: «وعجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل»، فإذا ثَبَتَ حُمِلَ على ما يليق به تعالى دون تأويل أو تشبيه.
"مختصر صحيح البخاري" (٣/ ١٩٨).
[٨٩٥] باب إثبات صفة العجب والمغايرة بينها
وبين صفة الضحك والرد على من تأولهما
[قال الإمام]:
" العجب " غير " الضحك "، فهما صفتان لله ﷿ عند أهل السنة خلافا للأشاعرة، فإنهم لا يعتقدونهما، بل يتأولونهما بمعنى الرضا.
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٣٨).
[ ٦ / ٢٤٢ ]
[٨٩٦] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«لقد ضحِكَ اللهُ- أو عجِب- من فِعالِكُما [بضيفِكما الليلة]، وأنزل اللهُ: ﴿ويُؤِثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصَة ومن يُوقَ شُحَّ نفسِه فأولئك همُ المفلحون﴾.يعني: أبا طلحة الأنصاريَّ وامرأته».
[قال الإمام]:
اعلم أن الشك المذكور في الحديث- بين الضحك والعجب- لا يضر في ثبوتهما، لأن كلًا منهما قد جاء فيها أحاديث كثيرة في سياقات متعددة في كتب السنة، وبخاصة منها كتب التوحيد والعقيدة، مثل "السنة" لابن أبي عاصم، و" التوحيد" لا بن خزيمة، و"الشريعة " للآجري، وقد خرجت بعضها في "ظلال الجنة" (٥٦٩ - ٥٧٣)، و"الصحيحة" (٧٥٥ و١٠٧٤ و٣١٢٩)، و"صحيح أبي داود " (٢٤٠١) وغيرها.
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٠٦، ٨٠٨)
[ ٦ / ٢٤٣ ]
(صفة القرب)
[٨٩٧] باب إثبات صفة القرب لله عزوجل
وإثبات قيام الأفعال الاختيارية بذاته تعالى
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﵌ - قال: «قال الله ﷿ أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول».
(صحيح لغيره).
[قال الإمام]:
قلت: فيه دلالة ظاهرة على أن لله قُربًا يقوم به، بفعله القائم بنفسه. وهذا مذهب السلف وأئمة الحديث والسنة، خلافًا للكُلَّابية وغيرهم ممن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته تعالى، ومن ذلك نزوله تعالى إلى السماء الدنيا. انظر " مجموع الفتاوى لابن تيمية" (٥/ ٢٤٠ - ٢٥٠) ومنه دنوه عشية عرفة، وكل ذلك خاص بالمؤمنين، فراجع كلامه فإنه هام جدًا.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٣/ ١١٤٤).
[ ٦ / ٢٤٤ ]
[٨٩٨] باب منه
سؤال: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة:١٨٦)، هل نثبت منها صفة القرب لله ﷾؟
الشيخ: طبعًا، هذا ثابت.
مداخلة: هل معنى الحديث: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد» هو نفس المعنى؟
الشيخ: لا، هذا قرب من العبد إلى الرب.
مداخلة: وذاك قرب الله من العبد، فما هو معنى هذا القرب شيخنا؟
الشيخ: رجعنا لموضوع الكيف مع أن المعنى واضح، لكن تكييفه ..
مداخلة: لو قال قائل لهذه الآية وهذا الحديث: الآية تختلف عن الحديث بمعنى، أن الله ﷾ هو الذي يتقرب من العبد، والحديث أن العبد يتقرب من الله، لكن المعنى في هذا الحديث وهذه الآية أن الله ﷾ يستجيب لعبده إذا دعاه، فهو بذلك قريب منه، هل هذا يصح في الآية والحديث؟
الشيخ: إذا كان المقصود بهذا التفسير للآية تفسير القرب بالاستجابة، فأنا أقول: لا يكفي هذا، هذا جزء من التفسير، وذاك القرب الإلهي يستلزم الاستجابة، لكن ليس هو كل شيء.
مداخلة: إذًا: كباقي الصفات نثبت القرب الذي يليق به.
الشيخ: هو هذا. نعم.
"الهدى والنور" (٦٧/ ٥٠: ١٧: ٠٠)
[ ٦ / ٢٤٥ ]
[٨٩٩] باب منه
يا شيخنا القرب الوارد في قوله - ﵌ -: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ».
الشيخ: بذاته بذاته يليق بجلاله وكماله ..
"الهدى والنور" (٥٦٤/ ٣٩: ٥٥: ٠٠)
[٩٠٠] باب إثبات صفة التقرب وغيرها لله تعالى
وبيان خطأ من تأولها
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرَّب إلي شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قلت: اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام - خلافًا للسلف - تأويل هذه الصفات المذكورة في هذا الحديث من (النفس) و(التقرب) و وما ذلك إلا لضيق عطنهم، وكثرة تأثرهم بشبهات المعتزلة وأمثالهم من أهل الأهواء والبدع فلا يكاد أحدهم يطرق سمعه هذه الصفات إلا كان السابق إلى قلوبهم أنها كصفات المخلوقات، فيقعون في التشبيه، ثم يفرون منه إلى التأويل ابتغاء التنزيه بزعمهم، ولو أنهم تلقوها حين سماعها مستحضرين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
[ ٦ / ٢٤٦ ]
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ لما ركنوا إلى التأويل، ولآمنوا بحقائقها على ما يليق به تعالى، شأنهم في ذلك شأنهم في إيمانهم بصفتي السمع والبصر وغيرهما من صفاته ﷿، مع تنزيهه عن مشابهته للحوادث، لو فعلوا ذلك هنا لاستراحوا وأراحوا، ولنجوا من تناقضهم في إيمانهم بربهم وصفاته، فاللهم هداك. وراجع إن شئت التوسع في هذا كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٦١٠).
[ ٦ / ٢٤٧ ]
(صفة الدنو)
[٩٠١] باب إثبات صفة الدنو لله تعالى
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟».
[قال الإمام]:
وقع "الحديث" في " الترغيب " بلفظ:
" ليدنو يتجلى " بهذه الزيادة: " يتجلى " وهي زيادة منكرة لا أصل لها أيضا في شيء من طرق الحديث ورواياته وهذا الخطأ عندي أسوأ من الذي قبله لأنه مُغَيِّر لمعنى الحديث، لأنه تفسير للدنو بالتجلي، وهذا إنما يجري على قاعدة الخلف وعلماء الكلام في تأويل أحاديث الصفات، خلافا لطريقة السلف ﵃، كما خالفوهم في تأويل أحاديث نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا (١) بأن المعنى نزول رحمته.
وهذا كله مخالف لما كان عليه السلف من تفسير النصوص على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه كما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع
_________________
(١) وهي أحاديث كثيرة متواترة، خرجت طائفة كبيرة منها في " الإرواء " (٤٤٩)، وفي " تخريج السنة " لابن أبي عاصم (٤٩٢ - ٥١٣). اهـ. [منه].
[ ٦ / ٢٤٨ ]
البصير﴾ (الشورى: ١١)، فنزوله نزول حقيقي يليق بجلاله لا يشبه نزول المخلوقين، وكذلك دنوه ﷿ دنو حقيقي يليق بعظمته، وخاص بعباده المتقربين إليه بطاعته، ووقوفهم بعرفة تلبيةً لدعوته ﷿. فهذا هو مذهب السلف في النزول والدنو، فكن على علم بذلك حتى لا تنحرف مع المنحرفين عن مذهبهم، وتجد تفصيل هذا الإجمال وتحقيق القول فيه في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وبخاصة منها ". مجموعة الفتاوى "، فراجع مثلًا (ج ٥/ ٤٦٤ - ٤٧٨).وقد أورد الحديث على الصواب فيها (ص ٣٧٣) واستدل به على نزوله تعالى بذاته عشية عرفة، وبحديث جابر المشار إليه آنفًا.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٦، ١٠٨ - ١٠٩).
[٩٠٢] باب منه
عن عَائِشَةُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ».
[قال الإمام]:
القول في دنوه تعالى كالقول في نزوله وسائر صفاته، يجب الإيمان بها وتصديقها بدون تشبيه، ولا تعطيل أو تأويل، كما جرى عليه السلف ﵃.
"مختصر صحيح مسلم" (ص١٧٢).
[ ٦ / ٢٤٩ ]
[٩٠٣] باب هل تُفَسَّر صفة الدنو بالتجلي؟
عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﵌ - قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء؟».
(صحيح)
[قال الإمام]:
[في] الأصل والمخطوطة: (ليدنو يتجلى)، والصواب ما أثبتناه، وزيادة (يتجلى) زيادة منكرة لا أصل لها في شيء من روايات الحديث كما حققته في "الصحيحة" (٢٥٥١)، ومن الظاهر أن مقصود من أدرجها في الحديث تفسيره بها، وهذا خلاف ما عليه السلف أن الدنو صفة حقيقة لله تعالى كالنزول، فهو ينزل كما يشاء، ويدنو من خلقه كما يشاء، لا يشبه نزوله ودنوه نزول المخلوقات ودنوهم، كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «شرح حديث النزول» وغيره.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٤٩٧).
[ ٦ / ٢٥٠ ]
[٩٠٤] باب إثبات صفتي المجيء والإتيان لله تعالى
والرد على من تأولهما والرد على بعض أصول أهل البدع
في الأسماء والصفات
[قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو"]:
موضوع الكتاب وخطورته:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا الكتاب قد عالج مسألة هي من أخطر المسائل الاعتقادية التي تَفَرَّق المسلمون حولها منذ أن وُجِدَت المعتزلة حتى يومنا هذا ألا وهي مسألة علو الله ﷿ على خلقه الثابتة بالكتاب والسنة المتواترة المدعَّم بشاهد الفطرة السليمة، وما كان لمسلم أن ينكر مثلها في الثبوت لولا أن بعض الفرق المنحرفة عن السنة فتحوا على أنفسهم وعلى الناس من بعدهم باب التأويل فلقد كاد الشيطان به لعدوه الإنسان كيدًا عظيمًا ومنعهم به أن يسلكوا صراطًا مستقيمًا كيف لا؟ وهم قد اتفقوا على أن الأصل في الكلام أن يُحمل على الحقيقة وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، أو لقرينة عقلية، أو عرفية، أو لفظية، كما هو مُفصَّل في محله، ومع ذلك فإنك تراهم يخالفون هذا الأصل الذي أصَّلوه لأتفه الأسباب وأبعد الأمور عن منطق الإنسان المؤمن بكلام الله وحديث نبيه حقًّا، فهل يستقيم في الدنيا فهم أو تفاهم
[ ٦ / ٢٥١ ]
إذا قال قائل مثلًا: "جاء الأمير " فيأتي متأول من أمثال أولئك المتأولين فيقول في تفسير هذه الجملة القصيرة: يعني جاء عبد الأمير أو نحو ذلك من التقدير. فإذا أنكرت عليه ذلك أجابك بأن هذا مجاز فإذا قيل له: المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة وهي ممكنة هنا أو لقرينة، لا قرينة هنا (١) سكت أو جادلك بالباطل.
وقد يقول قائل: وهل يفعل ذلك عاقل؟ قلت: ذلك ما صنعه كل الفرق المتأولة الذين ينكرون حقائق الأسماء والصفات الإلهية من المعتزلة وغيرهم ممن تأثر بهم من الخلف ولا نبعد بك كثيرا بضرب الأمثال وإنما نقتصد مثلين من القرآن الكريم أحدهما يشبه المثال السابق تماما والآخر له صلة بصلب موضوع الكتاب:
الأول: قوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ فقيل في تأويلها: وجاء ربك (٢) وقيل غير ذلك من التأويل. ونحو كذلك أولوا قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر﴾. فقال بعضهم: يأتيهم الله بظلل. فنفى بذلك حقيقة الإتيان اللائق بالله تعالى بل غلا بعض ذوي الأهواء فقال: " قوله تعالى: «هل ينظرون» حكاية عن اليهود، والمعنى أنهم لا
_________________
(١) ١) قرائن المجاز الموجبة للعدول إليه عن الحقيقة ثلاث: العقلية كقوله تعالى: [واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها] أي أهلهما. ومنه: [واخفض لهما جناح الذل]. الثانية: الفوقية مثل [يا هامان ابن لي صرحا] أي مر من يبني؛ لأن مثله مما يعرف أنه لا يبني. الثالثة: نحو [مثل نوره] فإنها دليل على أن الله غير النور. قال أهل العلم: وأمارة الدعوة الباطلة تجردها عن أحد هذه القرائن انظر: "إيثار الحق على الخلق" (ص ١٦٦ - ١٦٧) للعلامة المرتضى اليماني [منه].
(٢) كدا ولعل صوابها: جاء [أمر] ربك.
[ ٦ / ٢٥٢ ]
يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ليروه جهرة لأن اليهود كانوا مشبهة يجوزون على الله المجيء والذهاب) نقله الكوثري في تعليقه على "الأسماء والصفات " (ص ٤٤٧ - ٤٤٨) عن الفخر الرازي وأقره.
فتأمل - هداني الله وإياك - كيف أنكر مجيء الله الصريح في الآيتين المذكورتين. وهو إنما يكون يوم القيامة كما جاء في تفسير ابن جرير لقوله تعالى: «هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك» فذكر (١٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦) في قوله: ﴿أو يأتي ربك﴾ عن قتادة وابن جريج: يوم القيامة ونحوه عن ابن مسعود وغيره. في " الدر المنثور" (١/ ٢٤١) وانظر كلمة الإمام ابن راهويه في إثبات المجيء في الفقرة الآتية من الكتاب (٢١٣).
فنفى هذا المتأول ببركة التأويل إتيان الله ومجيئه يوم القيامة الثابت في هذه الآيات الكريمة والأحاديث في ذلك أكثر وأطيب، ولم يكتف بهذا بل نسب القول بتجويز المجيء على الله إلى اليهود وأن الآية نزلت في حقهم ضلال وكذب، أما الضلال فواضح من تحريف الآيات المستلزم الطعن في الأئمة الذين يؤمنون بمجيء الله تعالى يوم القيام. وأما الكذب فإن أحدًا من العلماء لم يذكر أن الآية نزلت في اليهود بل السياق يدفع ذلك قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ في السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين، فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم، هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ (سورة البقرة: ٢٠٨ - ٢١١).
قلت: فأنت ترى أن الخطاب موجه للمؤمنين ولذلك قال ابن جرير في "تفسيره" (٤/ ٢٥٩) لقوله تعالى: ﴿فإن زللتم ..﴾:
" يعني بذلك جل ثناؤه فإن أخطأتم الحق فضللتم عنه وخالفتم الإسلام
[ ٦ / ٢٥٣ ]
وشرائعه من بعد ما جاءتكم حججي وبينات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون - فاعلموا أن الله ذو عزة "
نعم قد روى ابن جرير (٤/ ٢٥٥) عن عكرمة قوله:" ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾ قال: نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام وو كلهم من يهود قالوا: يا رسول الله يوم السبت كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه فنزلت".
قلت: وهذا مع أنه في مؤمني اليهود لا يصح إسناده لإرساله، ولو صح لم يجز القول بأنها " نزلت في حق اليهود " لأنها تعني عند الإطلاق كفارهم والواقع خلافه فتأمل هذا رحمنا الله وإياك، هل تجد في هذه الآيات المصرحة بإتيان الله ومجيئه قرينة من تلك القرائن الثلاث تضطر السامع إلى فهم ذلك على نحو مجيء المخلوق وهذا تشبيه حقًّا اضطرهم هذا الفهم الخاطئ إلى إنكاره ونسبته إلى اليهود وصاروا إلى التأويل. وكان بوسعهم أن يثبتوا لله تعالى هذه الصفة كما أثبتها السلف دون تشبيه كما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وإلا فهم على ذلك سيتأولون السمع والبصر أيضا لأن الله تعالى قد أثبت للمخلوق سمعًا وبصرًا في القرآن والسنة، فقد يقولون إننا إذا أثبتنا السمع والبصر لله شبهناه بمخلوقاته، وهذا ما فعلته المعتزلة تماما فإنهم تأولوهما بالعلم تنزيهًا له تعالى عن المشابهة زعموا وبذلك آمنوا بالطرف الأول من الآية [ليس كمثله شيء] ولم يؤمنوا بالطرف الآخر منها ﴿وهو السميع العليم﴾ وأما الأشاعرة وغيرهم من الخلف فقد آمنوا بكل ذلك هنا فجمعوا بين التنزيه والإثبات قائلين: سمعه ليس كسمعنا وبصره ليس كبصرنا. فهذا هو الحق وكان عليهم طرد ذلك في كل ما وصف الله به نفسه فيقال: مجيئه تعالى حق ولكنه ليس كمجيئنا، ونزوله إلى السماء الدنيا حق لتواتر الأحاديث بذلك كما يأتي في الكتاب ولكن ليس كنزولنا،
[ ٦ / ٢٥٤ ]
وهكذا في كل الصفات ولكنهم لم يفعلوا ذلك مع الأسف في كثير من الصفات منها ما نحن فيه فتأولوه بما سبق أو بغيره ومنها الاستواء
" مختصر العلو" (ص٢٢ - ٢٥).
[٩٠٥] باب إثبات صفة المجئ والرد على من تأولها
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«لا تَتَفَكَّروا في الله، فإنه لا مِثْلَ له، ولا شَبِيْهَ ولا نظيرَ، ولا تَضْربوا لله الأمثالَ، ولا تَصِفوه بالزَّوالِ، فإنه بكل مكانٍ».
(موضوع).
[قال الإمام]:
قال الربيع في مسنده (٣/ ٢١٧): وبلغنا عن أبان بن [أبي] عياش عن أنس بن مالك قال: خرج النبي - ﵌ - على قوم جلوس، فقال ما أجلسكم؟ فقالوا: نتفكر في الله، فقال - ﵌ -: فذكره. قلت وهذا موضوع، آفته أبان بن [أبي] عياش، وهو متروك - كما قال الذهبي والعسقلاني -.وجملة التفكر قد رويت من طرق أخرى، بدا لي من مجموعها أنها ترتقي إلى مرتبة الحسن، ولذلك خرجته في "الصحيحة" (١٧٨٨).
وأما سائر هذا الحديث وبخاصة الجملة الأخيرة منه فإنها باطلة، وهي من وضع الجهمية والمعطلة لصفات الله ﷿، الذين يتأولونها غير تأويلها المعروف عند السلف، ويعبرون عن المجيء المصرح به في القرآن والنزول المتواتر عن النبي - ﵌ - بالزوال- كما في هذا الحديث-، أو الانتقال- كما يفعل
[ ٦ / ٢٥٥ ]
ابن الجوزي وغيره -، ثم يقولون: هذا من صفات المخلوقات، فلا يجوز وصف الله بذلك! والحقيقة أن المجيء والنزول لا يجوز تأويله بما ذكروا، وهو صفة لله، وصف بها نفسه، نصفه بها دون تشبيه ولا تعطيل، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فهم وقعوا حين عبَّروا بما تقدم في التشبيه، ففروا منه إلى التعطيل.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٣٤ - ٧٣٥).
[ ٦ / ٢٥٦ ]
(صفة الهرولة)
[٩٠٦] باب هل تثبت صفة الهرولة لله تعالى؟
سؤال: هناك أيضًا مسألة عقدية أو قاعدة أبطلها بعضهم في العقيدة أن الصفات إذا لم يكن في الصفة أو في الحديث الذي فيه إثبات صفة قرينة فيكن الأمر على حقيقتها مثل حديث الهرولة: «ومن جاءني يمشي جئته هرولة»، في
أول الحديث قرينة: «من تقرب إلي»، فيقول: هذه القرينة يعني تبين أن الهرولة ليست حقيقة بمعنى: أننا نقول أن الله يهرول، لا نقول إن الله يهرول، هل توافقون
على هذه القاعدة أولًا؟ ثم ثانيًا: ما معنى الهرولة أو هل تثبتون الهرولة لله ﷾؟
الجواب: أنا لا أعرف هذا التفصيل الذي تنقله وأثبت ما أثبته الرسول
في الحديث ولا أشتق منه شيئًا فعلًا أو اسمًا أكثر مما جاء في هذا الحديث، لا
أزيد عليه.
مداخلة: نفهمه على ضوء الحديث الآخر: «عبدي جعت فلم تطعمني، أو مرضت فلم تَعُدْني».
الشيخ: نعم.
مداخلة: «فقال: كيف أعودك وأنت رب العالمين».
الشيخ: نعم.
[ ٦ / ٢٥٧ ]
مداخلة: في تتمة الحديث يبين أنه يعني ليس هذا فيه إثبات صفة المرض أو الجوع لله ﷿.
الشيخ: طبعًا؛ لأنه هذا لا يمكن إلا أن يكون نقصًا، لكن الهرولة
مداخلة: كذلك الهرولة.
الشيخ: الهرولة كالمجيء والنزول صفات ليس يوجد عندنا ما ينفيها إذا خصصناها بالله ﷿؛ لأن هذه الصفات ليست صفة نقص حتى نبادر رأسًا إلى نفيها كالطعام والشراب والمرض ونحو ذلك، فأنا أجد فرقًا بين الأمرين لكن لا أتوسع في موضوع الهرولة ولا أزيد على أكثر مما جاء في الحديث، ولا أدري أو لا أذكر ماذا ذكر شيخ السلفيين في هذه المسألة ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية﵀ - فلعل إخوانّا الحاضرين يذكرون شيئًا من ذلك، كلام ابن تيمية حول هذا الحديث
مداخلة: ابن القيم.
الشيخ: ابن القيم لا بأس.
مداخلة: هم يثبتون هذه الصفة لكن يبينون معنى هذه الصفة على وجه يليق بالمخلوق وعلى وجه يليق «بالله تعالى».
الشيخ: كل الصفات شأنها هكذا.
مداخلة: هذا كلام عام يعني
مداخلة: كويس: «من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا»، التقرب هاهنا يكون بالذات وإلا يكون بماذا؟
[ ٦ / ٢٥٨ ]
الشيخ: تقرب العبد يكون بالعبادة والطاعة.
مداخلة: بارك الله فيكم، وتقرب رب العزة والجلال؟
الشيخ: بماذا يكون؟
مداخلة: بالثواب.
الشيخ: طيب.
مداخلة: أليس كذلك؟
الشيخ: لكن هذا لا ينفي الآخر.
مداخلة: ومن جاءنا يمشي هل نحن نمشي إلى الله؟
الشيخ: ما في حاجة لإن هذا تكرار للمعنى السابق ما في حاجة للتسلسل.
مداخلة: يعني: الخلاصة أنكم تثبتون الهرولة لله؟
الشيخ: بس ولا نزيد على ذلك.
مداخلة: على وجه يليق به.
الشيخ: أي نعم، لا نشتق ولا نتوسع نعم.
مداخلة: إذا كان في نص الحديث تأويل يكون في تأويل العبد لا
لصفة الرب.
الشيخ: هو هذا بس.
مداخلة: جزاكم الله خيرًا.
الشيخ: نعم.
" الهدى والنور" (٧٥٦/ ١٢: ٥٥: ٠٠ طريق الإسلام)
[ ٦ / ٢٥٩ ]
[٩٠٧] باب منه
سؤال: قول النبي - ﵌ - عن ربه ﷾: «من أتاني يمشي أتيته هرولة» السؤال نفسه يا شيخ؟
الشيخ: صفةٌ ما نبحث فيها.
مداخلة: وكذلك: «من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا».
الشيخ: نعم، كذلك.
مداخلة: هل يوجد مانع أن يقول: تقرب بالطاعات فتقرب الله له بالمغفرة والرحمة ورفع الدرجات، وكذا؟
الشيخ: هذه مثل هذيك.
مداخلة: هذا جزء من المعنى، ولكن ليس هو المعنى التام.
شيخ الإسلام في هذا له كلمة في هذا يقول: قرب الشيء من الشيء الآخر المقابل له يقتضي قرب الآخر منه.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: هل حديث النبي - ﵌ - لذاك الرجل الذي سأل عما يُدْخِلُه الجنة ويُبْعِدُهُ عن النار: «أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» له علاقة في مسألة القرب
أو ترابط؟
الشيخ: أي قرب؟
مداخلة: القرب الذي في حديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه
وهو ساجد».
[ ٦ / ٢٦٠ ]
الشيخ: أيوه.
مداخلة: يعني المعنى إذا سجد يكون قريب من الله ﷾، وبالتالي يستجيب الله له.
الشيخ: هذا طبعًا ضمني موجود هذا المعنى، لكن هو المقصود؟
مداخلة: ليس هو المراد.
الشيخ: أي نعم، هذا كله يشبه بعضه البعض، والمقصود كما قلتُ مِرارًا وتكرارًا في بحث التوسل أن الرسول - ﵌ - من حكمته أن الإنسان حينما يطلب منه شيئًا كالدعاء مثلًا، لا يجعله يتواكل عليه، وإنما يشغله بالطاعة، فيقول له: لك ذلك، ولكن أعني على ذلك بكثرة السجود، يعني لا تتواكل على ما أتعهد لك به، لكن أعنِّي على أن تحصل على ما تريد بكثرة العبادة والسجود لله ﷿، فكونه قريب من الله هذا جاء ضمنًا، مش هذا المقصود، المقصود هو أنْ لا يتواكل على وعد الرسول إياه، وإنما يكون معينًا له على تحقيق طِلْبَتِهِ، بالإكثار من طاعته لربه وبخاصة السجود له.
"الهدى والنور" (٦٧/ ٤٣: ٢١: ٠٠)
[٩٠٨] باب منه
سؤال: حديث: «من أتاني يمشي أتيته هرولة» هل يؤخذ من الحديث إثبات صفة الهرولة لله؟
الشيخ: سئلت هذا مرارًا فأجبت: بأنه لا يوجد عندي جواب، ونصف العلم لا أدري، هذا الجواب، نعم.
"رحلة النور" (ب٤٤/ ٠٠:١٥:٥٧)
[ ٦ / ٢٦١ ]
[٩٠٩] باب الرد على من تأول صفتي الرضا والغضب
[قال الإمام معلقا على قول صاحب الطحاوية: "والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى"]:
فيه رد على المتأولة المعطلة من الأشاعرة وغيرهم الذين قالوا بأن المراد بالبغض والرضى إرادة الإحسان، وليت شعري ما الفرق بين تسليمهم بصفة الإرادة وإنكارهم للصفتين المذكورتين بتأويلهما وهي مثلهما في اتصاف العبد بها أيضًا؟ فهلا قالوا فيهما كما قالوا في الإرادة الإلهية: إنها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل (١) منهما حقيقة تناسب الموصوف بها. وقد بسط القول في ذلك الشارح ﵀ فراجعه.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٠ - ١٠١).
_________________
(١) كذا، ولعل صوابها: لكل.
[ ٦ / ٢٦٢ ]
(صفة الإرادة)
[٩١٠] باب إثبات صفة الإرادة والرد على من ردها
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إنّ ثلاثةً في بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص، فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس. قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا، قال: فأيّ المال أحب إليك، قال: الإبل- أو قال: البقر؛ شك إسحاق؛ إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدُهما: الإبلُ، وقال الآخرُ: البقرُ-، قال: فأعطي ناقةٌ عُشراءَ، فقال: بارك الله لك فيها! قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعرٌ حسنٌ، ويذهبُ عني هذا الذي قذرني الناسُ، قال: فمسحه، فذهب عنه، واُعطي شعرًا حسنًا، قال: فأي المال أحبّ إليك؟ قال: البقرُ، فأعطي بقرةً حاملًا، فقال: بارك الله لك فيها! قال: فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يردّ الله إليّ بصري، فأُبصر به الناس، قال: فمسحه، فردّ الله إليه بصره، قال: فأي المال أحبّ إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاةً والدًا، فأنتج هذان، وولّد هذا، قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين، قد انقطعت بي الحبالُ في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك- بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال- بعيرًا أتبَلَّغُ عليه في سفري، فقال:
[ ٦ / ٢٦٣ ]
الحقوقُ كثيرةٌ، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص، يقذرك الناس؟! فقيرًا فأعطاك الله؟! فقال: إنّما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر! فقال: إن كنت كاذبًا؛ فصيرك الله إلى ما كنت! قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذبًا؛ فصيرك الله إلى ما كنت! قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين، وابن سبيل، انقطعت بي الحبالُ في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك- بالذي ردّ عليك بصرك- شاةً أتبلَّغُ بها في سفري. فقال: قد كنتُ أعمى، فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله! لا أجهدك اليوم شيئًا أخذته لله! فقال: أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم، فقد رضي [الله] عنك، وسخط على صاحبيك».
[قال الإمام]:
أخرجه مسلم (٨/ ٢١٣ - ٢١٤)، وابن حبان (٣١٤)، والبيهقي (٧/ ٢١٩) كلهم من طريق شيبان بن فَرّوخ: حدثنا همام: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع النبي - ﵌ - يقول: فذ كره.
وتابعه عمرو بن عاصم عن همام به.
أخرجه البخاري معلَّقًا عليه؛ إلا أنه لم يسق منه إلا طرفه الأول.
ووصله برقم (٣٤٦٤) فقال: حدثنا محمد بن إسحاق: حدثنا عمرو بن عاصم به؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما ساقه تحويلًا، فقال عَقِبَهُ: وحدثني محمد: حدثنا عبد الله بن رجاء: أخبرنا همام فساقه بتمامه؛ إلا أنه وقع في متنه:"بدا لله ﷿ أن يبتليهم " مكان قوله في الرواية الأولى: "فأراد الله أن يبتليهم ".
ولا شك عندي أن هذه أولى من الأخرى لسببين:
[ ٦ / ٢٦٤ ]
الأول: اتفاق ثقتين عليها- وهما شيبان، وعمرو بن عاصم-.
والآخر: أن نسبة: "البداء" لله ﷿ محال، ومما يدل على تحريف التوراة أنه جاء فيها: أنه بدا لله خلق السماوات والأرض! ولذلك؛ تَكلَّف الحافظ ابن حجر بتأويل هذه الجملة المستنكرة بقوله:
"أي: سبق في علم الله، فأراد إظهاره، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيًا؛ لأن ذلك محال في حق الله تعالى، وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بهذا الإسناد بلفظ: "أراد الله أن يبتليهم "، فلعل التغيير فيه من الرواة".
قلت: نقول للحافظ: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب! وقد عرفت اتفاق الثقتين على اللفظ الأول: "أراد الله "؛ فمخالفة عبد الله بن رجاء أقل ما يقال فيها: إنها مرجوحة، لا سيما والحافظ نفسه قد قال في ترجمته من "التقريب ":"صدوق يهم قليلًا".
وإن من عجائب الحافظ- النابعة من أشعريته-: أنه تأول الرواية الأولى عقب ما سبق نقله عنه:
"مع أن في الرواية أيضًا نظرًا؛ لأنه لم يزل مريدًا"!!
قلت: فليت شعري ماذا يقول الحافظ في الآيات التي فيها نسبة الإرادة إلى الله في القرآن الكريم كمثل قوله: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له﴾، وقوله: ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما﴾ ونحو ذلك من الآيات الكثيرة؟! هل يقول فيها كما قال في الحديث: "فيها نظر"؟!
فقبح الله عِلَم الكلام الذي أودى بكبار العلماء إلى مثل هذا الكلام!.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٤٧٥ - ١٤٧٨).
[ ٦ / ٢٦٥ ]
(صفة التردد)
[٩١١] باب إثبات صفة التردد
«إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته».
[قال الإمام]:
لشيخ الإسلام جوابا قيما على سؤال حول التردد المذكور في هذا الحديث، أنقله هنا بشيء من الاختصار لعزته وأهميته، قال رحمه الله تعالى في " المجموع " (١٨/ ١٢٩ - ١٣١): " هذا حديث شريف، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، فإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة التردد! والتحقيق: أن كلام رسوله حق وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس، وأجهلهم وأسوئهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره ويجب أن يصان كلام رسول الله - ﵌ - عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة. ولكن المتردد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور
[ ٦ / ٢٦٦ ]
(فإنه) لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يُوصف به الواحد منا، فإن الله ليس كمثله شيء، ثم هذا باطل (على إطلاقه) فإن الواحد يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه، كما قيل:
الشيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب.
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي " الصحيح ": " حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره " وقال تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في الحديث، فإنه قال: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًاّ له، يتقرب إليه أولا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل، التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق.
فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة، بحيث يحب
ما يحبه محبوبه، ويكره ما يكره محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه. والله سبحانه قد
قضى بالموت.
فكل ما قضى به فهو يريده ولابد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار
[ ٦ / ٢٦٧ ]
الموت مرادًا للحق من وجه مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترُجَّح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يُبغضه ويريد مساءته ".
وقال في مكان آخر (١٠/ ٥٨ - ٥٩): " فبين سبحانه أنه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين، فهو سبحانه يحب ما يحب عبده، ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت، فهو يكرهه كما قال: " وأنا أكره مساءته " وهو سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد أن يموت، فسمى ذلك ترددًا. ثم بين أنه لابد من وقوع ذلك ".
"الصحيحة" (٤/ ١٨٣، ١٩١ - ١٩٣).
[ ٦ / ٢٦٨ ]
(صفة النظر)
[٩١٢] باب إثبات صفة النظر والرد على من تأولها
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظُرُ إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضلِ ماء بالفلاة؛ يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله: لأَخَذَها بكذا وكذا، فصدّقه، وهو على غير ذلك، ورجلٌ بايع إمامًا؛ لا يُبايعُهُ إلا لدنيا؛ فإن أعطاه منها وفىَّ، وإن لم يعطه منها
لم يَفِ».
[قال الإمام]:
(تنبيه): نقل المعلق على "الإحسان " (!) - مقرًا- تأويل صفتي الكلام والنظر من صفات الله تعالى بالرضا والإعراض، ونحو ذلك!!
وهذا من التأويل المذموم؛ المخالف لعقيدة السلف الصالح، والأصل إمرارُها على ظاهرها على الوجه اللائق بعظمة الله وجلاله؛ كما في قوله سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير﴾.والموفق هو الله!!
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٦٣٦ - ١٦٣٨).
[ ٦ / ٢٦٩ ]
[٩١٣] باب بيان خطأ المعتزلة
في إنكارهم صفتي السمع والبصر
[تكلم الشيخ حول تسليط المعتزلة معول التأويل على أبوب القدر ثم قال]:
كما فعلوا في كثير من الآيات المتعلقة بالصفات الإلهية، فهم مثلًا ينكرون أن يكون الله ﵎ له صفة السمع والبصر، وهم يعلمون مثل قول رب العالمين، آية التنزيه
مداخلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (الحج:٧٥).
الشيخ: نعم بس هذه أبلغ
مداخلة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).
الشيخ: ﴿لَيس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فهم لا يستطيعون أن ينكروا هاتين الصفتين أنه سميع وبصير إلا بالطريقة ذاتها التي أنكروا فيها القدر ألا وهو التأويل بل هو التعطيل، وقالوا السميع البصير يعني العليم، وكذلك أوَّلوا القدر بمعنى العلم مع أنه كما لا يخفاكم العلم صفة ذاتية، أما التقدير الإلهي فصفة فعل، من صفات الأفعال، فهم خلطوا بين هذه الصفة الذاتية وبين الصفة العلمية، لماذا هذا الخلط، ليضربوا الجبر، ولكن أصابهم كما يقول المثل في بعض البلاد: كانوا تحت المطر صاروا تحت المزراب، معروف
[ ٦ / ٢٧٠ ]
هذا عندكم؟
هذا هو، والشاعر العربي القديم يقول كما تعلمون:
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل
فيجب الجمع بين الصفات الإلهية كلها والمشتقة من كتاب الله وأحاديث رسول الله، ولا يجوز ضرب بعضها ببعض أو إنكار بعضها على حساب البعض، وما أحسن ما قال ابن القيم ﵀ في هذه المناسبة:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتَّمْويه
ما العلم نَصْبَكَ للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلاّ ولا جَحْد الصفات ونفيها حذرًا من التمثيل والتشبيه
وهذا هو الموقف العدل، لا تعطيل ولا تشبيه، وإنما هو الإيمان على ما
أراد الله ﷿ في هذه الآيات وأحاديث الرسول ﵇ التي تثبت الصفات الإلهية.
"الهدى والنور" (٢٢٦/ ٢٦: ٠٤: ٠٠).
[٩١٤] باب هل نثبت لله صفة الأذن؟
سؤال: أقول يا شيخ صفة الأذن لله ﷿، موقف أهل السنة
والجماعة منها؟
الشيخ: أنا ما أدري لماذا أنتم تخالفون السلف في مثل هذه الأسئلة، ما دام القاعدة نحن مؤمنون بها ومتفقون عليها، وهي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، لماذا تسألون عن صفة السمع؟ لماذا؟
[ ٦ / ٢٧١ ]
مداخلة: والله يا شيخ لأنه مر علي حديث أبو هريرة الذي أشار إلى أذنيه وبصره وكذا، وسمعت لأحد العلماء: بأن موقف أهل السنة والجماعة لا ينفون ولا يثبتون هذه الصفة صفة الأذن، فأحببت يعني أن أسمع رأيك.
الشيخ: لا يثبتون ولا ينفون بالرأي، أما ما أثبته النص فهم يثبتونه بدون تكييف، كما جاء أنه أشار ﵇ إلى العين، لكن لا يعني العين هذه كعين رب العالمين، لكنها صفة من صفاته تليق بعظمته وجلاله، فمثل هذه القضايا ما تحتاج أكثر من الإيمان بالنص بدون كيف، فالسلفيون والحمد لله مستريحون من هذه الحيثية، يعني: استراحوا من الإنكار خوفًا من الوقوع في التشبيه، واستراحوا من التشبيه عملًا بالتنزيه.
مداخلة: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: تثبت ما أثبته وننفي ما نفاه، ننفى عنه المثلية وانتهى الأمر فإذا أثبت له صفة أثبتناه، فإذا لم يثبت لا نثبت شيئًا من عقولنا.
مداخلة:
الشيخ: ولذلك أنا لا أرى التوسع في مثل هذه القضية، ولو أسئلة وأجوبة؛ لأن هذه الأسئلة والأجوبة جماهير الناس، خاصة الذين لم يُؤسَّسوا على مبدأ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، يبقى يعيشون في زيغ وفي انحراف.
"الهدى والنور" (٧٢٤/ ٠٤: ١٩: ٠٠)
[ ٦ / ٢٧٢ ]
جماع أبواب
ما قد يُستشكل وصفُ الله به من الصفات الفعلية
مما يوصف به تعالى مقيدًا
[ ٦ / ٢٧٣ ]
[٩١٥] باب هل نثبت لله تعالى صفتي الاستهزاء والسخرية؟
سؤال: يسأل سائل فيقول: ما القول الفصل في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة:١٥) وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (التوبة:٧٩) وغيرها من الآيات المشابهة، هل نثبت ما أثبته الله لنفسه، أم نؤولها بلازمها كما يقول بعض المفسرين وجزاكم الله خير.
الشيخ: هذا السؤال جوابه معروف عند أهل السلف وأتباع السلف، وبالمقابل أتباع الخلف، من المعلوم أن السلف كانوا يقولون في مثل هذه الآية وتلك: أمروها كما جاءت، وهم لا يعنون كما يتوهم بعض الخلف اليوم .. لا يعنون أمروها بدون فهم، وإنما أمروها كما جاءت بفهم صحيح وبدون تشبيه وتكييف، وبالتالي بدون تأويل أو تعطيل.
والجواب الحاسم في مثل هاتين الآيتين هو أن نستحضر قول الله ﷿ في صفتين أخريين ألا وهما صفة السمع والبصر حين قال ربنا ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ففي الآية تنزيه، وفيها إثبات لصفتي السمع والبصر، ومعنى التنزيه أننا حينما نثبت لله ﷿ صفًة جاءت في كتابه أو في سنة نبيه أننا نثبتها كما يليق بعظمته ﵎ وجلاله، ولا نُكَيَّف ذلك فلا نقول: سمعه كسمعنا وبصره كبصرنا، كما أننا لا نتأول ذلك كما فعل ذلك قديمًا بعض غلاة المعتزلة حيث تأوَّلوا السمع والبصر بالعلم، قالوا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ
[ ٦ / ٢٧٥ ]
البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) أي: العليم، علمًا بأن الله ﷿ قد وصف نفسه في غير ما آية في القرآن الكريم بالعلم، فحينما يأتي أولئك المعتزلة الغلاة فيتأولون السمع والبصر بالعلم فذلك هو التعطيل الذي قال عنه بعض علمائنا المتقدمين كابن تيمية وابن القيم الجوزية ﵏ قالوا: المعطل يعبد عدمًا والمُجسِّم يعبد صنمًا.
على هذا الأساس من التنزيه والإثبات بدون تشبيه أو تأويل نقول في الآيتين السابقتين من استهزاء الله ﷿ بالمستهزئين بآياته وسخرية الله ﷿ بأولئك وأمثالهم إنما هو استهزاء يليق بالله ﷿ وليس من باب سخرية الإنسان بالإنسان، واستهزاء الإنسان بالإنسان، فالآية والأخرى كلتاهما يساقان مساق الآيات المتشابهات، نمرُّها كما جاءت مع الفهم السليم على ما كان عليه السلف الصالح بدون تشبيه، فهنا لا نشبه استهزاء الله بالمشركين كاستهزاء الناس بعضهم في بعض، وإنما نقول: استهزاءً يليق بالله ﵎ كما جاء تمامًا في الأثر الصحيح الثابت عن الإمام مالك ﵀ أن رجلًا جاء إليه فقال: يا مالك! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل فإنه مبتدع.
كذلك نحن نعلم أن الاستهزاء لغًة معروف وهو مقابل مقابلة المستهزئ باستهزاء من نده، ولكن الله ﷿ ما دام أنه ثبت لدينا يقينًا أنه ليس كمثله شيء، فلا نقول: استهزاؤه كاستهزائنا نحن كما قال مالك تمامًا: استواء الله ﷿ على عرشه معروف، ولكنه بلا كيف، والسؤال عن الكيف بدعة، لذلك أمر بإخراج الرجل على اعتباره إياه مبتدعًا، كذلك نحن نقول في كل آيات الصفات منها صفة الاستهزاء والسخرية معناهما معروف لغًة، ولكن ليس هناك تكييف ولا تشبيه، وهذا هو المنهاج في كل آيات الصفات وأحاديث الصفات.
"أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠:٤٢:٥٥)
[ ٦ / ٢٧٦ ]
(المكر)
[٩١٦] باب هل يوصف الله تعالى بالمكر
[سئل الإمام]:
إن الله عزوجل يُخبر عن نفسه فيقول: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران٥٤)، فربما يضيق عقل بعض الناس عن فهم هذه الآية على ظاهرها، وبما أننا لسنا بحاجة للتأويل، فكيف يكون الله خير الماكرين؟!
[فأجاب]: المسألة سهلة بفضل الله، وذلك لأننا نستطيع أن نعرف أن المكر - من حيث هو مكر- لا يوصف دائمًا وأبدًا بأنه شر، كما إنه لا يوصف دائمًا وأبدًا بأنه خير، فرُب كافر يمكر بمسلم، لكن هذا المسلم كَيِّسُ فَطنٌ ليس مغفلًا ولا غبيًّا، فهو متنبه لمكر خصمه الكافر، فيعامله على نقيض مَكَرَه هو، بحيث تكون النتيجة أن هذا المسلم بمكره الحسن قضى على الكافر بمكره السيئ، فهل يقال: إن هذا المسلم حينما مكر بالكافر تعاطى أمرًا غير مشروع؟ لا أحد يقول هذا.
ومن السهل أن تفهموا هذه الحقيقة من قوله ﵊ «الحرب خدعة» (١)، فالذي يقالُ في الخدعة يُقال في المكر تمامًا، فمخادعة المسلم لأخيه المسلم حرام، لكن مخادعة المسلم للكافر عدو الله وعدو رسوله هذا ليس حرامًا، بل هو واجب، كذلك مكر المسلم بالكافر الذي يريد المكر به -بحيث يبطل هذا
_________________
(١) "البخاري" (٣٠٣٠)،- "مسلم" (١٧٤٠). [منه].
[ ٦ / ٢٧٧ ]
المسلم مكر الكافر- هذا مكر حسن، وهذا إنسان وذاك إنسان.
فماذا نقول بالنسبة لرب العالمين القادر العليم الحكيم؟
ها هو يبطل مكر الماكرين جميعًا لذلك قال ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فحينما وصف رُّبنا عزوجل نفسًه بهذه الصفة؟ قد لفت نظرنا بأن المكر حتى من البشر ليس دائمًا، لأنه قال ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فهناك ماكر بخير، وماكر بِشَرٍّ، فمن مكر بخير لم يُذم، والله عزوجل كما قال ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وباختصار أقول: كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، فإذا توهم الإنسان أمرًا لا يليق بالله، فليعلم رأسًا أنه مخطئ، فهذه الآية هي مدح لله عزوجل، وليس فيها أي شيء لا يجوز نسبته إلى الله ﵎.
"كيف يجب علينا أن نفسر القرآن" (ص١٩ - ٢١).
[ ٦ / ٢٧٨ ]
(جماع أبواب جملة مما ثبت لله تعالى من الصفات الذاتية العقلية والخبرية)
[ ٦ / ٢٧٩ ]
(صفة السلطان)
[٩١٧] باب ما معنى سلطان الله؟
سؤال: قول الرسول - ﵌ -: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» ما معنى سلطانه القديم في الحديث؟
الشيخ: سلطان الله يعني تسلطه على ملكوته، صفة قائمة به فقط.
"الهدى والنور" (٧٨٣/ ٥٧: ١٠: ٠٠)
(صفة النَفْس)
[٩١٨] باب إثبات صفة النفس
والتقرب وغيرهما لله تعالى وبيان خطأ من أَوَّلَهما
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قلت: اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام - خلافًا للسلف - تأويل هذه
[ ٦ / ٢٨١ ]
الصفات المذكورة في هذا الحديث من (النفس) و(التقرب) و وما ذلك إلا لضيق عطنهم، وكثرة تأثرهم بشبهات المعتزلة وأمثالهم من أهل الأهواء والبدع فلا يكاد أحدهم يَطُرقُ سَمعه هذه الصفات إلا كان السابق إلى قلوبهم أنها كصفات المخلوقات، فيقعون في التشبيه، ثم يفرون منه إلى التأويل ابتغاء التنزيه بزعمهم، ولو أنهم تَلقَّوها حين سماعها مستحضرين قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» لما ركنوا إلى التأويل، ولآمنوا بحقائقها على ما يليق به تعالى، شأنهم في ذلك شأنهم في إيمانهم بصفتي السمع والبصر وغيرهما من صفاته ﷿، مع تنزيهه عن مشابهته للحوادث، لو فعلوا ذلك هنا لاستراحوا وأراحوا، ولنجوا من تناقضهم في إيمانهم بربهم وصفاته، فاللهم هداك. وراجع إن شئت التوسع في هذا كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٦١٠).
[ ٦ / ٢٨٢ ]
(صفة اليد)
[٩١٩] باب الرد على من أنكر صفة اليد لله تعالى
[قال الإمام]:
الأحباش (١) ينكرون في جملة ما ينكرون اليد التي وصف الله ﷿ نفسه بها، يقولون: اليد جارحة .. ! سبحان الله، وهم يتكلمون عن أنفسهم، فكيف يقولون في اليد التي ذكرها الله إنها جارحة؟ هؤلاء من أجهل الناس إن لم يكونوا من أضل الناس؛ ذلك لأنهم يقيسون الغائب على الشاهد، بل يقيسون غيب الغيوب وهو الله ﵎ على أنفسهم، هذا في منتهى الحماقة إن لم يكن في منتهى الضلال، نحن نجاريهم جدلًا لا عقيدةً وحاشى أن نشاركهم في عقيدتهم، نقول لهم: الله ذات متصف بصفات الكمال، هل تقولون معنا؟ لا بد أن يقولوا معنا: نعم أو يقولوا: لا، فإن قالوا: لا فذاك هو الذي يدل على ضلالهم ويؤكد ما هم فيه فلا كلام لنا معهم؛ لأن الكلام حينئذ يكون مع الزنادقة، والمفروض الآن أننا نتكلم مع مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون وو إلى آخره .. فإذا قالوا نحن معكم بأن الله ﷿ له كل صفات الكمال، فإذا قالوا هذه الكلمة فقد تناقضوا حينما قالوا الله ذات وله صفات، وأنت أيها المتكلم بكلام علماء الكلام حينما تقول اليد جارحة هذه جارحة بالنسبة لذاتك، فهل
_________________
(١) أتباع عبد الله الهرري الحبشي.
[ ٦ / ٢٨٣ ]
ذاتك كذات الله أو ذات الله كذاتك؟ ستقول حاشى لله، ذاته ليست كالذوات، وبالتالي صفاته ليست كسائر صفات المخلوقات، إذًا انتهت المشكلة يا جماعة .. يقال في الذات ما يقال في الصفات، يقال في الصفات ما يقال في الذات إيجابًا وسلبًا الله ذات له كل صفات الكمال ومنزه عن كل صفات النقص، ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فهو سميع وبصير صدق الله، لكن سمعه ليس كسمعنا، بصره ليس كبصرنا، لا بد لهؤلاء المجادلين بالباطل والمتسترين بكلام ظاهره حق وباطنه باطل، لا بد لهؤلاء أن ينكروا كل صفات الله ﷿، لماذا؟ لأن وصف الله بهذه الصفات في الغالب فيها اشتراك لفظي ليس حقيقي معنوي، الله ﷿ قال عن آدم ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) وَوَصْفُه نفسَه بأنه سميع بصير، إذًا انتهى الوقت؟
إذًا ننهي هذا الكلام فنقول: إذا كان الله ﷿ قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ووصف آدم ﵇ بأنه جعله سميعًا بصيرًا، فعلى طريقة هؤلاء الأحباش وأمثالهم من المعطلة لا بد من أحد شيئين: إما أن نقول إن الله ليس كما قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)؛ لأنه قال في آدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) أو أن نقول لا هو كما وصف به نفسه لكن قوله في آدم ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) ليس كذلك فلا بد من تعطيل أحد الوصفين إما ما كان منهما متعلقًا بالله ﷿ وهذا كفر، وإما ما كان متعلقًا بوصف الله لآدم ﵇ بأنه جعله سميعًا بصيرًا إنكار أيضًا هذا فهو كفر فهم دائرون ما بين كفر وكفر وذلك عاقبة من لا يتبع السلف الصالح، ولذلك قيل:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
[ ٦ / ٢٨٤ ]
فنوصي الحاضرين جميعًا ألا يصغوا لعلماء الكلام ولا لأذنابهم، وعليهم أن يعرفوا عقيدة السلف ليكونوا إن شاء الله مهتدين، والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٦٩٥/ ٥٤: ٠٠: ٠٠) و(٦٩٥/ ٤٣: ٢٧: ٠٠)
[٩٢٠] باب المقصود
بـ"أيدينا" في قوله تعالى: "مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا"
السؤال: في سورة (يس) في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (يس:٧١)، ما المقصود بأيدينا في الآية؟
الشيخ: المقصود الله ﷿ إذا كان يعني نفسه فلله ﷿ يدان لا نعرف كيفيتهما، وقد يعني من خلقه من الملائكة الذين وكلهم بأن يخلق بأمره إياهم ما شاء ربنا ﷿ من الخلق، فهنا لا إشكال إن كانت الأيدي هي من فعل الله ﷿، فهناك آيات وأحاديث كثيرة أن لله ﷿ يدان دون تكييف ودون تشبيه، وإن كانت الأيدي المقصودة هنا أيدي الملائكة فالأمر حينذاك أسهل.
"الهدى والنور" (٨٩/ ٠٠:٣١:٢٥)
[٩٢١] باب تفسير قوله تعالى: "يد الله فوق أيديهم"
سؤال: شيخنا قوله ﵎: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح:١٠)، بعض المفسرين لم يذكر فيها شيئًا، وبعضهم يقول: هي يد رسول الله - ﵌ -،
الشيخ: ما هي؟ يد الرسول؟
مداخلة: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (الفتح:١٠).
الشيخ: كيف يد الرسول؟
[ ٦ / ٢٨٥ ]
مداخلة: بعض المفسرين يقولون هذا.
الشيخ: معيلش يا أخي بدي أفهمها، كيف يعني؟
مداخلة: يعني يد الرسول فوق أيديهم.
الشيخ: فوق أيدي من؟
مداخلة: فوق أيدي من تبايعوا.
الشيخ: والآية شو بتقول؟
مداخلة: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ (الفتح:١٠) أنا أعرف إنه هذا باطل.
الشيخ: فإذًا؟
مداخلة: سأكمل إن شاء الله.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: فهل يلتفت إلى أحد المنهجين، يعني السكوت أو تفسير اليد لرسول الله - ﵌ -، أم يُقال فيها ما يقال في باب الأسماء والصفات يَدٌ لله تليق به ﷾، وإذا قلنا أن معنى (فوق أيديهم) قلنا هذا المعنى مما نفوضه ولا نتوسع فيه، أم أن هناك شيئًا آخر، جزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: لكن أنا ظننت أنك ستأتي بشيء جديد بالنسبة لقولك، أو لنقلك عمن قال: يد الرسول، ما جبت شيء بالنسبة لمن قال: يد الرسول؟
مداخلة: .. غرضي أن أسجل جوابك على هذه الفقرة.
الشيخ: معليش يا أخي، لكن أنا أريد أن أفهم الحقيقة، هذا مطبوع الكلام هذا؟
[ ٦ / ٢٨٦ ]
مداخلة: أي نعم في تفسير النِّسَفِي.
الشيخ: تفسير النِّسَفِي، يفسر يد الله يعني يد رسول الله؟
مداخلة: أي نعم، وهكذا في كل الصفات.
الشيخ: لا، مش معقول كل الصفات، بس قول بيؤول في كل الصفات.
مداخلة: هذا مقصودي، بيؤول في كل الصفات.
الشيخ: مفهوم، أما مثلًا قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، رسول الله استوى؟
مداخلة: لا طبعًا يؤول، هذا كان مقصودي.
الشيخ: يُؤَوِّل، سبحان الله، على كل حال أخي هنا عندنا قضيتان، هذه الآية لا تخرج عن الآيات والأحاديث، التي يَسِمُوْنَها بأنها من آيات الصفات، من الآيات المتشابهة، والأحاديث أيضًا، فنحن كلها نفسرها بالمعنى المعهود في اللغة العربية مع المحافظة على التنزيه، يعني تنزيه بدون تشبيه وبدون تعطيل، فيد الله فوق أيديهم، هي بلا شك يَدُ ربنا ﷿، إذا كان من المقطوع به في آيات كتابه وأحاديث نبيه أنه فوق المخلوقات كلها، فهو فوق المخلوقات في ذاته كلها، ومن صفات ذاته يده تبارك تعالى، فما بها أي إشكال، لكن كما قلنا أكثر من مرة، لمعرفة حقيقة هذا المعنى، يعني مثلًا نقول: المشاهدة في الواقع، يد الإنسان غير عينه وعينه غيرُ أذنه وغير يده، وو .. إلى آخره، لكن هذه الصفات قائمة فيه، فكذلك -نقول ولله المثل الأعلى-: يده ﵎ غير أذنه، غير عينه، وغير أي صفة أُطلقت وذُكرت في كتاب الله وفي حديث رسول الله - ﵌ -، فهذا هو المقصود من إثبات المعنى اللغوي، مع عدم البحث في الكيفية، حقيقة الكيفية،
[ ٦ / ٢٨٧ ]
يعني هي إثبات مغايرة صفةٍ للأخرى، حتى ما نقع في التعطيل الذي وقع فيه المؤوِّلة.
مثلًا: أنا قرأت قديمًا في كتب الفرق وغيرها: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فهنا نقول نحن السمع غير البصر، فهما صفتان لله ﷿ غير العلم مثلًا، لكن لا يَرِدُ علينا كيف سمعه وكيف بصره، لا كيف.
لكن بعض المعتزلة فسَّروا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، أي عليم. فهذا هو التعطيل.
إذًا: أي صفة نحن نثبتها بدون أي تكييف. هنا اليد والوجه من هذا
الباب تمامًا.
الهدى والنور" (٦٧/ ٠٤: ٠٨: ٠٠)
[٩٢٢] باب معنى قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾
الملقي: الآية: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ نريد يعني تفسير لها؟.
الشيخ: ما تحتاج هذه إلى تفسير، هل سمعت يومًا ما قول السلف: أَمِرُّوها كما جاءت؟ سمعت هذه الكلمة ولا لا؟
الملقي: نعم، سمعتها.
الشيخ: بعد أن سمعتها فهمتها؟
الملقي: لا ما فهمتها.
الشيخ: يعني الآية أو الحديث المتعلق بصفات الله -﷿- يؤخذ منها المعنى الظاهر دون تكييف، ودون تعطيل، دون تكييف تشبيه، ودون تأويل
[ ٦ / ٢٨٨ ]
(الذي) هو أخو التعطيل، وإذا عرفت بأن الله -﷿- كما قال عبد الله بن المبارك إمام أو أحد شيوخ الإمام أحمد إمام السنة: الله -﵎- فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه. تحفظ هذه العبارة الجوهرية عن الإمام ابن المبارك، عبد الله ابن المبارك؟ يقول: الله -﵎- فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه، ثلاث فقرات جمعت عقيدة التوحيد فيما يتعلق بعلو الله -﷿- على خلقه، فإذا علمت أن الله -﷿- فوق عرشه بذاته، عرشه أليس فوق مخلوقاته؟
الملقي: بلى.
الشيخ: فإذا كان هو فوق عرشه وله الصفات الحسنى والأسماء العليا ألا تكون يده فوق خلقه؟
الملقي: بلى.
"الهدى والنور" (٥٢٣/ ٠٢: ٣٨: ٠٠)
[٩٢٣] باب هل قول النبي - ﵌ -:
«والذي نفسي بيده» من أحاديث الصفات؟
سؤال: يقول: جاء في بعض الأحاديث قول النبي - ﵌ -: «والذي نفسي بيده» ما المقصود باليد هنا، هل هي القدرة أم ماذا تُفَسَّر به؟
الشيخ: ما هو الحديث؟
مداخلة: قال هذا جزء من الحديث: «والذي نفسي بيده».
الشيخ: هناك أحاديث كثيرة مبتدئة بمثل هذا الحديث كقوله ﵇:
[ ٦ / ٢٨٩ ]
«والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (١) لا شك أن يد الله ﵎ هي صفة أيضًا من صفاته ﷿، والتأويل لا ضرورة له لا في الآيات المعروفة ولا في هذا الحديث، فنفس عباد الله ومنهم محمد رسول الله - ﵌ -، فهي بيده، وهل اليد تنافي القدرة حتى نؤول هذا الحديث عن ظاهره، أم اليد التي عادةً تعمل فهي متصفة بالقدرة فعلًا، فلا مبرِّر للتأويل إطلاقًا.
"رحلة النور" (٤٠ب/٠٠:٣١:٣٠)
[٩٢٤] باب هل نثبت لله صفة الشمال وكيف الجمع بين حديث «كلتا يدي ربي يمين» وبين الأحاديث التي فيها أن لله شمالًا؟
السائل: أولًا ياشيخ بارك الله في علمك وفي عمرك-الشيخ الألباني: الله يبارك فيك - السائل: جزاك الله خيرا، ثانيًا سؤالي حديث عقدي وهو ما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله - ﵌ - قال: «كلتا يدي ربي يمين» وفي نفس صحيح مسلم حديث آخر من طريق آخر جاء فيه أنه - ﵌ - قال: «يطوي الله السموات بيمينه والأراضين بشماله» فهنا قال بشماله، وهناك قال: كلتا يدي ربي يمين، فكيف التوفيق بين الحديثين بارك الله فيك؟
الشيخ: الحقيقة أنني أعجب من بعض إخواننا الذين يوجهون مثل هذا السؤال، يتوهمون التعارض بين ما جاء في بعض الأحاديث أن لله يمينًا ولله شمالًا وبين الحديث الذي قال فيه ﵇: «وكلتا يدي ربي يمين» يتوهمون التعارض بين هذا الحديث والأحاديث التي تُفصِّل، فتقول إن لله يمينًا ولله شمالًا،
_________________
(١) "مسلم" (رقم٢٠٣).
[ ٦ / ٢٩٠ ]
كهذا الحديث حديث ابن عمر وأحاديث القبضتين التي كنتُ أخرجتها في أول المجلد الأول من السلسلة الصحيحة ففيها أن الله ﷿ لما خلق الخلق قبض قبضةً بيمينه -في عالم الأرواح -فقال هؤلاء بالجنة ولا أبالي، وقبض قبضة بشماله فقال هؤلاء بالنار ولا أبالي، لا تعارض ولا تنافي بين هذا الحديث وما في معناه من إثبات الشمال واليمين، وبين قوله ﵊: «وكلتا يدي ربي يمين»؛ لأن معنى ذلك كقوله ﵎ تمامًا في صفة السمع والبصر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ليس كمثله شي يساوي كلتا يدي ربي يمين، وهو السميع البصير يساوي له يمنى وله يسرى، فتنزيهًا لله ﷿ وبيانًا أن صفات الله ﷿ لا تشبه صفات المخلوقات، قال الرسول ﵇ في الحديث المذكور آنفًا: «وكلتا يدي ربي يمين» فنحن البشر نصف أنفسنا لنا يمين ولنا شمال، لكن هل يجوز لنا أن نصف أنفسنا فنقول كما قال بعض الوعاظ المصرِّيين مخاطبًا الرسول ﵇ يقول في تعظيمه وفي مدحه: (يا رسول الله وكلتا يديك يمين)، هذا هو الضلال المبين، فلا يجوز للمسلم أن يصف نفسه إلا بما هو معروفٌ من بشريته فله يمين وله شمال، ولكن لا يجوز أن يصف بشرٍّ ما، مهما سما وعلا ولو كان رسول الله - ﵌ -: «فيقول وكلتا يدي رسول الله يمين»؛ لأن هذه الصفة مما تفرد بها رب العالمين ﵎، والأمر في الصفات كما تعلمون يوجد اشتراك لفظيٌ، بين صفات الله ﷿ وبين صفات العباد، الله سميع بصير كما سمعتم في الآية السابقة، ولكنه قال بالنسبة لآدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ لكن هذا السمع وهذا البصر يختلف تمامًا في حقيقتهما عن حقيقة صفة السمع والبصر كصفتين لله ﵎، تأكيدًا لهذا التنزيه الذي ذكره الله ﷿ في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من هذا الباب جاء قوله ﵊:
[ ٦ / ٢٩١ ]
«وكلتا يدي ربي يمين» فاليمين والشمال يوجد إشتراك لفظي، أما كلتا
يدي ربي يمين لا أحد يشاركه في اللفظ فضلًا عن المعنى، هذا هو الجواب
عن هذا السؤال.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٣٣/ ٠١:١٩:٣٨)
[٩٢٥] باب منه
سؤال: الحديث عن ابن عمر وفيه: «ثم إن الله ﷾ يطوي الأراضين بشماله» وهناك أحاديث أخرى في الصحيحين أيضًا: «أن الله كلتا
يديه يمين» ..
الشيخ: تكلمنا أيضًا على هذه المسألة في أكثر من جلسة واحدة، فنقول: إن الله ﷿ وصف نفسه بأن لله يدين، فوجب الإيمان بذلك، وأن إحدى يديه يمين والأخرى شمال، ولكن في حديث آخر في الصحيح: أن النبي - ﵌ - قال: «وكلتا يدي ربي يمين» لا إشكال بين هذا الحديث والذي قبله بل هذا الحديث الثاني يؤكد مبدأً قرآنيًّا وهو قوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فهو ﵎ مع كونه سميعًا بصيرًا فليس كمثله شيء، كذلك ﷿ مع كونه له يدان وإحداهما يمين والأخرى شمال فكلتا يدي ربي يمين خلافًا للمخلوقات فلا توصف بأن كلتا يدي يمين المخلوقات يمين؛ لأن هذه صفة اختص بها رب العالمين، فلا تعارض لنتطلب التوفيق، بل هذا تأكيد لتنزيه الله ﵎ عن مشابهته للمخلوقات
"فتاوى جدة" (١/ ٠٠:١٤:٠٤)
[ ٦ / ٢٩٢ ]
[٩٢٦] باب منه
السائل: الحديث: أن لله تعالى يدين، وكلتا يديه يمين، ويوجد حديث آخر أن له يدًا شمالًا، هل هذا وهم من الراوي، مع أن الحديث عند مسلم.
الشيخ: نعم الحديث الذي عند مسلم فيه راو متكلم فيه بحق، ولكن للفظة الشمال في حديثه هذا شواهد أخرى جاءت خارج الصحيح لا مانع في اعتقادي من وصف اليد الأخرى بالشمال مع الجمع بينهما كما جمع الرسول ﵇ بقوله: «وكلتا يدي ربي يمين»؛ لأن ذلك كتفصيل لقوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فلا يوصف بشر بأن كلتا يديه يمين خلافًا ما نقل عن بعض الوعاظ في مصر حيث خاطب النبي - ﵌ - بقوله: وكلتا يديك يا رسول الله يمين! فهذا شرك في الصفات، فالحديث الصحيح: «وكلتا يدي ربي يمين» هو كالتأكيد لكون ما جاء في وصفه تعالى في بعض الأحاديث بأن له يمينًا وأن له شمالًا فليس كيمين وشمال المخلوقين، بل كلتا يدي ربي يمين، فهو تأكيد التنزيه الذي هو الأصل في كل صفات الله ﵎.
مداخلة: والله أستاذ لو تفصل لنا: كلتا يديه يمين؛ لأنه يوجد وهم عند بعض الإخوان في: كلتا يديه يمين.
الشيخ: في هذا أو فيما قبل؟
مداخلة: في كلمة: كلتا يديه يمين، ما المقصود بكلتا يديه يمين؟
الشيخ: تنزيه رب العالمين، وصفات الله ﷿ كما هو الأصل فيها كلها لا تُكَيَّف، فإذا جاء خبر عن الله ﷿ سواء في كتابه أو في حديث نبيه - ﵌ - وجب
[ ٦ / ٢٩٣ ]
الإيمان والتسليم به دون تكييف، لكن من الواضح جدًا أن وصف الرسول ﵇ لكلتا يدي ربه ﵎ بأنها يمين فهو تأكيد أنه ليس كمثله شيء.
"فتاوى جدة- الأثر -" (٢٦ب /٠٠:٠٩:٢٦)
[٩٢٧] باب منه
السائل: عدة مرات كنت سألتك أنه بالنسبة لله ﷿ الأحاديث تشير إلى أن كلتا يدي ربي يمين، الأحاديث تشير كلها أنه فقبض قبضة يمينه وباليد الأخرى، أو أنه ضرب بكتف آدم ضرب بيمينه ثم ضرب في كتفه الأخرى، وذكرت لي مرة أنه فيه أحاديث تُوضِّح أن لله يدًا شمالًا أو يسرى، ما أستذكر الحديث، فهل الحديث وارد بذكر اليد اليسرى؟
الشيخ: كلمة اليمنى فيها تنبيه أن فيه هناك يسرى، وهذا طبعًا لا نقوله ونقف عنده؛ لأن هذا قول بالرأي، ولا يجوز أن نقول مثل هذا الرأي فيما يتعلق بغيب الغيوب وهو الله وصفاته، لكن أنا أقول: كأني سمعتك آنفًا أيضًا أشرت إلى حديث وهو حديث القبض، قبض قبضة بيمنه، أم أنا واهم ما ذكرته؟
مداخلة: أنه قبض قبضة فقال: في الجنة ولا أبالي، وضرب بكتفه اليسرى وقال: في النار ولا أبالي، وضرب بالأخرى بكتفه الأيسر وقال: في النار ولا أبالي.
الشيخ: هذه الأخرى ما هي؟
مداخلة: ما هذه التي أنا أسأل، أنت ذكرت لي مرة شيخنا ..
الشيخ: لا لا، أنا آتيك بالبيان، الحديث مُخرَّج في الأحاديث الصحيحة: «قبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة بشماله فقال:
[ ٦ / ٢٩٤ ]
هؤلاء إلى النار ولا أبالي»، ثم فيه حديث يذكر اليمين واليسار الآن لا أتذكر لفظ الحديث، ثم يعقب على ذلك بقوله ﵇: «وكلتا يدي ربي يمين»، إذًا: أيضًا يشر إلى حديث القبضتين، فيه يمنى وفيه يسرى، وقوله ﵇: «وكلتا يدي ربي يمين» هو كالتفصيل فيما يتعلق بهذه الصفة الإلهية بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فربُّنا له يدان مبسوطتان كما هو صريح القرآن، وكما جاء في السنة يمين وشمال، لكن تميز ربنا ﷿ بهذا الوصف النبوي الذي يمكن أن نقول: إنه اقتباس من النص القرآني حين قال: وكلتا يدي ربي يمين، فهو ليس كمثله شيء إذًا، نحن البشر صحيح شمال ويمين لكن لا نوصف بما وصف نبينا ربنا ﵎ بقوله: وكلتا يدي ربي يمين. ولذلك فقد ضل ضلالًا بعيدًا أحد الوعاظ المشهورين في مصر حينما أراد أن يمدح النبي - ﵌ - فخاطبه بقوله: وكلتا يديك يا رسول الله يمين، وهذا هو الذي نهى عنه الرسول ﵇ حين قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»، وقوله ﵇: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم» فهذا الرجل يظن أن المبالغة في مدح الرسول ﵇ مما يقربهم إلى الله زلفى، فالأمر ليس كذلك أبدًا، وبخاصة حينما أخذ هذه الصفة وأطلقها على رسول الله - ﵌ -، ورسول الله خص بها ربه، فقال: «وكلتا يدي ربي يمين».
فإذًا: له صفة اليمين والشمال، وفوق ذلك وكلتا يدي ربي يمين.
"الهدى والنور" (٢٥٥/ ٥٤: ١٦: ٠٠)
[ ٦ / ٢٩٥ ]
[٩٢٨] باب منه
الشيخ: [ انقطاع ] والحديث الذي ورد في هذا الخصوص في صحيح مسلم فيه رجل ضعيف وهو عمر بن حمزة (١)، لكن أنا لا أستبعد ولا أقطع بأن له شاهد أو أكثر من شاهد، لكن هذا يحتاج إلى بحث، فلو فرضنا ثبوت حديث الشمال، كيف نوفق بين حديث الشمال وبين قوله ﵇ الثابت عنه: «وكلتا يدي ربي يمين»؟
الجواب أن هذا الحديث الصحيح تأكيد لعموم قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، فالعبد له يمين وله يسار شمال، والله له يمين وله شمال على فرض ثبوت الحديث ..
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما ننسى هذا، على فرض ثبوت الحديث فالله له يمين وله شمال لكنه يتميز بكونه الخالق؛ لأن كلتا يديه يمين. هذا في تفصيل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، ولذلك قد ضل ضلالًا بعيدًا واعظ مصري معروف في أثناء درس له كان يعظ الناس ومن عادته أنه يبالغ في حض الناس على الصلاة على الرسول - ﵌ -، فأخذ يمدح الرسول ﵇ إلى أن وصل إلى قوله: يا رسول الله الذي من صفاتك أن كلتا يديك يمين.
مداخلة: الله المستعان.
الشيخ: هذا غلو؛ لأنه أعطى الصفة التي اختص بها رب العالمين دون سائر الناس أجمعين لرسول الله - ﵌ -، فلو ثبت حديث الشمال نقول له يمين وله شمال،
_________________
(١) يظهر من خلال السياق أنه يقصد حديث «الشمال».
[ ٦ / ٢٩٦ ]
ولكن يتميز على الناس بأن من صفته أن كلتا اليدين يمين.
مداخلة: هل يكون ذلك من باب التفضيل أو المبالغة؟
الشيخ: لا، ليس هناك مبالغة هذه حقيقة ..
مداخلة: هذه رآها بعض العلماء أن المعنى أنهما مباركتان، هذا رأي الشيخ عبد العزيز في إثبات اليمين .. الشمال رأي الشيخ عبد العزيز، يقول إذا ثبت اليمين نثبت الشمال.
(حصل هنا انقطاع صوتي)
مداخلة: أقول يا شيخ الذي يقول ولو لم يثبت الحديث لكن إثبات اليمين إثبات للشمال.
الشيخ: هذا بالنسبة إلينا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أو قياسًا علينا، من أين نأتي بالشمال لرب العالمين وهو غيب الغيوب، من أين نأتي، وفي الحديث: «وكلتا يدي ربي يمين»، أنا لا أحب أن أثبت لله اليد الشمال إلا بالنص الصحيح. هذا خلاصة الكلام.
مداخلة: بحثنا القاصر أن حديث عبد الله بن عمر الذي في صحيح مسلم والذي فيه عمر بن الحمزة العمري لم يكن له شاهدًا إلا كما قال البيهقي يقول له شاهد وفيه يزيد الرقاشي متروك، نعم، يقول ليس له شاهد إلا حديث فيه يزيد الرقاشي وهو متروك.
[ ٦ / ٢٩٧ ]
الشيخ: لا يكفي شاهدًا ولا ينهض شاهدًا، وأرجو الله أن يتيح لنا فرصة للبحث في هذه القضية (١).
"الهدى والنور" (٤٠٩/ ٥٠: ٠٩: ٠٠)
[٩٢٩] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إنَّ أول شيءٍ خَلَقَهَ الله ﷿: القلمُ، فأخذَهُ بيمينه- وكلتا يديهِ يمين- قال: فكتبَ الدنيا وما يكونُ فيها من عملٍ معمولٍ: بِرَّ أو فجورٍ، رطب أو يابس، فأحصاهُ عندَه في الذِّكر، ثم قال: اقرَأُوا إن شئتم: ﴿هذا كتابُنا يَنْطِقُ عليكم بالحق إنا كنا نَسْتَنْسِخُ ما كنتم تعملون﴾؛ فهل تكون النسخةُ إلا مِنْ أمرٍ قد فُرغَ منه».
[قال الإمام]:
قوله: «وكلتا يديه يمين»، قد جاء في حديث: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين ..».
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "آداب الزفاف " (٢٨١).
وقد رواه أيضًا ابن حبان (١٥٣٨)، والآجري، والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣٥٤) من حديث ابن عمرو.
وله شاهد ثان من حديث أبي هريرة مرفوعًا:
«لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس » الحديث، وفيه ذكر القبضتين، وقوله تعالى لآدم:
_________________
(١) يأتي الكلام على هذه القضية، وعلى حديث الشمال بإسهاب إن شاء الله في قسم الدراسة.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
«اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة ».
وهو مخرج في "الظلال " (٩١/ ٢٠٦).
وله شاهد من حديث عبد الله بن سلام موقوفًا عليه.
أخرجه الآجري (ص ٣٢٢) بسند جيد.
وفي القبضتين أحاديث أخرى كنت خرجتها في المجلد الأول برقم
(٤٦ - ٥٠). وليس في شيء منها ذكر الشمال؛ إلا في رواية في حديث لابن عمر في طيّ السموات والأرض؛ مذكور في "صحيح الجامع " برواية مسلم وأبي داود عنه، تَفَرَّد بذكره عمر بن حمزة عن سالم عنه. قال البيهقي في "الأسماء" (ص٣٢٤):
"وقد روى هذا الحديث نافع، وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، ولم يذكر فيه: "الشمال "، ورواه أبو هريرة ﵁ وغيره عن النبي - ﵌ - فلم يذكر فيه أحد منهم الشمال. وروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة؛ إلا أنه ضعيف بمرة تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير، وبالآخر يزيد الرقاشي وهما متروكان، وكيف يصح ذلك والصحيح عن النبي - ﵌ - أنه سمى كلتا يديه يمينًا؟! ".
قلت: معنى كلام البيهقي في ذكر "الشمال " في حديث ابن عمر المشار إليه أنه شاذ لمخالفته الثقات الذين لم يذكروا ذلك؛ لا في حديث ابن عمر، ولا في حديث أبي هريرة وغيره، وهذا الحكم بالشذوذ إنما يصح اصطلاحًا فيما لو كان عمر بن حمزة ثقة عند العلماء، لكن الواقع أنه ضعيف؛ كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر وغيره، ووصفه الإمام أحمد بقوله:
"أحاديثه مناكير".
"الصحيحة" (٧/ ١/٣٧٤ - ٣٧٦).
[ ٦ / ٢٩٩ ]
[٩٣٠] باب منه
مداخلة: أولًا يا شيخ بارك الله في علمك وفي عمرك وجزاك الله خيرًا، ثانيًا: سؤالي حديثي عقدي وهو ما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله قال: «كلتا يدي ربي يمين» وفي نفس صحيح مسلم حديث آخر من طريق آخر جاء فيه أنه - ﵌ - قال: «يطوي الله السماوات بيمينه والأراضيين بشماله»، فهنا قال: بشماله، وهناك قال: كلتا يدي ربي يمين، فكيف التوفيق بين الحديثين؟ بارك الله فيك.
الشيخ: الحقيقة أنني أعجب من بعض إخواننا الذين يوجهون مثل هذا السؤال، يتوهمون التعارض بين ما جاء في بعض الأحاديث أن لله يمينًا ولله شمالًا، وبين الحديث الذي قال فيه ﵇: «وكلتا يدي ربي يمين» يتوهمون التعارض بين هذا الحديث والأحاديث التي تُفَصِّل فتقول: إن لله يمينًا، ولله شمالًا كهذا الحديث حديث عمر، وأحاديث القبضتين اللتين كنت أخرجتها في أول المجلد الأول من السلسلة الصحيحة، ففيها أن الله ﷿ لما خلق الخلق قبض قبضًة بيمينه في عالم الأرواح فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وقبض قبضًة بشماله فقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، لا تعارض ولا تنافي بين هذا الحديث وما في معناه من إثبات الشمال واليمين وبين قوله ﵊: «وكلتا يدي ربي يمين»؛ لأن معنى ذلك كقوله ﵎ تمامًا في صفة السمع والبصر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١] ليس كمثله شيء يساوي كلتا يدي ربي يمين، وهو السميع البصير يساوي له يمنى وله يسرى.
فتنزيهًا لله ﷿ وبيانًا أن صفات الله ﷿ لا تشبه صفات المخلوقات قال الرسول ﵇ في الحديث المذكور آنفًا: «وكلتا يدي ربي يمين» فنحن
[ ٦ / ٣٠٠ ]
البشر نصف أنفسنا لنا يمين ولنا شمال، لكن هل يجوز لنا أن نصف أنفسنا فنقول كما قال بعض الوُعَّاظ المصريين مخاطبًا الرسول ﵇، يقول في تعظيمه وفي مدحه: يا رسول الله وكلتا يديك يمين! هذا هو الضلال المبين، فلا يجوز للمسلم أن يصف نفسه إلا بما هو معروف من بشريته، فله يمين وله شمال، ولكن لا يجوز أن يصف بشرًا ما مهما سما وعلا ولو كان رسول الله - ﵌ - فيقول: وكلتا يدي رسول الله يمين؛ لأن هذه الصفة مما تفرد بها رب العالمين ﵎.
والأمر في الصفات كما تعلمون يوجد اشتراك لفظي بين صفات الله ﷿ وبين صفات العباد، فالله سميع بصير كما سمعتم في الآية السابقة ولكنه قال بالنسبة لآدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) لكن هذا السمع وهذا البصر يختلف تمامًا في حقيقتهما عن حقيقة صفة السمع والبصر كصفتين لله ﵎، تأكيدًا لهذا التنزيه الذي ذكره الله ﷿ في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) من هذا الباب جاء قوله ﵊: «وكلتا يدي ربي يمين» فاليمين والشمال يوجد اشتراك لفظي، أما كلتا يدي ربي يمين لا أحد يشاركه في اللفظ فضلًا عن المعنى.
هذا هو الجواب عن هذا السؤال.
(فتاوى جدة (١٤أ) /٠١:١٦:٢٦)
[٩٣١] باب ما روي عن النبي - ﵌ -
أنه قال: «الحجر يمين الله »
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده». (منكر).
[ ٦ / ٣٠١ ]
[قال الإمام]:
وإذا عرفت ذلك "أي: كون الحديث منكرًا"، فمن العجائب أن يسكت عن الحديث الحافظ ابن رجب في " ذيل الطبقات " (٧/ ١٧٤ - ١٧٥) ويتأول ما روي عن ابن الفاعوس الحنبلي أنه كان يقول: " الحجر الأسود يمين الله حقيقة "، بأن المراد بيمينه أنه محل الاستلام والتقبيل، وأن هذا المعنى هو حقيقة في هذه الصورة وليس مجازًا، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلا، وكان يغنيه عن ذلك كله التنبيه على ضعف الحديث، وأنه لا داعي لتفسيره أو تأويله لأن التفسير فرع التصحيح كما لا يخفى.
"الضعيفة" (١/ ٣٩٠، ٣٩٢).
[ ٦ / ٣٠٢ ]
(صفة الساق)
[٩٣٢] باب إثبات صفة الساق لله تعالى
والرد على من تأول آية الساق
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﵌ - قال «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة، شاخصةً أبصارهم ينتظرون
فصل القضاء.
قال: وينزل الله ﷿ في ظُلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا أن يولي كل أناس منكم ما كانوا يتولون، ويعبدون في الدنيا، أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا، قال: فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر والأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون.
قال: ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويمثل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمد - ﵌ - وأمته، قال: فيتمثل الرب ﵎ فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ قال: فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه بعد. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه، فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها
[ ٦ / ٣٠٣ ]
عرفناه.
قال: فيقول ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه فعند ذلك يكشف عن ساقه، فيخر كل من كان لظهره طبق ساجدًا ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون الحديث.
(صحيح).
[قال الإمام]:
فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا ﴾ الآية، وبيان أن الساق فيها إنما هو ساق الله ﷻ، ففيه رد صريح على من يتأوله بغير ما صرح به هذا الحديث وغيره مما كنت خرجته في الصحيحة (٥٨٣ و٥٨٤).
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٣/ ١٢٩٦).
[٩٣٣] باب صفة الساق
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا».
[قال الإمام]:
أما سويد بن سعيد "أحد رواة الحديث"، فهو وإن كان فيه ضعف من قِبَلِ حفظه فلا يضره ذلك هنا؛ لأنه متابع من طرق أخرى عن زيد كما سمعت ورأيت.
[ ٦ / ٣٠٤ ]
ومثل ذلك يقال عن سعيد بن أبي هلال، فقد تابعه حفص بن ميسرة وهشام بن سعد وعبد الرحمن بن إسحاق، فاتفاق هؤلاء الثلاثة على الحديث يجعله في منجاة من النقد عند من ينصف. نعم لقد اختلف في حرف منه، فقال الأول: " عن ساقه " وقال الآخرون: " عن ساق ".
والنفس إلى رواية هؤلاء أميل ولذلك قال الحافظ في " الفتح " (٨/ ٥٣٩) بعد أن ذكره باللفظ الأول: " فأخرجها الإسماعيلي كذلك. ثم قال: في قوله " عن ساقه " نكرة. ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: يكشف عن ساق. قال الإسماعيلي: هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شيء ".
قلت: نعم ليس كمثله شيء ولكن لا يلزم من إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات شيء من التشبيه أصلًا، كما لا يلزم من إثبات ذاته تعالى التشبيه، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات وهي حق ثابت، فكذلك صفاته تعالى لا تشبه الصفات وهي أيضا حقائق ثابتة تتناسب مع جلال الله وعظمته وتنزيهه، فلا محذور من نسبة الساق إلى الله تعالى إذا ثبت ذلك في الشرع وأنا وإن كنت أرى من حيث الرواية أن لفظ " ساق " أصح من لفظ " ساقه " فإنه لا فرق بينهما عندي من حيث الدراية لأن سياق الحديث يدل على أن المعنى هو ساق الله ﵎ وأصرح الروايات في ذلك رواية هشام عند الحاكم بلفظ: " هل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟
فيقولون: نعم الساق، فيكشف عن ساق ".
[ ٦ / ٣٠٥ ]
قلت: فهذا صريح أو كالصريح بأن المعنى إنما هو ساق ذي الجلالة ﵎.
فالظاهر أن سعيد بن أبي هلال كان يرويه تارة بالمعنى حين كان يقول: " عن ساقه "، ولا بأس عليه من ذلك ما دام أنه أصاب الحق. وأن مما يؤكد صحة الحديث في الجملة ذلك الشاهد عن ابن مسعود الذي ذكره البيهقي مرفوعا وإن لم أكن وقفت عليه الآن مرفوعا وقد أخرجه ابن خزيمة في " التوحيد " (ص١١٥) من طريق أبي الزعراء قال: " ذكروا الدجال عند عبد الله، قال: تفترقون أيها الناس عند خروجه ثلاث فرق فذكر الحديث بطوله: وقال: ثم يتمثل الله للخلق، فيقول:
هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه إذا اعترف لنا عرفناه فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن ولا مؤمنة إلا خر لله ساجدًا".
قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي الزعراء واسمه عبد الله ابن هانئ الأزدي وقد وثقه ابن سعد وابن حبان والعجلي ولم يرو عنه غير ابن أخته سلمة ابن كهيل. ووجدت للحديث شاهدًا آخر مرفوعًا، وهو نص في الخلاف السابق في " الساق " وإسناده قوي، فأحببت أن أسوقه إلى القراء لعزته وصراحته وهو: "إذا جمع الله العباد بصعيد واحد نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم ههنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه فيكشف لهم عن ساقه، فيقعون سجدا وذلك قول الله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ ويبقى كل منافق، فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة".
"الصحيحة" (٢/ ١٢٥، ١٢٧ - ١٢٩).
[ ٦ / ٣٠٦ ]
[٩٣٤] باب كشف الله تعالى عن ساقه يوم القيامة
[جاء في آخر حديث عبد الله بن عمرو في علامات الساعة الذي أوله قول النبي - ﵌ -: «يخرج الدجال فيمكث أربعين» أن النبي - ﵌ - قال]:
«فذلك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق».
رواه مسلم.
[قال الإمام]:
أي يوم القيامة يوم كرب وشدة، يوم يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، دون المرائين والقسم الأخير يشير إلى الآيتين: ﴿فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبًا﴾ (المزمل-١٧) وقوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ (القلم-٤٢).
"تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٥٢٩).
[٩٣٥] باب إثبات صفة الساق لله تعالى
سؤال: فضيلة الوالد حفظك الله! يقول السائل: هل يكشف الله تعالى عن ساقه يوم القيامة كما جاء في بعض الكتب؟ نرجو التوضيح وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: الحديث في ذلك في صحيح البخاري، وقد اختلفت مواقف العلماء تجاهه، والذي يترجح عندي الوقوف مع ظاهر الحديث؛ لأنه صفة من صفات الله تعالى، فيجب الإيمان بذلك دون تكييف ودون تعطيل كما هو موقف علماء السلف من كل صفات الله ﷿ كاليد والعين والسمع والاستواء ونحو ذلك، نعم.
"رحلة النور" (٣٦ب/٠٠:٣٩:٤٢)
[ ٦ / ٣٠٧ ]
[٩٣٦] باب حال حديث: «يكشف ربنا عن ساقه»
سؤال: حديث الساق، «يكشف ربنا عن ساقه».
الشيخ: نعم حديث صحيح.
"الهدى والنور" (٥٢٩/ ٢٠: ٣٥: ٠٠)
[٩٣٧] باب هل يؤخذ بتفسير ابن عباس لقوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾؟
السائل: تفسير قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢) فالمفسرين دائمًا يذكرون حديث البخاري اللي يبين الآية الكريمة يكشف ربنا عن ساقه أو كما جاء في الحديث، لكن في نفس الوقت يورد في الحديث بتفسيرات قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد أنه الكشف عن الساق هنا يوم الكرب أو دفع الكربة أو الشدة كما جاء في تفسير لغة العرب، فهنا كيف التوافق يكون في مسألة يعني إمرار نصوص الصفات على ظاهرها، لا سيما وأن الكثير من الناس تحتج بهذه الآية وعن تفسير قول ابن عباس في هذه الآية بالرد على أهل السنة في مسائل كثيرة جدًا.
الشيخ: بارك الله فيك، يجب على كل طالب علم أن يكون منطلقه في الفهم وفي الفقه قائمًا على القواعد العلمية الأصولية سواءٌ ما كان منها متعلق بأصول الحديث أو أصول الفقه، ليس من العلم عند أحدٍ من أهل العلم أن يعارض قول رسول الله - ﵌ - بقول غيره ممن ليس معصومًا، ثم بالتالي ليس من العلم محاولة التوفيق بين الحديث المرفوع والقول الموقوف، ليس هناك حاجة لإعمال الفكر في سبيل التوفيق بين الحديث المرفوع والحديث الموقوف، فقول ابن عباس إن صح، لا ينبغي أن يعارض قول الرسول ﵇ فتنتهي المشكلة؟ لماذا؟
[ ٦ / ٣٠٨ ]
تفكرون أن تعالجوا قضية ليست هي في ذات نفسها مشكلة تريدون توفقوا بين قوله ﵇ وقول ابن عباس! هذا ما ينبغي.
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
فإذا قال الرسول قولًا، فما ينبغي أن نلتفت إلى غيره ليست مشكلة أهل السنة وأهل البدعة وهؤلاء هم متعصبة المذاهب ماهي المشكلة بيننا وبينهم هم يقولون قال الإمام هذه مشكلة، هذه ليست مشكلة عندنا، أما عندهم وهم يقدمون قول الإمام على قول سيد الرسل فضلًا عن الأئمة هي مشكلة عندهم، أما عندنا فلا إشكال في ذلك أبدا، لعلك حصلت الجواب.
السائل: آه بارك الله فيك، لكن يحتجون بعضهم يحتج يقول: إنه مذهب أهل السنة والجماعة في النصوص الشرعية يكون على فهم العلماء، وبعضهم يقولون: إنه ابن عباس رضي الله تعالى عنه والعلماء من التابعين كعكرمة مجاهد يقول نأخذ فهم الآية على فهمهم هم.
الشيخ: المسألة لما يكون مسألة فهم الكلام صحيح، لكن لما يكون مسألة نص لا يقبل فهمًا آخر، ولا يقبل خلافًا؛ فحينئذٍ المسألة كما قلنا آنفًا، يوم يكشف عن ساقٍ أي عن ساقه تبارك وتعالي ليس على الفهم هذه، أما حينما تكون المسألة تحتمل وجهين من حيث الأسلوب العربي لا شك أن المرجع في ذلك إلى العلماء.
"الهدى والنور" (٥٨٢/ ٣٩: ٣٧: ٠٠)
[ ٦ / ٣٠٩ ]
[٩٣٨] باب هل نفى شيخ الإسلام صفة الساق لله ﷿؟
السؤال: شيخ الإسلام ابن تيمية لا يثبت الساق لله ﷿، فهل هذا يعني أنه خالف الأصول؟
الشيخ: لا ما خالف؛ لأنه هذا باجتهاد.
مداخل آخر: هو ما نفاها.
الشيخ: فسر الساق بالشدة ونحو ذلك، ففهم الآية أنها ليست صفة لله ﷿. نعم.
مداخل آخر: شيخ الإسلام ﵀ هو لم ينف الساق ابتداءً، وإنما قال أن قول الله ﷾: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢)، ليست من آيات الصفات، وإنما الذين أثبتوها لم يفهموها من الآية، وإنما فهموها من حديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري، فشيخ الإسلام ﵀ لم ينف الصفة كصفة لله، وإنما قال أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، وشتان بين هذا الجواب وهذا الجواب، والله أعلم.
الشيخ: جزاك الله خير.
المداخل: وابن القيم ﵀ تلميذ شيخ الإسلام رد ردًا مفصلًا عليه في «الصواعق المرسلة»، والله أعلم.
الشيخ: كويس. جزاك الله خيرًا.
المداخل: وأنت كذلك.
"الهدى والنور" (٢٤٩/ ٠٩: ٥١: ٠٠)
[ ٦ / ٣١٠ ]
[٩٣٩] باب معنى قوله - ﵌ - «يضع الجبار قدمه في النار»
سؤال: حديث: «يضع الجبار قدمه في النار» الأشاعرة يؤولون هذا الحديث لشبهتين:
الشبهة الأولى: أن الله يكون مختلطًا بالنار أو يختلط بخلقه.
الشبهة الأخرى: أن أهل النار يرونه، فكيف نرد على هذا؟
الشيخ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ما هي أول شبهة تَرِدُ على بعض الصفات الإلهية، هذا يأتي من تكييف الله ﷿ وتشبيهه بخلقه
الأصل في الصفات الإلهية كالأصل في كل النصوص الغيبية، لا يجوز فيها التوسع ولا يجوز فيها قياس الغائب على الشاهد فالله ﷿ كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فنحن نؤمن بما جاء في الكتاب والسنة دون تكييف وتشبيه ودون أيضًا تعطيل وإنكار بتأويل أو نحو ذلك، وكما قال ابن القيم ﵀:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتَّمْويه
ما العلم نَصْبَكَ للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلاّ ولا جَحْد الصفات ونفيها حذرًا من التمثيل والتشبيه
فنحن نؤمن بكل ما جاء مع ضميمة: ﴿ليس كمثله شيء﴾، فإذا المؤمن آمن بهذا نجا من المفسدتين: مفسدة التشبيه ومفسدة التعطيل، نعم غيره.
" الهدى والنور" (٨٠/ ٤٨: ٥٨: ٠٠)
[ ٦ / ٣١١ ]
[٩٤٠] باب هل نثبت لله تعالى قدمين؟
سؤال: بالنسبة لصفات الله ﵎ هي توقيفية لا مجال للرأي والاجتهاد فيها، فمسألة إثبات القدمين لله ﵎ بقول ابن عباس ﵄: عندما سئل عن الكرسي فقال: هو موضع القدمين، علمًا بأن النصوص الواردة في السنة جاءت بإفراد صفة الرِّجل لله جل وعلا، فهل إذا أثبتنا القدمين لله ﷿ نكون قد خالفنا القاعدة المذكورة وهي: أن صفات الله توقيفية لا مجال للرأي والاجتهاد فيها، أم أننا نقتصر على إثبات الرِّجل بمفردها ونقف عن إثبات تثنية إثبات القدمين؟
الشيخ: حديث ابن عباس كما تعلم هو موقوف، والأحاديث الموقوفة لا يطلق فيها القول بأنها في حكم المرفوع أو أنها ليست في حكم المرفوع، بل لا بد في ذلك من التفصيل.
والذي انتهى إليه علمي هو التالي: إذا كان الحديث الموقوف لا يمكن أن يقال من قِبَل الرأي والاجتهاد أولًا، ولا يحتمل أن يكون من الإسرائيليات حينذاك يكون له حكم المرفوع، هذا الحديث ليس من هذا القبيل؛ لأنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات، بخلاف مثلًا الحديث الآخر عن ابن عباس ﵄ الذي يقول: بأن القرآن أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم أنزل أَنْجُمًا، هذا لا يمكن أن يكون إسرائيليًا؛ لأنه يتحدث عن القرآن، ولا يمكن أن يكون بالرأي والاجتهاد؛ لأنه يتحدث عن أمر غيبي، فإذًا له حكم المرفوع، أما هذا فليس كذلك.
"الهدى والنور" (٨٠٣/ ٤٨: ٤٢: ٠٠)
[ ٦ / ٣١٢ ]
(صفة العينين)
[٩٤١] باب إثبات صفة العينين لله ﷿
سؤال: في صفة العين لله ﷿ ما ورد فيه النص ظاهر النصوص وصريح القرآن والسنة أن لله عين أو أعين؟
الشيخ: ظاهر السنة يعني أي حديث؟
السائل: أقصد القرآن.
الشيخ: القرآن: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ هذا لا يعني أن هناك أكثر من عينين لأنه الجمع إذا أطلق في كثير من الأحيان أقل الجمع اثنان هذا لا يعني أن له أكثر من عينين، لكن لما قلت السنة أحببت أن أعرف؛ لأن السنة دائما تكون مُكَمِّلة للقرآن وموضِّحة كما هو معلوم، أنا أعتقد أنه هذا رأي حادث يعني ليس من رأي السلف والمنقول في كتب التوحيد وفي كتب العقائد أن له عينين، وبعض العلماء القدامى يستدلون بحديث الدجال: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وأن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت»، فليس عندنا نص صريح بأن له أكثر من عينين والمتوارث عن عقيدة السلف هو إثبات العينين على ظاهر حديث الدجال على كثرة طرقه الذي يتبادر من هذا الحديث، ولا يخطر في البال سواه أن الدجال إحدى عينيه طافية وهو أعور وإن ربكم ليس بأعور، معنى ذلك أن الله ﷿ موصوف بالعينين وليس بالثلاثة ولا بأكثر لأن ما عندنا نص بالأكثر، وكما نقول دائما وأبدًا الأمور
[ ٦ / ٣١٣ ]
الغيبية وبخاصة ما يتعلق بغيب الغيوب وهو رب العالمين ﵎ لا ينبغي أن نصفه بالأقيسه أو ما شابه ذلك إنما بالشيء الذي جاءنا عن سلفنا الصالح وجاءت به الأحاديث.
وأنا ظننت لما ذكرتَ القرآن والسنة أن هناك ذكر بعضهم حديث فيه التصريح بأن له أكثر من عينين وهذا ما لا نعرفه ولذلك سارعت بالتعرف عليه لكن ما وجدنا شيء.
-مداخلة: طيب مثلا قول ابن القيم وغيره يقول عن العاصي سقط عن عين الله هل هذه الجملة فيها شيء؟
-الشيخ: ما فيها شيء هذا لأنه الآية السابقة ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ لا يقصد يعين المعنى الذي قد يتبادر لبعض الجهلة يعني أنت تحت رعايتنا وتحت إشرافنا، وليس المقصود يعني إلا هذا، فكلمة ابن القيم هو من هذا القبيل.
مداخلة: شيخ في قاعدة في الأسماء والصفات إنه تقول يد مثلا للإنسان أو نقول له يد طُولي هذا، يعني وإن كانت هذه لهجة تكون كناية أو كذا، ولكن هناك حقيقة يد فكذلك نقول عن الله ﷿ مثلا تجري بأعيننا وإن كانت هذه الصيغة قد يؤولها البعض ولكن أيضا تثبت من الناحية هذه.
الشيخ: لكن أنت لا تؤولها على حد تعبيرك؟
مداخلة: لا أيضًا تؤول.
الشيخ: لكن لا تسميها تأويلا هذا هو التفسير الذي بتقوله أنت صحيح لكن البحث هل هذا نص بأنه يعني أكثر من عينين ليس نص في ذلك لأن الجمع
أقله اثنان.
[ ٦ / ٣١٤ ]
مداخلة: أقصد يا شيخ من ناحية قوله تعالى بين يدي رحمته، والرحمة مالها يدين، قدم صدق والصدق ماله قدم هذه القاعدة ما انطبقت هنا؟
الشيخ: انطبقت في غيرها كيف الآية ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص:٧٥).
هذا يقبل التأويل.
مداخلة: لا أبدًا.
الشيخ: إذًا هذا يكفينا وأمثاله كثير وكثير جدًا.
مداخلة: هذه القاعدة صحيحة أم خاطئة؟
الشيخ: لا صحيحة لكن صحيحة بالنسبة لما ثبت لدينا أن الأصل ثابت في نصوص أخرى، لكن لما أتيت بقضية الرحمة وقدم صدق ونحو ذلك؛ هذه أمور معنوية لم يثبت لدينا سلف أن لها هذه الأعضاء التي ذكرت في هذا السياق، ففي فرق بين ما ثبت لله ﷿ من صفة ثم تأتي هذه الصفة بمعنى يسمونه مجازيا وهو ليس مجازًا لكن هو المعنى المقصود في ذلك المكان هو ما يسمونه بالتأويل ولذلك قلت لك ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ليس تأويلا فصفة العين ثابتة لله ليس بمجرد هذه الآية وإنما بنصوص أخرى.
مداخلة: لا أنا أقصد القاعدة ولا أقصد الآية.
الشيخ: أنا أجبتك عن القاعدة أبين لك الفرق.
مداخلة: هذا يعني نرجع على المرجع ما نرجع للقاعدة نفسها.
الشيخ: لكن القاعدة تطبق في مكان ولا تطبق في مكان، هي قاعدة فيما ثبت
[ ٦ / ٣١٥ ]
يعني، مثلا كما قلت أنت يد الأمير طويلة نعلم نحن مسبقًا أن له يدًا، لكن المثالين الذي ذكرتهم أنت بالنسبة للريح بين يدي رحمته مش ثابت لدينا إن الرحمة لها يدان، فتطبق حيث ينبغي أن تطبق، ولا تطبق حينما لا يكون هناك صفة ثابتة لهذه المعاني فالرحمة ما هي ذات.
مداخلة: شيخ أعلم عقلًا أن للأمير يد وأن الرحمة ليس لها يد، أم شرعًا؟
الشيخ: لا بالنسبة للإنسان تعرف عقلا ومشاهدة وبالنسبة لرب العالمين تعرف إيمانًا بالغيب وليس إلاَّ.
"الهدى والنور" (١٨٣/ ٣٩: ٣٠: ٠٠)
[٩٤٢] باب هل هناك نص بأن لله عينين؟
السائل: نؤمن أن لربنا ﷾ عينًا، فهل هناك دليل على تثنية العين بالنسبة لله ﷿؟
الشيخ: ليس هناك نص سوى حديث الدجال المعروف، وذلك يستلزم أن الله ﷿ المقطوع بأن له صفة الكمال أن له عينين، لكن لا أستحضر إذا كان هناك نص صريح في ذلك، إنما هذا من العقائد المتلقاة خلفًا عن سلف، وهذا مستند واضح في ذلك إلا أن يكون ما هو أوضح وهذا ما لا أستحضره.
"الهدى والنور" (٣١٧/ ٥٧: ٠٢: ٠٠)
[ ٦ / ٣١٦ ]
(صفة الإصبع)
[٩٤٣] باب الإيمان بأن الله يضع
السموات على إصبع والأرض على إصبع
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
[قال الإمام معلقًا على قول ابن مسعود: تصديقًا له]:
فيه رد على بعض المتكلمين الذين زعموا أن ضحكه - ﵌ - لم يكن تصديقًا للخبر وإنما ردًّا عليه، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، لا سيما إذا كان الشاهد صحابيًا، بله ابن مسعود؟ والحقيقة أن تخطئة ابن مسعود في قوله هذا "تصديقًا له" هو من شؤم التأويل الذي أودي بأهله إلى إنكار كثير من صفات رب العالمين باسم التنزيه زعموا، فليس غريبًا إذن أن يؤدي بهم إلى تخطئة الصحابي وعدم تصديقه في هذا القول الذي لازمه عندهم أنه إيمان بالتجسيم، ومعنى ذلك أن ابن مسعود مجسم عندهم! فالله المستعان.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٥٧١).
[ ٦ / ٣١٧ ]
[٩٤٤] باب هل يقال أن لله تعالى خمسة أصابع؟ وهل تثبت الصفة بدلالة المفهوم؟
مداخلة: يقول السائل: الحديث: «أن الله يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع» فعدَّ خمسًا، ففهم البعض من هذا النص أن لله خمس أصابع من غير تشبيه، وأنكر البعض ذلك، ما تقولون؟
الشيخ: لا الحديث لا نزيد عليه ولا ننقص منه.
مداخلة: الي ورد في العين، هل يقال: أن لله ﷿ عينان؟
الشيخ: كما جاء، إذا جاءت التسمية قلنا.
مداخلة: ولم يرد نص إلا حديث الدجال.
الشيخ: نعم، ويكفي «إن ربكم ليس بأعور».
مداخلة: لكن هذا من دلالة المفهوم يا شيخ.
الشيخ: ما في مانع أن نأخذ بالمفهوم ما لم يعارض منطوقًا
مداخلة: في الأسماء والصفات ..
الشيخ: دائمًا أن المفهوم حجة، إلا إذا عارضه منطوق.
"رحلة النور" (٣١ب/٥٥: ٠٨: ٠٠)
[ ٦ / ٣١٨ ]
(صفة الحقو)
[٩٤٥] باب هل تثبت صفة الحقو لله تعالى؟
سؤال: حديث الحقو أجبت لهم عن هذا السؤال أن صفة الحقو كغيرها من الصفات تثبت لله ﵎، لكن وجدنا آخر، حديث أن الرحم معلقة أو آخذة بقوائم العرش، كأن هذا الحديث هو الذي جعل بعض الذي يؤولون في الصفات أخذوا هذا فما أدري ما هي الإجابة عن هذا الحديث.
الشيخ: طيب! إذا كان عن اجتهاد فلا مانع، لكن هذا لا يعني تأويل
كل الصفات.
مداخلة: توجيه الحديث يا شيخ.
الشيخ: ما عندنا أكثر مما جاء في الحديث، الحقو على ظاهره، ويليق بالله ﷿ منه ما يتناسب مع جلاله وعظمته، ما كان تفسيرك.
مداخلة: أقصد يعني: حديث آخذة بقوائم العرش.
الشيخ: كلُّ أمور الغيب بارك الله فيكم تُمررَّ ولا تؤول، لأن آخذة بقوائم العرش، فالعرش خلق من خلق الله ﷿، أما الرحم فهو معنى، فكيف تعلق بقوائم العرش؟ الله أعلم، فلا يجوز الخوض في مثل هذه المسائل أكثر مما جاء النص به.
"فتاوى جدة " (٦/ ٠٠:٠١:٣٩)
[ ٦ / ٣١٩ ]
[٩٤٦] باب هل نثبت صفة
الحُجَز لله تعالى أخذًا من حديث الرحم؟
السؤال: هل هناك صفة الحجز لله ﷿ أخذًا من حديث الرحم؟
الشيخ: لا نستطيع نتكلم في هذا الحديث بأكثر مما جاء فيه، فنقول: لأن الله ﷿ قد أخبر بذلك على لسان نبيه - ﵌ -، ومجال التأويل واسع، لكننا نسلم تسليمًا ولا نتأول.
"الهدى والنور" (١٨٨/ ٠٠:٤٨:٣٩)
[ ٦ / ٣٢٠ ]
(صفة الوجه وبيان المراد
بقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾)
[٩٤٧] باب تفسير الوجه
في قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾
مداخلة: فضيلة الوالد حفظكم الله! يقول السائل: ما تفسير الوجه في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص:٨٨)؟
الشيخ: أيضًا هذه من الآيات التي يُسقِطون عليها المجاز ولا مجاز هنا؛ لأن المقصود كما هو اصطلاح القرآن الكريم في بعض الآيات أن المقصود هنا ذات الله ﵎، ولو كان الأمر متعلقًا ببشر لقلنا إنه من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، لكن لا يُوصف ربنا بأنه له أجزاء، ولكن هذا التعبير معروف في اللغة العربية، فالله ﵎ يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء:٧٨) فقوله ﵎: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: صلاة الفجر ولا مجاز هنا؛ لأن هذا هو الأسلوب القرآني الذي يدل عليه السياق أو السباق بالمعنى الأدق حيث قال في أول الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ﴾ (الإسراء:٧٨) أي: أقم القرآن ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء:٧٨) فالقرآن المقصود هنا إنما هو صلاة الفجر، لذلك قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ
[ ٦ / ٣٢١ ]
مَشْهُودًا﴾ (الإسراء:٧٨) لو رجعنا إلى الأحاديث الصحيحة لوجدنا أنه يعني صلاة الفجر تشهدها الملائكة، فإذًا هذا من المجاز كما سبق ذكره في الإجابة عن سؤال سابق اصطلاحًا من بعضهم ولكن الحقيقة أن هذا هو الحقيقة.
وهذا منه كثير وكثير جدًا من إطلاق الجزء وإرادة الكل، قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل:٢٠) أيضًا المقصود هنا: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ أي: فَصَلُّوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، هذا هو معنى هذه الآية، فليس المقصود بها: اقرأ في صلاة الليل ما تيسر لك من قرآن، وإنما قوله: ما تيسَّر لك من قيام الليل ثلثه ونصفه كما جاء في الآيات المتقدمة على هذه الآية.
كذلك مثلًا قول هـ - ﵌ -: «الحج عرفة» (١) لا يفهم العربي أن المسلم إذا لم يأت بأي شيء من أركان الحج سوى أنه وقف على عرفة وانتهى كل شيء، لا طاف طواف قدوم، ولا سعى، ولا طاف طواف الإفاضة، وإنما وقف على عرفة، من يفهم هذا الفهم؟ الأعجمي، وأما العربي يقول: «الحج عرفة» أي: أعظم أركان الحج عرفة، هذا الأسلوب هو المعروف عند العرب بعضهم يسميه مجازًا، لا مشاحة في الاصطلاح، لكن لا أحد يفهم أن الحج كل الحج هو الوقوف بعرفة.
فالمهم في الموضوع أن الآية: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:٢٧) لا يعني يبقى وجهه دون ذاته ﵎، وإنما يبقى ذاته ﵎ بكامل صفاته.
"رحلة النور" (٣٦ب/٢١: ١٥: ٠٠)
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٣١٧٢).
[ ٦ / ٣٢٢ ]
[٩٤٨] باب هل يُفسَّر قوله تعالى
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ بـ"إلا ما أريد به وجهه"؟
سؤال: قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: هو إخبار بأن الدائم الباقي الحي القيوم كما قال تعالى:
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:٢٧)، فعبَّر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص:٨٨)، أي: إلا إياه.
وقال مجاهد والثوري أي: إلا ما أريد به وجهه.
يقول ابن كثير: ولا ينافي القول الثاني لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته ﷾.
فأيش رأيك في هذا الكلام الأخير؟
الشيخ: لا شك أن القول الأول هو الأنسب لسياق الآية ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن:٢٦)، نعم. ولا يصح التفسير الثاني لأنه ستفنى الأعمال مع أصحابها، صالحةً كانت أم طالحة، فقوله: المقصود فيها الأعمال الصالحة، فالأعمال الصالحة تذهب مع أهلها أيضًا، لذلك فإن قوله تعالى في أول السباق: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن:٢٦)، فهو ﷿ يتحدث عن الذوات والأشخاص، وعلى ذلك فالقول الأول هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه.
القول الثاني في اعتقادي يسمى في عرف الفقهاء هذا تفسير مراد وليس تفسيرًا لفظيًا، التفسير اللفظي هو الأول.
[ ٦ / ٣٢٣ ]
مداخلة: يعني مقبول هذا الكلام.
الشيخ: مقبول، لكن لا على أنه تفسير الآية.
مداخلة: لو قلنا في هاتين الآيتين: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص:٨٨)، ﷾، والآية الثانية قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:٢٧)، كل ما نفهمه من هاتين الآيتين صفة الوجه لله ﷾، ونفهم منهما أيضًا أن الأعمال إذا لم يرد بها وجه الله، فإنها باطلة ومردودة.
الشيخ: ما نقول نفهمه من الآية، نفهمه من الأقوال التي قيلت في القول الثاني، الأقوال الثلاثة في تفسير الآية، أما تفسير الآية ما بيتضمن غير
المعنى الأول.
مداخلة: هل يُمكن أن يستفاد من الآية أكثر من معنى يا شيخنا؟
الشيخ: لا. قد قلت لك أنه يمكن أن يؤخذ أكثر من معنى فيما لم يكن هناك قرينة تحدد أحد المعنيين.
مداخلة: نعم، ولكن هنا في قرينة.
فالقول الصريح أنه المراد الذات.
الشيخ: الأول نعم.
مداخلة: لكنك يا شيخنا قبلت تفسير الثوري ومجاهد.
الشيخ: قلت لك على أنه معنى صحيح.
مداخلة: لا ينكر على قائله؟
[ ٦ / ٣٢٤ ]
الشيخ: لا ينكر، لكن ما نراه له صلة بالآية.
مداخلة: قد يقال هذا من باقي النصوص؟
الشيخ: نعم.
" الهدى والنور" (٦٧/ ٣٧: ٠٠: ٠٠)
[٩٤٩] باب هل فسر البخاري قوله تعالى:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ بِمُلْكِهِ تعالى؟
سؤال: بالأمس قد ذكرت مسألة أو غفلت عن ذكر هذه المسألة وهي عندما قلت أن الإمام البخاري ترجم في صحيحه عن معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص:٨٨).
قال إلا ملكه صراحة أنا نقلت هذا الكلام عن كتاب اسمه دراسة تحليلية لعقيدة ابن حجر كتبه أحمد عصام الكاتب وكنت معتقد أن هذا الرجل إن شاء الله نَقلًه صحيح، ولا زلت أقول ممكن أنّ نقله صحيح ولكن أريد أن أقرأ عليك كلامه في هذا الكتاب فهو يقول: قد تقدم ترجمة البخاري لسورة القصص ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص:٨٨).
إلا ملكه ويقال إلا ما أريد به وجه الله وقوله إلا ملكه قال الحافظ في رواية النسفي، وقال معمر فذكره ومعمر هذا أبو عبيدة بن المثنى وهذا كلامه في كتابه مجاز القرآن لكن بلفظ إلا هو، فأنا طبعًا اليوم رجعت إلى الفتح نفسه فلم أجد ترجمة للبخاري بهذا الشيء ورجعت لصحيح البخاري دون الفتح أيضًا لم أجد هذه الكلام للإمام البخاري ولكنه هنا كأنه يشير إلى أن هذا شيء موجود برواية النسفي عن الإمام البخاري فما أعرف جوابكم.
[ ٦ / ٣٢٥ ]
الشيخ: الجواب قدم سلفًا.
مداخلة: أنا طبعًا أردت أن أبين هذا مخافة أن أقع ..
الشيخ: جزاك الله خير.
مداخلة: الكلام عن الإمام البخاري ..
الشيخ: يعني أنت سمعت مني الشك بأن يقول البخاري هذه الكلمة لأنه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:٢٧).
أي ملكه، يا أخي هذا ما يقوله مسلم مؤمن وقلت أيضًا: إن كان هذا موجود فقد يكون في بعض النسخ، فإذًا الجواب قًدِّم سلفًا وأنت جزاك الله خير الآن بهذا الكلام الذي ذكرته يؤكد أن ليس في البخاري مثل هذا التأويل الذي هو عين التعطيل، إتفضل.
السؤال: يا شيخنا على هذه كأنه موجود في الفتح نحو من هذه العبارة وأنا أذكر أني مرة راجعت هذه العبارة استدلال لأحدهم فكأني وجدت مثل نوع هذا الاستدلال يعني موجود وهو في بعض النسخ لكن أنا قلت له لا يوجد إلا الله ﷿ الله وإلا مخلوقات الله ﷿ ما في غير هذا، فإذا كان ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص:٨٨).
أي إلا ملكه إذًا ما هو الشيء الهالك؟
الشيخ: هذا يا أخي ما يحتاج إلى تدليل على بطلانه لكن المهم أن ننزه الإمام البخاري أن يؤول هذه الآية وهو إمام في الحديث وفي الصفات وهو سلفي العقيدة والحمد لله.
"الهدى والنور" (٧٣٨/ ٣٥: ٣٨: ٠٠)
[ ٦ / ٣٢٦ ]
جماع أبواب ذكر ما لا يُوصف الله تعالى به
إما لاستحالته عنه، أو لعدم ثبوته أو وروده
[ ٦ / ٣٢٧ ]
(البداء)
[٩٥٠] باب نسبة البداء إلى الله محال
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إنّ ثلاثةً في بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص، فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس. قال: فمسحه، فذهب عنه قذرًه، وأُعطي لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك، قال: الإبل- أو قال: البقر؛ شك إسحاق؛ إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدُهما: الإبلُ، وقال الآخرُ: البقرُ-، قال: فأعطي ناقةٌ عُشراءَ، فقال: بارك الله لك فيها! قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعرٌ حسنٌ، ويذهبُ عني هذا الذي قذرني الناسُ، قال: فمسحه، فذهب عنه، واُعطي شعرًا حسنًا، قال: فأي المال أحبّ إليك؟ قال: البقرُ، فأعطي بقرةً حاملًا، فقال: بارك الله لك فيها! قال:
فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يردّ الله إليّ بصري، فأُبصر به الناس، قال: فمسحه، فردّ الله إليه بصره، قال: فأي المال أحبّ إليك؟ قال: الغنم، فأُعطي شاةً والدًا، فأنتج هذان، وولد هذا، قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين، قد انقطعت بي الحبالُ في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك- بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال-
[ ٦ / ٣٢٩ ]
بعيرًا أتبلَّغ عليه في سفري، فقال: الحقوقُ كثيرةٌ، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص، يقذرك الناس؟! فقيرًا فأعطاك الله؟! فقال: إنّما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر! فقال: إن كنت كاذبًا؛ فصيرك الله إلى ما كنت! قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذبًا؛ فصيرك الله إلى ما كنت! قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين، وابن سبيل، انقطعت بي الحبالُ في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك- بالذي ردّ عليك بصرك- شاةً أَتبلّغ بها في سفري. فقال: قد كنتُ أعمى، فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله! لا أجهدك اليوم شيئًا أخذته لله! فقال: أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم، فقد رضي [الله] عنك، وسخط على صاحبيك».
[قال الإمام]:
أخرجه مسلم (٨/ ٢١٣ - ٢١٤)، وابن حبان (٣١٤)، والبيهقي (٧/ ٢١٩) كلهم من طريق شيبان بن فَرّوخ: حدثنا همام: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع النبي - ﵌ - يقول: فذ كره.
وتابعه عمرو بن عاصم عن همام به.
أخرجه البخاري معلقًا عليه؛ إلا أنه لم يسق منه إلا طرفه الأول.
ووصله برقم (٣٤٦٤) فقال: حدثنا محمد بن إسحاق: حدثنا عمرو بن عاصم به؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما ساقه تحويلًا، فقال عقبه: وحدثني محمد: حدثنا عبد الله بن رجاء: أخبرنا همام فساقه بتمامه؛ إلا أنه وقع في متنه:"بدا لله ﷿ أن يبتليهم " مكان قوله في الرواية الأولى: "فأراد الله أن يبتليهم ".
[ ٦ / ٣٣٠ ]
ولا شك عندي أن هذه أولى من الأخرى لسببين:
الأول: اتفاق ثقتين عليها- وهما شيبان، وعمرو بن عاصم-.
والآخر: أن نسبة: "البداء" لله ﷿ محال، ومما يدل على تحريف التوراة أنه جاء فيها: أنه بدا لله خلق السماوات والأرض! ولذلك؛ تكلف الحافظ ابن حجر بتأويل هذه الجملة المستنكرة بقوله:
"أي: سبق في علم الله، فأراد إظهاره، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيًا؛ لأن ذلك محال في حق الله تعالى، وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بهذا الإسناد بلفظ:
"أراد الله أن يبتليهم "، فلعل التغيير فيه من الرواة".
قلت: نقول للحافظ: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب! وقد عرفت اتفاق الثقتين على اللفظ الأول: "أراد الله "؛ فمخالفة عبد الله بن رجاء أقل ما يقال فيها: إنها مرجوحة، لا سيما والحافظ نفسه قد قال في ترجمته من "التقريب ":
"صدوق يهم قليلًا".
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٤٧٥ - ١٤٧٨).
[٩٥١] باب نسبة البداءة لله تعالى لا يجوز
[قال الإمام]:
نسبة البداءة لله تعالى لا يجوز.
"مختصر صحيح البخاري" (٢/ ٦).
[ ٦ / ٣٣١ ]
[٩٥٢] باب منه
[قال الإمام]:
البداء لله مستحيل.
"صحيح الجامع" (١/ ٤١١).
[٩٥٣] باب من الأدلة على
تحريف التوراة أنه نُسب فيها البداء لله تعالى
[قال الإمام]:
مما يدل على تحريف التوراة أنه جاء فيها: أنه بدا لله خلق السماوات والأرض.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٤٧٨).
[ ٦ / ٣٣٢ ]
(الاستراحة)
[٩٥٤] باب بطلان نسبة الاستراحة لله تعالى
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن الله ﷿ لما قضى خلقه استلقى، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: لا ينبغي لأحد من خلقه أن يفعل هذا».
(منكر جدَّا).
الحديث يستشم منه رائحة اليهودية الذين يزعمون أن الله ﵎ بعد أن فرغ من خلق السموات والأرض استراح! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، وهذا المعنى يكاد يكون صريحًا في الحديث فإن الاستلقاء لا يكون إلا من أجل الراحة ﷾ عن ذلك.
وأنا أعتقد أن أصل هذا الحديث من الإسرائيليات وقد رأيت في كلام أبي نصر الغازي أنه روي عن كعب الأخبار، فهذا يؤيد ما ذكرته، وذكر أبو نصر أيضًا أنه روي موقوفًا عن عبد الله بن عباس وكعب بن عجرة، فكأنهما تلقياه - إن صح عنهما - عن كعب كما هو الشأن في كثير من الإسرائيليات، ثم وهم بعض الرواة فرفعه إلى النبي - ﵌ -.
وجملة القول أن هذا الحديث منكر جدًّا عندي، ولقد قَفَّ شعري منه حين وقفت عليه
"الضعيفة" (٢/ ١٧٧ - ١٧٨).
[ ٦ / ٣٣٣ ]
(النور)
[٩٥٥] باب هل الله تعالى نور؟
سؤال: فضيلة الوالد حفظك الله! هل الله ﷾ نور بذاته بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النور:٣٥)؟
الشيخ: لا، لأن معنى الآية ينورهما؛ ولأنه قد جاء في حديث في صحيح مسلم، والحديث فيه من حديث أبي ذر: «أن النبي - ﵌ - سُئل: هل محمد رأى ربه؟ قال: نور أنى أراه؟!» وفي حديث ذكره مسلم بعد هذا الحديث من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ وعن كل أصحاب النبي - ﵌ -، قال في ذاك الحديث: «حجابه النور» فالنور هو حجاب يمنع البَشَرِ من أن ينظروا إلى الله ﵎ وليس هو صفة من صفات الله ﷿، هذا هو الراجح في هذه الآية، نعم.
"رحلة النور" (٢٩أ/٠٠:٢٦:٣٤)
[٩٥٦] باب منه
سؤال: نعم، يقول: في دعاء النبي - ﵌ -: «وأسألك بنورك الذي ملأ أركان عرشك» هل نثبت هذه الصفة لله ﷾؟
الشيخ: لا، لكن من روى الحديث؟ من السائل، أين هذا الحديث؟ ولا يجوز أن يبنى على حديث لا يعرف أصله أو صحته حكم فضلًا عن أن يبنى عليه صفة تنسب إلى الله ﵎، وإذا كان السائل يحفظ مصدر الحديث فليزودنا به.
"رحلة النور" (٤٠ب/٠٠:٢٥:٣٠)
[ ٦ / ٣٣٤ ]
(القعود والجلوس)
[٩٥٧] باب هل يوصف الله تعالى بالقعود؟ والتنبيه على أن
رواية الأحاديث الضعيفة في أبوب الصفات مما يجرئ أهل البدع على وصف أهل السنة بالحشوية والمجسمة
[قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو"]:
(إن) رواية الأحاديث الضعيفة من بعض المحدثين هو مما يعاب عليهم من قِبل المخالفين لهم وإن كان هؤلاء يفعلون ما هو أسوأ من ذلك كما أوضحه شيخ الإسلام ، ومن أشهر من أَخَذَ ذلك عليهم في هذا العصر ويتخذه حجة في تسخيفهم وتضليلهم الشيخ الكوثري المعروف بعدائه الشديد لأهل السنة والحديث، ونبزه إياهم بلقب الحشوية والمجسمة، وهو في ذلك ظالم لهم مفتر، ولكن - والحق يقال - قد يجد أحيانًا في ما يرويه بعضهم من الأحاديث والآثار ما يُدَعِّم به فريته مثل الحديث المروي في تفسير قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ قال: «يجلسني على العرش».رواه المصنف -أي الذهبي في "العلو"- (ص ٧٤ - ٧٥) عن ابن مسعود مرفوعًا وضعفه جدًا بقوله: "مرسله الأحمر متروك الحديث "، ورواه (ص ٩٩) عن ابن عباس مثله موقوفًا. وقال: "إسناده ساقط، وعمر بن مدرك الرازي متروك وهذا مشهور من قول مجاهد ويروى مرفوعًا، وهو باطل".
[ ٦ / ٣٣٥ ]
وقد خرجت الحديثين في (الضعيفة) (٨٧١).
وقال في ترجمة محمد بن مصعب العابد ما يأتي:
" فأما قضية قعود نبينا على العرش فلم يثبت في ذلك نص بل في الباب حديث واه، وما فسر به مجاهد الآية كما ذكرناه ".
قلت: ولو أن المصنف رحمه الله تعالى وقف عند هذا البيان الواضح في أنه ليس في الباب نص ملزم للأخذ به لكان قد أحسن وسد بذلك الطريق على أهل الأهواء أن يتخذوا ذلك ذريعة للطعن في أهل السنة والحديث كما فعل الكوثري هنا بالذات في مقدمته لكتاب " تبين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري " (ص ٦٤) فقد قال فيهم بعد أن نبزهم بلقب الحشوية - أسوة بسلفه من الجهمية - وغيرهم (١):
"ويقولون في الله مالا يُجوِّزه الشرع ولا العقل من إثبات الحركة له (تعالى) والنَقْلَة (ويعني بهما النزول) والحد والجهة (يعني العلو) والقعود والإقعاد). فيعني هذا الذي نحن في صدد بيان عدم ثبوته.
أقول: لو أن المؤلف ﵀ وقف عند ما ذكرنا لأحسن، ولكنه لم يقنع بذلك بل سَوَّد أكثر من صفحة كبيرة في نقل أقوال من أفتى بالتسليم بأثر مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا]﴾ قال: يجلسه أو يُقعِده على العرش. بل قال بعضهم: " أنا منكر على كل من رد هذا الحديث وهو عندي رجل سوء متهم " بل ذُكر عن الإمام أحمد أنه قال: هذا تلقته العلماء بقبول، إلى غير ذلك من الأقوال التي تراها في الأصل ولا حاجة بنا إلى استيعابها في هذه
_________________
(١) انظر كلام الحافظ أبي حاتم الرازي في ترجمته (٧٧). [منه].
[ ٦ / ٣٣٦ ]
المقدمة. وذكر في (مختصره) المسمى بـ (الذهبية) أسماء جمع آخرين من المحدثين سلَّموا بهذا الأثر ولم يتعقبهم بشيء هناك. وأما هنا فموقفه مضطرب أشد الاضطراب فبينما تراه؛ يقول في آخر ترجمة محمد بن مصعب العابد عقب قول من تلك الأقوال (ص ١٢٦):
" فأبصِر - حفظك الله من الهوى - كيف آل الفكر بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر "
فأنت إذا أمعنت النظر في قوله هذا ظننت أنه ينكر هذا الأثر ولا يعتقده ويلزمه ذلك ولا يتردد فيه ولكنك ستفاجأ بقوله (ص ١٤٣) بعد أن أشار إلى هذا الأثر عقب ترجمة حرب الكرماني
"وغضب العلماء لإنكار هذه المنقبة العظيمة التي انفرد بها سيد البشر ويبعد أن يقول مجاهد ذلك إلا بتوقيف "
ثم ذكر أشخاصا آخرين ممن سَلَّموا بهذا الأثر غير من تقدم فإذا أنت فرغت من قراءة هذا قلت: لقد رجع الشيخ من إنكاره إلى التسليم به لأنه قال: إنه لا يقال إلا بتوقيف ولكن سرعان ما تراه يستدرك على ذلك بقوله بعد سطور:
" ولكن ثبت في " الصحاح " أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا - ﵌ - ".
قلت: وهذا هو الحق في تفسير المقام المحمود دون شك ولا ريب للأحاديث التي أشار إليها المصنف رحمه الله تعالى وهو الذي صححه الإمام ابن جرير في " تفسيره " (١٥/ ٩٩) ثم القرطبي (١٠/ ٣٠٩) وهو الذي لم يذكر الحافظ ابن كثير غيره وساق الأحاديث المشار إليها، بل هو الثابت عند مجاهد
[ ٦ / ٣٣٧ ]
نفسه من طريقين عنه عند ابن جرير. وذاك الأثر عنه ليس له طريق معتبر فقد ذكر المؤلف (ص ١٢٥) أنه "روي عن ليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب وأبي يحيى القتات وجابر بن يزيد ".قلت: والأولان مختلطان والآخران ضعيفان بل الأخير متروك متهم.
ولست أدري ما الذي منع المصنف - عفا الله عنه - من الاستقرار على هذا القول وعلى جزمه بأن هذا الأثر منكر كما تقدم عنه فإنه يتضمن نسبة القعود على العرش لله ﷿، وهذا يسلتزم نسبة الاستقرار عليه لله تعالى وهذا مما لم يرد فلا يجوز اعتقاده ونسبته إلى الله ﷿، ولذلك ترى المؤلف ﵀ أنكر على من قال ممن جاء بعد القرون الثلاثة: إن الله استوى استواءَ استقرارٍ " كما تراه في ترجمة (١٤٠ - أبو أحمد القصاب).وصرح في ترجمة (١٦١ - البغوي) أنه لا يعجبه تفسير " استوى " بـ " استقر ".
[إلى أن قال الإمام - ﵀ -]:
فكنت أحب له [أي: للذهبي] ﵀ أن لا يتردد في إنكار نسبة القعود إلى الله تعالى وإقعاده محمدًا - ﵌ - على عرشه ما دام أنه لم يأت به نص ملزم عن النبي - ﵌ -، ومعناه ليس له شاهد في السنة، ومعناه ولفظه لم يتوارد على ألسنة الأئمة وهذا هو الذي يدل عليه بعض كلماته المتقدمة حول هذا الأثر، ولكنه لما رأى كثيرًا من علماء الحديث أقروه لم يجرؤ على التزام التصريح بالإنكار، وإنما تارة وتارة والله تعالى يغفر لنا وله.
ومن العجيب حقًّا أن يعتمد هذا الأثر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى؛ فإنه نقل كلام القاضي أبي يعلى فيه وبعض أسماء القائلين به ثم قال ابن القيم رحمه
[ ٦ / ٣٣٨ ]
الله: " قلت: وهو قول ابن جرير الطبري، وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير، وهو قول أبي الحسن الدارقطني ومن شعره فيه ".
ثم ذكره المصنف فيما يأتي في ترجمة (١٣٤ - الدراقطني) وزاد بيتًا رابعًا لعل المصنف تعمد حذفه:
" ولا تنكروا أنه قاعد ولا تنكروا أنه يقعده "
قلت: وقد عرفت أن ذلك لم يثبت عن مجاهد بل صح عنه ما يخالفه كما تقدم. وما عزاه للدارقطني لا يصح إسناده كما بيناه في " الأحاديث الضعيفة " (٨٧٠) وأشرت إلى ذلك تحت ترجمة الدارقطني الآتية. وجعل ذلك قولًا لابن جرير فيه نظر؛ لأن كلامه في " التفسير " يدور على إمكان وقوع ذلك كما سبق لا أنه وقع وتحقق ولذلك قال الإمام القرطبي في " تفسيره " (١٠/ ٣١١):
"وعَضَّد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى وفيه بعد ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله "
ثم بين وجه تأويله بما لا حاجة بنا إلى ذكره والنظر فيه ما دام أنه أثر غير مرفوع، ولو افترض أنه في حكم المرفوع فهو في حكم المرسل الذي لا يحتج به في الفروع فضلًا عن الأصول كما ذكرت ذلك أو نحوه فيما يأتي -أي كتاب "مختصر العلو- من التعليق على قولة بعضهم: "ولا نتكلم في حديث فيه فضيلة للنبي - ﵌ - بشيء " التعليق (٢٦٥).
ولعل المصنف رحمه الله تعالى يشير إلى ذلك بقوله في ترجمة (١٦٥ - القاضي العلامة أبو بكر بن العربي) وقد نقل عنه القول بهذا القعود معه على العرش: قال:
[ ٦ / ٣٣٩ ]
"وما علمت للقاضي مستندًا في قوله هذا سوى قول مجاهد"
وخلاصة القول: إن قول مجاهد هذا - وإن صح عنه - لا يجوز أن يتخذ دينًا وعقيدةً ما دام أنه ليس له شاهد من الكتاب والسنة، فيا ليت المصنف إذ ذكره عنده [أي في كتابه] جَزَمَ برده وعدم صلاحيته للاحتجاج به، ولم يتردد فيه فإنه هو اللائق به وبتورعه
" مختصر العلو" (ص١٤ - ٢٠).
[٩٥٨] باب هل يوصف الله تعالى بالقعود على العرش؟
[قال الإمام]:
أقول: إن مما ينكر في هذا الباب "أي باب الغلو في الإثبات بإثبات ما لا يصح" ما رواه أبو محمد الدشتي في " إثبات الحد " (١٤٤/ ١ - ٢) من طريق أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش: أنشدنا أبو طالب محمد بن علي الحربي: أنشدنا الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ﵀ قال:
حديث الشفاعة في أحمد إلى أحمد المصطفى نسنده
فأما حديث بإقعاده على العرش فلا نجحده
أمروا الحديث على وجهه ولا تُدخِلوا فيه ما يُفسده
ولا تنكروا أنه قاعد ولا تجحدوا أنه يقعده
فهذا إسناد لا يصح، من أجل أبي العز هذا، فقد أورده ابن العماد في وفيات سنة (٥٢٦) من " الشذرات " (٤/ ٧٨) وقال: " قال عبد الوهاب الأنماطي: كان مخلطا ".
[ ٦ / ٣٤٠ ]
وأما شيخه أبو طالب وهو العشاري فقد أورده في وفيات سنة (٤٥١) وقال (٣/ ٢٨٩): " كان صالحا خيرا عالمًا زاهدًا ".
فاعلم أن إقعاده - ﵌ - على العرش ليس فيه إلا الحديث الباطل "وهو ما يروى عن النبي - ﵌ - أنه قال: «يجلسني على العرش» تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾، وأما قعوده تعالى على العرش فليس فيه حديث يصح، ولا تلازم بينه وبين الاستواء عليه كما لا يخفى. وقد وقفت فيه على حديثين، أنا ذاكرهما لبيان حالهما:
- «إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه يقعد عليه، ما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله».
(منكر ).
«يقول الله ﷿ للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده:
إني لم أجعل علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم، على ما كان فيكم،
ولا أبالي».
موضوع بهذا التمام.
وفيه لفظة منكرة جدًّا وهي قعود الله ﵎ على الكرسي، ولا أعرف هذه اللفظة في حديث صحيح، وخاصة أحاديث النزول وهي كثيرة جدًّا بل وهي متواترة كما قطع بذلك الحافظ الذهبي في " العلو" (ص ٥٣، ٥٩)، وذكر أنه ألف في ذلك جزءًا.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ٦ / ٣٤١ ]
[٩٥٩] باب هل يقعد الله تعالى
على العرش فيفضل منه مقدار أربع أصابع؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها -؛ وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا رُكب؛ من ثقله».
(منكر).
[ثم أورد الإمام علله ثم قال]:
وبهذا أعله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموعة الفتاوى" (١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٦)؛ فإنه ذكره كمثال للأحاديث الضعيفة التي يرويها بعض المؤلفين في الصفات، كعبد الرحمن بن منده وغيره، فقال:
"ومن ذلك: حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يرويه عن عمر عن النبي - ﵌ -.وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "المختارة". وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهم، لكن أكثر أهل السنة قبلوه.
ورواه الإمام أحمد وغيره مختصرًا وذكر أنه حدث به وكيع. لكن كثير ممن رواه رووه بقوله: «إنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع»؛ فجعل العرش يفضل منه أربع أصابع.
واعتقد القاضي وابن الزاغوني صحة هذا اللفظ، فأمرُّوه، وتكلموا على معناه
[ ٦ / ٣٤٢ ]
بأن ذلك القدْر لا يحصل عليه الاستواء، وذكر عن أيمن العائذ أنه قال: هو موضع جلوس محمد - ﷺ - (!) ".
"الضعيفة" (١٠/ ٢/٧٢٨،٧٣٠).
[٩٦٠] باب نفي صفة الجلوس لله تعالى وبين الجنة والنار
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن اَللَّه ﷿ يَجْلِسُ يوم القيامة على القنطرة الوسطى بين الجنة والنار وذكر حَدِيثًا طَوِيلًا».
(منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه العقيلي في "؛ الضعفاء " (٣/ ٢٢١)، وعنه ابن الجوزي (١/ ١٣٧) من طريق هشام بن عمار قال: حدثنا صدقة بن خالد قال: حدثنا عثمان ابن أبي العَاتكة أبو حفص عن سليمان بن حبيب المحاربي (الأصل: المحارمي!) عن أبي أمامة مَرْفُوعًا. أورده في: ترجمة عثمان هذا، وقال:" لا يُتابع عليه ".
وأعله ابن الجوزي بقول ابن معين المتقدم في الحديث الذي قبله: " ليس بشيء ".وهذا لا يستلزم أن يُورِده في " الموضوعات "، فالظاهر أنه لاحظ ما في متنه من النكارة، وهي نسبة الجلوس إلى الله تعالى، وبين الجنة والنار!! وهو مما لم يرد في شيء من الأحاديث الصحيحة. فمتنه حري بالوضع.
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٩٥٠ - ٩٥١).
[ ٦ / ٣٤٣ ]
[٩٦١] باب هل ثبتت صفة الجلوس للرب تعالى
[قال الإمام]:
لا أعلم في جلوس الرب تعالى حديثًا ثابتًا.
"مختصر العلو" (ص ٩٣).
(الاستقرار)
[٩٦٢] هل يوصف الله تعالى بأنه مستقر على العرش؟
سؤال: قضية استواء الله على عرشه هل تعني أن الله مستقر بذاته
على العرش؟
الشيخ: لا يجوز استعمال ألفاظ لم ترد في الشرع؛ لا يجوز أن يُوصف الله بأنه مستقر؛ لأن الاستقرار أولًا: صفة بشرية، ثانيًا: لم يوصف بها ربنا ﷿ حتى نقول: استقرار يليق بجلاله وكماله كما نقول في الاستواء، فنحن لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه ثم مقرونًا مع التنزيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
"الهدى والنور" (٥٤٢/ ١٩: ١٥: ٠٠)
[ ٦ / ٣٤٤ ]
(المماسة)
[٩٦٣] باب هل هناك دليل ينفي
أو يثبت مماسة الرب ﷿ لعرشه؟
السؤال: هل هناك دليل من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة ما ينفي أو يثبت مماسة الرب ﷿ لعرشه؟
الشيخ: [لا يوجد] ذلك إطلاقًا، وإثبات مثل هذه الأمور ونفيها في اعتقادي خروج عن منهج السلف الصالح؛ لأن كلًا من الإثبات والنفي يترتب منه محذور، أما الإثبات فقد يلزم منه محظورات أحدهما نسبة شيء إلى الله ﷿ لم يثبت في الكتاب ولا في السنة وهذا لا يجوز.
والشيء الآخر أننا إذا أثبتنا أو ادعّينا شيئًا من ذلك فتحنا طريقًا للمعطلين المؤولين لنصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الرب ﵎، فتحنا لهم طريقًا ليتهمونا بالتجسيم؛ لأنهم يُفسِّرون هذه الأمور التي قد يدَّعيها بعض من سبقنا، يفسرونها على ظاهرها التي تليق بالبشر ولا تليق بالله ﷿، ولذلك فلا يجوز إثبات مثل هذه الأمور، كما أنه لا يجوز نفيها لأنه قد يلزم من نفيها نفي ما جاء في الكتاب والسنة من ذلك مثلًا: أن الله ﷿ ليس حالًا في المخلوقات، أي: ليس كما يقول المعطلة والقائلون بوحدة الوجود أن الله ﷿ في كل مكان، أن الله ﷿ موجود في كل الوجود، وغلا الصوفية في تصريحهم بهذه
[ ٦ / ٣٤٥ ]
الضلالة حينما قال قائلهم في شعر لا أذكره الآن، أنه مثل رب العالمين ومخلوقاته كمثل الماء والثلج، هل يمكن فصل الماء عن الثلج حين كونه ثلجًا؟ الجواب: لا، كذلك عندهم رب العالمين تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرا إنه حالّ في المخلوقات، والعقيدة السلفية أن الله ﷿ غني عن العالمين، وهو ليس بحاجة إلى العرش، وإلى الجلوس عليه، والتمَكُّن منه، وقد صرَّح بذلك بعض العلماء المعتدلين من الماتريدية، أقول المعتدلين؛ لأن الماتريدية كالأشاعرة في كثير من الأمور المخالفة لعقيدة السلف الصالح أما هذا البعض الذي أُشير إليه، فقد قال مثبتًا لصفة علو الله على عرشه دون إيهام أنه بحاجة إليه فقال:
ورب العرش فوق العرش بلا وصف التمكن واتصال
لأن وصف رب العالمين بهذا الوصف معناه أنه بحاجة إلى العرش، وكان الله ولا شيء معه، كما نفهم من حديث عمران بن حصين، ثم خلق العرش والسماوات كما جاء تفصيل ذلك في السنة.
فإذًا: باختصار لا يوجد في الكتاب ولا في السنة شيء يثبت هذا الذي جاء في السؤال أو ينفيه فلا نقر ولا ننفي.
"الهدى والنور" (١٨٨/ ٠٠:٤٩:١٣)
[ ٦ / ٣٤٦ ]
[٩٦٤] باب هل يوصف الله تعالى بالحركة والانتقال؟
سؤال: فضيلة الشيخ حفظك الله! هل يُمكن أن نصف الله تعالى بأنه يتحرك، وما هو الدليل إذا كان الجواب بنعم؟ وجزاك الله خيرًا.
الشيخ: الجواب بالسلب وليس بنعم؛ لأنه لا يجوز للمسلم أن يصف ربه إلا بما وصف هو نفسه في كتابه، أو وصفه به نبيه - ﵌ - فيما صح من حديثه، فقد جاء وصف الله ﵎ بالعلو وبأنه ينزل، وليس في ذلك كما قلنا إنه يتحرك أو ينتقل؛ لأن هذه الألفاظ لم تنقل عن النبي - ﵌ - فضلًا عن أنها لم تذكر في القرآن الكريم، ولذلك فلا يجوز أن نصفه بلوازم بعض الصفات، فنحن نعرف أن من طبيعة البشر أنه إذا صعد أو نزل أننا لا نتصور صعوده ونزوله إلا بحركة تتناسب مع كونه مخلوقًا، أما الله ﷿ الذي لا نعرف عنه إلا ما وصف به نفسه، فلا يجوز أن نصفه بالحركة والانتقال وإنما نصفه بما جاء من النزول والمجيء ونحو ذلك.
"رحلة النور" (٢٨أ/٠٠:٣١:٣٩)
[٩٦٥] باب هل تنسب الحركة لله تعالى؟ وهل يلزم
ذلك من إثبات صفة المجيء؟ مع نقاش حول ذلك
سؤال: تفضلتم أنه ربنا ما في له حركة فما هي الدلائل؟
الشيخ: أنا ما قلت هذا الشيء هم يقولون، هم الذين يقولون لما يؤولون أنه
[ ٦ / ٣٤٧ ]
«وجاء ربك» يقولون: لا الله ما يجيء لا بيروح ولا بيجيء لماذا؟ لأنه ربنا لا يوصف بالحركة، لكن نحن نقول نحن ما بنقول: ربنا بيتحرك؛ لأنه صفة بيتحرك أو ما بيتحرك هذه ما هي مذكورة في القرآن ولا في السنة، لكن مذكور صراحة بأنه جاء وبأنه ينزل، فإذا كان هم يفسروا جاء يعني: بالحركة فنحن ما نفسر هكذا، لكن ما ننكر المجيء، ما نقول: جاء ربك أي: أمر ربك، وما نقول: ينزل ربنا أي: رحمته، عرفت كيف؟ فيمكن أنت دخلت عليك الشبهة من قولنا نحن ما نقول نحن ربنا يتحرك.
مداخلة: ونثبت المجيء؟
الشيخ: نعم. لكن بالمقابل نثبت المجيء، هذه تشبه قضية أخرى.
الحركة نسبتها إلى الله لم ترد لا سلبًا ولا إيجابًا، واضح إلى هنا: يشبه هذا لفظة أخرى تتعلق بالعلو الإلهي: هل يجوز أن نقول: الله في جهة؟ ابن تيمية له كلام وجيه في هذه القضية قال: نحن لا نقول بأن الله في جهة، ولا نقول: بأنه ليس في جهة؛ لأنه لفظة الجهة لم ترد لا سلبًا ولا إيجابًا، لكن إذا قيل لنا كما قيل لنا : إنه أنت لما تقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) أي: استعلى معنى [ذلكم]: جعلتموه في جهة، وَوَصْفُ الله بأنه في جهة، هذا لا يليق بالله ﷿؛ لأنه الجهة من صفة المخلوقين، فابن تيمية يقول: هذا الذي يقول بالجهة أو بينفيها نسأله هذا الذي يقول بالجهة ماذا تعني بهذه الكلمة؟ إذا قال: الله في جهة يعني: في جهة العلو كما وصف به نفسه ما لنا سبيل في الإنكار عليه (١): [انقطاع].
_________________
(١) انقطع الصوت هنا، وظاهرٌ من السياق أن الشيخ نقل هنا تفصيل شيخ الإسلام المعروف في المسألة
[ ٦ / ٣٤٨ ]
المرة الأولى: جاء بلفظة غير واردة وهي: الجهة.
والمرة الثانية: أنه أنكر المعنى الثابت في الشرع في آيات الاستواء والعلو، وضح لك الآن؟
مداخلة: هو واضح، بس الأدلة التي ذكرتها لا تدل إنه يتحرك الله؟
الشيخ: لا نقول يا حبيبي يتحرك، إذا قلنا بأن معنى جاء تحرك، معناه أننا نعطي الصفة التي نعرفها لأنفسنا، وننسبها لربنا، ولذلك نحن أتينا بالآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
فهو سميع وبصير، لكن سمعه وبصره ليس كسمعنا وبصرنا
نحن الآن عندما نبصر الشيء تتحرك العين أو لا تتحرك؟
مداخلة: ممكن تتحرك وممكن لا.
الشيخ: لا، ليس ممكنًا، خليك الآن ما تحرك عينك لشوف؟
مداخلة:
الشيخ: حتى متى؟
مداخلة: لفترة معينة، للحظة الذي نرى فيها أو لا نرى.
الشيخ: هو كل لحظة، أنت في اللحظات التي تبصر فيها، لا تحرك جفنك أبدًا، شوف هاي الفلسفة، وهذه هي التي أضلت الناس.
مداخلة: باللحظة التي أشوف فيها؟
الشيخ: أي نعم، باللحظة اللي بتشوف فيها.
[ ٦ / ٣٤٩ ]
مداخلة: لا أحرك جفني أبدًا.
الشيخ: مش ممكن.
مداخل آخر: لا تقول أبدًا، معنى أبدًا إلى ما لا نهاية.
الشيخ: لا، اسمح لي، حركة الجفن يا أخي، أنت الظاهر أنك تفهمها الآن أنها هكذا، هكذا لا نرى، لكن إذا كان هكذا نرى، يعني الحركة، الآن الإنسان عندما يريد أن يحدق في شيء.
مداخلة: يحدق
الشيخ: كيف هكذا بيطبق شوية بين جفنيه.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنت تظن أن كل من يريد أن ينظر لا بد أن يحرك جفنيه، وهذا خطأ.
الشاهد من هذا الكلام كله، أنك الآن عندما تريد أن تنظر بعينك، لا بد من أن يتحرك الجفن قليلًا أو كثيرًا، لكن مع ذلك نأتيك من باب أقرب.
أنت الآن عندما تنظر، تنظر بحدقة وببياض وإلى آخره، هل هذه الصفات نَصِفُ ربَّنا بها؛ لأنه بصير؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لماذا؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).كويس، طيب.
أنت الآن عندما تفسر المجيء الإلهي بالنزول الإلهي تستلزم منه الحركة، من أين تأخذ أنت هذا النزول؟
[ ٦ / ٣٥٠ ]
مداخلة: منا.
الشيخ: منا، معناها شبهنا رب العالمين بنا، ومن هنا ضل المعتزلة وأمثالهم، كيف ذلك؟
مداخلة: أقول
الشيخ: اسمح لي، أنت لا تقول شيء، أنت اسمع فقط.
مداخلة: أريد أن أوضح بس وجهة نظري.
الشيخ: أنا سأوضح لك الآن، الله يهديك.
مداخلة: آمين.
الشيخ: وجهة نظرك تبينها قبل، وليس في أثناء الاستماع للجواب.
من هنا ضل المعتزلة وأمثالهم كيف؟ لما سمعوا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، رأسًا تبادر إلى ذهنهم أن سمعه كسمعنا، وبصره كبصرنا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح:١٠)، تبادر إلى أذهانهم أن يد الله كيد البشر .. إلى آخره.
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر:٢٢) .. وينزل .. إلى آخره.
تبادر لأذهانهم من هذه الصفات التي وصف الله بها نفسه، أنها هي الصفات الموجودة عندنا، وهذه الصفات معناها أن الله شبَّه نفسه بعباده، والتشبيه باطل بداهة؛ لذلك هم قالوا ما دام أن في الآيات فيها تشبيه الخالق بالمخلوق، فالتشبيه باطل، إذًا: نحن نؤول الآيات ولا نقول بظاهرها حتى لا نقع بالتشبيه.
[ ٦ / ٣٥١ ]
والآن بالنسبة لموضوع الحركة، هم فهموا من المجيء يلزمه الحركة، وفهموا من النزول كذلك، الحركة من صفة المخلوق، إذًا: ربنا لا يجيء ولا ينزل.
نحن نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).نثبت الصفة التي وصف بها نفسه دون تشبيه ودون تكييف، عرفت؟
إذًا: أنت لا تقول لماذا نفيت الحركة؟ نحن نفيناها؛ لأنها لم ترد.
مداخلة: المقصود يعني حركة تليق بجلاله.
الشيخ: حركة تليق بجلاله ثبتت، أم مجيء يليق بجلاله هو الثابت؟
مداخلة: أنا الذي أقصده أنا مثلًا يوم
الشيخ: جاوب الله يهديك.
مداخلة: تفضل.
الشيخ: شايف شلون، تبين قصدك الأول، يأتيك السؤال وتعود وتقول لي: أقصد، وهكذا لن ننتهي.
بيَّن قصدك من الأول، أنا أقول لك الآن: حركة تليق بجلاله وردت هذه الحركة التي تليق بجلاله؟
مداخلة: ليس كيف ..؟!
الشيخ: جاوب يا حبيبي، جاوب وقل: وردت أو قل ما وردت، ريح
حالك وريحنا.
مداخلة: لا ما وردت.
[ ٦ / ٣٥٢ ]
الشيخ: إذًا ، لماذا تقول بشيء لم يرد؟ مثلما واحد يقول أن ربنا له شعر، لكن ليس كمثل شعرنا.
يا حبيبي هذه الصفة، أنت تصف ربك بصفة، هذه الصفة هل وردت في الكتاب والسنة، لا لم ترد، فَرَّيح حالك، إذا لم نخلص مع الجماعة الضالين هؤلاء بالصفات التي أثبتها الله لنفسه، ويريدون أيضًا أن يعطلوها، ونزيد في الطين بلة، ونأتي بصفات من عندنا ونضيف إنها تليق بجلاله.
هل فهمت ما هي المشكلة، يبدو أنه لم يفهم.
مداخلة: أنا فهمت.
الشيخ: إذًا؟
مداخلة: عندي سؤال
الشيخ: نعم.
مداخلة: آية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢)، رددها ثلاث مرات، ألا تدل على حركة، هذا الذي أقصده، وضِّح لي هذه الآية كتفسير أو معنى إذا أمكن؟
الشيخ: بدأت تطور لكن الحق ليس عليك.
الآن نحن كنا في المجيء، الآن لماذا انتقلت إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢).
هل خلصنا من الأولى؟
مداخلة: بدي أستفسر ..
[ ٦ / ٣٥٣ ]
الشيخ: خلصنا من الأولى، ثلاث مرات؟
سؤال: الدنيا ليل أم نهار؟ لا يوجد هناك جواب، الدنيا ليل أم نهار؟
مداخلة: ليل.
الشيخ: الله يهديك، لا تضيع وقتنا، هناك غيرك يريد أن يسأل.
مداخلة: طول بالك.
نحن إذا ما طولنا بالنا على الناس ما استمع هذول الناس.
مداخلة: جزاك الله خير، بارك الله فيك.
الشيخ: كنا في المجيء، وبيَّنا لك أننا نؤمن بالمجيء على اعتبار الصفة لله ﷿، لكن لا نضيف إليها معاني نعرفها من أنفسنا وهي الحركة، حتمًا نحن عندما نقول فلان جاء إلى الدار، فهناك تلازمه حركة.
نحن الآن عندما نسمع ربنا يصف نفسه بأنه جاء، وبأنه ينزل، لا يجوز أن نضيف إلى هذه الصفة الإلهية صفة قائمة في أنفسنا وملازمة للمجيء البشري، فنضيف الصفة القائمة بأنفسنا للمجيء الإلهي، هذا هو التشبيه، ولذلك ظننت أنا أننا انتهينا معك، أننا نصف ربنا بما وصف به نفسه، بماذا وصف نفسه، جاء، حركة؟ قلنا لك آنفًا، هل الحركة جاءت كصفة من صفات الله، أنت قلت حركة تليق بجلاله، ضربت لك مثال: واحد يقول: الله له شعر، لكن شعر يليق بجلاله، ما استفدنا منك شيئًا من هذا الكلام كله، قفزت إلى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢).
يا حبيبي عندما ننتهي من البحث الأول، تأخذ أنت الجواب من نفسك، ومن
[ ٦ / ٣٥٤ ]
فهمك للجواب عن البحث الأول، وترتاح في كل الآيات، هل انتهينا إلى شيء معك بالنسبة وجاء ربك إلى أنه لا تلازم بين المجيء وبين الحركة إلا بالصفة البشرية وليس كمثله شيء انتهينا منها.
إذًا: لا يجوز للمسلم أن يقول: إن الله يتحرك، ولا يجوز له أن يقول: لا يتحرك؛ لأنه لم يرد هذا ولا هذا، كما قلنا لك: الله في جهة؟ لا نقول في جهة، ولا نقول ليس في جهة، لكن نستفسر منه ماذا يعني بأن الله في جهة؟ يعني: أن الله على العرش استوى كما يليق بجلاله، ونقول له: المعنى أصبت، واللفظة أخطأت، لأنك جئت بلفظة ما جاء في السنة، هي الجهة.
فالآن أنت هل بقى عندك شيء بهذا البيان المتعلق بـ: (وجاء ربك) والأمثلة التي ضربناها لك، واقتنعت تمامًا بأنه لا نزيد على الصفة القرآنية أو الحديثية شيء، ونقف عند التعبير الإلهي أو النبوي، اتفقنا عند هذا أو لم نتفق؟
اتفقنا على هذا والحمد لله، أقول لك سؤالك عن ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢)، الجواب هو نفسه عن: ﴿وجاء ربك﴾ و﴿ينزل الله﴾ إلى آخره.
وإن كنا لم نتفق فالاستعجال في الأمر وقفز في البحث لا يحسن إلى آية أخرى وثانية وثالثة ورابعة.
اتفقنا أو لا يزال في المسألة غموض؟
مداخلة: اتفقنا.
الشيخ: حسنًا، ما هو الفرق حينئذ بين قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر:٢٢)، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢).
[ ٦ / ٣٥٥ ]
﴿يوم يكشف عن ساق﴾ مثل: ﴿وجاء﴾، نؤمن كما جاءت لأن صفات الله يجب الإيمان بها من باب يؤمنون بالغيب، لكن لا تكييف ولا تعطيل.
مداخلة: أنا لا أُكَيِّف.
الشيخ: وعندما تقول حركة، من أين أتيت بها، أليس هذا تكييفًا؟ حركة أخذتها من البشر، وألصقتها برب البشر.
مداخلة: معناها نفس الشيء البشر.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: ثابت لفظ السمع والبصر نفس الشيء ثابت لرب البشر للبشر.
الشيخ: إذا ًلم نتفق، ولم نستفد شيء.
يا حبيبي قلنا لك: ﴿جاء ربك﴾ تحرك ربك، لم يأتِ لا في قرآن ولا في سنة.
على كل حال بدك تتحملنا والله يعينك علينا.
"الهدى والنور" (١٦١/ ٥١: ٠٥: ٠١) وتتمته في (١٦٢/ ٣٣: ٠٠: ٠٠)
[ ٦ / ٣٥٦ ]
(الحواس)
[٩٦٦] باب هل نثبت الحواس الخمس لله تعالى؟
سؤال: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته "الأكملية" (١) في الأقوال التي وردت في إثبات الحواس الخمس لله ﷿، ثم ذكر أقوال أهل العلم والأئمة، ونفيهم لحاسة الذوق، ولم يتكلم عن حاسة الشم وأثبت حاسة اللمس، فما هو القول في هذه المسألة؟
الشيخ: أي مسألة؟
مداخلة: إثبات كم حواس لله ﷿، قال: ونفيهم لحاسة الذوق ولم يتكلم عن حاسة الشم، وأثبت حاسة اللمس، فما هو القول في هذه المسألة؟ واحدة سكت عنها، والثانية
الشيخ: أما حاسة السمع نحن لا نقول أن لله حواس، لكن نقول: أن الله أثبت لنفسه كما تكلمنا بعد الصلاة، صفة السمع والبصر وهو سميع بصير، لكن ما نقول: له حاسة السمع، ولا نقول أيضًا: له حاسة البصر؛ لأن الحواس من طبيعة الناس، الحاسة التي لم يثبتها الشم قلت أو ماذا؟
_________________
(١) "الرسالة الأكملية" (٦/ ١٣٦) ضمن "مجموع الفتاوى"، قال شيخ الإسلام بعد إيراد الخلاف حول إثبات الإدراكات الخمس لله تعالى: "وقال جمهور أهل الحديث والسنة: نصفه أيضًا بإدراك اللمس؛ لأن ذلك كمال لا نقص فيه. وقد دلت عليه النصوص، بخلاف إدراك الذوق، فإنه مستلزم للأكل وذلك مستلزم للنقص".
[ ٦ / ٣٥٧ ]
مداخلة: نعم، الشم.
الشيخ: واللمس
مداخلة: اللمس والشم والذوق.
الشيخ: أنا لا أعلم، هو أثبت الذوق يقول عن ابن تيمية؟
مداخلة: لا، أقول: نفى الذوق ولم يتكلم عن الشم وأثبت اللمس.
الشيخ: اللمس لا أذكر أن هناك حديثًا صحيحًا، الذي نقل هذا عن ابن تيمية نقله هكذا ولم ينقل ابن تيمية أي دليل لما أثبت؟!
"رحلة النور" (٤١أ/٠٠:٠٢:١٠)
[ ٦ / ٣٥٨ ]
(المكان والجهة)
[٩٦٧] باب هل ينسب المكان لله تعالى؟
[قال الإمام]:
نسبة المكان إلى الله تعالى مما لم يرد في الكتاب والسنة، ولا في أقوال الصحابة وسلف الأمة، واللائق بنهجهم أن لا ننسبه إليه تعالى خشية أن يُوْهِمَ ما لا يليق به ﷿.
"مختصر العلو" (ص٢١٣).
[٩٦٨] باب هل تصح نسبة الجهة
والمكان أو نفيهما عن الله ﷿؟
[تكلم الشيخ حول تهمة السلفيين بتفريق الصف، ثم استطرد قائلًا]:
فإذًا: كلمة التفريق قد تمدح وقد تقدح، ولذلك فلا يجوز أن تطلق هذه الكلمة على سبيل المدح مطلقًا كما لا يجوز أن تطلق على سبيل القدح مطلقًا، هذا يشبه الكثير من المسائل التي تتعلق بالعقيدة، وهذا مما استفدناه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بحق ﵀ حينما يناقش علماء الكلام وعلماء التأويل الذين أنكروا بعض الصفات الإلهية والتي منها: استواء الله ﵎ على عرشه وعُلُوِّه على خلقه حيث يقول المعطلة أو على الأقل المؤولة يقولون: إن الله ﷿ ليس في مكان، إن الله ﷿ ليس له جهة يقول ابن تيمية في مناقشة
[ ٦ / ٣٥٩ ]
هؤلاء: نحن لا نقول إن لله مكانًا أو إن له جهة كما أننا لا ننفي المكان عنه، ولا الجهة، وإنما ننظر إلى النافي وإلى المثبت، ننظر إلى كُلٍّ منهما ماذا يعني إذا أثبت المكان أو الجهة أو ماذا يعني إذا نفى المكان أو الجهة؟ فإن كان ما يعنيه هذا أو ذاك مطابقًا للكتاب والسنة قبلنا معناه، ورفضنا لفظه؛ لأن اللفظ لم يرد، فمن قال: إن الله ﷿ ليس له جهة إن كان يعني ليس له جهة من الجهات الست مطلقًا كما هو طبيعة الإنسان لابد ما يكون في جهة، فهذا قد يقال، إلا إذا نفى أن يكون الله ﷿ في جهة العلو حينئذ نقول له: أخطأت؛ لأنك نفيت ما جاءت نصوص الكتاب والسنة متواترة على إثباته وهو: ارتفاع الله ﷿ على عرشه وعُلُوِّه على خلقه.
وإن عنيت بالنفي أن الله بحاجة إلى الجهة وإلى المكان، قلنا: نحن معك؛ لأن الله هو الغني عن العالمين، لكن هذا لا يعني أنه ليس له صفة العلو.
"الهدى والنور" (٢٠٠/ ٥٦: ٢٢: ٠١)
[ ٦ / ٣٦٠ ]
(الشر والظلم)
[٩٦٩] باب هل ينسب الشر لله تعالى؟
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان النبي - ﵌ - إذا قام إلى الصلاة وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك » رواه مسلم.
[قال الإمام]:
أي لا ينسب الشر إِليه تعالى؛ لأنه ليس من فعله ﷿، بل أفعاله كلها خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة. وتمام هذا البحث الهام، راجعة
في كتاب: "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل" لابن القيم رحمه
الله تعالى.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٥٧).
[ ٦ / ٣٦١ ]
[٩٧٠] باب هل ينسب الشر لله تعالى؟
[عَلَّق الإمام على قول النبي - ﵌ - في دعاء الاستفتاح: «والشر ليس
إليك» قائلًا]:
أي: لا ينسب الشر إلى الله تعالى؛ لأنه ليس في فعله تعالى شر؛ بل أفعاله
﷿ كُلُّها خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة، وهو كله خير لا شر فيه، والشر إنما صار شرًا لانقطاع نسبته وإضافته إليه تعالى.
قال ابن القيم ﵀:
هو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير محله، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها؛ وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شرًا، فعلم أن الشر ليس إليه (قال:) فإن قلت: فلم خلقه وهو شر؟ قلت: خلقه له، وفعله خير لا شر، فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه، والشر يستحيل قيامه واتصافه به، وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيرًا.
وتمام هذا البحث الخطير وتحقيقه في كتابه "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل"؛ فراجعه (ص ١٧٨ - ٢٠٦).
"أصل صفة الصلاة" (١/ ١٤٨ - ٢٤٩).
[٩٧١] باب معنى قول النبي - ﵌ -: «الشر ليس إليك»
[نقل الإمام كلاما في تفسير هذه العبارة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مقررًا إياه؛ يقول ابن تيمية]:
"اعْلَمْ أَنَّ مذْهَبَ أَهل الحقِّ من المُحدِّثين والفقهاء من الصحابة والتابعين
[ ٦ / ٣٦٢ ]
ومَن بَعْدَهم من عُلماء المسلمين: أّن جميع الكائناتِ خَيْرها وشرّها، نفْعَها وضرَّها، كُلُّها مِنَ الله تعالى وبإٍرادَته وتَقْديرِه، فلا بُدّ منْ تأويل الحديث، فَذَكَر العلماء فيه أَجْوبَة: ً
أَحدها: وهو أَشْهَرُها؛ قاله النَّضْر بن شُمَيْل والأئِمَّة بعْدَهُ - أَن معناه: والشر لا يُتَقَرّبُ "بِهِ" إٍلَيْكَ.
والثاني: لا يَصْعَدُ إليْك، إنما يصْعدُ الكَلِمُ الطّيّبُ.
والثالث: لا يُضاف إِلَيْك أَدبًا، فلا يُقال: يا خالِق الشرِّ، وإِن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالِق الخنازير، وإِن كان خالِقها.
والرابع: ليس شرًا بالنِّسبة إِلى حكْمَتِكَ، فإنك لا تَخْلُقُ شَيْئًا عبثًا".
"تحقيق الكلم الطيب" (ص ١٠٠).
[٩٧٢] باب هل ينسب الظلم إلى الله تعالى
[نقل الإمام كلام شارح الطحاوية على قول الماتن: "وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبد" مقررًا إياه فقال]:
قال الشارح (ص ٤٤٨):
الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد يقتضي قولًا وسطًا بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلمًا وقبيحًا يكون منه ظلمًا وقبيحًا كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم؛ فإن ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم، وهو الرب الغني القادر وهم العباد الفقراء المقهورون، وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة كما يقوله من يقوله من المتكلمين
[ ٦ / ٣٦٣ ]
وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كل ما كان ممكنًا فهو منه لو فعله عدل؛ إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك فإن قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾ (طه: ١١٢) وقوله تعالى: ﴿ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾ (ق:٧٦) وقوله تعالى: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾ (الزخرف: ٧٦) وقوله تعالى: ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ (الكهف: ٤٩) وقوله تعالى: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾ (غافر:١٧) يدل على نقيض هذا القول. ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله: «يا عبادي إني حَرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا» فهذا دل على شيئين: أحدهما أنه حرَّم على نفسه الظلم والممتنع لا يوصف بذلك. الثاني: أنه أخبر أنه حرَّمه على نفسه كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي والله ليس كذلك، فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة وحرَّم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه لا ما هو ممتنع عليه.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٩٧ - ٩٩).
[ ٦ / ٣٦٤ ]
(الملل)
[٩٧٣] باب إضافة الملل لله تعالى
كان [- ﵌ -] يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وكان أحب الصلاة إلى النبي - ﵌ - ما دووم عليها».
(صحيح).
[نقل الإمام كلام النووي على الحديث ولم يُعلِّق عليه فقال]:
قوله: «خذوا من العمل ما تطيقون» أي: تطيقون الدوام عليه بلا ضرر، وقوله: «فإن الله لا يمل»؛ قال الإمام النووي: «الملل والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى، فيجب تأويله، فقال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة الملل، فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم، وقيل: لا يمل إذا مللتم، وحتى بمعنى: «حين»
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٤٤٠).
[ ٦ / ٣٦٥ ]
(الظل)
[٩٧٤] باب في إضافة الظل إلى الله تعالى
عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، والشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه».
(صحيح).
[قال الإمام]:
إضافة الظل إلى الله تعالى إضافة ملك، وكُلُّ ظل فهو لله وملكه وخلقه وسلطانه، والمراد هنا ظل العرش كما جاء في حديث آخر مبينًا، والمراد باليوم يوم القيامة، إذا قام الناس لرب العالمين، ودنت منهم الشمس، واشتد عليهم حرها، وأخذهم العرق، ولا ظل هناك لشيء، إلا العرش.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٣٨٦).
[٩٧٥] باب منه
الشيخ: يسأل السائل عن الحديث المشهور المتفق عليه بين الشيخين: «سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله »
[ ٦ / ٣٦٦ ]
إلى آخره، يقول: هل نثبت الظل صفة لله؟ نقول: ما أعتقد ذلك وبخاصة أن في بعض روايات هذا الحديث: «يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» فهذا ليس صفة من صفات الله ﷿.
"لقاءات المدينة" (٣/ ٠٠:٣٩:٣٠)
(المرض)
[٩٧٦] باب في إضافة المرض إلى الله عزوجل
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -:
«إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده.
يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي.
يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت
ذلك عندي».
(صحيح).
[ ٦ / ٣٦٧ ]
[قال الإمام]:
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه ﷾ - والمراد العبد - تشريفًا للعبد وتقريبًا له، قالوا: ومعنى «وجدتني عنده» أي: وجد ثوابي وكرامتي، ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث: «لو أطعمته لوجدت ذلك عندي»، «لو سقيته لوجدت ذلك عندي»؛ أي: ثوابه، والله أعلم.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٤٠٧).
(الدار)
[٩٧٧] باب هل ثبتت إضافة الدار لله تعالى؟
[جاء في رواية البخاري لحديث الشفاعة الطويل عن النبي - ﵌ - قال]:
فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تُشَفَّع، وسل تعط الحديث.
[قال الإمام]:
أنا في شك كبير في ثبوت ذكر "الدار" في هذا الحديث؛ لأنه قد رواه جمع من الثقات عن قتادة به، بدون هذه الزيادة "ثم دلل على عدم ثبوتها".
"مختصر صحيح البخاري" (٤/ ٣٥٤).
[ ٦ / ٣٦٨ ]
(الشرف)
[٩٧٨] باب حكم قول بعضهم: بشرف الله
سؤال: بعض الناس عندما يستغرب من شيء يقول بشرف الله هل هذا الشيء يجوز، وهل يعتبر هذا من باب التجسيد وصف الله بما لا يليق به سبحانه؟
الشيخ: لا يجوز أن يوصف ربنا إلا بما وصف به نفسه ولو كانت هذه الصفة في عرف الناس صفة تشريف وتبجيل وتقديس، فما دام أن هذه الصفة لم ترد في الكتاب ولا في السنة فلا يجوز أن يُوصًف الله ﷿ بذلك، لقد ذكر العلماء أن الله ﷿ يُوصف بأنه كريم لكنه لا يوصف بأنه سخي والسخاء في اللغة العربية ربما -وأعني ما أقول- وربما يكون بمعنى الكرم وأقول بذلك متحفظًا؛ لأن بعض الفقهاء في اللغة قد يُفرِّقون بين لفظين مترادفين عند عامة الناس كأمثالنا في اللغة ولكن قد يكون الأمر في كثير من الأحيان لا فرق في اللغة بين لفظين مترادفين، فقد يقول: الإنسان الشمس طلعت، وقد يقول: ظهرت، وقد يقول أشرقت، وقد يقول: بانت، وكل هذه الألفاظ ألفاظ مترادفة لكن بانت تتميز عن الألفاظ الأخرى لأنها من ألفاظ التضاد فيقال في اللغة إذا أشرقت الشمس بانت الشمس، وإذا غربت الشمس أيضًا يقال بانت الشمس، لفظان مترادفان، ولهذا أمثلة كثيرة في اللغة يقال رجل جليل أي عظيم، ويقال: رجل جليل أي حقير، السياق والسباق هو الذي يُخصِّص المراد من اللفظ الذي له معنيان
[ ٦ / ٣٦٩ ]
متقابلان.
الخلاصة: ربنا ﷿ لا يُوصف بأنه شريف أو بأنه له شرف لأن هذه الصفة لم ترد كما قلنا في التضاد.
-من يقول هذا، أقول له: هذا لا يجوز؟
-طبعًا، لكن هل نقول له لا يجوز؛ وهو ينكر لا يُؤمن بالله من أصله، المسألة هنا قضية أخرى يعنى تدخل في سياسة الدعوة، أما إنه هذا لا يجوز؟ لا يجوز.
"الهدى والنور" (٥٤٢/ ١٤: ١٦: ٠٠)
[ ٦ / ٣٧٠ ]
(أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض)
[٩٧٩] باب ما روي عن النبي - ﵌ - أنه قال: «الحجر يمين الله »
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده». (منكر).
[قال الإمام]:
وإذا عرفت ذلك "أي: كون الحديث منكرًا"، فمن العجائب أن يسكت عن الحديث الحافظ ابن رجب في " ذيل الطبقات " (٧/ ١٧٤ - ١٧٥) ويتأول ما روي عن ابن الفاعوس الحنبلي أنه كان يقول: " الحجر الأسود يمين الله حقيقة "، بأن المراد بيمينه أنه محل الاستلام والتقبيل، وأن هذا المعنى هو حقيقة في هذه الصورة وليس مجازًا، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلا، وكان يغنيه عن ذلك كله التنبيه على ضعف الحديث، وأنه لا داعي لتفسيره أو تأويله لأن التفسير فرع التصحيح كما لا يخفى.
"الضعيفة" (١/ ٣٩٠، ٣٩٢).
[ ٦ / ٣٧١ ]
(النَفَس)
[٩٨٠] باب معنى قوله - ﵌ -:
«إني أجد نَفَسَ الرحمن من هنا» يشير إلى اليمن
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إني أجد نفس الرحمن من هنا- يشير إلى اليمن».
[قال الإمام]:
يبدو أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذهب إلى ثبوت الحديث، فقد رأيتهُ سُئل عن حديث: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، وعن هذا الحديث في "مجموع الفتاوى" (٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨)؟ فضعف الأول، دون هذا، وقال مبينًا معناه، وأنه ظاهر فيه؛ فقال:
"فقوله في: "اليمن " يبين مقصود الحديث؛ فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذين قال فيهم: ﴿من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾؛ وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية؛ سئل عن هؤلاء؛ فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري (١). وجاءت الأحاديث الصحيحة، مثل قوله: "أتاكم أهل اليمن، أرق
_________________
(١) فيه عدة أحاديث يدل مجموعها على صحة ذلك؛ انظر الحديث الآتي. [منه].
[ ٦ / ٣٧٢ ]
قلوبًا، وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية " (١).وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نَفَّس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصص ذلك بأويس؛ فقد أبعد".
قلت: وعلى هذا المعنى فليس الحديث من أحاديث الصفات، ولذلك لم يورده الحافظ الذهبي في جملة أحاديثها في كتابه "العلو" الذي كنت اختصرته، وهو مطبوع، خلافًا للشيخ زاهد الكوثري الذي غمز من صحته كما تقدم مع الرد عليه، ولذلك كذَّب ابن تيمية ﵀ ما حكاه الغزالي عن بعض الحنابلة أن الإمام أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء؛ منها هذا الحديث، فقال (٥/ ٣٩٨):
"فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يُعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي مجهول لا يعرف ".
ثم رأيت ابن الأثير قد أورد الحديث في مادة (نفس) من "النهاية "، وقال: "قيل: عنى به الأنصار؛ لأن الله نفَّس بهم الكُرَب عن المؤمنين، وهم يمانون؛ لأنهم من الأزد، قال الأزهري: (النفس) في الحديث اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من: نَفَّس يُنَفسِّ تنفيسًا ونفسًا)، كما يقال: (فرج يفرج تفريجًا وفرجًا)؛ كأنه قال: أجد تنفيس ربكم من قِبَل اليمن ".
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٠٩٩، ١١٠١ - ١١٠٢).
_________________
(١) متفق عليه، وهو مخرج في "الروض النضير" (١٠٤٥). [منه].
[ ٦ / ٣٧٣ ]
[٩٨١] باب هل يصح حديث فيه أن روح الرحمن من جهة اليمن؟
سؤال: هل يصح حديث في أن ريح الرحمن من جهة اليمن، أو روح الرحمن؟
الشيخ: يوجد حديث في المسند بهذا لكن ما أستحضر الآن حاله.
"فتاوى رابغ" (٤/ ٠٠:٥٤:١٦)
[ ٦ / ٣٧٤ ]
جماع أبواب مسائل لفظية لها تعلق بالأسماء والصفات
[ ٦ / ٣٧٥ ]
[٩٨٢] باب جواز الحلف بصفات الله تعالى
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا من أهل الجنة، فيقول أصبغوه صبغة الجنة، فيصبغونه فيها صبغة، فيقول الله ﷿: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط أو شيئا تكرهه؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت شيئًا أكرهه قط، ثم يؤتى بأنعم الناس كان في الدنيا من أهل النار فيقول: أصبغوه فيها صبغة، فيقول: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط قرة عين قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت خيرا قط ولا قرة عين قط».
[قال الإمام]:
(فائدة): في الحديث جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى ومن أبواب البيهقي في " السنن الكبرى " (١٠/ ٤١) " باب ما جاء في الحلف بصفات الله تعالى كالعزة والقدرة والجلال والكبرياء والعظمة والكلام والسمع ونحو ذلك". ثم ساق تحته أحاديث وأشار إلى هذا الحديث واستشهد ببعض الآثار عن ابن مسعود وغيره وقال: " فيه دليل على أن الحلف بالقرآن كان يمينًا ".ثم روي بإسناده الصحيح عن التابعي الثقة عمرو بن دينار قال: " أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله ﷿ ".
"الصحيحة" (٣/ ١٥٥ - ١٥٦).
[٩٨٣] باب حكم قول بعضهم: بشرف الله
سؤال: بعض الناس عندما يستغرب من شيء يقول بشرف الله هل هذا الشيء يجوز، وهل يعتبر هذا من باب التجسيد وصف الله بما لا يليق به سبحانه؟
الشيخ: لا يجوز أن يوصف ربُّنا إلا بما وصف به نفسه ولو كانت هذه الصفة
[ ٦ / ٣٧٧ ]
في عرف الناس صفة تشريف وتبجيل وتقديس، فما دام أن هذه الصفة لم ترِد في الكتاب ولا في السنة فلا يجوز أن يوصف الله ﷿ بذلك، لقد ذكر العلماء أن الله ﷿ يوصف بأنه كريم لكنه لا يوصف بأنه سخي والسخاء في اللغة العربية ربما -وأعني ما أقول- وربما يكون بمعنى الكرم وأقول بذلك متحفظًا؛ لأن بعض الفقهاء في اللغة قد يفرقون بين لفظين مترادفين عند عامة الناس كأمثالنا في اللغة ولكن قد يكون الأمر في كثير من الأحيان لا فرق في اللغة بين لفظين مترادفين، فقد يقول: الإنسان الشمس طلعت، وقد يقول: ظهرت، وقد يقول أشرقت، وقد يقول: بانت، وكل هذه الألفاظ ألفاظ مترادفة لكن بانت تتميز عن الألفاظ الأخرى لأنها من ألفاظ التضاد فيقال في اللغة إذا أشرقت الشمس بانت الشمس، وإذا غربت الشمس أيضًا يقال بانت الشمس، لفظان مترادفان، ولهذا أمثلة كثيرة في اللغة يقال رجل جليل أي عظيم، ويقال: رجل جليل أي حقير، السياق والسباق هو الذي يخصص المراد من اللفظ الذي له معنيان متقابلان.
الخلاصة: ربنا ﷿ لا يوصف بأنه شريف أو بأنه له شرف لأن هذه الصفة لم ترد كما قلنا في التضاد.
-من يقول هذا، أقول له: هذا لا يجوز؟
-طبعًا، لكن هل نقول له لا يجوز؛ وهو ينكر لا يؤمن بالله من أصله، المسألة هنا قضية أخرى يعنى تدخل في سياسة الدعوة، أما إنه هذا لا يجوز؟ لا يجوز.
السائل: -شيخنا لو إنسان قاصد هذا اللفظ [بشرف الله] لكن قصد اليمين، فهل نرتب عليه حكم اليمين أم لأنه حلف حلفًا غير شرعي، لا نرتب عليه حكم اليمين؟
[ ٦ / ٣٧٨ ]
-قال مثلًا.
-بشرف الله.
-أي نعم، فيما يبدوا لي -والله أعلم- نرتب عليه لأن الأعمال بالنيات لكن نحن نصحح له لفظه.
"الهدى والنور" (٥٤٢/ ١٤: ١٦: ٠٠)
[٩٨٤] باب هل يصح قول القائل: الله على ما يشاء قدير
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- "آخرُ مَن يدخلُ الجنةَ رجلٌ؛ فهو يمشي مرة، ويكبو مرةً، وتسفعُهُ النارُ مرةً، فإذا ما جاوزَها التفتَ إليها فقال: تباركَ الذي نجاني منكِ، لقدْ أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فتُرفعُ لهُ شجرةٌ، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، فلأستظلَّ بظلِّها، وأشربَ من مائها، فيقولُ الله ﷿: يا ابن أدم! لعلِّي إن أعطيتُكَها سألتني غيرها؟ فيقولُ: لا يا ربِّ! ويعاهدُه أن لا يسألَه غيرها، وربُّه يعذِرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صبْرَ لَهُ عليه، فيدنيهِ منها، فيستَظلُّ بظلِّها، ويشربُ من مائها.
ثم ترفعُ له شجرةً هي أحسن من الأولى، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه لأشربَ من مائها، وأستظلَّ بظلِّها، لا أسأَلُكَ غيرها، فيقولُ: يا ابن آدم! ألم تعاهدْني أن لا تسألنِي غيرها؟ فيقول: لعلِّي إن أدنيتُك منها تسألُني غيرها؟ فيعاهدهُ أن لا يسألَه غيرَها، وربُّه يعذرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صَبْرَ له عليه، فيدنيهِ منها، فيستظلُّ بظلِّها، ويشربُ من مائها.
[ ٦ / ٣٧٩ ]
ثم ترفعُ له شجرةٌ عند باب الجنة هي أحسن من الأولَيَيْنِ، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه لأستظلَّ بظلِّها، وأشربَ من مائها، لا أسألُكَ غيرها! فيقولُ: يا ابن آدمَ! ألمْ تعاهدني أن لا تسألَني غيرها؟ قال: بلى يا ربِّ! هذه لا أسألُك غيرها، وربُّه يعذرُه؛ لأنه يرى ما لا صَبْرَ له عليها، فيدنيه منها.
فيسمعُ أصوات أهل الجنة فيقولُ: أيْ ربِّ! أدخِلنِيها، فيقول: أيِ ابنَ أدمَ! ما يَصْرِيني منكَ؟ أيرضيك أن أعطيكَ الدنيا ومثلَها معَها؟ قال: يا ربِّ! أتستهزئ مني وأنت ربُّ العالمين؟
فضحكَ ابنُ مسعودٍ، فقالَ: ألا تسألوني ممَ أضحكُ؟ فقالوا: ممَ تضحكُ؟ قال: من ضَحِكِ ربِّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنتَ ربُّ العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئُ منكَ، ولكنِّي على ما أشاء قادر.- وفي رواية: قدير"
[قال الإمام]:
(فائدة): قوله: "ولكني على ما أشاء قادر- أو قدير- ": فيه دليل على جواز استعمال هذه الكلمة: "إن الله تعالى على ما يشاء قدير"، وقد كنت توقفت عنها حين علقت على قول الطحاوي في "العقيدة" (ص ٢٠): "ذلك بأنه على كل شيء قدير" كلمة للشيخ ابن مانع﵀- أن ذلك ليس بصواب (١)، وأن الصواب ما في الكتاب والسنة (وهو على كل شيء قدير) لعموم مشيئة الله وقدرته .. إلخ كلامه. ثم وقفت بعد ذلك على هذه الكلمة في هذا الحديث في "صحيح مسلم "، فخشيت- متأثرًا بكلام الشيخ- أن تكون شاذة في الحديث؛ أو خطأ من بعض الرواة، فتريَّثت حتى يتسنى لي تخريجه والنظر في إسناده ورواته.
_________________
(١) أي تعبير بعض الناس بقولهم: "وهو ما يشاء قدير".
[ ٦ / ٣٨٠ ]
ثم كنت في ليلة من ليالي غرة شهر ذي الحجة في بعض مخيمات عَمّان ألقي كلمة حول وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح؛ ووجوب قرن ذلك بالعمل، وبعد الفراغ منها فتحنا باب الأسئلة، فسأل أحد إخواننا الحاضرين- ويبدو أنه على شيء من العلم والثقافة- عن هذه الكلمة، مشيرًا إلى تعليقي المذكور على "العقيدة الطحاوية "، وذكر- جزاه الله خيرًا- بقوله تعالى: [وهو على جمعهم إذا يشاء قدير] (الشورى/٢٩)، فأجبته بأن الحديث بحاجة إلى تخريج وتحقيق، مشيرًا إلى أنه من الممكن أن يكون أصل الكلمة: "وأنا على كل شيء قدير" أو نحوها، فبادرت إلى تخريج الحديث، فوجدت أن الرواة عن حماد بن سلمة اتفقوا على اللفظ المتقدم.
ثم تابعت البحث والتحقيق فوجدت للحديث طريقًا أخرى عن ابن مسعود، يرويه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني: ثنا المنهال بن عمرو عن أبي عُبيدة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا مطولًا جدًا؛ لكن بلفظ:
"ولكني على ذلك قادر".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ ٤١٦ - ٤٢١)، والحاكم (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧ و٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) وقال في الموضع الأول:
"صحيح على شرط الشيخين "! ووافقه الذهبي!
وقال في الموضع الآخر:
"رواة هذا الحديث- عن آخرهم- ثقات؛ غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في "الصحيحين "؛ لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة، فأمّا الأئمة المستقدمون؛ فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان، والحديث
[ ٦ / ٣٨١ ]
صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة".
كذا قال! وما عرفت من شهد له بالإتقان، أما الصدق؛ فنعم، وفي حفظه ضعف كما يأتي، وأما الذهبي؛ فتعقبه هنا بقوله:
"ما أنكره حديثًا على جودة إسناده، وأبو خالد شيعي منحرف "!
وأقول: لم أر من رماه بالتشيع، فلعله التبس عليه بغيره، ثم هو مختلف فيه، فقال الذهبي نفسه في "الكاشف ":
"وثقة أبو حاتم، وقال ابن عدي: في حديثه لين ".
وقال في " المغني ":
"مشهور، حسن الحديث، قال أحمد: لا بأس به، وقال ابن حبان: فاحِشُ الوهم، لا يجوز الاحتجاج به ".
ولذلك قال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلس ".
قلت: وجزم الهيثمي بتوثيقه؛ كما يأتي، وهو من تساهله، وإن كان مسبوقًا إليه، ولكن لا ينبغي غض النظر عن الجرح المفسر، الذي تضمنه كلام ابن حبان وغيره، فيتقى من حديثه ما يخشى أن يكون وهم فيه، أو ينتقى من حديثه ما سلم من خطئه، كما هو الواقع هنا؛ فقد توبع عليه، فقال زيد بن أبي أنيسة: عن المنهال بن عمرو به مطولًا أيضًا، وباللفظ المذكور في رواية الدالاني.
أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (٢/ ٥٢٠ - ٥٢٤ - دار ابن القيم)، والطبراني أيضًا عنه وعن حافظين آخرين ثلاثتهم، والبيهقي في "البعث "
[ ٦ / ٣٨٢ ]
(٢٣٩/ ٤٧٩)، كلهم عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحرَّاني: ثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير إسماعيل ابن عُبَيد الحراني، وهو ثقة كما قال الذهبي في "الكاشف "، والحافظ في "التقريب"؛ وزاد: " يغرب".
وقال المنذري في "الترغيب " (٤/ ١٩٨ و٢٤٨):
"رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح، والحاكم وقال: صحيح الإسناد".
وقال ابن القيم في "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " (٢/ ٩٤ - طبعة الكردي):
"هذا حديث كبير حسن .. ".
وأما الهيثمي فقال (١٠/ ٣٤٣):
"رواه كله الطبرانى من طرق رجال أحدها رجال الصحيح؛ غير أبي خالد الدالاني؛ وهو ثقة "!
كذا قال: وفيه شيئان:
أحدهما: جزمه بتوثيق الدالاني، وقد عرفت ما فيه.
والآخر: أنه فاته أن الطريق الأخرى من رواية الحرانيين أصح من طريق الدالاني كما تبين لك مما ذكرنا، وهي التي جزم بصحتها المنذري، وحسنها ابن
[ ٦ / ٣٨٣ ]
القيم، ولا أدري لِمَ لَمْ يصححها؟ على أنه أخرجها الطبراني أيضًا عقب روايته عن الدالاني.
وقد خالفهم في إسناد الطريقين: أبو طيبة فقال: عن كُرْز بن وبرة عن نُعَيْمٍ ابن أبي هند عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود به مطولًا بلفظ:
" يقوم الناس لرب العالمين أربعين سنة، شاخصة أبصارهم ".الحديث، وفيه اللفظ الثاني الذي في طريق الدالاني والحراني.
أخرجه السهمي في "تاريخ جرجان " (٣٥٠ - ٣٥٤) بطوله، والطبراني (٩٧٦٤) عقب حديث ابن أبي أنيسة، ولم يسق منه إلا طرفًا من أوله، وكذا ابن عدي في "الكامل " (٥/ ٢٥٨) في ترجمة أبي طيبة- واسمه عيسى بن سليمان الجرجاني- وقال الطبراني عقبه:
"ثم ذكر نحو حديث زيد بن أبي أنيسة".
قلت: وأبو طيبة هذا قال ابن عدي- وقد ساق له هذا الحديث مع
أحاديث أخرى-:
"وهذه الأحاديث كلها غير محفوظة، وأبو طيبة رجل صالح، ولا أظن أنه كان يتعمد الكذب، ولكن لعله كان يُشَبْهُ عليه فيغلط ".
قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/ ٢٣٤) وقال: "يخطئ ".
ومن الظاهر أنه هو الذي خالف في هذا الإسناد، فأسقط- من بين ابن مسعود وأبي عبيدة- مسروقًا؛ فإن رجاله ثقات غير كرز بن وبرة، وقد روى عنه جمع من الثقات، وقد ذكره ابن حبان فيهم، وقد تناقض فيه تناقضًا عجيبًا، فأورده في
[ ٦ / ٣٨٤ ]
"التابعين " (٥/ ٣٣٨) بروايته عن أنس! وما إخاله يصح، ثم ذكره (٩/ ٢٧) فيمن روى عن "أتباع التابعين "؛ بروايته عن الثوري (١)! ولعل الصواب أن يذكر في "أتباع التابعين "؛ لأنه روى عن نعيم بن أبي هند كما في هذه الرواية، وكما في "الجرح"، وقال (٣/ ٢/١٧٠):
"روى عنه الثوري وابن شبرمة وعبيد الله الوَصَّافي وفُضَيل بن غزوان وورقاء ابن عمر".
فإن هؤلاء أكثرهم من أتباع التابعين، غير ابن شبرمة- واسمه- عبد الله؛ فإنه تابعي كنعيم بن أبي هند، وعبيد الله الوصافي- وهو ابن الوليد-؛ فإنه من الرواة عن التابعين، فمن المحتمل أن يكون كُرْز هذا من صغار التابعين، وكان مشهورًا بالعبادة، بل وبالمبالغة فيها، وحكوا عنه في ذلك عجائب، له ترجمة واسعة في "تاريخ جرجان " (ص ٣٣٦ - ٣٤٤)، و"الحلية " (٥/ ٧٩ - ٨٣)، و"سير أعلام النبلاء" (٦/ ٨٤ - ٨٦)، ولقد عجبت منه- والله! وهو المحدث السلفي- كيف سكت عن بعض تلك المبالغات؟! مثل ختمه للقرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات، وهو يعلم أنه خلاف السنة، لقوله - ﵌ -:
"لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ".
بل إنه سكت عما هو أدهى وأمرُّ، وهو أنه سأل ربَّه أن يعطيه الاسم الأعظم، فسأل أن يقوى على الختم المذكور! وهذا من الاعتداء في الدعاء المنهي عنه أيضًا في قوله - ﵌ -:
_________________
(١) كذا وقع فيه، والصواب أن الثوري روى عنه؛ كما يأتي عن "الجرح والتعديل ". [منه].
[ ٦ / ٣٨٥ ]
"سيكون قوم يعتدون في الدعاء".
وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٣٣٠).
وجملة القول؛ أن هذه الجملة قد اختلف في ضبطها عن ابن مسعود ﵁ على اللفظين السابقين:
الأول: "ولكني على ما أشاء قادر".
والآخر: "ولكني على ذلك قادر".
واللفظ الأول أصح إسنادًا كما هو ظاهر.
لكن الآخر- مع صحة إسناده- مطابق لنص الآية تمام المطابقة: (وهو على جمعهم إذا يشاء قدير).لأن المعنى: إذا يشاء ذلك الجمع، قال العلامة الآلوسي في "روح المعا ني ":
"و(إذا) متعلقة بما قبلها لا بـ (قدير)؛ لأن المقيّد بالمشيئة جمعُه تعالى، لا قدرته سبحانه ".
قلت: وعلى ضوء تفسيره للآية، نقول: إن اسم الإشارة في الحديث: "ذلك " يعود إلى ما أعطى الله ﷿ عبده من النعم الكثيرة التي لا يستحقها؛ فضلًا منه تعالى عليه، فلما قال ما قال مستكثرًا ذلك عليه؛ قال تعالى: "ولكني على ذلك قادر"، فإذا فُسِّرَ بهذا اللفظ الأول أيضًا ولم يوقف عند ما فيه من مفهوم المخالفة، المشعر بأنه تعالى غير قادر على ما لا يشاء؛ على حد قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ ونحوه من المفاهيم التي قامت الأدلة القاطعة على أنها غير مرادة، إذا فسر هذا اللفظ الأول بهذا الذي دل عليه اللفظ الثاني؛ استقام المعنى،
[ ٦ / ٣٨٦ ]
ولم يبق أي إشكال إن شاء الله تعالى.
هذا ما عندي من علم، فإن أصبت؛ فمن الله، وإن أخطأت، فمني، وأستغفره تعالى من كل ذنب لي، ومن كان عنده فضل علم؛ فليتفضل به شاكرين له.
"الصحيحة" (٧/ ١/٣٤٥ - ٣٥٣).
[٩٨٥] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين. فترفع له شجرة، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله ﷿: يا ابن آدم! لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ - فيقول -: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها
[ ٦ / ٣٨٧ ]
فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها! فيقول: يا ابن آدم! ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ - فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله - ﵌ -، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت
رب العالمين؟ - فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر. (وفي رواية: قدير) ".
[قال الإمام]:
(تنبيه): دل قوله تعالى في آخر الحديث: " ولكني على ما أشاء قادر أو قدير " على خطأ ما جاء في التعليق على " العقيدة الطحاوية " (ص ٢٠) نقلا عن بعض الأفاضل: " يجيء في كلام بعض الناس: وهو على ما يشاء قدير، وليس بصواب .. ".فأقول: بل هو عين الصواب بعد ثبوت ذلك في هذا الحديث، لاسيما ويشهد له قوله تعالى: ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ (الشورى: ٢٩) وذلك لا ينافي عموم مشيئته وقدرته تعالى كما تُوهم المشار إليه، والله أعلم.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٩٣ - ١٩٥).
[٩٨٦] باب حكم قول القائل: جرت عادة الله على كذا
السائل:
ما حكم أهل العلم من قول القائل: جرت عادة الله على كذا وكذا، وهو الشيخ المقبلي في "العَلَمُ الشامخ" قال هذا لفظ ممنوع أو كذا، لا أدري يعني هل له وجه في المنع أم لا؟
[ ٦ / ٣٨٨ ]
الشيخ:
يبدو أن وجه المنع هو إطلاق ما هو من طبيعة البشر، ولعله يحسن أن نذكر هنا ما كنا رأيناه في بعض الكتب قديمًا وهو قول الإمام الشافعي: العادة طبيعة ثانية، فالعادة تأتي من ممارسة الشيء والاعتياد عليه؛ لأن هذا لا يليق بالله ﵎، فهذا يدل على فضل الرجل حينما يأتي إلى الناس بشيء لم يُسبق إليه غيره يدل على فقهه وعلمه، أما تكرار الشيء الذي يشترك في معرفته الكبير والصغير والعالم وطالب العلم فليس في ذلك كبير الفائدة.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٤/ ٠٠:٣٦:٠٩)
[٩٨٧] باب هل يجوز الدعاء لأحد بقولنا: أطال الله بقاءك؟
سؤال: يكرهون الدعاء بأطال الله بقاءك، هل اطلعتم على شيء من هذا؟ كان إذا دعي لهم بهذا الدعاء يقولون: هذا شيء مقدر ويكرهون ذلك.
الشيخ: أنا ما اطلعت على هذا، ولو اطلعت لما تبنيته؛ لأنه خلاف ما صح، من قوله ﵇: «من أحب أن يُنسأ له في أجله ويوسع له في رزقه فليصل رحمه» (١) وقد دعا رسول الله - ﵌ - لأنس بن مالك بكثرة الرزق وطول العمر في بعض الروايات الصحيحة، ولذلك فلا أرى أنا في الدعاء بطول العمر، وإن كان هذا غير مستعمل في أكثر البلاد العربية إلا في هذه البلاد لكن الحقيقة السنة معه، وأنا حينما أسمع الدعاء من رسول الله - ﵌ - بطول العمر لخادمه أنس فلا شك أنه يعني بذلك طول العمر للعمل الصالح .. مقرونًا بالعمل الصالح، وقد قال عليه
_________________
(١) "البخاري" (رقم٥٦٣٩).
[ ٦ / ٣٨٩ ]
الصلاة والسلام: «خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله» (١) والحديث الأول الذي ذكرناه: «من أحب أن ينسأ له في أجله ويُوسّع له في رزقه فليصل رحمه» فيه حض على تعاطي الأسباب الشرعية التي تكون سببًا لأمرين اثنين:
الأول: طول العمر، والآخر: سعة الرزق، فتأويل بعض العلماء لهذا الحديث بأنه ليس المقصود ظاهره، فهذا أشبه بالتعطيل لبعض آيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لأن الحامل لهم ظَنَّهم أن ظاهر الحديث هذا لو أخذنا به فنخالف ما هو مقطوع عند المسلمين بأن كلًا من الرزق وطول العمر محدود في اللوح المحفوظ مؤكد حينما ينفخ الروح في الجنين وهو في بطن أمه ولكن ذلك لا يعني أن لكل من هذه الخواتيم من طول العمر وسعة الرزق أسباب كالسعادة وكالشقاوة تمامًا، فكما أن الله ﷿ جعل لكل من السعادة والشقاوة سببًا فسبب السعادة: الإيمان بالله، وسبب الشقاوة الكفر به ﵎، كذلك جعل أسبابًا لطول العمر وسعة الرزق، لكن هذا لا يعني أن ذلك غير مُقدَّر، كل شيء بقدر كما قال ﵊: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (٢)
"رحلة النور" (٤٤ب/٠٠:٤١:٣١)
[٩٨٨] باب حكم قول القائل أدامك الله
[قال الإمام]:
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٣٢٩٧).
(٢) "مسلم" (رقم٦٩٢٢).
[ ٦ / ٣٩٠ ]
قول القائل: أدامك الله هذا كلام ظاهر؛ لأنه لا يدوم إلا الله ﷿، هذه عقيدة يعرفها المسلمون جميعًا، لكن ممكن تأويلها أدامك الله يعني حياةً قررَّها ربنا لهؤلاء البشر مثلما قال الرسول ﵇: «أعمار أُمتي ما بين ستين وسبعين وقل من يجوز ذلك» أدامك الله يعني هذه المدة، ليس معنى أدامك الله يعني أبقاك الله إلى الأبد؛ لأن هذه خصلة مزية تفرد بها ربنا ﷿ دون خلقه فهو الأول والظاهر والباطن ﷾ هذا الذي أردنا بيانه حول هذه الكلمة.
"الهدى والنور" (٥٣٤/ ٥٢: ٠٠: ٠٠)
[ ٦ / ٣٩١ ]
جماع أبواب الكلام
على علو الله تعالى وفوقيته واستوائه على العرش
[ ٦ / ٣٩٣ ]
[٩٨٩] باب إثبات صفة العلو لله تعالى والرد على من أنكرها
[قال الذهبي في العلو:]
و[مما] يدل على أن الباري ﵎ عال على الأشياء فوق عرشه المجيد، غير حالّ في الأمكنة؛ قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾
[قال الإمام معلقًا]:
تأمل هذه الكلمة، فإنها من الحق الذي حمل الجهلُ به الجماهير على جحد ما دلت عليه هذه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة من علوة تعالى على عرشه، وعلى الطعن بالسلفيين المؤمنين به، زاعمين أن السلفيين بإيمانهم هذا جعلوا لله ﷿ مكانًا فوق العرش، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، فهذا هو المؤلف، وهو من كبار أئمتهم يصرح بتنزيهه تعالى عن الحلول في الأمكنة كلها. وما يحمل أولئك الجماهير على ذلك إلا توهمهم، أن الإيمان بعلوه ﷿ على خلقه؛ يستلزم أن يكون حالًّا في مكان، قالوا: وهذا باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل، وجهلوا أو تجاهلوا أن المكان أمر وجودي، وأنه ليس فو ق العرش وجود حادث، وبالتالي فليس ثمة مكان إطلاقًا، فالله ﵎ فوق عرشه، وليس في مكان أصلًا.
ومن العجيب أن هؤلاء الذي لم يؤمنوا بعد بعلوه ﷿ على عرشه فرارًا من الإيمان بالمكان المزعوم، قد وقعوا على أم رأسهم في الإيمان بأن الله في الأمكنة حقيقةً، وذلك بقولهم: الله موجود في كل مكان. أو الله موجود في كل
[ ٦ / ٣٩٥ ]
الوجود! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وأعجب من ذلك أن بعضهم تنبه لما في هذا القول من تشبيه الله ﷿ بمخلوقاته الحالة في الأمكنة، فأرادوا تنزيهه عن ذلك فوقعوا فيما هو شرمنه ألا وهو التعطيل المطلق المستلزم نفي وجوده تعالى أصلًا! فقالوا:
(الله ليس فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا أمام، ولا خلف، لا دخل العالم، ولا خارجه، لا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه)!
ولقد سمعت هذا أكثر من مرة، على المنبر يوم الجمعة من بعض الخطباء الذين يظن بهم الناس العلم والصلاح! فإنا لله وإنا إليه راجعون على غربة الدين وجهل الخاصة بهم فضلًا عن العامة، وإني لأحلف بالله تعالى لو قيل لأبلغ الناس وأفصحهم:: صف لنا العدم، لما استطاع أن يصفه بأكثر من هذا الذي يصفون به معبودهم، ولقد أجاد من قال من أئمة السلف - ولعله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى-: المشبه يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا".
وهذا كله من شؤم الانحراف عن السنة، والإعراض عن أتباع السلف وأئمة الحديث حشرنا الله تعالى في زمرتهم تحت لواء محمد - ﵌ -
"مختصر العلو" (ص١٢٢ - ١٢٣).
[٩٩٠] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (والرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله».
[ ٦ / ٣٩٦ ]
[قال الإمام]:
(تنبيه) قوله في هذا الحديث " في " هو بمعنى " على " كما في قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض﴾ فالحديث من الأدلة الكثيرة على أن الله تعالى فوق المخلوقات كلها، وفي ذلك ألَّف الحافظ الذهبي كتابه " العلو للعلي العظيم " وقد انتهيت من اختصاره قريبًا، ووضعت له مقدمة ضافية وخرَّجت أحاديثه وآثاره ونزهته من الأخبار الواهية.
"الصحيحة" (٢/ ٥٩٤، ٥٩٦).
[٩٩١] باب علو الله تعالى ثابت بالنقل الصحيح والعقل الفطري
[قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو" معلقًا على قول شيخ الإسلام]:
"واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلا".
[قال الإمام]:
وأقول: أما النقل الصحيح فهو موضوع مختصر كتاب الحافظ الذهبي الذي بين يديك فستجد فيه ما يجعلك على مثل اليقين مؤمنًا بأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية متفقة كلها على أن الله تعالى فوق عرشه بذاته، بائنًا من خلقه، وهو معهم بعلمه، وسترى إنشاء الله تعالى أن أئمة المذاهب المتبعة وأتباعهم الأولين ومن سار على نهجهم من التابعين لهم حتى أواخر القرن السادس من الهجرة؛ قد اتفقت فتاواهم وكلماتهم على إثبات الفوقية
لله تعالى على عرشه وخلقه وعلى كل مكان، وأن ذلك كما أنه متواتر عن
[ ٦ / ٣٩٧ ]
رسول الله - ﵌ - (١) فهو مجمع عليه من السالفين والأئمة الماضين من المحدثين والفقهاء والمفسرين واللغوين وغيرهم وستراهم بأسمائهم وأقوالهم الثابتة عنهم في ذلك حتى قاربوا في عددهم المائتين وهم في الواقع يبلغون المئات ولكن ذلك ما تيسر جمعه للمؤلف رحمه الله تعالى (٢)، فإذا وقف الطالب المخلص للحق على كلماتهم تيقن أنه يستحيل أن يكونوا قد أجمعوا على الضلال، ولعلم أن مخالفهم هو في الضلال، وما أحسن ما قاله المصنف رحمه الله تعالى في " صفات رب العالمين " بعد أن ذكر قليلا مما أشرنا إليه من النقول (١٨٧/ ١ - ٢): "ولو ذكرنا قول كل من له كلام في إثبات الصفات من الأئمة لا تسع الخرق، وإذا كان المخالف لا يهتدي بمن ذكرنا أنه يقول: الإجماع على إثباتها من غير تأويلها أو لا يصدقه في نقله؛ فلا هداه الله، ولا خير والله فيمن رد على مثل الزهري، ومكحول، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، ومالك وابن عيينة، وابن المبارك، ومحمد بن الحسن، والشافعي، والحميدي، وأبي عبيد، وأحمد بن حنبل، وأبي عيسى الترمذي، وابن سريج، وابن جريج الطبري، وابن خزيمة، وزكريا الساجي، وأبي الحسن الأشعري، أو يقول مثل قولهم من الإجماع مثل الخطابي، وأبي بكر الإسماعيلي، وأبي القاسم الطبراني، وأبي أحمد العسال (فذكر غيرهم مما سيأتي) والشيخ عبد القادر الجيلي (الإمام في كل عصر) - الذين هم قلب اللب ونقاؤه".
قلت: والعقل الفطري السليم يشهد لهؤلاء الأئمة وما معهم من نصوص
_________________
(١) صرح بتواتر ذلك الحافظ الذهبي في " صفات رب العالمين " (١/ ١٧٥/٢). [منه].
(٢) وذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - في " اجتماع الجيوش الإسلامية " جماعة آخرين من العلماء فراجعه إن شئت. [منه].
[ ٦ / ٣٩٨ ]
الكتاب والسنة وبيان ذلك:
لا خلاف بين المسلمين جميعا أن الله تعالى كان ولا شيء معه؛ لا عرش، ولا كرسي، ولا سماء، ولا أرض، ثم خلق الله تعالى الخلق، كما سيأتي في حديث عمران بن حصين.
فإذا كان كذلك فمما لا شك فيه أن مخلوقاته تعالى إما أن يكون خلقها في ذاته تعالى فهي حالة فيه وهو حال فيها، وهذا كفر لا يقول به مسلم، وإن كان هو لازم مذهب الجهمية وغلاة الصوفية الذين يقول قائلهم: " كل ما تراه بعينك فهو الله " تعالى عمَّا يقول الظالمون علوًاّ كبيرًا.
وإذا كان الأمر كذلك فمخلوقاته تعالى بائنة عنه غير مختلطة به، وحينئذٍ فإما أن يكون الله تعالى فوق مخلوقاته، وإما أن تكون مخلوقاته فوقه تعالى، وهذا باطل بداهةً، فلم يبق إلا أن الله ﵎ فوقها، وهو المطلوب المقطوع ثبوته في الكتاب والسنة وأقوال السلف، ومن جاء بعدهم من الأئمة على اختلاف اختصاصاتهم ومذاهبهم كما ستراه مفصلا في الكتاب إن شاء الله تعالى.
"مختصر العلو" (ص٥٠ - ٥٢).
[٩٩٢] باب إثبات علو الله تعالى مع بيان ضعف حديث الأوعال
[قال الإمام تحت عنوان]:
حول حديث «العَنَان» (١).
ورد إلى المجلة [أي مجلة "المسلمون"] سؤال من بعض القراء الأفاضل
_________________
(١) مقال نشره الألباني في "مجلة المسلمون" (٦/ ٦٨٨ - ٦٩٣)، بواسطة "مقالات الألباني".
[ ٦ / ٣٩٩ ]
عن صحة الحديث الذي أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ولفظُه:
«عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله - ﵌ - فمرت بهم سحابة فنظر إليها، فقال: "ما تسمون هذا؟ " قالوا: السحاب، قال: "والمزن؟ " قالوا: والمزن، قال: "والعَنان؟ " قالوا: والعنان - قال أبو داود: ولم أتقن العنان جيدًا - قال: "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري. قال: "بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل مابين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن ورُكَبِهن مثل مابين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه مثل مابين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك».
[الجواب]:
إن الحديث ضعيف الإسناد لا تقوم به حجة، وإليك البيان:
تخريجه:
أخرج الحديث الإمام أحمد في "مسنده" (رقم١٧٧٠ و١٧٧١) وأبو داود (٢/ ٢٧٤) وعنه البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص٣٩٩) والترمذي (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦) وابن ماجة (١/ ٨٣) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٦٨ - ٦٩) والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣٧٨) والحافظ عثمان الدارمي في "النقض على بشر المريسي" (ص ٩٠ - ٩١) والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٦٥ - ٤٦٦) من طرق عن سماك بن حرب عن عبد الله بن عَمِيرة عن العباس به.
[ ٦ / ٤٠٠ ]
وقال الترمذي:
"هذا حديث حسن غريب"
وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي! وليس كما قالوا، وقد تناقض الذهبي - كما يأتي بيانه -؛ علة الحديث:
وللحديث علتان: الاضطراب في إسناده، وجهالة أحد رواته وهو ابن عميرة، فقال الحافظ ابن حجر في ترجمته من "تهذيب التهذيب": "وعنه سماك بن حرب، وفيه عن سماك اختلاف، قال البخاري لا يعلم له سماع من الأحنف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحسن الترمذي حديثه (يعني هذا)، وقال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": أدرك الجاهلية، وكان قائد الأعشى لا تصح له صحبة ولا رؤية، وقال مسلم في "الوحدان": تفرد سماك بالرواية عنه، وقال إبراهيم الحربي: لا أعرفه".
أما العلة الأولى فقد بينها بعض العلماء تعليقًا على التهذيب، فقال:
" قال شريك مرة: عن سماك عن عبد الله بن عمارة، وهو وَهْم، وقال أبو نعيم:
عن إسرائيل عن سماك عن عبد الله بن عميرة أو عمير، والأول أصح، وقال
أبو أحمد الزبيري: عن إسرائيل عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن زوج درة بنت أبي لهب". وأما العلة الثانية فتتلخص بأن عبد الله بن عميرة مجهول لا يعرف، وقد صرح بهذا الحافظ الذهبي فقال في "كتاب العلو" (ص١٠٩ الطبعة الهندية):
[ ٦ / ٤٠١ ]
"تفرد به سماك بن حرب عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة".وكذا قال في "ميزان الاعتدال في نقد الرجال".
ثم نسي الذهبي هذا كله فوافق الحاكم على تصحيحه كما سبق، فسبحان من لا ينسى.
وأما تحسين الترمذي للحديث فمما لا يعتمد عليه لا سيما بعد ظهور علة الحديث، ذلك لأن الترمذي معدود في جملة المتساهلين في تصحيح الأحاديث كالحاكم وابن خزيمة وابن حبان ونحوهم، ولهذا قال الذهبي في "الميزان" (ص٣٣):
"لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي".
قلت: وكذلك لا يعتمد المحققون من العلماء على توثيق ابن حبان لتساهله في ذلك كما بينه الحافظ ابن حجر في مقدمة "لسان الميزان" وزدته بيانًا في ردي على الشيخ عبد الله الحبشي (ص١٨ - ٢١) وخلاصة ذلك أنه يوثق المجهولين حتى الذين يعترف هو بأنه لا يعرفهم فيقول مثلًا في ترجمة سهل:
"يروي عن شداد بن الهاد، روى عنه أبو يعقوب، ولست أعرفه، ولا أدري من أبوه"!!
وهذا موضوع هام يجب على كل مشتغل بعلم السنة وتراجم الرواة أن يكون على بينة منه، كي لا يخطيء بتصحيح الأحاديث الضعيفة اغترارًا بتوثيق ابن حبان، كما فعل أحد أفاضل العلماء في تعليقه على المسند، والشيخ الحبشي في "التعقب الحثيث" وغيرهما.
[ ٦ / ٤٠٢ ]
وأما طلب السائل شرح هذا الحديث، فلا داعي عندي للإجابة عنه بعد أن بينا ضعفه، بل أعتبر الاشتغال بشرحه مضيعة للوقت، إذ كل ما فيه من بيان المسافة بين كل سماء والتي فوقها، وكذا البحر فوقها والثمانية أو عال كل ذلك لم يرد فيه شيء صالح للاحتجاج به؛ نعم هناك أحاديث أخرى في تحديد المسافة المذكورة، وهي مع ضعف أسانيدها مختلفة متناقضة، ولا داعي للتوفيق بينها كما فعل ابن خزيمة في "التوحيد" والبيهقي في "الأسماء" إذ التوفيق فرع التصحيح، وهو مفقود.
وأما قوله في آخر الحديث: "ثم الله ﵎ فوق ذلك" فحق يجب الإيمان به لثبوته في آيات كثيرة وأحاديث متواترة شهيرة، وقد ساقها وتكلم على أسانيدها الحافظ الذهبي في "كتاب العلو" فليراجعها من شاء الوقوف عليها.
وبهذه المناسبة أرى لزامًا علي أن أقول: إن الإيمان بعلو الله - ﵎ - على خلقه متفق عليه بين أئمة المسلمين قاطبة وفيهم الأئمة الأربعة، ومن ينكر ذلك من المتأخرين بحجة أن في ذلك تشبيهًا لله تعالى أو إثبات مكان له غفلة منه عن الحقيقة المتفق عليها، وهي أن صفات الله تبارك كذاته من حيث جَهْلِنَا بحقيقة ذلك كلها (١)، فإذا كان لا يلزم من إثبات الذات تشبيه، فكذلك لا يلزم من إثبات الصفات تشبيه ومن غاير بين الأمرين فقد كابر أو تناقض، وللحافظ الخطيب كلمة نافعة جدًا في هذا الصدد أرى من الضروري نشرها، ولو طال بها الكلام إذا اتسع لذلك صدر المجلة الزاهرة.
_________________
(١) " كذا، ولعل صوابها: كله.
[ ٦ / ٤٠٣ ]
قال الخطيب - رحمه الله تعالى -:
" أما الكلام في الصفات، فإن ما وري منها في السنن الصحاح مذهب السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها من المثبتين قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه.
والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو لبيان إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله تعالى يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات الفعل، ونقول إنما وجب إثباتها، لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقوله ﵎: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
ولما تعلق أهل البدع على عيب أهل النقل برواياتهم هذه الأحاديث، ولبَّسوا على من ضعُف علمه بأنهم يروون ما لا يليق بالتوحيد ولا يصح في الدين، ورموهم بكفر أهل التشبيه وغفلة أهل التعطيل، أجيبوا بأن في كتاب الله تعالى
[ ٦ / ٤٠٤ ]
آيات محكمات يفهم منها المراد بظاهرها، وآيات متشابهات لا يوقف على معناها إلا بردها إلى المحكم، ويجب تصديق الكل والإيمان بالجميع، فكذلك أخبار الرسول - ﵌ - جارية هذا المجرى ومنزّلة على هذا التنزيل برد المتشابه منها إلى المحكم ويقبل الجميع.
فتنقسم الأحاديث المروية في الصفات ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أخبار ثابتة أجمع أئمة النقل على صحتها لاستفاضة نقلها فيجب قبولها، والإيمان بها، مع حفظ القلب أن يسبق إليه ما يقتضي تشبيه الله بخلقه، ووصفه بما لا يليق من الجوارح والتغير والحركات.
والقسم الثاني: أخبار ساقطة بأسانيد واهية، وألفاظ شهد أهل العلم بالنقل على بطلانها، فهذه لا يجوز الاشتغال بها والاعتماد عليها.
والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها البعض دون الكل، فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها ليلحق بأصحها أو يجعل في حيز الفساد والبطول".
قلت: وهذا الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه من هذا القسم، وقد نظرنا فيه على ضوء قواعد الحديث فتبين أنه من الفساد والبطول.
محمد ناصر الدين
أبو عبد الرحمن
"مقالات الألباني" (ص ١٦٧ - ١٧٢)
[ ٦ / ٤٠٥ ]
[٩٩٣] باب من أدلة علو الله
عن أنس قال: أصابنا مع النبي - ﵌ - مطر، فحسر النبي - ﵌ - ثوبه عنه حتى أصابه المطر. قلنا: لم فعلت؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قلت: وفي الحديث إشارة صريحة إلى علو الله ﵎ على خلقه، ولذلك أورده الحافظ الذهبي في جملة الأحاديث الدالة على العلو في كتابة القيم "العلو للعلي الغفار".
"صحيح"الأدب المفرد" (ص١٥٦).
[٩٩٤] باب منه
عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﵌ - قال: «يَنزلُ ربنا ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». (صحيح).
[قال الإمام]:
هذا الحديث بهذا اللفظ صحيح متواتر، كما شهد بذلك حفاظ الحديث، منهم ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٢٨)، وقال:
" وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله ﷿ في كل مكان".
[ ٦ / ٤٠٦ ]
قلت: ومن أذنابهم من يتظاهر بتكفيرهم لقولهم هذا، ثم يصرح بما هو شر منه، وهو جحد وجوده تعالى، فيصفه بما يصف به المعدوم، فيقول: " ليس داخل العالم ولا خارجه"!! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢٠٥).
[٩٩٥] باب إثبات صفة العلو للواحد القهار
وبيان سبب خطأ المؤولة في أبواب الصفات
الشيخ: كان وُجِّهَ سؤال فيما سبق من الجلسات حول صفة العلو لله ﷿ والآية التي يتوهم الكثيرون منها أنها تنافي صفة العلو لله ﵎، ألا وهي قوله ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤)، فيجب أن نعلم في هذا الصدد أن الله ﵎ له كل صفات الكمال، وهو منزه عن جميع صفات النقصان، وأن صفات الكمال منها ما هو معلوم بمجرد العقل والفطرة السليمة، وهذا قليل، مثل كون الله ﷿ فوق المخلوقات أو كلها، فهذا يعرف بمجرد العلم بأن الله ﷿ يليق به كل صفات الكمال، كأن يكون الله ﷿ فوق المخلوقات ولا عكس فهو مما يُعْرَفُ ببديهة العقل، ومع ذلك فقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة تصرح تصريحًا ليس بعده تصريح بأن الله ﷿ فوق المخلوقات كلها، وبعض هذه النصوص تبين بأنه فوق العرش بصورة خاصة، كآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) التي تكررت في عديد من الآيات الكريمة أشهر من أن تذكر، فالعرش خلق من خلق الله ﷿، بل هو أعظم مخلوقات الله ﵎، فتنصيص رب العالمين على أنه فوق العرش العظيم هو من العقائد التي يجب على المسلم أن يتبناها ولا يجوز له أن ينحرف
[ ٦ / ٤٠٧ ]
عن دلالتها الظاهرة إلى المعاني المخترعة المبتدعة والتي يذهب إليها كثير من علماء الكلام المعروفين بانحرافهم عما كان عليه السلف الصالح من الإيمان بآيات الصفات كلها وأحاديث الصفات كلها، دون أي تحريف أو تأويل.
وقد تواتر أو على الأقل اشتهر عن الإمام مالك ﵀ أنه جاءه رجل فقال: يا مالك! الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟، فكان جوابه ﵀ أن قال: الاستواء معلوم، يعني: لغةً، وهو العلو، الاستواء لغة معناه العلو، هكذا يعني الإمام مالك بقوله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والسؤال عنه أي: عن الكيف بدعة، فالإمام مالك ﵀ يقرر في جوابه هذا للسائل العقيدة السلفية الجامعة لكل صفات الله ﷿، فهي تثبت كما جاءت وبالمعنى الثابت لغة ولكن لا [يجوز] تمثيلها وتشبيهها؛ لأن الله ﷿ يقول في القرآن الكريم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ففي الآية نفي وهو تنزيه (ليس كمثله شيء) وفي الآية إثبات لصفتين من صفات الله ﷿ وهو أنه سميع بصير، فسمعه لا يشبه الأسماع، وبصره لا يشبه الأبصار، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
كذلك بهذه الآية حين قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ننفي عنه مشابهته للحوادث، ومشابهة الحوادث له، ولكن ذلك لا يعني أن ننفي عنه الصفات التي أثبتها ﵎ لنفسه.
ومن هنا جاء انحراف الذين انحرفوا عن طريق السلف الصالح وهو من عدم جمعهم بين التنزيه والتثبيت للصفات، لأن الآية نفت وأثبتت، نفت شيئًا وأثبتت شيئًا، فلا يكون الإيمان بالله ﷿ إلا بالإيمان بهذين الأمرين اللذين ذكرهما
[ ٦ / ٤٠٨ ]
الله في هذه الآية، تنزيه وإثبات، تنزيه الله ﷿ عن مشابهته للحوادث، وإثبات الصفات لله ﷿ التي أثبتها الله ﷿ لنفسه، فصفات الله كثيرة، وهي مبثوثة في نصوص الكتاب والسنة، وفي بعضها اتفاق وفي كثير منها اختلاف، ويهمنا الآن البحث بصورة خاصة في صفة من هذه الصفات التي اختلف فيها المسلمون منذ أن وجدت المعتزلة وتأثر من تأثر بهم ممن ينتمي إلى مذهب أهل السنة كالأشاعرة بصورة خاصة، فالمعتزلة أنكروا كثيرًا من الصفات الثابتة في الكتاب والسنة؛ يهمنا البحث الآن في صفة العلو لله العلي الغفار:
فقد ذهبت المعتزلة وتبعتهم الأشاعرة ثم لحقهم في ذلك جميع المسلمين الذين هم اليوم على وجه الأرض إلا قليلًا منهم وهم أهل الحديث، المعتزلة والأشاعرة وأكثر المسلمين اليوم ينكرون أن يكون الله ﵎ فوق مخلوقاته كلها، بل يُصرِّحون بأن الله ﷿ في كل مكان، وأن الله ﵎ موجود في كل الوجود، أما الآيات الكثيرة والأحاديث الأكثر التي تثبت لله صفة علوه على خلقه فهم يتأولونها بتأويل يعطلون معانيها، أي: هذه التآويل تؤدي بهم إلى إنكار حقائق هذه المعاني التي تضمنتها النصوص المشار إليها من الكتاب والسنة، فمثلًا: من هذه النصوص الصريحة في إثبات العلو لله ﷿ الآية السابقة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) فهم يؤولون هذه الآية فيعطلون معنى العلو فيها بقولهم: الرحمن على العرش استوى أي: استولى، هكذا يفسرون الآية، الرحمن على العرش استوى يعني: استولى من الاستيلاء، ويحتجون على ما ذهبوا إليه من التأويل المذكور بشعر معروف وهو:
استوى بشر على العراق بغير سيف ودم مهراق
[ ٦ / ٤٠٩ ]
استوى بشر على العراق بمعنى استولى، هكذا يفسرون الآية الكريمة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) معناه عندهم استولى، وهم حينما يفسرون هذا التفسير لا يتنبهون مع الأسف الشديد إلى أنهم صح فيهم المثل العامي: كان تحت المطر صار تحت المزراب؛ لأنهم بزعمهم نزهوا الله من أن يكون فوق المخلوقات بزعمهم أن هذا لا يليق بالله ﷿، لأننا إذا قلنا: إنه فوق المخلوقات حصرناه بمكان، هذه شبهتهم وسنأتي على إبطالها قريبًا إن شاء الله، ففرارًا من هذا الزعم الذي زعموه أنه يلزم من وصف الله بأنه فوق المخلوقات تحييزه بمكان فروا بزعمهم من هذا فوقعوا فيما هو شر منه، وذلك حينما فسروا استوى بمعنى استولى، فإن معناه أن الله ﷿ قبل ذلك لم يكن مستوليًا، لأنه في بعض الآيات المتعلقة باستواء الرب على عرشه قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) وكلنا يعلم أن «ثم» تفيد التراخي، فبعد أن خلق السماوات والأرض استولى على العرش، ومعناه أنه قبل ذلك لم يكن مستوليًا، ولازم هذا أنه كان عاجزًا عن الاستيلاء شأن الخالق الأكبر ﷾ كشأن بشر الذي ضربوا به المثل، فقالوا في الشعر:
استوى بشر على العراق
هذا بلا شك معناه لم يكن قبل ذلك مستويًا، ولماذا؟ لأنه لم يكن قادرًا على الاستيلاء، فلذلك قال:
استوى بشر على العراق بغير سيف ودم مهراق
فكلمة استوى بمعنى استولى فيه تعجيز لرب العالمين لم يتنبهوا له، لأنه «ثم استوى» أي: ثم استولى، وقبل ذلك ماذا كان؟ كان غير مستولٍ مع أن المسلم
[ ٦ / ٤١٠ ]
لمجرد أن يستحضر عظمة الله ﵎، وأنه قادر على كل شيء مجرد استحضاره لهذا المعنى يعلم أنه ما يخلق شيئًا إلا وهو مسيطر عليه لا تنفك سيطرته عنه لحظة مهما دقت وصغرت.
فإذًا: هم بزعمهم في سبيل تنزيه الله عن المعنى الخاطئ الذي قام في نفوسهم وقعوا في تنقيص الله ﷿ وفي نسبتهم له إلى العجز والتقصير لأنه لم يكن مستوليًا على العرش ولو لحظة من الزمن، ثم استولى على العرش، وهذا ضلال لا يحتاج إلى كثير شرح.
ما الذي أوصلهم إلى مثل هذا التأويل؟
زعموا بأنهم أرادوا الخلاص من جعل الله ﷿ بمكان وبظنهم أن المسلم إذا آمن بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) بمعنى استعلى في ظنهم أن معنى هذه الآية أن الله ﷿ بمكان، وهذا ظن خاطئ، ورأي عاطل لا ينبغي أن يتورط أو أن يغتر به المسلم؛ لأن الله ﵎ ليس بمكان، لا قبل المخلوقات ولا بعد المخلوقات، كان الله ولا شيء معه، الله ﵎ غني عن مخلوقاته فإنه ﵎ من أوصافه وهو الغني عن العالمين، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:٩٧) فكان الله كما نعلم جميعًا ولا شيء معه، ولا خلق معه، ثم خلق المخلوقات كلها، فقبل أن يخلق المخلوقات لم يكن في مكان قطعًا، لأن المكان وجد بوجود الخلق، أما قبل وجود الخلق فلم يكن هناك مكان، فإذًا: كان الله ولا خلق معه أي: ولا مكان معه أيضًا، فلما خلق الله ﵎ المخلوقات وجد المكان، فهل حل في هذا المكان؟ حاشا لربنا أن يكون فقيرًا محتاجًا إلى شيء من خلقه، فهو ﷿ من هذه الحيثية ليس بمكان وليس بحاجة إلى
[ ٦ / ٤١١ ]
مكان، فهو الآن كما عليه كان قبل وجود مكان، قبل وجود المكان لم يكن في المكان، فهو كذلك بعد وجود المكان ليس في المكان، هذه حقيقة بدهية، وهؤلاء الذين يفسرون الآية السابقة: استوى بمعنى استولى هم يريدون الفرار من إثبات المكان لله، وليس هذا طريق هذا الفرار، كما قيل:
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل
على المسلم أن يثبت أن الله ﷿ لم يكن في مكان وهو كذلك بعد أن خلق المكان ليس في مكان، فاعتبار المسلم أن الله فوق المخلوقات لا يعني أنه في مكان، لأن المخلوقات محدودة المدى، فكل شيء محدود من المخلوقات، فإذا كانت المخلوقات محدودة فما وراء المخلوقات عدم ليس هناك مكان، فإذا كنا نقول: كان الله ولا شيء ولا مكان، فإذًا: هو لم يكن في مكان، فهو كذلك أيضًا ما دام أنه وراء المخلوقات فهو ليس في مكان.
إذًا: المشكلة التي اضطرتهم إلى تأويل عشرات النصوص في الكتاب والسنة هو وهم وخيال؛ لأنهم يتوهمون أن إثبات الفوقية لله معنى ذلك جعلوه في مكان، والفوقية التي هي صفة الله ﷿ لها علاقة بالله الأزلي القديم وليس لها علاقة بالحادث المخلوق الذي وجد بعد أن لم يكن، فهذا المخلوق محدود، ففي حدوده المكان والزمان، أما ما وراء هذا المخلوق فلا مكان ولا زمان، فأي شيء وراء هذا المخلوق ليس إلا الله ﵎.
ومن هنا يقول السلف ﵃ كالإمام أحمد وعبد الله بن المبارك وغيرهم أن الذين ينفون صفة العلو عن الله ﵎ وأن الله ليس فوق مخلوقاته إنما يريدون إنكار وجود الله ﷿ ولكن بطريقة ملتوية ليست
[ ٦ / ٤١٢ ]
صحيحة في الإنكار، فهم بدل أن يقولوا: لا إله مطلقًا يقولون مثلًا: الله لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، فأين الله إذًا؟
لو قيل لأفصح العرب بيانًا: صف لنا المعدوم، لم يستطع أن يصف المعدوم بأكثر مما يصف هؤلاء نفاة العلو، لا يستطيع هذا الفقيه أن يصف المعدوم بأكثر مما يصف هؤلاء الذين ينكرون صفة الله ﷿، حين يقولون: الله ﵎ لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، إذًا: أين الله؟
بعض الملوك العقلاء جمع في زمانه أو بالتعبير الأدق: بعض النواب، نائب أحد الملوك هناك في دمشق جمع شيخ الإسلام بن تيمية مع أمثال هؤلاء العلماء النفاة لصفة العلو، جمعهم في مجالس عديدة، وجرى نقاش بين ابن تيمية ﵀ وبين هؤلاء النفاة، وسمع من ابن تيمية حججه وكلامه، وسمع من الآخرين، فقال ذلك النائب نائب الملك في آخر الحديث، قال: هؤلاء قوم ضيعوا ربهم، هذا رجل ما هو عالم، لكنه عاقل، لما سمع حجج ابن تيمية في إثبات الله ﷿ وجودًا وصفةً، ومن صفاته أنه هو القاهر على عباده، وسمع حجج النفاة في هذه الصفة أن الله لا يوصف بأنه فوق لا تحت ولا يمين ولا أمام ولا خلف ولا داخل العالم ولا خارجه، وبعضهم يزيد على ذلك فيقول: لا متصلًا به ولا منفصلًا عنه تأكيدًا للتعطيل، لما سمع هذا النائب أو الوالي بالتعبير العصري اليوم، قال: هؤلاء قوم ضيعوا ربهم، وهذه كلمة حق، لأن الذي لا يعرف [أن] ربه فوق المخلوقات كلها معناه أنه لم يعرف ربه، لأنه إن لم يكن لا داخل العالم ولا خارجه فليس
[ ٦ / ٤١٣ ]
الكون إلا شيء [إما] هذا العالم المخلوق، [وإما] شيء خارج العالم المخلوق، وليس هو إلا الله ﵎.
فإذا عرفنا هذه الحقيقة عرفنا بالتالي يقينًا أنَّ لا ضرورة لتأويل الآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) فلا نقول: استوى بمعنى استولى، لا نقول هكذا: وإذا قلنا استوى بمعنى استعلى ليس معنى ذلك أننا جعلنا لله مكانًا، لأن المكان في الخلق والله وراء الخلق وفوق الخلق.
لذلك نجد الأحاديث فضلًا عن الآيات الكثيرة تؤكد هذه الصفة الإلهية، أن الله ﷿ فوق خلقه، ونجد أن إنكار الفوقية هي طبيعة الملاحدة قديمًا وحديثًا، فنعي مثلًا إلى قول فرعون حين قال لوزيره هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (غافر:٣٦، ٣٧) يكذب موسى ﵊، ويريد أن يكذبه ببرهان مادي يخيل به على أتباعه الذين ألَّهوه من دون الله تعالى، بأن يبني قصرًا شامخًا رفيعًا ممتدًا هكذا في السماء، ماذا يعني بهذا البناء الشاهق الرفيع؟ قال: لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى الذي يقول، ماذا يقول موسى؟ أن الله فوق، وإني لأظنه كاذبًا، سأبني هذا البنيان الشامخ الرفيع ثم لا أجد الإله الذي يدعوكم موسى إلى عبادته من دوني،
إذًا: هذه الآية فيها إثبات حقيقة وهي التوحيد ووجود الله ﷿، وإثبات من كان ينكر هذه الحقيقة، هذه الآية فيها إثبات أن الأنبياء والرسل وفي مقدمتهم موسى ﵊ كان يثبت لله صفة الفوقية، وصفة العلو والاستعلاء على عرشه، وأنه دعا موسى فرعون وجنده إلى أن يؤمنوا بهذا الإله الموصوف بصفة الفوقية، فكذبه موسى بقوله: وإني لأظنه كاذبًا.
[ ٦ / ٤١٤ ]
وفي الآية إثبات أن الذي ينكر هذه الصفة صفة الفوقية فإنما هو ملحد كفرعون تمامًا، هذه الآية من جملة الآيات التي تثبت هذه الصفة، ويجب أن نتنبه لهذه الآية إذا تلوناها فنفهم أن فيها إثباتًا لهذه الصفة، وردًاّ على فرعون الذي أنكرها لرده على موسى وقوله: إني لأظنه كاذبًا.
كذلك هناك آية: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠) فإذًا: لله صفة العلو ولذلك يرفع العمل الصالح إليه، كذلك وهذا من عجائب الأمور، قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج:٤) فالملائكة تعرج، هل معنى العروج النزول أم الصعود؟ الصعود، تعرج إلى من؟ إلى الله ﵎ تقدم إليه ما سجلته من أعمال الإنسان في الأرض، والأدهى من هذا كله أن المسلمين جميعًا يؤمنون بأن الله عرج بنبيه إلى السماوات العلى، إلى من عرج؟ هؤلاء الذين ضيعوا ربهم فضيعوا أنفسهم يثبتون حقائق وينكرون حقائق، يثبتون هذه الحقيقة ويحتفلون بها كل سنة، أن الله عرج بنبيه إليه، وإلا إذا كان الله ليس له صفة العلو فإلى من عرج الرسول ﵊، إذا كان كما يتوهمون الله موجود في كل مكان، فإذًا: الرسول هذا العروج لم يكن عروجه إلى الله، لأن الله معنا في كل مكان، وسيأتي البحث على كل حال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤).
إذًا: فهذه الحقائق حينما يدخل التأويل تتعطل هذه الحقائق من أذهان الناس وتتبخر، ويصير أمرهم أنهم ينكرون ما أثبت الله ﷿ في كتابه، وما شرحه نبيه - ﵌ - في حديثه.
"الهدى والنور" (٤٨٣/ ٢٥: ٢٧: ٠٠).
[ ٦ / ٤١٥ ]
[٩٩٦] باب أدلة نزول القرآن فيها إثبات صفة العلو لله تعالى
[قال الإمام معلقا على قوله تعالى: ﴿وقرآنا عربيا لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ (الإسراء: ١٠٦) وقوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ (الشعراء: ١٩٣).
وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢٨).
[٩٩٧] باب تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ وهل المقصود بذلك رؤية المؤمنين لربهم دائمًا؟ وبيان أن إثبات الرؤية يستلزم إثبات العلو
سؤال: شيخنا بالنسبة لقوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣).
النظر الذي قال الأئمة يعني بعض الأئمة فسر هذا النظر بأنه النظر إلى الله تعالى، ثم هناك حديث إن أعلى أهل الجنة منزلة هو من ينظر إلى الله كل يوم مرتين مع أن هذا الحديث قد أوردتموه في «ضعيف الجامع»، فهل هناك وصف لرؤية المؤمنين لربهم في الجنة وقد جاء حديث أن في الجنة في يوم الجمعة ينظر فيه المؤمنون لربهم يعني كيف يكون يعني التفسير هنا بالنسبة للآية ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣).
فهم ينظرون على الأرائك متكئون على الأرائك ينظرون، ومع ذلك هناك يوم يخصص للنظر والحديث الذي ورد في هذا أيضًا ضعيف فكيف يوجه هذا؟
الشيخ: سامحك الله، هل تسأل عن أصل رؤية المؤمنين لربهم أم تسأل عن المرات التي ينظرون فيها إلى ربهم؟ أم تسأل عن عدد المرات التي ينظرون فيها
[ ٦ / ٤١٦ ]
إلى ربهم؟ سؤالك ذو شعب كثيرة فلو أنك تحدد سؤالًا أولًا وثانيًا وثالثًا إن كان الأمر كما نتصور يكون هذا أوضح للحاضرين سؤالًا وجوابًا، فإن كان في سؤالك ثلاثة أسئلة فأبدأ إذًا بالأهم فالأهم.
السؤال: طيب بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣).
هل هذا دائم في الجنة؟ يعني يعتبر هذا الأول.
الشيخ: طبعًا.
السؤال: أقصد دائم من حيث الوقت؟
الشيخ: رجعت حليمة لعادتها القديمة، يا أخي حدد سؤال بارك الله فيك.
السؤال: يعني هم
الشيخ: هل أنت مؤمن بأصل الرؤية؟
السؤال: نعم طبعًا.
الشيخ: طيب إذًا ما هو سؤالك؟
السؤال: أن هذا النظر دائم في كل وقت في الجنة؟
الشيخ: ما ندري دائم كل وقت.
السؤال: إذًا يعني الأمر
الشيخ: لماذا مثل هذا السؤال؟ هلا سألت مثلًا عن حديث الجمعة المسمى بالحديث بيوم المزيد هل صحيح أم لا؟ نقول نعم والحمد لله هو صحيح، إذًا المؤمنون يرون ربهم كل يوم جمعة، أما كل ساعة وكل لحظة ما عندنا علم، ولماذا
[ ٦ / ٤١٧ ]
السؤال في الأمور الغيبية وأنت بلا شك تعلم في حدود ما علمت أنك لم تقف على أن المؤمنين يرون ربهم في كل لحظة وفي كل ساعة، لا ما علمت هذا ولا غيرك يعلم ذلك إطلاقًا، إذًا الذي يجب على كل مؤمن. هو أن يؤمن بأصل الرؤية التي ثبتت في الكتاب والسنة، ولذلك أنا استغربت أول الأمر في حينما سألت عن قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣).
هل هذا معنى ينظرون إلى ربهم؟ الجواب نعم، لكن هناك نصوص أوضح في إثبات أصل الرؤية من هذه الآية وهذا ليس بحاجة الآن لسنا بحاجة لأن نذكر شيئًا منها لأني لا أعتقد أحدًا من الحاضرين على الأقل عنده شك في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، حتى الذين ينكرون الصفات بطريق تأويلها كالأشاعرة والماتريدية مثلًا مما يحجون به وتقام الحجة عليهم أنهم يؤمنون برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة خلافًا للمعتزلة وخلافًا للخوارج هؤلاء المعتزلة والخوارج ينكرون أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، أما الماتريدية والأشعرية فهم يشاركون أهل السنة أهل الحديث في إيمانهم في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.
هنا تأتي حجة هي قاصمة ظهر المنكرين لاستواء الله ﷿ على عرشه واستعلائه على مخلوقاته، ذلك لأن هذه الرؤية التي اشترك الماتريدية والأشاعرة مع أهل الحديث في الإيمان بها تستلزم إثبات علو الله ﷿.
وهم ينكرون العلو، يقال لهم: كيف تنكرون علو الله على خلقه ومع ذلك تثبتون رؤية المؤمنين لربهم، فكيف تعقلون رؤية المؤمنين لربهم وأنتم تنكرون علو الله ﷿ على خلقه؟
هذا تنافر وتضاد ولذلك الآن تجد ذاك الرجل الذي يعني ملأت رائحته الكريهة أنوف المؤمنين جميعًا لا يتعرض إطلاقًا لإثبات هذه العقيدة وهي عقيدة
[ ٦ / ٤١٨ ]
رؤية المؤمنين رؤية المؤمنين لرب العالمين مع أن عقيدة الأشاعرة وعقيدة الماتريدية لماذا؟ لأن هذه العقيدة وحدها تكفي لإبطال قولهم: الله ﷿ ليس فوق العرش وليس فوق المخلوقات كلها.
إذًا يجب أن نؤمن بأصل الرؤية هذه لثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف من الماتريدية والأشاعرة، أما الدخول في التفاصيل فيقف المؤمن عند ما علم منها، علمنا حديث المزيد حديث يوم الجمعة وأن المؤمنين يرون ربهم في كل جمعة فآمنا بذلك، ولسنا مكلفين بل لا يجوز لنا أن نتعمق أكثر من ذلك.
ويعجبني بهذه المناسبة قولة أحد علماء الحنفية الماتريدية الذين كما ذكرت آنفًا يشتركون مع أهل الحديث بالإيمان بهذه النعمة العظمى وهي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة قال هذا الرجل العالم الفاضل الحنفي الماتريدي: يراه المؤمنون بغير كيف وتشبيه وضرب من مثال، يراه المؤمنين بغير كيف وتشبيه وضرب من مثال.
"الهدى والنور" (٧٣٨/ ٣٦: ١١: ٠٠) و(٧٣٨/ ٠٦: ١٤: ٠٠) (٧٣٨/ ٠٠: ١٥: ٠٠)
[٩٩٨] باب أحاديث إثبات الفوقية متواترة
[قال الإمام]:
الأحاديث في إثبات الفوقية لله تعالى كثيرة جدًّا متواترة.
"إرواء الغليل" (٥/ ٢٧٦).
[ ٦ / ٤١٩ ]
[٩٩٩] باب هل يستخدم لفظ "بذاته"في الكلام على علوه تعالى فيقال: الله تعالى فوق عرشه بذاته؟ وهل يستخدم لفظ "بائن" فيقال: بائن من خلقه؟
[قال الإمام في مقدمة مختصر " العلو" (١)]:
بل إنه [أي الذهبي] بالغ في إنكار لفظة " بذاته " على جمع ممن قال: " هو تعالى فوق عرشه بذاته " لعدم ورودها عن السلف مع أنها مُفَسِّرة لقولهم باستواء الله على خلقه حقيقةً، استواء يليق بجلاله وكماله، واعتبرها من فضول الكلام فانظرترجمة (١٣٦ - ابن أبي زيد) و(١٤٤ - يحيى بن عمار) و(١٤٦ - أبو عمر الطلمنكي) و(١٤٩ - أبو نصر السجزي) [أي من مختصر العلو].
وهذه اللفظة " بذاته " وإن كانت عندي معقولة المعنى وأنه لا بأس من ذكرها للتوضيح فهي كاللفظة الأخرى التي كثر ورودها في عقيدة السلف وهي لفظة (بائن) في قولهم: " هو تعالى على عرشه بائن من خلقه ".وقد قال هذا جماعة منهم كما ستراه في هذا " المختصر " في التراجم الآتية (٤٥ - عبد الله بن أبي جعفر الرازي) و(٥٣ - هشام بن عبيد الله الرازي) و(٥٦ - سنيد بن داود المصيصي الحافظ) (٦٧ - إسحاق بن راهويه عالم خراسان) وذكره عن ابن المبارك و(٧٧ - أبو زرعة الرازي) و(٨٧ - أبو حاتم الرازي) وحكياه عن العلماء في جميع الأمصار. و(٧٩ - يحيى بن معاذ الرازي) و(٨٤ - عثمان بن سعيد
_________________
(١) قال الألباني هذا الكلام في سياق إنكاره على الذهبي الذي أثبت لله تعالى صفة القعود بناءً على أثر ضعيف عن مجاهد، فأراد الألباني أن يلزمه فيقول إذا كان الذهبي أنكر التعبير بلفظه "بذاته" عن الله تعالى لعدم تواردها عن السلف مع أن اللجوء إليها ضرورة للرد على الجهمية، فمن باب أولى أن ينكر نسبه صفة القعود لله تعالى.
[ ٦ / ٤٢٠ ]
الدارمي الحافظ و(١٠٣ أبو جعفر ابن أبي شيبة) وكل هؤلاء من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية ثم (١٠٨ - حماد البوشنجي الحافظ) وحكاه عن أهل الأمصار (١٠٩ - إمام الأئمة ابن خزيمة).و(١٢٥ - أبو القاسم الطبراني) و(١٣٣ - ابن بطة) و(١٤١ - أبو نعيم الأصبهاني) وعزاه إلى السلف. و(١٤٢ - معمر بن زياد) و(١٥٥ - الفقيه نصر المقدسي) و(١٥٨ - شيخ الإسلام الأنصاري) و(١٦٤ - ابن موهب).
قلت: ومن هذا العرض يتبين أن هاتين اللفظتين: " ذاته " و" بائن " لم تكونا معروفين في عهد الصحابة ﵃. ولكن لما ابتدع الجهم وأتباعه القول بأن الله في كل مكان اقتضى ضرورة البيان أن يتلفظ هؤلاء الأئمة الأعلام بلفظ " بائن " دون أن ينكره أحد منهم.
[ثم قال - ﵀ -]:
والمقصود أن المؤلف رحمه الله تعالى [أي الذهبي] أقر لفظة (بائن) لتتابع أولئك الأئمة عليها دون نكير من أحد منهم وأنكر اللفظة الأخرى وهي
(بذاته) لعدم تواردها في أقوالهم. إلا بعض المتأخرين منهم فأنكر ذلك مبالغة
منه في المحافظة على نهج السلف مع أن معناها في نفسه سليم وليس فيها إثبات ما لم يرد.
"مختصر العلو" (ص١٧، ١٨).
[ ٦ / ٤٢١ ]
[١٠٠٠] باب إثبات استواء الله تعالى على عرشه، وذكر بعض من أنكر ذلك
[وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية ابن أبي العز بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قررها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام]:
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمنًا حقًا بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد - مع الأسف- ما رميته به من المداراة.
[فذكر مسألتين ثم قال]:
المسألة الثالثة: قال "الإمام" [أي: ابن أبي العز] (ص ٢٨٠) تبعًا للطحاوي: «وهو (تعالى) مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه».
والكوثري لا يؤمن بفوقية الله تعالى على خلقه حقيقةً كما يليق بجلاله، بل إنه ينسب القائلين بها من الأئمة إلى القول بالجهة والتجسيم!
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٧)
[١٠٠١] باب الرد على من تأول استوى بمعنى استولى
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«كان في عماء، فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش على الماء».
(ضعيف).
[ ٦ / ٤٢٢ ]
[ترجم له الإمام بقوله:"تحريف خطير في حديث ضعيف، واستغلال غير شريف!! " ثم قال]:
(تنبيه): أورد الحافظ الذهبي هذا الحديث في كتابه "العلو" (ص ٩٨ - طبع الهند، وص ١١ - طبعة المنار) بإسناده إلى حماد بن سلمة؛ وزاد: "ثم استوى عليه". إلا أنه تحرف لفظه في طبعة المنار؛ فوقع فيه: "استولى عليه"!!
وما في الهندية هو الصواب؛ لأنه موافق لمخطوطة الظاهرية (ق ٧/ ١)، ولأنه مفسر في "العلو" نفسه من رواية إسحاق بن راهويه بلفظ: "ثم كان العرش، فارتفع عليه".
وقد استَغَلَّ هذا التحريف - جهلًا أو تجاهلًا - أحد جهمية الأزهريين من السوريين في كتاب له - زعم - "هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى "؛ عقد فيه فصلًا (ص ٧٨) بعنوان: "التأويل والرسول ﵊ "؛ ذهب فيه إلى أن النبي - ﵌ - أوَّل الاستواء على العرش بالاستيلاء (!) وأنه أشار بذلك إلى أمته باقتفاء أثره بتأويل كل ما يوهم ظاهره التجسيم، وقال: "والسؤال هنا: هل يوجد دليل على ما قلته؟ نعم؛ ها هو الدليل، جاء في كتاب "العلو" للذهبي " ثم ساق الحديث بنصه المحرف؛ ثم قال: "فأنت ترى أن النبي - ﵌ - قد أول قوله تعالى: ( استوى) بقوله:
(استولى عليه) "! قال: "وبهذا يكون المؤولون قد اقتفوا أثر الرسول ﵊ بصرف كل لفظ عن ظاهره - يفهم منه التجسيم - إلى لفظ آخر ينفي عنه ذلك"!!!
قلت: وبذلك أعطى سلاحًا للمعتزلة الذي ينكرون كثيرًا من صفات الله
[ ٦ / ٤٢٣ ]
تعالى - كالسمع والبصر، وكرؤيته تعالى - بالتأويل الذي يؤدي إلى التعطيل، قال المؤلف نفسه عنهم (ص ١٢٣): "بادعاء أن رؤية الله مستحيلة، فهي تقتضي الجسمية، والجسمية والجهة عندهم كفر".
قلت: وهذا ما يصرح به هذا المؤلف الأنوك! في كثير من المواضع، فإذن المعتزلة على حق عنده، بل هو منهم؛ ولو تظاهر بأنه من أهل السنة والجماعة! فهو ينكر علو الله على خلقه، وأن القرآن كلام الله حقيقة؛ بحجة أن ذلك تجسيم وتشبيه!! ويتظاهر بأنه يؤمن برؤية الله في الآخرة تبعًا للأشاعرة، ويتجاهل أن ذلك يستلزم التجسيم على مذهبه؛ وكذا الجهة.
ولكن ذاك السلاح غير ماض؛ لأنه قائم على حديث لا وجود له إلا في ذهنه ضعيف السند، فيبادر إلى الإجابة عن ذلك بقوله: "وسواء أكان الحديث صحيحًا أو ضعيفًا؛ فلا أقل من أن يحمل على التفسير"!!
ما هذا الكلام أيها الأنوك الأحمق؟!! فما هو الذي يقابل التفسير الذي ينبغي أن يحمل الحديث عليه إذا صح؟! وبعبارة أخرى: فالحديث صحيح أو ضعيف، فإذا كان صحيحًا، فماذا؟ وإذا كان ضعيفًا؛ فماذا؟! أليس في كل من الحالين يحمل الحديث على التفسير؟! ولكن في حالة كونه ضعيفًا؛ ما قيمة هذا التفسير الذي لم يثبت عنه - ﵌ -؟! وجملة القول: أن هذا الكلام ركيك جدًا، يدل على عجمة هذا الجهمي، وليس ذلك في لسانه فقط، بل وفي تفكيره أيضًا؛ لأنه في الوقت الذي يقطع بأن هناك دليلًا على أن الرسول أول كما تقدم، ويكرر ذلك في مواضع أخر؛ فيقول (ص ٨٠): "فإذا كان الرسول ﵊ قد فسر الاستواء بالاستيلاء؛ فهذا هو التأويل بعينه"! إذ إنه يقول هذا الكلام الذي لا
[ ٦ / ٤٢٤ ]
يشعر أنه به يهدم ما بنى؛ لجهله بكون الحديث صحيحًا أو ضعيفًا، فكيف وقد صرح جازمًا بضعفه في مكان ثالث، فقال (ص ١٠٣): "وقدمت لك أن الرسول ﵊ فسر الاستواء بالاستيلاء؛ حتى وإن كان أثرًا ضعيفًا؛ فيستأنس به في التأويل"!! إذن؛ هو ليس بدليل؛ لأن الدليل لا يستأنس به فقط، بل ويحتج به، فكيف جاز له أن يتقول على رسول الله - ﵌ - فيقول: "إنه فسر الاستواء بالاستيلاء"؟! فليتبوأ - إذن - مقعده من النار! ثم ما فائدة هذا التأويل الذي ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من الجهمية والمعطلة مع بطلانه في نفسه عندنا - ما داموا هم أنفسهم لا يأخذون به إلا مع تأويله أيضًا؟!، ذلك لأنهم قد أورد عليهم أهل السنة حقًا أن تأويل الاستواء بالاستيلاء؛ معناه: أنه لم يكن مستوليًا عليه من قبل، لا سيما بملاحظة الآية التي فيها: ﴿ثم استوى على العرش﴾؛ فإن (ثم) تفيد التراخي كما هو معلوم، وهذا التأويل مما لا يقول به مسلم؛ لأنه صريح في أن الله لم يكن مستوليًا عليه سابقًا؛ بل كان مغلوبًا على أمره، ثم استولى عليه! لا سيما وهم يستشهدون بذاك الشعر:
قد استوى بشر على العراق بغير سيف ولا دم مهراق!
تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا!
فلما أورد هذا عليهم؛ انفكوا عنه؛ فقال بعض متأخريهم - كما نقله هذا الأزهري (ص ٢٥) -:
"ولكن لا يخفى عليك الفرق بين استيلاء المخلوق واستيلاء الخالق"!
وقال الكوثري في تعليقه على "الأسماء" (ص ٤٠٦،٤١٠):"ومن حمله على معنى الاستيلاء؛ حمله عليه بتجريده من معنى المغالبة"!
[ ٦ / ٤٢٥ ]
فأقول: إذا جردتم "الاستيلاء" من معنى المغالبة؛ فقد أبطلتم تأويلكم من أصله؛ لأن الاستيلاء يلازمه المغالبة عادة كما يدل عليه البيت المشار إليه، فإذا كان لا بد من التجريد تمسكًا بالتنزيه؛ فهلا قلتم كما قال السلف: "استوى: استعلى"؛ ثم جردتم الاستعلاء من كل ما لا يليق بالله تعالى؛ كالمكان، والاستقرار، ونحو ذلك، لا سيما وذلك غير لازم من الاستعلاء حتى في المخلوق؛ فالسماء فوق الأرض ومستعلية عليها، ومع ذلك فهي غير مستقرة عليها، ولا هي بحاجة إليها، فالله تعالى أولى بأن لا يلزم من استعلائه على المخلوقات كلها استقراره عليها، أو حاجته إليها سبحانه، وهو الغني عن العالمين. ومن مثل هذا؛ يتبين للقارىء اللبيب أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، وليس العكس؛ خلافًا لما اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام.
"الضعيفة" (١١/ ١/٥٠٠ - ٥٠٧).
[١٠٠٢] باب صحة أثر مالك الشهير
في الاستواء والرد على من ضعفه
[قال الإمام في معرض رده على حسان عبد المنان]:
لقد كشف أيضًا عن انحرافه عن عقيدة السلف، بتضعيفه كلمة مالك المشهورة: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول " فسود صفحتين بالحرف الصغير، متتبعًا طرقه الكثيرة عن مالك- مضعفًا إياها كلها-، مصرحًا بجهله لحال بعض رواتها -وهو في ذلك مخطئ بل خاطئ! - متجاهلًا قول الإمام النقاد الحافظ الذهبي:"هذا ثابت عن مالك وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبةً"؛ وكذلك تجاهل تجويد الحافظ لأحد طرقه عنه، بل إنه تطاول
[ ٦ / ٤٢٦ ]
عليهما، فرد ذلك عليهما مع تصريحه بأنه لم يعرف أحد رواته، فهو يرد عليهم بجهله، كما تجاهل كثرة الطرق بذلك عن مالك، كما تجاهل صحة ذلك عن ربيعة شيخ مالك، وتقوية شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية!! وكل ذلك منه ﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾.
"النصيحة" (ص١٠٥).
[١٠٠٣] باب شرح قول مالك:" والاستواء .. غير مجهول"
وبيان خطأ الخوض في كيفية الاستواء
[قال مالك]: "والاستواء منه "أي من الله تعالى" غير مجهول".
[قال الإمام]:
أي: فهو معلوم، ولذلك نرى أهل العلم حينما ينقلون هذه الجملة، عن الإمام مالك يقولون عنه أنه قال: "الاستواء معلوم" كما في نقل القرطبي عنه كما سيأتي في آخر الكتاب [أي: مختصر العلو] وعليه فالاستواء معلوم معناه لغةً، بحيث يمكن تفسيره وترجمته إلى لغة أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، كذاته تعالى وسائر صفاته.
"مختصر العلو" (ص١٤١).
[١٠٠٤] باب بيان خطأ من حرَّف أثر مالك الشهير في الاستواء
[قال الإمام معلقًا على أثر مالك "الاستواء معلوم" ]:
[ ٦ / ٤٢٧ ]
قوله "معلوم" هو الثابت في جواب مالك ﵀، وأما ما يلهج به بعض المبتدعة أنه بلفظ "مذكور" فلا أصل له.
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ١٢٤).
[١٠٠٥] باب جواز الإشارة إلى الله تعالى بالإصبع إلى العلو
[جاء في حديث جابر الطويل في حجة النبي ﵊ أنه قال]:
قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ».قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
[فعلق الإمام على قول جابر:" فقال بإصبعه السبابة " قائلًا]:
يعني أشار. وفيه دلالة صريحة على أن الله فوق مخلوقاته وأنه يجوز الإشارة إليه تعالى بالإصبع، وأنه ليس في ذلك شيء من التجسيم أو التحديد، كيف وقد أشار إليه بإصبعه أعرف الخلق بربه ﵎.
"مختصر صحيح مسلم" (ص١٨٨).
[١٠٠٦] باب معنى قوله تعالى: «أأمنتم من في السماء»
[ذُكر للشيخ دكتور] قال السائل: له كتاب ما شاء الله في الإيمان يتحدث فيه عن حديث الجارية في إحدى كتبه اسمه كتاب: الحديث النبوي فيقول: إنه طبعًا يذكر معاني أهل السنة لمعنى: أين الله.
[ ٦ / ٤٢٨ ]
الشيخ: إيه.
مداخلة: حديث الجارية.
الشيخ: إيه.
مداخلة: فيقول: ذكرنا معاني طبعًا يقول: أن هناك معنيين للسلف والخلف، وذكر المعنيين وكلا المعنيين لا هو من السلف ولا من خلف هو منهج الأشاعرة
الشيخ: أيوه.
مداخلة: ثم ذكر المعنى الذي يرتاح له وقال: نحن لا نستطيع أن نصف الله ﷿ أنه في السماء؛ لأن في ذلك تجسيمًا له، ولا نستطيع أن نقول: أنه في الأرض؛ لأن في ذلك تنزيهًا يعني ( انقطاع) أنه في السماء فسبحان الله انا كتبت على الهامش أين الله أين يكون؟ إذا ليس في السماء وإذا ليس في الأرض؟! أضاعوا ربهم.
الشيخ: ما سمعت كلمة ذاك الأمير العاقل الذكي لما سمع هذا الكلام قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم
[ثم قال الشيخ]:
خطر في بالي وأنت تحدثنا عن ذاك الدكتور الذي زعم بأنه لا يقول بان الله ﷿ في السماء، كما انه لا يقول أن الله ﷿ في الأرض، قلت عنه: لا يقول بأن الله في الأرض لأنه [يلزم منه] الحلول لكن ما فهمنا منك عنه لماذا لا يقول كما قال الله ﷿: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)، لنفس العلة أم لعلة
[ ٦ / ٤٢٩ ]
أخرى، إما ما أسمعتنا إياها أو نحن ما سمعناها.
السائل: هو يقول أن الآيات التي ذُكرت في العلو إنما هي آيات في الصفات وليست في الذات.
الشيخ: لا تَحِد، لا تحد أنا حددت لك الآية، لماذا لا يقول كما قال الله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)، ما هو المحظور عنده، عَرَّفنا المحظور عنده من كونه لا يقول الله في الأرض لا يقول هذا، وهذا هو الحق بلا شك نقلًا وعدلًا، لكن سؤالي لماذا لا يقول كما قال الله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)، يعني ما هي وجهة نظره وما تأويله، هل عرفت عنه أم لا؟، أنا أريد أن اعرف الجواب لإنصاف الرجل وإلا أن الكلمة التي في نفسي لا تتوقف على هذه المعرفة، فما هو الجواب؟
السائل: شيخنا هو ذكر في كتابه حسب ما أذكر منذ فترة قصيرة.
الشيخ: أرجوك ما تحيد عن الآية.
السائل: يتكلم عن الآية أو ما شابهها أن الآية تتحدث عن العلو، وتتحدث عن أنه في السماء.
الشيخ: هذه الآية لا تتحدث عن العلو في ظاهرها، ماذا يقول عليها؟
السائل: بالضبط هذه الآية لا أعرف.
الشيخ: سامحك الله، ما استفدنا شيئًا، الأول قلت لك عن الآية والثانية مره قلت لك عن الآية وبعدين ما
السائل: أنا اعتقدت الآيات
[ ٦ / ٤٣٠ ]
الشيخ: يا أخي أنت بدأت الحديث عن الآيات فأرجعتك لموضوع السؤال، عفا الله عن ما سلف، شوفوا يا أخواننا هذه الآية إما أن تفسر على ظاهرها فيه كما تعلمنا من علماء اللغة، «في» الظرفية فإما أن تبقى على ظرفيتها وإما أن تخرج عن هذا المعنى فتفسر بمعنى «على»، فإذا فسرت بمعنى «على» حينئذ لا تكون السماء ظرفية لله، كما أن الأرض ليست ظرفية لله.
فإذا كان المشكل عند ذاك الدكتور هو أنه وقف عند ظاهر الآية «في» ظرفيه في اللغة العربية فإذًا لا فرق بين من يقول الله في الأرض أو الله في السماء؛ لأن الله أكبر من كل ذلك هذه حقيقة، إذًا كيف نفسر الآيات الجواب بناءً على أنها على بابها «في» ظرفية: نقول إذا أبقينا في ظرفية نفسر السماء بمعنى العلو المطلق، وليس بالسماء المخلوقة التي هي سبع سماوات عرفت كيف؟، حينئذ يطيح الأشكال من أصله؛ لأن الإشكال على أساس في السماء؛ أي: هذه السماء التي هي خلق من خلق الله كالأرض، فكما أنه ليس في الأرض، فهو ليس في السماء، فمن هنا هم يأتيهم الإشكال فبينفوه يقولون: لا؛ الله ليس في السماء.
أولًا: أدبًا مع الكلام الإلهي ما يجوز أن يقال هذا الكلام، لكن الجائز بل الواجب هو فهم الآية القرآنية فهمًا صحيحًا، فأول تفسير لها على أساس إبقاء «في» على بابها في هذه الحال نفسر السماء باللغة العربية أيضًا فهي معناها العلو المطلق إذًا إذا قلنا أن الله ﷿ في العلو المطلق معناه ليس في مخلوق طاح إلاشكال، ولا يستوي حينئذ القول بأن الله في السماء كالقول المنفي بأن الله
في الأرض.
أولًا على انه في الأرض ليس عندنا في الكتاب ولا في السنة بأن الله في
[ ٦ / ٤٣١ ]
الأرض، هذا أولًا لا يستوي أن نقول أن الله في السماء بأن نقول أن الله في الأرض لأن هذا ليس منقولًا.
ثانيًا: المعنى الذي فسرناه آنفًا لا محظور منه، كما يترتب المحظور على قولنا الله في الأرض، هذا إذا فسرنا «في» وجعلناها على بابها، نكون فسرنا السماء بمعنى العلو المطلق حينئذ تلتقي الآيات الأخرى التي تثبت العلو لله ﷿ مع هذه الآية ماشي، وإما أن نقول هنا «في» بمعنى «على»، وكما نقول أيضًا كما تعلمنا من أهل العلم أن حروف الجر يكون بعضها [بمعنى بعض] خاصة في مثل هذا المكان، فيقال الله في السماء؛ أي بمعنى: «على» فعلى هذا هي محل «في»، أو العكس في محل «على»، وهذا له شواهد كثيرة في الكتاب والسنة في آية ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه:٧١)، ﴿فَسِيرُوا في الأَرْضِ﴾ (آل عمران:١٣٧)، «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» «من في الأرض» لا يعني جوف الأرض؛ إنما على الأرض «يرحمكم من في السماء» لا يعني من هو في جوف السماء المخلوقة، وإنما على السماء.
ولهذا السبب تجد المعطلة في العصر الحاضر وعلى رأسهم هذا السخاف بحق ، ينكر صحة هذا الحديث لأنه بالنسبة إليه قاصمة ظهره؛ لأنه «ارحموا من في الأرض» ما بيقدر يفسر في بمعنى الديدان والحشرات التي في الأرض وإنما هذه الأنعام التي ذللها الله لنا وخلقها من أجلنا، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، فكما أنه ارحموا من «في» هنا تعني «على» يرحمكم من في السماء؛ تعني: «على»؛ لذلك صب جهده لتضعيف هذا الحديث علمًا بأنه صححه حتى الذين هم سبقوه إلى مثل هذا التعطيل لأنهم حديثيًا ما وجدوا سبيلًا لتضعيفه، حتى الغماريين الذي هو ذَنَبٌ لهم هم يصححون هذا الحديث.
[ ٦ / ٤٣٢ ]
المهم هذا الحديث صححه جمع وهذا أنكر صحته لأنه أقوى في الدلالة من حديث الجارية فهذا أصرح في الدلالة على المعنى الصحيح للآية لأنه حديث الجارية أين الله؟ قالت في السماء فهي إجابة الجواب القرآني لكن هي عربية هي تفهم إيش معنى «في»، مش معناها مثل الديدان في جحورها وإلى آخره لا، المهم هذا الحديث «ارحموا من في الأرض»، أي من على الأرض «يرحمكم من في السماء»، أي على السماء إلى هنا انتهى ما أنا أردت أن أقوله تعليقًا على ما قد تسمعني من تأويل ذلك الدكتور لهذه الآية.
لكن الذي أريد الآن أن أقوله، أن هذا الدكتور وأمثاله خطؤهم يأتي من التفسير الأول الذي فيها «في» أي على بابها، ثم غفلتهم عن المعنى الأصلي لكلمة السماء وهو العلو، فلما يقعون في هذه الغفلة ينظرون فيقولون نحن لا نستطيع نقول أن الله في جوف السماء أي السماء المخلوقة تحيط به، نحن معهم في هذا لكن هم يضلون عن الحق بفهمهم الباطل وهربهم عنه، ثم لا يجدون لهم مأوىً في معرفة الرأي أو الفهم الصحيح، لماذا؟ لأنهم يفهمون أيضًا أننا حينما نفسر على السماء المشكلة قائمة بالنسبة إليهم وإلى أذهانهم المشكلة قائمة، لأنهم يتفهمون أن فوق السماء ما هو؟ العرش، وفوق العرش إذا قلنا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، كما قال الله فسرنا «في» بمعنى «على» كما في التفسير السلفي إذًا: هنا يبدأ ضلالهم فالذي أعنيه بالتذكير الآن هو ألا نتورط فنتصور أن آية ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) تعني أن الله بذاته في جوف السماء لا، وإنما الله بذاته فوق العلو المطلق والعلو المطلق فوق العرش فوق العرش لا مكان، من هنا هم ظلُّوا يتوهمون أن فوق العرش مكانًا فإذًا جعلناه في مكان، ولا فرق حين ذاك بين مكان فوق العرش، بين مكان فوق بين مكان فوق
[ ٦ / ٤٣٣ ]
سماء الدنيا أو في سماء الدنيا أو على الأرض أو في الأرض، كله لا يليق بالله ﷿ نقول كله لا يليق إلا فوقية العرش لأن فوق العرش لا مكان، ونحن نعلم كما هم يعلمون ولكنهم يغفلون أو يتغافلون [أنه] كان الله ولا شيء معه، فحين كان الله ولا شيء معه نحن وإياهم متفقون أو هم معنا متفقون أن الله حينما كان ولم يخلق شيئًا لم يكن في مكان، وإن سمى أحد ذلك الجو ما بدي أسميه مكانًا أنا، لأنه يكون في إعادة ألفاظ، إذا سمى أحدًا ذلك الجو الذي كان الله فيه: مكانًا فهذا اصطلاح؛ لأن المكان مشتق من الكون ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢)، فالله كان ولا شيء معه ثم خلق الخلق بوجود الخلق وبخلق الخلق وجد المكان لكن الله ما وجد في هذا المكان لأن الله كان قبل المكان وقبل الزمان، فإذًا إذا قلنا ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، وأوردنا كل الآيات والأحاديث التي تثبت صفة العلوم فذالك لا يعني أننا نجعل لله مكان ولا يعني أننا جعلناه مظروفًا بشيء
"الهدى والنور" (٤٤١/ ١٠: ٤٥: ٠٠ - طريق الإسلام) وتكرر ناقصًا في (٣٤٣/ ٥٢: ٥٣: ٠٠)
[١٠٠٧] باب معنى (في) في قولنا: الله (في) السماء
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًَا لِي قِبَلِ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ، وَإِذَا ذِئْبٌ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، قَالَ: وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ -، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلا أُعْتِقُهَا؟، قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: في السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». (مسلم).
[ ٦ / ٤٣٤ ]
[علق الإمام على قول الجارية: "في السماء"قائلًا]:
أي على السماء. كقوله تعالى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. يعني على الجذوع، والآيات والأحاديث الدالة على علوه ﵎ على خلقه أكثر من أن تحصر، وفي ذلك ألف الذهبي كتابه "العلو للعلي الغفار" وهو مطبوع، ومن قبله الشيخ ابن قدامة، وكتابه مخطوط. ثم إن جواب الجارية مستفاد من مثل قوله تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ ﴾ الآية.
"تحقيق الإيمان لأبن أبي شيبة" (ص ٦١).
[١٠٠٨] باب الرد على من أنكر حديث
«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
[قال الإمام]:
هذا الحديث مع صحته وتَلَقِّي الأمة له بالقبول على اختلاف مشاربهم، فقد تجرأ المدعو بـ (حسن السقاف) على إنكاره بكل صفاقة، مخالفًا بذلك سبيل المؤمنين، فصرَّح في تعليقه على "دفع شبه التشبيه" لابن الجوزي فزعم (ص ٦٢): أنه حديث ضعيف! ثم غلا فصرح (ص ٦٤) بأنه حديث باطل!! ثم أخذ يرد عليّ تصحيحي إياه لشواهده؛ متحاملًا متجاهلًا لتصحيح من صححه من الحفاظ، مشككًا فيما نقلته عن بعض المخطوطات التي لم ترها عيناه، وما حمله على ذلك إلا جهمية عارمة طغت على قلبه، فلم يعد يفقه ما يقوله العلماء من المتقدمين أو المتأخرين، فذكرت هناك من المصححين: الترمذي والحاكم
[ ٦ / ٤٣٥ ]
والذهبي والخِرقي والمنذري والعراقي وابن ناصر الدين الدمشقي، وأضيف الآن إليهم الحافظ ابن حجر في كتابه الذي طبع حديثًا "الإمتاع" (ص٦٢ - ٦٣) حتى قال في معناه شعرًا:
إن من يرحم من في الأرض قد آن أن يرحمه من في السما
فارحم الخلق جميعًا إنما يرحم الرحمن فينا الرحما
ومن المتأخرين الذين صححوا هذا الحديث الشيخان الغماريان: أحمد الغماري في كتابه "فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب" (١/ ٤٥٩) وقال:
"وقد رويناه من طرق متعدده".
ونقل تصحيح الترمذي والحاكم وأقرهما.
والغماري الآخر الشيخ عبد الله الذي صحح الحديث في كتابه الذي أسماه "الكنز الثمين"، فإنه أورده فيه برقم (١٨٦٧)، وقد ذكر في مقدمته أن كل ما فيه صحيح، وهو أخو الشيخ أحمد الغماري، وهو أصغر منه سنًّا وعلمًا، وهما ممن يُجِلُّهما السقاف ويقلدهما تقليدًا أعمى، وإذا ذكر أحدهما قال فيه: "سيدي"!
فما عسى أن يقول المسلم المنصف في مثل هذا الرجل الذي يخالف أولئك الحفاظ ويسلك غير سبيلهم، بل ويخالف شيخه وسيده - على حد تعبيره - عبد الله الغماري؟! لا شك أنه في ضلال مبين. هذا أولًا.
وثانيًا: هذا الحديث فيه جملتان مباركتان:
الأولى: "ارحموا من في الأرض"، وشواهده كثيرة جدًا عن جمع من الصحابة؛ استوعبهم الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في مجلسة المشار إليه
[ ٦ / ٤٣٦ ]
هناك عند تخريج الحديث، وقد طبع أخيرًا بتحقيق الأخ الفاضل أبي عبد الله محمود بن محمد الحداد، فراجع فهرس أحاديثه تجد أسماءهم والإشارة إلى مواضع أحاديثهم منه، وبعضها مما اتفق عليه الشيخان، من ذلك أسامة بن زيد، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" (١٦٣ - ١٦٤) بلفظ:
"إنما يرحم الله من عباده الرحماء ".
والجملة الأخرى: "يرحمكم من في السماء".
وهي صحيحة كما تقدم، وقد بسط الكلام عليها الأخ الفاضل المشار إليه آنفًا، وهي التي أقامت ذاك المبطل وأقعدته، بل وقصمت ظهره؛ لأن حرف "في" فيها هو بمعناه في الجملة الأولى بداهة؛ أي: "على"، لا يجادل في ذلك إلا معاند، فهي تؤكد أن هذا الحرف هو بهذا المعنى نفسه في قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾؛ أي: على السماء؛ أي: فوق العرش، وبذلك فسَّرها علماء السلف والخلف - ومنهم ابن عبد البر في "التمهيد"، والبيهقي في كتابيه: "الأسماء" و"الاعتقاد" - وذاك المبطل يعلم هذه الحقيقة ولكنه يكابر، ويبطل الحديث الصحيح ليسمي هذا التفسير تأويلًا، ويسمي تعطيله لمعنى الآية الكريمة تفسيرًا على قاعدة: (رمتني بدائها وانسلت)، فيقول (ص٦٥): "أي صاحب العظمة والرفعة والكبرياء وهو الله تعالى " ويؤكد هذا التعطيل في مكان آخر (ص١٣٩)، ويضيف إليه فيقول -فض فوه-:
"والآية مؤولة عند المجسمة بـ (من على السماء) "!
فيا ويله ما أجرأه على نبز السلف بـ (المجسمة)! وفيهم من يتظاهر بتبجيله وإن كنت أعلم أنه لا مبجّل عنده إلا هواه، وإلا فقل لي بربك كيف يرمي بالتجسيم
[ ٦ / ٤٣٧ ]
من فسر الآية بما سبق أن عزوته للسلف؛ ومنهم الإمام البيهقي في كتابيه المذكورين آنفًا (١)، وهما من الكتب التي يحض هذا الهالك على قراءتها في تعليقة (ص٧٨)؟! وهل أدل على أتباعه لهواه من مخالفته للعلماء الذين صححوا حديث الرحمة هذا، ومنهم شيخاه الغماريان؟! وكذلك تضعيفه لكثير من الأحاديث الصحيحة الأخرى كحديث الجارية؛ وقول النبي - ﵌ -: «أين الله؟». رواه مسلم، وصححه جمع كما فصلت القول في ذلك فيما يأتي برقم (٣١٦١)، وكحديث اختصام الملأ الأعلى، وقد صححه البخاري والترمذي وأبو زرعة والضياء، وهو غير حديث: «رأيت ربي جعدًا أمرد ..» فإنه منكر، وحديث: «رأيت ربي مبنى عند النفر على جمل »، فإنه موضوع كما هو مبين في "الضعيفة" (٦٣٣٠)، وقد لبَّس (السقاف) بهذا على القراء فأوهمهم أن الذهبي أنكر حديث الاختصام، وإنما أراد هذا، فارجع إلى الرقم المذكور لترى العجب من تدليس هذا الرجل وتضليله للقراء. وقد وجدت لحديث الاختصام طريقًا أخرى - بل شاهدًا صحيحًا - فخرجته في "الصحيحة" (٣١٦٩).
وإن مما يجب التنبيه عليه بهذا المناسبة أن الرجل كما يُضعِّف الأحاديث الصحيحة؛ فهو على العكس من ذلك يُقوِّي الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويحتج بها معطلًا بها معاني الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة، فهو مثلًا يبطل دلالة الحديث المتواتر في النزول الإِلهي، وقوله تعالى فيه: «من يدعوني فأستجيب له ..» بحديث تفرد بروايته حفص بن غياث لم يذكر فيه النزول ولا قوله تعالى المذكور، بل رواه بلفظ: «ثم يأمر مناديًا ينادي يقول: هل من داع ..»، وهذا
_________________
(١) وقد نقلت عبارته تحت الحديث (٦٣٣٢ - الضعيفة)، ونقلت هناك عن ابن الجوزي أنه فسر الآية كما فسرها البيهقي؛ فهل هو مجسم أيضاَ؟!. [منه].
[ ٦ / ٤٣٨ ]
خطأ بيقين؛ لمخالفة حفص لستة من الثقات رووه باللفظ الأول، وهو المحفوظ في "الصحيحين" وغيرهما، وهو متواتر كما ذكر ابن عبد البر في "التمهيد"، وقد بسطت القول في هذا وسميت المخالفين لحفص في "الضعيفة" (٣٨٩٧)، ورددت على هذا المبطل ما زعمه من صحة حديث حفص بما لا يتسع المجال لذكره هنا.
وكذلك احتج بحديث موضوع من أحاديث الإباضية فيه!: " .. ولا تضربوا لله الأمثال، ولا تصفوه بالزوال، فإنه بكل مكان".وقد بينت بطلانه، وكشفت عواره في "الضعيفة" (٥٣٣٢)، والغريب العجيب من هذا الأفين أنه نقل الحديث من كتاب "مسند الربيع بن حبيب"، وهو الكتاب الوحيد من تأليف الإباضية، وركن إليه المذكور من باب القاعدة اليهودية: "الغاية تبرر الوسيلة"؛ لأن فيه رد حديث النزول الذي اصطلح علماء الكلام على تفسير "النزول" بالزوال
تحريفًا للكلم عن مواضعه، وتنفيرًا من الإيمان بالنزول الإِلهي، وأعجب من
ذلك أن قوله فيه: "فإنه بكل مكان" ما يكفر الأفين به (ص١٢٧) من تعليقه
على "ابن الجوزي"، ومع ذلك روى هذا الحديث الإباضي الموضوع ليعطل
به حديث النزول المتواتر، أليس ذلك من أكبر الأدلة على أنه ينطلق من
تلك القاعدة اليهودية، ومنها يندفع لإِبطال الأحاديث الصحيحة؟! والأمثلة على ذلك كثيرة وكثيرة جدًا، فحسبنا الآن حديث الرحمة هذا وما ذكر معه.
والله المستعان.
"السلسلة الصحيحة" (٢/ ٧١٣ - ٧١٧).
[ ٦ / ٤٣٩ ]
[١٠٠٩] باب بيان عقيدة أبي حنيفة في علو الله تعالى
سؤال: مادام تكلمنا عن العقيدة وعقيدة المذاهب لو نلقي الضوء على عقيدة أبي حنيفة.
الشيخ: أبو حنيفة أولًا: ليس له عقيدة مسطورة
ثانيًا: له كتاب ينسب إليه اسمه الفقه الأكبر، وأبو حنيفه باعتبار تقدمه في الطبقة لأنه كان من أهل القرن الثاني توفي سنة (١٥٠) للهجرة، فهو لم يترك كتابا لكن ترك تلامذة، هذا الكتاب المنسوب إليه الفقه الأكبر الحقيقة يُمثِّل ما عليه المنتسبون إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أبو حنيفة فيما يتعلق بالإيمان هو رأيه كما قلنا لا يزيد ولا ينقص وهاي عقيدة كل الأحناف من أول الزمان إلى اليوم وهاي من مشاكل الجمود على التقليد خاصة بالعقيدة، ومن عجائبهم أنهم يقولون في كتب العقيدة أن التقليد في العقيدة لا يجوز، مع ذلك بتشوف الماتريدية ماتريدية والأشاعرة أشاعرة على مُضِيّ القرون كلها، وأين ما بيجوز التقليد في العقيدة وأنتم جامدين على هذا التقليد، فأتباع أبي حنيفة إذا صح لنا ولا نجد سبيلا إلا إلى ذلك أن نقول إنهم يمثلون عقيدة أبي حنيفة، فأبو حنيفة يقولٌ بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأتباعهم معه في هذا وينقلونه عنه بدون أي خلاف، بينما في مسائل فقهية ينقلون عن الإمام بعض الأقوال المتعارضة المتناقضة في المسألة الواحدة، هذا لا عجب [فيه]؛ لأن الإمام يجتهد برأيه ثم يبدو له رأي آخر، ما فيه مانع أبدا، لكن ما أحد منهم نقل عن أبي حنيفة مشيًا مع نص القرآن في أكثر من آية ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٢٢).
[ ٦ / ٤٤٠ ]
فالإيمان يزيد بنص القرآن في أكثر من آية في القرآن الكريم، ما نقلوا ولا رواية عن أبي حنيفة ولو ضعيفة أن الإيمان يزيد وينقص وانه زيادته الطاعة ونقصانه المعصية
مداخلة: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد:١٧).
الشيخ: فيه آيات كثيرة، فيه آيات كثيرة
مداخلة: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال:٢).
الشيخ: الشاهد: في الفقه الأكبر ناقلين عبارة تلتقي .. مع عقيدة أهل السنة فيما يتعلق بالعلو لله ﷿ فقالوا بأن أبا حنيفة قال: من اعتقد بأن الله ليس في السماء فقد كفر، هذه العقيدة موجودة عند بعض الماتريدية مش كلهم، وإلا الماتريدية مثل الأشاعرة في موضوع صفة العلو للعلي الأعلى فهم يعتقدون أن الله في كل مكان مع الأسف الشديد، لكن أبا حنيفة في هذه الكلمة التي رووها عنه فهو مع الكتاب والسنة ومع أهل السنة والحديث، وأَكَّد ذلك بعض أتباعه في القرن السادس، فيه رجل منهم له قصيدة تسمى بقصيدة «بدء الأمالي»:
يقول العبد في بدء الأمالي بتوحيد - مادري إيه - بذي الجلال
قديما كنت حفظتها وبعدين ذهبت مع الإهمال والنسيان، بالجملة بيقول
بيت الشاعر:
ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال
هاي عقيدة أهل السنة وهي معنى كلام أبو حنيفة " من اعتقد بأن الله ليس في السماء فقد كفر " لأنه خالف الكتاب والسنة في الجملة أبو حنيفة والأئمة
[ ٦ / ٤٤١ ]
الأربعة هم على الخط السلفي، إلا لابد يعني كل واحد له زلة، لكن الأتباع هم في واد والأئمة أنفسهم في واد.
"الهدى والنور" (٥٢/ ٣٤: ٠٧: ٠٠)
[١٠١٠] باب الحنفية المتقدمون
كانوا على طريقة السلف في إثبات العلو
[قال الإمام]:
أصحاب أبي حنيفة الأُوَل كانوا مع السلف في الإيمان بعلوه تعالى
على خلقه.
"مختصر العلو" (ص١٣٧).
[ ٦ / ٤٤٢ ]
جماع أبواب الكلام
على حديث الجارية والرد على من طعن فيه
[ ٦ / ٤٤٣ ]
[١٠١١] باب تفصيل القول
في حديث الجارية والرد على المخالفين
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «أعْتِقْها؟ فإنَّها مؤْمِنَةٌ. يعني: الجاريةَ التي شَهِدَتْ بأنَّ اللهَ في السماء».
[قال الإمام]:
١ - أخرجه أبو داود (٣/ ٥٨٨/٣٢٨٣)، والنسائي (٢/ ١٢٩)، والد ارمي (٢/ ١٨٧)، وابن حبان في "صحيحه " (٦/ ٢٥٦/٤٢٩٦)، والبيهقي في "السنن " (٧/ ٣٨٨)، وأحمد (٤/ ٢٢٢ و٣٨٨ و٣٨٩)، والبزار في " مسنده" (١/ ٢٩/٣٨/- الكشف)، والطبراني (٧/ ٣٨٣/٧٢٥٧) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشَّرِيدِ بن سُوَيْدٍ الثقفي قال:
قلت: يا رسول الله! إن أمي أوصت إليّ أن أعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية سوداء نُوبية؟ فقال رسول الله - ﵌ -: "ادع بها"، فقال: "مَن ربُّكِ؟ "، قالت: الله، قال: "فمن أنا؟ "، قالت: رسول الله، قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه أخرج لمحمد بن عمرو متابعة، وحماد بن سلمة في روايته عن غير ثابت البناني شيء من الضعف، وليس له رواية عن محمد بن عمرو- وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي-
عند مسلم.
وقد خولف حماد في إسناده ومتنه، فقال ابن خزيمة في "التوحيد" (ص٨١): حدثنا محمد بن يحيى القُطَعِي قال: حدثنا زياد بن الربيع قال: ثنا
[ ٦ / ٤٤٥ ]
محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة﵁-:
أن محمد بن الشريد جاء بخادم سوداء عتماء إلى رسول الله - ﵌ - فقال: يا رسول الله! إن أمي جعلت عليها عتق رقبة مؤمنة، فهل تجزي أن أعتق هذه؟ فقال رسول الله - ﵌ - للخادم:
«مَنْ رَبُّكِ؟».
فرفعت برأسها فقالت: في السماء ثم ذكر باقي الحديث مثله.
وهذا السند أصح؛ لأن زياد بن الربيع ثقة من رجال البخاري، لكن يبدو أن قوله: "محمد بن الشريد" وَهْم من بعض الرواة؛ فإنه ليس له ذكر في "الصحابة"، وقد أورده الحافظ في القسم الرابع من "الإصابة" من رواية ابن منده وابن السكن والباوردي وابن شاهين؛ لكنه قال في روايته: " (جاء محمد بن الشريد أو الشريد بجارية) كذا عنده على الشك، وأخرجه أبو نعيم من رواية إبراهيم بن حرب العسكري عن القطعي (الأصل: القطيعي) مثله؛ إلا أنه قال: (إن عمرو بن الشريد جاء إلى النبي - ﵌ - )، وصوّب هذا الطريق، وكل ذلك غير محفوظ! والمحفوظ: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو (فذكر الرواية الأولى)، ثم قال:
"قال ابن السكن: محمد بن الشريد ليس بمعروف في الصحابة، ولم أر له ذكرًا إلا في هذه الرواية".
وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة، ليس فيها تسمية الرجل، وهو من رواية المسعودي عن عون بن عبد الله عن أخيه عُبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة:
[ ٦ / ٤٤٦ ]
أن رجلًا أتى النبي - ﵌ - بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله! إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله - ﵌ -: "أين الله؟ "، فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها: "من أنا؟ "، فأشارت بإصبعها إلى رسول الله - ﵌ - وإلى السماء؛ أي: أنت رسول الله، فقال:
"أعتقها " فإنها مؤمنة ".
أخرجه أبو داود (٣/ ٥٨٨/ ٣٢٨٤)، وابن خزيمة أيضًا، والبيهقي في "السنن " (٧/ ٣٨٨)، وأحمد (٢/ ٢٩١)؛ كلهم من طريق يزيد بن هارون عنه.
قلت: ويزيد سمع من المسعودي- وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة- بعد اختلاطه؛ كما قال ابن نمير، فيما نقله الذهبي في "الكاشف " وغيره، فقوله في "العلو": "إسناده حسن "، غير حسن كما كنت ذكرت في كتابي "مختصر العلو" (٨١ - ٨٢)، لكن بدا لي الآن أنه أحسن من الحسن، وذلك لأمرين:
الأول: أنني وجدت عند ابن خزيمة متابعين اثنين ليزيد، وهما أسد بن موسى (أسد السنة)، وأبو داود- وهو الطيالسي؛ صاحب "المسند" المعروف به، وليس الحديث فيه-، وهو بصري، وقد ذكر عبد الله بن أحمد في "العلل " عن أبيه
أنه قال:
"سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديمًا، وأبو نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة؛ فسماعه جيد".
وذكر نحوه في مكان آخر (٢/ ١٣٠ - ١٣١)؛ وزاد:
"وأما يزيد بن هارون، وحجاج، ومن سمع منه ببغداد؛ فهو في الاختلاط".
[ ٦ / ٤٤٧ ]
وعلى هذا فالسند جيد؛ لأن الطيالسي بصري كما تقدم.
هذا هو الأمر الأول.
والأمر الآخر: أن ابن معين صحح أحاديث المسعودي عن القاسم وعن عون؛ كما في "التهذيب "، وهذا من روايته عن عون كما ترى، فصح الحديث والحمد لله.
وفي حديث أسد السنة:
"بجارية سوداء لا تُفْصِحُ ".
وفي حديث الطيالسي:
"بجارية عجماء لا تفصح "؛ وعندهما: "مَنْ رَبُّكِ؟ ".
لكن قد خولف عون في إسناد الحديث من قِبَلِ الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار:
أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة؛ أعتقها؟! فقال:
"تشهدين أن لا إله إلا الله؟ ".
قالت: نعم، قال:
"تشهدين أني رسول الله؟ ". قالت: نعم، قال:
"أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ ".قالت: نعم، قال:
"أعتقها".
[ ٦ / ٤٤٨ ]
أخرجه ابن خزيمة من طريق عبد الرزاق، وهذا في "المصنف " (٩/ ١٧٥/ ١٦٨١٤) قال: أخبرنا معمر عن الزهري به.
ومن طريق عبد الرزاق: أخرجه أحمد (٣/ ٤٥١)، وابن الجارود في "المنتقى" ٣١/ ٩٣١).وقال ابن كثير في "التفسير" بعد أن عزاه لأحمد:
"وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره ".
قلت: وهو كما قال؛ لولا أن معمرًا خالفه جماعة من الثقات فأرسلوه:
فرواه مالك (٢/ ٦)، ويونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عبيد الله: أن رجلًا من الأنصار أتى النبي - ﵌ - الحديث مثله.
أخرجه البيهقي (٧/ ٣٨٨ و١٠/ ٥٧)، وقال:
"هذا مرسل، وقد قيل: عن عون بن عبيد الله بن عتبة عن عبيد الله بن عتبة أبي هريرة﵁-.
وقد قيل: عن عون عن أبيه عن جده ".
قلت: وصله الحاكم (٣/ ٢٥٨) وعنه البيهقي في الموضع الأول، وكذا الطبراني (١٧/ ١٣٦) من طريق أبي عاصم: نا أبو مَعْدان المِنْقَري- يعني: عامر بن مسعود-: نا عون بن عبيد الله بن عتبة: حدثني أبي عن جدي.
وعامر هذا لم أعرفه، ولا وجدت له ترجمة فيما لدي من المراجع، لا فيمن يسمى بـ "عامر" ولا فيمن يكنى بأبي معدان، ولا فيمن نسبته "المنقري ".
٢ - وروي عنه بإسناد آخر، فقال الجراح بن مَخلَد: ثنا محمد بن عثمان الجزري: ثنا سعيد بن عَنْبسة القطان: ثنا أبو معدان قال: سمعت عون بن أبي
[ ٦ / ٤٤٩ ]
جحيفة يحدث عن أبيه قال:
أتت رسولَ الله - ﵌ - امرأةٌ ومعها جارية سوداء، فقالت المرأة: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، أفتجزي عني هذه؟ فقال لها رسول الله - ﵌ -:
"أين الله؟ ".قالت: في السماء. قال:
"فمن أنا؟ ".قالت: أنت رسول الله. قال:
"أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ ".قالت: نعم. قال:
"أتؤمنين بما جاء من عند الله؟ ".قالت: نعم، قال:
"أعتقيها؛ فإنها مؤمنة".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ١١٦ - ١١٧).
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًّا مسلسل بالعلل:
الأولى: أبو معدان هذا؛ فإنه غير معروف كما تقدم، وقد سماه الطبراني في باب "أبو معدان: عامر بن مرة عن عون "، ثم ساق هذا الحديث، ولم أجده أيضًا.
الثانية: سعيد بن عنبسة القطان، والظاهر أنه أبو عثمان الخزاز الرازي الذي ذكره ابن أبي حاتم (٢/ ١/٥٢) وقال عن أبيه:
"فيه نظر".
ثم روى عن علي بن الحسين بن الجنيد قال: "سعيد بن عنبسة كذاب، سمعت أبي يقول: كان لا يصدق ".
وبه أعله الهيثمي؛ فقال (٤/ ٢٤٤):
[ ٦ / ٤٥٠ ]
"رواه الطبراني، وفيه سعيد بن عنبسة، وهو ضعيف ".
الثالثة: محمد بن عثمان الجزري، لم أجد له ترجمة أيضًا.
ثم وجدت لسعيد بن عنبسة متابعًا لا بأس به، وعرفنا بسببه اسم أبي معدان: رواه صُرَدُ بن حماد أبو سهل قال: حدثنا الحسن بن الحكم بن طَهْمان: حدثنا أبو معدان به.
أخرجه الخطيب في "التاريخ " (٩/ ٣٤٣)، وقال:
"تفرد به أبو معدان، وهو غريب من حديث أبي معدان عبد الله بن معدان، تفرد به الحسن بن الحكم عنه، ولا أعلم حدث به غير صرد، وما علمت من حاله إلا خيرًا".
قلت: وابءن طهمان هذا؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه:
"حديثه صالح ليس بذلك، يضطرب".
وعبد الله بن معدان روى عنه أيضًا وكيع وأبو نعيم كما في "الجرح "، وذكر الذهبي في "المقتنى في الكنى": (البُرْساني) مكان: (أبي نعيم).
ثم رأيت في "الجرح " (٩/ ٤٤٦): "أبو معدان عن يحيى بن معين قال: أبو معدان صالح "، وعلَّق المعلمي عليه بما يشعر أنهما واحد.
٣ - حديث ابن عباس، وله عنه طريقان:
الأول: يرويه ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعن الحكم يرفعه:
[ ٦ / ٤٥١ ]
أن رجلًا أتى النبي - ﵌ - فقال: إن على أمي رقبةً مؤمنةً، وعندي رقبة سوداء أعجمية؟ قال: "ائتِ بها"، قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ "، قالت: نعم، قال:
"فأعتقها".
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١١/ ٢٠/١٠٣٩٢)، وفي "كتاب الإيمان " (٢٨/ ٨٥ - بتحقيقي): حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى
هكذا وقع في إسناده: " .. عن ابن عباس، وعن الحكم "! وهو معطوف على المنهال- وهو ابن عمرو- على خلاف المتبادر، ولكن مثله يقع كثيرًا في الأسانيد، كما يعرفه من مارس هذا العلم.
وقد رواه الطبراني (١٢/ ٢٦ - ٢٧) و"الأوسط " (٢/ ٣٦/٢/ ٥٦٥٣) من طريق الحسن بن فرات القزاز: ثنا علي بن هاشم به؛ إلا أنه قال:
"عن المنهال بن عمرو، والحكم عن سعيد بن جبير "، فهذا على الجادة، وقال:
"لم يروه عن المنهال والحكم إلا ابن أبي ليلى".
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، وبه أعله الهيثمي فقال (٤/ ٢٤٤):
"وفيه محمد بن أبي ليلى، وهوسيىء الحفظ، وقد وُثِّق".
قلت: ومن طريقه: أخرجه البزار (١/ ١٤/١٣ - الكشف)، ولم يذكر في إسناده الحكم، وقال:
"وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة"!
[ ٦ / ٤٥٢ ]
قلت: هو بهذا اللفظ المرفوع له طريق أخرى، يرويه يزيد بن حكيم: ثنا يحيى
ابن السكن عن قيس بن الربيع: ثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي عن حنين عن ابن عباس به إلا أنه قال:
"إن عليّ رقبة مؤمنة .. "؛ لم يذكر أمَّه.
أخرجه الطبراني في "الأوسط " (٢/ ١٤٣/١/ ٧٢١٢): حدثنا محمد بن يحيى: ثنا يزيد به، وقال:
"لم يروه عن حبيب إلا قيس ".
قلت: وهو ضعيف من قِبل حفظه، ويحيى بن السَّكَن- وهو الرقي ثم البصري- ضعيف، وإن وثقه ابن حبان.
ويزيد بن حكيم مجهول الحال، لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا. وأما اللفظ الآخر؛ فيرويه سعيد بن المَرْزُبَان عن عكرمة عن ابن عباس قال:
جاء رجل إلى النبي - ﵌ -؛ ومعه جارية له سوداء، فقال: إن علي رقبة- أحسبه قال: مؤمنة-، فهل يجزئ عني هذه؟ فقال لها:
"أين الله؟ ".
قالت بيدها إلى السماء، قال:
"من أنا؟ ".
قالت: أنت رسول الله، قال رسول الله - ﵌ -:
"أعتقها؛ فإنها مؤمنة ".
أخرجه البزار (١/ ٢٨/٣٧) بسند صحيح عن ابن المرزبان، لكن هذا- مع ضعفه- مدلس، وهو وإن كان ذكروا له رواية عن عكرمة؛ فإنه لم يصرح بسماعه منه كما ترى، وبه وبابن أبي ليلى أعله الهيثمي (٤/ ٤٢٤).
٤ - ومما يشهد لهذا اللفظ: "السماء" حديث كعب بن مالك قال:
جاءت جارية ترعى غنمًا لي، فأكل الذئب شاة، فضربتُ وجهَ الجارية، فندمت، فأتيت رسول الله - ﵌ -، فقلت: يا رسول الله! لو أعلم أنها مؤمنة؛ لأعتقتها، فقال رسول الله - ﵌ - للجارية:
"من أنا؟ ".قالت: رسول الله. قال:
"فمن الله؟ ".قالت: الذي في السماء، فقال رسول الله - ﵌ -:
"أعتقها، فإنها مؤمنة ".
[ ٦ / ٤٥٣ ]
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/ ٩٨/١٩٣) و"الأوسط " (٢/ ١٧١/١/ ٧٧١٢) من طريق عبد الله بن شبيب: ثنا داود بن عبد الله الجعفري: ثنا حاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به، وقال:
"لم يروه عن ابن عجلان إلا حاتم، ولا عن حاتم إلا داود الجعفري، ولا يروى عن كعب إلا بهذا الإسناد".
قلت: ورجاله ثقات؛ غير عبد الله بن شبيب؛ فإنه ضعيف، وبه أعله الهيثمي.
وبالجملة؛ فهذه الطرق التي وقفت عليها عن هؤلاء الصحابة الأربعة، وهم: الشريد بن سويد- وإسناده حسن على الخلاف في صحابيِّه ومسنِدِه، فمنهم من
[ ٦ / ٤٥٤ ]
جعله من رواية أبي سلمة عنه، ومنهم من جعله من مسند أبي هريرة من رواية أبي سلمة نفسه، على اختلاف في ضبط بعض ألفاظه كما يأتي بيانه ملخصًا-، وأبو هريرة- وإسناده صحيح-، وأبو جحيفة- بإسناد ضعيف-، وابن عباس- بإسنادين عنه؛ واختلاف أيضًا في بعض ألفاظه-.
ولعله من الضروري أن أقدم إلى القراء الكرام خلاصة نيِّرة عن تلك الروايات والاختلافات في بعض ألفاظها، وبيان الراجح من المرجوح منها؛ ليكون القراء على معرفة بصحيحها من ضعيفها، والنظر في إمكانية الجمع بينها؛ ليكون القراء على حذر من بعض المضللين:
أولًا: لقد اتفقت الروايات كلها على شهادته - ﵌ - للجارية بأنها مؤمنة.
ثانيًا: واختلفت في نص سؤاله - ﵌ - إياها وجوابها على وجوه ثمانية:
الأول: "من ربك؟ قالت: الله ". (الحديث الأول عن شريد، وهو حسن).
الثاني: "من ربك؟ فقالت: في السماء". (الحديث الأول عن أبي هريرة؛
وهو حسن).
الثالث: "أين الله؟ فأشارت إلى السماء". (الحديث الأول أيضًا من الطريق الآخر عنه، وهو صحيح).
الرابع: "تشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم ". (الحديث الأول أيضًا عن الرجل الأنصاري. وهو معلول بالإرسال).
الخامس: "أين الله؟ قالت: في السماء". (الحديث الثاني، وهو ضعيف؛ لكنه بمعنى الوجه الثالث).
[ ٦ / ٤٥٥ ]
السادس: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم ". (الحديث الثالث من الطريق الأول، وهو ضعيف).
السابع: "أين الله؟ قالت بيدها إلى السماء" (الحديث نفسه من الطريق الآخر، وهو ضعيف أيضًا).
الثامن: "فمن الله؟ قالت: الذي في السماء". (الحديث الرابع،
وسنده ضعيف).
قلت: وبهذا التلخيص الدقيق يتبين للقراء الحقيقة التالية وهي:
أن الأرجح أن سؤاله - ﵌ - كان: "أين الله؟ ".
وأن جواب الجارية كان: "في السماء".
وذلك؛ لأن ثلاث روايات اتفقت على السؤال المذكور، والأولى منها هي الرواية الصحيحة عن أبي هريرة، والثانية إن لم تنفع فلا تضر، والثالثة تصلح للاستشهاد بها؛ لأنها ليست شديدة الضعف.
كما اتفقت خمس روايات على الجواب المذكور، وهو في الطريق الأصح في الحديث الأول عن أبي هريرة، وفي الطريق الأخرى الصحيحة عنه، والروايات الباقية منها شاهدة لها.
وإذا كان هذا هو الراجح من مجموع تلك الوجوه الثمانية لاتفاق أكثر الروايات وأصحها عليه؛ فإن ما خالفها؛ إما أن تؤول، وإما أن ترد بالمخالفة؛ فيقال مثلًا: إن رواية: "من ربك؟ " مختصرة من رواية: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ "، وأن هذه لا تنافي سؤالها بـ "أين الله؟ "، فإننا نعلم اليوم كثيرًا ممن ينطقون بهذه الشهادة إذا سئلوا بهذا السؤال بادروك بقولهم: (الله في كل مكان)! وهم يعلمون
[ ٦ / ٤٥٦ ]
أن الله كان ولا مكان! وقد تنبه بعض المجادلين بالباطل لضلال هذا القول فلجأ إلى المراوغة، فقال: لا يقال: إنه في كل مكان، ولا: إنه ليس في مكان (١)، وهذا احتيال منهم في التعبير، يتظاهرون بذلك بالتنزيه، وهو يشبه قول أسلافهم من الجهمية والمعتزلة وأذنابهم من المعطلة: "ليس هو داخل العالم ولا خارجه"؛ ورحم الله من قال في أمثالهم: "هؤلاء قوم أضاعوا ربهم "! فلا يبعد أن يكون السؤال وقع باللفظين: "أين " و: "أتشهدين "، ويؤيده الحديث الثاني.
وإن مما يقطع ويؤكد ترجيحنا المذكور: حديث معاوية بن الحكم الذي وعدتُ بذكره، فإنه قد ساق قصة الجارية سياقًا تامًَّا رائعًا، لم يسقه غيره كسياقه، ولا غرابة في ذلك؛ فإنه سيدها، فقال﵁- في حادثة وقعت له وهو يصلي خلف النبي - ﵌ -، فسأله بعض الأسئلة، فأجابه عليها:
٥ - فقال ﵁:
"وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّة، فاطّلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيتُ رسول الله - ﵌ -، فعظَّم ذلك عليّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟! قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها:
"أين الله؟ ".
قالت: "في السماء"، قال: "من أنا"، قالت: أنت رسول الله، قال:
"أعتقها؛ فإنها مؤمنة ".
_________________
(١) ويقول آخرون: الله موجود بلا مكان. [منه].
[ ٦ / ٤٥٧ ]
أخرجه مسلم، وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود
في "صحاحهم" وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٨٦٢)،
و"الإرواء" (٣٩٠).
هذا؛ ويشهد لسؤال: "أين الله " حديث مرفوع، وأثر موقوف.
أما الحديث؛ فيرويه وكيع بن حُدُسٍ عن عمه أبي رَزِين قال:
قلت: يا رسول الله! أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وما ثَمَّ خلق، عرشه على الماء".
أخرجه الترمذي (٢١٠٨)، وابن ماجه (١٨٢)، وابن حبان (٣٩ - الموارد)، وابن أبي عاصم (١/ ٢٧١/٦١٢)، وأحمد (٤/ ١١ و١٢)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٣٧)، وقال الترمذي:
"حديث حسن ".وقال الذهبي في "مختصر العلو" (١٨٦/ ١٩٣):
"رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن "
وفيه نظر؛ لأن وكيعًا هذا مجهول، كما بينته هناك.
وأما الأثر؛ فهو ما رواه زيد بن أسلم قال:
مرَّ ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعي الغنم! هل من جَزَرة (١)؟ قال الراعي: ليس ههنا ربُّها، فقال ابن عمر: تقول: أكلها الذئب! فرفع الراعي رأسه إلى السماء ثم قال: فأين الله؟!
_________________
(١) أي: شاة تصلح للذبح. [منه].
[ ٦ / ٤٥٨ ]
فاشترى ابن عمر الراعي واشترى الغنم فأعتقه، وأعطاه الغنم.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٢٦٣/١٣٠٥٤): حدثنا محمد ابن نصر الصائغ: ثنا أبو مصعب: ثنا عبد الله بن الحارث الجُمَحِي: ثنا زيد بن أسلم به.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات مترجمون في "التهذيب "، غير شيخ الطبراني محمد بن نصر الصائغ، وهو ثقة مترجم في "تاريخ بغداد" (٣/ ٣١٨ - ٣١٩)، مات سنة (٢٩٧).
وهذا الأثر احتج به الحافظ الذهبي في "العلو"، ذكره معلقًا على أبي مصعب الزهري، وكنت جوّدت إسناده في "مختصره " (١٢٧) ولم أكن قد وقفت يومئذ على وصله، فها قد وقفت عليه الآن، والحمد لله.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٣٤٧):
"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن الحارث الحاطبي، وهو ثقة".
وجملة القول: إن أصح الأحاديث المتقدمة إنما هو حديث معاوية، فلا جرم أن يتفق العلماء- من محدثين وفقهاء- على تصحيحه على مرِّ العصور دون أي خلاف بينهم؛ فقد صححه الخمسة الذين أخرجوه في "صحاحهم " كما تقدم، وكذا البيهقي في "الأسماء" (٤٢٢)، والبغوي في "شرح السنة" (٣/ ٢٣٩)، والذهبي كما يأتي، والحافظ في "الفتح " (١٣/ ٣٥٩)، كل هؤلاء صرحوا بصحة الحديث وإسناده، ويُلحق بهم كل من احتج بالحديث من أئمة الحديث والفقه والتفسير على اختلاف مذاهبهم، ممن احتج به في باب من أبواب الشريعة،
[ ٦ / ٤٥٩ ]
ضرورة أنه لا يحتج إلا بما صح عنده، كالإمام مالك في "الموطأ" (٣/ ٥ - ٦)، والشافعي في "الأم " (٥/ ٢٦٦)، وأحمد في "مسائل عبد الله " (١٠١/ ٣٦٣)، و"مسائل صالح " (٣/ ٧٤/١٣٧٤)، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٢٥٨)، وابن عبد البر في "الاستيعاب "، وابن الجوزي في "دفع شبه التشبيه"، والنووي في "المجموع "، وابن الوزير في " العواصم والقواصم " (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، وغيرهم كثير وكثير ممن لا يمكن حصرهم، وفيهم بعض المبتدعة المعروفين بمعاداتهم لأهل السنة، وسُوِّد في الرد عليهم رسائل عدة، كالشيخ الصابوني؛ فإنه تابع الحافظ ابن كثير في الاحتجاج بهذا الحديث، فأورده في موضعين (١/ ٤٢١ و٥٢٣) من "مختصره " الذي التزم أن لا يورد فيه إلا ما صح من الحديث!
أما الغلاة من المبتدعة والمتجهمة في هذا العصر؛ فقد أعلن بعضهم عن تضعيفه لهذا الحديث، وإنكاره لصحة قوله - ﵌ -: "أين الله؟ "، وجواب الجارية: "في السماء"! وعلى رأس هؤلاء الشيخ الكوثري ومقلِّدوه، وقد كنت رددت عليه في كتابي "مختصر العلو" (ص ٨٢) بما يغني عن إعادته هنا، وكان الرد حول حديث معاوية هذا فقط، قبل أن يتيسر لي جمع شواهده المتقدمة عن أبي هريرة، وأبي جُحَيفة، وابن عباس، ثم أوقفني بعض الإخوان على حديث خامس من رواية ابن شاهين بسنده عن عُكَّاشة الغَنَوِي في "أسد الغابة"، و"الإصابة"، وإسناده حسن.
ثم رأيت في "تلخيص ابن حجر" (٣/ ٢٢٣) حديثًا سادسًا عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب- الثقة- مرسلًا، رواه أبو أحمد العسَّال في "السنة " من طريق أسامة بن زيد، وفي الحديثين: "أين الله؟ "، قالت: "في السماء".
فماذا عسى أن يقول القائل في مثل هذا المكابر الجاحد للحقائق العلمية
[ ٦ / ٤٦٠ ]
المعترف بها عند العلماء الفطاحل كما تقدم؟! إلا أن يقرأ: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾! وأن يذكر قوله - ﵌ - في حديث معاوية﵁- في حديث تفرّق الأمة:
«وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله»: "صحيح الترغيب " (١/ ٩٧/٤٨)؛ نسأل الله السلامة والعافية!
وقد جرى على سَنَنِ هذا الجاحد: الشيخُ المغربي عبد الله الغماري المعروف بعدائه الشديد- كالكوثري- للسنة وأتباعها، ويزيد عليه أنه شيخ الطريقة الدرقاوية، ويزعم أنه مجدد العصر الحاضر! فقد رَدَّ في تعليقه على "التمهيد" (٧/ ١٣٥) حديث مسلم، فزعم أن قوله - ﵌ - فيه: "أين الله؟ " وجواب الجارية عليه بقولها: "في السماء" أنه من تصرف الرواة! ضاربًا صفحًا عن تصحيح أولئك الحفاظ إياه، وعن الشواهد المؤكدة لصحته، وعن إمكانية الجمع بينه وبين بعض الألفاظ التي تخالفه بزعمه، مع كونه أصح منها كما تقدم، فما أحراه هو وسلفه الكوثري وأمثالهما ممن يرد الأحاديث الصحيحة المتلقاة من الأمة بالقبول- كالغزالي المعاصر- بوعيد قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾ (النساء:١٥).
ثم زاد الجاحد إغراقًا في الضلال بعد أن اتهم رواة اللفظ الأصح بالخطأ والرواية بالمعنى؛ فقال:
"ويؤيد ذلك أن المعهود من حال النبي - ﵌ - الثابت عنه بالتواتر أنه كان يختبر إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام ودليله ".
[ ٦ / ٤٦١ ]
فأقول: هذا باطل من وجوه:
الأول: ما زعمه من التواتر مجرد دعوى لا دليل عليه، وما كان كذلك؛ وجب طرحه وعدم الاشتغال به.
الثاني: أنه يبطل زعمَه بعضُ الألفاظ التي اعتمد عليها في تخطئة اللفظ الأصح، وهو لفظ: "من ربكِ؟ " " فهذا ليس فيه الاختبار بالشهادتين كما زعم.
فإن قيل: هذا لا ينافي اللفظ المذكور!
قلنا: وكذلك لا ينافي اللفظ الأصح: "أين الله؟ "؟ كما تقدم بيانه في الخلاصة النيرة، فتذكر! الثالث: أنه قال أخيرًا:
"أما كون الله في السماء؛ فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين، فكيف تكون دليلًا على الإسلام؟! ".
كذا قال فُضَّ فوه! فإنه يعلم أن الجاهليين كانوا يؤمنون- مع شركهم- بتوحيد الربوبية بدليل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ ونحوه من الآيات، وكانوا يُلبُّون به وهم يطوفون حول البيت، فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك! رواه مسلم (٤/ ٨).
فإذا كان توحيدهم هذا حقًا، وإذا كان اعتقادهم أن الله في السماء حقًا كذلك، لمطابقته لنص القرآن، وبه أجابت الجارية التي شهد لها النبي - ﵌ - بالإيمان، أفيُعقل أن يقول مؤمن بالله ورسوله حقًا: لا نؤمن بأن الله في السماء لأن المشركين كانوا يعتقدون ذلك؟! إذن؛ يلزمه أن لا يؤمن بتوحيد الربوبية؛ لأن المشركين يؤمنون به!! ذلك هو الضلال البعيد.
[ ٦ / ٤٦٢ ]
وأصل ضلال هؤلاء المتجهمة أنهم تأثروا بالمعتزلة والجهمية الذين ضلُّوا ضلالًا مبينًا؛ بإنكارهم كثيرًا من الغيبيات المتعلقة بالله تعالى وصفاته، وذلك يعود إلى أمرين:
أحدهما: ضعف إيمانهم بالله ورسوله وما جاء عنهما.
والآخر: ضعف عقولهم وقلة فهمهم للنصوص، وهذا هو المثال بين يديك: لم يؤمنوا بأن الله في السماء مع صراحة الآيات في ذلك، والتي منها قوله تعالى: ﴿أأمِنْتُم مَنْ في السماء أنْ يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور﴾ (الملك: ٦ ١)، وصحة حديث الجارية، الذي شهد لها بالإيمان لأنها عرفت ربها في السماء، ولذلك بادروا إلى إنكار صحته، وأما الآية فعطَّلوا دلالتها بعقولهم المريضة، ذلك أنهم تبادر إلى أذهانهم الكليلة أن (في) هنا ظرفية، وهذا خطأ ظاهر، ففروا منه، فتأولوا (مَنْ) بالملائكة، فوقعوا في خطأ آخر، فوقف في طريقهم قوله - ﵌ -: «ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء، فهذا صريح في أن (في) في شَطْرَيِ الحديث بمعنى (على)، ولما رأى ذلك بعض جهلة الغماريين وأنه يبطل تأويله المذكور؛ بادر بكل صفاقة وجهل إلى القول بأنه "حديث باطل»! (١) خلافًا لكل العلماء حتى شيوخه الغماريين، كما بينته في الاستدراك المطبوع في آخر المجلد الثاني من "الصحيحة"، طبع عمّان رقم (١٢).
والمقصود أن معنى الآية المذكورة ﴿أأمنتم من في السماء﴾؛ أي: من على
_________________
(١) انظر مقدمة المسمى حسن السقاف لكتاب "دفع شبه التشبيه "لابن الجوزي (ص ٦٢و٦٤) الذي دفعه الذهبي في "السير" (٢١/ ٣٦٨) دفعًا لطيفًا بقوله: "ليته لم يخض في التأويل، ولا خالف إمامه"!
[ ٦ / ٤٦٣ ]
السماء. يعني: على العرش؛ كما قال ابن عبد البر (٧/ ١٢٩و١٣٠و١٣٤) وغيره؛ كالبيهقي في "الأسماء" (٣٧٧)؛ حيثما قال: "يعني: من فوق السماء".
وهذا التفسير هو الذي لا يمكن القول إلا به؛ لمن سلّم بمعاني النصوص الكثيرة من القرآن والسنة المُجْمِعة على إثبات العلو والفوقية لله تعالى علوًّا يليق بعظمته؛ كقوله تعالى في الملائكة: ﴿يخافون رَبَّهُم مِنْ فوقهم﴾ وغيرها من الآيات المعروفة، وعلى هذا أهل السنة والجماعة؛ خلافًا للمعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله ﷿ في كل مكان، وليس على العرش!
كما في "التمهيد" (٧/ ١٢٩).
والعجيب من أمر هؤلاء النفاة أنهم أرادوا بنفيهم تنزيه ربهم أن يكون فوق المخلوقات؛ فحصروه في داخلها، كما روي عن بشر المريسي أنه لما قال: هو
في كل شيء! قيل له: وفي قَلَنْسُوتك هذه؟ قال: نعم، قيل: وفي جوف حمار؟! قال: نعم!
وهذا القول يلزم كل من يقول بأنه تعالى في كل مكان، وهو من أبطل ما قيل في رب العالمين الحكيم الحليم، ولذلك قال بعض السلف: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية!
ولوضوح بطلان هذا القول لبعض علماء الكلام؛ فرُّوا إلى القول بما هو أبطل منه، وسمعته بأذني من بعض الخطباء يوم الجمعة على المنبر:
الله ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، وزاد بعض الفلاسفة: لا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه!!
وهذا هو التعطيل المطلق الذي لا يمكن لأفصح الناس أن يصف العدم بأكثر
[ ٦ / ٤٦٤ ]
مما وصف هؤلاء ربهم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا! ورحم الله ذلك الأمير العاقل الذي قال لما سمع هذا من بعض علماء الكلام:"هؤلاء قوم أضاعوا ربّهم"!
ولهذا؛ قال بعض العلماء:
"المجسِّم يعبد صنمًا، والمعطّل يعبد عدمًا، المجسم أعشى، والمعطل أعمى"!
ومن المؤسف أن العلامة ابن الجوزي- في رده على المشبهة- قد وقع منه من ذاك الكلام؛ فقال في كتابه المتقدم بعد أن تأول (الاستواء) بالاستيلاء واستشهد على ذلك ببيت الأخطل النصراني المعروف:
قد استوى بِشْرٌ على العراقِ من غير سيف ولا دمٍ مُهْراقِ
وتفلسف في رد المعنى الصحيح وهو الاستعلاء، قال:
"ولذا؛ ينبغي أن يقال: ليس بداخل في العالم، وليس بخارج منه "!
ولم يعلق المسمى بـ "حسن السقاف" على هذا النفي الباطل؛ الذي لم يقل به إمام معروف من قبل، والذي ليس فيه ذَرَّةٌ من علم كما هو شأن النفاة، ومن عجائبه وجهالاته أنه يقلد ابن الجوزي في إنكاره على من يقول من المثبتة: "استوى على العرش بذاته "؛ فيقول ابن الجوزي (ص ١٢٧) منكرًا لهذه اللفظة " بذاته":
"وهي زيادة لم تنقل ".
فيا سبحان الله! زيادة كهذه يُراد بها دفع التعطيل تُنكر لأنها لم تنقل، وقوله
[ ٦ / ٤٦٥ ]
المتقدم: "ليس بداخل "لا ينكر! اللهم إن هذه لإحدى الكُبَرِ!!
وكذلك لم يعلِّق على تأويل ابن الجوزي لآية (الاستواء) بل أقرَّه، لأنه صرح (ص ١٢٣) - بعد كلام طويل له فيه كثير من التحريف والكذب لا مجال الآن لبيانه- قال:
"الاستواء عندنا هو الاستيلاء والقهر، أو تفويض معناه إلى الله ".
كذا قال! وهذا يدل على أنه لم يعرف الحق بعدُ، لتردده بين التأويل والتفويض!
ولكنني أعتقد أن ذكره التفويض هنا؛ إنما هو سياسة منه، ومراوغة وتضليل للقراء الذين قد ينكرون عليه التأويل، فإنه قال بعدُ (ص ١٢٧):
"وأما رد الإمام أبي الحسن الأشعري تفسير الاستواء بالاستعلاء؛ فنحن لا نوافقه في ذلك أبدًا، ونقول: إنه قال ذلك بسبب رَدّة فعل حصلت عنده من المعتزلة، وهم وإن لم نوافقهم في كثير من مسائلهم؛ إلا أننا هنا نوافقهم ونعتقد أنهم مصيبون في هذه المسألة"!
أي: في إنكارهم علوَّ الله على خلقه، لكن المعتزلة وأمثالهم كالإباضية يقولون بأن الله في كل مكان، وهذا مما ينكره أشدَّ الإنكار ذلك الجاهل المتعالم، ويصرِّح بتكفير من يقول به، ويعتقد أن الله ﷾ موجود بلا مكان! ويعني: أنه ليس فوق العرش كما أخبر تعالى في كثير من آياته، وأخبر نبيُّه - ﵌ - في أحاديثه، فراجع كلامه في ذلك في "الأحاديث الضعيفة" تحت الحديث (٦٣٣٢).
وإن من ضلال ذاك السقاف أنه يصرح بنفي ثبوت قوله - ﵌ -: "أين الله؟ "؟
[ ٦ / ٤٦٦ ]
مع قوله بأنه في " صحيح الإمام مسلم "! ثم يؤكد ذلك فيقول - فُضَّ فوه- (ص١٠٨):
"ونحن نقطع بأن النبي - ﵌ - لم يقل: "أين الله؟ "، وإنما قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله " الذي رواه أحمد .. و.. و بأسانيد صحيحة".
ثم أعاد نحو هذا الكلام في مكان آخر (ص ١٨٦ - ١٨٧).
وفيه أكاذيب عجيبة عديدة- تؤكد أن الرجل لا يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله- يطول الكلام عليها جدًّا، فأوجزُ في العبارة ما استطعت:
فمن ذلك أن اللفظ الذي عزاه لأحمد- وغيره ممن أشرت إليهم بالنقط وهم ثمانية-، يوهم القراء أنهم جميعًا رووه باللفظ المذكور، وعن صحابي واحد، وهو كذب وزور، فإنما رووه بأكثر من لفظ وعن أكثر من صحابي، فبعضهم رواه: عن أنصاري- وهو الذي أعله البيهقي بالإرسال كما تقدم-، وبعضهم: عن الشريد- وسنده حَسن على الخلاف في إسناده كما تقدم، ثم هو بلفظ: "من ربك؟ "، خلافًا للفظ المذكور! -، وبعضهم عن ابن عباس- وفيه ابن أبي ليلى-.
فأين الأسانيد الصحيحة التي ادعاها كذبًا ومَيْنًا؟! على أنه سرعان ما كذَّب نفسه بنفسه في المكان الآخر المشار إليه؛ فإنه قال- عقب بعض المصادر المشار إليها بالنقط-:
" .. والطبراني (١٢/ ٢٧) بسند صحيح .. "، ثم ذكر مصدرين آخرين
تمام الثمانية.
قلت: وهذا كذب أيضًا لما عرفت، وبخاصة إذا أرجعنا الضمير إلى أقرب
[ ٦ / ٤٦٧ ]
مذكور- وهو الطبراني- فإن فيه ابن أبي ليلى كما عرفت! ومن تدجيله- زيادة على ما تقدم- أنه تعمد أن لا يضيف إلى تلك المصادر أبا داود، وابن خزيمة مطلقًا، ولا إلى المجلد السابع من "سنن البيهقي "؛ لأن الحديث عندهم باللفظ الذي قطع بتكذيبه، عامله الله بما يستحق!! ولو أن طالب علم عكس عليه قطعه المأفون، فجزم ببطلان اللفظ الذي زعم صحته؛ لكان قاهرًا عليه؛ لأن معه بعض الروايات التي فيها."أين الله " من طرق أكثر وأصح من لفظه، فكيف ومعه حديث معاوية بن الحكم﵁- وقد صححه جمع غفير من المحدثين قديمًا وحديثًا كما تقدم؟! ولكننا لا نرى تعارضًا حتى نلجأ إلى الترجيح كما سبق، وإلى هذا جنح العلامة ابن قيّم الجوزية﵀- في "إعلام الموقعين " (٣/ ٥٢١ - كردي)؛ فقد ذكر روايتين مما تقدم: "من ربك؟ "، و"أين الله "، ثم قال:
"وسأل - ﵌ -: "أين الله؟ "، فأجاب من سأله بأن الله في السماء، فرضي جوابه وعلم به أنه حقيقة الإيمان بربه، ولم ينكر هذا السؤال عليه، وعند الجهمي أن السؤال بـ "أين الله؟ " كالسؤال بـ: ما لونه، وما طعمه، وما جنسه، وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة! ".
ولقد صدق﵀- وأصاب كبد الحقيقة، فأنت ترى هذا (السخاف) كيف يصر على التكذيب بهذا الحديث الصحيح الذي صححه أئمة المسلمين كما تقدم بيانه، ثم لا يكتفي بذلك، فيتهمهم بالتجسيم! فيقول- فُضَّ فوه- (ص١٨٧):
"ومن الغريب العجيب: أننا نرى المجسمة يرددون هذا اللفظ: "أين الله؟ " على ألسنتهم دائمًا، ولا يدركون (!) أن هذا تصرف رواة، وحكاية لكلام النبي - ﵌ - بالمعنى المخطئ، وخصوصًا بعد ثبوت هذا الحديث عند غير مسلم بلفظ:
[ ٦ / ٤٦٨ ]
"أتشهدين أن لا إله إلا الله .. " مخالفة تامة، أو على الأقل مخالفة لا تفيد معنى: أين الله؟ ".
ثم أكد جَزْمَهُ بأن النبي - ﵌ - لم يقل هذه الكلمة التي صحت عند الأئمة، وما ذاك إلا لأنها قاصمة ظهر المبتدعة الجهمية، ولست أدري- والله- ماذا أقول في هذا الرجل المكابر الجاحد؟! إلا أن أنذره بقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾.
"الصحيحة" (٧/ ١/٤٥٦ - ٤٨٠).
[١٠١٢] باب حديث الجارية قاصمة ظهر المعطلين للصفات
[قال الإمام عن حديث الجارية الذي فيه: أين الله]:
(إن) هذا النص قاصمة ظهر المعطلين للصفات فإنك ما تكاد تسأل أحدهم بسؤاله - ﵌ - أين الله؟ حتى يبادر إلى الإنكار عليك! ولا يدري المسكين أنه ينكر على رسول الله - ﵌ - أعاذنا الله من ذلك ومن علم الكلام، ولذلك رأينا الهالك في الذب عن هذا العلم على حساب الطعن في الأحاديث الصحيحة الشيخ زاهد الكوثري يطعن في صحة هذا الحديث بالذات لا بحجة علمية بل بوساوس شيطانية مثل قوله: أن البخاري لم يخرجه في صحيحه! وتارة يشكك في صحة هذه الجملة بالذات " أين الله " لا لشيء إلا لأنها لم ترد خارج الصحيح، وكل هذا ظاهر البطلان لا حاجة بنا إلى تسويد الورق لبيانه، نسأل الله العصمة من الحمية الجاهلية والمذهبية!
"إرواء الغليل" (٢/ ١١٣).
[ ٦ / ٤٦٩ ]
[١٠١٣] باب الرد على من ضعَّف حديث الجارية
[قال الإمام معلقًا على حديث الجارية:]
وهذا الحديث صحيح بلا ريب، لا يشك في ذلك إلا جاهل أو مغرض من ذوي الأهواء الذين كلما جاءهم نص عن رسول الله - ﵌ - يخالف ما هم عليه من الضلال، حاولوا الخلاص منه بتأويله بل تعطيله، فإن لم يمكنهم ذلك؛ حاولوا الطعن في ثبوته، كهذا الحديث، فإنه مع صحة إسناده وتصحيح أئمة الحديث إياه دون خلاف بينهم أعلمه، منهم الإمام مسلم حيث أخرجه في " صحيحه " وكذا أبو عوانة في "مستخرجه عليه "، والبيهقي في " الأسماء " حيث قال عقبة (ص٤٢٢): " وهذا صحيح،، قد أخرجه مسلم".
ومع ذلك نرى الكوثري الهالك في تعصبه يحاول التشكيك في صحته بادعاء الاضطراب فيه، فقد علق على هذا الحديث فيما سوده على كتاب " الأسماء " بقوله (ص ٤٤١ - ٤٤٢):
" انفرد عطاء بن يسار برواية حديث القوم (كذا قال عليه ما يستحق) عن معاوية بن الحكم، وقد وقع في لفظ له كما في " كتاب العلو" للذهبي (!) ما يدل على أن حديث الرسول - ﵌ - مع الجارية لم يكن إلا بالإشارة، وسبك الراوي ما فهم من الإشارة في لفظ اختاره (!) فلفظ عطاء الذي يدل على ما قلنا هو: (حدثني صاحب الجارية نفسه، الحديث) وفيه: فمد النبي - ﵌ - يده إليها مستفهمًا: من في السماء؟ قالت: الله، قال: فمن أنا، فقالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مسلمة. وهذا من الدليل على أن "أين الله" لم يكن لفظ الرسول - ﵌ - (!) وقد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما تراه من الاضطراب".
[ ٦ / ٤٧٠ ]
كذا قال، عامله الله بعدله، وأنت إذا تذكرت ما بيَّناه لك من صحة الحديث، وإذا علمت أن حديث عطاء عن صاحب الجارية نفسه لا يصح من قِبل إسناده لأنه من رواية سعيد ابن زيد، فهو وإن كان في نفسه صدوقًا، فليس قوي الحفظ، ولذلك ضعَّفه جمع، بل كان يحيى ابن سعيد يضعفه جدًا، وقد أشار الحافظ في " التقريب " إلى هذا فقال: " صدوق له أوهام ".
زد على هذا أن ما جاء في روايته من ذكر اليد والاستفهام، هو مما تفرد به دون كل من روى هذا الحديث من الرواة الحفاظ ومن دونهم، فتفرده بذلك يعدُّه أهل العلم بالحديث منكرًا بلا ريب.
فتأمل عصمني الله وإياك من الهوى، كيف اعتمد هذا الرجل " الكوثري" على هذه الرواية المنكرة، وليس هذا فقط، بل ضرب بها الرواية الثابتة المتفق على صحتها بين المحدثين، واعتبر الرواية المنكرة دليلًا على ضعف واضطراب الرواية الصحيحة، فماذا يقول المؤمن عن هذا الرجل الذي يستغل علمه واطلاعه - عامله الله بما يستحق - لتشكيك المسلمين في أحاديث نبيهم - ﵌ -.
ثم إنه لم يكتف بهذا التضليل بل أخذ ينسب إلى الراوي (وهو ثقة أيًا كان هذا الراوي؛ لأن كل رواة هذا الحديث ثقات) أخذ ينسب إليه الكذب على رسول الله - ﵌ - وهو يعلم؛ لأن معنى كلامه السابق أن الراوي اختار أن ينسب إلى النبي - ﵌ - أنه قال للجارية: ﴿أين الله﴾ والواقع عند الكوثري أنه لم يقل ذلك، وإنما الراوي وضعه من عنده مكان رواية سعيد بن زيد «فمد النبي - ﵌ - يده إليها مستفهمًا: من في السماء؟».
فأنا من واجبي أن أحذر المسلمين من هذا الكوثري وأمثاله الذين يتهمون
[ ٦ / ٤٧١ ]
الأبرياء بما ليس فيهم مُذكِّرًا لهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات:٦).
"مختصر العلو" (ص٨٢ - ٨٣)
[١٠١٤] باب منه
[قال الإمام]:
من الأحاديث التي يُضعِّفها هذا الرجل "أي: حسن السقاف" ويضعِّفها بعض أذنابه في العصر الحاضر وبعضهم له بعض الرسائل والكتابات حديث الجارية، حديث الجارية حديث صرح بصحته نحو عشرة من أئمة الحديث، وتداولته كتب السنة كموطأ الإمام مالك وهو أقدم الأئمة المعروفين اليوم في رواية الحديث، رواه الإمام مالك في الموطأ، رواه الإمام أحمد في المسند، رواه الإمام مسلم وأبو عوانة وابن حبان وابن خزيمة، كلهم في صحاحهم مع ذلك الشيخ زاهد الكوثري يضعفه؛ لأنه يحمل العقيدة الصحيحة حيث في هذا الحديث والحديث طويل وأيضًا لا أريد أن آخذ من وقتكم الشيء الكثير، في آخره: أن راوي الحديث وهو معاوية بن الحكم السلمي قال: يا رسول الله! إني لي جارية ترعى غنمًا لي في أحد، فسطا الذئب يومًا على غنمي، وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فصككتها صكة، أي: سيد ضرب الجارية بكف على خدها، وندم.
قال: يا رسول الله! وعلي عتق رقبة كأنه يستشير الرسول ﵇، هل يصح له أن يفي بنذره حيث عليه عتق رقبة مؤمنة، قال: ائت بها، فسألها ﵇، قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. فالتفت إلى سيدها وقال: اعتقها؛ فإنها مؤمنة.
[ ٦ / ٤٧٢ ]
شهد الرسول - ﵌ - لهذه الجارية على إيمانها حينما أحسنت الجواب على سؤالَي رسولها، السؤال الأول: أين الله؟ قالت: في السماء. السؤال الثاني: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها؛ فإنها مؤمنة.
الآن الذي لم يجرب يجرب، اعملوها تجربة، شوفوا شيخ كبير صغير دكتور من الدكاترة الشريعة وغير الشريعة، اسألوهم سؤال رسول الله للجارية: أين الله؟ حينئذ تعلمون أنكم تعيشون في مجتمع جاهلي، مجتمع إسلامي لكن جاهلي عقيدة وفكرًا، إلى اليوم تسمعون الله موجود في كل الوجود، الله موجود في كل مكان، أما الجارية، جارية وحينما يقال جارية وراعية غنم لا يعني أنها مثقفة، لكنها مثقفة من مدرسة غير مدارسنا اليوم، هي فتاة عاشت في مدرسة شملت المجتمع الإسلامي كله حتى شملت الراعي مع الغنم، فهي تعلم العقيدة الصحيحة التي لا يعلمها اليوم كبار شيوخ الأزهر فضلًا عن جامعات أخرى، إذا سُئلت أين الله، أجابت في السماء؛ لأنها أولًا تقرأ كل ليلة، لا تنام إلا بعد أن تقرأ سورة تبارك وفيها: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧).
هي تقرأ ولكنها تفهم، ثم هي تفهم لكن تفهم الفهم السلفي؛ لأنها تعيش في الجيل الأول: «خير الناس قرني» قبل أن يدخل علم الكلام في عقيدة المسلمين، فتؤل لهم النصوص على طريقة القاديانية الذين أولوا: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، أي: زينة النبيين.
كذلك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ تأول المتأولة من الماتريدية والأشاعرة، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ أي: الملائكة، أي: عذابه.
[ ٦ / ٤٧٣ ]
لماذا هذا التأويل؛ لأنهم لا يؤمنون بعلو الله ﷿ على عرشه،
ولم لا تكون هذه الجارية على هذه العقيدة الصحيحة وهي تسمع مثل قول النبي - ﵌ -: «الراحمون يرحمهم الرحمان» .. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
قولوا الآن: هنا الملائكة، هو الله ﷿ أرحم الراحمين، هذه الجارية أجابت بهذا الجواب الصحيح؛ لأنها تخرَّجت من مدرسة رسول الله - ﵌ - وهي جارية وراعية غنم، فبعد أن أقول عن الصحابة وعن كبارهم هذا الحديث الصحيح أنكره زاهد الكوثري، فقلنا لأبو غدة تلميذه: لماذا تنكر علي هذا الأسلوب (١)، صحيح رواه البخاري ومسلم، ولا تنكر على شيخك إنكاره للأحاديث الصحيحة وبخاصة هذا الحديث الذي يتبنى عقيدة السلف قاطبة، لا فرق بين مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، كلهم على هذه العقيدة الصحيحة أن الله ﷿ على العرش استوى، لكن هذا الحديث لأنه صريح سين وجيم، الرسول يسأل أين الله؟ هي تجيب: في السماء، هم يقولون: لا يجوز أن تسأل أين الله؛ لأنهم يفهمون من السؤال أن لله مكانًا، وأرجو من إخواننا الحاضرين أن يتنبهوا أننا حينما نعتقد نحن معشر السلف وأتباع السلف، وتبعًا للسلف الذين كانوا يعتقدون بأن الله على العرش استوى استواء يليق بجلاله وعظمته، كما جاء عن الإمام مالك أنه سأله سائل: يا مالك! الرحمن على العرش استوى؟ كيف استوى؟
قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة أخرجوا الرجل فإنه مبتدع.
_________________
(١) أي في تعليقه على " شرح الطحاوية".
[ ٦ / ٤٧٤ ]
فهذا السلف كانوا يُؤمِنون بأن الله على العرش استوى، لكن في الوقت نفسه لا يؤمنون بأن لله مكانًا، هذا الجمع بين الإيجاب والسلب هي العقيدة الصحيحة، أي: الإيمان بأن الله ﷿ فوق العرش عقيدة إيجابية لا بد منها، وتنزيه الرب من المكان هذه عقيدة سلبية يجب تنزيه الله من كل مكان، ذلك لأن المكان خلق من خلق الله؛ لأن في الحديث الصحيح: «كان الله ولا شيء معه» فالله ﷿ كان وليس في مكان، فهو الغني عن المكان وعن الزمان، ولكنه لما خلق الخلق فهو خلق الخلق فوقه، خلق الخلق واندس جوفه، حاش لله فهو العلي الأعلى، هذه هي العقيدة الصحيحة التي عليها علماء السنة وعلماء السلف الصالح؛ لأن حديث الجارية فيها تصريح بأين الله؟ والجواب: بأنه في السماء، ذلك أنكروه مع أنه حديث صحيح باتفاق علماء المسلمين قاطبة، سواء كانوا من علماء الحديث وهذا اختصاصهم أو من علماء التفسير أو الفقه، كلهم مجمعون على صحة هذا الحديث مع ذلك فبعضهم حتى اليوم ينكره، ونسأل الله السلامة.
"الهدى والنور" (٦٣٣/ ١٢: ٣٨: ٠٠)
[١٠١٥] باب منه
الملقي: شيخنا في أحد الأخوة جاء من إربد قبل قليل يبلغك السلام، ويسأل بالنسبة لحديث الجارية اللي سألها الرسول - ﵌ -: «أين الله؟»، فيقول: هذا الحديث هل ذكر أحد من أهل العلم ضعف هذا الحديث أو شيء؟ مع أنه موجود طبعًا في صحيح مسلم.
الشيخ: إي نعم.
الملقي: هل في أحد من أهل العلم ضعَّف هذا الحديث على مر العصور؟
[ ٦ / ٤٧٥ ]
الشيخ: لا يوجد مطلقًا من طعن في هذا الحديث إلا بعض جهمية العصر الحاضر بس، وعلى رأسهم الشيخ زاهد الكوثري، والحقيقة أقول: هذا الإنسان لولا أنه ابتلي بالعصبية المذهبية الحنفية في الفروع، والماتريدية في العقيدة لكان علامة زمانه في علم الحديث وفي معرفته بتراجم الرجال، ومعرفته بالكتب المخطوطة بحكم كونه كان في اسطنبول، واسطنبول فيها آثار علماء المسلمين على مر الدهور والعصور مجموعة هناك فكان متفرغًا، ولذلك فهو يتحدث عن كتب وعن روايات موجودة في بطون هذه الكتب، أستطيع أن أقول: لا يعرفها أحد في زمانه إلا هو، لكن مع الأسف لم ينفعه علمه هذا لغلبة العصبية المذهبية والفكرية عليه، هو الذي حاول غمط حق هذا الحديث الصحيح، بطريقة اللف والدوران ومحاولة إيجاد علل أو علة على الأقل في هذا الحديث، ولكنه لم يستطع أن يفعل ذلك علميًا، إلا أنه أوهم طبعًا من يلوذ به ومن يدور في فلكه أنه هذا الحديث فيه طعن ولو رواه الإمام مسلم في صحيحه، والحقيقة أنه لا مطعن فيه، ولعلكم تعلمون أننا بفضل الله عليه ﷿ ورحمته، مع أنني أرجو أن يحشرني ربي في زمرة أهل الحديث، فأنا لا أتعصب لا للبخاري ولا لمسلم، ولي بعض كتابات أرد بعض الأحاديث الموجودة فيهما، فلو وجدت في هذا الحديث ما ادعاه الرجل لكنت أول من أشاع بهذا الضعف؛ لأنه لا يجوز التقول على رسول الله - ﵌ -، خاصة في مسألة تتعلق بالعقيدة، ولكن مع ذلك هذا الطاعن في هذا الحديث يوهمه شيطانه أنه لو استطاع أن يثبت ضعفه يوهمه شيطانه أنه هدم العقيدة السلفية التي تقول بأن الله ﷿ من صفاته العلو على جميع خلقه، لا يستفيد شيئًا، نحن حينما نتكلم عن هذا السؤال النبوي الكريم، وإجابة الجارية عليه بالجواب السليم، نحن نقول: انظروا جواب الجارية هذه راعية الغنم، أصح
[ ٦ / ٤٧٦ ]
من جواب شيخ الأزهر الشريف، لماذا؟ لأن شيخ الأزهر هاللي قضى عمره في دراسة العقيدة -زعم- تخرج من غير مدرسة محمد ﵇، وإنما تخرج من مدرسة علم الكلام، أما تلك الجارية وهي راعية غنم، فهي تخرجت من مدرسة الرسول ﵇، والآن تَفَكَّروا معي: كيف عَرَفتْ هذه الجارية وهي راعية غنم هي امرأة أولًا، وراعية غنم ثانيًا، وهي لا يمكنها أن تحضر دروس بين يدي الرسول ﵇ كما يفعل الرجال، وهل تتصورون أن أكثر أصحاب الرسول كانوا يحضرون دروسه أم أقلهم.
مداخلة: أقلهم
الشيخ: أنا أقول: أقلهم، ولذلك فالإمام ابن القيم ﵀ يقول: لا يوجد في الألوف المؤلفة من الصحابة من كان يفتي إلا نحو مائتين، مائتين من الصحابة علماء والبقية بقى داخلون في قول الذي يروى عن معاذ: كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا، فهم واحد من التلاتة لكن ما كانوا الرابعة، ولا تكن الرابعة فتهلك؛ إذا كان الرجال هكذا فماذا نقول عن النساء، أقل وأقل بكثير، هنا يأتي السؤال: كيف عرفت هذه الجارية هذا الراعية للغنم كيف عرفت الجواب الصحيح لهذا السؤال النبوي: «أين الله؟»، قالت: في السماء، وتسأل اليوم العلماء والدكاترة بيقولوا لك: الله موجود في كل وجود.
مداخلة: ينكرون أصل السؤال.
الشيخ: نعم.
مداخلة: يُنكروا أصل السؤال.
الشيخ: ينكروا أصل السؤال أحسنت، بيحملقوا بأعينهم: أأأ شو هذا
[ ٦ / ٤٧٧ ]
السؤال، هذا السؤال ما بيجوز، أعوذ بالله، يا رجل أنت ما تدري تنكر على الرسول ﵇ هو الذي سن لنا هذا السؤال، ما يدرون؛ لأنهم لا يتفقهون في الدين، الشاهد، كيف عرفت هذه الجارية الجواب الصحيح، لأنها تخرجت من مدرسة الرسول، هل كانت مدرسة الرسول -هنا النكتة-، مدرسة الرسول كانت محصورة في مسجده، حيث لا يحضره إلا أقل الرجال، لا، كانت منتشرة؛ كيف ذلك؟ الذين يحضرون يُبلِّغون من وراءهم، يبلغون نساءهم بناتهم وو إلى آخره، فينتشر الفقه المحمدي في المجتمع المحمدي ويصل هذا الفقه إلى من؟ إلى هذه الراعية، من علَّمها سيدها؛ لأنه مسؤول عنها: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» (١)، فإذًا يجب علينا نحن أن نهتم بتبليغ العلم كما جاء في الأحاديث الصحيحة «فليبلغ الشاهد الغائب» (٢).
"الهدى والنور" (٥٣٣/ ٢٧: ٥٢: ٠٠)
[١٠١٦] باب منه
[سُئل الشيخ في أثناء كلامٍ لبعض تلامذته حول إنكار عبد الله الهرري لحديث الجارية]:
سؤال: حديث الجارية إيش هو؟
الشيخ: أين الله؟ قال: في السماء، هذا حديث رواه الإمام مسلم في كتاب الصلاة؛ لأنه الرجل كما يحدث هو عن نفسه أحد الصحابة معاوية بن الحكم السلمي قال: صليت يومًا وراء النبي - ﵌ - فعطس رجل بجانبي فقلت له: يرحمك
_________________
(١) "البخاري" (رقم٢٢٧٨) ومسلم رقم٤٨٢٨) ..
(٢) "البخاري" (رقم١٦٥٢) ومسلم (رقم٤٤٧٨).
[ ٦ / ٤٧٨ ]
الله، فنظروا إلي هكذا يعني: [انقطاع].
أنا حديث عهد بالإسلام فما تلقى بعد الأحكام اللائقة بالصلاة، هم لما رموا بأبصارهم إليه تسكيتًا هو ضاق بهم ذرعًا، فما كان منه إلا أن رفع عقيرته صائحًا، واثكل أمياه مالكم تنظرون إليّ قال: فأخذوا ضربًا بأيديهم على أفخاذهم يعني: اسكت ما هو محل هلا، بيقول: فلما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة أقبل إلي، هون بقي بيصور أدب الرسول ولطفه وتواضعه وكيف كان هو بعد ما انتبه لهذا الخطأ الكبير كيف الرسول يعاقبه ويعامله، وإذا فيه وجد العكس تمامًا، فيعبر عن هذه الحالة النفسية فيقول: فلما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة أقبل إلي فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: إن هذه الصلاة هنا الشاهد ليش جاب الإمام مسلم هذا الحديث في كتاب الصلاة لقوله ﵇: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد وذكر الله» وانتهت القصة إلى هذا فقط، يعني: علمه أحسن تعليم.
يبدو أن الرجل لما آنس هذا اللطف في التعليم (أراد) أن يزداد علمًا، وقد عرف أنه جاهل، فأخذ يسأل الرسول السؤال بعد السؤال، فقال: «يا رسول الله! إن منا أقوامًا يتطيرون قال: فلا يصدنكم قال: إن منا يأتون الكهان. قال: فلا تأتوهم. قال: إن منا أقوامًا يخطون على الرمل قال ﵇: قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه فذاك». هذا بيقولوا العلماء والشراح التعليق بالمحال، «قد كان نبي من الأنبياء يخط» معجزة «فمن وافق خطه خطه فذاك» وهيهات «قال: يا رسول الله! عندي جارية ترعى غنمًا لي في أُحُد فسطا الذئب على غنمي وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة وعليَّ عتق رقبة»
[ ٦ / ٤٧٩ ]
كأنه يقول: فهل يجزيني أن أعتقها، كفارة لهذا الضرب، قال: هاتها. راح وجابها. رأسًا الرسول ﵇ بادرها بقوله: أين الله؟ قالت: في السماء. قال ﵇: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. فالتفت إلى سيدها وقال له: «فاعتقها فإنها مؤمنة»، فهذا الحديث يعني: قاصمة الظهر المؤولة، اللي بيقولوا ضلالًا منهم وانحرافًا عن الكتاب والسنة، الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود. هذا بيقول: الله في السماء. فيقول الأخ علي ونحن نعرف هذا الشيخ عبد الله (١) أشعري هو، وله كتاب سماه على قاعدة يسمونها بغير اسمها شو سمى الكتاب هو «الصراط المستقيم» وفيه انحراف كبير جدًا عن الكتاب والسنة خاصة فيما يتعلق بالعقيدة بصورة عامة، وبصورة أخص ما يتعلق بصفة الله ﷿ وأنه العلي الأعلى، فحذفوا هذا الحديث كما يقول (لكي) تسقط الحجة، لكن هذه حماقة متناهية، ما هو السبب؟ السبب أنه كأنهم لا يعلمون إنه هذا الحديث موجود في عشرات الكتب، فلو فرضنا راح مسلم من الدنيا كلها، هذا الحديث موجود في موطأ الإمام مالك اللي هو أرقى من مسلم بدرجتين، يعني: مسلم يروي عن الإمام أحمد، والإمام أحمد بيروي عن الشافعي، والشافعي عن مالك، فمالك من جملة من رووا هذا الحديث في كتاب الموطأ، ونفس أحمد موجود في كتاب المسند، ماذا نستفيد من الحذف هذا سوى إثبات ضلالهم وحماقتهم.
مداخلة: شيخنا حتى إن حذفوا الحديث ماذا يفعلوا بالآيات اللي موجودة في كتاب الله.
_________________
(١) أي: الهرري الحبشي.
[ ٦ / ٤٨٠ ]
الشيخ: هو هذا من جهلهم وحماقتهم أنا بقول بهذه المناسبة: الشيء اللي بيلفت النظر كيف عرفت هذه الجارية ربها وأنه تعالى في السماء، واليوم تسأل مشائخ الدنيا إلا من شاء الله وهم قلة السؤال الذي وجهه الرسول ﵇ إلى الجارية فما تسمع الجواب، إلا الجواب المنحرف عن الكتاب والسنة، الله موجود في كل مكان، كيف أصابت الجارية وأخطأ هؤلاء المشائخ؟ الجارية- هون بقي ييجي الموضوع - عاشت في مجتمع إسلامي صافي مجتمع محمد ﵇ وما أصفى منه، فهي مع كونها أمية والله أعلم تعرف من سيدها من ولاة سيدها من جيرانها اللي أغنياء بالعقيدة، فلما سُئلت أجابت على الصواب، وما ضروري تكون عندها شهادة دكتوراه، لكن اليوم إسأل دكاترة آخر الزمان ما تسمع الجواب اللي تسمعه من الجارية هذه، السبب أن الدراسة اليوم ليست دراسة إسلامية مائة في المائة فضلًا عن المجتمع.
"الهدى والنور" (١٣٨/ ٥٩: ١٦: ٠٠)
[١٠١٧] باب نصيحة الشيخ
لامرأة من أتباع الحبشي تنكر حديث الجارية
الشيخ: يجب أن تعلمي أننا بزمان هو آخر الزمان، ويجب أن تعلمي مع هذه الحقيقية الواقعية التي لا يشك فيها إنسان، يجب أن تعلمي معها حقيقة أخرى، وهي: أننا في زمان تفرَّقَ المسلمون فيه تفرقًا شيئًا منه ورثوه عن التفرق السابق، وشيء منه تفرقوا فيه في هذا الزمن اللاحق مصداقًا لقوله ﵊ في حديث صحيح معروف أوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين
[ ٦ / ٤٨١ ]
فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: هي ما أنا عليه وأصحابي».
فأرجو أن تقفي معي عند هذه الكلمة، وهي أن النبي - ﵌ -، وصف الفرقة الناجية التي هي فرقة واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا هذه الفرقة الناجية، وصفها النبي - ﵌ -، بأنها هي التي تكون على ما كان عليه الرسول ﵇، ليس هذا فقط، بل أضاف إلى ذلك قوله: «وأصحابي»، ولا شك أن التمسك بسنة النبي - ﵌ - وحدها هو الكافي، وهو الهدي والنور.
ولكن ما دام أن بيننا وبين النبي - ﵌ - أربعة عشر قرنًا، وهناك الفرق الكثيرة التي أشار إليها الرسول ﵍ في الحديث السابق، فيجب على المسلم فوق اعترافه أو تعرّفه على السنة، أن يتعرف على ما كان عليه الصحابة، ولذلك قال ﵇: «هي التي على ما أنا عليه وأصحابي» ذلك لأن أصحاب الرسول ﵇ تلقوا البيان منه - ﵌ - للشريعة، من فمه غضًا طريًا، أما نحن فبيننا وبينه ﵇ وسائط كثيرة، وهذه الوسائط من أجل تمييز ما يجوز التمسك بها مما لا يجوز، أو ما يجوز الاحتجاج بها مما لا يجوز، وُجِد علم اسمه علم الحديث، واسمه علم التجريح والتعديل، ولذلك فإذا ما أردنا أن نعرف ما كان عليه الرسول ﵇، فنحن نعرفه من طريق علماء الحديث الذين يصلوننا بالنبي - ﵌ -، وما كان عليه أصحابه الكرام.
بعد هذه المقدمة الوجيزة نأتي إلى ذلك المثال وهو حديث الجارية الثابت في كتب السنة الصحيحة أن النبي - ﵌ - سأل الجارية: أين الله؟ فقالت: في السماء.
[ ٦ / ٤٨٢ ]
فأنت تبعًا للشيخ عبد الله الهرري تنكرون هذا الذي أقره الرسول ﵇ من القول من الجارية إن الله ﷿ في السماء، علمًا أن ما قالته الجارية هو ما نص عليه ربُّنا ﷿ في القرآن الكريم في قوله في سورة تبارك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك: ١٦ - ١٧).
وأنا أعلم أن هناك تأويلات لمثل هذه الآية تصدر من مثل الحبشي وغيره، وهنا أقول: عليك أن تعودي في فهم الكتاب والسنة إلى الصحابة الذي جعلهم الرسول ﵇ دليلًا على أن من تمسك بما كانوا عليه تبعًا للرسول ﵇، فهو من الفرقة الناجية، فهل علمت بواسطة كتب الحبشي أو غيره أن أحدًا من السلف أنكر هذا الذي أنكره الحبشي من القول بمثل ما قالت الجارية إن الله ﷿ في السماء؟
ثم من أنكر أن الله ﷿ في السماء، فهو سيقول أحد شيئين لا ثالث لهما:
الشيء الأول: أنه تحت السماء، وهذا كفر صريح بواح.
وإما أن الله في الوجود كله، كما يقول به المعتزلة قديمًا صراحة، ومن تشبه بهم حديثًا ضمنًا وليس صراحة، حيث يقولون بمناسبة وبغير مناسبة، الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود، وهذا هو الكفر؛ لأنه يعني القول بوحدة الوجود التي يقول بها غلاة الصوفية، وهم الذين يقولون: لا خالق ومخلوق، إنما هو شيء واحد، كما يقول بعض غلاتهم: كل ما تراه بعينك فهو الله.
ويقول آخر: لما عبد المجوس النار، ما عبدوا إلا الواحد القهار.
ذلك لأنهم يعتقدون قول الطبائعيين والدهريين أنه ليس هناك خالق متميز
[ ٦ / ٤٨٣ ]
بصفاته عن المخلوقات، ما هو إلا هذا الدهر، وهذا ما صرح به القرآن الكريم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: ٢٤) عن الكافرين الأولين، فلذلك نفيُ القول بأن الله في السماء المصرَّح به في القرآن وحديث الجارية وغيره، يلزم هؤلاء النفاة أن يقولوا: إن الله تحت السماء، أو أن يقولوا: إن الله في كل مكان، وسواء قالوا هذا أو ذاك فهو كفر.
أما حينما يقول المسلم: إن الله على العرش استوى، استواء يليق بجلاله وكماله، هذا الاستواء هو العلو الذي يُسَبِّحُ اللهَ به حينما يَسْجُد متواضعًا لربه فيقول: سبحان ربي الأعلى .. سبحان ربي الأعلى.
ما الذي ينبغي على المسلم أن يُفكِّر وأن يفسِّر قوله: سبحان ربي الأعلى، إذا لم يؤمن بأنه حقيقةً الله على العرش استوى، وإنما آمن بأنه معه في الأرض أو تحت السماء، بينما الله ﷿ كما هو عقيدة السلف: الرحمن استوى استواءً يليق بجلاله، ويفسر عبد الله المبارك هذا الاستواء بقوله: «الله ﵎ فوق العرش بذاته، وهو بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه» الله لا تغيب عليه غائبة في الأرض ولا في السماء، ولكنه على العرش استوى.
هذه الكلمة خلاصتها أنه يجب على كل مسلم أن يتفهم الإسلام على ما كان عليه الرسول ﵇ وأصحابه الكرام، وليس على ما يقوله الحبشي من عنده، وها أنتِ الآن أمام تجربة، هل عند الحبشي أو غيره كلمة عن أحد من الصحابة فضلًا عن الحديث عن رسول الله أن الله ليس فوق العرش، لا يجدون شيئًا إلا ما يسمى بعلم الكلام، وها الكلام، وعلم الكلام هو مزلة للأقدام، هذه نصيحة وذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، والسلام عليكم.
" الهدى والنور" (٢٠/ ٢٧: ١٩: ٠١)
[ ٦ / ٤٨٤ ]
[١٠١٨] باب هل يجوز أن يُسأل عن الله بـ «أين»؟
[تكلم الشيخ - ﵀ - على حديث الجارية، وعُلُّو الله، فقال
أحد الحضور]:
مداخلة: نحن أضعنا المجلس في البحث في ذات الله أيجوز شرعًا؟
الشيخ: هذا ليس بحثًا في ذات الله، بحث في صفات الله.
السائل: وين راح وين جاء.
الشيخ: لا ما قال أحد وين راح وين أجا، هي أنت الآن عم تسجل على نفسك أنك أنت فعلًا بتحط زوائد ما حدى قال وين راح وين أجا، طيب أنا بتوجه إلى حضرتك بالسؤال السابق، معقول واحد يسأل أين الله؟
السائل: لا نتحدث عن المعقولية نحن نتحدث بصفة شرعية.
الشيخ: يا أخي عم أسألك سؤال يكون سؤال جوابه معقول.
السائل: لا تحددني بجوابي بسؤال كما تريده لأنك ستضرني في مسألة أنت بدك إياها، السؤال أيجوز شرعًا أن يُسْأل هذا السؤال؟، يجوز لأن الرسول - ﵌ -
قد فعل.
الشيخ: سبحان الله أنت هلا إذا سألتني سؤال أنا بضطر أنك تغير سؤالك، لا أسمح لي أسمح لي الله يهديك يا أخي كلمة سؤال ما بدها شرح السلبيات ما بدها شرح، أنا عم أسألك سؤال الآن أنت إذا سألت سؤال أنا بضطرك أنك تغيره ولا أنت حر بسؤالك، فتسأل كما يبدوا لك، الله يهديك.
السائل: الجلسة شرعية.
[ ٦ / ٤٨٥ ]
الشيخ: الله يهديك، هي جلسه شرعية سؤال يطرح لحضرتك إذا سأل سائل سؤالًا بطريقة أو بأخرى هل يجوز لهذا المسئول يقول له هذا السؤال ما لازم توجهه، وهو بيقول له يجوز هذا السؤال ولا لا، ولا العقل والشرع بيقول له بيجوز ولا ما يجوز، وخير الكلام ما قل ودل أنا عم أسألك الآن سؤال منطقي هذا الضوء شاعل ولا مطفي.
السائل: شاعل.
بدها سؤال وليش عم بتسأل ما بدها لأنه ربما أنا عم سائلك هذا السؤال وراء الأكمة ما ورائها، ممكن هذا فإذًا لما بسألك هل يجوز الإنسان مسلم، عفوًا قبل هل يجوز، هل معقول مسلم يسأل أين الله، فأنت بقى وثقافتك وعلمك وإيمانك وخلقك ودينك بتقول معقول بتقول مش معقول أنت حر بقى.
السائل: معقول لأن السؤال
الشيخ: هلا أنا عم أقول لك أيش؟
السائل: معقول ياسيدي معقول.
الشيخ: يا أخي ما عم أسألك ليش الله يرضى عليك الله يهديك، يعني.
لا حول ولا قوة إلا بالله، طيب نحن تعلمنا في بلدنا ها إلي ما يأتي معك امشي معه، فأنت مش رضيان يا أستاذ انك تجاوب على سؤال معقول الواحد يسأل.
السائل: معقول، معقول.
الشيخ: جزاك الله خيرًا بس لو كان هذا قبل هذا نجي هلا، هل يجوز شرعًا أن
[ ٦ / ٤٨٦ ]
يَسأل مسلم أخاه المسلم أين الله يجوز وهل يجوز، أن يجيب على هذا السؤال؟
السائل: يجوز.
الشيخ: ليش وقفت، أنا عم أشوف شيء
السائل: لا يا سيدنا لا العفو إذا كان المسلم، يعني أنت تضعني في موضع المفتي، يعني معقول بدون دليل، أيجوز لي أن أمشي بدون دليل، أنت بتسألني يجوز ولا ما يجوز، أنا بتكلم شرعًا يجوز؛ لأنه قاعد أستحضر في الأدلة لا أكثر ولا أقل.
الشيخ: هذا كلام طيب، لكن ليس طيبًا، تدري لماذا؟
مداخلة: تفضل.
الشيخ: إذا سألتك: النور شاعل؟ ما تجيب، تجاوب على الدليل.
مداخلة: لا، هذا بحث واقع، ذلك بحث في الشرع.
الشيخ: هي الأمور الشرعية أوضح من هذا الواقع، لو قال قائل: أفي الله شك؟ لماذا تسكت، تفكر، يريد يجاوب عن علم، طيب: هذا العلم أنت ما درسته بعد؟ أفي الله شك؟
مداخلة: أنت تسألني: يجوز أم لا يجوز، إذا يجوز لازم يكون فيه دليل شرعي، إذا لا يجوز لازم يكون فيه دليل شرعي.
الشيخ: لازم الدليل الشرعي معنى الكلام يا أستاذ إذا ما وضح لك حتى الآن أو أنك أنت نسيته من كثر ما درسته.
[ ٦ / ٤٨٧ ]
مداخلة: لكن ما استحضرته، وصدقني والعفو فيه كثير من إخواننا أنهم يستعجبون مما أقول وكأنني أقول عجبًا.
مداخلة: ما هو العجب؟ قبل قليل حضرتك تحدثت عن الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، اللهم ارض عنه، وقلت: أنه لم يجمع العلم، وجاء بعده من جمع الحديث أكثر منه.
الشيخ: لا، ما قلت لم يجمع العلم.
مداخلة: لم يجمع الحديث كله.
الشيخ: فيه فرق بين العلم والحديث، فيه فرق بين العلم والحديث.
مداخلة: صدقت، علم الحديث، لم يُجمع علم الحديث كله أو الحديث كله، وجاء واحد جمع أكثر منه، فهل هذا .. ألم [يكن] الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه يفتي بفتاوى حتى إذا جاءه الحديث الآخر غيَّرها.
الشيخ: ما علاقة هذا الكلام؟ يعني: أبو حنيفة لو سئل هذا السؤال
يفعل فعلك؟
مداخلة: أبو حنيفة شيء وأنا شيء، إذا كنت لا أتطاول على من هو أعلى مني بِسَنَةٍ فكيف على أبي حنيفة.
الشيخ: أبو حنيفة إذا سئل هذا السؤال يصمت ويفكر تفكيرك أم لا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: وغصب عنك يعني ماشي؟!
مداخلة: ليس غصب عني، ..
[ ٦ / ٤٨٨ ]
الشيخ: لا، قل رأيك، أنا أقول: قل لا لأنه واضحة، لا أفرض عليك وألقنك بارك الله فيك، قل رأيك أنت، أبو حنيفة لو سئل هذا السؤال يفكر تفكيرك حتى يعد الجواب، أم رأسًا يعطي الجواب؟
مداخلة: لا أعلم.
الشيخ: كيف لا تعلم؟
مداخلة: لماذا لماذا؟
الشيخ: سأجاوبك أنا، هذه مسألة فقهية أم عقائدية؟ سؤال أرجو أن يكون جوابك باختصار.
مداخلة: عقيدة.
الشيخ: عقيدة، تفكر أنت أنه أبو حنيفة عقيدته ما كانت مكونة في نفسه وهاضمها تمامًا، ومستعد أنه يجيب عن كل سؤال يتعلق بالعقيدة، وليس كذلك فيما يتعلق بالمسائل الفقهية.
مداخلة: يعني: هل لابد أن أكون مثله، السؤال هكذا؟
الشيخ: الله يهديك، أنا أسألك عن أبي حنيفة.
مداخلة: أبو حنيفة عالم جليل فقيه لم نصل لدرجته.
الشيخ: على هذا أسأل أنا؟! أبو حنيفة إذا سئل هذا السؤال يصمت صموتك أنت أم جوابه يكون [مباشر] هذا هو السؤال؟
مداخلة: جوابه [مباشر] على اعتبار.
[ ٦ / ٤٨٩ ]
الشيخ: بس هذا هو، لماذا؟
مداخلة: لأنه عالم.
الشيخ: لأنه عقيدته كاملة، لأن عقيدته كاملة ليس لأنه عالم، قولك لأنه عالم في المسائل الفقهية، أما العقيدة يجب أن تكون عند المسلمين جميعًا، إيمانك بوجود الله خاصة وأنت فهمنا منك أن إيمانك أنت مثل إيمان أبو حنيفة، ومثل ما قال يرووا عن أبو حنيفة أنه قال: إيمانه كإيمان جبريل، وأنت يمكن تقول بكلامه، هذا الإيمان الذي هو إيمانه كإيمان جبريل ما دام المسألة لها علاقة بالعقيدة فورًا يعطي الجواب، أما المسائل الفقهية وتريد انتباه وتفكير، خشية أن يُحرِّم ما أحل الله، أو يُحلِّل ما حرم الله، تريد انتباه تريد تنبه تريد مسك أعصاب وعدم التسرع، أما العقيدة لماذا أتيت لك أنا: أفي الله شك؟ لا، ليس في الله شك، عقيدة، فكذلك هذا الله الذي نعبده نركع له نسجد له .. إلخ، أين الله؟
المسلم يفكر، ماذا يكون الجواب؟ أحد جوابين: إما الله موجود في كل مكان، أو موجود كما يقول الآخرون في كل وجود، أو الله فوق المخلوقات كلها، هذا بارك الله فيك عقيدة ما ينبغي أن يتردد فيها المسلم، بينما له أن يتردد فيما يتعلق بالحرام والحلال خاصة إذا كان غير متخصص، أما العقيدة التي كما تعلم أنت يجب أن تبنى على اليقين حتى قال بعضهم من الأحزاب المعروفة: أن العقيدة لا تبنى على الحديث الصحيح، لأن الحديث الصحيح يفيد الظن، والعقيدة يجب أن تبنى على اليقين، أنت معناه أن العقيدة هذه بانيها على الظن وليس بانيها على يقين، لأنه ما كان مبنيًا على اليقين ما يريد [تردد ] في الجواب، رأسًا جوابه [مباشر] ، أما هذا الذي بانيها على الظن هذه لا تكون عقيدة، خاصة
[ ٦ / ٤٩٠ ]
بالنسبة لأولئك الناس الذين يقولون: إن العقائد لا تبنى إلا على القطعيات.
على كل حال: إذًا: الجواب لذاك السؤال: أين الله؟ الرحمن على العرش على استوى، أو هو فوق المخلوقات كلها، أكذلك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، فهل المسلمون اليوم الذين يدعون لتصحيح عقائد المسلمين صححوا هذه العقيدة في عقائد المسلمين؟ قلها صريحة.
مداخلة: سؤال والله عيده والله ما أدركته، ما أدركت السؤال.
الشيخ: أنا أعيد السؤال: هل الدعاة الإسلاميون الذين يهتمون بتصحيح المفاهيم أولًا، وبخاصة ما كان منها عقيدة، هل صححوا هذه العقيدة في أذهان المسلمين، فهم على كلمة سواء يعتقدون فور أن يسأل أحدهم: أين الله، فيأتي الجواب: الله فوق عرشه بائن من خلقه، أكذلك اليوم الدعاة يفعلون، أظنك فهمتني الآن؟
مداخلة: نعم، فقه العقيدة ليس كل الناس تتحدث فيه صحيح.
الشيخ: جزاك الله خير، فما هو واجبهم؟
مداخلة: المتعلم أن يعلم.
الشيخ: هذا جواب سياسي.
مداخلة: جواب صحيح أم لا؟ المتعلم يعلم.
الشيخ: هذا جواب سياسي.
[ ٦ / ٤٩١ ]
مداخلة: ما هو الجواب الشرعي؟
الشيخ: بارك الله فيك كان السؤال المتعلم يعلم، يعلموا ألف باء تاء ثاء، صَحَّ كلامك؟!
مداخلة: أنا أقصد على نفس الموضوع.
الشيخ: أنا ما أتكلم عن قصدك أتكلم عن لفظك.
مداخلة: لفظي المتعلم يعلم في العقيدة التي حضرتك قبل قليل ..
الشيخ: ولماذا تدور واللغة هذه، لماذا هكذا، ولماذا ليس هكذا؟
"الهدى والنور" (٤٤٧/ ٤٠: ٠٠: ٠٠) و(٤٤٧/ ٤٣: ٠٨: ٠٠)
[١٠١٩] باب هل المراد بسؤال
"أين الله" السؤال عن المكان أم المكانة؟
سؤال: في حديث مع بعض من ينتمون للعقيدة الأشعرية في بحث أين الله قال: أن "أين" تستعمل لشيئين في اللغة: إما المكان أو المكانة، فالمكان: منتفي عن الله، والمكانة: مثل أن أقول أين مكانة محمد؟ أقول: في قلبي، فهو قال أن المقصود فيه المكانة وليس المكان؟ ..
الشيخ: .. هو يتكلم في اللغة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: البحث ليس في اللغة، البحث في الشرع، أليس كذلك؟
مداخلة: نعم.
[ ٦ / ٤٩٢ ]
الشيخ: فهل تكَلَّم في الشرع؟ ..
مداخلة: هو قال: نفهم الشرع عن طريق اللغة.
الشيخ: صحيح، لكن هل أثبت حكم الشرع في جواب هذا السؤال؟
مداخلة: عن طريق اللغة يثبتها بالمكانة ..
الشيخ: "في السماء" ما معناه؟
مداخلة: في السماء هو يقول: المكانة.
الشيخ: المكانة؟
مداخلة: هو يقول: المكانة.
الشيخ: طيب! و"أين الله" كسؤال عن الذات ما هو جوابه؟
مداخلة: هو يقول: الله أعلم.
الشيخ: طيب! الله يعلم يقال في شيء ربنا ما أعلمنا به في الكتاب والسنة، ونصوص الكتاب والسنة متواترة في إثبات العلو لله ﷿ .. العلو الحقيقي ليس المكاني، هذا هو التعطيل الذي وقع فيه الأشاعرة الماتريدية، الله من أجل يثبت لنا المكانة يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) .. ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (النحل:٥٠) .. ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ (المعارج:٤) لإثبات المكانة التي هي ثابتة عند المؤمنين جميعًا؟! هذا هو التعطيل الذي يسميه العلماء هو تعطيل الحقيقة، الله المستعان.
"الهدى والنور" (١٥/:٠٠:٣٤:٥١)
[ ٦ / ٤٩٣ ]
[١٠٢٠] باب إثبات الفوقية لله تعالى وجواز السؤال عن الله تعالى بـ "أين" وذكر بعض من أنكر ذلك
[وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية ابن أبي العز بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قررها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام]:
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمنًا حقًا بهذه الإمامة الملموسة المشهورة
فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما
ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد - مع الأسف- ما رميته به
من المداراة.
[فذكر ثلاث مسائل ثم قال]:
المسألة الرابعة: يثبت الإمام [أي: ابن أبي العز] "الفوقية المذكورة بأدلة كثيرة جدًا، في بعضها التصريح بلفظ "الأين" الذي سأل به رسول الله - ﵌ - الجارية ليتعرف على إيمانها".
وشيخك يا أبا غدة ينكر مثل هذا السؤال تبعًا لتشكيكه في صحة
الحديث ، فهل تؤمن أنت بهذا الحديث، وتجيز هذا السؤال الذي سأله
الرسول - ﵌ -؟
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٧)
[ ٦ / ٤٩٤ ]
[١٠٢١] باب جواز السؤال عن الله بـ"أين"
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًَا لِي قِبَلِ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ، وَإِذَا ذِئْبٌ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، قَالَ: وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ -، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلا أُعْتِقُهَا؟، قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟»، قَالَتْ: في السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
[قال الإمام معلقًا على قول النبي - ﵌ -:أين الله]:
فيه جواز توجيه مثل هذا السؤال على سبيل الاختبار، خلافًا لظن كثير من الناس، ولو وجهته إليهم لجهلوا الجواب، فليتعلموه إذن من هذا الحديث.
"تحقيق الإيمان لأبن أبي شيبة" (ص ٦١).
[١٠٢٢] باب ضلال منكري الفوقية عن الله تعالى، وضلال منكري السؤال عن الله بـ"أين"
[ذكر الإمام ضمن الأمثلة على ضلال أبي غدة أنه لا يوافق]:
على أن الله تعالى فوق عرشه كما يليق بحلاله، ولا يجيز للمسلم أن يسأل فيقول «اين الله» كما سأل رسول الله - ﵌ - على الرغم من صحة الحديث عند مسلم وغيره لتشكيك شيخه [أي الكوثري] في صحته.
"كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات" (ص٥٧)
[ ٦ / ٤٩٥ ]
جماع أبواب الكلام
على صفة المعية وبيان عدم منافاتها لعلو الله تعالى
والكلام على بعض ما قد يُفهم منه منافاة العلو
[ ٦ / ٤٩٧ ]
[١٠٢٣] باب معية الله للخلق هل تنافي علوه تعالى؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط: اللئيمة ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره».
[قال الإمام]:
أخرجه أبو داود (١/ ٢٥٠) قال: قرأت في كتاب عبد الله بن سالم - بحمص - عند آل عمرو بن الحارث الحمصي عن الزبيدي قال: وأخبرني يحيى بن جابر عن جبير بن نفير عن عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعا به.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات لكنه منقطع بين ابني جابر وجبير لكن وصله الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ١١٥) والبيهقي في " السنن " (٤/ ٩٥) من طريقين عن عبد الله بن سالم عن محمد بن الوليد الزبيدي: حدثنا يحيى بن جابر الطائي أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه أن أباه حدثه به. وزاد: "وزكَّى نفسه، فقال رجل: وما تزكية النفس؟ فقال: أن يعلم أن الله ﷿ معه حيث كان".
(فائدة) قوله - ﵌ -: «أن الله معه حيث كان». قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: "يريد أن الله علمه محيط بكل مكان والله على العرش".
ذكره الحافظ الذهبي في " العلو " رقم الترجمة (٧٣) بتحقيقي واختصاري. وأما قول العامة وكثير من الخاصة: الله موجود في كل مكان، أو في كل الوجود
[ ٦ / ٤٩٩ ]
ويعنون بذاته، فهو ضلال بل هو مأخوذ من القول بوحدة الوجود الذي يقول به غلاة الصوفية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق ويقول كبيرهم: كل ما تراه بعينك فهو الله! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
"الصحيحة" (٣/ ٣٧ - ٣٨).
[١٠٢٤] باب المعية في قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ معية علمية والرد على من خالف ذلك
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال أبو عمر [هو ابن عبد البر] .. أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتجُ بقوله.
[قال الإمام]:
قلت: في هذا النص رد صريح لما ذهب إليه الإمام الشوكاني في آخر "تحفته" (ص ٩٥ - ٩٦ المجموعة المنيرية ج ٢) أن تأويل هذه الآية وآية ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ بالمعية العلمية إنما هو شعبة من شعب التأويل المخالف لمذهب السلف وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم.
كذا قال، وكأنه لم يقف على هذا النص من الحافظ ابن عبد البر، ولا على ما سبق من القول عن الأئمة الفحول كسفيان الثوري، ومالك، ومقاتل بن حيان، الذين فسروا الآيتين بمثل ما نَقَلَ ابن عبد البر إجماع الصحابة ومن بعدهم عليه، فلا تغتر إذن بما زعمه الشوكاني من المخالفة، فإنه لكل عالم زلة، ولكل جواد كبوة.
"مختصر العلو" (ص٢٦٨).
[ ٦ / ٥٠٠ ]
[١٠٢٥] باب هل تأويل قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ بمعية العلم؛ من التأويل المذموم؟
سؤال: يسأل سائل فيقول: هل ما ورد عن السلف في تفسير قول الله ﵎: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤)، قالوا: أي بعلمه، هل هذا يُعدُّ من التأويل المذموم، وما هو الضابط في ذلك؟
الشيخ: هذا ليس تأويلًا، التأويل في الاصطلاح العلمي: هو إخراج العبارة أو الجملة عن ظاهر دلالتها المتبادرة، هذا هو التأويل، وإنما يصار إليه إذا قام الدليل الشرعي أو العقلي المقطوع بدلالته، حينئذٍ يصار للتأويل.
أما هنا فلا تأويل؛ لأن سياق الآية وسباقها لا يعني المعية الذاتية، وإنما يعني المعية العلمية، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤)؛ لأن الآية أظن أولها: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو معهم.
مداخلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (المجادلة:٧).
الشيخ: نعم، فالمعية هنا معيةٌ اطِّلاعية وعلمية؛ ولذلك فالمعية هنا كما جاء عن السلف هي معية علمية، ليس هذا تأويلًا وإن كان بعضهم يسميه تأويلًا.
وأشهر مثال على ذلك آية: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف:٨٢)، اسأل القرية: اللفظ: القرية هي البنيان والجدران والحيطان القائمة على تلك الأرضية القرية، لكن إذا أخذَتَ الآية بتمامها وجدْتَ نفسك مضطرًا لا يتبادر إلى ذهنك هذا المعنى المقصود من لفظة القرية، وإنما يتبادر إلى ذهنك سكانها.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (يوسف:٨٢).والعير التي
[ ٦ / ٥٠١ ]
أقبلنا فيها: العير أيضًا كلفظ معناه: هذه القافلة من البعران، الجمال، الإبل. لكن لا يُنظر إلى اللفظة مفصولة عن سباقها وعن سياقها، وإنما يُنظر إلى الجملة بكاملها: من أولها إلى آخرها، حينئذٍ الذي يتبادر لك من هذه الآية غير المعنى الذي يتبادر من لفظ موجود في هذه الآية، هو القرية أو العير.
فستجد نفسك مضطرًا أن تقول: إن المعنى الذي يتبادر إلى ذهن، واسأل القرية: سكانها، والعير أي المرافقين لها، هذا ليس تأويلًا أبدًا، والأمثلة على هذا تكثر، وتكثر جدًا.
من ذلك مثلًا: ﴿فَسِيحُوا في الأَرْضِ﴾ (التوبة:٢)."في" ظرفية، لكن إذا نظرت إلى هذه الآية، إلى هذا الحرف في هذه الآية ما تفهم أنها ظرفية، بل تفهمها بأنها بمعنى: على، قل سيحوا في الأرض فانظروا، ﴿قُلْ سِيرُوا في الأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ (النمل:٦٩)، مش في جوف الأرض، وإنما على الأرض، وعلى هذا أمثلة كثيرة، وكثيرة جدًا.
وعلى ذلك جاء قوله ﵎ أيضًا في سورة طه لما فرعون طغى وبغى وقال للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (النازعات:٢٤)، وأحضر السحرة لينتصر بهم على معجزة موسى ﵇، فكانت العاقبة لموسى ﵇، وكانت العاقبة أن السحرة آمنوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (طه:٧٠)، فماذا هددهم، قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه:٧١)، أيضًا هنا في جذوع النخل، إذا فُصِلت "في" عن مكانها هنا فهمتها بمعنى ظرفية، لكن هنا لا تصلح لا يصلح هذا الفهم إلا أنها بمعنى "على"، ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه:٧١)، أي: على جذوع النخل هذا أيضًا ليس تأويلًا، لأن الجملة هي تفرض عليك أن تفهم "في" هنا وهناك بمعنى "على".
[ ٦ / ٥٠٢ ]
وأخيرًا قوله ﵊، وهذا موضوع له علاقة بعقيدة زل عنها جماهير المسلمين قديمًا وحديثًا، قوله ﵊: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، أيش معنى ارحموا من في الأرض؟، يعني: الديدان والحشرات التي تعيش في جوف الأرض ولا تستطيعون أن تطولوها بشيء من الرحمة، ما يتبادر هذا المعنى إلى ذهن عربي إطلاقًا، وإنما هنا "في" كهناك "على"، «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض»، من على الأرض معكم «يرحمكم من في السماء».أيضًا يرحمكم من في السماء، "في" هنا ليست ظرفية كما هناك في الأرض ليست ظرفية، وإنما هي بمعنى على، وعلى ذلك يجب أن نفهم قوله تعالى في سورة تبارك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧)، أيش معنى ارحموا من في الأرض؟ يعني: الديدان والحشرات التي تعيش في جوف الأرض ولا تستطيعون أن تطولوها بشيء من الرحمة، ما يتبادر هذا المعنى إلى ذهن عربي إطلاقًا، وإنما هنا في كهناك على، «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض» من على الأرض معكم يرحمكم من في السماء. أيضًا يرحمكم من في السماء: "في" هنا ليست ظرفية كما هناك في الأرض ليست ظرفية، وإنما هي بمعنى "على"، وعلى ذلك يجب أن نفهم قوله تعالى في سورة تبارك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧)، أي: من على السماء، أأمنتم من على السماء، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] الآيات كلها تلتقي بعضها مع بعض، بمعنى إثبات العلو لله ﷿ على سائر خلقه، فالله ﷿ على الخلق
[ ٦ / ٥٠٣ ]
جميعًا ليس هذا وذاك من الأمثلة تأويلًا إنما هو الفهم العربي السليم قبل أن تدخله العجمة، وقبل أن يتسلط عليه علم الكلام.
"الهدى والنور" (٥٢٩/ ٥٤: ٢٤: ٠٠)
[١٠٢٦] باب في أقسام المعية
سؤال: بلغنا أيضًا يعني أنا كنت سمعت وقرأت لك في معية الله ﷿: بأنها معية بعلمه، ولكن في أثناء زيارتنا للأردن التقينا مع أحد الإخوة فأخبرنا: أن الشيخ يقول: بأن معية الله هي معية ذاتية حقيقية، ويقول: بأن هذا القول هو قول ابن تيمية أيضًا، فما أدري يا شيخ يعني حبذا لو
الشيخ: في أي مكان المعية ذاتية؟
مداخلة: هو يقول بأنها يعني ..
الشيخ: يعني مثلًا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦)، معية ذاتية؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: لا، نحن ما نقول هذا، الله مع المتقين معية ذاتية لا كيفية لها، لكن في بعض المواطن وفي بعض النصوص تكون إما معية علم واطلاع، وإما معية إعانة ونصر، فليست معية ذاتية، مثل هذه الآية: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦)، كذلك مثلًا: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور:٤٨)، هذه ليست ذاتية، إنما المعية المطلقة تبقى على إطلاقها مع نفي المماثلة والتشبيه وإيكال أمر الكيفية إلى الله ﷿ كما هو الشأن في كل الصفات، ومنها صفة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥).
فالظاهر بلغك مطلقًا، وليس مطلقًا إنما هو مقيد.
"الهدى والنور" /٧٢٤/ ٠٦: ١٧: ٠٠)
[ ٦ / ٥٠٤ ]
[١٠٢٧] باب كروية الأرض وعلو الله تعالى
سؤال: يسأل (بعضهم) سؤالًا في العقيدة .. فيقول: أنه هذه الكرة الأرضية إذا فرضنا بأن رجل في الطرف الأعلى، بالنسبة لنا، ورجل آخر في الطرف الأسفل، فالرجل الأعلى إذا رفع يديه إلى السماء فإنه يسأل مِنَ الله ﵎، ويكون الرفع باليدين إلى جهة العلو، وأما الرجل الذي في الأسفل في تصورنا فيكون يرفع يديه إلى تحت، فهل ممكن توضح لنا هذا؟
الشيخ:- هذا خطأ؛ كل من كان على سطح الأرض فهو يرفع يديه إلى السماء إلى العلو، أنت اللي عم تحكيه خطأ من الناحية الفلكية وخطأ من الناحية الشرعية [ثم أخذ الشيخ يُصَوِّرُ شيئًا للسائل ليبين له المقصود].
" الهدى والنور" (٤١/ ٤٢: ٠٨: ٠٠)
[١٠٢٨] باب الجمع بين علو الله تعالى
وقول النبي - ﵌ -: «فإن الله قبل وجهه»
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال أتانا رسول الله - ﵌ - في مسجدنا
وفي يده عرجون فرأى في قبلة المسجد نخامة فأقبل عليها فحتَّها بالعرجون
ثم قال:
«أيكم يحب أن يعرض الله عنه إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قِبَلَ وجهه، فلا يبصقن قِبَلَ وجهه ولا عن يمينه، وليبصقن عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليتفل بثوبه هكذا ووضعه على فيه ثم دلكه » الحديث.
(صحيح).
[ ٦ / ٥٠٥ ]
[قال الإمام]:
(فائدة هامة): اعلم أن قوله في هذا الحديث: «فإن الله قبل وجهه».وفي الحديث [الآخر] .. «فإن الله ﷿ بين أيديكم في صلاتكم» لا ينافي كونه تعالى على عرشه، فوق مخلوقاته كلها كما تواترت فيه نصوص الكتاب والسنة، وآثار الصحابة والسلف الصالح ﵃، ورزقنا الإقتداء بهم، فإنه تعالى مع ذلك واسع محيط بالعالم كله، وقد أخبر أنّه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله ﷿، بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه، فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط، فإنه يستقبل وجه المحيط ويواجهه، وإذا كان عالي المخلوقات يستقبله سافلها المحاط بها بوجهه من جميع الجهات والجوانب، فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط، وهو محيط ولا يُحاط به؟ وراجع بسط هذا في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كالحموية والواسطية وشرحها للشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض (ص ٢١٣ - ٢٠١) ﵀.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ١٦٩).
[١٠٢٩] باب هل ينافي قوله - ﵌ -: «إن أحدكم إذا قام يصلي فلا يبصق قِبَلَ وجهه فإن الله قبل وجهه» عقيدة علو الله تعالى؟
السائل: عن ابن عمر ﵄ حديث متفق عليه، أن رسول الله - ﵌ -: «إن أحدكم إذا قام يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قِبَلَ وجهه» ما هو المفهوم الصحيح "فإن الله قبل وجهه" يعني: هل الحديث مطلق كما جاء؟
الشيخ: من حيث ماذا؟
مداخلة: من حيث العقيدة، إيش المفهوم الصحيح ..؟
[ ٦ / ٥٠٦ ]
الشيخ: المفهوم الصحيح: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) ليس هناك فرق.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٣/ ٠١:٠٣:١٨)
[١٠٣٠] باب حال حديث: «والذي نفس محمد بيده لو أنكم دلَّيتم حبلًا إلى الأرض السفلى لهبط على الله »
السائل: ذكر ابن كثير في تفسيره لسورة الحديد عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد:٣) ذكر ابن كثير حديث من رواية الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﵌ - قال في نهاية حديث طويل: «والذي نفس محمد بيده لو أنكم دلَّيتم حبلًا إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر» ما صحة هذا الحديث؟
الشيخ: هذا حديث ضعيف لأنه من رواية الحسن البصري عن أبي هريرة وقد اختلف علماء الحديث في ترجمة الحسن البصري هل سمع من أبي هريرة أم لا، كما أنهم اختلفوا كثيرًا في سماعه من سمرة بن جندب، والصحيح أن سمرة قد سمع منه الحسن بعض الأحاديث ومنها حديث العقيقة «كل غلام مرتهن بعقيقته» (١)، ولكن كون الحسن البصري سمع من سمرة بن جندب لا يعني أن كلَّ ما رواه عن سمرة محمول على الاتصال؛ ذلك لأن الحسن البصري مع جلالة قدره قد كان موصوفًا بالتدليس، وبناء على ذلك يتوقف بعض أهل الحديث في قبول حديثه المُعنعَن، فيقولون إذا صرح بالسماع من سمرة فحديثه صحيح، وإذا
_________________
(١) "صحيح سنن ابن ماجه" (رقم٣١٦٥).
[ ٦ / ٥٠٧ ]
عنعن وقفنا عن قبول حديثه، فكذلك ما رواه عن أبي هريرة لأن سماعه عن أبي هريرة ليس ثابتًا في قوة سماعه من سمرة، ومع ذلك فيقال في روايته عن أبي هريرة ما قيل آنفًا في روايته عن سمرة إن صرح بالسماع عن أبي هريرة وهذا نادر جدًا جدًا قُبل حديثه، وإلا لم يُقبل؛ لأننا نخشى أن يكون رواه عن شخص هو مجهول أو ضعيف أو نحو ذلك من الاحتمالات. خلاصة القول أن هذا الحديث الذي رواه الترمذي وذكره ابن كثير من روايته هو حديث لا تقوم به حجة لهذه العلة وربما يكون هناك فيه علة أخرى لكن الآن لست متيقنًا من ذلك فحسبكم عنعنة الحسن عن سمرة هذا هو الجواب.
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٦ b/٤٢: ٠٠)
[ ٦ / ٥٠٨ ]
جماع أبواب الرد على مخالفي أهل السنة في إثبات صفات العلو والاستواء والفوقية ودفع شبهاتهم
(غير ما تقدم)
[ ٦ / ٥٠٩ ]
[١٠٣١] باب رد شبهات حول إثبات الفوقية لله تعالى
الشبهة الأولى: أن إثبات الفوقية يستلزم التشبيه
الشبهة الثانية: أنه يستلزم إثبات الجهة لله تعالى.
الشبهة الثالثة: أنه يستلزم إثبات المكان لله تعالى.
[قال الإمام]:
لقد اشتهر عند الخلف نسبة كل من يثبت الفوقية لله تعالى إلى أنه مشبِّه
أو مجسِّم، أو إلى أنه ينسب لله الجهة والمكان، فهذه ثلاثة أمور لا بد من إزالة الشبه عنها.
الشبهة الأولى: التشبيه:
يمكن أخذ الإجابة عن هذه الشبهة مما تقدم من النقول عن الأئمة ومما سنراه في نصوص الكتاب الآتية أذكر الآن بعضها:
١ - قال نعيم بن حماد الحافظ: من شَبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسولهُ تشبيهًا.
٢ - قال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد مثل يدي، أو سمع كسمعي، فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر فلا يقول:
كيف ولا يقول: مثل فهذا لا يكون تشبيهًا قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
ولو كان إثبات الفوقية لله تعالى معناه التشبيه لكان كل من أثبت الصفات
[ ٦ / ٥١١ ]
الأخرى لله تعالى ككونه قديرًا سميعًا بصيرًا مُشَبِّهًا أيضا، وهذا ما لا يقول به مسلم ممن ينتسبون اليوم إلى أهل السنة والجماعة، خلافًا لنُفَات الصفات والمعتزلة وغيرهم قال شيخ الإسلام في " منهاج السنة " (٢/ ٧٥):
" فالمعتزلة والجهمية ونحوهم من نفات الصفات يجعلون كل من أثبتها مجسمًا مشبهًا، ومن هؤلاء من يعد من المجسمة والمشبهة الأئمة المشهورين كمالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، كما ذكر ذلك أبو حاتم صاحب كتاب "الزينة " وغيره.
وشُبهة هؤلاء أن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى ويقولون: "إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق"، ويقولون: "إن الله يُرى في الآخرة ".
هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم
ثم قال (ص٨٠):
"والمقصود هنا أن أهل السنة متفقون على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه في كلام الناس لفظ مجمل، فإن أراد بنفي التشبيه ما نفاه القرآن ودل عليه العقل فهذا حق؛ فإن خصائص الرب تعالى لا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته ..، وإن أراد بالتشبيه أنه لا يثبت لله شيء من الصفات فلا يقال له علم ولا قدرة ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات فيلزم أن لا يقال له: حي عليم قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك في كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك، وهم يوافقون أهل السنة على أن الله موجود حي عليم قادر، والمخلوق يقال له: موجود حي عليم قادر، ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه ".
[ ٦ / ٥١٢ ]
الشبهة الثانية: الجهة:
والجواب عنها ما قاله ابن تيمية في " التدمرية " (ص ٤٥): قد يراد بـ " الجهة " شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بـ " الجهة " نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوفية والعروج إليه ونحو ذلك، وقد عُلِمَ أنَّ ما ثَمَّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق ﷾ مباين للمخلوق ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم، وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل".
ومنه يتبين أن لفظة الجهة غير وارد في الكتاب والسنة، وعليه فلا ينبغي إثباتها ولا نفيها؛ لأن في كل من الإثبات والنفي ما تقدم من المحذور، ولو لم يكن في إثبات الجهة إلا إفساح المجال للمخالف أن ينسب إلى متبني العلو ما لا يقولون به لكفى.
وكذلك لا ينبغي نفي الجهة توهمًا من أن إثبات العلو لله تعالى يلزم منه إثبات الجهة؛ لأن في ذلك محاذير عديدة منها نفي الأدلة القاطعة على العلو له تعالى، ومنها نفي رؤية المؤمنين لربهم ﷿ يوم القيامة فصرح بنفيها المعتزلة والشيعة وعلل ابن المطهر الشيعي في " منهاجه " النفي المذكور بقوله: " لأنه ليس في
[ ٦ / ٥١٣ ]
جهة " وأما الأشاعرة أو على الأصح متأخروهم الذين أثبتوا الرؤية فتناقضوا حين قالوا: " إنه يرى لا في جهة " يعنون العلو قال شيخ الإسلام في " منهاج السنة " (٢/ ٢٥٢):
" وجمهور الناس من مثبتة الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول هؤلاء معلوم الفساد بضرورة العقل كقولهم في الكلام، ولهذا يذكر أبو عبد الله الرازي أنه لا يقول بقولهم في مسألة الكلام والرؤية أحد من طوائف المسلمين".
ثم أخذ يرد على النفاة من المعتزلة والشيعة بكلام رصين متين فراجعه فإنه نفيس وجملة القول في الجهة أنه إن أريد به أمر وجودي غير الله كان مخلوقًا، والله تعالى فوق خلقه لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات، فإنه بائن من المخلوقات كما سيأتي في الكتاب عن جمع من الأئمة.
وإن أريد بـ "الجهة" أمر عدمي وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله وحده.
وهذا المعنى الأخير هو المراد في كلام المثبتين للعلو، والناقلين عن السلف إثبات الجهة لله تعالى كما في نقل القرطبي عنهم في آخر الكتاب. وقال ابن رشد في " الكشف عن مناهج الأدلة " (ص ٦٦):
" القول في الجهة ": وأما هذه الصفة لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: (ثم ذكر بعض الآيات المعروفة ثم قال) إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها؛ لأن الشرائع كلها متفقة على أن الله في السماءَ وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ).
[ ٦ / ٥١٤ ]
الشبهة الثالثة: المكان
وإذا عرفت الجواب عن الشبهة السابقة " الجهة " يسهل عليك فهم الجواب عن هذه الشبهة وهو أن يقال:
إما أن يراد بالمكان أمر وجودي وهو الذي يتبادر لأذهان جماهير الناس اليوم، ويتوهمون أنه المراد بإثباتنا لله تعالى صفة العلو. فالجواب: أن الله تعالى منزه عن أن يكون في مكان بهذا الاعتبار فهو تعالى لا تحوزه المخلوقات؛ إذ هو أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض وقد قال تعالى: [وما قدر الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه] وثبت في " الصحيحين " وغيرهما عن النبي - ﵌ - أنه قال: «يقبض الله بالأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟».
وأما أن يراد بالمكان أمر عدمي وهو ما وراء العالم من العلو فالله تعالى فوق العالم، وليس في مكان بالمعنى الوجودي كما كان قبل أن يخلق المخلوقات.
فإذا سمعت أوقرأت عن أحد الأئمة والعلماء نسبة المكان إليه تعالى. فاعلم أن المراد به معناه العدمي، يريدون به إثبات صفة العلو له تعالى، والرد على الجهمية والمعطلة الذين نفوا عنه سبحانه هذه الصفة ثم زعموا أنه في كل مكان بمعناه الوجودي، قال العلامة ابن القيم في قصيدته " النونية " (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧ - المطبوعة مع شرحها " توضيح المقاصد ":
والله أكبر ظاهر ما فوقه شيء وشأن الله أعظم شان
والله أكبر عرشه وسع السما والأرض والكرسي ذا الأركان
وكذلك الكرسي قد وسع الطبا ق السبع والأرضين بالبرهان
[ ٦ / ٥١٥ ]
والله فوق العرش والكرسي لا تخفى عليه خواطر الإنسان
لا تحصروه في مكان إذ تقو لوا: ربنا حقا بكل مكان
نزهمتوه بجهلكم عن عرشه وحصرتموه في مكان ثان
لا تعدموه بقولكم: لا داخل فينا ولا هو خارج الأكوان
الله أكبر هتكت أستاركم وبدت لمن كانت له عينان
والله أكبر جل عن شَبَهٍ وعن مِثل وعن تعطيل ذي كفران
إذا أحطت علمًا بكل ما سبق استطعت بإذن الله تعالى أن تفهم بيسر من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية التي ساقها المؤلف ﵀ في هذا الكتاب الذي بين يديك " مختصره " أن المراد منها إنما هو معنى معروف ثابت لائق به تعالى، ألا وهو علوه سبحانه على خلقه، واستواؤه على عرشه، على ما يليق بعظمته، وأنه مع ذلك ليس في جهة ولا مكان؛ إذ هو خالق كل شيء، ومنه الجهة والمكان، وهو الغني عن العالمين، وأن من فسرها بالمعنى السلبي فلا محذور منه، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما لعدم ورودهما في الكتاب والسنة، فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظأً إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى، وإلا فهو مخطئ معنى أيضًا إن أراد به حصره تعالى في مكان وجودي أو تشبيهه تعالى بخلقه.
وكذلك لا يجوز نفي معناهما إطلاقًا إلا مع بيان المراد منهما؛ لأنه قد يكون الموافق للكتاب والسنة؛ لأننا نعلم بالمشاهدة أن النفاة لهما إنما يعنون بهما نفي صفة العلو لله تعالى من جهة ونسبة التجسيم والتشبيه للمؤمنين بها، ولذلك ترى الكوثري في تعليقاته يدندن دائما حول ذلك بل يلهج بنسبة التجسيم إلى شيخ
[ ٦ / ٥١٦ ]
الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كل مناسبة ثم تابعه على ذلك مؤلف " فرقان القرآن " في مواطن منه قال في أحدها (ص ٦١) أن ابن تيمية شيخ إسلام أهل التجسيم ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾.
واتهام أهل البدع وأعداء السنن أهلَ الحديث بمثل هذه التهم قديم منذ أن نشب الخلاف بينهم في بعض مسائل التوحيد والصفات الإلهية، وسترى في ترجمة الإمام أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى قوله:
" وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر وعلامة الجهمية أن يُسَمُّوا أهل السنة مشبهة وعلامة القدرية (المعتزلة) أن يسموا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية ".
وإن افتراءهم على شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال بعد أن روى قوله - ﵌ -: «ينزل الله إلى السماء الدنيا » كنزولي هذا، معروف وقد بين بطلان هذه الفرية شيخي في الإجازة الشيخ راغب الطباخ في بعض أعداد مجلة المجمع العلمي بدمشق ثم صديقنا العلامة الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار في كتابه " ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ".
ومن أسوأ ما افتراه بعضهم على الإمام شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي الأنصاري ما ذكره الحافظ المؤلف في ترجمته من " تذكرة الحفاظ " (٣/ ٣٥٨):
" لما قدم السلطان ألب أرسلان (هراة) في بعض قدماته اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على أبي إسماعيل وسلموا عليه وقالوا: ورد السلطان ونحن على عزم أن نخرج ونسلم عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك، وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنمًا من نحاس صغيرًا وجعلوه في المحراب تحت سجادة
[ ٦ / ٥١٧ ]
الشيخ، وخرجوا وقام إلى خلوته ودخلوا إلى السلطان واستغاثوا من الأنصاري؛ لأنه مجسم وأنه يترك في محرابه صنمًا يزعم أن الله على صورته (!) وإن بعث السلطان يجده، فعظم ذلك على السلطان وبعث غلامًا ومعه جماعة فدخلوا الدار وقصدوا المحراب فأخذوا الصنم، ورجع الغلام بالصنم، فبعث السلطان من أحضر الأنصاري فأتى فرأى الصنم والعلماء والسلطان قد اشتد غضبه. فقال السلطان له: ما هذا؟ قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبهة اللعبة. قال: لست عن هذا أسألك. قال: فعم تسألني؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا، وأنك تقول إن الله على صورته، فقال الأنصاري بصولة وصوت جهوري: " سبحانك هذا بهتان عظيم ".فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به فأخرج إلى داره مكرمًا، وقال لهم اصدقوني - وهددهم - فقالوا: نحن في يد هذا الرجل في بلية من استيلائه علينا بالعامة فأردنا أن نقطع شره عنا، فأمر بهم ووكل (لعله: فكل) (١) بكل واحد منهم وصادرهم ".
وختاما أنقل إلى القراء الكرام فصلًا نافعًا من كلام الإمام أبي محمد الجويني في آخر رسالة " الإستواء والفوقية " في تقريب هذه المسألة إلى الأفهام بمعنى من علم الهيئة والفلك لمن عرفه قال:
" لا ريب أن أهل العلم حكموا بما اقتضته الهندسة، وحكمها صحيح لأنه ببرهان لا يكابر الحسن (٢) فيه بأن الأرض في جوف العالم العلوي، وأن كرة الأرض في وسط السماء كبطيخة، في جوف بطيخة والسماء محيطة بها من جميع جوانبها، وأن سفل العالم هو جوف كرة الأرض وهو المركز وهو منتهى السفل
_________________
(١) كذا، ولعل صوابها: نكَّل.
(٢) كذا ولعل صوابها: الحس.
[ ٦ / ٥١٨ ]
والتحت وما دونه لا يسمى تحتًا، بل لا يكون تحتًا ويكون فوقًا بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة؛ لكان الخرق إلى جهة فوق، ولو نفذ الخرق جهة السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق (١).
وبرهان ذلك أنا لو فرضا مسافرًا سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب وامتد مسافرًا، لمشى مسافرًا على الكرة إلى حيث ابتدأ بالسير وقطع الكرة مما يراه الناظر أسفل منه، وهو في سفره هذا لم يبرح الأرض تحته والسماء فوقه، فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض هي فوق الأرض لا تحتها؛ لأن السماء فوق الأرض بالذات فكيف كانت السماء كانت فوق الأرض من أي جهة فرضتها. قال:
" وإذا كان هذا جسم وهو السماء علوها على الأرض بالذات، فكيف من ليس كمثله شيء وعلوه على كل شيء بالذات كما قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ لأن فوقيته سبحانه وعلوه على كل شيء ذاتي له، فهو العلي بالذات، والعلو صفته اللائقة به، كما أن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عن رتبة ربوبيته وعظمته وعلوه، والعلو والسفول حد بين الخالق والمخلوق يتميز به عنه هو سبحانه عليٌّ بالذات، وهو كما كان قبل خلق الأكوان وما سواه مستقل عنه بالذات، وهو سبحانه العلي على عرشه، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج الأمر إليه، فيحيي هذا، ويميت هذا، ويمرض هذا، ويشفي هذا، ويعز هذا، ويذل هذا، وهو الحي القيوم القائم بنفسه، وكل شيء قائم به، فرحم الله عبدًا
_________________
(١) قلت: وقد ذكر نحو هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة " العرشية ". [منه].
[ ٦ / ٥١٩ ]
وصلت إليه هذه الرسالة ولم يعالجها بالإنكار، وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل [وأطراف] النهار، وتأمل النصوص في الصفات، وفَكَّرَ بعقله في نزولها، وفي المعنى الذي نزلت له، وما الذي أريد بعلمها من المخلوقات؟ ومن فتح الله قلبه عرف أنه ليس المراد إلا معرفة الرب تعالى بها، والتوجه إليه منها، وإثباتها له بحقائقها وأعيانها، كما يليق بجلاله وعظمته، بلا تأويل، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا جمود، ولا وقوف، وفي ذلك بلاغ لمن تدبر، وكفاية لمن استبصر إن شاء الله تعالى ".
وقال رحمه الله تعالى وأثابه خيرًا مبينًا أثر هذه العقيدة في قلب المؤمن بها:
" العبد إذا أيقن أن الله فوق السماء، عالٍ على عرشه بلا حصر ولا كيفية، وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه؛ صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه، ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه، فإنه يبقى ضائعًا لا يعرف وجهة معبوده، لكن لو عرف بسمعه وبصره وقدمه وتلك بلا هذا [الإيقان] معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء، فإذا دخل في الصلاة وكبر توجه قلبه إلى جهة العرش، منزها ربه تعالى عن الحصر، مفردًا له كما أفرده في قدمه وأزليته، عالمًا أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه وأزليته إلا بها؛ لأنا محدثون، والمحدث لا بد له في إشارته إلى جهة، فتقع تلك الإشارة إلى ربه كما يليق بعظمته، لا كما يتوهم هو من نفسه، ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه، هو معهم بعلمه وسمعه وبصره، وإحاطته وقدرته ومشيئته، وذاته فوق الأشياء فوق العرش، ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجه أشرق قلبه واستنار، وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان، وعكسته أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه، فانشرح لذلك صدره، وقوي إيمانه، ونزه ربه عن
[ ٦ / ٥٢٠ ]
صفات خلقه من الحصر والحلول، وذاق حينذاك شيئًا من أذواق السابقين المقربين، بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده، وتكون الجارية (١) راعية الغنم أعلم بالله منه فإنها قالت: "في السماء " عرفته بأنه على السماء فإن " في " تأتي بمعنى " على " فمن تكون الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده؛ فإنه لا يزال مظلم القلب، لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان.
ومن أنكر هذا القول فليؤمن به، وليجرب، ولينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه مبصرًا من وجه، أعمى من وجه، مبصرًا من جهة الإثبات والوجود والتحقيق، أعمى من جهة التحديد والحصر والتكييف، فإنه إذا عَلِمَ ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى، ووجد نوره وبركته عاجلًا وآجلًا ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾، والله سبحانه الموفق والمعين ".
"مختصر العلو" (ص٦٧ - ٧٦).
[١٠٣٢] باب إثبات صفة الاستواء لله تعالى والرد على من أنكر ذلك والرد على شبهة المعطلة: أن إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه، مع نَقْلٍ مُهم عن الإمام الجويني حول ذلك كله
[قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو"]:
موضوع الكتاب وخطورته
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا الكتاب قد عالج مسألة هي من أخطر المسائل الاعتقادية التي تفرق المسلمون حولها منذ أن وُجِدَت المعتزلة حتى
_________________
(١) في الأصل: الجاذبة. خطأ.
[ ٦ / ٥٢١ ]
يومنا هذا ألا وهي مسألة علو الله ﷿ على خلقه الثابتة بالكتاب والسنة المتواترة المدعم بشاهد الفطرة السليمة، وما كان لمسلم أن ينكر مثلها في الثبوت لولا أن بعض الفرق المنحرفة عن السنة فتحوا على أنفسهم وعلى الناس من بعدهم باب التأويل فلقد كاد الشيطان به لعدوه الإنسان كيدًا عظيمًا ومنعهم به أن يسلكوا صراطًا مستقيمًا كيف لا؟! وهم قد اتفقوا على أن الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، أو لقرينة عقلية، أو عرفية، أو لفظية، كما هو مفصل في محله، ومع ذلك فإنك تراهم يخالفون هذا الأصل الذي أصلوه لأتفه الأسباب وأبعد الأمور عن منطق الإنسان المؤمن بكلام الله وحديث نبيه حقًّا، فهل يستقيم في الدنيا فهم أو تفاهم إذا قال قائل مثلًا: "جاء الأمير" فيأتي متأول من أمثال أولئك المتأولين فيقول في تفسير هذه الجملة القصيرة: يعني جاء عبد الأمير أو نحو ذلك من التقدير.
فإذا أنكرت عليه ذلك أجابك بأن هذا مجاز فإذا قيل له: المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة وهي ممكنة هنا أو لقرينة ولا قرينة هنا (١) سكت أو جادلك بالباطل.
وقد يقول قائل: وهل يفعل ذلك عاقل؟ قلت: ذلك ما صنعه كل الفرق
_________________
(١) قرائن المجاز الموجبة للعدول إليه عن الحقيقة ثلاث: العقلية كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها﴾ أي أهلهما. ومنه: ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾. الثانية: الفوقية مثل ﴿يا هامان ابن لي صرحا﴾ أي مر من يبني لأن مثله مما يعرف أنه لا يبني. الثالثة: نحو ﴿مثل نوره﴾ فإنها دليل على أن الله غير النور. قال أهل العلم: وأمارة الدعوة الباطلة تجردها عن أحد هذه القرائن انظر: "إيثار الحق على الخلق" (ص ١٦٦ - ١٦٧) للعلامة المرتضى اليماني. [منه].
[ ٦ / ٥٢٢ ]
المتأولة الذين ينكرون حقائق الأسماء والصفات الإلهية من المعتزلة وغيرهم ممن تأثر بهم من الخلف، ولا نبعد بك كثيرًا بضرب الأمثال وإنما نقتصد مثلين
من القرآن الكريم أحدهما يشبه المثال السابق تمامًا، والآخر له صلة بصلب موضوع الكتاب.
[فذكر الإمام المثال الأول ثم قال]:
وأما المثال الآخر فقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) وقوله فتأولوه ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الرعد:٢). فقد تأول الخلف الاستواء المذكور في هاتين الآيتين ونحوهما بالاستيلاء، وشاع عندهم في تبرير ذلك إيرادهم قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق بغير سيف ودم مهراق
متجاهلين اتفاق كلمات أئمة التفسير والحديث واللغة على إبطاله وعلى أن المراد بالاستواء على العرش إنما هو الاستعلاء والارتفاع عليه كما سترى أقوالهم مروية في الكتاب "أي: مختصر العلو" عنهم بالأسانيد الثابتة قرنًا بعد قرن، وفيهم من نقل اتفاق العلماء عليه. مثل الإمام إسحاق بن راهويه (الترجمة ٦٧) والحافظ ابن عبد البر (الترجمة ١٥١) وكفى بهما حجة في هذا الباب.
ومع ذلك فإننا لا نزال نرى علماء الخلف - إلا قليلا منهم - سادرين (١)
في مخالفتهم للسلف في تفسيرهم لآية الاستواء وغيرها من آيات الصفات وأحاديثها.
_________________
(١) كذا ولعل صوابها: سائرين.
[ ٦ / ٥٢٣ ]
وقد يتساءل بعض القراء عن سبب ذلك فأقول:
ليس هو إلا إعراضهم عن اتباع السلف ثم فهمهم - خطأ - الاستعلاء المذكور في الآيات الكريمة أنه الاستعلاء اللائق بالمخلوق، ولما كان هذا منافيًا للتنزيه الواجب لله اتفاقًا فروا من هذا الفهم إلى تأويلهم السابق ظنًّا منهم أنهم بذلك نجوا من القول على الله تعالى بما لا يليق به سبحانه.
ولقد كان من كبار هؤلاء العلماء القائلين بالتأويل المذكور برهة من الزمن جماعة من أهل العلم منهم الإمام أبو الحسن الأشعري كما سيأتي بيانه في ترجمته من الكتاب (١٢٠)، ومنهم العلامة الجليل أبو محمد الجويني الشافعي والد إمام الحرمين المتوفى سنة (٤٣٨) ثم هداه الله تعالى إلى اتباع السلف في فهم الاستواء وسائر الصفات، ثم ألف في ذلك رسالة نافعة قدمها نصيحة لإخوانه في الله كما صرح بذلك في مقدمتها وقد وصف فيها وصفًا دقيقًا تحيرَه وترددَه في مرحلة من مراحل حياته العلمية بين أتباع السلف وبين أتباع علماء الكلام في عصره الذين يؤولون الاستواء بالاستيلاء فقال رحمه الله تعالى (ص ١٧٦ - ١٧٧):
" اعلم أنني كنت برهة من الدهر متحيرًا في ثلاث مسائل:
١ - مسألة الصفات.
٢ - مسألة الفوقية.
٣ - ومسالة الحرف والصوت في القرآن المجيد.
وكنت متحيرًا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها، أو إمرارها والوقوف فيها، أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله
[ ٦ / ٥٢٤ ]
- ﵌ - ناطقة منبثة بحقائق هذه الصفات وكذلك في إثبات العلو والفوقية وكذلك في الحرف والصوت.
ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء، ويؤول النزول بنزول الأمر. ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين، ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم، وأمثال ذلك ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائمًا بالذات بالأحرف بلا صوت، ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.
وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين لأني على مذهب الشافعي - ﵁ - عرفت فرائض ديني وأحكامه، فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم، ثم إني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونًا بها فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره. المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره.
وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه، ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله - ﵌ - أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول الله - ﵌ - قد صرح بها مخبرًا عن ربه واصفًا له بها، وأعلم بالاضطرار أنه - ﵌ - كان يحضر مجلسه الشريف العالم، والجاهل، والذكي، والبليد، والأعرابي، والجافي، ثم لا أجد شيئًا يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها لا نصًّا ولا ظاهرًا مما
[ ٦ / ٥٢٥ ]
يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء مشايخي الفقهاء المتكلمين، مثل تأويلهم الاستيلاء للاستواء، ونزول الأمر للنزول وغير ذلك. ولم أجد عنه - ﵌ - أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرها، ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أُخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها وأجد الله ﷿ يقول "
ثم ذكر بعض الآيات في الاستواء والفوقية والأحاديث في ذلك مما هو جزء يسير مما سيأتي في الكتاب ثم قال (ص ١٨١) (١):
" إذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلَّصنا من شبهة التأويل، وعماوة التعطيل، وحماقة التشبيه والتمثيل، وأثبتنا علوَّ ربنا سبحانه وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك، والصدور تنشرح له فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره، والوقوف في ذلك جهل وعي مع كون أن الرب تعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها، فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها؛ فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك.
وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة. فمن وفقه الله تعالى للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقف على الأمر المطلوب منه إن شاء
الله تعالى".
ثم شرع يبين السبب الذي حمل علماء الكلام على تأويل " الاستواء " بالاستيلاء فقال (ص ١٨١ - ١٨٣):
_________________
(١) (مجموعة الرسائل المنيرية). [منه].
[ ٦ / ٥٢٦ ]
"والذي شرح الله صدري في حال هؤلاء الشيوخ الذين أوَّلوا الاستواء بالاستيلاء هو علمي بأنهم ما فهموا في صفات الرب تعالى إلا ما يليق بالمخلوقين، فما فهموا عن الله استواء يليق به ولا فلذلك حرفوا الكلام عن مواضعه وعطلوا ما وصف الله تعالى نفسه به. ونذكر بيان ذلك إن شاء الله تعالى: لا ريب أنا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله، ونحن قطعا لا نعقل من الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا، وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراضًا تقوم بجوارحنا فكما أنهم يقولون: حياته ليست بعرض، وعلمه كذلك، وبصره كذلك هي صفات كما تليق به لا كما تليق بنا، فكذلك نقول نحن: حياته معلومة وليست مكيفة، وعلمه معلوم وليس مكيفًا، وكذلك سمعه وبصره معلومان ليس جميع ذلك أعراضًا بل هو كما يليق به.
ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله، ففوقيته معلومة أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر فإنهما معلومان ولا يكيفان، كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما يليق به واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق بل كما يليق بعظمته، وجلال صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت غير معلومة من حيث التكييف والتحديد فيكون المؤمن بها مبصرًا بها من وجه، أعمى من وجه؛ مبصرًا من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكيف والتحديد، وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله تعالى نفسه به وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف وذلك هو مراد الرب تعالى منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه به ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل، ولا فرق بين الاستواء والسمع ولا بين النزول والبصر، الكل ورد به النص.
[ ٦ / ٥٢٧ ]
فإن قالوا لنا في الاستواء: شبهتم، نقول لهم في السمع: شبهتم ووصفتم ربكم بالعرض، فإن قالوا: لا عرض بل كما يليق به، قلنا في الاستواء والفوقية: لا حصر بل كما يليق به، فجميع ما يلزمونا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم، فكما لا يجعلونها هم أعراضًا. كذلك نحن لا نجعلها جوارح ولا ما يوصف به المخلوق وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف.
ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقَبِلَ نصيحتنا، ودان لله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك، ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف. وهذا مراد الله منا في ذلك؛ لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة، فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وحرفنا هذه وأولناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى "
قلت: لقد وضح من كلام الإمام كالجويني رحمه الله تعالى السبب الذي حمل الخلف - إلا من شاء الله - على مخالفة السلف في تفسير آية (الاستواء) وهو أنهم فهموا منه - خطأً كما قلنا - استواء لا يليق إلا بالمخلوق وهذا تشبيه فنفوه بتأويلهم إياه بالاستيلاء ومن الغريب حقًّا أن الذي فروا منه بالتأويل قد وقعوا به فيما هو أشر منه بكثير ويمكن حصر ذلك بالأمور الآتية:
الأول: التعطيل وهو إنكار صفة علو الله على خلقه علوا حقيقيا يليق به تعالى. وهو بين في كلام الإمام الجويني
الثاني: نسبة الشريك لله في خلقه يضاده في أمره؛ فإن الاستيلاء لغة لا يكون
[ ٦ / ٥٢٨ ]
إلا بعد المغالبة كما ستراه في ترجمة الإمام اللغوي ابن الأعرابي فقد جاء فيها:
أن رجلا قال أمامه مفسرًا الاستواء معناه: استولى. فقال لهم الإمام: اسكت؛ العرب لا تقول للرجل: " استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل: استولى. والله تعالى لا مضاد له ".وسنده عنه صحيح كما بينته هناك في التعليق (٢١٠) واحتج به العلامة نفطويه النحوي في " الرد على الجهمية " كما ستراه في ترجمته (١١٩):
فنسأل المتأولة: من هو المضاد لله تعالى حتى تمكن (؟!) الله تعالى من التغلب عليه والاستيلاء على ملكه عنه؟
وهذا إلزام لا مخلص لهم منه إلا برفضهم لتأويلهم ورجوعهم إلى تفسير السلف ولما تنبه لهذا بعض متكلميهم جاء بباقعة أخرى وذلك أنه تأول " الاستيلاء " الذي هو عندهم المراد من " الاستواء " بأنه استيلاء مجرد عن معنى المغالبة (١).
قلت: وهذا مع كونه مخالفا لغة كما سبق عن ابن الأعرابي فإن أحسن ما يمكن أن يقال فيه: إنه تأويلٌ للتأويل، وليت شعري ما الذي دخل بهم إلى هذه المآزق أليس كان الأولى بهم أن يقولوا: استعلى استعلاء مجردًا عن المشابهة. هذا لو كان الاستعلاء لغةً يستلزم المشابهة فكيف وهي غير لازمة؟ لأن الاستواء في القرآن فضلًا عن اللغة قد جاء منسوبًا إلى الله تعالى كما في آيات الاستواء على العرش وقد مضى بعضها كما جاء منسوبًا إلى غيره سبحانه كما قال في سفينة نوح ﴿استوت على الجودي﴾ وفي النبات ﴿استوى على سوقه﴾ فاستواء السفينة غير
_________________
(١) نقله الكوثري في تعليقه على " الأسماء والصفات " (ص ٤٠٦) عن ابن المعلم. [منه].
[ ٦ / ٥٢٩ ]
استواء النبات، وكذلك استواء الإنسان على ظهر الدابة، واستواء الطير على رأس الإنسان، واستواؤه؛ على السطح فكل هذا استواء، ولكن استواء كل شيء بحسبه، تشترك في اللفظ، وتختلف في الحقيقة، فاستواء الله تعالى هو استواء واستعلاء يليق به تعالى ليس كمثله شيء.
وأما الاستيلاء فلم يأت إطلاقه على الله تعالى مطلقًا إلا على ألسنة المتكلمين فتأمل ما صنع الكلام بأهله لقد زين لهم أن يصفوا الله بشيء هو من طبيعة المخلوق واختصاصه ولم يرضوا أن يصفوه بالاستعلاء الذي لا يماثله شيء وقد قال به السلف، فلا عجب بعد ذلك أن اجتمعوا على ذم الكلام وأهله وتأتيك بعض النقول عنهم في الكتاب ووافقهم على ذلك بعض الخلف فقال السبكي في مقدمة رسالة " السيف الصقيل" (ص ١٢):
" وليس على العقائد أضر من شيئين: علم الكلام والحكمة اليونانية وجميع الفرق الثلاث في كلامها مخاطرة إما خطأ في بعضه، وإما سقوط هيبته، والسالم من ذلك كله ما كان عليه الصحابة والتابعون وعموم الناس الباقون على الفطرة السليمة ".
" مختصر العلو" (ص٢٥ - ٣٢).
[١٠٣٣] باب الرد على بعض أهل البدع ممن عطَّل صفة الاستواء وغيرها مع الكلام على مسند الربيع بن حبيب
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يُوشِكُ الشِّركُ أن يَنْتَقِلَ من رَبع إلى رَبع، ومن قبيلةٍ إلى قبيلةٍ. قيل: وما ذلك الشركُ؟ قال: قوم يأتون بعدكم يَحُدُّون اللهَ حَدًَّا بالصِّفَةِ».
[ ٦ / ٥٣٠ ]
(موضوع).
[قال الإمام]:
وآثار الوضع والركة وعلم الكلام عليه ظاهرة، ولا غرابة في ذلك، فإنه لم يروه أحد من أهل السنة، وإنما تفرد به "مسند الربيع بن حبيب" الذي لا يُعرف مؤلفه بالثقة والضبط حتى عند أتباعه الإباضية! فقال فيه (٣/ ٢١٦ - مطبعة الإستقامة): قال جابر بن زيد: حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله - ﵌ - قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد معلَّق - فإنه رغم جهالة الربيع، - لم يصرح بسماعه من جابر بن زيد، فإنه مجهول العدالة مجهول الوفاة، وليس عند أتباعه علم به إلا الظن، فالذين طبعوا "مسنده" في دار (الفتح - بيروت)، طبعوا تحته ما نصه: "أحد أفراد النبغاء من آخر قرن البعثة"! والذين طبعوا شرحه للشيخ عبد الله بن حميد السالمي في سلطنة عُمان طبعوا مكان ذلك: "من أئمة المائة الثانية للهجرة"! ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِين﴾! ومما يدل على ذلك أن الأستاذ التنوخي - عفا الله عنه، وقد حاباهم ما شاءت له المحاباة - قال في تقديمه للشرح المذكور (ص د):
"ومع أننا لم نعثر على تاريخ حياته، فإننا نقدر أنه بدأ بجمع "مسنده" في صدر المائة الثانية ".ومن قرأ مقدمة الشارح السالمي للمسند المزعوم يتبين له: "أنه كان مشوشًا، وأنه رتبه الشيخ يوسف بن إبراهيم السدراني، وأنه يحوي روايات الربيع عن أبي عبيدة عن جابر، وأن الشيخ المذكور ضم إليه روايات الربيع عن ضمام عن جابر، وروايات أبي سفيان عن الربيع، وروايات الإمام أفلح
[ ٦ / ٥٣١ ]
عن أبي غانم وغيره، ومراسيل جابر بن زيد".قلت: فمن نكد الدنيا أن يسمى هذا (الكشكول): "مسند الربيع"! وأنكد منه أن يسميه الإباضية "الجامع الصحيح"! والواقع أن أحدًا من العلماء بالحديث الشريف ورجاله لا يستطيع أن يثبت بطريق علمي صحة حديث واحد منه، فضلًا عن أن يثبت صحة نسبة الكتاب إلى الربيع أولًا! وكون الربيع نفسه من الثقات الحفاظ ثانيًا! ومع هذه الطوام نجد ذاك الجاهل المتعالم الذي لا يعرف من العلم إلا الجعجعة، وتسويد الصفحات بالطعن على كبار المحدثين والعلماء، لا لشيء إلا لتمسكهم بعقيدة السلف، والاستعلاء على علماء عصره ونصبه نفسه عليهم معلمًا، يوضح لهم ما كان خافيًا، ويفرِّج عنهم كربة الحيرة والضلال في فهم أحاديث الصفات! فاسمع إليه كيف يقول في مقدمته لكتاب ابن الجوزي: "دفع شبه التشبيه" (ص ٤):"وإنما نريد الإيضاح وخدمة أهل العلم والطلاب ".
وقال في آخرته (ص ٢٧٤):"نسأل الله تعالى أن نكون بهذا التعليق قد فرجنا عن أهل العلم وطلابه كربة الحيرة في هذه الأحاديث المتعلقة بالصفات".
هذا الجاهل المتعالم يصف الربيع بن حبيب الإباضي في تعليقه (ص ١٢٤) بـ "الإمام"، ويصف "مسنده" بـ"الجامع الصحيح"،وقال فض فوه: "وهو كتاب محفوظ منقول بالاعتناء عند أهل مذهبه، ككتب الفقه المنقولة عن الأئمة المقتدى بهم، ففيه ".
ثم ساق له حديثين، لأنهما يشهدان لتعطيله وتجهمه، وإنكاره للصفات
- كالإباضية القائلين بأن القرآن مخلوق، وأن الله تعالى لا يراه المؤمنون يوم القيامة، وغيرها من عقائدهم الباطلة -، فترى هذا الجاهل الأفين يستشهد بهذا
[ ٦ / ٥٣٢ ]
"المسند" ويُشَبِّهه بكتب الأئمة - وهو كاذب في ذلك يقينًا -.هذا الحديث أحدهما، والآخر فيه زيادة باطلة على حديث "الصحيحين" عن أبي موسى الذي فيه: «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا » ولا مجال الآن لبيان ذلك، ولكني أريد أن أبيِّن لهذا الجاهل الذي عزا الحديثين لإمامه (!) الربيع، وساق إسناد الربيع فيه: أخبرنا أبو ربيعة زيد بن عوف العامري البصري قال: أخبرنا حماد بن سلمة إلخ، فأقول: إن هذا الإسناد مما يدل على بطلان إدعاء الإباضية المتقدم أن الربيع "من آخر قرن البعثة"! بل وادعاء من قال: إنه من أئمة المائة الثانية "! وذلك لأن حماد بن سلمة الذي هو شيخ زيد بن عوف في هذا الإسناد هونفسه من أئمة المائة الثانية، بل من أواخرها، فإنه مات سنة (١٦٧)، وزيد بن عوف شيخ الربيع في هذا الإسناد هو من شيوخ أبي حاتم كتابة عنه، وقد توفي سنة (٢٧٧).
وعلى هذا فالربيع إن كان هو الراوي عن زيد بن عوف، يكون من رجال القرن الثالث، وإلا، فالراوي عنه ليس هو الربيع، فيكون عزو الحديث إليه كذبًا من جهل هذا المتعالم اغترارًا منه بدعاوى الإباضية.
وهذا هو الذي يترجح عندي: أن الراوي للحديث الثاني هو غير الربيع، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، لكن يكفي الإباضية ومن على شاكلتهم ما ذكره الشيخ السالمي الإباضي في (مقدمته) أن من شيوخ الربيع حماد بن سلمة، وهذا في إسناد الحديث شيخ شيخ الربيع: زيد بن عوف - كما تقدم -.
ومن الغرائب التي تدل على جهل علماء الإباضية - أو على الأقل عدم اعتمادهم على كتب علماء الحديث في تراجم الحديث -: أن الشيخ السالمي أورد حماد بن سلمة وغيره من شيوخ الربيع - كما زعم - في جملة شيوخ الربيع
[ ٦ / ٥٣٣ ]
المجاهيل!! مع أن حماد بن سلمة من أشهر علماء الحديث والذابين عن السنة - كما يعرف ذلك صغار الطلبة -، ولعله لهذا السبب تجاهله الإباضية.
وكان شرًا منهم ذلك الجاهل الذي يطعن في أحاديثه، ويعتبر وجوده في
إسناد حديث ما مسقطًا لصحة الحديث إلا إذا وافق هواه، فانظر حديث قوله - ﵌ - للجارية: "من ربك؟ "، فإنه صححه في غير مكان من تعليقه على " دفع شبه التشبيه"، مع أنه أساء القول فيه جدًا مقلدًا للشيخ الكوثري، فراجع هذا الحديث في "الصحيحة" (٣١٦١)، فقد جمعت فيه طرقه وألفاظه التي منها قوله - ﵌ - للجارية: "أين الله؟ ".
أخرجه مسلم وغيره من أهل الصحاح، كأبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود، وصححه أيضًا البيهقي والبغوي والذهبي والعسقلاني وغيرهم. ومع ذلك فإن هذا الجاهل الأفين يستعلي على هؤلاء الأئمة الفحول، ويخطئهم في تصحيحهم لهذا الحديث ويقول (ص ١٠٨): "ونحن نقطع بأن النبي - ﵌ - لم يقل لفظ: (أين الله؟) ".
ويصف هذا اللفظ النبوي في مكان آخر (ص ١٨٨) فيقول - فض فوه-: "اللفظ المستشنع الشاذ"!
ويبني على ذلك إنكار ما في جواب الجارية: "في السماء" المطابق لقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾، فيقول في نفس الصفحة دون أدنى تردد أو حياء: "ولا عبرة بكلام المعلق على "الفتح" البتة، لأنه لا يعرف التوحيد! فليخجل بعد هذا من يدعو الناس إلى عقيدة (الله في السماء) وليتب"!! ويشير بقوله: "المعلق على (الفتح) " إلى فضيلة الشيخ ابن باز حفظه الله من كل مكروه ونفع به
[ ٦ / ٥٣٤ ]
المسلمين، وذلك لأنه قال في تعليقه:
"الصواب عند أهل السنة وصف الله سبحانه بأنه فوق العرش - كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة -، ويجوز عند أهل السنة السؤال عنه بـ: (أين)، كما في "صحيح مسلم" ".
وهذا حق لا يخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة عياذًا بالله تعالى.
وإن مما يؤكد ضلال هذا الجاهل وزيغه ومحاربته لعلماء الحديث والسنة: أنه يستعين على ترويج ضلاله وتجهمه احتجاجه بهذا الحديث على تعطيل علوه تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ويتأول الاستواء بتأويل المعطلة، فيقول (ص ١٢٤): "معناه قهر واستولى"! ثم يؤيد ذلك بهذا الحديث الباطل، الذي يرمي المؤمنين بصفاته تعالى بالشرك، وأنهم يحدون الله حدًا بالصفة! فالإيمان باستعلائه تعالى واستوائه على عرشه تحديد له، لزعمهم أن ذلك يستلزم القول بالتشبيه والتجسيم، ولذلك يرميني هذا الجاهل الضال ويصفني كلما ذكرني بـ "المجسم"! ولا غرابة في ذلك فإنه يرمي بذلك كبار العلماء الأئمة كابن خزيمة وابن تيمية وابن القيم وغيرهم ممن هم على نهج السلف الصالح ﵃ أجمعين (١).
وإن من عجيب أمر هؤلاء المعطلة النفاة لعلو الله على عرشه أنهم يتوهمون من إثبات العلو إثبات المكان لله ﷿، وهذا مما يدل على بالغ جهلهم! لأن الله تعالى كان قبل كل شيء ثم خلق الأمكنة والسماوات والأرض وما بينهما، وقد
_________________
(١) ويصرح الخبيث بتكفير من يرميهم بالتجسيم، فيقول (ص ٢٤٥): "لا يجوز أن نتهاون مع المجسمة، فالمجسمة كفار بلا مثنوية" ّ عليه من الله ما يستحق. [منه].
[ ٦ / ٥٣٥ ]
صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان - كما قال حافظ الأندلس ابن عبد البر ﵀ في "التمهيد" (٧/ ١٣٥ - ١٣٦) -، فهو تعالى ليس في مكان أزلًا وأبدًا.
ومع هذا الجهل البالغ فقد وقعوا فيما منه فروا، لقد فروا مما توهموه ضلالًا - وهو الحق يقينًا، أن الله فوق المخلوقات كلها ومنها الأمكنة -، فوقعوا في الضلال الأكبر حين قالوا: إنه في كل مكان، وافترى بعض الإباضية في ذلك حديثًا نسبوه إلى النبي - ﵌ - كما سترى في الحديث الذي بعده -. والله المستعان.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٢٨ - ٧٣٤).
[١٠٣٤] باب رد شبهة حول علوِّ الله تعالى
سؤال: شيخنا بعض الأحباش تلاميذ عبد الله الحبشي قاموا بمخاطبة بعض نساء هذا البلد عن طريق الفطرة يخاطبهم كمثال يقول لهم: من خلق المكان فيجيب النساء: الله، فيقول هذا الحبشي: وهل يجوز أن الله هو خالق المكان أن يكون داخل هذا المكان؟ فتجيب المرأة: طبعًا لا، فيقول لها: إذًا الله يعني لا يحده شيء لا هو في الأعلى ولا في الأسفل ولا للأمام ولا للخلف ولا عن اليمين وعن اليسار، وكذلك سائر الصفات يقول بأن اليد المتعارف عليها هي الجارحة التي بين البشر، وهذا محال أن يكون لخالق البشر وهو رب العباد؟ أفيدونا جزاكم الله خير.
الشيخ: ليتها كانت طريقة فطرية.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[ ٦ / ٥٣٦ ]
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٠، ٧١] أما بعد .. فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد - ﵌ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قبل أن أشرع في الإجابة عن هذا السؤال إني أُطَمئن المسلمين جميعًا الحاضرين منهم والغائبين، الرجال منهم والنساء بأن الله ﵎ منزه عن كل مكان؛ ذلك لأن المكان حينما يُطلق فإنما يقصد به ما كان عدمًا ثم خلقه الله ﷿ فجعله مكانًا لمثل هذه المخلوقات الشتى من إنس وجن وملائكة، ولكن هذه الكلمة التي تُلقى من أولئك الناس وهم معلومون عند أهل العلم بأنهم يحييون سنة سيئة من علم الكلام القائم على العقل وليت هذا العقل كان عقلًا موحدًا بين جميع الناس، بين المسلمين منهم والكافرين، بين الصالحين من المسلمين والطالحين، ليت هذا العقل كان عقلًا موحدًا حتى يصح لكل عاقل أن يرجع في الحكم إليه، أما والعقول مختلفة أشد الاختلاف، ولذلك كان من الحماقة بمكان عظيم أن يحكم هؤلاء المنتمون إلى الإسلام بإخلاص أو بغير إخلاص فحسابهم على الله، لو كان العقل موحدًا كان لهم نوع من العذر أن يُحَكِّموا عقولهم، أما والعقول أولًا مختلفة -كما قلنا ولا أعيد التفصيل- بين صالح وطالح، والآن أقول فرقًا آخر: عقل العالم يختلف كل الاختلاف عن عقل الجاهل، ولا أقول عقل عالم بالشرع وإنما أقول
[ ٦ / ٥٣٧ ]
عقل عالم بأي علم يختلف كل الاختلاف عن عقل آخر ليس بعالم بذاك العلم الذي عقله الرجل الأول، فمثلًا العاقل الطبيب لا يمكن أن يشاركه في عقله وفي علمه من لم يكن مشاركًا له في طبه والعكس بالعكس تمامًا من كان عالمًا مثلًا بالفيزياء أو الكيمياء لا يمكن أن يشاركه من كان عالمًا بالطب، وهكذا نقول في النهاية .. في نهاية المطاف لا يمكن أن يكون العاقل العالم بالكتاب والسنة كذاك العاقل الجاهل بالكتاب والسنة، والأمر أهم من هذا التقسيم وهذا التفصيل العاقل العالم بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح لا يمكن أن يكون عقله كعقل ذاك الرجل
الذي يتكئ على عقله في فهم الكتاب والسنة ولا يرجع في فهمه إلى ما كان عليه السلف الصالح.
فهنا إذًا في نهاية هذا التقسيم عالمان بالكتاب والسنة، لكن أحدهما يعتمد في فهمه للكتاب والسنة على الآثار السلفية التي تعود أولًا إلى أصحاب الرسول - ﵌ - الأولين، ثم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا الذي يعتمد على الكتاب والسنة وعلى هذا المنهج السلفي يختلف عقله كل الاختلاف عن ذاك الرجل الآخر الذي يعتمد على الكتاب والسنة، ولكن يعتمد على فهمه إياهما وليس على فهم السلف لهما، هؤلاء الناس من علماء الكلام المحدثين أو أولئك العلماء علماء الكلام القدامى كلهم يحكمون عقولهم، ليت عقلهم كان معتمدًا فقط على الكتاب والسنة، وليس كالفريق الأول الذي يعتمد على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، لا أدري هذا المكان يتطلب مني وقفة أرجو أن تكون قصيرة للتفريق بين الرجلين الأول الذي يعتمد على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح والآخر الذي يعتمد على الكتاب والسنة دون أن يلوي رأسه وعقله وفهمه إلى ما كان عليه سلفنا الصالح،
[ ٦ / ٥٣٨ ]
لعل هذا لا يحتاج إلى توضيح، أم أن الأمر بحاجة إلى شيء من التوضيح؟
الشيخ: إذا كان هذا التفريق واضحًا في آذان إخواننا الحاضرين وإخواننا الحاضرين الغائبين .. إذا كان هذا واضحًا فأقول: هذه فلسفة نعرفها من أقدم حينما يعتمدون على الكلام ولا أقول على العقل بعد ذاك التفصيل، وإنما على عقلهم فقط، يريدون أن ينزهوا الله ﷿ عن المكان وهو منزه عن المكان بحكم قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة:٢٥٥) فالله ﷿ كما نعلم جميعًا على اختلاف الفرق الإسلامية كان الله ولا شيء معه، لم يكن ثمة زمان ولا مكان، ثم خلق الله ﷿ المكان والزمان، فلذلك فلا شك ولا ريب أن الله ﷿ ليس في مكان، ولكن الذي يجب الانتباه له أن تلك الكلمة الحبشية إذا صحت هذه النسبة يتبين لنا بهذه الكلمة الموجزة أنها كلمة حق أريد بها باطل، أي قولهم: إن المكان مخلوق ولا يُعقل أن يكون الله ﷿ حالًا في مخلوق .. هذا كلام صحيح، لكن هي كلمة حق أريد بها باطل، ما هو الباطل الذي يُراد بهذه الكلمة؟ يريدون أن يعطلوا الله ﷿ عن صفاته وعن أسماءه ﵎ المصرح بها في القرآن وفي السنة الصحيحة، فنحن نقول معهم بأن الله ﷿ ليس في مكان، ولكن هل يقولون معنا كما قال الله ﷿ في القرآن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥]؟ هل يقولون معنا الآية الكريمة ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠)؟ هل يقولون معنا كما قال ربنا: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج:٤)؟ هل يقولون .. هل يقولون؟ الجواب مع الأسف لا، إذًا تلك كلمة حق أريد بها باطل، والآن سيتضح لكم ولكل من قد يكون تسربت إليهم أو إليهن شيء من شبه أولئك الأحباش، سنقول: إن الله عز
[ ٦ / ٥٣٩ ]
وجل قد وصف في هذه الآيات وفي غيرها، وفي أحاديث كثيرة وكثيرة جدًا أن له صفة العلو .. أن له ﵎ صفة العلو، فلا جرم أن المصلي حينما يسجد يقول: سبحان ربي الأعلى، وأن من أدب التلاوة في قيام الليل في صلاة الليل، إذا قرأ الإمام سبح اسم ربك الأعلى أن يقول المقتدون من وراءه: سبحان ربي الأعلى، ونحو ذلك من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة قاطعة الدلالة على أن لله ﷿ صفة العلو على المخلوقات كلها، هل هم يقولون مع قولهم إن الله ليس في مكان أن الله على العرش استوى؟ لا يقولون بذلك، والسبب يعود إلى أمرين اثنين والأمر كما يقال أحلاهما مر: إما أن يكون الأمر هذا يعود إلى انحراف في الفكر والعقل بل وإلى نقص في العقل والفهم، وإما أن يكون القصد الهدم للإسلام من أقوى جوانبه ألا وهو العقيدة المتعلقة بالله ﵎، وكما علمتم أحلاهما مر .. سواء كان قولهم هذا بأن ينكروا ما صرح الله ﷿ في تلك الآيات والنصوص ما ذكرنا منها وما لم نذكر بأن لله صفة العلو، إنكارهم لهذه الصفة إما أن يكون نقصًا في العقل والفهم والعلم، وإما أن يكون كيدًا للإسلام والمسلمين فأحلاهما مر.
نحن سنقول الآن: الله ﷿ ليس في مكان خلقه بعد أن كان عدمًا، هذه حقيقة لا شك ولا ريب فيها، لكن هل الله ﷿ فوق المخلوقات كلها وهو ليس في مكان لا تلازم؟ وهنا يظهر جهل هؤلاء أو كيدهم، لا تلازم إطلاقًا بين إثبات صفات العلو لله ﷿ على المخلوقات كلها، وبين أن يكون هو في مكان؛ لأن المكان حينما يُطلق إنما يراد به شيئًا كان مسبوقًا بالعدم ثم خلقه الله ﷿.
إذًا هؤلاء الذين يبدؤون الكلام بالفلسفة الكلامية المكان مخلوق أم ليس
[ ٦ / ٥٤٠ ]
بمخلوق؟
نعم هو مخلوق.
هل يليق بالله ﷿ أن يكون في مكان خلقه؟
الجواب: لا يليق.
إذًا كيف يقال: إن الله في مكان؟
نقول: لا أحد من المسلمين يقول إن الله في مكان إلا المنحرفين عن الكتاب والسنة، هناك طائفتان اثنتان: طائفة تثبت المكان لله ولعلكم تسمعون هذا الإثبات من ألسنة من ينتمون إلى أهل السنة والجماعة من بين أظهرنا، لا نذهب بكم بعيدًا عنا فأحدنا في بعض المجالس طالما سمع بأذنيه قائلًا من المسلمين وليسوا من الأحباشيين، طالما سمعناهم يقولون: الله في كل مكان، الله موجود في كل الوجود .. ! هذه عقيدة ليست من عقائد المسلمين إطلاقًا، وهذا إنما هو عقيدة طائفة من طائفتين انحرفتا عن العقيدة الصحيحة التي ذكرناها آنفًا من المقطوع بها في القرآن وفي السنة وهي أن الله ﷿ على العرش استوى، هم المعتزلة قديمًا وحديثًا، المعتزلة القدامى يصرحون بأن الله في كل مكان، ومن هؤلاء الطوائف التي لا تُعرف اليوم باسم المعتزلة لكنهم يُعرفون باسم آخر وهم طائفة من الخوارج الذين نعرف جميعًا شيئًا من تاريخهم ومن انحرافهم في كثير من العقائد الصحيحة تلك الطائفة الموجودة اليوم هم المعروفون بالإباضية .. الإباضية الآن يتبنون عقيدة المعتزلة أن الله ﷿ في كل مكان، لا كلام لنا الآن مع هؤلاء؛ لأنهم قد عرفتم بأنهم مبطلون حينما يحشرون الله ﷿ في كل مكان، لكن مع الأسف يجب أن تتنبهوا وأن تتذكروا أن هؤلاء الأحباش وأمثالهم حينما يلتقون
[ ٦ / ٥٤١ ]
مع بعض المسلمين أو المسلمات ويشككونهم في عقيدتهم الصحيحة وهي أن الله ﷿ على العرش استوى، كيف لا كيف كما تعلمون، وهذا له بحث آخر .. فبدل أن يعالجوا ما نسمعه في مجالس أهل السنة والجماعة كما يقولون اليوم إن الله موجود في كل مكان، بدل أن يعالجوا هذا الخطأ يعالجون عقيدة صحيحة باسم إنكار هذا الخطأ، فالمعتزلة قديمًا ومن على شاكلتهم من الإباضية حديثًا يصرحون بأن الله في كل مكان، وهذا ضلال ما بعده ضلال، ولعلنا نعرج لتفصيل شيء من هذا الضلال ..
أما الطائفة الأخرى فهم الذين يقولون إن الله ليس في مكان مطلقًا سواء كان المكان مكانًا وجوديًا أي الذي كان عدمًا ثم خلقه الله، أو كان مكانًا ذهنيًا، كلنا يعلم كما ذكرت لكم آنفًا بأن الله ﷿ كان ولا زمان ولا مكان، فهل كان في مكان؟ إن كان المقصود بالمكان مكان المخلوق فحاشاه، كان ولا شيء معه مطلقًا، أما إن كان في هذا العدم الذي كونه فيما بعد فجعل قسمًا منه خلقًا بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:١١٧) فالله كان وهو من هذه الحيثية لا يزال كما كان، أي ليس في مكان مخلوق، هذا واضح جدًا .. فالطائفة الأخرى ينكرون أن يكون الله ﷿ كما كان في الأزل ليس في مكان، ولذلك فهم لا يثبتون له صفة العلو على المخلوقات كلها، هؤلاء لهم قولة من أبطل ما يقوله كافر لا أقول مسلم، هؤلاء الفريق الثاني الذين يخالفون المعتزلة في ضلالهم عرفتم المعتزلة يقولون: إن الله في كل مكان .. ! هذا ضلال واضح ولا يحتاج إلى بيان إن شاء الله على الأقل الآن، أولئك الذين يقولون الله ليس في مكان كما تقول المعتزلة وكما تقول الأحباش، هؤلاء لا يقولون إن الله ﷿ له صفة العلو على المخلوقات كلها، لا يعلم كيفية ذلك إلا الله ﷿ ماذا يقولون؟ يقولون اسمعوا الآن وانتبهوا،
[ ٦ / ٥٤٢ ]
وهذه عقيدة الأحباش فأرجو مَنْ تمكنوا مِنْ الوسوسة إليهم أن يعرفوا حصيلة وسوستهم ألا وهي جحد الخالق والمصير إلى الإلحاد المطلق كما هو مذهب الشيوعيين والدهريين والزنادقة والملاحدة الذين يقولون: لا شيء إلا المادة، اسمعوا الآن بماذا يصفون ربهم؟ يقولون: الله ﵎ لا فوق ولا تحت
ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، ها نحن
اتفقنا معهم المكان مخلوق وهو العالم، فالله ليس داخل العالم، ولكن ما بالهم يقولون: أيضًا ليس خارج العالم؟ هذا هو الإلحاد وهذا هو الجحد المطلق، زاد بعضهم إغراقًا في التعطيل وفي النفي فقالوا بعد أن قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، قالوا: لا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، هذا هو الجحد، هذا الذي يقوله الدهريون جميعًا.
ويعجبني بهذه المناسبة مناظرة وقعت بين شيخ الإسلام وبين بعض علماء الكلام من أمثال الأحباش هؤلاء كانوا قد شكُوا شيخ الإسلام ابن تيمية إلى حاكم البلد يومئذ في دمشق، بأنه يقول كذا وكذا وكذا .. ويجسم ويتهمونه بما ليس فيه، وطلبوا عقد مجلس مناظرة معه، فاستجاب الأمير لذلك ودعا شيخ الإسلام ابن تيمية والمخالفين له، فجلسوا أمام الأمير فسمع الأمير دعوى هؤلاء المشائخ، وسمع من شيخ الإسلام الآيات والأحاديث التي تُثبت لله ﷿ صفة العلو على خلقه مع التنزيه التام كما هو مصرح به في القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فلما سمع كلام الشيخ من جهة وكلام أولئك العلماء من جهة أخرى قال وهذا يدل على عقل وذكاء ممتاز قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم، هذه كلمة حق .. أناس يقولون عن ربهم باختصار، ما في داعي نعيد عليكم .. حسبكم أن تتذكروا الحصيلة لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصلًا به ولا
[ ٦ / ٥٤٣ ]
منفصلًا عنه، صدق ذلك الأمير حينما قال عن هؤلاء الأقوام: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم؛ لأننا إذا قلنا لأفصح رجل في اللغة العربية صف لنا المعدوم الذي لا وجود له؟ لما استطاع أن يصفه بأكثر مما يصف هؤلاء معبودهم وربهم، المعدوم: الذي ليس داخل العالم ولا خارجه، فهل الله كذلك؟ حاشا لله، كان الله ولا شيء معه، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحقيقة يصف الطريقين المجسمة الذين يشبهون الله ببعض مخلوقاته، هؤلاء الذين يتستر من ورائهم الأحباش هؤلاء فينكرون أن يكون لله مثلًا صفة اليد التي ذكرها في القرآن والصفات الأخرى التي قد نتعرض لذكر شيء منها قريبًا إن شاء الله .. وصف هؤلاء ابن تيمية المجسمة بوصف دقيق جدًا كما أنه وصف المعطّلة وقرن الطائفتين وجمعهم في وصف يجمعهم الضلال قال: المُجسِّم يعبد صنمًا والمعطّل يعبد عدمًا، الله ليس جسمًا .. ! حاشا لله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) أما المعطل فيعبد عدمًا، كيف؟ لا داخل العالم ولا خارج العالم، لا متصلًا به ولا منفصلًا عنه هذه هي عقيدة المعتزلة وعلماء الكلام ومنهم الأشاعرة اليوم، ومنهم بعض الماتريدية قديمًا وقد يكونون اليوم عامة الماتريدية حيث لا يقولون بقولة الحق التي قالها بعض الماتريدية القدامى الذين تمسكوا بهدي السلف الصالح فقال قائلهم بحق:
ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال
أي أن الله ﷿ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت:٦) فالله ﷿ استوى على العرش أي استوى على المخلوقات كلها ليس لأنه بحاجة إليها وإنما ليكون مهيمنًا وقاهرًا لكل مخلوقاته.
يأتي هنا أن نقول لهؤلاء الأحباش وأمثالهم من المنحرفين عن عقيدة السلف
[ ٦ / ٥٤٤ ]
الصالح أن الله ﷿ فوق العرش استعلى بنص القرآن الكريم وتفسير السلف الصالح ها أنتم تقولون إن الله ﷿ ليس في مكان، هل يجوز للمسلم أن يقول أين الله؟ هنا سينكشف البرقع عن هؤلاء المتسترين بتنزيه الله ﷿ عن المكان المخلوق، لكننا نسألهم هل يجوز للمسلم أن يقول أين الله؟ إعتقادي وتجربتي في أكثر من نصف قرن من الزمان أنهم يأبون أن يُسأل المسلم مثل هذا السؤال أين الله؟ بالتالي من باب أولى أنهم يأبون أن يكون جواب هذا السؤال:
الله ﷿ في السماء، علمًا بأن النبي - ﵌ - هو الذي سن لنا نحن معشر المسلمين المتبعين للكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح هو الذي سن لنا أن نسأل من نشك في إيمانه بالله ﷿: أين الله؟ وبالتالي سن لنا الجواب أن يكون هو: الله في السماء، لكن هذا لا بد أنه بحاجة إلى شيء من البيان، أي حينما نقول الله في السماء، وهذا سأقوم به إن شاء الله بعد أن أذكر إخواننا وأخواتنا السامعات بحديث أخرجه الأئمة في كتبهم واتفق علماء الحديث وعلماء التفسير وفقهاء الأئمة الأربعة وغيرهم على صحة الحديث التالي، وقد أخرجه من أهل الحديث الإمام مسلم في صحيحه ومن قبله الإمام مالك في موطئه ومن بعده الإمام أحمد في مسنده، وغيرهم كثير وكثير جدًا ممن تبعوهم بإحسان، ذلك الحديث هو ما جاء بالسند الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه أنه صلى يومًا وراء النبي - ﵌ - فعطس رجل بجانبه فقال له وهو يصلي: يرحمك الله، فنظروا إليه بأطراف أعينهم مسكتين له، لكنه يبدو أنه كان حديث عهد بالإسلام حديث عهد بمعرفة الأحكام المتعلقة بالصلاة، ولذلك فقد ضاق بهم ذرعًا حينما رآهم ينظرون إليه نظرة تسكيت له، فقال رافعًا صوته: واثكل أمياه، ما بالكم تنظرون إلي؟ فأخذوا ضربًا على أفخاذهم، أيضًا يتابعونه
[ ٦ / ٥٤٥ ]
بالإسكات، فحينئذ كأنه تبين أنه على خطأ، فذكر من هديه ﵇ ولطفه معه قال: فلما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة أقبل إليّ فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد»، لما وجد هذا الرجل هذا اللطف وكل شيء من معدنه جميل فهو الذي وصفه رب العالمين في القرآن الكريم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) حينما وجد منه هذا اللطف في التعليم طمع أن يزداد علمًا بعد أن عرف أنه أخطأ في الصلاة وتكلم ولا يجوز له الكلام، فقال: يا رسول الله إن منا أقوامًا يتطيرون قال: فلا يصدنكم، قال: إن منا أقوامًا يأتون الكهان، قال: فلا تأتوهم، قال: إن منا أقوامًا يخطون بالرمل، ضرب الرمل معروف إلى اليوم مع الأسف، قال ﵊: «قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه فذاك»، قال: يا رسول الله .. والشاهد الآن يأتي، وما مضى يحتاج إلى محاضرة بل وأكثر من محاضرة، ولكن الشاهد الآن هو ما يأتي .. قال: يا رسول الله لي جارية ترعى غنمًا لي في أُحُد فسطا الذئب يومًا على غنمي وأنا رجل أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة وعليّ عتق رقبة، فقال ﵊: «هاتها»، فلما جاء قال لها ﵊: «أين الله؟ قالت: في السماء قال لها: من أنا قالت: أنت رسول الله قال لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة».
هذا الحديث اتفق علماء المسلمين على اختلاف تخصصاتهم من علماء الحديث وهذا تخصصهم، وعلماء التفسير وعلماء الفقه وعلماء التوحيد .. كلهم اتفقوا على تصحيح هذا الحديث إلا علماء الكلام الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم فهم الذين يردُّون هذا الحديث بعقولهم العقول التي عرفتم أنها لا قيمة لها، هذا الحديث سن لنا أنه يجوز لنا أن نسأل الأحباشيين وأمثالهم من
[ ٦ / ٥٤٦ ]
أذناب المعتزلة أو الإباضية: أين الله؟ فتراهم حيارى، والجريء منهم يقول: هذا السؤال لا يجوز، وهم يجهلون أن النبي - ﵌ - هو الذي سَنَّ هذا السؤال لأمته، فهم إذًا يردون على نبيهم الذي يزعمون أنهم يؤمنون به، ثم كان الجواب من الجارية الله في السماء، قد لا تصدقون ولكن الكتاب موجود، إن بعض العلماء في العصر الحاضر يقولون إن القول بأن الله في السماء هي عقيدة الجاهلية وليست عقيدة المسلمين، وأن هذه الكلمة أن الله في السماء هي حكاها عنهم رب العالمين في القرآن الكريم، والله كما تعلمون من سورة تبارك ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧) هناك قسم آخر أقرب إلى الهدى وأبعد عن ضلال القسم الأول الذين قالوا إن القول بأن الله في السماء هو قول الجاهلية يتأولون هذه الآية بتأويل: يقولون من في السماء، يعني الملائكة، وهذا من شؤم ما يسمونه بالمجاز إنهم يسلكون طرق المجاز لتعطيل الصفات الإلهية.
يأتي هنا أحاديث كثيرة لإبطال مثل هذا التأويل من ذلك الحديث المتداول بين الناس اليوم ولكن أكثر الناس لا يعلمون بل لا يفقهون ما به يتكلمون، ذلك الحديث هو: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ..» من في السماء: هو الله، من في الأرض: خلق الله من إنسان ومن حيوان ومن دواب إلى آخره .. هذا الحديث لأنه يوضح المعنى المقصود من قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ وهذا الذي قلت آنفًا ربما نعرج لبيان معنى في السماء؛ لأن في من حيث الاستعمال العربي تأتي في بعض الأحيان بمعنى الظرفية، وأحيانًا تأتي بمعنى آخر من حروف الجر فتأتي بمعنى على، فيا تُرى «في» هنا في هذه الآية هل هي بالمعنى المعهود، أي إنها ظرف؟ الجواب لا، ومن
[ ٦ / ٥٤٧ ]
هنا يظن علماء الكلام أنهم إذا نفوا أن يكون الله في السماء أنهم نزهوه، هم في الحقيقة نزهوه عن فهمهم الخطأ للآية، لكن قد أنكروا أن يقولوا كما قال الله: الله في السماء، فجهلوا معنى أن الله في السماء أنه على السماء، وفي ذلك أو في هذه الحالة يلتقي معنى هذه الآية مفسرًا بالحديث السابق: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، من في الأرض ليس المقصود من كان في جوف الأرض من ديدان وحشرات وو إلى آخره، وإنما المعنى واضح جدًا من على الأرض، من تتعاملون معهم من بني جنسكم من الإنس أو مما ذلل الله لكم من الحيوانات .. ارحموا من على الأرض يرحمكم من في السماء، أي من على السماء حينئذ هذا التفسير الذي يُوضِّحه هذا الحديث يلتقي تمامًا مع كل الآيات التي ذكرنا بعضها وأحاديث أخرى أن الله ﷿ له صفة العلو، فحينما نوجه السؤال إلى هؤلاء الأحباش أو غيرهم ممن هم على شاكلتهم في ضلالهم أين الله؟ يجب أن يكون جوابهم كما قالت الجارية: الله في السماء، لكن ليس بمفهومهم "في" ظرفية؟ لا، وإنما بالمفهوم الذي وضحه الحديث أولًا وكان عليه سلفنا الصالح ثانيًا؛ أي: أن الله في السماء أي على السماء، أي على العرش؛ لأن كل ما علاك فهو سماء، فحينئذ تسد الطرق كلها أمام هؤلاء الأحباش الذين يظنون أولًا أنه لا يجوز أن يسأل المسلم أين الله، وثانيًا يظنون أنه لا يجوز أن يقول أن الله في السماء بعد أن تبين لهم أن النبي - ﵌ - هو الذي سَنَّ هذا السؤال: أين الله؟ وهو الذي شهد لتلك الجارية بالإيمان حينما نطقت بلفظ القرآن: الله في السماء.
وهنا عبرة لا بد من أن أذكرها وهي .. يتبين لنا الفرق بين الحياة التي كان يعيشها عامة المسلمين في عهد النبي - ﵌ - حتى الجارية راعية الغنم، وبين ما يعيشه اليوم عامة المسلمين وكثير من خاصتهم؛ لأن هذا السؤال لو وُجِّه إلى كثير
[ ٦ / ٥٤٨ ]
من الخاصة وفيهم بعض كبار علماء الأزهر الذي يوصف فيقال: الأزهر الشريف، إذا وجِّه إليهم هذا السؤال: أين الله؟ لم يجيبوا بجواب الجارية، ما هذه الفارقة بين كبار العلماء في العصر الحاضر لا يجيبون عن سؤال الرسول ﵇ بينما راعية الغنم تعرف الجواب الصحيح لهذا السؤال الوجيه، أقول: هذا دليل أن المسلمين في العهد الأول كانوا ربوا جميعًا لا فرق بين خاصتهم وعامتهم، كانوا ربوا جميعًا بتربية النبي - ﵌ - فيما يتعلق على الأقل بالعقيدة التي لا بد لكل مسلم أن يكون فاهمًا لها أولًا، ثم مؤمنًا بها، هذه جارية كيف عرفت العقيدة الصحيحة؟ الجواب: الجارية لا نتصور أنها كانت تتمكن أن تحضر حلقات العلم التي كان يحضرها كبار أصحاب النبي - ﵌ - وخاصتهم، بينما الآخرون ما كانوا يحضرون جلسات الرسول ﵇، إذا كان عمر بن الخطاب ﵁ حينما بُلّغ حديثًا من أبي هريرة ﵁ ندم فقال: شغلنا الصفق في الأسواق، إذا كان هذا عمر فماذا نقول عن الصحابة الآخرين، وماذا نقول عن النساء، بل ماذا نقول أخيرًا عن الجواري وعن راعية الغنم.
أريد من هذه التوطئة كيف فهمت هذه الجارية هذه العقيدة الصحيحة التي إلى الآن لم يفهمها بعض الخاصة من أهل العلم؟ إنها كانت تعيش في جو مُوحِّد في التوحيد الصحيح، لا مثيل له في الدنيا إطلاقًا بسبب وجود الرسول ﵇، بسبب وجود النور بين ظهراني أولئك الصحابة من الرجال والنساء من الخاصة والعامة، هذه الجارية تلقت هذه العقيدة من سيدها، فسيدها يسمع العقيدة الصحيحة بل والأحكام الشرعية من النبي - ﵌ - ثم لا يقتصر على الاحتفاظ بها بل ينقلها إلى من هو يعوله من ينفق عليه مادةً، وينفق عليه أيضًا علمًا ومعنى، من هنا نعرف لماذا عرفت الجارية هذه العقيدة الصحيحة؛ لأنها عاشت في ذلك الجو
[ ٦ / ٥٤٩ ]
الوحيد في فهمهم للتوحيد الصحيح، أما اليوم فالمسلمون يعيشون في أجواء متباينة، في عقائد متفرقة متضاربة أشد التضارب ولذلك فلا نجاة للمسلمين في هذا الزمان إلا أن يعودوا إلى ما كان عليه السلف الصالح، وأن يحققوا في أنفسهم خبر نبيهم - ﵌ - حينما قال واصفًا للفرقة الناجية قال: هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي.
أردت أن أختم الكلمة بهذا الحديث، لكني تذكرت أنه كان في جملة السؤال المطروح آنفًا أن هؤلاء الأحباش ينكرون في جملة ما ينكرون اليد التي وصف الله ﷿ نفسه بها، يقولون: اليد جارحة .. ! سبحان الله، وهم يتكلمون عن أنفسهم، فكيف يقولون في اليد التي ذكرها الله إنها جارحة؟ هؤلاء من أجهل الناس إن لم يكونوا من أضل الناس؛ ذلك لأنهم يقيسون الغائب على الشاهد، بل يقيسون غيب الغيوب وهو الله ﵎ على أنفسهم، هذا في منتهى الحماقة إن لم يكن في منتهى الضلال، نحن نجاريهم جدلًا لا عقيدةً وحاشى أن نشاركهم في عقيدتهم، نقول لهم: الله ذات متصف بصفات الكمال، هل تقولون معنا؟ لا بد أن يقولوا معنا: نعم أو يقولوا: لا، فإن قالوا: لا فذاك هو الذي يدل على ضلالهم ويؤكد ما هم فيه فلا كلام لنا معهم؛ لأن الكلام حينئذ يكون مع الزنادقة، والمفروض الآن أننا نتكلم مع مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون وو إلى آخره .. فإذا قالوا نحن معكم بأن الله ﷿ له كل صفات الكمال، فإذا قالوا هذه الكلمة فقد تناقضوا حينما قالوا الله ذات وله صفات، وأنت أيها المتكلم بكلام علماء الكلام حينما تقول اليد جارحة هذه جارحة بالنسبة لذاتك، فهل ذاتك كذات الله أو ذات الله كذاتك؟ ستقول حاشى لله، ذاته ليست كالذوات، وبالتالي صفاته ليست كسائر صفات المخلوقات، إذًا انتهت المشكلة يا جماعة .. يقال في الذات ما يقال في الصفات، يقال في الصفات
[ ٦ / ٥٥٠ ]
ما يقال في الذات إيجابًا وسلبًا الله ذات له كل صفات الكمال ومنزه عن كل صفات النقص، ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فهو سميع وبصير صدق الله، لكن سمعه ليس كسمعنا، بصره ليس كبصرنا، لا بد لهؤلاء المجادلين بالباطل والمتسترين بكلام ظاهره حق وباطنه باطل، لا بد لهؤلاء أن ينكروا كل صفات الله ﷿، لماذا؟ لأن وصف الله بهذه الصفات في الغالب فيها اشتراك لفظي ليس حقيقي معنوي، الله ﷿ قال عن آدم ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) ووصف نفسه بأنه سميع بصير، إذًا انتهى الوقت؟
إذًا ننهي هذا الكلام فنقول: إذا كان الله ﷿ قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ووصف آدم ﵇ بأنه جعله سميعًا بصيرًا، فعلى طريقة هؤلاء الأحباش وأمثالهم من المعطلة لا بد من أحد شيئين: إما أن نقول إن الله ليس كما قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١]) لأنه قال في آدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) أو أن نقول لا هو كما وصف به نفسه لكن قوله في آدم ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) ليس كذلك فلا بد من تعطيل أحد الوصفين إما ما كان منهما متعلقًا بالله ﷿ وهذا كفر، وإما ما كان متعلقًا بوصف الله لآدم ﵇ بأنه جعله سميعًا بصيرًا إنكار أيضًا هذا فهو كفر فهم دائرون ما بين كفر وكفر وذلك عاقبة من لا يتبع السلف الصالح، ولذلك قيل:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
فنوصي الحاضرين جميعًا ألا يصغوا لعلماء الكلام ولا لأذنابهم، وعليهم أن يعرفوا عقيدة السلف ليكونوا إن شاء الله مهتدين، والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٦٩٥/ ٥٤: ٠٠: ٠٠) و(٦٩٥/ ٤٣: ٢٧: ٠٠)
[ ٦ / ٥٥١ ]
[١٠٣٥] باب رد شبهة حول علوِّ الله تعالى والكلام على كتاب «دفع شبه التشبيه» ومحققه
سؤال: ما أدري يا شيخ لعلك اطلعت على كتاب دفع شبه التشبيه
بأكف التنزيه.
الشيخ: نعم اطلعت.
الملقي: طيب لديَّ استفسار عن الكتاب الحقيقة يعني المادة العلمية بخلاف الاستفسار عن المحقق يعني هذا ما يهمني لأني أعرف عن رأيك فيه.
الشيخ: طيب استفسارك عن ماذا إذن؟
الملقي: سؤالي عن المادة العلمية في الكتاب، يعني ما ذكره ابن الجوزي، ميزانه أو قيمته العلمية؟
الشيخ: قيمته العلمية كقيمة السقاف هذا.
الملقي: أي نعم. يعني الحقيقة الرجل ذكر يعني أشياء فيها من السذاجة ما فيها، لكن بعضها مثلًا.
الشيخ: ليتها اقتصرت على السذاجة، ليتها اقتصرت على السذاجة.
الملقي: أي نعم.
الشيخ: بل هي ملؤها الضلال، وملؤها الزور والبهت والافتراء على الأئمة فيكفيك من المكتوب عنوانه.
الملقي: يعني مثلًا مسألة العلو هو ذكر أنه بتلاقي الأدلة أنه «لا يبصق أحدكم تجاه القبلة فإن الله يعني ثم أوفى وجه القبلة أو شيئًا من ذلك» فكيف يجمع بين الله
[ ٦ / ٥٥٢ ]
-﵎- على عرشه فوق السماء ويجمع بين الأحاديث هذه؟
الشيخ: إذًا أنت عندك شبهة.
الملقي: أعوذ بالله.
الشيخ: وإلا هذا السؤال نابع عن شبهة.
الملقي: يا شيخ والإنسان دائمًا ينبغي له أن يتحرز حتى لو سُئل أو عرضت عليه هذه الشبهة يعرف كيف يرد عليها.
الشيخ: معليش، لكن أنت عند شبهة؛ بدليل قول: كيف يُجمع؟
الملقي: أنا أصارحك أن الرجل هو
الشيخ: دعك والرجل، هذا الرجل كذاب خلفي أشعري صوفي، وكل بلاء فيه، مالك وله، أنت الآن تقول: كيف يجمع، هذا سؤالك. طيب فإذن أنت عندك في إشكال في علو الله على عرشه.
الملقي: نعم يا شيخ.
الشيخ: وأنا أجيبك.
الملقي: نعم.
الشيخ: الأرض كلها محاطة بالسماء هل تعتقد هذه الحقيقة؟
الملقي: بالضبط.
الشيخ: طيب، فإذن الله فوق المخلوقات كلها.
[ ٦ / ٥٥٣ ]
الملقي: بالضبط.
الشيخ: فإذن لا يجوز البصق تجاه القبلة؛ لأن الله -﷿- تجاهك في أي من نقطة من الأرض كنت.
الملقي: نعم.
الشيخ: وانتهى الأمر هذه من جهة، من جهة أخرى لا يجوز مناقشة الأخبار الغيبية، وبخاصة ما كان منها متعلقًا بالذات الإلهية بالأفكار العقلية التي لا يمكن أن يقال فيها إلا بأقل مما قال الله -﷿-: وما أيش التي في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة:٢٥٥)، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء:٨٥)، فمن الضلال كل الضلال محاولة تقريب الأمور الغيبية خاصة ما كان منها متعلقًا بالصفات الإلهية بحيث أننا نعقلها كما يعقل أحدنا الآخر، هذا أمر مستحيل، إن مثل هذا السؤال وغيره يشبه قول من قد يقول: كيف الله في لحظة واحدة يخلق ويرزق ويُحيي ويميت ويسمع الأصوات المختلفة من الملايين البلايين من البشر والإنس والجن والمخلوقات، يقال: هذا الكلام؟
الملقي: نعم.
الشيخ: أسألك: يقال هذا الكلام؟
الملقي: طبعًا لا يقال في حق الله، وهو حاصل من الله -﷾-.
الشيخ: فإذن بارك الله فيك، ..
اذكر معنى قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:١، ٢] من؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ([البقرة:٣).
[ ٦ / ٥٥٤ ]
الملقي: نعم.
الشيخ: فإذا قال الله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠)، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ﴾ (المعارج:٤) الخ. «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» الخ، فلا ينبغي أن يشكل على المسلم كيف هذا والرسول ينهى أن يَبصق تجاه القبلة لأن الله أمامه؟ نعم، الله أمامنا وفوقنا،
ولكن فوقيته ليست كفوقيتنا وأمامته -إذا صح التعبير-أيضًا- ليست كمثلها،
وهكذا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فإياك أن يضلك السقاف وأمثاله.
الملقي: نعم، طيب، وابن الجوزي يا شيخ يعني، هل يصح الكتاب هذا عنه، وهو حنبلي؟
الشيخ: نعم هو حنبلي.
الملقي: وهو في ميزان الجرح والتعديل.
الشيخ: هو حنبلي نعم، ولكن هل تعتقد أن كل حنبلي معصوم.
الملقي: لا، ليس كذلك، لكن الرجل له منزلة كبيرة في الجرح والتعديل، أو شيء من ذلك.
الشيخ: يا أخي نعم في الجرح والتعديل، لكن ألا تعلم أن بعض أهل الجرح والتعديل وأهل العلم بالحديث فيهم -أيضًا- صوفية.
الملقي: إي نعم.
[ ٦ / ٥٥٥ ]
الشيخ: تعلم؟
الملقي: نعم.
الشيخ: طيب فهذا من هذا، هل علمت قول ابن الجوزي: أن الله -﷿- لا داخل العالم ولا خارجه.
الملقي: نعم هذا قول الأشاعرة.
الشيخ: قول ابن الجوزي.
الملقي: قول ابن الجوزي، ولكن من قال به قبله.
الشيخ: شو بدك في هاي، الله يهديك.
الملقي: جزاك الله خيرًا يا شيخ.
الشيخ: أنا بأقولك هل علمت أن ابن الجوزي يقول: الله لا داخل العالم
ولا خارجه؟
الملقي: والله ما سمعت هذا يا شيخ إلا منك الآن.
الشيخ: اقرأه في كتابه هذا تجده.
الملقي: أي نعم.
الشيخ: وهو هو إمام السقاف هذا الخبيث.
الملقي: إي نعم.
الشيخ: والسلام عليكم.
الملقي: جزاك الله خير يا شيخ.
[ ٦ / ٥٥٦ ]
الشيخ: نعم، نعم.
الملقي: يا شيخ أليس لك رد على السقاف هذا فيما كتب؟
الشيخ: في ردود متوزعة.
الملقي: -إن شاء الله- ستطبع يعني.
الشيخ: نعم نعم في بعض المقدمات لبعض الكتب التي تطبع الآن.
الملقي: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: وإياك -إن شاء الله-.
"الهدى والنور" (٦٧٩/ ٢٢: ١٠: ٠٠)
[١٠٣٦] باب بيان عقيدة الشعراوي - ﵀ - والكلام على علو الله تعالى، وهل خلق النبي - ﵌ - من نور، وهل هو أول مخلوق؟
مداخلة: .. الذين يحبون أن يستمعون للشيخ الشعراوي، الشيخ الشعراوي يخرج كثيرًا على التلفاز، فنريد نقد أو بعض المآخذ .. يعني: نحن نأخذ عليه بعض المآخذ في الشيخ الشعرواي فلو تفضلتم بتوضيح بعض المآخذ على الشيخ الشعراوي.
الشيخ: الذي نحن نعرفه عنه أنه خَلَفِي أشعري، يا ترى الأخ عنده فكرة سابقة عن الأشاعرة وعن الخلف الذين هم على خلاف ما كان عليه السلف أو لا، ما يدريه لأنه لأول أول مرة ألتقي به فأنا أريد أن أعرف ما الذي عنده من المعلومات
[ ٦ / ٥٥٧ ]
حول هذه النقطة بالذات.
مداخلة: الواقع أني سبق أن اجتمعت بالشيخ الشعراوي في إسلام أباد، وجمعتنا صدفة كنت موظف هناك وجمعتنا فيه صدفة ودار الحديث بيني وبينه.
الشيخ: جميل.
مداخلة: قال لي: هل تصلي؟ أنا في هذا الوقت قبل عشرين سنة، قلت له: أقطع، قال: كيف يعني تقطع؟ قلت له: لست مرتبط.
الشيخ: يعني: تارًة تصلي وتارًة
مداخلة: نعم، قال لي: اليوم كم ساعة؟ قلت له: النهار والليل أربعة وعشرين ساعة، قال: كيف تقسمها؟ قلت له: أقسمها إلى ثلاثة أقسام: قسم للعمل وقسم للنوم وقسم لا للعمل ولا للنوم، قال: طيب! الصلاة كم تأخذ منها؟ قلت له: أتوقع نصف ساعة، قال: ألا يعقل أنك تتوجه إلى ربك الخالق وتصلي له نصف ساعة متقطعة من أربع وعشرين ساعة؟
طبعًا أعجبني هذا الكلام جدًا، من ذاك الوقت التزمت وفعلًا اقتنعت.
الشيخ: الحمد لله، فيا سيدي الآن أنا أراه في التلفاز، وبصراحة الأسلوب الذي يقدم فيه أسلوب مُشوِّق ويخلط ما بين الأدب والدين إلى آخره، فهو يجذب مشاهده أو مستمعه [فيشعر] فعلًا أنه يستمتع بأحاديثه.
مداخلة: ويأتي بأشياء جديدة في ..
مداخلة: أشياء جديدة معاصرة تتواكب مع العصر، فجئت عند الأخ ناصر وتكلم، وعند إخوة آخرين قالوا: لا يا أخي هذا خطر عليك وعلى الجيل، هذا الرجل
[ ٦ / ٥٥٨ ]
يخترع أشياء خلال حديثه، ومحتمل أن تكون خطأ، فلا تلتزم فيه، فبمناسبة تشريفكم لنا هنا أرجو أن أسمع الشيء المناسب الذي فعلًا هل أستمر أو أتوقف.
الشيخ: أهلًا وسهلًا، أنا أقول بارك الله فيك: ولا مؤاخذة فأفترض أنك أحد الرجلين: إما أن تكون ذاك الرجل الذي كما يقولون الآن في العصر الحاضر: عندك خلفية علمية في العقائد السلفية، فحينئٍذ عندما تكون هكذا وعندك علم مثلًا بما صح وما لم يصح من حديث رسول الله - ﵌ -، فإذا استمعت إلى مثل هذا الإنسان فتستفيد كالمثال الذي ضربته فيما يتعلق بالصلاة، فكلامه جذاب وهذا الذي يجعل عامة الناس يَلْتَفُّون حوله إذا جلس في محاضرة أو ما شابه ذلك، ثم ينشر ذلك في التلفاز.
أما إن كنت الرجل الآخر الذي ما عنده الخلفية العلمية والبصيرة الدينية التي أُمرنا بها في بعض الآيات القرآنية كقوله ﵎: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨) فلما يكون الشخص الذي يصغي إلى هذا الشيخ من القسم الثاني فيخشى عليه أن تزل به القدم؛ لأنه ما عنده ما يميز بين صوابه وخطئه.
وأنا لا ألومك كونك أخذت به؛ لأن الحقيقة كما يقال في بعض الأشعار:
ما أنت أول سارٍ وله قمر
مثلك كثير حتى من إخواننا مثل أخونا هذا وغيره، يعني: إخواننا السلفيين، تسمع أنت بهذه الكلمة لا بد؟
مداخلة: نعم.
[ ٦ / ٥٥٩ ]
الشيخ: حينما جاء إلى الأردن أخذوا به وصاروا يتبعوه أينما ذهب ، أحدهم من إخواننا لا يزال في قيد الحياة هو النابلسي ذكر لي مثلما ذكرت لي تمامًا معجبًا بكلمات الشيخ الشعراوي وفصاحته وبيانه وأمثلته التي يضربها وإلى آخره، قلت له : هل اختبرته من حيث عقيدته، قال: لا، وذكر لي فيما بعد هو نفسه صاحبنا هذا قال: كنت مع صاحب لي في سيارته لما ذهب إلى الشيخ الشعراوي وحضر جلسته ثم أركبه معه في السيارة يوصله إلى مكان، قال: فاغتنمتها فرصة وركبت مع صاحبي وأجريت الحديث التالي بينه وبين الشعراوي من أجل يختبره في عقيدته، قال له: يا أستاذ! أريد أن أعرف منك قوله تعالى في القرآن الكريم في غير ما آية واحدة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)
ما المعنى؟ قال: استوى بمعنى استولى، صاحبنا عنده شيء من العقيدة الصحيحة فأخذ يناقشه، يعني: يناقش الشيخ وعادًة الناس ما على هذا تربوا أنه يأتي
واحد شُبيل يجادل شيخ كبير، هذا شيء خطير وخطير جدًا؛ لأن العادة جرت أنه كما قيل أيضًا:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
فكيف هذا لا يصدق حذام، ويأخذ يعطي ويناقش، كبر ذلك على الشيخ، لكن صاحبنا تحمل ذلك فوجه إليه سؤالًا حساسًا عندنا نحن معشر السلفيين، وهو لما أول له الآية بذاك التأويل وهو تأويل باطل كما سأذكر قريبًا إن شاء الله، قال له: طيب! يا أستاذ! لو قال لك قائل: أين الله؟ قال: أعوذ بالله لا يجوز أن يقول الإنسان أين الله، الله في كل مكان، قال يومئٍذ عرفت عقيدته أنها منحرفة عن الكتاب وعن السنة فما عدت اهتممت به اهتمامي الأول، هذه القصة وقعت.
الشاهد الآن: أن آية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) لعلماء المسلمين
[ ٦ / ٥٦٠ ]
في تفسيرها قولان: قول للسلف وقول للخلف، السلف يقولوا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) أي: استعلى، ولذلك نحن نقول: في كل سجود: سبحان ربي الأعلى، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى:١).
القول الثاني: هو الذي قاله الشيخ الشعراوي: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) يعني: استولى، هذا التأويل من أبطل الباطل، لماذا؟ لأنه يُصوِّر هذا المعنى أن هناك مغالبة بينه وبين غيره، لكن الله تغلب عليه فاستولى على ملكه، وهل يقول بهذا مسلم؟ أنت تفهمني جيدًا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) فسره بمعنى: استولى، فمن كان مستوليًا عليه من قبل؟ أخالق مع الله حاشا لله ﵎، ثم جاءت الأخرى كما يقال وهي: ضغث على إبَّالة، لما صارحه بالسؤال السابق: أين الله؟ انتفض وقف شعره وقال: هذا ما يجوز توجيه مثل هذا السؤال علمًا أن هذا السؤال صدر من الرسول ﵊ وفي أصح الأحاديث التي رواها الإمام مسلم في صحيحه، لعلك تسمع أن أصح الكتب بعد القرآن صحيح البخاري وصحيح مسلم؟ تسمع هذا ولا بد، طيب! الحديث الذي سأذكره مروي في صحيح مسلم، ترى! هذا الرجل الفاضل الشعراوي الذي أخذ بمجامع قلوب الناس لا شك أنه أحد رجلين بالنسبة لهذا الحديث الذي سأذكره، إما أن يكون على علم به فجحده، وأن يكون على جهل به فلم يقل به، وكما يقال: أحلاهما مر، يعني: إن كان عرف وحاد هذا أخطر مما لو لم يعرف، مع ذلك كونه لم يعرف قد يقال هذا بالنسبة لعامة الناس، أما بالنسبة لشخص يتولى إرشاد العالم الإسلامي كله وتوجيهه هذا
[ ٦ / ٥٦١ ]
قبيح جدًا أن نتصور نحن بأنه لم يطرق سمعه هذا الحديث الصحيح، ما هو هذا الحديث الصحيح؟
الآن أرجو الانتباه: هي قصة طويلة لكن أريد أن آخذ منها ما يناسب المقام الآن، رجل من أصحاب الرسول ﵇ اسمه: معاوية بن الحكم السلمي، جاء إلى النبي - ﵌ - فقال له يا رسول الله! لي جارية ترعى غنمًا لي في أحد في المدينة، فسطا الذئب يومًا على غنمي، وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة، يعني: صفعها صفعة في خدها، قال معاوية هذا: وعلي يا رسول الله عتق رقبة، يستفسر ويستوضح من الرسول هل يجزي عنه أن يعتق هذه الجارية؛ لأنه ضربها بغير حق، سطا الذئب، الرجل ماذا يفعل مع الذئب فضلًا عن الجارية؟ فهو ندمان على تلك الصفعة أو الصكة كما قال هو، فقال له ﵇: «ائت بها»، فلما جاءت، قال لها: أين الله! هنا الشاهد، قال لها رسول الله: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فالتفت إلى سيدها وقال لها: اعتقها فإنها مؤمنة» ومن الذي قال: أين الله؟ رسول الله، وأجابت الجارية بأن الله في السماء.
الشعراوي وأمثاله كثير من علماء الأزهر لا يؤمنون بأن الله في السماء مع أن كل مسلم يقرأ قوله تعالى في سورة تبارك سورة الملك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ،* أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك: ١٦ - ١٧) فالجارية من هذه الحيثية أعلم من الشعراوي وأمثاله؛ لأنها استطاعت أن تجيب الجواب الذي شهد بسببه رسول الله لها بأنها مؤمنة، وبنًاء على ذلك قال لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة، شهدت بأن الله
[ ٦ / ٥٦٢ ]
في السماء، أي: عاليًا، وليس كما يقول كثير من أمثال الشعراوي وغيره، وهذه عبارة مشهورة بين عامة الناس وستذكرها، ماذا يقول؟ الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود هذا كفر، لكن الناس كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:١٨٧) لماذا كفر؟ لأنه مخالف أولًا لما سبق أن ذكرنا من مثل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) وبمثل حديث الجارية هذه: «أين الله؟ قالت: في السماء» إيمانًا بما جاء في سورة تبارك.
والأحاديث والآيات كثيرة وكثيرة جدًا كمثل قوله - ﵌ -: «ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: ألا هل من داٍع فأستجيب له،
ألا من هل من مستغفر فأغفر له، ألا هل من تائب فأعطيه» ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر، فنزول الله من السماء معناه أنه على السماء وليس في كل مكان كما يقول العوام.
هذا من جهة: فيه مخالفة للآيات وللأحاديث الصحيحة، من جهة أخرى: لو رجع العاقل المسلم متسائلًا: الله ﷿ أزلي لا أول له كما قال: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد:٣) أما الخلق فله أول، كما قال ﵇: «أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» فقبل أن يخلق الله الخلق هل كان في مكان، وهم يقولون: الله في كل مكان؟ المكان لم يكن مع الله شريكًا له؛ لأن الله هو الذي أوجده وخلقه بكلمة: كن، كما قال ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) فبكن: خلق السموات والأرض فكان الزمان وكان المكان، فما معنى هؤلاء الناس حينما يقولون: الله موجود في كل مكان، وقد كان الله ولا مكان، هل معنى
[ ٦ / ٥٦٣ ]
ذلك إذًا: أن الله لما خلق الخلق دخل فيه، فصار المرجع وصار له مأوى، وصار محاطًا في هذا المكان، صار المكان مرابطًا له تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا؛ لأنهم يقولون: الله في كل مكان هذه واحدة.
والأخرى: أن الأماكن ليست بنسبة واحدة من حيث الطهارة والنظافة .. من حيث السمو والرفعة والقذارة، وإنما يختلف مكان من مكان، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي - ﵌ - قال: «خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق» (١) تُرى! ربنا موجود على حد تعبيرهم في كل مكان، موجود في المساجد وموجود في الأسواق، فهل هذا يليق بالله ﷿ العلي القدير أنه يكون في شر الأماكن؟! وليس هذا فقط، ففي الأسواق البيوت، وفي البيوت الكُنُف .. بيت الخلاء .. في الخلاء له مجاري تصب في البحر أو في الوادي أو ما شابه ذلك، هذه كلها أمكنة بل لا نذهب بعيدًا أن بطن الإنسان الممتلئ قذارة هو مكان، بدليل أنه يتنفس الهواء ويأكل الطعام، ويشرب الشراب، كل هذا مكان، فهل ربنا ﷿ في هذه الأمكنة حقًا كما يزعمون، الله موجود في كل مكان، كيف جاء هذا والله يقول: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) الآية كما ذكرنا آنفًا.
﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤) ليس تنزل عليه في كل مكان، كذلك: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠) كل هذه النصوص في مخ الشيخ الشعراوي متعطلةً تمامًا فهو لا يؤمن بها ولذلك استنكر على صاحبنا لما وجه إليه سؤالًا نبويًا، أين الله؟ قال: أعوذ بالله، هذا ما يصح أن يقال، طيب! لو قيل: ما هو الجواب؟ الله موجود في كل مكان.
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٣٢٧١).
[ ٦ / ٥٦٤ ]
فالشعراوي كمثل شيخ آخر مع اختلاف بينهما بلا شك، هذا الذي يسمى كشك، تسمعون به ولا بد؟ كلاهما قصاص والقصاص هذه طبيعتهم، يجمعون الناس حولهم وينبسطون من كلامهم، لكن مهما حضر الواحد منهم جلسات هؤلاء القصاصين، اسأله بعد سنين: ما هي معلوماتك التي كسبتها بما يتعلق بمعرفة الحلال والحرام والمكروه والمستحب وإلى آخر ما هنالك من أحكام شرعية؟ لا تجد عنده شيئًا إطلاقًا، إنما عنده حكايات .. عنده سوالف كما يقولون، ومرتاح مطمئن تمامًا؛ لكن الخاتمة ما يخرج من هذه الدروس بشيء أول كل شيء يصحح عقيدته وهذا هو المثال بين أيدينا.
وهناك أمثلة لا أريد الآن أن أخوض فيها؛ لأن هذا لو سألت العامة فضلًا عن أهل العلم: القرآن كلام من؟ كل المسلمين يقولون: كلام الله، لكنك لو بحثت مع الشعراوي وأمثاله من الأشاعرة والمعتزلية يلفوا ويدوروا معك حتى يخرجوك عن هذه العقيدة ويقولوا القرآن هذا ليس كلام الله، لكن ما هكذا صراحة حتى ما يسقطوا على ريحتهم النتنة، القرآن كلام الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤) مثل التوراة ومثل الإنجيل كلها كتب أنزلها الله على رسله المصطفين الأخيار.
فالشاهد: أن العقيدة التي يجب تدريسها من كل العلماء في كل المناسبات، في الشعراوي وكشك هذا لا يدندنون حول ذلك، انزل مرتبة ثانية: هل سمعت الشعراوي يبين للناس هذه الصلاة التي أمرنا بها في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة:٤٣) نصحك هو جزاه الله خير هذا لا يمكن إنكاره، وما سألك: كيف الصلاة وتصلي ما تصلي، إلى آخر ما ذكرت أنت، لكن هل قال لك: كيف ينبغي أن تصلي، أنا أقول لك سلفًا: لا، لماذا؟ إذا
[ ٦ / ٥٦٥ ]
كنت مخطئًا قل لي أخطأت ..
مداخلة:
الشيخ: لا، هذا واجب، لماذا؟ لأنني على مثل اليقين أنه وكشك وغيره لا يعرفون يصلون، هم يصلون، لكن لا يعرفون يصلون، لماذا؟ لأن صلاتهم حسب ما قرؤوا في مذهبهم، إن كانوا شافعية مثلًا يفعلوا هكذا إن كانوا حنفيين يقول: لا، والأمثلة كثيرة وكثيرة جدًا، وإنما النبي - ﵌ - قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١).
فإذًا: هنا نحن نلاحظ أن العلماء حقًا هم الذين يدرسون الكتاب كلًا وبخاصة ما يتعلق بتصحيح العقائد، ثم العبادات، أما الجوانب العلمية الكونية الطبيعية فهذه بلا شك تفيد وتزيد المؤمن إيمانًا بقدرة الله ﷿ وحكمته، لكن هؤلاء قبل ذلك كان عليهم لزامًا أن يعرفوا كيف يعبدون الله لا يشركون
به شيئًا.
اليوم إذا قلت لكم: في كل بلاد الدنيا تجد مسلمين يتقصدون زيارة القبور، وبعضهم يتخذ القبر .. قبر الولي أو الصالح كعبة يطوف حولها، ذهبت في زمانك إلى مصر؟
مداخلة: لا.
الشيخ: رأيت مقام الحسين والسيدة زينب وأحمد البدوي.
مداخلة: والله سمعت عنهم لكن ما رأيت.
الشيخ: بدا لي أنك أردني.
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٨٩٣).
[ ٦ / ٥٦٦ ]
مداخلة: أردني إنما الآن سعودي.
الشيخ: لكن الأصل
مداخلة: والدي سعودي وأمي أردنية، ولكن أردني
الشيخ: أنا قصدي من السؤال: عشت في الأردن؟
مداخلة: طبعًا، أربعين سنة.
الشيخ: هذا هو، فهذا المقصود، تسمع بمقام ابن
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! رأيت القبر الضخم هذا الذي عملوه؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا كله الناس، يأتونه يزورونه، ويتوسلون به عند الله ﵎، في كل بلاد الدنيا موجود هذه المصيبة، والشيخ الشعراوي وكشك لا يتكلمون ولا كلمة، لماذا؟ لأنهم لا يريدون أن يجابهوا الشعوب؛ لأنه سينفر منهم وهم يؤلفوا القلوب بمثل ذلك الكلام المعسول الجميل، في دمشق يوجد شيء من هذا، في حلب شيء أظلم من هذا، أما عليك في أنا أَصْلِي ألباني ثم دمشقي ثم أردني، فأنا أعرف البلاد هذه، كل واحدة لها ماذا؟ مزية أو مصيبة، طبعًا سوريا فيها عواصم مشهورة كدمشق وحلب وما بينهما حمص وحمى وإلى آخره، في حلب في مسجد أموي كبير مضاهاة للمسجد الأموي في دمشق العاصمة، في مسجد بني أمية في دمشق يزعمون يحيى ﵇ مدفون فيه، في مسجد بني أمية في حلب - زعموا - مدفون فيه أبوه، يعني: زكريا، وكل من القبرين مقصود
[ ٦ / ٥٦٧ ]
وعلى كل منهما سادن، وظيفته أنه ما شاء الله يهدي الناس كيف يزورون هذا القبر وذاك، وكيف يجب عليهم أن يقدموا النذور.
حكى لي أحدهم في دمشق: جاءت امرأة لزيارة قبر يحيى ﵇ في مسجد دمشق، فسمعه سادن ويظهر أنه كان عنده شيء من الوعي لكن يتخذ السدانة وسيلة للعيش، سمع هذا السادن امرأة مسكينة وقفت تدعو وتقول: يا سيدي يحيى أنا جئت متوسلًا لك أن ربنا يعافي لي ابني، ماذا قال السادن مسترجعًا بها؟ قال لها: يا حرمة جاءت واحدة هنا قبلك فسيدي يحيى ذهب معها، ذهب معها من أجل يعافي لها ابنها أو بنتها أو إلى آخره، هذه المهازل الشركية صريحة جدًا.
في حلب كان هناك قبر والحمد لله أُزيل ليس ديانةً، إنما [تزيينًا] للعاصمة، في حلب كان قبر اسمه يغنيك عن الضلال الذي يقع فيه الناس اسمه: قاضي الحاجات، وكان مقصودًا من كل مكان وخاصة من النساء، تكون الواحدة عقيمًا لا تلد يمضي سنة سنتين ما شاء الله، روح إلى عند قاضي الحاجات، ماذا تفعل؟ قاضي الحاجات قبره طبعًا في مقام المقامات التي نتحدث عنها، والقبر له سنام، فأوحى الشيطان بواسطة السادن هناك أن المرأة العقيم إذا جاءت وركبت على القبر هكذا وعملت كذا حركات، تذهب بإذن الله زعموا حبلى، بعد ذلك تنكشف القضية أن هذا السادن بأساليبه الماكرة يذهب إلى هؤلاء النساء الضعيفات العقول أنه لازم الليلة تباتين هنا حتى يحضر عليك قاضي الحاجات، وفعلًا تظن أن هذا الكلام صحيح وتبات تلك الليلة، والناحية ذات المقام هو، هذا وحده يكفي المسلم أن يعرف قوله ﵇: «ما اختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» (١).
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٢٥٤٩).
[ ٦ / ٥٦٨ ]
حينما ينتصف الليل يظهر هو بلباس أبيض وروائح زكية ويظهر قليلًا قليلًا أمام هذه المرأة بصورة فيها شيء من الرهبة، فهي كانت ملقنة سلفًا أن لازم تبات من أجل يظهر عليك قاضي الحاجات، قاضي الحاجات يظهر عليها يتقدم إليها قليلًا قليلًا إلى أن يواقعها ويجامعها ويصدف أحيانًا تذهب حبلى، من أحبلها؟ السادن الخبيث الماكر الذي يتخذ القبر يتستر من ورائه ويسمى قاضي الحاجات.
سنين وهؤلاء الحلبيون الرجال والنساء يؤمنون بهذه الداهية الكبرى، ليس من كرامات الأولياء، أن الله يعطيهم كما يقول بعضهم: ما كان معجزة لنبي كان كرامة لولي، تمشي هذه الضلالات ولا أحد ينكرها إلا أفراد قليلين يُنبذون في الأرض؛ لأنهم يدَعون للحق.
والحديث في هذا المجال مع الأسف واسع واسع جدًا لكن فيما يتعلق بالشيخ الشعراوي أنه من جانب فعلًا مفيد ولكن من جوانب أخرى يضل الناس به لأنهم لا يعلمون، هذا شيء مما يتعلق جوابًا عن ذاك السؤال.
من عقائده يقول: أن محمد ﵇ هو رسول كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران:١٤٤) إلى آخر الآية، يقولون ويمكن هذا سمعته: محمد خلق من نور الله، سمعت هذا الشيء أو لا؟
الشيخ: في سوريا موجود، وفي الأردن موجود يقول: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، ما سمعت هذا الحديث عندك؟
مداخلة: هذا سمعته من الشعراوي.
[ ٦ / ٥٦٩ ]
الشيخ: هه، أتت يقولون: - على رجليها -، رأيت؟! وهذا من أبطل الباطل، كيف خلق الله محمدًا من نوره، وأول ما خلق الله القلم والحديث صحيح كما ذكرته آنفًا: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة» بعد ذلك نحن نعرف الرسول أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهكذا، وبعد ذلك ينقطع السند أو النسب، لكن هو على كل حال جده الأول من هو؟ آدم ﵊؛ لأنه كلكم كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «كلكم من آدم وآدم من تراب» (١) كيف إذًا محمد وبينه وبين آدم الله كم جد، ثم هو قبل هؤلاء خلق من نور، هذه تريد إيمان .. تريد مخ كبير لا وجود له في هذا الكون، أنه يؤمن بمثل هذه الخرافات أما عامة المسلمين وبعض الخاصة منهم وأن تشاهد ومنهم الشيخ الشعراوي يؤمن بهذه الخرافة.
هذا حديث لا هو في البخاري ولا في مسلم ولا في السنن الأربعة ولا الأربعين ولا الأربعمائة لا أصل لهذا الحديث إطلاقًا إلا إذا صح التعبير في أمخاخ المخرفين، هذا له وجود هناك فقط، هذا ما هو الإسلام؟
الإسلام قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
إلى آخر ما قال ابن القيم ﵀.
"رحلة النور" (٣٩ب/٠٠:١٨:٠٨) و(٤٠أ/٠٠:٠٠:٠٠)
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٦٧٩٨).
[ ٦ / ٥٧٠ ]
موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر
محمد ناصر الدين الألباني
«موسوعة تحتوي على أكثر من
(٥٠) عملًا ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»
العمل الأول
سلسلة جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة
«تحتوي على ما يقارب ألفي مسألة
وفائدة عقدية مستخرجة من تراث العلامة الألباني بعناية»
(٤)
(كتاب الأسماء والصفات)
الجزء الثاني
صَنَعَهُ
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
[ ٧ / ١ ]
جماع أبواب الرد على عقيدة "الله موجود في كل مكان" أو "موجود في كل الوجود"
(غير ما تقدم)
[ ٧ / ٥٨٩ ]
[١٠٣٧] باب رد قول الجهمية: الله في كل مكان وبيان خطأ الدعاة الذين يتهاونون في رد هذه العقيدة
[قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو" بعد أن بين أن علو الله تعالى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول]:
ومن هنا نعلم مبلغ ضلال الجهمية ومن تأثر بهم من الخلف الذين أنكروا جميعًا أن يكون الله تعالى على عرشه فوق خلقه، ثم انقسم هؤلاء إلى مذهبين:
الأول: مذهب الجهمية الذين ذهبوا إلى أن الله تعالى في كل مكان مخلوق (١). وقد جادلهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فأحسن جدالهم وكشف به عوارهم فقال في رسالة " الرد على الجهمية ":
" وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله ﷾ حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل:
أ - إن زعم أن الله تعالى خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه.
ب - وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم كفر أيضًا حين زعم أنه
_________________
(١) وحكاه الأشعري في (مقالات الإسلاميين) (ص ٢١٢) عن بعض المعتزلة، وتبرأ منه في "الإبانة " كما ستراه في ترجمته، وجزم بأنه تعالى مستو على عرشه، وهذا خلاف اعتقاد أتباعه المنتسبين إليه كما سترى قريبًا. [منه].
[ ٧ / ٥٩١ ]
دخل في كل مكان وحش وقذر.
ج - وإن قال خلقهم خارجًا من نفسه ثم لم يدخل فيهم؛ رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة) (١) ..
والمذهب الآخر قول بعض غلاة النفاة للعلو:
" الله لا فوق، لا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا أمام، ولا خلف لا داخل العالم، ولا خارجه " (٢) ويزيد بعض فلاسفتهم:
" لا متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه "
قلت: وهذا النفي معناه - كما هو ظاهر - أن الله غير موجود، وهذا هو التعطيل المطلق والجحد الأكبر، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًاّ كبيرًا، وما أحسن ما قال محمود بن سبكتكين لمن وصف الله بذلك: "ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم " ذكره في " التدمرية " (ص ٤١).
وهذان المذهبان الباطلان أحدهما - ولا بد - لازم لكل من أنكر صفة العلو لله على عرشه كما سبق بيانه، وإن مما يؤسف له شديد الأسف أن المذهب الأول منهما هو السائد اليوم على ألسنة الناس في هذه البلاد عامتهم وخاصتهم فما تكاد تجلس في مجلس يذكر الله فيه إلا بادرك بعض الجالسين فيه بقوله: " الله موجود في كل مكان " وقد يقول آخر: " الله موجود في كل الوجود " فإذا سارعت إلى
_________________
(١) "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص ٧٦ - ٨٠) ومثله في رسالة " المعرفة " للشيخ عبد الكريم الرفاعي - ﵀-. [منه].
(٢) كذا في " حاشية البيجوري على الجوهرة " (ص ٥٨) وقد سمعت هذا النفي من بعض المشايخ على المنبر يوم الجمعة يُعلم المسلمين الإيمان برب العالمين. [منه].
[ ٧ / ٥٩٢ ]
بيان بطلان هذا الكلام لما فيه من نسبة ما لا يجوز إلى الله من كونه مظروفًا لخلقه، وما فيه من المخالفة لصفة علوه على عرشه، سارع بعض المتعالمين إلى تأويل ذلك القول بضم جملة " بعلمه " إليه، كأنما هو آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله - ﵌ - لا بد من تأويله، ولم يدر هؤلاء المساكين أنها كلمة الجهمية والمعتزلة وعقيدتهم على ما يدل عليه ظاهر هذا القول دون أي تأويل، فإذا سمعت تأويلهم إياه بقولهم " بعلمه " ظننت خيرًا، ولكن سرعان ما يخيب ظنك حينما توجه السؤال الموروث عن النبي المعصوم الكاشف عن إيمان المرء أو مبلغ معرفته بالله تعالى أو العكس ألا وهو قوله - ﵌ - للجارية: «أين الله» قالت: في السماء. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، فأنت إذا وجهت مثل هذا السؤال إلى العامة والخاصة وجدتهم يحملقون بأعينهم مستنكرين إياه، جاهلين أو متجاهلين أن النبي - ﵌ - هو الذي سَنَّهُ لنا، ثم تراهم مع ذلك حيارى لا يدرون بماذا يجيبون كأن الشريعة الإسلامية لم تتعرض لبيانه مطلقًا، لا في الكتاب ولا في السنة، مع أن الأدلة فيهما متواترة على أن الله تعالى في السماء، ولذلك فالجارية لما أجابت على السؤال بقولها: في السماء شهد لها النبي - ﵌ - بأنها مؤمنة لأنها أجابت بما هو معروف في الكتاب والسنة، فيا ويح من لا يشهد له الرسول - ﵌ - بالإيمان، ويا ويل من يأبى بل يستنكر ما جعله - ﵌ - دليلًا على الإيمان، وهذا والله من أعظم ما أصاب المسلمين من الانحراف عن عقيدتهم أن لا يعرف أحدهم أن ربه الذي يعبده ويسجد له أهو فوق خلقه أم تحتهم، بل لا يدري إذا كان خارجًا عنه أو في داخله، حتى صدق فيهم قول بعض المتقدمين من أهل العلم:" أضاعوا معبودهم "،وهم مع ذلك لم يبلغوا في الضلال شأن أولئك الذين حكموا عليه بالعدم حين
[ ٧ / ٥٩٣ ]
قالوا: "لا فوق ولا تحت " إلخ فحق فيهم قول بعضهم: " المعطل يعبد عدمًا، والمجسم يعبد صنمًا "، يشير بذلك إلى الجهمية المعطلة النفاة، وإلى المجسمة الممثلة الذين يثبتون الصفات مع التجسيم والتشبيه، والحل وسط بينهما كما تقدم.
ومع خطورة هذه المسألة وبالغ أهميتها وشدة الخلاف القائم فيها بين أهل السنة من جهة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من النفاة من جهة أخرى حتى قال ابن القيم رحمه الله تعالى في " الجيوش الإسلامية " (ص ٩٦):
" بل الذي بين أهل الحديث والجهمية من الحرب أعظم مما بين عسكر الكفر وعسكر الإسلام "
أقول: مع هذا كله نرى أغلب الدعاة الإسلاميين اليوم لا يقيمون لهذه المسالة ولا لأمثالها من مسائل الاعتقاد وزنًا، ولا يلقون لها بًالا، فلا تسمع لها في محاضراتهم ولا في مجالسهم الخاصة فضلًا عن العامة ذكرًا، ويكتفون من المدعوين أن يؤمنوا إيمانًا مجملًا؛ ألا ترى إلى ذلك الدكتور الذي قال في مقدمة رسالة " باطن الإثم " وهو يرسم للمسلمين المتفرقين المتدابرين الدواء بزعمه:
" وما أظن إلا أننا جميعا مؤمنون بالله إلها واحدًا لا شريك له، بيده الخير والملك، وهو على كل شيء قدير "
نعم نحن مؤمنون بالله ولكن إيمان المؤمنين يختلف بعضه عن بعض أشد الاختلاف، وما نحن فيه من صفة العلو أوضح مثال فإن كان الدكتور يعتقدها على طريقة السلف المثبتين لها بدون تشبيه ولا تعطيل؛ فالناس الذين وضع لهم هذه الرسالة لا يشاركونه في ذلك الاعتقاد إن كان هو ليس شريكًا لهم في اعتقادهم،
[ ٧ / ٥٩٤ ]
فماذا يفيد هذا الإيمان وهو ليس على ما شرعه الله وبينه، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام أبو محمد الجويني في مقدمة رسالته السابقة " الاستواء والفوقية " بعد أن ذكر الله تعالى ببعض صفاته كالسمع والبصر والكلام واليدين والقبضتين:
" استوى على عرشه فبان من خلفه، لا يخفى عليه منهم خافية، علمه بهم محيط وبصره بهم نافذ، وهو في ذاته وصفاته لا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يمثل بشيء من جوارح مبتدعاته، هي صفات لائقة بجلاله وعظمته لا تتخيل كيفيتها الظنون، ولا ترها في الدنيا العيون، بل نؤمن بحقائقها وثبوتها واتصاف الرب تعالى بها، وننفي عنها تأويل المتأولين، وتعطيل الجاحدين، وتمثيل المشبهين، تبارك الله أحسن الخالقين، فبهذا الرب نؤمن، وإياه نعبد، وله نصلي ونسجد، فمن قصد بعبادته إلى إله ليست له هذه الصفات فإنما يعبد غير الله، وليس معبوده ذلك بإله ".
والإمام الجويني رحمه الله تعالى حينما يقول ذلك، ويُصدِر هذا الحكم العدل على النفاة إنما تلقى ذلك عن أئمة السلف (١) فسيأتي في ترجمة الإمام عبد الله بن المبارك قوله في الجهمية: " إنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء "، في ترجمة عباد بن العوام: " آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء أرى أن لا يناكحوا أو يتوارثوا "، ونحوه في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي، ووهب بن جرير، والقعنبي، وأبو معمر القطيعي، وغيرهم من الأئمة، لكنهم لا
_________________
(١) وهذا معنى ما جاء في رسالة " المعرفة " للشيخ عبد الكريم الرفاعي ﵀ (ص ١٢): " ومن اعتقد اعتقادًا غير مطابقًا للواقع كاعتقاد النصارى بالتثليث والوثنية بالتجسيم وغير ذلك من المعتقدات الباطلة فهو كافر بإجماع المسلمين ". [منه].
[ ٧ / ٥٩٥ ]
يكفرون بالجهل (١) بها أحدًا إلا بعد انتهائها إليه كما سيأتي في ترجمة الإمام ابن جرير الطبري.
"مختصر العلو" (ص٥٢ - ٥٦).
[١٠٣٨] باب بيان ضلال قول بعضهم: الله في كل مكان، أو موجود في كل الوجود
[سئل الشيخ عما يقوله كثير من الناس: الله في كل مكان، أو موجود في كل الوجود، فأجاب]:
هذا هو الضلال المبين، مع صريح القرآن بأن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى:١)، ووصفه لعباده المؤمنين، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (النحل:٥٠) .. ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤) .. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠).
آيات كثيرة وأحاديث كثيرة تبين أن الله ﷿ هو الغني عن العالمين، وأنه مستعل على خلقه أجمعين، وأنه ليس ممازجًا لخلقه كما يقول هؤلاء الناس الذين أشرت إليهم، أن الله في كل مكان، الله في كل مكان، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرا.
في الحديث الصحيح: «كان الله ولا شيء معه» أين المكان الذي حشره الناس في كل مكان، وبخاصة هذه الأمكنة فيها الأمكنة الطاهرة، وفيها الأمكنة النجسة والخبيثة، فيها الكهاريج وفيها البارات، وفيها الحانات، والخانات، و..
_________________
(١) في الأصل: بالجهم وهو خطأ صححته بالرجوع إلى ترجمه ابن جرير من الكتاب (ص٢٢٤).
[ ٧ / ٥٩٦ ]
إلى آخره، كيف لا ينزهون الله ﷿ عن أن يكون في كل مكان، مع أنه يقول في أكثر من آية أنه على العرش استوى، وفي الحديث الصحيح : أن الرسول ﵇ سأل جارية يريد سيدها أن يعتقها، قال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال لها: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. فالتفت إلى سيدها وقال له: «اعتقها فإنها مؤمنة».
الجارية في عهد الرسول أفقه من كثير من الفقهاء اليوم؛ لأنك إن سألت كثيرًا من هؤلاء، أين الله؟ أجابك: في كل مكان، واحد جاري يقول: الله موجود في كل الوجود، مساكين هؤلاء الناس، الوجود مخلوق، وكان الله ولا مخلوق، فهل ربنا بعد أن خلق المخلوق اندس في هذا المخلوق على ما فيه من قاذورات، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
"الهدى والنور" (١٧٨/ ٢٠: ١٧: ٠١)
[١٠٣٩] باب بيان ضلال عقيدة: الله في كل مكان
[قال الإمام]:
(سألتني) امرأة في الجامعة، وهي تدرس في الجامعة أيضًا، ناقشها دكتور في موضوع علو الله على العرش، يقول الدكتور: هذا خطأ، الله في كل مكان.
مداخلة: الله يهديه.
الشيخ: والله! هذه العقيدة الكافر لا يقبلها، وأنا دخلت في تجربة، كنت مرة منطلق من حلب إلى إدلب، ومن إدلب إلى اللاذقية غربًا هناك في سوريا، وكان معي أحد إخواننا اسمه عبد الرحمن شلبي، ذهبنا إلى اللاذقية من إدلب، تعرفون
[ ٧ / ٥٩٧ ]
الأوروبيين عندهم طريقة الشحاذة، الذي يكون في سيارة مجانًا ماذا يعملوا.
مداخلة: ستوب بيسموها.
الشيخ: ما أعرف، يوقف شحاذ في الطريق بس بطريقة عصرية، وأنا ماشي بسيارتي وبجانبي صاحبي، طبعًا مسرعين بعض الإسراع، أو كثير الإسراع، ما أدري ، المهم بعدما قطعنا شوطًا سمعنا أن هناك شخصًا رافع إبهامه، وقفنا هكذا وتطلعنا بالمرآة، فعلًا: ما رأيك يا عبد الرحمن، دعنا نأخذه معنا، السيارة فاضية، الشاهد، رجعنا والله، وإذ بالرجل أمريكي، وزوجته واقفه ، ولكن ليست واقفة علنًا، (واقفة) جانبًا، فلما أوقفنا السيارة أشار إليها، فقلت (لأخينا)
عبد الرحمن، إذًا: سنقطع الطريق معهما بعدما عرفنا أنهم أجانب، الشاهد: ركبوا الاثنين ومشينا، صاحبي يرطن الانجليزية، أما أنا لا أرطنها، حسبي ألبانيتي.
بدأ قلت له: اسألهم من أين هم، حتى وصلنا: ما هي عقيدتك أنت في الله ﷿، قال: في كل مكان. هذه عقيدة الدكتور، غرابة أن تكون عقيدة واحد كافر أمريكي، ليس هناك غرابة، فقلت أنا لصاحبنا: قل له كذا .. قل له كذا .. وهو يترجم حتى وصلنا إلى بيت القصيد، قال لي: والله هذا هو المعقول، المعقول أن الله فوق المخلوقات كلها؛ لأنه كان وليس هناك خلق، لا زمان ولا مكان، كيف يقال أن الله في كل مكان، الدكاترة المصريون لا يفهمون بعد هذه العقيدة، ويلقنونها الطلاب، وفي الأزهر الشريف، ويأتي الأزهري ويناقشك ويضللك فوق هذا؛ لأنك تقول: الرحمن على العرش استوى.
"الهدى والنور" (٢٨٢/ ٥٤: ٠٨: ٠٠)
[ ٧ / ٥٩٨ ]
[١٠٤٠] باب في علو الله تعالى
ونقد عقيدة: الله موجود في كل الوجود
سؤال: نسمع البعض يقولون: أن الله ﷾ في كل مكان، ونسمع البعض يقول: أنه فوق عرشه في السموات، أو في السماء السابعة؟ أفيدونا جزاكم الله كل خير؟
الشيخ: نعم. هذا السؤال في الواقع سؤال مهم ويتعلق بواقع الأمة في العصر الحاضر، حيث مما يُفرِح القلب أن هناك ما يسمى بالصحوة الإسلامية، وأنا أعتقد بأن هناك صحوة فعلا، ولكنها في أوائلها، من ذلك أننا وكما ترون كدنا نبلغ الثمانين، منذ أربعين سنة ما كنا نسمع: قال الله، قال رسول الله في ألسنة الخطباء والوعاظ والمرشدين إلا ما ندر جدًا، وإذا تحدث أحدهم بآية فهو لا يحسن تفسيرها؟ لأنه لا يعرف الأصول التي ينبغي أن تفسر الآية الكريمة على أساسها، وإذا روى حديثا عن رسول الله - ﵌ - فهو يرويه دون أن يتثبت من صحته وهكذا. أما الآن فأظنكم جميعا تشهدون معي أنكم كثيرا ما تسمعون أن هذا حديث صحيح، وهذا رواه البخاري هذه رواه مسلم، وهذا الآية فسرها ابن جرير الطبري بكذا، وابن كثير الدمشقي بكذا الخ.
فهذه بلا شك من علامات الصحوة، ولكن كما قلت آنفا لا نزال نحن في أول الصحوة، فالآن أثرت مسألة الأسماء والصفات كما سمعتم آنفًا، وأن المسلم يجب أن يوحد الله في أسمائه وصفاته، فهل من صفات الله ﷿ ما يدندن به بعضهم، بل كافة العامة من المسلمين اليوم، وبعض الخاصة منهم، ومن أولئك الذين ينتمون إلى بعض المذاهب الكلامية أو التوحيدية: كالأشاعرة، والماتريدية،
[ ٧ / ٥٩٩ ]
فضلا عن المعتزلة الذين ليس لهم ذكر في هذه الأيام إلا من أفراد ضلوا ضلالهم؟ ففي عقيدة الأشاعرة والماتريدة تبعًا للمعتزلة: أن الله ﷿ في كل مكان، فهل هذا من صفات الله ﵎؟
هل من صفات الله ﷿ أن له مكانا؟
نحن البشر لنا مكان، فنحن الآن في بيت من بيوت الله، نحن في مكان، لكن الله ﷿ هل هو في مكان؟.الجواب: الله ﷿ منزه أن يكون في مكان؛ لأن الله ﷿ باتفاق جميع المسلمين على ما بينهم من اختلاف في مثل هذه المسألة وغيرها: كان الله ولا شيء معه، كان الله ولا شيء معه كما في حديث عمران بن حصين في صحيح البخاري. إذن كان الله ولا شيء معه: أي لا كون معه: أي أن يقال: إن الله ﷿ في كل مكان هو من الشرك الذي ينافي توحيد الله في أسمائه وصفاته، لماذا؟
لننظر الآن بماذا وصف الله ﷿ به نفسه؟
هل وصف نفسه في الآية، أوفي حديث صحيح أنه في كل مكان؟
هذا الكلام لا أقول: إنه لم يرد في حديث؛ بل هو كلام ما أنزل الله به من سلطان؛ ذلك لأنه مخالف لما وصف الله ﷿ به نفسه أما الآيات التي فيها وصف الله ﷿ لنفسه بأن له صفة العلو المطلق على كل مخلوقاته، وأنه ليس في شيء من مخلوقاته، بل هو فوق مخلوقاته كلها، الآيات في ذلك لا تعد ولا تحصى؛ فمثل الآية التي جاءت في الاستدراك فيما أظن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥). ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) الآن نقف قليلًا هنا لنذكِّر بأصل من أصول التفسير الصحيح الذي إذا تمسك به المسلم كان على هدى من
[ ٧ / ٦٠٠ ]
ربه، وإذا حاد عنه عاش في ضلال بعيد.
القرآن يجب تفسيره بالقرآن: هذا هو الأصل الأول القرآن يفسر بالقرآن، وبحديث الرسول ﵇ ثم بالآثار الصحيح الواردة عن سلفنا الصالح.
هذا النظام لا بد من التزامه في تفسير القرآن الكريم وبخاصة ما كان من القرآن متعلقا بغيب الغيوب وهو الله تبارك تعالى متعلقا بعبادته أو بصفة من صفاته، فتفسير هذه الآيات لابد أن تفسر على هذا المنهاج، يفسر القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بالآثار الواردة عن السلف الصالح.
كنا ذكرنا لكم في بعض الجلسات السابقة أنه لا يكفي للمسلم اليوم أن يكون على هدى من ربه، وأن يكون سالكا سويًا على صراط مستقيم أن يقول: أنا آخذ بالكتاب والسنة، هذا لا بد منه ولكن هذا وحده لا يكفي، لا بد من الكتاب والسنة وشيء ثالث: وهو ما كان عليه السلف الصالح.
وأثبت لكم ببعض النصوص ولا أريد إعادة الموضوع وإنما الآن أذكر بقوله ﵎ فقط: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥). كان يكفي أن يقال في الآية الكريمة: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى، لكن الله ﷿ أضاف إلى ما ذكر جملة أخرى فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥).
هذه جملة مهمة جدا؛ لأنها تعني: أن فهم الكتاب وفهم السنة لا سبيل لنا إليه إلا من طريق سلفنا الصالح.
الآن، وكما قلت: لا أعيد الكلام الماضي خشية التكرار والملل، قول بعض
[ ٧ / ٦٠١ ]
المعاصرين اليوم تبعا لبعض أهل الكلام أو علماء الكلام: إن الله في كل مكان، هل نجد هذه الكلمة، هذه الجملة، هذه العقيدة في كلمات السلف الصالح؟
حاشا الله، وإنما في كلمات السلف الصالح ما يتجاوب مع الآيات والأحاديث التي نثبت لله ﷿ صفة العلو على المخلوقات كلها.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠)، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤).
«ارحموا من في الأرض يرحكم من في السماء»، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)، آيات وأحاديث كثيرة فضلا عن أقوال السلف الصالح التي تجمع كلها على إنكار هذه الضلالة: إن الله ﷿ في كل مكان، وإثبات أن الله ﷿ ليس له مكان، وإنما هو كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، وفسروا استوى بمعنى: استعلى، أما أولئك الذين جعلوا الله في كل مكان فتأولوا الآية وعطلوها خلاف المنهج في تفسير القرآن الذي ذكرته لكم آنفا، حيث قالوا استوى: أي استولى.
هذا مع أنه تفسير خلفي ليس له أصل في أي كلمة من كلمات السلف الصالح، فبالإضافة إلى ذلك هو مخالف لتفسير السلف الصالح فهذه الآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥).
أي: استعلى، هكذا فسره السلف، وجملة الإمام مالك ﵀ إمام دار الهجرة حينما جاءه ذاك السائل يقول له: يا مالك، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) كيف استوى؟
قال: الاستواء معلوم أي وهو العلو والارتفاع، والكيف أي الذي أنت تسال
[ ٧ / ٦٠٢ ]
عنه مجهول، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل؛ فإنه مبتدع.
خلاصة الكلام في إبطال هذه الضلالة وهي قولهم: إن الله في كل مكان، البحث فيها طويل وننصح في هذه المناسبة قراءة كتاب "العلو للعلي الغفار أو للعلي العظيم"، للحافظ الذهبي، والأولى مختصر العلو؛ لأنه أقرب تناولا بعد تهذيب الأصل، وهو بقلمي وبتأليفي.
مختصر العلو للعلي الغفار، فقد ذكر فيه الآيات التي تثبت لله ﷿ صفة أنه على المخلوقات كلها، وأنه ليس في مكان، والأحاديث الكثيرة، والكثيرة الطيبة التي جاءت تتجاوب مع النصوص القرآنية بأن الله ﷿ فوق المخلوقات كلها، ثم الآثار السلفية عن الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى زمن الإمام الذهبي، إلى ما بعد القرن السابع من الهجرة.
عشرات إن لم نقل مئات العلماء الذين يبطلون هذه الضلالة وهي قولهم: إن الله في كل مكان، ويثبتون أن الله ﷿ فوق المخلوقات كلها.
ومن أوضح الأدلة على ذلك، حديث الجارية الذي اتفق علماء الحديث على تصحيحه، وخلاصة هذا الحديث أن رجلا من أصحاب النبي - ﵌ - اسمه: معاوية بن الحكم السلمي، كان له جارية ترعى غنما له في أُحُدٍ، فسطا الذئب يومًا على الغنم، فغضب السيد سيد الجارية فصفعها صفعة في خدها، وندم على ما فعل، فجاء إلى النبي - ﵌ -، وقال: يا رسول الله إن عليَّ عتقُ رقبة، وعندي جارية، يسأله: هل يجزى عنه أن يعتقها ويكون كفارة ما عليه من عتق؟
قال: «ها تها». فلما جاء بها قال لها رسول الله - ﵌ -: «أين الله؟.قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال لسيدها: أعتقها؛ فإنها مؤمنة».
[ ٧ / ٦٠٣ ]
اعتبر رسول الله - ﵌ - شهادة الجارية بأن الله في السماء: أنها ليست تشهد فقط بلسانها: أن لا إله إلا الله، بل هي تؤمن بأنه واحد في ذاته، واحد في عبادته، واحد في صفاته؛ فإياكم أن تقعوا في هذه الضلالة؛ لأننا نسمعها، نكون في مجلس فكأنه يذكر الله فيقول: الله موجود في كل الوجود، ألا تسمعوه هذه الكلمة؟ هذه هو معناه: الله موجود في كل الوجود.
هناك وجودان أحدهما: واجب الوجود وهو الله، كان ولا شيء معه كما سمعتم.
الوجود الثاني: هو الوجود الممكن وهو المخلوق.
فنحن لنا وجود ولله ﷿ وجوده الأزلي: لا أول له ولا آخر فإذن الله موجود في كل الوجود يعني ومنها الوجود هذا الذي نحن فيه الآن هنا معنى تلك الضلالة: الله موجود في كل مكان، فإياكم أن تقولوها صريحة، الله موجود في كل مكان، أو الله موجود في كل الوجود، لا.
هذا ضلال ما بعده ضلال؛ لأنه ينافي ما ذكرناه مما جاء في القرآن والسنة والآثار السلفية: أن الله ﷿ فوق المخلوقات كلها.
يقابل هذه الضلالة ضلالة أخرى هي أضل من الأولى، الضلالة الأخرى هي أن الله ﷿ ليس داخل العالم ولا خارجه.
الذي يقول: أن الله ﷿ داخل العالم، أي يقول: الله موجود في كل مكان، أو الله موجود في كل الوجود، هنا يثبت لله وجود مع التشبيه، والتشبيه باطل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ولذلك فهذا ضلال، ولكن أضل أن يقال: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجة، فهذا نصف الكلام صح: الله ليس داخل
[ ٧ / ٦٠٤ ]
العالم، هذا هو كلام صحيح، وإنما هو فوق المخلوقات كلها.
أما أن نتبع هذه الكلمة بقولهم: ولا خارج العالم، فهذا اسمه في لغة العلماء: تعطيل وجود الحق: أي إنكار وجود الحق، لأن الله ﷿ كما ذكرناكم آنفا في حديث عمران بن حصين: «كان الله ولا شيء معه».
إذن كان الله ولا مخلوق معه، لكن فيما بعد خلق المخلوقات كما هو مشاهد ويجب الإيمان بذلك أن هناك وجودان كما ذكرنا.
فالله ﷿ إذا لم يكن داخل العالم وهو الحق: أنه ليس داخل العالم، فإذا قال قائل بالإضافة إلى ذلك: ليس خارج العالم معناها: لا إله، معناها: الإلحاد والجحد المطلق، معناه الرجوع إلى عقيدة غلاة الصوفية، ولا أقول الرجوع إلى عقيدة الصوفية؛ لأن الصوفية قسمان:
منهم غلاة ومنهم دون ذلك.
الغلاة: هم الذين يقولون: بأن الوجود واحد، غلاة الصوفية وعلى رأسهم: ابن عربي، هو الذي يقول: إن الوجود واحد، أما المسلمون فهم يقولون: لا
إله إلا الله.
فهذه الآية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد:١٩) نثبت وجودين، الوجود الواحد المعبود الحق، والوجود الآخر: المعبودات بالباطل.
أما ابن عربي ومن ضل به فهم يقولون: الوجود واحد، وهم لهم عبارات يفصحون فيها عن شركهم وعن ضلالهم.
فهم يقولون مثلا: كل ما تراه بعينك فهو الله، كل ما تراه بعينك، فهو الله.
[ ٧ / ٦٠٥ ]
الوجود واحد، شو بتشوف بتشوف بشر، بتشوف حجر، بتشوف شجر، بتشوف سماء، بتشوف أرض، هذا الكون هو الله، هو عقيدة الدهريين، هو عقيدة الشيوعيين، لا إله، هذه تعود إلى الإنكار المطلق لوجود الله ﷿.
فإذا قيل: إن الله ليس داخل العالم، ولا خارجه، فمعنى ذلك أن الوجود هو واحد، وهي عقيدة غلاة الصوفية: كل ما تراه بعينك فهو الله، لما عبد قوم نوح الآلهة كما قال في القرآن: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح:٢٣) هل عبدوا غير الله؟ الجواب عند غلاة الصوفية لما عبدوا المجوس النار، ما عبدوا إلا الواحد القهار.
هذا هو الجحد المطلق فإذا قيل: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، رجعت هذه العقيدة التي تقال إنها عقيدة أهل السنة والجماعة اليوم هناك أفراد من الناس ينشرون بعض الرسائل، ويعلقون بعض التعليقات إن لم نقل التعليكات، يكتبون هذه العقيدة إنه عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الله لا داخل العالم
ولا خارجه.
الله ﷿ كان ولا شيء معه، فهو الآن كما من قبل كان، هو الآن مستغنى كما كان من قبل مستغن عن المخلوقات كلها، فلما خلق المخلوقات قال: استوى عليها: استعلى، استعلى، أي ارتفع، ولا بد هنا لتوضح هذه العقيدة بشيء من العقل السليم: إن الله ﷿ بعد أن ثبتنا بنصوص الكتاب والسنة: أن الله ﷿ فوق المخلوقات وليس داخل المخلوقات،
لا بد لنا بعد ذلك أن نناقش أولئك المنكرين لوجود الله مطلقا، وإن كانوا يقولون: اله موجود، ولا إله إلا الله، ولكن حينما يقولون: هو لا داخل العالم ولا
[ ٧ / ٦٠٦ ]
خارجه، معنى ذلك: أنهم أنكروا وجود الله، نحن نقول لهؤلاء: أنتم معنا: أن الله كان ولا شيء معه، فلما خلق الخلق لا بد من شيء من ثلاثة أشياء، لا بد أن الله ﷿ حين خلق الخلق دخل في خلقه، وهذه هم متفقون معنا: أن الله ليس في كل مكان حينئذ ٍتبقى الثانية: لا بد أن الله ﷿ لما خلق الخلق جعلها فوق، وهذا باطل؛ لأن الله فوق كل شيء، إذن لم يبق إلا الثالثة: أن الله ﷿ لما خلق خلقه واستعلى عليها وارتفع، وهذا هو اللائق بالله ﷿.
فلذلك القول: بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه هو كما قال ابن تيمية ﵀ يصف طائفتين كلتا هما في ضلال، لكن إحداهما أضل من الأخرى، قال: المشبه الذي يشبه الله ببعض مخلوقاته يعبد صنمًا، يعبد شيئا موجودًا، ولكنه يشبه بالأصنام التي كان المشركون يعبدونها من دون الله.
المشبه يعبد صنما، والمُعطِّل يعبد عدمًا.
من هو المعطل؟
هو الذي يقول: لا داخل العالم ولا خارجه.
الذي يقول: هو داخل العالم مشبه، وهو في ضلال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).
والذي يقول: إن الله ﷿ لا داخل العالم ولا خارجه، فقد أنكر وجود الله ﵎ فهذا أضل من الأول.
هذا الكلمة: لا داخل العالم ولا خارجه، اسمعوا الآن تفصيلها على ألسنة بعضهم، أريد أن أنهى الكلمة بهذه الكلمة؛ لتكونوا على بينة في أن كل من
[ ٧ / ٦٠٧ ]
يخالف عقيدة الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح يكون في ضلال مبين.
يقول قائلهم من هؤلاء علماء الكلام: إن الله لا يوصف: بأنه فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار ولا أمام لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصلا به ولا منفصلا به. قولوا لي بربكم: أليس هذا وصف للمعدوم؟
مدخلة: أي نعم.
الشيخ: إذا قيل لأي عاقل أوتي شيئًا من الفهم والعقل والبيان: صف لنا المعدوم، الذي لا وجود له، لا حقيقة له، لم يمكنه أن يصف هذا المعدوم بأكثر مما وصف هؤلاء معبودهم حينما قال قائلهم: لا فوق لا تحت، لا يمين لا يسار، لا أمام لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصلاَّ به ولا منفصلًا عنه.
أما نحن فنقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥).
مداخلة: قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) تبعا للسؤال الأول ما هو تفسيرها؟ وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦)؟
الشيخ: قبل الإجابة عن هذا السؤال والجواب عليه مختصر إن شاء الله، أريد أذكر بالأصل الذي ذكرتكم به في الكلمة السابقة، يجب تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال السلف. فمن أردا أن يعرف معنى هذه الآية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) عليه أن يدرس التفاسير السلفية التي ضربت لكم مثلا ببعضها: تفسير ابن جرير الطبري، تفسير ابن كثير الدمشقي ومن نحا نحوهما.
مداخلة: القرطبي يا شيخ يسأل عن القرطبي.
[ ٧ / ٦٠٨ ]
الشيخ: أحفظ سؤالك، حسبي أن أقول ومن نحا نحوهما.
طبعا ليس كل مسلم يجب عليه أن يكون عالما، لكن إن لم يكن عالما، فلا بد من أن تكون سائلا كما هو الواقع الآن في الأسئلة السابقة واللاحقة والحاضر الآن من السؤال، أريد أن أذكر أن جوابي الآن سيأتي قائما على هذا الأصل من تفسير القرآن، فعلماء التفسيري قاطبة قالوا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) أي بعلمه ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) بعلمه، أي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء لذلك قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ هذا من نوادر أئمة السلف المحدثين الفقهاء الذين جمعوا بين العلم والزهد والجهاد، لا أعني جهاد النفس فقط بل جهاد الكفار، أي حمل السلاح، فهذا الرجل كان مجاهدا في سبيل الله مع علمه وزهده وتقواه، وهو من كبار شيوخ الإمام أحمد إمام السنة ﵀.
قال: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، الله ﵎ فوق عرشه بذاته هذا بحث سبق بيانه بشيء من التفصيل ثم قال هذه ثلاثة أمور يجب على الأقل على كل مسلم أن ترسخ معانيها له في عقله، ثم في قلبه الذي يؤمن به: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، أولا ثانيا: بائن من خلقه، بائن من خلقه؛ ضربٌ للخرافة السابقة: الله موجود في كل الوجود، لا: بائن من خلقه أي: هو الغنى عن العالمين بنص القرآن الكريم، هذه الخصلة الثانية.
أعيد فأقول: الله ﵎ مش أنا أقول: أحكى عن عبد الله بن المبارك ما قال فأقول: قال: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، هذه الأولى، بائن من خلقه: أي ليس داخل العالم وإنما هو مستغنٍ عن العالم، خارج العالم.
[ ٧ / ٦٠٩ ]
الثالثة وهي موضع الشاهد: وهو معهم بعلمه: أي: السؤال السابق: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) بعلمه، ليس بذاته، وأنا أستغرب مثل هذا السؤال وبعد ذاك البيان: بأن القول بأن الله بذاته في كل مكان، هذا باطل شرعا وعقلا.
إذن لا ينبغي أن يسبق إلى ذهن السائل أنه ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) يعني بذاته، هذا معنى يترفع عن أن يراه المسلم في منامه، وليس في يقظته، لماذا؟
نحن الآن في بيت، في مكان هو من خير البقاع كما جاء في الصحيح عن رسول الله: أنه سئل عن خبر البقاع وشر البقاع، قال: «خير البقاع المساجد، وشر البقاع، الأسواق».
كبقعة كبيرة، لكن في السوق، في السوق في أماكن هي شر من السوق، هي المراحيض مثلا، فالسوق مكان من شر البقاع كما سمعتم وأشر من هذا الشر هي المراحيض، قد يكون في بعض الأسواق بارات، خمارات، بيوت الزنا والعهرو و.. الخ.
هل الله ﷿ بذاته في هذا الأماكن: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) حاشا، لكن هو فوق عرشه كما قال عبد الله بن المبارك، لكن هو معكم بعلمه؛ فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
إذن لا تُشْكِلن هذه الآية على أحد أن المقصود بها: ذات الله، ذات الله مستغن عن مخلوقات الله كلها، «كان الله ولا شيء معه».
إذن: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤)، هو معكم بعلمه أينما كنتم، لا يقول الإنسان: والله أنا بين جدران أربعة في حجب بيني وبين ربى فلا يراني، لا،
[ ٧ / ٦١٠ ]
هذا لا يقوله إلا ملحد منكر لوجود الله ﷿.
كذلك يقال عن مثل الآية: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) هذه الآية آخرها يُفَسِّرُ أوَّلها، وأولها يفسر آخرها: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦). هذه الجملة تفسير لقوله تعالى: إنني معكما بماذا؟ أسمع وأرى.
إذن هو معهم لما بعثهم إلى فرعون، وأمرهم بأن يذكِّراه وأن يخوفاه، قال لهما: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦).
فهذه الجملة: أسمع وأرى تفسير لقوله تعالى: إنني معكما ليس معك كقائد الجيش، أو رئيس الجيش مع وجوده، لا ليس كذلك، الله عز جل غني عن العالم، وهو يدبر الكون من السماء إلى الأرض وهو على العرش استوى كما قال تعالى.
"الهدى والنور" (٧٤١/ ٢٤: ٤٥: ٠٠) و(٧٤٢/ ٥٢: ٠٠: ٠٠) و(٧٤٢/ ٣٧: ١٥: ٠٠)
[١٠٤١] باب بطلان عقيدة: الله موجود في كل الوجود
[قال الإمام]:
يقول [بعضهم] وهو يذكر الله فيقول: لا إله إلا الله، الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود، هذه كلمة تقال في كل المجالس فيها فقهاء، فيها علماء، فيها دكاترة، ولا تسمع لأحد منهم حسًا في إنكار هذه العبارة، وهي خلاف العقيدة الإسلامية التي قال فيها قائلهم:
ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال
وقال الإمام عبد الله بن المبارك الذي يضرب به المثل في جهاده في سبيل الله في زمانه، وهو من كبار شيوخ الإمام أحمد إمام السنة: الله ﵎ .. احفظوا
[ ٧ / ٦١١ ]
هذه الكلمة لأنها جمعت العقيدة الصحيحة في عبارة قصيرة جدًا هي خلاصة الآيات الواردة فيما يتعلق بعلو الله على عرشه من جهة، وإحاطة علمه بعباده من جهة أخرى.
قال عبد الله بن المبارك: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، هذه أول عبارة منه. الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه.
والشاهد من كلمة عبد الله بن المبارك هذه قوله: بائن من خلقه، ومعنى بائن أي: مستغن، وهو الغني عن العالمين، كان الله ﵎ ولا شيء معه، ثم خلق العرش وخلق السموات والأرض كما هو معروف في الكتاب والسنة، فهو بائن من خلقه، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة حقًا، فما هي عقيدة المسلمين اليوم؟ تلخص بكلمة سابقة: الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود.
"الهدى والنور" (٤٨٦/ ٠١:٠٧:٤٨)
[١٠٤٢] باب الرد على من اتهم أهل السنة بأنهم يحدون الله بمكان
السائل: من هم الملائكة الكروبيون؟
الشيخ: من هم الملائكة الكروبيون؟ لم يثبت فيما علمتُ حديث فيه ذكر هذا الاسم للملائكة، الملائكة الكروبيون والحقيقة أن هذا الاسم منذ نحو ثلاثين سنة لم يكن مر بي في الأحاديث التي كنت قرأتها في مئات إن لم أقل ألوف الكتب أكثرها مخطوطة حتى سمعت هذا الاسم في منى في موسم من مواسم الحج، كنت جالسا في ليلةٍ هادئةٍ وجميلةٍ من أيام منى أتحدث مع بعض إخواننا من أنصار السنة المصريين والسوريين وغيرهم، لما دخل علينا شيخ
[ ٧ / ٦١٢ ]
سمته لا بأس به سلم وجلس واستمع وبعد أن توقفت قليلًا عن الكلام دخل هو في الموضوع يتكلم، تبين من كلامه أنه من الذين درسوا في الأزهر ويحملون في طوايا نفوسهم بغضًا للدعوة السلفية أو دعوة التوحيد وأنه متأثر ببعض الدعاوى الكاذبة التي تنسب إلى جماعة التوحيد في كل بلاد الإسلام سواء كان هنا أو في مصر أو في سوريا أو في غير مكان، وإذا به يتهجم ويقول أن دعوة الوهابيين بهذا الاسم دعوة جيدة، ولكنهم يشبهون الله بالمخلوقات.
فسألته: كيف ذلك؟
قال: إنهم يقولون بأن الله ﷿ - سبحان الله يخطِّئ القرآن وهو لا يشعر - قال: يقولون بأن الله على العرش استوى، فقلت له: هل هذا قولهم؟ أم قول رب العالمين؟ استدرك فقال يعني هو بأنهم يفسرون هذه الآية بمعنى، يفسرون الآية بمعنى أن الله قاعد على عرشه، قلت له: يا أخي الخلاف بينهم وبين مخالفيهم ليس في تشبيه رب العالمين بالمخلوقين فهذا باطل بالاتفاق، وإنما الخلاف هل يصح تأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء أم الصحيح أن الاستواء هو الاستعلاء ودخلت في هذا الموضوع طويلًا، وأمر طبيعي جدًّا أن خلاصة العقيدة السلفية في هذه الجزئية أن لله صفة الفوقية، فهو تمسك بهذه وقال: هل من المعقول أن الله ﷿ يكون فوق العرش، معنى ذلك أننا وضعناه في مكان، قلت له: لا، هذا وهم منكم ونحن نتبرأ من عقيدة تجعل الله ﷿ محصور في مكان وهو العلي الكبير، ثم بدأت المناقشة معه بطريقة خاصة قلت له: هل أنت معي في أن الله كان ولا شيء معه؟
قال: طبعًا
[ ٧ / ٦١٣ ]
قلتُ: حين كان الله فهل كان هناك عرش؟
قال: لا
إذن كان الله ولا شيء معه ثم خلق العرش
قال: نعم
تسلسلت معه فقلت له: نحن الآن في الأرض فما الذي فوقنا؟
قال: السماء الدنيا
ثم؟
الثانية، إلى أن وصلنا إلى السابعة، قلت: ماذا فوق السابعة؟
قال: العرش
قلتُ - وهنا الشاهد - وماذا فوق العرش؟
قال: الملائكة الكروبيون
لأول مرة أسمع هذا الاسم منذ نحو ثلاثين سنة، قلت: ما هذا؟ الملائكة الكروبيون فوق العرش؟ نحن نعرف أن الذي فوق العرش هو خالق العرش بدليل الآية السابقة وتأويل السلف لها بأنه على العرش استوى أي استعلى، وكما قال المعتبرين في هذه المسألة:
ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال
فالله غني عن العالمين، لكن أنا أسمع لأول مرة أن الذي فوق العرش هم الملائكة الكروبيون، هل عندك آية في إثبات أولا: أن هناك ملائكة يسمون
[ ٧ / ٦١٤ ]
بالملائكة الكروبيون؟
قال: لا
قلت: طيب، هل عندك حديث في أنه جاء ذكرهم فيه بهذه التسمية؟
قال: لا
قلت: فإذن من أين جئت بهذه العقيدة أن فوق العرش ملائكة كروبيون
قال: هكذا درسونا مشايخنا في الأزهر الشريف
قلت: يا عجبا، أنا أعلم أن علماء الأزهر يقررون على الطلبة في دروسهم ما يتعلق بأصول العقائد وأصول الفقه يقولون لهم: أحاديث الآحاد الصحيحة لا تثبت بها عقيدة، فكيف لقنوكم عقيدة ليست مذكورة لا في القرآن ولا في السنة؟ كيف اعتقدتم؟
فبهت الرجل، ثم تابعتُ الكلام، قلت له: هب أن فوق العرش أولئك الملائكة المسمون عندكم بالكروبيون، فماذا فوقهم، وقف الرجل، وقف حيران، وقد كنت قدمت معه كان الله ولا شيء معه، وكان مشتق من كن فيكون فلم يكن شيء هناك فقال الله لخلقه كن فكان، فإذا انتهى أن ما وصلنا إلى العرش وبزعمك أن فوق العرش أولئك الملائكة؛ فماذا فوق هؤلاء الملائكة، أعدم أم وجود؟
قال: لا، عدم، لأنا كنا اتفقنا أن لا شيء قبل أن يخلق الله ﵎ السماوات والأرض، كان الله ولا شيء معه، إذن فقبل أن يخلق الله شيئا لم يكن هناك شيء، فإذا انتهى بك العلم إلى أن فوق العرش الملائكة الكروبيون ولا
[ ٧ / ٦١٥ ]
شيء وراء ذلك من كون لأنه انتهى الخلق فإذا قال السلفيون بأن الله ﵎ على العرش استوى أي استعلى، فلماذا تنسبونهم إلى أنهم حصروا الله ﷿ في كونه ولا كون هناك لأن الكون محصور ومحدود وفي رأينا آخر الكون وأعلاه العرش، في رأيك أنت العرش وعليه الكروبيون ولا شيء بعد ذلك، فإذن العقيدة الصحيحة عقلًا ونقلًا إنما هي عقيدة السلف الصالح؛ لأنهم لم يجعلوا الله في مكان كما تزعمون؛ لأنه لا مكان هناك وراء العرش إنما هو العدم المحض إلا الله ﵎، ولكن ما بالكم أنتم أنكم حينما فررتم مما نسبتم السلفيين إليه وهم براء منه فإن الله ليس في مكان لأن ما بعد العرش ليس كونًا وليس مكانًا فهو على العرش استوى، لكن ما بالكم أنتم تفرون من إثبات هذه الصفة لله ﵎ وهي صفة التنزيه تمامًا؛ لأنه ليس في الكون، فكيف وأنتم تقولون إن الله في كل مكان تحصرونه في كونه الذي خلقه بعد أن لم يكن له وجود، فأنتم المشبهة وأنتم المجسمة، ولسنا نحن معشر السلفيين إلا القائلون بما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وعلى أساس من هذه الآية بطرفيها ننزهه تعالى تنزيهًا كاملًا ونثبت له الصفات كما يليق بعظمته وجلاله
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠١:١٥:١٥)
[١٠٤٣] باب الرد على مقولة: الله موجود في كل الوجود، وبيان بطلان مذهب الاتحادية والحلولية
قال الشيخ: لا بد أنكم جميعًا تسمعون عن طائفة تعرف بالصوفية، وعن علمٍ .. أو سلوكٍ، يُعْرَفُ بالتصوف، وهذا التصوف طبعًا أهله المنتمون إليه أيضًا هم درجات، فمنهم من اشتطَّ وخرج عن الإسلام باسم التصوف الإسلامي، خرج عن
[ ٧ / ٦١٦ ]
الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين؛ لماذا؟! لأنهم تأولوا وفسروا آيات من القرآن الكريم بتفاسير هي والفلسفة الإلحادية شيء واحد، أولئك الذين يُعرفون عند علماء المسلمين بأهل وحدة الوجود، هم الذين يقولون كما يقول الدهريون، -ولكن بألفاظ غير ألفاظ الدهريين-، يقولون: إنه ليس هناك إلا واحد، فالكون الذي نراه هو الله لذلك يسمون أهل الوحدة.
المسلمون يقولوا: لا إله إلا الله، ففي نفي وفي إثبات، فيه نفي لكل مُؤَوِّل بغير حق، ثم الإثبات لله الحق ﷾.
أما أولئك الصوفيين فيقولون: لا هو إلا هو، ثم يختصرونها وجعلونها وردًا لهم: «هُوْ هُوْ» فهذا انحرافٌ خطيرٌ كما ترون، يعني: إنكار لوجود الله الحق، وبالتالي إنكار الشرائع، لا إسلام .. لا يهودية .. ولا نصرانية، لأنه ما في عبد ورب، رب يكلِّف وعبد يكلَّف، لذلك قال قائلهم:
الرب عبد والعبد ربٌ فليت شعري من المكلَّف؟
إن قلت عبدٌ فذاك نفي أو قلت رب أنى يكلَّف؟
فلا هُوْ إلا هُوْ وبالأخير: هُوْ هُوْ
هناك كلمات تخرج من المسلمين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وليسوا من أولئك الدهريين، لكن يتلفظون أحيانًا بكلمات تؤدي بهم إلى تلك العقيدة الباطلة، وهذا أمر خطير جدًا، لا يكاد ينجو منه إلا الأقلون.
الآن نحن في مجالسنا المعتادة، يقول قائلهم بمناسبة وبغير مناسبة: الله في
[ ٧ / ٦١٧ ]
كل الوجود، (الله في كل الوجود) تساوي (لا هُوْ إلا هُوْ).
الشيخ: هذا تسمعونه كثير "الله موجود في كل الوجود"، تساوي عند إمعان النظر في دلالتها ومضمونها قول الصوفية الصريحين .. غلاتهم طبعًا: لا هُوْ إلا هُوْ.
لأننا إن تأملنا في شهادة الحق التي هي حينما يقول المؤمن حقًا: لا إله إلا الله، فهو يثبت وجودين: لا إله إلا الله، ينفي الآلهة الباطلة التي عبدت من دون الله، وهي موجودة، في القرآن في قول قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح:٢٣)، هؤلاء آلهة عبدت من دون الله، ولذلك لما بعث الله ﷿ نوحًا ﵇ إلى قومه كان أن أمرهم بأن يعبدوا الله وحده، فإذًا: (لا إله) نفي للآلهة الباطلة وهي موجودة.
(إلا الله) إثبات للوجود الحق وهو الله ﵎.
إذًا: هناك وجودان لا يمكن للمسلم الفاهم بإسلامه أولًا، ثم المؤمن بأنه مخلوق لله ثانيًا، لا يمكن إلا أن يثبت وجودين، يعبر علماء التوحيد بالوجود الأول، وهو وجود الخالق ﷾، فهو موجود بذاته، أي: أزلي لا أول له، فوجوده واجب الوجود كما يعبرون عنه، أما الوجود الآخر فهو ممكن الوجود وهو الإنسان والمخلوقات كلها، حيث كانت ثم قال الله ﷿ لها كوني فكانت، فهي سُبِقَت بالعدم بخلاف وجود الله ﷿، فهو الأول لا بداية له، كما هو معلوم لديكم جميعًا.
حينئذ، حينما يقول المسلم الغافل: الله موجود في كل الوجود، فإما أن يعني
[ ٧ / ٦١٨ ]
هاتين الحقيقتين، وهما متنافيتان تمامًا، الوجود الحق وهو الله، والوجود الممكن وهو الخلق، إما أن يعني هذا المعنى، حينئذ يقع في عقيدة أخرى غير وحدة الوجود وهي الحلول، تعرفون مثلًا بعض الطوائف الإسلامية يعتقدون بأن الله يَحِلُّ في بعض الأشخاص المعظَّمين بزعمهم، مثلًاَ بتشاهدوا هؤلاء العلويين والإسماعيليين، الإسماعيليين يمكن تقرأوا عنهم الشيء الكثير الذي كان الآغا تبعهم، كان كل سنة يوزن بوزن ذهب في أمريكا، فيعتقدوا أن هذا الإله يتقمصه، يحل فيه، هذا اسمه الحلول، هذا أخف من وحدة الوجود التي تكلمنا عليها آنفًا، وحدة الوجود شيء لا انفصال بعضه عن بعض، أما الحلول فالله منفصل وبائن عن خلقه كما يقول العلماء، لكن يحل ويتقمص بعض البشر -بزعمهم طبعًا- فإذا كان هذا الذي يقول: الله موجود في كل الوجود، يعني وجودين، فمعنى ذلك أن أحدهما حَلَّ في الآخر، فبدل ما يحل في شخص، حَلَّ في الكون كله، وهذا طبعًا كفر لا يشك في ذلك مسلم إطلاقًا، وإن كان يعني المعنى الأول (الله موجود
في كل الوجود) أي: لا خالق ولا مخلوق هناك، إنما هو شيء واحد، فهذا
أكفر وأكفر.
ترى هؤلاء المسلمين الذين يصومون معنا، ويصلون معنا، ونقتدي وراءهم .. الخ، لما يقول قائلهم: الله موجود في كل الوجود، ترى يعني أحد المعنيين؟! هل يعني الوحدة المطلقة عند الصوفية، أي: لا خالق ولا مخلوق، أو يعني الحلول، أن الله خلق الكون ثم حَلَّ فيه، ما أعتقد أن مسلمًا يعتقد هذه العقيدة أو تلك.
إذًا: لماذا يقولون هذه الكلمة، لماذا لا يتأدبون بأدب الرسول ﵇
[ ٧ / ٦١٩ ]
الذي يقول: «لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثَت نفسي، ولكن: لَقِسَت» (١). معنى خبثت هي: لَقِسَت، ولَقِسَت هي خَبُثَت، لكن الرسول أراد منا أن نتحدث عن أنفسنا بألفاظٍ لطيفةٍ، وإن كان المعنى هو نفسه، فما بالنا نحن حينما نتحدث عن
ربنا ﵎، في هذه الحالة لا يجوز أن نتكلم بكلمة توهم الكفر وتوهم الضلال.
حينما يُطْرَحُ مثل هذا البحث، كثيرًا ما يقول أكثر الجالسين في الواقع ينتبهوا وكأنهم كانوا في غفلة، لكن بعضهم بيقولك نحن لا نقصد أن الله ﵎ بذاته حالل في مخلوقاته كلها، ونحن ما قلنا إنهم يقصدون هذا؛ لأنهم إن قصدوا هذا، هذا بحث ثاني، يكون كفر، لكن نحن بحثنا في تهذيب الألفاظ.
إذًا: ماذا تقصدون الله موجود في كل الوجود؟ يعني علمه.
جميل جدًا، الله بعلمه بلا شك محيطٌ وهو بكل شيء محيطٌ ﵎، لكن التعبير إذًا: خطأ، تريد أن تقول تتحدث عن علم الله، فتقول: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:١٢)، نص في القرآن الكريم ﴿أحاط بكل شيء علمًا﴾، ﴿لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء﴾ لا تقول: (الله) الذي هو عبارة عن الذات الإلهية المتصفة بكل صفات الكمال، والمنزهة عن كل صفات النقصان، لا تقل: الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود، لكن تقول: أحاط بكل شيء علمًا.
فهذا البحث إذًا كان في سبيل إصلاح الألفاظ. فإذًا وضح ما قصدت إليه، مِنْ
_________________
(١) "البخاري" (رقم٥٨٢٥) ومسلم (رقم٦٠١٥).
[ ٧ / ٦٢٠ ]
أن من مقاصد الشارع تهذيب الألفاظ أيضًا، فبدل من أن نقول: الله موجود في كل الوجود، الله موجود في كل مكان، ونحن نقصد علمه، نقول: أحاط بكل شيء علمًا؛ لأن العبارة الأولى: (الله موجود في كل الوجود) تتصل بعقيدة غلاة الصوفية الذين يقولون: لا هو إلا هو، فليس هناك خالق ومخلوق، وكما قال قائلهم:
لما عبد المجوس النار ما عبدوا إلا الواحد القهار
لأن النار والجنة، خالق، ومخلوق، كل هذه أشياء لا حقيقة لها، وباختصار قولهم: لا هو إلا هو، يقولون: كل ما تراه بعينك فهو الله!
فإذًا: لا ينبغي للمسلم أن يتكلم بالكلمة يضطر بعدها إلى أن يتأولها، قلها صريحة وليس بعد القرآن أفصح منه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:١٢)، أما تتكلم الكلمة وتقول بعد ذلك: والله أنا أقصد كذا وكذا، قال ﵊ وهذا من تأديبه إيانا، لو أطعناه لنجحنا: «لا تَكَلَّمَنَّ بكلام تعتذر به عند الناس» (١).
(لا تكلمن) أي لا تتكلمن. (بكلام تعتذر به عند الناس).
والرواية الأخرى أقصر من هذا: «إياك وما يعتذر منه».
فلا تقل: الله موجود في كل مكان، والله موجود في كل الوجود، ستأتيك اعتراضات وانتقادات لا قِبَل لك بردِّها، سيقال لك: المكان الذي يضطر المسلم أن يدخله مرتين أو ثلاثة، ويتمنى أن لا يدخل ذلك المكان، هل ربك هناك أيضًا؟! وقس على ذلك الكهاريج والمجاري و.. إلى آخره، ما يقول المسلم بهذا.
إذًا: اسحب كلامك هذا، لا تقله.
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٧٤٢) بلفظ: «ولا تكلم بكلام تعتذر منه ».
[ ٧ / ٦٢١ ]
هنا والكلام ذو شجون كما يقال، فماذا نعتقد وماذا نقول، بدل قولنا: الله في كل مكان، أي: حينما نتحدث عن الذات الإلهية التي يعبر عنها بلفظة الجلالة: الله، اسم الذات، هذا معروف لدى المسلمين جميعًا.
قول بعضهم: الله في كل مكان، عرفنا أن هذا خطأ، وأن المقصود به العِلْم، فنقول: ليكن تعبيرك صحيحًا إذا كنت تقصد العلم الإلهي فتقول: أحاط بكل شيء علمًا.
لكن إذا أردنا أن نتحدث عن الله ﷿، عن الذات الإلهية، فماذا نقول؟
لقد جاء عن أحد السلف الأئمة وهو بالذات عبد الله بن المبارك من كبار شيوخ إمام السنة الإمام أحمد ﵀، جاء بعبارة جمعت فأوعت، قال: «الله ﵎ فوق عرشه بذاته، وهو بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه».
جاء في الجملة الأخيرة: «وهو معهم بعلمه» البحث السابق: «أحاط بكل شيء علمًا» لكن الآن في مبتدأ الكلام يتحدث عن الذات الإلهية، فيقول: الله ﵎ فوق عرشه بذاته. أخذ هذا من آيات كثيرة وكثيرة جدًا في القرآن الكريم .. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) .. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠).
وفي الحديث المشهور: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وهذا الحديث كأنه اقتباس من قوله ﵎: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦ - ١٧).
الإمام عبد الله بن المبارك شيخ الإمام أحمد يعبر عن هذه الآيات وغيرها مما
[ ٧ / ٦٢٢ ]
جمعه حافظ دمشق الحافظ الذهبي في رسالةٍ خاصةٍ وهي مطبوعة سماها: «العلو للعلي الغفار» جمع في هذه الرسالة الآيات التي تدندن حول هذه الصفة للذات الإلهية، وهي صفة العلو المطلق، الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة وآثار السلف، ومنهم أقوال الأئمة الأربعة، كلهم يدندنون حول ما جمعه عبد الله بن المبارك في هذه الكلمة: «الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه»
أبطل الحلول وهو مستغنٍ .. وهو الغني عن العالمين، لكن ذلك العلو الذي لا يمكن لعقلٍ بشريٍّ أن يدركه أو يتصوره؛ لا يعني أنه تخفى عليه خافية، قال: «وهو معهم بعلمه».
فهذه الجملة الموجزة جَمَعَ فيها عشرات الآيات والأحاديث وأقوال السلف، حتى تكون عقيدة المسلم عقيدة صحيحة بعيدة عن القول بوحدة الوجود، وبعيدة عن القول بالحلول الذي يقول به بعض الفرق الضالة، الله ﵎ فوق عرشه بذاته بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه.
" الهدى والنور" (٦٩/ ٤٤: ٠٨: ٠٠)
[١٠٤٤] باب تفسير قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾
والرد على من يقول الله في كل مكان
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«لا تَتَفَكَّروا في الله، فإنه لا مِثْلَ له، ولا شَبِيْهَ ولا نظيرَ، ولا تَضْربوا لله الأمثالَ، ولا تَصِفوه بالزَّوالِ، فإنه بكل مكانٍ». (موضوع).
[قال الإمام]:
قال الربيع في مسنده (٣/ ٢١٧): وبلغنا عن أبان بن [أبي] عياش عن أنس بن
[ ٧ / ٦٢٣ ]
مالك قال: خرج النبي - ﵌ - على قوم جلوس، فقال ما أجلسكم؟ فقالوا: نتفكر في الله، فقال - ﵌ -: فذكره. قلت وهذا موضوع، آفته أبان بن [أبي] عياش، وهو متروك - كما قال الذهبي والعسقلاني -.وجملة التفكر قد رويت من طرق أخرى، بدا لي من مجموعها أنها ترتقي إلى مرتبة الحسن، ولذلك خرجته في "الصحيحة" (١٧٨٨).
وأما سائر هذا الحديث وبخاصة الجملة الأخيرة منه فإنها باطلة، وهي من وضع الجهمية والمعطلة لصفات الله ﷿، الذين يتأولونها غير تأويلها المعروف عند السلف، ويعبرون عن المجيء المصرح به في القرآن والنزول المتواتر عن النبي - ﵌ - بالزوال- كما في هذا الحديث-، أو الانتقال- كما يفعل ابن الجوزي وغيره -، ثم يقولون: هذا من صفات المخلوقات، فلا يجوز وصف الله بذلك! والحقيقة أن المجيء والنزول لا يجوز تأويله بما ذكروا، وهو صفة لله، وصف بها نفسه، نصفه بها دون تشبيه ولا تعطيل، «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، فهم وقعوا حين عبَّروا بما تقدم في التشبيه، ففروا منه إلى التعطيل.
فما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الأول من كتابه العظيم "منهاج السنة": "المشبه يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا، المشبه أعشى، والمعطل أعمى".
ومما يبطل هذاالحديث قوله: "فإنه في كل مكان"، فإن الله ﷿ كان ولا مكان، وهو الغني عن العالمين - كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله - فتنبه! ولما رأى بعض المعطلة المعاصرين أن وصف الله ﷿ بأنه في كل مكان لا يقف أمام أدلة الشرع والعقل - كما سبق هناك -، لجأ إلى التستر والمراوغة
[ ٧ / ٦٢٤ ]
والتدليس، فقال ذلك الجاهل الغماري في تعليقه (ص ١٢٧):
"وهنا أمر مهم جدًا وهو: أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان البتة، بل نكفر من يقول ذلك، ونعتقد أن الله موجود بلا مكان، لأنه خالق المكان"! وفي هذا الكلام من هذا الجاهل المدلس أمور مهمة، يجب التنبيه عليها أو على بعضها على الأقل، مبتدئًا منها بالأهم:
أولًا: اعتقاده بأن الله موجود بلا مكان: تدليس خبيث، لأنها كلمة حق أريد بها باطل، لأن ظاهرها تنزيه الخالق - ﷾ - عن الحلول في المكان المخلوق الذي يقول به المعتزلة والإباضية - كما في حَدِيثِهم هذا -، وهذا التنزيه حق واجب - كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله -، ولكن الذي يرمي إليه هذا المدلس ويقصده هو تعطيل صفة علو الله ﵎ على عرشه والمخلوقات كلها، وكونه تعالى فوقها، فإنه من ضلاله البالغ أنه يسمي هذه الفوقية مكانًا تمهيدًا لنفيها! وتعليقاته كلها تدور حول هذا النفي، ويعطل كل دلالات الآيات والأحاديث بتأويلها! وتعطيل معانيها! ولنقدم على ذلك مثالًا واحدًا، ألا وهو قوله تعالى:
﴿أأمنتم من في السماء﴾، فإنه يعطله بمثل قوله: "إما أن يقال ، وإما أن يقال: "!! ثم قال (ص ١٣٩): وقوله تعالى: [أأمنتم من في السماء] مؤول عند المجسمة بـ (من على السماء) " إلخ.
ونقول هذا ليس تأويلًا - أيها الجاهل المتعالم! - كما بينه العلماء، حتى بعض المؤولة لبعض النصوص، كالحافظ البيهقي الذي قال في أكثر من موضع من كتابه "الأسماء والصفات" (٣٧٧ و٤١١ و٤٢١)، وكذلك في كتابه الآخر
[ ٧ / ٦٢٥ ]
"الاعتقاد" (ص ١١٣): "فمعنى الآية: من على العرش، كما صرح به في سائر الآيات". وذكر في الباب الآيات التي أشار إليها، فهل الإمام البيهقي - أيها الضال المضل! المكفر لأئمة المسلمين! - هو أيضًا مجسم عندك، لأن القائلين بعلو الله على خلقه هم مجسمة عندك، والمجسمة كفار لديك؟!
ثم أيَّد ضلاله بكلام نقله من "تفسير البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٣٠٢)، لم ينقله بتمامه، فإنه يعلم أنه لو فعل، لافتضح وانكشف زيغه، فقد قال أبو حيان في الآية المتقدمة ما نصه:
"المعنى: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو المتعالي عن المكان".تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
هذا التفسير من هذا المعطل هو الذي ضل به هذا الجاهل، ومن قبله شيخه الغماري المسمى بعبد الله، الذي أنكر حديث الجارية وشهادة النبي - ﵌ - لها بالإيمان لشهادتها أن الله في السماء، مقلدًا في ذلك تأويل أبي حيان للآية بالتأويل المتقدم، فقال - هداه الله -: "أماكون الله (في السماء) فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين، فكيف تكون دليلًا على الإسلام"!! انظر تمام كلامه، بل ضلاله في "الصحيحة" تحت الحديث (٣١٦١).
وليس البيهقي وحده - ممن يظهر ذاك الضال تبجيله - فسر الآية بأنه تعالى على السماء، بل إنه قد تبعه على ذلك جمع من العلماء الفضلاء - الذين نظن أنه لا يستطيع الضال أن يرميهم بالتجسيم -، مثل حافظ الأندلس ابن عبد البر فإنه صرح في "التمهيد" (٧/ ١٣٠) أن معنى الآية - كما تقدم عن البيهقي، فقال -:
"فمعناه من على السماء، يعني على العرش ".وقال (٧/ ١٢٩) تعليقًا على حديث النزول الإلهي:
[ ٧ / ٦٢٦ ]
"وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سماوات - كما قالت الجماعة -، وهو من حجتهم على المعتزلة والجمهية في قولهم: إن الله ﷿ في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك ".ثم ذكر الآيات الدالة على ذلك، ورد على المعتزلة الذين ادعوا المجاز في آية الاستواء وغيرها في بحث واسع مفيد جدًا، فليراجع.
بل إن ابن الجوزي نفسه قد سلك سبيل الجماعة في تفسير الآية خلافًا لحيده عنهم في "دفعه"! فقال في تفسيره "زاد المسير" (٤/ ٣٢٢): "قال ابن عباس: أأمنتم عذاب من في السماء وهو الله ﷿ ".فلم يقل - كما قال مقلِّد ذاك الضال -: "أأمنتم من تزعمون أنه في السماء"! وفي الواقع إني لأشفق على هذا الرجل، لعرامته في ضلاله، وغلوه وجرأته في مخالفة أئمة المسلمين، بل وتكفيرهم! وأخذه بأقوال المعتزلة وأشباههم من الضالين قديمًا وحديثًا، فهو لا يحسن أن يأخذ من الأقوال المختلفة إلا أضلها، ويعرض عما كان منها صوابًا محضًا، الأمر الذي يذكرني بذاك الرجل الذي أتى راعيًا فقال: أعطني شاة من غنمك؟ فقال له: اذهب فخذ بأذُن خيرها. فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم! وإني لأظنه أنه لم يقل يومًا ما داعيًا ربه اقتداءً بنبيه - ﵌ -: "اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ! فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ! عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ! أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (١).
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٣٤ - ٧٣٨).
_________________
(١) كذا في الأصل عند الشيخ رحمه الله تعالى، لم يأتِ بـ (ثانيًا) الخ. (الناشر).
[ ٧ / ٦٢٧ ]
[١٠٤٥] باب كفر القائلين بوحدة الوجود
السؤال: الصوفية حديثة عهد في بلدنا، بماذا تنصحنا؟
الشيخ: الصوفية فيها خلاف قديم جدًا بين المسلمين، المسلمين بالمعنى العام كما شرعناه آنفًا، والحقيقة أن لهذا الاسم التصوف والذين ينتمون إليه الصوفية أو المتصوفة معاني كثيرة ومختلفة، نحن نعلم لمخالطتنا لكثير من هؤلاء، أنهم حينما تقام عليهم الحجة فهم يقولون: التصوف ليس إلا التمسك بالأخلاق التي كان عليها رسول الله - ﵌ -، ومنها مثلًا: الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، هكذا يقولون حينما تقوم عليهم الحجة، وحينئذ نحن نقول إن كان التصوف هو هذا بزعمكم، فيبقى الخلاف بيننا وبينكم لفظيًا، ارفعوا كلمة التصوف؛ لأنها أصبحت كلمة لها معاني كثيرة وكثيرة جدًا، بعضها ومنها ما ذكرنا عنهم آنفًا التمسك بالأخلاق الكريمة والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ليس هناك ضرورة أن نطلق هذا الاسم المشكوك في المراد منه على هذا الأمر المتفق عليه من التمسك بأخلاق الرسول ﵇ والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، لكن الحقيقة أن لمفهوم التصوف معاني أبعد بكثير عن هذا المعنى الصحيح، ثم هذا البعد تارة يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، وتارة يلحقه بفرقة من الفرق الضالة، أما الحالة الأولى فأولئك هم الذين يؤمنون بما يعرف عند أهل العلم بعقيدة الوحدة، أو وحدة الوجود بالتعبير الأوضح، وحدة الوجود تعني -هنا إلحاد بعينه- تعني الطبيعة بتعبير علماء الطبيعة، أي: لا شيء إلا المادة، حيث يقول قائلهم: كل ما تراه بعينك فهو الله.
إذًا: فهي المادة، كل ما تراه بعينك فهو الله!
[ ٧ / ٦٢٨ ]
ويقول آخر:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة
ويقول ثالث:
العبد رب والرب عبد فليت شعري من المكلف؟
إن قلت عبد فذاك نفي أو قلت رب أنى يكلف؟
والرابع يقول:
لما عبد المجوس النار ما عبدوا إلا الواحد القهار
هذه كلها عبارات مسطرة في كتبهم التي يتبركون بها، فمثل هذه العقيدة تخرج صاحبها من دائرة الإسلام؛ لأنها عقيدة أكفر من عقيدة اليهود والنصارى، وهذا يذكرني بقول أحد غلاتهم، حيث قال: إنما كفر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود حصروا الله في العزير، أما النصارى فحصروا الله في الأب والابن والروح القدس، أما نحن أي: هم، قال: فقد عممناه في كل شي، ولذلك فمن ذكرهم ليس ذكرهم ذكر المسلمين كما قال ﵇: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» (١) ذكرهم: هو هو. ويقولوا في بعض العبارات التي مع الأسف تلقفها بعض العامة عندنا في سوريا، تجد الواحد جالسًا يريد أن يذكر الله فيقول: ما في غيره. ماذا يعني بما في غيره؟ في خالق وهناك مخلوق.
فهذه عقيدة وحدة الوجود تلت في ألفاظ بعض الناس، لكنهم لا ينتبهون إلى ضلالها، ومثلها تمامًا قول كثير من الخاصة والعامة: الله موجود في كل الوجود،
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم١١٠٤).
[ ٧ / ٦٢٩ ]
الله موجود في كل مكان، .. عقيدة وحدة الوجود، لكنها مع ذلك عقيدة الأشاعرة والماتريدية في آخر الزمان، الله موجود في كل مكان، هذا مكان، الله موجود هنا، ما هو الموجود؟ زيد وبكر وعمرو ومادة وحيطان وهواء .. إلى آخره، الله هنا؟!
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، هذه عقيدة السلف الصالح.
فهذا النوع من التصوف هو أكفر الكفر الذي وجد على وجه الأرض.
هناك نوع دونه وهو الذي انحرف في سلوكه عما كان عليه الرسول - ﵌ - من تحميل النفس ما لا تطيق، باسم تربيتها، وهنا نحن نقول: لسنا نحن بصفتنا مسلمين، لسنا بحاجة أبدًا إلى وسيلة نتلقاها من طريق غير طريق نبينا - ﵌ -، لنربي بها أنفسنا، كيف وفي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند، وغيره في غيره من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، «أن النبي - ﵌ - رأى ذات يوم في يد عمر بن الخطاب صحيفة يقرأ فيها، قال: ما هذا يا عمر؟ قال: هذه صحيفة كتبها لي رجل من اليهود، فقال ﵊: يا ابن الخطاب! أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟! والذي نفس محمد بيده! لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي».
إذًا: إذا كان موسى كليم الله والذي أنزل الله عليه التوراة مباشرة لو كان أدرك النبي - ﵌ - لم يسعه أن يتبع توراته، بل لا يسعه إلا أن يتبع نبينا - ﵌ -.
إذًا: كيف بنا نحن اليوم باسم الإسلام الصوفي نربي أنفسنا على طريقة من الحمل عليها بزعم تهذيب النفس الأمارة بالسوء بالتشديد عليها، لهم قصص عجيبة وغريبة جدًا، كان أحدهم، وهذا في بعض القرون الأولى المشهود لها بالخيرية، أما فيما بعد في عهد الشعراني، وما أدراك ما الشعراني فحدث ولا
[ ٧ / ٦٣٠ ]
حرج، لكن في العهود الأولى حيث بدأ التصوف يذر قرنه، كان فيهم من يلبس أغلظ الثياب، ثم ينغمس في نهر دجلة أو طلاء الفرات في اليوم البارد الشديد البرودة، ثم يصعد فيقف على سطح الدار، تلفحه الرياح الباردة، ما هذا؟ قال: تهذيبًا للنفس.
هذا ليس تهذيبًا، هذا تعذيب، والنبي - ﵌ - الذي قال بحق، ونحن بحاجة لنعرف أثر هذه الكلمة في حياتنا العلمية الإسلامية اليوم: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» ومن ذلك حديثان في صحيحي البخاري ومسلم أحدهما من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جاء رهط إلى النبي - ﵌ - فلم يجدوه، وسألوا أهله عن عبادته، عن قيامه في الليل وقيامه في النهار، وقربانه للنساء، فتحدثن بما يعلمن وقلن: إنه ﵇ يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء. قال أنس: فلما سمعوا ذلك تقالوُّها، أي: وجدوا عبادة الرسول ﵇ قليلة؛ لأنهم كانوا يتصورون رسول الله - ﵌ - ينام الليل؟! لازم أن يقوم الليل كله. كذلك يفطر؟! لا بد أن يفطر الدهر كله، كذلك يتزوج النساء؟! وبعض الناس يقولون: ضاع العلم بين أفخاذ النساء. كيف الرسول يتزوج أربع، يتزوج تسعة وزيادة، فوجدوا عبادته عن الكلام قليلة، لكن رجعوا إلى أنفسهم قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
الحقيقة هذا الكلام يخرج من أناس أفهم من بعيد أنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، لأنه ليس من الممكن من إنسان فَهِمَ نبيه ﵇ في كماله السامي الذي لا مثل له، يقول: لماذا يتزوج الرسول، ولماذا ينام؟ ولماذا يفطر؟ الله غفر له،
[ ٧ / ٦٣١ ]
ماذا يريد أكثر من هكذا. لا ينبغي أن يقال هذا الكلام، لكن هكذا وقع.
المهم، فرجعوا إلى أنفسهم، قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
إذًا: نحن لا بد أن نكد ونتعب ونتعبد لله حتى يغفر لنا الله.
ما هو السبيل في زعمهم؟
قال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر لا أفطر أبدًا.
قال الآخر: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام.
وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء.
وانصرفوا، بعد قليل جاء الرسول ﵇ فأخبر الخبر، خطب النبي - ﵌ - خطبة وجيزة فقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم لله، أما أني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».
هنا الشاهد: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» فهؤلاء الصوفية الصالحين قديمًا لا أعني عن جماعة الشعراني وأمثاله ووحدة الوجود، لا، هؤلاء حادوا عن هدي النبي - ﵌ -، فجاءوا بأساليب بوذية هندية قديمة، توارثوها، ولعلهم كانوا من الأعاجم الذين دخلوا في الإسلام ولما يفقهوا الإسلام بعد، فجاءوا بطريقة تعذيب النفس بزعم تصفيتها، وهذا هو نبيكم - ﵌ - يقول: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
ثم إنه ﵇ طبق هذا النهج في بعض أصحابه حينما بلغه عن عبد الله
[ ٧ / ٦٣٢ ]
بن عمرو بن العاص صحابي ابن صحابي ﵄، بلغه أن أباه زوجه بفتاة من قريش، فدخل عليها يومًا فسألها عن زوجها، فقالت له: ما به من بأس إلا أنه لم يطأ لنا بعد فراشًا، إنه قائم الليل صائم النهار، أي: تزوج وما تزوج. فصعب الأمر على عمر وشكا ابنه إلى نبيه - ﵌ - فقال له ﵊: يا عبد الله! بلغني عنك أنك تقوم الليل وتصوم النهار ولا تقرب النساء، قال: قد كان ذلك يا رسول الله! وهنا الحديث فيه طول وأختصره فأقول: إن النبي - ﵌ - وضع له منهجًا ليتعبد الله فيه ويجمع كما يقولون اليوم بين حق الجسم وحق النفس من جهة، وحق الروح من جهة أخرى، أي: العبادة، فقال وقد كان يقوم الليل كله يختم القرآن، ويصوم الدهر، قال بالنسبة لقراءة القرآن هذا في نهاية المطاف، والقصة طويلة، قال: اقرأ القرآن في ثلاث ليال، فمن قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه.
وفيما يتعلق بالصيام قال له في أول الأمر: صم من كل شهر ثلاث أيام، والحسنة بعشرة أمثالها، فكأنهما صمت الشهر كله، فكان يقول: يا رسول الله! إني شاب إن بي قوة، إنني أستطيع أكثر من ذلك، وتلاحظون هنا الفرق بين ذاك الجيل وجيلنا اليوم، شاب في مقتبل العمر زوجه أبوه بفتاة من قريش يعرض عنها ويقوم الليل ويصوم النهار و.. إلى آخره، وعندما يقول له الرسول - ﵌ - هون على نفسك يقول له: يا رسول الله! أنا شاب، أنا قوي، أنا أستطيع أكثر من ذلك، اليوم على العكس من ذلك ينشأ شاب في طاعة الله تجد الصادِّين من حوله القريب والبعيد، أولًا الأب وثانيًا الأم يقولون له: ما زلت شابًا تعبد فيما بعد، انظر الفرق بين ذاك الزمان وهذا الزمان.
الشاهد قال له في نهاية المطاف: صم يومًا وأفطر يومًا، فإنه صوم داود عليه
[ ٧ / ٦٣٣ ]
السلام، وكان لا يفر إذا لاقى، قال: يا رسول الله! إني أريد أفضل من ذلك، قال: لا أفضل من ذلك.
فأين هذه الصوفية الزاهدة الزاعمة، مخالفة للكتاب والسنة.
فإذًا: ما كان من التصوف مفسرًا بما يوافق الكتاب والسنة حقيقة فحينئذ ارفعوا هذا الاسم ونبقى على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، وما خالفهما فنحن نضرب بذلك عرض الحائط.
"الهدى والنور" (٦٣٢/ ٠٠:٤٠:٢٩)
[١٠٤٦] باب الرد على القائلين بوحدة الوجود
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال القرطبي .. في "الأسنى" الأكثر من المتقدمين والمتأخرين يعني المتكلمين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري ﷻ عن الجهة والتحيز، فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين؛ تنزيه الباري عن الجهة فليس لجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للتميز والتغير والحدوث، هذا قول المتكلمين".
قلت: نعم هذا ما اعتمده نفاة علو الرب ﷿، وأعرضوا عن مقتضى الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق.
و[إنما] يلزم ما ذكروه في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق، ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر، ثم نقول لا نسلم [أن] كون الباري
[ ٧ / ٦٣٤ ]
على عرشه فوق السموات يلزم منه أنه في حيز وجهة؛ إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك.
والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول ونقله عنهم الأئمة.
وقالوا ذلك رادِّين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله: "وهو معكم" فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم، وهما قولان معقولان في الجملة؛ فأما القول الثالث المتولد أخيرًا من أنه تعالى ليس في الأمكنة، ولا خارجا عنها، ولا فوق عرشه ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجًا عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار.
ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوِّض أمرك إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[قال الإمام في "مختصر العلو" معلقًا على قول الذهبي: "فهذا شئ لا يعقل ولا يفهم]:
قلت: نعم، إنما يفهمه القائلون بوحدة الوجود، وأن الخالق والمخلوق شيء واحد، بل لا شيء هناك يسمى خالقًا أو مخلوقًا، فكل ما تراه بعينك فهو الله! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ولعل جهمًا وأمثاله من الدعاة الأولين كانوا يرمُون من قولهم بأن الله في كل مكان، وأنه ليس على العرش، غرسَ عقيدة وحدة الوجود المستلزمة لنفي وجود الخالق ﵎، ولكن بطريقة خبيثة خفية، ولذلك اشتد نكير السلف عليه، وعلى أتباعه، وصرح بعضهم - كما تقدم
[ ٧ / ٦٣٥ ]
في ترجمة الإمام ابن المبارك وغيره - أن الجهمية يزعمون أن الله ليس بشيء! فماذا يقول السلف الصالح لو سمعوا اليوم غلاة الصوفيين وهم يقولون على المنابر:
" الله، لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا أمام، ولا خلف، ولا داخل العالم، ولا خارجه"!.
"مختصر العلو" (ص٢٨٧)
[١٠٤٧] باب ما المانع من أن نقول: الله ليس فوق ولا تحت؟ والكلام على علو الله، ومناظرة الشيخ لبعض الأزهريين حول ذلك
سؤال: .. وجود الله ووجودنا، قبل قليل كنت تقول: بأن وجوده غير وجودنا.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: فإذًا: الأمام والخلف والفوق تحت هذه من صفات وجودنا.
الشيخ: طبعًا.
مداخلة: فلماذا استغربناها عن الله؟ يعني استغربنا ممن يقول
الشيخ: الاستغراب من جهة وصفهم لله، أنت لو أخذت العبارة كلها من أولها إلى آخرها، أظن أنه ستجد نفسك لست بحاجة للسؤال.
الله ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار .. هذه صفات بالنسبة لنا، جهات بالنسبة لنا، لا يوجد إشكال، لكن انظر إلى النهاية: الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف ولا داخل العالم ولا خارجه! فماذا بقي إذًا؟
[ ٧ / ٦٣٦ ]
هل بقي هناك وجود، لا داخل العالم ولا خارج العالم.
مداخلة: بدون استغراب.
الشيخ: نعم.
مداخلة: بيجوز المقايسة نفسها بنفس الألفاظ الموجودة الأولى، وجود المخلوقات، يمكن ما تصح عن الله ﷿، لعل هناك مقاسات أخرى، يعني خارج الأبعاد المحسوسة؟
الشيخ: خارج العالم في قياسات؟
مداخلة: خارج العقل البشري.
الشيخ: لا، خارج العالم حسب تعبيرهم هم.
يمكن أحكي لك هذه القصة وقعت معي في منى، منذ عشر سنين في موسم الحج، أنا جالس مع بعض الناس من بعد صلاة المغرب نتحدث في بحوث شرعية طبعًا، لما دخل علينا شيخ أزهري، السلام عليكم، وعليكم السلام.
جلس يسمع، جاءت مناسبة هذا الكلام، طبعًا دراسته في الأزهر كما حدثتكم عن المشايخ مع ابن تيمية تمامًا، قال: «قولنا أن الله ﷿ فوق المخلوقات كلها تشبيهٌ وتجسيمٌ».
هذا كلام أزهري تمامًا، وكلام المشايخ من علماء الكلام، فأنا جريت معه في البحث كما يأتي، ولعل هذا إجابة للإشكال، أو جواب عن السؤال.
قلت له: أولًا: الأدلة الشرعية يجب الإيمان بها دون تكييف، أي: تشبيه، ودون تعطيل أي: إنكار لمعانيها.
[ ٧ / ٦٣٧ ]
ثانيًا: خلينا ندرس الموضوع بعقلي وعقلك، لنرى أي القولين أصح، فسألته ما يلي، أسئلة متتالية، قلت له: الآن فوقنا ماذا؟ قال: السماء الدنيا. قلت: حسنًا، وفوق السماء الدنيا؟ قال: الثانية .. الثالثة .. الرابعة السابعة.
لعلي فاتني شيء [يستدرك الشيخ على نفسه] سألته قبلُ، قلت له: الكون المخلوق محصور أو لا نهاية له؟ قال: لا، محصور؛ لأنه مخلوق. قلت له: حسنًا ضع هذا في بالك، ثم سألته: ماذا فوق السماء السابعة؟ قال: العرش. قلت له: حسنًا، فوق العرش ماذا يوجد؟ قال -وأول مره أسمع هذا الجواب الغريب-: الملائكة الكروبيون، قلت له: من هؤلاء الملائكة الكروبيون؟ أنا أعرف في بعض أحاديث مما لا سنام لها ولا خطام، لكن شيخ يقول فوق العرش ملائكة كربيون، قلت له: من أين هذا، هل عندك آية؟ قال: لا. قلت له: عندك حديث؟ قال: لا، قلت له: من أين أتيت بأن الملائكة الكروبيون فوق العرش؟ قال: والله! هكذا مشايخنا في الأزهر درسونا، وأنا الحقيقة اعتبرتها فرصة، وأقولها الآن من أجل التذكير والتنبيه، مشايخ الأزهر مع الأسف كمنهج دراسي يدرسون طلبة العلم أن العقيدة لا تثبت بالحديث الصحيح، لازم يكون الحديث صحيح متواتر، فإذا كان دون المتواتر قوةً وصحةً لا تثبت به عقيدة، وهذا خطأ بلا شك، ولي رسالتان مطبوعتان حول إبطال هذا القول، وأن الحديث الصحيح من حيث وجوب العمل به عقيدة وحكمًا عملًا، فقلت له: يا شيخ! عجيب والله، نحن نعرف أن علماء الأزهر يدرسون أن الحديث الصحيح لا يتخذون منه عقيدة، كيف أخذتم عقيدة كروبيون فوق العرش، وما في لا أحاديث ولا آية، مع ذلك قلنا له: نحن الآن لا نقف هنا، هب أن فوق العرش يوجد ملائكة كروبيون، فوق ذلك ماذا يوجد؟ قال: لا شيء. هنا الشاهد.
[ ٧ / ٦٣٨ ]
هذا الجواب علماء السنة يقولون هذا هو التعطيل، هذا هو النفي، نفي وجود الله.
قلت له: أنت تقول لا شيء، معنى ذلك أنه بالكروبيين انتهى الخلق، فالخلق المحدود انتهى، خارج هذا الخلق الآن ما في شيء؟ نحن نعتقد أن الله هو خالق الأشياء هذه كلها، وهو فوقها مستعل عليها، إلى آخره
لعل هذا الجواب يقرب الموضوع بالنسبة لسؤالك السابق؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: إن شاء الله.
نحن نريد بهذه المقدمات إبطال تعطيل هؤلاء، لأنه بيقول لك: إذا قلت: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، حددته، جسمته، جعلته في مكان، يا جماعة اتقوا الله، المكان- الآن تذكرت الاستدراك الذي استدركته-، أن المكان مشتق من الكون، فالمكان مخلوق، هذا الكون هو مكان، فلما انتهى هذا الخلق، ما وراءه؟ نفس الأزهري قال: لا شيء، قال: لا، لأن المكان من الكون، فما بقى هناك في مكان، فخلصنا من المحسوسات والمعدومات الآن، نحن نتكلم كلنا في حدود ما نعلم من الماديات، فبعد ذلك ارجع معنا أنت وغيرك حتى تتضح لكم القضية، ذكرنا حديث عمران بن حصين آنفًا: «كان الله ولا شيء معه» هذه عقيدة يؤمن بها كل مسلم، معنى: «لا شيء معه» يعني: لا خلق، ثم خلق الله الخلق، خلق العرش، خلق إلى آخره.
«كان الله ولا شيء معه» هل كان في كون؟
[ ٧ / ٦٣٩ ]
مداخلة: لا.
الشيخ: طيب، هذا قولنا. فهو الآن كما يقول بعض الصوفية، لكن يعنون معنى آخر غير صحيح، فهو الآن من حيث هذه الحيثية التي نتكلم فيها كمكان، فهو لم يكن في مكان، فهو ليس بمكان، لماذا إذًا أنتم تتهموا السلف الصالح الذين يثبتون لله كل صفات الكمال، ومنها صفة العلو المطلق، ليس العلو المادي، صفة العلو المطلق، لماذا تقولون عنهم إنهم مجسمة .. إنهم جعلوا الله في مكان، وأنت عندما تبحث بحث هادئ تفهم معنى أنه ليس هناك مكان، إذًا: «كان الله ولا شيء معه»، فهو الآن كما عليه كان، لكن هو فعال لما يريد، فعال لما يشاء، يخلق يحيي ويميت، بيده ميزان القسط، إلى آخره.
فإذًا: استشكالك أنت كان في هذا الكون المحسوس، لكن لما تصورت إن الكون انتهى رجعنا إلى ما كان رب العالمين على ما هو عليه كان، قبل أن خلق الزمان والمكان.
مداخلة: سؤالك: ماذا وراءه؟
الشيخ: وراء ماذا؟
مداخلة: أنت عندما تسأل شيخ الأزهر
الشيخ: وراء العرش أنا أخاف يقول لي: بدل مكروبيين فيه مكاريب مثلًا، فما دام انتهى الخلق، خلاص انتهينا مع بعض، هذا أخي من باب إقناع المناظر لك من نفس كلامه، إنه أنت تقول: إن الذين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، جعلوه في مكان، طيب دعونا ننظر، المكان من الكون؟ أي نعم، وكان مسبوق بالعدم؟ أي نعم، فإذًا: ما هو، سماء أولى ثانية، وصلنا لعرش،
[ ٧ / ٦٤٠ ]
وصلنا للملائكة تبعه الكروبيين، طيب وبعد ذلك ماذا يوجد؟ لا شيء.
مداخلة: لا مكان ..
الشيخ: إذًا: لا مكان، فكان الله ولا شيء معه، أي: لم يكن (هناك) شيء مخلوق؛ لأنه غني عن العالمين، الله ﷿ هو الآن كما عليه كان قبل أن خلق المكان والزمان، هذه العقيدة الذي نسميها نحن العقيدة السلفية، هي العقيدة الفطرية التي لا يقبل العقل سواها إطلاقًا حينما توضح له على طريقة القرآن الكريم والسنة.
وفي الحقيقة أذكر قصة: كنت مسافر من إدلب إلى اللاذقية، كان عندي سيارة صغيرة، فلما خرجنا من إدلب وإذا بشخص مبين عليه أجنبي، بيعطي إشارة.
مداخلة: .. ستوب.
الشيخ: هذول الشحاذين على الأصول، شحاذي الركوب، وأنا ماشي بالسيارة كان معي بجانبي شخص، فلفت نظري كنت قطعته، قلت لصحابي: ما رأيك نرجع نأخذه مبين عليه أجنبي، ونتسلى معه في الطريق؟ قال: ما في مانع، رجعنا القهقرى، وإذا هو الخبيث مخبئ امرأتين معه الظاهر زوجته وبنته، صاروا ثلاثة، على كل حال المكان فاضي، ركبناهم، نريد أن نبحث معهم نقطع الطريق يعني كما يُقال يا تقطعني يا أقطعك، كيف: يا أقطعك؟ يعني بالحديث.
وصلنا معه إلى هذا الموضوع بالذات، عندما شرحنا له هذه العقيدة، قال: هذا هو المعقول، أن الله ﷿ فوق المخلوقات وليس داخل المخلوقات، هم طبعًا كنصارى ليس عندهم هذه العقائد الموجودة عندنا بصريح القرآن والسنة،
[ ٧ / ٦٤١ ]
لكن قصدي الفطرة تتقبل هذه العقيدة السليمة، لكن عندما تأتيهم الإشكالات والشبهات من أكثر الناس، يحاروا أمامها ولا يستطيعون لها جوابًا، لكن المتمكن في كتاب الله وفي حديث رسول الله - ﵌ -، [يعرف]: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، انتهت المشكلة.
مداخلة: هل يُفهم من كلامك هل يجوز مناظرة الملاحدة مثلًا والفلاسفة؟
الشيخ: طبعًا، الله سن هذه السنة، قال لهم مثلًا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور:٣٥)، لكن بطبيعة الحال الذي يريد أن يناظرهم لا بد أن يكون كما يقال عندنا في الشام (قد حاله) أولًا: لازم يكون عارفًا بكتاب الله، عالمًا بكتاب الله، وبحديث رسول الله - ﵌ -، والذي يعلم كيف تؤكل الكتف، يعني يعرف يصول ويجول مع المبطلين، حتى يظهر حقه على باطلهم، وإلا إنسان ممكن ما يعرف من دينه إلا ما وجد عليه آباءه وأجداده، يناقشهم ويريد يناقشهم بالعقل المجرد، وبعقل دون عقل، يتغلب العقل الأقوى على العقل الأضعف، بينما العقول كلها لو اجتمعت لا تستطيع أن تعلو على نص من كتاب الله، أو من حديث رسول الله - ﵌ -، فيجوز ذلك لكن بهذا الشرط.
مداخلة: يعني مثلًا: ليس عن طريق العلم يعني؟
الشيخ:
[هنا الصوت غير مسموع]
الشيخ: أنت احفظ الآية التي ذكرتها لك، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور:٣٥)، هذا جواب للشيوعيين والماديين والدهريين جميعًا، لا بد ما يثبت المادة، هذه المادة ما قوتها، ما صفاتها، [يقولون] المادة عملت كذا،
[ ٧ / ٦٤٢ ]
سبحان الله، نحن نسايرهم بالتعبير، نحن وإياكم نلتقي على كلمة سواء، أن هناك شيء لا أول له، صحيح أو لا؟ هناك شيء لا أول له عندنا وعندهم، لكن نحن نترجح عليهم بالعقل أيضًا فضلًا على النص، نحن نقول: هذا الشيء قادر وليس عاجز، ونقول: هذا عليم لا نقول جاهل. ونقول: حكيم لا نقول أحمق .. إلى آخره، ولا شك أن العقل يقبل هذه الصفة أن توصف هذه المادة التي تفجر منها هذه المخلوقات التي إلى اليوم يزدادون حيرة في دقة تركيبها وصنعها .. إلى آخره، كيف يقال هذا من مادة عمياء صماء بكماء .. إلى آخره.
لذلك الآن الدهريين غُلبوا على أمرهم؛ لأن العقل تحرر، هم يقولون بالمادة الأزلية، لماذا تنكروا علينا أن نقول: الله أزلي، فأنتم ملتقون معنا في هذا، لكن نحن نتميز عليكم أن الله ﷿ له كل صفات الكمال، ومنزه عن كل صفات النقص، أنتم تقولون المادة عملت كذا .. وكذا، فأحيانًا تصفوها بصفةٍ جيدة، القدرة مثلًا، لكن مع ذلك، إذا قلنا لكم: صفوا لنا هذه المادة، هل ترى تنبض تسمع؟ كل هذه الصفات لا يصفونها، فمن الممكن مجادلة هؤلاء، لكن إذا أراد الإنسان أن يتعمق معهم، فيجب أن يحتاج إلى أن يعرف نصوص الكتاب والسنة.
"الهدى والنور" (٦٩/ ٢٠: ١٠: ٠١)
[١٠٤٨] باب حكم القول بأن الله ليس في مكان
[قال الإمام]:
أكثر من واحدة سألوني عن موضوع أن الله ﷿ على العرش استوى، وآية: ﴿أأمنتم من في السماء)، فهذه أيضًا أكيد سقافية قد تكون زوجته أخته لا أدري، المهم تقول لي: هل صحيح أن امرأة سألتك عن قوله تعالى: ﴿أأمنتم من
[ ٧ / ٦٤٣ ]
في السماء﴾ فأجبتَ بأن الله ﷿ على العرش؟ قلت: نعم هو كذلك، فبدأت تجادل كما تعلمون من جدل المبتدعة هؤلاء، فقلت لها: لو أنك سألك سائل أين الله؟ ما جوابك؟ رأسًا تقول أجرأ من رجل، هذا من عجائب الأمور، تقول: لا يجوز سؤال أين الله؟! قلت لها: كيف لا يجوز والرسول هو الذي سنَ سُنة السؤال أين الله؟ ماذا قالت الخبيثة؟ ملقنة تلقين وحافظة درسها مع الأسف، لكن لا تنجح بهذا قالت الرسول سأل الجارية لأنها تعلم اللغة العربية، فهي تعرف ماذا يعني الرسول بالسؤال، أنا طبعًا لا أريد أسألها ماذا يعني الرسول، لأنه رأسًا بدا لي أن أمسكها من .. فقت لها: حسنًا هي كانت تعرف بمقصد الرسول وأجابت بالآية، قالت: الله في السماء، فأنت تشهدي أنها هي عالمة، ولذلك جاز لها أن تجيب بقولها في السماء، فأنتي عالمة أو جاهلة؟ قالت: عالمة؟ قلت لها: طيب لم لا تجيبين كما أجابت الجارية العالمة؟ لماذا لا تجيبين، وتلف وتدور، فقلت لها أنا أسألك لماذا لا تجيبين بجواب الجارية المنصوص عليه في القرآن الكريم، راسًا تقول أريد أن أسألك، قلت لها: لا يجوز لك أن تسألي وأنا سائلك، لماذا أنت الآن تخالفين شهادتك بهذه الجارية أنها حينما قالت الله في السماء إنما كانت عالمة، فأنت أيضًا إما أنك جاهلة ولذلك لا تجيبين بجواب العالمة أو أنك عالمة ولكنك تجادلين بالباطل، والخبيثة من جرأتها لما فتحت التلفون قالت: السلام عليكم وعليكم السلام، قالت: لا تُسَكِّر الهاتف في وجهي، تذكرني بالحادثة هناك، قلت لها أنا لا أُسَكِّر الهاتف في وجه الإنسان يبحث ببحث علمي وبهدوء، فإذا أنتي هكذا فأنا لا أغلق الهاتف أمامك، وبدأنا حتى وصلنا إلى هذه النقطة، وأنا كررت على مسامعها، لماذا لا تجيبين عن السؤال، وتريدين أنتي أن توجهي سؤالًا وتجادلي حوله، ثلاث مرات على الأقل، حينئذ أغلقت التلفون، فسبحان
[ ٧ / ٦٤٤ ]
الله كلهم على وتيرة واحدة، فلو أن الإنسان يريد البحث للبحث، وللوصول إلى الحقيقة، ما دام أنك تشهدي بأن الجارية أجابت بهذا الجواب لأنها تعرف هذا المعنى الصحيح من الآية، أنت عالمة فأجيبي نفس الجواب، لماذا تخالفين الجواب وتقولي: لا يجوز أن نقول أن الله في كل مكان، ولا يجوز أن نقول الله ليس في مكان.
مداخلة: هي تقول لا يجوز أن نقول أن الله ليس في مكان.
الشيخ: هذا رأي الخبيث هذا، هذه بدعة لفظية جديدة، هذه تساوي -والشيء بالشيء يذكر، لعل في ذلك فائدة إن شاء الله-، لعلكم تذكرون بأن ابن تيمية الله يجزيه عن الإسلام خيرًا يقول: لا يجوز أن نقول إن الله في جهة وإن الله ليس في جهة، لا نقول الله في جهة ولا نقول الله ليس في جهة، إلا بعد أن نفهم ماذا يقصد الذي ينفي وماذا يقصد الذي يثبت؛ لأن الذي يقول الله في جهة قد يقصد جهة من الجهات المعروفة عندنا أي أنه في مكان مخلوق، وهذا لا يجوز ولا يليق بالله ﷿، والذي يقول إن الله ليس في جهة يمكن يعني نفى صفة العلو للعلي الأعلى، فحينئذ يكون مخطئًا، أما الذي يقول إن الله ليس في جهة، أي له صفة العلو على خلقه جميعًا، فنحن نقبل منه هذا المعنى، ولكن نرفض اللفظ؛ لأنه مشكوك بالقصد، كذلك العكس بالعكس، هذا الخبيث جاء بفن جديد الآن، هو لا يقول الله في كل مكان لأنه لا يستطيع أن يجادل السلفيين حينما يقولون الله في كل مكان، أي عقل يرضى بربه أن يحشره في الكهاريج والمراحيض تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
إذًا: نحن ندوبل على السلفيين ونقول لا يجوز أن نقول إن الله في مكان، فإذاَ
[ ٧ / ٦٤٥ ]
ليس الله في مكان، أيضًا لا نقول هو في مكان وليس في مكان؛ لأننا إذا قلنا بزعمهم الله على العرش استوى، جعلناه في مكان، وترجع القضية إلى ذلك الأمير أمير دمشق في زمانه الذي تناقش ابن تيمية مع مشايخ مخالفين له أمامه، فلما سمع قول المشايخ وردَّ ابن تيمية عليهم، قال بكل صراحة: إن هؤلاء قومًا أضاعوا ربهم.
والحقيقة أنا سمعت هذه العبارة على المنبر من أحد مشايخي سعيد البرهاني الذي تلقيت على يديه مبادئ الفقه الحنفي، على المنبر كان يقول: لا يجوز أن نقول إن الله ﷿ فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار لا أمام ولا خلف لا داخل العالم ولا خارجه، هذا معنى كلام ذاك الأمير: إن هؤلاء قوم أضاعوا ربهم، لا داخل العالم ولا خارجه، هذا صفة العدم، أما لما يقول المسلم كما قال
الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، فإذًا: استوى استواءً كما يليق
بجلاله وعظمته.
قلنا له: نعم، هذا كلام أئمة السلف، فماذا في ذلك؟ قال: معنى ذلك أنكم جعلتموه في مكان، حصرتموه في مكان، جسمتموه، جسَّدتموه، قلت له: حاشا لله، والآن اسمع مني:
المكان هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ قال: مخلوق. قلت: أليس مشتقًا من الكون؟ قال: بلى. قلت: الكون محصور أم غير محصور؟ قال: محصور. قلت له: حسنًا الآن ماذا فوقنا؟ قال: السماء الدنيا. قلنا: حسنًا وفوقها الثانية السابعة. وفوق السماء السابعة ماذا يوجد؟ قال: العرش.
الشيخ: نعم.
[ ٧ / ٦٤٦ ]
مداخلة: السلام عليكم.
الشيخ: وعليكم السلام.
مداخلة: كيف حال شيخنا؟
الشيخ: الحمد لله بخير، كيف أنت.
مداخلة: والله بخير ولله الحمد.
الشيخ: الحمد لله.
مداخلة: كيف حالكم طيبين إن شاء الله؟
الشيخ: طيبك الله.
مداخلة: في سؤال يا شيخ ..
"الهدى والنور" (٦٦٥/ ١٧: ٠٣: ٠٠)
[١٠٤٩] باب حكم قول القائل: الله كان ولا مكان، وهل ينسب لله لفظ المكان والجهة والحد؟
السائل: ما الحكم الشرعي بمن يقول: الله كان ولا مكان؟
الشيخ: الجواب: مثل هذا النفي يرد كثيرًا على ألسنة المتكلمين من علماء الكلام نفيًا أو إثباتًا فنفي المكان كإثباته، كذلك نفي الجهة بالنسبة لله ﷿ كإثباتها، والأمثلة في مثلها كثيرة، والجواب الصحيح: أنه لا يجوز إنكار شيء
من هذه الألفاظ أو إثباتها إلا بعد أن نتبين المعنى الذي يقصده المُثبِت لهذه الألفاظ أو نافيها.
[ ٧ / ٦٤٧ ]
فنعود بعد هذه التوطئة وبعد هذه المقدمة الوجيزة إلى الإجابة عن السؤال مباشرة فنقول، بناءً على هذه المقدمة نقول: إن كان الذي يقول: كان الله ولا مكان، إنما يعني تحقيق أن الله ﷿ هو الأول وهو أزلي أبدي لا أول له، وأنه كما جاء في الحديث الصحيح: «كان ولا شيء معه، ثم خلق الله العرش» فقوله ﵇ في هذا الحديث: كان الله ولا شيء معه، أي: من المخلوقات، ومما لا شك فيه أن المكان إنما وجد بالكون أي: لقوله ﵎: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:١١٧) كما قال في القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢).
فإذا كان الله ولا شيء معه ثم قال للعرش: كن فكان، فإذًا: كان الله ولا مكان؛ لأن المكان مشتق من الكون، أما إن كان الذي ينفي هذا المعنى للمكان يعني به: ما يعارض الشرع في توهمه من بعض النصوص الشرعية المقطوع ثبوتها ودلالتها أنه تعني: إثبات المكان لله ﷿ وقد عرفنا أن المكان كان بعد أن لم يكن وأن الله غني عن العالمين لكن عندما جاءت بعض النصوص المقطوع ثبوتها والمقطوع دلالتها وكل هذه الأدلة تدور حول إثبات العلو للعلي الغفار، فحينئذ قد يتوهم بعض الناس أننا إذا قلنا: بما دلت عليه هذه النصوص القاطعة ثبوتًا ودلالة أننا أثبتنا لله المكان، وبناءً على هذا التوهم، أي: بعض الناس يتوهمون من إثبات صفة العلو لله ﷿ على المخلوقات كلها يتوهمون من هذا الإثبات: أن ذلك يستلزم جعل الله ﷿ في مكان.
إذًا: هم يقولون: كان ولا مكان، هنا نقول: النفي باطل، إما بالإثبات السابق صحيح، وشتان بين المعنى الأول: معنى الإثبات ومعنى النفي؛ لأن معنى النفي ينفي دلالات قاطعة، ومعنى الإثبات للمكان يثبت دلالات قاطعة هي: أن الله عز
[ ٧ / ٦٤٨ ]
وجل كان ولا شيء معه، فلما خلق الخلق وُجد المكان، ولكن الله ﷿ غني عن المكان، وغني عن الزمان، ولا يلزم مطلقًا أن يكون الله ﷿ في مكان حينما يثبت أهل السنة جميعهم لله ﷿ صفة العلو التي نشهد بها في كل سجود نسجده فنقول فيه: سبحان ربي الأعلى.
إذًا: ثبت بهذا البيان وبهذا الجواب عن ذاك السؤال، أنه لا يجوز نفي أو إثبات معنىً للفظ لم يرد عن الله ورسوله وإنما هو اصطلاح بين الناس، ففي هذه الحالة ننظر إلى مقصد المتكلم فإن كان مقصده يوافق الشريعة، قلنا: لله مكان بهذا المعنى، وإن كان يعني ما يخالف الشريعة قلنا: لا، ليس لله مكان بهذا المعنى.
كذلك يقال: بالنسبة للجهة التي قد تنسب أو قد تنفى، تنسب لله أو قد تنفى عنه، كذلك نقول نفس الكلام، نقول للذي يقول: إن الله ليس في جهة: ماذا تعني بهذا النفي؟ أتعني معارضة قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) .. ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤) .. ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) .. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» والنصوص قاطعة في هذا أيضًا.
إن كان الجواب: نعم، أنا أعني نفي هذه الدلالات التي دلت عليها هذه النصوص، نقول له: أنت مبطل حينما تنفي الجهة بالمعنى الذي أثبته الشرع في الآيات أو في الأحاديث، وإن كان يعني بذلك حينما يقول قائل ما: إن لله جهة أنه يعني: أن الله ليس في كل مكان مخلوق كما يقول القائلون بوحدة الوجود من غلاة الصوفية والمعتزلة وأمثالهم يقولون: الله موجود في كل مكان، هذا كلام حينئذ باطل؛ لأن الله ﷿ أفهمنا بنصوص قاطعة من أدلة الكتاب والسنة أن له صفة
[ ٧ / ٦٤٩ ]
العلو، فإذا أثبتنا صفة العلو وسمو هذه الصفة بأنها جهة لله قلنا: لا بأس، لكن من نفى أن لله هذه الصفة ففيه كل البأس.
ولكننا مع ذلك سواء فيما يتعلق بالمكان إثباتًا ونفيًا، أو ما يتعلق بالجهة إثباتًا ونفيًا، أو ما يتعلق - وهذا ترونه في كتب علم الكلام - إثباتًا ونفيًا أيضًا وهي: إثبات الحد لله تعالى أو نفيه كل هذه الألفاظ الثلاثة من المكان والجهة والحد لا نستعمله إطلاقًا لا بمعنى الإثبات ولا بمعنى النفي، نحن لا نستعمله؛ لأن ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة إلا أننا نتحفظ مع الناس الذين قد يستعملون لفظًا من هذه الألفاظ الثلاثة لا نسارع في الإنكار عليهم ابتداءً وإنما نسأله ماذا تعني؟ فإن أعنى معنىً أثبتته الشريعة قلنا: أصبت في المعنى وأخطأت في اللفظ، وإن قصد بمعنى ذلك اللفظ معنىً يخالف الشرع نقول له: أخطأت مرتين، المرة الأولى وهي الأخطر: أنك عنيت بهذا اللفظ معنىً أثبته الشرع فنفيته، والشيء الثاني: أنك ابتدعت لفظًا استعملته في نفيه عن الله ﷿ وذلك يستلزم نفي ما أثبته في الكتاب وفي السنة.
هذا جواب ذاك السؤال ولعله واضح إن شاء الله.
مداخلة: هناك شيء في صلب الموضوع يعني.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: يقولون: إن الله كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان، ويوردون كلمة في معنى ذلك ينسبونها إلى أبي بكر الصديق ﵁.
الشيخ: جواب هذا السؤال تمامًا كما سبق: إذا قالوا - وهذا كلام صوفي نعرفه قديمًا -: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان، إن كانوا يُعْنُون
[ ٧ / ٦٥٠ ]
أنه الآن على ما عليه كان؛ غني عن المكان الكوني المخلوق نقول لهم: أصبتم، أما إن كانوا يعنون بهذه العبارة وهو الذي يقصده هؤلاء: أن الله ﷿ ليس له صفة العلو على العرش حيث جاءت في القرآن الكريم بلفظ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) فإذا أرادوا نفي هذا الاستواء الذي جاء التصريح به في القرآن، نقول: أبطلتم مرتين، المرة الأولى: أنكم قصدتم معنىً يخالف الشريعة، والمعنى الثاني: أنكم ألحقتم بالحديث جملة لا أصل لها؛ لأن الحديث الذي ذكرناه آنفًا في صحيح البخاري: «كان الله ولا شيء معه» انتهى، نقطة فاصلة قوية جدًا الحديث إلى هنا، ثم هم زادوا عليه زيادة باطلة سندًا ومعنىً، أما سندًا فلأنها لا وجود لها في شيء من كتب الحديث إطلاقًا، «وهو الآن على ما عليه كان» زيادة باطلة سندًا وباطلة أيضًا معنىً بالمعنى السلبي.
"الهدى والنور" (٣٣٣/ ٠٠: ٠٣: ٠٠)
[ ٧ / ٦٥١ ]
جماع أبواب
صفة النزول الإلهي والرد على من أنكرها
[ ٧ / ٦٥٣ ]
[١٠٥٠] باب إثبات صفة النزول
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟».
وقع (الحديث) في " الترغيب " بلفظ: " ليدنو يتجلى " بهذه الزيادة: " يتجلى " وهي زيادة منكرة لا أصل لها أيضا في شيء من طرق الحديث ورواياته وهذا الخطأ عندي أسوأ من الذي قبله لأنه مُغَيَّر لمعنى الحديث، لأنه تفسير للدنو بالتجلي، وهذا إنما يجري على قاعدة الخلف وعلماء الكلام في تأويل أحاديث الصفات، خلافا لطريقة السلف ﵃، كما خالفوهم في تأويل أحاديث نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا (١) بأن المعنى نزول رحمته. وهذا كله مخالف لما كان عليه السلف من تفسير النصوص على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه كما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١)، فنزوله نزول حقيقي يليق بجلاله لا يشبه نزول المخلوقين، وكذلك دنوه ﷿ دنو حقيقي يليق بعظمته، وخاص بعباده المتقربين إليه بطاعته، ووقوفهم بعرفة تلبية لدعوته ﷿، فهذا هو مذهب السلف في النزول والدنو، فكن على علم بذلك حتى لا تنحرف مع المنحرفين عن مذهبهم، وتجد تفصيل هذا الإجمال وتحقيق القول فيه في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وبخاصة منها " مجموعة الفتاوى "، فراجع مثلًا (ج ٥/ ٤٦٤ - ٤٧٨).وقد أورد الحديث على الصواب
_________________
(١) وهي أحاديث كثيرة متواترة، خرجت طائفة كبيرة منها في " الإرواء " (٤٤٩)، وفي " تخريج السنة " لابن أبي عاصم (٤٩٢ - ٥١٣).اهـ. [منه].
[ ٧ / ٦٥٥ ]
فيها (ص ٣٧٣) واستدل به على نزوله تعالى بذاته عشية عرفة، وبحديث جابر المشار إليه آنفًا.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٦، ١٠٨ - ١٠٩).
[١٠٥١] باب أحاديث النزول متواترة
[قال الإمام]:
أحاديث النزول كثيرة جدًّا، بل وهي متواترة، كما قطع بذلك الحافظ الذهبي في " العلو" (ص ٥٣، ٥٩)، وذكر أنه ألَّف في ذلك جزءًا.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٨).
[١٠٥٢] باب حديث النزول متواتر
[قال الإمام عن حديث النزول المشهور:" ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر"]:
هو حديث صحيح متواتر جاء عن جمع من الصحابة خرَّجت قسمًا طيبًا منها في " الإرواء " (٤٥٠) و" صحيح أبي داود " (١١١٨) ..
"تمام المنة" (ص١٨٢ - ١٨٣).
[١٠٥٣] باب إثبات النزول الإلهي
والرد على شبهات حول حديث النزول
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن لله ﷿ يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا ينادي
[ ٧ / ٦٥٦ ]
يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى».
(منكر بهذا السياق).
[قال الإمام]:
أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (رقم٤٨٢) من طريق عمر بن حفص بن غياث: أخبرنا أبي: أخبرنا الأعمش: أخبرنا أبو إسحاق: أخبرنا أبو مسلم الأغر قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: قال: فذكره مرفوعًا.
قلت: وهذا إسناد ظاهرة الصحة؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، لكن في عمر بن حفص بن غياث شيء من الضعف؛ كما ينبئك به الحافظ ابن حجر في "التقريب"؛ فقال في عمر: "ثقة؛ ربما وهم".وقال في حفص: "ثقة فقيه؛ تغير حفظه قليلًا في الآخر".
وساق له في "التهذيب" عدة أحاديث خطأه فيها، أحدها من روايته عن الأعمش.
وأنا أقطع بأن هذا الحديث مما أخطأ في لفظه؛ لمخالفة الثقات إياه فيه؛ فقد رواه جماعة، عن أبي مسلم الأغر بإسناده بلفظ:
"إن الله ﷿ يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول؛ نزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر".
فليس فيه: "أن الله يأمر مناديًا ينادي يقول"، بل فيه أن الله هو القائل: "هل من .. "، وفيه نزول الرب ﷾ إلى السماء الدنيا، وهذا ما لم يذكره
[ ٧ / ٦٥٧ ]
حفص بن غياث، فدل على أنه لم يحفظه، فالظاهر أنه لم يحدث به من كتابه، وإنما من حفظه فوهم.
وها أنا أذكر من وقفت عليه من الثقات الذين خالفوه؛ فرووه بذكر نزول الرب إلى السماء، وأنه هو سبحانه القائل، كما ذكرنا:
١ - شعبة بن الحجاج. فقال الطيالسي في "مسنده" (٢٢٣٢ و٢٣٨٥): حدثنا شعبة قال: أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت الأغر به.
ومن طريق الطيالسي: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (٢/ ٢٨٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٤٥٠).وأخرجه مسلم (٢/ ١٧٦)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٨٣)، وأحمد (٣/ ٣٤) من طريق أخرى، عن شعبة به.
٢ - منصور - وهو ابن المعتمر الكوفي -، عن أبي إسحاق به.
أخرجه مسلم، وأبو عوانة، وابن خزيمة (٨٤).
٣ - فضيل - وهو ابن غزوان الكوفي -، عنه.
أخرجه أبو عوانة.
٤ - أبو عوانة - وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري -، عنه به.
أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٣ و٣/ ٤٣).
٥ - معمر - وهو ابن راشد البصري -، عنه.
أخرجه أحمد أيضًا (٣/ ٩٤) من طريق عبد الرزاق - وهو في "مصنفه" (١١/ ٢٩٣ - ٢٩٤) -.
[ ٧ / ٦٥٨ ]
٦ - إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
أخرجه ابن خزيمة.
قلت: فهذه ستة طرق، وكلهم ثقات أثبات رووه باللفظ المخالف للفظ حفص ابن غياث، فثبت وهمه فيه.
وكان يمكن أن يقال: لعل الوهم من أبي إسحاق -وهو السبيعي-؛ فإنه
كان اختلط، على تدليس فيه، لولا أنه قد صرح بالتحديث في رواية شعبة الأولى عنه، ثم هو روى عنه قبل الاختلاط، فانتفى الاحتمال المذكور، ولزم الخطأ حفص بن غياث.
وإن مما يؤكد وهمه؛ أنه قد تابعه محاضر - وهو ابن المورع -، وهو ثقة من رجال مسلم قال: حدثنا الأعمش به نحوه؛ إلا أنه لم يذكر في إسناده أبا سعيد الخدري.
أخرجه أبو عوانة عقب سوقه حديث شعبة، ولم يسق لفظه، وإنما قال: "بنحوه"، وأخرجه ابن خزيمة، فساق لفظه.
ومما يؤكد خطأ اللفظ المذكور ونكارته؛ أن الحديث قد جاء من طرق أخرى كثيرة عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا باللفظ المحفوظ نحوه. وقد خرجت سبعة منها في "إرواء الغليل" (٤٥٠)، اثنتان منها "الصحيحين"، وأخريان في "صحيح مسلم"، وسائرها في "مسند أحمد" وغيره.
وللحديث باللفظ الصحيح شواهد كثيرة خرجت بعضها هناك؛ من حديث جبير بن مطعم، ورفاعة بن عرابة الجهني، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن
[ ٧ / ٦٥٩ ]
مسعود، ولذلك جزم ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٢٩) بتواتره.
ونحو هذا الحديث في النكارة؛ ما أخرجه أحمد (٤/ ٢٢) من طريق علي بن زيد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص مرفوعًا بلفظ: "ينادي مناد كل ليلة: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الفجر".
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ الحسن هو البصري، وهو مدلس وقد عنعنه.
وعلي بن زيد - وهو ابن جدعان -؛ ضعيف.
ولفظه هذا أقل نكارة من الأول؛ لأنه ليس فيه ذكر آمر ومأمور، بل قوله: "ينادي "؛ لا ينافي أن يكون هو الله ﵎ كما في الروايات الصحيحة، بل هذا هو الذي ثبت عن ابن جدعان نفسه في رواية عنه، أخرجها ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٨٩) من طريق حماد بن سلمة عنه. ومن هذا الوجه أخرجه أحمد، فالظاهر أن ابن جدعان - لسوء حفظه - كان الحديث عنده غير مضبوط لفظه، فكان يرويه تارة باللفظ المحفوظ، وتارة باللفظ المنكر.
ثم رأيت للحديث طريقًا آخر، خرجته في "الصحيحة" (١٠٧٣).
واعلم أن الذي حملني على تخريج هذا الحديث في هذا الكتاب أمران اثنان:
الأول: أني رأيت الحافظ ابن حجر - عفا الله عنا وعنه - قد ساقه من الطريقين: طريق النسائي عن الأغر ، وطريق أحمد عن عثمان بن أبي العاص؛ مُقوِّيًا به تأويل بعض النفاة لنزول الرب ﷾ تأويلًا منكرًا، ينافي سياق كل الطرق الثابتة عن النبي - ﵌ -، فقال في "الفتح" (٣/ ٢٥): "وقد حكى أبو بكر
[ ٧ / ٦٦٠ ]
بن فورك: أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول، أي ينزل ملكًا، ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر وفي حديث عثمان بن أبي العاص: "ينادي مناد: هل " الحديث. قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني: ينزل الله إلى السماء الدنيا: فيقول: "لا يسأل عن عبادي غيري"؛ لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور"! كذا قال الحافظ عفا الله عنه! فلقد سلك في كلامه هذا على الحديث مسلك أهل الأهواء والبدع من حيث الرواية والدراية.
أما الرواية؛ فإنه سكت عن إسناد الحديثين؛ مع أنه يعلم مخالفتهما للروايات الثابتة عن النبي - ﵌ - في نزول الرب تعالى إلى السماء الدنيا، وقوله هو نفسه: "هل من "، لما رأى أن فيهما تقوية لتأويل المبتدعة للحديث.
وأما الدراية؛ فلا يخفى ضعف بل بطلان التأويل المذكور إذا ما قورن بالروايات الصحيحة للحديث، التي منها رواية رفاعة التي أشار إليها ابن حجر، ولفظها:
«إذا مضى شطر الليل - أو قال: ثلثاه -؛ ينزل الله إلى سماء الدنيا، ثم يقول: لا أسال عن عبادي غيري: من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يدعوني فأجيبه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر».
فكيف لا يعكر على ذلك التأويل الذي ذكره قوله في هذا الحديث: "ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري"! لأن ضمير قوله: "ثم يقول" يعود على تأويلهم، إلى الملك الذي زعموا أنه المفعول المحذوف؛ لضبطهم لفظ "ينزل" على البناء للمجهول؟! بل كيف لا ينافي هذا التأويل تمام الحديث في جميع طرقه
[ ٧ / ٦٦١ ]
وألفاظه التي ذكرت أن الله سبحانه هو الذي يقول: "من ذا الذي يسألني فأعطيه إلخ"، فهل الملك هو الذي يعطي ويستجيب الدعاء ويغفر الذنوب؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!
ولقد أبطل التأويل المذكور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من وجوه في كتابه "حديث النزول" (ص ٣٧ - ٤٢طبع المكتب الإسلامي)، منها ما أشرت إليه من أن الملك ليس له أن يقول ما ذكرناه من الحديث، وقال شيخ الإسلام عقبه: "وهذا أيضًا مما يبطل حجة بعض الناس (كأنه يشير إلى ابن فورك)؛ فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض طرق الحديث: «أنه يأمر مناديًا فينادي»؛ فإن هذا إن كان ثابتًا عن النبي - ﵌ -؛ فإن الرب يقول ذلك، ويأمر مناديًا بذلك، لا أن المنادي يقول: «من يدعوني فأستجيب له؟»، ومن روى عن النبي - ﵌ - أن المنادي يقول ذلك؛ فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله - ﵌ -؛ فإنه - مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفًا عن سلف - فاسد في المعقول، يعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم: "ينزل" بالضم، وكما قرأ بعضهم: ﴿وكلم اللهَ موسى تكليمًا﴾ (١)، ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى".
قلت: فقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى شكه في ثبوت رواية النسائي هذه، فهذا الشك من الشيخ، وسكوت الحافظ عليها، مما حملني على تحقيق القول فيها؛ لأن السكوت لا يجوز، والشك يشعر بأن الشيخ لم يكن على بينة من حالها، وإلا؛ لبادر إلى إنكارها. ولم يكن به من حاجة إلى الجمع بينها وبين اللفظ المحفوظ المستفيض.
_________________
(١) كما في نقل الزمخشري (المعتزلي) في " كشافه " (١/ ٥٨٢). [منه].
[ ٧ / ٦٦٢ ]
والأمر الآخر: أن الكوثري المشهور بعدائه الشديد للسنة وأهلها؛ قد ذكر في تعليقه على "الأسماء والصفات" (ص ٤٥٠) أن الحافظ عبد الحق قد صحح الحديث بهذا اللفظ. فأحببت أن أتثبت من أمرين:
أولهما: هل هذا العزو لعبد الحق صحيح؟ فإن الكوثري لا يوثق بكثير مما ينقله؛ لأنه يدلس.
وثانيهما: إذا كان العزو صحيحًا، فهل هو مصيب فيه أم لا؟ فأقول: أما الأمر الثاني؛ فقد سبق بيانه بما لا تراه في غير هذا الموضع، وعرفت أن الحديث بهذا اللفظ منكر لا يصح.
وأما الأمر الأول؛ فقد تبين لي أن العزو لا يصح أيضًا، إلا بشيء من الغفلة أو التدليس، وإليك البيان:
اعلم أن الحديث أورده الحافظ عبد الحق في "أحكامه" (١)، ومنه عرفت إسناده كما سبق، فتمكنت بذلك من دراسته والكشف عن علته، ومن المعروف عند المشتغلين بالحديث - ومنهم الكوثري - أن الحديث الذي يورده عبد الحق في كتابه المذكور ساكتًا عليه فهو صحيح عنده؛ كما نص عليه، استجاز الكوثري أن يعزو إليه تصحيحه إياه، فغفل - وهذا ليس بعيدًا عنه -، أو دلس - وهذا ما عهدناه منه غير مرة -، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فإن القاعدة المذكورة ليست على
_________________
(١) منه نسخة في " الظاهرية " لكن عنوانها: " الأحكام الكبرى "، وهي عندي " الوسطى "؛ لأنها مجردة الأسانيد، أما " الكبرى "؛ ففيها الأسانيد من مسلم والدراقطني وغيرهما من المخرجين منهم إلى النبي - ﷺ -، يثبتها المؤلف كما وقعت في كتبهم. ولا مجال للقول الآن بأكثر من هذا. [منه]
[ ٧ / ٦٦٣ ]
إطلاقها عند الحافظ الإشبيلي؛ فقد قال بعد ما نقلته عنه: "والحديث السقيم أكثر من أن أتعرض له، أو أشتغل به، وبعض هذه الأحاديث المعتلة ورد من طريق واحدة، فذكرته منها، وربما بينته".
قلت: فأفاد بهذا النص، أنه قد يذكر الحديث المعلول؛ ولا يبين علته إلا نادرًا وفي حالة واحدة، وهي حين يكون من طريق واحدة وإسناد واحد فيذكره، ولا يبين علته، وقد يبين. فإذن؛ سوقه الحديث بإسناده عند مخرجه إشارة منه إلى أنه معلول، وهذا هو بعينه ما صنعه الحافظ الإشبيلي ﵀؛ فإنه ساق الحديث بإسناده عند النسائي كما تقدم، فكان ذلك دليلًا واضحًا عند العارفين باصطلاحه أنه معلول عنده، وذلك ينافي الصحة، لا سيما وقد أتبعه بسوقه لرواية مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا باللفظ المحفوظ. فلو لم يذكر الحافظ هذا الاصطلاح في المقدمة؛ لكان سوقه حديث النسائي بإسناده وحديث مسلم بدون إسناده؛ أوضح إشارة للعاقل اللبيب أن الإسناد علة، فتنبه لها (١).فكيف وهو قد لفت النظر إلى هذا تصريحًا في المقدمة؟!! فتجاهل هذا كله الكوثري، وعزا إلى الحافظ تصحيحه للحديث، وليس كذلك، بل هو عنده معلول، كما بينت، وكشفنا لك عن العلة فيما سبق من هذا التخريج. والله تعالى هو الموفق لا رب سواه.
ثم اعلم أن نزول الرب ﷾ إلى السماء الدنيا كل ليلة، هو صفة من صفات أفعاله ﷿؛ كاستوائه على عرشه، ومجيئه يوم القيامة، الثابتين في
_________________
(١) قلت: وهذا ما صنعه الحافظ في " مختصر الأحكام " (ق ٦٠/ ٢) فإنه ساق الحديث بإسناد النسائي على خلاف عادته، ثم ساق حديث مسلم. ويؤكد لك ما ذكرته أن الحافظ في كتابه الثالث: " التهجد " (ق ١٢٩/ ٢) حذف هذا الحديث المعلول، مع أنه ساق اللفظ المحفوظ بأربع روايات عند مسلم. [منه].
[ ٧ / ٦٦٤ ]
نصوص القرآن الكريم، يجب الإيمان والإذعان له على ما يليق بذاته تعالى؛ دون تعطيل أو تشبيه؛ إذ الصفة يقال فيها ما يقال في ذاته تعالى؛ فكما أننا نؤمن بذاته دون أن نكيفها، فكذلك نؤمن بصفاته كلها - ومنها النزول وغيره - دون أن نكفيها، فمن نفى نزوله تعالى حقيقة على ما يليق به بطريق التأويل؛ لزمه أن ينفي وجود ذات الله تعالى بنفس الطريق، وإلا؛ فهو متناقض؛ كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في عديد من كتبه مثل "شرح حديث النزول"، و"التدمرية"، و"الحموية" ونحوها.
ويعجبني بهذه المناسبة ما ذكره البيهقي في "الأسماء" (ص ٤٥٣) بعد أن روى عن عبد الله بن المبارك أنه سئل: كيف ينزل؟ قال: ينزل كما يشاء. قال: قال أبو سليمان ﵀ (يعني الخطابي):
"وإنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما شاهده من النزول؛ الذي هو نزلة من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت، وهذا صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا يستولي عليه صفات الأجسام؛ فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده، وعطفه عليهم، واستجابته دعاءهم، ومغفرته لهم، يفعل ما يشاء، لا يتوجه على صفاته كيفية؛ ولا على أفعاله كمية. سبحانه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ قال: وهذا من العلم الذي أُمرنا أن نؤمن بظاهره، وأن لا نكشف عن باطنه، وهو من جملة المتشابه. ذكره الله في كتابه فقال: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ الآية؛ فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقي والعمل، والمتشابه يقع به الإيمان والعلم الظاهر، ويوكل باطنه إلى الله ﷿، وهو معنى قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، وإنما حظ الراسخين أن يقولوا: ﴿آمنا
[ ٧ / ٦٦٥ ]
به كل من عند ربنا﴾. وكذلك ما جاء من هذا الباب في القرآن؛ كقوله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر﴾،
وقوله: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾، والقول في جميع ذلك عند علماء السلف هو ما قلناه".
إذا عرفت هذا؛ فعليك بطريقة السلف؛ فإنها أعلم وأحكم وأسلم، ودع طريقة التأويل التي عليها الخلف الذين زعموا: "أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم"؛ فإنه باطل من القول، وفيه ما لا يخفى من نسبة الجهل إلى السلف، والعلم إلى الخلف!! وسبحان الله كيف يصدر مثل هذا القول ممن يؤمن بفضائل السلف التي لا تخفى على أحد، وراجع بيان بطلان هذا القول في كتب ابن تيمية، أو في مقدمتي لـ "مختصر العلو للعلي العظيم" للحافظ الذهبي؛ باختصاري وتقدمتي التي أنا على وشك الانتهاء منها بفضله تعالى وكرمه.
ثم طبع والحمد لله سنة (١٤٠١) في المكتب الإسلامي ببيروت.
(تنبيه): علق الدكتور فاروق حمادة على الحديث في "عمل اليوم والليلة" (ص ٣٤٠)، فقال: "وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ١١/ ٤٤٤".
وهذا التخريج؛ تعليقه على هذا الحديث المنكر، وهو خطأ محض - وأرجو أن لا يكون مقصودًا وتدليسًا من هذا الدكتور - وذلك؛ لأن الحديث المشار إليه في "المصنف" من طريق ابن شهاب الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن
عبد الرحمن والأغر أبو عبد الله صاحبا أبي هريرة: أن أبا هريرة أخبرهما، عن رسول الله - ﵌ - قال: فذكر الحديث باللفظ المحفوظ في "الصحيحين" وغيرهما، كما سبقت الإشارة إليه، وهو المخرج في "الإرواء" بالرقم المذكور آنفًا من الطريق الأولى عن أبي هريرة عن ابن شهاب به؛ إلا أنه لم يذكر في سنده أبا
[ ٧ / ٦٦٦ ]
سعيد الخدري (ج ٢/ ١٩٥ - ١٩٦).فهذا لفظ وطريق غير لفظ وطريق حديث الترجمة، فهل خفي ذلك على الدكتور، أم تجاهله لغاية في نفسه! أرجو أن يكون الأمر الأول، ولكن كيف يمكن هذا وهو قد علق أيضًا على اللفظ المحفوظ عن الزهري وقد أخرجه النسائي أيضًا برقم (٤٨٠)؛ فقال الدكتور:
"هذه الرواية موافقة لمسلم والبخاري وعبد الرزاق في "المصنف" ١٠/ ٤٤٤".
فكيف يصح عزو اللفظ المنكر واللفظ المحفوظ مع اختلاف إسناديهما إلى "مُصنف عبد الرزاق"؛ وهو إنما رواه بالسند الصحيح باللفظ المحفوظ، وهل يمكن أن يخفى هذا على الدكتور؟!.
وأريد هنا - أيضًا - أن أكشف عن تدجيل أحد المعلقين على كتاب ابن الجوزي "دفع شبه التشبيه"؛ وهو الذي لقبه أحدهم بحق بـ "السخاف"؛ فإنه تجاهل الطرق المتواترة في "الصحيحين" وغيرهما؛ المتفقة على أن الله ﷿ هو الذي ينزل، وهو الذي يقول: "من يدعوني .. من يستغفرني .. من يسألني"؛ فعطل هذه الدلالة القاطعة الصريحة بقوله (ص ١٩٢): "إن المراد بالحديث أن الله ينزل ملكًا! " تقليدًا منه لابن حجر في "الفتح" (٣/ ٣٠)، وقوى ذلك برواية النسائي المنكرة هذه، ولو أن هذا المتجاهل اكتفى في التقليد على ما في "الفتح"؛ لهان الأمر بعض الشيء، ولكنه أخذ يرد علي بالباطل تضعيفي لرواية النسائي هذه؛ بتحريفه لكلامي أولًا، وبالافتراء علي ثانيًا؛ فاسمع إليه كيف يقول:
"وقد زعم أن حفص بن غياث تغير حفظه قليلًا".فأقول غاضًا النظر عن مناقشته في قوله: "زعم"!
[ ٧ / ٦٦٧ ]
أولًا: قوله: "رواية حفص عن الأعمش كانت في كتاب .. " إلخ. تدليس خبيث على القراء، وكذب على الحافظ المزي والحافظ العسقلاني؛ فإن الذي في "تهذيبيهما": "أنه كان عند عمر بن حفص كتاب أبيه عن الأعمش"! فهذا شيء، وكون حديثه هذا المنكر كان في كتابه شيء آخر، كما لا يخفى على القراء.
ثانيًا: قوله: "فلا يضرها اختلاط حفص بأخرة على تسليم وقوعه"!
فأقول: يلاحظ أنه بتغيير لفظة "الاختلاط" مكان قولي: "تغير"، يدل على شيئين أحلاهما مر:
الأول: أنه لا يفرق بين اللفظين، وأن حكم من تغير من الثقات حكم من اختلط منهم عنده، وهذا هو اللائق بجهله وتعلقه بهذا العلم!! والواقع أن التغير ليس جرحًا مسقطًا لحديث من وصف به، بخلاف من وصف بالاختلاط، والأول يقبل حديث من وصف به؛ إلا عند الترجيح كما هنا، وأما من وصف بالاختلاط؛ فحديثه ضعيف؛ إلا إذا عرف أنه حدث به قبل الاختلاط.
والآخر: أنه تعمد التغيير المذكور تضليلًا وتمهيدًا للاعتذار عن قوله: "على تسليم وقوعه"!
فإذا تنبه لتلاعبه بالألفاظ وقيل له: كيف تنكر تغيره وفي "التهذيبين" نقول صريحة عن الأئمة بوصفه بذلك؟ أجاب: بأنني عنيت الاختلاط وهذا غير مسلم به! وإذا قيل له: البحث في التغير - وهذا مما يمكن إنكاره -؛ قال: قد أجبت عنه بأن الحديث في كتاب حفص!! وقد يبدو أن هذا الكلام فيه تكلف ظاهر في تأويل تغييره المذكور، فأقول: هو كذلك، ولكنه لا بد من هذا عند افتراض أنه تعمد التغيير، وإلا؛ فالاحتمال أنه أتي من قبل جهله هو الوجه.
[ ٧ / ٦٦٨ ]
رابعًا: لو فرض أن حفص بن غياث لم يُرْمَ بالتغير وكان كسائر الثقات الذين لم يرموا بجرح مطلقًا؛ فحينئذ يرد حديثه هذا بالشذوذ؛ لمخالفته لأولئك الثقات الستة الذين رووه بنسبة النزول إلى الله صراحة، وقوله ﷿: "من يدعوني .. من يستغفرني .. " إلخ.
راجع: "تفسير القرطبي" (٤/ ٣٩)، و"أقاويل الثقات" (ص ٢٠٥).
"الضعيفة" (٨/ ٣٥٥ - ٣٦٧).
[١٠٥٤] باب منه
عن أبي هريرة عن النبي - ﵌ - قال: «ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك».
(أخرجه مسلم).
[قال الإمام]:
قلت: اشتهر تأويل هذا الحديث عند نفاة الصفات، بأن المراد بالنزول نزول أمر الله تعالى ورحمته، ومع أن هذا التأويل باطل من وجوه كما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: " شرح حديث النزول" من ذلك سياق الحديث، فإن قوله: أنا الملك الخ .. صريح في أن الله تعالى هو الذي ينزل.
قال شيخ الإسلام (ص ٣٦): " وقد سُئِلَ بعض أئمة نفاة العلو عن النزول فقال: ينزل أمره، فقال له السائل: فممن ينزل؟ إن عندك فوق العالم شيء فممن ينزل الأمر؟ من العدم الحض؟ فبهت ".
[ ٧ / ٦٦٩ ]
ومن أغرب التأويلات التي رأيتها لبعض النفاة قول الشيخ" أبو زهرة " في " المذاهب الإسلامية" (ص ٣٢٥): " ويصح أن يفسر النزول إلى السماء الدنيا بمعنى قرب حسابه تعالى"!!! فعلى هذا التأويل فحساب الله يقرب كل ليلة، ثم لا حساب! فلا نزول حتى على هذا التأويل. وهكذا يكون التعطيل للنصوص وإنكار معانيها الحقيقية اللائقة به تعالى
"مختصر العلو" (ص ١١٥ - ١١٦).
[١٠٥٥] باب إثبات صفة النزول
والرد على من تأولها بالزوال أو الانتقال
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«لا تَتَفَكَّروا في الله، فإنه لا مِثْلَ له، ولا شَبِيْهَ ولا نظيرَ، ولا تَضْربوا لله الأمثالَ، ولا تَصِفوه بالزَّوالِ، فإنه بكل مكانٍ».
(موضوع).
[قال الإمام]:
قال الربيع في مسنده (٣/ ٢١٧): وبلغنا عن أبان بن [أبي] عياش عن أنس بن مالك قال: خرج النبي - ﵌ - على قوم جلوس، فقال ما أجلسكم؟ فقالوا: نتفكر في الله، فقال - ﵌ -: فذكره. قلت وهذا موضوع، آفته أبان بن [أبي] عياش، وهو متروك - كما قال الذهبي والعسقلاني -.وجملة التفكر قد رويت من طرق أخرى، بدا لي من مجموعها أنها ترتقي إلى مرتبة الحسن، ولذلك خرجته في "الصحيحة" (١٧٨٨).
[ ٧ / ٦٧٠ ]
وأما سائر هذا الحديث وبخاصة الجملة الأخيرة منه فإنها باطلة، وهي من وضع الجهمية والمعطلة لصفات الله ﷿، الذين يتأولونها غير تأويلها المعروف عند السلف، ويعبرون عن المجيء المصرح به في القرآن والنزول المتواتر عن النبي - ﵌ - بالزوال- كما في هذا الحديث-، أو الانتقال- كما يفعل ابن الجوزي وغيره -، ثم يقولون: هذا من صفات المخلوقات، فلا يجوز وصف الله بذلك! والحقيقة أن المجيء والنزول لا يجوز تأويله بما ذكروا، وهو صفة لله، وصف بها نفسه، نصفه بها دون تشبيه ولا تعطيل، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فهم وقعوا حين عبَّروا بما تقدم في التشبيه، ففرُّوا منه إلى التعطيل.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٣٤ - ٧٣٥).
[١٠٥٦] باب بيان ضعف رواية
لحديث النزول يُسْتَدَلُّ بها على تأويل صفة النزول
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﵌ - قال:
«(ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له». رواه البخاري
[قال الإمام]:
تأوله الحافظ تبعا للجمهور بنزول أمره أو مَلَك ينادي بذلك، وقواه برواية النسائي للحديث بلفظ:"إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع فيستجاب له" الحديث.
[ ٧ / ٦٧١ ]
وسكت الحافظ عنه فأوهم ثبوته، وليس كذلك، بل هو شاذ منكر، تفرد
بهذا اللفظ حفص بن غياث دون سائر الرواة الذين رووه عن أبي هريرة من
نحو سبع طرق بأسانيد صحيحة عنه، بلفظ الكتاب ونحوه، المصرح بأن الله هو الذي يقول:"هل من داع .. "إلخ، وليس الملَك، وفيه من جميع الطرق التصريح بنزول الله تعالى، وهذا ما لم يتعرض له حفص، وكذلك ثبوت النزول وقول الرب ما ذكرنا في كل طرق الحديث عن غير أبي هريرة من الصحابة، حتى بلغ ذلك مبلغ التواتر. وقد حققت الكلام على هذه الخلاصة في "الأحاديث الضعيفة" (٣٨٩٨).
"مختصر صحيح البخاري" (١/ ٣٣٩).
[١٠٥٧] باب هل يلزم من نزوله تعالى خلو العرش منه؟
[عن] علي بن خشرم حدثنا إسحاق قال: دخلت على ابن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث يروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قلت نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام. فقال: ينزل ويدع عرشه؟ فقلت يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم. قلت: فَلِمَ تتكلم في هذا؟
(إسناده صحيح)
[قال الإمام]:
(فائدة): في قول إسحاق رحمه الله تعالى: "يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش" إشارة منه إلى تحقيق أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو منه العرش ويصير العرش فوقه، وهذا مستحيل
[ ٧ / ٦٧٢ ]
بالنسبة لنزول المخلوق الذي يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر، وهذا الذي أشار إليه إسحاق هو المأثور عن سلف الأمة وأ ئمتها أنه تعالى لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب، فراجع بسط ذلك في كتابه "شرح حديث النزول" (ص٤٢ - ٥٩).
" مختصر العلو" (ص١٩٢ - ١٩٣).
[١٠٥٨] باب كيف ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل مع أن الثلث الأخير يتغير من مكان إلى مكان؟
سؤال: شيخ، لو سمحت شرح حديث النزول مع الإشارة إلى أن ثلث الليل ااا الأخير يتغير من منطقة إلى منطقة.
الشيخ: هذا سؤال أخي قائم على المادة وما يشكل على المادة لا يشكل على خالق المادة، والآن هذا السؤال أنا أقول دائمًا أبدًا: هل يمكن لعالم مهما أوتي علمًا وفطنة إنه يكون أربعة خمسة الآن بيتكلموا معي أو مع ذاك العالم الذي أنا خيلت لكم إياه آنفًا، بيفهم من هون، وبيفهم من هون، وبيعطي جواب لهذا وبيعطي جواب، ممكن هذا؟ سؤالك يشبه هذا؛ لأنه سؤالك عن الخالق، خالق المادة فلا يقاس الخالق على المخلوق، ولا تجري على الخالق أحكام المخلوق حتى أنت تقول: هذا إشكال، صحيح أنه ثلث الليل كل لحظة في ثلث ليل، مو بس يعني نستطيع أن نقسم الكرة الأرضية أربعة أقسام مثلًا، مثل ما بيقولوا بالنسبة لطلوع الشمس وغروبها: كل لحظة في طلوع، كل لحظة في غروب صح؟
الملقي: نعم.
[ ٧ / ٦٧٣ ]
الشيخ: طيب، لكن علام الغيوب، هاللي هو نظم هذا الكون، وأخبرنا أنه ينزل في كل ليلة هو بيعرف يُدِّبر حاله يا جماعة هه.
مداخلة: ههه.
الشيخ: فليش شايلين هم انتو، سبحان الله.
"الهدى والنور" (٥١٨/ ٥٣: ٥٦: ٠٠)
[١٠٥٩] باب هل يدوم النزول
الإلهي إلى صلاة الصبح أم إلى طلوع الفجر؟
[قال سيد سابق في فقه السنة]: " .. النزول الإلهي هل يدوم إلى انقضاء صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا "
[قال الإمام معلقًا]:
يعني بـ " النزول الإلهي " قوله - ﵌ -: «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟».
وهو حديث صحيح متواتر جاء عن جمع من الصحابة خرَّجت قسمًا طيبًا منها في " الإرواء " (٤٥٠) و" صحيح أبي داود " (١١١٨) زاد بعضهم: "حتى ينفجر (وفي رواية: يطلع) الفجر "
وقد كنت قلت في " التعليقات الجياد على زاد المعاد ": " لكن معظم الرواة اتفقوا على أنه يدوم إلى طلوع الفجر كما قال الحافظ في " الفتح " (٣/ ٢٤) وأما دوامه إلى صلاة الفجر فلم أجد رواية صريحة تؤيد ذلك نعم في رواية للنسائي من
[ ٧ / ٦٧٤ ]
حديث أبي هريرة بلفظ: " حتى ترجل الشمس " فهي تتضمن ما ذكره المصنف (أي ابن القيم) لكنها رواية شاذة كما قال الحافظ ".
وأقول الآن: لعل الخطأ فيها من محمد بن إسماعيل بن أبي فديك فإنه عند النسائي في " عمل اليوم والليلة " (رقم ٤٨٦) وابن خزيمة في " التوحيد " (ص٨٦ - ٨٧) من طريقه: حدثني ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن نافع ابن جبير عن أبي هريرة فإن ابن أبي فديك وإن كان ثقة محتجا به في " الصحيحين " فقد قال فيه ابن سعد: " كان كثير الحديث وليس بحجة " ومن المحتمل أن يكون الخطأ من شيخه القاسم بن عباس فإنه مع كونه ثقة من رجال مسلم أيضًا فقد لينه محمد ابن البرقي الحافظ وقال ابن المديني: " مجهول " كما في " الميزان".
ولعل هذا هو الأقرب فقد خالفه عمرو بن دينار - وهو الثقة الثبت - إسنادًا ومتنًا فقال عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعا بلفظ: "حتى يطلع الفجر". أخرجه ابن خزيمة في " التوحيد " (ص ٨٨) وأحمد (٤/ ٨١) وغيرهما وهو مخرج في كتابي " ظلال الجنة في تخريج السنة " (٥٠٧) ثم وجدت روايتين أخريين: الأولى: بلفظ: " حتى تطلع الشمس ". أخرجه ابن خزيمة أيضا من طريق إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص رفعه.
قلت: وهذا مع كونه مرسلًا فهو ضعيف من أجل إبراهيم هذا وهو ابن مسلم.
قال الحافظ في " التقريب ": "لين الحديث رفع موقوفات".
والأخرى بلفظ: "حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارئ من صلاة الفجر".
أخرجه الدارمي (٣٤٦ - ٣٤٧) وابن خزيمة وأحمد (٢/ ٥٠٤) من طريق
[ ٧ / ٦٧٥ ]
محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا به.
قلت: وهذا مع كونه قد شك فيه الراوي فهو مما لا قيمة له فكيف ومحمد ابن عمرو فيه كلام من قبل حفظه فكيف وقد خالفه الزهري ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بلفظ: " حتى الفجر " بغير شك.
رواه مسلم وغيره.
وبالجملة فلا يصح في الحديث إلا هذا اللفظ الأخير وعليه كل الروايات الصحيحة فيه، والله ﷾ أعلم.
"تمام المنة" (ص١٨٢ - ١٨٤).
[١٠٦٠] باب ذكر مرجع مهم حول صفة النزول
[قال الإمام]:
كتاب «شرح حديث النزول» لشيخ الإسلام ابن تيمية، .. أفاض [فيه] في بيان ما يجب على المسلم اعتقاده في صفة النزول الإلهي.
"صحيح الكلم الطيب (ص ٤٣).
[ ٧ / ٦٧٦ ]
(جماع أبواب الكلام على عرش الرحمن وكرسيه)
[ ٧ / ٦٧٧ ]
[١٠٦١] باب وجوب التوقف
في وصف العرش على ما جاءت به النصوص
[قال الذهبي ﵀ في "العلو"]:
فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه في ارتفاعه وسعته، وقوائمه وماهيته وحمَلتِه، والكروبيين الحافِّين من حوله، وحسنه ورونقه وقيمته. فقد ورد أنه من ياقوتة حمراء، ولعل مساحته مسيرة خمسمائة ألف عام.
[فعلق الإمام على ذلك في " مختصر العلو" قائلًا]:
عرش الرحمن ﵎، نؤمن به، ونصفه بما ثبت في الكتاب والسنة فقط، فليت المؤلف رحمه الله تعالى وقف عندهما، ولم يزد عليهما وصفًا تظننًا ورجمًا بالغيب، لا سيما وهو قد ذكر فيما يأتي من الأصل عن وهب بن منبه أنه قال: " العرش مسيرة خمسين ألف سنة" فقال خمسين، ولم يقل خمسمائة! وهو على كل حال من الإسرائيليات التي لا فائدة من ذكرها إلا للتنبيه، ولذلك حذفته من هذا المختصر.
"مختصر العلو" (ص٩٩ - ١٠٠)
[١٠٦٢] باب ذكر بعض أوصاف العرش
والكرسي والردعلى من تأولهما
[قال الإمام]:
اعلم أن العرش خلق عظيم جدًا كما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولذلك أضافه تعالى إلى نفسه في قوله: [ذو العرش] وفيه آيات أخر تجدها
[ ٧ / ٦٧٩ ]
في " الشرح " [أي: شرح الطحاوية].وهو لغةً سرير الملك، ومن أوصافه في القرآن: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (الحاقة: ١٧) وأنه على الماء، وفي السنة أن أحد حملة العرش ما بين شحمة إذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وأن له قوائم وأنه سقف جنة الفردوس. جاء ذلك في أحاديث صحيحة مذكورة في "الشرح". وذلك كله مما يبطل تأويل العرش بأنه عبارة عن الملك وسعة السلطان.
وأما الكرسي ففيه قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ (البقرة:٢٥٥) والكرسي هو الذي بين يدي العرش وقد صح عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله: " الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى".وهو مخرج في كتابي " مختصر العلو للذهبي " ولم يصح فيه مرفوعًا سوى قوله ﵊: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة».وذلك مما يبطل أيضا تأويل الكرسي بالعلم. ولم يصح هذا التأويل عن ابن عباس كما بينته في " الصحيحة " (١٠٩).
التعليق على متن الطحاوية" (ص٥٠ - ٥١).
[١٠٦٣] باب العرش فوق المخلوقات جميعها
[قال الإمام]:
قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات وليس فوقه شيء من المخلوقات.
التعليق على متن الطحاوية" (ص٥٤).
[ ٧ / ٦٨٠ ]
[١٠٦٤] باب تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾
سؤال: قول تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (هود:٧)، ممكن تفسرها لنا، جزاك الله خير.
الشيخ: المسألة لا تحتاج إلى تفسير بأكثر مما هو واضح؛ لأن هذه من الأمور الغيبية التي لا يجوز للمسلمين التوسع فيها، وإدخال العقل العاجز عن إدراك المغيبات، وتصويرها في حدود المشاهدات، فكون ربنا يقول: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (هود:٧)، هو خلق من خلق الله ﷿، كان العرش ولا يزال على الماء، لكن هذا بلا شك لا يعني أن الماء قديم أزلي لا أول له، وأن العرش أيضًا قديم أزلي لا أول له، لأن كل ما سوى الله ﷿ فهو مخلوقٌ مسبوقٌ بالعدم، فربنا ﷿ حينما يتحدث في القرآن الكريم عن هذه الحقيقة الخَلْقِيَّة الغيبية عن الناس، يخبرنا بأن العرش ليس على السماء: أجرام، وإنما على الماء، وليس إلا هذا في الآية، وكثير من الناس اليوم يتأولون النصوص القرآنية ببعض الاكتشافات العلمية، وهذا عبارة عن تَظَنُّن إن لم نقل إنه تخرُّص؛ لأننا لو سألنا العلم اليوم الذي يُعْرَفُ بالعلم التجريبي والعلم الفلكي، ما هي السماوات السبع المنصوص عليها في القرآن الكريم، طبعًا سيقف أمامها حائرًا؛ حتى الملاحدة منهم نحن لا نتحدث عمَّا وراء الطبيعة، نحن نتحدث عما أُحيط به علمًا، فنحن لا نعلم إلا هذا الفراغ الذي بعد مائتين .. ثلاثمائة كيلو متر كما يقولون، هذه ممتلئة بالهواء، ثم بعد ذلك فراغ مطلق فيها هذه الأجرام، وهذه الكواكب التي تعد بملايين الملايين، فهم لا يتحدثون إلا عما شاهدوا، ولذلك فهم لا يستطيعون التحدث عن السموات السبع بشيء، بالتالي لا يستطيعون أن يتحدثوا عن الماء الذي فوقه عرش الرحمن ﵎.
هذا ما يمكن الإجابة عن هذا السؤال.
" الهدى والنور" (٦٩/ ١٤: ٢٧: ٠٠)
[ ٧ / ٦٨١ ]
[١٠٦٥] باب هل عرش الرحمن فوق الماء أو فوق الجنة؟
السؤال: حديث: «إذا سألتم الله فسألوه الفردوس فهي أوسط الجنة وهو أعلى الجنة وفوقه العرش ومنه تفجر أنهار الجنة» (١) وقول الله ﷾
في سورة هود: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (هود:٧)، فالفهم لهذا الحديث؛ لأنه
يذكر الحديث أن أعلى الجنة العرش، والآية تذكر أن عرش الله ﷾ فوق الماء؟
الجواب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (هود:٧)، هذا لا ينافي هذا أولًا؛ لأنه كون العرش أعظم مخلوقات الله ﷿، فما ينفي أن يكون بهذه العظمة هو أيضًا على العرش وهو فوق الجنة، ومشكلة هذا السؤال وغيره من الأسئلة أن بعض المسلمين اليوم يحاولون أن يكيفوا الأخبار الغيبية تكييفًا ماديًا ملموسًا، وهذا خطأ جدًا؛ لأن الأمور الغيبية لا يجوز التوسع فيها وإنما يجب الوقوف عند حروفها وعدم التزايد عليها، أما محاولة التعمق في فهم الكيفيات هذه الغيبية عندنا كهذه المسألة، فالعرش كان على الماء، ثم العرش هو سقف الجنة، نحن نحاول الآن أن نتكيف أن العرش حجمه صغير أولًا، ثم نحاول أن نتكيف أن الأمر كما كان من قبل، أي: كان عرش الرحمن على الماء، وهو كذلك، لكن هذا أولًا لا يستلزم المنافاة التي أشرت إلى نفيها آنفًا.
وثانيًا وأخيرًا أقول: يمكن أن يكون الأمر "كان" كما قال في القرآن "كان" ثم بعد ذلك ربنا ﷿ كما قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ (الرحمن:٢٩)، فمن شأنه ﷿ أن يخلق وأن يحيي وأن يميت ويتصرف في خلقه كما يشاء، فإذًا: ليس
_________________
(١) "البخاري" (رقم٢٦٣٧).
[ ٧ / ٦٨٢ ]
هناك من الضروري أن نجمع أولًا أن عرشه على الماء، وعرشه أيضًا فوق الجنة في آن واحد، ممكن أن يكون كذلك وقد سبق الجواب عنه، ويمكن أن يكون طرأ على هذا الماء خلق جديد بحيث أنه صار العرش كله سقف الجنة. هذا ما نقوله إجمالًا، والتفصيل لا يجوز الدخول في الغيبيات.
"الهدى والنور" (٥٩٠/ ٠٠:٣٥:٣٨)
[١٠٦٦] باب هل ثبت في أطيط العرش حديث مرفوع؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
" إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه يقعد عليه، ما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله ".
(منكر).
[ثم بيَّن الإمام نكارته ثم قال]:
ومثله حديث ابن إسحاق في " المسند " وغيره، وفي آخره: " إن عرشه لعلى سماواته وأرضه هكذا مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب ".وابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع في شيء من الطرق عنه، ولذلك قال الذهبي في " العلو" (ص ٢٣): " هذا حديث غريب جدا فرد، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم أقال النبي - ﵌ - هذا أم لا؟ وأما الله ﷿ فليس كمثله شيء ﷻ، وتقدست أسماؤهُ، ولا إله غيره. (قال:)."الأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل،
[ ٧ / ٦٨٣ ]
فذاك صفة للرحل وللعرش، ومعاذ الله أن نعده صفة لله ﷿، ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت ".
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
[١٠٦٧] باب منه
عن عمارة بن عمير عن أبي موسى قال:" الكرسي موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحِل ".
[قال الإمام]:
قلت: وإسناده صحيح إن كان عمارة بن عمير سمع من أبي موسى، فإنه يروي عنه بواسطة ابنه إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، ولكنه موقوف، ولا يصح في الأطيط حديث مرفوع.
"الضعيفة" (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
[١٠٦٨] باب بيان أنه ليس للأطيط مدخل في صفاته سبحانه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إنَّ كُرْسِيَّهُ وّسِعَ السماواتِ والأرضَ، وإنه لَيَقْعُدُ عليه، فما يَفْضُلُ عنه إلا قَدْرُ أَرْبَعِ أصابع - ومد أصابعه الأربع -، وإن له أَطِيْطًا كأطيطِ الرَّحْل [إذا رُكِبَ]».
(منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه الدارمي عثمان بن سعيد في "الرد على بشر المريسي" (ص٧٤)،
[ ٧ / ٦٨٤ ]
وعبد الله بن أحمد في "السنة (ص ٧١) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي - ﵌ - فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة. فعظم الرب، فقال: فذكره.
هكذا أخرجاه من طريقين عن إسرائيل. وأخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد"
(٨/ ٥٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل" (١/ ٤) من طريق الحسين بن شبيب الآجري: أخبرنا أبو حمزة الأسلمي - بـ (طرسوس) -: حدثنا وكيع: ثنا أبو إسرائيل عن أبي إسحاق به.
كذا قال:"أبو إسرائيل"، وأظنه وهمًا من أبي حمزة الأسلمي، فإنه غير معروف عندي، ولم يذكره أحد فيما علمت، حتى ولا الحافظ الذهبي في "كناه". أو الوهم من الرواي عنه الحسين بن شبيب، فإن الخطيب في ترجمته ساق الحديث ولم يزد! سوى أنه ذكر في إسناده انه كان من النساك المذكورين.
وإن مما يؤكد الوهم أن عبد الله بن أحمد قال (ص ٧٠): حدثني أبي، حدثنا وكيع، بحديث إسرائيل به إلا أنه قال: عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال: "إذا جلس الرب ﷿ على الكرسي" فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع فغضب وكيع وقال: "أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث لا ينكرونها".
وأقول نعم إذا كانت أحاديث صحيحة، كحديث النزول الإلهي كل ليلة، وأحاديث الأصابع واليدين ونحوها، وأما فضعيف منكر لا نرضاه، وقد قال الذهبي في كتابه "العلو" (ص ١٢٣ - ١٢٤ - مختصره):
"وليس للأطيط مدخل في الصفات أبدًا، بل هو كاهتزاز العرش لموت سعد، وكتفطر السماء يوم القيامة ونحو ذلك، ومعاذ الله أن نعده صفة لله ﷿. ثم
[ ٧ / ٦٨٥ ]
لفظ الأطيط لم يأت في لفظ ثابت ".وقال ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٧١):
"وقد رواه وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة مرسلا، ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن، وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات".
قلت وقد روي متصلًا بذكر عمر فيه مرفوعًا، ولا يصح أيضًا، لأن مداره على أبي إسحاق وكان اختلط، وإسرائيل - وهو: ابن يونس بن أبي إسحاق - سمع من جده بعد الاختلاط.
وعبد الله بن خليفة: مجهول لا يعرف إلا في هذا الإسناد. وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﵌ -، وإسناده مضطرب جدًا، وعبد الله ابن خليفة ليس من الصحابة، فيكون الحديث الأول مرسلًا، وتارة يرويه ابن خليفة عن عمر مرفوعًا، وتارة يوقفه على عمر، وتارة يوقف على ابن خليفة، وكل هذا تخليط من الرواة فلا يعوَّل عليه".
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٢٢ - ٧٢٤).
[١٠٦٩] باب استغناء الله تعالى عن العرش
[نقل الإمام كلام شارح الطحاوية على قول الماتن:"وهو مستغن عن العرش وما دونه".مقررًا إياه فقال]:
قال الشارح رحمه الله تعالى: وإنما قال الشيخ ﵀ هذا الكلام هنا؛ لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش؛ ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة
[ ٧ / ٦٨٦ ]
اقتضته وكون العالي فوق السافل لا يلزم أن يكون السافل حاويًا للعالي محيطًا به حاملًا له، ولا أن يكون الأعلى مفتقرًا إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها.
فالرب تعالى أعظم شأنًا وأجل من أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل وفقر السافل وغناه هو سبحانه عن السافل وإحاطته ﷿ به فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته، وغناه عن العرش وفقر العرش إليه وإحاطته بالعرش وعدم إحاطة العرش به وحصره للعرش وعدم الحصر للعرش له. وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.
ونفاة العلو أهل التعطيل لو فَصَّلوا بهذا التفصيل لهُدوا إلى سواء السبيل وعلموا مطابقة العقل للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل فضلُّوا عن سواء السبيل. والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ (الأعراف: ٥٣) وغيرها: كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
التعليق على متن الطحاوية" (ص٥٢ - ٥٣).
[١٠٧٠] باب هل يلزم من نزوله تعالى خلو العرش منه؟
[عن] علي بن خشرم حدثنا إسحاق قال: دخلت على ابن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث يروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قلت نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام. فقال: ينزل ويدع عرشه؟ فقلت يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم. قلت: فلم تتكلم في هذا؟
(إسناده صحيح)
[ ٧ / ٦٨٧ ]
[قال الإمام]:
(فائدة): في قول إسحاق رحمه الله تعالى: "يقدر أن ينزل من غير أن
يخلو منه العرش" إشارة منه إلى تحقيق أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو منه العرش ويصير العرش فوقه، وهذا مستحيل بالنسبة لنزول المخلوق الذي يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر، وهذا الذي أشار إليه إسحاق هو المأثور عن سلف الأمة وأ ئمتها أنه تعالى لا يزال
فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب، فراجع بسط ذلك في كتابه "شرح حديث النزول" (ص٤٢ - ٥٩).
" مختصر العلو" (ص١٩٢ - ١٩٣).
[١٠٧١] باب هل يوصف الله تعالى بأنه مستقر على العرش؟
سؤال: قضية استواء الله على عرشه هل تعني أن الله مستقر بذاته
على العرش؟
الشيخ: لا يجوز استعمال ألفاظ لم ترد في الشرع؛ لا يجوز أن يوصف الله بأنه مستقر؛ لأن الاستقرار أولًا: صفة بشرية، ثانيًا: لم يُوصف بها ربُّنا ﷿ حتى نقول: استقرار يليق بجلاله وكماله كما نقول في الاستواء، فنحن لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه ثم مقرونًا مع التنزيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
"الهدى والنور" (٥٤٢/ ١٩: ١٥: ٠٠)
[ ٧ / ٦٨٨ ]
[١٠٧٢] باب هل هناك دليل
ينفي أو يثبت مماسَّة الرب ﷿ لعرشه؟
السؤال: هل هناك دليل من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة ما ينفي أو يثبت مماسَّة الرب ﷿ لعرشه؟
الشيخ: [لا يوجد] ذلك إطلاقًا، وإثبات مثل هذه الأمور ونفيها في اعتقادي خروج عن منهج السلف الصالح؛ لأن كلًا من الإثبات والنفي يترتب منه محذور، أما الإثبات فقد يلزم منه محظورات أحدهما نسبة شيء إلى الله ﷿ لم يثبت في الكتاب ولا في السنة وهذا لا يجوز.
والشيء الآخر أننا إذا أثبتنا أو ادعينا شيئًا من ذلك فتحنا طريقًا للمعطلين المؤولين لنصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الرب ﵎، فتحنا لهم طريقًا ليتهمونا بالتجسيم؛ لأنهم يفسرون هذه الأمور التي قد يدعيها بعض من سبقنا، يفسرونها على ظاهرها التي تليق بالبشر ولا تليق بالله ﷿، ولذلك فلا يجوز إثبات مثل هذه الأمور، كما أنه لا يجوز نفيها لأنه قد يلزم من نفيها نفي ما جاء في الكتاب والسنة من ذلك مثلًا: أن الله ﷿ ليس حالًَّا في المخلوقات، أي: ليس كما يقول المعطلة والقائلون بوحدة الوجود أن الله ﷿ في كل مكان، أن الله ﷿ موجود في كل الوجود، وغلا الصوفية في تصريحهم بهذه الضلالة حينما قال قائلهم في شعر لا أذكره الآن، أنه مثل رب العالمين ومخلوقاته كمثل الماء والثلج، هل يمكن فصل الماء عن الثلج حين كونه ثلجًا؟ الجواب: لا، كذلك عندهم رب العالمين تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرا إنه حال في المخلوقات، والعقيدة السلفية أن الله ﷿ غني عن العالمين، وهو ليس بحاجة
[ ٧ / ٦٨٩ ]
إلى العرش، وإلى الجلوس عليه، والتمكُّن منه، وقد صرح بذلك بعض العلماء المعتدلين من الماتريدية، أقول المعتدلين؛ لأن الماتريدية كالأشاعرة في كثير من الأمور المخالفة لعقيدة السلف الصالح أما هذا البعض الذي أشير إليه، فقد قال مثبتًا لصفة علو الله على عرشه دون إيهام أنه بحاجة إليه فقال:
ورب العرش فوق العرش بلا وصف التمكن واتصال
لأن وصف رب العالمين بهذا الوصف معناه أنه بحاجة إلى العرش، وكان الله ولا شيء معه، كما نفهم من حديث عمران بن حصين، ثم خلق العرش والسماوات كما جاء تفصيل ذلك في السنة.
فإذًا: باختصار لا يوجد في الكتاب ولا في السنة شيء يثبت هذا الذي جاء في السؤال أو ينفيه فلا نقر ولا ننفي.
"الهدى والنور" (١٨٨/ ٠٠:٤٩:١٣)
[١٠٧٣] باب هل يوصف الله تعالى بالقعود على العرش؟
[قال الإمام]:
أقول: إن مما ينكر في هذا الباب [أي باب الغلو في الإثبات بإثبات ما لا يصح] ما رواه أبو محمد الدشتي في " إثبات الحد " (١٤٤/ ١ - ٢) من طريق أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش: أنشدنا أبو طالب محمد بن علي الحربي: أنشدنا الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ﵀ قال:
حديث الشفاعة في أحمد إلى أحمد المصطفى نسنده
فأما حديث بإقعاده على العرش فلا نجحده
[ ٧ / ٦٩٠ ]
أمِرُّوا الحديث على وجهه ولا تدخلوا فيه ما يفسده
ولا تنكروا أنه قاعد ولا تجحدوا أنه يقعده
فهذا إسناد لا يصح، من أجل أبي العز هذا، فقد أورده ابن العماد في وفيات سنة (٥٢٦) من " الشذرات " (٤/ ٧٨) وقال: " قال عبد الوهاب الأنماطي:
كان مخلطا".
وأما شيخه أبو طالب وهو العشاري فقد أورده في وفيات سنة (٤٥١) وقال (٣/ ٢٨٩): " كان صالحا خيرا عالمًا زاهدًا ".
فاعلم أن إقعاده - ﵌ - على العرش ليس فيه إلا الحديث الباطل وهو ما يروى عن النبي - ﵌ - أنه قال: يجلسني على العرش تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾، وأما قعوده تعالى على العرش فليس فيه حديث يصح، ولا تلازم بينه وبين الاستواء عليه كما لا يخفى. وقد وقفت فيه على حديثين، أنا ذاكرهما لبيان حالهما:
- «إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه يقعد عليه، ما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله».
(منكر )
«يقول الله ﷿ للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم، على ما كان فيكم، ولا أبالي». موضوع بهذا التمام.
[ ٧ / ٦٩١ ]
وفيه لفظة منكرة جدًّا وهي قعود الله ﵎ على الكرسي، ولا أعرف هذه اللفظة في حديث صحيح، وخاصة أحاديث النزول وهي كثيرة جدًّا بل وهي متواترة كما قطع بذلك الحافظ الذهبي في " العلو" (ص ٥٣، ٥٩)، وذكر أنه ألَّف في ذلك جزءًا.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
[١٠٧٤] باب هل يقعد الله تعالى على
العرش فيفضل منه مقدار أربع أصابع؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها -؛ وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب؛ من ثقله».
(منكر).
[ثم أورد الإمام عِلله ثم قال]
وبهذا أعله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموعة الفتاوى" (١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٦)؛ فإنه ذكره كمثال للأحاديث الضعيفة التي يرويها بعض المؤلفين في الصفات، كعبد الرحمن بن منده وغيره، فقال:
"ومن ذلك: حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يرويه عن عمر عن النبي - ﵌ -. وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "المختارة". وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن
[ ٧ / ٦٩٢ ]
الجوزي وغيرهم، لكن أكثر أهل السنة قبلوه.
ورواه الإمام أحمد وغيره مختصرًا وذكر أنه حدَّث به وكيع. لكن كثير ممن رواه رووه بقوله: «إنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع»؛ فجعل العرش يفضل منه أربع أصابع.
واعتقد القاضي وابن الزاغوني صحة هذا اللفظ، فأمرُّوه، وتكلموا على معناه بأن ذلك القدْر لا يحصل عليه الاستواء، وذكر عن أيمن العائذ أنه قال: هو موضع جلوس محمد - ﵌ - (!) ".
"الضعيفة" (١٠/ ٢/٧٢٨،٧٣٠).
[١٠٧٥] باب هل صح أن "العرش مطوق بحية، والوحي ينزل بالسلاسل" وبيان متى يكون للآثار الموقوفة على الصحابة في العقيدة حكم الرفع؟
السائل: السؤال قد سألتك إياه في التلفون، الذي هو قلت لك حديث: «العرش مطوق بحية، والوحي ينزل بالسلاسل)» ذكرت لي أني أرجع أرى هل هو حديث في «مختصر العلو» أنت قلت: حديث عبد الله بن عمرو أو قال حديث عبد الله بن عمر، وعلقت عليه فقلت: وإسناده صحيح عن عبد الله بن عمرو، وقلت: إسناده صحيح، فهل هو في حكم المرفوع إلى رسول الله - ﵌ - بهذا الإسناد؟
الشيخ: ما عندي جواب غير ما سمعته، إن كان مصرحًا برفعه فهو كذلك، وإن كان غير مُصرَّح فهو موقوف.
[ ٧ / ٦٩٣ ]
مداخلة: لا ما هو مصرح فهل يعني إذا كان موقوفًا كيف النظر إلى الحديث، هل نقول: أن العرش مطوق بحية؟
الشيخ: لا، ما نقول، وأظن أجبتكم يوم كان الجواب، يعني: لك، هو كان جوابًا متكررًا لغيرك؛
أقوال الصحابة إذا صحت عنهم لتكون في منزلة الأحاديث المرفوعة إلى الرسول ﵇ يجب أن تكون أولًا: مما لا يقال بالرأي وبالاجتهاد، هذه النقطة بالذات هناك مجال للاختلاف بين العلماء والفقهاء في بعض ما يتفرع من هذا الشرط، وهو أن يكون قول الصحابي أو الحديث الموقوف على الصحابي مما لا يقال بالرأي، ممكن يصير فيه اختلاف، مثلًا: إذا جاء حديثٌ ما فيه النهي عن شيء، هل هذا في حكم المرفوع أم لا، فمن يظن أن النهي عن الشيء لا يمكن أن يكون بالاجتهاد يقول: حكمه حكم المرفوع، ومن يظن مثلي أنا أنه يمكن للصحابي ولمن جاء من بعدهم من الأئمة أن يجتهد وينهى عن شيء ويكون في اجتهاده مخطئًا فيجب إذًا: أن يكون الحديث الموقوف على الصحابي الذي يراد أن نقول: إنه في حكم المرفوع يجب أنه لا يحيط به أي شك في أنه في حكم المرفوع، ومتى يكون ذلك؟ حين لا مجال أن يقال بمجرد الرأي والاجتهاد، هذا الشرط الأول.
والشرط الثاني، أو قبل ما أقول الشرط الثاني: الشرط الأول يعود في الحقيقة إلى أمر غيبي، وهو من معانيه التحريم والتحليل، لكن هذا الأمر الغيبي ينقسم قسمين: قسم يتعلق بالشريعة الإسلامية، وقسم يتعلق بما قبل الشريعة من الشرائع المنسوخة، فلكي يكون الحديث الموقوف في حكم المرفوع ينبغي أن يكون متعلقًا بالشريعة الإسلامية وليس متعلقًا بما قبلها، لماذا؟
[ ٧ / ٦٩٤ ]
هنا بيت القصيد، لأنه يمكن أن يكون من الإسرائيليات، والتاريخ الذي يتعلق بما قبل الرسول ﵇ معناه من بدء الخلق إلى ما قبل الرسول ﵇ وبعثته هو من هذا القبيل.
فإذا جاءنا حديث يتحدث عما في السماوات من عجائب ومخلوقات، وهو لا يمكن أن يقال جزمًا بالرأي والاجتهاد فيتبادر إلى الذهن إذًا هذا في حكم المرفوع، لكن لا، ممكن أن يكون هذا من الإسرائليات التي تلقاها هذا الصحابي من بعض الذين أسلموا من اليهود والنصارى، ولذلك فينبغي أن يكون الحديث الموقوف والذي يراد أن نجعله في حكم المرفوع ما يوحي بأنه ليس له علاقة بالشرائع السابقة.
فهذا الحديث عن عبد الله بن عمرو يمكن أن يكون من الأمور الإسرائيلية التي تتحدث عما في السماء من العجائب، ومن خلق الملائكة، لكن الذي ثابت الآن عكس ذاك تمامًا، يشعر الإنسان فورًا أن هذا لا يمكن أن يكون من الإسرائليات، فهو إذًا موقوف في حكم المرفوع ولا مناص، ما هو؟
الحديث المعروف والمروي عن ابن عباس بالسند الصحيح، قال ﵁: نزل القرآن إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل أنجمًا حسب الحوادث، فهو إذًا: يتحدث عن القرآن وليس عن التوراة والإنجيل، فلو كان حديثه هذا الموقوف عن التوراة والإنجيل ورد الاحتمال السابق، فيقال: لا نستطيع أن نقول هو في حكم المرفوع، لكن ما دام يتعلق بالقرآن وأحكام القرآن وكل ما يتعلق به لا يمكن أن يتحدث عنه بشيء غيبي إلا ويكون الراوي قد تلقاه من الرسول ﵇، لأنه كون القرآن نزل جملة هذا غيب من أين يعرف ابن
[ ٧ / ٦٩٥ ]
عباس تلقاه من بعض الإسرائليات هذا مستحيل، ونزل إلى بيت العزة في السماء الدنيا تفصيل دقيق [لا يمكن] للعقل البشري أن يصل إليه، لذلك هذا الحديث يتعامل العلماء معه كما لو كان قد صرح ابن عباس فيه برفعه إلى النبي - ﵌ -.
باختصار: إن الأحاديث الموقوفة ليس من السهل أبدًا أن يحكم عليها بحكم المرفوع إلا بدراسة دقيقة ودقيقة جدًا، وذلك لا يستطيعه إلا كبار أهل العلم.
سؤال: جزاك الله خير يا شيخنا.
الشيخ: وإياك بارك الله فيك.
مداخلة: هذه فائدة فريدة عضوا عليها بالنواجذ والأضراس والثنايا.
الشيخ: جزاك الله خيرًا.
"الهدى والنور" (٢٥٥/ ٥٦: ٠٧: ٠٠)
[١٠٧٦] باب هل المقام المحمود
هو قعود النبي - ﵌ - على العرش؟
[قال الذهبي في "العلو"]:
نقل الحافظ أبو بكر الآجري في " كتاب الشريعة " له - وهو مجلدان - عن الإمام أبي محمد يحيى بن محمد بن صاعد أنه قال في هذه الفضيلة، في قعود النبي - ﵌ - على العرش:
لا ندفعها ولا نماري فيها، ولا نتكلم في حديث فيه فضيلة للنبي - ﵌ - بشيء.
[ ٧ / ٦٩٦ ]
[قال الإمام في "مختصر العلو"]:
قلت: لكن الحديث الوارد فيه واه ، وتفسير بعضهم لقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ بإقعاده - ﵌ - على العرش مع مخالفته لما في "الصحيحين" وغيرهما أن المقام المحمود الشفاعة العظمى، فهو تفسير مقطوع غير مرفوع عن النبي - ﵌ - ولو صح ذلك مرسلًا لم يكن فيه حجة؛ فكيف وهو مقطوع موقوف على بعض التابعين؟!
وإن عجبي لا يكاد ينتهي من تحمس بعض المحدثين السالفين لهذا الحديث الواهي والأثر المنكر، ومبالغتهم في الإنكار على من رده، وإساءتهم الظن بعقيدته! وقد ساق المصنف رحمه الله تعالى في الأصل [أي: العلو] أسماء طائفة منهم (ص ١٢٤ - ١٢٦) وزاد أسماء آخرين في "مختصره" وإني لأراه كأنه أخذ بهيبتهم، فإنه يتردد بين مخالفتهم وموافقتهم! فإنه بعد أن نقل قول أبي بكر النجاد: "لو أن حالفًا حلف بالطلاق ثلاثًا أن الله يقعد محمدًا - ﵌ - على العرش، لقلت: صدقت وبررت".
فقد تعقبه بقوله - وقد أجاد:
"فأبصر - حفظك الله من الهوى - كيف آل الغلو بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر، واليوم فيردون الأحاديث الصريحة في العلو بل يحاول بعض الطغاة أن يرد قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ".
فهو - رحمة الله - يشير إلى أن الصواب التوسط بين هؤلاء المعطلة النفاة، والمغالين في إثبات ما لم يصح، ومع ذلك تراه في مكان آخر (ص ١٤٣) يعود إلى ذلك الأثر المنكر، محتفلًا به، ومصرحًا بأن فيه منقبة عظيمة انفرد بها سيد البشر - ﵌ - ويقول: «ويبعد أن يقول مجاهد ذلك إلا بتوقيف».
[ ٧ / ٦٩٧ ]
فأقول: هب أن الأمر كذلك، فهو - والحالة هذه - لا يزيد على كونه كالحديث أو في حكم الحديث المرسل، فهل الحديث المرسل إلا من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين، فكيف تثبت به فضيلة؟! بل كيف يبني عليه عقيدة أن الله تعالى يُقعِد نبيه - ﵌ - معه على العرش؟!
فمن جوَّز ذلك اعتمادًا منه على هذا الأثر الذي أحسنُ أحواله أن يكون كالحديث المرسل - كما ذكرنا - فيلزمه أن يأخذ بكل حديث مرسل حتى ولو كان يتضمن مخالفة للشريعة، مثل قصة الغرانيق، فقد وردت بأسانيد عدة مرسلة، وهي صحيحة إلى مرسليها من التابعين، وقد صرحوا برفعها إلى النبي - ﵌ - كما بينته في رسالتي الخاصة بها، "نصب المجانيق"، فإذا كان المصنف - عفا الله عنا وعنه - يبرر أخيرًاَ الأخذ بهذا الأثر بحجة أنه يبعد أن يقول مجاهد ذلك إلا بتوقيف، فليأخذ إذن بقصة الغرانيق بحجة أن رواتها من التابعين قد رفعوها إلى النبي - ﵌ - صراحة! بل الأخذ بها أولى، لما ذكرنا من التصريح بالرفع ولأن رواتها جَمْعٌ بخلاف أثر مجاهد، وفي ذلك عبرة لكل معتبر.
"مختصر العلو" (ص٢٣٣ - ٢٣٥).
[١٠٧٧] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يجلسني على العرش».
(باطل).
[قال الإمام]:
ذكره الذهبي في " العلو" (٥٥ طبع الأنصار) من طريقين عن أحمد بن يونس
[ ٧ / ٦٩٨ ]
عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا عند رسول الله - ﵌ - أقرأ عليه حتى بلغت ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ قال: فذكره.
ومما يدل على [بطلانه ..] أنه ثبت في " الصحاح " أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا - ﵌ -.
ومن العجائب التي يقف العقل تجاهها حائرا أن يُفتي بعض العلماء من المتقدمين بأثر مجاهد هذا كما ذكره الذهبي (ص ١٠٠ - ١٠١ و١١٧ - ١١٨) عن غير واحد منهم، بل غلا بعض المحدثين فقال: لو أن حالفًا حلف بالطلاق ثلاثا أن الله يُقعِد محمدا - ﵌ - على العرش واستفتاني، لقلت له: صدقت وبررت!
قال الذهبي ﵀: " فأبصر - حفظك الله من الهوى - كيف آل الغلو بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر، واليوم فيردن الأحاديث الصريحة في العلو، بل يحاول بعض الطغام أن يرد قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ "
[و] اعلم أن إقعاده - ﵌ - على العرش ليس فيه إلا هذا الحديث الباطل.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
[١٠٧٨] باب منه ودفع تهمة التجسيم عن أهل السنة
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؛ قال: يُجْلِسُني عه على السريرِ».
(باطل).
[ ٧ / ٦٩٩ ]
[قال الإمام]:
هذا (حديث باطل مخالف) لأحاديث جمع من الصحابة بعضها في "البخاري" (٤٧١٨): أن المقام المحمود هي شفاعته - ﵌ - الكبرى يوم القيامة. وراجع إن شئت ظلال الجنة" (٢/ ٧٨٤ و٧٨٥ و٧٨٩ و٨٠٤ و٨١٣)، و"الصحيحة" (٢٣٦٩ و٢٣٧٠)، "الدر المنثور" (٤/ ١٩٧).
أضف إلى ذلك أنه يستغله أعداء السنة وأفراخ الجهمية؛ ليطعنوا في أهل السنة الذين يثبتون الصفات الإلهية الثابتة في الكتاب والسنة، مع التنزيه التام، ويرموهم بالتجسيم والتشبيه الذي عرفوا بمحاربته - كما يحاربون التعطيل -، كمثل الكوثري وأذنابه، وكالغماري والسقاف ونحوهما، كفى الله المسلمين شرهم. هذا، وقد كنت خرجت الحديث في المجلد الثاني من هذه "السلسلة" برقم (٨٦٥) من حديث ابن مسعود، وبينت علته ونكارته هناك، وأنه رُوي عن مجاهد مقطوعًا، وعن غيره موقوفًا، وذكرت مستنكرًا موقف بعض العلماء منه.
ثم أتبعته بحديث منكر، وآخر موضوع، فيهما نسبة القعود إلى الله على كرسيه. وفي الأول منهما زيادة نصها:"ما يفضل منه مقدار أربع أصابع ".
وذكرت تساهل بعضهم في توثيق رجالهما، وتقوية إسنادهما، فراجعه، فإنه مهم. كما كنت ذكرت في مقدمة كتابي المطبوع "مختصر العلو" (ص ١٥ - ١٧)، اضطراب موقف الذهبي بالنسبة لأثر مجاهد، مع تصريحه بأن رفعه باطل.
وبهذه المناسبة أريد أن أُبيِّن للقراء موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من تلك الزيادة في الحديث الأول، فقد ذكر أن بعض المحدثين رووها بلفظ:
"إلا أربع أصابع".
[ ٧ / ٧٠٠ ]
فهذه تثبت (الأربع)، وتلك تنفيها - كما هو ظاهر - فضعف الشيخ ﵀ الحديث بالروايتين لاضطرابهما، مع ملاحظته أن المعنى الذي كل منهما لا يليق بجلال الله وعظمته، فقال كما في "مجموع الفتاوى" (١٦/ ٤٣٦):"فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في الْحَدِيثِ إلَّا اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ؛ هَذِهِ تَنْفِي مَا أَثْبَتَتْ هَذِهِ، [يعني تكفي في تضعيفه]، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ الْجَزْمِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - أَرَادَ الْإِثْبَاتَ، وَأَنَّهُ يَفْضُلُ مِنْ الْعَرْشِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ لَا يَسْتَوِي عَلَيْهَا الرَّبُّ! وَهَذَا مَعْنًى غريب لَيْسَ لَهُ شَاهِدٌ قَطُّ في شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ، بَلْ هُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ أَعْظَمَ مِنْ الرَّبِّ وَأَكْبَرَ، وَهَذَا بَاطِلٌ، مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِلْعَقْلِ.
وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّهُ إنَّمَا عَرَفَ عَظَمَةَ الرَّبِّ بِتَعْظِيمِ الْعَرْشِ الْمَخْلُوقِ، وَقَدْ جَعَلَ لْعَرْشَ أَعْظَمَ مِنْهُ، فَمَا عَظُمَ الرَّبُّ إلَّا بِالْمُقَايَسَةِ بِمَخْلُوقِ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ الرَّبِّ. وَهَذَا مَعْنًى فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ.
فَإِنَّ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ في ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ عَظَمَةَ الرَّبِّ، وَأنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مَا يَعْلَمُ عَظَمَتَهُ، فَيَذْكُرُ عَظَمَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الرَّبَّ أَعْظَمُ مِنْهَا ".
ثم استشهد الشيخ ببعض الأحاديث على ذلك، وذهب إلى أن الصواب في رواية الحديث النفي، يعني من حيث المعنى؛ كما تقدم بيانه منه بيانًا شافيًا
رحمه لله تعالى.
وفي ذلك ما يؤيد حكمي على الحديث بالبطلان هنا وهناك من حيث لمعنى، وإن كان ذلك غير لازم من حيث المبنى، فليكن هذا منك على ذكر.
ومما تقدم يتبين لقرائنا دجل ذاك السقاف، أو أولئك الذين يؤلفون له ويتسترون باسمه؛ حين يكذبون أو يكذب على أهل العلم والسنة أحياء وأمواتًا لا
[ ٧ / ٧٠١ ]
يرقبون فيهم إلًا ولا ذمة، ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية: فإنه لفساد عقيدته، وجهله وقلة فهمه لا يتورع عن التصريح ورميه بأنه مجسم، وبغير ذلك من الأباطيل التي تدل على أنه مستكبر معاند للحق الجلي الناصع، فرسائله التي يؤلفونها وينشرونها له تباعًا مشحونة بالبهت والافتراء والأكاذيب وقلب الحقائق؛ بحيث أنها لو جمعت لكانت مجلدًا كبيرًا بل مجلدات، فها هي رسالته التي نشرها في هذه السنة (١٤١٤) في الرد على الأخ الفاضل سفر الحوالي طافحة - على صغرها وحقارتها - بالمين والتضليل والافتراء على السلفيين الذين ينبزهم بلقب (المتمسلفين)! وعلى الأخ الفاضل بصورة [خاصة]، وعلى شيخ الإسلام بصورة أخص.
وليس غرضي الآن الرد عليه، فإن الوقت أضيق وأعزّ من ذلك، وإنما أردت بمناسبة هذا الحديث أن أُقَدِّم إلى القراء مثلًا واحدًا من مئات افتراءاته وأكاذيبه تقليبه للحقائق، التي تشبه ما يفعله اليهود بإخواننا الفلسطينيين اليوم الذين نطلقون من قاعدتهم الصهيونية: (الغاية تبرر الوسيلة)! الأمر الذي يؤكد للقراء نه لا يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله، وإلا لما تجرأ على الافتراء عليهم، الله ﷿ يقول ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾.
لقد نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية عدة أقوال هو منها براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب [﵉]، بل هو يقول بخلافها!! ويهمنا الآن بيان فرية واحدة من تلك الفريات، فقال في مقدمة رسالته المشار إليها (ص ٢ - ٣) بعد أن نسب إليه عدة فريات:
"ويقول: إن المقام المحمود الذي وعدنا به نبينا - ﵌ - هو جلوسه بجنب الله على العرش في المساحة المتبقية، والمقدرة عند هذه الطائفة بأربع أصابع!!!
[ ٧ / ٧٠٢ ]
وغير ذلك من الترهات". في الحاشية قال:
"انظر "منهاج سنته" (!) (١/ ٢٦٠) وكتاب "بدائع الفوائد" لتلميذه ابن قيم الجوزية (٤/ ٣٩ - ٤٠) ".
وإحالته فيما نسبه إلى الشيخ مما يزيد القراء قناعة بدجله، وأنه يتعمد الكذب والافتراء عليه، وأنه لا يبالي بقرائه إذا اكتشفوا ﴿تشابهت قلوبهم﴾، وهذا نص كلامه ﵀ منقولًا بطريقة التصوير، ليكون القراء على يقين لذلك الإفك المبين: "وأما قوله إنه يُفضل عن العرش من كل جانب أربع أصابع فهذا لا أعرف قائلًا له ولا ناقلًا، ولكن روى في حَدِيثِ عبد الله بن خليفة أنه ما يفضل من العرش أربع أصابع يروى بالنفي، ويروى بالإثبات، والحديث قد طعن فيه غير واحد من المحدثين كالإسماعيلي وابن الجوزي، ومن الناس من ذكر له شواهد وقواه، ولفظ النفي لا يرد عليه شيء، فإن مثل هذا اللفظ رد لعموم النفي كقول النبي - ﵌ -: «ما في السماء موضع أربع أصابع، إلا وملك قائم، أو قاعد، أو راكع، أو ساجد» أي ما فيها موضع، ومنه قول العرب: ما في السماء قدر كف سحابًا، ذلك لأن الكف يقدر به الممسوحات، كما يقدر بالذراع، وأصغر الممسوحات التي يقدرها الإنسان من أعضائه كفه، فصار هذا مثلًا لأقل شيء، فإذا قيل إنه ما يفضل من العرش أربع أصابع كان لمعنى ما يفضل منه شيء، والمقصود هنا بيان أن الله أعظم وأكبر من العرش، ومن المعلوم أن الحديث، لم يكن النبي - ﵌ - قاله فليس علينا منه، وإن كان قد قاله فلم يجمع بين النفي الإثبات، وإن كان قاله بالنفي لم يكن قاله بالإثبات، والذين قالوه بالإثبات ذكروا فيه ما يناسب أصولهم، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فهذا وأمثاله سواء كان حقًّا أو باطلًا لا يقدح في مذهب هل السنة ولا يضرهم، لأنه بتقدير أن يكون باطلًا ليس هو قول جماعتهم، بل
[ ٧ / ٧٠٣ ]
غايته أنه قد قالته طائفة، رواه بعض الناس، وإذا كان باطلًا رده جمهور أهل السنة، كما يردون غير ذلك، فإن كثيرًا من المسلمين يقول كثيرًا من الباطل، فما يكون هذا ضار لدين المسلمين، وفي أقوال الإمامية من لمنكرات ما يعرف مثل هذا فيه لو كان قد قاله بعض أهل السنة» (١).
هذا كلام الشيخ ﵀، فأين فيه ما عزاه السقاف وأعوانه إليه؟! بحانك هذا بهتان عظيم. بل فيه حكايته الخلاف في صحة حديث الأصابع، عدم جزمه
هو بصحته، وإن كان هذا مستغربًا منه، لأن علته الجهالة والعنعنة -كما كنت
بيَّنته هناك-
وختامًا: كلمة حق لا بد لي منها:
إذا كان حقًا أن الله تعالى أعظم من العرش، ومن كل شيء - كما بينه
شيخ الإسلام فيما تقدم -، فيكون اعتقاد أن الله يُجلس محمدًا معه على العرش باطلًا بداهة.
وأما إجلاسه على العرش دون المعية، فهو ممكن جائز لأن العرش خلق من خلق الله، فسواء أجلسه عليه، أو على منبر من نور - كما جاء ذلك في المتحابين في الله، وفي المقسطين العادلين - لا فرق بين الأمرين، لكن لا نرى القول بالإجلاس على العرش؛ لعدم ثبوت الحديث به، وإن حكاه ابن القيم عن جمع كما تقدمت الإشارة إلى ذلك-.والله ﷾ أعلم.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/١٠٤٣ - ١٠٤٩).
_________________
(١) انظره مصورًا في الأصل:"الضعيفة".
[ ٧ / ٧٠٤ ]
[١٠٧٩] باب بيان المراد بالمقام المحمود للنبي - ﵌ -
[قال الإمام]:
ثبت في "الصحاح" أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة
بنبينا - ﵌ -.
"مختصر العلو" (ص١٨٣).
[١٠٨٠] باب الكرسي أعظم
المخلوقات بعد العرش والرد على من يتأوله
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة».
[قال الإمام]:
الحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه جرم قائم بنفسه وليس شيئًا معنويًاّ. ففيه رد على من يتأوله بمعنى الملك وسعة السلطان، كما جاء في بعض التفاسير، وما روي عن ابن عباس أنه العلم، فلا يصح إسناده إليه؛ لأنه من رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه. رواه ابن جرير.
قال ابن منده: ابن أبي المغيرة ليس بالقوي في ابن جبير.
واعلم أنه لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث، كما في بعض الروايات أنه موضع القدمين، وأن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد، وأنه يحمله
[ ٧ / ٧٠٥ ]
أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة إلخ فهذا كله لا يصح مرفوعًا عن النبي - ﵌ - وبعضه أشد ضعفًا من بعض، وقد خرجت بعضها فيما علقناه على كتاب " ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان " ملحقا بآخره، طبع المكتب الإسلامي.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٢٣، ٢٢٦).
[١٠٨١] باب هل ثبت أن الرسول - ﵌ - رأى العرش أو الكرسي؟
سؤال: هل ثبت أن الرسول - ﵌ - رأى العرش أو الكرسي.
الجواب:- لا ما في حديث.
" الهدى والنور" (٦/ ١٢: ٠٤: ٠٠)
[١٠٨٢] باب هل صح حديث:
«قد جاء الله، وقد نصب كرسيه لفصل القضاء»؟
سؤال: بالنسبة للحديث قد جاء الله «» وقد نصب كرسيه لفصل القضاء» (١) هل هو صحيح؟
الشيخ: هذا جاء في بعض الأحاديث لكن الحقيقة أنا ما أستحضر الآن إذا كان ذلك من الأحاديث الثابتة عن الرسول ﵇، إذًا ما فيه عندي جواب واضح الآن.
"الهدى والنور" (١٤٠/ ٠٩: ٠١: ٠٠)
_________________
(١) لعل السائل أراد الحديث الذي فيه: « يوم يضع الملك كرسيه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ..» وقد صححه الألباني في "ظلال الجنة" (رقم٥٨٢).
[ ٧ / ٧٠٦ ]
جماع أبواب الكلام على صفة الرؤية
[ ٧ / ٧٠٧ ]
[١٠٨٣] باب إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
وبيان أن الأحاديث في ذلك متواترة
[قال الإمام]:
اعلم أن الأحاديث الواردة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة كثيرة جدًا حتى بلغت حد التواتر كما جزم به جمع من الأئمة. منهم الشارح "أي: شارح الطحاوية" وقد خرَّج بعضها ثم قال:
وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا، ومن أحاط بها معرفةً يقطع بأن الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث ثم قال: ليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة. فليراجع عقله. فإما
أن يكون مكابرًا لعقله أو في عقله شيء وإلا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا فوقه ولا تحته رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢٩).
[١٠٨٤] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ما أَشْخَصَ أبصاركم عني؟ قالوا: نَظرْنا إلى القمرِ، قال: فكيف بكم إذا رأيتم الله جَهْرَةً؟!».
[ ٧ / ٧٠٩ ]
[قال الإمام]:
وفيه ردٌّ على المعتزلة والإباضية المنكرين لهذه النعمة العظيمة: رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وعلى المثبتين لها الذين تأولوها بمعنى العلم.
"الصحيحة" (٧/ ١/١٥٥ - ١٥٦).
[١٠٨٥] باب منه
[تكلم الشيخ عن أهمية قيد فهم سلف الأمة بجانب الكتاب والسنة بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾ ثم قال]:
أنا عادةً أضرب مثلًا بسيطًا؛ لتوضيح أهمية هذا القيد الذي استفدناه من الآية السابقة، ومن الحديث الأول: «ما أنا عليه وأصحابي» أضرب مثلًا بسيطًا: آية في القرآن الكريم من أبين الآيات في بيان المراد الإلهي، وهي قوله ﵎ في وصف أهل الجنة في الجنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢، ٢٣). ماذا كان موقف المعتزلة والخوارج بالنسبة لهذه الآية وهي صريحة في أن مِنْ
نِعَمِ الله ﵎ على المؤمنين في الجنة، بل هي أكبر نعمة يمتن الله بها على أهل الجنة: أنهم يرون ربهم يوم القيامة، فإذا رأوه ﵎ نسوا نعيم الجنة كلها، نعم.
ماذا فعل المعتزلة والخوارج تجاه هذه الآية؟ أنكروها؟ لا ما أنكروها؛ لأنهم لو أنكروها لخرجوا من الدين كما تخرج الشجرة من العجين، لكنهم عطلوها حرفوا دلالتها الصريحة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) قالوا: إلى نعيم ربها ناظرة، ما فيها شيء، إلى نعيم ربها ناظرة، قدروا مضافًا محذوفًا، كما قلنا نحن آنفًا: لببيان
[ ٧ / ٧١٠ ]
كيف ينبغي أن تفهم اللغة العربية فضلًا عن الكلام الإلهي القائم على اللغة العربية؟ جاء الأمير جاء الملك، هل يجوز لنا أن نفهم جاء خادم الأمير أو الملك؟ لا. يا أخي يقول لك:
هذا أمر معروف في اللغة العربية تقدير مضاف محذوف، وهنا بحث عند أهل العلم يقولون: تقدير المضاف المحذوف يجوز عند وجود الدليل المقتضي لذلك، وإلا كانت تعطلت اللغة العربية، أنا أقول: جاء أحمد نعم هل يفهم جاء ابنه، جاء أحمد: جاء ابنه، يا أخي من أين جئت بالتأويل هذا؟ ما في جواب يعطل اللغة العربية، فهنا هكذا فعل المعتزلة وغيرهم في تفسير نصوص الكتاب
والسنة، نعم.
مداخلة: ويفهمون الحق.
الشيخ: يفهمون الحق، لكن الحق ما وافق أهواءهم لذلك يقولولك في ضرورة تأويل، ما هو دليله؟ ما دخل في عقله، ومعنى هذا: أنهم ما نقول ليسوا مؤمنين مطلقًا، لكن نقول: بكل جرأة أن إيمانهم ناقص وضعيف؛ لأن الله ﷿ يقول في مطلع سورة البقرة: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:١، ٢] من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:٣) أول صفة المتقين: الذين يؤمنون بالغيب.
طيب. من الغيب: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) ما تُريد فلسفة، هم بقى يستعملون العقل البشري مثل: القوى البشرية، تستطيع أن تزيل الجبل عن مكانها؟ لا. القوة البشرية محدودة، كذلك البصر محدود السمع محدود، كذلك ماذا؟ العقل محدود تمامًا، كل شيء يعني: الإنسان خُلِقَ ضعيفًا، فهم لما يسمعوا الآية:
[ ٧ / ٧١١ ]
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) أكيد نحن إذا قلنا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) معناه: حصرناه في جهة وضعناه فوق، وضعناه قدام إلى آخره، من هذه الشبهات التي استقوها مما يشاهدونه حولهم كمخلوقين، لكن الخالق نسوا أنه وصف نفسه بصفتين اثنتين إحداهما: إيجابية، والأخرى: سلبية.
الإيجابية: صفة قائمة فيه، السلبية تنزيه له ﵎، فقال وهو
السميع البصير.
مداخلة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).
الشيخ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) تنزيه أنه أي شيء يخطر في بالك من صفات الله ﷿ يختلط عليك الأمر لو يكون مثل صفاتنا، بتقول رأسًا ليس كمثله شيء، لكن هل هو عبارة عن معنى قائم في الذهن لا حقيقة له ولا وجود له؟! حاشاه، يعني: نحن الآن نستطيع أن نتصور العنقاء، العنقاء اسم عربي قديم خيالي، طير كبير يتحدث عنه السندباد البحري، في قصة ألف وليلة وأمثالها، إنه عبارة عن طير كبير يعني: البيض اللي بيطلعله مثل القبة، وبيحكي القصة فيها يعني: فيها طرافة وكلها خيال في خيال.
العنقاء: اسم بدون جسم، اسم في الذهن معنى قائم في الذهن، لكن في خارج الذهن يعني: في الواقع لا حقيقة له.
فربنا ﷿ الذي له كل صفات
[ ٧ / ٧١٢ ]
الكمال، ومنزه عن كل صفات النقصان، هل هو هكذا معنى قائم في نفوسنا وليس له حقيقة قائمة خارج هذا الكون، خارج هذا العقل؟! الله أكبر مِنْ ذلك، بل هو خلق السموات والأرض، فهو له كل صفات الكمال، فهو ذات موجودة حقيقةً، ولها كل صفات الكمال، إذ الأمر كذلك، فما هي صفاته ﷿؟ ليس لنا مجال في العقل أن نصفه من عندنا، بل قد كفانا مؤنة تجريد عقولنا بأن وصف نفسه لنا في الكتاب وفي السنة.
من جملة هذه الصفات: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) أن المؤمنين كما قال أحد فقهاء الشعراء نستطيع أن نقول:
يراه المؤمنون بغير كيف وتشبيه وضربٍ من مثال
نعم، فرؤية الله ثابتة في الآخرة أنكرها المعتزلة، أنكرها الخوارج لعدم وجود نصوص الكتاب والسنة، لا النصوص موجودة، ولكنهم حرَّفوها وعطَّلوا معانيها، فإذًا: ما استفادوا شيئًا من إيمانهم بهذه النصوص مع إنكارهم حقائق دلائلها، فإذًا: يجب أن نؤمن بالنص لفظًا ومعنىً، النص محفوظ كيف نعرف المعنى؟ هنا بيت القصيد كما يقال: بالرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح.
القرآن يفسر أول شيء بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة ثم بالآثار السلفية، فهل نجد عند السلف الصالح تفسير هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) أي: إلى نعيم ربها؟! أبدًا، كل أثر يأتي عن السلف يتفق مع ظاهر الآية أولًا، ثم مع الأحاديث الصحيحة الصريحة في الدلالة على أن الآية على ظاهرها التي يفهمها كل عربي إذا كان لم يصبِ بهَوَن، لم يصب بمذهبية، أو حزبية مقيتة، هناك آية أخرى قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦) جاء تفسير هذه الآية في الحديث الصحيح في مسلم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ (يونس:٢٦) أي: الجنة. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦) أي: رؤية الله في الآخرة .. ".
[ ٧ / ٧١٣ ]
باختصار ولعلي أطلت أكثر مما أراد السائل بالسؤال باختصار أقول: رحم الله ابن القيم الذي قال:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتَّمْويه
ما العلم نَصْبَكَ للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلاّ ولا جَحْد الصفات ونفيها حذرًا من التمثيل والتشبيه
هذا هو العلم قال الله قال رسول الله قال الصحابة.
اليوم الفِرق الإسلامية كلها يأخذون من هذا الكلام اثنين: قال الله
وقال رسول الله، لكن بيلفوا ويدوروا على ما قال الله قال رسول الله، ويأتونك بمذهب ما أنزل الله به من سلطان، وحسبكم مثالًا على ذلك: الفرقة الجديدة
وهي فرقة القاديانية الذين يُسمَّون بالأحمدية، فهؤلاء آخر الفرق الإسلامية
التي لها كيان ولها شخوص، ولها بروز ولها دعوة شائعة في الأوربية والأمريكية باسم الإسلام.
هؤلاء مسلمون يصلون صلوات خمس، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ولكنهم ينكرون حقائق شرعية منصوصة في الكتاب والسنة لم يسبقوا إلى القول بها، مش مثل المعتزلة والماتريدية الأشاعرة، فهم مثلًا: ينكرون أن يكون هناك خَلْقٌ هم الجن مع أنه هناك سورة في القرآن اسم سورة الجن، طيب. هل ينكرون القرآن ينكرون السورة؟ لا. لكن يقولون لنا: أنتم ما فهمتم معنى الجن كمثل الإنس والبشر اللفظين هذين يدلان على مسمى واحد وإلا على مسميين؟ لا مسمى واحد، هم بقي جابوا مسمى ثالث الإنس والبشر والجن أسماء ثلاثة تطلق على مسمى واحد وهم: البشر. لما تأتي لهم بآية في القرآن: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف:١٢) يقول لك: هذه ما هي نار حقيقة، ولا طين حقيقي
[ ٧ / ٧١٤ ]
إنما هذا مجاز، مجاز ولما بتجيب له بالحديث الصحيح في مسلم: «خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (١) يقول لك: هذا حديث آحاد، حديث آحاد آحاد، حديث ما هو متواتر يعني، حديث آحاد لا تثبت فيه عقيدة، وهذه ضلالة وهي: أن حديث الأحاديث لا تثبت به عقيدة مع الأسف الشديد ما هو مذهب قادياني، القاديانية سبقوا إلى هذه الضلالة بقرون، لكن لم يسبقوا إلى تفسير الجن بأنهم الأنس أو البشر.
الأزهر الشريف الآن، الأزهر الذي يسموه شريف يقرر على الطلاب الذي يوزعوهم في العالم الإسلامية للدعوة للإسلام أن الحديث الصحيح لا يحتج به في العقيدة إلا إذا كان متواترًا، ما معنى متواتر؟ يعني: يكون جاء من طرق عديدة، يعني: يكون رواه في عشرة من الصحابة، وعشرة من التابعين عن عشرة من الصحابة وهكذا.
وعلى كل حال: أردت أن أختصر، لكن كما يقال: الحديث ذو شجون ..
مداخلة: ماذا يستفيدون من التعطيل.
الشيخ: اتباع الأهواء عقل بيحكموا عقولهم ما بيحكموا الشرع.
مداخلة: هذا هو الأمر، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الفرقان:٤٣).
الشيخ: هواه أي نعم.
الشاهد: أذكر جيدًا بمناسبة الأزهر الشريف وأنه يقرر هذه العقيدة.
"الهدى والنور""الهدى والنور" (١٦١/ ٠١: ٣٣: ٠٠) و(١٦١/ ٢٧: ٤٥: ٠٠)
_________________
(١) "مسلم" (رقم٧٦٨٧).
[ ٧ / ٧١٥ ]
[١٠٨٦] باب تواتر نصوص الرؤية
[قال الإمام بعد أن ذكر صورًا من تأويل بعض المنتسبين للسنة لعقيدة خروج الدجال ونزول عيسى ﵇]:
وليت شعري! ما الفرق بين هؤلاء العلماء المنتمين إلى السُّنّة، والمعطِّلين لهذه النصوص بخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وقتله إياه؛ وبين إيمان الباطنية، والفِرق الضالة التي تُؤمن بنصوص الكتاب والسنة؛ مع تأويلهم إياها تأويلًا يؤدي في النهاية إلى الكفر بحقائقها؛ كالذين ينكرون النصوص المتواترة في الكتاب والسنة برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة؛ بتأويل أن المقصود منها رؤية نعيم ربهم! وكالقاديانية الذين يؤمنون - زعموا- بقوله تعالى: ﴿ولكنْ رسولَ اللهِ وخاتَمَ النبيين﴾ (الأحزاب: ٤٠)، ثم يقولون ببقاء النبوة ومجيء أنبياء كثيرين بعده - ﵌ -؛ منهم «ميرزا غلام أحمد القادياني»! وإذا سألتهم عن هذه الآية؛ أجابوك بأنهم يؤمنون بها - طبعًا! - ولكن معناها ليس كما فهمها المسلمون من قبل! بل المعنى: ولكن خاتم النبيين؛ أي: زينتهم؛ كالخاتم زينة الأصبع! فهل يجدي إيمانهم بها عند الله شيئًا بعد أن فسَّروها بغير تفسيرها الحق؟!
كذلك أقول: إن إيمان هؤلاء العلماء بالأحاديث المتواترة بنزول عيسى ﵇ وقتله للدجال؛ لا يجديهم شيئًا مع تفسيرهم إياها بذلك التفسير الرمزي؛ لأنه خلاف ما يقطع به كل عالم متجرد عن الهوى إذا ما اطلع على النصوص الواردة فيهما.
"قصة المسيح الدجال " (ص٢٢ - ٢٣).
[ ٧ / ٧١٦ ]
[١٠٨٧] باب تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ وهل المقصود بذلك رؤية المؤمنين لربهم دائمًا؟ وبيان أن إثبات الرؤية يستلزم إثبات العلو
سؤال: شيخنا بالنسبة لقوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣).
النظر الذي قال الأئمة يعني بعض الأئمة فسَّر هذا النظر بأنه النظر إلى الله تعالى، ثم هناك حديث إن «أعلى أهل الجنة منزلة هو من ينظر إلى الله كل يوم مرتين» مع أن هذا الحديث قد أوردتموه في «ضعيف الجامع»، فهل هناك وصف لرؤية المؤمنين لربهم في الجنة وقد جاء حديث أن في الجنة في يوم الجمعة ينظر فيه المؤمنون لربهم يعني كيف يكون يعني التفسير هنا بالنسبة للآية ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣).
فهم ينظرون على الأرائك متكئون على الأرائك ينظرون، ومع ذلك هناك يوم يخصص للنظر والحديث الذي ورد في هذا أيضًا ضعيف فكيف يوجه هذا؟
الشيخ: سامحك الله، هل تسأل عن أصل رؤية المؤمنين لربهم أم تسأل عن المرات التي ينظرون فيها إلى ربهم؟ أم تسأل عن عدد المرات التي ينظرون فيها إلى ربهم؟ سؤالك ذو شعب كثيرة فلو أنك تحدد سؤالًا أولًا وثانيًا وثالثًا إن كان الأمر كما نتصور يكون هذا أوضح للحاضرين سؤالًا وجوابًا، فإن كان في سؤالك ثلاثة أسئلة فأبدأ إذًا بالأهم فالأهم.
السؤال: طيب بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣).
هل هذا دائم في الجنة؟ يعني يعتبر هذا الأول.
[ ٧ / ٧١٧ ]
الشيخ: طبعًا.
السؤال: أقصد دائم من حيث الوقت؟
الشيخ: رجعت حليمة لعادتها القديمة، يا أخي حدد سؤال بارك الله فيك.
السؤال: يعني هم
الشيخ: هل أنت مؤمن بأصل الرؤية؟
السؤال: نعم طبعًا.
الشيخ: طيب إذًا ما هو سؤالك؟
السؤال: أن هذا النظر دائم في كل وقت في الجنة؟
الشيخ: ما ندري دائم كل وقت.
السؤال: إذًا يعني الأمر
الشيخ: لماذا مثل هذا السؤال؟ هلا سألت مثلًا عن حديث الجمعة المُسمَّى بالحديث بيوم المزيد هل صحيح أم لا؟ نقول نعم والحمد لله هو صحيح، إذًا المؤمنون يرون ربهم كل يوم جمعة، أما كل ساعة وكل لحظة ما عندنا علم، ولماذا السؤال في الأمور الغيبية وأنت بلا شك تعلم في حدود ما علمت أنك لم تقف على أن المؤمنين يرون ربهم في كل لحظة وفي كل ساعة، لا ما علمت هذا ولا غيرك يعلم ذلك إطلاقًا، إذًا الذي يجب على كل مؤمن.
مداخلة: السلام عليكم وعليكم السلام.
هو أن يؤمن بأصل الرؤية التي ثبتت في الكتاب والسنة، ولذلك أنا استغربت
[ ٧ / ٧١٨ ]
أول الأمر في حينما سألت عن قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣).
هل هذا معنى ينظرون إلى ربهم؟ الجواب نعم، لكن هناك نصوص أوضح في إثبات أصل الرؤية من هذه الآية وهذا ليس بحاجة الآن لسنا بحاجة لأن نذكر شيئًا منها لأني لا أعتقد أحدًا من الحاضرين على الأقل عنده شك في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، حتى الذين ينكرون الصفات بطريق تأويلها كالأشاعرة والماتريدية مثلًا مما يحتجون به وتقام الحجة عليهم أنهم يؤمنون برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة خلافًا للمعتزلة وخلافًا للخوارج هؤلاء المعتزلة والخوارج ينكرون أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، أما الماتريدية والأشعرية فهم يشاركون أهل السنة أهل الحديث في إيمانهم في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة.
هنا تأتي حجة هي قاصمة ظهر المنكرين لاستواء الله ﷿ على عرشه واستعلائه على مخلوقاته، ذلك لأن هذه الرؤية التي اشترك الماتريدية والأشاعرة مع أهل الحديث في الإيمان بها تستلزم إثبات علو الله ﷿.
وهم ينكرون العلو، يقال لهم: كيف تنكرون علو الله على خلقه ومع ذلك تثبتون رؤية المؤمنين لربهم، فكيف تعقلون رؤية المؤمنين لربهم وأنتم تنكرون علو الله ﷿ على خلقه؟
هذا تنافر وتضاد ولذلك الآن تجد ذاك الرجل الذي يعني ملأت رائحته الكريهة أنوف المؤمنين جميعًا لا يتعرض إطلاقًا لإثبات هذه العقيدة وهي عقيدة رؤية المؤمنين رؤية المؤمنين لرب العالمين مع أن عقيدة الأشاعرة وعقيدة الماتريدية لماذا؟ لأن هذه العقيدة وحدها تكفي لإبطال قولهم: الله ﷿ ليس فوق العرش وليس فوق المخلوقات كلها.
[ ٧ / ٧١٩ ]
إذًا يجب أن نُؤمِن بأصل الرؤية هذه لثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف من الماتريدية والأشاعرة، أما الدخول في التفاصيل فيقف المؤمن عند ما علم منها، علمنا حديث المزيد حديث يوم الجمعة وأن المؤمنين يرون ربهم في كل جمعة فآمنا بذلك، ولسنا مكلفين بل لا يجوز لنا أن نتعمق أكثر من ذلك.
ويعجبني بهذه المناسبة قولة أحد علماء الحنفية الماتريدية الذين كما ذكرت آنفًا يشتركون مع أهل الحديث بالإيمان بهذه النعمة العظمى وهي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة قال هذا الرجل العالم الفاضل الحنفي الماتريدي: يراه
المؤمنون بغير كيف وتشبيه وضرب من مثال، يراه المؤمنين بغير كيف وتشبيه وضرب من مثال.
"الهدى والنور" (٧٣٨/ ٣٦: ١١: ٠٠) و(٧٣٨/ ٠٦: ١٤: ٠٠) (٧٣٨/ ٠٠: ١٥: ٠٠)
[١٠٨٨] باب كيف يأتي الله تعالى على غير صورته يوم القيامة؟
سؤال: بالنسبة لكتاب مختصر العلو للعلي الغفار، ورد فيه أثر عن ابن الماجشون مصحح في هذا الكتاب، وقد ذكر له حديث الصورة، أقصد بحديث الصورة: عندما يأتي الله ﷿ بصورة على غير صورته يوم القيامة كما يأتيهم على صورته، فكأنه استشكل على أحد الحاضرين هذا الحديث، وكأنه سأله: كيف يتغير؟ فقال: يا أحمق! إنه يغير عينيك فتراه على غير صورته، ولم يكن هناك تعليق في الحاشية على هذا، فكيف يكون الفهم الصحيح في هذه المسألة؟
الشيخ: الفهم الصحيح ليس كما قيل، وإنما إن الله ﷿ ويَتَبَدَّى .. للامتحان لهم بغير صورته التي يعرفها المسلمون وليس إلا.
"رحلة النور" (٢٥ب/٠٠:٣٨:٢٦)
[ ٧ / ٧٢٠ ]
[١٠٨٩] باب في كشف ربنا تعالى للحجاب لرؤيته
عن صُهيب - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﵌ - قال: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللهُ ﵎: تُريدُونَ شَيئًا أَزيدُكُمْ؟ فَيقُولُونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ».رواه مسلم.
[قال الإمام معلقًا على قوله - ﵌ - فيكشف الحجاب]:
أي يكشف الله ﵎ الحجاب، وهو حجاب منه للعباد أن
يروه، فيرفعه عنهم فيروه ﷻ، نسأله تعالى أن يتفضل علينا بالنظر إلى
وجهه الكريم.
"تحقيق رياض الصالحين" (ص٦٤٦).
[١٠٩٠] باب حجاب الله تعالى النور
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه حجابه النور، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» (أخرجه الشيخان).
[قال الإمام]:
هذا الحجاب هو الذي يحجب الأبصار كلها أن تراه ﷾ في الدنيا، وهو الذي أشار إليه النبي - ﵌ - بقوله حين سئل: هل رأيت ربك؟: نور، أني أراه. كما سيأتي.
"مختصر العلو" (ص٨٦)
[ ٧ / ٧٢١ ]
[١٠٩١] باب هل يحتجب الله تعالى عن الكفار يوم القيامة أم هم الذين يُحجبون عنه؟
سؤال: في مسألة رؤية الله ﷿ يعني سمعنا كثيرًا من الخطباء يقولون أن الله ﷿ ينحجب عن الكفار يوم القيامة مع أن الآية في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين:١٥) يعني: يكونون هم المحجوبون وليس الله ﷿ هو المحجوب.
الشيخ: نعم.
مداخلة: ما رأيكم شيخنا في من يقول أن الله ﷿ ينحجب عن الكفار ومن باب إكرامه للمؤمنين يظهر عليهم، هذه العبارة تكون صحيحة شيخنا؟
الشيخ: لا ليست صحيحة، هو التعبير المناسب للقرآن موافق له التعبير الصحيح، المحجوب هو العبد وليس الله ﷿ هو الذي ينحجب، هذا سوء أدب في التعبير عن الذات الإلهية.
"الهدى والنور" (٧٩٨/ ٢٠: ٠٤: ٠١)
[١٠٩٢] باب ذكر بعض مسالك
أهل الضلال في إنكار صفة الرؤية
[تكلم الشيخ عن خطورة التنكب عن فهم السلف، ثم ضرب مثلين واقعيين على نتيجة ذلك فقال]:
فاضرب بهذه المناسبة مثلين لمذهبين، أحدهما: قديم عريق هم المعتزلة وأمثالهم، والآخر: جديد حديث وهم القاديانية؛ المعتزلة مثلًا ومعهم اليوم الشيعة
[ ٧ / ٧٢٢ ]
والإباضية ينكرون القدر: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام:٩٦) ينكرون رؤية الله في الآخرة، لكن لا ينكرون الآيات سواء ما كان منها في القدر أو ما كان منها في رؤية الله لكنهم يتأولونها يلفون يدورون عليها حتى تُطابِق أهواءهم.
فإذًا: هم يقولون بالكتاب والسنة لكن يخالفون ما كان عليه السلف الصالح، هذا السلف هم المعنِيُّون بقوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَا لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥) فسبيل المؤمنين: هم السلف الصالح، ولذلك فلا يكفي أولئك القدامى والمُحدثين أن يقولوا: على الكتاب والسنة ثم هم يتلاعبون بمعاني هذه الآيات ويأتون بمعاني جديدة لتتفق مع أهوائهم، مثال بسيط جدًا ولا نطيل الحديث حوله، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢ - ٢٣) المعتزلة ينكرون هذه المِنَّة .. هذه الفضيلة الإلهية التي يمتن بها الله على عباده في جنة النعيم، حيث يرونه كما قال أحد العلماء الأفاضل:
يراه المؤمنون بغير كيف وتشبيه وضرب من مثال
فهل أنكروا الآية؟ لا لم ينكروا الآية لكن قالوا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢ - ٢٣) أي: إلى نعيم ربها ناظرة، لفوا على الآية وأنكروا حقيقتها، إذا ما جوبهوا بالأحاديث الصحيحة، كمثل قوله ﵇ في تفسير الآية الكريمة: ﴿الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦) قال ﵇ والحديث في صحيح مسلم من رواية سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -:
«لهم الحسنى: الجنة، وزيادة: رؤية الله في الآخرة» هذه الزيادة، والحديث الآخر وهو أشهر من الأول: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون» وفي رواية: «لا تضارُّون في رؤيته» إذا جوبهوا بهذا الحديث
[ ٧ / ٧٢٣ ]
وذاك، قالوا لك: هذه أحاديث وإن كانت صحيحة فهي أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في العقيدة.
إذًا: آمنوا بالآية لكنهم كفروا بمعناها، ما فائدة هذا الإيمان إذا كُفِرَ بالمعنى؟! هذا مثال من الفِرق القديمة، والمعتزلة اليوم والشيعة والإباضية على هذا المذهب، وبهذه المناسبة الإباضية الآن لهم نشاط ما كان يعرف من قبل، ساعدهم على ذلك: يسر الطباعة ويسر النشر وإلى آخره، فهم يُؤلِّفون الآن كتبًا ورسائل كثيرة في سبيل ماذا؟ نشر مذهبهم وضلالهم.
المثال الثاني الجديد المتعلق: بالقاديانية، القاديانية لا شك أنهم يَدَّعون الإسلام ولكن الإسلام منهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يقال في المثل العربي القديم؛ ذلك لأنهم خالفوا سبيل المسلمين في كثير من عقائدهم، فهم مثلًا يعتقدون بأن باب النبوة لم يختم .. لم يغلق .. باب النبوة لا يزال مفتوحًا، وأكَّدوا ذلك بادعاء نبيهم الذي كان يسمى: بميرزا غلام أحمد القادياني ادعى النبوة، ولذلك فهم يؤمنون بنبوة: ميرزا غلام أحمد القادياني ويكفِّروننا نحن معشر المسلمين؛ لأننا لا نؤمن بنبيهم هذا الدجال، طيب! ألا يؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟ يؤمنون طبعًا؛ لأنهم لو أنكروا كفروا وارتدوا عن دينهم، كيف إذًا يؤمنون بهذا النص القرآني ويعتقدون بمجيء نبي ويصرحون بأنه بعد سيأتي أنبياء كثر من أمثال هذا النبي خاصتهم.
اسمعوا الآن ماذا يفعلون بالآية هذه ويخالفون سبيل المؤمنين كما قال رب العالمين، قال: أنتم أسأتم فهم هذه الآية فوقعتم في الخطأ وفي الضلال؛ لأنكم فهمتم من قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: آخرهم هذا خطأ، والصواب في فهم الآية: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: زينة النبيين كالخاتم في الإصبع، إذًا:
[ ٧ / ٧٢٤ ]
هم آمنوا بالآية لكن كفروا بالمعنى لم يفدهم شيء؛ لهذا نحن ندندن والبحث في هذا طويل جدًا جدًا .. ندندن أنه في العصر الحاضر لا يكفي أن نقول: أنا مسلم، بل لا يكفي أن نقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة، لا بد من الأداة المميزة بين طائفة الحق التي أشار إليها الرسول في الحديث المعروف: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» إلى آخر الحديث، وبين الطوائف الأخرى التي تدعي أنها على الإسلام وهي بعيدة عن الإسلام كلًا أو جزءً، فلا بد من ضميمة: أنا مسلم على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، وهذا من معاني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥).
نعم.
"الهدى والنور" (٥٤٤/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
[١٠٩٣] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن أنكر رؤية الله تعالى ومسلكهم في ذلك والكلام على حديث الجارية
[تكلم الإمام على خطورة التنكب عن السلف ثم قال]:
وأنا بمثل هذه المناسبة أضرب مَثَلَين اثنين؛ مثلًا قديمًا جدًا، ومثلا
حديثًا جدًا:
المثل القديم: الخوارج، الإباضيون منهم الذين يلتقون مع المعتزلة قديمًا وحديثًا في إنكار كثير من العقائد الإسلامية الصحيحة الثابتة في الكتاب والسنة، ومع ذلك هم يقولون نحن على الكتاب والسنة.
قلت أضرب لكم مثلًا قديمًا، ألا وهو النعمة الكبرى التي أخبر الله ﷿
[ ٧ / ٧٢٥ ]
بها عباده المؤمنين في أنه وعدهم بأنهم يرون ربهم يوم القيامة كما قال ﵊ في ليلة قمراء والقمر بدر، فقال لهم عليه الصلاة السلام: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تُضامُّون -أو لا تضارون- في رؤيته» أي: لا تشقون في رؤيته.
فهل آمن أولئك المعتزلة ومن دان دينهم ورأى رأيهم في هذه المسألة، هل آمنوا بأن المؤمنين سيرون ربهم يوم القيامة كما قال رسول الله - ﵌ - في هذا الحديث الصحيح وفي غيره؟
الجواب: لا. إنهم ينكرون هذه النعمة، بل ويضللون من يؤمن بها، بل وينسبونهم إلى التشبيه وإلى التجسيم، فنحن أهل السنة الذين نؤمن بأن من نعم الله ﷿ على عباده، بل من أكبر نعمه أنه يتجلى لهم يوم القيامة ويرونهم كما نرى القمر ليلة البدر، هم ينكرونها، كيف ينكرونها والحديث هذا الصحيح، وهناك أحاديث أخرى.
عندهم فلسفة لا بد أنكم سمعتم هذه الفلسفة من بعض الدعاة والكُتَّاب المعاصرين، ولذلك فأنا أتعرض لذكر بعض الجزئيات المتعلقة بالعقيدة والمتعقلة سلبًا أو إيجابًا حسب ما سأفصل بهذه العقيدة التي ندعو إليها، الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، تلك الفلسفة تقول إن العقيدة لا تؤخذ من حديث الآحاد، ولو كان الحديث حديثًا صحيحًا، بل ولو كان مستفيضًا أو مشهورًا، وإنما يشترط عندهم أن يكون متواترًا، ثم من الغرابة بمكان أن هؤلاء الذين يشترطون هذا الشرط الحديثي الذي أوضحه علماء الحديث هم أبعد الناس عن العلم بالحديث رواية ودراية، فهم أهل أهواء يتبعون أهواءهم ويشترطون
[ ٧ / ٧٢٦ ]
شروط هم لا يمكنهم أن يحققوها بينما غيرهم بإمكانهم أن يحققوها؛ لأنهم أولًا أهل رواية وهم أهل الحديث وهم أهل السنة، ثم هم أهل دراية، فإذا قيل لهم: لم ترد رؤية المؤمنين لربهم في السنة فقط حتى تشككوا فيها بفلسفة حديث الآحاد لا يؤخذ منها عقيدة، إن هذه العقيدة قد جاءت أيضًا في القرآن الكريم المتواتر روايته عن رسول الله - ﵌ - يقينًا.
لجأوا إلى فلسفة أخرى قولهم: لا تثبت العقيدة إلا بدليل قطعي الثبوت أي رواية، قطعي الدلالة أي دراية، فإذا كان هناك آية في القرآن الكريم وهي ثابتة باليقين كما قلنا آنفًا، لعبوا بها وصرفوا دلالتها الصريحة وقالوا: هذه ثابت بالقطع لكن دلالتها ظنية، فلا تثبت بها عقيدة.
هكذا فعلوا في آيتين اثنتين وردتا في القرآن الكريم متعلقتين بهذه العقيدة الطيبة، الآية الأولى قوله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢ - ٢٣).
هذه آية صريحة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ وهي وجوه المؤمنين قطعًا.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
قالوا: هذه ليست قطعية الدلالة؛ لأنه يمكن تأويلها، وتأويلها عندهم، اسمعوا الآن كيف يكون اللعب بالنصوص القطعية الدلالة بفلسفة ظنية الدلالة.
قالوا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: إلى نعيم ربها ناظرة، عطلوا دلالة الآية.
ربنا يقول: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فزادوا من عندهم كلمة مضاف ومضاف إليه، فقالوا: إلى نعيم ربها ناظرة.
[ ٧ / ٧٢٧ ]
عطَّلوا دلالة الآية، وبالأَوْلى والأَوْلى أن يُعطِّلوا دلالة الآية الأخرى وهي قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦).
﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة.
﴿وَزِيَادَةٌ﴾ رؤية المؤمنين في الجنة.
جاء في هذا حديث صحيح في صحيح مسلم بسنده الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الل هـ - ﵌ -: «﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قال: الجنة، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: رؤية الله»، رفضوا هذا التفسير، قالوا: هذا حديث آحاد.
هذه الفلسفة مِعْوَل هدام للسنة الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول بهذه الفلسفة التي أصَّلها من المعتزلة، والشيعة أيضًا على هذا الاعتزال في هذه العقيدة، أي: عقيدة أن العقيدة لا تؤخذ من حديث الآحاد، فردوا لا أقول عشرات الأحاديث بل مئات الأحاديث الصحيحة، هدموها ورموها أرضًا بهذه الفلسفة الدخيلة في الإسلام، وهي: العقيدة لا تثبت إلا بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة. هل كانت هذه العقيدة عليها سلفنا الصالح؟ وهنا الشاهد.
سلفنا الصالح من المقطوع لدى كل عالم درس سيرة النبي - ﵌ - وما تعلق بها من تاريخ سلفنا الصالح ﵃، من منكم لا يعلم أن النبي - ﵌ - أرسل أفرادًا من أصحابه يدعون إلى الله والمدعوون هم المشركون الذين عاشوا في الجاهلية كفارًا يعبدون الأصنام، كانوا بعيدين عن دعوة الرسول ﵇ أولًا في مكة، وآخرًا وأخيرًا في المدينة، فلكي تنتشر الدعوة بوعد الله ﷿ في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:٣٣).
[ ٧ / ٧٢٨ ]
تطبيقًا في حدود ما يمكنه ﵊ يومئذ من الوسائل كان يرسل أفرادًا من أصحابه ﵇ دعاة، من منكم لا يذكر أنه أرسل عليًا إلى اليمن، أرسل أبا موسى الأشعري إلى اليمن، أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، هؤلاء أفراد، فماذا كانوا يدعون المشركين إلى ماذا؟
هل كانوا يدعونهم ابتداءً إلى بعض السنن وبعض الأمور المستحبة أم كانوا يدعونهم إلى أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، أُسُّ الإسلام هو لا إله إلا الله والكفر بما سواه.
إذًا: هذه رأس العقائد كلها، فكان يدعو إليها أفراد من الصحابة، فمن أين جاءت هذه الفلسفة؟
العقيدة لا تثبت إلا برواية التواتر.
هذا أمر يخالف سيرة السلف الصالح في عهد الرسول - ﵌ -، ثم فيما بعده - ﵌ - من القرون المشهود لها بالخيرية.
لذلك فالذين تفرَّقوا شيعًا وكانوا أحزابًا قديمًا وحديثًا هم يلتقون معنا في أن الإسلام كتاب وسنة، لكنهم يفترقون عنا ونفترق عنهم في أننا ندعو إلى اتباع السلف الصالح، في فهمهم لهذين المرجعين: الكتاب والسنة.
إذا قلت لأحد هؤلاء المخالفين للكتاب والسنة والمثال الأول قد أوردته عليكم آنفًا، وهو المثال القديم، وسأورد لكم المثال الجديد.
إذا قيل لهم: ألا تتبعون الكتاب والسنة؟ فماذا تظنهم قائلون؟ هل ينكرون أم يقرون؟ يقرون.
لو قلتم لهم: هل تتبعون السلف الصالح الصحابة والتابعين؟ قالوا لكم: لا،
[ ٧ / ٧٢٩ ]
هم رجال ونحن رجال.
فهذا هو الفاصل بيننا وبينهم، هذا فراق بيني وبينك.
أما المثال الجديد الذي لم يمض عليه إلا أقل من قرن من الزمان، لا بد أن الكثير من الحاضرين سمعوا ممن يعرفون بالقاديانيين وهم يأبون هذه النسبة تضليلًا للناس ويسمون أنفسهم بالأحمديين، وهذا له بحث طويل لبيان هذا التدليس منهم.
المهم هؤلاء القاديانيون يشهدون معنا بكل ما نشهد من الإيمان بالملائكة وما بعده، وبالإسلام الأركان الخمسة، فهم يصلون ويحجون ويزكون ويصومون .. إلى آخره، لكنهم يقولون بأن هناك أنبياء بعد محمد - ﵌ - وليس كما نعتقد نحن كما قال الله ﷿ في القرآن الكريم: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠).
وكما قال ﵊ في أحاديث كثيرة ومن أصحها وأشهرها قوله لعلي ﵁ لما خَلَفه خليفةً من بعده في المدينة ويمَّم شطر تبوك، قال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» (١).
كيف هؤلاء يشاركوننا في كل شروط الإيمان والإسلام ومع ذلك فهم يعتقدون بمجيء أنبياء بعد رسول الله - ﵌ -، هذا كقاعدة.
ثم يعتقدون بأن أحدهم جاء فعلًا من الهند ومن قرية اسمها قاديان وإليها ننسبهم نحن، فنقول عنهم قاديانيون، هؤلاء يشاركوننا في كل هذه العقائدة،
_________________
(١) "البخاري" (رقم٤١٥٤) ومسلم (رقم٦٣٧٠).
[ ٧ / ٧٣٠ ]
يفارقوننا باعتقادهم بمجيء أنبياء في المستقبل وأن أحدهم جاء منذ نحو ستين سنة تقريبًا، وكان يسمى بميرزا غلام أحمد القادياني، وهذا ترجمته إلى اللغة العربية خادم أحمد، أي نبينا محمد ﵇، فمن مكرهم ودسائسهم سحبوا هذه الإضافة خادم أحمد، فقالوا اسمه أحمد، وهذا كما أشرت آنفًا له بحث طويل.
الشاهد: كيف هؤلاء يعتقدون بمجيء أنبياء وأن أحدهم جاء وهم يؤمنون بالآية السابقة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، ولا ينكرون حديث علي.
يقولون: أنتم لا تفهمون القرآن، أنتم معشر العرب الذين توارثتم تفسير الآية السابقة سلفًا عن خلف ما تفهمون الآية، الذي فهمها هو الذي أوحي إليه مجددًا وهو ميرزا غلام أحمد القادياني.
فما معنى الآية إذًا: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟
أي: ولكن رسول الله وزينة النبيين. قالوا: كما أن الخاتم زينة الإصبع، فرسول الله زينة الأنبياء، فليس معنى الآية كما تظنون أنتم أنه آخر الأنبياء.
فإذا قُدِّم إليهم الحديث السابق ومثله كثير وكثير جدًا، أيضًا حرَّفوا الحديث كما حرَّفوا الآية، وقالوا: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» أي: معي، أما أنا بعدما أرتفع إلى الرفيق الأعلى فيأتي نبي بعدي.
فمعنى الحديث: «لا نبي بعدي» أي: معي.
[ ٧ / ٧٣١ ]
وهكذا يتأولون النصوص على طريقة سلفهم من المعتزلة والخوارج ونحوهم.
إذًا: بارك الله فيكم، هنا بيت القصيد لا يكفي أن نقول الأصلان القرآن والسنة هم مرجعنا فقط؛ لأن كل الفرق الضالة يقولون هذه القولة، ويدينون بهذين الأصلين، ولكنهم إذا قيل لهم كما قلت لكم آنفًا، هل أنتم تتبعون السلف بدءًا من الصحابة إلى القرن الثاني إلى الثالث، قالوا: لا، نحن رجال وهم رجال.
فدعوتنا يجب أن تفهموا جيدًا وهذا بيت القصيد من هذه الكلمة التي سنحت في خاطرتي حينما سمعت ضجتكم بآمين قبل تأميني أنا، وأنا إمامكم، وإذا بكم قلبتم صرت أنا مقتديًا بكم وأنتم إمامي، هذا خلف وهذا مخالفة للسنة، سببها الغفلة عن الحديث، لكن السبب الأكبر عدم وجود من يبلغ السنة إلى عامة المسلمين حتى تشيع بينهم السنة وتصبح كالأمر المعتاد بين المسلمين.
كدت أن أنهي سانحتي أو ملاحظتي هذه، ثم سنح في بالي أيضًا مثال كيف كانت السنة تمشي بين عامة المسلمين يعرفونها كما يعرفون الصلاة ونحو ذلك من الأحكام، لا يختلف الأمي من القارئ، لا يختلف في ذلك المرأة عن الرجل، كُلُّهم في فهمهم للإسلام سواء، لماذا؟ لأن العلم كان ينتشر على حد قوله ﵇: «فليبلغ الشاهد الغائب» كان الرسول - ﵌ - ما يحضر مجلسه عامة أصحابه، كيف وهناك في بعض الأحاديث الصحيحة أن رجلًا من الصحابة كأبي هريرة يقول لرجل من كبار الصحابة كعمر، أنت شغلك الصفق في الأسواق عن أن تسمع حديث رسول الله، فما بالنا نقول عن عامة الصحابة ما كانوا يحضرون مجلس الرسول عليه الصلاة السلام، هذا في الرجال فضلًا عن النساء، فضلًا عن
[ ٧ / ٧٣٢ ]
الإماء الجواري الذين كن يقمن بوظيفة خدمة أسيادهن وسيداتهن، مع ذلك كان العلم في العقيدة منتشرًا في عامة الصحابة نساء ورجالًا، ما عدا الاختلاف في حضور العلم والذكر بين يدي رسول الله - ﵌ -، كانوا في العقيدة سواء فضلًا عما دون ذلك.
كنت أردت آنفًا أن أنهي الكلمة السابقة، ثم خطر في بالي حديث الجارية، فتحَّمست لرواية هذا الحديث لسببين اثنين، أولًا: أن له علاقة بما كنت أنا في صدده، أنتم الآن سمعتم الحديث السابق، فعليكم أولًا أن تطبقوه، وأن لا تصلوا في مسجد تسمعون الإمام يؤمن فتسبقونه، لا، وإنما تنتظرون حينما يبدأ هو بالتأمين تبدءون أنتم بالتأمين.
لا أريد منكم هذا فقط، بل وأن تُبلِّغوا ذلك، ليبلغ الشاهد الغائب كما قال ﵇: «بلغوا عني ولو آية» (١) والشيء بالشيء يذكر، «بلغوا عني ولو آية» لا يعني آية من القرآن؛ لأن معنى الآية في اللغة العربية هي الجملة الكاملة، ولما كانت الآيات الكريمة هي جمل كاملة اصطلح على هذا الإطلاق الآية، الآية حينما تطلق إنما يراد بها الآية الكريمة، أما هنا في الحديث: «بلغوا عني ولو آية» أي: ولو جملة كاملة من حديث رسول الله - ﵌ -.
وقد سمعتم آنفًا ومهما كان أحدكم ضعيف الحفظ نسيًّا مثلي، فسوف يحفظ إن شاء الله هذا الحديث الذي تلوته على مسامعكم أكثر من مرة: «إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢).
_________________
(١) "البخاري" (رقم٣٢٧٤).
(٢) "البخاري" (رقم٧٤٧).
[ ٧ / ٧٣٣ ]
إذًا: بلغوا الناس هذا الحديث حتى يصبح الناس كما أصبحت تلك الجارية، جارية ترعى الغنم، كيف عرفت العقيدة الصحيحة المتعلقة بذات الله ﵎، والتي يجهلها حتى اليوم كبار المشائخ والدكاترة، أما الجارية راعية الغنم فقد عرفت العقيدة الصحيحة، ما هو السبب؟
السبب أن هؤلاء الأصحاب الكرام الذين كانوا يحضرون حلقات الذكر بين يدي النبي ﵊، كانوا إذا انصرفوا إلى بيوتهم، إلى أهاليهم، إلى ذراريهم، إلى خَدَمِهم، نقلوا الذكر الذي سمعوه من رسول الله - ﵌ -، هكذا هذه الجارية تلقت العقيدة الصحيحة ليس مباشرة من رسول الله؛ لأنها خادمة ترعى الغنم، وإنما سيّدُها يلقِّنُها وقد يكون سيدها أيضًا لم يحضر مباشرة في مجلس الرسول ﵇، لكن نقل إليه من جاره من صحابه .. إلى آخره.
ما هو حديث الجارية؟ وما موقف كثير من المشائخ المسلمين اليوم من هذه العقيدة؟
اسمعوا الحديث وطبقوه على واقعكم اليوم، فستجدون هذا الواقع مخالفًا لعقيدة الجارية، هذه العقيدة المطابقة للكتاب والسنة.
أرجو أن أنهي هذا الكلام بهذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث سيد الجارية واسمه معاوية بن الحكم السلمي، قال: صليت خلف النبي - ﵌ - يومًا، فعطس رجل بجانبي فقلت له: يرحمك الله، فنظروا إلي هكذا يسكتونه، لكني قال ما سكت، وإنما قلت، وهو يصلي ويقول لمن عطس: يرحمك الله، هذا يدل أنه كان حديث عهد بالإسلام، فلما قال لمن عطس بجانبه يرحمك الله، نظروا إليه هكذا بأطراف أعينهم مسكتين له، لكنه ما سكت بل ازداد
[ ٧ / ٧٣٤ ]
تضجرًا وصاح بأعلى صوته وهو يصلي: قال واثكل أمياه! مالكم تنظرون إلي؟ هو ما يظن أنه أساء عملًا في الصلاة. مالكم تنظرون إلي؟ فأخذوا ضربًا على أفخاذهم يسكتونه، قال: فلما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة أقبل إلي ..
تصوروا الآن مثل هذه القصة تقع من بعض المصلين ثم يقبل الإمام إليه، ماذا يتصور أنه سيفعل به، لا بد أن ينهره على الأقل إن لم يبادره بالضرب، هكذا تصور معاوية بن الحكم السلمي، لكن والحمد لله خاب تصوره؛ لأنه عبر عن ذلك بقوله بلسان عربي مبين: فوالله! ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني.
كأن يقول له مثلًا: حيوان، ما تفهم .. جاهل من هذه الكلمات التي نسمعها من بعض المشائخ أو أئمة المساجد فيما إذا أخطأ معهم أحد المصلين.
وإنما قال لي ﵊: «إن هذه الصلاة لا يُصلح فيها شيء من كلام الناس».
مخاطبة في الصلاة.
«إنما هي تسبيح وتحميد وتكبير وقراءة قرآن».
لما وجد معاوية بن الحكم السلمي وأُذكِّركم هذا غير معاوية بن أبي سفيان الأموي، لما وجد هذا اللطف وكل شيء من معدنه الطبيعي من رسول الله - ﵌ - تَفَتَّح قلبُه ليسأل نبيه - ﵌ - عما يشعر أنه بحاجة ليسأله، فقال: يا رسول الله! إن منا أقوامًا يتطيرون -أي: يتشاءمون ببعض الأشياء- وهذا من جاهلية القرن العشرين، ليس في الكفار والمشركين وإنما في المسلمين أيضًا، يتطيرون من أشياء كثيرة وكثيرة جدًا، وأظن أنكم تعلمون بعض الأمثلة.
[ ٧ / ٧٣٥ ]
إن منا أقوام يتطيرون، قال: «فلا يصدنكم».
انظروا لم يقل لهم: لا تتطيروا، وإنما قال لهم: «لا يصدنكم» أي: إذا
تطيرتم فامضوا فيما كنتم أنتم ماضون فيه ولا ترتدوا على أعقابكم لسبب طيرة عرضت عليكم.
كلمة التطير اشتقت من الطير، كان الجاهلي إذا عزم على السفر وخرج فأول طير يراه يطير، طير حيوان يخاف من الإنسان، فإما أن يطير يمينًا أو يسارًا، فإن طار هذا الحيوان يمينًا هذا الإنسان .. يتفائل، فإن طائر يسارًا يتشاءم، ويرتد إلى داره ولا يسافر.
قال إن منا أقوامًا يتطيرون، «قال فلا يصدنكم» حيوان هذا كيف يعرف الخير في المستقبل أم شر، امض فيما خرجت إليه.
قال إن منا أقوامًا يأتون الكهان، قال: «فلا تأتوهم».
قال: إن منا أقوامًا يخطون، أي: الضرب بالرمل، قال: «قد كان نبي من الأنبياء، فمن وافق خطُّه خطَّه فذاك».
هذا كما يقول العلماء تعليق بالمحال، يقول ﵊ جوابًا عن ذاك السؤال: قد كان نبي من الأنبياء قبلي معجزة له يخط بالرمل، فيطلع على بعض المغيبات بواسطة الرمل، فمن وافقه خطه من هؤلاء الكهان والمنجمين خط ذلك النبي الكريم فذاك أي المصيب، وهيهات أن يوافق خط الدجال خط النبي الصادق الأمين.
الآن يأتي الشاهد، قال: يا رسول الله! عندي جارية ترعى غنمًا لي في أحد، عند جبل أحد في المدينة، فسطا الذئب يومًا على غنمي، وأنا بشر أغضب كما
[ ٧ / ٧٣٦ ]
يغضب البشر فصككتها صكة، وعلي عتق رقبة، فقال ﵇ له: ائت بها، فلما جاءت إليه قال لها رسول الله - ﵌ - وهنا الشاهد: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فالتفت إلى سيدها وقال له: اعتقها
فإنها مؤمنة».
شهد النبي - ﵌ - لهذه الجارية التي كانت ترعى الغنم لسيدها ومن غفلتها وضعفها سطا الذئب على غنمها الأمر الذي أغضب سيدها فصكها، وصفعها تلك الصفعة على خدها، فامتحنها الرسول ﵇ بهذين السؤالين: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال لسيدها: «اعتقها».
أي: إذًا أعتقها فقد وفيت بنذرك؛ «فإنها مؤمنة».
الآن اسألوا الناس ليس عامة الناس، فإنكم تسمعون عامة الناس في مجالسهم يقولون: الله موجود في كل الموجود، الله موجود في كل مكان.
إذًا: الجارية التي كانت ترعى الغنم هي أفقه منهم.
ليت الأمر وقف أفقه من هؤلاء العامة الذين يتكلمون بهذه الجاهلية في مجالسهم، لو أنت سألت الدكاترة إلا من شاء الله وقليل ما هم، أين الله؟ قال لك: لا يجوز يا أخي هذا السؤال. الله في كل مكان. أو يقول لك: الله موجود في كل الوجود، أو يقول: ليس لله مكان.
هذا كله خلاف القرآن والسنة، والجارية التي نطقت حقًا إنما نطقت بآية من آيات الله الكثيرة بمعناها: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧).
[ ٧ / ٧٣٧ ]
إذًا: الجارية عرفت العقيدة الصحيحة فما بالنا نحن اليوم ما نعرف هذه العقيدة الصحيحة، الأمر يعود إلى شيئين اثنين، الشيء الأول الجهل بالسنة الصحيحة، والشيء الثاني أن الجماهير غفلت عن الأصل الثالث وهو على ما كان عليه السلف الصالح، وعلى ما كان السلف الصالح في الجواب عن سؤال أين الله، الجارية أجابت وأقرها الرسول ﵇ وعلى هذا كان سلفنا الصالح كما قال الإمام عبد الله بن المبارك من كبار شيوخ إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ومن جاهد في سبيل الله عن العقيدة والسنة، قال عبد الله بن المبارك ﵀: الله ﵎ فوق عرشه بذاته ..
ليس في كل مكان كما يقول الجهلة.
الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه ..
ليس كما يقول الصوفية: الله مخالط للكون، وما الله في التمثال إلا كثلجة بها الماء، هذه عقيدة الصوفية القائلون بوحدة الوجود.
الله ﵎ فوق عرشه بذاته بائن من خلفه وهو معهم بعلمه.
فعلمه في كل مكان، أما الله ﷿ فكما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، والآيات كثيرة، وبهذا القدر كفاية، فقد استطردت كثيرًا لكن أرجو أن أكون قد أوضحت عن دعوتنا وعن الفرق بين دعوتنا ودعوة الآخرين الذين يشاركوننا، أما الذين لا يشاركوننا فلا نتحدث عنهم، الذين يشاركوننا في الدعوة إلى الكتاب والسنة، فنحن نختلف عنهم وهم يختلفون عنا أننا لا نرضى أن نفهم الكتاب والسنة إلا على ما كان عليه السلف الصالح وبذلك ننجو من أن ننحرف يمينًا ويسارًا كما ينحرف كثير ممن أيضًا ينتمون إلى الكتاب والسنة ..
" الهدى والنور" (٦٤٥/ ٢٣: ١٨: ٠٠)
[ ٧ / ٧٣٨ ]
[١٠٩٤] باب ضلال منكري الرؤية
[قال الإمام]:
(ما) أبعد ضلال من ينكر الرؤية من بعض المقلدة الذين يزعمون
تقليد الأئمة ثم هم يخالفونهم في عقيدتهم في رؤية الرب يوم القيامة ومعهم الكتاب والسنة!!
أما القرآن فهم يتأولونه بل يُعطِّلونه باسم المجاز، وأما السنة فيشكِّكون فيها بقولهم: حديث آحاد، مع أنه حديث متواتر عند العارفين بهذا الشأن!!
"تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٥٧٧).
[١٠٩٥] باب هل يُكفر من ينفي رؤية الله تعالى يوم القيامة؟
[قال الإمام]:
لا شك أن الإباضية وكل من دان برأيهم وبعقيدتهم في أن كلام الله ﷿ مخلوق، ومن ذلك هذا القرآن المعجز مخلوق، وكذلك من نفى إنكار رؤية المؤمنين لرب العالمين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لا شك أن هؤلاء المنكرين لكون القرآن كلام الله حقيقة وليس مخلوقًا، وأن الله ﷿ يمتن على عباده المؤمنين فيتجلى لهم يوم القيامة، ويوم يدخل المسلمون الجنة، هذا الإنكار فيه ضلال واضح جدًا، وأما أن هذا الضلال كفر ردة عن الدين أو لا، نقول: من تبينت له الحجة ثم أنكرها فهو كافر مرتد عن دينه، لكن من أنكر ذلك فهو في ضلال، ونحن لا يهمنا أن نقول فلان من الناس أو الطائفة الفلانية من الناس هم كفار، حسبنا أن نقول هم ضلّال؛ لأن المقصود هدايتهم وأن يعرفوا أنهم على خطأ وعلى ضلال حتى يعودوا إلى الصواب ..
"الهدى والنور" (٣١٠/ ٠٠:٤٩:٣٣)
[ ٧ / ٧٣٩ ]
[١٠٩٦] باب التحذير من كتاب
لبعض أهل البدع انتصر فيه للقول بنفي الرؤية
[قال الإمام]:
من غرائب هذا الزمان وعجائبه أن يتجرأ أحد الإباضيين وهو الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ويؤلف كِتَابًا سماه بغير اسمه: " الحق الدامغ "! انتصر فيه لمذهبه في إنكارهم رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وقولهم بخلق القرآن، وبخلود أهل الكبائر في النار. وقد سلك فيه طريقة أسلافه من المعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء في تأويل أدلة أهل السنة، وجعلها ظنية الدلالة أو الثبوت، فيقول مَثَلًا فيما كان من القرآن وأخرجه عن دَلَالَته الظاهرة على الأقل: " والدليل إذا اعتراه الاحتمال سقط به الاستدلال "! (ص ٥٠) وغيرها.
وأما ما استدل به هو من الآيات فتأولها؛ لتوافق مذهبه؛ كمثل تأويله لقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾؛ فإنه تأول قوله: ﴿ناظرة﴾ أي: منتظرة! ومع ذلك فهي عندهم قطعية! وفيما كان من السنة والحديث وتبين له أن التأويل غير ناجح فيه استعمل فيها معول الهدم، وهو قوله (ص ٦٢): " ومهما يكن فإن هذه الأحاديث آحادية، والآحادي لا تنهض به حجة في الأمور الاعتقادية "! شنشنة نعرفها من أخزم، يلهج بذلك أهل الأهواء والبدع في كل زمان، وبخاصة زماننا هذا الذي كثرت فيها الفرق والطوائف! (وكل يدعي وصلًا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا)! وإن عجبي من هؤلاء لا يكاد ينتهي، يردون الاستدلال بالأحاديث الصحيحة بتلك الحجة الواهية، ومن جهة أخرى هم يستدِلّون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وما لا أصل له في السنة الصحيحة؛ بل وبالآثار الموقوفة الواهية، وكتاب الخليلي المذكور آنِفًا مشحون بما لا يصح من المرفوع والموقوف.
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٩٢٥).
[ ٧ / ٧٤٠ ]
جماع أبواب الكلام على رؤية النبي - ﵌ - لربه في الدنيا من عدمها وهل يمكن رؤية الإنسان لربه سبحانه في الدنيا؟ وغير ذلك
[ ٧ / ٧٤١ ]
[١٠٩٧] باب هل رأى الرسول - ﵌ - ربه؟
سؤال: ما هو الثابت والراجح في الأمر المختلف فيه المتعلق برؤية الرسول لذات الله -﷾-؟
الشيخ: نعم، لم يأت هناك حديث صحيح ومرفوع إلى النبي - ﵌ - أنه قال: رأيت ربي ليلة أسري بي، لا يوجد مثل هذا الحديث، صح عن النبي - ﵌ - أنه قال: «رأيت ربي في المنام» (١)، وهذا خارج عن موضوع الكلام، بل يوجد هناك حديث في صحيح مسلم، وأثر صحيح عن السيدة عائشة ينفي ذلك، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- أن رجلًا قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه»، وفي حديث أبي موسى، وقد سرده مسلم عقب ذاك الحديث، قال: «حجابه النور»، فإذا ضممت هذا إلى هذا أخذت النتيجة أنه لم يره. هذا الحديث المرفوع، أما الحديث الموقوف وفيه جزم من أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- الصِّدِّيقة بنت الصِّديق، وهي من أعرف الناس بشخصية الرسول وما يتعلق بإسرائه ومعراجه حيث جاء في الصحيحين في البخاري ومسلم من طريق التابعي الجليل المسمى بـ" مسروق"، أنه جاء إلى عائشة فقال: يا أم المؤمنين هل رأى محمدٌ ربه؟ هذا سؤالك، واسمع الجواب ليس مني، إنما أنا ناقل: هل رأى محمدٌ ربه؟ قالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت. قال: يا أم المؤمنين ارحميني ولا تعجلي عليّ، أليس قال الله -﷿-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (النجم:١٣)؟ قالت: أنا أعلم الناس بذلك، رأيت رسول الله .. أنا أعلم الناس بذلك، سألت رسول
_________________
(١) "ظلال الجنة" (رقم٤٧١).
[ ٧ / ٧٤٣ ]
الله - ﵌ - فقال: «رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين، وله ستمائة جناح، وقد سد الأفق»، إذًا هذا تفسير الآية، ثم قالت متابعة تعليم الأمة، جزاها الله عن الأمة خيرًا: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية: من حدثكم أن محمدًا - ﵌ - رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قول الله -﵎-: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١)، إذًا لا يمكن المكالمة مع الله إلا من وراء حجاب في هذه الحياة الدنيا، ولذلك كانت رؤية الله في الآخرة تباين الرؤية هنا في الدنيا. هذه المسألة الأولى، قالت: ومن حدثكم بأن محمدًا - ﵌ - كان يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله -﵎-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥). الثالثة والأخيرة: ومن حدثكم بأن محمدًا - ﵌ - كتم شيئًا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله -﷿-: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧).
في رواية تفرد بها مسلم دون صاحبه البخاري قال: قالت: لو أن محمدًا - ﵌ - كان كتم شيئًا أمر بتبليغه لكان كتم قول ربه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب:٣٧)، لكنه ما كتم؛ لأن هذا واجبه رسالةً: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى آخر الآية، غيره.
الملقي: بالنسبة للرؤية الرؤية في الدنيا، فمن ادَّعى رؤية الدنيا فقد أعظم على الله الفرية. ومن يؤول حديث النبي - ﵌ -: «نور أَنَّى أراه» ويقول:
«نور إِنَّي أراه».
[ ٧ / ٧٤٤ ]
الشيخ: لا، هذا أولًا خلاف الرواية الصحيحة، وخلاف رواية أبي موسى التي دعم بها مسلم الرواية الصحيحة. نعم.
"الهدى والنور" (٦٤١/ ٠٣: ٤٢: ٠٠)
[١٠٩٨] باب هل رأى الرسول ربه؟
وهل الإسراء والمعراج كان في المنام أم في اليقظة؟
سؤال: يسأل السائل فيقول: وهل الرسول - ﵌ - رأى ربه ﷿، وهل الإسراء والمعراج كان في المنام أم في اليقظة؟
الشيخ: أما الإسراء المعراج فقد كان يقظة به ﵊، هذا لا شك ولا إشكال فيه، وإن كان هناك بعض الأقوال المرجوحة تقول: إنه كان في منام أو كان بين النوم واليقظة، ولكن الصحيح الذي لا نشك فيه أبدًا أن ذلك كان يقظةً.
وهناك أشياء كثيرة وكثيرة جدًا تدل على هذا الذي نجزم به، من ذلك أن القصة هذه العجيبة الغريبة لو كانت منامًا ولم تكن يقظة لم تكن فيها معجزة حملت بعض ضعفاء الإيمان أن يرتابوا في دينهم، وحملت المشركين على الاستهزاء بالنبي - ﵌ -، فكل هذا وهذا يؤكد أن النبي - ﵌ - لما أصبح وأخبر الناس بما رأى من آيات ربه الكبرى، إنما كان قد حدثهم بأنه كان ذلك يقظة، ومن هنا كان الأعجاز وكانت كرامة من جهة، وكانت الفتنة لضعفاء الإيمان والمشركين في آن واحد من جهة أخرى.
أما الشق الثاني من السؤال وهو هل رأى رسول الله - ﵌ - ربه فالمسالة خلافية منذ السلف الأول، والراجح أن النبي - ﵌ - لم ير ربه بعينه، وإنما رآه ببصيرته
[ ٧ / ٧٤٥ ]
وقلبه، ومما يؤكد هذا أن النبي - ﵌ - قد سُئل صراحًة: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه؟!» فهذا نفي لأن يكون رسول الله - ﵌ - قد رأى ربه وأكد نفيه لذلك بقوله: أن هناك نورًا يمنع الإنسان من أن يرى ربه، وهذا أيضًا جاء في حديث آخر أن حجابه النور ولولا هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ﵎ كل شيء مر به أو كما قال ﵇، وكل من الحديث الأول وهذا الآخر مخرج في صحيح الإمام مسلم.
فالراجح أن النبي - ﵌ - لم ير ربه، وهو ظاهر قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وبهذه الآية استدلت السيدة عائشة على رد من يقول بأن الرسول ﵊ رأى ربه بعينيه، فقد جاء في الصحيحين من رواية مسروق ﵀ أنه جاء إلى السيدة عائشة ﵂ فقال لها: يا أم المؤمنين! هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت، قال: يا أم المؤمنين! ارحميني ولا تعجلي عليّ، أليس يقول الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: ١٣ - ١٤) قالت ﵂: أنا أعلم الناس بذلك، لقد سألت رسول الله - ﵌ - فقال: «رأيت جبريل في صورته التي خُلِقَ فيها مرتين وله ستمائة جناح ..» رأيت إذًا ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (النجم:١٣) قال: رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح وقد سد الأفق - بعظمته -» فإذًا: الضمير في الآية التي سأل مسروق عائشة عنها إنما يعود إلى جبريل وليس إلى الله ﵎.
ولذلك فقد تابعت السيدة عائشة ﵂ كلامها تأكيدًا لجوابها وإفادة للسائل وغيره ببعض ما في جعبتها من علم تلقته من زوجها ونبيها محمد - ﵌ -
[ ٧ / ٧٤٦ ]
فقالت: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية .. من حدثكم أن محمدًا - ﵌ - رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم قالت محتجة على ما قالت: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وقالت: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (الأنعام:١٠٣).
ثم قالت: ومن حدثكم أن محمدًا - ﵌ - كان يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥)، ثم قالت: ومن حدثكم بأن محمدًا - ﵌ - كتم شيئًا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧).
مداخلة: ما هي الفرية؟
الشيخ: الكذب.
مداخلة: شيخنا بالنسبة لحديث الإسراء والمعراج! تفضلتم وقلتم أنه رأى ربه بقلبه، ما معنى رأى ربه بقلبه؟
الشيخ: ببصيرته يعني: وليس بعينه بالجارحة هذه، رؤية قلبية، يعني: ممكن تقول علمي لا يمكن تمثيله.
مداخلة: في نفس حديث عائشة: ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا أمر بتبليغه، فبمفهوم المخالفة: إذا لم يؤمر بتبليغه يجوز للرسول أن يكتم؟
الشيخ: أولًا مفهوم المخالفة لا يحتج به دائمًا وأبدًا، وثانيًا: ممكن أن يقال ما ليس له علاقة بالشريعة أنه ما حدث به ممكن أن يقال هذا؛ لأنه في الآية السابقة:
[ ٧ / ٧٤٧ ]
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة:٦٧) نعم.
"فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٠٥:٥٢)
[قال الإمام]:
وأما رؤيته تعالى في الدنيا فقد أخبر رسول الله - ﵌ - في الحديث الصحيح: «أن أحدًا منا لا يراه حتى يموت».رواه مسلم.
وأما هو نفسه ﵊ فلم يرد في إثباتها له ما تقوم به الحجة، بل قد صح عنه الإشارة إلى نفيها حين سئل عنها بقوله: «نور أنى أراه» ومع ذلك جزمت السيدة عائشة بنفيها كما في "الصحيحين" وهذا هو الأصل فينبغي التمسك به.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٠).
[١١٠٠] باب منه
[قال صاحب الطحاوية: "والمعراج حق، وقد أسري بالنبي - ﵌ - وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (النجم: ١١) فصلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة والأولى"
فقال الإمام معلقًا على قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد وما رأى﴾]:
يعني من آيات ربه الكبرى، وأما القول بأنه ﵊ رأى ربه
[ ٧ / ٧٤٨ ]
ليلتئذ بعينه فلم يثبت؛ ولذلك قال الشارح وغيره: " والصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه ".
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٦).
[١١٠١] باب منه
[عن ابن عباس] قال: رأى محمد ربه ﷿ مرتين.
قلت: هذا صحيح ثابت عن ابن عباس لكن موقوفًا عليه. وقد أخرجه ابن خزيمة في " التوحيد" (ص ١٣١) بسند صحيح عنه، ورواه مسلم أيضًا من هذا الوجه لكنه بلفظ:
" رآه بقلبه" وهو رواية لابن خزيمة من طريق أخرى عن ابن عباس.
ثم أخرجه مسلم من طريق ثالث عنه بلفظ: قال:
" ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى﴾، قال: رآه بفؤاده مرتين".ورواه ابن خزيمة أيضًا مختصرًا.
قلت: ولا يقال: حديث ابن عباس هذا وإن كان وموقوفًا، فهو في حكم المرفوع، لأنه لا يقال اجتهادًا، فإني أقول: إن قوله إياه مفسرًا به الآية المذكورة، لأكبر دليل على أنه باجتهاد من عنده وليس له حكم المرفوع، لأنه قد صح خلافه في تفسيرها، فقد قالت السيدة عائشة ﵂:
"أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله - ﵌ -؟ فقال: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عِظَم خلقه ما بين السماء إلى ألأرض» أخرجه مسلم (١/ ١١٠) وروى نحوه عن
[ ٧ / ٧٤٩ ]
أبي هريرة مختصرًا بلفظ:
﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: "رأى جبريل".
وهذا موقوف أولى من موقوف ابن عباس لموافقته لحديث عائشة المرفوع. روى له ابن خزيمة (ص١٣٣،١٣٤) شاهدًا من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وسنده حسن.
"مختصر العلو" (ص ١١٩ - ١٢٠).
[قال الإمام]:
من الثابت أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا حتى ولا من نبينا محمد - ﵌ - على الراجح من قولي العلماء.
"الضعيفة" (٩/ ٥٩).
[١١٠٣] باب منه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.
[قال الإمام]:
هذا مع كونه موقوفًا، فإن مفهومه أنه لم يره بعينه. فلا يخالف حديث عائشة في الباب الآتي الذي صرحت فيه بنفيها للرؤية؛ لأنها تعني رؤية العين، ومثله حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله - ﵌ -: هل رأيت ربك؟ قال: نور، أني أراه.
[ ٧ / ٧٥٠ ]
رواه مسلم ولم يذكره المصنف! نعم هذا الحديث يخالف حديث عائشة من جهة أخرى، فان فيها أنها سألت النبي - ﵌ - عن قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾؟ فقال: «إنما هو جبريل ﵇» ومما لا شك فيه أن المرفوع مُقدَّم على الموقوف.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٢٩).
[١١٠٤] باب منه
[تكلم الإمام حول كتاب "الخصائص الكبرى" للسيوطي في مقدمة تحقيقه على "بداية السول" مبينًا أن السيوطي حشاه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وضرب على ذلك أمثلة منها أن السيوطي قد]
ذكر تحت الفصل (١٦) رواية ابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعًا:
«قال لي ربي ﷿: نَحلتُ إبراهيم خلتي، وكلّمتُ موسى تكليمًا، وأعطيتُك يا محمد خُلتي ومحبتي، وكلمتك كفاحا» (٣/ص١٥١).
[قال الإمام]:
وهو موضوع. قال الدكتور الشيخ خليل الهراس في تعليقه عليه:
قال في "اللآلئ": «لا يصح، تفرد به مسلم وهو متروك».
قلت: لو صح فكان نصًا على أن النبي - ﵌ - قد رأى ربه ليلة الإسراء على الأقل، ولم يبق ثمة مجال لاختلاف؛ لأن معنى "كفاحًا" أي: مواجهة ليس بينه وبين الله حجاب كما في "النهاية " مادة (كفح).وكأن الدكتور ﵀ لم ينتبه لهذا المعنى، فعلق على كلمة (الإسراء) بقوله (٣/ ١١١): " ففي هذه الليلة كلم
[ ٧ / ٧٥١ ]
الله ﷿ نبينا - ﵌ - كفاحًا من غير واسطة ملك". فخفي عليه ما ذكرناه عن ابن الأثير. وحينئذ فالحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمَه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب ﴾ وبه احتجت عائشة ﵂ على نفي الرؤية، وهو الحق.
"تحقيق بداية السول" (ص ١٧).
[١١٠٥] باب تحرير قول ابن عباس قي رؤية النبي - ﵌ - لربه تعالى
[قال ابن أبي عاصم في "السنة"]:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس: ﴿ولقد رآه نزله أخرى﴾ قال: رأى ربه ﵎.
[فعلق الإمام قائلًا]:
إسناده حسن موقوف رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنهما لم يحتجا بمحمد بن عمرو وإنما أخرجا له متابعة.
والحديث أخرجه الآجري (ص ٤٩١) من طريق آخر عن عبدة بن سلمان وابن خزيمة في التوحيد، وابن حبان من طريق أخرى عن محمد بن عمرو به إلا أنه لم يذكر الآية وهذا أقرب إلى الصواب؛ فقد ثبت تفسيرها مرفوعًا عن النبي - ﵌ - بخلاف تفسير ابن عباس ﵁ من حديث السيدة عائشة ﵂ قالت: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله - ﵌ - فقال: «إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرتين
[ ٧ / ٧٥٢ ]
رأيته منهبطا من السماء» الحديث أخرجه مسلم وغيره، وروى نحوه عن ابن مسعود وأبي هريرة.
لكنه أخرج أيضًا من طريق أخرى عن ابن عباس قال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى، ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: "رآه بفؤاده مرتين".
وبالجملة فتفسير الآية من ابن عباس برؤية الله ﵎ ثابت عنه لكن الأخذ بالتفسير الذي ذكره عنه - ﵌ - مرفوعًا أولى منه، والأخذ واجب دون الموقوف لا سيما وقد اضطرب الرواة عنه في هذه الرؤية فمنهم من أطلقها كما في حديث الترجمة وغيره ومنهم من قيدها بالفؤاد كما في رواية مسلم المذكورة وهي أصح الروايات عنه، والله أعلم.
"ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص١٧٧).
[١١٠٦] باب رؤية النبي - ﵌ - لربه تعالى إنما كانت في المنام
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«رأيت ربي ﷿».
(صحيح).
[قال الإمام]:
يعني في المنام كما تدل عليه الروايات الأخرى.
"صحيح الجامع" (١/ ٦٥٢).
[ ٧ / ٧٥٣ ]
[١١٠٧] باب ما تفسير حديث:
«أن النبي - ﵌ - رأى ربه في المنام»؟
سؤال: بالنسبة (لحديث ..): «أن النبي - ﵌ - رأى ربه في المنام» ما تفسيره؟
الجواب: لا يُفَسَّر.
" الهدى والنور " (٢/ ٥٨: ٣٤: ٠٠)
[١١٠٨] باب حديث اختصام الملأ الأعلى
ورؤية النبي - ﵌ - ربه في المنام
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ، فقال: فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى، فقلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفيَّ، حتَّى وجدتُ بردَ أنامِله، ثمَّ قالَ: فيم يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلتُ: في الكفَّارات والدرجات، قال: وما الكفَّارات؟ قلت: إسباغُ الوضوءِ في السّبَرات، ونقلُ الأقدام إلى الجماعاتِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاة، قال: فما الدرجاتُ؟ قلتُ: إطعامُ الطعامِ، وإفشاءُ السلامِ، وصلاةٌ بالليل والناسُ نيام، قال: قل، قال: قلتُ: ما أقولُ؟ قالَ: قلِ: اللهمّ! إنِّي أسألك عَمَلًا بالحسناتِ، وتركًا للمنكراتِ، وإذا أردتَ في قومٍ فتنةً وأنا فيهم؛ فاقبضني إليكَ غيرَ مفتونٍ».
[قال الإمام]:
وقد جاء الحديث من طرق أخرى، صحح بعضها البخاري والترمذي، وفيها أن ذلك كان رؤيا منامية، وذلك مما يؤكد شذوذ تلك الزيادة فتنبه! وراجع بعض تلك الطرق في "ظلال الجنة" ٣٨٨١ و٤٦٥ - ٤٧١).
[ ٧ / ٧٥٤ ]
وقد خلط ابن الجوزي خلطًا عجيبًا بين هذه الأحاديث الصحيحة التي فيها اختصام الملأ الأعلى، وفي بعضها أنها رؤيا منامية- كما عرفت-، وبين بعض الأحاديث الموضوعة التي فيها أنه رأى ربَّه على الأرض بمنى على جمل أورق، ونحوه من الموضوعات، وقد خرَّجت بعضها في "الضعيفة " (٦٣٣٠)، وقلَّده في ذلك الجهمي الجلد المتعنت المسمى (حسن السقاف) في تعليقه على "دفع شبه التشبيه"؛ الذي دفعه الذهبي وأتمنى أنه لم يؤلفه مؤلفه؛ لما فيه من التأويلات المعطلة للصفات الإلهية حتى ذكر أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، تعالى الله الذي على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته.
ثم رأيت الطبراني قد أخرج الحديث مختصرًا في "المعجم الكبير" (٨/ ٣٨٦/ ٨٢٠٧) و"الأوسط " (٢/ ٣٦/١/ ٥٦٢٦): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة:
ثنا فَروة بن أبي المغرَاء: ثنا القاسم بن مالك عن سعيد بن المرزبان أبي سعد عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: "سئل رسول الله - ﵌ -: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ " الحديث، إلى قوله: "الصلاة بعد الصلاة".
وأعله الهيثمي بقوله (١/ ٢٣٨):
"وفيه أبو سعد البقاَّل، وهو مدلس، وقد وثقه وكيع ".
قلت: وابن أبي شيبة هذا فيه ضعف، فأخشى أن يكون لم يحفظ إسناده، والله أعلم.
وجملة القول؛ أن الحديث صحيح، لا يشك في ذلك أحد بعد أن يقف على هذه الطرق وتصحيح بعض أئمة الحديث لبعضها؛ إلا إن كان ممن طمس الله على
[ ٧ / ٧٥٥ ]
قلوبهم من ذوي الأهواء كذاك (السخاف) (١) الجاهل الذي يخالف سبيل المؤمنين والعلماء العارفين، فيضعف ما صححوه، كهذا الحديث الذي وضع فيه رسالة سماها- فُضَّ فوه- "أقوال الحفاظ المأثورة لبيان وضع حديث: «رأيت ربي في أحسن صورة» "! وكذب- والله- عليهم، كيف وعلى رأس الحفاظ الإمام البخاري الذي صححه كما تقدم؟! وتبعه تلميذه الإمام الترمذي وغيره؛ فقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٣٢٥): "معناه عند أهل العلم: في منامه، وهو حديث حسن، رواه الثقات ".
فهذا (السخاف) يعلم يقينًا أن الذي قال الحفاظ بوضعه؛ إنما هو الحديث الموضوع حقًّا المشار إليه آنفًا:"أنه رأى ربه على الأرض " إلخ، وليس هو حديث الاختصام الذي هو رؤيا منامية كما جاء مُصرَّحًا في بعض الطرق، وقال به العلماء كما تقدم.
ووالله! إني لأخشى أن يكون وراء هذا الرجل جماعة من المفسدين في الأرض، اتخذوه مَطِيَّةً لإفساد الدين، ويسروا له أسباب التأليف والنشر؛ لاستمراره في الطعن في السلف والعلماء وتعمده مخالفتهم، ورميه إياهم بالتجسيم! ومن آخر ما ظهر منه تصريحه بأن الاعتقاد بأن الله في السماء هي عقيدة المشركين والمشبهة. وكذلك جماهير العلماء الذين صححوا حديث الجارية: "أين الله؟ "، فضعفه، بل قطع بأن النبي - ﵌ - لم يقله، وسبق الرد عليه بحمد الله تحت حديثها برقم (٣١٦٢).
"الصحيحة" (٧/ ١/٥٠٢ - ٥٠٦).
_________________
(١) ليس هذا من باب التنابز، وإنما من باب الجرح؛ فقد قال الأئمة في أمثاله: أفَّاك دجَّال كذَّاب! [منه].
[ ٧ / ٧٥٦ ]
[١١٠٩] باب هل رؤية النبي - ﵌ -
لربه تعالى في أحسن صورة رؤية يقظة أم منام؟
سؤال: يقول: في حديث النبي - ﵌ -: «أتاني ربي في أحسن صورة» الحديث؟
الشيخ: هذه رؤية منامية، والحديث صحيح.
"رحلة النور" (٤٠ب/٠٠:٢٥:١٥)
[١١١٠] باب المراد بالرؤية في قوله - ﵌ -: «رأيت ربي في أحس صورة»
قال رسول الله - ﵌ - «رأيت ربي في أحس صورة » ..
(إسناده جيد).
[قال الإمام]:
هذه رؤيا منامية كما في بعض الروايات الأخرى على ما هو مشروح في كتابي " تخريج السنة " لابن أبي عاصم (٣٨٨، ٤٣٣، ٤٦٩) فليراجع.
"مختصر العلو" (ص١١٨ - ١١٩).
[١١١١] باب هل في حديث «رأيت ربي في أحسن صورة»
دليل لمن يقول: إني أرى الله في المنام؟
سؤال: [حديث]: «رأيت ربي البارحة في أحسن صورة»، الحديث، هل في هذا الحديث دليل لمن يقول: «إني أرى الله في المنام»؟
الشيخ: دليل؟! مفهوم مقصود السائل، لكن خطأ السؤال، مثل الذي يقول:
[ ٧ / ٧٥٧ ]
قوله ﵇: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا»، هل فيه دليل لمن يقول؛ إنه رأى الرسول في المنام؟
هذا السؤال خطأ، واضح وَّلا لا، وَّلا نشرحه؟
السائل: أعد مرةً أخرى؟
الشيخ: أقول هذا سؤال خطأ؛ لأنه يشبه من يقول مثلًا قوله ﵇: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا» فيه دليل أنه إذا قال قائلٌ: رأيت الرسول في المنام، فيه دليلٌ لقوله هذا؟ فأقول السؤال خطأ، فيه دليلٌ أنه يمكن للمسلم أن يرى الرسول في المنام، أما فلان رأى الرسول في المنام فيه دليل .. هذا الحديث، أو هذا الحديث يقول القائل: رأى ربه في المنام، فيه دليل على ما يقول؟ ما في دليل لا هذا ولا هذا.
لكن .. أنا أقول الآن المقصود من السؤال غير ظاهر السؤال: المقصود من السؤال يعني هل يدل الحديث على أنه يمكن لأيّ إنسان أن يرى ربه في المنام؟ كما هو توجيه سؤالي الذي طرحته آنفًا، هل في الحديث السابق: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بي» أنه يجوز لمسلمٍ أن يرى نبيه في المنام؟ نقول: نعم، .. الحديث الثاني فيه دلالة على الجواز وإمكان رؤية المسلم لنبيه ﵊ في المنام.
أما حديث السائل الأول ..: «رأيت ربي في أحسن صورة» هذا حديث عن شخص الرسول ﵇، وليس فيه مبدأً عامًا، كحديث رؤية الرسول ﵇ في المنام، هذا ليس فيه إلا أن هذه وقعت للرسول ﵇، بالنسبة لغيره ما نُنْكِرُ ولا نُقِرُّ، يُمْكِن، وقد قيل عن الإمام أحمد ﵀ بأنه رأى ربه في
[ ٧ / ٧٥٨ ]
المنام غير مرَّةٍ، والله أعلم بصحة ذلك عنه، لكن إن ادَّعَى مُدَّعٍ أنه رأى الله، وهذه دعوى عريضة جدًّا، وصعب التصديق بها، لكن ما عندنا حجة قاطعة لتكذيبه، لاسيما إذا كان معروفًا بالصدق والصلاح، هذا جوابي عن هذا السؤال.
السائل: ألاَ يتمثل مثلًا في الرب؟
الشيخ: من باب أولى بارك الله فيك، لكن الرب ليس له صورة معروفة عندنا، بخلاف الرسول ﵇، نعرف صورته من شمائله، ولذلك كان محمد بن سيرين مع أنه ما رأى الرسول، كان إذا جاءه الرجل يقول: رأيت النبي - ﵌ - يقول: صف هذا الذي رأيته؟ لماذا؟ لأن صورة الرسول في ذهنه هو، أما رب العالمين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، لذلك لا يمكن أن يُقال في هذا شيء أبدًا.
" الهدى والنور" (١٢/ ١٢: ٥.: ٠٠)
[١١١٢] باب بدعية اعتقاد أن الله تعالى ينزل عشية عرفة على جمل أورق ..
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
«اعتقاد أن الله تعالى ينزل عشية عرفة على جمل أورق، يصافح الركبان، ويعانق المشاة».
حجة النبي - ﵌ - " (ص١٢٥).
[ ٧ / ٧٥٩ ]
[١١١٣] باب بيان وضع حديث الجمل الأورق الذي فيه «رأيت ربي بمنى»
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«رأيتُ رَبِّي بِمِنى عند النَّفرِ على جَمَلٍ أَوْرَقَ عليه جُبَّةَ صوفٍ أمامَ الناسِ». (موضوع).
[قال الإمام]:
أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ١٣٥) من طريق أبي علي الأهوازي: نا أحمد بن علي بن الحسن بن أبي السنديان بـ (بأطرابلس): نا أبو محمد عبد الله بن الحسن بن غالب بن الهيثم القاضي بـ (عرفة): نا عبد الله بن محمد البغوي: نا هدبة بن خالد: نا حماد بن سلمة عن وكيع عن أبي رزين لقيط بن عامر مرفوعًا. وقال: "كتبه أبو بكر الخطيب الحافظ عن الأهوازي متعجبًا من نكارته، وهو حديث موضوع لا أصل له، وقد وقعت لنا نسخة البغوي عن هدبة بعلو وليس هذا الحديث فيها. وأبو محمد هذا وابن أبي السنديان غير معروفي العدالة، والأهوازي: متهم ".
قلت لا أدري أين رواه الخطيب، وليس هو في "تاريخ بغداد" وقد قال الذهبي في ترجمة الاهوازي من "الميزان":
"وقد روى أبو بكر الخطيب بقلة ورع عن الأهوازي ".
قلت: فساقه بتمامه، وذكر عن ابن عساكر ما تقدم من اتهامه به الأهوازي، وقد رواه الذهبي في ترجمته من "السير" (١٨/ ١٦) بسنده عنه به، وقال عقبه:
[ ٧ / ٧٦٠ ]
"وقال ابن عساكر في " تبيين كذب المفتري ": لا يستبعدن جاهل كذب الأهوازي فيما أورده من تلك لحكايات، فقد كان من أكذب الناس فيما يدعي من الروايات في القراءات".
قلت لكن فوقه وكيع - وهو: ابن عُدس، ويقال: حدس وهو الصواب، كما حققته في "الظلال" (١/ ٢٠١)، وهو - مجهول لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء، وقد سقط هذا من بين حماد بن سلمة ووكيع من "التاريخ" و"السير" أيضًا، فلعله من قبل الأهوازي. والله أعلم.
وأما حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ مرفوعًا بلفظ: "رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء".
فهو خبر منكر - كما قال الذهبي في "السير" (١٠/ ١١٣) -، ولعل العلة تكمن في عنعنة قتادة، هذا إن لم يكن الحديث مختصرًا من حديث الرؤيا الصحيح،- كما كنت ذهبت إليه في "الظلال" (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، وهو مخرج هناك برقم (٣٨٨) -، وقد صححه البخاري والترمذي من حديث معاذ، وقد أخرجه أحمد (١/ ٣٦٨) من طريق أبي قلابة عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ بلفظ: "أتاني ربي ﷿ الليلة في أحسن صورة - أحسبه يعني: في النوم -، فقال: " بذكر الحديث في اختصام الملأ الأعلى. ورجاله ثقات رجال الشيخين، لكن أبو قلابة فيه تدليس، لكن وصله الترمذي (٣٢٣٢) بذكر خالد بن اللجلاج بينه وبين ابن عباس، وحسَّن إسناده الترمذي بقوله: "حسن غريب من هذا الوجه".
وله شواهد كثيرة منها عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إن الله تجلى لي في أحسن صورة، فسألني فيما يختصم الملأ الأعلى » الحديث.
[ ٧ / ٧٦١ ]
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٠٣/٤٦٥) بسند حسن - كما كنت بينته في "الظلال" -، وقد استوعب الكلام على بقية الشواهد الأخ الفاضل جاسم الفهيد الدوسري في تعليقه على رسالة الحافظ ابن رجب: "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" (٣٤ - ٣٦)، فقد جمع فيه طرقه عن اثني عشر صحابيًا، مع بيان ما لها وما عليها حسب القواعد العلمية الحديثية، وليس كما فعل ابن الجوزي في "العلل المتناهية"، فإنه ساق فيه (١/ ١٤ - ٢٣) بعض هذه الطرق دون تمييز بين صحيحها وضعيفها، بل أوهم القراء بضعف جميعها بنقلها عن البيهقي أنه قال: "قد روي من أوجه كلها ضعاف "! وتمام كلام البيهقي في "الأسماء" (ص ٣٠٠): "وأحسن طريق فيه رواية جهضم بن عبد الله، ثم رواية موسى بن خلف".قلت: ورواية جهضم هي التي صححها البخاري والترمذي، وسنده صحيح متصل، ومن اضطرب في إسناده، فلا يؤثر في صحته لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وزيادة الثقة مقبولة.
هذا ولأبي علي الأهوازي إسناد آخر من حديث أسماء بلفظ آخر مثل هذا في النكارة أو أشد، أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١٢٤ - ١٢٥)، وقال فيه: هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع محال، ولا يُحتاج لاستحالته النظر في رجاله، إذ لو رواه الثقات، كان مردودًا، والرسول منزه أن يحكي عن الله
﷿ ما يستحيل عليه، وأكثر رجاله مجاهيل، وفيهم ضعفاء. وقال ابن منده:
حديث الجمل باطل موضوع على رسول الله - ﵌ - ".
قلت: ولذلك كنت أود لابن الجوزي أن يورد في "موضوعاته" ما يشبه هذا في الوضع، وأن لا يورد في "علله" أحاديث اختصام الملأ الأعلى ويضعِّفها،
[ ٧ / ٧٦٢ ]
وبعضها صحيح - كما تقدم عن البخاري والترمذي -، وأقره ابن كثير (٤/ ٤٣)، وصححه أبو زرعة أيضًا والضياء المقدسي في "المختارة".
وقد استغل بعض المبتدعة الضالين إيراد ابن الجوزي - عفا الله عنه- أحاديث الاختصام في كتابه "شُبَه التشبيه"، فانصاع المشار إليه لما أوهمه من تضعيفه إياه، فقال بعد [أن] عزاه لجمع من الحفاظ - منهم الترمذي مُصحِّحًا كما تقدم -، فعقب على التخريج بقوله (ص ١٤٨): "وذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ١١٣ - ١١٤) وقال: وهو بتمامه في تأليف البيهقي، وهو خبر منكر، نسأل الله السلامة في الدين ".
وهذا تضليل عجيب للقراء، وافتراء خطير على الحافظ الذهبي ﵀.
فإنما عنى بقوله: "رأيت ربي جعدًا أمرد " الحديث، وقد نقلت هناك (ص٧٢٥) استنكاره إياه، ومن خباثة هذا المضلل أنه حذف تمام كلام الذهبي وهو قوله: "فلا هو على شرط البخاري ولا مسلم، ورواته وإن كانوا غير متهمين، فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان".
ويؤيد ما ذكرت أنه ذكر نحو هذا في ترجمة حماد من "الميزان"، فقال عقب حديثه هذا: "فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت".
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في رده على الرافضي الذي اتهم أهل السنة بأن الله ينزل كل ليلة جمعة بشكل أمرد راكبًا على حمار، قال الشيخ - في منهاج السنة" (١/ ٢٦١):
[ ٧ / ٧٦٣ ]
"هذا الحديث الذي ذكره لم يروه أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا يروي أحد من أهل الحديث أن الله تعالى ينزل ليلة الجمعة، ولا أنه ينزل ليلة الجمعة إلى الأرض، ولا أنه ينزل في شكل أمرد، بل لا يوجد في الآثار شيء من هذا الهذيان، بل ولا في شيء من الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﵌ - قال: إن الله ينزل إلى الأرض، وكل حديث رُوي فيه هذا فإنه موضوع كذب مثل حديث الجمل الأورق، وأن الله ينزل عشية عرفة فيعانق الركبان، ويصافح المشاة، وحديث آخر أنه رأى ربه في الطواف، وحديث آخر أنه رأى ربه في بطحاء مكة. وأمثال ذلك، فإن هذه كلها أحاديث مكذوبة باتفاق أهل المعرفة بالحديث".
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٢٤ - ٧٢٨).
[ ٧ / ٧٦٤ ]
(جماع أبواب الكلام على إمكانية
رؤية الله تعالى في المنام لغير النبي - ﵌ - من عدمها)
[ ٧ / ٧٦٥ ]
[١١١٤] باب هل رؤية الله تعالى في المنام خاصة بالنبي - ﵌ -؟
السائل: رؤية الله في المنام، هل هي من خصوصياته - ﵌ - أم لا، ويذكر في كتب التراجم رأيت ربي ورأى فلان ربه؟
الشيخ: ليس هناك ما يدل على الخصوصية.
السائل: وما معنى قوله - ﵌ -: «رأيت ربي في أحسن صورة»؟ ..
الشيخ: طبعًا في المنام ..
"الهدى والنور" (٤١١/ ٠٠:٣٣:٠٠).
[١١١٥] باب هل ثبتت رؤية الله في المنام؟
مداخلة: هل ثبت رؤية الله في المنام؟
الشيخ: ثبت أن النبي - ﵌ - رآه.
مداخلة: ثبت.
الشيخ: نعم.
مداخلة: يعني: لو واحد قال: رأيت الله.
الشيخ: أقول ثبت أن النبي - ﵌ - رآه.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أما بالنسبة لغيره ﵇، فليس عندنا ما يثبت أو ما ينفي، فالله أعلم.
"الهدى والنور" (٣٣٧/ ١٦: ٤٠: ٠٠)
[ ٧ / ٧٦٧ ]
[١١١٦] باب هل رأى الإمام أحمد ربه؟
السائل: أذكر قرأت في كتاب مختصر منهاج القاصدين إنه أحمد بن حنبل أنه رأى الله، قال: أنني رأيت الله، فسأله أحمد سأل الله ﷿ عن أي شيء أحب إليه بأن يتقرب الناس به إليه قال له بكلامه قال: بفهم أم بغير فهم، قال: بفهم أو بغير فهم، ربما مرت عليك هذه الرواية، فالحقيقة ما استطعنا أن نفهم كيف قال أحمد: رأيت الله، يعني: لو تُوضِّح لنا قول أحمد هذا إن صح عن أحمد.
الشيخ: صححت سؤالك أخيرًا، أخي أنت تعلم أن الأحاديث التي تُروى عن النبي - ﵌ - فيها ما صح وما لم يصح، وأن طريقة تمييز الصحيح من الضعيف من هذه الأحاديث مرجعها إلى علم اسمه علم الحديث، أما طريقة معرفة أقوال العلماء سواء كانوا صحابة أو تابعين أو أئمة مجتهدين ليس لها طريق إلا طريق علم الحديث نفسه، لكن هناك فرق كبير، الحديث إذا جاء في كتاب: قال رسول الله لا قيمة له.
(انقطاع رد فيه الشيخ على الهاتف)
الشيخ: فكنت بقول إنه الأحاديث في عندنا شيء أظن سمعت به يسمى السند، فدراسة السند وهو عبارة عن سلسلة رجال بيوصلنا، أو هذه الدراسة بتوصلنا لمعرفة كون هذا الحديث صحيح ولا ما صح، أقوال العلماء ما في لها أسانيد في الغالب، ولذلك أي قول يأتينا من عالم يعرض عن الكتاب والسنة، فما وافقه أُخذ به، وما لم يوافقه ضُرب بعرض الحائط، وما لم يكن لا هكذا ولا هكذا فأنت على الخيار لا تتدين به ولا تتعصب عليه، وهذا القول لعله أقرب إلى الاحتمال الثاني أن يكون مخالفًا للشرع، أنه أن يرى الله؛ لأنه لم ينقل إلا عن الرسول ﵇ بأنه رأى الله ﷿ في منامه، أما عن غير الرسول عليه
[ ٧ / ٧٦٨ ]
السلام فلم ينقل ذلك، لنقول: أنه أمر معهود عند بعض الناس الصالحين، فإنه لم ينقل أولًا مثله عن السلف، ثانيًا فيها عبارة قد تشجع الناس إلى الإعراض عن مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤).
"الهدى والنور" (٣٢٧/ ٠٣: ١٩: ٠٠)
[١١١٧] باب هل تمكن رؤية الله تعالى في المنام؟
سؤال: هل يمكن لأحد أن يرى ربه في المنام كما حصل ذلك لرسول الله - ﵌ -، وهل يُسْتَأْنَسُ بما أودعه ابن القيم في مدارج السالكين في هذا الباب؟
الشيخ: قضية الإمكان أخي ما دام الرؤيا هي ليست حقيقية إنما هي مثالية، فمن رأى الله في منامه ما رآه كما سيراه المؤمنون يوم القيامة وإن شاء الله نحن منهم، من رآه في المنام فلن يرى ذات الله على حقيقتها، ولذلك فالعقل واسع جدًا، ممكن إنسان أن يرى الله لا سيما وقد نُقِلَ هذا عن الإمام أحمد وغيره، لكن هل رآه حقيقةً، نحن نستطيع أن نقول: إن النبي - ﵌ - حينما رأى ربه في المنام في القصة المعروفة عنه ما رآه على حقيقته، وهو يقول: «إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت»، ولذلك فالمسألة فيها سعة، ولا يترتب من ورائها شيء.
"الهدى والنور" (٥٦/ ٤٥: ٢٤: ٠٠)
[١١١٨] باب منه
سؤال: [ذُكر في كتابٍ] أن رؤية الله في المنام جائز، هل هذا صحيح أوْ لا؟
الشيخ: الله أعلم، لكن إذا قيل برؤية الله فليس المقصود رؤيته تعالى كما سيراه المؤمنون يوم القيامة وكما قال الفقيه المؤمن:
[ ٧ / ٧٦٩ ]
يراه المؤمنون بغير كيفٍ وتشبيهٍ وضربٍ بالمثال
رؤيته في الدنيا منامًا عبارة عن رؤيا صورة خيالية لا حقيقية؛ لأن النبي - ﵌ - قد صحَّ عنه أنه قال في صحيح مسلم، وقد ذكر الدجال الأكبر المعروف لديكم شيء من صفاته، منها قوله ﵇ فيه: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وإن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت». يعني قدم النبي - ﵌ - للمسلمين المؤمنين حتى لا يغتروا بدعوى هذا الدجال الأكبر، أنه يقول هو الرب، «ربكم ليس بأعور»: هذه أول صفة، تستطيعون أن تقولون هذا هو الدجال الأكبر، ربكم له كل صفات الكمال، وهذا له هذه الصفة الناقصة المتجلية، إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور.
ثم صفة أخرى: «إن أحدكم لن يرى ربه» [حصل هنا انقطاع صوتي] (١) وهذا يدَّعي أنه ربكم.
إذًا: ليس هو بربكم.
إذًا: إذا كان .. قد أخبر الرسول أنه لن يرى أحدنا ربه إلا في يوم القيامة، وسنكون من هؤلاء المؤمنين إن شاء الله، فإذا رآه في المنام، فلا يرى حقيقةَ ربِّ العالمين، وإنما يرى صورةً خياليةً مثاليةً، ليست حقيقة، إن رأى أحدٌ ربه في المنام، وكان مخلصًا صادقًا، كما ينقل عن إمام السنة الإمام أحمد والله أعلم بصحة الرواية عنه.
" الهدى والنور" (٩٣/ ٣٣: ٥٤: ٠٠)
_________________
(١) من الواضح أن الشيخ ﵀ بَيَّن هنا أن من الصفات التي يعرف بها الدجال: أنه يُرى في الدنيا، فقد قال النبي - ﵌ - في حديث الدجال: «تعلّموا أنه لن يرى أحدٌ منكم ربه ﷿ حتى يموت» (مسلم) (٧٥٤٠)، فكون الدجال يُرى في الدنيا من الأدلة على أنه ليس بربنا.
[ ٧ / ٧٧٠ ]
[١١١٩] باب منه
سؤال: هل يمكن للإنسان أن يرى ربه أو يسمع صوته في المنام؟
الشيخ: أما أن يُرى في المنام فالأمر واسع؛ لأن القضية أشبه ما يكون بالخيال؛ لأن الله كما قال ﵇ في الحديث في رواية من روايات حديث الدجال لما وصفه ﵊ قال: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» قال في رواية في صحيح مسلم: «وإن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت».
أما الرؤية المنامية فهي رؤية خيالية، وتنسب رواية إلى الإمام أحمد بأنه رأى ربه كذا مرة والله أعلم بصحتها، أما أن يسمع الصوت فهذا يستحيل إلا أن يكون رآه في الخيال أيضًا.
مداخلة: حديث: «أتاني ربي بأحسن صورة».
الشيخ: حديث صحيح هذا، لكن هذا في المنام.
مداخلة: نعم، في المنام فهو إذًا يُثْبِتُ الرؤية في المنام.
الشيخ: لكن هو سؤالك كان عامًّا لم يقل بخصوص الرسول ﵇.
مداخلة: يعني هو خاص بالرسول؟
الشيخ: طبعًا.
مداخلة: ابن تيمية يقول بجواز هذا أن يرى الإنسان ربه في المنام، استدل بهذا الحديث وأن الإمام أحمد رأى ربه في المنام.
الشيخ: أنا أجبت نحو هذا، لكن أنا أختلف عما تنقله عن ابن تيمية، نقول:
[ ٧ / ٧٧١ ]
الاستدلال بالحديث لا يصح؛ لأن هذا ليس فيه عموم وإنما هو خصوصية للرسول ﵇، لكن من حيث الإمكان الخيالي الذي لا حدود له، هذا أمر ممكن
"الهدى والنور" (٨٧/:٠٠:٢٥:٣٩)
[١١٢٠] باب منه
سؤال:
هل يمكن رؤية الله في المنام؟
الجواب:
يُقالُ هذا والله أعلم، قالوا هذا والله أعلم.
"الهدى والنور" (٢/ ٥٣: ٣٣: ٠٠)
[ ٧ / ٧٧٢ ]
جماع أبواب الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾
وهل المقصود أنه - ﵌ - دنا من الرب ﵎؟
[ ٧ / ٧٧٣ ]
[١١٢١] باب من الذي دنا وصار بينه وبين نبينا - ﵌ - قدر قوسين ليلة الإسراء
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«أتاني جِبريلُ، فَحَمَلَنِي على جَنَاحِهِ الأيمنِ، فكنتُ مِنْ ربي ﷿ كقاب قوسينِ أو أدنى وذكر الحديث»
(باطل).
[قال الإمام]:
[وهو ..] مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أن الذي دنا وصار بينه وبين محمد - ﵌ - قدر قوسين إنما هو جبريل ﵇. انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية.
"الضعيفة" (١٢/ ١/٤٢٢ - ٤٢٣).
[١١٢٢] باب منه
[قال الذهبي في "العلو"]:
ومن عقد أئمة السلف أن نبينا - ﵌ - عرج به إلى السموات العلى عند سدرة المنتهى، فكان منه قاب قوسين أو أدنى.
[قال الإمام]:
قلت: يشير إلى ما رواه سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر قال: سمعت أنس بن ملك يحدث عن ليلة أسري برسول الله ^ .. قلت فذكر
[ ٧ / ٧٧٥ ]
حديث الإسراء الطويل وفيه:
" ودنا الجبار ﵎ فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه ما شاء .. "
لكن هذه الجملة من جملة ما أُنكر على شريك هذا مما تفرد به عن جماهير الثقات الذين رووا حديث المعراج، ولم ينسبوا الدنو والتدلي لله ﵎، بل روت عائشة وابن مسعود ﵄ ما يدل على أن قوله تعالى ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ إنما المراد به جبريل ﵊، روى مسلم (١/ ١١١) عن مسروق قال: قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾؟ قالت: إنما ذاك جبريل ﷺ وانظر "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص ٤٣٨ - ٤٤١).
وقد كان المصنف رحمه الله تعالى أورد في الأصل (ص ٥٠) الجملة المذكورة من حديث شريك ثم أورده بطوله " ق ٢١/ ١ - ٢ - مخطوطة"، فحذفته لما أشرتَ إليه من النكارة، وقال المصنف في الموضع الثاني: "هذا حديث غريب" استنكره بعض العلماء ولكنه قفز القنطرة وتقرَّر في "الصحيح" قلت: هذا مسلم فيما لم تظهر فيه علة قادحة، وليس كذلك هنا، فتأمل.
"مختصر العلو" (١١٧ - ١١٨)
[١١٢٣] باب منه
[عن ابن عباس] قال: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: دنا [منه] ربه ﷿.
[قال الإمام]:
إسناده حسن كما قال [أي الذهبي في "العلو"]، فإنه ساقه في الأصل
[ ٧ / ٧٧٦ ]
(ص٨٢) عن يحيى بن سعيد الأموي حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس. هكذا وقع في الأصول كلها، وفيها المخطوطة (ق١٩/ ٢)، وقد سقط من الإسناد الواسطة بين يحيى ومحمد بن عمرو، وهو سعيد بن أبان الأموي والد يحيى، فإنه أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٧/ ٢٦) حدثنا يحيى ابن سعيد الأموي قال: ثنا أبي قال: ثنا محمد بن عمرو
وهذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن عمرو وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي وهو مختلف فيه، والذي استقر عليه الرأي عند أهل العلم أنه حَسَنُ الحديث، وإليه أشار الحافظ بقوله في "التقريب":
"صدوق، له أوهام".
لكن قد اختُلِفَ عليه في إسناده فرواه الأموي عنه هكذا عن ابن عباس موقوفًا. ورواه الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو وقال: ثنا كثير بن جيش عن أنس بن مالك مرفوعًا: " بينما أنا مضطجع في المسجد " فذكر حديث الإسراء والمعراج، وفيه:
«فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى» » الحديث أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٣٩ـ ١٤٠) باللفظ الأول، وابن جرير (٢٧/ ٢٧، ٢٨) من طريق النصر ابن شميل قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص
الليثي به.
وكثير بن حبيش - وقيل: خنيس - فيه ضعف، فإن كان محمد بن عمرو قد حفظه عنه فهو منكر لمخالفته للثابت عن رسول الله - ﵌ - أن الذي دنا إنما هو جبريل ﵇ كما روى ابن جرير (٢٧/ ٢٧) عن مسروق قال:
[ ٧ / ٧٧٧ ]
"قلت لعائشة: ما قوله: ﴿ثم دنا فتدلى ﴾ الآية؟ فقالت: "إنما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وأنه أتاه في هذه المرة في صورته، فسد أفق السماء" وسنده صحيح، وهو عند مسلم بنحوه وقد مضى قريبًا. وهو معارِض لحديث ابن عباس هذا الموقوف إن ثبت عنه.
"مختصر العلو" (ص١٢٠ - ١٢١).
[١١٢٤] باب منه
السائل: سائل يقول في الله ﷾: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم:٨، ٩) ماذا تقول في الحديث الذي يقول: ﴿فدنا الجبار ﵎﴾ الذي يعزى للبخاري كما في تفسير ابن كثير؟
الشيخ: أقول ما قال فيه علماء الحديث: هذه الرواية هي من شواذ أحد رواة البخاري والذي هو شريك بن عبد الله وليس هو بالقاضي المعروف، فهذا جاء بهذه الزيادة في قصة الإسراء والمعراج وذكر علماء الحديث بأنه شذ، [المراد من قوله تعالى]: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم:٩) هو جبريل ﵊ وليس هو رب العالمين ﵎.
إذًا: هذه الرواية شاذة مع وجودها في صحيح البخاري. نعم.
"الهدى والنور" (٢٢٨/ ١٩: ٢٩: ٠٠)
[ ٧ / ٧٧٨ ]
جماع أبواب الكلام على حديث: «خلق الله آدم على صورته» المعروف بحديث الصورة
[ ٧ / ٧٧٩ ]
[١١٢٥] باب معنى قوله - ﵌ -: «خلق الله آدم على صورته»
عن أبي هريرة، عن النبي - ﵌ - قال: «خلق الله آدم - ﵌ -[على صورته]، وطوله ستون ذراعًا، ثم قال: اذهب، فسَلَّم على أولئك- نفرٌ من الملائكة جلوس- فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: عليك السلام ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورته، فلم يزل ينقص من الخلق حتى الآن».
(صحيح).
[علق الإمام على قوله: "على صورته" قائلًا]:
زيادة من " صحيح المؤلف" [أي: البخاري] (الاستئذان، رقم: ٦٢٢٧)، وهي عند مسلم أيضًا (٨/ ١٤٩)، وكلاهما أخرجه من طريق عبد الرزاق،
وهذا في "المصنف" (١٠/ ٣٨٤) وعنه ابن حبان أيضًا (٦١٢٩)، وكذلك المصنِّف هنا.
وفي هذا الحديث دلالة صريحة على بطلان حديث: «خلق الله آدم على صورة الرحمن» مع أن إسناده معلول بأربع علل كنت ذكرتها مفصلًا في "الضعيفة" (١١٧٥ و١١٧٦)، ونحو ذلك في "تخريج السنة" لابن أبي عاصم (٥١٧ و٥٤١).
وبهذا الحديث الصحيح يُفسَّر حديث أبي هريرة الآخر الذي صح عنه من طرق بلفظ " خلق الله آدم على صورته" وقد مضى برقم (١٢٩/ ١٧٣) مع التعليق عليه بما يناسب هذا الحديث الصحيح.
[ ٧ / ٧٨١ ]
وبهذه المناسبة أقول: لقد أساء الشيخ التويجري- رحمه الله تعالى- إلى العقيدة والسنة الصحيحة معًا بتأليفه الذي أسماه: " عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن"، فإن العقيدة لا تثبت إلا بالحديث الصحيح، والحديث الذي أقام عليه كتابه مع أنه لا يصح من حيث إسناده، فهو مخالف لأربعة طرق صحيحة عن أبي هريرة، هذا الحديث المتفق على صحته أحدها، والأخرى مع أن الشيخ خرجها وصححها فهو لم يستفد من ذلك شيئًا؛ لأن هذا العلم ليس من شأنه، وإلا كيف يصح لعالم أن يقبل طريقًا خامسًا عن أبي هريرة بلفظ:
" على صورة الرحمن "!
مخالفًا لتلك الطرق الأربعة، والتي ثلاثتها بلفظ: " على صورته"، والأولى منها فيها التصريح بأن مرجع الضمير إلى آدم ﵇ كما ترى، يضاف إلى هذه المخالفة التي تجعل حديثها شاذًا عند من يعرف الحديث الشاذ لو كان إسناده صحيحًا، فكيف وفيها ابن لهيعة، والشيخ يعلم ضعفه ومع ذلك يحاول (ص:٢٧) توثيقه، ولو بتغيير كلام الحفاظ وبتره، فهو يقول " قال الحافظ ابن حجر في "التقريب": صدوق"! وتمام كلام الحافظ يرد عليه؛ فإنه قال فيه:
"خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما"! وهذا الحديث ليس من رواية أحدهما! فماذا يقال فيمن ينقل بعض الكلام، ويكتم بعضه؟! وله مثل هذا كثير، لا يتسع هذا التعليق لبيان ذلك.
وأما حديث ابن عمر باللفظ المنكر، فقد تكلف الشيخ جدًا في الإجابة عن العلل الثلاث التي كنت نقلتها عن ابن خزيمة، كما تجاهل رجاحة رواية سفيان المرسلة على رواية جرير المسندة عن ابن عمر! ولربما تجاهل علة رابعة كنت ذكرتها في "الضعيفة" (٣/ ٣١٧) وهي أن جريرًا ساء حفظه في آخر عمره، وهذا
[ ٧ / ٧٨٢ ]
هو سبب اضطرابه في هذا الحديث، فمرة رواه بهذا الفظ المنكر، فتشبث الشيخ به، ومرة رواه باللفظ الصحيح: " على صورته" فتجاهله الشيخ! مع أنه مطلع عليه في "السنة" برقم (٥١٨) ومن تعليقي عليه ينقل ما يحلو له نقله من كلامي ليرد عليه بزعمه، ومنه أنني قلت في حديث أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: " على صورة وجهه"؛ فإني صححت إسناده تحت رقم (٥١٦) وأتبعته بقولي:
" لكني في شك من ثبوت قوله: " وجهه" فإن المحفوظ في الطرق الصحيحة: "على صورته" فألزمني الشيخ - في كلام طويل له ممجوج- بالقول بصحة الحديث، وقال (ص ٢٨):
" وإذا كان الإسناد صحيحًا، فلا وجه للشك في متنه"!
ومن الواضح لكل ذي بصيرة أن هذا الكلام غير وارد علي، لأنني لم أشك في متن الحديث فرددته مع صحة إسناده، حاشا لله فنحن بفضل الله وتوفيقه من أشد الناس معاداة لمن يفعل ذلك، وإنما شككت في هذه الزيادة: "وجهه" للمخالفة المشار إليها، وفي ظني أن الشيخ لا يعرف أنه لا يلزم من صحة السند صحة المتن، وأن من شروط الصحيح أن لا يشذ ولا يعل، وإلا لما ألزمني ذاك الإلزام، ولرد علي- لو أمكنه- دعواي الشذوذ المشار إليه في قولي: " والمحفوظ " ولكن هيهات هيهات! وختامًا فإني أريد أن أنبه القراء الكرام إلى أن ما نسبه الشيخ إلى ابن تيمية والذهبي وابن حبان أنهم صححوا الحديث، فهو غير صحيح، وإنما صححوه باللفظ المتفق عليه، فأما اللفظ المنكر فلا، وراجع "الضعيفة" لتتأكد من صحة ما أقول.
"صحيح الادب المفرد" (ص٢٧٠ - ٢٧١).
[ ٧ / ٧٨٣ ]
[قال البخاري]:
عن أبي هريرة قال: " لا تقولن: قبَّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فإن الله ﷿ خلق آدم - ﵌ - على صورته".
[قال الإمام]: حسن.
[ثم علق قائلًا]:
أي: على صورة آدم ﵇، وقد جاء ذلك صراحة في حديث آخر لأبي هريرة بلفظ: «خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعًا» متفق عليه .. فإذا شتم المسلم أخاه وقال له: " قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك" شمل الشتم آدم أيضًا؛ فإن وجه المشتوم يشبه وجه آدم، والله خلق آدم على هذه الصورة التي نشاهدها في ذريته، إلا أن الفرق أن آدم خلقه الله بيده، ولم يمر بالأدوار والأطوار التي يمر بها بنوه، وإنما خلقه من تراب. قال تعالى في أول سورة المؤمنون: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٦٤).
[١١٢٧] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«خلق الله آدم على صورته: طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك: فإنها تحيتك وتحية
[ ٧ / ٧٨٤ ]
ذريتك فقال: السلام عليكم: فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: "ورحمة الله" فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن».
[قال الإمام]:
فائدة:
قال الحافظ في الفتح:
"وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته، بل خلقه الله رجلًا كاملًا سويًاّ من أول ما نفخ فيه الروح، ثم عقب ذلك بقوله:"طوله ستون ذراعًا" فعاد الضمير أيضًا لآدم".
قلت: وقد فصل القول في ذلك ابن حبان عقب الحديث، فراجعه؛ فإنه مفيد. وأما حديث: "خلق الله آدم على صورة الرحمن" فهو منكر، كما بينته بالتفصيل في "الضعيفة" (١١٧٥و ١١٧٦)
ولم يوفق في تصحيحه مؤلف كتاب "عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن" وقد كتبت عليه كثيرًا من التعليقات وأخذت عليه بعض المؤاخذات؛ راجيا من الله التمام.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨١٠ - ٨١١).
[١١٢٨] باب منه
مداخلة: بالنسبة لحديث: «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» فالتوجيه لهذا الحديث من ناحية الضعف والصحة ..؟
[ ٧ / ٧٨٥ ]
الشيخ: لقد تكلمنا عن هذا الحديث أولًا كتابًة في بعض الأجزاء من السلسلة وبينا أنه ليس له إسناد يصح ويمكن الاحتجاج به ..
أعود لأقول: بأن حديث: «خلق الله آدم على صورة الرحمن» لا يوجد له إسناد بلفظ: على صورة الرحمن تقوم به الحجة، قد بينت ذلك كتابةً ومحاضرةً، والأمر أكثر من ذلك في اعتقادي؛ لأن الحديث هذا مع ضعف إسناده مخالف من حيث الرواية للحديث الصحيح المتفق عليه بين الشيخين، حيث روياه بالسند الصحيح بطبيعة الحال، بلفظ: «خلق الله آدم على صورته» فهذا الضمير أظهر في الرواية الأولى وليس لها إسناد صحيح، وحينذاك فالقواعد العلمية الحديثية تضطرنا إلى أن نرد هذه الزيادة التي تحدد لنا مرجع الضمير ..
فإذا عرفنا أن الحديث الصحيح روي بلفظ: «خلق الله آدم على صورته» وأن الرواية الأولى والتي أظهرت المضمر في الرواية الأخرى فقال: «خلق الله آدم على صورة الرحمن» فإذا ما عرفنا أن إسناد هذه الرواية لا يصح فحينئذ يضطرنا ما نعلمه من علم الحديث أن نقول: إنها زيادة .. لفظ: الرحمن زيادة على الرواية الصحيحة المحفوظة، والتي قالت: على صورته
(سلسلة الهدى والنور (٣٦٤) /٠٠:٥٦:٠٨)
[١١٢٩] باب ضعف حديث:
« ابن ادم خلق على صورة الرحمن»
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
- «لا تقبحوا الوجه؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن ﷿».
(ضعيف).
[ ٧ / ٧٨٦ ]
[قال الإمام]:
أخرجه الآجري في " الشريعة " (ص ٣١٥) وابن خزيمة في " التوحيد " (ص ٢٧) والطبراني في " الكبير " (٣/ ٢٠٦/٢) والدارقطني في كتاب " الصفات " (٦٤/ ٤٨) والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٢٩١) من طرق عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعًا.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين ولكن له أربع علل، ذكر ابن خزيمة ثلاثة منها فقال:
إحداها: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسله الثوري ولم يقل: "عن ابن عمر ".
والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ثم قال: " فمعنى الخبر - إن صح من طريق النقل مسندًا - أن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح ".
قلت: والعلة الرابعة: هي جرير بن عبد الحميد، فإنه وإن كان ثقة كما تقدم فقد ذكر الذهبي في ترجمته من " الميزان " أن البيهقي ذكر في " سننه " في ثلاثين حديثا لجرير بن عبد الحميد قال: " قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ".
قلت: وإن مما يؤكد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم (رقم ٥١٨) بلفظ: "على صورته". لم يذكر " الرحمن ". وهذا الصحيح المحفوظ عن النبي - ﵌ - من
[ ٧ / ٧٨٧ ]
الطرق الصحيحة عن أبي هريرة، والمشار إليها آنفًا.
فإذا عرفت هذا فلا فائدة كبرى من قول الهيثمي في " المجمع " (٨/ ١٠٦): " رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهو ثقة، وفيه ضعف ".
وكذلك من قول الحافظ في " الفتح " (٥/ ١٣٩): " أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات ".
لأن كون رجال الإسناد ثقاتًا ليس هو كل ما يجب تحققه في السند حتى يكون صحيحًا، بل هو شرط من الشروط الأساسية في ذلك، بل إن تتبعي لكلمات الأئمة في الكلام على الأحاديث قد دلني على أن قول أحدهم في حديث ما: " رجال إسناده ثقات "، يدل على أن الإسناد غير صحيح، بل فيه علة ولذلك لم يصححه، وإنما صرح بأن رجاله ثقات فقط، فتأمل.
ثم إن كون إسناد الطبراني فيه الطالقاني لا يضر لوسَلِم الحديث من العلل السابقة، لأن الطالقاني متابع فيه كما أشرت إليه في أول هذا التخريج.
وقد يقال: إن الحديث يقوى بما رواه ابن لهيعة بسنده عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه، فإنما صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن».
قلت: قد كان يمكن ذلك لولا أن الحديث بهذا اللفظ منكر كما سبق بيانه آنفًا، فلا يصح حينئذ أن يكون شاهدا لهذا الحديث.
ومنه تعلم ما في قول الحافظ في " الفتح " بعد أن نقل قول القرطبي: " أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكًا بما ورد في بعض طرقه إن الله خلق آدم على
[ ٧ / ٧٨٨ ]
صورة الرحمن، قال: وكأن من رواه [رواه] بالمعنى متمسكًا بما توهمه فغلط في ذلك، وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة، ثم قال: وعلى تقدير صحتها فيجمل على ما يليق بالباري ﷾ "، فقال الحافظ: " قلت: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضًا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول، قال: «من قاتل فليتجنب الوجه فلأن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن».فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أومن تأويله على ما يليق بالرحمن
ﷻ".
قلت: والتأويل طريقة الخلف، وإمراره كما جاء طريقة السلف، وهو المذهب، ولكن ذلك موقوف على صحة الحديث عن الرسول - ﵌ -، وقد علمت أنه لا يصح كما بينا لك آنفا، وإن كان الحافظ قد نقل عقب كلامه السابق تصحيحه عن بعض الأئمة، فقال: " وقال حرب الكرماني في " كتاب السنة ": سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح ".
قلت: إن كانوا يريدون صحة الحديث من الطريقين السابقين فذلك غير ظاهر لنا ومعنا تصريح الإمام ابن خزيمة بتضعيفه وهو علم في الحديث والتمسك بالسنة والتسليم بما ثبت فيها عن النبي - ﵌ - ومعنا أيضا ابن قتيبة حيث عقد فصلا خاصا في كتابه " مختلف الحديث " (ص ٢٧٥ - ٢٨٠) حول هذا الحديث وتأويله قال فيه: " فإن صحت رواية ابن عمر عن النبي - ﵌ - بذلك فهو كما قال رسول الله - ﵌ -، فلا تأويل ولا تنازع ".
[ ٧ / ٧٨٩ ]
وإن كانوا وقفوا للحديث على غير الطريقين المذكورين، فالأمر متوقف على الوقوف على ذلك والنظر في رجالها، نقول هذا لأن التقليد في دين الله لا يجوز، ولا سيما في مثل هذا الأمر الغيبي، مع اختلاف أقوال الأئمة في حديثه، وأنا أستبعد جدا أن يكون للحديث غير هذين الطريقين، لأن الحافظ لم يذكر غيرهما، ومن أوسع اطلاعا منه على السنة؟ نعم له طرق أخرى بدون زيادة " الرحمن" فانظر: " إذا ضرب أحدكم .. " و"إذا قاتل أحدكم " في "صحيح الجامع" (٦٨٧ و٧١٦) وغيره.
وخلاصة القول: إن الحديث ضعيف بلفظيه وطريقيه، وأنه إلى ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة بألفاظ متقاربة، منها قوله - ﵌ -: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا».
أخرجه الشيخان وغيرهما " الصحيحة ٤٥٠ ".
(تنبيه هام): بعد تحرير الكلام على الحديثين بزمن بعيد وقفت على مقال طويل لأخينا الفاضل الشيخ حماد الأنصاري نشره في مجلة " الجامعة السلفية " ذهب فيه إلى اتباع - ولا أقول تقليد - من صحح الحديث من علمائنا رحمهم الله تعالى، دون أن يقيم الدليل على ذلك بالرجوع إلى القواعد الحديثية وتراجم الرواة التي لا تخفى على مثله، لذلك رأيت - أداء للأمانة العلمية - أن أبين بعض النقاط التي تكشف عن خطئه فيما ذهب إليه مع اعترافي بعلمه وفضله وإفادته لطلبة العلم وبخاصة في الجامعة الإسلامية جزاه الله خيرًا.
أولًا: أوهم القراء أن ابن خزيمة رحمه الله تعالى تفرد من بين الأئمة بإنكاره لحديث " على صورة الرحمن " مع أن معه ابن قتيبة والمازري ومن تبعه، كما
[ ٧ / ٧٩٠ ]
تقدم، وهو وإن كان ذلك في آخر البحث، فقد كان الأولى أن يذكره في أوله حتى تكون الصورة واضحة عند القراء.
ثانيًا: نسب إلى الإمام مالك ﵀ أنه أنكر الحديث أيضًا قبل ابن خزيمة! وهذا مما لا يجوز نسبته للإمام لأمرين:
الأول: أن الشيخ نقل ذلك عن الذهبي، والذهبي ذكره عن العقيلي بسنده: حدثنا مقدام بن داود .. إلخ، ومقدام هذا يعلم الشيخ أنه متكلم فيه، بل قال النسائي فيه: " ليس بثقة " فلا يجوز أن ينسب بروايته إلى الإمام أنه أنكر حديثًا صحيحًا على رأي الشيخ، وعلى رأينا أيضا لما يأتي.
والآخر: أن الرواية المذكورة في إنكار مالك ليس لهذا الحديث المنكر، وإنما للحديث الصحيح المتفق عليه فإنه فيها بلفظ: " إن الله خلق آدم
على صورته".
وكذلك هو عند العقيلي في " الضعفاء " (٢/ ٢٥١) في هذه الرواية، فحاشا الإمام مالك أن ينكر الحديث بهذا اللفظ الصحيح أوغيره من الأئمة. ولذلك فالقارئ العادي يفهم من بحث الشيخ أن الإمام ينكر هذا الحديث الصحيح!
ثالثًا: ساق إسناد حديث ابن عمر أكثر من مرة، وكذلك فعل بحديث أبي هريرة دون فائدة، وساقهما مساق المسلمات من الأحاديث وهو يعلم العلل الثلاث التي ذكرها له ابن خزيمة لأنه في صدد الرد عليه، ومع ذلك لم يتعرض لها بذكر! بله جواب، وكذلك يعلم ضعف ابن لهيعة الذي في حديث أبي هريرة، فلم يبنبس ببنت شفة!
رابعًا: نقل كلام الذهبي الذي ذكره عقب رواية المقدام، وفيه: أن هذا
[ ٧ / ٧٩١ ]
الحديث لم ينفرد به ابن عجلان فقد رواه (الأرقام الآتية مني):
١ - همام عن قتادة عن أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة.
٢ - ورواه شعيب وابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
٣ - ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة.
٤ - ورواه شعيب أيضا وغيره عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبي هريرة. انتهى.
وأقول: نص كلام الذهبي قبيل هذه الطرق: " قلت: الحديث في أن الله خلق آدم على صورته؛ لم ينفرد به ابن عجلان " إلخ. فأنت ترى أن كلام الذهبي في واد، وكلام الشيخ في واد آخر. فهذه الطرق
الأربعة ليس فيها زيادة " صورة الرحمن "، والشيخ - سامحه الله - يسوقها تقوية لها، وهو لوتأمل فيها لوجدها تدل دلالة قاطعة على نكارة هذه الزيادة، إذ لا يعقل أن تفوت على هؤلاء وكلهم ثقات، ويحفظها مثل ابن لهيعة، ومن ليس له في العير ولا في النفير! وإني - والله - متعجب من الشيخ غاية العجب كيف يسوق هذه الروايات نقلا عن الذهبي وهو قد ساقها لتقوية الحديث الصحيح الذي أنكره مالك بزعم المقدام بن داود الواهي، والشيخ - عافانا الله وإياه - يسوقها لتقوية الحديث المنكر! وإن مما يؤكد أن الذهبي كلامه في الحديث الصحيح وليس في الحديث المنكر أنه قال في آخره: " وقال الكوسج: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا الحديث صحيح. قلت: وهو مخرج في الصحاح ".
[ ٧ / ٧٩٢ ]
قلت: فقوله هذا يدلنا على أمرين: الأول: أنه يعني الحديث الصحيح، لأنه هو المخرج في " الصحاح " كما سبق مني.
والآخر: أنه هو المقصود بتصحيح أحمد المذكور، فلم يبق بيد الشيخ إلا تصحيح إسحاق، فمن الممكن أن يكون ذلك فهما منه، وليس رواية. والله أعلم.
خامسًا وأخيرًا: قرن الشيخ الحافظ الذهبي والعسقلاني مع أحمد وإسحاق في تصحيح الحديث.
وجوابي عليه: أن كلام الذهبي ليس صريحًا في ذلك، بل ظاهره أنه يعني الحديث الصحيح. وأما ابن حجر فعمدة الشيخ في ذلك قوله: " رجاله ثقات " وقد علمت مما سبق أن هذا لا يعني الصحة، ولو سلمنا جدلًا أنه صححه هو أوغيره قلنا: " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ".
وخلاصة (التنبيه) أن الشيخ حفظه الله حكى قولين متعارضين في حديث «على صورة الرحمن» دون ترجيح بينهما سوى مجرد الدعوى، وذكر له طريقين ضعيفين منكرين دون أن يجيب عن أسباب ضعفهما، بل أوهم أن له طرقًا كثيرة يتقوى بها، وهي في الواقع مما يؤكد وهنهما عند العارفين بهذا العلم الشريف وتراجم رواته. وهذا بخلاف ما صنع شيخ الإسلام ﵀ في كتابه " نقض التأسيس " في فصل عقده فيه لهذا الحديث بأحد ألفاظه الصحيحة: " إن الله خلق أدم على صورته " أرسل إلي صورة منه بعض الأخوان جزاه الله خيرا فإن ابن تيمية مع كونه أطال الكلام في ذكر تأويلات العلماء له وما قالوه في مرجع ضمير " صورته "، ونقل أيضا كلام ابن خزيمة بتمامه في تضعيف حديث الترجمة وتأويله إياه إن صح، فرد عليه التأويل، وسلم له التضعيف، ولم يتعقبه بالرد، لأنه يعلم أن
[ ٧ / ٧٩٣ ]
لا سبيل إلى ذلك، كما يتبين للقارىء من هذا التخريج والتحقيق، ولهذا كنت أود للشيخ الأنصاري أن لا يصحح الحديث، وهو ضعيف من طريقيه، ومتنه منكر لمخالفته للأحاديث الصحيحة.
نسأل الله تعالى لنا وله التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن
يحشرنا في زمرة المخلصين الصادقين ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾.
"الضعيفة" (٣/ ٣١٦ - ٣٢٢).
[١١٣٠] باب منه
[قال الإمام مُعلِّقًا على حديث الصورة]:
في رواية لمسلم بلفظ: "فإن الله خلق آدم على صورته"؛ أي: صورة آدم نفسه، وليس هذا تأويلًا كما يظن بعض الناس، وإنما هو من باب تفسير النص بالنص، وليس بالرأي ففي رواية أخرى عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا " الحديث متفق عليه
ولا يجوز تفسيره بحديث ابن عمر: " على صورة الرحمن"؛ لأنه منكر لا يصح، فيه أربع علل، ولذلك ضعَّفه ابن خزيمة وغيره ممن يرميهم أعداء السنة بالتجسيم!
ولقد أساء جدًا إلى السنة وإلى الحديث بعض المشايخ الذين ألَّفوا في تقويته، ممن ليس لهم سابقة معرفة واشتغال بهذا العلم الشريف؛ مثل ما سماه: "عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن"! وهو مطبوع، و"دفاع أهل
[ ٧ / ٧٩٤ ]
السنة والإيمان عن خلق آدم على صورة الرحمن"! ولعله لم يطبع، وغيرهما ممن كتب في تصحيح هذا الحديث المنكر. وتفصيل ذلك في "الضعيفة" (١١٧٦).
"مختصر صحيح البخاري" (٢/ ١٧٨).
[١١٣١] باب منه
الشيخ: .. الحديث الذي يقول: «خلق الله آدم على صورة الرحمن» لا يصح من حيث إسناده، نعم.
مداخلة: سئل أبا ثور عن خلق آدم على صورته ..
الشيخ: وما الذي نصب أبا ثور: أبو أبو ..
مداخلة: أبو ثور على خلق آدم على صورته فقال: إنما هو على صورة آدم وليس هو على صورة الرحمن، قال الجزري: فقلت بعد ذلك لعبد الوهاب: ما تقول في أبي ثور؟ فقال: ما أدين فيه إلا بقول أحمد بن حنبل: يؤجر أبو ثور، ومن قال بقوله، قال الجزري: وقلت لعبد الوهاب مرة أخرى وقد تكلم قوم في هذه المسألة: «خلق الله آدم على صورته» فقال: من لم يقل: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فهو جهمي، فهذا يعني صاحب هذا الرأي نقل أقوال على أنه من لم يقل بهذا القول فهو جهمي عن الإمام أحمد.
الشيخ: ولسنا مقلدين، والحمد لله نحن أعداء الجهميين لكننا لسنا مقلدين، ما الدليل أن من قال قولًا وافق فيه الجهم كان جهميًّا؟ هذه واحدة، والأخرى: ما الدليل على صحة أن مرجع الدليل إنما هو الله ﵎ خاصة بعد أن ذكرنا ما ذكرنا آنفًا؟ فهذه أقوال ككثير من الأقوال الفقهية تطلق لقائلها ولا يجوز أن
[ ٧ / ٧٩٥ ]
نحتج بها، وبخاصة إذا كان لازمها ضرب السنة الصحيحة، فنحن نقول مثلًا: لو كان الذي يتبنى هذا القول .. أو نقول شيئًا آخر: لو كان قائل هذا القول حاضرًا، أو كان من يتبنى هذا القول ممن جاء من بعده، ماذا تقول في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا» فهل نأخذ الحديث وندع القول الذي فيه اتهام من قال به بأنه تجهم، أم لا نبالي بهذه الأقوال؛ لأنها خرجت مخرج الاجتهاد؟ فنحن علينا أن نتبع السنة ونتبع الحديث سواء كان ذلك في العقيدة أو في الأحكام.
"لقاءات المدينة" (١/ ٠٠:٠٠:٠٠)
[١١٣٢] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته».
[قال الإمام]:
فائدة: يرجع الضمير في قوله: على صورته إلى آدم ﵇؛ لأنه أقرب مذكور، ولأنه مُصرَّح به في رواية أخرى للبخاري عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا» وأما حديث «.. على صورة الرحمن» فهو منكر.
"الصحيحة" (٢/ ٥١٨ - ٥١٩).
[ ٧ / ٧٩٦ ]
[١١٣٣] باب منه
سؤال: فضيلة الوالد حفظك الله! ما مدى صحة حديث: «إن الله خلق آدم على صورته» وحديث: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وجزاك الله خير.
الشيخ: لقد كتبنا بحثًا في هذه المسألة في بعض كتبي، ولعل ذلك في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، فإن الحديث الأول: «إن الله خلق آدم على صورته» حديث صحيح، أخرجه الشيخان في صحيحيهما، أما الحديث الآخر بلفظ: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» فذكر لفظة الرحمن أحسن ما يقال فيها: إنها شاذة، والحقيقة إنها منكرة؛ لأن هذا الحديث لو كان له إسناد صحيح لقلنا: إن هذه اللفظة: الرحمن، شاذة على طريقة علماء الحديث: أن من كان ثقًة وروى زيادة في الحديث خالف فيها من هو أوثق منه تكون زيادته شاذة، أما إذا كان الذي زاد على الثقة فتكون زيادته منكرة، والواقع في هذا الحديث أنه من هذا القبيل؛ لأنه ليس له إسناد صحيح كما فصَّلنا القول في ذلك في المصدر المشار إليه آنفًا.
أما الحديث الصحيح فله روايتان: الرواية الأولى: سبق ذكرها، والرواية الأخرى هي التي تعارض تلك الرواية المنكرة وتفسر وتعين مرجع الضمير في الرواية الصحيحة: «إن الله خلق آدم على صورته» ذلك هو حديث أبي هريرة في صحيح البخاري قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا» في صحيح البخاري، طول من؟ هل رب العالمين من صفاته أن له طولًا وعرضًا؟! حاشا لله، وإنما هذا الحديث صريح بأن مرجع الضمير في الحديث الأول الصحيح: «إن الله خلق آدم على صورته» أي: صورة آدم، وجاء في
[ ٧ / ٧٩٧ ]
بعض الأحاديث أن النبي - ﵌ - ذكر هذا الحديث بمناسبة أن أحدهم ضرب وجه شخص فقال: إن الله خلق آدم صورته، أي: إن أبناءه على صورة آدم، وصورة آدم جاء تفسيرها في حديث البخاري: طوله ستون ذراعًا، في ستة أذرع قال ﵊: «فلم يزل الخلق يتناقص حتى الآن».
فإذًا: بعد مجيء هذا الحديث الصحيح الذي يحدد مرجع الضمير لم يبق مجال للتمسك بالحديث الثاني الذي يقول: «خلق آدم على صورة الرحمن» لسببين اثنين: أما الأول: أنه ليس له إسناد صحيح، والآخر: أنه خالف الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه، فالتقويم تجدونه في ذلك الموضع.
"رحلة النور" (٢٩ب/٠٠:٢٢:١٥)
[١١٣٤] باب منه
السائل: حديث: «إن الله خلق آدم على صورته» إلى من يرجع الضمير؟
الجواب: إلى آدم ﵇.
مداخلة: إذا بارك الله فيك، إذا كان عائد إلى الله ﷿، فما معنى الحديث ، وهل الرواية الأخرى تعتبر منكرة أن الله خلق آدم على صورة الرحمن؟
الجواب: هذه الرواية ضعيفة لا تصح، وسيأتيك بيان تفصيل القول في ضعفها في المجلد الثالث في سلسلة الأحاديث الضعيفة، وقد قدَّمت قبل أن آتي إليكم الفهارس وطبع الكتاب دون الفهارس، وفيه تفصيل القول في ضعف هذا الحديث مع اهتمام كثير من أهل السنة بإثباته، ولكن علم الحديث لا يساعد على إثباته، فهو ضعيف بل منكر بزيادة: (على صورة الرحمن)، والصحيح كما جاء في
[ ٧ / ٧٩٨ ]
مسلم وغيره: (إن الله خلق آدم على صورته) فقط، وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: (على صورته) بزيادة تؤكد أن الضمير يعود إلى آدم حيث قال ﵇: «إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا»، هذا نص صريح بأن الضمير يرجع إلى آدم ﵇، ولو صح الحديث بالرجوع إلى الله آمنا به دون تكييف ودون تأويل وتشبيه وتعطيل.
"الهدى والنور" (٨٩/ ٠٠:١٦:٢٠)
[١١٣٥] باب منه
الشيخ: اختلف العلماء قديمًا وحديثًا على ما في الضمير في الرواية الصحيحة: «إن الله خلق آدم على صورته»، وهذا الخلاف في اعتقادي يجب أن يفرغ منه بعد أن وقفنا على رواية الإمام البخاري في صحيحه بلفظ: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا»، فتكون رواية البخاري الصحيحة مفسرة مبينة للرواية الصحيحة الأخرى وهي قوله ﵊: «خلق الله آدم على صورته» فمرجع الضمير في صورته اتضح في رواية الإمام البخاري بلفظ: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا»؛ لأن الوصف بهذا الطول لا يصح بوجه من الوجوه أن يرجع إلا إلى آدم ﵊، وبذلك ننتهي من مشكلة التساؤل والخوض في حديث: «خلق الله آدم على صورة الرحمن» سواء من حيث الرواية التي دلت على ضعف إسنادها، أو من حيث الدراية التي دلت على شذوذها ومخالفتها للرواية المتفق عليها إسنادًا، ومخالفة هذه لرواية البخاري الصحيحة المخالفة لها متنًا.
"الهدى والنور" (٣٦٥/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)
[ ٧ / ٧٩٩ ]
[١١٣٦] باب منه
السائل: حديث ورد أن الرسول - ﵌ - قال: «إن الله خلق ابن آدم على
صورة الرحمن»؟
الشيخ: باطل.
مداخلة: باطل هاه؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: الله يجزيك خير ويرحم والديك.
الشيخ: الله يحفظك.
مداخلة: والذين قالوا: انه صحيح.
الشيخ: الذين يصححون لا يعرفون الصحيح.
مداخلة: الله يجزيك خير إن شاء الله.
الشيخ: الله يحفظك والحديث الصحيح إنما هو بلفظ: «إن الله خلق آدم على صورته» ليس على صورة الرحمن.
مداخلة: على صورته المقصود فيه آدم.
الشيخ: اسمع، هذا هو اللفظ المشهور المعروف في الصحيحين، وفي رواية في البخاري تفسر الرواية الأولى: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا» فإذًا هو آدم.
"الهدى والنور" (٣٢٨/ ٢٦: ٥٤: ٠٠)
[ ٧ / ٨٠٠ ]
السائل: الحديث «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» كيف تفسير؟
الشيخ: هذا حديث نبع من بلادكم، وانتشر إلينا، لكنه هو حديث لا يصح مهما حاول الشيخ أن يقويه، فتقوية الحديث الضعيف ليس من تخصص الشيخ، فهو اعتدى على التخصص لَمَّا صحح هذا الحديث وبخاصة أنه يثير الإشكالات والشبهات الكثيرة عند عامة المسلمين، فلو أنه أبقى الحديث على الرواية الصحيحة: «إن الله خلق آدم على صورته» [فلا] يعتمد على الرواية الأخرى التي تثير الإشكالات العديدة والكبيرة، منها تشبيه الرحمن بالإنسان فلا يروي هذا الحديث ولا يدندن حوله، وإنما يكتفي بالحديث الصحيح: «إن الله خلق آدم على صورته» ثم بعد ذلك يفسره كل مفسر حسب ما يترجح لديه، حتى ولو عاد تفسيره إلى ذاك الحديث الضعيف، لأنه يكون هناك فرق كبير بين أن يقدم إلى الناس رأيًا له في تفسير الحديث الصحيح، والرأي معرض للخطأ وللصواب، وبين أن يقول لهم هذا قول رسول الله: «خلق الله أدم على صورة الرحمن».
شتان بين الأمرين، ولذلك فمن الخطأ أن نروي هذا الحديث إلا على الرواية الصحيحة.
"الهدى والنور" (٢٢٩/ ٣٢: ٤٩: ٠٠)
[١١٣٨] باب منه
سؤال: .. يقول الرسول - ﵌ -: «إن الله خلق آدم على صورته»، فالتأويل الصحيح شيخ لهذا الحديث.
الشيخ: صورة آدم؛ لأنه جاء في صحيح البخاري: «خلق الله آدم على صورته
[ ٧ / ٨٠١ ]
طوله ستون ذراعًا»، فهذا تفسير من الرسول نفسه.
الملقي: إيه بس الحافظ يا شيخ كأنه صحح .. حديثًا ما أدري هل يصح ولا لا، «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن».
الشيخ: هذا لا يصح ولن يصح.
"الهدى والنور" (٧٥٤/ ٠٠: ٣٠: ٠٠)
[١١٣٩] باب الكلام على أحد روايات حديث الصورة
سؤال: نريد أن نرى رأيكم في حديث أخرجه ابن أبي عاصم، قال: حدثنا محمد بن ثعلبة بن سواء، حدثني عمي محمد بن سواء عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إذا قاتل أحدكم فليسلم الوجه، فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه» ثم أن المؤلف قال: هذا إسناد صحيح، وفي التعليق قال: السنة جزء كذا صفحة كذا، وقول الألباني: لكني في شك من ثبوت قوله: «على صورة وجهه» لا وجه له، وإن كان هو في شك من ذلك فالحفاظ من أهل الحديث لم يشكُّوا فيه.
الشيخ: أين الحفاظ؟
مداخلة: أردت التعليق على سند الحديث ..
الشيخ: الآن لست مستحضرًا حال الرجال.
مداخلة: قد الرجال.
الشيخ: أعرف لكن أقول: لا نستحضر تراجمهم، دعني أرى.
[ ٧ / ٨٠٢ ]
الآن لا أستحضر حال كل راو من هؤلاء الرواة، لكني بحاجة أن أراجع كلامي عليه في تخريج السنة لابن أبي عاصم، إلا أنني الذي أستحضره في
ذهني أن ما نقله بقوله: وقول الألباني: لكني في شك من ثبوت قوله: على صورة وجهه، لا وجه له، وإن كان هو في شك من ذلك فالحفاظ من أهل الحديث لم يشكوا فيه.
إن كان يعني بخصوص هذا اللفظ وبخاصة أنه ختمه بقوله: خلق آدم على صورة وجهه قال: هذا إسناد صحيح وظاهر في إبطال القول من جعل الضمير في قوله: على صورته عائدًا إلى آدم، انظروا الآن: ما الفرق بين الحديث الصحيح: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته» اختلفوا في رجوع الضمير، وهو لم يستفد شيئًا إذ صحح هذه الرواية على صورة وجهه؛ لأن نفس الضمير يقال فيه ما قيل هناك، وقوله وهو ظاهر في إبطال قول من جعل الضمير في قوله: على صورته عائدًا إلى آدم، فلن يستفيد شيئًا.
"رحلة النور" (٣٩أ/٠٠:٣٣:١٢)
[١١٤٠] باب الرد على من ردَّ أو تأول ما جاء في حديث الصورة من أن آدم ﵇ طوله ستون ذراعًا
[قال المعلمي في "التنكيل"]:
جاء في الحديث أن الله خلق آدم طوله ستون ذراعًا، فما زال الخلق أي من بنيه يتناقص حتى صاروا إلى ما هم عليه الآن. استشكله ابن خلدون، ونقل إشكاله الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بأن ديار ثمود في الحجر لا تزيد أبوابها عن أبواب ديارنا وهم من القدم على ما يظهر أن يكونوا في نصف الطريق بيننا وبين
[ ٧ / ٨٠٣ ]
آدم، فكان على هذا يجب أن تطول أبدانهم عنا بنحو ثلاثين ذراعًا، ولعل أهل الحفريات عثروا على عظام وجماجم قديمة جدًا ولا يزيد طولها عن طول الناس اليوم -، سمعت حل الإشكال من الشيخ عبيد الله السندي ﵀ أن الطول المذكور في عالم المثال لا في عالم الأجسام والمشاهدة. فالله أعلم.
[قال الإمام]:
هذا التأويل أشبه بتأويلات المتكلمين والمتصوفة، وأني متعجب جدًا من حكاية فضيلة الشيخ إياه وإقراره له.
واستشكال ابن خلدون إنما يصح على ما استظهره أن ثمود في نصف الطريق بيننا وبين آدم، وهذا رجم بالغيب، إذ لم يأت به نص عن المعصوم، ولا ثبت مثله حتى الآن من الآثار المكتشفة، بل لعلها قد دلت على خلاف ما استظهره. فيبقى الحديث من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها دون أي استشكال.
والحديث المشار إليه أخرجه الشيخان في "صحيحهما".
"التعليق على التنكيل" (٢/ ٣٩٢).
[١١٤١] باب الرد على من قال أن من لم يُرجع الضمير في حديث «إن الله خلق آدم على صورته» إلى آدم فهو جهمي، وذِكر أقوال الناس في هذا الحديث مع مناقشتها
[تكلم الشيخ على ضعف حديث: «خلق الله آدم على صورة الرحمن»، ثم قال أحد الحضور]: والله يا شيخنا بعضهم يقول: هذا قول الجهمية
الشيخ: أيش هو قول الجهمية سامحكم الله، ما هو؟
[ ٧ / ٨٠٤ ]
مداخلة: أن من أعاد الضمير على آدم.
الشيخ: هذا قول الجهمية؟
مداخلة: يتمسكون بقول إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل.
الشيخ: لا ما يقول هذا الإمام أحمد، الإمام أحمد ما تكلم عن حديث: «خلق الله آدم على صورة الرحمن»، الإمام أحمد ما يصحح هذا الحديث، أكذلك؟
مداخلة: كذلك.
الشيخ: طيب، استرحنا من هذا الحديث إذًا من جهة أنه إمام أهل السنة الإمام أحمد ما صححه، نعود للتأويل: «خلق الله آدم على صورته» هكذا الرواية الصحيحة، أليس كذلك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: الضمير إذا أعدناه إلى آدم ترُوى الروايات عن الإمام أحمد أن
هذا قول الجهمية، طيب، هل من قول الجهمية خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا؟
مداخلة: الجهمية.
الشيخ: هل من قول الجهمية خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: قول من هذا؟
مداخلة: هذا قول الرسول ﵊.
[ ٧ / ٨٠٥ ]
الشيخ: إذًاَ فأنا جهمي.
مداخلة: لا، أنت لست بجهمي.
الشيخ: إذًاَ من هو الجهمي.
مداخلة: الجهمي هو الذي ينكر صفات الرب جل وعلا.
الشيخ: فلماذا تشعرون بأهمية الموضوع أن الإمام يقول: أنه من أرجع الضمير إلى آدم فهو قول جهمي.
مداخلة: يقولون: وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق عليها.
الشيخ: لا تناقش الآن بعد أن آمنت معي بقوله ﵇، وقلت بأن هذا هو قول الرسول، فإذًا: ماذا نقول؟ الضمير راجع لمن؟
مداخلة: يرجع إلى آدم.
الشيخ: حسن، إذًا: هم الآن يقعون في التشبيه إذا آمنوا بهذا الحديث الصحيح ولا سبيل لهم إلا أن يؤمنوا معنا به؛ لأنه في «صحيح البخاري»، فحنئذٍ إذا أصروا على إعادة الضمير الأول على صورته إلى الله إذًا: نخرج بنتيجة: طول الله ستون ذراعًا، وهذا هو تمام التشبيه الذي قد يستوحيه بعضهم من إعادة الضمير إلى الله في الحديث الصحيح أيضًا: خلق الله آدم على صورته. هذا من تمام التشبيه.
مداخلة: هم يقولون يا شيخ: نثبت الحديث كما جاء، ولا نتعرض لتأويله ما لنا أن نؤوله، ويقولون: أن من ادعى أن ظاهر هذا الحديث هو التشبيه فهذا مردود عليه وباطل؛ لأن نصوص القرآن والسنة لا يكون ظاهرها التشبيه، لأن هذا في القرآن والسنة ما يبطل هذا، فكيف يكون ظاهر الكتاب والسنة الكفر.
[ ٧ / ٨٠٦ ]
الشيخ: أنت الآن تقول: إنهم يقولون: لا نؤول، صح؟
مداخلة: نعم، ما لنا أن نؤوله، لا نؤوله.
الشيخ: ليس لنا أن نؤول، هل تعني بهذا النفي وإن كان هذا لم يصدر منك وإنما هو أشعر تمامًا أنه حكاية منك ونقل منك.
مداخلة: نعم، هو كذلك.
الشيخ: وتبرير لمثل هذا النقل نقول: ناقل الكفر ليس بكافر، فأنت
تقول عنهم: ليس لنا أن نؤول، ماذا يعنون: ليس لنا أن نؤول، هل يعنون: ليس
لنا أن نفسر، وبالتالي ليس لنا أن نفهم؟ وحينئذٍ نعود إلى التفويض، وما أظن يقولون بهذا.
مداخلة: نعم، هم يقولون يا شيخ.
الشيخ: لا تشرح لي، أنا قلت لك: ما أظن يقولون بهذا، فإما أن تكون معي أو لا، فإن كنت معي لا يحتاج الأمر إلى أن تعود وتقول: يقولون، فهل هم مفوضة في هذا الحديث؟
مداخلة: يلزمهم يا شيخ.
الشيخ: يلزمهم وهذا هو.
مداخلة: لكن لا يقرون بذلك هم، ويقولون: نحن ..
الشيخ: وهذه المشكلة يا شيخ، هذه المشكلة، أهل الأهواء يلفون ويدورون، تارة مؤولة، تارة معطلة، تارة مفوضة، ليس لهم منهج مستقيم، وأهل السنة على
[ ٧ / ٨٠٧ ]
رأسهم الإمام أحمد ونحن من ورائه هم ليسوا مفوضة، وليسوا مؤولة بالمعنى العلمي الاصطلاحي، وليس بمعنى العلمي الذي يقول مثلًا ابن جرير في تفسيره تأويل آية أي تفسيرها، واضح؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: فأهل السنة ليسوا مؤولة بمعنى: إخراج النص عن ظاهره إلى معنى لا يتبادر إلى الذهن أولًا، ثم لا يوجد هناك قرينة علمية تضطرنا إلى أن نلجأ إليه ثانيًا، إذًا: هم أهل السنة هم مؤولة بمعنى مفسرون، إذًا: ماذا يفيد كلامهم نحن
لا نؤول؟
مداخلة: على المعنى البدعي.
الشيخ: على المعنى البدعي، أحسنت، الآن نعود إلى الحديث الأول: «خلق الله آدم على صورته».من حيث الأسلوب العربي يحتمل إعادة الضمير إلى كل
من الخالق رب العالمين، والمخلوق آدم ﵇، صح أم لا؟ من حيث الأسلوب العربي.
مداخلة: والمضروب؟
الشيخ: والمضروب أين المضروب؟
مداخلة: في حديث آخر يعني.
الشيخ: نحن نتكلم عن هذا الحديث، أنت تأتي بحديث آخر نتكلم عليه، نحن الآن حديثنا: خلق الله آدم على صورته. ألست أنت بدأت الحديث نقلًا عنهم أعود لأقول: نقلًا عنهم أنهم هم الذين يقولون الضمير هنا راجع إلى الله؟
[ ٧ / ٨٠٨ ]
مداخلة: نعم يا شيخ.
الشيخ: طيب، نحن لا نزال في هذا الموضوع، فأرجو أن لا نشت عن موضوع إلى حديث ثالث، وأنا لا أقول هذا هربًا من البحث في الحديث الثالث، لا، لكل مقام مقال، ولكل دولة رجال، فالآن أعود لأقول: الضمير في هذا الحديث من حيث الأسلوب العربي يحتمل أن يعود إلى الخالق ﷾، وإلى المخلوق وهو آدم، صح أم لا، فهم تركوا الإعادة الثانية تمسكًا منهم بالإعادة الأولى: خَلَقَ الله، ولعلك تعلم مثلي أن العلماء يقولون: إذا احتمل رجوع الضمير إلى مضمرين اثنين فالأولى أن يعاد إلى الأقرب ذكرًا، معروف هذا لديك.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فالأقرب ذكرًا هو هنا في الحديث الله أم آدم؟
مداخلة: آدم.
الشيخ: خلق الله آدم على صورته. آدم، طيب، إذًا: فهنا فيه لفتة نظر مهمة من حيث الأسلوب العربي أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، فإذا إنسان من أهل السنة والجماعة لسبب أو آخر أعاد الضمير إلى أقرب مذكور، وهذا أسلوب عربي، لماذا يقال: إنه جهمي؟ ممكن أن يقال: إنه جهمي إذا صدر هذا التأويل من جهمي فعلًا، أما إذا حصل من أهل السنة والجماعة فهذا لا ينبغي أن يتهم بأنه جهمي؛ لأنه أولًا هو في الأصل سني وليس بالجهمي، ثانيًا: استعمل اللغة العربية، أنه يعود إلى أقرب مذكور، ثالثًا وأخيرًا وهذا هو المهم: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا. إلى ماذا عاد الضمير الأول، هنا ضميران، لا شك أن الضمير الأول والثاني لا يمكن إدخال (قدقدة) بينهما، فأحدهما يعود إلى مضمر
[ ٧ / ٨٠٩ ]
والثاني يعود إلى مضمر آخر، وإنما يعود كل منهما إلى مضمر واحد، أنت معي أم شارد؟
مداخلة: معك يا شيخ.
الشيخ: معي، فإذًا: خلق الله آدم على صورته طوله، صورته طوله، إن أصروا بإعادة الضمير إلى الله، الضمير الثاني إلى من يعود؟ إلى الله، من الذي يقول: طول الله ستون ذراعًا، أليس هذا هو التشبيه؟ أليس هذا هو الكفر بعينه؟ ولذلك شيخكم هذا في هذا الكتاب حاول الإنفكاك من هذا الإيراد ما عاد أذكر كيف لف ودار، لعلك أنت باعتبار قريب من البحث هذا تذكر ماذا فعل، أنا باقي في ذهني أنه لف ودار على الحديث الصحيح، لكن طاح وذهب من ذهني تفصيل ذلك، فلعلك تذكر؟
مداخلة: تريد قولهم يا شيخ حول الحديث يعني؟
الشيخ: لا، أريد ماذا قال المؤلف التويجري.
مداخلة: هو الشيخ يعني، يعني: لماذا يقول بأن الضمير يعود إلى الله؟
الشيخ: لا. ما موقفه من حديث البخاري: خلق الله آدم على صورته طوله.
مداخلة: ما تعرض لهذا يا شيخ.
الشيخ: لا، تعرض كيف لا.
مداخلة: يعني هو يقول.
الشيخ: على كل حال نحن الآن بحثنا في هذا من باب التعاون على الخير والبر والعلم الصحيح، نفترض أنه لم يتعرض كما تقول، أو تعرض كما أقول، فما
[ ٧ / ٨١٠ ]
يهمنا أصبتُ أم أخطأتُ، أصبتَ أم أخطأتَ، ما يهمنا هذا، يهمنا أنه ما موقف المسلم تجاه هذا الحديث الموجود في صحيح البخاري: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا. ما موقفه؟ ما موقف الشيخ من هذا الحديث؟
مداخلة: موقف الشيخ يقول: أننا نأخذ بالضمير الأول نعيده على الله، والضمير الثاني نعيده على آدم، لأن الثاني لا يمكن أن يعاد على الله.
الشيخ: هذا الذي كنا نتكلم، كيف يصير هذا في اللغة العربية.
مداخلة: عنده يصير يا شيخ.
الشيخ: هات نشوف فيه مثال في اللغة العربية كهذا حتى نعرف.
مداخلة: ذكر شيخنا أحد الإخوة تناقشت معه في المسألة، أو بالأحرى تناقش معه الشيخ نسيب الرفاعي بوجودي، وصار يعني مباحثات عامة فذكر قوله تعالى تدليلًا على هذه: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفتح:٩) فقال: تعزروه وتوقروه عائدة على النبي ﵇، وتسبحوه عائدة على الله ﷾، وهما في سياق واحد.
الشيخ: واحد، أي نعم، لكن هنا يتخلف الأمر تمامًا في التسوية، لفظة التسبيح في ذاتها لا يمكن أن يفسح مجال إرجاع الضمير إلى المضمر الأقرب ذكرًا.
مداخلة: يعني قاطع، من المستحيلات كما يقول علماء الكلام.
الشيخ: بلا شك يعني، على كل حال أنا يهمني في الموضوع شيء في الواقع مهم، أن أهل الأهواء ما موقفهم بالنسبة للنصوص وبخاصة إذا كانت حديثية وقد
[ ٧ / ٨١١ ]
يجدون متنفسًا في التخلص منها، أنه حديث يفيد الظن؛ لأنه حديث آحاد .. إلخ، فسبيلهم معروف: إما التأويل للنص أو إنكاره، إذا استطاعوا إنكاره ما قصروا، في القرآن لا يمكن هذا، لأنه إذا أنكر شيء من القرآن انكشف أمره وخرج من الملة، أما بالنسبة للحديث فبإمكانهم أن ينكروه وقد فعلوا ذلك كثيرًا، والمثال في العصر الحاضر موجود عندك فيما فعله الغزالي هذا المعاصر، فأهل السنة أحيانًا يبدر من أحدهم ما ينكره على أهل الأهواء، وهو اللف والدوران على النص، فنحن أمام هذا الحديث: «خلق الله آدم على صورته طوله».ما موقفنا تجاه هذا الحديث؟
إما أن نسلم بدلالته الواضحة أن الضميرين يرجعان إلى أقرب مذكور، وإما أن نعطل الحديث ونقول: هذه رواية شاذة أو ما شابه ذلك.
[ثم حدثت مداخلات خارج الموضوع، إلى أن قال الشيخ علي حسن]
هو يبدو ليس من كلامه، وإنما هو من كلام شيخ الإسلام الذي نقله من بيان تلبيس الجهمية في أكثر من نصف الكتاب، يعني: أكثر من نصف الكتاب هذا مأخوذ من كلام شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية النسخة المخطوطة، فهو نشره، الكلام لشيخ الإسلام ﵀.
الشيخ: على كل حال.
مداخلة: يقول: فإن قيل: قوله - ﵌ -: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة، فسلم عليهم واستمع ما يحيونك .. إلخ الحديث، يقول: وهذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره أن الله طوله ستون ذراعًا، والله تعالى كما قال ابن خزيمة جل أن يوصف بالذرعان والأشبار، ومعلوم أن هذا التقدير في حق الله باطل على قول من
[ ٧ / ٨١٢ ]
يثبت له حدًا ومقدارًا من أهل الإثبات، وعلى قول نفاة ذلك، أما النفاة فظاهر، وأما المثبتة فعندهم قدر الله أعظم، وحده لا يعلمه إلا هو، وكرسيه قد وسع السماوات والأرض، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والعرش لا يقدر قدره إلا تعالى، وقد قال تعالى.
الشيخ: عفوًا، كأني سمعتك تقول: كحَلَقة، هو بالسكون أم بالفتح، أنا أظن أنه حلْقة.
مداخلة: صحيح شيخنا الكلام، لكن يبدو أن فيه بالفتح وبالتحريك، لكن لكل واحدة معنى، فأيهما
الشيخ: هو هنا بالجزم [ساكن].
مداخلة: أي نعم، جزاك الله خيرًا يا شيخ.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: يقول: وأما المثبتة فعندهم قدر الله أعظم، وحده لا يعلمه إلا هو، وكرسيه قد وسع السماوات والأرض، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر:٦٧)، وقد تواترت النصوص عن النبي - ﵌ - من حديث أبي هريرة وابن مسعود وابن عمر وابن عباس أن الله يقبض السماوات والأرض بيديه، قال ابن عباس: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما بينهما وما فيهما بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم، وإذا كان الأمر كذلك كان أكبر وأعظم من أن يقدر بهذا القدر، وهذا من المعلوم بالضرورة من العقل والدين.
[ ٧ / ٨١٣ ]
قيل: ليس ظاهر الحديث أن الله طوله ستون ذراعًا، ومن زعم أن هذا ظاهره أو حمله عليه فهو مفتر كذاب ملحد، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم، ومعلوم أيضًا عدم ظهوره من الحديث، فإن الضمير في قوله: «طوله» عائد إلى آدم الذي قيل فيه: «خلق آدم على صورته»، ثم قال: «طول آدم ستون ذراعًا»، فلما خلقه قال له: «اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة»، فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم، وهذا منها أيضًا، فلفظ الطول وقدره ليس داخلًا في مسمى الصورة حتى يقال إذا قيل: خلق الله آدم على صورته، وجب أن يكون على قدره وطوله، بل من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر السماوات والقمر في ماء أو مرآة في غاية الصغر، ويقال: هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السماوات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر، وكذلك المصور الذي يصور صورة السماوات والكواكب والشمس والقمر والجبال والبحار بصورة ذلك مع أن الذي يصوره وإن شابه ذلك فإنه أبعد شيء عن حقيقته وعن قدره، والإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه.
فلما قال في آخر الحديث: «فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعًا»، هذا يقتضي مشابهة الجنس في القدر لأن صورة المضاف من جنس صورة المضاف إليه، وحقيقتهما واحدة، وأما قوله: خلق آدم على صورته فإنها تقتضي نوعًا من المشابهة فقط، لا تقتضي تماثلًا لا في حقيقة ولا قدر، وأما الذين ظنوا أن الضمير في قوله: طوله ستون ذراعًا لما كان عائدًا إلى آدم لم تكن له صورة قبل ذلك يخلق عليها، وذكرنا الوجوه المتعددة الدالة على فساد ذلك، ولهذا كان بعض المحدثين الذين يريدون ألا يحدثوا بعض الناس بهذا المعنى يقولون: خلق
[ ٧ / ٨١٤ ]
آدم طوله ستون ذراعًا، فإن كان هذا في بيان مقدار صورة آدم التي خلقه الله عليها لا يقال في مثل ذلك: خلق آدم على صورة آدم، بل قد يقال: خلق على هذه الصورة وعلى هذه الصفة، فإن هذا في اللفظ ليس فيه إضافة تقتضي تقدم الصورة التي خلق عليها، بل فيه تخصيص وبيان للصورة التي كان عليها بعد الخلق، مع أن هذا لا يصلح أن يقال في هذا اللفظ؛ لأن قول القائل: خلق آدم على صورة آدم أو على الصورة التي كانت لآدم إذا أراد به التقدير، وهو كونها ستين ذراعًا، فإنه يقتضي كون المخاطبين يعرفون ذلك بأقل من هذا الخطاب، فإن الخطاب المعرف باللام أو الإضافة يقتضي تقدم معرفة المخاطبين بذلك المعرف، ومعلوم أن المخاطبين لم يكونوا يعلمون طول آدم، وهذا لا يصلح أن يقال في القدر، وما ذكر في صورة آدم من كونه أو كونه خلق ابتداء ونحو ذلك، إذ هذا معلوم بخلاف القدر، فعلم أن الحديث أخبر فيه بجملتين أنه خلق آدم على صورته، وأن طوله ستون ذراعًا، ليس هذا التقدير هو تقدير الصورة التي خلق عليها حتى يقال: هي صورة آدم.
رحم الله شيخ الإسلام.
الشيخ: أنا باقي في ذهني أن الشيخ التويجري متعرض لهذا، وأنه أعاد الضمير الأول إلى الله والضمير الثاني إلى آدم، هذا الذي ذكره الشيخ ما أعتقد أن أحد يستطيع أن يأتي بأكثر منه، لكن مع ذلك في هذا المعنى الغير متبادر حينما يسمع الإنسان: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا.
مداخلة: يقولون: إن القرآن دل على عدم عود هذا على الله، وكل إنسان ..
الشيخ: المسألة هذه ما فيها خلاف، ما تحتاج إلى تفصيل بارك الله فيك، الشيخ هنا أبدع في هذا النفي يعني، وكما قلنا آنفًا بإيجاز أنه ما أحد يقول أن طول
[ ٧ / ٨١٥ ]
رب العالمين ستون ذراعًا، لكن الضمير راجع إلى آدم، فإذا كان أمكننا أن نعيد الضميرين، هذا كان نحن بحثنا؟ الحقيقة كان بحثنا أنه ما نتحمس في الرد على المخالفين ولا تؤآخذني إذا صارحتك كما فعل عبد الله، ولو أنه حكى عن غيره قال: يقولون أن هذا جهمي، الذين يقول أن الضمير على صورته يعود إلى آدم هذا قول الجهمية.
مداخلة: لكن لا يقولون الألباني جهمي يا شيخ.
الشيخ: أنا مايهمني شخصي بارك الله فيك، أنا ما أنا إلا رجل من هؤلاء المسلمين، وإذا كان الألباني المتشبع بعقيدة الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح يقول بهذا القول وتقول أنت ما يقولوا عنه شخصيًا، لكن يا ترى هل هو حول العقيدة الصحيحة يقدم رجل ويؤخر أخرى ماذا يقولون عنه إذا قال هذا القول؟ أنه جهمي؟! بالطبع يقولون عنه أنه جهمي، فهذا التحمس مع مجال وإمكانية إعادة الضمير بدون أي تعديل إلى آدم مع التمسك بالرواية الأخرى دون اضطراب الضمير الأول راجع إلى الله والضمير الثاني راجع إلى آدم، ما دام فيه مجال هنا إلى هذا المعنى دون أن يتعرض هذا المتمسك بهذا المجال، أو الدائر في هذا المجال دون أن يتعرض لنفي صفة من صفات الله ﵎، لماذا هذه الحرارة، ولماذا هذا التشدد أن يقال: أن هذا تفسير أو تأويل من قال به فهو جهمي؟
مداخلة: يقولون: لأن السلف الصالح ﵏ وهم الذي أتوا لنا بهذا الحديث فسَّروه بهذا التفسير، فنحن إذا قلنا أن الضمير يعود على آدم خالفناهم، ويقولون: منهم ابن تيمية ﵀ ومنهم الذهبي ومنهم إسحاق، وقبله أحمد بن حنبل ﵀، كلهم يجمعون ويذكرون أنهم من طبقات الحنابلة، ويذكرون
[ ٧ / ٨١٦ ]
ويذكرون من السلف، ويقولون: مَن مِن السلف قال إن الضمير يعود إلى آدم غير ابن خزيمة؟
الشيخ: ما معليش، هنا يأتي سؤال: هل هذا أمر متفق بين السلف؟
مداخلة: هم يقولون أن السلف أنكروا.
الشيخ: لا، لا لأنه أنا فاهم أنك أنت نصبت نفسك للحكاية عنهم، فلا تزداد في التحفظ، هم يقولون هم يقولون هم يقولون، لا تخش، أنا سأعرف أن أول حديثك وآخره حكاية عن غيرك.
مداخلة: لكن أنا عندي شيء يا شيخ، أن الذي يسألني أفهم منه أمرين اثنين: الأمر الأول: أنه يريد مثلًا من الذي اعتقد هذا، وإن أراد ما يعتقده غيره فيطلب مني التصريح بهذا.
الشيخ: حسن، هذا احتمال، أليس كذلك؟ كما تقول أنت، فنحن نريحك منه، ونضعك وجهًا لوجه أنك حاكي وليس (متبنيًّا).
مداخلة: ناقل يعني.
الشيخ: ماشي، حاكي أنا أقول باللغة العربية، ما معناه؟ حكى فلان عن فلان، قد يحكي صدقًا، قد يحكي كذبًا، قد قد .. إلخ، فأنت من أجل يكون كلامنا ما يدخل في جمل متكررة أنا فاهم أنك تحكي ولا تتبنى، ماشي؟
مداخلة: القرون الثلاثة.
الشيخ: ماشي؟
مداخلة: ماشي.
[ ٧ / ٨١٧ ]
الشيخ: لا تعد علي كلامك، لكن أعد علي ما سألتك: هل هذا أمر متفق عليه؟
مداخلة: متفق عليه في القرون الثلاثة.
الشيخ: ما أظنك، الآن أنت نقول لك: دع الحكاية وقل ما تعتقد، ما أعتقد أن قولك صواب في القرون الثلاثة.
مداخلة: لا، القرون الثلاثة لم يتفقوا على هذا.
الشيخ: .. أنا فهمت خلاف ذلك.
مداخلة أخرى: ذلك قوله يا شيخ.
المداخل الأول: تريدني الآن حاكيًا أم تريدني معتقدًا؟
الشيخ: لا، أنا أسأل إذا كنت حاكيًا أسألك الآن بالنسبة للحكي، هل هم يقولون أن هذا أمر متفق عليه؟
مداخلة: نعم، وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رده
على الرازي.
الشيخ: لكن هذا خطأ، خطأ إما منك وإما من ابن تيمية.
مداخلة: لا، ابن تيمية يقول ..
الشيخ: لا، اصبر قليل، اصبر وما صبرك إلا بالله، أنا أذكر ولا أعتد بما أذكر، يعني: شيخ كبير، أنا أذكر ابن تيمية حكى قول ابن خزيمة، ألا تذكر معي وأنت شاب بالطبع.
مداخل آخر: وزيادة.
[ ٧ / ٨١٨ ]
الشيخ: وزيادة، إذًا: أسمعه.
مداخلة: يقول شيخ الإسلام ونقله منه أو عنه: وأما قول من قال الضمير عائد إلى آدم كما ذكر الإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور فهو إلخ، المهم يعني أنه قول أبي ثور وقول محدثي البصرة من أهل الحديث، فضلًا عن قول ابن خزيمة الذي ناقشه فيما بعد.
الشيخ: إذًا: عرفنا فاسترحنا.
المداخل الأول: عفوًا يا شيخ أنا
الشيخ: الآن تحكي عن نفسك أم لا تزال تحكي عن غيرك؟
مداخلة: أحكي عن نفسي وعن غيري يا شيخ.
الشيخ: لا، يكفينا أنت.
مداخلة: يا شيخ! شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا عن محدثي البصرة، وأنا ذكرت هذا للشيخ علي قبل أن نأتي، وذكر ذلك عن أبي ثور ﵀، وكذلك أنا وجدت هذا الكلام.
الشيخ: ما عليك، ما يفيدنا هذا الكلام.
مداخلة: لحظة يا شيخ، لكنه ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الكتاب، وقال: أن هذا هو قول القرون الثلاثة.
الشيخ: بس خطأ.
مداخلة: يعني يقول: وأجمعت القرون الثلاثة
[ ٧ / ٨١٩ ]
الشيخ: معليش هذا خطأ، هذا تناقض.
مداخلة: ما أفعل أنا ما ذنبي يا شيخ؟
الشيخ: وأنا أذنبك؟ ما أذنبك ولا أؤثمك، لكن أبين لك أن الذين يقولون بهذا الإطلاق والعموم والشمول، ومالك معي طبعًا أنت الآن.
مداخلة: لا، معك يا شيخ.
الشيخ: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
مداخلة: طيب، الذين يقولون بهذا العموم وهذا الشمول.
الشيخ: متناقضون، متناقضون في أنفسهم، لأنه في جانب يقول هذا القول، في جانب آخر يقول ما ينقضه ما أقول خلافه.
مداخلة: إلا إذا كان له اصطلاح في هذا،
الشيخ: ما فيه اصطلاح، أما إذا تسلك في الدفاع عن ابن تيمية وغيره طريق علماء الكلام فأنا أمدك بمددي، أقول لك: حط مضاف محذوف تستقيم عبارة شيخ الإسلام، ما عبارته بالضبط.
مداخل: التي قرأت أنا يا شيخ.
الشيخ: لا لا، قضية أنه على هذا القرون الثلاثة، ضع (مضافًا محذوفًا)، أكثر القرون الثلاثة، هكذا خلصتها لك [كلمة] شيخ الإسلام.
مداخل: ذكر في معرض السياق عبارتين، فيريد أيهما يذكر، العبارة الأولى هذا قول القرون الثلاثة، فهي على هذا المعنى تصح بهذا الإضافة.
[ ٧ / ٨٢٠ ]
الشيخ: لا، اسمح لي أستدرك يمكن على نفسي أو على الأصح على لفظي، أنا إذا قلت من أجل إخراج ابن تيمية من التناقض المكشوف أكثر بتقدير مضاف محذوف فهذا أقوله من أجل تخفيف الخطأ، ولكن ليس صحيحًا أيضًا، يعني: إذا قلت أنا الآن إذا قلت: أكثر القرون الثلاثة على هذا المعنى أن الضمير راجع إلى الله أكون أيضًا مخطئًا، لكن أشد إغراقًا في الخطأ أن أقول: على هذا أهل القرون الثلاثة، حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
مداخل: طيب ليش يا شيخنا الخطأ من باب الفائدة.
الشيخ: من أين جاء الاستقصاء، هذا يقع فيه العلماء كثيرًا، وهذا من التسامح في التعبير، أكثر العلماء كذا، من الذي أحصى أقوال العلماء في كل قرن، يعني: هذا أقرب ما يكون - ادعاء الإجماع - إلى الذي قال الإمام أحمد تلك الكلمة الرائعة جدًا: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه لعلهم اختلفوا.
شيخ الإسلام وقف على محدثي أهل البصرة وعلى أبي ثور .. إلخ، يجوز أن يكون هناك كما يقال: في الزوايا خبايا، هؤلاء يكون لهم أمثلة أخرى من العلماء، فلذلك يكون حتى بهذا الترقيع في حد تعبيري للعبارة أكثر يكون كمان فيه تساهل، لأنه صعب أن يقال، يعني: هذه المسألة تريد حصر العلماء، هؤلاء قالوا كذا، هؤلاء قالوا كذا، عَدَّوْا هؤلاء، والله هؤلاء أكثر من هؤلاء، هذه عملية لا يمكن، إنما فيه تسامح في التعبير.
مداخلة: يا شيخ حجتهم في هذا أنهم يقولون أن السلف الصالح فهم هذا، هذه المسألة من أولها إلى آخرها، يقولون: أن السلف الصالح تقبلوا هذه الأحاديث وأمروها كما جاءت، ولم يتعرضوا إلى تأويلها، وقالوا: إن الضمير يعود
[ ٧ / ٨٢١ ]
على الله، إذًا: نقول نحن كما قالوا: إن الضمير يعود إلى الله، ويسعنا ما وسعهم، ولنسكت عما سكتوا عنه، ولا نتدخل فيما لا يعنينا.
الشيخ: عادت حليمة إلى عادتها القديمة.
مداخلة: هذه المسألة من أولها.
الشيخ: معليش، أنت تقول: لا نؤول، يعود السؤال السابق: ما مقصود لا يؤول، لا يفهم.
مداخلة: يفهم أن الضمير يعود إلى الله ﷾.
الشيخ: من الذي قال هذا، السلف؟
مداخلة: السلف.
الشيخ: أنت الآن تقول: السلف.
مداخلة: هم يا شيخ.
مداخل آخر: قول عنهم وخلاص ..
الشيخ: ما عليك، ما الفائدة بإعادة كلامك السابق.
مداخلة: الفائدة من هذا أنك أنت الآن [تقول] إذا أردنا نرد عليهم نقول: إن هذا الأمر ليس صحيحًا أن السلف يقولون ..
الشيخ: انتهينا من هذا فلماذا تعود إلى حكاية كلامهم لتحشرني مرة أخرى فأعود أقول: هذا ليس صحيحًا. فما الفائدة.
مداخلة: أنا قلت هذا هناك رد آخر غير هذا يعني.
[ ٧ / ٨٢٢ ]
الشيخ: حسبك، يعني: الذي أريد أن أقوله في الحقيقة من وراء هذا البحث هو الكلمة الأولى لما سألتك: هل هو متفق بينهم؟ كان ينبغي أن يكون الجواب: لا، ما دام ما هو متفق فإذًا أنا في سعة من الأمر، لا أكون غير سلفي أو أكون خلفي إذا تبنيت رأي أبي ثور مثلًا ومحدثي البصرة، ما دام المسألة فيها رأيان، فإذا أنا أخذت بأحد الرأيين ويساعد عليه اللغة العربية أولًا، والمنهج السلفي ثانيًا، أي: أنا لا أعطل صفة من صفات الله، أنا أقول مثلًا: لله صورة أخذًا من حديث المحشر، فأنا إذا أرجعت الضمير إلى آدم ما أنكرت الصورة بصورة عامة مطلقة، فإذًا: ما هو المحذور الذي يترتب على واحد مثلك فيحاجج بقول المؤلف نقلًا عن ابن تيمية، نقلًا عن الإمام أحمد أنه من أرجع الضمير إلى آدم فهو جهمي، لماذا هذه الحرارة، ما دام المسألة فيها خلاف؟
مداخلة: أنك لم تعتقد أن هناك وجه شبه بين صورة آدم وصورة الرحمن.
الشيخ: كيف لا، أنا أقول لك عربية وحديثية بالنسبة للبخاري، وكيف أنك تقول لأنك تعتقد.
مداخلة: لا، لأنك لم تعتقد أن هنالك شبه بين صورة الرحمن وصورة آدم.
الشيخ: أين تكلمت تقول.
مداخلة: المشكلة الآن يقولون: أن هناك شبه بين صورة الرحمن وصورة آدم.
الشيخ: من هم؟
مداخلة: القائلين بأن الضمير يعود على الله، ويجب على السلفي وعلى المؤمن أن يعتقد هذا، هذا الذي أفهم من هذا، أن هناك وجه شبه، لكن هذا الشبه لا يقتضي التشابه من جميع الوجوه.
[ ٧ / ٨٢٣ ]
الشيخ: هذا كلام ابن تيمية.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنا ما هذا أقصد، أقول: ما هو المحذور الذي يترتب على واحد مثلي يعيد الضمير إلى آدم؟
مداخلة: هو هذا الذي ذكرته لك.
الشيخ: ما هو المحذور.
مداخلة: أنك لم تعتقد أن هناك وجه شبه بين صورة الرحمن وصورة آدم.
الشيخ: كيف؟ ما فهمت؟
مداخل آخر: يا شيخ كأنه يثبت من الحديث الذي هو أن الله خلق آدم على صورته، أن هنالك وجه من الشبه بين آدم بين صورة آدم وصورة الله ﷾، فإذا أنت فسرت هذا الحديث عائدًا إلى آدم تنفي هذا الشبه، أما إثبات الصورة فهذه مسألة ثانية، فالآن يكون عندنا مسألتين شيخنا كما يقولون، مسألة إثبات الصورة اتفقنا نحن وإياكم فيها، مسألة نوع المشابهة المتفق بين صورة آدم وصورة الله هذه نفيتها، فوقع المحذور.
الشيخ: هذه خطيرة يا عبد الله.
مداخلة: هذه المشكلة يا شيخ.
الشيخ: هذه خطيرة.
مداخلة: أقول لهم: يا قوم اتقوا الله تعالى، وهم يقولون: لا، هذا معتقد السلف، ومن لم يعتقد بهذا فهو إما جهمي وإما سلفي لكنه أخطأ في هذا كما
[ ٧ / ٨٢٤ ]
أخطأ ابن خزيمة.
الشيخ: يعني: من تمام العقيدة إذا قلنا.
مداخلة: ذَكَّرنا شيخنا معليش قبل ما تبدأ، أخونا سليم بعبارتهم بشكل أدق، فعلى ضوئها يكون ردك شيخنا أوضح إن شاء الله.
سليم الهلالي: يقولون: أن الصورة هنا ليست معنى صفة، فآدم على صفة الرحمن، إن لآدم وجه وللرحمن وجه، فلآدم وجه يليق بفقره، والله ﷾ له وجه يليق بجلاله وكماله، فهم لا يقولون أنه في تشابه بين صورة الله أو صورة الرحمن بأن آدم يشبه الرحمن، لا، يقولون بأن الصورة هنا بمعنى صفة، فالأخ ما ذكره عنهم يوحي بأمر خطير.
الشيخ: أنا أقول له هذا أمر خطير.
مداخلة: الشيخ التويجري حفظه الله ورعاه وهدانا الله وإياه، قلت له: يا شيخ! هل تجيز لي أن أفسر هذا الحديث بهذا التفسير الذي ذكره الشيخ سليم، ، قال: لا، ما لنا أن نفسره، نمره كما جاء، قلت: يا شيخ! يقتضي التشبيه، قال: لا، هذا ما هو قولنا، ومن قال بأن ظاهر هذا الحديث يقتضي التشبيه فهو مخطئ، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه في ..
الشيخ: تناقض كلامك الآن.
مداخلة: يقول يا شيخ: أن هناك وجه مشابهة يعني بين آدم ..
الشيخ: يا أخي الآن نقلت عن التويجري والحمد لله نفي المشابهة.
مداخلة: لا، يا شيخ هم أكثر من واحد انقسموا إلى أقسام في هذا الحديث،
[ ٧ / ٨٢٥ ]
منهم من يقول: أنا نمر هذا الحديث كما جاء ولا نفسره ولا نتأوله، أنا ذكرت له هذا التأويل، قال: ما نأتي به، قلت لهم: ..
الشيخ: يعني هم مفوضة الآن، هذا القسم الذي أنت تتحدث عنه الآن، ونسميه رقم واحد، يعني: يُدعى المفوضة.
مداخلة: لا، هم ما يعترفون أنهم مفوضة.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله.
مداخلة: طيب يا شيخ هذا القسم الأول، القسم الثاني اجتهدوا في تأويل الحديث، وقالوا: أننا نقول إذا أعدنا الضمير على الله ﷾ أن لله صورة تليق بجلاله وعظمته وأن لآدم صورة، وهنالك وجه الشبه في المعنى، ولكن لا يقتضي هذا - التشابه في المعنى - يقتضي التشابه في جميع الأشياء يعني، وإنما هو وجه من حيث اللفظ فقط، وكما أن لله صورة فإن لآدم صورة، كما أن لله عينًا جل وعلا فإن لآدم عينًا، وهكذا من هذا الوجه يقولون.
قسم منهم قالوا: نقول لا، نقول إن «على صورة الله» إضافة تشبيه، وأن هذا لا يقتضي المماثلة كما أن الرسول - ﵌ - قال: أن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة البدر، فهل يعني من هذا أن على صورة البدر أن صورهم كصورة القمر؟ قال: لا، هذا ليس مراد الرسول - ﵌ -، وإنما إضافة على صورته فيه وجه من جانب الحسن والبهاء والجمال، وأن فيه أكرم الخلق أن الله خلق آدم في أحسن تقويم، والله ﷾ له أيضًا الكمال في صفاته، وقال قسم منهم قال: إن هذا إضافة تشبيه، كأن تقول: كعبة الله أو بيت الله
الشيخ: ناقة الله.
[ ٧ / ٨٢٦ ]
مداخلة: نعم، هذا عندنا تقريبًا أربعة أقسام منهم، إذا أضافوه إلى الله ينقسمون إلى أربعة أقسام، قسم يقولون ما لنا نفسره، ومنهم الشيخ التويجري.
الشيخ: هؤلاء مفوضة؟
مداخلة: يقولون: ما لنا أن نفسره.
الشيخ: مفوضة.
مداخلة: مفوضة.
الشيخ: باختصار، لا .. عليك، أنا أريد أن أفهم منك ماذا تقول.
مداخلة: مفوضة.
الشيخ: ليس مسايرة تقول لي.
مداخلة: لا ليس مسايرة.
الشيخ: أريد أن أفهم عليك بلفظة معبرة عن ثلاث أربع كلمات، هل تفهم عنهم أنهم مفوضة؟
مداخلة: نعم يا شيخ أفهم هذا.
الشيخ: ولا تفهم غير هذا؟
مداخلة: لا أفهم هذا.
الشيخ: هذا هو، هذا القسم الأول مفوضة، ومن هؤلاء من هو؟
مداخلة: الشيخ التويجري.
الشيخ: التويجري؟
[ ٧ / ٨٢٧ ]
مداخلة: قال مالنا أن نفسره، نمره كما ..
الشيخ: أعوذ بالله، عنوان الكتاب يكفيك، هو مفوض.
مداخلة: لا، في هذه المسألة يا شيخ مفوض المعنى، نمر الحديث كما جاء.
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك، لا تزد علينا الكلام، نمر الحديث كما جاء عن علماء السلف له معنى غير التفويض.
مداخلة: نعم، لكن في هذا يا شيخ يلزمه التفويض.
الشيخ: فإذًا: خلينا على كلمة مفوض، خلينا أن التويجري فيما تحكي أنت عنه أنه مفوض، لا تقل: هو يقول نمر الحديث كما جاء، لأنه نحن باعتبارنا سلفيين نفهم كلمة نمر الحديث كما جاء، أي: لا نعطله، وإنما بالمعنى العربي الذي يتبادر إلى ذهن كل عربي نمره، ولا نقعد ندندن حوله ونقع في التشبيه، أو نتأول فنقع في التعطيل، هذا نمره، فأنت لا تنقل عن التويجري لفظين متناقضين، اللفظ الأول كتلخيص لما أنت فهمت منه، أنه مفوض في هذا الحديث، ثم تقول عنه نمره كما جاء، نمره كما جاء لما يذكره ابن تيمية يشرح لنا جزاه الله خيرًا أنه ليس مقصود بدون فهم، وبينما التفويض معناه بدون فهم، أنت معنا في تفسير كلمة التفويض؟
مداخلة: أنا أفهم هذا يا شيخ إن شاء الله، أنا معك.
الشيخ: سبحان الله أنا عارف معنا، هل أنت معنا بأنه كلمة التفويض لا يرادفها نمرها؟
مداخلة: نعم معك في هذا.
الشيخ: طيب، فأنت الآن متناقض.
[ ٧ / ٨٢٨ ]
مداخلة: لست أنا يا شيخ، وإنما الشيخ هو المتناقض، هو يذكر هذا ويذكر هذا، وأنا [أذكر] ما قال يا شيخ.
الشيخ: لكن الكتاب ماذا يشهد كتابه أنه مفوض؟ أنت قرأت الكتاب، هل كتابه يدل أنه مفوض
مداخلة: فيما أعتقد أنا؟
الشيخ: نعم، أنت أنت ما غيرك.
مداخلة: نعم أعتقد هذا أنه مفوض في هذه المسألة.
الشيخ: فإذًا لماذا تقول هو يقول هكذا، إذًا: كتابه يقول بأنه هو مفوض، ولا يقول إنه يمر هذا الحديث كما جاء.
مداخلة: وإن هو زعم هذا.
الشيخ: وإن زعم بأنه يمر الحديث كما جاء.
مداخلة: فإن هذا لا يساعده.
الشيخ: فالذي في الكتاب هذا الذي نقوله.
مداخلة: لا يساعده على هذا.
الشيخ: طيب، دعنا الآن من المفوضة، حسن؟
مداخلة: طيب.
الشيخ: نأتي إلى القسم الثاني ما هو القسم الثاني؟
مداخلة: يقولون: إن قولنا أن الضمير يعود على الله ﷾، وأن صورة آدم كصورة الله ﷾ لا يلزم منه التشبيه، وإنما أن لله صورة تليق بجلاله كما أن لآدم صورة تليق بجلاله، وإنما صورة آدم كصورة الله من حيث
[ ٧ / ٨٢٩ ]
المعنى فقط في جزئية من جزئيات المعنى، كما أن لله وجه يليق بجلاله، فإن لآدم وجه يليق بفقره وعجزه، هذا قولهم.
الشيخ: هذا القسم الثاني، نحن نقول به.
مداخلة: لكن أنت تقول الضمير يعود إلى آدم.
الشيخ: معليش، نقول بالمعنى بصورة عامة، كما قلت أنت كما له وجه له بصر وله سمع وله كل الصفات، هذا الذي قلت لك ونحن نقول بهذا، أي: نقول أن ما فيه تشبيه، بغض النظر الضمير رجع لآدم أو يرجع لرب العالمين.
مداخلة: لكن يا شيخ أقول: أن لفظ الحديث ظاهر الحديث لا يساعدهم على هذا؛ لأن ظاهره التشبيه إذا أعدناه إلى الله ﷾، ظاهره التشبيه إذا أعدناه إلى الله، ولكن إذا أعدناه إلى آدم لا يكون هناك تشبيه، يعني: هذا تأويل منهم وليس من فعل السلف، يعني: السلف الصالح ﵏ ..
الشيخ: طيب، خلينا نحفظ هذا القسم الثاني، نرى القسم الثالث ما هو، هذا يمكن سنعود إليه فيما بعد. القسم الثالث.
مداخلة: القسم الثالث قالوا أنه يعود إلى الله ﷾، الضمير يعود إلى الله، ولكنه إضافة تشريف.
الشيخ: طيب، القسم الرابع.
مداخلة: القسم الرابع.
الشيخ: هو قال أربعة، أنا قصدي إذا قالوا يرجع الضمير إلى الله من باب التشريف كما ضربت أمثلة ناقة الله بيت الله .. إلخ، نحن نقول بذلك أيضًا، يعني: ليس لخصوص تفسير الحديث، وإنما كمبدأ عام ما فيه مانع من أن ينسب إلى الله
[ ٧ / ٨٣٠ ]
شيء من باب التشريف، ماشي.
مداخلة: ماشي.
الشيخ: إذًا: نحن نرجع إلى القول الثاني، أنا فهمت منك آنفًا أنه هؤلاء يريدون يفرضوا علينا أن الضمير يعود إلى الله لنؤمن أن هناك فيه جزء من التشبيه، هل هذا الفهم صحيح؟
مداخلة: هذا قال به بعضهم.
الشيخ: ما أجبتني.
مداخلة: لا يا شيخ، نحن عندنا أقسام، ليس واحد فقط.
الشيخ: الله يهديك يا شيخ عبد الله، الثلاثة الأقسام.
مداخلة: يمكن يطلع لنا الرابع هذا يا شيخ.
الشيخ: معليش لكن في حدود الثلاثة نحن في الوسط الآن، صح أم لا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فهذا القول الوسط بين الأول والثالث فهمت منك سابقًا أنهم لماذا يقولون: جهمي الذي يرد الضمير إلى آدم؟ لأنه ما يقول بنوع من التشبيه، لأنه الحديث إذا أرجعنا الضمير إلى الله يعطي نوعًا من التشبيه، فيجب الإيمان به، هكذا أنا فهمته.
مداخلة: أنا أعطيك القسم الرابع الذي هو هذا.
الشيخ: هاه؟
مداخلة: القسم الرابع الذي ذكرته لك.
[ ٧ / ٨٣١ ]
الشيخ: حسن، هذا الذي كان باقي أنا في ذهني فيه قسم رابع، وقد يكون هو الثاني ما يهمنا الترتيب يعني، والعلماء أحيانًا يقولون هذا لف ونشر غير مرتب، الآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) في آية خلق آدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) صح؟
هل يصح أن نقول فيه نوع تشبيه، أم هذا كما يقول شيخ الإسلام في كثير من هذه المواضع أن هذا لفظ مشترك، وكل موصوف يأخذ من هذا اللفظ المشترك المعنى الذي يليق به، فالإنسان قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) يؤخذ منه أنه له عينين وله حدقة وله أجفان وله كذا وكذا .. إلخ، لكن رب العالمين لما قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) له من هاتين الصفتين ما يتناسب
مع عظمته وجلاله وأزليته وو .. إلخ، فهنا لفظ مشترك، أي: لا نقول يقتضي التشبيه، واضح؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: فإذا أرجعنا الضمير في حديث آدم إلى الله ليس ضروريًا [أن] نقول فيه: يجب أن نؤمن أن هناك نوع تشبيه، لأنه إن قلنا هنا هذا يلزمنا أن نقول في كل الصفات التي يوجد اشتراك اسمي أو لفظي بين صفات الله ﷿ [ انقطاع ] النصوص بزعمه حتى ما يقع في التشبيه، فكيف يأتي سلفي يقول: ينبغي إعادة الضمير إلى الله حتى نؤمن أن فيه هناك نوع تشبيه، ومن لم يفعل ذلك يكون جهميًا؟ تبين لك المحذور الذي أنا أدندن الأمر في ذهني أم لا؟
مداخلة: نعم.
"الهدى والنور" (٢٩٥/ ٣٦: ٠٠: ٠٠) و(١٠: ٢٦: ٠٠) و(٢٩٦/ ٣٢: ٠٠: ٠٠)
[ ٧ / ٨٣٢ ]
(جماع أبواب عقيدة أهل السنة في صفة الكلام لله ﷿، والرد على المخالفين في ذلك، ورد القول بخلق القرآن، مع الكلام على حكم قولَة: لفظي بالقرآن مخلوق، وذكر الواقفة وغير ذلك)
[ ٧ / ٨٣٣ ]
[١١٤٢] باب كلام الله حقيقي يُسمع بحرف وصوت، وبيان بطلان قول الأشاعرة في ذلك
[قال الإمام]:
كان من فضل الله ﷿ أن سخَّرَ علماء الحديث ليرحلوا إلى مختلف البلاد ليجتمعوا بمن يعلمون أنه عنده ولو حديث واحد، ليسمعوهم مباشرة منه، حتى لقد كان في هؤلاء بعض أصحابه ﵊، أحدهم اسمه عقبة بن عامر بلغه أن جابرًا بن عبد الله الأنصاري المشهور عنده حديث وكان في مصر، فسافر من بلده أظنه يومئذ كان في المدينة إلى مصر، لماذا؟ ليسمع ذاك الحديث الذي قيل لهم أنه سمعه جابر من الرسول ﵊.
فخرج إليه جابر وتلقاه واحتضن أحدهما الآخر، قال: أنا ما أريد منك شيء إلا أنه بلغني أنك سمعت حديث عن الرسول ﵊ ونص الحديث فيما أذكر منه الآن «أن الله ﷿ ينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بَعُد» (١)، وهذا الحديث من الأحاديث التي يتمسك بها أهل السنة حقًا وأعني بهم أهل الحديث الذين لا يتعصبون لمذهب في العقيدة كالماتريدية أو الأشعرية أو المعتزلة أو الجبرية، كما أنهم لا يتعصبون لمذهب في الأحكام الشرعية مذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي فضلًا عن مذاهب أخرى تبتعد كل البعد عن المذاهب الأولى أهل الحديث لا يتعصبون إلا للحديث، ولذلك نسبوا إليه وانتموا إليه، كما قال قائلهم:
_________________
(١) "الصحيحة" (٧/ ٢/٧٥٦ - ٧٥٨).
[ ٧ / ٨٣٥ ]
أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
وهذا جواب هذا الجاهل الذي قال: أنت أدركت الرسول، ما أدركوا الرسول، لكن الذين يشتغلون بحديث الرسول ﵊ كأنما هم يعيشون معه.
أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
ولذلك أصبح معروفًا عند العلماء كافة لا نحاشي ولا نستثني فقهاء ومفسرين كلهم قالوا: مما دل عليه حديث الرسول ﵊ القائل: «نَضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب مبلغ أوعى له من سامع».
يقول العلماء كافة: ولذلك نرى النضرة في أهل الحديث لأنهم يشتغلون بكلام الرسول ﵊ ليلًا نهارًا فصدق فيهم قول ذلك
الشاعر العالم:
أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
هذا الحديث حديث جابر لعقبة بن عامر يتمسك [انقطاع] كما يقول الأشاعرة والماتريدية أن كلام الله ومنه القرآن الكريم هو كلام نفسي، يعنون بأنه ليس بالكلام اللفظي يعنون بأنه ليس بالكلام المسموع، هذا الحديث يبطل دعواهم ويؤكد قول الله ﷿ لموسى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (طه:١٣) ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه:١٤).
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (طه:١٣) معناها أن ربنا ﷿ حينما كلم موسى كما قال في القرآن الكريم، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤) كان موسى يسمع
[ ٧ / ٨٣٦ ]
كلام الله ﷿، أما تأويل الكلام الإلهي بأنه كلام نفسي فهو تعطيل للقرآن الكريم ولأحاديث الرسول ﵊ ومنها هذا الحديث الذي شد من أجله الرحلة أحد الصحابة إلى راويه الصحابي الذي سمعه من الرسول ﵊.
"الهدى والنور" (٢٠٣/ ٤٧: ٣٣: ٠٠).
[١١٤٣] باب إثبات الكلام لله تعالى وذكر بعض من نفاه
[وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية ابن أبي العز بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قررها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام]:
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمنًا حقًا بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد - مع الأسف- ما رميته به من المداراة.
[فذكر المسألة الأولى ثم قال]:
المسائلة الثانية: قال الإمام [أي: أبي العز] تبعًا لأبي جعفر الطحاوي (ص١٦٨) وأن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أن كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البشرية.
ثم شرح "الإمام" مذاهب الناس في مسألة الكلام الإلهي على تسعة مذاهب وبين أن مذهب السلف: أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء،
[ ٧ / ٨٣٧ ]
وإنه يتكلم بصوت.
وشيخ أبي غدة ينفي الصوت المسموع " مقالات الكوثري" (ص ٢٦)، ويقول في تعليقه على "كتاب البيهقي": "الأسماء والصفات" (ص ١٩٤): إن موسى ﵇ لما كلمه الله تعالى تكليمًا لم يسمعه صوته، وإنما أفهمه كلامه بصوت تولى خلقه من غير كسب لأحد !
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٦ - ٥٧)
[١١٤٤] باب من أدلة إثبات صفة الكلام
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظُرُ إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضلِ ماء بالفلاة؛ يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله: لأَخَذَها بكذا وكذا، فصدّقه، وهو على غير ذلك، ورجلٌ بايع إمامًا؛ لا يُبايعُهُ إلا لدنيا؛ فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها
لم يَفِ».
[قال الإمام]:
(تنبيه): نقل المعلق على "الإحسان " (!) - مقرًا- تأويل صفتي الكلام والنظرمن صفات الله تعالى بالرضا والإعراض، ونحو ذلك!!
وهذا من التأويل المذموم؛ المخالف لعقيدة السلف الصالح، والأصل إمرارها على ظاهرها على الوجه اللائق بعظمة الله وجلاله؛ كما في قوله سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير﴾. والموفق هو الله!!
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٦٣٦ - ١٦٣٨).
[ ٧ / ٨٣٨ ]
[١١٤٥] باب القرآن كلام الله
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية]:
"وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى: ﴿سأصليه سقر﴾ (المدثر: ٢٦) فلما أوعد الله بسقر لمن قال:
﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ (المدثر: ٣٢) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه
قول البشر:
نقل هذا الكلام عن المصنف ﵀ شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (١٢/ ٥٠٧) مستشهدا به وقال الشارح ابن أبي العز ﵀ (ص ١٧٩ الطبعة الرابعة):
وهذا الذي حكاه الطحاوي ﵀ هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرهما وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء الباطلة. وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال: ثم ساقها ومنها: الثالث: وهو أنه معنى واحد قائم بذات الله هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري وغيره.
قال: وسابعها: أن كلامه يتضمن معنىً قائمًا بذاته هو ما خلقه في غيره وهذا قول أبي منصور الماتريدي.
وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم
[ ٧ / ٨٣٩ ]
به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة.
وقوله: " كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا " رد على المعتزلة وغيرهم؛ فإن المعتزلة تزعم أن القرآن لم يبد منه كما تقدم حكاية قولهم.
وقال الشيخ محمد بن مانع رحمه الله تعالى (ص ٨):
القرآن العظيم كلام الله لفظه ومعانيه، فلا يقال اللفظ دون المعنى كما هو قول أهل الاعتزال، ولا المعنى دون اللفظ كما هو قول الكلابية الضلال ومن تابعهم على باطلهم من أهل الكلام الباطل المذموم، فأهل السنة والجماعة يقولون ويعتقدون: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ألفاظه ومعانيه عين كلام الله، سمعه جبريل من الله، والنبي سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي، فهو المكتوب بالمصاحف، المحفوظ بالصدور، المتلو بالألسنة.
قال الحافظ ابن القيم ﵀:
وكذلك القرآن عين كلامه الـ ـمسموع منه حقيقة ببيان
هو قول ربي كله لا بعضه لفظا ومعنى ما هما خلقان
تنزيل رب العالمين ووحيه اللفظ والمعنى بلا روغان
وقال الشارح ﵀ (ص ١٩٤ - ١٩٥):
وكلام الطحاوي ﵀ يرد قول من قال: إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه وأن المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله وإنما هو عبارة عنه. فإن الطحاوي ﵀ يقول: "كلام الله منه بدا ".وكذلك قال غيره من السلف ويقولون: منه بدا وإليه يعود. وإنما قالوا: منه بدا؛ لأن الجهمية من المعتزلة
[ ٧ / ٨٤٠ ]
وغيرهم كانوا يقولون إنه خلق الكلام في محل فبدا الكلام من ذلك المحل. فقال السلف: " منه بدا " أي هو المتكلم به فمنه بدا لا من بعض المخلوقات كما قال تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ (الزمر: ١) ﴿ولكن حق القول مني﴾ (السجدة: ١٣) ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ (النحل: ١٠٢). ومعنى قولهم: "وإليه يعود": يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف. كما جاء ذلك في عده آثار.
وقولهم " بلا كيفية ": أي: لا تعرف كيفية تكلمه به " قولًا " ليس بالمجاز " وأنزله على رسوله وحيًا " أي: أنزله إليه على لسان الملك فسمعه الملك جبرائيل من الله وسمعه الرسول محمد - ﵌ - من الملك وقرأه على الناس. قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلا﴾ (الإسراء: ١٠٦) وقال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ (الشعراء: ١٩٣) وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢٤ - ٢٨).
[١١٤٦] باب القرآن كلام الله والرد على من خالف ذلك
[قال الإمام]:
إن من أكبر الفتن التي أصابت بعض الفرق الإسلامية بسبب علم الكلام أنه انحرف بهم عن الإيمان بأن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين حقيقةً لا مجازًا، أما المعتزلة الذين يقولون بأنه مخلوق فأمرهم في ذلك واضح مفضوح، لكن هناك طائفة تنتمي إلى السنة وترد على المعتزلة هذا القول وغيره مما انحرف فيه عن الإسلام ألا وهم الأشاعرة والماتريدية، فإنهم في الحقيقة موافقون للمعتزلة في قولهم بخلق القرآن وأنه ليس من قول رب العالمين، إلا أنهم لا يفصحون
[ ٧ / ٨٤١ ]
بذلك ويتسترون وراء تفسيرهم للكلام الإلهي بأنه نفسي قديم غير مسموع من أحد من الملائكة والمرسلين، وأنه تعالى لا يتكلم إذا شاء، وأنه متكلم منذ الأزل، وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بحثًا هامًّا في إبطال تفسيرهم هذا فقال بعد أن أثبت قدم الكلام:
والكلام صفة كمال فان من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر، أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر والذي يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وأكمل ممن يتكلم بغير مشيئته وقدرته إن كان ذلك معقولًا، ويمكن تقريرها على أصول السلف بأن يقال: إما أن يكون قادرًا على الكلام أو غير قادر؛ فإن لم يكن قادرًا فهو الأخرس، وإن كان قادرًا ولم يتكلم
فهو الساكت.
وأما الكُلَّابية (متبوع الأشاعرة في هذه المسألة) فالكلام عندهم ليس بمقدور فلا يمكنهم أن يحتجوا بهذه، فيقال: هذه قد دلت على قدم الكلام لكن مدلولها قدم كلام معين بغير قدرته ومشيئته؟ أم مدلولها أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته؟
والأول: قول الكلابية
والثاني: قول السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة، فيقال: مدلولها الثاني لا الأول؛ لأن إثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
فيقال للمحتج بها: لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلامًا يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئًا لا يعقل وأيضًا فقولك:
[ ٧ / ٨٤٢ ]
"لو لم يتصف بالكلام لاتصف بالخرس والسكوت " إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات؛ فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلمًا، فإما أن يكون قادرًا على الكلام ولم يتكلم وهو الساكت، وإما أن لا يكون قادرًا عليه وهو الأخرس، وأما ما يدعونه من الكلام النفساني فذاك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتا أو أخرس فلا يدل بتقدير ثبوته على أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتًا أو أخرس، وأيضًا فالكلام القديم النفساني الذي أثبتموه لم تثبتوا ما هو؟ بل ولا تصورتموه، وإثبات الشيء فرع تصوره، فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته؟ ولهذاكان أبو سعيد بن كلاب رأس هذه الطائفة (يعني الأشاعرة) وإمامها في هذه المسألة لا يذكر في بيانها شيء يعقل بل يقول هو: معنى يناقض السكوت والخرس، والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام، فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام، وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس.
فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه، ولم يثبتوه بل هم في الكلام يشبهون النصارى في (الكلمة) وما قالوه في (الأقانيم) و(التثليث) و(الاتحاد) فإنهم يقولون ما لا يتصورونه ولا يبينونه والرسل ﵈ إذا أخبروا بشيء ولم نتصوره وجب تصديقهم.
وأما ما يثبت بالعقل فلابد أن يتصوره القائل به، وإلا كان قد تكلم بلا علم، فالنصارى تتكلم بلا علم، فكان كلامهم متناقضًا، ولم يحصل لهم قول معقول، كذلك من تكلم في كلام الله تعالى بلا علم كان كلامه متناقضًا ولم يحصل له قول يعقل، ولهذا كان مما يشنع به على هؤلاء أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة
[ ٧ / ٨٤٣ ]
حقيقة الكلام كلام الله وكلام جميع الخلق بقول شاعر نصراني يقال له الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وقد قالت طائفة إن هذا ليس من شعره، وبتقدير أن يكون من شعره فالحقائق العقلية أو مسمَّى لفظ الكلام الذي يتكلم به جميع بنى آدم لا يرجع فيه إلى قول ألف شاعر فاضل دع أن يكون شاعرًا نصرانيًا اسمه الأخطل " انتهى ملخصا من " مجموعة الفتاوى " (٦/ ٢٩٤ - ٢٩٧).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٥٦ - ٦١).
[١١٤٧] باب هل التوراة والإنجيل كلام الله؟
سؤال: فيه أخ قال: إن التوراة والإنجيل لا نعطيهما صفة كلام الله كما للقرآن، فهل هو مصيب في هذا؟
الشيخ: والقرآن.
السائل: هو يؤمن بأن القرآن كلام الله مائة بالمائة، لكن يقول: صفة كلام الله، الإنجيل والتوراة ليس بمنزلة القرآن من حيث أنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود؟
الشيخ: هذا ما يقصد؟ الإنجيل المحرف والمبدل؟
السائل: الإنجيل غير المحرف.
الشيخ: الذي أُنزل على قلب موسى وعيسى؟
السائل: نعم غير المحرف.
الشيخ: هذا كفر.
[ ٧ / ٨٤٤ ]
السائل: كيف نرد عليه؟
الشيخ: عندنا في القرآن: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤).
"الهدى والنور" (١٢/ ٠١:٠١:٣٤).
[١١٤٨] باب التوراة محرفة
[قال الإمام]:
مما يدل على تحريف التوراة أنه جاء فيها: أنه بدا لله خلق السماوات والأرض.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٤٧٨).
[١١٤٩] باب بيان عقيدة أهل السنة
في كلام الله تعالى وضلال من خالفهم
[ذكر الإمام ضمن الأمثلة على ضلال أبي غدة أنه]:
لم يوافِق على قول الإمام الطحاوي: القرآن كلام الله تعالى منه بدا، بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، وأنه تعالى لم يزل متكلمًا اذا شاء، وكيف شاء، وأنه يتكلم بصوت، ومن قرأ بحثه في مسألة خلق القرآن التي أطال الكلام عليها في تعليقه على «القواعد» (ص٣٦١ - ٣٧٩) يتبين له جليًّا أنه
جهمي جعدي.
"كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات" (ص٥٦ - ٥٧)
[ ٧ / ٨٤٥ ]
[١١٥٠] باب شرح قول سفيان:
"القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود"
[قال سفيان]: "القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود".
[قال الإمام]:
أي المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقوله الجهمية أنه خُلِقَ في الهواء أو غيره، وبدأ من عند غيره.
وأما " إليه يعود" فأنه يسرى به في آخر الزمان من المصحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف. كذا في "العقيدة الواسطية" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
"مختصر العلو" (ص١٤٠).
[١١٥١] باب الصوت الإلهي والإيمان به
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يقولُ الله ﷿ يوم القيامةِ: يا آدمُ! فيقولُ: لبيك ربَّنا! وسعْدَيك، فيُنادى بصوتٍ: إنّ الله يأمُرك أن تُخرجَ من ذرِّيتكَ بعثًا إلى النّارِ. قال: يا ربِّ! وما بعثُ النّارِ؟ قال: من كلِّ ألفٍ- أراه قال-: تِسع مِئةٍ وتسعةً وتسعين، فحينئذٍ تضعُ الحاملُ حملها، ويشيبُ الوليدُ، ﴿وترى الناس سُكارى وما هُم بِسُكارى ولكنَّ عذاب الله شديدٌ﴾. فشقَّ ذلك على الناسِ حتَى تغيَّرت وجوهُهُم، فقال النبيُّ - ﵌ -: من يأجوج تسع مئةٍ وتسعةً وتسعين، ومنكم واحدٌ. ثم أنتُم في الناسِ كالشعرةِ السوداءِ في جنَّبِ الثورِ الأبيضِ، أو كالشعرة البيضاء في جنبِ الثور
[ ٧ / ٨٤٦ ]
الأسودِ، وإنِّي لأرجُو أن تكونُوا رُبُع أهلِ الجنّةِ؛ فكبَّرنا، ثمّ قال: ثُلُث أهلِ الجنة؛ فكبَّرنا، ثمَّ قال: شطرَ أهل الجنّة؛ فكبَّرنا».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به ثم قال]: وفي ذلك رد على البيهقي في قوله: "ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي - ﵌ - "!
ثم تأول الحديث بأن الصوت راجع إلى مَلكٍ أو غيره كما بينه الحافظ عنه، ثم أشار إلى رده بقوله:
"وهذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أن الله لم يُسمع أحدًا من ملائكته ورسله كلامه، بل ألهمهم إياه ".
قلت: وهذا باطل مخالف لنصوص كثيرة، وحسبك منها قول الله ﵎ في مكالمته لموسى: ﴿فاستمع لِما يُوحى﴾ (طه: ١٣).ثم قال: "وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عُهد أنها ذات مخارج. ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخرج كما
أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق. سلمنا؛ لكن نمنع القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة، وجب الإيمان به، ثم إما التفويض، وإما التأويل.
وبالله التوفيق ".
قلت: بل الإيمان كما نؤمن بسائر صفاته، مع تفويض معرفة حقائقها إلى المتصف بها ﷾ كما قال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١١).
"الصحيحة" (٧/ ٢/٧٥٦،٧٥٨).
[ ٧ / ٨٤٧ ]
[١١٥٢] باب الدليل على أن الله تعالى يتكلم بصوت
السؤال: بالنسبة للحديث الذي يدل على أن الله ﷾ يتكلم القرآن بصوت، أين هذا الحديث موجود في أي كتاب؟
الجواب: موجود في صحيح البخاري معلقًا.
مداخلة: نعم، هل هناك من وصله؟ أو تابعه ..
الشيخ: هناك مذكور طبعًا.
مداخلة: وين؟
الشيخ: مذكور في "فتح الباري" .. أظن في كتاب التوحيد في آخر البخاري.
مداخلة: جزاك الله خيرًا.
"الهدى والنور" (١٦٩/ ٠٠:٤٩:٣٨)
[١١٥٣] باب هل يوصف كلام الله تعالى بالقِدَم
[قال الإمام]:
وصف كلام الله تعالى بـ (القديم) فيه نظر على طريقة السلف، لأن ذلك مما لم يرد عنهم.
"تحقيق كتاب: التوحيد أو العقائد الإسلامية" (ص ٤٠).
[١١٥٤] باب بيان مذهب الأشاعرة في صفة الكلام
[قال الإمام]:
وتأول الأشاعرة فقالوا: "القرآن كلام الله بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ"! راجع "حاشية البيجوري" على " الجوهرة " (ص٤٤ - ٤٥)
"مختصر العلو" (ص١٤٣).
[ ٧ / ٨٤٨ ]
[١١٥٥] باب منه
سؤال: أليست [صفة الكلام] أحد الصفات السبعة التي يوافق فيها الأشاعرةُ أهلَ السنة والجماعة؟
الشيخ: لفظًا لا معنًى.
مداخلة: لفظًا لا معنًى؟
الشيخ: نعم؛ لأنهم ..
مداخلة: كل الصفات السبع أو الكلام؟
الشيخ: لا، الكلام أنت تعرف أن أهل السنة يقولون: بأن كلام الله ملفوظ مسموع، أليس كذلك؟ الأشاعرة ما يقولون هذا ..
مداخلة: هو ملفوظ لا مسموع.
الشيخ: لا ولا ملفوظ، لا ملفوظ ولا مسموع، إنما هم يقولون: الكلام كلام نفسي، نفسي يعني: في نفس الله، بمعنى: يتأولون الكلام الإلهي بما يساوي العلم الإلهي ولذلك حينما يناقشون المعتزلة ويردون عليهم: لماذا تنكرون الكلام الإلهي؟ أليس الله بقادر على أن يفهم كلامه لموسى؟ ما يقول: أن يسمع مع أن القرآن يقول: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (طه:١٣) فهم لا يؤمنون بالكلام المسموع، لأنه شيء علمي، فالله ﷿ كما قال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة:٢٥٥) فإذًا الله قادر على أن يسمع موسى برأينا نحن لكن في رأيهم أن يفهمه، ولذلك فهم في هذه الصفة أيضًا معطلة.
"رحلة النور" (٤٠أ/٠٠:٣٥:٣٠)
[ ٧ / ٨٤٩ ]
[١١٥٦] باب معنى ما ينسب لأبي حنيفة من قوله: "الله يتكلم بلا آلة ولا حروف، والحروف مخلوقة، وكلام الله تعالى غير مخلوق"، والكلام على أقسام التوحيد وما يقابله من الشرك
الملقي: ما رأيك بقول الإمام أبي حنيفة في متن شرح الفكر الأكبر لعلي القارئ ص (٥١): وأن الله يتكلم بلا آلة ولا حروف، والحروف مخلوقة، وكلام الله تعالى غير مخلوق، نظرًا إلى أن هذا القول إن ثبت عن أبي حنيفة يوافق عقيدة الأشاعرة في المسألة، وأن أبا حنيفة من السلف؟
الشيخ: سؤالك هذا يفتح لي بابًا جديدًا من العلم لا بد أن أذكرك به، وأن ألفت نظرك إليه، الإسلام كما تعلم قال في القرآن الكريم وهذا من مزاياه أنه حذر المسلمين أن يقعوا في مثل ما وقع الأولون من اليهود والنصارى فقال في حق هؤلاء: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة:٣١) هذه الآية حين نزلت كان في المجلس رجل عربي من العرب النوادر الذي كان بالتعبير العصري مثقفًا يومئذٍ غير أمي، العرب أميون إلا النادر منهم، فهذا كان من هؤلاء النادرين كان مثقفًا، كان متعلمًا، قرأ الكتاب المعروف بـ «الكتاب المقدس»، الذي يحوي التوراة والإنجيل، فوجد التوراة والإنجيل خير مما وجد عليه قومه يعبدون التماثيل والأصنام، وجد هناك شيئًا من الأخلاق، شيئًا من التشريعات، حيث لا يجد شيئًا من ذلك إطلاقًا في الوثنية الجاهلية فتنصر، ولما جاء إلى النبي - ﵌ - وهو على نصرانيته جاء وقد علق الصليب على صدره، فأنكر الرسول -﵇- ذلك عليه، ثم هداه الله -﷿- وأسلم وحسن إسلامه، وأخذ يتفقه ويجلس مجالس الرسول -﵇-، ذات يوم لما نزلت هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة:٣١)،
[ ٧ / ٨٥٠ ]
وهو كان من أولئك النصارى قال: يا رسول الله ما اتخذناهم أربابًا من دون الله! تبادر إلى ذهن عدي بن حاتم -﵁- إلى أن مقصود الآية: يعني اعتقدوا في أحبارهم أنهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون وو الخ، قال: «ألستم كنتم إذا حرموا لكم حلالًا حرمتموه، وإذا حللوا لكم حرامًا حللتموه؟» قال: أما هذا فقد كان، قال: «فذاك اتخاذكم إياهم أربابًا من دون الله».
فالمقصود: المسلمون حتى اليوم والحمد لله لا يزالون يوجد فيهم من يحافظ على التوحيد بكامله؛ لأن التوحيد الذي يستنبط من كتاب الله ومن حديث رسول الله - ﵌ - يختلف تمامًا عن التوحيد الموجود عند النصارى وعند اليهود، بل وأرجو أن لا يقع ثقيلًا على مسامعك: وحتى بعض المسلمين، التوحيد الذي جاء في القرآن وفي السنة يجهله كثير من المسلمين، فضلًا عن أهل الأديان الأخرى؛ ذلك لأن التوحيد الذي دعت إليه الرسل كلهم دون استثناء أحد منهم هو يعني توحيد الله -﷿- في ذاته، أي: لا ند له لا خالق معه، لا رازق معه، وهذا أمر يشترك فيه حتى المشركون، المشركون الذين بعث إليهم الرسول - ﵌ - كانوا يعتقدون أن الخالق هو واحد لا ند له في خالقيته، ولكنهم مع ذلك وصفوا في عديد من الآيات بأنهم مشركون، وأن الله قال لهم: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٢٢) فما هي الأنداد التي جعلوها لله -﷿-، وأنكرها الله عليهم؟ مع أنهم كانوا يقولون بصريح القرآن الكريم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان:٢٥)؛ إذًا خلق السموات والأرض، هم يعتقدون أنه واحد لا شريك، فإذًا أين شركهم، ما دام أنهم يوحِّدون الله في ذاته، هنا يكمن جهل كل الأديان التي أشرنا إليها آنفًا، وبعض الجهلة من المسلمين، حيث يفهمون معنى: لا إله إلا الله، حتى رأيت بعض الرسائل لبعض المشايخ
[ ٧ / ٨٥١ ]
فسرها (لا إله إلا الله) أي: لا رب إلا الله، وهذا تفسير خاطئ جدًا جدًا، بحيث يترتب منه أن مشركًا يهوديًا كان أو نصرانيًا قال: لا رب إلا الله، لا يدخل في الإسلام؛ لأنه لا رب إلا الله كان المشركون كما سمعت آنفًا من القرآن يقولون: الخالق هو رب العالمين هو واحد، إذًا لماذا بعث رسول الله - ﵌ - إلى هؤلاء المشركين أن يدعوهم إلى أن يعتقدوا أن خالق السموات والأرض هو الله وحده لا شريك له، لا، هذا اسمه تحصيل حاصل، تفهم مني تحصيل حاصل؟
يعني شيء كان موجودًا في قرارة نفوس المشركين هؤلاء، لكن هو دعاهم إلى شيء كانوا أحوج ما يكونون إليه، كالأرض العطشى إلى ماء السماء.
قال الله -﷿- في القرآن الكريم، هذه الآية الجواب لتساؤلي السابق: لماذا أرسل الله محمدًا - ﵌ - إلى هؤلاء المشركين ما دام أنهم كانوا يعترفون بأن الخالق هو واحد لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣)، هنا في شيء يسمى عند العلماء بـ «طي من الكلام»، وهذا من إعجاز القرآن: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الزمر:٣)، وين الطي وين الاختصار؛ إذا قيل لهم: لماذا اتخذتم هؤلاء أولياء من دون الله؟ قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣)، فهم اعترفوا بشيئين: الشيء الأول: أنهم يعبدونهم من دون الله. وأنهم إنما يعبدونهم ليوصلوهم إلى الله، فإذًا رسول الله - ﵌ - أرسل إليهم ليخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، لم يدعهم إلى الاعتقاد بأن الخالق واحد؛ لأنه هذا كما قلنا تحصيل حاصل، لكن مع اعترافهم أن الخالق المحيي المميت هو واحد لا ند له ولا شريك له كانوا يعبدون معه غيره كما في هذه الآية وآيات كثيرة وكثيرة جدًا.
[ ٧ / ٨٥٢ ]
مثلًا نحن قلنا آنفًا لو أن مشركًا مهما كان دينه قال: لا رب إلا الله، لا يدخل في الإسلام؛ لأنه آمن إيمان المشركين، وهو يجب أن يؤمن إيمان الموحدين، الموحدون حقًا يوحدون الله في ذاته، يوحدون الله في عبادته، لا يعبدون معه غيره، كما يفعل النصارى مثلًا؛ يعبدون عيسى -﵇-، يوحدونه في أسمائه وفي صفاته، فإذا مسلم آمن بأن الله واحد في ذاته، كما كان المشركون يقتصرون على هذا التوحيد، ثم أضاف هذا المسلم إلى ذلك أنه يعبد الله وحده لا يعبد معه غيره، مثلًا: لعلك تسمع أن كثيرًا من المسلمين الطيبين الصالحين إذا وقعوا في ضيق ينادون من؟ من يسمونه بـ «البدوي»، وبـ «سيدي عبد القادر»، ونحو ذلك من الأولياء والصالحين يدعونهم من دون الله، فهم يفعلون فعل الجاهلية الأولى، فإذًا قولهم: لا إله إلا الله، لم يفدهم، لم ينقذهم من الشرك؛ لأن الشرك ثلاثة أنواع كالتوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، من أنكر وجود الله كالدهريين مثلًا، هذا مشرك، أشرك عقله، ونفى وجود ربه، أما لو آمن بوجود الله وأنه خالق، ولكنه يعبد غيره، يعبد هواه، كما في الآية القرآنية؛ كيف الآية؟
مداخلة: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣).
الشيخ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣) شايف؟ فإذًا هذا الذي أسلم وقال: الله في ذاته لا شريك له، هذا لا بد منه، ثم لا يعبد إلا الله -﷿-، ولكنه يعطي صفة من صفات الله لعبد من عباد الله ما يكون مؤمنًا بـ لا إله إلا الله؛ لأن لا إله إلا الله تشمل هذه الأنواع الثلاثة؛ فمن آمن بالله واحدًا في ذاته، واحدًا في عبادته، واحدًا في صفاته وأسمائه فهذا هو الذي يدخل الجنة، وهو الموعود بقوله: «من قال: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة»، أو كما في الحديث الآخر: «نفعته يومًا من دهره»، أما الإخلال بشيء من هذا التوحيد الثالث وهو توحيد الأسماء
[ ٧ / ٨٥٣ ]
والصفات أو توحيد العبادة فهذا لا يكون مسلمًا؛ لذلك قال تعالى في حق المشركين الذين آمنوا بأن الله هو الخالق: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات:٣٥)، لماذا يستكبرون، وهم يقولون: الله هو الذي خلق السموات والأرض؟ لماذا يستكبرون أن يقولوا: لا إله إلا الله؟ لأنهم عرب وأنهم يفهمون أن معنى لا إله إلا الله، ليس معنى لا رب إلا الله، بل المعنى أوسع بكثير من هذا المعنى الضيق، لا رب إلا الله، هذا أساس التوحيد، ثم لا بد أن يضم إلى ذلك عبادته وحده لا شريك له في العبادة، ثم توحيد الأسماء والصفات، وأنا أضرب لك الآن مثلًا فيما يخل بتوحيد الصفات، إذا مسلم اعتقد بأن الشيخ الفلاني يعلم الغيب؛ هل يكون موحدًا؟
الملقي: يفرق بين بين بعض الناس، وبين كل الناس.
الشيخ: يمكن أن تشرح لي لأفهم عليك؟
الملقي: مثلًا هذا الرجل الذي يجلس هنا يعرف ماذا في [تفسير] آية الكرسي. فهذا غيب بالنسبة إليه،
الشيخ: لا
الملقي: وليس غيبًا بالنسبة لما هو
الشيخ: معليش
الملقي: هاه.
الشيخ: لكن هذا أمر واقع، هذا الغيب النسبي.
الملقي: نعم
[ ٧ / ٨٥٤ ]
الشيخ: وأنا أقول لك ما هو يعني أبعد عن الناس، هؤلاء الفلكيون الذين يخبروننا قبل سنين بخسوف الشمس والقمر، هذا غيب نسبي، ولكن هل يستطيع أحد أن يقول: أنا أعلم ما في اللوح المحفوظ؟
الملقي: كيف؟!
الشيخ: هاه.
الملقي: كيف يعلم؟!
الشيخ: هاه، فإذا قال فلان يغيب، ويقرأ ما في اللوح المحفوظ؛ هل يكون شهد بـ: لا إله إلا الله، هل يكون آمن بكتاب الله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥)، نحن نعلم مع الأسف الشديد، لذلك قلت لك، وأنا لك ناصح أمين: أخشى على إسلامك أن يداخله شيء مما يفسد عليك إسلامك، مما قد تسمعه من بعض من يظن أنه مسلم وصالح وعالم، فنحن نعلم من الكتب ومن مشاركتنا ومخالطتنا بالناس أن كثيرًا من هؤلاء المسلمين مع الأسف الشديد يعتقدون بأن بعض الأولياء والصالحين يعلمون الغيب، يعلمون الغيب، بالرغم من النصوص القاطعة في القرآن وفي السنة، وأنا تلوت على مسامعك الآن الآية الصريحة ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥)، وهناك حديث في صحيح البخاري أن النبي - ﵌ - مر بجوارٍ من الأنصار وهن يغنين، ويقلن فيما يقلن: وفينا نبيٌ يعلم ما في غد، فقال: «لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا وقولي ما كنت تقولين»، هي قال: يعلم ما في غد، لعلك سمعت من بعض المشايخ أو الصوفيين أو الطرقيين أنهم يتناشدون في مجالسهم التي يسمونها بمجالس الذكر، يخاطبون النبي - ﵌ - بقول البوصيري:
[ ٧ / ٨٥٥ ]
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
ألم تسمع هذا؟
الملقي: لا لا ما سمعت.
الشيخ: احمد الله -﷿-.
الملقي: الحمد لله.
الشيخ: احمد الله -﷿-، ولكن أنا أُذكِّرك الآن لا بد أنك ستسمع إن لم تكن سمعت كما قلت، هذا يتقربون به إلى الله، وينشدون هذا النشيد يخاطبون النبي - ﵌ - بكلمة الكفر، وأنا أعرف في سوريا كانوا إذا جلسوا مجلس ذكر جاؤوا بوعاء فيه ماء، بيسموها (شربة) شو بتسموها انتوا؟
مداخلة: شربة شيخنا.
الشيخ: شربة، عرفت هذه؟
الملقي: نعم
الشيخ: وعاء من الفخار.
الملقي: وعاء من الفخار
الشيخ: كهذه الشربة، شايف هذه؟ من فخار ممتلئة ماءً فيضعونه في وسط الحلق، وهم ينشدون ويطربون ويميلون، ويخاطبون الرسول -﵇- بقولهم:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
[ ٧ / ٨٥٦ ]
الملقي: ضرتها، شو معنى ضرتها؟
الشيخ: كيف؟
الملقي: ضرتها ما معناها؟
الشيخ: آه، الضرة الآخرة. فإن من جودك الدنيا وضرتها، يعني الآخرة.
مداخلة: الدنيا والآخرة.
الملقي: آه.
الشيخ: وهذا هو عين الكفر.
مداخلة: الله أكبر.
الشيخ: لأنه كيف يتصور المسلم أن المسلم يجود في الدنيا معليش، لكن في الآخرة هاللي وصفها الرسول -﵇- بقوله: «يها ما لا عين رأت، و..».
مداخلة: ولا أذن سمعت.
مداخلة: «ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١)، وفيها أكبر نعمة هي: رؤية الله -﷿- في الآخرة، كما قال رب العالمين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢، ٢٣)، وقال في القرآن الكريم الآية؛ للذين أحسنوا، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦) للذين أحسنوا في الدنيا: آمنوا بالله ورسوله، لهم الحسنى؛ أي: الجنة، وزيادة؛ أي: رؤية الله -﷿- في الآخرة، وجاء في بعض الأحاديث أن أهل الجنة حينما يرون ربهم ينسون نعيم الجنة ولا
_________________
(١) "البخاري" (رقم٣٠٧٢).
[ ٧ / ٨٥٧ ]
شك، وهذا أمر طبيعي جدًا، حينما يرى إنسان حبيبًا له من البشر من طين، ينسى كل شيء، فما بال هذا الإنسان يرى رب العالمين؛ كيف يقال أن مسلمًا عاديًا يطلق الدنيا ويجود بالدنيا وبضرتها الآخرة، لو نسب هذا القول المسلم أقل مسلم علمًا وعملًا صالحًا لكان خطأً كبيرًا، فكيف ينسب هذا القول إلى النبي - ﵌ -، ثم: ومن علومك علم اللوح والقلم؛ وأنت تعلم كما أظن (من) للتبعيض، تعرف هذا؟
الملقي: نعم.
الشيخ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (التوبة:١٠٣) مش خذ أموالهم كلها.
الملقي: نعم.
الشيخ: خذ بعض أموالهم، من بعض أموالهم إلى آخره، فهون يخاطب الرسول -﵇- الذي قال للجارية: ﴿لا يعلم الغيب إلا الله﴾، هو يقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
علم اللوح والقلم أحاط بكل شيء كان وما سيكون، إذًا الرسول -﵇- أحاط بهذا علمًا، وهذا بعض علمه، فهذا كله مما يوجد في عقائد كثير من المسلمين اليوم.
الملقي: توحيد الأسماء والصفات، شو موضع الشاهد بالنسبة لنفي الحروف المنسوب إلى أبي حنيفة؟
الشيخ: أحسنت، لا، هذا لسه ما وصلنا إليه، هذا ما وصلنا إليه، أنا أريد أن يعني أن أُذكِّرك بأشياء قد تسمعها فتكون على بصيرة منها أنها لا صلة لها بالإسلام، فيجب على كل مسلم أن يعرف أن التوحيد له ثلاث أقسام؛ يقابله الشرك له ثلاثة أقسام، توحيد الربوبية، توحيد العبادة، توحيد الأسماء والصفات،
[ ٧ / ٨٥٨ ]
فتوحيد الأسماء والصفات كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فيجب على المسلم أن يصف ربه بما وصف به نفسه، ولكن وصف نفسه بالتنزيه أو بالإثبات ثانيًا، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، ثم أثبت فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فلا يجوز نحن أن نشبهه بالخلق؛ لأنه منزه عن مشابهة للحوادث، ولا يجوز أن ننفي صفة من صفاته بزعم أن هذه الصفة فيها تشبيه لله -﷿- بالحوادث، وإنما نحن مع الكتاب تنزيهًا وإثباتًا.
فإذا عرفت هذه الحقيقة، الآن أعود إلى ما سألته في الأول: الحروف تستطيع أن تقول: الله ينزه عن الحرف المعهود عندك وعندي، هذا الذي يحتاج إلى جوف، ويحتاج إلى لسان، ولهاة وو الخ، طبعًا رب العالمين منزه عن هذه الأشياء كلها، فحينما ينقل عن أبي حنيفة مثل تلك الرواية، أنا بدأت بآية: اتخذوا أحبارهم؛ لماذا؟ لنقول: إذا جاءنا قول عن إمام من أئمة المسلمين، نحن هذا الإمام لا نتخذه إلهًا كما فعلت النصارى بعيسى، نحن نؤمن بإمامته، ولا نؤمن بعصمته، واضح؟
الملقي: نعم.
الشيخ: حينئذٍ أي قول جاءنا عن إمام قبل كل شيء نريد أن نتثبت من نسبته إليه، بعد ذلك إن صح هذا القول عرضناه على الكتاب والسنة، مثل هذا القول نحن لا نؤمن به.
الملقي: نسبة الكتاب له هو صحيح؟
الشيخ: لا مو صحيح، يعني أبو حنيفة لم يؤلف كتابًا في حياته، هذا الذي ألفه بعض أتباعه من بعده، ففي هذا الكتاب ما يوافق الكتاب والسنة، وما يخالف ذلك.
[ ٧ / ٨٥٩ ]
الملقي: ممكن مدلس عليه.
الشيخ: كيف؟
الملقي: مدلس على أبي حنيفة الكتاب؟
الشيخ: منسوب منسوب إليه، لا يقال مدلس، منسوب إليه، هناك كتب كثيرة منسوبة لغير مؤلفيها
الملقي: نعم.
الشيخ: لكن أنت ما يهمك هذه الناحية مع أني أجبتك، هذا الكتاب منسوب إلى أبي حنيفة، أبو حنيفة ليس له كتاب، كل الأئمة الأربعة كلهم لهم كتب بنسب متفاوتة كثرةً وقلة، إلا الإمام الأول بالنسبة للطبقة وهو أبو حنيفة، فليس له كتاب، وإنما هناك له تلامذة وله روايات تروى عنه، ولذلك فما ينبغي أن نهتم نحن بـ هل هذا الكتاب صحيح النسبة لأبي حنيفة أو لا؟ فيما يتعلق بموضوعنا.
الملقي: نعم.
الشيخ: مع أني قلت لك: الذي نعرفه أن هذا الكتاب لا تثبت نسبته إلى أبي حنيفة، لكن افترض، نحن نبتلى بكثير من الناس المتعصبين المذهبيين نبتلى بكثير من هؤلاء المتعصبة، من يتعصبون لقول الإمام، قد يكون هذا القول صحيح النسبة إليه، وقد لا يكون صحيح النسبة إليه، نحن الآن نفترض أن هذا القول أو هذا الكتاب كله صحيح النسبة لأبي حنيفة، وقال هذا الكلام، نحن لا نقبله؛ لماذا؟ لأننا نعلم أن المبتدعة الذين خالفوا عقيدة السنة وأهل السنة وأهل الحديث هم الذين يقولون بنفي هذه الأشياء أي الحروف واللفظ ونحو ذلك، يتوصلون منها لنفي ما صرح القرآن الكريمة والسنة الصحيحة. مثلًا أنا أربطك الآن بالمشكلة
[ ٧ / ٨٦٠ ]
الأساسية، لا شك أن الله -﷿- من صفته الكلام، حيث رب الأنام: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤)،والقرآن باتفاق المسلمين هو كلام الله -﷿-، والرسول - ﵌ - يقول: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول: الم، حرف؛ بل ألف حرف، لام حرف، ميم حرف» (١) إذًا قد قال الله: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤)، إذا نثبت كلام الله -﷿-، ولا ننفيه بشيء من التأويل، ونثبت أن كلام الله حروف، كما سمعت من قوله -﵇-: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات»، لكننا حينما نثبت هذا وذاك لا نقول: كلام الله ككلامنا، ولا نقول: الحرف الذي يخرج من كلام الله -﷿- هو ككلامنا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فنثبت ما أثبت وننفي ما نفى، ما الذي نفى؟ ﴿ليس كمثله شيء﴾، ما الذي أثبت، أثبت السمع والبصر، هذا هو السمع هو هذا؟! الذي أثبته لنفسه هو هذا؟
الملقي: لا.
الشيخ: حاشا، أثبت لنفسه السمع؛ هو هذا؟ حاشا، إنما هنا كلمة لبعض المحدثين، وهو بالضبط أبو بكر الخطيب صاحب تاريخ بغداد، تسمع به ولا بد، يقول كلمة حق لو وقف عندها الفرق التي اختلفت في الكلام الإلهي اختلافًا كثيرًا لاتفقوا جميعًا على كلمة سواء، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران:٦٤)، كذلك لو اتفقوا على هذه الكلمة التي ذكرنا بها الخطيب -﵀- لزال الخلاف وهو: يقال في الصفات ما يقال في الذات، هل نحن
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٦٤٦٩).
[ ٧ / ٨٦١ ]
نعلم كيفية الذات؟
الملقي: لا.
الشيخ: لا لا نعلم كيفية الذات أليس كذلك؟ لكننا نؤمن بأن الله ذات مش معنى ذهني قائم فقط ليس له وجود خارج، فمالذي نقوله في الذات نقوله في الصفات؛ لأنه الصفات متعلقة بالذات، فكما نؤمن بوجود الذات الإلهية نؤمن تمامًا بوجود الصفات الإلهية، كما نؤمن بأن ذاته ليست كالذوات كذلك نقول: صفاته ليست كالصفات، الآن الكلام ما موقف المسلمين إلى اليوم: ثلاثة مذاهب، تعرف هذا أنت ولا بد؟
الملقي: سمعت.
الشيخ: ثلاث مذاهب: مذهب المعتزلة؛ يقولون: الله لا يتكلم. آه، وحينما يأتون إلى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤) يقولون الله ما تكلم، إنما التي تكلمت هي الشجرة، فنفوا الكلام صراحة؛ لماذا؟ قالوا: لأنه الكلام صفة الإنسان.
الملقي: نعم
الشيخ: فإذا قلنا الله يتكلم معناه شبهناه بالمخلوق، فهذا منتهى الجهل والضلال.
الملقي: نعم، قتل الجهم في نفس هذه المسألة.
الشيخ: فأقول: هذا منتهى الجهل والضلال، لم؟ أنت وأنا وكل هذه المخلوقات من إنس وجن وملائكة وجماد وو الخ، كمان موجودات، فنحن بين
[ ٧ / ٨٦٢ ]
أحد شيئين، إما أن نقول: الله غير موجود؛ لأننا إذا قلنا موجود صار فيه اشتراك بيننا وبينه، وهذا هو التشبيه، فإذا ماذا نقول؟ نقول كما قالت المعتزلة: ننفي، نقول الله غير موجود؛ لأنه هذا فيه تشبيه للرب الموجود بالمخلوقات إذًا هو غير موجود، وهذا ضلال بين، إذا ماذا نفعل؟ نقول كما قال أهل وحدة الوجود، أظن تعرف شيئًا عنهم؟
الملقي: نعم سمعت
الشيخ: آه، هؤلاء الذين يقولون:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة
وكل ما تراه بعينك فهو الله، ولما عبد المجوس النار ما عبدوا إلا الواحد القهار، أي: هو هو، لا شيء إلا هو، حينئذٍ فكل ما تراه بعينك فهو الله، هذا هو الوجود؛ لذلك هم يسمون أنفسهم بـ أهل التوحيد، نحن الذين نقول: لا إله إلا الله، نحن مشركون؛ لأننا أوجدنا شيئًا مع الله، هذا هو الضلال المبين بسبب أيش؟ عدم التمسك بالآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، نثبت ما أثبت مع التنزيه، وننزه كما نزه، الشاهد المعتزلة قالوا: الله لا يتكلم، الأشاعرة قالوا: كيف؟! الله بيتكلم، لكن داروا، ولفوا، ووصلوا عند المعتزلة بالتأويل، فقالوا بالكلام النفسي، سمعت بهذا؟
الملقي: نعم، نعم.
الشيخ: الكلام النفسي.
الملقي: نعم كلام النفس
[ ٧ / ٨٦٣ ]
الشيخ: آه الكلام النفسي، معناها أنهم التقوا مع المعتزلة بأن الله لا يتكلم كلامًا مسموعًا، وأنت ذاكر معي قول الله -﷿-: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (طه:١٢، ١٣)، هنا الشاهد، فاستمع لما يوحى، فالكلام النفسي لا يسمع، الآن أنا في صدري كلام أنت ما تسمعه.
الملقي: نعم
الشيخ: وأنت في صدرك كلام أنا لا أسمعه، لا يحسن لي أن أخاطبك أنت: اسمع لكلامي الذي في نفسي، وإنما قد أقول لك: افهم ما في نفسي. أما اسمع، هذا لا يقال، فكيف يؤول الكلام الإلهي المصرح في الآية عند الأشاعرة بأنه كلام نفسي، الله يقول: ﴿فاستمع لما يوحى﴾ إذًا هو كلام، أي كلام مسموع، لكن نحن كيف، لهاة وفم وأضراس وأسنان والخ، هذه أشياء نبرأ إلى الله من أن نخوض فيها، فإذًا الأشاعرة لما أولوا الكلام أثبتوا شيئًا لم يتعرض له القرآن، القرآن تعرض لإثبات العلم الإلهي، فإذا قلنا بالكلام النفسي وفسرناه بالعلم الإلهي فممكن أن يكون هذا كلام معقول، لكن هو العلم، ولماذا نسميه بالكلام النفسي تضليلًا.
في النهاية هم يقولون بأن القرآن هذا لم يصدر من الله -﷿-، وهذا خلاف عقيدة المسلمين جميعًا، والسبب أنهم وقفوا عند صفة الكلام فاختلفوا ثلاث مذاهب: المعتزلة صرحوا بأن الله لا يتكلم، أي: إنه وقعوا في شر ما منه فروا، الذي لا يتكلم هو الجماد، صح؟ فإذًا وصفوا الله -﷿- بالجماد؛ إذًا ما الحل؟ الحل إنكار وجوده وانتهت المشكلة كلها، فالمهم فالأشاعرة التقوا مع المعتزلة في إنكار الكلام الإلهي، وهذا يلزم منه يا أخا الإسلام إنكار عشرات
[ ٧ / ٨٦٤ ]
الآيات، ربنا -﷿- حينما خاطب الملائكة وقال لهم: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ (البقرة:٣٤) أليس هناك كلام تسمعه الملائكة ويأمرهم وأيضًا كان إبليس يعبد الله معهم، ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (الحجر:٣٠، ٣١)، ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة:١١٦)، ما يسمع عيسى -﵇- حينما يخاطبه رب الأنام بهذا ..، هذا كله تعطيل لعشرات إن لم نقل مئات النصوص للكتاب والسنة، بسبب أيش: التأويل، وتحكيم العقل، وقياس الغائب، غيب الغيوب هو الله -﵎- على الشاهد وهو البشر، يبقى المذهب الثالث يقول: نحن نثبت لله ما أثبت لنفسه، أثبت لنفسه الكلام، وأن هذا القرآن هو كلام الله وليس كلام مخلوق من خلق الله -﷿- أبدًا، ولكن كيف؟ لا ندري، لعلك سمعت قول الإمام مالك -﵀- حينما جاءه سائل قال له: يا مالك .. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا هذا الرجل.
مداخلة: والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
الشيخ: بدعة أخرجوا هذا الرجل فإنه مبتدع، فقال له: الاستواء معلوم لغة، وهو العلو، فالله -﷿- فوق المخلوقات كلها، كما نقرأ في القرآن: سبحان ربي الأعلى (١) ونقوله في السجود والخ، لكن استواؤه ليس كاستوائي أنا على الكرسي وأنت وغيرك من البشر، هو استواء يليق بعظمته وجلاله، لا نقول كما يقول -أيضًا- المعتزلة والأشاعرة وغيرهم اليوم، يكون هنا مجلس كهذا المجلس يقول أحدهم في ظنه أنه يذكر الله: اللـ آآآآآآآآآ ـه موجود في كل وجود، اللـ آآآآآآآآآ ـه
_________________
(١) في القرآن: (سبح اسم ربك الأعلى).
[ ٧ / ٨٦٥ ]
موجود في كل وجود، لا بد سمعت هذا التوحيد؟
الملقي: لا.
الشيخ: ما سمعته؟
مداخلة: الحمد لله.
الشيخ: هنيئًا لك، هههه.
مداخلة: ههه.
الشيخ: نحن نسمعه كثيرًا، لو سألت الآن سائلًا أي إنسان ممن تعرفه أو لا تعرفه: أين الله؟ سيقول لك: الله في كل مكان، فهذا سؤال يعني جوابه معروف عند الناس اليوم مشايخ ووعاظ ومرشدين ودكاترة والخ، الله موجود في كل مكان.
مداخلة: هذا الحلول.
الشيخ: هذا حلول -بارك الله فيك-، هذا حلول، والعقيدة الصحيحة ما قال مالك، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، أما أن نقول: الله موجود في كل مكان! ما بتعرفوا أنه من الأماكن الدهاليز والمجاري والبارات والسينمايات وو ما لا يدخله الإنسان حتى الكافر حتى الفاسق إلا مضطرًا، فيجعلون ربهم في أماكن ما يدخلونه هم إلا مضطرين، هذا توحيد؟ هذا إسمه توحيل؟
مداخلة: هههه.
الشيخ: باللام، هاه، هذا اسمه توحيل، ولذلك قال أحد فقهاء الحنفية الماتريدية، الماتريدية هنا طائفتان: طائفة تلتقي مع الأشاعرة في نفي العلو لله -﷿-، ويلتقون مع المعتزلة: الله موجود في كل مكان، وطائفة منهم يلتقون مع
[ ٧ / ٨٦٦ ]
أهل السنة. فقال قائلهم:
ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال
مفهوم هذا الكلام، وهذا تفسير لقوله -﷿-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:٩٧)، إن الله غني عن العالمين، كل العالمين المخلوقين فضلًا عن كرسي أو عن عرش يحمله، فهذه العقائد أخي يجب أن تؤخذ من الكتاب والسنة وليس من الفقه المسمى بـ «الفقه الأكبر»، حتى لو صحت النسبة إلى الإمام أبي حنيفة -﵀-، وهي غير صحيحة النسبة.
الملقي: هي غير صحيحة.
الشيخ: أي نعم
مداخلة: المتهم به أظن أبو مطيع البَلْخي.
الشيخ: أي نعم، لا بأس ولو أطلنا على المشايخ نروي له هالنكته هاده، هاللي إلها علاقة بالعقيدة.
مداخلة: تفضل يا شيخي.
الشيخ: كنا في بعض سنين الحج في منى، وأنا جالس في ليلة صافية جدًا، واجتمعنا اجتمعنا مع بعض الشباب منهم أنصار السنة في مصر؛ لما دخل علينا أحد المشايخ الأزهريين، سمع شَعَرَ أنه في مجلس علم فجلس، وانتبه أنه الأرض مسكونة بمن يسمونهم بالوهابية يعني.
الملقي: آه.
[ ٧ / ٨٦٧ ]
الشيخ: الجو علمي وهابي، قال: بس أنتم معشر الوهابية تجسمون، قلت: كيف؟ قال: أنتم بتقولوا إنه الله على العرش، قلت له: سبحان الله، نحن نقول، ولَّا رب العالمين قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، قال: لكن أنتو بتقولوا إنه الله له مكان، الشاهد الآن جرى النقاش هذا النقاش الحقيقة يشبه الفلسفة؛ لأنه نقاش عقلي منطقي، ولكن المسلم ليس بحاجة أن يناقش المسائل الاعتقادية مناقشة عقلية، لكن يضطر أحيانًا لمناقشة هؤلاء الذين يحكمون العقل على النقل فيضلون ضلالًا بعيدًا، لما قال: لكن أنتم تجعلون لله مكانًا، قلت: أسألك
وأرجو أن تجيبني، قال: تفضل، قلت له: المكان شيء عدمي أم وجودي؟ مفهوم السؤال؟
الملقي: نعم.
الشيخ: قال: وجودي، قلت: كان منذ الأزل أم وجد بعد أن لم يكن؟ قال: وجد بعد أن لم يكن، قلنا: إذًا نحن الآن في مكان؟ قال: نعم، قلنا: فوقنا السماء الأولى؟ قال: نعم. مكان؟ قال: نعم. السماء الثانية ووو السماء السابعة مكان أمكنة كلها؟ قال: نعم، قلت له: وفوق السماء السابعة أيش في؟ قال: العرش، قلت: مكان؟ لأنه مخلوق طبعًا، قال: نعم مكان، قلت: وفوق العرش أيش في؟ ففاجأني بشيء لم يكن في الحسبان، قال: الملائكة الكروبيون، قلت: ما هم هذول كروبيون؟ أيه، قلت: أيش هدون ملائكة كروبيون؟
مداخلة: كروبيون بيكربوا.
الشيخ: ههه ههه قال: هؤلاء ملائكة، قلت: في عندك آية تثبت إنه على العرش ملائكة ولهم اسم كروبيون؟ قال: لا، قلت: حديث نبوي عن الرسول
[ ٧ / ٨٦٨ ]
-﵇-؟ قال: لا، قلت: عجبًا، أنت رجل أزهري، ونحن نعلم أن مشايخ الأزهر يلقنونكم أنه لا يجوز إثبات عقيدة بحديث صحيح آحاد إلا إذا كان متواترًا، أنت كيف تثبت عقيدة أمر غيبي أنه هناك فوق العرش ملائكة كروبيون بلا حديث؟ قال: هيك لقنونا.
مداخلة: الله أكبر.
الشيخ: هيك لقنونا أنه هناك ملائكة فوق أيش العرش، قلنا له: لا حول ولا قوة إلا بالله، نمشي معك الآن، بزعمك فوق العرش الملائكة كروبيون، فوق الملائكة الكروبيون أيش في؟ سكت، قلت: الكون محدود، أم لا محدود؟ قال: محدود، قلنا له: المحدود إذًا نهايته العرش، وبزعمك أنه فوق العرش ملائكة كروبيون، فوق الملائكة الكروبيون ما في إلا العدم أليس كذلك ما دام الكون محدودًا؟ قال: نعم، إذًا إذا قال السلفيون إن الله -﷿- على العرش فليش أنت تنسبهم إلى أنهم جعلوه في مكان، وليس هناك مكان؛ لأن الخلق انتهى، ماذا يجيب المفحم بالحجة! حسبه أن يبلع ريقه. فهذا منطق يتماشى مع نصوص الشريعة، الله قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) كيف استوى؟ لا ندري، هل ندري صفة من صفاته تعالى بما سبق الكلام عليها، السمع والبصر والكلام؟ لا، إن كنا ندري شيئًا عن ذاته، فندري شيئًا عن صفاته، وإن كنا لا ندري فلا ندري، نحن بس مؤمنون بكل ما جاء عن الله ورسوله، نثبت ما أثبت وننفي ما نفى، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، هذا منتهى علوم البشر كلهم إذا وقفوا مع قول الله -﷿-.
"الهدى والنور" (٥١٥/ ٤٣: ٥٠: ٠٠) (٥١٦/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)
[ ٧ / ٨٦٩ ]
[١١٥٧] باب هل يُقال: القرآن غير مخلوق؟
[قال الشيخ -﵀ - بعد أن تكلم على جواز وصف الله تعالى بلفظتي "بذاته" و"بائن" في قولهم "الله فوق العرش بذاته" "بائن من خلقه" مع أن هذا لم يرد عن الصحابة لكن لما ظهر قول الجهمية بأن الله في كل مكان اضطر أئمة السلف أن يتلفظوا بذلك، قال]:
ومثل هذا تمامًا قولهم في القرآن الكريم أنه غير مخلوق؛ فإن هذه لا تعرفها الصحابة أيضًا وإنما كانوا يقولون فيه: كلام الله ﵎ لا يزيدون على ذلك وكان ينبغي الوقوف فيه عند هذا الحد لولا قول جهم وأشياعه من المعتزلة: إنه مخلوق ولكن إذا نطق هؤلاء بالباطل وجب على أهل الحق أن ينطقوا بالحق ولو بتعابير وألفاظ لم تكن معروفة من قبل، وإلى هذه الحقيقة أشار الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين سئل عن الواقفة الذين لا يقولون في القرآن إنه مخلوق أو غير مخلوق هل لهم رخصة أن يقول الرجل: "كلام الله " ثم يسكت؟ قال: ولِمَ يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت ولكن حيث تكلموا
فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون؟ " سمعه أبو داود منه كما في "مسائله" (ص٢٦٣ - ٢٦٤).
" مختصر العلو" (ص١٨).
[١١٥٨] باب ذكر أقدم من صرح بأن القرآن غير مخلوق
[قال الإمام في "مختصر العلو"]:
وأقدم من صرح بذلك [أي بأن القرآن غير مخلوق] ممن صرحوا باسمه من السلف: عمرو بن دينار كما تقدم في ترجمة (١٤٩) [من مختصر العلو] وقد توفي
[ ٧ / ٨٧٠ ]
سنة (١٢٦)، وأما الصحابة فلم أرَ نصًا صريحًا صحيحًا عن أحد منهم، اللهم إلا عموم قول عمرو بن دينار المتقدم في الكتاب هناك (١)، وظني أن فيه تغليبًا فقد صح عنهم القول بأن القرآن كلام الله، ولكن لم يقولوا: "غير مخلوق" لعدم الحاجة إليه يومئذ. وإلى هذا أشار الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين سئل: هل لهم رخصة أن يقول الرجل: "كلام الله" ثم يسكت؟ قال: ولِمَ يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأي شيء
لا يتكلمون؟!
رواه عنه أبو داود (ص ٢٦٣ - ٢٦٤).
ولذلك قال الحافظ ابن عدي:
"لا يعر ف للصحابة ﵃ الخوض في القرآن ".
وعلق عليه البيهقي في "الأسماء" فقال (ص ٢٤٤):
"قلت: إنما أراد به أنه لم يقع في الصدر الأول ولا الثاني من يزعم أن القرآن مخلوق، حتى يحتاج إلى إنكاره، فلا يثبت عنهم شيء بهذا اللفظ "غير مخلوق"، لكن قد ثبت عنهم إضافة القرآن إلى الله تعالى وتمجيده بأنه كلام الله تعالى".
وأما ما رواه البيهقي (ص ٢٤٧) عن ابن المديني أنه قال في أثر جعفر الصادق المتقدم برقم (١٤٤): "ليس بخالق ولا مخلوق".
"لا أعلم أنه تكلم بهذا الكلام في زمان أقدم من هذا ".
_________________
(١) قول عمرو بن دينار المتقدم هو: أدركت الناس منذ سبعين سنة أصحاب رسول الله - ﷺ - فمن دونهم يقولون: الله خالق، وما سواه مخلوق إلا القرآن، فإنه كلام الله منه خرج وإليه يعود. قال الألباني: إسناده صحيح مسلسل بالثقات الحفاظ.
[ ٧ / ٨٧١ ]
قلت فهو على ما أحاط به علمه، فإن عمرو بن دينار أقدم من جعفر كما تعرف مما سبق من ترجمتهما. على أنه قد روى مثله عن علي بن الحسين زين العابدين كما تقدم في الترجمة (١٣) وكانت وفاته سنة (٩٣) فهذا أقدم وفاة منهما، لكن في السند إليه ضعف كما سبق.
"مختصر العلو"ص١٧٤ - ١٧٥).
[١١٥٩] باب هل القول بخلق القرآن من الكفر البواح
السائل: جاء في حديث عبادة بن الصامت دعانا رسول الله - ﵌ - فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» فالسؤال المطروح هو توضيح معنى الكفر البواح؟
الشيخ: يعني الكفر الصريح الذي ليس عند صاحبه حجة يقتنع بها في نفسه فضلًا عن أن يستطيع أن يُقْنِعَ بها غيره، فالحجة هنا هي الحجة القاطعة البيّنة؛ أن يأتي بحجة على الكفر الذي نسميه نحن، أما إذا كان جاء بحجة هو مقتنع بها فلا يجوز الخروج عليه؛ لأنه خالف معهودنا وخالف معلوماتنا، وبهذا نعلل فتنة المأمون العباسي حيث خرج على العالم الإسلامي في خلافته بقوله بأن القرآن مخلوق، فهم ما خرجوا عليه .. فنجد العالم الإسلامي يومئذ وفيه العلماء الفطاحل من المحدثين والفقهاء والأئمة ما خرجوا عليهم وهم كانوا بلا شك يعني أقوى منا اليوم في الخروج عليهم؛ لكنهم لما كانوا يتبنون هذا الحكم وهو أنه لا يجوز للمسلمين أن يخرجوا على حكامهم وأمرائهم إلا إذا رأوا منهم كفرًا بواحًا، مارأوا منه الكفر البواح؛ لأن الكفر البواح يمكن أن نفهمه بما يُعبِّر عنه بعض العلماء في
[ ٧ / ٨٧٢ ]
بعض المناسبات بما كان معلومًا من الدين بالضرورة، يعني حكم يشترك في معرفته الخاصة والعامة، العالم والجاهل فإذا أعلن الحاكم يومًا ما استباحة أمر مقطوع تحريمه مثلًا من الدين بالضرورة حينئذ تسقط البيعة التي بويع بها؛ لأنه ارتكب كفرًا بواحًا صريحًا، أما مسألة خلق القرآن صحيح أنها خطأ بلا شك لكن أين الدليل، علماء السلف الصحابة الأولون ما تكلموا في هذه القضية لكن لما خرجت المعتزلة بهذه العقيدة الباطلة المنحرفة طبعًا عن الأدلة الشرعية فقالوا: إن كلام الله مخلوق؛ اضطر علماء السنة وبخاصة منهم علماء الحديث أن يقابلوا هذا القول بنقيضه وهو الصفة، وأن يقولوا كلام الله صفة من صفاته ولا يُعقل أن يكون مخلوقًا لكن هذا أشبه شيء بما يسمى بعلم الكلام، ولنقل عبارة أخرى أشبه شيء بالفلسفة من يفهم أن هذه صفة والصفة تبع للذات، والذات قديمة والصفات قديمة فيلزم منه أن الكلام ليس مخلوقًا؛ لأن هذا صفة للخالق ..، هذه أمور اجتهادية استنباطية وليست كل أمور اجتهادية استنباطية باطلة ولا هي كلها صواب لكن يختلف الأمر بين ما هو منصوص عليه وبين ما هو بطريق الاجتهاد والاستنباط لذلك نجد العلماء يومئذ ما قابلوا ضلالة المهدي بالخروج عليه؛ لأنه صحيح جاء بأمر منكر لكن ما جاء كفرًا بواحًا، ولذلك لقوا ما لقوا من التعذيب والسجن وربما الموت والقتل وما خرجوا عليه، وهنا الآن نحن بعد أن تبيّن لنا ما هو الكفر البواح وضربنا بعض الأمثلة ما فائدة فهم هذا الحديث في هذا العصر حيث لا بيعة، أنا أعتقد أن الذين يثيرون هذا السؤال وأمثاله هم من جماعة الخوارج المُحْدَثين، هم يحملون الفكر الجديد الذي تبنته جماعة سموا بحق أو بباطل بجماعة الكفر والهجرة
"الهدى والنور" (٢١١/ ٠٥: ٥٧: ٠٠)
[ ٧ / ٨٧٣ ]
[١١٦٠] باب منه
[قال الإمام]:
لا شك أن الإباضية وكل من دان برأيهم وبعقيدتهم في أن كلام الله ﷿ مخلوق، ومن ذلك هذا القرآن المعجز مخلوق، وكذلك من نفى إنكار رؤية المؤمنين لرب العالمين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لا شك أن هؤلاء المنكرين لكون القرآن كلام الله حقيقة وليس مخلوقًا، وأن الله ﷿ يمتن على عباده المؤمنين فيتجلى لهم يوم القيامة، ويوم يدخل المسلمون الجنة، هذا الإنكار فيه ضلال واضح جدًا، وأما أن هذا الضلال كفر ردة عن الدين أو لا، نقول: من تبينت له الحجة ثم أنكرها فهو كافر مرتد عن دينه، لكن من أنكر ذلك فهو في ضلال، ونحن لا يهمنا أن نقول فلان من الناس أو الطائفة الفلانية من الناس هم كفار، حسبنا أن نقول هم ضُلّال؛ لأن المقصود هدايتهم وأن يعرفوا أنهم على خطأ وعلى ضلال حتى يعودوا إلى الصواب ..
"الهدى والنور" (٣١٠/ ٠٠:٤٩:٣٣)
[١١٦١] باب ذكر دور ابن أبي دُؤَاد في فتنة خلق القرآن
[قال الإمام]:
أحمد بن أبي دؤاد - على وزن فؤاد - القاضي الجهمي المشهور وهو الذي بسببه امتُحِن الإمام أحمد وأهل السنة بالضرب والهوان على القول بخلق القرآن، ثم ابتلي ابن أبي دؤاد في نفسه وماله بما هو مذكور في ترجمته من "الشذرات " (٢/ ٩٣) وغيره عامله الله بما يستحق مات سنة (٢٤٠).
"مختصر العلو" (ص١٩٥).
[ ٧ / ٨٧٤ ]
[١١٦٢] باب الرد على من استدل على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ فقال: المجعول لا يكون إلا مخلوقًا
[ذكر الذهبي في "العلو" أن أهل الضلال قالوا أن القرآن كلام الله وتنزيله وأنه مخلوق"، وذكروا في دليلهم [إنا جعلناه قرآنا عربيا] وقالوا: والمجعول لا يكون إلا مخلوقًا].
[فعلّق الإمام على ذلك قائلًا]:
هذا القول باطل ظاهر البطلان، وكأنه لذلك لم يتعرض المصنف لرده، لكن لا بد لنا في هذا التعليق من الإشارة إلى بعض الآيات التي استدل بها أهل الحديث على بطلانه، فقد قالوا ما ملخصه: إن لفظة "جعل" لا تأتي بمعنى "خلق" كُلما ذُكِرت، وفي أي مكان وقعت، كقوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب﴾، فليست هنا بمنى الخلق قطعًا، بل إن الله تعالى قد أضاف هذه اللفظة إلى بعض المخلوقين فقال في يوسف ﵇: «جعل السقاية في رحل أخيه» بل قال في المشركين: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا﴾ فهل المعنى أن المشركين خلقوا الملائكة ؟! تعالى الله عن تفسير المبتدعة لكلامه علوًا كبيرًاَ.
فإذا تبين هذا كان لا بد من تفسير اللفظة المذكورة بالنظر إلى الموضع الذي وردت فيه، فإذا كان قوله تعالى: ﴿جعلنا قرآنًا عربيًا﴾ إنما هو القرآن قطعًا، وكان القرآن من كلامه تعالى قطعًا، وكان كلامه صفة من صفاته، وصفاته تعالى كلها أزلية غير مخلوقة كذاته، لم يجز حينئذ أن تُفَسَّر هذه اللفظة بما ينافي هذه الأمور المقطوع بها، قالوا: فالمعنى: إن الله تعالى لما كان يعلم الألسنة كلها وهو قادر على أن يتكلم بما شاء منها متى شاء، فإن شاء تكلم بالعربية، وإن شاء تكلم
[ ٧ / ٨٧٥ ]
بالعبرية، قال ﴿جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ أي جعله عربيًا من كلامه، كما جعل التوراة والإنجيل عبريًا من كلامه، ذلك لأنه أرسل كل رسول بلسان قومه ليبين لهم، كما قال تعالى في كتابه، فمعنى قوله "جعلناه": صرفناه من لغة إلى أخرى، وليس خلقناه."انظر الرد على المريسي" (ص ١٢٣ - ١٢٤).
"مختصر العلو" (ص١٧٥).
[١١٦٣] باب التحذير من كتاب
لبعض أهل البدع انتصر فيه للقول بخلق القرآن
[قال الإمام]:
من غرائب هذا الزمان وعجائبه أن يتجرأ أحد الإباضيين وهو الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ويؤلف كِتَابًا سماه بغير اسمه: " الحق الدامغ "! انتصر فيه لمذهبه في إنكارهم رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وقولهم بخلق القرآن، وبخلود أهل الكبائر في النار. وقد سلك فيه طريقة أسلافه من المعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء في تأويل أدلة أهل السنة، وجعلها ظنية الدلالة أو الثبوت، فيقول مَثَلًا فيما كان من القرآن وأخرجه عن دَلَالَته الظاهرة على الأقل: " والدليل إذا اعتراه الاحتمال سقط به الاستدلال "! (ص ٥٠) وغيرها.
وأما ما استدل به هو من الآيات فتأولها؛ لتوافق مذهبه؛ كمثل تأويله لقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾؛ فإنه تأول قوله: ﴿ناظرة﴾ أي: منتظرة! ومع ذلك فهي عندهم قطعية! وفيما كان من السنة والحديث وتبين له أن التأويل غير ناجح فيه استعمل فيها معول الهدم، وهو قوله (ص ٦٢):
" ومهما يكن فإن هذه الأحاديث آحادية، والآحادي لا تنهض به حجة في
[ ٧ / ٨٧٦ ]
الأمور الاعتقادية "! شنشنة نعرفها من أخزم، يلهج بذلك أهل الأهواء والبدع في كل زمان، وبخاصة زماننا هذا الذي كثرت فيها الفرق والطوائف! (وكل يدعي وصلًا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا)! وإن عجبي من هؤلاء لا يكاد ينتهي، يردون الاستدلال بالأحاديث الصحيحة بتلك الحجة الواهية، ومن جهة أخرى هم يستدِلّون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وما لا أصل له في السنة الصحيحة؛ بل وبالآثار الموقوفة الواهية، وكتاب الخليلي المذكور آنِفًا مشحون بما لا يصح من المرفوع والموقوف.
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٩٢٥).
[١١٦٤] باب دفع تهمة القول بخلق القرآن عن أبي حنيفة
وذكر بعض العقائد الضالَّة في كلام الله تعالى
[قال الإمام]:
في " التاريخ " [أي تاريخ بغداد] روايات .. عدة أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق. إلا أنني دققت النظر في بعضها فوجدتها لا يخلو من قادح، ولعل سائرها كذلك، لاسيما وقد روى الخطيب عن الإمام أحمد أنه قال: لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق.
قلت: وهذا هو الظن بالإمام أبي حنيفة ﵀ وعلمه، فإن صح عنه خلافه، فلعل ذلك كان قبل أن يناظره أبو يوسف كما في الرواية الثابتة عنه في الكتاب، فلما ناظره ولأمرٍ ما استمرت مناظرته ستة أشهر، اتفق معه أخيرًا على أن القرآن غير مخلوق، وأن من قال:"القرآن مخلوق" فهو كافر.
وهذا في الواقع من الأدلة الكثيرة على فضل أبي حنيفة فإنه لم تأخذه العزة،
[ ٧ / ٨٧٧ ]
ولم يستكبر عن متابعة تلميذه أبي يوسف حين تبين له أن الحق معه، فرحمه الله تعالى ورضي عنه.
ولكن مما يؤسف له أشد الأسف، أن كثيرًا من أتباعه، وبخاصة المتأخرين منهم، قد تأولوا كلامه هذا بما يعود إلى رده وذلك بحمله على الكلام النفسي، كما قد سبقت الإشارة إلى ذلك - فيما أظن، فهذا الشيخ الكوثري - حامل راية الخلف، والطعن في السلف - يعلق على مناظرة أبي يوسف لأبي حنيفة، فيقول بعد أن ذكر المذاهب في كلام الله تعالى، ونبز أهل الحديث بالحشوية لقولهم بأن كلام الله تعالى بحرف وصوت وأنه لا عبرة بخلافهم!! قال:
"فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة (!)، وهو في التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس ونفيه، وأن القرآن هو، أو هذا المًؤَلَّف من الحروف الذي هو كلام حسي (أي مسموع) أولًاَ، فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي، ولا لهم في قدم النفسي لو ثبت. وعلى البحث والمناظرة في ثبوت الكلام النفسي وكونه هو القرآن ينبغي أن يحمل ما نقل من مناظرة أبي حنيفة وأبي يوسف ستة أشهر، ثم استقر رأيهما على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر "!
وهكذا التقي الكوثري مع المعتزلة في إنكار أن القرآن كلام الله ﵎، ولكن بطريقة اللف والدوران منه ومن أمثاله ممن يتظاهرون بأنهم من أهل السنة والجماعة!! وما تخفي صدورهم أكبر، فإنهم يقولون بالكلام النفسي، وهو غير مسموع، ولذلك فإنهم إذا سئلوا من الذي تكلم بالقرآن أولًا، ومن الذي سمعه منه؟ أولًا، فإنهم لا يحيرون جوابًا، والحقيقة أن النفاة لكلام الله تعالى إنما يرجع قولهم إلى أن القرآن ليس كلام الله، وإذا كان كذلك فسواء كان أول من تكلم به بكلام مسموع هو جبريل أو محمد ﵉، فإن قولهم يلتقي مع
[ ٧ / ٨٧٨ ]
كفار قريش الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا في القرآن: ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ فإنهم إن لم يقولوا مثلهم إنه قول البشر، فهم قائلون ولا بد إنه قول جبريل أو غيره من الخلق، فهم مشتركون معهم في الغرض من قولهم ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ أنه ليس من كلام الله تعالى، فالله المستعان على هذا الضلال الذي وصل إليه كثير من الخلف، وتلك عقوبة لهم من الله تعالى لانحرافهم عن مذهب السلف
وأهل الحديث حشرنا الله في زمرتهم، وأماتنا على ملتهم، من أجل ذلك قال
وكيع بن الجراح:
"لا تستخفوا بقولهم: "القرآن مخلوق؛ فإنه من شر قولهم، وإنما يذهبون
إلى التعطيل"! رواه البخاري في " أفعال العباد " (ص ٧١) وقال البيهقي
عقبه (ص٢٥٤):
"وقد روينا نحو هذا عن جماعة آخرين من فقهاء الأمصار وعلمائهم ﵃، ولم يصح عندنا خلاف هذا القول عن أحد من الناس في زمان الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين".
" مختصر العلو" (ص١٥٦ - ١٥٧).
[١١٦٥] باب شرح قول أحمد:
"من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي"
[قال الذهبي في العلو]: يقول الإمام أحمد: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق- يريد القرآن - فهو جهمي".
[قال الإمام معلقًا على هذا الأثر]:
رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" (ص ٢٩) عن أبيه نحوه. أخرجه البيهقي
[ ٧ / ٨٧٩ ]
في "الأسماء" (ص ٢٦٦) بإسناد صحيح، وقال:
"قلت: هذا تقييد حفظه عنه ابنه عبد الله، وهو قوله: "يريد القرآن"، فقد غفل عنه غيره ممن حكى عنه في اللفظ خلاف ما حكينا حتى نسب إليه ما تبرأ منه فيما ذكرنا".
قلت: وفي قوله: "فقد غفل عنه غيره " نظر؛ لأن حقيقة الأمر أن الإمام أحمد كان يطلق ذلك في كثير من الأحيان، وممن روى ذلك عنه ابنه عبد الله نفسُه كما يأتي في الكتاب، وكذا أبو داود كما سأبينه قريبًا فهل يجوز أن ينسبا إلى الغفلة؟! فالحق أن أحمد أطلق غالبًا، فحفظه عنه جمع، وقيد مرة بيانًا ودفعًا لما قد يتوهم من الإطلاق أن نطقنا بالقرآن ليس من أفعالنا، وهذا خلاف ما هو مقرر عند أهل السنة أن أفعال العباد - ومنها النطق - مخلوقه كما شرحه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتابه "خلق أفعال العباد" بأدلة قاطعة من الكتاب والسنة، وأقوال السلف. فبيَّن الإمام أحمد رحمه الله تعالى بهذا القيد أنه لا يعني نطق التالي، فإنه مخلوق، وإنما يريد كلام الله تعالى، وبهذا يتفق الإمام مع تلميذ البخاري الذي كان يفرق بين التلاوة والمتلو، كما حكاه البيهقي وغيره، وقال: "ومسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى كان يوافق البخاري في التفصيل".
وهو الذي شرحه المصنف رحمه الله تعالى، وأحسن في ذلك، وبين السبب في فرار الإمام أحمد - في أكثر الروايات عنه - ومن وافقه من القول بالتفصيل المذكور ولله عاقبة الأمور. وراجع له كلام الإمام الجويني في رسالته في "الاستواء" (ص ١٨٤) فإنه مهم.
"مختصر العلو" (ص٢١١)
[ ٧ / ٨٨٠ ]
[١١٦٦] باب هل يجوز القول بأن لفظنا بالقرآن مخلوق
السائل: هل يجوز القول بأن لفظنا بالقرآن مخلوق؟
الشيخ: هذه المسألة في اعتقادي لا حاجة ولا مبرر لإثارتها في العصر الحاضر؛ لأنها قد تكون سببًا لإساءة فهم السامعين لهذه الكلمة، سواء أُثْبِتَت أو نُفِيَت، فإذا قيل: لفظي للقرآن مخلوق، ممكن أن يؤخذ على أن القرآن نفسه مخلوق، وهذا ما وقع في إمام المحدثين في زمانه، وهو الإمام البخاري، فكبار أصحابه وكثير من حفاظ الحديث خاصموه وعَادَوُه؛ لأنه قال هذه الكلمة، والآن نحن لسنا في هذا الصدد وفي هذا العصر؛ ذلك لأن جماهير المسلمين اليوم حينما يشاركوننا في الاعتقاد بأن القرآن كلام الله، وكلام الله غير مخلوق، هم يفسرونه بتفسير معروف في كتبهم؛ بأن كلام الله ﵎ نفسي وليس كلامًا لفظيًا مسموعًا عند المصطفين الأخيار، فالخلاف الآن الموجود يكفينا ولا نريد أن نثير خلافًا قديمًا كان بين أهل السنة أنفسهم، فالخلاف الموجود اليوم بين أهل السنة وأتباع أهل الحديث والمخالفين لهم، ممن ينتمون إلى مذهب الماتريدي أو الأشعري هذا الخلاف يكفينا، فما يجوز [نُثِيره] بيننا نحن الذين نقول بأن كلام الله ﷿ كلام حقيقي مسموع كما في الآية الكريمة: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (طه:١٣).
أما: هل يجوز لي أن أقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟
ما الذي يترتب من وراء هذا وخاصة في العصر الحاضر، فهو في اعتقادي وهذا خلاصة جوابي: إنه غيرذي موضوع الآن في العصر الحاضر، أما إذا كان إنسان - فرد من الأفراد - عنده شبهة أو إشكال حول هذه الكلمة سلبًا أو إيجابيًا، ممكن هذا البحث معه على انفراد، أما نثيرها جماعية هكذا بين الناس ويمكن
[ ٧ / ٨٨١ ]
أكثرهم فكره خالي عن هذا الموضوع إطلاقًا، سواء قيل بأنه يجوز بمعنى كذا، أو لا يجوز إذا كان بمعنى كذا.
هذا جوابي عن هذا السؤال.
"الهدى والنور" (٢٤٧/ ٣٠: ٣٢: ٠٠)
[١١٦٧] باب حكم قول القائل: قولنا بالقرآن مخلوق
السؤال: يقول الإمام أبو حنيفة ﵀ في «الفقه الأكبر»، ينقل ذلك صاحب الطحاوية بالنسبة للقرآن الكريم يقول: «والقرآن على الألسنة مقروء، وفي الصدور محفوظ» إلى آخر قوله يقول وهذا الشاهد إن شاء الله، يقول: «وقولنا بالقرآن مخلوق».
يقول الحكمي عالم من علماء السعودية ﵀ يقول: «من قال: قولي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع»، ومعلوم الاثنين عقيدتهم سلفية الحمد لله ومن العلماء الأجلاء، فما القول في أقوال العلماء؟
الشيخ: يختلف الأمر أخي بين القصد، وهذا الخلاف الواقع بين الإمام البخاري إمام المحدثين، والإمام الذهلي أيضا ًمن كبار أئمة الحديث في بخارى، حتى قام الذهلي على البخاري واضطره إلى أن يهجر بلده، المسألة فيها دقة من حيث التعبير، وما كنت أحب أن يقال مثل هذا السؤال في مثل هذا الجمع؛ لأنه أشبه ما يكون الجواب بالفلسفة، وقد تشرد بعض الأذهان عن المراد بهذا الكلام فيقع المحذور الذي يقول: أن من قال لفظي بالقرآن فهو جهمي، تقع هذه المشكلة نفسها، لماذا قال الإمام أحمد هذه الكلمة أو غيره؟
لأنه هذه ذريعة ليقول القائل: أن القرآن مخلوق، ذريعة .. خطوة، أما التدقيق
[ ٧ / ٨٨٢ ]
وهو الذي عناه البخاري أنه أنا تلفظي أنا فأنا تلفظي حادث بلا شك، وأنا أتلفظ بالقرآن الآن فأقول: (ألم) تلفظي أنا هو حادث ومخلوق، لكن لما أقول: أنا لفظي بالقرآن مخلوق، قد يفهم بعض الناس أن القرآن نفسه هو المخلوق، وبخاصة أن ذلك الزمن كان زمن الصولة والدولة للمعتزلة، فأراد الإمام أحمد قطع دابر كل وسيلة يؤدي إلى تأييد الجهمية والمعتزلة ونحو ذلك، والآن إذا عرفنا قصد المتكلم كما أقول أنا الآن لفظي أنا لما أقول: أنا (ألم) لفظي أنا، هذا مخلوق لأني أنا مخلوق، لكن الله الذي تكلم به فكلامه غير مخلوق، هذا هو المقصود.
"الهدى والنور" (٢٦١/ ١١: ٠٩: ٠٠)
[١١٦٨] باب الواقفة في القول بخلق القران ليسوا جهمية كلهم
[قال الإمام]:
ولقد رأيت الحافظ الذهبي ﵀ قد أنصف إسحاق [ابن أبي إسرائيل] هذا في ترجمته إياه في "السير" فقال في آخرها (١١/ ٤٧٧ - ٤٧٨):
"قلت: أداه ورعه وجموده إلى الوقف، لا أنه كان يتجهم؛ كلا ". ثم روى
عنه أنه قال:
"لم أقل على الشك، ولكني سكت؛ كما سكت القوم قبلي ".
قلت: فهو على هذا سلفي المنهج؛ فهو مأجور إن شاء الله تعالى، وغاية ما يمكن أن يقال في مثله؛ أنه أخطأ في وقفه وجموده؛ لعدم انتباهه إلى أن الوقوف ينفع فيما لو لم يجهر المبتدعة بالقول بخلق القرآن، ففي هذه الحالة لا بد من إنكار ذلك؛ لأنه على الأقل مخالف لما كان عليه السلف. والله أعلم.
"الضعيفة" (١٣/ ١/٤٧٧ - ٤٧٨).
[ ٧ / ٨٨٣ ]
[١١٦٩] باب هل يلزم من سؤال
"هل القرآن مخلوق" أن السائل يقول بخلق القرآن؟
[قال الإمام]:
لا يخفي أن مجرد السؤال عن القرآن: "هل هو مخلوق"، لا يلزم منه أن السائل يقول به؛ لاحتمال أنه يقول بخلافه، وإنما سأل عنه للاستزادة من علم المسؤول. والله أعلم.
"مختصر العلو" (ص١٦٢).
[١١٧٠] باب حكم قول بعضهم: القرآن يقُصُّ
مداخلة: بعضهم يقول هذا القرآن يقص
الشيخ: هذا الذي يقال هنا: مجاز، أن هذا القرآن الذي هو كلام الله يقص عليكم كذا.
مداخلة:
مداخلة: على المجاز.
الشيخ: أقول المجاز: ليس على اصطلاحهم وإنما على الاصطلاح أن المجاز في بعض المواطن هو الحقيقة؛ لأن حينما قسموا الكلام إلى حقيقة أو مجاز، قالوا: الحقيقة هو المعنى الذي يتبادر في الذهن أول ما يسمع الكلام، فإذا انصرفوا عنه إلى معنى غير متبادر سموه تأويلًا ولا بد للمصير إلى التأويل في هذه الحالة من قرينة، كما يقولون: إما أن تكون القرينة نقلية أو عقلية، لكن حينما تكون الجملة التي سموها مجازًا الذي يتبادر من الجملة هو المعنى المسمى
[ ٧ / ٨٨٤ ]
مجازًا فهو الحقيقة وللمثال على ذلك مما حفظته من كلام ابن تيمية - ﵀ - والآية الكريمة: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف:٨٢) فهنا لا يتبادر لأي عربي المعنى الذي يسمونه حقيقة، أي: القرية هذه في ترابها وجبالها وأنهارها وإنما يتبادر من النص القرآن هذا المعنى الذي يسمونه مجازًا، فإذًا تسميتهم لمثل هذا المعنى بالمجاز اصطلاح خاص لا يغاير المعنى الذي هو الحقيقة في اصطلاحهم فما يسمونه مجازًا في بعض المواطن هو الحقيقة، فالآن هنا: لا يتبادر إلى الذهن أن القرآن هو ذات يتكلم فيقص، لكن يتبادر المعنى الذي ذكرته آنفًا.
وهكذا مثلًا ضرب مثلًا آخر ابن تيمية ﵀ فيما إذا قال العربي: سرت والقمر فيقولون: هذا مجاز؛ لأن القمر في السماء وهو في الأرض، لكن هل أحد يفهم ويتبادر لذهنه: أنه سار والقمر بجنبه واضع يده ونحو ذلك من المعاني التي تفهم فيما لو قال: سرت مع فلان من البشر؟ طبعًا لا، إذًا: المعنى الحقيقي يتناسب مع المتحدث عنه فيه مما يطابق الواقع، فهنا: سرت والقمر، هذا مجاز .. مجاز في اصطلاحهم؛ لأنه ما هو الحقيقة؟ الحقيقة أنه في مكان واحد .. في أرض واحدة، لكن هذا المعنى لا يتبادر إلى الذهن إطلاقًا، وليس هناك إلا معنى واحد هو المعنى الذي سماه مجازًا وهو الحقيقة التي أرادها الله فيما إذا جاء بها ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) .. ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ (المعارج:٤) إلى آخره فهذه الآية تشبه هذه الآيات، يسمونه مجازًا في اصطلاحهم، لكن هي الحقيقة باصطلاح أهل السنة.
"رحلة النور" (٤٦أ/٠٠:٠٧:١٠)
[ ٧ / ٨٨٥ ]
[١١٧١] باب شفاعة القرآن
[قال الإمام]:
أما شفاعة النبي - ﵌ - فثابتة بالتواتر، وأما شفاعة القرآن ففيها أحاديث فانظر "الصحيح" [صحيح الجامع] (١١٦٥).
"ضعيف الجامع" (ص٥٠٣).
[١١٧٢] باب ذكر بعض أهل الضلال
ممن طعن في قرآن رب العالمين
[قال الإمام]:
هناك مع الأسف الشديد بعض الفرق الإسلامية تقول: بأن القرآن الموجود الآن بين أيدي المسلمين هذا جزء من مصحف فاطمة ﵍، حيث أن مصحف فاطمة زعموا ضاع، وهذا الذي بقي لدينا هو الربع كذبوا، إنما القرآن كما أنزله على قلب محمد ﵊ فهو بين أيدي المسلمين اليوم.
"الهدى والنور" (٧٠٥/ ٠٠:٠٠:٤١)
[ ٧ / ٨٨٦ ]
(جماع أبواب الكلام على صفة الخلق، والكلام على أول المخلوقات، ومسألة كروية الأرض ودورانها وغير ذلك)
[ ٧ / ٨٨٧ ]
[١١٧٣] باب القلم أول مخلوق والرد على من قال بخلاف ذلك
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎. وليس لذلك أساس من الصحة
وفيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نص في ذلك عن رسول الله - ﵌ -، وإنما يقول به من قاله كابن تيمية وغيره - استنباطًا واجتهادًا فالأخذ بهذا الحديث - وفي معناه أحاديث أخرى - أولى لأنه نص في المسألة، ولا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم.
وتأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل، لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان هناك نص قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها ومنها القلم، أما ومثل هذا النص مفقود، فلا يجوز هذا التأويل.
وفيه رد أيضًا على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق، إلا ومسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى مالا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال:
هذا أول مخلوق.
فالحديث يبطل هذا القول ويُعَيَّن أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعًا أي مخلوق. ولقد أطال ابن تيمية ﵀ الكلام في رده على الفلاسفة محاولًا
[ ٧ / ٨٨٩ ]
إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنه يقول ويصرح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له. كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض بهذا الحديث وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية ﵀ هذا المولج، لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه، ولكن صدق الإمام مالك ﵀ حين قال: " ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر - ﵌ - ".
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
[١١٧٤] باب ذكر أول المخلوقات
السائل: [هناك موضوع] (يضطرب) فيه العلماء هو ماذا أول شيء خُلِقَ؟ نحن نعرف في الحديث الصحيح أول شيء خلق هو: القلم، طبعًا يوجد أحاديث تثبت أن الله ﷿ كان ولم يكن شيئًا قبله، وأحاديث أخرى تثب أن الله ﷿ كان عرشه على الماء.
الشيخ: نعم.
مداخلة: طبعًا أنا الذي [أعرفه] أن القلم خلق قبل الماء على الحديث
صح أو لا؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: صحيح أم يوجد اضطراب في كلامي؟
[ ٧ / ٨٩٠ ]
الشيخ: لا، لا يوجد اضطراب.
مداخلة: هذا هو الصحيح.
الشيخ: نعم.
"الهدى والنور" (٢٥٩/ ٥٤: ٢٣: ٠٠)
[١١٧٥] باب رد قول من قال: العرش أول مخلوق
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
([إن] أول شيءٍ خَلَقَ اللهُ القلمُ، ثم خَلَقَ بعده النُّونَ، وهي الدَّواةُ، ثم قال ﷾: اكْتُب. فقال: وما أكْتُبُ؟ قال جل وعلا: اكتب ما يكونُ من عملٍ، أو أَثَرٍ، أو رِزْقٍ، [أو أجل].فكتبَ ما يكونُ، وما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، فذلك قوله ﷿: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ ثم خَتَمَ على القَلَم، فلمْ يَنْطِقْ، ولا ينطقُ إلى يومِ القيامةِ، [ثم خلق العقل فقال: وعزَّتي! لأُكَمِلَّنَّك فيمن أَحْبَبْتُ ولأُنْقِصَنَّك فيمن أَبْغَضْتُ].
(منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه الآجري في "الشريعة" (ص ٨٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٨٣) من طريق أبي مروان هشام بن خالد - يعني: الدمشقي الأزرق - قال: حدثنا الحسن بن يحيى الخُشَني عن أبي عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
قلت وهذا إسناد ضعيف، أبو عبد الله هذا: لم أجد له ترجمة.
[ ٧ / ٨٩١ ]
والحسن بن يحيى الخشني: قال الحافظ:"صدوق كثير الخطأ".
وله طريق أخرى عن أبي صالح، ولكنها واهية: يرويه محمد بن وهب الدمشقي: ثنا الوليد بن مسلم: نا مالك بن أنس عن سمي عن أبي صالح به.
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٦٩) وقال: "وهذا باطل
بهذا الإسناد".
ذكره في ترجمة محمد بن وهب بن عطية الدمشقي، وقال: "وله غير حديث منكر، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، وقد رأيتهم تَكَلَّموا فيمن هو خير منه".
ومن طريق ابن عدي أخرجه ابن عساكر (١٦/ ٩٥)، لكن ذكره في ترجمة محمد بن وهب بن مسلم أبو عمرو القرشي الدمشقي، يشير بذلك إلى خطأ ابن عدي في إيراده في ترجمة محمد بن وهب بن عطية. وصرَّح بتخطئته الذهبي في "الميزان"، وقال عَقِبَه:
"فصدق ابن عدي في أن الحديث باطل". وذكر نحوه الحافظ
في "التهذيب".
واعلم أن الزيادات التي بين المعكوفتين هي لابن عساكر في الموضوع المشار إليه من "تاريخه"، وإلا الأخيرة منها، فقد عزاها إليه الحافظ ابن كثير في تفسيره سورة ﴿ن﴾. وساق إسنادها السيوطي في "اللآلي" (١/ ١٣١) من طريق أبي مروان المتقدمة.
والحديث جاء من طرق ذكرها ابن عباس موقوفًا عليه بنحوه إلى قوله: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾.
[ ٧ / ٨٩٢ ]
أخرجه الآجري (ص ٨٤)، والطبري في "التفسير" (٢٩/ ٩ - ١٠)، و"التاريخ" (١٧ - ١٨)، والحاكم (٢/ ٤٩٨)، والبيهقي في " السنن" (٩/ ٣)
من طريق أبي ظبيان وأبي الضحى مسلم بن صبيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٤٣٣/١٢٢٢٧) من طريق مؤمل ابن إسماعيل: حدثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى به مرفوعًا.
قلت وهذا منكر، قال الطبراني عقبه:"لم يرفعه عن حماد بن زيد إلا مؤمل بن إسماعيل" قال الهيثمي (٧/ ١٢٨) عقبه: "قلت: مؤمل ثقة كثير الخطأ، وقد وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله ثقات".
وأقول: وإنما يصح مرفوعًا من هذا الحديث عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ وغيره أولُه مختصرًا، فرواه سعيد بن جبير عنه بلفظ: "إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون".
وهو مخرج في "الصحيحة" (١٣٣)، وله شواهد من حديث عبادة بن الصامت من طرق عنه، ومخرج في "المشكاة" (١/ ٣٤/٩٤)، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ في "الصحيحة" أيضًا (٣١٣٦).
(تنبيه): وأما الرواية التي أخرجها الطبري في "كتابيه" من طريق سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ موقوفًا بلفظ:"إن الله تعالى ذِكْرُهُ كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا فكان أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ".الحديث.
[ ٧ / ٨٩٣ ]
فهو منكر جدًا عندي لقوله:"قبل أن يخلق شيئًا" فإنه يشعر أن العرش غير مخلوق! وهذا باطل، وقد رواه شعبة عن أبي هاشم فلم يذكر فيه هذا الباطل. ولعله من قبل أبي هاشم الرماني، فإنه وإن كان ثقة بالاتفاق، فقد غمزه ابن حبان، فقال في "ثقاته" (٧/ ٥٩٦):
"كان يخطئ، يجب أن يعتبر حديثه إذا كان من رواية الثقات عنه، فأما رواية الضعفاء عنه فان الوهن يلزق بهم دونه لأنه صدوق لم يكن له سبب يوهن به غير الخطأ، والخطأ متى لم يفحش لا يستحق من وجد فيه ذلك الترك".
قلت: وإذا كان لا بد من تعصيب الخطأ في ذلك القول إلى أحد من سلسلة هذا الإسناد، فالأولى أن ينسب إلى من دون ابن عباس، ثم إن أولاهم به هو أبو هاشم هذا -لما سبق-، وليس الراوي عنه سفيان -وهو: الثوري-، فإنه:"ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة" - كما قال الحافظ في "التقريب" -.
وإن مما يبطل ذاك القول ونسبته إلى ابن عباس: أنه نفسه ممن روى عنه - ﵌ - ما يؤكد بطلانه لما تقدم بلفظ: "إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم ".
ولذلك قال الطبري ﵀: "وقول رسول الله - ﵌ - الذي رويناه أولى بالصواب، لأنه كان أعلم قائل بذلك قولًا بحقيقته وصحته، ومن غير استثناء منه شيئًا من الأشياء أنه تقدم خلقُ الله إياه خلقَ القلم، بل عمَّ بقوله - ﵌ -: «إن أول شيء خلق الله القلم» كل شيء، أن القلم مخلوق قبله من غير استثناء من ذلك عرشًا ولا ماءً، ولا شيئًا غير ذلك، فالرواية التي رويناها عن أبي ظبيان وأبي الضحى عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أولى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذي رواه عنه أبو هاشم، إذا كان أبو هاشم قد اختلف في رواية ذلك عنه شعبة وسفيان على ما ذكرت من اختلافها فيها".
[ ٧ / ٨٩٤ ]
وإني لأحمد الله تعالى أن هذا الكلام من هذا الإمام موافق تمامًا لما
كنت ذكرته في فوائد حديث ابن عباس هذا في المصدر المذكور آنفًا "الصحيحة"، أن فيه ردًا على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولم أكن يومئذ قد
وقفت عليه.
فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٦٧٦ - ٦٨٠)
[١١٧٦] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
فيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نص في ذلك عن رسول الله - ﵌ -، وإنما يقول به من قاله كابن تيمية وغيره - استنباطًا واجتهادًا فالأخذ بهذا الحديث - وفي معناه أحاديث أخرى - أولى لأنه نص في المسألة، ولا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم.
وتأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل؛ لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان هناك نص قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها ومنها القلم، أما ومثل هذا النص مفقود، فلا يجوز هذا التأويل ..
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ٧ / ٨٩٥ ]
[١١٧٧] باب هل يلزم من كون المخلوقات لها أول، أن الحوادث لها أول؟ والكلام على أول مخلوق؟
سؤال: يا شيخ! قلت في السلسلة الصحيحة الحديث الذي يدل على أن أول مخلوق هو القلم، واستدللت بذلك على أن الحوادث لها أول، فهل يلزم من أن المخلوقات لها أول أن الحوادث لها أول، وجزاكم الله خير
الشيخ: ما الفرق بين المخلوقات والحوادث؟ كل مخلوق حادث، وكل حادث مخلوق، ما أدري ما الذي يريد؟
مداخلة: شيخ أنا صاحب السؤال.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: أنا أقصد بصفات الله .. تحدَّث كما في الكلام مثلًا، ويأتي كلام الله متى يشاء، فأقصد أن الكلام من حيث نوعه هو قديم، ومن حيث آحاده فهو حادث، وهذا الذي قصدته فهل يدخل الحوادث ..
الشيخ: طيب! لكن كلام صفة من صفاته، فهل المخلوقات كذلك؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذًا: يفترقان تمامًا، نعم.
مداخلة: على هذه المسألة: هل نقول: أن تلك الحوادث ليس لها أول.
الشيخ: وقوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم»؟
مداخلة: لا، أنا أقصد الجنس يعني لو تصورنا هكذا: خالق وخلق ومخلوق، فلعله يُشْكِل على كثير من الناس هذه المسألة، فنقول: الخلق هو قديم.
[ ٧ / ٨٩٦ ]
الشيخ: الخلق صفة الخالق قديم.
مداخلة: نعم، والخالق هو الله بذاته ﷾، وأن المخلوق هو الحادث، يعتبر أول المخلوقات الذي هو القلم، طيب! وما جاء أن العرش أول المخلوقات.
الشيخ: لا يستوي هذا الكلام، هذا قول وليس جاء عن الرسول ﵇.
مداخلة: في حديث: «وكان عرشه على الماء».
الشيخ: لا بأس! أنا أعرف، لكن أنت قلت: وما جاء أن العرش أول مخلوق قلت: لا أصل لهذا الكلام، وهناك فرق كبير بين الاستنباط لحكم ما استنباطًا يمكن أن يكون صوابًا ويمكن أن يكون خطأً، وبين حكم صرح به الرسول ﵇ تصريحًا، فأنا قلت لك: هذا لا أصل له، أعني: لا يوجد في أي حديث كما قال الرسول للقلم أنه أول مخلوق لا يوجد أنه قال للعرش أنه مخلوق، لكن كونه قال ﵇: «وكان عرشه على الماء» هذا لا يُبَيَّن أنه لم يخلق شيئًا قبل ذلك الماء الذي كان عرشه عليه، فإذا كان هذا غير مُبَيَّن في هذا الحديث، وكان حديث القلم صريح بأنه أول مخلوق، فليس هناك ما يحملنا على أن نترك النص الصريح إلى النص الذي يحتمل معنى هذه الحديث الصحيح بغير القلم فحينئذٍ على كل حال سواء كان - الآن البحث يأخذ طورًا ثانيًا - سوًاء كان القلم هو أول مخلوق أو كان الماء الذي كان عليه العرش، فإذًا: هناك نقطة التقاء بين جميع المختلفين في تعيين أول مخلوق أن هناك أول مخلوق، صح هذا أو لا؟ إنما الخلاف في تحديده وتعيينه، لكن لا خلاف عند الذين اختلفوا، وهذا من العجائب ابن تيمية نفسه حكى هذا الاختلاف أن العلماء اختلفوا في أول مخلوق: هل هو
[ ٧ / ٨٩٧ ]
العرش .. هل هو القلم .. هل هو الماء؟ إلى آخره، فإذًا هناك شيء متفق عليه أنه يوجد أول مخلوق، يوجد شيء مختلف فيه، ما هو هذا الأول من المخلوقات؟ قيل وقيل.
والصريح كما ذكرنا آنفًا: أول ما خلق الله القلم، نعم.
مداخلة: شيخ! هذا الحديث: بعضهم يقول: أنه ليس فيه دلالة صريحة، وهم يؤولونها ويقولون: أن فيه ممكن يكون بالمفهوم: «أول ما خلق الله القلم وقال له اكتب» يعني: كما يقول: أول ما دخل فلان من الباب قال له: افعل كذا، يقول: ليس فيه دلالة على ..
الشيخ: انظر انظر أنت غيَّرت العبارة، أول ما خلق قال، الحديث ليس هكذا «أول ما خلق الله القلم» جملة تامة، فقال استئناف كلام .. أما لو قال: "قال" هنا يرد الشبهة التي أنت ذكرتها.
مداخلة: واو الآن عاطفة ..
الشيخ: ما هو المتبادر؟ نرجع للقواعد؟ ما هو المتبادر من قوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» كلها جمل مرتبطة بعضها في بعض، ثم هب أن القضية فيها احتمال أن يقول: الماء أول مخلوق، أو العرش أول مخلوق، ما فيها احتمال؟
مداخلة: فيها.
الشيخ: فيها احتمال، فأي الاحتمالين يعني: أقوى بحيث يجعل الدليل أضعف، لا شك أن الذي ما فيه ذرة تأول أضعف، وهذا أقوى، والله أعلم، نعم.
[ ٧ / ٨٩٨ ]
مداخلة: في رأي شيخ في السنة يعني: تعين ما ذهبتم إليه، لكني أردت أن أعرف الرد على مثل هذا، وهي مذكورة في كتاب السنة: «أول شيء خلقه الله القلم، فقال له: اكتب» فإضافة شيء لعلك ترجح هذا المعنى يا شيخ؟
الشيخ: نعم، هو كذلك، لكن هذا الذي عنده شبهة يفرقون بين لفظة: قال، وهذا وجهة نظر قديمة، وبين: فقال، ورواية، أنا دندنت حول هذه الكلمة من حيث إثبات صحة الرواية فيها؛ لأنه لو قال: «أول ما خلق الله القلم قال ..» يكون قال هو الخبر بهذه الجملة، وإنما الخبر هنا القلم، أول ما خلق الله القلم، تمت مبتدأ أو اسم وخبره، أول ما خلق الله: هذه في محل نصب، واسم إن، فالقلم هو الخبر لإن، أما لو قال: "قال" فحينئٍذ تصير الجملة التالية هو الخبر، فيختلف المعنى.
"رحلة النور" (٤١ب/٠٠:٠٧:٥٣)
[١١٧٨] باب هل النور المحمدي أول خلق الله؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎. وليس لذلك أساس من الصحة
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ٧ / ٨٩٩ ]
[١١٧٩] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«خُلِقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من نار السموم، وخُلِق آدم ﵇ مما قد وصف لكم».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: " أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ".ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه - ﵌ - خلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خُلِقُوا من نور، دون آدم وبنيه، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
"الصحيحة"١/ ٢/٨٢٠).
[ ٧ / ٩٠٠ ]
(كروية الأرض ودورانها)
[١١٨٠] باب الأرض كروية
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«أول الأرضين خرابا، يُسراها ثم يمناها».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
ثم إن ظاهر الحديث منكر عندي، لأن الأرض كروية قطعًا، كما تدل عليه الحقائق العلمية، ولا تخالف الأدلة الشرعية، خلافا لمن يُماري في ذلك، وإذا
كان الأمر كذلك فأين يمنى الأرض ويسراها؟! فهما أمران نسبيان كالشرق والغرب تمامًا.
"الضعيفة" (٤/ ١٥٧ - ١٥٩).
[١١٨١] باب كروية الأرض وعلو الله تعالى
سؤال: يسأل (بعضهم) سؤالًا في العقيدة .. فيقول: أنه هذه الكرة الأرضية إذا فرضنا بأن رجل في الطرف الأعلى، بالنسبة لنا، ورجل آخر في الطرف الأسفل، فالرجل الأعلى إذا رفع يديه إلى السماء فإنه يسأل مِنَ الله ﵎، ويكون الرفع باليدين إلى جهة العلو، وأما الرجل الذي في الأسفل في تصورنا فيكون يرفع يديه إلى تحت، فهل ممكن تُوضِّح لنا هذا؟
[ ٧ / ٩٠١ ]
الشيخ:- هذا خطأ؛ كل من كان على سطح الأرض فهو يرفع يديه إلى السماء إلى العلو، أنت اللي عم تحكيه خطأ من الناحية الفلكية وخطأ من الناحية الشرعية [ثم أخذ الشيخ يُصَوِّرُ شيئًا للسائل ليبين له المقصود].
" الهدى والنور" (٤١/ ٤٢: ٠٨: ٠٠)
[١١٨٢] باب هل العالم كروي؟
السؤال: هل في رأيكم أن العالم كروي أم مستقيم؟
الشيخ: هذا سؤال جغرافي أو ديني؟
مداخلة: كلاهما.
الشيخ: كروي.
مداخلة: هل أخطأ ابن باز حينما قال بأنها مستقيمة؟
الشيخ: مستقيمة أو مسطحة؟
مداخلة: مسطحة.
الشيخ: ليت أن الخطأ وقف عند المسألة الجغرافية.
مداخلة: يريد أن تشرح لي.
الشيخ: مسألة كُروية الأرض أو سطحيتها ليست مسألة عملية، ولا هي مسألة اعتقادية، يجب على المسلم أن يعرف حكم الشرع فيها، إذا كانت عملية ليتعبد الله بها كسائر العبادات، أو أن يعتقدها في قرارة نفسه وقلبه، إذا كانت عقيدة يؤمر كل مسلم أن يعتقدها وأن يُؤمن بها، وإنما هي مسألة قد تؤخذ على وجهين اثنين من تفسير بعض الآيات في القرآن الكريم، وبلا شك كما هو الشأن في أكثر المسائل
[ ٧ / ٩٠٢ ]
يكون أحد الوجهين صوابًا والآخر خطأ، وعلى هذا من اجتهد وكان أهلًاَ للاجتهاد وأول شرط لهذه الأهلية هو المعرفة باللغة العربية، فسواء أصاب أو أخطأ كما يعلم هو، من أصاب له أجران ومن أخطأ فله أجر واحد، وهذه الآيات التي جاءت حول الأرض هل هي متحركة كروية أم هي ثابتة، فليس هناك نص قاطع يؤيد أحد الوجهين المختلفين، ولذلك قلنا أن هذه ليست مسألة اعتقادية لا بد أن يكون فيها رأي مُوحَّد كما نعتقد برأي السلف، فبعض الآيات من القرآن الكريم التي تتعلق بهذا الموضوع يمكن أن يُفهم منها ثبات الأرض وسطحيتها، والبعض الآخر يمكن أن يُفهم منها حركتها ودورانها، وهذا الرأي هو الذي يترجح عندنا ويطابق في الواقع الطبيعي الذي يشعر به كل فرد من أفراد الناس سواء كان مسلمًا أو كافرًا.
ويكفي في أن نعرف أن المسألة ليس فيها دليل قاطع مع الذين يُلِحُّون على مخالفة ما ثبت علميًا اليوم أن الأرض متحركة وأنها تدور حول الشمس، يكفي لمعرفة أنه لا نص صريح يخالف هذه الفكرة أو هذا الرأي الفلكي، أن كثيرًا من علماء المسلمين الذين يعترف كل المسلمين بعلمهم وفضلهم وبخاصة نحن معشر السلفيين نعتقد بإمامية شيخ الإسلام ابن تيمية في معرفة الكتاب والسنة، وابن القيم الجوزية فضلًا عن غيرهما بأنهم كانوا يرون خلاف ما يذاع الآن بناء على بعض الظواهر القرآنية كآية: والجبال رواسي مثلًا، ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (النازعات:٣٠)، ونحو ذلك من الآيات، ما فهموا منها هذا الرأي الجامد المخالف، أولًا لظواهر النصوص الأخرى، وثانيًا للحقيقة العلمية الفلكية.
مثل آية وَصْف الجبال بالنسبة للأرض كالرواسي بالنسبة للسفن، لا يستلزم لغة أن تكون الأرض غير متحركة مطلقًا، وإنما تنفي حركة اضطرابية مضطربة.
[ ٧ / ٩٠٣ ]
ومثل هذه الآية آية: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ:٧)؛ لأننا نعلم بالمشاهدة أن الوتد بالنسبة للدابة ليس مانعًا لها من الحركة، وإنما الوتد يمنعها من الحركة الفوضوية وهي الشرود والانطلاق كيفما شاءت، لا، ربنا نَظَّم دوران الأرض كدوران الفرس حول الوتد، فجعل الجبال أوتادًا على عكس ما يدعون، هي تُثَبِت حركة الأرض لكن تثبت حركة علمية معروفة اليوم أنها منظمة ودقيقة جدًا في طوال السنة لا تختلف ثانية، وكذلك الرواسي لا تمنع السفينة من الحركة، وإذا انتقلنا إلى الآيات الأخرى فهي صريحة أو تكاد تكون صريحة بعكس ما تفهمون من الآيات الأولى، كالآيات المذكورة في سورة يس، ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (يس:٣٣)، إلى أن قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ﴾ (يس:٣٨ - ٤٠)
من الآيات الثلاث: الأرض والقمر والشمس ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٤٠)،
وهذه الآيات الدقيقة من الآيات الكونية على صدق النبوة والرسالة بدون
تَكَلَّف؛ لأن هناك آيات تعرفوا أنتم يتكلفون جدًا في تأويلها وتطبيقها في بعض النظريات العلمية
"الهدى والنور" (٤٣٥/ ٠٠: ٥٣: ٠٠) و(٤٣٦/ ٠٠:٠٠:٥٥)
[١١٨٣] باب مسألة دوران الأرض هل هي حقيقة؟
السؤال: سائل يقول: ما قولكم في مسألة دوران الأرض؟
الشيخ: نحن الحقيقة لا نشك في أن قضية دوران الأرض حقيقة علمية لا تقبل الجدل، في الوقت الذي نعتقد أن ليس من وظيفة الشرع عموما ًوالقرآن خصوصًا أن يتحدث عن علم الفلك ودقائق علم الفلك، وإنما هذه تدخل في
[ ٧ / ٩٠٤ ]
عموم قوله ﵊ الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة تأبير النخل، حينما قال لهم: «إنما هو ظن ظننته، فإذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فأتوا منه ما استطعتم، وما أمرتكم بشيء من أمور دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم» فهذه القضايا ليس من المفروض أن يتحدث عنها الرسول ﵇ وإن تحدث هو في حديثه أو ربنا ﷿ في كتابه فإنما لغاية أو لآية أو لمعجزة ونحو ذلك.
ولذلك فنستطيع أن نقول: أنه لا يوجد في الكتاب ولا في السنة ما ينافي هذه الحقيقة العلمية المعروفة اليوم والتي تقول: بأن الأرض كروية وأنها تدور بقدرة الله ﷿ في هذا الفضاء الواسع، بل يمكن للمسلم أن يجد ما يشعر إن لم نقل: ما ينص على أن الأرض كالشمس وكالقمر من حيث أنها كلها في هذا الفضاء كما قال ﷿: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٤٠) لا سيما إذا استحضرنا أن قبل هذا التعميم الإلهي بلفظة: وكل، هي تعني الكواكب الثلاثة، حيث ابتدأ بالأرض فقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (يس:٣٣) ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٣٨ - ٤٠) لفظة كل تشمل الآية الأولى الأرض ثم الشمس ثم القمر ثم قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٤٠)، هذا ظاهر من سياق الآيات هذه، وهي بلا شك آيات في ملك الله ﷿ باهرة، فكل هذا مع العلم بأن العلماء في التفسير أعادوا اسم كل إلى أقرب مذكور وهو الشمس والقمر، لكن ليس هناك ما يمنع أبدًا من أن نوسع معنى الكل فيشمل الأرض التي
[ ٧ / ٩٠٥ ]
ذكرت قبل الشمس وقبل القمر، هذا أقوله، فإن صح فبها ونعمت، وإن لم يصح فأقل ما يقال: أنه لا يوجد في القرآن كما قلت آنفًا ولا في السنة ما ينفي هذه الحقيقة العلمية.
أما ما يقال أو ما يستدل به من الآيات كجعل الله ﷿ الجبال رواسي أن تميد بهم، وكالأرض بعد ذلك دحاها ونحو ذلك من الآيات فهي في الحقيقة لا تنهض لإبطال هذه الحقيقة العلمية الكونية من جهة، بل لعل بعضها تكون حجة على المستدلين بها، فجعل الله ﷿ الجبال أوتادًا كذلك كالأوتاد تشبيهًا بالأوتاد فهذا نص صريح بأن ذلك لا يمنع تحركها مطلقًا، وإنما يمنع تحرك الأرض تحركًا اضطرابيًا، بحيث لا يتمكن الساكنون عليها من التمتع بما فيها بل من الحياة عليها، ذلك لأننا نعلم أن الرواسي بالنسبة للسفن لا تمنع حركتها مطلقًا، لكنها تمنع أن تفلت هكذا في خضم البحر فتضربها الأمواج يمينًا وشمالًا، ثم يكون مصيرها الغرق، كذلك الأوتاد التي تضرب عادة للخيل ونحو ذلك من الدواب فهي لا تمنع أبدًا أن تتحرك تحركًا في مدى محدود أراده ذاك الواتد إن صح التعبير وهو الذي ضرب الوتد للحيوان.
ونحن نرى في سوريا في بعض البساتين البساتين التي تُزرع فيها بعض الحشائش التي هي طعام للخيل وللبقر ونحو ذلك من الحيوانات يسمى عندنا في بلاد الشام بالفصة وربما يسمى عندكم بالبرسيم، هذا الذي يباع في المدينة حشيش أخضر أليس هو البرسيم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا يزرع، فيأتي الفلاح حينما ينبت فيضرب وتدًا لفرسه أو لبقرته،
[ ٧ / ٩٠٦ ]
فتجد هذه البقرة تأكل من هذا البرسيم المقدار الذي يريده صاحبها، فهي تتحرك، لكن ما تتحرك كما تشاء تتحرك بفوضى كما لو أطلق لها الزمام، وإنما تتحرك حركة نظامية، ولذلك تجد قد شكَّلت دائرة، الفصة أو البرسيم الذي أكتله أصبحت الأرض جرداء تقريبًا من الخضار، وما حولها لا يزال الخضار فيه قائمًا.
فتشبيه رب العالمين ﵎ للجبال بالنسبة للأرض كالمراسي للسفينة، والأوتاد بالنسبة للحيوانات هذه أيضًا بالنسبة للأرض كل ذلك لا ينفي عن الأرض حركة مُنَظَّمة بقدرة الله ﵎، لذلك قلت: أن هذا الآيات أو بعضها على الأقل هي أقرب إلى الدلالة على أن الأرض تتحرك أقل ما يقال، وأنها ليست ثابتة جامدة كما يتوهم كثير من الناس.
فخلاصة القول: لا يوجد في الشرع أبدًا ما ينفي كروية الأرض، ثم كروية الأرض أصبحت اليوم حقيقة علمية ملموسة لمس اليد يعني يتهم الإنسان في عقله أو على الأقل في علمه فيما إذا جحد هذه الحقيقة، لأنك اليوم تستطيع أن ترفع السماعة وتتصل مع صديق لك صادق تقول له: الآن ماذا عندكم نهار أم ليل؟ سيقول لك: عندنا ليل، في الوقت الذي يًؤذَّن عندنا مثلًا لأذان المغرب يُؤذِّن عندهم لصلاة الفجر أو يكون قد طلعت الشمس، وهذا لا يمكن تصوره أبدًا إلا كما يقول العلم هذا التجربة أن هذا ينتج بسبب أن الأرض تدور حول الشمس دائرة كاملة ينتج من وراءها الليل والنهار، ثم أدق من ذلك حصول الفصول الأربعة بسبب ابتعاد الأرض عن الشمس واقترابها، وهذا له تفصيله في علم الفلك في علم الجغرافيا لسنا في صدده، لكن الشاهد أنه لا يمكن أن تحصل هذه الأمور الواضحة إلا والأرض أولًا كروية، وإذا سُلِّم بكرويتها فلا يمكن أن يقال بأنها
[ ٧ / ٩٠٧ ]
ثابتة، لأن البشر يسكنون هذه الأرض في كل جوانبها، كما يقال اليوم في القطب الشمالي وفي القطب الجنوبي، فلو كانت هي كروية وثابتة كيف يثبت من كانوا في أسفل القطب الجنوبي بل ومن كان في طرفيها، لكنها لما كانت تدور بقدرة الله العجيبة الدوران الذي لا يجعل حياة المستوطنين أو الساكنين عليها مضطربة فهذا أمر يعني غاية الإعجاز الدالة على عظمة قدرة الله ﵎.
وأنا أريد أن أُذكِّر بشيء يقرب هذا الشيء البعيد الذي لا يدخل في أذهان بعض الناس: (وأنا في ألبانيا كنت أجيرًا في دكانة خال لي كان حلاقًا، فكان يأتيه زبون مثلًا فيطلب له قهوة فنجان قهوة، يأتي الكهوجي أو أجير القهوجة يأتي أجيره في القهوة أو القهوجي وفي يده صحن أو صينية تقولون صينية؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: مثل هذه الصواني أكبر منها قليلًا، لكن هذه لها حاملة، يعني: ممكن أن نصورها هكذا .. ! هنا يضع إصبعه هنا ويمشي أولًا يده ويتسلى يعمل فيها هكذا، والفنجان على الصحن الصغير كما هي العادة لا يتحرك من مكانه، هذا مصغر جدًا جدًا يفهم الإنسان كيف تدور الأرض ولا يضطرب البشر عليها، والبشر بشر كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:٤) فإذا كان هذا الفنجان وهو موضوع في الصينية والذي يحركه هو إنسان جاهل غشيم قدرته ومداركه محدودة، مع ذلك ربنا ﷿ أعطاه شيئًا من العقل وشيئًا من القدرة، بحيث أنه يدير هذه الصينية وعليها الفنجان وهو فوق الصحن الصغير فلا يقطر منه قطرة، هذا كنا نراه ونحن صغار، الله ﷿ ماذا نقول، وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، أي: أن الله على كل شيء قدير، إذًا: القضية ما
[ ٧ / ٩٠٨ ]
تحتاج إلا إلى شيء من العلم والإدراك الصحيح مع وجود الإيمان الكامل طبعًا بعظمة قدرة الله التي لا يمكن أن يتصورها إنسان. هذا رأيي في هذا السؤال.
مداخلة: جزاكم الله خير.
"الهدى والنور" (٤٩٧/ ٤٦: ٤٢: ٠٠)
[١١٨٤] باب دوران الأرض
من الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل
[قال الإمام]:
(كون) الأرض تدور في الفضاء أصبحت من الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل، وليس في الكتاب ولا في السنة نص ينافي ذلك خلافًا لبعضهم.
"التعليق على التنكيل" (٢/ ١٨٥).
[ ٧ / ٩٠٩ ]
(الكلام على حديث: "خلق الله التربة يوم السبت")
[١١٨٥] باب الجمع بين حديث التربة
وقوله تعالى: ﴿خلق السموات والأرض في ستة أيام﴾
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال النسائي في تفسير السجدة: حدثنا إبراهيم بن يعقوب: حدثني محمد بن الصبَّاح: حدثنا أبو عبيدة الحداد: حدثنا أخضر بن عجلان عن ابن جريح عن عطاء عن أبي هريرة: أن النبي - ﵌ - أخذ بيدي فقال: «يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والشر يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، خلقه من أديم الأرض بأحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث».
الأخضر وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم يُكتب حديثه وليَّنه الأزدي، وحديثه في السنن الأربعة، وهذا الحديث غريب من أفراده.
[قال الإمام بعد أن رجَّح أن الأخضر صدوق]:
وبقية رجال الإسناد ثقات كلهم، فالحديث جيد الإسناد على أنه لم يتفرد بذكر خلق التربة يوم السبت، وغيرها في بقية الأيام السبعة، فقد أخرجه مسلم
[ ٧ / ٩١٠ ]
وغيره من طريق أخرى عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وقد خرجته في "الصحيحة" رقم (١٨٣٣) وقد توهم بعضهم أنه مخالف للآية المذكورة في أول الحديث، وهي في أول سورة " السجدة "، وليس كذلك كما كنت بينته فيما علَّقته على " المشكاة" (٥٧٣٥)، وخلاصة ذلك أن الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، وأن الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه، وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر، فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من الجمع. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
"مختصر العلو" (ص١١١ - ١١٢)
[١١٨٦] باب منه
عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله - ﵌ - بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق وآخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل».رواه مسلم
[قال الإمام]:
ولا مطعن في إسناده البتة، وليس هو بمخالف للقرآن بوجه من الوجوه، خلافًا لما توهمه بعضهم، فإن الحديث يُفَصِل كيفية الخلق على الأرض وحدها، وأن ذلك كان في سبعة أيام، ونص القرآن على أن خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام، والأرض في يومين لا يعارض ذلك، لاحتمال أن هذه الأيام الستة غير
[ ٧ / ٩١١ ]
الأيام السبعة المذكورة في الحديث، وأنه - أعني الحديث - تحَدَّث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض حتى صارت صالحة للسكنى، ويؤيده أن القرآن يذكر أن بعض الأيام عند الله تعالى كألف سنة، وبعضها مقداره خمسون ألف سنة، فما المانع أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل؟ والأيام السبعة من أيامنا هذه؟ كما هو صريح الحديث، وحينئذ فلا تعارض بينه وبين القرآن.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٥٩٨).
[١١٨٧] باب معنى حديث ﴿خلق الله التربة يوم السبت﴾
وهل ضعَّفه شيخ الإسلام؟
السائل: السؤال الأول: الحديث الذي يرويه مسلم .. الإمام مسلم ﵀
أنه أول ما خلق الله ﷿ يوم السبت: التربة، فلقد قرأت للإمام ابن تيمية ﵀ بأنه يقول على هذا الحديث: بأنه معلل، وقد رواه البخاري موقوف على
أحد الصحابة.
الشيخ: من قال؟
مداخلة: بحث الشيخ ابن تيمية يقول هذا القول.
الشيخ: لا، أنت وهمت على الشيخ.
مداخلة: ماذا؟
الشيخ: وهمت .. أخطأت على الشيخ، الشيخ ما يقول: أن البخاري
رواه موقوفًا.
مداخلة: وإلا ماذا يقول؟
[ ٧ / ٩١٢ ]
الشيخ: يقول: أعله بالوقف.
مداخلة: ماذا يقول؟
الشيخ: أعله.
مداخلة: أعله بالوقف.
الشيخ: نعم، وشتان بين أعله بالوقف وبين رواه موقوفًا.
مداخلة: نعم، صحيح.
الشيخ: طيب! غيره.
مداخلة: طبعًا أنت تصحح الحديث.
الشيخ: نعم ولا شك.
مداخلة: ابن تيمية بتعليله هذا الحديث يعني: يستدل على أن أول أيام الأسبوع الذي هي ماذا؟ الأحد، وأن الله ﷿ خلق السماوات والأرض في ستة أيام، يذكر خلق آدم في هذه المسألة، كيف هذه الشبهة التي أصابتني أنا على أنه يعني: نقدر نقول: أن خلق آدم لحاله غير ستة أيام ما هو الحديث؟
الشيخ: أنت الحديث استوعبت نصه.
مداخلة: تقريبًا.
الشيخ: جميل.
مداخلة: ليس كل نصه يعني: أنا الشرح الذي فهمته.
الشيخ: لا بأس! قبل الشرح بدك تكون مستوعب المشروح، قبل شرح
[ ٧ / ٩١٣ ]
الحديث يجب أن تستوعب الحديث، فأنا سأُذَكِّرك الآن هل في الحديث ذكر خلق السماوات والأرض؟
مداخلة: لا، التربة أول الشيء.
الشيخ: إذًا انتبه لما يُلقى عليك: الحديث لا يتعلق ولا يتحدث بما تحدَّثت به الآية الكريمة التي تُصَرِّح بأن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام حتى نأتي ونقول: بأن هذا الحديث يخالف الآية؛ لأن هذا الحديث فقط يتحدث عما خلق الله ﷿ وأوجد من مخلوقات وتصرفات جديدة في الأرض فقط.
"الهدى والنور" (٢٥٩/ ٥٤: ٢٣: ٠٠)
[ ٧ / ٩١٤ ]
(متفرقات)
[١١٨٨] باب الأرضين سبع كالسماوات
[قال رسول الله - ﷺ -]:
«إن نبي الله نوحًا - ﵌ - لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاصٌّ عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ (لا إله إلا الله)، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حَلَقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر، قال: قلت: أو قيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ - قال -: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: لا. قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال:
لا. قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: «سفه الحق وغمص الناس».
[قال الإمام]:
وفيه فوائد كثيرة، "منها":
أن الأرضين سبع كالسماوات. وفيه أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ولعلنا نتفرغ لتتبعها وتخريجها. ويشهد لها قول الله ﵎: ﴿خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾ أي في الخلق والعدد. فلا تلتفت إلى
[ ٧ / ٩١٥ ]
من يفسرها بما يؤول إلى نفي المثلية في العدد أيضا اغترارًا بما وصل إليه علم الأوربيين من الرًقِي وأنهم لا يعلمون سبع أرضين! مع أنهم لا يعلمون سبع سماوات أيضا! أفننكر كلام الله وكلام رسوله بجهل الأوربيين وغيرهم مع اعترافهم أنهم كلما ازدادوا علما بالكون ازدادوا علما بجهلهم به، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٩، ٢٦١).
[١١٨٩] باب هل جعل الله لمسخ نسلًا؟
مداخلة: ثبت في الحديث: «ما جعل الله لمسخ من نسل».
الشيخ: نعم، هذا حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم.
مداخلة: معنى هذا الحديث.
الشيخ: ربنا ﷿ لما مسخ اليهود قردة وخنازير هؤلاء مكثوا ثلاثة أيام ممسوخين ثم أبيدوا، الممسوخون هؤلاء لم يجعل الله لهم نسلًا كما يَظن أو يقول بعض الناس أن الحيوان الفلاني وبخاصة القرد مثلًا أن هذا أصله إنسان، هذا خطأ من الكلام، القرد كان موجودًا قبل أن يمسخ الله ﵎ اليهود قرودًا، وما نسخهم قرودًا إلا ليجعلهم كالقرود الذين كانوا يشاهدونهم، فالشاهد أن الحديث يعني أن أي قوم يمسخهم الله ﵎ ببعض الحيوانات فهذه الحيوانات لا يجعل الله لها نسلًا إنما يبيدهم ويفنيهم.
"أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠:٢٨:١١)
[ ٧ / ٩١٦ ]
(جماع أبواب الكلام على مسألة تسلسل الحوادث وتحرير قول شيخ الإسلام في ذلك)
[ ٧ / ٩١٧ ]
[١١٩٠] باب الرد على من قال بحوادث لا أول لها
عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة».
(صحيح).
[قال الإمام]:
في الحديث إشارة لطيفة إلى الرد على من يقول من العلماء: بحوادث لا أول لها وإنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بمخلوق وهكذا إلى ما لا أول له! فتأمل. وراجع لهذا "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم ١٣٣).
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٢٦٥).
[١١٩١] باب حول كلام شيخ الإسلام في مسألة تسلسل الحوادث
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎. وليس لذلك أساس من الصحة
وفيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نص في ذلك عن
[ ٧ / ٩١٩ ]
رسول الله - ﵌ -، وإنما يقول به من قاله كابن تيمية وغيره - استنباطًا واجتهادًا فالأخذ بهذا الحديث - وفي معناه أحاديث أخرى - أولى لأنه نص في المسألة، ولا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم.
وتأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل، لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان هناك نص قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها ومنها القلم، أما ومثل هذا النص مفقود، فلا يجوز هذا التأويل.
وفيه رد أيضًا على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق، إلا ومسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى مالا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق.
فالحديث يبطل هذا القول ويُعَيِّن أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعًا أي مخلوق. ولقد أطال ابن تيمية ﵀ الكلام في رده على الفلاسفة محاولًا إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنه يقول ويُصرِّح بأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له. كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض بهذا الحديث وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية ﵀ هذا المولج، لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلَّمنا منه التحذير والتنفير منه، ولكن صدق الإمام مالك ﵀ حين قال: " ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر - ﵌ - ".
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ٧ / ٩٢٠ ]
[١١٩٢] باب القول الحق في مسألة تسلسل الحوادث
سؤال: ما الحق في كلام العلماء على مسألة تسلسل الحوادث؟
الشيخ: هذا تكلمنا عنه أيضًا في بعض المجالس القريبة العهد، أظن كان
هذا البحث في مجلس أبو معاذ، الجواب باختصار: أننا لا نرى القول بهذا
لسببين اثنين:
السبب الأول: أنه يتعارض مع إثبات أول مخلوق، وإثبات أول مخلوق بدون تعيين وتحديد كأنه أمر متفق عليه حتى عند من قال بحوادث لا أول لها.
والسبب الثاني وهو الأهم: أن الحديث في تحديد أول مخلوق صحيح عن الرسول ﵇ وهو قوله: «أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» الذي يقول بحوادث لا أول لها، وبالتسلسل في القِدَم هو يقول صراحةً: ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وهكذا إلى ما لا أَول له، كيف يتفق هذا مع قوله ﵇ الآنف الذكر: «أول ما خلق الله القلم»؟
يضاف إلى ذلك بأن القول هذا مع عدم وروده عن السلف وإنما فهم لبعض أئمة الخلف دخول في التحدث عن أمر غيبي .. أمر خطير جدًا بمجرد الرأي والاجتهاد، والأمور الغيبية كما نعلم جميعًا لا ينبغي أن نتوسع فيها، بل علينا أن نقف عند النص وانتهى الأمر.
مداخلة: يعني: الحديث هذا فيما قرأنا يعني: الذي ابن تيمية يقول: أن هذا اللفظ جاء: «أولَ ما خلق الله القلم» فـ"أول": منصوب على الظرفية، لكن الآن هل ثبتت روايات يعني: بلفظ أول؟
[ ٧ / ٩٢١ ]
الشيخ: هو هذا، وهذا أنا بينته قديمًا في تخريج شرح الطحاوية فرددت هذا التأويل الذي والأسلوب العربي وأنتم أعرف بأسلوبكم مني، أنا متعلق بلغتكم، فأنا إن صح شيء فأنا متعرب أما أنتم العرب وأنتم الأصل.
مداخلة: لا لا.
الشيخ: لا أقول لك: الرواية هكذا «أولُ ما خلق الله القلم»: مبتدأ وخبر، «فقال له اكتب»: جملة استئنافية، «قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» فليس هنا نصب وإنما مرفوع مبتدأً ومرفوع خبرًا، ثم جملة استئنافية متممة للكلام الأول ..
مداخلة: لو ثبتت الرواية ممكن يعني اعتباره ظرفًا ويُمشَّي على هذا.
الشيخ: لو ثبت! لكن كما جاء في بعض الآثار ولا مؤاخذة: اجعل لو عند ذاك الكوكب، ثم لا تنسى قلت آنفًا كلامًا له أهميته: لقد اختلف العلماء في أول مخلوق، وأشرت إلى أن الذي يقول بحوادث لا أول لها هو حكى هذا الخلاف ورجَّح خلاف هذا الحديث لما قام في نفسه: أن أول: منصوب على الظرفية، وقال: أول مخلوق هو العرش، إذًا: انتقضت الدعوى كلها، وهذا مهم كما
لا يخفاكم.
مداخلة: لا، لا يقول: أول مخلوق .. ما أول المخلوق، يقول هو أسبق من القلم، لا يقول هو أول مخلوق ..
الشيخ: لا لا، يقول .. يحكي المسألة الخلاف بين العلماء في تحديد أول مخلوق، وهو يرجِّح أن أول مخلوق هو العرش.
"لقاءات المدينة" (٢/ ٠٠:١٠:٥٤)
[ ٧ / ٩٢٢ ]
[١١٩٣] باب في قول ابن تيمية في مسألة تسلسل الحوادث
السؤال: ماذا يقصد ابن تيميه في قوله: لا مانع من أن تكون أنواع الحوادث غير مخلوقة أو لا أول لها؟
الشيخ: هذا يقصد الذي يقصده واضح جدًا، ولكنه غير مفهوم لدينا وبخاصة أن ظاهره ينافي قوله عليه الصلاة السلام: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ..».
فلذلك هذه المسألة لا يجوز اتباع شيخ الإسلام ابن تيمية فيها، وبلا شك أنا اعتقادي أن ابن تيمية بما أوتى من عقل وعلم وذكاء قد يُدرك ما لا ندرك، ولكن نحن من مثله تعلَّمنا أن لا نسلم بما لا ندرك إلا للمعصوم وهو رسول الله - ﵌ -.
فهو حينما يقول: ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وقبله .. وقبله .. إلى ما لا أول له، هذا كلام ما نستطيع أن نعقله، وإن كان نستطيع أن نفهمه، والفهم شيء والعقل شيء آخر.
لذلك نقف عند قوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم» فهو أول مخلوق، فإذا كان هو أول مخلوق، فإذًا: هو ليس قبله مخلوق.
فلذلك ندع هذا الرأي لابن تيمية ولا نتبعه فيه.
" الهدى والنور" (٦١٥/ ٤٥: ٠٠: ٠٠ طريق الإسلام)
[١١٩٤] باب الفرق بين قول أهل السنة
والفلاسفة في مسألة تسلسل الحوادث
السؤال: ما الفرق بين تسلسل الحوادث عند من قال به من أهل السنة وقدم العالم عند الفلاسفة؟ هذا السؤال الأول.
[ ٧ / ٩٢٣ ]
الشيخ: الذي يقول من أهل السنة بتسلسل الحوادث يُصرِّح بأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، أما الفلاسفة فلا يقولون ذلك.
وحسبكم هذا التفاوت بيننا، وكل إناء بما فيه ينضح.
"الهدى والنور" (٤٩١/ ١١: ٥٧: ٠٠)
[١١٩٥] باب هل يلزم من كون المخلوقات لها أول، أن الحوادث لها أول؟
سؤال: يا شيخ! قلت في السلسلة الصحيحة: الحديث الذي يدل على أن أول مخلوق هو القلم، واستدللت بذلك على أن الحوادث لها أول، فهل يلزم من أن المخلوقات لها أول أن الحوادث لها أول، وجزاكم الله خير
الشيخ: ما الفرق بين المخلوقات والحوادث؟ كل مخلوق حادث، وكل حادث مخلوق، ما أدري ما الذي يريد؟
مداخلة: شيخ أنا صاحب السؤال.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: أنا أقصد بصفات الله .. تحدث كما في الكلام مثلًا، ويأتي كلام الله متى يشاء، فأقصد أن الكلام من حيث نوعه هو قديم، ومن حيث آحاده فهو حادث، وهذا الذي قصدته فهل يدخل الحوادث ..
الشيخ: طيب! لكن كلام صفة من صفاته، فهل المخلوقات كذلك؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذًا: يفترقان تمامًا، نعم.
[ ٧ / ٩٢٤ ]
مداخلة: على هذه المسألة: هل نقول: أن تلك الحوادث ليس لها أول.
الشيخ: وقوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم»؟
مداخلة: لا، أنا أقصد الجنس يعني لو تَصوَّرنا هكذا: خالق وخلق ومخلوق، فلعله يُشكل على كثير من الناس هذه المسألة، فنقول: الخلق
هو قديم ..
الشيخ: الخلق صفة الخالق قديم.
مداخلة: نعم، والخالق هو الله بذاته ﷾، وأن المخلوق هو الحادث، يعتبر أول المخلوقات الذي هو القلم، طيب! وما جاء أن العرش أول المخلوقات.
الشيخ: لا يستوي هذا الكلام، هذا قول وليس جاء عن الرسول ﵇.
مداخلة: في حديث: «وكان عرشه على الماء».
الشيخ: لا بأس! أنا أعرف، لكن أنت قلت: وما جاء أن العرش أول مخلوق قلت: لا أصل لهذا الكلام، وهناك فرق كبير بين الاستنباط لحكم ما استنباطًا يمكن أن يكون صوابًا ويمكن أن يكون خطأً، وبين حكم صرح به الرسول ﵇ تصريحًا، فأنا قلت لك: هذا لا أصل له، أعني: لا يوجد في أي حديث كما قال الرسول للقلم أنه أول مخلوق لا يوجد أنه قال للعرش أنه مخلوق، لكن كونه قال ﵇: «وكان عرشه على الماء» هذا لا يبين أنه لم يخلق شيئًا قبل ذلك الماء الذي كان عرشه عليه، فإذا كان هذا غير مُبيَّن في هذا الحديث، وكان حديث القلم صريح بأنه أول مخلوق، فليس هناك ما يحملنا على أن نترك النص الصريح
[ ٧ / ٩٢٥ ]
إلى النص الذي يحتمل معنى هذه الحديث الصحيح بغير القلم فحينئذٍ على كل حال سواء كان - الآن البحث يأخذ طورًا ثانيًا - سوًاء كان القلم هو أول مخلوق أو كان الماء الذي كان عليه العرش، فإذًا: هناك نقطة التقاء بين جميع المختلفين في تعيين أول مخلوق أن هناك أول مخلوق، صح هذا أو لا؟ إنما الخلاف في تحديده وتعيينه، لكن لا خلاف عند الذين اختلفوا، وهذا من العجائب ابن تيمية نفسه حكى هذا الاختلاف أن العلماء اختلفوا في أول مخلوق: هل هو العرش .. هل هو القلم .. هل هو الماء؟ إلى آخره، فإذًا هناك شيء متفق عليه أنه يوجد أول مخلوق، يوجد شيء مختلف فيه، ما هو هذا الأول من المخلوقات؟ قيل وقيل.
والصريح كما ذكرنا آنفًا: أول ما خلق الله القلم، نعم.
مداخلة: شيخ! هذا الحديث: بعضهم يقول: أنه ليس فيه دلالة صريحة، وهم يؤولونها ويقولون: أن فيه ممكن يكون بالمفهوم: «أول ما خلق الله القلم وقال له اكتب» يعني: كما يقول: أول ما دخل فلان من الباب قال له: افعل كذا، يقول: ليس فيه دلالة على ..
الشيخ: انظر انظر أنت غيَّرت العبارة، أول ما خلق قال، الحديث ليس هكذا «أول ما خلق الله القلم» جملة تامة، فقال استئناف كلام .. أما لو قال: "قال" هنا يرد الشبهة التي أنت ذكرتها.
مداخلة: واو الآن عاطفة ..
الشيخ: ما هو المتبادر؟ نرجع للقواعد؟ ما هو المتبادر من قوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى
[ ٧ / ٩٢٦ ]
يوم القيامة» كلها جمل مرتبطة بعضها في بعض، ثم هب أن القضية فيها احتمال أن يقول: الماء أول مخلوق، أو العرش أول مخلوق، ما فيها احتمال؟
مداخلة: فيها.
الشيخ: فيها احتمال، فأي الاحتمالين يعني: أقوى بحيث يجعل الدليل أضعف، لا شك أن الذي ما فيه ذرة تأول أضعف، وهذا أقوى، والله أعلم، نعم.
مداخلة: في رأي شيخ في السنة يعني: تعيَّن ما ذهبتم إليه، لكني أردت أن أعرف الرد على مثل هذا، وهي مذكورة في كتاب السنة: «أول شيء خلقه الله القلم، فقال له: اكتب» فإضافة شيء لعلك ترجِّح هذا المعنى يا شيخ؟
الشيخ: نعم، هو كذلك، لكن هذا الذي عنده شبهة يفرقون بين لفظة: قال، وهذا وجهة نظر قديمة، وبين: فقال، ورواية، أنا دندنت حول هذه الكلمة من حيث إثبات صحة الرواية فيها؛ لأنه لو قال: «أول ما خلق الله القلم قال ..» يكون قال هو الخبر بهذه الجملة، وإنما الخبر هنا القلم، أول ما خلق الله القلم، تمت مبتدأ أو اسم وخبره، أول ما خلق الله: هذه في محل نصب، واسم إن، فالقلم هو الخبر لإن، أما لو قال: "قال" فحينئٍذ تصير الجملة التالية هو الخبر، فيختلف المعنى.
"رحلة النور" (٤١ب/٠٠:٠٧:٥٣)
[١١٩٦] باب حول مسألة: حوادث لا أول لها
سؤال: سؤال في موضوع تسلسل الحوادث! بس بدك تطول بالك عليّ من أجل أفهمه منك.
شيخنا! مثل حديث القلم، هل المقصود بالقلم هو من الأشياء المشاهدة؟
[ ٧ / ٩٢٧ ]
يعني: قول الرسول ﵊ ..
الشيخ: المشاهدة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا، ليس المقصود.
مداخلة: طيب! شيخنا الذي سأل السؤال ..
الشيخ: من الذي سأل؟
مداخلة: أهل اليمن، أهل اليمن عندما سألوا ..
الشيخ: أهل اليمن ما سألوا عن القلم.
مداخلة: أليس سألوا الرسول ﵊ عن أول هذا الأمر؟
الشيخ: نعم، كان الجواب القلم؟
مداخلة: عفوًا عفوًا، أصبح عندي التباس بين الحديثين.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: قال ﵊: «كان الله ولم يكن شيء قبله» وفي الرواية الأخرى غيره .. في الحديث الآخر حديث القلم ..
الشيخ: وهو! حديث القلم وهو؟
مداخلة: «أول ما خلق الله ﵎ القلم فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال له: اكتب ما هو كائن وما سيكون» ..
الشيخ: ما هو كان نعم، إلى يوم القيامة .. نعم؟
[ ٧ / ٩٢٨ ]
مداخلة: إلى يوم القيامة، فالآن: كيف نربط بين الحديثين، ولو قلنا .. نرجع أيضًا للآية التي تقول: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) هل في فترة من الفترات كان
الله ﵎ مُعطَّل عن الفعل لغاية خلق القلم وكان أول خلق القلم ثم استمر في الخلق؟
الشيخ: كنت معذورًا عندما طلبت من الشيخ أنه يأخذك بحلمه.
مداخلة: طبعًا، أحفظ خط الرجعة يا شيخ.
الشيخ: نعم، هذا المنطق الذي نطقت به آنفًا هو شرعي؟
مداخلة: ألا وهو؟
الشيخ: أنه هل كان الله قبل ذلك مُعطَّلًا عن الخلق وعن العمل؟
مداخلة: شيخنا أنا أريد أن أفهم المسألة، يعني: المسألة حصل عندي فيها إشكال، إلى أمس وأنا أراجع فيها لم أقدر أن أفهمها ..
الشيخ: مُبَيَّن عليك ستقف ..
ما الذي يدخلك في هذه المضايق؟
مداخلة: أقرأ في كتاب فمرت علي هذه المسألة .. أمر عليها بدون أن أفهمها؟
الشيخ: حوادث لا أول لها .. في نص القرآن الكريم عليها؟
مداخلة: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) حسب معرفتي طبعًا واعذرني ..
الشيخ: الظاهر سارت العدوى وهو الحيدة، لم تقل: في نص أو ما في نص .. تلوت علي الآية وأنا لا أفهم أن الآية تعني أن هناك حوادث لا أول لها،
[ ٧ / ٩٢٩ ]
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) كل مسلم يعرف أن الله غير مجبور من غيره وإنما الغير قد يكون مجبورًا منه، فهو ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) لكن أنا سؤالي: هل هناك نص فيما علمت أو فيما قرأت يُقرِّر هذا النص .. فلسفة حوادث لا أول لها؟
مداخلة: لا، لا أعرف.
الشيخ: أرأيت كيف الفرق بين جوابك السابق ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) وبين جوابك الآن، فمعنى إذا جمعنا بين الجوابين تبين أنك كنت متسرعًا
في قولك: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) لأننا جميعًا نؤمن بأنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) ولكن ليس له علاقة بموضوع السؤال الموجه إليك حوادث
لا أول لها.
في أثناء طرحك للسؤال ذكرت حديث عمران بن حصين وذكرت حديث القلم .. كيف التوفيق بينهما؟
من وجوه التوفيق التي ذكرها علماء الحديث جزاهم الله خيرًا، وقد أبلغوها إلى أكثر من مائة وجه من وجوه التوفيق بين نصين يبدو التعارض بينهما، من ذلك:
- أن ترى أي النصين صريح في موضوع الاختلاف المُتَوهَّم من النصين، فالآن يوجه إليك هذا السؤال: أحديث عمران صريح في تحديد أول مخلوق هو العرش أم حديث القلم؟
مداخلة: حديث عمران ..
الشيخ: لا، ما أسألك أن تعيد لي الحديث، قل لي: هذا أو هذا فقط، وأعيد السؤال: أي الحديثين أصرح في الدلالة على أول مخلوق أحديث عمران أم حديث أول ما خلق الله القلم؟
[ ٧ / ٩٣٠ ]
مداخلة: حسب فهمي القلم .. حديث القلم.
الشيخ: هه، إذًا: زال التعارض، هذا أولًا.
ثانيًا: قد تفهم أنت وغيرك أن القلم ليس هو أول مخلوق لكن العرش هو أول مخلوق، صح؟
مداخلة: ممكن شيء قبل العرش.
الشيخ: لم تجبني صح أو ليس بصح؟
مداخلة: أنا الذي أفهمه من هذه الأحاديث أن القلم هو أول المخلوقات.
الشيخ: عجيب! كَثّر خيرك وفَّرت علي مشوار طويل، طيب! إذا كان أنت تفهم هذا الفهم وأنا معك، ألا تكون حينذاك معارضًا لقوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم» يمكن أن يكون قبل القلم مخلوق؟
مداخلة: لا، ليس ممكنًا.
الشيخ: أقول: إذا كنت أنت تعتقد معنا بأن أول مخلوق هو القلم، ألا تشعر أنك حين تقول يمكن يكون القلم ليس هو أول مخلوق ..
مداخلة: لا، ليس ممكن أنا أعتقد هذا الاعتقاد، ليس ممكن أقول أنه: ليس ممكنًا القلم يكون أول مخلوق؟
الشيخ: لكن قد قلت هذا فتب إلى الله، صح؟
مداخلة: مضبوط.
الشيخ: انتهت مسألة حوادث لا أول لها.
[ ٧ / ٩٣١ ]
مداخلة: طيب! شيخنا قبل القلم ..
الشيخ: ما زلت؟ تريد أن ترجع، ما هكذا يكون، إما أنك تقول أن في أول مخلوق .. عفوًا: إما أن تقول: في أول قبل القلم، أو لا تقول إلا كما قال الرسول: «أول ما خلق الله القلم» فإذا قلت بقول الرسول بطل قول غيره بداهةً، وإذا قلت بخلاف قول الرسول أبطلت قول الرسول وفيه ما لا يخفاك.
مداخلة: لا، إن شاء الله ما نقول هذا ..
الشيخ: بارك الله فيك! فإذًا: لماذا نشغل ذهننا بشيء نخالف فيه كلام نبينا ﵇ وبخاصة أن هذا أمر يتعلق بغيب الغيوب، وهو رب العالمين ﵎ مع التسامح طبعًا في التعبير.
الحقيقة أن ابن تيمية عندما بحث هذا الموضوع كان بحثه جُرَّ إليه جرًا في أثناء رده على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، لكن ينبغي على المسلم دائمًا وأبدًا أن يكون مستحضرًا في ذهنه دائمًا أيضًا أنه: وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، نحن كلمة حوادث لا أول لها لا نعرفها في تاريخ السلف إطلاقًا، هذا التعبير لا نعرفه، لكن نعرف حديث: «أول ما خلق الله القلم» وابن تيمية نفسه يتناقض في هذا الموضوع وأنت أرحتني من أن تقع في التناقض الذي وقع فيه ابن تيمية.
ابن تيمية في رسالته المسماة بـ «الرسالة العرشية» يميل إلى أن بعدما يذكر الخلاف بين العلماء في تحديد أول مخلوق يميل إلى أن أول مخلوق هو العرش على ظاهر حديث عمران بن حصين، إذًا: بالنسبة لما يتعلق بحوادث لا أول لها أصبح موضوع تحديد أول مخلوق ثانوي، المهم أن هناك أول مخلوق سواءً كان
[ ٧ / ٩٣٢ ]
القلم أو كان العرش، فإذًا بطل القول بحوادث لا أول لها، لكن إذا أردنا أن نُوفِّق بين ظاهر حديث عمران وبين حديث القلم كما قلنا آنفًا أُصرح في الدلالة على الأولية.
لكن إذا فرضنا إنسانًا يظل يُصِرُّ على أنه أول مخلوق هو العرش لا نظل نتطاحن معه لا أنت مصيب .. أنت مخطئ إلى آخره؛ لأن البحث كله في موضوع حوادث لا أول لها، فسواء كان أول مخلوق هو العرش أو كان القلم فالمهم أن مسألة حوادث لا أول لها بطلت؛ لأننا اتفقنا أن هناك أول مخلوق، لكن اختلفنا ما هو أول مخلوق؟ فمن قائل العرش، ومن قائل القلم، إذًا: هذا موضوع ثاني، فلا ينبغي إذًا أن نشغل أنفسنا بالبحث في حوادث لا أول لها؛ لأن هذه لا تثبت أمام حديث عمران أو أمام حديث القلم؛ لأن كلًا من الحديثين يثبت أول مخلوق، وانتهى الموضوع.
" الهدى والنور" (٧٩٨/ ٣٦: ٥٠: ٠٠)
[١١٩٧] باب الرد على القائلين بحوادث لا أول لها
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية:"ونؤمن باللوح والقلم"]
ذكر الشارح هنا أن العلماء اختلفوا هل القلم أول المخلوقات أو العرش؟ على قولين لا ثالث لهما وأنا وإن كان الراجح عندي الأول كما كنت صرَّحت به في تعليقي عليه (ص ٢٩٥) فإني أقول الآن: سواء كان الراجح هذا أم ذاك فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على أن العلماء اتفقوا على أن هناك أول مخلوق، والقائلون بحوادث لا أول لها مخالفون لهذا الاتفاق، لأنهم يُصرِّحون بأن ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق وهكذا إلى ما لا أول له كما صرح بذلك ابن
[ ٧ / ٩٣٣ ]
تيمية في بعض كتبه فإن قالوا: العرش أول مخلوق كما هو ظاهر كلام الشارح نقضوا قولهم بحوادث لا أول لها. وإن لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق فتأمل هذا فإنه مهم. والله الموفق.
التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٧ - ٤٨).
[١١٩٨] باب هل يقول شيخ الإسلام بِقِدَمِ العالم؟
سؤال: أقول فضيلة الشيخ: وصلتنا كما تعلم كتب السقاف .. مما في بعض هذه الكتب: أن شيخ الإسلام ﵀ ابن تيمية كان يعتقد بقدم العالم، فهل هذا ثابت عن ابن تيمية، وما حكم من اعتقد هذا المعتقد، وما حكم من يقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقع في هذا الأمر الخطير؟
الشيخ: هذا افتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن المتبادر إلى الذهن من كلمة القول بقدم العالم أن العالم كالخالق عند المسلمين، وحاشا لأقل المسلمين علمًا وإيمانًا أن يقول بقدم شيء من المخلوقات إنما الله هو الأزلي الأول والظاهر والباطن وهو خالق كل شيء، فمن باب أولى أن لا يقول بذلك عالم مسلم، ومن باب أولى وأولى وأولى إلى ما لا نهاية أن يقول بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فالقول بِقِدَم العالم هو قول الفلاسفة الدهريين الذين لا يؤمنون بالإله الرب الخالق، وابن تيمية ﵀ له مجاهدات كبيرة جدًا جدًا دون كثير من علماء المسلمين في الرد على الفلاسفة والدهريين القائلين بِقِدَم العالم، فالذي ينسب إلى ابن تيمية القول بقدم العالم هو أحد رجلين: إما كذاب أفاك، وعدو للإسلام والمسلمين، وهذا لا كلام لنا معه إطلاقًا، وإما أن يقرأ كلامًا لابن تيمية يفهم منه
[ ٧ / ٩٣٤ ]
بسبب جهله أولًا وبسبب الحقد والبغض الذي هو كمين في قلبه ضد شيخ الإسلام تيمية فيتوهم من بعض كلماته أنه يقول بقدم العالم.
وابن تيمية أكبر كما أشرنا من أن يقع في مثل هذه الكفرية.
أظن أن هناك شيء أتى في سؤالك أيضًا لم أجب عنه؟
مداخلة: وما حكم من اعتقد هذا المعتقد؟
الشيخ: سبق الجواب قلت: هذا كلام الدهريين والفلاسفة الذين رد عليهم ابن تيمية كتبه.
"الهدى والنور" (٧٩٥/ ٥٣: ٤٠: ٠٠)
[ ٧ / ٩٣٥ ]
[١١٩٩] باب نقاش طويل بين الإمام وبعض المخالفين في مسائل عقدية هامة وبعض أصول أهل السنة في أبواب الأسماء والصفات متضمنًا الدفاع عن شيخ الإسلام ابن تيمية
الشيخ: بس معليش يا أستاذ لو توضح لنا معنى العلم الشرعي الذي تقصد أنت يعني.
مداخلة: يعني العلم الذي يتعبدنا ربنا به من أين يؤخذ؟!
الشيخ: أه أه، يعني المصادر للعلم الشرعي.
مداخلة: آه، مصادره من الكتاب والسنة واتفاق الأمة.
الشيخ: جميل إذًا عندك الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
مداخلة: والقياس في بعض.
الشيخ: جميل جدًا الكتاب يفسر بأي أسلوب بأي طريق؟
مداخلة: إما يفسر بعضه بعضًا وإما يفسر بالآثار.
الشيخ: بالآثار أم بالسنة؟.
مداخلة: بالسنة.
الشيخ: جميل جدًا والسنة منها الصحيح ومنها الضعيف؟
مداخلة: نعم بلا شك.
الشيخ: جميل جدًا، فهذا العلم أهم شيء في هذا العلم ما هو العلم الشرعي
[ ٧ / ٩٣٦ ]
أهم شيء؟
مداخلة: العلم الشرعي طبعًا أهم شيء في الوجود.
الشيخ: أهم شيء منه؟
مداخلة: العقيدة.
الشيخ: جميل جدًا والعقيدة تؤخذ من نفس المصادر ولَّا في كلام.
مداخلة: بلاشك من نفس المصادر.
الشيخ: لا أنا عم بالفت نظرك بشروط تحديد ولا.
مداخلة: لا كل شيء بتدل عليه المصادر هذه تؤخذ منه العقيدة الإسلامية
الشيخ: ما أظنك تعني ما تقول، هل العقيدة تؤخذ من القياس؟
مداخلة: العقيدة تؤخذ من القرآن.
الشيخ: أنا أسألك الله يهديك أريد منك جواب تريح نفسك وتريح غيرك، نحن اتفقنا إنه مصادر الشرع الإسلامي والعلم الإسلامي أربعة، فجاء السؤال هل العقيدة تؤخذ من نفس المصادر، قلت أنت: نعم، فأنا أحببت أن أسأل سؤالك أنه لا، أن هذا الإطلاق خطأ بما يتعلق بالعقيدة.
مداخلة: العقيدة تؤخذ من الكتاب والسنة والإجماع.
الشيخ: جميل جدًا الإجماع معناه إذا اختلف في شيء حينئذ؟
مداخلة: ما فيش إجماع
الشيخ: ماذا يبقى حين ذاك من المصادر الأربعة.
[ ٧ / ٩٣٧ ]
مداخلة: الكتاب والسنة.
الشيخ: أحسنت هنا يجب أن نكشف قليلًا ما دام أننا والحمد لله ما دام اتفقنا أن العلم أقسام، وأهمه هو العقيدة، ووصلنا إلى نقطة هامة جدًا وهي أن العقيدة لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة وإلا بإجماع الأمة إذا كان هناك إجماع، الإجماع -هنا سؤال أرجو أن يكون الجواب واضحًا- هل هو موجود مع وجود الكتاب والسنة أم هو يحصل بعد ذلك؟
مداخلة: يعني مصادر السنة الصحيحة.
الشيخ: أقول لك يا أخي خير الكلام ما قل بارك الله فيك، أنا عم باسألك سؤال محدد، يعني كما قلت لك: هذا النور متقد وُلاَّ منطفي، والله متقد، وخير الكلام ما قل ودل، أنا سؤالي أعيده على مسامعك الإجماع هو مع الكتاب والسنة، ولا بعد الكتاب والسنة يأتي من حيث الواقع.
مداخلة: معليش يعني شو المقصود بعد الكتاب والسنة يعني ما فهمت.
الشيخ: يعني في عهد الرسول شيء اسمه إجماع؟
مداخلة: في عهد الرسول - ﵌ -.
الشيخ: نعم.
مداخلة: كان في عهد الرسول - ﵌ -
الشيخ: يا أخي خلي كلامك ما قلَّ ودلَّ قل فيه ولَّا ما فيه.
مداخلة: في تشريع في عهد الرسول
الشيخ: بدها شرح؟ عم باسألك فيه تشريع؟ عم بأقلك إجماع في عهد الرسول فيه ولا لا؟
[ ٧ / ٩٣٨ ]
مداخلة: المسائل التي أتى بها الرسول - ﵌ -، بدها تفصيل المسألة.
الشيخ: ما بدي تفصيل الله يرضى عليك ما بدها تفصيل، الضوء شاعل ولا مطفى بده تفصيل؟!
مداخلة: هي بتختلف عن النور.
الشيخ: ما بيشهد على الكلام، النور أبدًا ما بيشهد على كلامك، عم باسألك لما كان ينزل القرآن وكان الرسول يتكلم بكلامه هل هناك إجماع؟
مداخلة: بلا شك الذي كانوا يعطونهم إياه كانوا يتفقون عليه كل الآمة.
الشيخ: إذًا أنت ما تعرف ايش هو الإجماع.
مداخلة: كيف ما أعرف إيش هو الإجماع؟ في إجماع.
الشيخ: أكيد ما تعرف الإجماع.
مداخلة: أنت مثلًا آيات الكتاب أليس كلها مجمع عليها وعلى صحتها.
الشيخ: الله يهديك.
مداخلة: إجماع اضطراري هذا.
الشيخ: الكتاب لما تنزل الآية على رسول الله - ﵌ - اسمع يا أخي أنا أتكلم الله يرضي عليك الكلام، والنقاش له أدب.
مداخلة: نعم نعم.
الشيخ: وأنا نفس الكلام ما خليتني أكمله عم باقلك لما القرآن بينزل هل كل الصحابة على علم بذلك في تلك اللحظة؟
[ ٧ / ٩٣٩ ]
مداخلة: في تلك اللحظة، لا.
الشيخ: آه إذا ً فيه إجماع في تلك اللحظة؟
مداخلة: في تلك اللحظة لا.
الشيخ: وبعد لحظات في إجماع.
مداخلة: لما رسول الله يبين خلاص بقية الأمور اتضحت، ما في إنسان
الشيخ: عم بتحكي خيال عم بتحكي خيال
مداخلة: طيب أضرب لك مثالًا
الشيخ: أنت تضرب لي مثال على خيالك
مداخلة: ايه على خيالي
الشيخ: على خيالك إذا نزلت آية في المدينة مثلًا متى وصلت الآية
على مكة.
مداخلة: أنا بدي ..
الشيخ: متى وصلن إلى مكة تصور أنت.
مداخلة: لما أمر
الشيخ: متى وصلت أسألك الله يهديك.
مداخلة: هو معليش
الشيخ: أنت مبيِّن عليك أنت جايي بس بدك تتسلى.
مداخلة: لا.
[ ٧ / ٩٤٠ ]
الشيخ: شرقي ولَّا غربي.
مداخلة: لالا.
الشيخ: أنا بأقلك سؤال وجوابه، الآية التي نزلت في أمر من الأمور متى وصلت إلى مكة؟
مداخلة: شيخ معليش أنت بتطلعني من سؤال إلى سؤال أنا بدي أجاوبك خليني أجاوب.
الشيخ: أنا أسألك من شان إيش؟
مداخلة: أنت سألتني هل يكون إجماع ورسول الله على قيد الحياة.
الشيخ: أنا أسألك أخر سؤال هذيك الأسئلة ما جاوبت عنها، الآن عم بأسألك سؤال.
مداخلة: أنت ما خليتني أجاوب، انا عندي أجوبة هذا مو سبيل التفاهم.
الشيخ: سبيل التفاهم سبيل التفاهم سين جيم سين جيم سين جيم نصل إلى نقطة انتهينا منها ننتقل إلى غيرها، مثلًا الآن انتهينا من العلم المتعلق بالعقيدة، ننتقل إلى خطوة ثانية وهو العلم الذي متعلق بالعبادة إلى آخره، نحن الآن في النقطة الأولى ما انتهينا منها، العلم له أربع مصادر القرآن والسنة والإجماع والقياس، سألنا أول سؤال هل العقيدة تؤخذ من هذه المصادر الأربعة أجبت: نعم، وهذا خطأ، قلت أربعة، ثم استثنيت القياس وهذا هو الحق بعدين.
مداخلة: في العقيدة طبعًا هذا الحق.
الشيخ: أنا ألخص ما اتفقنا عليه وبعدين أجيب
[ ٧ / ٩٤١ ]
مداخلة: في قطع.
الشيخ: الله يهديك الله يهديك الله يهديك الله يهديك.
مداخلة: آمين آمين.
الشيخ: أنت شايف نفسك من كتر الكلام هذا مو سبيل العلم هذا مو سبيل العلم الله يهديك مو هذا سبيل العلم.
مداخلة: أنت مو معطيني وقت.
الشيخ: مو هذا سبيل العلم.
مداخلة: احنا جايين نتعلم.
الشيخ: أنا قايلك مئة ألف مرة: مو هذا سبيل العلم سبيل العلم إن كان عندك علم تطرحه.
اسمع الله يهديك وأنت عارف حالك أنه عندك علم وجعلت القياس
مصدرًا للعقيدة.
مداخلة: لا القياس ما جعلته مصدر.
الشيخ: أنت جعلته مصدرًا للعقيدة ثم سحبت.
مداخلة: أنا باقول.
الشيخ: لما نبهتك تنبهت، ما بيجوز تنكر الحقيقة لما نبهتك تنبهت بعدين سحبت القياس - لماذا لا تقول هذه الحقيقة.
مداخلة: أنا ما أنكرتها، نبهتني.
[ ٧ / ٩٤٢ ]
الشيخ: يا أخي العلم بده قرار، العلم بده أناة.
مداخلة: طبعًا طبعًا
الشيخ: طبعًا طبعًا طبعًا طبعًا أنا الّي بأقوله من الصبح طبعًا طبعًا، إذا شو الفائدة، لكن مكانك راوح، العلم الكتاب والسنة والإجماع والقياس، القياس ليس له علاقة بالعقيدة، الإجماع له علاقة، كان السؤال متى يكون الإجماع بارك الله فيك، يجب أن تعلم أن الإجماع ما بيكون في زمن الرسول ﵇، وإنما الجواب الصحيح يكون بعد الرسول ﵇؛ لأن المسلمين في عهد الرسول - ﵌ - ليسوا بحاجة إلى سواه أبدًا، هذا هو الجواب، مش تديلي كلام شرقي وغربي وإلى أخره، الإجماع لا يصار إليه إلا بعد وفاة الرسول - ﵌ -؛ لأنه ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا؛ نجي الآن ما هي الطبقة الأولى التي يمكنك الاعتماد عليها في الإجماع.
مداخلة: الطبقة الأولى التي يمكن الاعتماد عليها في الإجماع: الذين أتوا بعد رسول الله - ﵌ - الذين أتوا بعده.
الشيخ: قل الصحابة الله يهديك.
مداخلة: صحابة رسول الله.
الشيخ: قول الصحابة، أنت تحب المشوار الطويل باين عليك، قل الصحابة وترضى عنهم الصحابة، الآن هل للصحابة فيما يتعلق بالعقيدة كانوا على
هدى من ربهم؟
مداخلة: بلا شك.
[ ٧ / ٩٤٣ ]
الشيخ: هه، هذا الجواب ما تعملي محاضرة بلا شك.
مداخلة: كانوا على هدى طبعًا.
الشيخ: طيب كانوا على هدى من ربهم فمن سار مسيرتهم فيما بعدهم بقرن أو قرون حتى هذا الزمان بيكونوا أيضًا على هدى من ربهم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: جميل جدًا، الآن أنت تعلم جيدًا أن هناك خلافًا قديمًا بين من يسمون بأهل الحديث وبين من يُسمَّون بالمعتزلة عارف هذا الخلاف؟
مداخلة: نعم في خلاف واقع حقيقي
الشيخ: جميل جدًا، تقدر تذكر ولو مسألة واحدة نحن جماعة قنوعين نريد منك مسألة واحدة مما وقع الخلاف فيها بين أهل الحديث أهل السنة الأئمة الأربعة على رأسهم، والمعتزلة على جانب أخر مسألة واحدة.
مداخلة: مسألة واحدة وهي المسألة مهمة جدًا وهي مسالة الرؤية مثلًا.
الشيخ: طيب.
مداخلة: أهل الحديث إلي هم أهل السنة كمان أثبتوها والمعتزلة ما أثبتوها.
الشيخ: جميل جدًا شو حجة المعتزلة في إنكارهم إياها؟
مداخلة: حجة المعتزلة في إنكارهم إياها هي حجة إنكارهم نقول قوية
نوعًا ما.
الشيخ: الله أكبر.
[ ٧ / ٩٤٤ ]
مداخلة: اعتمدوا آية قوله تعالى لا ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
الأَبْصَارَ﴾.
الشيخ: طيب وحجة أهل السنة.
مداخلة: وحجة أهل السنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى ربهم ناظرة﴾.
الشيخ: نعم نعم قوية ولا ضعيفة.
مداخلة: قوية.
الشيخ: قوية ولا ضعيفة.
مداخلة: قوية.
الشيخ: بس بس.
مداخلة: نعم.
الشيخ: وهاذيك قوية أيضًا.
مداخلة: هذيك قوية أيضًا.
الشيخ: ما شاء الله بيصير قوتان متنافستان متعارضتان في العقيدة.
مداخلة: أنا ذاهب إلى مذهب أهل السنة.
الشيخ: طيب ويبقى مذهب المعتزلة قوي؟
مداخلة: نحن بنقول خطأ.
الشيخ: لكن ليش وصفته بالقوة.
[ ٧ / ٩٤٥ ]
مداخلة: ما دام أنهم أخطأوا.
الشيخ: لماذا وصفته يا أخ، يا أخا الإسلام، يا أخا العلم، لماذا وصف المذهب الخطأ بالقوة؟
مداخلة: آه معهم حجة ولكن حجتنا أقوى منها.
الشيخ: أنا باسألك من الأقوى الآن هذه انتهينا منها.
مداخلة: أيوه.
الشيخ: أنا اسألك لماذا وصفتها بالقوة؟
مداخلة: وصفتها بالقوة؛ لأنها أول شيء آية في كتاب الله.
الشيخ: ما شاء الله عم بأسألك لماذا وصفتها بالقوة وأنت لا تؤمن بها؟
مداخلة: أنا لا أؤمن بها ولكن أُخطئ من يقول بها.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: أنا لا أؤمن بها ..
الشيخ: الله يهديك طالما أنت لا تؤمن بها مع عدم إيمانك بها لماذا
وصفتها بالقوة؟
مداخلة: ليش أصفها بالضعف حتى الرجل قال واعتمد آية، أنا باقله لا أبدًا مش صحيحة، باقله: لا أفهم معنى الآية؟!
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: وبعدين أنا يا ريت توضح لي كيف السؤال يعني؟
[ ٧ / ٩٤٦ ]
الشيخ: جاييك التوضيح جاييك التوضيح بس مو على طريقتك.
مداخلة: ماشي.
الشيخ: شرقي وغربي.
مداخلة: ومنكم نستفيد.
الشيخ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ بالنسبة لقولك وصفك لمذهب المعتزلة بالقوة هل كانوا يأخذون بأقوال سلفهم أولهم أصحاب رسول الله - ﵌ -.
مداخلة: كيف كانوا يعني؟
الشيخ: أنا باحكي بالألماني ولا بالعربي؟
مداخلة: لا السؤال معليش بدي؟
الشيخ: معليش أنا أسلك بس أرجوك أن تكون منتبهًا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: المعتزلة هل كانوا يأخذون بأقوال سلفهم من أصحاب النبي - ﵌ - فيما يتعلق قبل كل شيء بالعقيدة ومن ذلك فيما يتعلق بما هو جزء من العقيدة الصحيحة وهي رؤية الله في الآخرة.
مداخلة: نعم هنا معليش أنا أسال سؤال يعني.
الشيخ: ما لك حق إنك تسأل لأنك سألت وضح لي السؤال، وضَّحت لك إياه فلماذا تعود تسأل أجب عن السؤال
[ ٧ / ٩٤٧ ]
مداخلة: أنا هنا لا استطيع التوضيح.
الشيخ: لا تستطيع أنا ما طلبت التوضيح.
مداخلة: ما استطيع أجاوب، بالجواب الي بدي إياه، ليش لأن بدي ما درست في المذهب المعتزلة حتى أعرف بيأخذوا ولا لا بيعتمدوا ولا لا
الشيخ: إذًا شو بدك تتعلم أنت إذا ما تعرف.
مداخلة: جينا نستفيد منك يعني.
الشيخ: إن شاء الله، قل إن شاء الله.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: بس هيك من قلبك، طيب بنطور السؤال غير شكل، إذا جاءتنا آية كالآية التي ذكرتها وكان لها وجهان من الناحية العربية، وكان هناك آثار من السلف الصالح في تحديد معنى من المعنيين هذا في علمك أنت يكون مُرجِّحًا لأحد المعنيين أم لا؟
مداخلة: يعني وضِّح الي بتقصده تمامًا، علشان أجاوب عليك، يعني قلت: آية في القرآن هي الآية في اللغة تحمل عدة معاني، كلمة في الآية وردت في الآية تحتمل عدة معاني مثلًا.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: الصحابة والسلف وعلماء المسلمين يعني ورد عنهم أنهم فسروها تفسيرًا مناسبًا لها يعني رجحوا أحد
الشيخ: أخذوا معنى من المعنيين هل يجوز مخالفتهم؟
[ ٧ / ٩٤٨ ]
مداخلة: إذا كان الإنسان على قدره علمية، وكان فيه ناس منهم برضوا يعني من نفس الصحابة إلهم معنيين فيها.
الشيخ: حيدة حيدة حيدة عن السؤال.
مداخلة: صار اتفاق عليها يعني.
الشيخ: يا أخي أنت الله يهديك بتسأل، أوضح لك السؤال رغم
توضيح السؤال.
مداخلة: أنا طلبت منك توضح لي سؤال المعتزلة.
الشيخ: أنا شو سوّيت
مداخلة: أنا قلتله ما عنديش فكرة عنه، إحنا جايين، إحنا جايين في موضوع معين، بدناش نغرب عنه
الشيخ: أيه نعم الموضوع المعين الي أنتم جايين إليه أنتو جايين فارضنيه فرض؟!
مداخلة: لا، بس إحنا بلغنا الإخوة إن إحنا جايين في موضوع معين فقالوا اتفضلوا.
الشيخ: هه هذا هو الموضوع المعين بحث في العقيدة.
مداخلة: موضوع معين.
الشيخ: نعم هذا موضوع معين في العقيدة هذا الموضوع المعين في العقيدة يحتاج إلى مقدمات نتفق عليها.
[ ٧ / ٩٤٩ ]
مداخلة: تتعلق بهذا الموضوع.
الشيخ: هو هيك وأنا شو عملت فيك، أنا باقول يا أخي هذا الموضوع المعين يحتاج إلى مقدمات متفق عليها؛ مثلًا: إذا كان أحد الفريقين لا يأخذ بالسنة، في فائدة من الدخول في الموضوع المعين؟!
مداخلة: لا حط الموضوع ثم ادخل في المقدمة.
الشيخ: لا مش على كيفك الموضوع على كيفي أنا، أنت لما بدك تطرح موضوع لكم ولغيركم يطرحه على كيفه، ولذلك أنا أول ما ابتدأت الكلام قلت من بده يتكلم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: صح ولا لا.
مداخلة: نعم نعم.
الشيخ: فأنا ما فرضت، لكن هو بدأ يتكلم، الآن وصل الموضوع إذا كان هناك آية تحتمل معنيين والصحابة جاؤوا بمعنى من المعنيين في تفسير النص يجوز أن نخالفهم؟
مداخلة: لا يجوز مخالفة اتفاق الصحابة وأخذ الصحابة قاطبة على شيء، لا يجوز ألبتة.
الشيخ: جميل جدًا الآن نحن نسألكم وهذا هو الموضوع المعين هل أنتم مع الصحابة بكل ما يتعلق بكل عقيدة؟
مداخلة: والله إن شاء الله نحن نرى ذلك.
[ ٧ / ٩٥٠ ]
الشيخ: يا أخي إن شاء الله كلنا نقول إن شاء الله فنحن نسأل عن الواقع.
مداخلة: نعم ونحن نرى ذلك.
الشيخ: هذا الذي نريده الآن فيما سبق تقريره، ماذا تقولون لمن يقول إن الله ﷿ في السماء؟
مداخلة: هذه آية في كتاب الله.
الشيخ: هه جزاك الله خيرًا أنا ما بعرف إنها آية في كتاب الله جزاك الله خيرًا.
جزاك الله خير أنا باسألك ماذا تقول فيمن بيقول الله في السماء بتقلي آية.
مداخلة: ولكنه حكى كلام جميل.
الشيخ: نعم.
مداخلة: حكى كلام جميل طيب.
الشيخ: إذا سألتك أنت أين الله شو جوابك؟
مداخلة: إذا سألتني أين الله أنا أقول لك بلا مكان موجود موجود.
الشيخ: ولما لا تقول كما حسنت الآية جزاك الله خير، لماذا لا تقول كما قال رب العالمين.
مداخلة: أنا أقول ليش؟ لأسباب لأنه لما رجل واحد يسألني أين الله وأقول له في السماء هي تفيد المكان.
الشيخ: تفيد المكان هذه الإفادة صحيحة؟
مداخلة: باللغة صحيحة، أخونا علي أقوى منى في اللغة.
[ ٧ / ٩٥١ ]
الشيخ: الله يهديك الله يهديك عم بأسألك أنت.
مداخلة: نعم.
الشيخ: الآية تفيد المكان؟
مداخلة: الآية لا تفيد المكان.
الشيخ: الآية لا تفيد المكان؟
مداخلة: أيوه الآن مش الآية ..
الشيخ: أنت قلت الآن الآية تفيد المكان
مداخلة: الأين.
الشيخ: الأين.
مداخلة: نعم.
الشيخ: قال الأين تفيد المكان؟
مداخلة: الأين تفيد المكان والآية لا تفيد المكان.
الشيخ: لا تفيد المكان فإذًا أنت أجبت بالآية عن الأين بتكون على صواب وإلا على خطأ.
مداخلة: أنا باكون على خطأ إذا أجبت أين الله.
الشيخ: تأنَّ الله يهديك تأنَّ في الجواب، أنت بتغلط في الآية وما أنت حاسس أنا حددت لك السؤال الآن.
[ ٧ / ٩٥٢ ]
الشيخ: إذا سألنى سؤالًا أين الله؟
مداخلة: أقل له الله بلا مكان؟
الشيخ: ما سألتك هل له مكان؟
مداخلة: أنت تسألني أين الله
الشيخ: أنا ما سألتك.
مداخلة: شو جوابك هذا جوابي.
الشيخ: أنا سألتك سؤال الرسول - ﵌ - صحيح ولا لا.
مداخلة: سؤال الرسول في حديث الجارية تعني نحن الآن لا نريد أن نخوض في حديث الجارية.
الشيخ: أنا أريد أن نخوض في حديث الجارية شو رأيك.
مداخلة: نعم.
الشيخ: شو رأيك تسمح أريد أن أخوض في حديث الجارية أنا أريد أن أسألك سؤال الرسول أين الله فما هو جوابك؟
مداخلة: بلا مكان ولا أخالف الحديث الصحيح ليش؟
الشيخ: الله يهديك.
مداخلة: اسمعني.
الشيخ: الله يهديك.
مداخلة: أنت حكيت لي إذا سُئلت سؤال النبي أين الله فماذا تجيب، فأنا
[ ٧ / ٩٥٣ ]
أحكي لك بأن النبي لا يثبت أن هذا سؤال النبي ليش؛ لأنه عندنا حديث الجارية حسب قواعد المصطلح فهو مضطرب فهو لم يثبت أن النبي - ﵌ - سأل بهذا السؤال.
الشيخ: طيب.
مداخلة: فنتناول هذا الحديث بالبحث.
الشيخ: طيب.
مداخلة: لكي نثبت لك أنه الحديث مضطرب أو ليس مضطرب.
الشيخ: طيب.
مداخلة: نحب برضوا أنه يعني إن شاء الله أن تبين أنه إن شاء الله أنه نحنا نكون صادقين في الطلب وفي البحث وأنه ليس قصدنا إلا أن نصل إلى الحق ونصل إلى الله ﷿.
الشيخ: والله يا أخي هذا الكلام ما في واحد في هذا المكان إلا بيقوله.
مداخلة: شوف يا سيدي أنا بدي أحكي لك إن شاء الله: إحنا طلبة علم، وقرأنا كتب، وقرأنا لعدة جوانب، قرأنا من كتبكم، قرأنا من هون ومن هون، وقرأنا لواحد الشيخ السقاف أكيد تعرفه، في أمور اقتنعنا فيها، فنحن الآن عندنا قناعات معينة بدنا نعرضها عليك فأين كانت من أي جانب لازم تتعاون معي.
الشيخ: أحسنت جدًا لكن أنا بأسألك سؤال يا أخي.
مداخلة: تفضل.
الشيخ: أنت لما قلت أنفًا أنه الحديث مضطرب أنت شخصيًا تعرف ما هو
[ ٧ / ٩٥٤ ]
الحديث المضطرب؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما هو؟
مداخلة: الحديث المضطرب هو الحديث الذي ورد في عدة متون متساوية في القوة متعارضة في الظاهر.
الحديث المضطرب هو: الحديث الذي ورد في عدة متون متساوية في القوة وظاهرها التعارض، لكن يخرج من هذا الأمر إذا كان حديث ضعيف يعارض حديث صحيح هنا نطرح الضعيف ونأخذ الصحيح.
الشيخ: أحسنت جدًا، من يعرف تساوي قوة هذه الطرق أو هذه المتون من الذي يعرف؟
مداخلة: الذي يعرف ذلك هو الإنسان الذي نظر في أسانيدها وحقَّق رجالها.
الشيخ: بدك تقول بدون تعليم؟ هو أهل العلم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لأن الذي بيعرف هذا مش دقيق جدًا، فأنت توافق معي أن الذي بيعرف هم أهل العلم وطلاب العلم المتمكنين.
طيب الآن حديث أين الله ما هو اللفظ الذي يعارضه
مداخلة: نعم أنا أقلك ياشيخ ناصر ورد الحديث بعدة ألفاظ اللفظ الأول.
الشيخ: يا أخي خير الكلام ما قل ودل أنا سؤالي ما هو اللفظ المعارض له،
[ ٧ / ٩٥٥ ]
أنت قلت لي جاء بعدة ألفاظ، اسمحلي أنا أبين لك حتى ما تظن أنه نحن أنه ما نمشي بأقرب طريق للوصول إلى معرفة الحق الذي اختلف فيه الناس، أنت عرفت أنه الحديث المضطرب تعريفًا صحيحًا، توجه سؤال من الذي يعرف هذه الطرق المتساوية القوة أو مختلفة القوة، قلت أهل العلم حسن، الآن السؤال ما هو اللفظ الذي يخالف اللفظ المعروف وهو أين الله، ما هو اللفظ الآخر؟
مداخلة: اللفظ هو سؤال النبي للجارية من ربكِ؟
الشيخ: من ربكِ؟
مداخلة: وفي رواية أخرى أتشهدين أن لا إله إلا الله.
الشيخ: طيب.
مداخلة: فأنا أبين نقطة الآن
الشيخ: لالا أسمحلي يا أخي متى الإنسان بحاجة لطرح بيان لما بيكون الشخص إلِّي بيسالك سؤالًا بحاجة لبيان أما إذا كان لم يكن بحاجة لبيان، شو حاجة البيان؟!
مداخلة: بالنسبة لرأيي بحاجة لبيان رأيي أنا فيه استثناء مش على
الإطلاق كلامي.
الشيخ: يا أخي سيتبين فيما بعد أنت بحاجة لبيان أو لست بحاجة للبيان.
مداخلة: لا مش القصد يا سيدي، القصد أن كلامي ليس على إطلاقه في عليه شوية تقييدات حابب أحكي لك إياها.
الشيخ: طيب تفضل.
[ ٧ / ٩٥٦ ]
مداخلة: أما الكلام فالحديث يمكن الجمع بين ألفاظه إذا حملنا لفظة السماء على علوّ الرتبة وكذا.
الشيخ: حيدة حيدة، حدت الآن على الموضوع الموضوع، ليس البحث في السماء الموضوع في السؤال الذي وُجِّه الذي وُجِّه للرسول، لا تستعجل أرجوك ولا تسري العدوى إلي الحديث، حديث الجارية فيه سؤال في جواب صح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: السؤال كان عن السؤال، ولم يكن عن الجواب، فالآن أنت قفزت قفزة الغزلان من السؤال إلى الجواب، من سؤال الرسول إلى جواب الجارية، السؤال الآن أكرره على مسامعك للمرة الثانية والثالثة، ما هو اللفظ الذي يخالف سؤال الرسول للجارية أين الله ما هو السؤال؟
مداخلة: لفظة من ربك أتشهدين أن لا إله إلا الله؟
الشيخ: هل هذا فيه تعارض تعارضًا لا يمكن التوفيق بين الألفاظ كلها؟
مداخلة: أنا بدي أجاوب؛ نعم بالنسبة لإمكانية الجمع قبل لا أجمع بدي أبين شو نقطة التعارض؛ نقطة التعارض هي أن لفظة سؤال أين الله لا يثبت به إيمان وينفى به شرك؛ لأن الكفار أنفسهم كانوا بيقولوا أن الله في السماء هذه نقطة، بينما الحديث الآخر يثبت إيمانًا وينفي شركًا هذا وجه التخالف.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: هذا وجه التخالف.
الشيخ: هذا هو الوجه.
[ ٧ / ٩٥٧ ]
مداخلة: نعم.
الشيخ: الآن أنت تنقلنا إلى موضوع ربما ينقلنا هذا أخطر، لكن جملة معترضة نجعلها هل كل قول يقوله الكفار يجب أن يكون ضلالًا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: إذًا ما فائدة قولك اسمع يا أخي الله يهديك، ما دام قلت أخيرًا كلمة الحق أنه ليس كل قول يقوله الكفار هو باطل، إذًا من أين لك أن كلمة في السماء هذا ينبغي أن لا نقوله: لأن الكفار يقولونه هذا هو جوابك.
مداخلة: لا.
الشيخ: طيب أشلون لا.
مداخلة: أنا باقول أنه ..
الشيخ: ما قلت أنفًا أنه المشركين في الجاهلية كانوا يعتقدون أن الله
في السماء.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ليش بتقول لا إذًا.
مداخلة: صح بس وجهة نظري من هذا الأمر أنا بدي أوضح لك إياه أنه كون اعتقاد عقيدة أن الله ﷿ في السماء لا تفرق بين المؤمن والكافر، وهذا التفريق هو كان المطلوب من سؤال.
الشيخ: هذا من وجهة نظرك أنت.
[ ٧ / ٩٥٨ ]
مداخلة: هذا إفادة للمطلوب من سؤال النبي.
الشيخ: معليش معليش.
مداخلة: سؤال النبي مؤمنه ولا مو مؤمنة.
الشيخ: يا أخي أنا عم باقلك هذا ووجهة نظرك أنت بيجوز يكون هناك وجهة نظر أخرى الآن.
مداخلة: ممتاز في نقطة المراد بسؤال.
الشيخ: الكلام إلي الله يهديك.
مداخلة: تفضل أنا متأسف.
الشيخ: سبحان الله.
مداخلة: الله يجزيك الخير إن شاء الله تعلمنا الأدب منكم.
الشيخ: اللهم آمين، هل تعلم أن هناك طائفة أو طوائف من المسلمين يقولون الله في كل مكان.
مداخلة: وأنا أُكفِّرهم بذلك.
الشيخ: يا أخي الله يهديك نحن لسنا بصدد التكفير.
مداخلة: نعم أعرف أن في طائفة بتقول أن الله في كل مكان.
الشيخ: جميل جدًا هؤلاء الذين يقولون أن الله في كل مكان إذًا بالنسبة إلى هؤلاء يحسن أن نقول إذا عرفنا أو شعرنا أو أو أو إلى أخره أنه هناك طائفة من المسلمين يشهدوا معنا بالشهادتين، لكن قد يقولون أو يقينًا يقولون: أن الله في كل
[ ٧ / ٩٥٩ ]
مكان، فنحن نسألهم بسؤال الرسول، نقول لهم: أين الله؟ ليستكشف هل هم كما قلت أنت كفار ولا مسلمين، أما أنت حينما لم تتبنَّ هذا السؤال، بتقول أن هذا السؤال لا يكشف عن الإيمان ولا يكشف عن كفر، نقول لك: لا هذا خطأ: هذا بالنسبة لوجهة نظرك أنت، أما بالنسبة لوجهة نظر الآخرين، ونحن الآن ضربنا لك مثالًا إذا اجتمعنا بإنسانٍ ابتلي بأن يقول إن الله في كل مكان، فنحن نسأله هذا السؤال النبوي، وحينئذ إذا أجاب بنفس الجواب: الله في كل مكان، تأكدنا أنه كان ما سمعناه منه بأنه صحيح وأنه هو الضلال، بل الكفر بعينة، لكن الآن إذا سألنا هذا الإنسان أو غيره من الناس أين الله فأجاب بـ في السماء هل نقبل منه هذا الجواب أم نرفضه؟ لعلك استوعبت سؤالي.
مداخلة: إذا سألت إنسان أين الله فأجاب بأنه قال في السماء، فنحن ننظر للإنسان قد يكون الإنسان عامي ولا يعقل معنى كلمة في السماء أن لها مرادات أخرى، يمكن قصد الله في السماء في العلو وكذا على سبيل الرتبة، فإذا قال ذلك نقبل منه، إنه رجل مؤمن، أما إذا قصد أن الله ﷿ في السماء يعني: أنه يجيب أنه الله في مكان فنرفضه منه، هناك نقطة الله يجزيك الخير بدي أحكيها.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: هي أنه أنت حكيت لي أنه نسأل واحد أين الله على أساس بيقول: في كل مكان، أولًا حتى نفحص إيمانه، أنا أقول لا الحديث يوجد في الحديث ضابط إلّي يحتج في الحديث يحتج بان الله ﷿ في السماء، لأن النبي سألها ليعرف هل هي مؤمنه ولا لا، في الحديث ضابط أنه النبي - ﵌ - لما سألها بده يشوفها إذا قالت في السماء فكان الجواب أنها مؤمنة، وإذا قالت غير هيك هي مش مؤمنة ففي ضابط يبين أنه إنما سألها ليعرف اللي في السماء، وبناء على هذا
[ ٧ / ٩٦٠ ]
الأمر ما نحتج في سؤال النبي - ﵌ - ما نحتج بهذا اللفظ بيكون هذا اللفظ مخالف للألفاظ الثانية.
الشيخ: ما فهمت عليك كيف ما نحتج نحتاج بلفظ الرسول؟
مداخلة: من حيث هذا اللفظ مخالف للألفاظ الأخرى ونحنا بدنا نشوف نقطة التخالف.
الشيخ: أي لفظ؟ أين؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: نحن لسه من مصطلح الحديث ما انتهينا الله يهديك، نحن من الناحية الحديثية نحن في طريق إجراء عملية إما نسميها ترجيح لفظ على لفظ أو تجميع بين الألفاظ كلها، فأنت لا تستبق النتيجة وتجعلها مقدمه، لسه نحن ما انتهينا الناحية الحديثية، لكن إن تيسر لنا هالنقطة هذه إنك أنت قلت: إنه ما في ما يكشف سؤال أن الله عن عقيدة المسؤول فأنا أثبتُّ لك عمليًا هذا في وجهة نظرك، لكن إذا أتينا إلى إنسان يعتقد أو قد يعتقد أن الله في كل مكان يكشف هذا السؤال عن طويته، هل هو موافق للشرع ولَّا مخالف؟ فحين سألنا أين الله؟ أجاب وهذا نحن نعرفه نلمسه لمس اليد في هذا الزمان، ولعلكم عرفتم ذلك من كثرة ما نوجه هذا السؤال نفسه النبوي في عقيدتنا، فنسمع جواب من الناس: أن الله في كل مكان، وهذا ليؤكد رأيي الذي احكيه الآن، أريد أن أعرف شو حكمكم على جماهير المسلمين اليوم إذا سئلوا هذا السؤال التقليدي في حدود ما صح عندنا عن رسوله أين الله، شو بيكون جوابهم هل هو جوابهم جواب المعتزلة أم جوابكم أنتم هل أستطيع أن أحظى بجواب.
[ ٧ / ٩٦١ ]
المداخلة: جواب المعتزلة.
الشيخ: آه.
مداخلة: مش عارف أيش المعتزلة اش جاوبوا مش عارف.
الشيخ: طيب دعنا والمعتزلة لأنه يبدوا أنه ما عندكم معرفة بآراء الفرق، أقول شو جواب جماهير المسلمين من عامة ومن خاصة إذا ما سئلوا أين الله، هل يكون جوابهم هو هذا الجواب الذي أنت تسرعت فقلت من قال أن الله في كل مكان نكفره؟ ما رأي جماهير المسلمين من عامة وخاصة إذا سئلوا أين الله؟ فيقولون الله في كل مكان، شو رأيك يجيبون بهذا الجواب أم بجوابكم أنتم.
مداخلة: والله يا سيدي نحن ما نريده من حق نحن ملتزمين [به].
الشيخ: ما سألتك عن هذا.
مداخلة: من حقي هذا.
الشيخ: أنا ما سألتك عن هذا.
مداخلة: لو كل المسلمين، لو كل العالم جاوبوا جوابًا، وأنا باعتقد انه خلاف القرآن ما برد عليهم.
الشيخ: هذه حيدة الله يهديك، هذه حيدة ألا تؤمن بقوله ﵇: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير».
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب لماذا حدت أنت، وقلت: لو أن المسلمين كلهم أجمعوا على هذه الضلالة وكنت أنا مو هذا سؤال الله يهديك.
[ ٧ / ٩٦٢ ]
مداخلة: مستحيل أن يُجمع المسلمين على هذا، أنا قلت لو أن كل من في العالم قالوا ..
الشيخ: يا أخي ليش انصرفت عن الاهتمام بالمسلمين، إلى القول أنه لو جماهير المسلمين قالوا هذا القول وهنا قول الصواب فأنت تأخذ به هذا مو هذا موضع سؤال ولا موضع نقاش، لذلك أرجوكم ما تضيع علينا الوقت.
مداخلة: فهمني السؤال أنا ما فهمت السؤال.
الشيخ: قل لي ما فهمت يا أخي الله يهديك.
مداخلة: لا يُمْكِن أنا أجبت على فهم خاطئ فهمني الله يجزيك الخير.
الشيخ: عم أقول.
مداخلة: نعم.
الشيخ: اليوم الإنسان يعيش في مجتمع يجب أن يعرف خيره من شره صح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كأن يأمر الناس بالخير وينهاهم عن الشر الآن من حيث التجربة إذا سألتم بل ما سألتم لأنكم ما اتفقتم معنا بعد، نحن إذا سألنا أين الله يأتي جواب ولا لا يأتي جواب؟
مداخلة: يأتي جواب.
الشيخ: يأتي جواب بارك الله فيك، الآن أنا أسأل على حد علمك ماذا يكون الجواب من جماهير المسلمين كانوا من خاصة ولا من عامة هل هو الله موجود في كل مكان أم هو جوابكم
[ ٧ / ٩٦٣ ]
مداخلة: العامة بيجوز على جهلها بيقولوا الله في كل مكان؛ لأنهم لا يدركون خطورة هذا الأمر، أما الخاصة يجوز بيكونوا متنبهين لهذا الأمر.
الشيخ: بيجوز بيجوز.
مداخلة: متنبهين على هي العقيدة.
الشيخ: أنت بتستعمل كلمات السياسيين بيجوز وبيجوز الله يهديكم، يا أخي عم بنحكي عن الواقع بارك الله فيك.
مداخلة: الواقع غير مضبوط في ناس بيقولوا الله في لا مكان وفي ناس بتقول في كل مكان، وفي ناس تقول الله يوجد بلا مكان.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: عامتهم تقول في كل مكان
الشيخ: طيب المقولة الثانية الله موجود في كل موجود شو رأيكم فيها.
مداخلة: الله موجود في كل وجود.
الشيخ: إيه.
مداخلة: هذا حلول هذا.
الشيخ: حلول بس الحمد لله هذا ما قلت كفر.
مداخلة: ما هو الحلول ما هو إلا كفر.
الشيخ: طيب إذًا كفر يعني أخت هذيك.
مداخلة: صح.
[ ٧ / ٩٦٤ ]
الشيخ: هه الآن أسألك أنتم عقيدتكم ما هي؟
مداخلة: أنا عقيدتي أن الله ﷿ موجود بلا مكان.
الشيخ: موجود بلا مكان هذه العقيدة من قال بها.
مداخلة: في الكتاب والسنة.
الشيخ: ما شاء الله ما شاء الله، أنا أسألك الآن عن الكتاب والسنة أنت ما تستطيع أن تتسلق على الكتاب والسنة حتى تجد الكتاب والسنة، أنت مثل امرأة آنفًا فسألتني عن الحجاب والخمار إلى آخره قالت: والله أحسنت، قلت لها: أنت عالمه؟ قالت لا أنا طويلبة طويلبة، فسرنى هذا الجواب في الحقيقة، أنت بارك الله فيك رأسًا من الكتاب والسنة، أنا عم باسألك من قال بهذا من أهل العلم.
مداخلة: والله أنا في عقيدتي بالنسبة إلى لا استدل بقول أي انسان ولا يشترط لي أنه على شان أثبت عقيدتي أجيب بأقوال الناس.
الشيخ: الله أكبر أقوال الناس كل الناس؟
مداخلة: أقوال العلماء مش شرط إني أستدل فيها.
الشيخ: إذًا أنت ما تتبع العلماء.
مداخلة: مش شرط أنا مو متعبد بتتبع العلماء، أنا متعبد بإتباع الكتاب والسنة.
الشيخ: والكتاب والسنة من وين تحصله أليس من طريق العلماء؟.
مداخلة: نعم.
الشيخ: الله يهديك، طيب أنت لا تستغني عن العلماء أولًا لا تستغني عن
[ ٧ / ٩٦٥ ]
العلماء؛ لأنه يتبين لك بالمقدمة السابقة وخطورتها وأهميتها الآن أنت أفصحت حقيقة أنه الكلام السابق ماله قيمة عندكم حينما وجهت السؤال إله المعتزلة هل يأخذون بأقوال السلف؟ ما أحسن الجواب، وأنت أيضًا لا تحسن الجواب، بل أنت أجبت من حيث لا تريد الجواب فأطلقت بأنك لا تأخذ بأقوال العلماء بدون استثناء، لا قلت مثلًا: آخذ بأقوال الصحابة ومن بعدهم، آخذ بأقوال الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين، آخذ بأقوال هؤلاء وهؤلاء والأئمة و اسمع يا أخي.
مداخلة: أنا كلامي كان على المجمل.
الشيخ: أنت قلت كلمة عامة.
مداخلة: نعم قلت أنه
الشيخ: كلمة عامة.
مداخلة: بحجة قاطعة.
الشيخ: أنت قلت كلمة عامة أنا لا آخذ بأقوال الناس هذه إجابتك.
مداخلة: يعني مش حجة، الحجة بالكتاب والسنة.
الشيخ: هذا خطأ الحجية الكتاب والسنة التلقين ممنوع عند أهل الحديث أليس كذلك.
الآن يا أخي بارك الله فيك من الخطأ بمكان ألا يعتد العالم وليس طالب العلم فضلًا عن طويلب العلم أن لا يعتد بكلام العلماء، أنا بهذا بحكم أنه صلاتك أنت وأنا ما شفتها، ووضوئك وما شفته، أحكم أنك لا تعرف تتوضأ على سنة الرسول ولا على صفة صلاة الرسول وإنما في حدود ما سمعت من كلام العلماء، كيف
[ ٧ / ٩٦٦ ]
تجيء بتقول أنا لا آخذ بكلام العلماء؟! سامحك الله، هذا أولًا ثانيًا: لو سألتك أنا بتعطيني جواب واضح جدًا أنت يا أخي تستطيع تأخذ من القرآن والسنة بدون الاستعانة بأهل العلم؟
مداخلة: [لا].
الشيخ: هه، هذا الذي أنا طلبته وصدق يعني طابق الخُبر الخبر، فإذًا كيف تجي بتقول أنا ما بيهمني العلماء، (كيف) ما بيهمك أنت طريق قاصد العلماء.
مداخلة: شيخ أفهم معنى كلامي، أنا كلامي بينت لك أنت ما سمعتني، كلامي كالتالي أنا قلت لك أنه كلام الناس عندي مش بمقام.
الشيخ: لا تقل كلام الناس يا أستاذ الله يهديك، قل كلام العلماء.
مداخلة: كلام العلماء.
الشيخ: أنا ما بنحكي عن الناس عم بنحكي عن العلماء.
مداخلة: كلام العلماء عندي لا يكون في مرتبة الحجية إذا عرفت
الشيخ: أنا سألتك عن المرتبة؟ أنا ما سألتك عن الحجة وما الحجة قلت لك أنت الآن هل تستطيع أن تفهم العقيدة من كتاب الله وحديث رسول الله دون أن تستعين بالعلماء.
مداخلة: كلا.
الشيخ: كلا، أيش معنى كلامك السابق وأنا عم برجع الآن، وأنا عم باسألك، نرجع الآن لسؤالي الذي أنت حدت عنه بالجواب الخطأ، فأقول لك: من يخرج بقولك من العلماء؟ عرفتم الآن الموضوع كله كيف ماشي؟
[ ٧ / ٩٦٧ ]
مداخلة: نعم.
الشيخ: سلسلة تأتي بعد سلسلة بعضها أخذ رقابها برقاب بعض بينما، أنت تتوهم ..
مداخلة: أنا سأجاوب.
الشيخ: الآن أنا أقول مَنْ مِنْ العلماء الذين تعتدون بهم يقولون الله ﷿ موجود بدون مكان؟ من الذين يقولون كذا؟
مداخلة: أنا بأحول الإجابة للأخ عبد الرحمن تسمحلي.
الشيخ: إيه باسمحلك، ليش لا؟
مداخلة: لأنه بيلح علي أنه بيجاوب.
الشيخ: معليش معليش ما بتفرق أنا معي؛ لأنه كل المقصود أنه تكونوا كما قال تعالى [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي] هات لنشوف بدك تجاوب عن أي سؤال؟
عبد الرحمن: والله الذي بتوجه لنا أياه إن شاء الله.
الشيخ: نعم.
مداخلة: آخر سؤال أجاوب عنه.
الشيخ: أيوه ما هو السؤال؟
مداخلة: هو من يقول بقولنا في مسألة السؤال عن مكان الله ﷿؟
الشيخ: من يقول بما تقولون هذه عبارتك، لا.
[ ٧ / ٩٦٨ ]
مداخلة: شوية على البركة.
الشيخ: لا الله يهديك هه.
علي حسن: الشيخ قال من يقول بجوابكم حيث قلتم جواب على سؤال أين الله: الله موجود بلا مكان.
الشيخ: من يقول أن الله موجود بدون مكان.
مداخلة: ايوه معليش الجواب.
الشيخ: معليش معليش معليش.
مداخلة: أنت تريد من يقول بقولنا عندما تسألني كما سؤال رسول الله الجارية أين الله،
الشيخ: هذا ..
مداخلة: ولا بدك سؤال ثان
الشيخ: هذا.
مداخلة: ماحدت الآن
الشيخ: هذا هو الجواب؟!
مداخلة: الأخ علي حكى كلام غير، يعني بمعنى آخر، غير الحكي بدي أعرف أن أرد.
الشيخ: اتق الله اتق الله الكذب لا يجوز: لا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا، وأنت تًغَيِّر كلامك الآن.
[ ٧ / ٩٦٩ ]
مداخلة: أنا ما غيرَّت.
الشيخ: أنا بأسألك أنت من الذي يقول بقولكم.
مداخلة: أيوه بقولنا عن أيه؟ إنه الله موجود بلا مكان.
بدي أُعدِّد لك عدة علماء: الإمام الغزالي.
الشيخ: الإمام الغزالي.
مداخلة: ﵀.
الشيخ: ﵀ وقبل الإمام الغزالي مين؟
مداخلة: قبل الإمام الغزالي: البيهقي.
الشيخ: البيهقي أين يقول هو الله موجود بدون مكان بغير مكان.
مداخلة: في كتابه الأسماء في كتاب شعب الإيمان اعتقد.
الشيخ: تعتقد.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ألا يقول البيهقي أن الله ﷿ في السماء بمعنى فوق؟ ..
مداخلة: أنا احتج بالبيهقي وغيره لسه باقي.
الشيخ: البيهقي وغيره يا جماعة جبتوا غيره عم بنسأل عن البيهقي.
مداخلة: نعم نعم.
الشيخ: البيهقي بيقول بكلمتك هذه الله ﷿ موجود بغير مكان.
[ ٧ / ٩٧٠ ]
مداخلة: بلا مكان.
الشيخ: طيب انتم تأخذون الكلام إذا صح هذا وأنا ما بدي أخوض الآن، البيهقي يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ أي فوق السماء هكذا يقول البيهقي، لكن أنا أسألك الآن أين الدليل أن الله ﷿ موجود بدون مكان كلمة بدون مكان هذه منصوص عليها اسمع يا أخي لا تقاطعني.
مداخلة: نعم نعم.
الشيخ: هذا الاستثناء بدون مكان في نص في القرآن أو في السنة أرجو
أن يكون الجواب نعم أو لا ثم اشرح إلى مطلع الفجر، هل فهمت سؤالي هل فهمت سؤالي؟
مداخلة: هل لفظة المكان عن الله وردت في الكتاب والسنة أم لا؟
الشيخ: أيه لا ما هذا فقط كمل سؤالي أرجوا أن يكون الجواب نعم أو لا ثم اسمع الله يهديك ثم
مداخلة: الجواب.
الشيخ: لا حولا ولا قوة إلا بالله الله يهديك.
مداخلة: طيب طيب معليش.
الشيخ: الله يهديك.
مداخلة: معليش.
الشيخ: الله يهديك معليش معليش.
[ ٧ / ٩٧١ ]
مداخلة: في أسئلة بنعم أو لا.
الشيخ: معليش.
مداخلة: وفي أسئلة فيها
الشيخ: لا أسال شو ما بدك وأن أجيب بنعم أو لا اسأل ما شئت هذا الكلام مو صحيح أبدًا.
مداخلة: لا صحيح.
الشيخ: محتكر المسألة.
مداخلة: مش محتكر أنا بجبلك أمثلة على كلامك.
الشيخ: اسأل ما شئت لأقول لك نعم أو لا.
مداخلة: أنا بدي أسال.
الشيخ: نعم.
مداخلة: في سؤال ما فيها نعم أو لا، يعني مثلًا بدي أسأل الشيخ عنها.
الشيخ: اسأل عن الشرع عن الشرع، اترك عن الشرع.
مداخلة: لو سألنا رجلًا مثلًا لساتك بتدخن ولّا بطَّلت التدخين مثلًا؟
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، الله يهديكم.
والله يا جماعة أنا بأسف عليكم ماعندكم مبادئ العلوم بدكم تطلعوا للسماء بتقولوا الله في السماء ولا لا، لكن تعلموا مبادئ العلوم لا يوجد أي سؤال إلا وله جواب بنعم أو لا
[ ٧ / ٩٧٢ ]
نعم ما الدليل على، أو نقول هل قولكم بلا مكان فيه عليه دليل؟
مداخلة: هو الصحيح في نقطة يا شيخ نحن المسألة هذه في الأصل ما كنا جايين نناقش فيها هي مسألة وحدة بس عارفين السؤال هذه
الشيخ: أي مسألة كنتم جايين من أجلها أنتم حاطين في بالكم هي مو عقيدة؟
مداخلة: لا نحنا محددين موضوع معين ما بنقدر نخرج عنه لحد الآن مع الأسف بتحكي مقدمات مقدمات دخلتنا في موضوع آخر ولسه.
الشيخ: لالا لسنا في المقدمات.
وين المقدمات انتهينا منها نحن الآن في العقيدة أنتم تقولون أن الله بلا مكان، وتنكرون أن الله في السماء.
مداخلة: خليني أنا احكي تفضل.
الشيخ: نعم.
مداخلة: أنا أسأل هل كتاب الله.
الشيخ: هذا سؤال الله يهديك.
مداخلة: لسه أنا ما سألت.
الشيخ: اسمع أنا السائل مش أنت.
مداخلة: أحنا جينا نتناقش في موضوع لنصل على الحق.
الشيخ: يا أخي نتناقش.
مداخلة: بتسألنا ونسألك.
[ ٧ / ٩٧٣ ]
الشيخ: قل لي شو جوابك وبعدين أسأل ما شئت.
مداخلة: يا ريت تعيد السؤال علشان.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: يمكن معليش.
الشيخ: الله أكبر هل جاء النص في الكتاب والسنة أن الله موجود بدون مكان؟
مداخلة: لم يأت باللفظ هذا.
الشيخ: جميل بهالمعنى؟
مداخلة: بهالمعنى أتى من عدة آيات.
الشيخ: من عدة آيات.
مداخلة: نعم.
الشيخ: نقنع بآية واحدة.
مداخلة: لا بنجيبهن كلهن علشان.
الشيخ: شوف شوف الله أكبر الله الله أكبر.
مداخلة: الله ﷿ قال في كتابه ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ]﴾ هي الآية ظاهر مفهوم الآية هيك يعني اللي يسمعها للوهلة الأولى يعتقد أن الله ﷿ أتى بنيان ثمود وعاد على أساسات بيوتهم.
الشيخ: خلينا نخلص من الآية هي وين نفي المكان في الآية هي الله يهديك.
مداخلة: خليني أكمل بجملة في نفي المكان.
[ ٧ / ٩٧٤ ]
الشيخ: أنت عم بتقول لي بس، الله يهديك.
مداخلة: أنت قلت لي أجيب واحدة.
الشيخ: إيه خلصنا:
مداخلة: خلصنا جبت الآية.
الشيخ: لا عم بأقلك وين الدليل في الآية.
مداخلة: في آية غيرها.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: أزبطها ليك، لا بدي أطرح لك وجهة نظري كاملة ثم الاستدلال.
الشيخ: أنا فهمان وجهة نظرك كاملة.
مداخلة: طيب ياريت.
الشيخ: أريد الاستدلال من الآية هذه: من استدلالك من الآية وين نفي المكان في الآية.
مداخلة: نفي المكان في الآية هي الله ﷿، هنا في الآية هي
ونحن نستدل لحد الآن أثبت أن بيتي أنه في أساسات قوم عاد قوم ثمود في
الآية الأخرى.
الشيخ: هه نقل للآية الأخرى.
مداخلة: بدي أجيب لك كل الآيات.
الشيخ: هذا ما ينفعه بقى إلا قصة ذاك الأزهري.
[ ٧ / ٩٧٥ ]
مداخلة: إما تسمع كلامنا كامل أو نخرج من الموضوع هذا بالمرة.
الشيخ: على راحتك لكن وين بدك تخرج وإن كنتم خرجتم مرارًا وتكرارًا لكن نحن ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أنت حر لكن عم أبين لك إنه الآية الأولى ليس فيها ذكر، اسمع.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ليس فيها ذكر للمكان لا سلبًا ولا إيجابا.
مداخلة: كلامك صحيح.
الشيخ: صح.
مداخلة: كلامك سليم.
الشيخ: أيش معنى كلامك إذًا؟! كلامي سليم وصحيح.
مداخلة: لالالالا.
الشيخ: أدعى أنه يعرف وجهت نظري ما يعرفها.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، الله أكبر الله أكبر.
مداخلة: خليني احكي.
الشيخ: تفقهوا قبل أن أن تُسَوَّدوا الله أكبر.
مداخلة: خليني أكمل.
الشيخ: لا ما تكمل أثبت لي الآية هذه أين المكان سلبًا أو إيجابًا.
مداخلة: أنا قلت له عدة آيات، قال لا آية واحدة، قلت له عدة آيات ما قلت له
[ ٧ / ٩٧٦ ]
آية طلب آية واحدة.
الشيخ: وأنا باجبلك آيات وأنا باجبلك آيات.
مداخلة: اجبلك كل الآيات.
الشيخ: أنا باجبلك آيات في إثبات المكان وليس في لله المكان راح أجيب
له آيات وليس لله مكان ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
هه طيب ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾ كملها لشوف.
أنتم تقولون أن الله ﷿ موجود بدون مكان بدون مكان بدي آية تثبت أن الله ﷿ ليس في مكان هذا أولًا.
مداخلة: بالمفهوم طبعًا.
الشيخ: أرجوك أرجوك قلت هذا أولًا.
مداخلة: هذا أولًا.
الشيخ: لما بيقول الإنسان أولًا شو معناها؟! فيه ثانيًا.
تفضل ثانيًا بنريد تشرحوا لنا كلمة المكان إن شئتم شرحتم وإن شئتم شرحنا نحن، المهم الآن نريد آية تنفي المكان عن الله ﷿ آية واحدة ومثل ما قلت لصاحبك وأنا قنوع تفضل.
مداخلة: الآية التي تدل على أن الله ﷿ منزه عن المكان قوله
تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إذ أن كل مخلوق في هذا الكون مفتقر في وجودة
[ ٧ / ٩٧٧ ]
مفتقر في وجودة إلى مكان، الله ﷿ ليس كمثله شيء فهو في وجوده غير مفتقر إلى مكان.
الشيخ: جميل جدًا.
مداخلة: وهو بذلك يباين خلقه أي يخالفهم.
الشيخ: جميل جدًا الذي يعتقد بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ السمع والبصر من صفات البشر أيضًا والله ﷿ وصف نفسه بأنه سميع بصير، فهل نثبت هاتين الصفتين أم ننفيهما عن الله ﷿، أم نثبتهما وننزهه عن أن يشابه الحوادث والمخلوقات؟
مداخلة: نثبتها وننزهه عن المشابهة.
الشيخ: جميل جدًا إذًا هذا الدليل وحده لا يكفي لنفي المكان، لا يكفي لنفي المكان، علمًا لعلك تذكر معي قلت آنفًا نلفت نظر أخينا هذا (الذي) عم بيجيب آية بنفي المكان، والآية ليست في ذاك الصدد، فأنا جابهته أنا راح أجبلك آيات في إثبات المكان وليس لله مكان انتبهت لهذا الكلام ولا ما انتبهت، أنا قلت آنفًا للفت نظر الأخ أن الاستدلال بالآية تحميل الآية مالا تحمل لأنها لا تذكر المكان لا سلبًا ولا إيجابًا فمن باب لفت نظره قلت له أنا راح أجبلك آيات لإثبات المكان بها، للاستدلال على المكان، بها وليس لله مكان وليس لله مكان حتى ما يسبق لذهنكم أنه أنا أقول إن الله له مكان بس للفت نظره أنه ما بيجوز الاستدلال لمجرد تلاوتنا آية هي الآية فيها نفي المكان فمثله مثلي أنا لما نفيت المكان أثبت المكان بسورة قل هو الله أحد إنا أعطيناك الكوثر.
جميل، لكن أردت ألفت نظرك أردت ألفت نظرك انه قلت ليس لله مكان
[ ٧ / ٩٧٨ ]
أخذت بالك؛ لأنه الشيء الذي نحن نفهمه مما نشر قديمًا من الخلافات بين الخلف والسلف ومن ينشر الآن مذهب الخلف أنهم يفهمون من عقيدة السلف الذين يقولون إن الله ﷿ فوق المخلوقات كلها أنهم يثبتون لله مكانًا، يفهمون من هذا وهذا فهم خطأ بالمائة مليون، ولذلك فأنا الآن أريد أن أقول أنه لا يجوز للمسلم أن يثبت شيئًا أو أن ينفي شيئًا عن الله ﷿ إلا بدليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله - ﵌ - الصحيحة، وهذه كلمة لا خلاف فيها إن شاء الله.
مداخلة: بس
الشيخ: جاييك جاييك بالبيان جاييك البيان.
مداخلة: الله يجزيك الخير هذا الكلام على العين وعلى الرأس.
الشيخ: كويس الآن نحن نقول كلمة المكان هل هي معناها وجودي
ولا ذهني؟
مداخلة: جزاك الله خير.
الشيخ: تفضل بدك تحكي هل المكان أمر معنوي ولا حسي.
مداخلة: هذا حسي.
الشيخ: طيب فالآن إذا كان المكان وجودي.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب فهل من مسلم يعتقد بأن الله ﷿ كان منذ الأزل في مكان حيث كان الله ولا شيء معه.
مداخلة: مافيش مسلم يعتقد ذلك.
[ ٧ / ٩٧٩ ]
الشيخ: هه.
مداخلة: لا.
الشيخ: لا إذًا هل أنتم تعتقدون بأن هناك مسلمًا عالمًا يعتقد بأن الله ﷿ في مكان.
مداخلة: طبعًا لا.
الشيخ: فإذًا ما هو الخلاف الآن بينكم وبين كل من يؤمن بكل الآيات التي تثبت أن علو الله ﷿ فوق مخلوقاته كلها بآية في السماء، بآية الرحمن على العرش استوى بالآيات، كلها على آخرها ما ننفيها؛ لأن كلها معروفة ومتلوة الحمد لله ليلًا نهارًا، فإذًا بماذا تميزتم أنتم الآن في هذه اللحظة بعدما توضح لكم شيئان؛ أن المكان أمر وجودي أي خُلِقَ من العدم، وأن الله ﷿ كان وليس هناك مكان ولا زمان كويس.
مداخلة: الله يجزيك الخير.
الشيخ: إذن فعلماء السلف كلهم الذين يؤمنون بآيات الصفات وأحاديث الصفات ومنها العلي الأعلى، لماذا تفهمون من هذه النصوص ومن أقوالهم أنهم جعلوا الله في مكان فشردتم أنتم عنهم وقلتم ليس في مكان، لماذا؟
مداخلة: أنا أجيبك هذا الكلام والله ممتاز جدًا، كلام السلف دائمًا ببيان بقولهم بأن الله ﷿ فوق المخلوقات بأن الله ﷿ عليٌّ أو له صفة العلو، فنحن موافقون على هذا الأمر موافقة كلية، لكن طبعًا نحن بنحكي أن السلف كان الله ﷿ فوق المخلوقات عالٍ على المخلوقات في علو الرتبة ليس علو
الشيخ: لا ليس علوا الرتبة فقط اسمح لي لأنه قضية الحس أخي من هنا
[ ٧ / ٩٨٠ ]
جاءكم الخطأ الحس له علاقة بالكون.
مداخلة: نعم.
الشيخ: الحس له علاقة بالكون أي بالمكَوَّن وليس بالخالق الكون.
مداخلة: صدقت هذا الكلام توحيد
الشيخ: طيب اعتبارك انتبه لحالك، ما أعطيتني الجواب عن سؤالي، أعيده فأقول: بماذا تميزتم عن علماء السلف الذين يؤمنون بأن الله ﷿ على العرش استوى مع اعتقادهم أنه ليس في مكان؛ لأن الله كان قبل أن يخلق المكان، وهو الآن كما كان قبل خلق المكان؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب بماذا تميزتم، سيظهر الآن سيظهر الآن، بعد قليل الفرق بين عقيدة السلف وبين عقيدة الخلف، وأنتم على هذه العقيدة يعني الذي أنتم فررتم منه آنفًا، نحن ما نقول الله في كل مكان.
مداخلة: كنت بدي أجاوب صح نعم.
الشيخ: هذا الذي فررتم منه، نخشى -ما نقول وقعتم- نخشى أن تكونوا وقعتم فيما هو شر مما منه فررتم الآن.
مداخلة: حكيت أنت بأيش تميزنا على السلف إلي بيقولوا.
الشيخ: لسه ما خَلَّصت كلامي إلي بأقول الآن.
الشيخ: الله أكبر أنا بأقوله الآن أريد أن أُكَمِّل كلامي.
[ ٧ / ٩٨١ ]
مداخلة: تفضل.
الشيخ: الآن أظن وضح لك أننا نحن لا نقول أن الله في مكان صح.
مداخلة: أحسنت هذا الذي نريد أن نتفق عليه إن شاء الله.
الشيخ: صح طيب لكن أنتم لا تقولن بما قال الله أن الله في السماء وعلى العرش استوى وو إلى آخره.
مداخلة: لا نقول بذلك؟
الشيخ: ما أظن.
مداخلة: نحنا نقول أن الله ﷿ ..
الشيخ: ما أظن اسمح لي، لأنه لما أقول لك: ما أظن، قف معي، مش تسمع كلامي معطل لكلامك وتمضي في كلامك، بيكون ما تفاهمنا، أنا أقول ما أظن أنكم تقولون هذا الكلام لأنه هالي استقيتم منه هذه الكلمات والذين هم سقوا هذا -الساقين لكم- هم يقولون يقولون أن الله في السماء هي عقيدة المشركين وأنت قلتها آنفًا.
ما أسرع ما نسيت مش أنت يا أخي (الذي) قلت الله يهديك: أنه كلمة جواب أن الله في السماء ليس جوابًا؛ لأنه هي عقيدة المشركين، وقلت لك يا أخي: هل كل عقيدة يعتقدها المشركون ضروري نحن نخالفهم، قلت: لا أيضًا إذا قال المشركون: إن الله في السماء نحن نخالفهم نكاية فيهم.
مداخلة: لا.
الشيخ: قد يقولون الله موجود، الله موجود، نقول إحنا الله مو موجود، نكاية
[ ٧ / ٩٨٢ ]
فيهم فإذًا نسيت ما قلت.
المحمل الذي حملت عليه كلامي خاطئ؛ أنا قلت: أن اعتقاد أن الله ﷿ في السماء بمعنى إثبات المكان لله هذا الكفار أقروه، والسؤال المجرد عنه لا يفيد، بدنا ندقق نفهم شو المحمل على هذا؟
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك.
مداخلة: هذا قصدي.
الشيخ: أنت عم بتحمل الآية مالا تتحمل لما ربنا بيقول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ أنت بفهمك عم بتفهم من الآية إثبات المكان، إثبات المكان المخلوق بناءً على ذلك تقول هي عقيدة المشركين.
مداخلة: وفي ناس فهموا كذلك.
الشيخ: طَوِّل بالك.
نكون في شيء ونصير بشيء، يا أخي أنت عم بتقول بارك الله فيك انه هذه الآية ﴿أأمنتم من في السماء﴾ تثبت المكان لله وهو صًرَّح في هذه الآية تمامًا، ولو لعلها تكون فلتة لسان معليش الله ﷿ لا يثبت لنفسه مكانًا ولا ينفي عن نفسه مكانًا، أخذت بالك، لا يثبت لنفسه مكانًا ولا ينفي عن نفسه مكانًا، ولكن إن نفى فينفي شيئًا لا يليق به، كما قلت أنت آنفًا مستدلًا بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لكن هذا لا ينفي ما أثبته في القرآن من أنه في السماء، وكما قلت لكم آنفًا جواب البيهقي يقول في السماء فوق السماء، فلله صفة الفوقية وصفة الاستعلاء على العرش كما يليق بجلاله وعظمته، فإذا قال المسلم: الله في السماء فإما أن يفهم في السماء يعني السماء ظرف له هذا ضلال.
[ ٧ / ٩٨٣ ]
مداخلة: ونحن معك على ذلك.
الشيخ: كويس.
مداخلة: نعم.
الشيخ: وإما أن يفهم في السماء بمعنى على السماء، وأنه فوق المخلوقات كلها، أنت قلت: مكانًا لا حسًا، قلت لك: يا أخي بارك الله فيك الحس له علاقة بالمخلوقات، ونحن كلامنا في الخالق، فالخالق فوق السماوات كلها، فوق المخلوقات كلها، فوقية تليق به ﵎.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب الآن سنقول نحن نعرف وسمعنا من بعض مشايخنا في دمشق وقرأناه في بعض كتب لبعض الفرق أن الله ﷿، -أسألكم الآن شو رأيكم بهذا الكلام -الله ﷿ لا يوصف بأنه فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، شو رأيكم في هذا الكلام؟
مداخلة: الكلام هذا إذا كان محمول عنه على نفي المكان نقول لهم هذا صح ليس له مكان، الله ﷿ فوق فنحن نحمله على محمل الرتبة والعلو المعنوي فإذا كان قصدهم نفي المكان فنحن معهم.
الشيخ: أنت حدت عن الجواب.
مداخلة: إذا كان قصدهم نفي المكان.
الشيخ: حدت حدت سمعت مني كلمة القصد.
مداخلة: كيف أنا أحكيت كلمت القصد؟
[ ٧ / ٩٨٤ ]
الشيخ: أنا عم بأقلك حدت، أنا عم باقلك حدت عن الجواب وعم بأسألك سمعت مني كلمة القصد ولَّا لا.
مداخلة: لا.
الشيخ: طيب إذًا لماذا حشرت كلمت القصد وأنا ما حشرت في كلامي
هذه الكلمة.
مداخلة: بدي أجاوب كيف بدي أجاوب أنا لما بدي أجاوب يجب أن آتي بكلمات جديدة شرط يعني.
الشيخ: الله يهديك يا أخي كل سؤال إله جواب كل سؤال إله جواب أنا عم باقلك ماذا تقول فيمن يقول ..
مداخلة: كلامك صحيح هذا
الشيخ: نعم.
مداخلة: هذا الكلام صحيح.
الشيخ: طيب.
مداخلة: وورد في الكتاب تتمة.
الشيخ: بس كلمة وغطاها، الله يهديك، يعني هلاَّ لو قلت: هذا الكلام صحيح، وكان هذا الكلام غير صحيح عندنا، ما نسألك شو حجتك طَوِّل بالك طَوِّل بالك الله يهديك.
مداخلة: الله يجزاك الخير.
[ ٧ / ٩٨٥ ]
الشيخ: الله يهديك طول بالك أنا عم بأقلك ما بأسألك شو الدليل إذا كان هذا الكلام بتقول صحيح وكان عندنا غير صحيح ما بنسألك عن الدليل.
مداخلة: صح.
الشيخ: إذا ً ليش أنت بدك تفرض وتحكي.
مداخلة: بدي أُفَصِّل الأمر هذا الكلام.
الشيخ: يا أخي فصل إذا احتجت للتفصيل.
مداخلة: طيب ماشي أنا بأقلك هذا الكلام صح.
الشيخ: صح.
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني الله إذًا لا داخل الكون ولا خارجه.
مداخلة: بلا شك.
الشيخ: الله أكبر الله أكبر، نسألك الآن، وائت ما عندك، واحشر ما شئت من الأدلة، أليس هذا يساوي كلام المعطلة الذين يقولون ليس هناك شيء إلا المادة.
مداخلة: لا لا يساويها.
الشيخ: ليه لا داخل العالم المخلوق ولا خارج العالم المخلوق.
مداخلة: ممتاز أنا أثبت لك أن الكلام لا يساوي كلام المعطلة ليش؛
لأن المعطل
الشيخ: يا أخي مو سؤالي يساوي ولا ما يساوي، الآن شوف هذا الذي خرج
[ ٧ / ٩٨٦ ]
عن الكلام السابق ما تقول فيمن يقول الله لا داخل العالم ولا خارجه؟
مداخلة: صواب.
الشيخ: طيب فإذًا أيش الفرق بين هذا الكلام وبين من يقول لا شيء
إلا المادة.
مداخلة: فيه فرق الفرق هو كالتالي إن الفرق إنه المعطل ينفي وجود الله بالمرة، أما الي بيقول أن الله ﷿ ليس داخل العالم ولا خارجه فهو يثبت وجود الله ولكن ينزهه عن أن يكون في مكان.
الشيخ: الله يهديك.
مداخلة: ليس كمثله شيء واضح.
الشيخ: لا مش واضح.
مداخلة: أعيده.
الشيخ: خليك معي مواتفقنا آنفًا أنه المكان شيء وجودي؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب أنت الآن عم بتنفي وجود الله خارج المكان.
مداخلة: لا.
الشيخ: الله يهديك.
مداخلة: خارج العالم مش مكان، يعني خارج العالم مش مكان؟!
الشيخ: لا مش مكان الله يهديك.
[ ٧ / ٩٨٧ ]
مداخلة: طب شو خارج العالم.
الشيخ: هذه مشكلتكم.
مداخلة: أنا حملت الإجابة حملت الإجابة على محمل ممكن يكون كل هدفنا واحد ممكن نتفق، بس يجوز يكون لا مشاحة في الاصطلاح أنا قصدي أنه هذا الفارق بين المعطل أنا قصدي انه بحاجة إلى نفي المكان فهذا الذي قال هذا الكلام أنه جوة العالم مكان وأنه برة العالم مكان فقال الله لا جوة ولا برة.
الشيخ: هذا يدل على وجود التناقض (داخل) نفسك.
مداخلة: كلا.
الشيخ: كلا كلا كلا، الذي بيقول أن المكان أمر وجودي الذي قال آنفًا معنا بأن المكان شيء وجودي ليس ذهنيًا صح؟
مداخلة: صح.
الشيخ: بارك الله فيك هالمكان عند جميع العاقلين لايمكن أن نتصور إلا أنه شيء وجودي صح؟.
مداخلة: نعم هذا كلام سليم.
الشيخ: طيب ما سوى المكان شيء ذهني يعني عدمي؟
مداخلة: ذهني آه عدمي لسه ما استوعبتها.
الشيخ: ستستوعبها إن شاء الله.
مداخلة: كيف يعني، انا طالب علم فهمني هيه.
[ ٧ / ٩٨٨ ]
الشيخ: مشان هيك أنا استكثرت عليه أنا ما باعتد بكلام الناس شيء بيفلق الحجر، لو أن الله ﷿ متَّع الإنسان بشيء من الأناة والصبر والعلم والصبر على الناس وهدايتهم وإرشادهم إلى آخره، يا أخي مو متفقين نحن كان الله ولا شيء معه، لا شيء معه عدم ولا وجود، غيره هو عدم ولا وجود؟
مداخلة: عدم.
الشيخ: طيب هذا العدم مكان.
مداخلة: لا لأن المكان وجودي.
الشيخ: هه رجعت حليمة لعادتها القديمة عم بأقلك أنا وأنت رجعنا إلى المكان، فالمكان شيء وجودي وما سواه شيء عدمي.
مداخلة: أو ذهني.
الشيخ: نعم.
مداخلة: في نقطة تسمح لي.
الشيخ: بس ما تكون نقطة نقطتين.
مداخلة: لا نقطة واحدة.
الشيخ: طيب تفضل.
مداخلة: نقطة واحدة إلّي هو أنه نتفق لذلك لا يطلق لفظ مكان على
شيء وجود أهم شيء العدم ونسكت ما نقول المكان عدمي يعني ننطق المكان بأنه عدمي.
[ ٧ / ٩٨٩ ]
الشيخ: لكن شو الفائدة منه الله يهديك.
مداخلة: أنا توصلنا إلى نقطة لأنه بعضهم بيقلك الله موجود بلا مكان عدمي، بنقله لا مش صحيح صح أن الله ﷿ موجود بلا مكان فما يصير تقول المكان عدمي تربط هذه بهاي والله إحنا بنتعلم الحكمة ضالة المؤمن.
الشيخ: إذًا غير المكان ليس مكانًا.
مداخلة: صح.
الشيخ: طيب هل يصح بعد هذا التوضيح الذي وضح لك أن يقول القائل المسلم وهو يؤمن بالكتاب والسنة إن الله ﷿ ليس داخل العالم ولا خارجه هل يصح هذا الكلام؟
شوف يا أخي
مداخلة: عم بأفكر بدي أفكر.
الشيخ: عم بأقلك شوف يا أخي.
مداخلة: تفضل.
مش عم بأقلك احكي لا هذه النقطة ضل فيها فرق، فرق كبيرة شو السبب، السبب أنهم خلطوا بين المكان الوجودي وبين المكان العدمي ولا نسميه مكانًا خلطوا بين
الشيخ: استثناء ممتاز.
الشيخ: هذا الخلط هو الذي أضل كثيرًا من الفرق ولا بأس أن أقص عليكم هذه القصة.
[ ٧ / ٩٩٠ ]
في موسم من مواسم الحج وفي أيام من أيام منى، كنا هناك والحمد لله جالسين في أمسية مباركة، وبعض الحجاج ملتفين جالسين معنا نتكلم فيما كان ربنا يسر لنا من الكلام العلمي، مر بنا شيخ أزهري سمع حديث ديني فجلس، لا شك أن كل عالم لما بيخوض في بحث ما ويجلس إليه عالم آخر بيفهم أن اتجاهه مثلًا سلفي خلفي حنفي شافعي سني شيعي إلى آخره.
مداخلة: نعم.
الشيخ: الرجل شم في زعمه هو من طريقة البحث إنه أنا طريقتي على منهج السلف الصالح، واستلزم من ذلك كما هو رأي كثير من جماهير طلاب العلم والمشايخ استلزم من هذا الأسلوب في الكلام أنه أنا رجل وهابي واضح، والوهابية إلِّي هم النجديين متهمون في عقيدتهم في مذهبهم في في إلى آخره وهذه بلا شك تهمة ليس لها أصل وهنا حنابلة ومتمسكين بمذهب الإمام أحمد سواء في الأصول أي العقيدة أو في الفروع.
قال الرجل انتم فيكم خير وبركه لكنكم مُجسِّمة مشبهة قلت له: كيف؟ قال: لأنكم تجعلون الله ﷿، بل تقولون أن الله ﷿ على العرش استوى، قلت له: يا شيخ هذا مو كلامنا هذا كلام رب العالمين، قال: صح لكن أقصد أنكم تجعلون الله بإيمانكم بهذه الآية على ظاهرها هنا الشاهد في مكان، قلت له: يا أخي نحن نؤمن بما جاء في الكتاب والسنة بدون تشبيه ولا تعطيل بدون تشبيه ولا تعطيل، والآن نحن نثبت لك بلسانك وعلمك أننا لا نقول بأن الله في مكان حينما نقول: الرحمن على العرش استوى أو إليه يصعد الكلم الطيب، قال: كيف؟
سألته السؤال السابق وما يلحقه قلت له: المكان هل هو شيء وجودي أم
[ ٧ / ٩٩١ ]
عدمي؟ قال: لا وجودي، قلت له: حسن هذا الموجود محدود ولا مطلق الكون محدود ولا مطلق؟ قال: لا محدود، طيب عم بنسأل سؤالًا بيعطي جواب ما فيه خلاف فيه، قلت: حسنًا، الآن فوقنا أيش؟ قال سماء الدنيا الأولى
قلت: والثانية والثالثة، قال: نعم، والسابعة، قال: نعم قلت: فوق السابعة إيش في؟ قال: العرش.
أنا ظننت انتهينا من المخلوقات، هيك ظننت لكن جاءني بالتعبير العربي بباقعة، وبالتعبير السوري (بمفخوتة)، لماذا لماذا؟ قلت له: أيش فوق العرش؟ أنا أيش ظننت أيش بيقول؟ الرحمن على العرش استوى، وإذ فاجأني شو قال لي: فوق العرش الكروبيون، قلت له: أيش الكروبيون، أيش كروبيون؟ قال: هذول ملائكة، قلت في آية تذكر أنه في ملائكة اسمهم كروبيون أولًا، وأنهم فوق العرش؟ قال: لا. قلت له: في حديث عن الرسول ﵇؟ قال: لا، قلت: إذًا من أين جئت بهذا وهذا أمر غيبي أن تقول فوق العرش في ملائكة، وهؤلاء الملائكة اسمهم كروبيون، من أين جئت بهذا؟ قال: علماء الأزهر هيك لقنونا، قلت: سبحان الله، أنا أعلم عن علماء الأزهر بأنهم يقولون أن العقيدة لا تؤخذ إلا من حديث متواتر مش حديث صحيح وبس لازم يكون حديثًا متواترًا، كيف أنتم أخذتم هذه العقيدة ما فيه ولا حديث صحيح غير متواتر واحدة؟! قلت له: هب أن فوق العرش ملائكة كروبيون؛ لأنه نحن بنقول لأخوانا دائمًا أسلوبنا كما رأيتم الي ما بيجي معك تجي معه؛ لأنه الإنسان بده يكون واسع بالأخذ والعطاء، طيب ها أنت تعتقد أنه فوق العرش في ملائكة كروبيون، وفوق هالملائكة أيش فيه؟ قال لا شيء قلت سبحان الله، ألا يكفيك الآن أن تشد بلسانك على نفسك أن السلفيين الِّي بتسموهم بالوهابيين إذا قالوا: الله فوق العرش ما جعلوه في مكان؛ لأنه
[ ٧ / ٩٩٢ ]
باعترافك أن المكان انتهى عندنا بالعرش، وعندك أنت بالكروبيون، ففوق الكروبيون ما فيه مكان؟ فإذًا الله نحن الذين نؤمن بأنه فوق المخلوقات كلها نعتقد أنه ليس في مكان، إذًا بهذه المفاهيم الصحيحة التي تتجاوب مع آيات الصفات وتنزيه رب العالمين عن مشابهة الحوادث نؤمن بان الله ﷿ مستوٍ على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته الله، إذًا إيماننا بكل هذه الصفات ليس
في مكان.
على هذا نعود الآن للسؤال النبوي أين الله؟ أنتم لقنتم بأن هذه الرواية ضعيفة وأنها مخالفة للروايات الصحيحة، شوفوا يا أخواننا المسلمين هذا الكلام لا يوجد عالم في الدنيا سبق من لقنكم هذا التلقين لا يوجد في الدنيا، اسمح لي.
بنقول نقول يا أخي، نقول: أنت تفهمها الله يرضى عليك أنت ما تستطيع أنت تضع هذه الروايات وتميز الراجح منها من المرجوح، بل ولا الذي يقول بأنه رواية من ربك وتشهد بأن هذه أرجح من هذه لا يستطيع ولا هو أهل للبحث في هذا الموضوع، لكن الآن هذه النقطة بالذات تفتح لنا سؤالًا مهمًا جدًا، وأنا ألفت نظركم إلى آية في القرآن الكريم وأرجو أنه ما بتظنوا أنه هذه والله مالها علاقة بالموضوع، لها علاقة كل العلاقة ربنا يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالآن قَسّم رب العالمين الأمة الإسلامية إلى قسمين علماء وغير علماء، وأوجب على كل من الفريقين ما لا يجب عن الأخر، أوجب على الجمهور من الناس أن يسألوا القلة من الناس وهم العلماء، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الآن أنتم بلا شك أفقتم على كتب في علم الحديث كثيرة وكثيرة جدًا منها ما يعرف بالصحاح، مثلًا: صحيح البخاري، ومسلم، ابن خزيمة، ابن حبان، الحاكم، إلى آخره، هؤلاء عامة المسلمين لا يستطيعون أن يضربوا عنها صفحًا بل
[ ٧ / ٩٩٣ ]
لا بد لهم أن يعتمدوا عليها والاعتماد عليها، يكون على أسلوب من أسلوبين وعلى طريق من طريقتين، الطريق الأولى رواه البخاري خلاص، بالنسبة لعامة الناس هذا حديث صحيح رواه مسلم هذا حديث صحيح وهذا لعامة الناس، للقسم الذي ليس من أهل العلم، القسم الثاني وهم الأقل خاصة في هذا الزمان قد يأخذ عن البخاري أو عن الإمام مسلم خطأ سواء في لفظة من الحديث صحيح أو الحديث كله قد يراه ضعيفًا وعند الإمام البخاري ومسلم صحيح، لكن هل هذا لعامة الناس أو خاصة الناس وهم أهل العلم جيد، الآن أنتم الآن تحشرون أنفسكم في عامة الناس ولا في خاصة الناس؟
مداخلة: في عامة الناس
الشيخ: بارك الله فيك، إذا رأيت حديثًا كحديث الجارية أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة رأيت مثل هذا الحديث في صحيح مسلم، ثم رأيت العلماء المتقدمين والمتأخرين يصرحون بتصحيح هذا الحديث، وبعضهم يتابع مسلمًا في تصحيح هذا الحديث.
أضرب لك يعني مثالين اثنين فقط: مسلم أخرج هذا الحديث في صحيحه فإذًا هو عنده صحيح، الإمام البيهقي يقول هذا الحديث إسناده صحيح، والأمثلة كثيرة بس قلت لك بس مثالين طيب، مَنْ الآن يستطيع أن يعلوا على مسلم وعلى البيهقي وما بينهما من علماء آخرين أسمائهم موجودة في الكتب المطولة ومن جاء بعدهم كالحافظ ابن حجر الذي يصحح هذا الحديث، مَنْ الذي بقى تتصوروا أنتو يا معشر المسلمين من القسم الثاني من الذي يستطيع أنه يأتي ويُخَطِّئ هؤلاء، ويقول: أخطأتم، هذا الحديث خطأ، ليس بالحديث الصحيح «أين الله» وإنما فيه «من ربك» أتشهدين إلى أخره، قولوا الآن الشاهد في أنفسكم كيف تعالجون مثل
[ ٧ / ٩٩٤ ]
هذه القضية، زيد من الناس في هذا العصر يقول: هذا الحديث صحيح، وبكر من الناس يقول: لا هذا حديث خطأ، ويقسم بالله أن الرسول ما قال هذا الكلام، شو رأيكم بعض العلماء الذين تتابعوا وتابع بعضهم بعضًا على التصريح بصحة هذا الحديث هؤلاء على خطأ، وهذا الإنسان الآن الذي هو وليد اليوم في هذا العلم، وليد اليوم في هذا العلم، يتطاول على هؤلاء الجماهير من العلماء ممن يؤمن ممن يؤمن بعلمهم وسلوك سبيلهم وممن يخالفهم هو يخالفهم جميعًا، أيش رأيك هذا المنهج سليم يكون؟
مداخلة: نشوف دعوى الرجل.
الشيخ: ما تستطيع تفهم دعواه الله يرضى عليك ما تستطيع أنت من عامة الناس، لا تنسى حالك، من عرض نفسه عارض ربه، ما تستطيع الآن أنا أقول لك هل تستطيع أن تدرس سند مسلم ومالك وأحمد وأبي داود إلى أخره، الذين رووا هذا الحديث وجماهيرهم سلَّموا به، وأفراد منهم صرَّحوا بصحته، هل تستطيع أنت أن تتناول كل راوي من هؤلاء من الصحابة وأنت نازل وتعرفهم بثقة ولا بجرح تستطيع؟
مداخلة: ما أقدر طبعًا على مقدرتي، بس أنت وقعت في نفس الأمر أنت ضعفت حديثًا في مسلم.
الشيخ: الله يهديك هذه حيدة، الله يهديك هذه حيدة، هذه حيدة أنا ما أضعفت حديثًا في مسلم وتفردتُّ به أنا باجبلك تتابع العلماء على تصحيحه، وأتحدى الذي يُضعِّف الآن أن يأتينا برجل من غير العصر الحاضر ومن الذين انحرفوا عن العقيدة السلفية الصحيحة التي فهمناها لكم آنفًا واحد من المتقدمين سواء
[ ٧ / ٩٩٥ ]
من الذي لا يؤولون، أو الذين يؤولون كالبيهقي، تعرف أن البيهقي يؤول بعض الآيات ولَّا لا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب هذا المؤول يُصرِّح بأن هذا الحديث إسناده صحيح فأنت لا تضلل نفسك تتورط معي أنه أنا ضعفت حديث في صحيح مسلم نعم، لكن أنا ما ضعفت حيث تتابع العلماء من يوم صحيح مسلم إلى ما قبل اليوم قبل زمن الفتنة والابتلاء بالآراء الجديدة، يختلف الأمر تمامًا أنا عندي استعداد أجبلك عشرة من العلماء قديمًا وحديثًا ومنهم الإمام النووي وغيره أن هذا الحديث صحيح، كيف يدخل في عقلك أنت وأنت الشاب المتجرد كما يبدو لي عن الهوى كيف يدخل في عقلك أن يكون هؤلاء العلماء كلهم ومنهم نتعلم علم الحديث انه يكونوا هؤلاء كلهم أخطؤوا في تصحيح هذا الحديث ثم يأتي إنسان يقول هذا الحديث ما قاله رسول الله لما لأنه خالف هوى في نفسه؛ لأنه يفهم منه أين الله، وين مكانه؟ هذا الكلام خطأ، وما بُني على خطأ فهو خطأ فقد بَيَنا لك آنفًا أن الله ليس في مكان لكن الله ﷿ فوق المخلوقات كلها.
مداخلة: إذًا الأمر اختلاف لفظي، بناء على ذلك من الكلام هذا بيكون الاختلاف لفظي ليش لأنه ..
الشيخ: عفوًا عفوًا لا تبني قبل أن نفهم شو بتقصد بخلاف لفظي وفي أي لفظ في أي لفظ.
مداخلة: خلاف لفظي يعني معناه.
الشيخ: في أي شيء عم بأقلك الله يهديك، حدِّد الدعوى، حَدِّد الدعوى
[ ٧ / ٩٩٦ ]
بعدين بَيِّنْ.
مداخلة: في الحديث مضطرب أو مش مضطرب يعني من ناحية.
الشيخ: لا أنت حتى الآن ما عم بتجاوب الله يهديك.
مداخلة: أنا أرتب لك جواب.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: دعني أرتب لك جواب.
الشيخ: يا أخي رتب لكن هو حاد عن السؤال.
مداخلة: بدي أعيد أرتب جوابي.
الشيخ: أيش هو السؤال الي بدك تجاوب عنه.
مداخلة: أنت سألتني في أي لفظ وقع هذا الخلاف؟
الشيخ: لا.
مداخلة: أنت حكيت.
الشيخ: لا لا لسه بيحكي أنا باقلك لا لا مو هذا السؤال السؤال هو كيف يستقيم في عقولكم أن العلماء علماء الحديث الذي يؤولون والذين لا يؤولون اتفقوا على صحة هذا الحديث.
مداخلة: والله ممكن نحكي.
الشيخ: كيف.
[ ٧ / ٩٩٧ ]
مداخلة: يعني أنت يا شيخ ناصر ضعفت أحاديث ما سبقك بها أحد.
الشيخ: بس اسمح لي اشويه أنت يا أستاذ لك حق انك ترجع تقول تعيد كلام أنا رديت عليه، إذا كنت أنت عندك رد على كلامي رد عليه، مش تعيد كلامك أنا قلت لك أنا ضعَّفت حديثًا أو أكثر من حديث في صحيح مسلم معتمدًا على من سبقني، اسمع اسمع، أما هذا الحديث الذي بيضعفه اليوم فهو يخالف كل الذين رووا الحديث والذين صرحوا بتصحيحه سواء من المؤمنين بالحديث على ظاهره بدون تأويل أو الذين يؤولون، أنت لسه بترجع بتقول أنت أنا لما بأُضعف شيء لي سلف في ذلك، أما هو ما جاء ودرسه دراسة علمية حديثية، وثانيًا خالف كل العلماء الذين تكلموا في هذا الحديث سواء تكلموا عليه من حيث إسناده أو تكلموا عليه من حيث دلالته في العقيدة أو من حيث دلالته الفقهية تعرف، أنه في الحديث دلاله فقهية تعرف ذلك ولا لا.
مداخلة:
الشيخ: طيب فإذًا هؤلاء العلماء كلهم تتابعوا على تصحيح هذا الحديث كيف بتقول أنت ضعفت؟
مداخلة: ممتاز أستاذ طيب الحديث في مسلم ضعفته مين سلفك يعني تورينا تعطينا يا شيخ؟
الشيخ: الله يهديك هلا خرجت على الموضوع.
مداخلة: لا بس عشان نثبت النقطة هذه.
الشيخ: لك يا أخي بس هذا خطأ في البحث أن عم أجبله الفرق بين هذا وهذا، وهو بيرجع .. هذه مجادله اسمها، أنت انتهى من هذا الموضوع لننتقل
[ ٧ / ٩٩٨ ]
لغيره، ولهذا ما بينتهي معنا البحث ولو عشنا سنين طويلة، أنا أجيب لك حديثًا أقول لك أي حديث تريد بابحثلك إياه، لكن هذا موضوعنا الآن؟
مداخلة: لا.
الشيخ: طيب فإذًا لماذا هذا الخروج بارك الله فيك، في فرق بين حديث أنا ضعفته .. أدلتي الحديثية الِّي ما خرجتُ عنها كما يفعل مثلًا بعض المعاصرين اليوم، ولا بد سمعتم بمشكلة الغزالي غزالي العصر الحاضر يجي ينقض الأحاديث بعقلة برأيه ما بيستعمل القواعد العلمية التي وضعها العلماء، هكذا نحن بنقول بالنسبة لحديث الجارية: أين الله؟ أولًا: علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم تتابعوا على تصحيح هذا الحديث، ثانيًا: الذي يضعفه يضعفه برأيه بتوهمه لأنه خالف هذا الحديث الأحاديث الأخرى، مع أنه هنا في مخالفات متعددة، أولًا: أنت طرقت موضوع الاضطراب وسأعود إليه أولًا: أنه هذا الحديث لم ينكره أحد من علماء المسلمين ومن المقرر في علم مصطلح الحديث أن الحديث الذي رواه الشيخان أو أحدهما وتلقته الأمة بالقبول فهو يقيني الثبوت تعرف هذا تعرف هذا في علم الحديث، ما تعرفه ما تعرفه، ما أسالك مالذي تعرفه أسألك عن هذا؟
مداخلة: هذه لا.
الشيخ: طيب الآن هذه أسمعها وتعلَّمها فيما بعد مش في الجلسة هذه الأحاديث التي في الصحيحين.
مداخلة: نعم.
الشيخ: كويس هي قسمان قسم الأكبر تلقتها الأمة بالقبول أسانيده آحاد مثلًا
[ ٧ / ٩٩٩ ]
أنا عم باقلك حديث: «إذا صعد الخطيب المنبر فلا صلاة ولا كلام» هذا قام عليه مذهب الحنفية وهو إسناده ضعيف الحديث، الذي نعرفه إذا دخل أحدكم المسجد يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصلي ركعتين وليتجوز فيهما وآخره إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والخطيب يخطب أنصت، فقد لغوت»، هذه أحاديث آحاد لكن موجودة في الصحيحين والأمة تلقتها بالقبول شو معنى تقبلتها بالقبول هذا مشروح في المصطلح تلقتها بالقبول كلًا من الذين يأخذون بها أو لا يأخذون بها هذه لحجة أخرى عندهم مثلًا حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» كل المسلمين اعترفوا بهذا الحديث، لكن الأحناف لا يأخذون بروايته يتأولونه تأويلًا حسب رأيهم، ولسنا أيضًا في هذا الصدد، لكن هذا الحديث مقطوع بأن الرسول قاله، لماذا؟ لأن الأمة كلها تلقته بالقبول، لو كان فيه ضعف كان بيقول الِّي ما بيأخذ به: هذا ضعيف واسترحنا منه، لكن لا؛ وجدوه صحيحًا، فإذًا هذا الحديث مقطوع بثبوته هذا مقرر في علم المصطلح، أن أي حديث جاء في الصحيحين باعتبار أنه في الصحيحين تلقي بالقبول من الأمة، فالأحاديث التي لم يسبق أن انتقدها أحد من العلماء كالدارقطني وغيره هذه تفيد القطع، أما التي انتقدت بين بين كما هو شأن الأحاديث الأخرى تصحيحًا وتضعيفًا هذا الحديث حديث الجارية هو من هذا القبيل تلقته الأمة بالقبول من يوم رسول الله - ﵌ - وجه هذا السؤال وأجابته هي بذلك الجواب إلى هذا الزمان، لا أحد من علماء المسلمين إلا ويعترف بتصحيح هذا الحديث، منهم من يصرح كما قلت لك آنفًا عن البيهقي وابن حجر العسقلاني، ومنهم من يعامله معاملة الصحيح؛ لأنه بيجي بيشرحه، الشافعية مثلًا يستدلون بالحديث أن كلام المتكلم في الصلاة جهلًا أو سهوًا الصلاة صحيحة، هذا معناه أنهم استدلوا بحديث يعتقدون بصحته إلى
[ ٧ / ١٠٠٠ ]
آخره، فالآن الذي ضعَّف هذا الحديث ما ضعفه على أسلوب علم الحديث وإلا كان من السهل جدًا الرد عليه؛ لأن كل رجاله ثقات وحفاظ ووو إلى آخره، ثانيًا: رده بهواه لأنه توهم انه يعارض، انظر الآن أنه لا معارضة أنت بتعرف أنه التعارض هو التدافع يعني واحد بيخالف الثاني؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أما إذا جاء حديث فيه زيادة على حديث آخر هذا لا يسمى تعارضًا وإنما هو تجري قاعدة زيادة الثقة مقبولة ولا مردودة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: الآن أنت آنفًا ذكرت روايتين عارضت بهما الرواية الصحيحة رواية مسلم، وهي: من ربك؟ أتشهدين أنا أسألك الآن أي الروايتين الصحيحة؟ هل قال الرسول لها: من ربك؟ ولا قال لها: أتشهدين أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله؟ هنا على حسب رأيك في تعارض بين الروايتين؟
مداخلة: بين من ربك.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: هون ما فيش تعارض.
الشيخ: هاه.
مداخلة: ما فيه تعارض.
الشيخ: ليش.
مداخلة: يمكن الجمع بينهما أو ترجيح واحدة منهم.
[ ٧ / ١٠٠١ ]
الشيخ: لا، لما بتقول ترجيح معناها أنه صار تعارض الله يهديك، لما بتقول ترجيح معناها أنه صار تعارض، الآن شو أنت أو شو شيخك توجيهه في الموضوع شو هو جوابه جوابنا إن قلت ما فيه تعارض، نحن نقول ما فيه تعارض بين الروايتين ورواية مسلم الِّي هي أصح من هاتين الروايتين، يكفيكم يا جماعة
يا القسم الثاني من الأمة المسلمة، يكفيكم أن تعرفوا أنه هذول الحديثين
من ربك؟ أتشهدين ما جاءوا في أحد الصحيحين المشهورين، ما بيكفيكم تعرفوا أن هذول من حيث الصحة مرجوحة، والراجح هي رواية الإمام مسلم يكفيكم هذا؟
مداخلة: نحنا حابين.
الشيخ: نعم.
مداخلة: ياريت تزيدنا حتى نستفيد.
الشيخ: بارك الله فيك أنا في هذا الصدد وبيقولوا لا توصي حريص.
الآن في عندنا ثلاث روايات: رواية مسلم، ورواية ابن حبان أي نعم، ورواية علماء آخرين لعله أحمد والبيهقي وو إلى أخره، هذه الثلاث روايات بارك الله فيك ما فيها تعارض أبدًا، يمكن يكون الرسول ﵇ سأل من ربك؟ نحن الآن بلا تشبيه نحن الآن أول ما نبدأ في توجيه المسلم إلى العقيدة الصحيحة نقول له هذا الله الذي تعبده، هذا الله الذي تعبده أين هو؟ إذًا أنا سألت سؤالين في آن واحد؛ لأن الشخص عندما يعرف أنه مسلم بيصلي ويصوم مثل حكايتي لكن أعرف أنه جماهير الناس ضايعين عن عقيدة السلف الصالح وعن جواب الجارية التي شهد لها الرسول بالإيمان، اسمع الجواب كما قلنا آنفًا: الله موجود في كل
[ ٧ / ١٠٠٢ ]
مكان، الله موجود في كل الوجود، اتق الله، نحن أحيانًا نحن البشر الذي نحاول أن نتطهر؛ لأننا لسنا مطهرين كالملائكة لما أمكننا أن ندخل في بعض الأماكن وهي المراحيض مثلًا، وأنت بتقول عن ربك الذي تعبده: في كل مكان، يعني في المراحيض في الدهاليز في المجاري في البارات إلى آخره، حاشا لله حاشا لله، نعم بعلمه ما هذا موضع خلاف.
الشاهد فأنا بأقول هذا الله الذي تعبده أين هو؟ فإذًا يمكن الجمع أن الرسول ﵇ سألها: من ربك؟ قالت: الله، أتشهدين أنه لا إله إلا هو؟ شايف، ما فيه تعارض بين الروايتين؛ لأنه المشركين قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ فإذًا هم يؤمنون بأن الخالق لهذا المخلوق أو لهذه المخلوقات خالقًا ولكنهم ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إذا قيل لا إله إلا الله يستكبرون، إذًا هذه الجارية بعد أن سألها من ربك؟ قالت: الله، أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ لأنه لا يكفي أن يؤمن الإنسان بأن الله خالق هذا الكون، وأنا أقول هذا، وأقول هذا أنه من طامات العصر الحاضر التثليث الذي زعم صاحبكم فأنكر توحيد الألوهية وتوحيد الصفات وآمن فقط بتوحيد الربوبية، وتأول الآيات غير تأويل غير علماء التفسير كلهم، قال الكفار لما بيقولوا جوابًا عن سؤال: من خلق السموات والأرض ليقولون الله، كأنهم يقولون يكذبون ليقولون خلاف عقيدتهم، من شان أيش التآويل هذه؟ منشان الوصول إلى هدف هو واضعه أمامه هو يريد أن يزيل كل العثرات من أمامه بزعمه، ومن الثابت في صحيح مسلم لعلكم تعلمون أن المرأة في زمن الجاهلية وفي زمن أول البعثة النبوية كانت تطوف حول الكعبة وهي عارية فضلًا عن الرجال وتقول هذه الطائفة:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
[ ٧ / ١٠٠٣ ]
ويقولون في تلبيتهم- وهنا الشاهد- لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا تملكه وما ملك، هذا صريح الحديث يفسر الآيات تمامًا، أنهم كانوا يعتقدون حقيقةً أنه خالف هالشركاء كلهم هو الله بدليل تملكهم وما ملك إذا داخله، فالشاهد انه ما فيه تعارض بين الثلاث روايات أبدًا السؤال: من ربك؟ صحيح، سؤال: أتشهدين أنه لا إله إلا الله؟ صحيح، وأين الله؟ كمان صحيح ما فيه تضارب فنلجأ إلى عملية الترجيح، هذا عندما يضيق طريق التجميع مقرر في كتاب «شرح النخبة» للحافظ ابن حجر العسقلاني، قال: إذا جاء حديثان مقبولان متعارضان وفق قبل كل شيء بينهما بوجه من وجوه التوفيق، هذه الوجوه من الكثرة بحيث إنه الحافظ العراقي أوصلها على أكثر من مائة وجه، مائة وجه، إذا ما أمكن بهذا الوجه الثاني الثالث الرابع الرابع الخامس السته عشر العشرين تسعة وتسعين مائة وزيادة
المقصود فهو قال المرحلة الأولى التوفيق بوجه من الوجوه التوفيق؛ لأنه كتابه مكثف جدًا فالحافظ العراقي أبلغها إلى ما ذكرنا، قال: إذا لم يمكن نزلنا على الترجيح، الترجيح مثلًا أن يعارض الحسن الصحيح فقدم الصحيح على الحسن، أن يعارض الصحيح الآحاد الحديث الصحيح المشهور أو المستفيض، أو أن يعارض هذا المتواتر، هذا هو سبيل الترجيح، قال: فإن لم يمكن الترجيح أعتبر الناسخ من المنسوخ هذا المرتبه، قال إن لم يمكن هذا أوكل الأمر إلى عالمه وقلنا: الله أعلم، هكذا أهل العلم يعملون في الأحاديث التي يبدو لهم فيها أيش؟ التعارض، مش لأن هذا حديث وإن رواه مسلم ويصححه فلان وفلان فكر وين التعارض التعارض هو التدافع وهذا كله لا يوجد في هذه الروايات إطلاقًا وبخاصة في رواية وجدتها سبحان الله وإن كان فيها ضعف جمعت بين السؤالين
[ ٧ / ١٠٠٤ ]
بين أين الله وبين أتشهدين أن لا إله إلا الله، أنا لا أحتج بهذا لأن في سنده ضعف لكن موجود يستأنس بها كما يقولون، فالشاهد يا أخي الثلاثة الروايات صحيحة ولا تدافع ولا تنافر بينها وكلها ثبت عن رسول الله - ﵌ -، ثم معليش ثم هب كما بدأنا الحديث الحقيقة في هذه المسألة أنه أين الله مو صحيح لكن واحد وجه السؤال بتقول أخطأ بتقول أصاب هذا بحث ثاني وقد انتهينا منه، طيب شو جواب هذا السؤال: الله موجود ليس في مكان هذا أخي ليس تنزيهًا؛ لأن التنزيه يكون بناءً على النص، ولذلك بعض علماء المحققين يقولون لا يقال: إن الله ليس في جهة، ولا يقال إن الله في جهة، لماذا؟ لأن لفظة الجهة بالذات نفيًا أو إثباتًا ما جاءت لا في الكتاب ولا في السنة، ولذلك نحن لا نقول إن الله في جهة فوقية ولا نقول ليس في جهة فوقية وإنما كما قال السلف نرويها كما جاءت ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ الرحمن على العرش استوى، في السماء، في السماء يصعد الكلم الطيب.
مداخلة: تفويض يعني ..
الشيخ: تقول تفويض ما سمعت اللفظة.
مداخلة: تفويض يعني تفسيرها كما جاءت.
الشيخ: التفويض له معنيان يا أخي، وهنا بعض المعاصرين اليوم ممن يلجأون إلى أنصاف الحلول وما عندهم من القدرة العلمية ما يحملهم على التوفيق بين النقل الصحيح والرأي الرجيح يقولون بالتفويض بمعنى ما نفهم ماذا يعني ربنا من آية كذا ومن آية كذا، هذا ليس تفويضًا، التفويض يطلق ويراد تفويض فهم المعنى ويطلق ويراد التفويض في تكييف المعنى.
[ ٧ / ١٠٠٥ ]
يعني مثلًا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فنؤمن بأن الله سميع وبصير، ليس لا نفهم أيش معنى سميع وبصير نفهم إيش معناها، كما قال البيهقي في بعض كتبه أن صفة السمع والبصر غير صفة العلم، لكن لا نقول بتكييف هذه الصفة صفة البصر وصفة السمع عارف كيف، فإذًا التفويض للكيف وليس التفويض للمعنى وإلا نعود إلى القول بأن الله ﷿ عرف نفسه إلى عباده بما لا يفهمون معناه، حاشا لله، يفهمون بما وصف به نفسه لكن دون أن يكلفهم، ولو كلفهم أن يفهموا الكيفية لما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا لأعنتهم ولكلفهم مالا يطيق ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
باختصار نقول في الصفات كما نقول في الذات نقول في الصفات الإلهية كما نقول في الذات الإلهية إثباتًا ونفيًا هل ننفي ذات الله
مداخلة: كلا وحاشا.
الشيخ: حاشا، هذا هو الإلحاد والكفر نثبتها حينما نثبت ذات الله ووجوده هل نكيف ذات الله؟ الجواب: لا كذلك الصفات.
مداخلة: يعني الكيف ما نثبته.
الشيخ: نقول في الصفات ما نقوله في الذات، نثبت ما أثبت وننفي ما نفى، وكفى الله المؤمنين القتال، هي عقيدة السلف الصالح في كلمة مختصرة نقول في الصفات ما نقوله في الذات، والذي بيحيد عن هذه الجملة معناها منحرف عن الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح وعلماء المسلمين المحترمين والموقَّرين عند العلماء.
الآن أنا انتهيت مما عندي بخصوص أين الله سواء من الناحية الحديثية أو من
[ ٧ / ١٠٠٦ ]
الناحية الاعتقادية فأين الله أصح بكثير من روايات أخرى: من ربك؟ أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ لأن الرواية الأولى سندًا أصح، وتداول العلماء لهذا التصحيح ما فيه نسبه بينها وبين الرواية الأخرى، لو أردنا أن نجمع من صحح رواية من ربك؟ وأتشهدين ..؟ لن نجد إلا عدد قليل ربما لا يصل عدد كف واحدة كَما يقولون.
ومن الناحية الفقهية باعتقادي أيضًا فهمتم تمامًا أننا نحن نؤمن بما جاء
في الكتاب والسنة من وصف الله ﷿ بعلوه على خلقه دون تشبيه ودون تأويل وتعطيل، وأنه ليس في مكان؛ لأن المكان شيء وجودي كان الله ولا مكان له، وهو الآن من هذه الحيثية كما كان من قبل ليس في مكان الآن شو بدك تقول هات لشوف؟
مداخلة: يعني بالنسبة لمسألة التفويض هيك أن الله ﷿ منزه
عن الكيف.
الشيخ: بالنسبة لأيش.
مداخلة: في مسألة التفويض يعني الكيف منفي عنه؟
الشيخ: أبدًا ما في كيفية هون، كل من يُكيِّف فهو مجسم، وكل من يُؤول
فهو المعطل، اعطني بالك، المذهب السلفي قائم بدون تأويل، كما قال أحد أئمتنا حقًا وهو ابن القيم الجوزية: المجسم يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا، وكلاهما في ضلال.
وأخيرًا كلمة بارك الله فيك تلصق في الذهن ما تحتاج إلى إتعاب هذا الذهن هو: قُلْ في الصفات ما تقول في الذات.
مداخلة: إن شاء الله.
[ ٧ / ١٠٠٧ ]
الشيخ: الذات لا يمكن تكييفها وكذلك الصفات مثل الذات لا
يمكن تكييفها.
مداخلة: في سؤال حكيت أنه لا تأويل ولا تعطيل في مسألة التأويل نحن نريد نفهم مو مفهوم التأويل لأنه ورد عن السلف .. كالبخاري وأحمد.
الشيخ: في قاعدة يا أخي باجاوبك أنا عليها معليش معليش؛ نقول لك هؤلاء العلماء في حدود إطلاعكم على تأويلاتهم أو بعض تأويلاتهم أنتم تؤمنون أنهم مؤوله؟ لأنهم أَوَّلوا بعض النصوص ولم يؤولوا النصوص الأخرى، وهذا يثبت وهذا الذي نحن ندين الله به، إنه في بعض التأويل هذا لا يمكن إنكاره، لكن هل الأصل في كل جمله عربية هو التأويل؟
مداخلة: الحقيقة الأصل.
الشيخ: طيب هذا الذي نقوله نحن.
مداخلة: يعني الذي يخالف ظاهر التنزيل هو المؤول.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: ممتاز.
الشيخ: هذا هو، لكن كل مسألة لو توسع فيها خرج عن حدودها الشرعية والعقلية والمنطقية، علماء اللغة الآن لما يتخاطبون بعضهم مع بعض يتخاطبون على أساس التأويل ولا على أساس عدم التأويل؟ على أساس الحقيقة ولا على أساس المجاز؟
مداخلة: الحقيقة.
[ ٧ / ١٠٠٨ ]
الشيخ: طيب، فكلام الله ﷿ كلام الله كلمنا بهذا الأسلوب العربي، فما بيجوز نحن نجي نفتح باب التأويل فنضل ضلالًا بعيدٍا.
مداخلة: بدون ضوابط أيوه فلا بد منه.
الشيخ: هذا هو، ولذلك مثلًا ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ هذه الآية في كثير من المعطلة المؤولة يحتجون بهذه الآية، [يقولون] هذا تأويل أنتم بتأولوا.
يا جماعة أولًا هكذا جاء عن ترجمان القرآن وهو عبد الله ابن عباس
﵁.
ثانيًا الآية أولها سياقها وسباقها بتدل أن الله يتحدث عن صفة من صفاته ألا وهي العلم، ولذلك كان هذا التأويل في الحقيقة ليس تأويلًا مثل قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هذا ليس تأويلًا؛ التأويل هو: الذي لا يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، فيضطر الإنسان لسبب من الأسباب إلى التأويل، هنا في الآية هذه، لا يمكن لعربي سليقةً أو متعلمًا أن يفهم منها خلاف ما يبدو بادي الرأي، اسأل القرية يعني: جبالها وحيطانها مو هذا الي بيتبادر، إذًا بتقدير كما يقول العلماء: مضاف محذوف هي "الأهل" هذا ليس تأويلًا هذا هو المعنى العربي الأصيل فهو الحقيقة، والعكس لو قلت: اسأل الجبال يكون هذا هو التأويل؛ لأن هذا هو الأسلوب العربي.
كذلك مثلًا يقول العربي سرت والقمر، إيش معنى "والقمر" حاطط إيده بإيده مخاصره وماشي، لا ما يتبادر هذا المعنى إطلاقًا، هذا ليس تأويلًا وعلى ذلك فقس، لكن في بعض أشياء يعني ممكن أن يقال أنها تأويل فإذا كان سلفنا أَوَّلوا على الرأس والعين؛ لأنهم أعلم منا بدينَّا بقرآنَّا بأحاديث نبينا لكن هذا ليس
[ ٧ / ١٠٠٩ ]
هو الأصل أبدًا من هنا ضل المعتزله حتى وصل بهم الأمر أن أنكروا صفة السمع والبصر، تعرفون هذه الحقيقة؟
مداخلة: يقولون أن صفة السمع والبصر مرجع للعلم.
الشيخ: العلم.
مداخلة: آه.
الشيخ: وبعضهم بالغ حتى أنكر العلم وقال: إن الله ﷿ لا يعلم الحوادث قبل وقوعها إلا بعد وقوعها، والحقيقة كما يقول أيضًا بعض علمائنا
أن الذين أولوا ما أولوا إلا وقد شبهوا، شوف النكتة هذه نكته عظيمة جدًا، إيش معنى الكلام؟
مداخلة: ما فهمت.
الشيخ: أنا اقول ما أولوا إلا وقد شبهوا، شبهوا أولًا فوجدوا التشبيه باطل، ففروا منه إلى التأويل فوقعوا فيما هو أبطل: التعطيل، ولذلك قال ذلك العليم الحكيم المجسِّم يعبد صنمًا يعبد صنم يعني شيء موجود، لكن المعطل يعبد عدمًا، ولذلك فهؤلاء الذين يؤولون قبل كل شيء يشبهون.
يعني مثلًا بالأمس القريب جاءني سؤال من بعض المسلمين الذي ابتلوا بالاستيطان في ألمانيا أنه قال: يسكن مع رجل شيعي فسألني بعض الأسئلة يتعلق بعقيدة الشيعة ووو إلى آخره، ثم سأل عن قوله ﵇ في ربه: «إنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا» الإشكال الذي يورد الآن على هذا الحديث، سترون إنه إشكال مادي محض إنه الآن بعد أن عُرِفَ علميًا أن الأرض كروية وإنه في كل لحظة في كل لحظة في ثلث ليل إذا كيف معنى ينزل الله في كل ليلة في الثلث
[ ٧ / ١٠١٠ ]
الأخير من الليل؟ يا جماعة اتقوا الله أنتم عم بتستشكلوا هذه الصفة بناءً على الصفات المعهودة فيكم، أي على ضعفكم البشري، فعم بتقيسوا رب العالمين على المخلوقات فكيف أنه بينزل كل لحظة، عم بتشبه نزول رب العالمين بنزولك أنت، فأنت لما بتكون في هذه الغرفة تنزل لتحت خَلَت هذه الغرفة، من هنا جاء الضلال تشبيه شبه رب العالمين بهذا الإنسان العاجز فهذا باطل وأنا أول المبطلين، لكن هل هذا يورطني أن أقول: إذًا لا نزول، لا أنا أقول: ينزل كما يشاء وكما يليق به، ولا أقول تنزل رحمته، وهذه ضلالة حديثية وأيضًا عقائدية، حينما يلجأون إلى حديث في «سنن النسائي» أو في «عمل اليوم والليلة» له إنه فينادي مناد الحاديث كلها متواترة في ذكر الفاعل وهو الله: ينزل الله، ينزل الله، حديث متواتر ثم تمام الحديث يبطل الرواية الأخرى وهي حقيقةً ليست شاذة فقط بل هي منكرة لأنه فيها ضعف مع هذا الضعف مخالف للروايات الأخرى الموجودة في الصحيحين وغيرها تمام الحديث يبطل هذه الرواية؛ لأنه يقول: «ألا من داعًا فاستجيب له، ألا من سائل فأعطيه، ألا هل من مستغفر فأغفر له» هذا الله أم خلق من خلق الله؟ هذا الله هو الذي يقول: «ألا من داعًا ألا من مستغفر ألا من سائل».
مداخلة: كلامك جميل.
الشيخ: طيب نحن بنقلك الآن الي أوَّله السلف نحن نأوله لكن إذا واحد من السلف أول واحد من السلف.
مداخلة: [مالك ..].
الشيخ: فهمت كلامي؟
[ ٧ / ١٠١١ ]
مداخلة: أنا عم أجاوبك .. أنا سمعت فهمت كلامك.
الشيخ: لا ما فهمت كلامي لا لو فهمت كلامي ما بتحكي ما بتقول مالك، أول راح أسألك الآخرون أولوا ..
مداخلة: أنا ..
الشيخ: عم باسألك غيره غير مالك أول.
مداخلة: والله في غيره أولوا الذي نقل عن مالك أصبح أوَّلَ مثل مالك الي نقل عن مالك.
الشيخ: الله يهديك
[طلب الشيخ الإخوة أن يأتوا له بالتمهيد لابن عبد البر].
الشيخ: شوف هذا الحديث «أعتقها» حديث طويل يقول في «التمهيد»: حديث الجارية ما في حاجة نعيده على مسامعكم، بس بيقول أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة فأعتقها، إيش بيقول صاحب «التمهيد»؟: أنا اختصرت الحديث الطويل من رواية الأوزاعي وهو من حديث مالك أيضًا وسياتي في موضعة من كتابنا إن شاء الله، وأما احتجاجهم بأنه لو كان في مكان لأشبه المخلوقات لأنه ما أحاطت به الأمكنة واحتوته مخلوقٌ؛ فشيء لا يلزم ولا معنى له؛ لأن الله ﷿ ليس كمثله شيء من خلقه ولا يقاس بشيء من بريته، لا يدرك بقياس ولا يقاس بالناس لا إله إلا هو كان قبل كل شيء ثم خلق الأمكنة والسماوات والأرض وما بينهما وهو الباقي بعد كل شيء وخالق كل شيء لا شريك له وقد قال المسلمون وكل ذي عقل: إنه لا يعقل كائن لا في مكان منا كان في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في
[ ٧ / ١٠١٢ ]
المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه؟ .. إلى آخر كلامه وقد سمعتم أخيرًا أنه ينفي المكان، سمعت ينفي المكان؟
مداخلة: صح.
الشيخ: اسمع التعليق.
مداخلة: تعليق مين؟
الشيخ: كدت أنا أُخطئ معك خاصة وأقول شيخ شيخكم، كدت أن أخطأ فلا تأخذ نصف الكلام آه، كدت أن أقول أنه هالتعليق الذي سوف تسمعونه الآن هو لشيخ شيخكم لكن ما قلته والحمد لله.
الشيخ: شو تحقيق مين؟
مداخلة: عبد الله بن صديق الغماري
الشيخ: اسمع شو بيقول هالمحقق في التخريج وهو تحت رواه مسلم وأبو داود رواه مسلم وأبو داوود والنسائي، اسمع الآن اتهام الروات الثقات من مسلم من مالك من أحمد من كل الأئمة الذين أشرنا إليهم سابقًا، رواه مسلم وأبو داود والنسائي وقد تصرف الرواة في ألفاظه .. طيب رواه مسلم وأبو داود والنسائي وقد تصرف الرواة في ألفاظه فروي بهذا اللفظ، روي، أيش معنى روي؟
مداخلة: تضعيف.
الشيخ: ضعيف! رواه مسلم وصححه البيهقي والحافظ ابن حجر العسقلاني
[ ٧ / ١٠١٣ ]
والنووي ووو إلى أشخاص كثيرين لا مجال الآن لإحصائها يا واش يا واش على قولة التركي، وقد تصرف الرواة في ألفاظه فروي بهذا هنا وبلفظ من ربك؟ قالت: الله ربي، وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ ترى لو عاكس معاكسٌ غيري كما سمعت آنفًا وقال: لماذا لا نعكس فنقول الذي قال من ربك؟ قال: الله ربي، أتشهدين لا إله إلا الله، فلماذا لا يقال تصرف هؤلاء الرواة وإنما نسبنا التصرف إلى أصح رواية في الدنيا حول قصة الجارية، هذه إن شاء الله ستكون القاضية على الأوهام، قالت: نعم وقد استوعب تلك الألفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في «السنن الكبرى» بحيث يجزم الواقف عليها أن اللفظ المذكور هنا مرويًا بالمعنى حسب فهم الراوي، شو رأيك الآن هذا الكلام الي عم بينسبه لسنن البيهقي الكبرى؟ شو بتفهم أنت الآن حسب ما ظهر لي ما شاء الله متجرد عن الهوى إن شاء الله بقدر كبير، شو بتفهم الآن من قوله وقد استوعب تلكم الألفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في السنن الكبرى بحيث يجزم الواقف عليها أن اللفظ المذكور هنا مروي بالمعنى حسب فهم الراوي.
مداخلة: أنا افهم من هذا الكلام أن البيهقي في السنن الكبرى ذكر كل الروايات ورواها بالأسانيد وبيَّن إنه رواية الجارية فيها تصرف.
الشيخ: شو رأيك إذا قال البيهقي في الرواية التي عم بنصححها قال
إسنادها صحيح؟
مداخلة: ممكن يحدث هذا.
الشيخ: لا معليش ما أسالك خل بالك ما عم باسألك ممكن ولا لا، هل يصح هناك أن يقال هذا الكلام؟
[ ٧ / ١٠١٤ ]
مداخلة: ممكن إذا ..
الشيخ: تجرد هه وصفناك بالتجرد، انصف اتق الله اتق الله.
مداخلة: اللهم اجعلنا من المتقين.
الشيخ: تجرد.
مداخلة: يا ريت تعيد السؤال.
الشيخ: بارك الله فيك هذا حسن ولو كلفنا.
مداخلة: الله يجزيك الخير.
الشيخ: أنا أقول بارك الله فيك بعدما سمعت هذا النص هل يتبادر إلى ذهنك أن البيهقي يصحح رواية أين الله من هذا النص؟
مداخلة: ممكن يصححها إسنادًا لكن بيحكي أن الرواة تصرفوا.
الشيخ: لا تحد لا تحد يا أخي الله يهديك أنا ما أسألك يمكن أو لا يمكن حتى يكون جوابك ممكن أنا عم بأسألك هل يفهم من هذا الكلام إنه البيهقي بيقول أنه إسناد رواية أين الله؟ إسنادها صحيح.
مداخلة: ممن يكون الإسناد.
الشيخ: بيرجع بيقول ممكن معليش معليش نحن بنعطيك أخي نعطيك فسحة أيام فَكِّر فيما تسمع، ولا تجاوب هيك كما يقولون عندنا في الشام من فوق أساطيح، أنت عم بتجاوب جواب غير مطروح، يا أخي صحيح أنت عم بتجاوب لكن مو عن سؤال مطروح أنا باقول يمكن انه يمكن يصحح ويمكن ما يصحح لكن هل يتجاوب هذا الكلام الذي عزاه للبيهقي وهو مصحح للرواية الأولى: أين
[ ٧ / ١٠١٥ ]
الله؟ ومعلل لبعض الروايات الآن أزيدك الحديث بيجر الحديث، معلل لبعض الروايات الأخرى بعلة الإرسال؟
مداخلة: يعني ممكن.
الشيخ: المهم، ممكن طيب، اسمع اسمع الكَمَّالة والباقي عندك، ويؤيد ذلك أن المعهود من حال النبي - ﵌ - الثابت عنه بالتواتر أنه كان يختبر إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين اللاتي هما أساس الإسلام ودليله، الآن انتم بلا شك تؤمنون بهذا الكلام وهو قول ويؤيد ذلك أن المعهود من قول النبي - ﵌ - الثابت عنه بالتواتر أنه كان يختبر إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين.
مداخلة: نعم.
الشيخ: وين هذا الاختبار المتواتر، في سؤالين، أولًا أين هذا السؤال المتواتر؟ ثم ننزل درجة أين السؤال الصحيح غير المتواتر؟ فهمت السؤال؟
مداخلة: إذن المطلوب من السيد عبد الله أنه يبين أين هذا مروي؟ فهل بلغ درجة التواتر؟
الشيخ: شفت كيف تجاوب من فوق الأساطيح.
مداخلة: أنا من ناحيتي لا أعلم، أما فعلًا مطلوب ممن كتب هذا الكلام أن يثبت لنا وين؟ وهل تواتر؟ ..
الشيخ: هذا الكلام بيجركم جر إلى الانحراف عن السنة.
مداخلة: لا والله ونحن ..
الشيخ: اسمحلي، اسمحلي، اسمحلي يا أخي، انا أقول عن مَن، عن الفريق
[ ٧ / ١٠١٦ ]
الثاني من المسلمين الله يهديك، لا تنسى [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ]، هذا الشيخ عبد الله الصديق أليس من قسم العلماء؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب والقسم الثاني إلي هم أنتم لما بتشوفوا الكلام هذا ما بده يجركم جر إلى ما بيقوله.
مداخلة: صح.
الشيخ: ليش عم بتقلي ليش عم بتكابروا ما بيجوز هذا يا أخي.
مداخلة: الله يجزيك الخير.
الشيخ: ربنا ﷿ قال ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يعني لما أنتم بتجادلوا أنفسكم ما بتنقص عنكم أنه نحن مابدنا نمشي مع الشيخ، أو نمشي مع الشيخ أو مع الأفريخ، لا مع الحق حيث ما كان فأنا الآن عم بأقول هذا الرجل بيقول الثابت عنه بالتواتر أنه كان يختبر إسلام الشخص .. هذا الكلام ماله أصل إطلاقًا هذا فقط هيك شو بيسموها هي لغة أيش؟ خطابية هه، لغة خطابية مشان إيش؟ يقنع الناس إنه هذا الحديث الصحيح الذي هو يفهمه فهمًا سيئًا، يريد أن يبطله بمثل هذه الدعوى انه ثبت بالتواتر عن رسول الله - ﵌ - أنه كان يختبره، نحن ليس عندنا إلا حديث الجارية اختبرها بهذه الأسئلة الثلاثة، أما كان يختبر الناس وبالتواتر ما قال أحد قبله، لماذا؟ لأنه يريد أن يؤيد بدعته، واسمع الآن تمام الكلام: أما كون الله في السماء، الله أكبر الله أكبر على المعطلة، أما كون الله في السماء فكانت عقيدة العرب أليس صاحبنا كان يكرر هذا الكلام من أول؟! من هنا أُتي أما كون الله في السماء فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين،
[ ٧ / ١٠١٧ ]
فكيف تكون دليلًا على الإسلام؟ عقيدة العرب في الجاهلية هي دليل على الإسلام أم قال الله ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ ويحكم مش انتم مش أنتم، الذين عم بيقولوا هالكلام هذا.
مداخلة: أنت بينت لنا نقطة انه إذا قال الكافر كلمة لا يعني أنها خطأ
الشيخ: بارك الله فيك بارك الله فيك اليهود والنصارى يؤمنوا بأن لهذا الكون خالقًا لكنهم مشركون فهل ننكر الخالق لأنهم أشركوا؟ لا، نحن نأخذ الحق حيثما كان هذا هو أدب الإسلام أما الآن هنا بيقول أما من قال: إن الله في السماء فكانت عقيدة العرب في الجاهلية وكانوا مشركين فكيف تكون دليلًا على الإسلام؟
هذه العقيدة التي دندن حولها شيخكم أو ليس شيخكم أنتم أدرى، أنتم أدرى،
دندن في تعليقاته كلها على «دفع شبهه التشبيه» لابن الجوزي ونسبني أنا الآن
أنا مجسم، وعرفتم عقيدتي قال مجسم في «صحيحته» قال مجسم في «صحيحته» هذا مسلم هذا؟! الإنسان الذي يتهم الأبرياء خلاف قوله تعالى، كيف الآية
ذكرونا بها ..
علي حسن: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾.
الشيخ: أيوه الله أكبر، نحن نحارب التجسيم كما نحارب التعطيل تمامًا، ومع ذلك فهو يقول: قال المجسم في «صحيحته» قال المجسم في «صحيحته» ثم لم يكف هذا فاعرفوا يا إخوانا لو كان رجل عنده علم، وأنا أشهد لله أنه لا علم عنده إنما هو حطاب، تعرف شو معنى حطاب؟ يعني جمع الحطب من هون ومن هون، كما قال الإمام الشافعي ثم يلقيه وراء ظهرة وفيه الأفعى وهي تلدغه وهو لا يحس ولايشعر، الرجل جماع حطاب متفرغ الظاهر بعفى التفرغ إلى أخره وين مستنده أنه أنا مجسم ابن تيمية مجسم ابن القيم مجسم وهما اللذان رفعا راية التوحيد
[ ٧ / ١٠١٨ ]
والرد على الجنسين المشبهة والمعطلة معًا.
أنت الي بدك تتكلم شو رأيك يتهمني شيخك بالتجسيم بعد ما سمعت طبعًا ما راح تجاوب، عنزة ولو طارت، لذلك ارجوك أرجوك أن تخطأني، أنا عم بأقلك أرجوك أن تخطئني أنا أقول رأسًا رأسًا عنزة ولو طارت أرجوك أن تخطئني إلى هنا مفهوم كلامي؟ لا يحيل جوابًا ولذلك هذا لا يبشرني، مفهوم كلامي؟
مداخلة: مفهوم مفهوم.
الشيخ: شو هو كلامي.
مداخلة: أنا بدي الرجل اتهمك بالتجسيم أنت وابن تيمية وابن القيم
كلام جميل.
الشيخ: لا لسه ما كملت.
مداخلة: آه.
الشيخ: شفت اشلون؟ شفت اشلون؟ عم بأقلت أرجوك أن تخطئني في اتهامي لك أن جوابك سيكون على طريقة عنزة ولو طارت .. هه شرق وغرب بقى .. هلا أوجه سؤالي إلك بعد ما سمعت: شيخك له حق أن يتهمني ويقول
عني أنا مجسم؟
مداخلة: على الكلام اليِّ سمعناه والله كلامك جميل لا لا تُخَطَّأ.
الشيخ: جزاك الله خيرًا خلاص الآن أنت الحمد لله ظني كان محله ما خطأني الآن السؤال تطور شويه على ما سمعت وعلى ما قرأت هل يجوز الشيخ أن يقول الألباني مجسم ويُكرِّر ذلك مرة بعد مرة وكرة بعد كرة؟
[ ٧ / ١٠١٩ ]
مداخل آخر: ممكن أتحمل عنه الإجابة.
الشيخ: وكلَّك هو وجعلك محاميًا عنه؟! معليش.
مداخلة: بالنسبة للشيخ وقوله عنكم بالتجسيم في التفسير إنما هذا الأمر مرجعه أنه أنتم وافقتم ابن تيمية على تصريحات بنظن انه اطلعتم عليها؛ ابن تيمية بيصرح بالجسمية: إن الله ﷿ جسم.
الشيخ: شو أقول لك دفاعًا عن شيخ الإسلام! كذب.
مداخلة: كيف؟
الشيخ: كذب على شيخ الإسلام.
مداخلة: هذه النقول شفتها بعيني في الكتب.
الشيخ: كذب هذا من شيخك على شيخ الإسلام.
مداخلة: في «تأسيس التقديس» يصرح بالجسمية.
الشيخ: كذب كذب كذب يا جماعة اتقوا الله اتقوا الله، الرجل ميت الرجل ميت اتقوا الله
مداخلة: عفوًا شيخنا المسألة الي كنا بالأصل جايين عشانها الي هي مسألة قِدم العالم بالنوع وأنه ابن تيمية يعتقدها وجايبين معنا منهاج السنة وكذا فهذه لحد الآن ما دخلنا فيها فيا ريت نمسك المسألة.
الشيخ: شو بدك تدخل فيها مشان أيش؟
مداخلة: عندنا شبهه نحن.
[ ٧ / ١٠٢٠ ]
الشيخ: عندكم شبه في ايش؟
مداخلة: بأنه ابن تيمية يقول بِقِدَم العالم بالنوع.
الشيخ: أنت عارف شو يعني فيها؟
مداخلة: آه.
الشيخ: أه شو يعني فيها؟
مداخلة: يعني أنه العالم أفراده حادثة وإنما النوع قديم.
الشيخ: شو يعني الكلام أنا ما فهمته منك.
مداخلة: هذا كلام ابن تيمية مش كلامي.
الشيخ: كلام ابن تيمية أنت الآن عم بتعمل حكواتي مثل المسجلة، لا
أنا بدي تفهمني.
مداخلة: أنا بدي أفهمك، ابن تيمية يعتقد أنه شيء غير الله ﷿ قديم، مهما كان: سواءً عينه نوعه هذا الي بيعتقده.
الشيخ: قديم يعني غير مخلوق؟
مداخلة: هذا ممكن يجي على محملين، ابن تيميه كلامه متناقض هنا، فقد يكون قديم مش مخلوق ويمكن يكون مخلوق لكن لا أول له وهذا تناقض إن
لم يكن كفرًا.
الشيخ: إذا واحد تناقض في كلامه شو واجبكم انتم معشر المسلمين؟
مداخلة: نحاول.
[ ٧ / ١٠٢١ ]
الشيخ: اسمع اسمع شو واجبكم أنتم معشر المسلمين الي شفتوا كلامين لعالم من علماء المسلمين أحد الكلامين باطل شرك كفر ضال والكلام الثاني إيمان شو واجبكم حينذاك.
مداخلة: نحاول النهي الموهم للكفر بنحاول نحمله على المحمل الحسن.
الشيخ: هل شيخكم يفعل هكذا؟
مداخلة: بس نحنا ما استطعنا نفعل هكذا.
الشيخ: اسمعني يا أخي أعطي جواب الله يهديك لا تنحرف تنحرف بعدين هذا أمر خطير جدًا.
مداخلة: أسألني عني ما علي من شيخي.
الشيخ: يا أخي أنت أفكاره تحملها الله يهديك أنت شو بيعرفك بالنوع
وغير النوع.
مداخلة: نناقش فكرة نحن.
الشيخ: لا تجادل لو انك كنت مجادلًا فيما مضى لما فهمت شيئًا كغيرك، أعطي بالك، أنا عم بأقلك أنت في هذا العصر لولا هذا الرجل ما كنت تعرف عن ابن تيمية بيقول بقدم النوع وما ادري ايش هذه الفلسفة أنت تعلم أنه هذا رديته؟
مداخلة: آه في «الصحيحة» الأولى.
الشيخ: طيب، الصحيحة والتعليق على العقيدة الطحاوية وإلى آخرة، فالآن شو يهمكم من الموضوع ما دام بتعترف انت انه هو إله كلام إيمان وكلام بتظنوا انه كفر مع أنكم ما أنتم فاهمانينه.
[ ٧ / ١٠٢٢ ]
مداخلة: كلام إيمان، لا نحن بنحكي في كلام موهم، في كلام تناقض، بيحكي أنه مخلوق لكن لا أول له يعني هذه ما تركبش في عقل أي إنسان كيف مخلوق لا أول له، وبعدين يرجع يحكي النوع قديم والأفراد حادثة يعني الرجل أقل ما يقال فين أنا في نظري: أنه متناقض.
الشيخ: متناقض شو معنى متناقض الله يهديك؟
مداخلة: يجيب كلام ثم يجيب نقيضه.
الشيخ: طول بالك هذا الرجل ليس له في كتاب ومن أقوال ومن فتاوى إلا هالمسألة هذه!
مداخلة: في غيرها.
الشيخ: طيب غيرها أقل ولا أكثر؟
مداخلة: أكثر.
الشيخ: هذا الأكثر شو بيشهد عليه أنه رجل كافر ولا مسلم.
مداخلة: والله يمكن واحد بده يحكي مليون كلمة.
الشيخ: ما بيجاوب ما بيجاوب ما بيجاوب.
مداخلة: أنه مسلم.
الشيخ: الله يهديك .. يا أخي خليك على الجاده الله يهديك، طيب هل يجوز اتهام هذا المسلم بكلمة أنت تفهمها أنها متناقضه؟ هل يجوز إلغاء المقطوع به في أمر مشكوك به، هل يجوز هذا؟
[ ٧ / ١٠٢٣ ]
مداخلة: طبعًا لا بس عندنا ثبت أنه ليس مشكوك فيه يعني ثابت مية بالمية.
الشيخ: أنت هلا عم بتقول مشكوك فيه، مشكوك فيه يعني مانك فاهم، بتقول كلام متناقض، فمن ناحية مخلوق ومن ناحية لا أول له، هذا اقصده مشكوك فيه يعني في دلالته ومش ثبوته، أنا قلت لك سلفًا أنا رديت هذا الكلام يكفي أنه كلام بيستغلوه خصومه يكفي أنه ما كان ينبغي أن يتكلم هذا الكلام يكفي وأولًا وثانيًا أنه السلف ما دخلوا بهذه المعركة هذه.
مداخلة: هو دخل مع الأسف.
الشيخ: شو كأني باقله انه هذا صواب، هو دخل لكن هذا لا يفيدكم أن تُنصِّبوا العداء له وتنكروا جهوده التي يشهد بها العدو قبل الصديق والبغيض قبل الحبيب، ليش حاطين دأبكم دأب هالرجل هذا؟ لأنه قال كلمة أنتم ما عم بتقدروا تفهموا معناها؟ إذا كان الرجل بيقول بحوادث لا أول لها هذا معنى الكلام الي عم بتقول مش مفهوم، إذا كان الرجل يقول بحوادث لا أول لها وهذا عندي خطأ ولعلك تذكر ذلك طيب، مع ذلك بيضيف على هذا قوله ما من مخلوق وإلا وقبله مخلوق وأين التهمة تبعه؟ اصبر حتى يلقى سلاحه هو وأنت اشهر سلاحك.
مداخلة: ياريت تعيد السؤال علشان افهمه.
الشيخ: نعم.
مداخلة: ابن تيمية بيقول ما مخلوق إلا وقبله مخلوق.
الشيخ: نعم أنا الآن بدي أتفلسف عليك أنت بصورة خاصة.
مداخلة: أنا فعلًا ..
[ ٧ / ١٠٢٤ ]
الشيخ: أسمع أنا هلا بدي اتفلسف عليك.
مداخلة: نعم.
الشيخ: حتى تعرف المخاضة هي ..
مداخلة: يا ريت تفهمنا أنا والله عجبتني المسألة.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله.
مداخلة: يعني مسألة جميلة.
الشيخ: انتم حاملين السلم بالعرض وماشيين ومالكم ..
مداخلة: جايين نستفيد.
الشيخ: اسمع اسمع ..
مداخلة: أحنا جينا في مسألة بدنا نشوف مسألة القِدَم، هل ثبتت عن ابن
تيمية ثبوت على أنه يثبت أنه في مخلوقات لا أول لها أم أنه بده يثبت أن هناك مخلوقات مع الله، فنحن عندنا شبهة أنه الرجل كافر ولا مش كافر، بدنا نتأكد، نحن ما نكفره.
الشيخ: الله أكبر سبق الجواب عن هذا يا جماعة .. اتقوا الله هذا عَلَم من أعلام المسلمين يا جماعة، أنتم الآن مثل رجل فلَّاح عائش في قرية صغيرة صغيرة جدًا لا يعلم أن هناك مدن وعواصم في هي الدنيا وإذا به لما خرج من القرية شاف قرية أكبر مش كمان شوية يا جماعة اسمعوا الله يهديكم لازم تعرفوا حالكم شو، أنتم ما قرأتم كتاب الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي شو اسمه يا أبو الحارث
علي حسن: "الرد الوافر على من زعم أن من سمى على ان ابن تيميه شيخ الإسلام كافر".
[ ٧ / ١٠٢٥ ]
الشيخ: انتم مثل رجالات كبار في قرية صغيرة أطفال صغار في قرية صغيرة منتم شايفين.
مداخلة: ممتاز.
الشيخ: هذا الكتاب ألفه رجل من كبار رجال الحديث ابن ناصر الدين الدمشقي وجمع لك فيه عشرات الفتاوى من كبار العلماء انتم بتقولوا نحن معكم انه الي بيعرف انه هذا الشخص كان كافر ما بيكفره بيكون هو كافر صح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: شو رأيكم هذول العلماء الي بيردوا على اللي بيكفر شيخ الإسلام ابن تيمية، هذول كفار؟ أنتم لما بتحكموا بأن ابن تيمية كافر معناها سحبتوها على الذين ألَّفوا هذا الكتاب في الدفاع عن ابن تيمية والرد على من قال في ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر الله أكبر، فالشاهد الآن أنت هذا الي عم بتقول ما وصلت له أنا انتهيت مع صاحبك، بس أنا شاعر أنك أنت جسمك معنا وعقلك مش معنا أنا أجبت تلك الساعة هل هو الرجل موجود أنا أجبت تلك الساعة أن ابن تيمية ماذا يقول يقول بحوادث لا أول لها أنا قلت هذا مش معقول، أنا لا أعقله وانتم مثل حكايتي ما تعقلون هذا الشيء، لكن كونكم ما تعقلون هذا الشيء ليس معنى انه هذا القائل كافر، لماذا؟ لأنه عنا مائة دليل ودليل بل ألوف مؤلفة أنه هذا الرجل عالم فاضل وهدى الله به كبار المسلمين في زمانه وبعد زمانه، كيف نحن نهجر هذه العلامات وهذه الأدلة القاطعة على أنه رجل أولًا مسلم وثانيًا عالم وثالثًا
أنه من كبار شيوخ الإسلام كيف بتكفروه بمسأله ما فهمتوها طيب سطحناها اللي ما فهمناها.
[ ٧ / ١٠٢٦ ]
مداخلة: احنا ما كفرناه، نحن عندنا شبهة بدنا نردها كنا نتمنى لو الرجل.
الشيخ: اسمع اسمع اثنين اثنين يتكلموا في أن واحد ما ممكن.
مداخلة: معليش انا جيتنا كلها بكلمتين يعني نحن وجدنا ابن تيمية في علماء في عصره وبعده بقليل كفَّروه، وفي علماء في عصره وبعده بقليل يعني في العصور التي كان فيها أو الِّي مات فيها بفترة وجيزة في علماء كفره وفي ناس رد عليهم، فإحنا طيب لما نقرأ كتب الذين كفروه بنقول كافر ونقرأ الذي ردوا عليه بنقول هذا من افضل الناس بعد الصحابة.
الشيخ: طيب.
مداخلة: نحنا هونا بدنا الضابط للمسأله هي نشوف.
الشيخ: إن شاء الله طَوِّل طَوِّل بالك إن شاء الله أنت بتكون صادق فيما تقول.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: طَوِّل بالك خلصت كلامك.
مداخلة: يعني هذا تلخيص الكلام.
الشيخ: خلصت كلامك.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب الآن هل من شروط الإسلام إنه إنك تعرف انه ابن تيمية انه الذين كفروه الحق معهم ولا الذين جعلوا شيخ الاسلام الحق معهم؟
مداخلة: هل من أركان الإسلام أنه ابن تيمية كافر ولا مش كافر.
[ ٧ / ١٠٢٧ ]
الشيخ: لا لا مو هيك كان السؤال شفت اشلون يعني ..
الشيخ: عم بأعيد عليك السؤال علشان أنت تجاوبني.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: هل من أركان الإسلام إنك تعرف أن الذين كَفَّروا شيخ الإسلام
الحق معهم أو أن الذين قالوا أن شيخ الإسلام الحق معهم هل هذا من
شروط الإسلام؟
مداخلة: هو ليس من شروط الإسلام، لا مش من شروط الإسلام.
الشيخ: بارك الله فيك.
مداخلة: بس لي كلام.
الشيخ: شوف صاحبك أحسن منك لأنه بدأ يشعر بأنه هذا أسلوب
علمي خير الكلام ما قل ودل، أنت بدك تعمل محاضرة، المهم ليس من شروط الإسلام اتفقنا.
مداخلة: نعم اتفقنا.
الشيخ: سؤال ثاني هل من فرائض الإسلام؟
مداخلة وليست من فرائضه.
الشيخ: إذًا ما هو الحكم، ما هو الحكم عندك؟ لأننا عم ننزل درجات ونذكر الأحكام الخمسة .. لالا خليك معي خليك معي اتفقنا العين نظرة الكلام العين العين مغرفة الكلام، خليك معي خليك معي شو حكمه.
مداخلة: حكمه هذا في الشرع؟
[ ٧ / ١٠٢٨ ]
الشيخ: أيه.
مداخلة: حكمه جائز إذا.
الشيخ: جائز طيب؛ هل أنت قائم بمحاولة التعلم بكل أركان الإسلام وفرائض الإسلام وواجبات الإسلام وسنن الإسلام ومستحبات الإسلام، ومندوبات الإسلام ما بقي عندك ما تقوم إلا بهذا جائز؟! قل لا تحيد لا تحيد، إذا إذا، خلاصة وصلت الفكرة إذًا الدين النصيحة ليس هذا عشك فادرجي.
مداخلة: طيب في مسأله واحدة؛ هل أثق بكتبه أقرأها ولاّ لا أثق هي المسألة الوحيدة التي بدي أفهمها؟
الشيخ: لا هذا سؤال آخر، كل شيء له جواب.
مداخلة: هه.
الشيخ: الآن شو سؤالك؟
مداخلة: سؤالي هو كالتالي.
الشيخ: هذاك خلصنا منه؟
مداخلة: هذاك خلصنا منه.
الشيخ: جميل جدًا.
مداخلة: الآن بدي أجيب فكرتي بصورة سؤال يعني.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: هنا أنا وقعت لي شبه إنه الرجل له أقوال كفرية تؤدي إلى الكفر،
[ ٧ / ١٠٢٩ ]
وكعالم له مصنفات فأنا هل أقرأ هالمصنفات ولاّ لا؟
الشيخ: اقرأها .. أنت عم بتسألني؟
مداخلة: هذا السؤال إيه.
الشيخ: أنا عم باقلك إذا ما قرأت كتب الشيخ ابن تيمية وابن القيم تكون
على ضلال.
مداخلة: كثير مليح.
الشيخ: بتكون على ضلال ما دام .. أنت تسألني فهذا هو الجواب.
مداخلة: عظيم.
الشيخ: ولكن أسألك الآن لو مسكت كتاب من فتاوى ابن تيمية اسمه كتاب الفرائض وقرأته وما فهمته شو بتقول عنه.
مداخلة: إذا قرأته وما فهمته الآن بالوم نفسي.
الشيخ: بتلوم نفسك لكن إحنا ما بنسألك با تلوم نفسك بتلوم المؤلف الذي كتب الكتاب.
مداخلة: أنا أنا ..
الشيخ: اسمع الله يهديك.
مداخلة: نعم نعم.
الشيخ: اسمع مثل ما تُعلِّم صاحبك بالجنب تعلَّم أنت، خير الكلام ما قل ودل هل تلوم المؤلف الذي كتب كتاب الفرائض وما فهمت منه شيئًا؟
[ ٧ / ١٠٣٠ ]
مداخلة: لا.
الشيخ: هه إذًا أنا أنصحك نصيحة نصيحة ثانية النصيحة الأولى إذا ما قرأت كتب ابن تيمية وابن القيم الجوزي بتكون ضال وقد تكون مع كونك ضالًا مضلًا للآخرين، النصيحة الثانية أنك إذا قرأت كلامًا له لم تفهمه فدعه فدعه لعالمه؛ لأنه أنا ذكرت آنفًا بمناسبة حديثين متعارضين لما نقلنا عن ابن حجر العسقلاني شو قلنا آخر شيء قال اعتبار الناسخ والمنسوخ، فإذا لم يتبين لنا قال نكل العلم إلى عالمه، هذا مين عم بيقول هيك شيخ الإسلام في زمانه ابن حجر العسقلاني شايف، أنت لسه شيخ ما صرت بعد إنما انت فريخ الآن فأنت إذا قرأت كلام ابن تيمية ومافهمته ما تيجي تتمسك فيه وتقول فلان قال كافر قال فلان مسلم، اتركه يا أخي فيه مين يفهمه، لكن اقرأ كتبه فتاواه ما شاء الله ثلاثين مجلدًا وأكثر وإلى أخره فستفهم هناك علمًا مستقى من الكتاب والسنة نعم.
مداخلة: أنا قرأت ..
الشيخ: نعم؟
مداخلة: قرأت الموافقة.
الشيخ: أنهو موافقة؟
مداخلة: "موافقة صحيح المنقول .. " قرأت في الموافقة ثلثينه أو أكثر من ثلثينه بشكل من أول صفحة إلى آخره، فوجدت كلامًا وكنت قاريء الردود ردود على ابن تيمية، الواحد صراحة لأني قراءت؛ وجدت في له كلامًا يعني يتبادر إلى الذهن إنه فعلًا بيقول أن الحوادث لا أول لها فبدي استوضح الأمر.
الشيخ: هاي هي المسألة كلها؟!
[ ٧ / ١٠٣١ ]
مداخلة: هذه هي.
الشيخ: هذه انتهينا منها الله يهديك ..، انتهينا منها الله يهديك انتهينا منها انتهينا منها كلامه إن كان مفهومًا هاتوا الذي فهمته.
مداخلة: أنا بأقلك شو الذي فهمت منه؟
الشيخ: هات لشوف.
مداخلة: فهمت منه إنه بيقول أن العالم قديم بالنوع يعني.
الشيخ: يعني؟
مداخلة: العالم هذا كان فيه قبله عالم، وهلم جرا إلى ما لا بداية
وهذا بيتعارض ..
الشيخ: من وين بتقول هذا الكلام، أنا الي قلته هذا الكلام.
مداخلة: هو أنا بأقول لك شو الّي فهمته.
الشيخ: هذا انتهينا منه؛ قلنا: هذا الكلام إلي بيقوله حوادث لا أول لها هذا معناها ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، كويس، هذا القول قلنا إنه ابن تيمية لما بيقول بحوادث لا أول لها يحكم بأنه كل مخلوق أو مسبوق بمخلوق قبله، طيب فهو لا يقول بالقدم يعني مع الله لا يقول أن مع الله خالق آخر وإنما يقول ..
مداخلة: نعم إنما يقول ..
الشيخ: طول طول بالك فإذًا هو بيقول بكلام قلنا نحن أنفًا ..
مداخلة: صح الكلام الي أنت قلته.
الشيخ: اسمح لي.
[ ٧ / ١٠٣٢ ]
مداخلة: هذا الي فهمته.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
مداخلة: معليش تحملنا.
الشيخ: صحيح يا ابني هو مصارع.
مداخلة: ملاكم.
الشيخ: ملاكم هذا هو السبب يا أخي لسنا في ملاكمة اعطني بالك هذه المسألة عِلْم ابن تيمية يقول بحوادث لا أول لها، نحن قلنا أنه هذا رأي له لا نتمناه ونرده لأنه يخالف أول ما خلق الله القلم.
مداخلة: هذا هو الذي ذكرته.
الشيخ: معليش معليش أنا عارف إنك مُطّلع على كلام ابن تيمية، ومطلع على كلام تلميذه البار به لكن ما عم بتقدر تميز بقرار هل هذا هو الصحيح
ولا غيره؟
مداخلة: أنا جيت علشان أميز.
الشيخ: جزاك الله خيرا، المهم كلامه غير معقول ولا هو منقول، ولكن ماذا وراء ذلك؟ وراء ذلك انه قال رأيًا خالف فيه ما نعتقده نحن، فنحن نسألك الآن: المعتزلة خالفوك في قولك أن الله يرى يوم القيامة أم وافقوك؟
مداخلة: لا خالفونا.
الشيخ: طيب هل هم كفار؟
[ ٧ / ١٠٣٣ ]
مداخلة: في المسألة هذه لا يكفرون؛ لأنه لأنه ..
الشيخ: اسمع الله يهديك اسمع إن شاء الله إن شاء الله.
مداخلة: فهمت قصد الشيخ بده أجاوب بدون ما أعلل وليش ..
الشيخ: إذا كان هذا الأسلوب خطأ أرجوا أن تبينه.
مداخلة: معليش إذا.
الشيخ: أنا عم باسألك سؤال إذا كان هذا الأسلوب خطأ أرجوا أن
تبين خطأي.
مداخلة: لا مش خطأ.
الشيخ: جزاك الله خيرًا، طيب فهذا الكلام قول ابن تيمية بقول حوادث لا أول لها إذا فهمته بأنه خطأ مخالف لعقيدتنا فأسوء ما يقال فيه أنه كالمعتزلة الذين لا تُكَفِّرهم مع أنك تفهم خطأ المعتزلة مجسَّدًا خالفوا آيات خالفوا أحاديث خالفوا السلف الصالح، ابن تيمية انت إلى الآن مانت فاهم شو بيقصد من الكلام هذا، فشتان بين هذا الذي يُكفِّره شيخك، وبين أولئك الذين نتفق جميعًا على تخطئتهم، ومع ذلك لا نكفرهم فنخلي هناك ضوء بسيط من أن نخلص المسلمين من العلماء من أن نكفرهم، فإذًا أنا اعطيك الجواب وأنت بتقول الشيخ لسه بيدندن
مداخلة: مسألة بسيطة.
الشيخ: اسمع المسألة البسيطة.
مداخلة: الشيخ حسن قرأت عليه ولا أنكر ذلك، ولكن مش شرط أن
كل شيء خطأ أنا أقره على ذلك، بيجوز الزلمة فتحت له مسائل أن ابن تيمية
[ ٧ / ١٠٣٤ ]
كافر بيحكم من خلالها، أنا ما تفتحتلي ذلك، ولاّ لا مزبوط؟ بيجوز عنده
هذه المسألة ..
الشيخ: على كل حال نحن هلا بيهمنا أنت، أنت تُكَفِّر ابن تيمية؟
مداخلة: إلى الآن لسه.
الشيخ: شوفوا الشيخ بيقول: الآن!! أولًا بهذه المناسبة بدي ألفت نظركم العلم له أسلوبه إذا ابن تيمية عم بيبحث موضوع وبيجيب نقول كثيرة، في منقول في شي غير منقول، في معقول شيء غير معقول، إلى آخره فلا يجوز أن تنسب إلى ابن تيمية كل هذه المنقولات وكل هذه المعقولات، وإنما بتشوفه بعقيدته له كتب بينشر فيها بصراحة عن عقيدته، فإذا كان هناك في العقيدة ذاكر الشيء أنتم ما عقلتموه ما فهمتموه، أو فهمتموه على أنه ضلال أوكفر أو سموه ما شيئتم هنا لكم الحق إنكم إيش تقفون وتسألون.
أما مثل قصة البعوضة وما أدري إيش ومثل الجلوس على العرش إلى آخره هذه روايات لا سنام لها ولا خطام تذكر في بعض الكتب التي تذكر الأحاديث والآثار المروية عن السلف بأسانيدها، فلما الإنسان بيدرس هذه الآثار كالأحاديث بأسانيدها بيعمل عملية تصفية، هون صحيح حديث صحيح أثر صحيح إلى آخره، هون حديث ضعيف أثر ضعيف إلى آخره، هذا القسم الثاني ما بنعرج عليه ذكره ابن تيمية ولا ابن القيم، ما أحد معصوم، ما منا من احد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحبُ هذا القبر محمد - ﵌ -، أما إذا هو يتبنى عقيدة ما والله هنا يجب عليكم ان تبحثوا في هذه العقيدة، مش نبحث فيما هو جائز فقط لا هو من أركان الإسلام، ولا هو من فرائض الإسلام، ولا هو ولا ولا إلى آخره، أما هنا هنا بالذات يجب عليه أن
[ ٧ / ١٠٣٥ ]
يعرف انه هذا الكلام صحيح ولاّ لا.
فالآن الأثر الذي يذكر أن الله قاعد على عرشه أولًا نسبة القول إلى الله، مثل نسبة الجهة إلى الله، والمكان إلى الله، واللا مكان إلى الله؛ لأنه كل ذلك أيش؟ لم يرد، حينئذ نرجع إلى الوارد فقط، ما ورد أبدًا في أحاديث يجب أن نبني عقيدتنا عليها ولو أحاديث آحاد - اعطني بالك - لأنه نحن الفلسفة هذه لا نؤمن بها، لا يوجد حديث أن الله ﷿ قاعد على العرش جالس على العرش، إذًا هذا الأثر ليس له قيمة هذا لو ثبت وهو لم يثبت، ثم من تمام ضلال هذا الأثر إنه باقي من العرش الي ما ممكن لعقل الإنسان يستوعب إيش سعته لأنه أوسع من الكون كله شو باقي من العرش قدر إيش؟ شبر، سبحان الله لوكان هذا العرش مثل كرسي واسع - بلا تشبيه يعني- كرسي واسع ما بيسع شخصين بيسع شخص ونص، وقيل إن هذا العرش فيه فراغ مقدار شبر مشان يجلس مين؟ الأمير الملك، بيكون كلام سخيف، فما بالكم هذا العرش الذي لا يعلم سعته إلا الله الذي قال وسع كرسيه السماوات والأرض، فماذا نقول عن العرش؟ شيء فوق ما يتخيله الإنسان كيف يقال إن باقي هناك مقدار شبر، ليش هذا المقدار؟ مشان يجلس الرسول بجانب رب العالمين، ما بيسعه هذا المكان هذ ما بيسعه، سبحان الله لا نقلًا ولا عقلًا هذا الشيء مقبول المقصود إنه إذا شفتوا هيك رواية؛ ما بتقولوا هي عقيدة ابن تيمية ذكرها ابن تيمية وأنا بأقلك كان الأولى أنه يذكرها ويعلق عليها، لكن العالم يا أخي الذي يفيض علمًا ما بيستطيع أنه كل كلمة بيحكيها ويرميها أنه بيقف عندها وبيعلق عليها، هذه طبيعة العلماء هيك، لكن لما بيجي يؤلف لك في العقيدة الحموية، التدمرية مثلًا إلى آخره، الواسطية، وبيجي بيتكلم مثلًا لا سمح الله أنه الله قاعد على العرش وباقي فراغ مقدار شبر مشان يقعد عليه محمد عليه
[ ٧ / ١٠٣٦ ]
الصلاة والسلام، والله هذه مشكلة المشاكل وأنا أول الكافرين بها، أكيد بدكم تتصوروا أنه أكيد مثل هذه الضلالة إنه ابن تيمية بيتحملها وتنسب إليه، هذا خطا لا يجوز، هذه نصيحتي لكم لعلها واضحة.
مداخلة: واضحة طيب بس في شبه إنه ابن القيم "بدائع الفوائد"بيقول في هي المسأله أنه ..
الشيخ: لا تقل لا تقل ما قبلت النصيحة أنت الآن.
مداخلة: لا هذه شبهه.
الشيخ: أنت الآن ما قبلت النصيحة، سبق الجواب عنه الله يهديك ..
مداخلة: بس بدي توضحلي عندي شبهه.
الشيخ: وهي؟ ..
مداخلة: يعني ابن القيم بيقول هالحكي، بيقول يفرغ من العرش وهالحكي.
الشيخ: هو ما بيقول هو بينقل.
مداخلة: بينقل.
الشيخ: ينقل ولا يقول.
مداخلة: بينقل ومقر بهذا الكلام،
الشيخ: هل هل كل ما ينقل يكون مقررًا.
مداخلة: أنت أدرى يا شيخ لا لا.
الشيخ: شوف هلا.
[ ٧ / ١٠٣٧ ]
مداخلة: الصح صح.
الشيخ: اعطني بالك، كدت أخطِئ معك بصورة خاصة، وأقول لك: شيخك بيقول لكن تراجعت، بيقول ابن الجوزي الّي رافع راية التعطيل بدفع شبه تشبيه مصحح حديث الجارية.
مداخلة: حلو.
الشيخ: شايف، وهو شو قايل في مقدمة في التعليق تبعه، أنا أقطع بأن الرسول ما قال هذا الكلام، أعوذ بالله، بس الرواية هنيك ابن الجوزي ذكرها ومشي
عنها، ولكن هو في مكان آخر بين رأيه أنه ينكر هذا الحديث، إذًا معنى هذا أي كتاب ليس كل ما يذكره المؤلف فيه،- وهذا ما سبق الكلام عنه آنفًا- مش معناه أن هذه عقيدته.
مداخلة: خلاص فهمت الشبهة خلاص.
الشيخ: طيب جزاكم الله خيرًا.
مداخلة: في سؤال أخير.
الشيخ: أخير هذه مو بشارة هذه مو بشارة.
مداخلة: سؤال هو عتب أو إشكال أو شيء.
الشيخ: آه.
مداخلة: طيب يا سيدي ما دام أنه الكلام الي ذكرته طيب جدًا جدًا، وأنا بأعرف ناس كثيرين مش يعني إني درست عند الشيخ حسن أتأثر فيه أو كذا في ناس ولا عمره سمع بالشيخ حسن .. في ناس ما عمره سمع بالشيخ حسن ومع
[ ٧ / ١٠٣٨ ]
ذلك يراك يعني لسه لسه الشيخ حسن بيجوز قلبه يحن لك فهمت كيف؟
الشيخ: لا ما فهمت عليه.
مداخلة: أنا باقلك كيف.
علي حسن: شيخنا يقول إنه بالرغم أنه قرأ على الخساف لكن مع ذلك.
مداخلة: لا لا لو سمحت هذا رجل من آل البيت احترامه واجب معليش انسى كل الخلافات
الشيخ: طيب بيقول؟
مداخلة: بيقول: بالرغم أنه قرأ على ذاك الرجل لكن مع أنه قرأ عليه ما تأثر فيه أو شيء من هذا مع أنه في أناس آخرين ما قرأوا عليه ولا شافوه ولا بيعرفوه ومع ذلك ينظرون إليكم أكثر من نظرة هذا إليك.
الشيخ: هذه كمان أخشى أن تكون ملغومة هذه.
مداخلة: لا لا، لي فيه كلام وراء هذا.
الشيخ: هات لشوف هاه.
مداخلة: ينظرون لك أن عقيدتك مش سليمة أو إنك مجسم إلى آخره يعني من الكلام، حتى إنك نفيت ذلك أنت.
الشيخ: ما نفيته أنا ما نفيته.
مداخلة: يا ريت يا سيدي لو تعملنا .. أنا باقول لك كلام واقع.
الشيخ: هذا ليس بواقع قولك بأني نفيت فهذا ليس بواقع، .. في فرق بين نفيت
[ ٧ / ١٠٣٩ ]
وبين هذه عقيدتي التي أدعوا الناس إليها ومسطرة في كتبي.
مداخلة: كلامك سليم.
الشيخ: بس كلامك مو سليم.
مداخلة: ماشي أنا أعترف صح على اللفظة هي، ممكن.
الشيخ: بس هي مو أول واحدة هذه.
مداخلة: انتفت الفكرة من أذهاننا.
الشيخ: ميل الحمد لله.
مداخلة: لكن.
الشيخ: ما شي ماشي.
مداخلة: يعني مش إحنا ناقلين هذه الفكرة هي من الشيخ حسن أو غيره لا أكيد من الشيخ حسن وأعطني بالك؛ ما دام بيجي يعلق في كتاب مطبوع، أولًا المجسم المجسم، مالك يا أخي مالك حجر أنت بشر، وأنت مالك عالم ولا متعلم إلا من طرفه، فلما بتسمعه وأنت واثق بأنه رجل عالم إن شاء الله، بيقول: ناصر المجسم المجسم المجسم فمالك حجر حتى ما تتأثر، ونحن نعذرك أنت وغيرك، لكن ما تنفي الحقيقة أنه أنا ما تأثرت به، مش ممكن هذا الكلام،
أنت متأثر به.
مداخل آخر: متأثر بس ما فقد الإنصاف إن شاء الله.
الشيخ: هه هذا ممكن، هذا ممكن شايف صاحبك أشلون يرقع كلامك، كلام معتدل معقول لا يمكن رده، كتاب بيألفه صاحبنا هذا بيقول تأليف الألباني
[ ٧ / ١٠٤٠ ]
شو هالتخرص هذا! شو هالكذب هذا! شو الاتهام هذا! بدك تدافع عنه تفضل تفضل، حتى أنا ما أريد تدافع عنه حتى ما تلصق التهمة لنفسك.
مداخلة: إحنا جايين في مسائل قلنا بدنا نأخذ فيها باب الإنصاف والحمد لله إن شاء الله طعنا بفوائد
الشيخ: الحمد لله لولا حرصنا على أنه تنتفعوا ما سهرنا معكم إلى قرابة نصف الليل.
مداخلة: الله يجزيك الخير.
الشيخ: الله يحفظك، هذا مشان تعرفوا إنه نحن ما نريد السيطرة وما نريد نفرض آراءنا وإلا كنت باقلكم كلمة وغطاها، ما بأخذ واعطي خاصة معك أنت رجل تجادل وبتشرق وتغرب وبتضيع علينا الوقت وإلى آخره، مع ذلك مع ذلك معليش أنا يكفيني إنه إن شاء الله قريبًا إنه هالتاج هذا بيطيح من راسك وتلبس ما يلبسه إخوانك وبالإضافة إلى هذا أنصحك نصيحة ثانية انصح إخوانك فيها، إنه ما بتصير أنت مثل حكايتهم يعني يطيح التاج وتضل حاسر الرأس لا هم كمان يقتدوا فيك ويستروا رؤوسهم لأنه هيك الأدب الإسلامي.
مداخلة: إن شاء الله يعني يا سيدي النقطة الّي دارت في فكري طيب يا ريت تعمل أنت كتاب عقيدة علشان تكون عقيدتك واضحة للناس.
مداخل آخر: هي مفرقة في الكتب.
مداخلة: حقيقةً ممكن إنسان ما عنده لأن الكتب يمكن صعب يشتري كتبك بيشوف كل موضع يعني، ياريت تعملك كتاب عقيدة يعني واحد.
[ ٧ / ١٠٤١ ]
الشيخ: وشو رأيك في ناس غيرك من عشرات السنين بيقولوا ياريت بتضع لنا كتاب في مصطلح الحديث باعتبارك أنت طبقت علم الحديث عمليًا بينما الّي عم بيألفوا اليوم نظريًا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: شو رأيك.
مداخلة: والله إلهم حق بيطلبوا.
الشيخ: نتجاوب معك ولا معهم وناس آخرين.
مداخلة: في أمور مهمة في العقيدة.
الشيخ: نحن بشر يا أخي طاقاتنا محدودة وصرنا كما ترون على حافة القبر.
مداخلة: بعد طول عمر إن شاء الله.
الشيخ: الّي نستطيع نفعله إن شاء الله.
مداخلة: الّي بينفع بيظل نفعه.
الشيخ: نحن ماشين في هذا السبيل أخي، نحن ماشين في هذا السبيل، نخدم المسلمين بالتصفية والتربية سواء في الحديث أو في العقيدة أو في الفقه، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
مداخلة: معليش أنت عالم صار لك يعني خمسين يعني فوق الخمسين السنة، اسمك صار قريب للأذهان، يعني إذا مش في الأذهان، شايف كيف يعني لما بتعمل كتاب عقيدة ..
الشيخ: هذا ما بده .. بيستدل أنه هذا شيء طيب! ما بده دليل يا أخي:
[ ٧ / ١٠٤٢ ]
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
مداخلة: بيصير عليك شوية لوم حتى أنا عتبان حقيقة أنا عتبان ..
الشيخ: لكن هذا الي بيصير في نفوسهم شيء بيكونوا يعني من أصحاب سوء الظن وهذا لا يجوز في الإسلام.
مداخلة: في جماعة كثيرين يعني لما بيشوف اسمك على الكتاب بيموت، طيب ليش يا أخي؟ بيقلك هذا مش مضبوط هذا مش كذا.
الشيخ: هلا أنت أثرت مسألة من المسائل الّي ما تريدها، شو رأيك بقى.
غيري جنى وأنا المعذب فيكمُ فكأنني سبابة المتندمِ
مداخلة: أيش البيت معليش.
الشيخ: غيري جنى، بس ايش الفائدة الّي بدك تسجلها.
مداخلة: يعني البيت بيصور حالتك الآن صحيح.
الشيخ: غيري جنى وأنا المعذب فيكمُ فكأنني سبابة المتندمِ
أه أنا بدي أسألك سؤال بيجوز؟
مداخلة: تفضل.
الشيخ: ليش هذول بقى لما بيقرأوا اسم على كتاب للألباني بيموتوا
قل لي ..؟
مداخلة: ليش لأنه .. أول شيء يعني في جماعة من تلاميذك.
علي حسن: أيوا هيك.
[ ٧ / ١٠٤٣ ]
مداخلة: صراحةً مسائل ما فيهاش لف وعجن، في ناس من الّي بيقول أنا سلفي وأنا وهابي وأنا من تلاميذ الشيخ ناصر.
الشيخ: ما أحد بيقول أعطني بالك هلاّ لا تفتري على الناس .. ما أحد بيقول أنا وهابي.
مداخلة: سلفي.
الشيخ: هه لكن أنت بتقول وهابي
مداخلة: بيقول احنا من تلاميذ الشيخ ناصر وحنا كذا ولكن يتكلم كلام التجسيم بعينه.
الشيخ: سبحان الله عندك مثال.
مداخلة: عندي مثال.
الشيخ: هاته لنشوف.
مداخلة: يعني مثلًا لما بيقلك أنا بأقول بأن الله - معليش ولو بنعيد كلام- في السماء حقيقةً، ولا نقولا بلا مكان ولا نقول عارف شو كلام يعني مش الكلام الطيب الي انت حكيته.
الشيخ: انا راح أقلك الآن الله في السماء حقيقةً والله سميع بصير حقيقةً، خالفني لاشوف انت يش عم ..
مداخلة: ما هو أنت جبت قرينة ..
الشيخ: اسمع اسمع اتركني صارت مشرقة رجعنا رجعنا رجعنا رجعت سجلها هيذه، رجعت حليمة لعادتها القديمة ..
[ ٧ / ١٠٤٤ ]
مداخلة: أقول لك ..
الشيخ: الله يهديك أنت خالفني الآن فيما أقوله أنا.
مداخلة: كلامك واضح.
الشيخ: لا، لاه أنا لسه ما خلصت كلامي.
مداخلة: قلتلي أخالفك بدي اجاوبك بسرعه علشان.
الشيخ: ما شاء الله ماشاء الله.
مداخلة: في معك فاين.
الشيخ: شو شايفنا جايين رياضة ولا بنحكي في الرياضة؛ لأنه الرياضة بدها شوط ثاني رياضة علمية ورياضة بدنية، فهو الظاهر موجه رياضتكم بالرياضة البدنية ما عنده رياضة علمية، خالفني في قولي أن الله ﷿ حينما قال:"وهو السميع البصير" أقول هو السميع البصير حقيقةً خالفني لشوف.
الشيخ: الآن كلامك ما نستطيع نخالفك.
مداخلة: وين كنت قبل الآن.
الشيخ: وين كنت قبل الآن معليش، وين كنت قبل الآن؛ لأنه كانوا بيقولوا بجيب أنا مسألة.
شو كانوا بيقولوا هلا أنت الله يهديك أنت الله يهديك أنت معنا كنت في هذه الحقيقة أنا بقول الآن: وهو السميع البصير حقيقةً.
هل أنت دار في ذهنك يومًا ما أن تقول وهو السميع البصير حقيقة، أنا أقول
[ ٧ / ١٠٤٥ ]
لك لا؛ لأن التلقين الذي لُقنته والقراءة التي قرأتها لا تشعرك بهذه الحقيقة أبدًا، وإنما نمرها كما جاءت، وقلنا آنفًا ليس معنى كما جاءت بدون فهم بالفهم وهذا هو الفهم الصحيح وما تحك رأسك كثير لأنه بنخاف عليها خاصة بالقلم يعني الحك بالقلم له معنى، المهم الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير كما أنه ليس كمثله شيء حقيقةً، كذلك وهو السميع البصير حقيقةً، إذًا استشكالك من ذلك السلفي المجهول عندنا لأنك أنت.
مداخلة: هو ..
الشيخ: اسمع يا أخي الله يهديك.
مداخلة: نعم.
الشيخ: اسمع الله يهديك لو غيري أنا وكان شابًا كنت أنت أهلكته بمصارعتك العلمية فهمتني ما فهمتني طبعًا.
مداخلة: فهمتك فهمتك.
الشيخ: طيب أنت أنكرت عليه ليش؟ لأنه ذهنك خالي عن هذه العقيدة الصحيحة، فكل شيء وصف الله به نفسه، كل شيء هو على الحقيقة لكن حقيقة تليق بذاته وجماله وكماله، وليس حقيقة تتناسب نحن مع ضعفنا وعجزنا وو إلى آخره، إذًا استنكارك على ذاك الرجل الّي جمعت بين النقيضين في وصفه أنه سلفي أو قلت وهابي وإن كنا نشكرك أنك سحبت كلمة وهابي نشكرك عليها شايف، فاستنكارك عليه نابع إنك أنت ما بتقول العقيدة حقيقةً وإنما نمرها كما جاءت.
مداخلة: في استشكال صغير.
الشيخ: كمان صغيرة.
[ ٧ / ١٠٤٦ ]
مداخلة: انا بانقل لك الكلام يعني شو الكلام الّي بيحكوه ..
الشيخ: ما نحن سمعنا الكلام كلام صحيح.
مداخلة: لا أنا حكيت جزءًا منه، بعدين يقول لك إنه الله ﷿ استوى في السماء على العرش، يقول لك: استوى: استقر.
الشيخ: لا ما بيقول هيك.
مداخلة: معليش بدي أقلك أنا.
الشيخ: ما بيقول هيك، أنت عم بتقول على كيفك، لا ما فيه سلفي بيقول: استقر أو قعد أو جلس.
مداخلة: كويس.
الشيخ: هذه عقيدة مش واردة ومن هنا أنتم أوتيتم
مداخلة: حقيقة الّي كنت أفكره الّي سمعته من الشباب أنك تقول بالاستقرار صراحةً الآن سمعت كلام غير الكلام.
الشيخ: أنا بأقلك الله يهديك ليش أنت لما سمعت الكلام هذا شأنك شأن غيرك شأن الجماعة التي قلت عنهم (انقطاع) الله يهديك لا أنت حقيقة لازم يحطوك ملاكم يعني لأنه بيضعوك في محلك، أنت لماذا لم تحاول الاتصال
مع الألباني قبل ما يموت ويصيبه منك ما أصبت شيخ الإسلام وهو قد مات، لماذا لم تحاول أن تتصل مع الألباني وتشوف صحيح هو مجسم كما يقول
شيخك صحيح ..
مداخلة: .. سيبنا من الشيخ.
[ ٧ / ١٠٤٧ ]
الشيخ: معليش خذها على الماشي معليش.
مداخلة: على الماشي.
الشيخ: هذا من باب التذكير نحن على الماشي، المهم أو تسمع واحد ينتمي إلى التتلمذ عليّ، تسمع منه إيش؟ عقيدة باطلة، وهو أن الله استوى على عرشه
أي استقر وربما تسمع جلس وقعد ووو أين كنت والألباني لسه ما مات حتى
ما تصفه مع شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الفرية، أين كنت قل لي هلا لا تحيد ..
أين كنت.
مداخلة: أتيت على بيتك من قبل سنة ونصف وأتيت بعدها بأشهر.
الشيخ: شو ساويت في بيتي.
مداخلة: رنيت على الجرس، قالوا الشيخ مشغول ما بيفضاش يا جماعة الخير بدنا نسأله عدة مسائل قالوا مشغول وكبير في السن وما بيفضاش هلا لسه جينا انحل الإشكال.
الشيخ: الآن بدنا نسألك هذا عذر لك؟
مداخلة: عندي عذر.
الشيخ: طيب شو بتعمل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾.
مداخلة: مش فاهم المقصود من السؤال.
الشيخ: قدموا لك العذر الجماعة خلاص ما عد تطرق بابه ما عد تفتح على هاتفه، هذا عذر لك.
مداخلة: والله هذا فعلًا هذا قصور.
[ ٧ / ١٠٤٨ ]
الشيخ: هه هذا قصور هيك بدي إياك تعترف بالخطأ؛ لأنه الذي ما بيعترف بخطئه ما بيفيء عنه ما بيرجع عنه أبدًا ولذلك ..
مداخلة: شو قلت لك أنا بأقلك أنا أعتبت بما أنه هي مش عقيدتك وأنت تنفيها.
الشيخ: يا أخي الله يهديك هلا أنت بمجيئك إلى هنا مجيئك.
مداخلة: انحل الإشكال حقيقةً.
الشيخ: اسمع الله يهديك، الإشكالات كثيرة مو المسؤول عنها إلا الّي وقعوا في هي الإشكالات، مش الذين يفترى عليهم كل فرية ما بتتحملها الجبال، الألباني مجسم، ابن تيمية مجسم، الله أكبر على الظالمين على الطاغين، هذول نصبوا أنفسهم لعقيدة السلف التي هي بين التجسيم وبين التعطيل، قال الله، قال رسول الله، على الكيفية التي أرادها الله، هذا مجسم ويكرر لا تكاد تخلو صحيفة إلا قال المجسم، أين انتم، وأنا بأقول الآن مجيئكم إليّ هنا ليته كان بطلب منكم لحتى نسجلها في صحيفتكم البيضاء لكن هذا كان بطلب مني غيرة عليكم لما حدثني رجل من إخوانا قديمًا كنا نعرفه قنا جيبهم لحتى نتفاهم نحن وإياهم، لولا أننا طلبنا هذا ما جئتم هنا ولا طرقتم بابنا ..
مداخلة: هي فرصة سعيدة.
الشيخ: جزاكم الله خيرًا جميعًا.
علي حسن: شيخنا في نقطة معليش.
الشيخ: تفضل.
[ ٧ / ١٠٤٩ ]
علي حسن: الآن في كلامكم في صفحتكم البيضاء بلاش يفكروها كما فكرها واحد قديم.
[كلام حول اتهام السقاف للعلامة الألباني بأنه يوزع صكوك غفران لما قال له مثل هذه الكلمة (صفحتك البيضاء) في اتصال هاتفي، وأقر الإخوة الشيخ عليّا على أنه لا يُفهم منها ما فهمه السقاف].
الشيخ: تذكروا هذه الحقيقة التي يقولها العلماء وما آفة الأخبار إلا رواتها، أنا أعتقد إنه بدي أضطر إني اقول شيخكم أو حسن السقاف ما شئتم، حسن السقاف لو خلع الحقد الدفين من قلبه واجتمع مع الشيخ الألباني لتغير من ضلال إلى هدى لا يعرفه حتى هذه الساعة.
مداخلة: بتحبوا يجتمع معكم والله يا ريت يجتمع معكم.
الشيخ: اسمع يا أخي.
مداخلة: كلام جميل.
الشيخ: اسمع لأنه الاجتماع معي إله شروط.
مداخلة: ياريت.
الشيخ: مش على طريقة عبد الرحمن، مش على طريقته؛ لأنه بيكون
جلسة علمية.
مداخلة: والله يا ريت تشرط والله.
الشيخ: طيب طَوِّل بالك شوية وافهم، ونحن قبل ما نعرف الرجل اتصل بي هاتفيًا هذا من بضع سنين، قال هو بيريد يبحث موضوع التوسل قلنا له طيب
[ ٧ / ١٠٥٠ ]
وتواعدنا وجاء وجلسنا في غرفة الضيوف هناك.
علي حسن: قبل تسع سنوات
الشيخ: تسعه والله أنا أعرف قديمًا بس ما بأرِّخ المهم هو بدأ يتكلم فيمالم نجتمع ونتواعد من أجله قلت له نحن اتفقنا على البحث في موضوع التوسل فإن كنت على هذا الاتفاق فأنا معك قال هو لا هو الآن مو مستعد، لما خرج بقي شوية ومشي، وصلنا إلى الباب إلي قبل الدرج قال لي انا أريد جلسة وحدك ما يكون أحد فيها، قلت له لماذا إذا كان الحق معك خلِّي الجماعة يستفيدوه، وإن كان الحق معي خلي الجماعة يستفيدوه، فالحق مشترك للجميع وليس محصورًا
بيني وبينك، وهذا أول الكلام وقع بيني وبينه مباشرة ربما يكون فيه اتصالات هاتفية قليلة جدًا بيني وبينه، أخيرًا هنا الشاهد في شخص يمكن لا بد تعرفوه سمه نوح الأمريكي.
مداخلة: نسمع فيه.
الشيخ: عم بتعرفوه.
مداخلة: نسمع فيه سماع، رأيت له مؤلفًا.
الشيخ: رسالة صغيرة عن سبب إسلامه المهم انه اجتمعنا في مجلس مع الرجل في مجلس عامر، بدأ هو يسأل أسئلة بتدل على نباهه ويقظة وحرص على العلم، فالحقيقة أنا تجاوبت معه بحيث الإخوان الّي كانوا جالسين يعرفون إني توجهة بكلي إليه والحاضرين عم بيسمعوا فأجبته عن أسئلته، فيما بعد بعض إخوانا إلي بيعرفوه قلتله أنا أريد أن أزور هذا الشخص لأني آنست منه رشدًا ومحاولة للفهم الصحيح للكتاب والسنة، المهم أخذلي موعد وبيته متواضع جدًا
[ ٧ / ١٠٥١ ]
مدخله لو مديت يدك هيك ما بتستطيع تمشي من ضيقه، دخلنا جلست وإذ أُفاجأ تجاهي الشيخ حسن.
بدأ الأمريكي يسألني سؤالًا غريبًا جدًا قال: معاوية ابن أبي سفيان صحيح أنه من أهل النار؟ قلت له: أعوذ بالله، شو هالحكي هذا؟! معاويةرجل من أصحاب الرسول ﵇ وله خدمات في الإسلام ونشر الإسلام ووو إلى أخره وإذا انبرى الشيخ حسن يتكلم لما صرح الأمريكي بيقول لي هذا يقول أنه من أهل النار.
قلت له صراحةً أمامه لا تعبأ به هذا الرجل ليس عالمًا، هذا حواش حطاب يجمع من هنا وهنا، ليس عنده مبادئ قواعد علمية حتى يتمكن من التوفيق بين كونه صحابيًّا وكونه أخطأ كذا وكذا وكذا، وكون له حسنات كأمثال الجبال فيهدر حسناته كلها، وبيتمسك بأيش؟ بأخطائه التي وقع فيها، لا تعبأ بهذا الرجل لأنه ليس عالمًا.
بدأ يتكلم قلت له: ليس لي معك كلام، أنت رجل أولًا لست عالمًا، وثانيًا من أهل الأهواء، كيف بتقول أنه معاوية من أهل النار؟! صار يلف ويدور وما يقول مثل ما قال لنوح هذا بأنه من أهل النار، لكن فعل كذا وفعل كذا صار يعد أشياء لا تنكر عليه، يعني معروفه في التاريخ، قلت له: أنت رجل متخصص في تتبع العثرات، هذا رجل كونه صحابيًّا يترضى عنه والصحابة كلهم عدول، فضلًا عن كونه كان ملك من ملوك المسلمين، ونقل دعوة الإسلام إلى بلاد الكفر إلخ .. وكنت أتكلم مع نوح فيما يسأل.
الشاهد: قال مثل ما قال صاحبنا هذا، قال: والله هذا كلام جيد؛ لأنه كان
[ ٧ / ١٠٥٢ ]
يوجه أسئلة من الداخل من زوجته أنه الرجل العامي ماذا يفعل لما بيسمع أقوال متعارضة إلخ .. فأنا أجبت بما نحن نفتي به دائمًا وأبدًا إنه المسلم يختلف بين أنه يوجد في بلدةٍ لا يوجد لها علماء إلا علماء في مذهب معين، فهذا المسلم يجب أن يتبع هذا المذهب المعين وليس له أن يجتهد أو أن يدعي أنا أفهم القرآن والسنة وو وإلى أخره، وبين مسلم آخر موجود في مجتمع أوسع فيه العديد من العلماء فهو ليس مكلفًا أن يتمسك بمذهب معين من المذاهب، ولكن يطبق الآية الكريمة التي ابتدأنا الكلام آنفًا ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بيسأل من يثق بعلمهم جرى بحث طويل في هذا، إنسان آخر موجود في مجتمع على حد تعبيرنا نحنا سلفي أو الحديثي، علماء يأخذون من الكتاب والسنة وهم أهل لذلك
قد يختلفون في بعض الجزئيات كما وقع من الصحابة لكن مرجعهم كلهم قال الله قال رسول الله، فهذا يسأل من يثق بعلمه في كتاب الله وفي سنة رسول الله، صرح الرجل وما وسعه إلا أن يقول والله هذا شيء طيب، فأنا أعتقد أنه الرجل يصفي قلبه ويبتعد عن الافتراء بالكوم بتقولوا أنتوا بالكوم ولاّ ما بتقولوا يعني بدون إيش ..
مداخلة: بالكبشة.
الشيخ: بالكبشة بدون حساب، يبعد عن هذا الخلق الوخيم الذي ليس من صفات المسلمين، ويكتب ما وصل إليه علمه ما فيه مانع ولكن الأخوة الإسلامية بسبب خلافات يمكن الاتفاق عليها يجب أن ان لا يقضي عليها بفريات فرية تتبعها فرية إلى مالا نهاية، آخر ما اطلعنا عليه هو: المجسم المجسم، وليس هذا فقط كتاب ابن الجوزي يدس فيه ما ليس فيه اطلعتم على هذا الكتاب؟
[ ٧ / ١٠٥٣ ]
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب لفت نظركم الدس هذا.
مداخلة: لا.
الشيخ: مالفت نظركم.
مداخلة: بس أنت كلمة المجسم أشار إليها.
الشيخ: نعم.
مداخلة: مسألة كلمة المجسم أشار بالمقدمة قال أنا وضعت بين قوسين كذا.
الشيخ: يجوز ذلك؟
مداخلة: هو قال وضعت.
الشيخ: يجوز يجوز؟
مداخلة: ما دام نبه يجوز.
الشيخ: يجوز يدس في كتاب يعني هلا أنت بارك الله فيك هل تضن كل من قرأ مثلًا أبو حامد الحنبلي هذا الي بيتهمه بالتجسيم أبو حامد المجسم، هل أنت تظن أن كل من قرأ مجسم، فلان مجسم، قارئ المقدمة، قل: لا قل: لا، قلها صريحة؛ لأنه هذه هي الحقيقة، كثيرًا ما إنسان يمسك كتابًا بيقرأ هيك كثيرًا ما يمسك الإنسان الكتاب يقرا أو بيشوف الفهرس، بينتقل بين المواضيع ما بيقرى الكتاب في مقدمته ولا مؤخرته، بينتقل لمسائل بيرجع إليها، هذا حينئذ بيفهمها هذه المجسم بس من المقدم، ما بيفهمها، ثم افترض أنه قرأ المقدمة هل تتصور كل من قرأ المقدمة رسخت في ذهنه بكل جزئياتها وتفاصيلها؟ قل أيضًا: لا ولا تخف.
[ ٧ / ١٠٥٤ ]
مداخلة: طبعًا لا.
الشيخ: فإذًا هذا تبرير أخي لتمشيته الضلال.
مداخلة: نحسن الظن فيه.
الشيخ: ما خلى لأحد حسن الظن فيه، مثل القنفذ عم بيرش هيك وهيك، ماعد أبقى محلًا لحسن الظن.
مداخلة: طيب ياريت أنت بيصير لقاء بينكم.
الشيخ: بعد ما نشوفه بيصفي الحقد الدفين.
مداخلة: بيصفي أنتم حطوا الشروط ونشوف نحن.
الشيخ: لا لا يا أخي لا لا اسمحوا لي .. سمحوا لي يا جماعة .. اسمحوا لي: الشروط بارك الله فيك يجب أن تنبع من حياتنا مش من ألفاظنا.
مداخلة: وضح لنا.
الشيخ: مش واضح هذا الكلام.
مداخلة: يعني كيف ما فهمت.
الشيخ: يعني الآن.
مداخلة: بالعمل والتطبيق.
الشيخ: أيوة أيوة نعم.
مداخلة: ممتاز.
الشيخ: فالرجل ما ظهر منه هذا الخلق.
[ ٧ / ١٠٥٥ ]
مداخلة: كيف يعني؟
الشيخ: في كتبه في كتبه تعليقاته ما ظهر منه إلا الحقد والضغينة التي قلما نراها حتى من الكفار والعياذ بالله فلما نشوف نحن في اعتدال في التأليف يبدي رأيه ولو كان ضلالًا مبينا، خليه يبديه ما عليه شيء، لكن بالتي هي أحسن كما قال تعالى "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" لما هو بيطور أسلوبه في الكتابة وبيترك الطعن في الناس، أنت هذيك الساعة شو قلت له: لا تتكلم فيه هذا من أهل البيت، طيب بس أهل البيت ما بيجوز الكلام فيهم؟! المسلمين دمهم حلال، عرضهم حلال؟!!
مداخلة: كل المسلمين وأهل البيت خاصة.
الشيخ: كويس لكن هو لا يراعي في المسلمين إلًاّ ولا ذمة.
مداخلة: هذا الّي بدنا بنعقد الاجتماع عشانه إنه نزيل الضغينة في القلوب.
الشيخ: إيه بس عم بأقلك يا أخي الضغينة هذه لا تزال بمجرد إنه تعالى اجتمع مع الألباني بشرط كذا وكذا؛ لأنه فاقد الشيء لا يعطيه لما هو بيطور حياته وبيقدم براهين مقدمًا إنه هو خلاص الآن توجه إلى العلم وترك الطعن في أعراض المسلمين كافةً.
مداخلة: بس هو بيعتقد أنه أنا بأكتب وهذا اعتقادي وهذا الذي ثبت عندي فنحن ما نقدرش ننتظر؛ لأنه لازم نغير اعتقاده هذا وبعدين بنشوف النتائج.
الشيخ: الكفار هيك بيعتقدوا يعني هذا عذر بتقدمه له؟!
مداخلة: لا مش عذر بس هذا الواقع.
[ ٧ / ١٠٥٦ ]
الشيخ: الكفار يعتذرون هيك، ربنا قال ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ يا أخي هلاّ في مؤلفين غيره في الدنيا ولاّ لا؟
مداخلة: فيه.
الشيخ: أرونا كتاب يشبه كتابه، أرونا كتاب يشبه رسائله.
مداخلة: كتاب الشيخ علي.
الشيخ: الشيخ علي رد .. رد رد عليه بتشوفه شو سوى؟ اذكر المثل العربي القديم تذكر المثل العربي القديم: قال الحائط للوتد: لمَ تشقني؟ قال: اسأل من يدقني سله سله.
مداخل آخر: من صف الشيخ: يا شيخي بارك الله فيك
الشيخ: تفضل.
الآخر: أذكر حقيقة في نفس المجلس حصل شئ لابد أن يذكر للأخ إياد والأخ عبد الرحمن.
الشيخ: أنت كنت حاضرًا.
الآخر: نعم يا شيخ، قال الأخ حسن كلمة وهي كلمة حق قال يا شيخ ناصر أنا ما أعرفك هكذا، ما أدري عن الشيخ، أنا ما أعرفك هكذا، ويا شيخ أنا أعرف الود بالقرب منك، أقول أنه بعد ما ذَكَر هذا قال يا شيخ نحن نريد أن نأتيك قال له: لا يا حسن نحن إذا رأينا منك صفاء نية وإخلاص نحن نأتيك ولست أنت تأتينا.
وبعد ما ذكر هذا شيخنا قال: قال الشيخ إنه تكف عن الطعن فينا في
[ ٧ / ١٠٥٧ ]
مقدماتك، فما كان جواب حسن؟ قال: وأنت كذلك تكف عن الطعن في الشيخ الكوثري، فقال الشيخ جوابه بيني وبينك، دعنا من الكوثري فبعد ذلك ماذا قال؟ قال: وأنا سأذكر هذا في الجزء الثاني من التناقضات، وهو لسه بين يدي شيخنا ويقول أنا بدي الرد، كيف تقول أمام الشيخ وسأذكر هذا في الجز الثاني من التناقضات وأنت تريد الود
مداخلة: التناقضات بحث علمي، التناقضات بحث علمي.
الآخر: لا نريد ندخل في مسألة هذا البحث علمي من خطئه، أنا أريد أن أذكر انه يريد الود وهو يضع هذا الود ضمن معترضات.
الشيخ: يضع العصى في العجل.
الآخر: أي نعم فبارك الله فيك أنت ذعك من الكوثري الآن، أنت ترد على الشيخ وتتهم الشيخ بالتجسيم وتتهم الشيخ بأكثر من تهمة باطلة منها أنه يبيع صكوك الغفران، وأنت بلسانك قلت الآن ان هذه الكلمة لا تحمل إاى على محمل واحد فبارك الله فيك هذا لا يأتي.
مداخلة: قلنا تحمل على محمل واحد لما سمعنا كلام الشيخ الليلة.
الآخر: ولوما سمعت؟
مداخلة: لو ماسمعتش بأقول فعا يبيع صكوك غفران.
الشيخ: ما بيجوز ما بيجوز أنت وأمثالك كثر حقيقة لا يعرفون الألباني ليه؟ لأنه الألباني منزوي في هالصومعه هذه وأمامه هالكتب:
لنا جلساء لا نمل سماعهم مامونين غيبًا ومشهدًا
[ ٧ / ١٠٥٨ ]
فإن قلت أحياءٌ فأنت صادق وإن قلت أمواتٌ فما أنت بكاذب
هذه الكتب أنا عايش بينها فأنتم ما تعرفوا الألباني لا في علمه ولا في أسلوبه، أنا عندي استعداد أن أجتمع مع أعلم الناس وأصلح الناس وأضل الناس وأجهل الناس لأني باقول لأخوانا الي بيعرفونا إنه أنا مثل المنشار على الطالع والنازل باستفيد، كيف ذلك؟ إن كنت .. اجتمعت مع رجل أعلم مني استفد منه، وإن كان اجتمعت مع دون مني استفاد مني، فأنا مستفيد على الطالع وعلى النازل، لكن هذا متى يكون؟ حينما تكون النفوس صافية أما إذا كانت النفوس ممتلئة بغضًا وحقدًا وحسدًا هذا لا سبيل للقاء ولا فائدة منه.
مداخلة: عظيم.
الشيخ: اسمع، قد أيش عمر الشيخ حسن؟ نص عمري بالكاد، أو ما وصل، يعني هو أمس طلع بعض رسائله وإلى آخره وإلى آخره أنا صار لي العمر كله وأنا ملتقي مع مختلف الناس ولا أتحاشى بالاجتماع مع أي إنسان إطلاقًا، ثم مثلما انتم شايفين ما يمكن مع عالم من العلماء الّي بتعرفوهم يجلس مع طلبة العلم هذا أحسن ما يقال للساعة (١٢).
مداخلة: نعم نعم.
الشيخ: شايف، فأنا ما عندي رغبة عن الاجتماع عندي رغبة في الاجتماع، لكن عندي شروط هذه الشروط سمعتموها أكثر من مرة وبترجعوا وبتقولوا لي: الاجتماع، يا أخي الاجتماع الاجتماع خير فهمنا هالدرس، اقلبوا صحيفة جديدة هالاجتماع له شروط لما بنشوف صادق الرجل فيما يكتب، مخلص وإن كان مخطئًا معليش بس يكون مخلصصًا، ليش بيجي يقول إن الرسالة الّي ألفها أخونا
[ ٧ / ١٠٥٩ ]
علي ردًّا عليها ويقول هي رسالة الألباني وبعدين يحيد عن الرد عن رسالته إلى الرد على الألباني، لك شو فيه بينك وبين الألباني؟ يهودي هو؟! نصراني هو؟! مجوسي هو؟! .. إلى آخره، غلطان الألباني غلطان متناقض، طيب خليه يؤلف هو في الحديث ستة ألاف حديث صحيح وستة ألاف حديث ضعيف غير الرواة إلى آخره وشوف بعدين شو راح يبين لك من التناقضات، راح تترضوا عن تناقضات الألباني المزعومة، لكن مثل ما بيقولوا العلماء: الشجرة يا جماعة حينما ينضج ثمرها شو ابيصيء فيها؟ يكثر الرماة لها، هذه حقيقة تطبق في كل الأمور سواء كانت مادية أو كانت معنوية، أكبر مثل عندنا أشرف البشر الذين بعثهم الله وهو رسوله - ﵌ - هل سلم من الطعن من أهل بلده في زمانه بعد زمانه إلى اليوم؟ لا يمكن هذا، ونحن شو نحن، نحن فرد من أفراد أمته ﵇ ولذلك فلن نسلم أيش بيقولوا بيت الشعر: ولو حاول العزلة في جبل، حافظ البيتين؟
علي حسن: ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا .. ز وللناس قالٌ
بالظنون وقيلُ ..
الشيخ: آه، خلاصة: فنحن الاجتماع لا تدندن، نحن معك ندندن حولها ندندن، لكن دندن معنا حول الشروط.
مداخلة: بدي أفهم الشروط.
الشيخ: يا أخي مو هو في صدد الكتابة، في صدد التأليف والكتابة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: خليه يكتب علم بدون طعن في الأشخاص.
مداخلة: تسمح لي بنقطة نعتبر هلا إنه مابدوش يؤلف مصنفًا
[ ٧ / ١٠٦٠ ]
الشيخ: لا تكن خياليًّا، كن واقعيًّا أنت ليش عم بتقول نفترض.
مداخلة: لأنه يمكن يمسك عنه.
الشيخ: يا أخي يمكن ما يمسك الله يهديك.
مداخلة: طيب.
الشيخ: احكي في الواقع.
مداخلة: طيب إذا الرجل حكالك وصرحلك حكالك أنا مقبل عليك وإن شاء الله بصفاء نية وقال أشهد الله أني ما بدي إلا الحق، ممكن تجلسوا معه؟
الشيخ: لا قبل ما شوف هالصفاء الّي بيدعييه ظاهرًا على الصفحات البيضاء شو رأيك؟
مداخلة: إن شاء الله
مداخلة: الآن أنت يعني جانب السوء من الشيخ حسن، مش من الردود العلمية وإنما من التطاول مثلًا.
الشيخ: نعم نعم.
مداخلة: يعني هذا.
الشيخ: مع التسامح معك في تسمية كتاباته ردود علمية.
مداخلة: بغض النضر ماشي مش على المواد مثلًا.
الشيخ: أنا جاوبتك.
مداخلة: معليش بدنا نفهم بدنا نحكي للشيخ.
[ ٧ / ١٠٦١ ]
الشيخ: يا أخي إلي بتسأل عنه سبق الجواب قلت لكم خليه يكتب، خليه يكتب ما شاء.
مداخلة: لكن يكون أهذب يعني.
الشيخ: لا مش أهذب، يكون مهذبًا.
مداخلة: تمام يا شيخ سميها مثل ما بدك يا شيخ.
مداخل آخر: اسمح لنا بطلب بسيط .. ياريت حتى تكون هي الجلسة تتفضل علينا تعطينا حديث الرحمة المسلسل بالأولية.
الشيخ: حديث أيش؟
مداخلة: الرحمة المسلسل بالأولية.
الشيخ: آه والله الله ألهمك الصواب الله أكبر الله أكبر على هذا الشيخ الذي يضلل الناس، هذا الحديث عارف شو سوى صاحبكم.
مداخلة: ضعفه بمقدمة ..
الشيخ: تعرف شيوخه شو قالوا عنه؟
مداخلة: شو قالوا عنه؟
الشيخ: أنه حديث صحيح.
مداخلة: لا هو ضعفه هو ضعيف.
الشيخ: لك فاهم، شيوخه شيوخه الغماريين الغماريين صححوا هذا الحديث غير المتقدمين يعني، هذا رجل راكب رأسه واضع هدف مثل الصياد مثل
[ ٧ / ١٠٦٢ ]
العسكري مثل الملاكم بده يوجه ضربة قاضية إلى خصمه، بيستحق ما بيستحق هذا موضوع آخر.
هذا الحديث مثلما قلنا عن حديث: أين الله؟ يعني تلقته الأمة بالقبول، هالّي بيأوله والّي ما بيأوله كلهم على إنه حديث صحيح، حتى الغماريين الّي بيتشرف بالانتساب إليهم، وبيقول شيخنا وبيقول عنده إجازات لا تسمن ولا تغني من جوع، لأنه هذه شكلية محضة المهم هؤلاء في كتبهم المطبوعة صححوا هذا الحديث
مداخلة: يعني حابين نتبارك يعني بالإملاء إنه تملوا علينا أي حديث هيك إذا تحب إذا ترغب.
الشيخ: هو هذا الحديث
مداخلة: يعني حديث الرحمة
الشيخ: أنت تعني المتن ولا السند
مداخلة: الاثنان
الشيخ: نعم؟
مداخلة: الاثنان.
الشيخ: أنا ما عندي هذه الشكليات تبع الأسانيد إذا أنت هذا سؤالك عنها أما الحديث فالرسول ﵇ معروف أنه يقول كما في الترمذي وغيره: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» الآن الأخ كان في العمرة في عندنا هون كتاب للحافظ ابن حجر "المجلس الأول من الأمالي" لابن ناصر الدين الدمشقي هذا في تخريج هذا الحديث والتعليق
[ ٧ / ١٠٦٣ ]
عليه، وجمع طرقه، هذا بعدين عنا هون "الإمتاع للأربعين المتباينة بشرط السماع" للحافظ ابن حجر العسقلاني.
مداخلة: طُبع جديد هذا؟
الشيخ: جديد الظاهر، لكن الليلة جابه أخونا الجاي من العمرة الّي كان في هذيك البلاد، شايف هونا الحافظ ابن حجر أيضا يقوي هذا الحديث فيا جماعة إنسان شاب علمًا شاب خلقًا شاب عن شيوخه.
مداخلة: خلقًا كيف مش فاهمينها؟
الشيخ: الله أكبر الله أكبر يا جماعة اتقوا الله ﷿، العصبية هذه عصبية جاهلية، الصبر له حدود فرجل عم بتشوفوه ..:قال مجسم من أين أخذ هذا، يقول قال المجسم كذا وكذا، بينما أنا في المقدمة هذه يقترح بعض إخوانا انه المقدمة تبع "مختصر اعلو" وحدها كافية لبيان الحق للناس في هذه القضية بيقول عني أنا مجسم؟!
على كل حال إلى لقاء آخر والحديث له شجون.
مداخلة: الله يجزيك الخير، والله أشجانا اليوم الشيخ.
علي حسن: أشجان دفعت الأحزان.
مداخلة: السلام عليكم.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
"الهدى والنور" (الأشرطة ٥٦٦، ٥٦٧، ٥٦٨، ٥٦٩ كاملةً).
[ ٧ / ١٠٦٤ ]
موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر
محمد ناصر الدين الألباني
«موسوعة تحتوي على أكثر من
(٥٠) عملًا ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»
العمل الأول
سلسلة جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة
«تحتوي على ما يقارب ألفي مسألة
وفائدة عقدية مستخرجة من تراث العلامة الألباني بعناية»
(٥)
(الإيمان بالملائكة، عالم الجن،
النبوات، عقيدة أهل السنة في الصحابة)
صَنَعَهُ
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
[ ٨ / ١ ]