[ ٨ / ٥٥ ]
جماع أبواب مسائل متفرقة في عالم الجن
[ ٨ / ٥٧ ]
(تزاوج الإنس والجن)
[١٢٢٦] باب هل يتزاوج الإنس مع الجن؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«لا تقوم الساعة حتى تكثر فيكم أولاد الجن من نسائكم، ويكثر نسبهم فيكم حتى يجادلوكم بالقرآن؛ حتى يردوكم عن دينكم».
(منكر جدًا).
[قال الإمام]:
(فائدة): ذكر الذهبي في «الميزان» من رواية الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد قال: سمعت شيخنا أبا محمد بن عبد السلام السلمي (يعني: عز الدين) يقول - وجرى ذكر ابن عربي الطائي-: «وهو شيخ سوء شيعي كذاب. فقلت له: وكذاب أيضًا؟ قال: نعم؛ تذاكرنا بدمشق التزويج بالجن، فقال ابن العربي: هذا محال؛ لأن الإنس جسم كثيف والجن روح لطيف، ولن يعلق الجسم الكثيف الروح اللطيف. ثم بعد قليل رأيته وبه شجة! فقال: تزوجت جنية فرزقت منها ثلاث أولاد، فاتفق يومًا أني أغضبتها، فضربتني بعظم حصلت منه هذه الشجة، وانصرفت، فلم أرها بعد». وعلق الذهبي ﵀ على تكذيب العز بن عبد السلام للشيخ ابن عربي بقوله: «وما عندي من محيي الدين تعمد كذبًا؛ لكن أثرت فيه الخلوات والجوع فسادًا وخيالًا وطرف جنون».
[ ٨ / ٥٩ ]
والغرض من ذكر هذه الفائدة إنما هو تذكير القراء بأن العلماء يستنكرون أشد الاستنكار إمكانية التزاوج بين الإنس والجن؛ لاختلاف طبيعة خلقهما، حتى اتهموا من ادعى ذلك بالكذب أو بنوع من الجنون، وأحلاهما مر، فما نسمعه في هذا الزمان من أن بعض النسوة يشعرن وهن في فراش الزوجية بالمجامعة ممن لا يرينه، إن هو إلا من وسوسة الشيطان، وتلاعبه ببني الإنسان، ويستغل ذلك بعض أولئك الذين يتعاطون مهنة استخراج الجني من الإنسي، ويرتكبون في أثناء ذلك أمورًا - غير تلاوة القرآن والمعوذات - مما هو غير واردٍ في السنة، مثل: مكالمة الجني وسؤاله عن بعض الأمور الخفية، وعن دينهم ومذهبهم! وتصديقهم في كل ما يخبرون به! وهم من عالم الغيب، لا يمكن للإنس أن يعرفوا مؤمنهم من كافرهم، والصادق من الكاذب منهم، وإذا كان النبي - ﵌ - قد حرم إتيان الكهان وتصديقهم؛ لأنهم ممن يوالون الجن، وهؤلاء كانوا يسترقون السمع ويلقون إلى أوليائهم من الإنس ما استرقوا ويخلطون معه أكثر من مئة كذبة؛ كما في «الصحيح».
أقول: إذا كان إتيان هؤلاء محرمًا؛ فبالأولى أن يكون محرمًا إتيان أوليائهم من الإنس الذين يخاطبون الجن مباشرة ويستخدمونهم، ويقضون لهم بعض مصالحهم، ليضلوهم عن سبيل الله؛ كما كان الأمر في الجاهلية، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦].
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٦٠١ - ٦٠٣).
[ ٨ / ٦٠ ]
[١٢٢٧] باب منه
«إذا جامع الرجل ولم يسم؛ انطوى الجان على إحليله، فجامع معه، فذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَان﴾ [الرحمن:٥٦]».
(منكر مقطوع).
أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (٢٧/ ٨٨): حدثني محمد بن عمارة الأسدي: ثنا سهل بن عامر: ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال:. . . فذكره موقوفًا عليه.
واعلم أن إيرادي لهذا الأثر في هذه «السلسلة» - وإن كان ليس من شرطي، فقد وجدت نفسي مضطرًا لتخريجه والكشف عن وهائه -؛ لأنني رأيت بعض العلماء من المفسرين وغيرهم قد ساقوه مساق المسلمات؛ كالقرطبي في «جامعه» (١٠/ ٢٨٩)، والشوكاني في «فتح القدير» (٣/ ٢٣٣)، والآلوسي في «روح المعاني» (١٤/ ١١٩)! وفسروا به قوله تعالى لإبليس الرجيم في سورة الإسراء: ﴿. . . وَشَارِكْهُمْ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ بل وكذلك الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٢٢٩) لما ذكر اختلاف العلماء في تفسير قوله - ﵌ -: «لم يضره شيطان أبدًا»؛ في دعاء إتيان الرجل أهله (١)، فكان آخر ما ذكر منها قوله: «وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد. . . (فذكره. وقال): ولعل هذا أقرب الأجوبة»!
فأقول: قوله: «كما جاء. . .» بصيغة الجزم؛ يخالف حال إسناده! فكان
_________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عباس، وهو مخرج في "الإرواء" (٢٠١٢). [منه].
[ ٨ / ٦١ ]
الواجب على الحافظ أن يشير إلى ذلك بقوله: «كما روي»؛ كما هو المقرر في المصطلح، وكما هي عادته الغالبة، ولكن غلبته طبيعة كل إنسان، والكمال لله وحده.
على أنه لو صح ذلك عنه؛ فهو مقطوع موقوف عليه، فلا حجة فيه، ولو أنه رفعه؛ لكان مرسلًا، والمرسل ضعيف عند المحدثين، ولا سيما في مثل هذا الأمر الغيبي الغريب، وهذا كله لو صح السند بذلك إليه، فكيف وهو مقطوع واهٍ؟! وقد أشار العلامة الآلوسي إلى رده بقوله: «ثم إن دعوى أن الجن تجامع نساء البشر جماعًا حقيقيًا مع أزواجهن إذا لم يذكروا اسم الله تعالى غير مسلّمة عند جميع العلماء، وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ غير نصٍّ في المراد كما لا يخفى».
وما قاله من التعميم مخالف لما تقدم، ووقع في وهم آخر، وهو أنه نسب أثر مجاهد للحسن أيضًا - وهو البصري -؛ قرنهما معًا!
وهذا خطأ؛ فإن أثر الحسن ذكره الحافظ قبيل أثر مجاهد بلفظ آخر نحو حديث ابن عباس المشار اليه آنفًا؛ إلا أنه قال في آخره: «فكان يرجى إن حملت أن يكون ولدًا صالحًا». وعزاه الحافظ لعبد الرزاق، وهو في «مصنفه» (٦/ ١٩٤/١٠٤٦٧) بسند صحيح عنه.
ثم إن الآلوسي - ﵀ - جاء بغريبة أخرى؛ فقال: «ولا شك في إمكان جماع الجني إنسية بدون أن يكون مع زوجها الغير الذاكر اسم الله تعالى، ويدل على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بن داود الزبيدي قال: كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجن، وقالوا إن هاهنا رجلًا من الجن يزعم أنه يريد الحلال؟ (!) فقال: ما أرى بذلك بأسًا في الدين؛ ولكن أكره إذا وجدت امرأةُ
[ ٨ / ٦٢ ]
حامل قيل: من زوجكِ؟ قالت: من الجن! فيكثر الفساد في الإسلام».
ووجه الغرابة استدلاله على الإمكان المذكور بهذا الأثر عن مالك! وهو باطل - في نقدي - سندًا ومتنًا.
أما السند؛ فإن سعيد بن داود الزبيدي ضعفه ابن المديني، وكذبه عبد الله ابن نافع الصائغ في قصةٍ مذكورة في ترجمته في «تاريخ بغداد» و«التهذيب». وقال الحاكم: «روى عن مالك أحاديث موضوعة». وقال الخطيب وغيره: «حدث عن مالك، وفي أحاديثه نكارة». وقال ابن حبان في «الضعفاء» (١/ ٣٢٥): «لا تحل كتابة حديثه إلا على جهة الاعتبار».
وأما المتن؛ فإني أستبعد جدًا - على فقه الإمام مالك - أن يقول في تزويج الإنسية بالجني: «ما أرى بذلك بأسًا في الدين»! ذلك لأن من شروط النكاح - كما هو معلوم - الكفاءة في الدين على الأقل. فلا يجوز تزويج مسلمة بكافر، بل ولا بفاسق، فمن أين لوليها وللشهود أيضًا أن يعلموا أن هذا الجني كفؤ لها، وهم لا يعرفونه؟! فإنه قد ظهر لهم بصورة رجل خاطب وجميل! ولا يمكن رؤيته على حقيقته بنص القرآن.
وقد يتمثل بصورة أخرى إنسانية أو حيوانية، وحينئذٍ كيف يمكن تطبيق الأحكام المعروفة في الزوجين - كالطلاق والظهار والنفقة وغيرها - مع اختلاف طبيعة خلقهما؟! تالله! إنها من أغرب الغرائب أن يخفى مثل هذا البُطل - بل السُّخف - على العلامة الآلوسي - غفر الله لنا وله -. وأغرب من ذلك كله قول ابن تيمية في رسالة «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» (ص١٢٥ - مجموعة الرسائل المنيرية): «وقد يتناكح الإنس والجن، ويولد بينهما ولد، وهذا كثير
[ ٨ / ٦٣ ]
معروف»!! وأقول: نعم؛ هو معروف بين بعض النسوة الضعيفات الأحلام والعقول، ولكن أن الدليل الشرعي والعقلي على التوالد أولًا، وعلى التزواج الشرعي ثانيًا؟! هيهات هيهات! وقد علمت مما ذكرته تحت الحديث السابق قبل هذا إنكار العز بن عبد السلام والذهبي على ابن عربي الصوفي ادعاءه أنه تزوج جنية!! وأنه رزق منها ثلاثة أولاد!! وأنه لم يعد يراها فيما بعد!!! وانظر كلام المازري المبطل لدعوى ابن عربي فيما يأتي تحت الحديث التالي، وهو من الأحاديث التي تساعد على تصديق خرافة التزاوج بين الإنس والجن.
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٦٠٣ - ٦٠٨).
[١٢٢٨] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«كان أحد أبوي بلقيس جنيًا».
(منكر).
[قال الإمام]:
وقال الماوردي: «والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول؛ لتباين الجنسين واختلاف الطبْعين، وتفارق الحِسَّين؛ لأن الآدمي جسماني والجن روحاني، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمتنع الامتزاج مع هذا التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف».
حكاه القرطبي عنه (١٣/ ٢١٣)، ثم رده بما لا يسمن ولا يغني من جوع فقال: «العقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك».
[ ٨ / ٦٤ ]
فأقول: نعم العقل لا يحيله، ولكنه أيضاَ لا يدركه؛ بل إنه يستبعده كما تقدم، فالإيمان به يتطلب نصًا صحيحًا صريحًا، والخبر الذي أشار إليه لا يصح، وهو حديث أبي هريرة هذا. ثم أشار إلى أثر مجاهد المخرج قبله، وقد عرفت نكارته، وإلى النص القرآني: ﴿وَشَارِكْهُمْ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾، وسبق جواب العلامة الألوسي عنه تحت الأثر المذكور.
ثم رأيت الآلوسي قد صرح بإنكار حديث الترجمة؛ فقال بعد أن ذكره وقول أبي حيان المتقدم: «والذي ينبغي أن يعول عليه عدم صحة الخبر». ثم ذكر قول أبي حيان المتقدم، وزاد: «. . . وأن ما ذكر من الحكايات أشبه شيء بالخرافات؛ فإن الظاهر على تقدير وقوع التناكح بين الإنس والجن الذي قيل؛ يصفع السائل عنه؛ لحماقته وجهله أن لا يكون توالد بينهما».
وأقول: عبارته من قوله: «يصفع. . .» إلخ؛ غير سليمة؛ فإن السائل لم يذكر في السياق! فلينظر.
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٦٠٨ - ٦١١).
[١٢٢٩] باب منه
سؤال: هل زواج المسلم صحيح العقيدة الواعي بدينه، هل زواجه من إحدى فتيات الجن، هل هذا ممكن يحدث؟ وإن كان ممكن حدوثه هل هذا حلال أم حرام أم مكروه؟
الشيخ: رحم الله البخاري لما سئل عن الخضر أحي هو أم ميت؟ قال: من أحالك على غائب فما أنصفك، وماذا نعلم الجن ما الجن؟ ورجل يتزوج من امرأة جنية، ماذا سيكون حال النسل إنس أو جن أو إذا غلب ماؤها ..
[ ٨ / ٦٥ ]
هذا يذكرنا بترجمة محيي الدين بن عربي النكرة في كتاب «الميزان» للإمام الذهبي، بعد ما ترجمه بما كان عليه من الانحراف في تصوفه، يقول: كان يقول بعدم إمكانية تزاوج الإنس مع الجن، قال: فرئي يومًا وقد عصب جبينه، فلما سئل عن ذلك قال: اختلفت أنا وزوجتي الجنية فضربتني بالقبقاب في رأسي فَفَجَّتْني، فهذه العصابة لأن زوجته الجنية ضربته، فاعتبر ذلك الإمام الذهبي غمزًا في صدقه، وأنت كنت تقول قبل أيام أن هذا لا يمكن، خلق من طين وخلق من نار، فما بالك الآن تقول: أن زوجتك الجنية ضربتك بالقبقاب، الله أعلم عن القبقاب.
"الهدى والنور" (١٣/ ١٩: ٠٥: ٠٠)
[١٢٣٠] باب هل الجن يُحرِقون البيوت؟
وكلام حول استحالة التزاوج بين الإنس والجن
السائل: رجل [بيته] حُرِقَ وهو يدّعي يعني من خلال الكلام أن الذي أحرقوه هم الجن، فأتوا بمشائخ متخصصين في المجال هذا .. أشوف أبو أنس الآن مع أنه حضر فما رأيك أبو أنس.
مداخلة: يفعلون وقد أحرقوا بيت أحد إخواننا الأفاضل .. كان يرقي فاحترق بيته بدون أي سبب، ما رأى إلا النار شبّت فيه، حتى الذين دخلوا على البيت وجدوا النار ما لها تحليل مادي.
الشيخ: لو قال لك قائل أو سألك سائل كيف عرفت أن هذا من صنع الجن؟
مداخلة: ما فيه تحليل إلا تجربة.
الشيخ: أعجبتك كلمة التجربة، صارت لك مستند دائمًا تلجأ إليها .. ما هو الجواب؟
مداخلة: شيخنا الذي يعالج يتعرض لأذى من الجن.
الشيخ: ما هو الجواب؟
[ ٨ / ٦٦ ]
مداخلة: ما في جواب مادي يقنع به إلا التصديق ..
الشيخ: هذه صارت صوفية .. صارت صوفية ذوقية يعني.
مداخلة: ما هناك سبب شيخنا ..، ما هناك أي سبب .. ما هناك سبب ظاهر.
الشيخ: بارك الله فيك.
مداخلة: سبب ظاهري نعم.
الشيخ: الأسباب قسمين: أسباب ظاهرية وأسباب خفية صح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ومن أجل خاطرك فيه أسباب مادية وفيه أسباب روحية، صحيح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: حتى أنا أحكي ..
مداخلة: ما هو سبب القسمة؟
الشيخ: نعم؟
مداخلة: قسمتك.
الشيخ: أنا قسمت القسمة هذه من أجل خاطرك أنت، من أجل أكون قريب دائمًا منك.
[ ٨ / ٦٧ ]
مداخلة: الله يبارك فيك.
الشيخ: أن الأسباب المادية قسمين: ظاهرة وخفية، ثم في أسباب روحية ومعنوية، هذه الأسباب المعنوية منها الأرواح ومنها الجان الذي وصفه الرحمن في القرآن ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف:٢٧) فإذا واحد قال: هذا مر الشيطان من هنا مثلًا أو جني، ما هو موقفنا؟
مداخلة: لا نصدق.
الشيخ: أنا أراك غير صريح مثلي، أنا أحكي من يمَّك وأنت لماذا لا تحكي من يمَّي؟ لا نصدق أو نكذّب.
مداخلة: نكذّب.
الشيخ: نكذّب، بل فيه فرق بين نكذّب وبين لا نصدّق صح؟
مداخلة: صح.
الشيخ: طيب، إذًا لا نصدق أو نكذّب؟
مداخلة: نكذّب.
الشيخ: الآن إذا قال لنا قائل: هذا بيت هناك احترق سببه جني، نصدّق أم نكذّب؟
مداخلة: نكذّب.
مداخلة: لا بأس بس شيخنا هنا وقفة .. هنا أنا ألزم أوقف.
الشيخ: وأنا أوقف معك.
[ ٨ / ٦٨ ]
مداخلة: فيها تفصيل: الأخ هذا الذي احترق بيته معروف بِتَصَدِّيْهِ للجن.
الشيخ: معروف بماذا؟
مداخلة: بتصديه للجن.
الشيخ: ماذا؟
مداخلة: بتصديه.
الشيخ: بتصديه للجن.
مداخلة: نعم هو دائمًا في حرب معهم.
الشيخ: هذا أشكل.
مداخلة: فلذلك هم يؤذونه.
الشيخ: هذه أشكل.
الشيخ: أنا أعرف هو ماذا يعني.
مداخلة: هو عندما يضرب الجني يستخدم الكهرباء معه ويقتل بعض الجن.
مداخلة: فيه جن قُتلوا على يديه؟ قتل الجني على يديه شيخنا؟
الشيخ: ما هي أشكل وأشكل وأشكل.
السنة مما يتعلق بالغيبيات ومنهم الملائكة والجن يجب الإيمان، التوسع في ذلك لا، الآن سوف يكون معنا توسع منافٍ للشرع، أن نقول إذًا أي اتصال بين الجن والإنس هذا ننكره! لا، ليس أي اتصال، إنما المناكحة والمجامعة.
مداخلة: الاتصال.
[ ٨ / ٦٩ ]
الشيخ: سأبين لك، وكما يقال لا توصي حريص، هناك عندنا نصوص تبين أنه يمكن للإنسي أن يمسك جني، ويصرعه ويتغلب عليه، لكن هذا الجني يكون متمثل بصورة غير صورته الحقيقية، فالله ﷿ قال في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف:٢٧) لا ترونهم كما خلقهم الله، لكن هم عندهم استعداد أن يتطوروا ويتلبسوا بأشكال وألوان، قبل أن تأتي أنت كنا نتحدث عن موضوع قتل الأفاعي والحيايا، فجاءنا تفصيل وهو أن المسلم إذا رأى في داره حية فلا ينبغي أن يقتلها، بل عليه أن ينذرها ثلاث مرات، لماذا؟ لأن الرسول ﵇ قال: «إن في المدينة أقوامًا أيضًا من الجن فإذا رأيتم جانًا -يعني أفعى أو حية- فأنذروها ثلاثًا، فقد تكون من الجن الذين أسلموا من المدينة» (١)، هذا شيء والشيء الثاني، أو لعل هذا هو سبب هذا الحديث أن رجلًا من الأنصار من الشباب .. شباب الأنصار تزوج وخرج من داره، عندما رجع وإذا بعروسته في الباب، لا هي تستطيع أن تدخل الدار ولا هي تستطيع أن تخرج من الدار؛ لأن كان لديهم شرف وحياء، لكن ما تستطيع أن تدخل الدار، فَهَمَّ بطعنها، قالت له: تريث ادخل الدار وانظر ما فيها، وإذا هناك حية مكورة على نفسها كبيرة، فما كان منه إلا أن طعنها بالرمح، قال: فلا ندري أيهما كان أسرع موتًا من الآخر الحية أم الشاب الأنصاري المتزوج حديثًا، فقال ﵇ الحديث السابق، أي أن هذه الحية التي كانت متكورة في الدار هي من الجن، ولذلك لما هو طعنها الجن طعنوه وقتلوه، فهذه حوادث بارك الله فيك تفصيلية لبعض هذه الأمور الغيبية، فما صح منها آمنا به، كذلك مثلًا قصة حراسة أبي هريرة وغيره من
_________________
(١) "صحيح مسلم" (رقم٥٩٧٦).
[ ٨ / ٧٠ ]
الصحابة لبيت التمر تبع زكاة الصدقة، كان يحرس ليلًا وإذا بشخص يأخذ من التمر ويضع في ذيله ويريد أن ينطلق، فهجم عليه طبعًا هذا سيأتي صراحة أنه شيطان جني، لكنه متمثل، فهم أبو هريرة أن يأخذه ويسلمه للرسول على اعتبار أنه سارق، قال: دعني وتَدَخَّل عليه وتَشَفَّق عليه أن لديه عيال وأطفال وإلى آخره، تركه، الصباح حكى القصة للرسول قال: إنه شيطان، وسيعود إليك وفعلًا عاد بلا طول سيرة الليلة الثانية والليلة الثالثة، وكل مرة أبو هريرة يلقي القبض عليه، في المرة الثالثة عندما عزم أبو هريرة أن يسلّمه للرسول قال: دعني وأنا أعلمك فائدة تقرأ كل ليلة حينما تضع جنبك للنوم آية الكرسي لا يضرك شيء في تلك الليلة من إنس أو جن، فكأنه صدّق كلامه وتركه، وعندما أصبح الصباح وقص له القصة للرسول قال: صدقك وهو كذوب، فذهبت مثلًا.
الشاهد هنا أنه صار بينهم اتصال، فلا ننكر نحن هذا الاتصال، ننكر التزاوج والتناكح الذي يرد عليه إشكالات كثيرة وكثيرة جدًا، هذا الذي نحن فيه، فهنا لا يصير إفراط وتفريط، ناس أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يضيعون نصوص واردة في الشرع وناس يزيدون على النصوص الواردة في الشرع، وإنما الحق ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:٦٧) نثبت ما أثبته الشرع وننفي ما نفاه الشرع.
مداخلة: [قول رب] العالمين ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (الرحمن:٥٦).
الشيخ: كيف
مداخلة: يعني قول رب العالمين عن الحور العين: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (الرحمن:٥٦) فيستدلون بهذه على جواز الاتصال الجنسي بين الإنس والجن.
[ ٨ / ٧١ ]
الشيخ: هل حور العين من الإنس؟
مداخلة: نعم؟
الشيخ: هل حور العين من الإنس؟
مداخلة: المهم أنها ليست من الإنس.
الشيخ: إذًا ما وجه الاستدلال؟
مداخلة: هذا كذلك غيب يعني نسكت عنه.
مداخلة: بعضهم يستدلون بهذه الآية على أن الإنس يطئون الحور العين.
الشيخ: أين العموم؟
مداخلة: هم يستدلون بهذا.
الشيخ: أين .. أين؟ أنت تقول عنهم ما يطأه الإنس، هذا العموم هذا من أين أتى؟
مداخلة: أنا ناقل عنهم فقط.
الشيخ: وما فائدة هذا النقل؟ أنت تقول ..
مداخلة: من وجه الاستدلال لهم.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: قلت له ما وجه الاستدلال ما قال لك.
الشيخ: وأنت الآن بيّنت وجه الاستدلال؟
مداخلة: نعم هم يقولون ..
[ ٨ / ٧٢ ]
الشيخ: هذا ليس بيان، فأنت تقول ما يقولون.
مداخلة: أنا أبيّن وجه الاستدلال لهم، الذين يقولون به.
الشيخ: وَرَدَ عليهم مثل ما وَرَدَ عليك، العموم الذي يستدلون به من أين
أتوا به؟
مداخلة: فهمًا منهم للآية.
الشيخ: يا أخي من أين أتوا به، فهمًا نعم، لكن من أين أتوا به؟ يعني هذه قضية عينية ذاتية.
مداخلة: نعم.
الشيخ: تفيد أن الحور العين ممكن يطأهن الجان كالإنس.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فأنا أبطلت الاستدلال قلت له: هل الحور العين إنس؟
مداخلة: لا ليس إنس.
الشيخ: طيب وهذا يقال نفسه الكلام لك، فإذًا لا فائدة من هذا الكلام لأنه من باب واحد.
مداخلة: شيخنا.
الشيخ: نعم.
مداخلة: الجني عندما يتشكل بصورة الإنسي كما في حديث أبي هريرة في الصدقات ألا يمكن أن يطأ إنسية في هذه الحالة؟
[ ٨ / ٧٣ ]
الشيخ: لا يمكن؛ لأنه لن يبقى بهذه الصورة سيتطور ..
مداخلة: في الوقت هذا وهو إنسي.
الشيخ: فهمت في الوقت هذا ما بده يجيب ذرية ويصيبة ما أصاب ابن عربي ونحو ذلك، هذا كله توسع في الغيبيات ولا يجوز، التوسع في الغيبيات لا يجوز.
مداخلة: طيب يا شيخ [من باب الإمكان]؟
الشيخ: يعني عندما تقول أنت من باب الإمكان .. باب الإمكان واسع جدًا.
مداخلة: [يروي عن مالك] سئل عن امرأة تزعم أنها حامل من الجن، فالإمام مالك قال كلامًا معناه بإمكانية الاتصال ولكن قال: أوكلما جاءتنا امرأة زنت فزعمت أن الجن وقع عليها صدقناها؟ ممكن هذا يفيد في نفس البحث.
الشيخ: انقد كلام مالك ما الذي يؤخذ منه؟
مداخلة: يؤخذ منه ليس كل دعوى يدعي إنسان بأن له اتصال بالجن وبأن فيه تزاوج وكذا يصدق، مع إمكانية وقوع ذلك عند مالك.
مداخلة: .. الإمكانية من كلامه.
الشيخ: هذا الذي نريد أن نصل إليه، يقول هو من جهة قال ملفتًا للنظر أنه نقل عن مالك، والله أعلم بصحة النقل (١)، ثم لو ثبت عن مالك نقول ما هو الدليل على ذلك ما دام الكتاب والسنة لا يتكلم عن هذا الأمر الغيبي؟
مداخلة: شيخنا السيوطي في الأشباه والنظائر.
الشيخ: في؟
_________________
(١) تقدم ضعفه عن الإمام قبل قليل.
[ ٨ / ٧٤ ]
مداخلة: «الأشباه والنظائر» الكتاب الفقهي يقول في باب زواج الإنسي من الجنية، فيقول: والظاهر من مذهبنا أنه حرام، واستحالة وقوعه كقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم:٢١] قال: لفظ أنفسكم دلّت بمنطوقها على حرمة واستحالة وقوع هذه الزواجة، ما أدري إن كان هذا يعني ..
الشيخ: الأشباه النظائر؟ كلام جميل وسليم؛ لأن الجن ليسوا من طبيعتنا ومن أنفسنا.
"الهدى والنور" (٦٢٨/ ٠٧: ٣٣: ٠٠) و(٦٢٨/ ٢٦: ٤٦: ٠٠)
[١٢٣١] باب هل يمكن التزاوج بين الإنس والجن؟
وهل يمكن تلبس الجن بالإنس؟
سؤال: ما علاقة الإنس بالجن؟ هل يمكن للإنسي أن يتزوج جنيةً أو يرى جنيًّا أو يلبس جني إنسيًّا؟
الشيخ: يمكن أن يكون هناك علاقة ما بين إنسي وجني، وليس يهمنا هل هذا من الممكن واقعًا أو لا، إنما المهم هل هذه العلاقة إن كانت ممكنة يجوز للمسلم أن يحققها، هذا هو المهم، نحن مثلًا: لا يزال بعض الناس يشكون في وصول الكفار اليوم إلى القمر بالذات، إلى غيره من الكواكب، نحن لا يهمنا هذا ممكن أو غير ممكن، لكن نقول: هل هذا يجوز شرعًا أم لا؟ نقول: إذا وقع جاز، هذا المثال الأخير الذي أنا آتي به.
أما ما جاء من اتصال الإنس بالجن إن وقع فلا يجوز، هذا هو المهم أن نعرف الحكم الشرعي؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن:٦) وجاء في صحيح البخاري وغيره أن
[ ٨ / ٧٥ ]
الكهان في الجاهلية كانوا لهم قرناء من الجن، وأن القرين من الجن كان يصعد إلى السماء ويسترق السمع مما يجري هناك بين الملائكة فيختطف الكلمة وينزل بها فيقرها ويلقيها في أذن قرينه من الإنس لكنه يكون قد زاد فيها تسعة وتسعين كذبة، فيحدث هذا القرين الإنسي بني جنسه من البشر بمائة خبر أوحى ذلك إليه قرينه من الجن خبرًا واحدًا صحيحًا؛ لأنه سمعه من الملائكة، وبقية المائة كله كذب، فيصدق في الخبر الواحد ويكذب في سائر الأخبار.
كان هذا الاتصال بين الإنس والجن سبب استغلال الإنس من هذا القبيل من الإنس بالجن، وهذا كما يقال يعيد التاريخ نفسه في هذا الزمن، فلا بد أنكم قرأتم في الجرائد والمجلات وخاصة مجلة المسلمون أخيرًا حيث تابعت هذا الموضوع بشيء من السعة والفائدة فالشاهد: نعتقد يمكن - أخيرًا أقول -: أن يتصل الإنسي بالجني، لكن هذا لا يعني جواز ذلك، كما أنه يمكن لرجل مسلم أن يتصل بالمرأة الكافرة، لكن هل يجوز شرعًا؟ طبعًا لا يجوز شرعًا.
إذا عرفنا هذا فهناك أمور تذكر في التاريخ يثبت إمكان اتصال الإنسي بالجني والتزاوج أيضًا لكن هذا يعود إلى خبر أولئك الذين يدعون التزاوج بينهم وبين الجنية مثلًا، لقد ذكر الحافظ الدمشقي ابن الذهبي في كتابه: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، في ترجمة محمد بن محمد بن عربي - وليس ابن العربي - بن عربي النكرة وهو صاحب الكتب الممتلئة بالضلال كمثل الفتوحات المكية وفصوص الحكم ونحوها، ذكر في ترجمته ما في كتبه من الشطحات التي يسمونها الصوفية بالشطحات، ونحن نقول: ما فيها من الضلالات والكفريات.
ثم ذكر أنه كان من اعتقاده أنه لا يمكن للإنسي أن يتزاوج في الجني، فَرُئي يومًا وقد شد رأسه بعصابة، فقيل له: ما بالك؟ قال: تزوجت امرأة من الجن
[ ٨ / ٧٦ ]
فاختلفت أنا وإياها فرمتني بالقبقاب، تعرفون القبقاب؟ النعل الخشبي، فرمته زوجتها الجنية بالقبقاب فشجته ولذلك هو عصب رأسه.
يلمح المترجم الفاضل الذهبي إلى أن هذا الرجل في الوقت الذي كان يعتقد أنه لا يمكن الاتصال والتزاوج بين الإنس والجن إذا به يقول إنه تزوج امرأة ووقع بينهم هذا الخلاف حتى شجته في رأسه.
فالشاهد الذي يهم من هذا السؤال: هو أن نعرف أن الاتصال وتعلق الإنس بالجن ممكن بالنظر إلى الآية والحديث وبعض الحوادث التاريخية، لكن ذلك لا يجوز إسلاميًا لما فيه من استغلال اتصالهم بالجن للإنس والانحراف بهم عن جادة الشرع.
ختامًا أقول من أجل ما سبق: قال الرسول - ﵌ -: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (١).
"فتاوى الإمارات" (٩/ ٠٠:٠٦:٤١).
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٥٩٣٩).
[ ٨ / ٧٧ ]
(رؤية الجن)
[١٢٣٢] باب هل يمكن أن يرى الإنسان قرينه من الجن؟
سؤال: هل من الممكن أن يرى الإنسان الجن تبعه؟
الشيخ: لا. لا يمكن.
"الهدى والنور" (٣٢٣/ ١٩: ٢٦: ٠٠)
[١٢٣٣] باب هل يظهر القرين عيانًا؟
سؤال: يقول السائل: لكل إنسان قرين فهل يمكن ظهور القرين عيانًا بشكل حقيقي أو بغيره؟
الشيخ: الله أعلم، يمكن أن يظهر الجني بصور مختلفة هذا أمر مقطوع، أما والسؤال في القرين فما عندنا جواب؛ لأنه ما جاءنا شيء في هذا.
مداخلة: هل حقيقة أو خيال [أنه] يظهر بعد مقتل هذا الرجل؟
الشيخ: لا هذي خرافة نعم.
مداخلة: نعم.
"الهدى والنور" (٢١٥/ ٢٤: ١٥: ٠٠).
[١٢٣٤] باب هل صح أننا نرى الجن يوم القيامة وهم لا يرونا؟
سؤال: هل صح أن الجن يوم القيامة نراه ولا يرانا أي عكس في الدنيا؟
الشيخ: ما صح.
"الهدى والنور" (٣٢٦/ ٠٩: ٣٢: ٠٠).
[ ٨ / ٧٨ ]
[١٢٣٥] باب معنى قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف:٢٧)
سؤال: [ما معنى آية إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم]؟
الشيخ: الآية السابقة معناها على ضوء ما جاء في السنة من مثل هذا الحديث الصحيح معناها: ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف:٢٧) على صورهم التي خلقهم الله عليها، أما صورهم التي يتشكلون بها ممكن أن يروا بها، لكن هذه الصورة لا تُعَرِّف الإنس بشخصية صاحب الصورة؛ لأنه متلون ومتلبس بصورة أخرى، على هذا يحمل حديث أبي هريرة وما شابهه، يعني: هذا الشيطان الذي تحول إلى شخص كبني الإنسان حتى تمكن الإنسان وهو: أبو هريرة أن يلقي القبض عليه وأن يهدده بأنه سارق وأنه سيرسله إلى الرسول ﵇، فيجري بينه وبين أبي هريرة ذاك الاستعطاف بأنه فقير وذو عائلة، فيطلب منه بأن يطلق سبيله، فحن قلبه عليه وأطلق سبيله، ولما أصبح الصباح وقص أبو هريرة القصة على رسول الله - ﵌ - قال: «إنه شيطان، وإنه سيعود إليك» وفعلًا عاد إليه مرتين أخريين.
وفي المرة الثانية أيضًا رق قلبه عليه وأطلق سبيله، في المرة الثالثة قال: لن أدعك؛ لأن الرسول ﵇ قال لي: إنك شيطان، قال: دعني وأنا أعلمك آية إذا تلوتها قبل نومك فإنه لا يضرك في تلك الليلة إنس ولا جان: آية الكرسي.
الظاهر أن الزمن الأول كانت القلوب غير قلوبنا كانت يعني: تصدق بسهوله، نحن مثلما أنت ترى الآن سؤال بعد سؤال، ونقاش بعد نقاش، فدخل في عقله أن هذا الكلام صحيح فتركه وهو على علم أن هذا شيطان، والشيطان عدو مبين للإنسان، كيف دخل في عقله؟ هكذا! فلما أصبح ولقي الرسول ﵇
[ ٨ / ٧٩ ]
وحدثه بما جرى بينه وبين الشيطان قال: «صدقك وهو كذوب».
فالشاهد: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف:٢٧) على خلقتهم الطبيعية التي خلقهم الله عليها، أما إذا تصوروا ببعض الصور الأخرى فهذا ممكن أن يروه عليها، لكن كما قلت هذه الرؤية لا تحدد شخصية المرء أمام الإنسان، فقد يتمثل بصورة أخرى، من هذا القبيل الحيات التي تخرج في الدور فإنها قد تكون من الجآن؛ لأنه تصور بصورة الجآن.
ولهذا جاء الأحاديث تنهى المسلم عن قتل الجآن الذي يخرج في الدور، إلا بعد الإنذار ثلاث مرات، وكان ذلك بعد حادثة ذاك الشاب الأنصاري الذي كان حديث عهد بالعرس، فخرج من داره ثم عاد إليها وإذا زوجته على باب الدار فأخذته الغيرة الله أكبر! اليوم يخرجن سافرات ومتبرجات في الأزقة وبخاصة الرجال والشباب ولا حراك ولا غيرة ولا إحساس، هذا مجرد ما رآها واقفة على باب الدار فأخذها ليطعنها بالسهام التي كانت معه أو الحربة، قالت: اصبر ادخل الدار وانظر، فدخل في الدار وإذا بأفعى غليظة متكورة على نفسها على فراشها، وتعرف النساء يعني: يخفن جدًا فهي تركت الدار، لا هي تقدر تدخل في الدار ولا هي تقدر تشرد مثل ما يفعلوا اليوم يعني: خاصة بمثل هذا العذر، فهي واقفة على باب الدار.
مداخلة: كانت يا شيخنا يعني: بشعرها.
الشيخ: لا يوجد شيء واضح ألا يكفي بروزها إلى باب الدار، الشاهد: فدخل ورأى هذا المنظر فما كان منه إلا أن طعنها، يقول راوي الحديث: فما ندري أيهما كان أسرع موتًا من الآخر، الأنصاري مات والحية ماتت، فلما وصل الخبر إلى الرسول ﵇ قال: «إن أقوامًا من الجن في المدينة، فإذا رأيتم شيئًا من
[ ٨ / ٨٠ ]
ذلك فأنذروهم» هذا يؤيد أن الجن يتصور ويتشكل.
الآية إذًا تفسَّر على المعنى الذي لا يتصادم مع هذه الحوادث والوقائع الصحيحة.
(الهدى والنور (١٧٢/ ٥٠: ١٤: ٠٠)
[١٢٣٦] باب هل يطلق على الملائكة أنهم جن لأنهم لا يُرَون
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يا جبريل! ما لي أراك متغير اللون؟! فقال: ما جئتك حتى أمر الله ﷿ بمفاتيح النار. فقال رسول الله - ﵌ -: يا جبريل! صف لي النار، وانعت لي جهنم! فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداءً مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها.
والذي بعثك بالحق! لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم؛ لمات من في الأرض كلهم جميعًا من حره. والذي بعثك بالحق! لو أن ثوبًا من ثياب النار علق بين السماء والأرض؛ لمات من في الأرض جميعًا من حره. والذي بعثك بالحق! لو أن خازنًا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا، فنظروا إليه؛ لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه. والذي بعثك بالحق! لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا؛ لا رفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى السفلى. فقال رسول الله - ﵌ -:حسبي يا جبريل! لا ينصدع قلبي فأموت. قال: فنظر رسول الله - ﵌ - إلى جبريل وهو يبكي. فقال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به؟! قال: وما لي لا أبكي! أن أحق
[ ٨ / ٨١ ]
بالبكاء؛ لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به إبليس؛ فقد كان من الملائكة. وما يدريني لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت. قال: فبكى رسول الله - ﵌ -، وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا أن: يا جبريل! ويا محمد! إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصياه.
فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله - ﵌ -؛ فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون؛ فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟! فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿. فنودي: يا محمد! لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرًا، ولم أبعثك معسرًا. فقال رسول الله - ﵌ -: سددوا وقاربوا».
(موضوع).
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٢٧٥٠ - مصورتي) من طريق الحكم بن مروان الكوفي قال: أخبرنا سلام الطويل عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن عدي بن عدي الكندي قال: قال عمر بن الخطاب: جاء جبريل إلى النبي - ﵌ - في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله - ﵌ -، فقال: فذكره. وقال: "لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به سلام".
قلت: قال الهيثمي (١٠/ ٣٨٧):"وهو مجمع على ضعفه".
قلت: بل اتهمه بعضهم بالكذب. بل قال ابن حبان (١/ ٣٣٩):"يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها". وقال الحاكم: "روى أحاديث موضوعة".
[ ٨ / ٨٢ ]
قلت: وهذا في نقدي من موضوعاته؛ فإن قوله عن إبليس: "كان من الملائكة"؛ مخالف لقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
ولا يصح تفسير الآية بأن المراد الملائكة وأنه أطلق عليهم (الجن)؛ لأنهم لا يرون؛ لأن القرآن والسنة مصرحان بأن إبليس خلق من نار، والحديث يصرح بأن الملائكة خلقت من نور.
وكذلك ذكره فيه هاروت وماروت، فيه إشارة إلى قصتهما المعروفة مع الزهرة، وهي من الإسرائيليات الباطلة التي لا يصح نسبتها إلى النبي - ﵌ -؛ كما تقدم برقم (١٧٠، ٩١٢،٩١٣).
"الضعيفة (١١/ ٢/٦٧٢ - ٦٧٥).
[ ٨ / ٨٣ ]
(استراق السمع)
[١٢٣٧] باب كيف تسترق الشياطين السمع
عن عائشة زوج النبي - ﵌ -: سأل ناس النبي - ﵌ -: عن الكهان؟ فقال لهم: «ليسوا بشيء». فقالوا: يا رسول الله! فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقًا؟ فقال النبي - ﵌ -: «تلك الكلمة [من الحق] يخطفها الشيطان، فيقرقره بأذني وليه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيه بأكثر من مائة كذبة».
(صحيح).
[قال الإمام]:
(فائدة): في رواية أخرى صحيحة بيان كيفية خطف الشيطان للكلمة، وهي بلفظ:
«إن الملائكة تنزل في العنان (وهو السحاب)، فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيذكرون معها مائة كذبة من عند أنفسهم».
أخرجه المؤلف [أي البخاري] في " الصحيح" (٢٢١٠) والطبري في "التفسير" (٢٣/ ٢٦).
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢٣٧).
[ ٨ / ٨٤ ]
(قرين النبي - ﵌ -)
[١٢٣٨] باب كيف أسلم قرين النبي - ﵌ -؟
سؤال: طيب! الرسول - ﵌ - الشيطان ترى خلاه يسلم وهو شيطان، كيف إذا عليه إنه يسيطر عليه أنه يخليه أسلم؟
الشيخ: الرسول - ﵌ - يقول: «ما منكم من أحد إلا وله قرين من الملائكة وقرين من الجن، قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم » (١) الحديث ليس صريحًا بالمعنى اللي أنت عم بتسأل عنه، وصبيت كلامك حوله حين قلت: كيف خلاه أسلم، وهو شيطان؟ الحديث ليس صريحًا في ذلك ليه؟ لأن العلماء لما بيذكروا الحديث، «ولكن الله أعانني عليه» بيرووه كمان بلفظ "فأسْلَمُ"، وبلفظ ثاني: "فأسْلَمَ". ففي فرق بين فأسلمُ يعني: من شره، فأسلمُ، فأسلمَ روايتان، وكل من الروايتين بتدل على معنى غير الرواية الأخرى، فعلى رواية فأسْلَمَ أي: صار مسلمًا، وهنا بيجي الإشكال وسيأتيك الجواب، أما على رواية فأسْلَمُ، يعني: أسلمُ من شره، وأسلمُ من وسوسته، فلا يضرني فما فيه إشكال.
أما على الرواية الأولى: فَأَسْلَمَ. أي: صار مسلمًا فالجواب: من ناحيتين:
الناحية الأولى: كما يوجد في الإنس الصالحين والطالحين يعني: غير صالحين، كمان في الجن يوجد منهم الجنسين الصالح والطالح، لذلك قال تعالى في القرآن في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ
_________________
(١) "صحيح مسلم" (رقم٧٢٨٦).
[ ٨ / ٨٥ ]
قِدَدًا﴾ (الجن:١١) فمن كان صالحًا من الجن فهو مسلم، كما أنه من كان صالحًا من الإنس فهو مسلم، ومن كان طالحًا فاسقًا من الجن فهو شيطان.
مداخلة: ما معنى كلمة (طالحًا)؟
الشيخ: يعني: ضد صالح، أنا أقول لك: من كان صالحًا أو من كان طالحًا يعني: غير صالح واضح؟
مداخلة: نعم.
طيب! من كان طالحًا يعني: غير صالح من الجن اسمه شيطان، وكذلك من كان من الإنس طالحًا فهو شيطان، ولذلك قال تعالى في القرآن: ﴿وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام:١١٢) أي: شياطين الجن بيوحوا لإخوانهم من شياطين الإنس، إذًا: في من الإنس مسلمين ومن الجن مسلمين، وكما أنه فيه بالإنس غير مسلمين كمان فيه بالجن غير مسلمين، الجن اللي غير مسلمين اسمهم شياطين، (نأتي الآن) إلى شيطان الرسول - ﵌ - وهو جني، لكن الله ﷿ أعان نبيه عليه فوعظه ونصحه وذكره كما فعل مع كفار قريش، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، وهو أرسل إلى الجن كما تعلم في سورة الجن ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (الجن:١) فهؤلاء الذين استمعوا اهتدوا وراحوا إلى قومهم وأنذروهم برسالة الرسول ﵇، فمنهم من آمن ومنهم من كفر من الجن، فهذا الشيطان الذي كان للرسول ﵇ ربنا ﷿ أعان نبيه عليه فَأَسْلَمَ وصار مسلمًا، كما لو كان من قبل كان من شياطين الجن، وبعدين أسلم، واضح؟ وهذا على رواية فأسْلَمَ.
أما على الرواية الثانية فأسلمُ ما فيها إشكال.
"الهدى والنور" (٣٢٣/ ٢٤: ٢٠: ٠٠).
[ ٨ / ٨٦ ]
[١٢٣٩] باب كيف أسلم قرين النبي - ﵌ - وهو ملعون؟
السائل: كيف أسلم شيطان النبي ﵌، كيف أسلم وهو ملعون؟
الشيخ: أولًا يجب أن نعلم أن الله ﷿ لما خلق الإنس والجن، ما خلقهم جميعًا شياطين كفارًا عصاةً، وإنما خلقهم على الفطرة، فكما أنه يوجد في الإنس صالحون وطالحون، فيهم من لَقَّبَهُم رب العالمين بأنهم شياطين، كذلك الجن، ولا فرق أبدًا من هذه الحيثية يوجد فيهم الصالح والطالح وهذا مذكور صراحةً في سورة الجن، وعلى لسان الجن، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١]، فكما يوجد في الإنس صالح وطالح، فكذلك يوجد في الجن صالح وطالح، فمن أسلم من الجن فهو صالح ومن لم يسلم فهو كافر أو فاسق على الأقل، ولذلك فلا إشكال على إحدى الروايتين، في قوله ﵇ «ولكن الله أعانني عليه فأسلم»، لا إشكال في هذا؛ لأن الجن ليس كلهم كفار منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، فإذًا حديثه [فأسلم] يشير إلى هذه الحقيقة أن من الجن الصالح ومنهم الطالح، ونحن نعلم جميعًا أن إبليس كان بصريح القرآن ﴿إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف:٥٠)، فمن كان من ذريته يفسق أيضًا ويخرج عن أمر ربه فهو مثله، ومن أسلم وأطاع ربه فهو جني مسلم فلا فرق إذًا بين الإنس والجن من حيث أن فيهم المؤمن والكافر، فيهم المؤمن الصالح، وفيهم المؤمن الطالح هذا جواب ما سألت وهو واضح، إن شاء الله تعالى.
"الهدى والنور" (٣٩٩/ ٤٩: ١٣: ٠٠).
[ ٨ / ٨٧ ]
[١٢٤٠] باب هل كان إبليس من الملائكة؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
- «يا جبريل صف لي النار، وانعت لي جهنم، فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه، ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لا رفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول الله - ﵌ -: حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي، فأموت، قال: فنظر رسول الله - ﵌ - إلى جبريل وهو يبكي، فقال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به، فقال: مالي لا أبكي؟ أنا أحق بالبكاء! لعلي ابتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلي ابتلي مثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله - ﵌ - وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله - ﵌ - فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا
[ ٨ / ٨٨ ]
ولبكيتم كثيرا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿ .. فنودي: يا محمد! لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرا ولم أبعثك معسرا فقال رسول الله - ﵌ -: سددوا وقاربوا».
(موضوع).
[قال الإمام]:
أخرجه الطبراني في " الأوسط " بسنده عن عمر بن الخطاب قال: " جاء جبريل إلى النبي - ﵌ - في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله - ﵌ - فقال: يا جبريل: مالي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار، فقال رسول الله - ﵌ -: يا جبريل صف لي النار. الحديث، أورده المنذري في " الترغيب والترهيب " (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦) وأشار لضعفه أو وضعه، وقد بين علته الهيثمي في " المجمع " فقال (١٠/ ٣٨٧): " وفيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه ".
قلت: وذلك لأنه كان كذابا كما قال ابن خراش، وقال ابن حبان (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦): "روى عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المعتمد لها ". وقال الحاكم - على تساهله -: " روى أحاديث موضوعة ". قلت: وهذا منها بلا شك فإن التركيب والصنع عليه ظاهر، ثم إن فيه ما هو مخالف للقرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: قوله في إبليس: " كان من الملائكة " والله ﷿ يقول فيه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وما يروى عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿من الجن﴾ أي من خزان الجنان، وأن إبليس كان من الملائكة، فمما لا يصح إسناده عنه، ومما يبطله أنه خلق من نار كما ثبت في القرآن الكريم، والملائكة خلقت من
[ ٨ / ٨٩ ]
نور كما في " صحيح مسلم " عن عائشة مرفوعا، فكيف يصح أن يكون منهم خلقة، وإنما دخل معهم في الأمر بالسجود لآدم ﵇ لأنه كان قد تشبه بهم وتعبد وتنسك، كما قال الحافظ ابن كثير، وقد صح عن الحسن البصري أنه قال: "ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر ". [ثم ذكر الإمام الموضع الثاني].
"الضعيفة" (٢/ ٣١١ - ٣١٢).
[١٢٤١] باب منه
[أورد الإمام الحديث السابق ثم قال]:
أخرجه ابن أبي الدنيا في " صفة النار " (ق ٩/ ١) والطبراني في المعجم الأوسط (٢٧٥٠ - بترقيمي لمصورة الجامعة الإسلامية) عن سلام الطويل عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن عدي بن عدي الكندي قال: قال: عمر بن الخطاب: جاء جبريل إلى النبي - ﵌ - في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله - ﵌ - فقال: فذكره. وقال الطبراني: " لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد به سلام ".
قلت: وقال الهيثمي (١٠/ ٣٨٦ - ٣٨٧) بعد ما عزاه للطبراني: " وهو مجمع على ضعفه".
قلت: وقد اتهمه غير واحد بالكذب والوضع كما تقدم غير ما مرة، وقال ابن حبان في " الضعفاء والمتروكين ": " يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها ".
قلت: وفي هذا الحديث ما يؤكد ما اتهموه به أعظمها قوله في إبليس: "كان من
[ ٨ / ٩٠ ]
الملائكة " وهذا خلاف القرآن: و﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
ثم إن الملائكة خلقت من نور كما في " صحيح مسلم "، وهو مخرج في " الصحيحة " (٤٥٨)، وأما إبليس فخلق من نار كما في القرآن والحديث.
ونحوه قوله: "ما ابتلي به هاروت وماروت، فإنه يشير إلى ما يروى من قصتهما مع الزهرة ومراودتهما إياها وشربهما الخمر وقتلهما الصبي، وهي قصة باطلة مخالفة للقرآن أيضا كما سبق بيانه في المجلد الأول برقم (١٧٠).
ولا يفوتني التنبيه أن قوله: " لو تعلمون " إلى قوله: " تجأرون إلى الله ﷿ " قد جاء طرفه الأول في " الصحيحين "، والباقي عند الحاكم وغيره، فانظر الحديث الآتي إن شاء الله برقم (٤٣٥٤). وتخريج " فقه السيرة" (ص٤٧٩).
"الضعيفة" (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٥).
[١٢٤٢] باب منه
[ذكر أبو عبيد في "الإيمان": أن إبليس "كان في عداد الملائكة" فعلق الإمام على ذلك قائلا]:
يعني الذين أمروا بالسجود، ولا يعني .. رحمه الله تعالى: أنه كان منهم في الخلق والجبلة، كيف والقرآن يقول عنه ﴿كان من الجن﴾، والرسول - ﵌ - قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم». "مختصر مسلم" رقم (٢١٦٩).
"تحقيق الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام" (ص ٥٨).
[ ٨ / ٩١ ]
(حكم لعن الشيطان)
[١٢٤٣] باب هل يجوز لعن إبليس؟
سؤال: يجوز لعن إبليس؟
الشيخ: إبليس، لا يجوز، إنما تقول: أعوذ بالله من شر إبليس.
"رحلة النور" (٩أ/٠٠:٢٤:٣٥)
[١٢٤٤] باب حال حديث «لا تلعنوا الشيطان فإنه يتعاظم»
سؤال: صحة حديث: «لا تلعنوا الشيطان فإنه يتعاظم» (١).
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: اللفظ صحيح.
الشيخ: المعنى صحيح، أما اللفظ لا أستحضره، في نهي عن ذلك، ويأمر الرسول في هذه الحالة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
مداخلة: نعم، لكن الحديث نفسه.
الشيخ: أقول لك: هذا من تمام الحديث، والحديث صحيح.
"الهدى والنور" (٢٤٥/ ٠٩: ٥٣: ٠٠)
_________________
(١) الذي وقفت عليه قوله - ﵌ -، لا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم ". أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦/ ١٢٤) والبيهقي في "الشعب" (٤/ ٣٠٢).
[ ٨ / ٩٢ ]
(متفرقات)
[١٢٤٥] باب في ذكر طعام الجن
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«لكم (يعني الجن) كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم».
[قال الإمام]:
وخلاصة الكلام في هذا الحديث أنه ضعيف للاضطراب في سنده ومتنه، ولم أجد له شاهدًا نقويه به، بل هو مخالف بظاهره لحديث أبي هريرة: " أنه كان يحمل مع النبي - ﵌ - إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة فقال: ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة " فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد، فدعوت الله أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعمًا، وفي لفظ: طعامًا ".
أخرجه البخاري (٧/ ١٣٦) والطحاوي (١/ ٧٤) والبيهقي (١/ ١٠٧ - ١٠٨).
قلت: ووجه المخالفة أن ظاهره أن العظم والروثة زاد وطعام للجن أنفسهم،
[ ٨ / ٩٣ ]
وليس شيء من ذلك لدوابهم، والتوفيق بينه وبين حديث ابن مسعود بحمل الطعام فيه على طعام الدواب كما فعل الحافظ في " الفتح " وتبعه الصنعاني في " سبل السلام " (١/ ١٢٣)، لا بأس به لوثبت حديث ابن مسعود، أما وهو ضعيف كما سبق فلا وجه للتوفيق حينئذ.
"الضعيفة" (٣/ ١٣٣/١٣٧).
[١٢٤٦] باب هل الحيات الموجودة الآن من الجن الممسوخ؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«الحيات مسخ الجن، كما مسخت القردة والخنازير من بني إسرائيل».
[ترجم له الإمام بقوله: ما مسخ انقرض ثم قال:]
اعلم أن الحديث لا يعني أن الحيات الموجودة الآن هي من الجن الممسوخ، وإنما يعني أن الجن وقع فيهم مسخ إلى الحيات، كما وقع في اليهود مسخهم قردة وخنازير، ولكنهم لم ينسلوا كما في الحديث الصحيح: «إن الله لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا»، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك.
" الصحيحة" (٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠).
[١٢٤٧] باب هل يسلط الشيطان على أموال الناس؟
سؤال: السؤال توضيح فعل الشيطان في حديث: «صدقك وهو كذوب»؟ وهل الشيطان هو إبليس الذي لم يسجد لآدم أم من أفراد أسرته إذا صح أو ذريته؟
الشيخ: ماذا تفرق معك إن كان هو وإلا ابنه أنا ما عندي التوضيح هذا،
[ ٨ / ٩٤ ]
لأن هذا ما يترتب وراءه شيء.
مداخلة: هل يفعل الشيطان أن يأخذ من مال المسلمين بهذا التصوير ..؟
الشيخ: هذا السؤال غير وارد، لأن الحديث شو يدل؟
مداخلة: الحديث أنه كان داخل في المال في بيت مال المسلمين.
الشيخ: بس هيك؟
مداخلة: هو لما جاء قال له: أنا مسكين وفقير.
الشيخ: لا، هذا الحديث شو بيدل بالنسبة لسؤالك.
مداخلة: يعني الحديث أنه قاعد داخل موجود في الغرفة وقاعد يحمل.
الشيخ: طيب. إذًا ما هو سؤالك؟
مداخلة: أنه هل يعني يصير؟
الشيخ: قد صار.
مداخلة: يعني يصير بعدها.
الشيخ: صار، ولولا أن الرجل مؤمن أبو هريرة وشجاع وهجم عليه واستفاد الذكر فائدة؛ كان الشيطان أخذ البضاعة وذهب، لكن أنت يمكن مثلما ألمح بعض الإخوان متأثر ببعض الإشاعات أو الوساوس الشيطانية، الشيطان يفعل هذا، ولكن الله لا يسلط شيطان على أموال الناس كلهم دائمًا وأبدًا، وإنما حين يريد أن يظهر حكمة يقع هذا، فما هو المانع؟
مداخلة: .. في قضية في أحد أقاربنا سرق ماله يعني، سرق ماله وهم ناس
[ ٨ / ٩٥ ]
بسطاء فصار يقولوا: اذهبوا إلى الشيخ من أجل يعرف أين الفلوس، وقال لهم واحد: أنا أخلي الشيطان يروح يأتي بالفلوس.
الشيخ: ما له علاقة بحديث الشيطان الذي قال فيه الرسول: «صدقك وهو كذوب» وهذا توسع غير مشروع وغير جائز أن الواحد يستعين بالذين يتعاونون مع الجن، فهذا بلا شك يعني ليس من سبيل المؤمنين.
"الهدى والنور" (٢٣٥/ ٥٠: ٢٦: ٠٠)
[١٢٤٨] باب هل الجني يؤذي الإنسي ابتداءً؟
السائل: شيخنا الجن هل يمكن أن يؤذي الإنسان ابتداء وإلا لازم يكون سحر نافخ فيه إنسي؟
الشيخ: لا ليس شرطًا.
مداخلة: .. يعني ممكن الجني يؤذي الإنسي ابتداءً.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: يتلبسوا دونما سبب.
الشيخ: أي نعم.
"الهدى والنور" (٦٢٨/ ٣٣: ٠٦: ٠٠).
[١٢٤٩] باب هل جنس البشر أفضل أم الجن؟
مداخلة: الجن يعتبرون الإنس أفضل منهم خلقًا ونسبًا، ولذلك يطيعونهم.
الشيخ: هذه مسألة دخلت في طور الشريعة، هل عندك دليل؟
[ ٨ / ٩٦ ]
مداخلة: شيخنا الآية قول إبليس لعنه الله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ عن آدم ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ (الإسراء:٦٢) ليست دليلًا هذه أيضًا.
الشيخ: دليل خاص بين شخصين، نحن نحكي عن أمة أمام أمة، شعب أمام شعب، خلق أمام خلق، كما لو قلنا مثلًا الملائكة أفضل أم البشر؟ فقد يكون في البشر شخص يكون أفضل من أفضل الملائكة، لكن ذلك لا يستلزم تفضيل جنس الملائكة على جنس البشر، أو العكس يعني.
مداخلة: شيخنا جعل الله الخلافة لبني آدم والجن يسكنون الأرض معنا، ولكن الخلافة في بني آدم ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة:٣٠).
مداخلة: الإنسان.
مداخلة: نعم.
مداخلة: يعني شيخنا تفضيل نوعية يبحث فيه.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: تفضيل النوعية ..
الشيخ: ما فهمت.
مداخلة: أنا أتساءل عن [البحث] الذي يبحث فيه، يعني .. هل المراد بذلك الجنس مثلًا وما يتبعها.
الشيخ: هذا الذي قلناه الجنس، المراد الجنس.
مداخلة: نعم.
[ ٨ / ٩٧ ]
الشيخ: هل جنس الملائكة أفضل أم جنس البشر، أم العكس؟ فإذا فرضنا أن جنس الملائكة أفضل، جنس الملائكة أفضل كلهم كجماعة أو كأمة، لكن بدون أن يكون محمد أفضل من الملائكة أم لا يجوز؟ يجوز، لكن ليس البحث في الأفراد، البحث في الجنس، فأنا أحاول نشوف فيه شيء أم لا، لا نستحضر.
مداخلة: شيخنا مجرد ما بحثت مفاضلة الإنس مع الملائكة ألا يقتضي ضمنًا تفضيل الإنس على الجن؟
الشيخ: كيف قلت؟
مداخلة: مجرد مبحث أهل العلم في المفاضلة بين الملائكة والإنس، ألا يقتضي ذلك ضمنًا تفضيلهم على الجن؟
الشيخ: مجرد البحث؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: يعني مجرد ما يذكر أن الملائكة أم الإنس، فلو كان الجن أفضل من الإنس لقيل الجن أم الملائكة، فمجرد هذه المقارنة تحصيل حاصل الإنس هو أعلى قدرًا من الجن.
الشيخ: بارك الله فيك، لكن هذا يتطلب الدليل، أما مجرد ادعاء هذا قيل
من قبل.
مداخلة: العموميات شيخنا الذي نقل.
مداخلة: إذا قارنت الجنس بالذي يليه فبالتالي تسقط ما هو دون الأدنى، فمن
[ ٨ / ٩٨ ]
باب الاستنتاج بس أقول لك، أو من باب الوصول إلى النتيجة.
الشيخ: نعم.
مداخلة: قرأ سورة الرحمن على الجن، رأيتهم أحسن مردودًا منكم، هل هذا دليل على تفضيلهم على الإنس؟
الشيخ: تفضيل موضعي نعم.
"الهدى والنور" (٦٢٨/ ٥١: ٢٠: ٠٠) و(٦٢٨/ ١٤: ٢٤: ٠٠)
[ ٨ / ٩٩ ]
جماع أبواب ضلال من أنكر عالم الجن وحقيقته
[ ٨ / ١٠١ ]
[١٢٥٠] باب كفر من أنكر عالم الجن
عن جابر بن سمرة قال: صلينا مع رسول الله - ﵌ - صلاة مكتوبة فضم يده في الصلاة، فلما صلى قلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «لا إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إليه أخي سليمان لارتبط إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة».
[قال الإمام]:
إسناده صحيح على شرط مسلم.
[وعلق قائلًا]:
وهو من الأحاديث الكثيرة التي يكفر بها طائفة القاديانية؛ فإنهم لا يؤمنون بعالم الجن المذكور في القرآن والسنة، وطريقتهم في رد النصوص معروفة،
فإن كانت من القرآن؛ حرفوا معانيها؛ كقوله تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ
نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ قالوا: أي من الإنس! فيجعلون لفظة " الجن " مرادفة للفظة " الإنس "؛ كـ " البشر"! فخرجوا بذلك عن اللغة والشرع، وإن كانت من السنة؛
فإن أمكنهم تحريفها بالتأويل الباطل؛ فعلوا، وإلا؛ فما أسهل حكمهم ببطلانها؛ ولو أجمع أئمة الحديث كلهم والأمة من ورائهم على صحتها؛ بل تواترها!
هداهم الله.
"أصل صفة الصلاة" (١/ ١٢٤).
[ ٨ / ١٠٣ ]
[١٢٥١] باب ذكر بعض أهل الضلال
ممن أنكر عالم الجن والشياطين
[قال الإمام]:
ومن [أباطيل غلام أحمد] القادياني المخبول: زعمه أن المراد بالشيطان الرجيم في الاستعاذة هو هذا الدجال -يعني: الديانة [المسيحية الباطلة]-؛ قال [في كتابه "إعجاز المسيح"] (٢٩):
ولا يفهم هذا الرمزَ إلا ذو القريحة الوقادة!
ومن وقف على كتبه؛ يعلم أن تفسيره كله أو جله على هذه الطريقة الرمزية الصوفية الغالية، التي لا تستند إلى قاعدة لغوية أو شرعية، وإنما هي الهوى أو الوحي الشيطاني! وهو في أثناء تفسيره للاستعاذة يشير إلى إنكار وجود الجن والشياطين، وإنما الجن عنده وعند أتباعه الضالين هم زعماء الناس؛ كما صرح لي بذلك بعض أتباعه، وكان قد جرى بيني وبينه مناظرة شفهية في هذا الموضع في جلسات تبلغ العشر، كان نتيجتها أن انسحب منها مذمومًا مدحورًا.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ١٠٠٥ - ١٠٠٦).
[١٢٥٢] باب منه
[قال الإمام]:
ومن ضلالات القاديانية إنكارهم لـ (الجن) كخلقٍ غير الإنس، ويتأولون كل الآيات والأحاديث المصرحة بوجودهم ومباينتهم للإنس في الخلق بما يعود إلى أنهم الإنس أنفسهم أو طائفة منهم، حتى إبليس نفسه يقولون إنه إنسي شرير، فما أضلهم.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢٣ - ٢٤).
[ ٨ / ١٠٤ ]
[قال الإمام في أثناء كلامه على ضلالات القاديانية:]
وأنكروا وجود الجن مع تردد ذكرهم في القرآن الكريم فضلًا عن السنة وتنوع صفاتهم فيهما، وزعموا أنهم طائفة من البشر، إلى غير ذلك من ضلالاتهم، وكلها من بركات التأويل الذي أخذ به الخلف في آية الاستواء وغيرها من آيات الصفات.
"مختصر العلو" (ص٣٢).
[١٢٥٤] باب منه
[قال الإمام]:
اليوم الفرق الإسلامية كلها يأخذون : قال الله وقال رسول الله، لكن بيلفوا ويدوروا على ما قال الله قال رسول الله، ويأتونك بمذهب ما أنزل الله به من سلطان، وحسبكم مثالًا على ذلك: الفرقة الجديدة وهي فرقة القاديانية الذين يسمون بالأحمدية، فهؤلاء آخر الفرق الإسلامية التي لها كيان ولها شخوص، ولها بروز ولها دعوة شائعة في [القارة] الأوربية والأمريكية باسم الإسلام.
هؤلاء مسلمون يصلون صلوات خمس، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ولكنهم ينكرون حقائق شرعية منصوصة في الكتاب والسنة لم يسبقوا إلى القول بها، مش مثل المعتزلة والماتريدية الأشاعرة، فهم مثلًا: ينكرون أن يكون هناك خَلْقٌ هم الجن مع أنه هناك سورة في القرآن اسم سورة الجن، طيب. هل ينكرون القرآن ينكرون السورة؟ لا. لكن يقولون لنا: أنتم ما فهمتم معنى الجن كمثل الإنس والبشر اللفظين هذين يدلان على مسمى واحد والَّا على مسميين؟ لا مسمى واحد، هم بقي جابوا مسمى ثالث الإنس والبشر والجن أسماء ثلاثة تطلق
[ ٨ / ١٠٥ ]
على مسمى واحد وهم: البشر. لما تأتي لهم بآية في القرآن: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف:١٢) يقول لك: هذه ما هي نار حقيقة، ولا طين حقيقي إنما هذا مجاز، مجاز ولما بتجيب له بالحديث الصحيح في مسلم: «خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم» (١) يقول لك: هذا حديث آحاد، حديث آحاد آحاد، حديث ما هو متواتر يعني، حديث آحاد لا تثبت فيه عقيدة، وهذه ضلالة وهي: أن حديث الأحاديث لا تثبت به عقيدة مع الأسف الشديد ما هو مذهب قادياني، القاديانية سُبِقوا إلى هذه الضلالة بقرون، لكن لم يسبقوا إلى تفسير الجن بأنهم الأنس أو البشر.
الأزهر الشريف الآن، الأزهر الذي يسموه شريف يقرر على الطلاب الذي يوزعوهم في العالم الإسلامية للدعوة للإسلام أن الحديث الصحيح لا يحتج به في العقيدة إلا إذا كان متواترًا، ما معنى متواتر؟ يعني: يكون جاء من طرق عديدة، يعني: يكون رواه في عشرة من الصحابة، وعشرة من التابعين عن عشرة من الصحابة وهكذا.
وعلى كل حال: أردت أن أختصر، لكن كما يقال: الحديث ذو شجون ..
مداخلة: ماذا يستفيدون من التعطيل.
الشيخ: اتباع الأهواء عقل بيحكموا عقولهم ما بيحكموا الشرع.
مداخلة: هذا هو الأمر، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الفرقان:٤٣).
الشيخ: هواه أي نعم.
"الهدى والنور""الهدى والنور" (١٦١/ ٠١: ٣٣: ٠٠) و(١٦١/ ٢٧: ٤٥: ٠٠)
_________________
(١) "صحيح مسلم" (رقم٧٦٨٧).
[ ٨ / ١٠٦ ]
جماع أبواب
إثبات تلبس الجن بالإنس والرد على من أنكر ذلك
[ ٨ / ١٠٧ ]
[١٢٥٥] باب إثبات تلبس الجن بالإنس والرد على من أنكر ذلك
مع الإنكار على من يتوسع في هذا الباب كذلك
"يا شيطان اخرج من صدر عثمان! [فعل ذلك ثلاث مرات] ".
[قال الإمام]:
هو من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁، وله عنه طرق أربعة:
الأولى: عن عبد الأعلى: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عبد الله بن الحكم عن عثمان بن بشر قال: سمعت عثمان بن أبي العاص يقول: شكوت إلى رسول الله - ﵌ - نسيان القرآن، فضرب صدري بيده فقال: فذكره. قال عثمان: "فما نسيت منه شيئا بعد، أحببت أن أذكره ".
وفي الحديث دلالة صريحة على أن الشيطان قد يتلبس الإنسان ويدخل فيه ولو كان مؤمنًا صالحا، وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقد كنت خرجت أحدها فيما تقدم برقم (٤٨٥) من حديث يعلى بن مرة قال: "سافرت مع رسول الله - ﵌ - فرأيت منه شيئا ًعجبًا .. " وفيه: "وأتته امرأة فقالت: إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين، يأخذه كل يوم مرتين، فقال رسول الله - ﵌ -: " أدنيه "، فأدنته منه، فتفل في فيه، وقال: اخرج عدو الله! أنا رسول الله ". رواه الحاكم وصححه.
ووافقه الذهبي، وهو منقطع. ثم خرجته من طرق أخرى عن يعلى، جود المنذري أحدها! ثم ختمت التخريج بقولي: " وبالجملة فالحديث بهذه المتابعات جيد (١). والله أعلم ". ثم وقفت على كتاب عجيب من غرائب ما طبع في العصر
_________________
(١) وله شواهد كثيرة يزداد بها قوة، قد ساقها المؤلف الآتي ذكره، وسلم بصحته في الجملة، ولكنه ناقش في دلالته، ويأتي الرد عليه. [منه].
[ ٨ / ١٠٩ ]
الحاضر بعنوان (طليعة " استحالة دخول الجان بدن الإنسان")! لمؤلفه (أبو عبد الرحمن إيهاب بن حسين الأثري) -كذا الأثري موضة العصر! - وهذا العنوان وحده يغني القارئ اللبيب عن الاطلاع على ما في الكتاب من الجهل والضلال، والانحراف عن الكتاب والسنة، باسم الكتاب والسنة ووجوب الرجوع إليهما، فقد عقد فصلا في ذلك، وفصلا آخر في البدعة وذمها وأنها على عمومها، بحيث يظن من لم يتتبع كلامه وما ينقله عن العلماء في تأييد ما ذهب إليه من الاستحالة أنه سلفي أو أثري - كما انتسب - مائة في المائة! والواقع الذي يشهد به كتابه أنه خلفي معتزلي من أهل الأهواء، يضاف إلى ذلك أنه جاهل بالسنة والأحاديث، إلى ضعف شديد باللغة العربية وآدابها، حتى كأنه شبه عامي، ومع ذلك فهو مغرور بعلمه، معجب بنفسه، لا يقيم وزنًا لأئمة السلف الذين قالوا بخلاف عنوانه كالإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم، والطبري وابن كثير والقرطبي، والإمام الشوكاني وصديق حسن خان القنوجي، ويرميهم بالتقليد! على قاعدة (رمتني بدائها وانسلت)، الأمر الذي أكد لي أننا في زمان تجلت فيه بعض أشراط الساعة التي منها قوله - ﵌ -: «وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» (١). ونحوه قول عمر ﵁: " فساد الدين إذا جاء العلم من الصغير، استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير، تابعه عليه الصغير " (٢). وما أكثر هؤلاء (الصغار) الذين يتكلمون في أمر المسلمين بجهل بالغ، وما العهد عنا ببعيد ذاك المصري الآخر الذي ألف في تحريم النقاب على المسلمة! وثالث أردني ألف في تضعيف قوله - ﵌ -: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين "، وفي حديث تحريم المعازف، المجمع على صحتهما عند المحدثين، وغيرهم وغيرهم كثير وكثير!!
_________________
(١) حديث صحيح مخرج من طرق فيما تقدم برقم (١٨٨٧ و٢٢٣٨ و٢٢٥٣). [منه]
(٢) رواه قاسم بن أصبغ بسند صحيح كما في " الفتح " (١٣/ ٣٠١).] منه].
[ ٨ / ١١٠ ]
وإن من جهل هذا (الأثري) المزعوم وغباوته أنه رغم تقريره (ص ٧١ و١٣٨) أن: " منهج أهل السنة والجماعة التوقف في المسائل الغيبية عندما ثبت عن رسول الله - ﵌ -، وأنه ليس لأحد مهما كان شأنه أن يضيف تفصيلا، أو أن ينقص ما ثبت بالدليل، أو أن يفسر ظاهر الآيات وفق هواه، أو بلا دليل ".
أقول: إنه رغم تقريره لهذا المنهج الحق الأبلج، فإنه لم يقف في هذه المسألة الغيبية عند حديث الترجمة الصحيح. بل خالفه مخالفة صريحة لا تحتاج إلى بيان، وكنت أظن أنه على جهل به، حتى رأيته قد ذكره نقلا عن غيره (ص ٤) من الملحق بآخر كتابه، فعرفت أنه تجاهله، ولم يخرجه مع حديث يعلى وغيره مما سبقت الإشارة إليه (ص ١٠٠٢). وكذلك لم يقدم أي دليل من الكتاب والسنة على ما زعمه من الاستحالة، بل توجه بكليته إلى تأويل قوله تعالى المؤيد للدخول الذي نفاه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة:٢٧٥) تأويلا ينتهي به إلى إنكار (المس) - الذي فسره العلماء بالجنون - وإلى موافقة بعض الأشاعرة والمعتزلة! الذين فسروا (المس) بوسوسة الشيطان المؤذية! وهذا تفسير بالمجاز، وهو خلاف الأصل، ولذلك أنكره أهل السنة كما سيأتي، وهو ما صرح به نقلا عن الفخر الرازي الأشعري (ص ٧٦ و٧٨): " كأن الشيطان يمس الإنسان فيجن "! ونقل (ص٨٩) عن غيره أنه قال: " كأن الجن مسه "! وعليه خص المس هذا بمن خالف شرع الله، فقال (ص ٢٢): " وما كان ليمس أحد (كذا غير منصوب!) (١) إلا بالابتعاد عن النهج المرسوم "! ولو سلمنا جدلا أن الأمر كما قال، فلا يلزم منه عند العلماء ثبوت دعوى النفي، لإمكان وجود دليل آخر على الدخول كما في هذا الحديث
_________________
(١) قلت: ومثله كثير، انظر بعض الأمثلة في آخر هذا التخريج. [منه].
[ ٨ / ١١١ ]
الصحيح، بينما توهم الرجل أنه برده دلالة الآية على الدخول ثبت نفيه إياه، وليس الأمر كذلك لو سلمنا برده، فكيف وهو مردود عليه بهذا الحديث الصحيح، وبحديث يعلى المتقدم وبهما تفسر الآية، ويبطل تفسيره إياها بالمجاز. ومن جهل الرجل وتناقضه أنه بعد أن فسر الآية بالمجاز الذي يعني أنه لا (مس) حقيقة، عاد ليقول (ص ٩٣): " واللغة أجمعت على أن المس: الجنون ". ولكنه فسره على هواه فقال: أي من الخارج لا من الداخل، قال: " ألا ترى مثلا إلى الكهرباء وكيف تصعق المماس لها من الخارج " إلخ هرائه. فإنه دخل في تفاصيل تتعلق بأمر غيبي قياسًا على أمور مشاهدة مادية، وهذا خلاف المنهج السلفي الذي تقدم نقله عنه، ومع ذلك فقد تعامى عما هو معروف في علم الطب أن هناك جراثيم تفتك من الداخل كجرثومة (كوخ) في مرحلته الثالثة! فلا مانع عقلا أن تدخل الجان من الخارج إلى بدن الإنسان، وتعمل عملها وأذاها فيه من الداخل، كما لا مانع من خروجها منه بسبب أو آخر، وقد ثبت كل من الأمرين في الحديث فآمنا به، ولم نضربه كما فعل المعتزلة وأمثالهم من أهل الأهواء، وهذا المؤلف (الأثري) - زعم - منهم.
كيف لا وقد تعامى عن حديث الترجمة، فلم يخرجه البتة في جملة الأحاديث الأخرى التي خرجها وساق ألفاظها من (ص ١١١) إلى (ص١٢٦) - وهو صحيح جدا - كما رأيت، وهو إلى ذلك لم يأخذ من مجموع تلك الأحاديث ما دل عليه هذا الحديث من إخراجه - ﵌ - للشيطان - من ذاك المجنون -، وهي معجزة عظيمة من معجزاته - ﵌ -، بل نصب خلافًا بين رواية " اخرج عدو الله " ورواية " اخسأ عدو الله "، فقد أورد على نفسه (ص ١٢٤) قول بعضهم: " إن الإمام الألباني قد صحح الحديث "، فعقب بقوله: " فهذا كذب مفترى، انظر إلى ما قاله الشيخ الألباني لتعلم الكذب: المجلد الأول من سلسلته الصحيحة ص ٧٩٥ ح ٤٨٥ ". ثم ساق كلامي فيه، ونص ما في آخره كما تقدم: " وبالجملة
[ ٨ / ١١٢ ]
فالحديث بهذه المتابعات جيد. والله أعلم ". قلت: فتكذيبه المذكور غير وارد إذن، ولعل العكس هو الصواب! وقد صرح هو بأنه ضعيف دون أي تفصيل (ص ٢٢)، واغتر به البعض! نعم، لقد شكك في دلالة الحديث على الدخول بإشارته إلى الخلاف الواقع في الروايات، وقد ذكرت لفظين منها آنفا. ولكن ليس يخفى على طلاب هذا العلم المخلصين أنه ليس من العلم في شيء أن تضرب الروايات المختلفة بعضها ببعض، وإنما علينا أن نأخذ منها ما اتفق عليه الأكثر، وإن مما لا شك فيه أن اللفظ الأول: " اخرج " أصح من الآخر " اخسأ "، لأنه جاء في خمس روايات من الأحاديث التي ساقها، واللفظ الآخر جاء في روايتين منها فقط! على أني لا أرى بينهما خلافًا كبيرًا في المعنى، فكلاهما يخاطب بهما شخص، أحدهما صريح في أن المخاطب داخل المجنون، والآخر يدل عليه ضمنا. وإن مما يؤكد أن الأول هو الأصح صراحة حديث الترجمة الذي سيكون القاضي بإذن الله على كتاب " الاستحالة " المزعومة، مع ما تقدم من البيان أنها مجرد دعوى في أمر غيبي مخالفة للمنهج الذي سبق ذكره. ولابد لي قبل ختم الكلام على هذا الموضوع أن أقدم إلى القراء الكرام ولو مثالًا واحد على الجهل بالسنة الذي وصفت به الرجل فيما تقدم، ولو أنه فيما سلف كفاية للدلالة على ذلك! لقد ذكر الحديث المشهور في النهي عن اتباع سنن الكفار بلفظ لا أصل له رواية ولا دراية، فقال (ص ٢٧): " وصدق رسول الله - ﵌ - إذ يقول: " لتتبعن من قبلكم من الأمم حذاء القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم. قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن؟ ". أو كما قال - ﵌ - "! ومجال نقده في سياقه للحديث هكذا واسع جدًا، وإنما أردت نقده في حرف واحد منه أفسد به معنى الحديث بقوله (حذاء)، فإن هذا تحريف قبيح للحديث لا يخفى على أقل الناس ثقافة، والصواب (حذو). وليس هو خطأ مطبعيًّا كما قد يتبادر لأذهان البعض،
[ ٨ / ١١٣ ]
فقد أعاده في مكان آخر. فقال (ص ٣٤) مقرونا بخطأ آخر: " حذاء القذة بالقذة "! كذا ضبطه بفتح القاف! وإنما هو بالضم (١). ونحو ذلك مما يدل على جهله بالسنة قوله (ص ٢٤٠): "يقول السلف: ليس الخبر كالمعاينة ".
وهذا حديث مرفوع رواه جماعة من الأئمة منهم أحمد عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه قصة. وهو مخرج في " صحيح الجامع الصغير " (٥٢٥٠).
ومن أمثلة جهله بما يقتضيه المنهج السلفي أنه حشر (ص ٧٤) في زمرة التفاسير المعتبرة " تفسير الكشاف "، و" تفسير الفخر الرازي "، فهل رأيت أو سمعت أثريًّا يقول مثل هذا، فلا غرابة بعد هذا أن ينحرف عن السنة، متأثرًا بهما ويفسر آية الربا تفسيرًا مجازيًّا! وأما أخطاؤه الإملائية الدالة على أنه (شبه أمي) فلا تكاد تحصى، فهو يقول في أكثر من موضع: " تعالى معي "! وقال (ص ١٣١): " ثم تعالى لقوله تعالى "، وذكر آية. وفي (ص ١٢٩): " فمن المستحيل أن تفوت هذه المسألة هذان الإمامان الجليلان "! و(ص١٣٠). " أضف إلى ذلك أن الإمامين ليسا طبيبان "! فهو يرفع المنصوب مرارًا وتكرارًا.
وفي الختام أقول: ليس غرضي مما تقدم إلا إثبات ما أثبته الشرع من الأمور الغيبية، والرد على من ينكرها. ولكنني من جانب آخر أنكر أشد الإنكار على الذين يستغلون هذه العقيدة، ويتخذون استحضار الجن ومخاطبتهم مهنة لمعالجة المجانين والمصابين بالصرع، ويتخذون في ذلك من الوسائل التي تزيد على مجرد تلاوة القرآن مما لم ينزل الله به سلطانًا، كالضرب الشديد الذي قد يترتب عليه أحيانًا قتل المصاب، كما وقع هنا في عمان، وفي مصر، مما صار حديث الجرائد والمجالس.
_________________
(١) وهو مخرج في " الصحيحة " من طرق بألفاظ متقاربة (٣٣١٢). [منه].
[ ٨ / ١١٤ ]
لقد كان الذين يتولون القراءة على المصروعين أفرادا قليلين صالحين فيما مضى، فصاروا اليوم بالمئات، وفيهم بعض النسوة المتبرجات، فخرج الأمر عن كونه وسيلة شرعية لا يقوم بها إلا الأطباء عادة، إلى أمور ووسائل أخرى لا يعرفها الشرع ولا الطب معًا، فهي - عندي - نوع من الدجل والوساوس يوحي بها الشيطان إلى عدوه الإنسان ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وهو نوع من الاستعاذة بالجن التي كان عليها المشركون في الجاهلية المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. فمن استعان بهم على فك سحر - زعموا - أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى؟ مسلم أم كافر؟ وصدقه المستعين به ثم صدق هذا الحاضرون عنده، فقد شملهم جميعًا وعيد قوله - ﵌ -: " من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد "، وفي حديث آخر: " .. لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " (١). فينبغي الانتباه لهذا، فقد علمت أن كثيرًا ممن ابتلوا بهذه المهنة هم من الغافلين عن هذه الحقيقة، فأنصحهم - إن استمروا في مهنتهم - أن لا يزيدوا في مخاطبتهم على قول النبي - ﵌ -: " اخرج عدو الله "، مذكرا لهم بقوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (النور:٦٣). والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
"الصحيحة" (٦/ ٢/٩٩٩ - ١٠١٠).
_________________
(١) رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " غاية المرام " (رقم ٢٨٤) ورواه الطبراني من طريق أخرى بقيد: " غير مصدق لم تقبل "، وهو منكر بهذه الزيادة، ولذلك خرجته في " الضعيفة " (٦٥٥٥). والحديث الذي قبله صحيح أيضا، وهو مخرج في " الإرواء "برقم (٢٠٠٦) وفي غيره. اهـ. [منه].
[ ٨ / ١١٥ ]
[قال الإمام]:
(تنبيه) ألف أحد المعاصرين- المتعالمين المغرورين المتعالين على أئمة السنة والجاهلين بها، والمعادين لها، ومع ذلك كنى نفسه بـ (أبي عبد الرحمن الأثري)! - ألف كتابًا أسماه: "استحالة دخول الجان بدن الإنسان "! يكفيك هذا العنوان عن مضمونه، فقد حشاه أنواعًا من الجهل بالكتاب والسنة، وبالتدليس وقلب الحقائق.
"الصحيحة" (٧/ ٢/٩١٩).
[١٢٥٧] باب منه
[قال الإمام]:
لقد أَنكر بعضُ المعاصرين عقيدةَ مسِّ الشيطان للإنسان مسًّا حقيقيًّا، ودخولَه في بدن الإنسان وصرعه إِيّاه، وأَلّف بعضهم في ذلك بعض التأليفات، موَّهوا فيه على النّاس، وتولّى كِبرَه مُضَعِّفُ الأَحاديث الصحيحة [هو حسان عبد المنان] المارّ ذكره - في كتابه الُمسمَّى بـ"الأُسطورة"!، وضعَّفَ ما جاء في ذلك من الأَحاديث الصحيحة - كعادته -، وركن هو وغيره إلى تأويلات المعتزلة، واشتطَّ آخرون، فاستغلّوا هذه العقيدة الصحيحة، وأَلحقوا بها ما ليس منها مّما غيَّرَ حقيقتَها، وساعدوا بذلك المنكرين لها! واتخذوها وسيلة لجمع النّاس حولَهم لاستخراج الجانَّ من صدورهم بزعمهم، وجعلوها مهنةّ لهم، لأَكل أَموالِ النَّاس بالباطل، حتّى صار بعضهم من كبار الأَغنياء، والحقُّ ضائع بين هؤلاءِ المبطلين وأُولئك المنكرين، وقد رددتُ عليهم جميعًا في المجلد السادس من
[ ٨ / ١١٦ ]
"الصحيحة"، خرجت فيه بعض الأَحاديث الصحيحة التي تؤكّد المسَّ الحقيقي، برقم (٢٩١٨).
"تحريم آلات الطرب" (ص ١٦٦)
[١٢٥٨] باب منه
سؤال: [أحدهم] يقول: الآن لا يوجد جني يتمثل بشيء ويؤذي الإنسان .. هذا الكلام انقطع بالرسالة، يقول هذا الكلام انتهى بالرسالة، قلت له: لماذا انتهى .. لماذا لا يكون لم ينتهِ .. هو يقول لي: والله هذا لا يمكن يُتصور؛ لأن عندي الآية تقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (الإسراء:٦٥) في سورة الإسراء، فما رأي حضرتك في هذا الكلام؟
الشيخ: طيب! هذه الآية ليس لها علاقة بالتسلط البدني والإيذائي .. هذا التسلط المعنوي والخلقي: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢]؛ هذا تسلط هداية وتسلط ضلال فهو لا يتسلط بضلاله على المهتدين، لكن يتسلط بضلاله على الضالين الفاسقين، فليس له علاقة بهذا الموضوع الذي هو أذى مادي، هذا من جهة، ومن جهة الأذكار والأوراد التي شرعت إلى يوم الدين ..
مداخلة: أيوا لماذا شرعت؟
الشيخ: هذه تُعَطَّل بالنسبة لوجهة هذا النظر ..
مداخلة: يعني: ممكن يكون مس مادي من الشيطان للإنسان.
الشيخ: طبعًا.
مداخلة: حتى للمؤمنين.
[ ٨ / ١١٧ ]
الشيخ: طبعًا وكما قال ﵇: «نحن معاشر الأنبياء [أشد الناس] ابتلاء [ثم] الأمثل فالأمثل» (١).
فممكن الإنسان يبتلى بأن يسلط عليه شيطان من شياطين الجن في بدنه، يصبر على ذلك فيثاب ويؤجر.
مداخلة: تكملة، يقول: أنا ما الذي يثبت لي أن اللي مسك فلان من الناس هذا جن، ما الذي يثبت لي؟ ممكن يكون وهم وممكن يكون تصور وممكن يكون تخيل ..
الشيخ: هذا ممكن صحيح لكن عندما يعالج وبكل أنواع المعالجات المادية الطبية فلا ينجح فيها، وبالعكس ينجح فيها العلاج الطب النبوي الروحي فهذا الذي يبين أنه من النوع الآخر.
"الهدى والنور" (٢٨/ ٢٦: ٥٢: ٠٠)
[١٢٥٩] باب منه
سؤال: أستاذي .. فيه دليل على ..: تلبس الجن بالإنس؟
الشيخ: إيه طبعًا، موجود في القرآن قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] وهو المصروع، وفيه أحاديث أن الرسول ﵇ كان يخرج الجان من بعض المصابين بالصرع، وابن تيمية مشهور بأنه كان يفعل ذلك اقتداء به ﵇، فهذا معروف، وبعدين فيه عندنا شيء ما له علاقة بالصرع، لكن هو من أمور الغيب، حيث قال ﵇: «إن الشيطان يجري من ابن آدم
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٩٩٢)، "الصحيحة" (١/ ٢٢٥).
[ ٨ / ١١٨ ]
مجرى الدم» (١).
فالشيطان ما هو مادته من مادة الإنسان، بحيث إنه لا يمكن أن تحل مادة في مادة، لا هو الشيطان من باب التقريب، كالهواء .. كالنور،
"الهدى والنور" (٢٩/ ٤٢: ٣٨: ٠٠)
[١٢٦٠] باب منه
السائل: هل الجن يتلبس بالإنسان؟
الشيخ: لا شك في هذا.
"الهدى والنور" (٦٢٧/ ٥٢: ١٣: ٠٠)
[١٢٦١] باب هل قوله - ﵌ - «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» "من أدلة تلبس الجن بالإنس؟
سؤال: ما هي الأدلة لدخول الجن في الإنس من الكتاب والسنة؟
الشيخ: هذا بحث طرق وشبعتم منه، والآية الكريمة: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة:٢٧٥) والأحاديث التي جاءت عن النبي - ﵌ - أنه من معجزاته أنه أخرج بعض الشياطين من بعض المرضى فنشط المريض كأنما نشط من عقال، فحسبكم هذا، وهذه عقيدة صحيحة تلقتها الأمة بالقبول، إلا المعتزلة وإلا من كان فيه اعتزال، وقد لا يكون من المعتزلة.
مداخلة: طيب! الحديث: «يجري الشيطان من ابن آدم مجرى الدم» قالوا: هل سيحملنا هذا الحديث أن تقول» كل إنسان به مس
_________________
(١) "صحيح البخاري" (رقم ١٩٣٣) وصحيح مسلم " (رقم ٥٨٠٧).
[ ٨ / ١١٩ ]
الشيخ: لا، هذا كلام .. هذا تحميل للحديث الصحيح هذا ما لا يتحمل، ومن هنا ندخل في بحث هام جدًا قد يغفل عنه كثير من طلبة العلم إن لم أقل: قد يغفل عنه بعض أهل العلم أو على الأقل بعض من ينتسب إلى أهل العلم، قوله ﵇: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» له مناسبة، هذه المناسبة تَشْرَحُ وتُبَيٍّنُ للسامع للحديث المعنى الصحيح المقصود من الحديث، فلا يسعه حينذاك أن يحمله ما لا يتحمل من المعنى؛ الحديث في صحيح البخاري، وفي باب الاعتكاف منه بصورة خاصة، أو كتاب الاعتكاف الذي يلي كتاب الصيام، أن النبي - ﵌ - كان معتكفًا في مسجده فزارته زوجته صفية وجلست عنده مدة، ثم خرج معها يقلبها إلى أهلها فوقف معها في جانب في الطريق، وهو معها يتحدث مر رجلان من الأنصار فوقع بصرهما على النبي - ﵌ - وبجانبه امرأة، هم لا يعرفونها بطبيعة الحال؛ لأن نساء النبي - ﵌ - كن يحتجبن حتى في وجوههن وجوبًا وخصوصيةً للنبي - ﵌ -، ولذلك كانت الفضليات .. النساء الفاضلات من الصحابيات الجليلات يغطين أيضًا وجوههن تشبهًا بنساء الرسول ﵇ أمهات المؤمنين.
فما عرف هذان الرجلان هذه المرأة التي وقف الرسول - ﵌ - معها، فسارعا السير والمشي، فقال لهما ﵊: «على رسلكما إنها صفية - زوجتي -» قالا: «يا رسول الله!» إن كنا نشك في أحد فما كنا لنشك بك يا رسول الله» .. قال: «إن الشطيان يجري من الإنسان - وفي لفظ روايات - من ابن آدم مجرى الدم» إذا ربطنا هذا الحديث بمناسبته انكشف لنا المراد منه؛ يجري من الإنسان من ابن آدم مجرى الدم بالوسوسة، وليس بالإيذاء والصرع كما زعم المشار إليه في كلام السائل.
"لقاءات المدينة" (٢/ ٠٠:٣٧:٠٤)
[ ٨ / ١٢٠ ]
[١٢٦٢] باب هل الشيطان ليس له سلطان على المؤمن مطلقًا؟
سؤال: فيه بالقرآن يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل:٩٨، ٩٩).
الشيخ: طيب.
مداخلة: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل:٩٩، ١٠٠).
الشيخ: نعم.
مداخلة: من هذه الآية يتبين لنا أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين إطلاقًا، ما هكذا نفهم؟
الشيخ: أما إطلاقًا فلا، ليس له سلطان في الإغواء والإضلال، أما أن يمسه بنصب وعذاب فهذا يدخل في عموم قوله ﵇: «نحن معاشر الأنبياء أشد ابتلاء الأمثل فالأمثل» كيف آية أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (ص:٤١) وهو نبي ..
" الهدى والنور" (١٣٣/ ٤٢: ١١: ٠٠) (١).
_________________
(١) تنبيه هام: بقي مما يتعلق بعالم الجن الكلام على العلاج الشرعي للمس والصرع والكلام حول الاستعانة بالجن والتعامل معهم وحكم التنويم المغناطيسي واستحضار الأرواح، وغير ذلك، وقد قدمنا كل ذلك في كتاب التوحيد والشرك فلتراجع هناك.
[ ٨ / ١٢١ ]