[ ٤ / ٢٠١ ]
جماع أبواب مقدمات هامة في تعريف الكفر، والكلام على التكفير وشروطه وموانعه، وخطورة الخوض فيه بغير علم، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالموضوع (١)
_________________
(١) تنبيه هام: سيأتي الكلام على هذه المسائل بأوسع من هنا في "جامع تراث الألباني في المنهج" يسر الله نشره.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
[٥٥٢] باب الشرك هو الكفر
[قال الإمام]:
الشرك .. هو الكفر ولا فرق بينهما شرعًا، فكل كفر شرك، وكل شرك كفر، كما يدل عليه محاورة المؤمن صاحب الجنتين المذكورة في سورة (الكهف). فتنبه لهذا فإنه به يزول عنك كثير من الإشكالات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٣).
[٥٥٣] باب كل كفر شرك
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إنَّا جِئْنَاكُمْ لِخَيْرٍ، (يعني: اليهودَ) إنَّا أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ النَّصْرَ، وَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ أَقْبَلَ إلَيْنَا بِجَمْعٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِمَّا قَاتَلْتُمْ مَعَنَا، وَإِمَّا أَعَرْتُمُونَا سِلَاحًا»
(منكر)
[قال الإمام]:
أخرجه أبو جعفر الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) عن عبد الرحمن بن شريح: أنه سمع الحارث بن يزيد الحضرمي يحدث عن ثابت بن الحارث الأنصاري عن بعض من كان مع رسول الله - ﵌ - قال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - جَمْعُ أَبِي سُفْيَانَ لِيَخْرُجَ إلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَانْطَلَقَ إلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بالنَّضِيرِ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ نَفَرًا عِنْدَ مَنْزِلِهِمْ فَرَحَّبُوا، فَقَالَ لهم: فذكره.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات غير ثابت بن الحارث الأنصاري؛ فإنه غير معروف بعدالة أو جرح، ولم يورده أحد من أئمة الجرح والتعديل غير ابن أبي حاتم برواية الحارث بن يزيد هذا فقط عنه، وبيَّض له. وقد ذكر ابن هشام في "السيرة" (٣/ ٨) عن محمد بن إسحاق عن الزهري: أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله قيم: يا رسول الله! ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: "لا حاجة لنا فيهم ".
وذكر نحوه ابن كثير في "البداية" (٤/ ١٤)، ومن قبله ابن القيم في "زاد المعاد"، وهو الموافق لحديث عائشة الصحيح: " إنا لا نستعين بمشرك أو بالمشركين ".
وهو مخرج في "الصحيحة " (١١٠١) كما تقدم قريبًا.
وعليه فإني أقول: إذا تبين لك ضعف حديث الترجمة، وما فيه من عرضه - ﵌ - على اليهود أن يقاتلوا معه؛ فلا حاجة حينئذٍ إلى التوفيق بينه وبين حديث عائشة الصحيح كما فعل الطحاوي حين قال: "لأن اليهود الذين دعاهم النبي - ﵌ - إلى قتال أبي سفيان معه؛ ليسوا من المشركين الذين قال رسول اللَّهِ - ﵌ - في الآثار الأُوَل: فإنه لا يستعين بهم؛ أولئك عبدة الأوثان، وهؤلاء أهل الكتاب الذين قد ذكرنا مباينة ما هم عليه مما عبدة الأوثان عليه في الباب الذي تقدم قبل هذا ".
قلت: يشير إلى بعض الأحكام التي خص بها أهل الكتاب دون المشركين كحل ذبائحهم، ونكاح نسائهم، وغيرها مما بعضه موضع نظر، وبنى على ذلك قوله (ص ٢٣٤): "فكان كل شرك بالله كفرًا، وليس كل كفر بالله شركًا"!
[ ٤ / ٢٠٦ ]
فأقول: لو سلمنا جدلًا بقوله هذا؛ فلا حاجة للتأويل المذكور لأمرين اثنين: الأول: أن التأويل فرع التصحيح كما هو معلوم، وما دام أن الحديث غير صحيح كما بينا؛ فلا مسوغ لتأويل الحديث الصحيح من أجله كما هو ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
والآخر: كيف يصح أن يقال في اليهود والنصارى: إنهم ليسوا من المشركين، والله ﷿ قال في سورة ﴿التوبة﴾ بعد آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. فمن جعل لله ابنًا؛ كيف لا يكون من المشركين؟! هذه زَلَّة عجيبة من مثل هذا الإمام الطحاوي. ولا ينافي ذلك أن لهم تلك الأحكام التي لا يشاركهم فيها غير أهل الكتاب من المشركين؛ فإنهم يشتركون جميعًا في أحكام أخرى - كما لا يخفى على أولي النُّهى -.
وقد لا يعدم الباحث الفقيه - الذي نجَّاه الله من التقليد - في الكتاب والسنة ما يؤكد ما تقدم، ويبطل قول الطحاوي السابق: " وليس كل كفر بالله شركًا"من ذلك تلك المحاورة بين المؤمن والكافر الذي افتخر بماله وجنَّتيه؛ كما قال ﷿ في سورة الكهف؛ ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾؛ فهذا كفر ولم يشرك في رأي الطحاوي! ولكن السِّياق يردّه؛ فتابع معي قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
[ ٤ / ٢٠٧ ]
ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾؛ فتأمل كيف وصف صاحبَه الكافر بالكفر، ثم نره نفسه منه معبِّرًا عنه بمرادِفِه وهو الشرك؛ فقال. ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. وهذا الشرك مما وصَف به الكافرُ نفسَه فيما يأتي؛ فتابع قوله تعالى - بعد أن ذكر ما وعظه به صاحبه المؤمن -: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
قلت: فهذا القول منه - مع سباق القصة - صريح جدًا في أن شركه إنما هو شَكُّه في الآخرة، وهذا كفر وليس بشرك في رأي الطحاوي! فهو باطل ظاهر البطلان.
وإن مما يؤكد ذلك من السنة قوله - ﵌ -:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
رواه الشيخان وغيرهما عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ، وهو مخرج في "الصحيحة" برقم (١١٣٣)، فإن المراد بهم اليهود والنصارى؛ كما دلت على ذلك أحاديث أخر، منها قوله - ﵌ -: «لئن عشت؛ لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أترك فيها إلا مسلمًا».
رواه مسلم وغيره وهو مخرج هناك (١١٣٤).
ولما كان حديث ابن عباس حجة قاطعة في الموضوع؛ غمز من صحته الطحاوي عصبًا لمذهبه - مع الأسف -! وزعم أنه وهم من ابن عيينة قال (٤/ ١٦): "لأنه كان يحدث من حفظه؛ فيحتمل أن يكون جعل مكان (اليهود والنصارى): (المشركين) (!) ولم يكن معه من الفقه ما يميزبه بين ذلك "! كذا قال سامحه الله! فإنه يعلم أن تحديث الحافظ الثقة - كابن عيينة - من حفظه ليس
[ ٤ / ٢٠٨ ]
بعلة؛ بل هو فخر له، وأن تخطئة الثقة بمجرد الاحتمال ليس من شأن
العلماء المنصفين، ولكنها العصبية المذهبية؛ نسأل الله السلامة! وعلى مذهب الطحاوي هذا يمكن أن يغفر الله الكفر لقوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]!!
وبهذه الآية احتج ابن حزم ﵀ على أبي حنيفة الذي هو مَتبوعُ الطحاويُ في التفريق المزعوم؛ فقال عقبها (٤/ ٢٤٤): "فلو كان ههنا كفر ليس شركًا؛ لكان مغفورًا لمن شاء الله تعالى بخلاف الشرك، وهذا لا يقوله مسلم ". ثم أتبع ذلك بأدلة أخرى قوية جدًا، ثم قال: "فصح أن كل كفر شرك، وكل شرك كفر، وأنهما اسمان شرعيان، أوقعهما الله تعالى على معنى واحد". ولولا خشية الإطالة؛ لنقلت كلامه كله لنفاسته وعزته، فليراجعه من شاء المزيد من العلم والفقه.
والخلاصة أن الحديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، وأن الاستعانة بأهل الكتاب في جهاد الكفار يشملها قوله - ﵌ -: «إنا لا نستعين بمشرك».
ولفظ مسلم (٥/ ٢٠١): «فارجع فلن أستعين بمشرك».
"الضعيفة"١٣/ ١/٢٠٩ - ٢١٣).
[٥٥٤] باب هل بين الكفر والشرك فرق؟
الشيخ: الحقيقة شأن كل طالب مبتدئ في العلم وأنا كنت كذلك وربما لا أزال كذلك، كنت أقرأ هذا الحديث ويصير فيه إشكال؛ لأن في بعض الروايات: «ليس بين الكفر والرجل إلا ترك الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر» في بعض الروايات: «فقد أشرك».
[ ٤ / ٢٠٩ ]
مداخلة: سبحان الله العظيم.
الشيخ: أتساءل أنا كيف فقد أشرك؟! يا أخي! هذا تارك الصلاة - خاصة الذي يتركها كسلًا - كيف يعني أشرك؟ كنت أظن أنه لعله في وهم من الراوي، أنا طالب علم، بعد ذلك ربنا فتح ولو على سن والحمد لله فعرفت أنه شرعًا خلاف اللغة، لا فرق بين الكفر والشرك، (فكل) كفر شرك وكل شرك كفر ولا فرق بينهما شرعًا، أما لغةً فيوجد فرق؛ لأن الكفر في اللغة هو التغطية، أما الشرك فهو جعل الشيء شريكًا لآخر، كالمشركين الذي يجعلون لله أندادًا؛ لكن فيما بعد عرفت أن كل كافر ولو كان غير مشرك لغةً فهو مشرك واقعيًا لا يخلو أي كافر إلا أن يكون مشركًا ربنا يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣) اتخذ إلهه هواه، إذًا فكل من يتبع هواه فقد جعله شريكًا مع الله، فإذًا: أي كفر لو واحد أنكر حرف من آية من قرآن كريم هذا معناه أنه حكم عقله، واتخذ عقله إلهًا من هنا جاء الشرك، فإذًا: صدق من قال: كل كفر شرك وكل شرك كفر وليس كل كفر شرك، ليس كمن يقول ليس كل كفر شرك، كما سمعت من الطحاوي، هذا في الواقع من العلوم النادرة جدًا، والتي تحل بها مشاكل كثيرة وكثيرة منها: آية: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) أنا قرأت إشكالًا حول هذه الآية في مجلة المنار الذي كان يصدرها السيد: رشيد رضا، جاء عليه اعتراض قال: إن الآية معناها: أن هؤلاء الكفار الأوروبيون الذين يؤمنون بالديانة الطبيعية يسمونها طبيعية يعني أن لهذا الكون خالقًا، وما يعرفون أكثر من ذلك، فيمكن أن هؤلاء الله يغفر لهم؛ لأنهم غير مشركين وما استطاع السيد رشيد رضا يومئذ أن يجيب بجواب كمثل هذا الجواب الذي لو كان يحضره يومئذ كان فصل الخطاب، كل كفر شرك وكل شرك كفر.
"الهدى والنور" (٣٤١/ ٠٥: ٤٩: ٠٠)
[ ٤ / ٢١٠ ]
[٥٥٥] باب كلمة حول الفرق بين الكفر والشرك
سؤال: هل الكتابيات اللواتي كن في عهد النبي - ﵌ - كن ممن كان يقول بأن الله هو عيسى بن مريم.
الشيخ: إيه، لا شك، معلوم.
مداخلة: وعلى الرغم من ذلك أحل الزواج منهن ولم يكن هذا الزواج مشروطًا بتغيير دينهن إلى الإسلام.
الشيخ: نعم.
مداخلة: لما تحدثنا على .. أهل الكتاب أنه يفترض أن ذبحهم حلال أهل الكتاب، لأنهم كانوا يذبحون حلالًا ويذكون.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فالآن لا يذبحون إلا خنق فطعامهم ما عاد حلًا لنا.
الشيخ: هو هذا.
هن مشركات لكن زائد كتابيات، فكل كتابي مشرك ولكن ليس كل مشرك كتابي، فلتميز الكتابي على المشرك لكونه كتابيًا أعطيت له خصوصيات يتميز بها عن المشركين والمشركات.
مداخلة: ويجوز أنه ليس كل كتابي مشرك.
الشيخ: يجوز هذا، لكن على التعبير الإسلامي الصحيح كل من كفر بالله فهو مشرك، لا تنسى هذه محاضرة كنا ألقيناها ربما أكثر من مرة، تتذكرون هذا؟ كل كافر مشرك، ولو كان هو ليس مشركًا لغة، هل الكلام مفهوم لديك أبو عبد الله.
[ ٤ / ٢١١ ]
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: سمعت الكلمة في هذا.
مداخلة: لا ما سمعت.
الشيخ: إذًا لا يكون مفهوم لديك، يكون مفهوم هكذا يعني .. المسألة تريد بحث.
الآن أنت تعلم بأن هناك مذهب الطبيعيين الذين يؤمنون بأن لهذا الكون خالقًا، فالضرورة أدتهم إلى أن يعتقدوا بأن لهذا الكون خالقًا، لو أن مسلمًا حتى لا نبتعد بالأمثلة، لو أن مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم ما شاء الله عليه، لكن يقول هذه الآية لم تعجبني، هذا كفر، هل هناك شك؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لكن أشرك، هذه ليس عندكم خبر بها، كونه كفر لا شك، لكن كونه أشرك تحتاج إلى بيان وتوضيح.
الشرك في اللغة أخف من الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركًا، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا يستحق العبادة سواه، هذا موحد ليس مشركًا، ويؤمن بكل ما جاء من عند الله، لكنه قال: الآية الفلانية لم تعجبني، أو الحديث النبوي ما أعجبني، هذا لغةً: كَفَرَ، لكنه ما أشرك، أما شرعًا فقد أشرك أيضًا، والسبب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣)، إذًا: هنا صار شرك لأنه جعل هواه إلهًا.
إذًا: هو يقول لا إله إلا الله، لكن من حيث واقعه جعل مع الله إلهًا، وليس من
[ ٤ / ٢١٢ ]
الضروري يكون إلهه فرعون أو اللات أو مناة .. إلى آخره، يكفي أن يكون إلهه هواه، من هنا الآن الشرع يجعل كل من كفر بمكفر ما مشركًا، وإليك الآن النص الصريح من القرآن الكريم، قصة المؤمن والملحد الذي أنكر البعث والنشور في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف:٣٢ - ٣٥).
هو كفر في هذه الآية، لكن في الآيات التي بعدها سيحكم عليه ربنا
بأنه أشرك.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى
رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ
مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٥ - ٣٨).
فهو قال له: (وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) لأنه اعتبره مشركًا حينما قال: (ما أظن أن تبيد هذه أبدًا .. وما أظن الساعة قائمة)
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٩ - ٤٢).
[ ٤ / ٢١٣ ]
إذًا شركه كان شكه في البعث والنشور، إذًا: الشرع -وقدمت آنفًا التعليل- يعتبر كل كفر شركًا، فهكذا أهل الكتاب هم مشركون، ولو وجد هناك موحدون يعتقدون بأن عيسى ليس ابنًا لله، فهو مشرك؛ لأنه ما آمن بالله ورسوله، واضح أظن القصد.
مداخلة: هو مشرك لأنه كافر.
الشيخ: هذا هو، كل كافر مشرك.
"الهدى والنور" (٦٢٦/ ٢٩: ٠٣: ٠٠) و(٦٢٦/ ٣٤: ١٣: ٠٠)
[٥٥٦] باب بيان خطأ مقولة: الخطأ مغفور في الفروع دون الأصول، والتعرض لمسألة التفريق بين الكفر والشرك
سؤال: يا شيخنا طبعًا ذكرتم أن المنهج الصحيح موجود في القرآن والسنة، وقواعد المنهج معلومة لدينا فهما الكتاب والسنة على فهم الصحابة وما إلى ذلك، فيعني وكلنا يعلم أنكم قد بذلتم جهدكم في يعني سبيل إقامة قواعد هذا المنهج، ولست أنا أشهد أو غيري، ولكن السلسلة الصحيحة تشهد والسلسلة الضعيفة وإرواء الغليل .. وما إلى ذلك من الكتب التي كان هدفها تصفية الدين مما علق به من الشوائب من بدع ومنكرات وأحاديث ضعيفة ومنكرة، فالسؤال يا شيخنا يعني طبعًا على سبيل ضرب المثل الإمام ابن حجر في كتابه «فتح الباري في شرح أحاديث صحيح البخاري» كانت له بعض الزلات في مجال العقيدة، ونبه عليها شيخنا عبد العزيز بن باز في تعليقاته، فالسؤال: طبعًا هو في زلاته هذه يعني
خفق في فهم الصحابة، فكانت له زلات في مجال العقيدة، فسؤالي: هل يخرج
من المنهج أو زلاته في الاعتقاد تنفي عنه كونه على المنهج الصحيح. هذا السؤال يا شيخ؟
[ ٤ / ٢١٤ ]
الشيخ: إذا كنا متذكرين جميعًا أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله - ﵌ -، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إمامًا في دعوة الحق، فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبناها، فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح، متى يكون المسلم صالحًا؟ هل يشترط في أن يكون صالحًا: ألا يقع منه أي ذنب أو معصية؟
الجواب: لا، بل من طبيعة الإنسان أن يقع منه الذنب والمعصية مرارًا وتكرارًا، فمتى يكون العبد صالحًا؟
إذا غلب خيره شره، وصلاحه على ضلاله .. وهكذا، كذلك تمامًا يقال في المسائل العلمية سواء كانت هذه المسائل العلمية مسائل عقدية أو فقهية، فإذا كان هذا العالم يغلب عليه العلم الصحيح فهو الناجي، أما أن له زلة أو زلات في الفقه أو في العقيدة فهذا لا يخرجه عن ما غلب عليه من العقيدة الصحيحة، فابن حجر ما ذكرت من له تلك الزلات فلا يعني ذلك أنه لا ينبغي أن نستفيد من كتابه، وألا نترحم عليه، وألا نحشره في زمرة علماء المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة.
كل إنسان يخطئ، ولا مجال من الخطأ؛ لأن الله ﷿ حينما خلق ملائكة وخلق بشرًا فقد قدر على هؤلاء البشر أن يخطئوا رغم أنوفهم، كما قال ﵊، حديثان مهمان جدًا، ولكن حذاري أن يفهم فهمًا خاطئًا:
الحديث الأول: قال ﵊: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا
[ ٤ / ٢١٥ ]
فهو مدركه لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه» (١)، الشاهد من هذا الحديث: «فهو مدركه لا محالة»، أي: لا يمكن أن يتخلص، لماذا؟ لأنه إنسان ليس مَلَكًا.
الحديث الآخر وهو الأهم، قال ﵊: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» (٢)، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يحلون محلكم ويذنبون بخلافكم، فهل أنتم لا تذنبون؟ فهذا قضاء الله قدره، لا بد لجنس البشر من أن يقع في الخطأ الذي لا يحبه الله، لكن هذا الخطأ قد يكون من الصغائر من اللمم وقد يكون من الكبائر، فسواء كان هذا أو هذا، هذا أمر لا بد منه، ولكن هل معنى الحديث: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، هل معنى الحديث ومغزى الحديث: الحض على الذنوب وارتكاب المعاصي؟
الجواب: لا، المقصود من الحديث تمامًا عاقبته، يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، ومعنى هذا حينئذ: يا معشر البشر .. كما قال تعالى في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم » إلى آخر الحديث، الشاهد: أن حديث: «لو لم تذنبوا»، الهدف منه: أيها البشر ما دام أنكم فطرتم على المعصية فلا تتكلوا عليها، وإنما أتبعوها بالمغفرة بالاستغفار؛ حتى تعقبها المغفرة؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:١١٤)، إذا كان إذًا هذه طبيعة البشر أن يخطئوا في مخالفة النص
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم١٧٩٧).
(٢) مسلم (رقم٧١٤١).
[ ٤ / ٢١٦ ]
قصدًا وهي الذنوب، وأن يخطئوا في مخالفة النص لا قصدًا وإنما لسوء فهم فلا مؤاخذة في ذلك، المؤاخذة متى تكون؟ إذا أقيمت الحجة على إنسان، سواء كانت الحجة في مسألة عقدية فكرية أو كانت الحجة في مسألة فقهية، ثم عاند وأصر على خطئه فهنا تكون المؤاخذة، والعكس لا، أي: إذا إنسان وقع في خطأ عقدي لكنه هو كان حريصًا على معرفة الصواب في تلك العقيدة لكنه لم يوفق إلى ذلك، ولو أقيمت الحجة عليه لرجع إلى الصواب فلا مؤاخذة عليه.
لذلك هذا الكلام في الحقيقة يجرنا إلى مسألة من تلك المسائل المنهجية التي يجب أن نعرفها، فإن بعض العلماء، وبخاصة الكتاب اليوم، يخطئون في هذه المسألة، كثيرًا ما تقرءون أو تسمعون: أن الخطأ في الفهم يغتفر في الفروع وليس في الأصول، هذا خطأ، الخطأ يغتفر مطلقًا، سواء كان في الفروع أو كان في الأصول؛ لأنه عدم المؤاخذة من الله ﷿ لعباده هو لعدم وجود قصد المخالفة من هذا العبد لربه، فإذا وجدت المخالفة، سواء كانت المخالفة في العقيدة أو في الحكم في الفقه ولم يكن القصد هو العناد والمكابرة والجحد فلا مؤاخذة في ذلك، فالتفريق بين الأصول والفروع، بين العقيدة والفقه في مسألة عدم المؤاخذة بالخطأ في الفروع والمؤاخذة في الأصول، هذا التفريق لا أصل له، فهذا التفريق يشبه تمامًا التفريق البدعي الآخر وهو: أنه يجب الأخذ بحديث الآحاد في الفروع ولا يؤخذ بحديث الآحاد في الأصول، هذا خطأ وهذا خطأ.
أروي لكم الآن حديثًا من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ومن حديث حذيفة بن اليمان أيضًا رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﵌ - قال: «كان في من قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط، فلما حضره الموت جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب لكم؟ قالوا:
[ ٤ / ٢١٧ ]
خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» هل ترونه مؤمنًا وهو يقول: (إن قدر الله علي)؟ هذا شك في قدرة الله ﷿، إذًا نستطيع أن نقول: هل أخطأ في الفرع أم أخطأ في أصل الأصول في الله ﷿ الذي ذكر في خاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨)؟ هذا الإنسان هو هذا الذي عناه الله ﷿ في هذا المثال، قال هذا الرجل: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» يعترف بأنه كان مخطئًا مع ربه، وأن الله ﷿ إذا عذبه يكون عادلًا؛ لأنه كان مخطئًا معه، فللخلاص من عذابه دار في ذهنه مخرج مخلص، فأوصى بوصية في علمه وفي اعتقاده لم يقع مثلها في الدنيا من غير هذا الإنسان، «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم خذوا رمادي فذروا نصفه في البحر ونصفه في الريح» أحرقوه بالنار وأخذوا رماده والريح يهوج فذروه في الريح، والنصف الثاني في البحر، لماذا فعل هذا الرجل هذه الفعلة؟ ظن أنه يضل عن ربه، وأن الله ﷿ ليس بقادر على أن يقول له: كن بشرًا سويًا، لكن الله ﷿ فعل ذلك به، فلما مات وذروا رماده في الريح وفي البحر قال الله له: كن فلانًا، فكان بشرًا سويًا، قال له .. هنا الشاهد: «قال له: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب خشيتك -أنا خفت منك- قال: اذهب فقد غفرت لك».
هذا الحديث وقد عرفتم أنه من صحاح الأحاديث في البخاري ومسلم وعن صحابيين جليلين: أبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، هذا الحديث من مخصصات عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، في هذا الحديث قد غفر الله لهذا الجاني على نفسه بوصيته الجائرة.
لكن هنا لا بد لي من وقفة، وهذا من العلم الذي نحن بحاجة إليه باعتبارنا
[ ٤ / ٢١٨ ]
أننا ندعو الناس إلى الكتاب والسنة: هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ الآن أنا أوجه هذا السؤال وما أريد أن أسمع صوتًا، لكن أرى يدًا رفعت، من كان عنده الجواب عن هذا السؤال يرفع يده، هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ تفضل.
مداخلة: كافر.
الشيخ: كافر، تفضل.
مداخلة: لا كافر ولا مشرك.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: ليس بكافر ولا مشرك؛ لأن الله ﷿ لا يغفر الشرك، والله ﷿ غفر له.
الشيخ: هاه، مع الأسف ما سمعنا جوابًا صحيحًا، الذي أنكر قدرة الله ﷿ على إعادته بشرًا كما كان هذا كافر بلا شك؛ لأن هذا هو الذي ذكرناكم بخاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨)، هو جعل نفسه رميمًا سلفًا، يعني: ما صبر حتى يدفن ويصير جسمه رميمًا ترابًا، وإنما عجل على نفسه بتلك الوصية الجائرة فجعل نفسه رمادًا، لا شك أن هذا كفر.
لكن كنت أتمنى أن أسمع الجواب الصحيح، ومن أجل هذا أنا وقفت هذه الوقفة معكم من باب التذكير أو التعليم: هذا الرجل كفر وهذا الرجل أشرك، ولولا أنه أشرك ما جاز لي أن أقول: إن آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨)، قلنا: إن هذه الآية مخصصة بمثل هذه الحادثة، أي: أن بعض
[ ٤ / ٢١٩ ]
الشرك يغفر، هذا معنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨) ليست الآية على عمومها وشمولها، فبعض الشرك يغفر، وأنا الآن ذكرت لكم نوعًا، أذكر لكم نوعًا آخر، وهذا ستعرفونه، لأنكم تسمعون بأن أهل الفترة غير معذبين، أليس كذلك؟ طيب، هل تقولون: أنهم كانوا غير مشركين؟ كانوا مشركين، لكنهم لا يعذبون، لماذا؟ لأن حجة الله لم تقم عليهم، أي: لم تبلغهم دعوة الرسول، وأنا أتكلم بصورة عامة عن أهل الفترة لا أعني الذين بعث إليهم الرسول لكن بقاعدة عامة: أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ولو كانوا مشركين فهم لا يعذبون على شركهم، لماذا؟ لأن الحجة لم تصلهم.
فهنا في هذه القصة هذا الرجل بالنسبة للفكرة القائمة: أن الشرك أخص من الكفر، والكفر أعم من الشرك، بمعنى: كل من أشرك فقد كفر، وليس كل من كفر أشرك، هذا هو الفقه القائم في أذهان الناس إلا قليلًا منهم.
أوضح ذلك بمثال: رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم .. إلى آخره، لكنه أنكر آية من القرآن، هذا كفر أم لم يكفر؟
مداخلة: كفر.
الشيخ: كفر، هل أشرك؟
مداخلة: ما أشرك.
الشيخ: ما أشرك، لا الصواب أشرك، كل كافر مشرك وكل مشرك كافر، لا فرق بين اللفظين إطلاقًا، هذه الحقيقة التي جرني إلى بيانها حديث ذلك الجائر في وصيته، إنه أشرك، كل من كفر فقد أشرك، ومن أشرك فقد كفر، لا إشكال في ذلك، والدليل على ذلك: لو تذكرنا محاورة المؤمن والكافر في سورة الكهف:
[ ٤ / ٢٢٠ ]
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (الكهف:٣٢ - ٣٥) انتبهوا الآن: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (الكهف:٣٥، ٣٦) بمفهومكم السابق هذا كفر أم أشرك؟
مداخلة: أشرك.
الشيخ: كفر.
مداخلة: أشرك.
مداخلة: كفر.
الشيخ: مفهومكم السابق مفهومكم الخطأ هذا كفر وما أشرك، أنكر البعث والنشور، ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف:٣٥) ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ (الكهف:٣٦) ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ (الكهف:٣٧)، ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (الكهف:٣٩) ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٤٠ - ٤٢]، إذًا: هو لما أنكر البعث والنشور أشرك مع الله، فكل من كفر بشيء جاء في الكتاب أو في السنة فهو في حالة كفره مشرك، هذا هو من ناحية النص القرآني، فما هو الوجه الفكري والعقلي؟
[ ٤ / ٢٢١ ]
الجواب: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣)، فإذًا كل من كفر بكفرية ما يكون مشركًا مع الله؛ لأنه جعل عقل نفسه شريكًا مع ربه ﵎؛ ولذلك لا تفرقوا بين الكفر والشرك، إذا عرفتم هذه الحقيقة فيزول إشكال قد يعرج أحيانًا في البال لبعض من يسمع حديث الرسول ﵇ بروايته: «من ترك الصلاة فقد كفر»، «من ترك الصلاة فقد أشرك»، كيف هذا؟
الذي يفرق بين الكفر والشرك يشكل عليه لفظة: (أشرك)، لا، الصواب أن يقال: كفر، كذلك الحديث الآخر: «من حلف بغير الله فقد كفر»، «من حلف بغير الله فقد أشرك»، كفر أشرك، أشرك كفر، لا فرق بين اللفظين من حيث الاصطلاح الشرعي، من حيث الاصطلاح اللغوي في فرق بلا شك، لكن الشرع فتح بصائرنا وأفكارنا وأفهمنا لماذا كل من كفر بالله ﷿ أي نوع من الكفر يكون مشركًا؛ لأنه شرَّك عقله مع ربه ﷿ فجعله شريك فيما يصدر منه من قرار ومن حكم.
إذا عرفنا هذا نعود إلى وصية ذلك الرجل: «غفر الله له»، لماذا؟
هنا كان بيت القصيد من الاستدلال بالحديث؛ لأن الكفر لم يعقد في قلبه، إنما عرض له لشبهة طرأت له من هول تصوره لعذاب ربه له فيما إذا تمكن منه، فليتخلص من هذا العذاب الذي هو يستحقه أوصى بتلك الوصية الجائرة، فإذا أصابت مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله يؤمن بكتاب الله وبحديث رسول الله فتأول نصًا من كتاب الله، إن كان تأوله وهو يعلم أنه مبطل فهو كافر، أما إن كان شُبِّه له فلا مؤاخذة عليه.
وهذا هو نهاية الجواب عن ذلك السؤال.
"الهدى والنور" (٧٢٤/ ٥٥: ٠٠: ٠٠)
[ ٤ / ٢٢٢ ]
[٥٥٧] باب هل كان الناس على الإيمان أم الكفر؟
السائل: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (البقرة:٢١٣) الناس كانوا على الإيمان أم على الكفر؟
الشيخ: على الإيمان بلا شك.
مداخلة: طيب. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (البقرة:٢١٣) يعني الآية يعني تلمح على أنهم كانوا على غير الإيمان وإلا لمَ بَعَثَ الله النبيين بعد؟
الشيخ: الأمر سهل، كانوا على الإيمان والتوحيد وعلى الشرائع التي أنزلها الله ﷿ على آدم ومن بعده، ثم اختلفوا فبعث الله النبيين وانتهى الأمر، فالبعث لا يعني أنه لم يكن هناك توحيد ولم يكن هناك تشريع وإنما يعني أنه وجد مخالفات ومقتضيات تقتضي بالحكمة الإلهية إرسال هؤلاء الرسل.
مداخلة: يعني كما يقولون إيجاز، حذف في الآية؟
الشيخ: إيه في طي، يقولون في طي في الآية. نعم.
"الهدى والنور" (٢٣٥/ ١١: ٢٩: ٠٠)
[٥٥٨] باب هل يفسر الكفر بالجحود فقط؟
سؤال: هل الكفر يفسر بالجحود فقط من الناحية الاصطلاحية، أم أن هناك صورًا أخرى للكفر يفسر بها كالإعراض والاستكبار والإباء وغيرها؟
الجواب: هذا سؤال غير وارد؛ لأنَّا قسمنا الكفر إلى قسمين كفر عملي وكفر اعتقادي، مقدم سلفًا كنا تقدمنا بهذا التقسيم وقلنا أن الكفر قد يكون كفرًا عمليًا وليس كفرًا اعتقاديًا فإذًا ليس الكفر فقط يعني الجحود؛ وإنما يعني أيضًا معنى
[ ٤ / ٢٢٣ ]
آخر؛ من ذلك: ما جاء في سؤال السائل فقد يكون كفر نعمة مثلًا: "يكفرن النعمة ويكفرن العشير" كما جاء في حديث البخاري عن النساء، فإذًا الكفر له عدة معاني حقيقية، لكن بما كان يتعلق بالبحث السابق كالكفر فيما يتعلق بتارك الصلاة وغير الصلاة إما أن يكون الكفر بمعنى الجحد فهو يكفر به، وإما أن يكون الكفر بمعنى أنه يعمل عمل الكفار فلا يصلي، فهذا لا يكفر به وإنما يفسق.
" الهدى والنور" (٢/ ٤٧: ٢٨: ٠٠)
[٥٥٩] باب لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله
[قال الإمام معلِّقًا على قول صاحب الطحاوية: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله]:
قلت: يعني استحلالًا قلبيًا اعتقاديًاّ، وإلا فكل مذنب مستحل لذنبه عمليًاّ، أي: مرتكب له، ولذلك فلا بد من التفريق بين المستحل اعتقادًا فهو كافر إجماعًا، وبين المستحل عملًا لا اعتقادًا، فهو مذنب يستحق العذاب اللائق به، إلا أن يغفر الله له، ثم ينجيه إيمانه، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود في النار، وإن اختلفوا في تسميته كافرًا أو منافقًا.
وقد نبتت نابتة جديدة اتبعوا هؤلاء في تكفيرهم جماهير المسلمين رؤوسًا ومرؤوسين، اجتمعت بطوائف منهم في سوريا ومكة وغيرها، ولهم شبهات كشبهات الخوارج، مثل النصوص التي فيها من فعل كذا فقد كفر، وقد ساق الشارح رحمه الله تعالى طائفة منها هنا، ونقل عن أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص - أن الذنب أي ذنب كان هو كفر عملي لا اعتقادي، وأن الكفر عندهم على مراتب: كفر دون كفر كالإيمان عندهم، ثم ضرب على ذلك
[ ٤ / ٢٢٤ ]
مثالًا هامًاّ طالما غفلت عن فهمه النابتة المشار إليها فقال رحمه الله تعالى (ص ٣٦٣): وهنا أمر يجب أن يُتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة.
ويكون كفرًا: إما مجازيًاّ وإما كفرًا أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم؛ فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله: فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًاّ، أو كفرًا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٦١ - ٦٣).
[٥٦٠] باب منه
[نقل الإمام تعليق شارح الطحاوية على قول الماتن: «ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي - ﵌ - معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين». مقررا إياه فقال]:
قال الشارح: يشير الشيخ ﵀ إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله.
والمراد بقوله: «أهل قبلتنا» من يدعي الإسلام، ويستقبل الكعبة، وإن كان من أهل الأهواء، أو من أهل المعاصي، ما لم يُكذب بشيء مما جاء به الرسول - ﵌ -.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٥٥).
[ ٤ / ٢٢٥ ]
[٥٦١] باب منه
سؤال: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإنا نستسمح من شيخنا في أن نكمل بعض الأسئلة في مسألة التكفير، فنأمل الإذن بذلك. قول الطحاوي في الطحاوية: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، قال شارح الطحاوية: ينبغي أن يقيد هذا، ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب؛ هل هذا التقييد صحيح؟
الشيخ: نعم، لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بأي ذنب صدر منه بالشرط الذي كنا ذكرناه بشيء من التفصيل في جلسة سابقة، ألا وهو: ألَّا يستحل بقلبه ذلك الذنب، أما إذا واقع ذنبًا من الذنوب حتى ولو كانت من الذنوب الكبائر حتى ولو كان ذلك الذنب هو ترك الصلاة، إذا كان ما ارتكبه من هذا الذنب أو ذاك يعترف في قرارة قلبه أنه مذنب مع ربه -﷿- فلا يكفر بهذا الذنب مهما كان شأنه. أما إذا استحله بقلبه كما استحله بعمله، فهذا هو الكفر المخرج عن الملة، فلا فرق بين ذنب وذنب، أنه لا يجوز أن نكفر مسلمًا به إلا بالشرط المذكور آنفًا، أي ما دام أنه له ذنب، وأن هذه العقيدة هي يجب الإيمان بها، ولكنه غلبه هواه وشيطانه فهو يعترف.
فأنا أذكركم بهذه المناسبة بذنب ذلك الذي أوصى بتلك الوصية الجائرة التي لا نتصور وصية جائرة أكثر منها، وهي حينما أمر بنيه لكي يحرقوه ليضل على ربه، هذا ذنب ما بعده ذنب، ومع ذلك فربنا -﷿- لم يؤاخذه حينما أفصح الرجل والله أعلم بما كان في قلبه أنه لم يعمل أو لم يوص بتلك الوصية الجائرة إنكارًا لقدرة الله -﷿- واعتقادًا بعجزه عن أنه لا يستطيع أن يعيده بشرًا سويًا؛ لا،
[ ٤ / ٢٢٦ ]
وإنما قال: خشيتك، فغفر الله -﷿- له، فمهما المسلم ارتكب كبيرة من الكبائر وهو غير مستحل لها بقلبه، هنا يأتي قوله -﵊-: «من قال: لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره»، وهنا تأتي أحاديث الشفاعة التي تصرح في خاتمة الشفاعة: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، لذلك كان عقيدة السلف الصالح وأهل السنة والجماعة حقًا أن مرتكب الكبيرة هو فاسق لا يخرج بكبيرته عن الإسلام.
"الهدى والنور" (٦٧٢/ ٠٥: ٠٦: ٠٠)
[٥٦٢] باب حد الكبيرة
[قال الإمام]:
اعلم أنهم اختلفوا في تعريف الكبائر على أقوال، أمثلُها أنها ما يترتب عليها حد، أو توعد عليها بالنار، أو اللعنة أو الغضب. وراجع «الشرح [أي شرح الطحاوية]» و«مجموع الفتاوى» للشيخ ابن تيمية (١١/ ٦٥٠).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٣).
[٥٦٣] باب لا يُشهد لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا من شُهد له، وحكم قول بعضهم عن الميت: «المغفور له» وما شابهه
-[نقل الإمام تعليق الشيخ ابن مانع على قول صاحب الطحاوية: «ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة» مقررًا إياه فقال]:
قال الشيخ ابن مانع ﵀: «اعلم أن الذي عليه أهل السنة والجماعة أنهم
[ ٤ / ٢٢٧ ]
لا يشهدون لأحد مات من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله وأخبر عنه بذلك، ولكنهم يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء، وبهذا تعلم ما عليه كثير من الناس إذا ذكروا عالمًا أو أميرًا أو ملكًا أو غيرهم قالوا: المغفور له، أو ساكن الجنان، وأنكى من ذلك قولهم: نقل إلى الرفيق الأعلى، ولا شك أن هذا قول على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم عديل الشرك كما قال تعالى: ﴿وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (الأعراف: ٣٣) وأما المشرك فنشهد له بالنار لأن الله قال: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ (المائدة: ٧٢).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٤ - ٦٥).
[٥٦٤] هل يدخل الكافر كفرًا اعتقاديًّا الجنة؟
السائل: الكافر كفر اعتقادي هل هناك يعني إمكانية في دخوله الجنة؟
الشيخ: لا، إنها محرمه على الكافرين، بنص القرآن الكريم.
"الهدى والنور" (٤٢٨/ ٢٥: ٢٤: ٠٠)
[٥٦٥] باب الكافر هل يجازى على عمله الصالح؟
[قال رسول - ﵌ -]:
«إن الله ﷿ لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه».
[قال رسول - ﵌ -]:
فهذا الحديث وغيره يدل على أن المؤمن لا يقبل منه عمله الصالح إذا لم يقصد به وجه الله ﷿، وفي ذلك يقول تعالى: ٍ ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه
[ ٤ / ٢٢٨ ]
فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ فإذا كان هذا شأن المؤمن فماذا يكون حال الكافر بربه إذا لم يخلص له في عمله؟ الجواب في قول الله ﵎: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾.
وعلى افتراض أن بعض الكفار يقصدون بعملهم الصالح وجه الله على كفرهم، فإن الله تعالى لا يضيع ذلك عليهم، بل يجازيهم عليها في الدنيا، وبذلك جاء النص الصحيح الصريح عن رسول الله - ﵌ - وهو: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنته، يعطى بها (وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها»
تلك هي القاعدة في هذه المسألة: أن الكافر يجازى على عمله الصالح شرعًا في الدنيا، فلا تنفعه حسناته في الآخرة، ولا يخفف عنه العذاب بسببها فضلًا عن أن ينجو منه.
تنبيه: هذا في حسنات الكافر الذي يموت على كفره كما هو ظاهر الحديث وأما إذا أسلم فإن الله ﵎ يكتب له كل حسناته التي عمل بها في كفره، ويجازيه بها في الآخرة وفي ذلك أحاديث كثيرة كقوله - ﵌ -: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها» الحديث.
هذا وقد يظن بعض الناس أن في السنة ما ينافي القاعدة المذكورة من مثل الحديث الآتي:
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﵌ - ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال:
«لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ
[ ٤ / ٢٢٩ ]
كعبيه، يغلي منه دماغه»
وجوابنا على ذلك من وجهين أيضًا:
الأول: أننا لا نجد في الحديث ما يعارض القاعدة المشار إليها، إذ ليس فيه أن عمل أبي طالب هو السبب في تخفيف العذاب عنه، بل السبب شفاعته - ﵌ -، فهي التي تنفعه، ويؤيد هذا، الحديث التالي: عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا (أي شفاعته) لكان في الدرك الأسفل من النار» فهذا الحديث نص في أن السبب في التخفيف إنما هو النبي ﵇، أي شفاعته - كما في الحديث قبله - وليس هو عمل أبي طالب، فلا تعارض حينئذ بين الحديث وبين القاعدة السابقة، ويعود أمر الحديث أخيرًا إلى أنه خصوصية للرسول - ﵌ -، وكرامة أكرمه الله ﵎ بها حيث قبل شفاعته في عمه وقد مات على الشرك، مع أن القاعدة في المشركين أنهم كما قال ﷿: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾، ولكن الله ﵎ يخص بتفضله من شاء، ومن أحق بذلك من رسول الله - ﵌ - سيد الأنبياء؟ عليهم جميعًا صلوات الله.
والجواب الثاني: أننا لو سلمنا جدلًا أن سبب تخفيف العذاب عن أبي طالب هو انتصاره للنبي - ﵌ - مع كفره به، فذلك مستثنى من القاعدة، ولا يجوز ضربها بهذا الحديث كما هو مقرر في علم أصول الفقه، ولكن الذي نعتمده في الجواب إنما هو الأول لوضوحه. والله أعلم.
"الصحيحة" (١/ ١/١١٨ - ١٢١).
[ ٤ / ٢٣٠ ]
[٥٦٦] باب منه
[قال رسول - ﵌ -]:
- «إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة كان أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله ﷿ عنها».
[قال الإمام]:
أخرجه النسائي (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨) من طريق صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﵌ -: فذكره. قلت: وهذا سند صحيح، وقد علقه البخاري في " صحيحه " فقال: قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم به دون كتب الحسنات. وقد وصله الحسن بن سفيان والبزار والإسماعيلي والدارقطني في " غرائب مالك " والبيهقي في " الشعب " من طرق أخرى عن مالك به.
قال حافظ في " الفتح " (١/ ٨٢): " وقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري وهو كتابة الحسنات المتقدمة قبل الإسلام. وقوله " كتب الله " أي أمر أن يكتب، وللدارقطني من طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ " يقول الله لملائكته اكتبوا "، فقيل: إن المصنف أسقط ما رواه غيره عمدا، لأنه مشكل على القواعد.
وقال المازري: الكافر ليس كذلك، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه، لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفًا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك.
[ ٤ / ٢٣١ ]
وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال. واستضعف ذلك النووي فقال: " والصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم، ثم مات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد، فغير مسلم، لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكفار في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم وتجزئه " انتهى.
ثم قال الحافظ: والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلًا من الله
وإحسانًا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولًا. والحديث إنما تضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا على إسلامه، فيقبل ويثاب إن أسلم، وإلا فلا. وهذا قوي. وقد جزم بما جزم به النووي: إبراهيم، الحربي وابن بطال، وغيرهما من القدماء، والقرطبي وابن المنير من المتأخرين.
قال ابن المنير: المخالف للقواعد، دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرًا، فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما تفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة جاز أن يكتب ثواب ما عمله غير موفى الشروط. واستدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباء منثورًا، فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب له مضافا إلى عمله الثاني، وبقوله - ﵌ - لما سألته عائشة عن ابن جدعان وما كان يصنعه من الخير: هل ينفعه؟ فقال: «إنه لم يقل
[ ٤ / ٢٣٢ ]
يوما، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر ".
قلت: وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لتضافر الأحاديث على ذلك، ولهذا قال السندي في حاشيته على النسائي: " وهذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة، إن أسلم تقبل، وإلا ترد.
وعلى هذا فنحو قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب﴾ محمول على من مات على الكفر، والظاهر أنه لا دليل على خلافه، وفضل الله أوسع من هذا وأكثر فلا استبعاد فيه، وحديث " الإيمان يجب ما قبله " من الخطايا في السيئات لا في الحسنات ".
قلت: ومثل الآية التي ذكرها السندي ﵀ سائر الآيات الواردة في إحباط العمل بالشرك كقوله تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين﴾، فإنها كلها محمولة على من مات مشركا، ومن الدليل على ذلك قوله ﷿: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. ويترتب على ذلك مسألة فقهية وهي أن المسلم إذا حج، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لم يحبط، حجه ولم يجب عليه إعادته، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحد قولي الليث بن سعد، واختاره ابن حزم وانتصر له بكلام جيد متين، أرى أنه لابد من ذكره، قال رحمه الله تعالى (٧/ ٢٧٧):
"مسألة - من حج واعتمر، ثم ارتد، ثم هداه الله تعالى واستنقذه من النار فأسلم فليس عليه أن يعيد الحج ولا العمرة، وهو قول الشافعي وأحد قولي الليث
[ ٤ / ٢٣٣ ]
وقال أبو حنيفة ومالك وأبو سليمان: يعيد الحج والعمرة، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾، ما نعلم لهم حجة غيرها، ولا حجة لهم فيها، لأن الله تعالى لم يقل فيها: لئن أشركت ليحبطن عملك الذي عملت قبل أن تشرك، وهذه زيادة على الله لا تجوز، وإنما أخبر تعالى أنه يحبط عمله بعد الشرك إذا مات أيضا على شركه، لا إذا أسلم، وهذا حق بلا شك. ولو حج مشرك أو اعتمر أو صلى أو صام أو زكى لم يجزه شيء من ذلك عن الواجب، وأيضا فإن قوله تعالى فيها: ﴿ولتكونن من الخاسرين﴾ بيان أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام لم يحبط ما عمل قبل إسلامه أصلًا بل هو مكتوب له ومجازى عليه بالجنة، لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام ليس من الخاسرين بل من المربحين المفلحين الفائزين، فصح أن الذي يحبط عمله هو الميت على كفره، مرتدا أو غير مرتد، وهذا هو من الخاسرين بلا شك، لا من أسلم بعد كفره أو راجع الإسلام بعد ردته، وقال تعالى: «ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم» فصح نص قولنا: من أنه لا يحبط عمله إن ارتد إلا بأن يموت وهو كافر، ووجدنا الله تعالى يقول: «إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى»، وقال تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره»، وهذا عموم لا يجوز تخصيصه، فصح أن حجه وعمرته إذا راجع الإسلام سيراهما، ولا يضيعان له.
وروينا من طرق كالشمس عن الزهري وعن هشام بن عروة المعنى كلاهما عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﵇: أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله - ﵌ -: «أسلمت على ما أسلفت من خير».
"الصحيحة" (١/ ١/٤٩٢ - ٤٩٥).
[ ٤ / ٢٣٤ ]
[قال الإمام]:
إذا أسلم [الكافر] فإن الله ﵎ يكتب له كل حسناته التي عمل بها في كفره، ويجازيه بها في الآخرة وفي ذلك أحاديث كثيرة كقوله - ﵌ -: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها» "الحديث.
"الصحيحة" (١/ ١/١٢٠).
[٥٦٨] باب منه
عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﵇: أي رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله - ﵌ -: «أسلمت على ما أسلفت من خير».
[قال الإمام]:
قال ابن حزم: فصح أن المرتد إذا أسلم، والكافر الذي لم يكن أسلم قط إذا أسلما، فقد أسلما على ما أسلفا من الخير، وقد كان المرتد إذ حج وهو مسلم قد أدى ما أمر به وما كلف كما أمر به، فقد أسلم الآن عليه فهو له كما كان. وأما الكافر يحج كالصابئين الذين يرون الحج إلى مكة في دينهم، فإن أسلم بعد ذلك لم يجزه لأنه لم يؤده كما أمر الله تعالى به؛ لأن من فرض الحج وسائر الشرائع كلها أن لا تؤدى إلا كما أمر بها رسول الله محمد بن عبد الله ﵇ في الدين الذي جاء به الذي لا يقبل الله تعالى دينا غيره، وقال ﵇: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
[ ٤ / ٢٣٥ ]
والصابئ إنما حج كما أمره يوراسف أو هرمس فلا يجزئه، وبالله تعالى التوفيق.
ويلزم من أسقط حجه بردته أن يسقط إحصانه وطلاقه الثلاث وبيعه وابتياعه وعطاياه التي كانت في الإسلام، وهم لا يقولون بهذا، فظهر فساد قولهم، وبالله تعالى نتأيد ".
وإذا تبين هذا فلا منافاة بينه وبين الحديث المتقدم برقم (٥٢) «أن الكافر يثاب على حسناته ما عمل بها لله في الدنيا» لأن المراد به الكافر الذي سبق في علم الله أنه يموت كافرا بدليل قوله في آخره: «حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها»، وأما الكافر الذي سبق في علم الله أنه يسلم ويموت مؤمنا فهو يجازى على حسناته التي عملها حالة كفره في الآخرة، كما أفادته الأحاديث المتقدمة، ومنها حديث حكيم بن حزام الذي أورده ابن حزم في كلامه المتقدم وصححه ولم يعزه لأحد من المؤلفين، وقد أخرجه البخاري في
"صحيحه " (٤/ ٣٢٧، ٥/ ١٢٧، ١٠/ ٣٤٨) ومسلم (١/ ٧٩)
وأبو عوانة في " صحيحه "أيضا (١/ ٧٢ - ٧٣) وأحمد (٣/ ٤٠٢).
ومنها حديث عائشة في ابن جدعان الذي ذكره الحافظ غير معزو لأحد، فأنا أسوقه الآن وأخرجه وهو: " لا يا عائشة، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن الكافر إذا أسلم نفعه عمله الصالح في الجاهلية بخلاف ما إذا مات على كفره فإنه لا ينفعه بل يحبط بكفره.
وفيه دليل أيضًا على أن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل البعثة المحمدية ليسوا
[ ٤ / ٢٣٦ ]
من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة رسول، إذ لو كانوا كذلك لم يستحق ابن جدعان العذاب ولما حبط عمله الصالح، وفي هذا أحاديث أخرى كثيرة سبق أن ذكرنا بعضها.
"الصحيحة" (١/ ١/٤٩٥ - ٤٩٨).
[٥٦٩] باب معنى قول النبي - ﵌ -:
«ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر»
سؤال: قال رجلٌ للنبي - ﵌ - أرئيت الرجل يحسن في الإسلام، أيؤاخذ بما عمل في الجاهلية، قال فقال النبي - ﵌ -: «من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر»، فماذا يقصد، «من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية»، هل يقصد بذالك انه لم يرتد على الإسلام؟
الشيخ: واحد كان يسرق في الجاهلية، ويسرق، وظل يسرق في الإسلام، فيؤاخذ بهذا وذاك، رجل كان كافرًا مشركًا، وعلى شركه كان سيء التصرف، كان يسرق، كان يضرب، كان يشرب الخمر، كان إلى أخره، ثم أسلم، الإسلام يَجُبُّ ما قبله، لكن هذا الحديث، يدخل لهذه الجملة، لهذه القاعدة تخصيصًا، الإسلام يجب ما قبله، فالذي أسلم وكان مثلًا سارقًا، فبإسلامه كما انتهى عن الكفر، انتهى عن السرقة، هذا سيحسن إليه في كل ما يفعل، من حسنات في إسلامه، ولا يؤاخذ على سيئته في الجاهلية، على العكس من ذلك، فرجل آخر أسلم وكان يسرق، ومع إسلامه، ظل يسرق، فهو بناءً على القاعدة العامة الإسلام يجب ما قبله، بيتصور الإنسان، أن هذا لا يؤاخذ بما فعل في الجاهلية، من السرقة، لكن هذا
[ ٤ / ٢٣٧ ]
الحديث يقيد هذه القاعدة، ويقول بأن هذا الذي أسلم وأساء في الإسلام، فسيؤاخذ على إساءته هذه في إسلامه [مثل] إساءته في الجاهلية.
السائل: هذا إذا دخل الإسلام، واستغفر الله ﷿، عما فعل في الجاهلية، وعاد إلى ذنبه، فأين نذهب بحديث النبي - ﵌ -، الذي من خلاله يقول حديث المطول، « إذا أذنب عبدي، ذنبًا، فعرف أن له ربًا يغفر الذنب، [إلى أن قال] قد غفرت لعبدي» (١)، فهذا الإنسان أسلم، ثم بعد ذلك استغفر، قد رجع إلى السرقة، أو إلى الخمر أو كذا، فالله قد غفر له، ثم استغفر، هل يقصد بذلك: «ومن أساء في الإسلام» أنه مات على الإساءة؟
الشيخ: ليس شرطًا، إذا كان أساء في الجاهلية، وما رجع عن إساءته في الجاهلية، سؤالك الأخير أخي ما يخرج عن التوفيق بين قاعدة الإسلام يجب ما قبله، فهي قاعدة عامة، لكن هذا الحديث يخصص هذه القاعدة فيقول بأنه إذا أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما فعل في الجاهلية، أما بعد إسلامه إذا أساء في الإسلام كما أساء في الجاهلية فهو يؤاخذ بالإساءتين، سواء في الإسلام أو في الجاهلية، والحديث الذي ذكرته العبد إذا تاب، فهذا أيضًا من النصوص العامة، أي: التي يتبادر إلى الذهن أنه يشمل من كان مشركًا فأسلم، ويشمل من كان مسلمًا أب عن جد.
هنا هذا الحديث الآن يأخذ جزئية من جزئيات حديث العبد الذي ذكرته أخيرًا، ويعطينا أنه إذا كان مشركًا فأسلم، فأساء في إسلامه كما أساء في جاهليته، أخذ بالإساءتين معًا، تخصيص وتعميم فقط.
"الهدى والنور" (٤٢٥/ ٥٥: ٥٥: ٠٠) و(٤٢٦/ ٤٦: ٠٠: ٠٠)
_________________
(١) البخاري (رقم٧٠٦٨) ومسلم (رقم٧١٦٢).
[ ٤ / ٢٣٨ ]
[٥٧٠] باب تعريف الإسلام، وبيان ما يُخرجُ المرء منه
[قال الإمام]:
(دين) الإسلام هو ما شرعه الله ﷾ لعباده، على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه: روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه.
فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه لوافد ثم يولي في وقته واختلاف تعليم النبي - ﵌ - في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس؛ علمهم ما لم يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه أجابه بحسب حاله وحاجته على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: [قل آمنت بالله ثم استقم].
وأما من شرع دينًا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي - ﵌ -، ولا عن غيره من المرسلين، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق.
نقله الإمام عن شارح الطحاوية في «التعليق على متن الطحاوية» (ص١٠٩ - ١١٠) مقررًا.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
[٥٧١] باب متى يخرج المسلم من إسلامه؟
سؤال: [الأخ] يريد أن يعرف .. بأقصر الطرق وأسهل شيء متى يخرج المسلم من الإسلام؟
الشيخ: متى يخرج المسلم من الإسلام .. متى يكفر يعني؟
مداخلة: متى يكفر، نعم.
الشيخ: المسلم يخرج من إسلامه إذا أنكر شيئًا منه كان دخل فيه، مفهوم هذا الكلام؟ إذا أنكر .. إذا جحد شيئًا يتبناه في إسلامه وفي دينه وهو يعرف ذلك فأنكره بقلبه وليس بلسانه، فهو مرتد عن دينه، ولو كان [يوجد] حكم إسلامي يقتل؛ لأنه ارتد عن دينه، أما إذا لم يُخْرِجْ ذلك عن عقيدةٍ، وإنما إما قال ذلك جهلًا بدينه، أو قاله مضطرًا، أو خوفًا، أو نحو ذلك فهو لا يكفر به.
فالخلاصة: يرتد عن الدين إذا جحد شيئًا منه وهو عالم به، لكن إذا أنكر شيئًا هو لا يعرفه أنه من الإسلام فأنكره فلا يُكَفَّر إلا بعد أن يُبَيَّنَ له أن هذا الإسلام جاء به فأصر على إنكاره فهو الذي يحكم بكفره وردته؛ تطلق منه زوجته؛ وإذا مات لا يدفن في مقابر المسلمين، يعني: تترتب [عليه] أحكام أهل الردة.
أما الشيء الذي يُنْكِرُهُ ويَكفُر بإنكاره إياه فهو ما يسميه أو يعبر عنه العلماء الفقهاء: [ما] كان معلومًا من الدين بالضرورة، ما معنى هذا الكلام؟
أكثر الناس اليوم لا يعرفون أن الدخان شربه حرام، لكن كل المسلمين حتى النصارى يعرفون عن الإسلام أن شرب الخمر حرام في الإسلام، فإذا مسلمٌ ما قال: الخمر ليس حرام، هذا مرتد عن دينه لماذا؟ لأنه لا يتصور أنه يجهل أن دينه الذي هو يعتقده ويؤمن به .. لا يتصور فيه أنه يجهل أن الإسلام يحرِّمه بل هو يقينًا
[ ٤ / ٢٤٠ ]
يعلم أن الخمر حرام، لكن هو أبى هذا الحكم في الإسلام، ففي مثل إنكاره لهذا الحكم يكفر.
هذا (يسميه) الفقهاء: معلوم من الدين بالضرورة بمعنى: مجرد كون المسلم مسلمًا يعلم هذا الحكم، بينما هناك أحكام فيها دقة متناهية لا يعرفها إلا أهل العلم بل ربما إلا خواص أهل العلم، [مثل] شرب الدخان وكونه حرامًا، المسلمين كلهم يعرفون أنه حرام مثل الخمر؟! لا، فالدخان يا أخي أنا أريد أشربه وما هو حرام فهل يكفر؟! [لا]؛ لأنه ما أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة.
ومن صفات المعلوم من الدين بالضرورة أنه يكون مذكورًا إما في القرآن الكريم أو في السنة المتواترة المتلقاة عند علماء المسلمين بالقبول، فإذا أنكر حكمًا مختلَفًا فيه فلا يكفر به وإنما يُخطّأ إذا كان مخالفًا للدليل، هذا ما عندي جوابًا على ذاك السؤال، ولعله وضح عندك وزال الإشكال أو يوجد غموض؟
مداخلة: لو أقمنا عليه الحجة والدليل هل نصلي خلفه أو نقول أنه قد كفر؟
الشيخ: من الذي يريد أن يقيم الدليل زيد وبكر وعمرو أو أهل العلم؟
مداخلة: من الأحاديث
الشيخ: الأحاديث لا تكفي ..، إذا كانوا أهل العلم وأهل العلم بالكتاب والسنة أتوا بهذا الرجل وبينوا له أنك أنت تخالف صريح القرآن وتخالف صريح السنة وتخالف إجماع المسلمين؛ لأن هذا العالم قد يبين له الحجة والدليل فعلًا لكن ليس هذا أمِّي الذي أنكر هذا الشيء .. علماء كبار أنكروا هذا الشيء الذي يقيم الدليل على حرمته، فلا يكفي إقامة الدليل بالنسبة لوجهة نظر العالم وإنما
[ ٤ / ٢٤١ ]
بالنسبة لوجهة نظر كل علماء المسلمين متفقين معه على هذا، ومع ذلك كان راكب رأسه ومتبع هواه، فهذا يكفر وإلا فلا سبيل إلى تكفيره، ماذا تريد أن تقول؟ نعم؟
مداخلة: وإن كان الجاهل يعني: يجهل حكمًا، يجهل الأحاديث، ويجهل الآيات.
الشيخ: هو البحث في هذا طبعًا .. البحث في هذا، هناك من يعرف؟!
مداخلة: ومن لا يعرف.
الشيخ: نعم.
مداخلة: نتج عن هذا البحث أن الرجل أنكر حديثًا عن النبي ﵊ وهو لا يعتقد صحة هذا الحديث، ما حكمه؟
الشيخ: .. يصلي؟
مداخلة: لا ما حكمه، أهو مسلم؟
الشيخ: يصلي؟
مداخلة: يصلي.
الشيخ: طيب! فهو مسلم لكن يعود البحث السابق.
مداخلة: البحث السابق.
الشيخ: هذا تبع [هذه] الرواية أنكر حديثًا، ونفترض أن هذا الحديث صحيح، فإن كان متبعًا لهواه فهو ضال، وإن كان متبعًا لرجل أفتاه فهو غير ضال؛ وزره على من أفتاه.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
مداخلة: أما مسألة كفره هذا لا.
الشيخ: لا أبدًا أعوذ بالله.
"الهدى والنور" (١٤/ ٤٦: ٤٥: ٠٠)
[٥٧٢] باب ذكر الحد الفاصل بين الإسلام والكفر
سؤال: ما الحد الفاصل بين الإسلام والكفر؟
الشيخ: الحد الفاصل هو من أنكر من الإسلام ما هو معلوم بالدين بالضرورة فهو كافر، ومع ذلك فهذه الجملة إنما تطبق في المجتمع الإسلامي، واضح؟ لماذا؟ المعلوم من الدين بالضرورة ماذا يعنون [به]؟ يعني: يكون الحكم المعلوم من الدين بالضرورة شائعًا بين المسلمين، لا فرق بين عالمهم وجاهلهم، بين قارئهم وأميهم، كلهم يشتركون في معرفة كون هذا الشيء هو مثلًا فرض أو هو حرام، نضرب مثالًا مثلًا: هل تتصورون مسلمًا يجهل تحريم الخمر؟ أنا أقول: لا أتصور، لكني سأقول: أتصور، لكن قبل أن أقول كيف أتصور، هل تتصورون مسلمًا يجهل تحريم الدخان؟ هنا سَتُسْألون ستقولون: نعم، أكثر الناس لا يعلمون أن الدخان حرام، فإذا واحد استحل الدخان ما نكفره، لكن إذا واحد استحل الخمر قال: لا، الخمر حلال، وهذا شراب طيب إلخ، هذا نكفره.
أرجع إلى كلمتي السابقة وهو أنه أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، نقول: هذا يكفر، وأحيانا ًلا يكفر، لأنه شرط تكفير من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة أن يكون عائشًا في جو إسلامي، في جو إسلامي هذا الجو يعبق برائحة العلم، على الأقل بهذه الأمور التي نقول: إنها معلومة من الدين بالضرورة.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
نتصور الآن مجتمع أمريكي زنجي دخل في الإسلام أفواجًا، لكن هل تتصورون أنه بمجرد دخولهم في الإسلام أفواجًا أنهم عرفوا الحلال والحرام والمحرم .. إلخ، لا، هؤلاء بدهم زمن طويل حتى يعيشوا مع أهل العلم وتنتقل معلوماتهم من هؤلاء إلى صدور أولئك الأقوام الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، بحيث أنه يتكون جو جديد بالنسبة لهؤلاء الأقوام الذين دخلوا في الإسلام جديدًا، فممكن نحن نتصور رجلًا أسلم في أي بلد من البلاد غير الإسلام، قرأ يمكن ترجمة من تراجم القرآن، فدخل الإيمان في قلبه وآمن بالله ورسوله، لكن لسه ما يعرف أن الخمر محرم بالقرآن، ما فهم هذا، فنحن ما بنقوله: أنت كفرت لأنك تشرب خمر وتقول ما في شيء.
على العكس من ذلك، لما يكون المسلم عايش في مجتمع إسلامي، وهذا المجتمع الإسلامي يشع فيه العلم الصحيح فحينئذٍ من أنكر فرضًا من هذا المجتمع أنكر شيئًا معلومًاَ من الدين بالضرورة يتوارثه الأب عن أبيه والأب عن جده وهكذا، حينئذٍ يكفر لأنه أنكر معلومًا من الدين بالضرورة ..
وأنا أضرب الآن لكم مثلًا في بلاد الإسلام: أنتم تعلمون مع الأسف أن كثيرًا من المسلمين الذين يشهدون معنا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويصومون وإلخ، لكنهم ما فهموا التوحيد بعد، ما فهموا التوحيد إيجابيا وسلبيًا، ما عرفوا أن التوحيد حينما يفهمه المسلم ويؤمن به حقًا يستلزم أن يكفر بما سواه، أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن يكفر بما سوى الله ﷿، فنجد كثيرًا من المسلمين اليوم يطوفون حول القبور، وينذرون لها النذور، ويستغيثون بها من دون الله ﷿، ويستشفون يطلبون الشفاء منهم لمرضاهم، هذا معروف في كثير من البلاد الإسلامية، خاصة مصر، فتجد كبار العلماء يتأولون هذه الضلالات كلها،
[ ٤ / ٢٤٤ ]
ويسمونها بغير اسمها، يسمونها: توسلًا إلى الله وتقربًا إلى الله إلخ، وهي الشرك بعينه، فالعامة هؤلاء الذين عاشوا في مجتمع كبار الشيوخ يبررون لهم هذه الأعمال، وليس عندهم من ينبئهم بأن هذا هو الشرك الذي الله بعث محمدًا - ﵌ -، وحارب المشركين من أجله، أولئك المشركين الذين قالوا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) أصبح كثير من المسلمين اليوم يعيدون كلام المشركين الأولين، ؟ نحن نتقرب إلى الله، الفرق بين جهلة المسلمين اليوم والمشركين في ذاك الزمان أن المشركين - هنا سيظهر شيئًا من فضل العرب طبيعة، مش ديانةً-، المشركون كانوا يعرفوا أن ما يفعلونه من دعائهم لأصنام أنه عبادة لغير الله ﷿، كانوا يعرفون هذه الحقيقة ويعترفون بها، كما حكى الله ﷿ عنهم في الآية السابقة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الزمر:٣) (يوجد) طيّ هنا في الكلام، وهذا من بلاغة القرآن، إذا قيل لهم: لماذا تعبدونهم من دون الله ﷿؟ قالوا: ما نعبدهم لذاتهم، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، .. الآن شيخ الأزهر يقول لك: نحن ما نعبدهم؛ لأنهم ما فهموا اللغة العربية كما فهمها الأولون، ثم كفروا عن بصيرة عن علم، ولذلك قال تعالى في أمثالهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤).
أما المسلمون اليوم الذين يعيشون في هذه البلاد، ولا يجدون الأصوات العالية التي تبين لهم كما قال تعالى في القرآن: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (الأنبياء:٩٨)،بل يجدون من يتأول لهم أقوالهم وأفعالهم وشركهم وضلالهم، هؤلاء نحن نقول: وقعوا في الكفر، لكننا لا نكفرهم، لأن حجة الله لم تقم عليهم، فهم أنكروا شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، لكن في أي وقت؟ في وقت كان الدين الحق الكتاب والسنة كان
[ ٤ / ٢٤٥ ]
منتشرًا بين الناس، ثم خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا العلم وأضاعوا العبادة على وجهها وصرفوها لغير الله ﵎.
لعلي أوضحت الجملة التي تقال وليست على إطلاقها، الفرق هو أن من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة فهو الكفر، أما إذا أنكر أشياء يختص بمعرفتها الفقهاء والعلماء فهذا لا يكفر، ولكنه يرشد ويهدى إلى الصواب.
سؤال: [نريد] التعريف الجامع المانع للإسلام، الذي فيه يدخل مثل هذا الجواب أصلًا؟
الشيخ: يا أخي الإسلام غير، هو يسأل بماذا يكفر.
مداخلة: من حيث النقض، قصدي: أن أصل الإسلام إذا عرفناه يعني: ألا ينتقض معه، هذا الجواب أو المسألة الأخرى.
الشيخ: يمكن يحتاج إلى التوضيح سؤالك، لأن الإسلام معروف يعني: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة .. إلخ. والشهادة لله بالوحدانية تستلزم ما تعلم، والشهادة للرسول ﵇ تستلزم ما تعلم، فإذًا وضح السؤال.
السؤال: أستاذي لما نحن عرفنا هذا أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإيتاء الزكاة وكذا، هذا قد لا يكون جامعًا مانعًا، لأن من ترك الصلاة عندنا لا يكفر، وبالتالي هو داخل دائرة الإسلام، فهذا لا يعد تعريفًا جامعًا لأنه أدخل الشيء، يعني: ليس من أصل الإسلام بمعنى أنه إذا تركه لا يكون كافرًا.
الشيخ: يعني: كأنك تريد تقول من حيث العقيدة؟
السؤال: يعني: هل الإسلام إذا قلنا: هو الاعتقاد فقط، وبالتالي الأعمال
[ ٤ / ٢٤٦ ]
الأخرى هي متممة لهذا الإسلام ومدخلة لصاحبه في الإيمان مثلًا؟
الشيخ: تعرف أنت الإسلام هو شيء ظاهر، والإيمان هو شيء متعلق بالقلب، فحتى أي شخص يعيش في الدولة المسلمة فإذا أراد أن يكون له حقوق المسلمين فيجب أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم يلتزم أحكام الإسلام كلًاّ أو بعضًا على حسب التفصيل المعروف، لكن قد يسلم هذا ظاهرًا ويكفر باطنًا كما هو شأن المنافقين، فإسلامه هذا لا يفيده شيئًا.
فإذًا: الموضوع إذا كان قضية كفر وإيمان، فالقضية لها علاقة بالإيمان وليس لها علاقة بالإسلام، ولذلك فمن أنكر بقلبه ما هو من الإسلام فهو كافر، لكن قد يصلي وقد يصوم، فنحن نقول: هو من حيث الظاهر فهو مسلم، لكن حينما يبدو لنا أنه أنكر شيئًا فعندنا فيه تفاصيل معروفة في كتب العلم، إذا كان (يوجد) حكم إسلامي يؤتى بهذا الإنسان الذي أنكر هذا الشيء الذي يستحق به الكفر، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، إذًا: هنا شيئان: إسلام ظاهري وإيمان قلبي، هذا الإيمان القلبي هو الذي يجزئ عند الله ﷿، أما الإسلام الظاهري فهو ينجي من السيف في الدنيا فقط، لكن ما ينجي من عذاب الخلد في الآخرة، ما دام أنه كان يكتم كفره ويظهر إسلامه.
على كل حال أنت تدندن حول كلمة: جامع، هذه كلمة جامع التي أنت تسأل عنها حول أي نقطة، لأن كل واحد له سؤاله؟
السؤال: يعني: لفظ الإسلام إذا سئلنا عن لفظ الإسلام، وهذا اللفظ لا ينتقض مع الدلائل الشرعية الأخرى له، وأنا أقول هذا لأني متأثر في أجواء نقاش رسائل الكفر والإيمان وما شابه ذلك، فهم عندما يريدون أن يعرفوا الإسلام يقولون: الإسلام هو الإتيان بجميع الفرائض والانتهاء عن جميع المحرمات،
[ ٤ / ٢٤٧ ]
يقولون هكذا يعني: هذا هو الإسلام، [و] أيُّ نَقْضٍ يُخْرِجُ من الإسلام، فأنا أريد تعريف للإسلام أي نقض له يخرج منه، هل هذا السؤال هكذا دقيق؟
الشيخ: السؤال الآن وضح، لكن يرجع الجواب نفسه السابق.
مداخلة: إن الإسلام فقط أنه لا يعني نقض الإيمان، لأن الإسلام ربط بين الأعمال الظاهرة التي هي
الشيخ: يعني: يرجع السؤال نفس الجواب السابق، من أنكر بقلبه ما هو معلوم من الدين بالضرورة فهذا هو الكفر، هذا هو الخروج عن الإسلام، أما واحد ما حج وواحد ما زكى إلخ، فنرى عقيدته، هل يؤمن بهذه الفرائض كشرع من الله، نعم يقر بذلك، فهذا لا يكفر، لكنه قصر، وقد يقتل، وقد يعرض للسيف كما هو معلوم، لكن هذا العرض متى؟
لما يكون فيه حكم بالإسلام، فأنت كما تعلم من محاضرات عديدة جدًا جدًا أن الكفر كفران، كفر عملي وكفر اعتقادي، الذي يخرج من الملة هو الكفر الاعتقادي، فإذًا: هذا الإسلام الذي هو أحكام شرعية إذا أنكر شيء منها بقلبه فقد كفر مهما كان هذا الشيء، لكن يشترط أن يعلم أن هذا من الإسلام، لذلك نشترط المعلوم من الدين بالضرورة، لأن إذا واحد قال: الدخان ليس حرام عندي، وأنا على يقين عندي حرام، لكن لا أقدر أقول: أنه يكابر وأنه يستحل ما حرم الله، بعكس ما لو قال أن الخمر حلال أو حرام، فهنا عندي مجال لتكفيره.
فإذًا: الذي أنت تدندن حوله وتسميه إسلامًا هو ليس إسلامًا، هو إيمان، الأمر يتعلق بالجنان وهو بالقلب، لأن الإسلام يتعلق بالأعمال التي قد يفعلها غير المسلم أيضًا كما كانوا من قبل يصلون، والحقيقة يراؤون الناس بصلاتهم، فالكفر
[ ٤ / ٢٤٨ ]
الذي هو الخروج عن دين الله لا يكون إلا بشيء وقر في القلب، بس بيني وبين الله، لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لكن ربنا يعلم أنه كاذب، فهو استطاع أنه يغرر على الناس ويضللهم، ولكن عند الله هو في الدرك الأسفل من النار.
" الهدى والنور" (٥٦/ ٤٢: ٠٥: ٠٠)
[٥٧٣] باب هل وضع العلماء شروطًا للتكفير؟
السؤال: هل وضع العلماء شروطًا أن من عمل كذا يكفر، يعني عشرة شروط نواقض الإسلام؟
الجواب: نعم، وضعوا، لكن في الحقيقة هم قد أفرطوا كثيرًا وبخاصة بعض علماء الحنفية، حيث خلطوا ولا مؤاخذة بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وهذا أمر ضروري جدًا التفريق بينهما، الكفر الاعتقادي هو الذي يخرج به المسلم من الملة، أما الكفر العملي أن يعمل عمل الكفار مثلًا، جعلوا هذا النوع من الكفر ردة، مثلًا ذكروا في [أنواع] الردة: ومن شد الزنار فقد كفر، أي: زنار النصارى، أو الرهبان والقسيسين، هذا بلا شك لا يجوز، لكن مجرد العمل كمجرد التشبه بالكفار لا يستحق المتشبه أن يحكم عليه بالردة، والخروج عن الملة، وإنما هو عمل الكفار، والتشبه بالكفار، وهذا يؤدي به إلى التنبيه على مسألة طالما تثار في العصر الحاضر لكثرة ابتلاء المسلمين بها ألا وهي: ترك الصلاة، كثير من الشباب المسلم بل نستطيع أن نقول مع الأسف أكثرهم لا يصلون، فهؤلاء الذين لا يصلون هل يحكم بكفرهم أم لا؟
الآن نسمع فتاوى كثيرة وكثيرة جدًا بأن تارك الصلاة كافر، أي: مرتد عن
[ ٤ / ٢٤٩ ]
الدين والملة، والواقع أن هذه المسألة كتلك، يجب التفريق بين من ترك الصلاة كسلًا وعملًا وانشغالًا بدنياه، ليس إنكارًا منه لفرضيتها فهذا فاسق وليس بكافر، أما من أنكر شرعية الصلاة كما نسمع من بعض الشباب للأسف يقولون: يا أخي الصلاة [شُرعت] في وقت العرب حينما كانوا يعيشون حياة البداوة، القذارة والوساخة ورعي الإبل ونحو ذلك، أما الآن فالناس متمدنون متحضرون زعموا، ولذلك فهذه الصلاة إن فعلها فبها وإلا إن تركها فلا شيء عليه، هذا هو الكفر الذي يخرجه صاحبه من الملة، أما المسلم إذا قيل له: يا أخي صل، يقول: الله يتوب علينا، يعترف بفرضية الصلاة، ويعترف بأنه مذنب مع الله ﷿، لكن يتعذر بأن الشيطان متسلط عليه، حب الدنيا محيطة بها فيقول: الله يتوب علينا، هذا لا يجوز تكفيره، والحديث الذي يستدل به في هذه المناسبة وهو قوله ﵇: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر» يفسر هنا فقد كفر على كفرين: كفر عملي، وكفر اعتقادي، من ترك الصلاة مؤمنًا بشرعيتها فكفره كفر عملي، ومن تركها جاحدًا لشرعيتها فهو يعمل عمل الكفار ويعتقد عقيدة الكفار، وهذا مرتد عن الملة وإلى جهنم وبئس المصير ..
"الهدى والنور" (٦٣٤/ ٠٠:٠٠:٠١)
[٥٧٤] باب من لم يوف بالميثاق
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب "
[ ٤ / ٢٥٠ ]
وفي رواية: ظهر " آدم أن لا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار».
[قال الإمام]:
قوله:" وأنت في صلب آدم ".
قال القاضي عياض: " يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ الآية، فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومن لم يوف به فهو كافر، فمراد الحديث: أردت منك حين أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك ". ذكره في " الفتح ".
"الصحيحة" (١/ ١/٣٣١ - ٣٣٢، ٣٣٤).
[٥٧٥] باب لا ينجِّي العمل الصالح مع الكفر ولو في الجاهلية
[قال رسول الله - ﵌ - عن هشام بن المغيرة]:
«لا، إنه كان يعطي للدنيا وذكرها وحمدها، ولم يقل يوما قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».
[قال الإمام]:
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٦٩٦٥) والطبراني في " المعجم الكبير " (٢٣/ ٢٧٩/٦٠٦ و٣٩١/ ٩٣٢) من طرق عن منصور عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت للنبي - ﵌ -: هشام بن المغيرة كان يصل الرحم ويقري الضيف ويفك
[ ٤ / ٢٥١ ]
العناة ويطعم الطعام، ولو أدرك أسلم، هل ذلك نافعه؟ قال: فذكره.
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٦/ ٢/١٠٣٠).
[٥٧٦] باب لِمَن يكون الحكم على المعين بالتكفير؟
وما هي شروط ذلك وضوابطه؟
سؤال: الحكم على المعين بالتكفير لمن يكون؟ أهو للعلماء أم لغيرهم؟ وما هي شروطه؟ وما هي موانعه؟
الشيخ: أولًا بلا شك، هذا الحكم يكون لأهل العلم وليس لأهل الجهل، وثانيًا: بعد تلك الكلمة التي كان فيها شيء من الطول وفرقنا بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، فالعالم الذي ليس لأحد سواه أن يتولى إصدار الحكم بتكفير مسلم لا شك أنه سيكون مستحضرًا لقسمي الكفر: الكفر الاعتقادي، والكفر العملي. فقبل أن يصدر حكمه بالكفر الاعتقادي يجب أن يدرس المسألة المتعلقة بالذي يراد تفكيره على ضوء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، هذه الآية مهمة جدًا، ذلك لأن المسلم حقًا قد يخفى عليه حكم ما فيقع في الكفر المخرج عن الملة، لكن هو لا يدري ولا يشعر، ولذلك فلا يجوز أن نحكم على مسلم بعينه أنه كفر ولو كان وقع في الكفر كفر ردة إلا بعد إقامة الحجة عليه؛ لأنه ﴿لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (الأنعام:١٤٩)، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
وهنا يحسن بي أن أذكر بحديث رغم كونه مرويًا في أصح الكتب بعد كتاب الله وهو صحيح البخاري مع ذلك فقلما تسمع هذا الحديث من عالم أو واعظ أو
[ ٤ / ٢٥٢ ]
مرشد، مع أن له صلة قوية جدًا جدًا بمثل هذا السؤال، أعني بهذا الحديث قوله -﵇-: «» كان فيمن قبلكم رجل حضرته الوفاة فجمع أولاده حوله، فقال لهم: أي أب كنت لكم، قالوا: خير أبٍ، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» كفر هذا ولَّا ليس بكفر؟ كفر؛ لأنه شك في قدرة الله -﷿- يصدق عليه قوله تعالى في آخر سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨) إلى آخر الآيات، هذا الرجل قال: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا؛ فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني في النار، ثم اجعلوني قسمين، قسم ذروني في الريح، وقسم في البحر» لماذا؟ واضح، هه حتى يضل على ربه زعم، «فحرقوه بالنار، ونصفه من رماده ذروه في الريح، والآخر في البحر. فقال الله -﷿- لذراته: كوني فلانًا فكانت بشرًا سويًا، قال الله -﷿-: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا ربي خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك» فنحن يجب أن نلاحظ هذا الذي نريد أن نصدر الحكم بالكفر عليه لعله معذور، لعله معذور، فنحاول إذًا قبل إصدار هذا الحكم أن نلتمس لكفره عذرًا، لا لنقره على كفره، وإنما لننقذ أنفسنا من تكفيره، أظن في فرق كبير بين الأمرين.
"الهدى والنور" (٦٧١/ ٢٥: ٥١: ٠٠)
[٥٧٧] باب أهمية التفريق بين الحكم على عملٍ ما بأنه كفر، وبين الحكم على من تلبس به بأنه كافر
الشيخ: نسأل الله أن يمدنا بفضله وعلمه، الحقيقة محمد بن عبد الوهاب فضله كبير على الأمة الإسلامية، لكن فيه شيء من الغلو والشدة، وظهرت هذه
[ ٤ / ٢٥٣ ]
الشدة ظهرت في الإخوان.
السائل: الذين حاربوا المذهب.
مداخلة: هناك من سماهم إخوان من عاهد الله.
الشيخ: كان فيه عندهم شدة، ويظهر أن هذه سنة الله في خلقه إلا من عصم الله وقليل ما هم، كما قال ﵇: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل» (١) الجماعة كان عندهم شيء من الشدة أخذوها طبعًا من بعض نصوص محمد بن عبد الوهاب ﵀، واستمر الأتباع إلى هذا العهد موصومون بهذه الشدة، وكنا نسمع نحن قديمًا أن هؤلاء النجديين يكفرون عامة المسلمين، أو يقولون عنهم خوارج .. إلخ، أنا لما بدأت أسافر إلى تلك البلاد تجلى لي في أتباعهم شيء من هذه الشدة، يكفي في ذلك أنه مجرد ما واحد يتوسل بالتوسل المبتدع عندنا جميعًا؛ أن هذا كفر وأشرك، ما ينبغي أن نقول رأسًا أنه كفر أو أشرك، يجب أن نستفصل القول أن هذا الذي يتوسل ماذا يعني، ماذا يريد، وإلا كفرنا وشركنا إمام من أئمة المسلمين، ألا وهو محمد بن علي الشوكاني، لأنه يقول بجواز التوسل، تعرف هذا أظن.
السائل: بالجاه؟
الشيخ: بالرسول، بعد موته.
السائل: بجاهه يا شيخ أم بذاته.
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٣٩١٥).
[ ٤ / ٢٥٤ ]
الشيخ: بذاته، أنا الآن ما أستحضر.
السائل: الظاهر بجاهه، وكذلك أحمد بن حنبل ﵀ جواز التوسل بجاه النبي.
الشيخ: لكن أما تشعر معي أن الوقوف عند هذه الألفاظ جمود؛ إذا توسل بالجاه يختلف عن التوسل بالذات، فالذي يتوسل بالجاه لا ينكر عليه، والذي يتوسل بالذات ينكر عليه؟
السائل: لا، ينكر على الاثنين.
الشيخ: طيب، فما حصيلة التفريق؟
السائل: التفريق أن هذا يكفر والثاني لا يكفر.
الشيخ: لماذا يكفر أحدهما دون الآخر؟
السائل: لأن الذات بذاته نهينا عن التوسل بالذات،
الشيخ: لا تطل علي الجواب، ستتعبني الآن، ما الفرق بين هذا التوسل فهو شرك، تقول: فيه عندهم دليل.
السائل: لا يا شيخ، لأن النص في النهي عن التوسل بالذات أجدى منه بالنص بالنهي عن التوسل بالجاه.
الشيخ: أين النهي، أين هذا النهي؟
السائل: أنه لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله.
الشيخ: بحثنا في التوسل وليس بالاستغاثة.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
ليس هناك نهي يا أستاذ، نهي صريح ليس هناك، لكن المسلم العالم حينما يتتبع السنة ونصوصها بالأمر بالتوسل باسم من أسماء الله، بصفة من صفات الله، بالعمل الصالح، يجد أن هذا التوسل مخالف لهذا التوسل المشروع، هذه واحدة، والأخرى أن هذا التوسل بالمخلوق قد يؤدِّي إلى تعظيمه إن لم يؤدِّي إلى تأليهه، فإذا لم يؤدي إلى تعظيمه وتأليهه يكون هو مخالفًا للسنة.
السائل: قول الله ﷾: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣)، كانوا يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس:١٨) أي: نتوسل بهم إلى الله ونستشفع بهم عند الله ﷾، هذا ليس نصًا في النهي؟
الشيخ: سبحان الله وأنت هاهنا بعد، ما علاقة هذه الآيات بالتوسل، التوسل أن يقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة أن تغفر لي، كيف ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) هذا ما يعبد، هذا يعبد الله ويدعو الله، لا يدعو غير الله، لكنه يجعل واسطة بينه وبين الله ﷿ أن يتقبل دعاءه.
السائل: وهذه الواسطة البدعية يا شيخ عاب الله ﷾ عليهم
الشيخ: وأنا قلت ماذا.
السائل: معك أنها بدعية أنا معك.
الشيخ: لكن سألتني كيف تكون معي على شيء وتسألني؟
السائل: تريد مني دليلًا على عدم مشروعية التوسل.
الشيخ: الله أكبر.
السائل: أقصد على النهي.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
الشيخ: أي نعم، على النهي الذي يؤكد أنه مخالف للسنة، والآن تورط حالك الآن، اثبت لي أنه شرك؟
السائل: أيش يا شيخ.
الشيخ: أنه الذي يقول في دعاؤه: اللهم إني أسألك بنيك محمد - ﵌ - أن تغفر لي، تقول: هذا مشرك، يعني: كتارك الصلاة؟
السائل: الذي يتوسل بالنبي ﵊.
الشيخ: الله أكبر، أنا أحكي أقول: يقول في دعائه كذا، أسألك بنيك هذا مشرك كتارك الصلاة؟
مداخلة: ياشيخ هذا التفريق بين الذات والجاه تذكر شيئًا عن أحد قال به قط.
الشيخ: سنصل، لكن هو قفز قفزة الغزلان يا أستاذ علي، نقلنا من موضوع مشروع أو غير مشروع إلى أنه كفر، وهذا من الغلو يا جماعة، هذا الذي
نشكو منه.
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) هذا قول المشركين، أظن أول الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) الآن نتساءل: كيف كانت عبادة المشركين لآلهتهم ولأوليائهم كما في هذه الآية، ماذا كانوا يفعلون؟
السائل: من الذبح والطواف ..
الشيخ: جميل، فواحد مثل الشوكاني فعل شيئًا من ذلك؟
[ ٤ / ٢٥٧ ]
السائل: لا.
الشيخ: قل لا، فإذا قال واحد مثل الشوكاني أنا أقول مثل حتى ما تدندن حول الشوكاني، إذا قال واحد مثل الشوكاني: اللهم إني أسألك بمحمد أن تغفر لي. هل ذبح له .. إلخ.
السائل: لا لم يذبح.
الشيخ: هل هذا مشركًا.
السائل: لا، ليس مشرك.
الشيخ: هل يجوز الاستدلال عليه بالآية السابقة؟
السائل: لا.
الشيخ: هذا الذي تفعلونه، وهنا يكمن الخطأ، فيجب لما تبحثون هذه البحوث الخطرة الدقيقة [أن] تفرقوا بين من عمله كله شرك فيقال: هذا توسل منه من هذا النوع، لأنه الإنسان يندفع حسب العقيدة والأفكار التي هو متشبع بها، فإذا كان إنسان زيد من الناس متشبع بأنه لا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ولا يطاف إلا ببيت الله، ولا يدعى عند الشدائد إلا الله، قل ما شئت من السلبيات، لا لا لا لا .. إلخ ما هنالك، لكن نقول: أنا أعتقد أنه يجوز أن نقول: يا الله اغفر لي بجاه محمد، أسألك بمحمد أن تغفر لي، ما وجه الاستدلال على هذا أنه مشرك لأن الله يقول على لسان المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر:٣) وهو لا يعبدهم؟
السائل: الآية الثانية طيب.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
الشيخ: هاتها.
السائل: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس:١٨).
الشيخ: هو لا يقول هؤلاء شفعاؤنا عند الله، هو يسأل ويتوسل، فإما أن الله يستجيب وإما أن لا يستجيب، فهذا ليس كقول المشركين الجازمين بأن هؤلاء الآلهة التي لا حقيقة لها أنهم شفعاؤهم عند الله ﵎.
مداخلة: دقيقة جدًا هذه
السائل: وإذا اعتقد أن هذا الولي ..
الشيخ: إذا اعتقد رجعنا للكفر الاعتقادي والكفر العملي، وهذا الذي نريده نحن منكم أنكم تفرقون بينهما، الشوكاني أعتقد نريد نحكي عن شخصه، أعتقد أنك لا تخالفنا حينما نقول: أنه له فضل كبير في نشر التوحيد في اليمن، وإن كان الفضل الأول يعود إلى صاحب الفضل الأول محمد بن عبد الوهاب، وكل ذلك يعود إلى محمد بن عبد الله، فما نعتقد أن الشوكاني كان في نفسه شيء من الكفر الاعتقادي، لا، أنا ما أريد، ولكن اجتهد وظن أن حديث الأعمى ساري المفعول بعد وفاة الرسول ﵇، فقال بجواز التوسل على النحو الذي قيل عن الإمام أحمد، ولو أن الإمام أحمد ذكر لفظة الجاه، والآن نريد نرى ما الفرق عندكم بين التوسل بالجاه أو بالذات، ما الفرق؟ التوسل بالذات التوسل بمخلوق، أليس كذلك؟
السائل: نعم.
الشيخ: والتوسل بجاه المخلوق توسل بخالق أم بمخلوق؟
[ ٤ / ٢٥٩ ]
السائل: توسل بمخلوق.
الشيخ: ما الفرق؟
السائل: الفرق أن هذه الذات كالأحجار يعني: أشياء حسية. أن الذات توسل بذاته بشيء حسي مشاهد ومحسوس.
الشيخ: من الذي يتوسل.
السائل: المتوسل بالذات متوسل بشيء محسوس، والمتوسل بالجاه متوسل بشيء معنى.
الشيخ: ليس صحيحًا أبدًا.
السائل: الجاه معنوي يا شيخ أم محسوس؟
الشيخ: لكن معنى قائم في ذات في جماد أم لا؟
السائل: معناه قائم بذاته.
الشيخ: منفصل عن الذات؟
السائل: لا لا ينفصل.
الشيخ: فإذًا: لماذا أنت تفصل ذهنيًا والواقع عمليًا ليس كذلك.
مداخلة: والدلالة على الذات.
الشيخ: صفات الله ليست عين ذاته، ولا سواه لا انفصال، تعرف هذه الفلسفة؟
مداخلة: من هذا قائلها.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
الشيخ: صاحب قصيدة «بدء الأمالي».
مداخلة: «بدء الأمالي» مالكي هذا.
الشيخ: لا، أظنه حنفيًا، صفات الله ليست عين ذات ولا غير سواه لا انفصال، المهم الجاه هذا مفصول عن الإنسان؟
السائل: لا.
الشيخ: فإذًا: مثلما نقول عندنا في الشام: كل الدروب على الطاحون، مشيت هكذا أو هكذا أين توصله، يلتقوا في الطاحون، فإن قلت الذات أو قلت الجاه كلهم يدلون على توسل غير مشروع، لكن هنا يظهر العصبية للأشخاص، ما دام الإمام أحمد قال بجواز التوسل بالذات، والإمام أحمد إمام السنة.
السائل: بالجاه.
الشيخ: عفوًا بالجاه، والإمام أحمد إمام السنة، إذًا: لازم نفرق بين ما نقول من الكفر بالتوسل بالذات وبين من يقول بالتوسل بالجاه؛ لأن إمام السنة قال: بجواز التوسل بالجاه دون التوسل بالذات. يا أخي ما فيه فرق بين هذا وهذا،
قولوها صراحة الإمام أحمد قالها اجتهادًا، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.
السائل: نحن نعتقد أنه أخطأ، هم يعتقدون هذا يا شيخ.
الشيخ: لكن يفرقون، يقولون: إنه فيه فرق بين توسل بالذات وتوسل بالجاه، أنا أقول: ما فيه فرق النتيجة واحدة، لكن فرق بين أن يقول هذا أو ذاك ما يقوله تعصبًا وتمسكًا بما وجد عليه الآباء والأجداد أو يكون عن قناعة نفسية، كما قال الشوكاني، ما تذكرون ماذا قال الشوكاني، هل قال بالتوسل بالذات أم بالجاه.
[ ٤ / ٢٦١ ]
مداخلة: أظن شيخنا بالجاه يا شيخ.
الشيخ: ما أعتقد، انظر هذا الكتاب.
السائل: هم يقولون ..
الشيخ: فيه هنا كتاب الظاهر في هذا الصف.
السائل: وحق السائلين يا شيخ، هم يقولون يا شيخ أن الإمام أحمد ﵀ عنده شبهه في حاله الحديث، لكن الذين يتوسلون بالذات ما عندهم شبهة.
الشيخ: لا، بالعكس القضية.
السائل: يقولون عنده شبهة.
الشيخ: بالعكس العكس، الذي يقول بالذات شبهته الحديث، أما الجاه ما فيه حديث حوله.
السائل: الظاهر: اللهم إني أسألك بحق ممشاي هذا وحق السائلين عليك. وفي رواية أخرى: وبحق نبيك فيقولون: إن الإمام أحمد بن حنبل صححها وهي ضعيفة، فهو مخطئ، ولكنه لأنه ظن أن هذا الحديث صحيح.
الشيخ: أين الإمام صحح الحديث.
السائل: يعني: عمله به يا شيخ.
الشيخ: هذا خلاف أصول الحديث.
السائل: العمل يعني به؟
الشيخ: عرفت هذا؟
[ ٤ / ٢٦٢ ]
السائل: نعم.
الشيخ: الحمد لله. ماذا يقول؟
مداخلة: يقول تحت عنوان: وجه التوسل بالأنبياء وبالصالحين، قوله: ويتوسل إلى الله سبحانه بأنبيائه والصالحين أعني ابن الجزري.
الشيخ: هذا من يقول هذا.
مداخلة: ابن الجزري.
الشيخ: نكفره ..
مداخلة: أقول: ومن التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي
الشيخ:
مداخلة: أي نعم، وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس ﵁ عم رسول الله ﵊، لكن شيخنا يبدو والله أعلم أن فيه العبارة أصرح في «الدر النضيد»، هذا قائم في ذهني، له «الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد» له عبارة أصرح، مع أنه يشدد النكير فيها على الاستغاثة لكن تكلم فيها بمثل هذا الكلام أوسع قليل.
الشيخ: كان ينكر.
مداخلة: لا لا ينكر، قصدي التفريق بين الذات والجاه.
الشيخ: لا، خلينا احنا مع عبد الله يا عبد الله، خلينا مع عبد الله، لأنه هو يقول بالتفريق، هنا يحكي عن التوسل بالذات، فالتوسل بالذات هو الذي يقول بجوازه
[ ٤ / ٢٦٣ ]
الشوكاني، الشوكاني هنا تبعًا لابن الجزري يقول بالتوسل بالذات، هم يفرقون كما سمعت من صاحبك آنفًا بين التوسل بالذات وبين التوسل بالجاه، وحديث الأعمى هو أقرب إلى دلالته على التوسل بالذات من التوسل بالجاه، لأنه هو التوسل بالجاه ليس مذكور إطلاقًا في الحديث لا في السياق ولا في السباق، لذلك قال بالتوسل هو وابن الجزري وغيره، فالآن يستدل هو بحديث الأعمى، وكأنه استدرك على نفسه أنه ليس الاستدلال بحديث الأعمى وإنما بحديث دعاء الخروج إلى المسجد، الذي يستدل به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبهذه المناسبة قامت زوبعة ضدنا حول كلمتنا حول محمد بن عبد الوهاب لا
تزال قائمة.
السائل: بردت قليلًا.
الشيخ: سبحان الله! فحديث: اللهم إني أسألك بحق السائلين. أيضًا هذا ليس فيه لا الذات ولا الجاه، ولذلك أمكن تأويل هذا الحديث لو صح إلى ما لا يتنافى مع التوسل المشروع، لأنه كما قيل بأنه حق المتوسلين أو السائلين هو استجابة من الله، فرجع الأمر إلى صفة من صفات الله، لكن الجاه له علاقة بالإنسان كما قلنا، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على جواز التوسل بجاه الإنسان المخلوق، لو صح لكنا نحن أول القائلين به، ومع شرط الفهم على الوجه الصحيح، والرد به على المستدلين به على التوسل بالمبتدع، لأن هذا ليس فيه توسلا ًمبتدعًا، إنما هو توسل بحق السائلين وحق ممشاي، هذا هو الأجر والثواب عند الله ﵎.
إذًا: يا شيخ عبد الله التفريق بين هذا وهذا لا محل له من الإعراب.
"الهدى والنور" (٢٩٧/ ٥٧: ٣٥: ٠٠)
[ ٤ / ٢٦٤ ]
[٥٧٨] باب الفرق بين لفظة كافر وكفر
السائل: ما الفرق بين لفظ كافر وكَفَرَ؟
الشيخ: كافر يحمل معنى الصفة اللازمة له، وليس كذلك كَفَرَ، فليس كل من كفر يصير كافرًا، مثال: ليس كل من عدل مرة واحدة يصير عادلًا، وليس كل من ظلم مرة واحدة يصبح ظالمًا، وإلا كانت اختلطت الصفات بين الناس، فالحجاج الظالم المبير لا بد أنه عدل مرات وليس مرة واحدة، فهل نقول أنه عادل؟ ولا بد زيد من الناس آخَر عادل لكنه ظلم في قضية، فيصبح يأخذ اسم ظالم، فهذا اسم الفاعل هذا يعطي صفة معينة فيمن قام فيه هذا الفعل أكثر من كلمة كفر، ولذلك لا يجوز لنا أن نطلق كلمة كافر على شخص أطلق الرسول عليه لفظة (كفر)؛ لأن لفظة كفر دون لفظة كافر، بمعنى كل من قيل فيه كافر، فقد كفر، ولا عكس، ليس كل من كفر فهو كافر.
"الهدى والنور" (٢٤٩/ ٤١: ٥٢: ٠٠)
[٥٧٩] باب حول فتنة التكفير
سؤال: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فلا يخفى عليكم يا شيخ الساحة الأفغانية التي تكثر فيها الجماعات، والفرقة الضالة التي استطاعت وللأسف أن تبث أفكارها الخارجة عن منهج السلف
[ ٤ / ٢٦٥ ]
الصالح في شبابنا السلفي الذي كان يجاهد في أفغانستان، ومن هذه الأفكار تكفير الحكام وإحياء السنن المهجورة كالاغتيالات كما يدعون، والآن وبعد رجوع الشباب السلفي إلى بلادهم قاموا ببث ونشر هذه الآراء والشبه عندنا، وعلمنا يا شيخ أنه قد حصل بينكم وبين إحدى الإخوان قبل عدة سنين مناقشة طويلة في مسألة التكفير، وهذه الأشرطة تسجيلها غير واضح، لذا نود من فضيلتكم البيان في هذه المسألة، وجزاكم الله خير.
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
في الحقيقة أن مسألة التكفير ليس فقط للحكام، بل وللمحكومين أيضًا هي فتنة قديمة تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة وهي المعروفة بالخوارج، والخوارج طوائف مذكورة في كتب الفرق ومنها فرقة موجودة لا تزال الآن باسم آخر وهو الإباضية، وهؤلاء الإباضية كانوا إلى عهد قريب منطوين على أنفسهم، ليس لهم أي نشاط دعوي كما يقال اليوم، لكن منذ بضع سنين بدؤوا ينشطون وينشرون بعض الرسائل وبعض العقائد التي هي عين عقائد الخوارج القدامى إلا أنهم يتسترون ويتشيعون بخصلة من خصال الشيعة ألا وهي التقيّة، فهم يقولون نحن لسنا بالخوارج، وأنتم تعلمون جميعًا أن الاسم لا يغير من حقائق المسميات إطلاقًا، وهؤلاء يلتقون في جملة ما يلتقون مع الخوارج في تكفير أصحاب الكبائر.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
الآن يوجد في بعض الجماعات الذين يلتقون مع دعوة الحق في اتباع الكتاب والسنة، ولكنهم مع الأسف الشديد يقعون في الخروج عن الكتاب والسنة من جديد وباسم الكتاب والسنة، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين في فهمي ونقدي، أحدهما هو ضحالة العلم وقلة التفقه في الدين، والأمر الآخر وهو مهم جدًا أنهم لم يتفقوا بالقواعد الشرعية والتي هي من أسس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي يعتبر كل من خرج عنها من تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة التي أثنى عليها رسول الله - ﵌ - في غير ما حديث، بل والتي ذكرها ربنا ﷿ دليلًا واضحًا بينًا على أن من خرج عنها فيكون قد شاق الله ورسوله.
أعني بذلك قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥). الله ﷿ بأمر واضح جدًا عند أهل العلم لم يقتصر على قوله ﷿: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى، لم يقل هكذا وإنما أضاف إلى مشاققة الرسول اتباع غير سبيل المؤمنين، فقال ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥).
إذًا: اتباع سبيل المؤمنين وعدم اتباع سبيل المؤمنين أمر هام جدًا إيجابًا وسلبًا، فمن اتبع سبيل المؤمنين فهو الناجي عند رب العالمين، ومن خالف سبيل المؤمنين فحسبه جنهم وبئس المصير، من هنا ضلت طوائف كثيرة وكثيرة جدًا قديمًا وحديثًا، حيث إنهم لم يلتزموا سبيل المؤمنين، وإنما ركبوا عقولهم، بل اتبعوا أهواءهم في تفسير الكتاب والسنة ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة وخطيرة جدًا من ذلك الخروج عما كان عليه سلفنا الصالح.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
هذه الفقرة من الآية الكريمة: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ لقد دلنا حولها وأكدها ﵊ تأكيدًا بالغًا في غير ما حديث نبوي صحيح، وهذه الأحاديث التي أنا أشير إليها الآن وسأذكر بعضًا منها مما تساعدني ذاكرتي ليست مجهولة عند عامة المسلمين، فضلًا عن خاصتهم، لكن المجهول فيها هو أنها
تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة، هذه النقطة
يسهو عنها كثير من الخاصة، فضلًا عن العامة، فضلًا عن هؤلاء الذين عرفوا بجماعة التكفير.
هؤلاء قد يكونون في قرارة نفوسهم صالحين، وقد يكونون أيضًا
مخلصين، ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله ﷿ من
الناجين المفلحين.
لا بد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين، بين الإخلاص في النية لله ﷿، وبين حسن الاتباع لما كان عليه النبي - ﵌ -، فلا يكفي إذًا أن يكون المسلم مخلصًا وجادًا فيما هو في صدده من العمل بالكتاب والسنة، والدعوة إليهما، فلا بد بالإضافة إلى ذلك أن يكون منهجه منهجًا سويًا سليمًا.
فمن تلك الأحاديث المعروفة كما أشرت آنفًا حديث الفرق الثلاث والسبعين، ولا أحد منكم إلا وهو يذكره، وهو قوله ﵊: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: هي ما أنا عليه وأصحابي» (١) نجد أن جواب النبي - ﵌ - لأولئك
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٩٤٧٤) والصحيحة (١/ ٣٥٨).
[ ٤ / ٢٦٨ ]
الذين سألوا عن الفرقة الناجية يلتقي تمامًا مع الآية السابقة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥)، فالمؤمنون المقصودون في هذه الآية الكريمة هم الأصحاب أول ما يدخل في عموم الآية: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) هم سبيل أصحاب الرسول عليه الصلاة السلام، فالرسول - ﵌ - في الجواب عن ذاك السؤال عن الفرقة الناجية ما هي وما أوصافها، قال: «هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي»، لم يكتف الرسول - ﵌ - في هذا الحديث على قوله: «ما أنا عليه» وقد يكون ذلك كافيًا في الواقع للمسلم الذي يفهم حقًا الكتاب والسنة، ولكنه عليه الصلاة السلام كتحقيق عملي لقوله ﷿ في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨)، فمن رأفته ورحمته بأصحابه وأتباعه أنه أوضح لهم أن علامة الفرقة الناجية هي التي تكون على ما كان عليه الرسول ﵇ وعلى ما عليه أصحابه من بعده.
فإذًا: لا يجوز للمسلم أن يقتصر فقط في فهمه للكتاب والسنة على الوسائل التي لا بد منها، منها مثلًا معرفة اللغة العربية والناسخ والمنسوخ، وكل القواعد، لكن من هذه القواعد الهامة أن يرجع في كل ذلك إلى ما كان عليه أصحاب النبي - ﵌ -؛ لأنهم كما تعلمون من كثير من الآثار ومن سيرتهم أنهم كانوا أخلص لله ﷿ في العبادة وأفقه منا للكتاب والسنة .. إلى غير ذلك من الخصال الحميدة الذي كانوا تخلقوا بها.
هذا الحديث يلتقي مع الآية تمامًا، حيث أنه ألمح ﵇ في هذا الجواب أنه لا بد من الرجوع ليكون المسلم من الفرقة الناجية إلى ما كان عليه أصحاب الرسول - ﵌ -.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
يشبه هذا الحديث تمامًا حديث الخلفاء الراشدين الذي ذكر في السنن من رواية العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: «وعظنا رسول الله - ﵌ - موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: أوصنا يا رسول الله. قال: أوصيكم بالسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسير اختلافًا كثيرا، فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي » إلى آخر الحديث.
الشاهد من هذا الحديث هو كالشاهد من جوابه ﵇ عن السؤال السابق، حيث حض أمته في أشخاص أصحابه أن يتمسكوا بسنته، ثم لم يقتصر على ذلك قال: «وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي».
إذًا: لا بد لنا من أن ندندن دائمًا وأبدًا إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا، أن نفهم عبادتنا، أن نفهم أخلاقنا وسلوكنا، لا بد من أن نعود إلى سلفنا الصالح .. كل هذه الأمور التي لا بد منها للمسلم ليتحقق فيه أنه من الفرقة الناجية.
من هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة حينما لا يلتفتون إطلاقًا إلى الآية السابقة وإلى حديث الفرقة الناجية، وإلى حديث سنة الخلفاء الراشدين من بعده ﵇، فكان أمرًا طبيعيًا جدًا أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم من المنحرفين عن كتاب الله وسنة رسول الله - ﵌ - ومنهج السلف الصالح، من هؤلاء الخوارج قديمًا وحديثًا.
التكفير الذي ذر قرنه في هذا الزمان الآية التي يدندنون حولها دائمًا وأبدًا، ألا وهي قوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
[ ٤ / ٢٧٠ ]
ونعلم جميعًا أن هذه الآية جاءت في خاتمتها بألفاظ ثلاثة، فأولئك هم الكافرون، فأولئك هم الظالمون، فأولئك هم الفاسقون.
فمن جهل الذين يحتجون بهذه الآية في اللفظ الأول منها: ﴿فأولئك هم الكافرون﴾ أنهم لم يلموا على الأقل ببعض النصوص التي جاء فيها ذكر لفظة الكفر، فأخذوا لفظة الكفر في الآية على أنها تعني الخروج من الدين، وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام، بينما الكفر في لغة الكتاب والسنة لا تعني هذا الذي هم يدندنون حوله ويسلطون هذا الفهم الخاطئ على كثير من المسلمين وهم بريئون من ذاك التكفير الذي يطبقونه على هؤلاء المسلمين، شأن لفظة التكفير من حيث إنها لا تدل على معنى واحد وهو الردة والخروج عن الملة شأن هذا اللفظ شأن اللفظين الآخرين الذين ذكرا في الآيتين الأخريين الفاسقين والظالمين، فكما أنه ليس كل من وصف بأنه كفر لا يعني أنه ارتد عن دينه، كذلك لا يعني أن كل من وصف بأنه ظالم أو فاسق بأنه مرتد عن دينه.
هذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي يدل عليه اللغة ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب، لغة القرآن الكريم كما هو معلوم.
من أجل ذلك كان من الواجب على كل مسلم من يتصدى للحكم بما أمر الله ﷿، لست أعني الآن الحكام، وإنما أعني أولئك الذين يصدرون الأحكام على المسلمين سواء كانوا حكامًا أو محكومين، كان من الواجب على هؤلاء أن يكونوا على علم بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح والكتاب لا يمكن فهمه وكذلك ما ضم إليه إلا بطريق معرفة اللغة العربية معرفة خاصة، وقد يكون إنسان
[ ٤ / ٢٧١ ]
ما ليس عنده معرفة قوية أو تامة باللغة العربية فيساعده في استدراك هذا النقص الذي قد يشعر به في نفسه حينما يعود إلى من قبله من العلماء خاصة إذا كانوا من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، فالرجوع إليهم حينئذ سيكون شاهدًا له لاستدراك ما قد يفوته من المعرفة باللغة العربية وآدابها.
نعود الآن إلى هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، هل الضروري أن يكون هذا اللفظ: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أنه يعني كفرًا خروجًا عن الملة، قد يعني هذا، وقد يعني ما دون ذلك، فهنا العبرة في فهم هذه الآية، فهذه الآية الكريمة: (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قد تعني: أي: الخارجون عن الملة، وقد تعني أنهم خرجوا عمليًا عن بعض ما جاءت به الملة الإسلامية، يساعدنا على ذلك قبل كل شيء ترجمان القرآن ألا وهو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه؛ لأنه من الصحابة الذين اعترف المسلمون جميعًا إلا من كان من تلك الفرق الضالة على أنه كان إمامًا في التفسير ولذلك سماه بعض السلف من الصحابة ولعله هو عبد الله بن مسعود بترجمان القرآن، هذا الإمام في التفسير والصحابي الجليل كأنه طرق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تمامًا أن هناك أناسًا يفهمون هذه الآية على ظاهرها دون التفصيل الذي أشرت إليه آنفًا، وهو أنه قد يكون أحيانًا المقصود بالكافرين المرتدين عن دينهم، وقد يكون ليس هو المقصود وإنما هو ما دون ذلك، فقال ابن عباس ﵁: «ليس الأمر كما يفهمون، أو كما يظنون، وإنما هو كفر دون كفر»، ولعله كان يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين، ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال: ليس الأمر كما قالوا أو كما
[ ٤ / ٢٧٢ ]
ظنوا، وإنما هو كفر دون كفر.
هذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية هو الذي لا يمكن أن يفهم سواه من النصوص التي ألمحت إليها آنفًا في مطلع كلمتي هذه، أن كلمة الكفر ذكرت في كثير من النصوص، مع ذلك تلك النصوص لا يمكن أن تفسر بهذا التفسير الذي فسروا به الآية، أو لفظ الكفر الذي جاء في تلك النصوص لا يمكن أن يفسر بأنه يساوي الخروج من الملة، فمن ذلك مثلًا الحديث المعروف في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله - ﵌ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
قتاله كفر، عندي هو تفنن في الأسلوب العربي في التعبير؛ لأنه لو قال قائل سباب المسلم وقتاله فسوق يكون كلامًا صحيحًا؛ لأن الفسق هو المعصية وهو الخروج عن الطاعة، لكن الرسول عليه الصلاة السلام باعتباره أفصح من نطق بالضاد، قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ترى هل يجوز لنا أن نفسر الفقرة الأولى من هذا الحديث سباب المسلم فسوق بالفسق المذكور في اللفظ الثاني أو الثالث في الآية السابقة: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، و«سباب المسلم فسوق» نقول: قد يكون الفسق أيضًا مرادفًا للكفر الذي هو بمعنى الخروج عن الملة، وقد يكون الفسق مرادفًا للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملة، وإنما يعني ما قاله ترجمان القرآن إنه كفر دون كفر، وهذا الحديث يؤكد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى؛ لأن الله ﷿ ذكر في القرآن الكريم الآية المعروفة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩)، إذًا: قد ذكر هنا ربنا ﷿ الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة الناجية الفرقة المحقة المؤمنة، ومع ذلك
[ ٤ / ٢٧٣ ]
فما حكم عليها بالكفر مع أن الحديث يقول: «وقتاله كفر».
إذًا: قتاله كفر، أي: دون كفر كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة.
فقتال المسلم للمسلم بغي واعتداء وفسق وكفر، ولكن هذا يعني أن الكفر قد يكون كفرًا عمليًا، وقد يكون كفرًا اعتقاديًا، من هنا جاء التفصيل الدقيق الذي تولى بيانه وشرحه الإمام بحق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعده تلميذه البار ابن القيم الجوزية، حيث أن لهم الفضل في الدندنة حول تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة، فابن تيمية ﵀ وتلميذه وصاحبه ابن القيم الجوزية يفرقون أو يدندنون دائمًا بضرورة التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، وإلا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج عن جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديمًا، وبعض أذنابهم حديثًا.
فإذًا: قوله - ﵌ -: «وقتاله كفر» لا يعني الخروج عن الملة، وأحاديث كثيرة وكثيرة جدًا لو جمعها المتتبع لخرج منها برسالة نافعة في الحقيقة فيها حجة دامغة لأولئك الذين يقفون عند الآية السابقة ويلتزمون فقط تفسيرها بالكفر الاعتقادي، بينما هناك النصوص الكثيرة والكثيرة جدًا التي فيها لفظة الكفر ولا يعنى أنها تعني الخروج عن الملة، فحسبنا الآن هذا الحديث؛ لأنه دليل قاطع على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي وليس الكفر الاعتقادي، فإذا عدنا إلى جماعة التكفير وإطلاقهم الكفر على الحكام، وعلى من يعيشون تحت رايتهم وبالأولى الذين يعيشون تحت إمرتهم وتوظيفهم، فوجهة نظرهم هي الرجوع إلى أن هؤلاء ارتكبوا المعاصي فكفروا بذلك.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
من جملة الأمور التي يذكرني بها سؤال الأخ إبراهيم السائل آنفًا الذي سمعته من بعض أولئك الذين كانوا من جماعة التكفير ثم هداهم الله ﷿، قلنا لهم: ها أنتم كفرتم بعض الحكام، فما بالكم تكفرون مثلًا أئمة المساجد، خطباء المساجد، مؤذني المساجد، خدمة المساجد، ما بالكم تكفرون أساتذة العلم الشرعي في المدارس الثانوية مثلًا أو الجامعات؟ قال: الجواب لأن هؤلاء رضوا بحكم هؤلاء الحكام الذين يحكمون بما أنزل الله.
يا جماعة هذا الرضا إن كان رضًا قلبيا بالحكم بغير ما أنزل الله، حينئذ ينقلب الكفر العملي إلى كفر اعتقادي، فأي حاكم يحكم بغير ما أنزل الله وهو يرى أن هذا الحكم هو الحكم اللائق بتبنيه في هذا العصر وأنه لا يليق تبني الحكم الشرعي المنصوص في الكتاب والسنة، لا شك أن هذا يكون كفره كفرًا اعتقاديًا، وليس كفرًا عمليًا، ومن رضي بمثل هذا الحكم أيضًا فيلحق به، فأنتم أولًا لا تستطيعون أن تحكموا على كل حاكم يحكم ببعض القوانين الغربية الكافرة أو بكثير منها أنه لو سئل لأجاب بأن الحكم بهذه القوانين هو اللازم في العصر الحاضر، وأنه لا يجوز الحكم بالإسلام، لو سئلوا لا تستطيعون أن تقولوا بأنهم لا يجبيون بأن الحكم بما أنزل الله اليوم لا يليق، وإلا صاروا كفارًا دون شك ولا ريب، فإذا نزلنا إلى المحكومين وفيهم العلماء وفيهم الصالحون .. وإلى آخره، كيف أنتم مجرد أن ترونهم يعيشون تحت حكم يشملهم كما يشملكم أنتم تمامًا، لكنكم تعلنون أنكم كفار، وهؤلاء لا يعلنون أنهم كفار بمعنى المرتدين، لكنهم يقولون إن الحكم بما أنزل الله هو الواجب، وأن مخالفة الحكم الشرعي بمجرد العمل هذا لا يستلزم الحكم على هذا العالم بأنه مرتد عن دينه.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
من جملة المناقشات التي توضح خطأهم وضلالهم قلنا لهم: متى يحكم على المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وقد يصلي كثيرًا أو قليلًا، متى بحكم بأنه ارتد عن دينه، يكفي مرة واحدة أو يجب أن يعلن سواء بلسان حاله أو بلسان قاله إنه مرتد عن الدين، كانوا كما يقال لا يحيلون جوابًا، لا .. جواب.
فاضطر إلى أن أضرب لهم المثل التالي، أقول: قاض يحكم بالشرع، هكذا عادته ونظامه، لكنه في حكومة واحدة زلت به القدم، فحكم بخلاف الشرع، أي: أعطى الحق للظالم وحرمه المظلوم، هل هذا حكم بغير ما أنزل الله أم لا؟ حكم بغير ما أنزل الله.
هل تقولون بأنه كفر بمعنى الكفر عندهم، كفر ردة؟ قالوا: لا.
قلنا: لم؟ وهو خالف حكم الشرع. قالوا: لأن هذا صدر منه ذلك مرة واحدة. قلنا: حسنًا، صدر نفس الحكم مرة ثانية أو حكم آخر لكن خالف فيه الشرع أيضًا؟ فهل كفر؟ أخذت أكرر عليهم ثلاث مرات أربع مرات، متى تقول إنه كفر؟ لا تستطيع أن تضع حدًا بتعداد أحكامه التي خالف فيها الشرع، تستطيع العكس تمامًا، لأنه في الحكم الأول استحسنه واستقبح الحكم الشرعي أن تحكم عليه بالردة، وعلى العكس من ذلك: لو رأيت منه عشرات الحكومات في قضايا متعددة خالف فيها الشرع، لكن قلت له يا شيخ: أنت حكمت بغير ما أنزل الله ﷿، فلم ذلك؟ والله خفت خشيت على نفسي، أو ارتشيت مثلًا وهذا أسوأ من الأول بكثير .. إلى آخره، مع ذلك لا تستطيع أن تقول بكفره حتى يعرب عن كفره المضمور في قلبه أنه لا يرى الحكم بما أنزل الله ﷿، حينئذ تستطيع أن تقول
[ ٤ / ٢٧٦ ]
بأنه كافر كفر ردة.
إذًا: وخلاصة الكلام الآن أنه لا بد من معرفة أن الكفر كالفسق والظلم ينقسم إلى قسمين: كفر ظلم فسق يخرج عن الملة، وكل ذلك يعود للاستحلال القلبي، وخلاف ذلك يعود إلى الاستحلال العملي، وبخاصة ما فشى في هذا الزمان من استحلال الربا وكل هذا كفر عملي، فلا يجوز لنا أن نكفر هؤلاء بمجرد ارتكابهم معصية واستحلالهم إياها عمليًا إلا إذا صدر منهم أو بدا لنا منهم ما يكشف لنا عما في قرارة نفوسهم أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله عقيدة، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا حينئذ بأنهم كفروا كفر ردة، أما إذا لم نعلم ذلك فلا سبيل لنا إلى الحكم بكفرهم؛ لأننا نخشى أن نقع في وعيد قوله ﵊: «من كفر مسلمًا فقد باء به أحدهما» والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة وكثيرة جدًا.
نذكر بهذه المناسبة بقصة ذلك الصحابي الذي بارز مشركًا فلما رأى المشرك أنه صار تحت ضربة سيف المسلم الصحابي قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالاها الصحابي وقتله، فلما بلغ خبره النبي - ﵌ - أنكر عليه ذلك أشد الإنكار كما تعلمون، فاعتذر الرجل بأنه ما قالها إلا خوفًا من القتل، فكون جوابه - ﵌ -: «هلا شققت عن قلبه» (١).
إذًا: الكفر الاعتقادي ليس له علاقة بالعمل، ونحن لا نستطيع أن نعلم ما في قلب الكافر الفاجر السارق الزاني المرابي إلى آخره إلا إذا عبر عما في قلبه بلسانه، أما عمله فعمله ينبئ أنه خالف الشرع مخالفة عملية، فنحن نقول إنك
_________________
(١) "تحقيق الإيمان" لابن تيمية (ص٨٩).
[ ٤ / ٢٧٧ ]
خالفت وإنك فسقت وفجرت، لكن ما نقول إنك كفرت وارتددت عن دينك، حتى يظهر منه شيء يكون لنا عذر عند الله ﷿ أن نحكم بردته وبالتالي يأتي الحكم المعروف في الإسلام ألا وهو قوله ﵊: «من بدل دينه فاقتلوه» (١).
ثم كنت ولا أزال أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين، هبوا يا جماعة أن هؤلاء فعلًا كفار كفر ردة، وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم واكتشف منهم أن كفرهم كفر ردة، لوجب على ذلك الحاكم أن يطبق فيهم الحديث السابق: «من بدل دينه فاقتلوه».
الآن ماذا تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلمنا جدلًا أن كل هؤلاء الحكام هم كفار كفر ردة، ماذا يمكنكم أن تعملوا، هؤلاء الكفار احتلوا كثيرًا من بلاد الإسلام ونحن هنا مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا أنتم ولا نحن نستطيع أن نعمل مع هؤلاء حتى تستطيعوا أنتم أن تعملوا مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار، هلا تركتم هذه الناحية جانبًا، وبدأتم بتأسيس وبوضع القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة، وذلك باتباع سنة الرسول - ﵌ - التي ربى أصحابه عليها ونشأهم على نظامها وأساسها، وذلك ما نحن نعبر عنه في كثير من مثل هذه المناسبة بأنه لا بد لكل جماعة مسلمة تعمل بحق لإعادة حكم الإسلام ليس فقط على أرض الإسلام، بل على الأرض كلها تحقيقًا لقوله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:٣٣).
_________________
(١) "البخاري" (رقم٢٨٥٤).
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذه الآية ستحقق فيما بعد، فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآن، هل يكون البدء بإعلان الثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون فيهم أن كفرهم كفر ردة، ثم مع ظنهم وهو ظن خطأ لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا.
إذًا: لتحقيق هذا النبأ القرآني الحق: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:٣٣) ما هو المنهج؟ ما هو الطريق؟ لا شك أن الطريق هو ما كان رسول الله - ﵌ - يدندن ويذكر أصحابه في كل خطبة: خير الهدى هدى محمد - ﵌ -.
إذًا: فعلى المسلمين كافة وبخاصة منهم من يهتم لإعادة الحكم بالإسلام على الأرض الإسلامية بل الأرض كلها، أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله - ﵌ - وهو ما نكني نحن عنه بكلمتين خفيفتين: التصفية والتربية؛ ذلك لأننا نحن نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها بالأصح؛ لأنه لا يمكن الغفلة عنها، يتغافل عنها أولئك الغلاة الذين ليس لهم هم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء، وسيظلون كما ظلت جماعة من قبلهم يدعون إلى إقامة حكم الإسلام على الأرض، لكن دون أن يتخذوا لذلك الأسباب المشروعة، فيظلون يعلنون تكفير الحكام، ثم لا يصدر منهم إلا ..، والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي تعلمونها بدءًا من فتنة الحرم المكي، ثم فتنة مصر وقتل السادات وذهاب دماء كثير من المسلمين الأبرياء بسبب هذه الفتنة، ثم أخيرًا في سوريا، ثم الآن في الجزائر مع الأسف .. إلى آخره. كل هذا سببه أنهم خالفوا نصوصًا من الكتاب والسنة، من أهمها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (الأحزاب:٢١).
[ ٤ / ٢٧٩ ]
إذًا: إذا نحن أردنا أن نقيم حكم الله ﷿ في الأرض، هل نبدأ بقتال الحكام ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم، أم نبدأ بما بدأ به الرسول ﵇؟!
لا شك أن الجواب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:٢١)، بماذا بدأ الرسول - ﵌ -، تعلمون بأنه بدأ بالدعوة بين بعض الأفراد الذين كان يظن فيهم أنهم عندهم استعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب كما هو معروف في السيرة النبوية، ثم الضعف والشدة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم الأمر بالهجرة الأولى والثانية .. إلى آخر ما هنالك، حتى وطد الله ﷿ الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هناك المناوشات، وبدأ القتال بين المسلمين وبين الكفار من جهة ثم اليهود من جهة أخرى .. وهكذا.
إذًا: لا بد أن نبدأ نحن بالتعليم كما بدأ به الرسول ﵇، لكن نحن لا نقول الآن بالتعليم، أي: لا نقتصر فقط على كلمة تعليم الأمة الإسلام؛ لأننا في وضع الآن من حيث أنه دخل في التعليم الإسلامي ما ليس من الإسلام بسبيل إطلاقًا، بل ما به يخرب الإسلام ويقضى على الثمرة التي يمكن الوصول إليها بالإسلام الصحيح، ولذلك فواجب الدعاة الإسلاميين أن يبدؤوا بما ذكرت آنفًا، بتصفية هذا الإسلام، مما دخل فيه من الأشياء التي تفسد الإسلام، ليس فقط في فروعه في أخلاقه، بل وفي عقيدته أيضًا.
والشيء الثاني أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى، ونحن إذا درسنا الجماعات الإسلامية القائمة الآن منذ نحو قرابة قرن من الزمان، لوجدنا كثيرًا منهم لم يستفيدوا شيئًا رغم صياحهم ورغم زعاقهم أنهم يريدونها حكومة إسلامية، وربما سفكوا دماء أبرياء كثيرة وكثيرة جدًا
[ ٤ / ٢٨٠ ]
دون أن يستفيدوا من ذلك شيئًا إطلاقًا، فلا نزال نسمع منهم العقائد المخالفة للكتاب والسنة وهم يريدون أن يقيموا دولة الإسلام.
وبهذه المناسبة نحن نقول هناك كلمة لأحد أولئك الدعاة كنت أتمنى من أتباعه أن يلتزموها وأن يحققوها، الكلمة هي قوله: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم لكم في أرضكم؛ لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناء على الكتاب والسنة فلا شك أنه من وراء ذلك، ستصلح عبادته ستصلح أخلاقه، سلوكه
إلى آخره.
لكن هذه الكلمة الطيبة في نقدي وفي نظري لم يعمل عليه هؤلاء الناس، فظلوا يصيحون بإقامة الدولة المسلمة وصدق فيهم قول ذلك الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
لعل في هذا الذي ذكرته كفاية جوابًا عن هذا السؤال.
"الهدى والنور" (٦٧٠/ ٥٢: ٠٠: ٠٠)
[٥٨٠] باب حكم تكفير المعين
سؤال: أحببت أن أفهم منك جواب هذا السؤال؛ تكفير المعين، حكم تكفير المعين؟
الشيخ: قبل الجواب على هذا السؤال مباشرة نحن نذكر بما سبق بيانهُ بأن الكفر نوعان، كفر اعتقادي وكفر عملي وأظن أن السؤال يتعلق بالكفر الاعتقادي، أليس كذلك، طيب، حينئذٍ نقول التكفير يجوز تارةً ولا يجوز تارةً أخرى، يجوز إذا أُقيمت الحجة على الرجل الذي وقع في الكفر الاعتقادي وأصر
[ ٤ / ٢٨١ ]
عليه، حين ذاك ليس فقط يجوز القول بكفرهِ أو بتكفيرهِ؛ وإنما يجب ذلك، أما إذا لم تقام الحجة فلا يجوز المبادرة إلى التكفير لأنه قد يكون له عذر، وأصعب شيء هو أن يكفر المسلم أخاهُ المسلم، هذا هو الجواب عن السؤال.
"الهدى والنور" (٥٨٠/ ٣٦: ١٥: ٠٠)
[٥٨١] باب خطورة الخوض في التكفير بغير علم
السؤال: قول النبي ﵊: «من قال لمسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما» على حد ما رأيت أنا تفسير من الإخوة، يتعلم قليلًا ثم يبدأ يكفر الناس، هل من كلمة توجيهية عن الكفر، ومتى يكفر الإنسان؟
الشيخ: أحسنت.
أولًا: لا يجوز الحكم من عالم متفقه في الكتاب والسنة، لا يجوز لهذا العالم أن يطلق الكفر على شخص أو على جماعة بالجملة إلا بعد إقامة الحجة، وهذا طبعًا يتطلب أن يستوعب هذا العالم رأي ذلك الذي هو في صدد تكفيره، وعليه قبل كل شيء أن يفهم رأيه فهمًا صحيحًا، ثم يعرضه على أدلة الكتاب والسنة، فإذا كانت هذه الأدلة تشهد بأن هذا الإنسان يستحق الكفر، أو يستحق التكفير، مع ذلك لا يجوز إصدار الحكم في حقه إلا بعد إقامة الحجة عليه، ولا شك ولا ريب أن طلاب العلم ليس هذا مجالهم، طلاب العلم بحسبهم أن يستحضروا في ذوات أنفسهم قول ربهم ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:١٠٥) فطالب العلم يجب أن ينأى وأن ينجو بنفسه من أن يقع فيما يقع فيه من يريد أن يطلق لفظة الكفر عليه. وقوله ﵇: «من قال لأخيه كافر أو يا كافر فقد به أحدهما» هذا فيه وعيد شديد للمسلم الذي يتسرع في
[ ٤ / ٢٨٢ ]
إطلاق لفظة الكفر على مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإذا كان عند هذا طالب العلم وجهة نظر، فعليه أن يعرضها على من هو يريد أن يوجه التكفير إليه، وأن يناقشه، فقد يكون هو المخطئ بدلًا من ذلك الذي يريد
أن يكفره.
خلاصة القول: التكفير أمر خطير وخطير جدًا، ولذلك قال بعض العلماء: إذا كان هناك مائة قول في خصوص شخص معين، تسع وتسعون قولًا منها بتكفيره، والقول والواحد بعدم تكفيره، الحيطة والحذر أن نتبنى هذا القول الفريد الوحيد، ولا نتبني قول التسعة والتسعين؛ لأن هذا فيه خطورة، ثم إذا .. الإنسان الذي يراد تكفيره فعلًا وقع في الكفر، [وسبب] هذا اعتقد أنه من الغرور والعجب والافتتان بهذا العلم الضحل القليل الذي أصابه بعض هؤلاء الطلاب، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فعلى طالب العلم حقًا أن يتذكر الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:١٠٥) هذا جوابي عما سألت، ولعلي أجبتك عن سؤالك.
"الهدى والنور" (٦٣٤/ ٠٠:٠٠:٠١)
[٥٨٢] باب بيان خطأ التكفير بالجملة
سؤال: سمعت لك شريطًا أنه تتكلم على التحريرية: أنك تقول: لا أكفر بالكوم.
الشيخ: أقول ماذا؟
مداخلة: لا أكفر بالكوم.
الشيخ: إيه.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
مداخلة: فنريد توضيح المسألة هذه.
الشيخ: يعني ما أقول أنا في هؤلاء التحريريين لا أقرنهم مع الآخرين، أظنك أنك واهم، أنا أقول في الشيعة وفي الرافضة وهم شر الفرق الضالة: لا نكفرهم بالكوم، يعني: بالجملة، وإنما ندين كل إنسان بما يسمع منه، أما كون الرافضة يقولون في بعض كتبهم: أن هذا المصحف الذي بين أيدينا هو ربع المصحف والمصحف الكامل هو مصحف فاطمة ﵁، فمن يقول بهذا القول هو كافر بلا شك؛ لأنه يكفر بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩)، لكن هل نستطيع أن نقول في كل فرد من أفراد الشيعة، سواء كانوا من علمائهم أو طلابهم أو عامتهم؟ الجواب: لا، لا يجوز التكفير بالكوم، فهمت مقصودي بالكوم؟ يعني: بالجملة، لا بد من التفصيل.
أما الأحزاب الإسلامية فهؤلاء لا يجوز أن يصفوا مع بعض الفرق الضالة، هؤلاء لهم مناهجهم ارتضوها لأنفسهم، لا نؤيدهم فيها، بل ننصحهم أن ينخلعوا منها؛ لأنها ليست على الكتاب والسنة، لكننا لا نقرنهم مع الفرق الضالة. اسمح لي لعلي أجبتك عن سؤالك؟
مداخلة: كذلك البهائية والقاديانية؟
الشيخ: كذلك البهائية والقاديانية من يعتقد عقيدتهم كمن يعتقد بنقصان المصحف فهو كافر، لكن فردًا فردًا لا، أنا من فضل الله عليّ من أعرف الناس بالقاديانية؛ لأني بليت بهم في دمشق سنين طويلة، ففيهم من يعرفون بالقاديانيين وفيهم من يعرفون بالأحمديين، وكلهم ينتسبون إلى ميرزا غلام أحمد القادياني، لكن الطائفة الأولى يعتقدون بنبوته، الطائفة الأخرى يعتقدون بأنه مصلح من المصلحين، وكلاهما في ضلال، لكن الطائفة الأولى أشد إغراقًا في الضلال؛
[ ٤ / ٢٨٤ ]
لأنهم يؤمنون ببقاء النبوة بعد النبي ﵊، أما الآخرون يقولون: لا؛ ولذلك أولًا بمعرفتي بالفقه الإسلامي أولًا، وتجربتي ثانيًا، هو الذي يمنعني أن أنصح المسلمين جميعًا ألا يكفروا من يستحق التكفير بالكوم وإنما بالتفصيل، من اعتقد كذا وكذا فهو كافر، أما الشيعة فيهم وفيهم، أما القاديانيين ففيهم وفيهم، أما البهائيين فكلهم كفار.
مداخلة: كفار؟
الشيخ: البهائية كلهم كفار؛ لأنهم لا يدينون بالإسلام.
"الهدى والنور" (٧٢٨/ ٢١: ٣٦: ٠٠)
[٥٨٣] باب كلمة حول خطورة التوسع في التكفير
سؤال: شيخنا! أيضًا وردت بعض الآثار عند بعض الأئمة وعن بعض الصحابة كخالد بن الوليد، وبعض الأئمة كالإمام أحمد بكفر شاتم الله أو الرسول واعتبروه كفر ردة فهل هذا على إطلاقه؟ نرجو الإفادة.
الشيخ: ما نرى ذلك على الإطلاق، فقد يكون السب والشتم ناتجًا عن الجهل وعن سوء التربية، وقد يكون عن غفلة، وأخيرًا: قد يكون عن قصد ومعرفة، فإذا كان بهذه الصورة عن قصد ومعرفة فهو الردة الذي لا إشكال فيه، أما إذا احتمل وجه من الوجوه الأخرى التي أشرت إليها فالاحتياط في عدم التكفير أهم إسلاميًا من المسارعة إلى التكفير.
ويعجبني بهذه المناسبة أن لبعض الفقهاء قول: إذا اتفق تسع وتسعون عالمًا على القول بتكفير شخص بسببٍ ما بدر منه من مكفر، وواحد في المائة قال هذا
[ ٤ / ٢٨٥ ]
ليس كفرًا فإنما هو الفسق، قال: لا يكفر هذا حتى يجمع على تكفيره من
المائة مائة، هذا هو الحيطة والحذر الذي يستفاد من مثل قوله ﵊: «من كفر مسلم فقد حار الكفر على أحدهما» والعبارة الأشهر: من كفر مسلمًا فقد كفر.
فلذلك ينبغي التحفظ والاحتياط من إطلاق الكفر على مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وبهذه المناسبة أذكِّر بالحديث الصحيح المعروف بأن رجلًا من أصحاب الرسول ﵇ لقي مشركًا وبَدَءَا بالمبارزة والمقاتلة، فلما صار المشرك تحت ضربة سيف المسلم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالاه بل قتله، فلما بلغ خبره النبي - ﵌ - غضب غضبًا شديدًا وأنكر على الرجل المسلم الصحابي الذي قتل ذلك المشرك حينما سمع منه تلك الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، قال: يا رسول الله! ما قالها إلا فرارًا من القتل، قال: «هلا شققت عن قلبه» هنا الشاهد «هلا شققت عن قلبه» ظاهر هذا المشرك الذي كان يقاتل المسلم على دينه في تلك اللحظة التي شعر بأنه أصبح تحت ضربة سيف الصحابي قال: أشهد أن لا إله إلا الله الظاهر أنه ما قالها إلا تقية، لكن مع ذلك اعتد ﵊ بهذه الكلمة الطيبة ونهى ذلك الصحابي عن فعلته التي فعلها.
إذًا: التكفير أمر صعب جدًا، ثم أنا أرى وهذا يوصلنا بطبيعة البحث إلى لفت النظر إلى ما عليه كثير من الشباب المتحمس اليوم من أن يضيع وقته في إطلاق كلمة الكفر على كثير إن لم نقل على كل حكام المسلمين، أنهم هؤلاء كلهم كفار، فشغلوا أنفسهم بإطلاق هذه الكلمة فنحن نقول: إن هؤلاء الذين يُكَفَّرُون قد يكون فيهم من يصلي مثلًا وقد يكون فيهم من يصوم ومن يحج إلى آخره، فهناك ظواهر تدل على إسلامهم، وهناك ظواهر أخرى قد تدل على كفرهم، فما ينبغي
[ ٤ / ٢٨٦ ]
نحن أن نسارع إلى تغليب الكفر على الإسلام بخطورة التكفير كما ذكرنا آنفًا، هذا من جهة، من جهة أخرى: ما الذي نستفيده نحن اليوم من تشهير سلاح التكفير على الحكام أو على بعض أتباع الحكام ما دام أننا لا نستطيع أن نعمل شيئًا مما أباحه الرسول ﵇ في مثل الحديث المعروف حينما قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا» وفي الحديث الآخر: «ما لم تروا كفرًا بواحًا» فإذا رأينا الكفر الصريح ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم فما الفائدة من إثارة هذا الموضوع سوى تشغيل أنفسنا أولًا بما ليس هو الأهم بالنسبة إلينا كطلبة علمٍ وفِقْهٍ، وثانيًا: بما قد يضرنا في حياتنا الإسلامية ثانيًا.
إذًا: نحن يجب أن نتورع في استعمال كلمة: «تكفير»، ومن أجل التحذير من فعلة هؤلاء الذين يريد أولئك أن ينزلوا عليهم أحكام الكفر نكتفي بأنهم ضالون، وأنهم قد حادوا عن أحكام الشريعة في كثير منها وفي قليل، فهذا يكفينا أن
نقول أن هذا هو الضلال المبين، أما فلان كافر وفلان كافر .. ومن قال كذا فقد كفر إلى آخره.
على هذا نحن نقول بالنسبة لذاك السؤال، أما من صدر منه كلمة الكفر فهو معروف عند المسلمين أنه يستتاب فإن تاب فهذا يدل على أنه لم يكن قاصدًا لكلمة كفر، وإن أصر على ذلك قُتل قتل ردة وكفر ولا يدفن في مقابر المسلمين.
مسألة الكفر حقيقة مسألة خطيرة جدًا وهنا أذكر بالحديث وأنهي الجواب عن هذا السؤال .. الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحة عن النبي - ﵌ - أنه قال: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا» ..
عفوًا هذا لا يهمنا الآن: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط فلما
[ ٤ / ٢٨٧ ]
حضرته الوفاة جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: - وهنا الشاهد - فلئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» هذا هو الكفر شك في قدرة الله ﷿ أن يتمكن من تعذيب هذا المجرم الذي لم يعمل في حياته خيرًا قط: «قال: ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» ولتكملة هذه الكفرية ماذا أوصى: «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم ذروا الرماد نصفه في البحر ونصفه في الريح» لماذا؟ في زعمه ليضل عن ربه، الشاهد: فلما مات حرقوه بالنار وأخذوا الرماد نصفه في الريح الهائج والنصف الثاني في البحر المائج، فقال الله تعالى لذراته هذه: «كوني فلانًاَ فكان فلان، أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك قال: فقد غفرت لك» هنا الآن نأتي إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
هذا أشرك، وقد يقول بعضكم: لا هذا ما أشرك هذا كفر، فأقول بمثل هذه المناسبة: أن الشرك والكفر في لغة الشرع لفظان مترادفان، فكل من كفر فقد أشرك ومن أشرك فقد كفر، وهذا له بحث آخر ولا نخوض فيه الآن، الشاهد: أن هذا الرجل حينما ظهر منه أقول: حينما ظهر منه أنه ينكر قدرة الله على جمعه وعلى بعثه ثم على تعذيبه بناء على أنه لم يعمل خيرًا قط لما ظهر منه هذا: هذا كفر، إذًا: ما جوابنا عن قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) هذا كُفْرٌ، ومع ذلك قد غفر؟ الجواب: إنه كُفْرٌ لم يكن مقصودًا بالقلب، لم يكن معقودًا في القلب وإنما من خوفه من ربه ﵎ على ما جنت يداه من المعاصي والآثام أوصى بمثل هذه الوصية الجائرة التي ربما لم تقع مثلها في تاريخ هذه الدنيا كلها، ثم أوصى بتلك الوصية إنها كفر وإنها ضلال لكننا نقول: ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، هذه حقيقة يجب أن نستحضرها حتى ما نكون من
[ ٤ / ٢٨٨ ]
الخوارج الذين يبالغون في تكفير المسلمين بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب والمعاصي، وإن كان بحثنا ليس في الذنب والمعصية وإنما هو في الكفر لكننا نفرق بين الكفر المقصود قلبًا وبين الكفر الذي لم يُقْصَد قلبًا، وإنما قالبًا وفعلا، هذا ما أردت التذكير به.
" الهدى والنور" (٨٢٠/ ٠٣: ٤٦: ٠٠)
[٥٨٤] باب خطورة الخوض في التكفير بدون علم
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - ﵌ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لا شك أن مشكلة الساعة هي هذه الفتنة التي يصدق فيها أنها دخلت كل بيت من بيوت المسلمين، وقبل أن ندلي برأينا فيها وقد تكرر البحث حولها مرارًا وتكرارًا، ولكن لابد مما لابد منه من على الأقل من إيجاز واختصار الكلام حول هذا الموضوع موضوع الساعة، ولكن لابد لي بين يدي ذلك أن أتكلم عن مسألة فقهية أصولية طالما وقع في مخالفتها جماهير المسلمين قديمًا وحديثًا، وبخاصة في هذه الفتنة.
هذه المقدمة هي أنه لا يجوز للمسلم الذي يخشى الله ﷿ ويتقيه أن يتكلم في مسألة شرعية في التحريم أو في التحليل بل في التكفير والتضليل إلا
[ ٤ / ٢٨٩ ]
على بينة من الله ورسوله؛ لقوله ﵎ في كتابه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:٣٦)، ومعلوم من علم أصول الفقه أن المسائل الشرعية تدور على أصول أربعة مقطوع بها عند أهل السنة والجماعة حقًا، ألا وهي الكتاب والسنة الصحيحة، وليس كل ما يروى عن رسول الله - ﵌ - بصحيح، ولذلك نقول في الأصل الثاني: السنة الصحيحة،
ثم الإجماع علمًا أنه ليس كل إجماع يُدعى يكون إجماعًا صحيحًا واقعًا، فالإجماع الذي هو حجة هو ما يساوي قول بعض أهل العلم: ما كان معلومًا
من الدين بالضرورة، فهذا هو الدليل أو المرجع الثالث والمصدر الثالث من المصادر الأربعة.
رابعها وآخرها: القياس، والقياس منه ما هو جلي ومنه ما هو خفي.
وإذا عرفنا أن أدق هذه المراجع أو هذه الأصول الأربعة هي القياس وعرفنا أن منه ما يكون خفيًّا أي: لا يظهر لكل أهل العلم فضلًا عن غيرهم حينئذٍ نأخذ من هذه المقدمة النتيجة التالية، ألا وهي أنه لا يجوز للمسلم حتى ولو كان طالب علم أن يقول: أنا أرى كذا، إلا إذا كان لديه نص صريح من كتاب الله ومن سنة رسول الله - ﵌ - الصحيحة كما قلنا، فهنا من الممكن لطالب العلم القوي أن يقول: أنا أعتقد أو أرى كذا وكذا، بناء على قول الله ﵎ كذا، أو قول رسول الله - ﵌ - ويذكره.
أما أن يدعي أو يتبنى رأيًا له في مسألة ليس عليها نص صريح من كتاب الله أو من سنة رسول الله - ﵌ - الصحيحة وإنما هناك يمكن أن يكون إجماعًا أو أن يكون هناك قياسًا، فاللجوء والاعتماد على هذين المصدرين إنما هو من شأن أهل العلم
[ ٤ / ٢٩٠ ]
المتخصصين في دراسة الكتاب والسنة، فإن هؤلاء فقط هم الذين يستطيعون أن يثبتوا إجماعًا صحيحًا، وهم الذين فقط يستطيعون أن يقيسوا النظير على النظير، والمثيل على المثيل، أما من دونهم من طلاب العلم فضلًا عن عامة الناس الذين ليس لهم صلة بالعلم مطلقًا فهؤلاء وهؤلاء لا يجوز لهم أن يتدخلوا في مثل هذه المسائل التي تبنى إما على الإجماع وإما على القياس.
إذا عرفنا هذه المقدمة وهي مقدمة لا يمكن أن يناقش فيها أحد من أهل العلم؛ لأنها قضية مسلمة لا نزاع فيها.
إذا عرفنا ذلك حينئذٍ ندخل في صلب هذه الفتنة التي ألمت بالعالم الإسلامي العربي خاصة، ثم الإسلامي عامة فإننا سنجد أن من آثار هذه الفتنة أن يتكلم فيها من لا علم عنده مطلقًا بالشريعة، فيقول: هذا فيه فلان من الناس إنه كافر أو في فلان من الناس: إنه مجاهد، أو فلان أصاب وفلان أخطأ، هؤلاء الناس لا يجوز لهم أن يصدروا رأيًا لهم فيكونون والحالة هذه قد خالفوا الآية السابقة: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:٣٦)، كما أنهم يخالفون قول الله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣) والرسول ﵇ يأمر أهل العلم بأن يجيبوا إذا سئلوا، وألا يكتموا العلم الذين أعطوا كما قال ﵊: «من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار» والناس اليوم إما عالم وإما غير عالم، ولا حالة وسطى بين هؤلاء وهؤلاء.
وربنا ﷿ قد أوضح السبيل لكل من الطائفتين في قوله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣) فأهل الذكر عليهم البيان،
[ ٤ / ٢٩١ ]
ومن سواهم عليهم السؤال عن البيان، وحينئذٍ عندما ينطلق المجتمع الإسلامي بعلمائه وبغير علمائه في هذا الحدود تستقيم حياتهم، وإن خالفوا اضطربت حياتهم كما هو واقع المسلمين اليوم.
إذًا: يجب على كل فرد من أفراد المسلمين أن ينظر إلى نفسه، إن كان يرى في نفسه أهلية العلم فسئل فعليه أن يجيب، وإن كان يعرف من نفسه أنه ليس من أهل العلم فحذار أن يتكلم بما لا علم عنده، وعليه أن يصمت وأن يسأل أهل العلم كما سمعتم آنفًا في الآية السابقة.
"الهدى والنور" (٤٥٤/ ٠١: ٠١: ٠٠).
[٥٨٥] باب الرد على غلاة التكفير
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: «ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه» قائلًا]:
قال الشارح: «يشير الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم بخروجه من الإيمان بارتكاب الكبيرة».
قلت: وأمثال هؤلاء اليوم الذين يحكمون على مسلمي البلاد الإسلامية كلها بدون استثناء بالكفر، ويوجبون على أتباعهم مباينتهم ومفاصلتهم تمامًا كما فعلت الخوارج من قبلهم، هداهم الله، وغفر للغلاة الذين كانوا السبب في هذا الانحراف الخطير.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٥ - ٦٦).
[ ٤ / ٢٩٢ ]
[٥٨٦] باب من ضلال فرق التكفير
قال رسول الله - ﵌ -: «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بها: بالجماعة، والسمع، والطاعة والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فمن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثا جهنم» قال رجل: وإن صام وصلى؟ قال: «وإن صام وصلى، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله»
[قال الإمام]:
صحيح.
[ثم علق قائلًا]:
الربقة في الأصل: عروة في حبل، تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشد به المسلم نفسه من عرى الإسلام؛ أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه، قاله ابن الأثير.
قلت: هذا النص من عشرات النصوص التي تدين فرقة التكفير بالضلال والخروج، ففيه الأمر بهذه الخمس الّتي لم يقوموا بشيء منها؛ فقد خرجوا عن الجماعة، وعن السمع والطاعة، ولم يهاجروا. ولم يجاهدوا، بل، لقد هاجر بعضهم إلى بلاد الكفر لتكفير المسلمين وبخاصة حكامهم!!
فإن تعللوا ونفوا أن ينطبق الحديث عليهم؛ سألناهم: ما قولكم بمن ترك واحدة من هذه الأوامر؟ أيكفر بذلك كفر ردة، وإن لم يستحل ذلك بقلبه، بل هو معترف بذنبه؟! فإن أجابوا بالإيجاب التزموا مذهبهم الخارج عن الجماعة،
[ ٤ / ٢٩٣ ]
وكفروا أنفسهم بأنفسهم؛ لأنهم لابد أن يعترفون أنهم مخلون بكثير من الأوامر من هذه الخمس وغيرها! وإن أجابوا سلبًا؛ فقد نقضوا مذهبهم، وذلك ما نبغي، هداهم الله!
"صحيح موارد الظمآن" (١/ ٤٩٦).
[٥٨٧] باب في الرد على الخوارج المكفرين
[عن عبادة بن الصامت]:
"بايعنَا رسولَ الله - ﵌ - على السمعِ والطّاعةِ في العُسر واليُسر، والمنشَطِ والمَكره، وعلى أثَرةٍ علينا، وعَلى أن لا نُنازعَ الأمرَ أَهله، [إلا أن ترَوا كُفرًا
بَواحًا، عندكم من اللهِ فيه بُرهانٌ]، وعلى أن نقولَ بالحقِّ أينَما كنَّا، لا نخافُ في اللهِ لومة لائمٍ".
[قال الإمام]:
ثم إن في هذا الحديث فوائد ومسائل فقهية كثيرة، تكلم عليها العلماء في شروحهم، وبخاصة منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري".
والذي يهمني منها هنا: أن فيه ردًا صريحًا على الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فإنهم يعلمون دون أي شك أو ريب أنه لم يروا منه (كفرًا بواحًا)، ومع ذلك استحلوا قتاله وسفك دمه هو ومن معه من الصحابة والتابعين، فاضطر ﵁ لقتالهم واستئصال شأفتهم، فلم ينج منهم إلا القليل، ثم غدروا به ﵁ كما هو معروف في التاريخ. والمقصود أنهم سنوا في الإسلام سنة سيئة، وجعلوا الخروج على حكام
[ ٤ / ٢٩٤ ]
المسلمين دينًا على مر الزمان والأيام، رغم تحذير النبي - ﵌ - منهم في أحاديث كثيرة، منها قوله - ﵌ -." الخوارج كلاب النار" (١).
ورغم أنهم لم يروا كفرًا بواحًا منهم، وإنما ما دون ذلك من ظلم
وفجور وفسق.
واليوم- والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون-، فقد نبتت نابتة من الشباب المسلم، لم يتفقهوا في الدين إلا قليلًا، ورأوا أن الحكام لا يحكمون بما أنزل الله إلا قليلًا، فرأوا الخروج عليهم دون أن يستشيروا أهل العلم والفقه والحكمة منهم، بل ركبوا رؤوسهم، وأثاروا فتنًا عمياء، وسفكوا الدماء، في مصر، وسوريا، والجزائر، وقبل ذلك فتنة الحرم المكي، فخالفوا بذلك هذا الحديث الصحيح الذي جرى عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا إلا الخوارج.
ولما كان يغلب على الظن أن في أولئك الشباب من هو مخلص يبتغي وجه الله، ولكنه شُبِّهَ له الأمر أو غرر به؛ فأنا أريد أن أوجه إليهم نصيحة وتذكرة، يتعرفون بها خطأهم، ولعلهم يهتدون.
فأقول: من المعلوم أن ما أمر به المسلم من الأحكام منوط بالاستطاعة؛ حتى ما كان من أركان الإسلام، قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ (آل عمران:٩٧) وهذا من الوضوح بمكان فلا يحتاج إلى تفصيل.
والذي يحتاج إلى التفصيل؛ إنما هو التذكير بحقيقتين اثنتين:
الأولى: أن قتال أعداء الله- من أي نوع كان- يتطلب تربية النفس على
_________________
(١) وهو مخرج في "المشكاة" (٣٥٥٤)، و"الروض النضير" (٩٠٦ و٩٠٨). [منه].
[ ٤ / ٢٩٥ ]
الخضوع لأحكام الله واتباعها؛ كما قال - ﵌ -:
«المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» (١).
والأخرى: أن ذلك يتطلب الإعداد المادي والسلاح الحربي؛ الذي ينكأُ أعداء الله؛ فإن الله أمر به أمير المؤمنين فقال: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ (الأنفال:٦٠). والإخلال بذلك مع الاستطاعة؛ إنما هو من صفات المنافقين، ولذلك قال فيهم رب العالمين: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عُدَّةً﴾ (التوبة:٤٦).
وأنا اعتقد جازمًا أن هذا الإعداد المادي لا يستطيع اليوم القيام به جماعة من المؤمنين دون علم من حكامهم- كما هو معلوم-، وعليه؛ فقتال أعداء الله من جماعة ما سابق لأوانه، كما كان الأمر في العهد المكي، ولذلك؛ لم يؤمروا به إلا في العهد المدني؛ وهذا هو مقتضى النص الرباني: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ (البقرة:٢٨٦).
وعليه؛ فإني أنصح الشباب المتحمس للجهاد، والمخلص حقًاّ لرب العباد: أن يلتفتوا لإصلاح الداخل، وتأجيل الاهتمام بالخارج الذي لا حيلة فيه، وهذا يتطلب عملًا دؤوبًا، وزمنا طويلًا؛ لتحقيق ما أسميه بـ (التصفية والتربية)؛ فإن القيام بهذا لا ينهض به إلا جماعة من العلماء الأصفياء، والمربين الأتقياء، فما أقلهم في هذا الزمان، وبخاصة في الجماعات التي تخرج على الحكام!
وقد ينكر بعضهم ضرورة هذه التصفية، كما هو واقع بعض الأحزاب الإسلامية، وقد يزعم بعضهم أنه قد انتهى دورها، فانحرفوا إلى العمل السياسي أو
_________________
(١) "الصحيحة" (٥٤٩). [منه].
[ ٤ / ٢٩٦ ]
الجهاد، وأعرضوا عن الاهتمام بالتصفية والتربية، وكلهم واهمون في ذلك، فكم من مخالفات شرعية تقع منهم جميعًا بسبب الإخلال بواجب التصفية، وركونهم إلى التقليد والتلفيق، الذي به يستحلون كثيرًا مما حرم الله! وهذا هو المثال: الخروج على الحكام؛ ولو لم يصدر منهم الكفر البواح.
وختامًا أقول: نحن لا ننكر أن يكون هناك بعض الحكام يجب الخروج عليهم؛ كذاك الذي كان أنكر شرعية صيام رمضان، والأضاحي في عيد الأضحى، وغيرذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهؤلاء يجب قتالهم بنص الحديث، ولكن بشرط الاستطاعة كما تقدم.
لكن مجاهدة اليهود المحتلين للأرض المقدسة، والسافكين لدماء المسلمين أوجب من قتال مثل ذاك الحاكم من وجوه كثيرة، لا مجال الآن لبيانها، من أهمها أن جند ذاك الحاكم من إخواننا المسلمين، وقد يكون جمهورهم- أو على الأقل الكثير منهم- عنه غير راضين، فلماذا لا يجاهد هؤلاء الشباب المتحمس اليهود، بدل مجاهدتهم لبعض حكام المسلمين؟! أظن أن سيكون جوابهم عدم الاستطاعة بالمعنى المشروح سابقًا، والجواب هو جوابنا، والواقع يؤكد ذلك؛ بدليل أن خروجهم- مع تعذر إمكانه- لم يثمر شيئًا سوى سفك الدماء سُدى! والمثال - مع الأسف الشديد- لا يزال ماثلًا في الجزائر، فهل من مدَّكر؟!.
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٢٣٧ - ١٢٤٣).
[٥٨٨] باب قاعدة التفريق بين " كفر دون كفر"
سؤال: ما القاعدة التفريق بين كفر دون كفر، كما قال ابن عباس للذين لم يحكموا بما أنزل الله كفر دون كفر، ما القاعدة التفريق بين هذا؟
[ ٤ / ٢٩٧ ]
الشيخ: هو هذا الكفر الاعتقادي والكفر العملي، الكفر الاعتقادي والكفر العملي، فمن قام في قلبه كفر اعتقادي فهذا الذي يخرج عن الملة، من قام في ذاته كفر عملي عمله يخالف اعتقاده فهذا هو الكفر الدون الذي لا يكفر به.
وهنا نقطة دقيقة بعض الشيء يجب على الحاضرين أن يعرفوها: كما أن الكفر كفران كذلك النفاق نفاقان .. النفاق نفاقان، اليوم يطرح بين الناس الكفر كفران لكن لا يطرح النفاق نفاقان، وهذا أمر هام أيضًا، من أضمر في نفسه الكفر فهو كافر كفر اعتقادي، صحيح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ولكن هو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وقد يصوم مع المسلمين إلى آخره هذا من تمام نفاقه، فهو كافر باطنًا مسلم ظاهرًا، مفهوم إلى هنا أظن؟ الكفر العملي مع الكفر الاعتقادي على العكس تمامًا، الكافر عمليًا اعتقاده حسب الإيمان الصحيح، لكن عمله عمل الكافر، المنافق على عكس عمله عمل المسلمين لكن اعتقاده اعتقاد الكافرين، فالمسلم الذي يكون اعتقاده اعتقاد المسلمين لكن عمله عمل الكافرين هذا لا يكفر؛ لأن اعتقاده اعتقاد المسلمين أما عمله فعمل الكافرين، فإذا عرفنا هذا التفصيل انتهينا من مشكلة تكفير المسلمين بالكوم بالألوف المؤلفة، وحينئذٍ نعرف قوله ﵇: «بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة» فمن ترك الصلاة فقد كفر، هذا إما أن يكون كفره اعتقاديًا، وإما أن يكون كفره عمليًا، متى يكون هذا أو هذا؟ إذا عرفنا منه بطريقة أو بأخرى أنه يؤمن بشرعية الصلاة ويعترف في قرارة نفسه بخطئه مع الله ويقول: الله يتوب علينا فهذا مؤمن في قلبه مع المسلمين لكن هو مع
[ ٤ / ٢٩٨ ]
الكافرين في عمله؛ لأن الكفار لا يصلون، فهذا هو الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي.
" الهدى والنور" (٥٤٧/ ٥٨: ١٧: ٠٠ طريق الإسلام)
[٥٨٩] باب هل يلزم إيقاع الوعيد؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة».
[قال الإمام]:
الحديث ثابت لا شك فيه، ولذلك تتابع العلماء خلفًا عن سلف على الاحتجاج به حتى قال الحاكم في أول كتابه " المستدرك ": " إنه حديث كبير في الأصول " ولا أعلم أحدًا قد طعن فيه، إلا بعض من لا يعتد بتفرده وشذوذه، أمثال الكوثري الذي سبق أن أشرنا إلى شيء من تنطعه وتحامله على الطريق الأولى لهذا الحديث، التي ليس فيها الزيادة المتقدمة: " كلها في النار "، جاهلًا بل متجاهلًا حديث معاوية وأنس على كثرة طرقه عن أنس كما رأيت. وليته لم يقتصر على ذلك إذن لما التفتنا إليه كثيرًا، ولكنه دعم رأيه بالنقل عن بعض الأفاضل، ألا وهو العلامة ابن الوزير اليمني، وذكر أنه قال في كتابه: " العواصم والقواصم " ما نصه: " إياك أن تغتر بزيادة " كلها في النار إلا واحدة " فإنها زيادة فاسدة، ولا يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة، وقد قال ابن حزم: إن هذا الحديث لا يصح ".
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وقفت على هذا التضعيف منذ سنوات، ثم أوقفني بعض الطلاب في " الجامعة الإسلامية
" على قول الشوكاني في تفسيره " فتح القدير " (٢/ ٥٦): " قال ابن كثير في تفسيره: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين، مروي من طرق عديدة، قد ذكرناها في موضع آخر. انتهى. قلت: أما زيادة كونها في النار إلا واحدة " فقد ضعفها جماعة من المحدثين (!)، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة ". ولا أدري من الذين أشار إليهم بقوله: " جماعة " فإني لا أعلم أحدًا من المحدثين المتقدمين ضعف هذه الزيادة، بل إن الجماعة قد صححوها وقد سبق ذكر أسمائهم، وأما ابن حزم فلا أدري أين ذكر ذلك، وأول ما يتبادر للذهن أنه في كتابه " الفصل في الملل والنحل " وقد رجعت إليه، وقلبت مظانه فلم أعثر عليه ثم إن النقل عنه مختلف، فابن الوزير قال عنه: " لا يصح "، والشوكاني قال عنه: " إنها موضوعة"، وشتان بين النقلين كما لا يخفى، فإن صح ذلك عن ابن حزم، فهو مردود من وجهين:
الأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعفها.
والآخر: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم، لاسيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة فكيف إذا خالف؟! وأما ابن الوزير، فكلامه الذي نقله الكوثري يشعر بأنه لم يطعن في الزيادة من جهة إسنادها، بل من حيث معناها، وما كان كذلك فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى لامكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادعاه، وكيف يستطاع الجزم بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة والعلماء من
[ ٤ / ٣٠٠ ]
مختلف الطبقات بالقبول وصرحوا بصحته، هذا يكاد يكون مستحيلًا! وإن مما يؤيد ما ذكرته أمرين:
الأول: أن ابن الوزير في كتاب آخر له قد صحح حديث معاوية هذا، ألا وهو كتابه القيم: " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " فقد عقد فيه فصلًا خاصًاّ في الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة وردوا أحاديثهم، ومنهم معاوية ﵁، فسرد ما له من الأحاديث في كتب السنة مع الشواهد من طريق جماعة آخرين من الصحابة لم تطعن فيه الشيعة، فكان هذا الحديث منها!
الأمر الآخر: أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين ممن نقطع أنه وقف على كتب ابن الوزير، ألا وهو الشيخ صالح المقبلي، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته ومعناه، وقد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك إلى ابن الوزير، وأنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من جهة السند، وإنما من قبل استشكال معناه، وأرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار إليه لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ " (ص ٤١٤): " حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضًا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها، (ثم ذكر حديث معاوية هذا، وحديث ابن عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي وحسنه الترمذي ثم قال:) والإشكال في قوله: " كلها في النار إلا ملة "، فمن المعلوم أنهم خير الأمم، وأن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث، فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة، وقال: هي زيادة غير ثابتة. وبعضهم تأول الكلام. قال: ومن المعلوم أن ليس
[ ٤ / ٣٠١ ]
المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف، فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة، إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها، وإذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل، وفيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر، ولكنها لم تخص معينا من هذه الفرق التي قد تحزبت والتأم بعضهم إلى قوم وخالف آخرون بحسب مسائل عديدة.
ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته: " إن الناس عامة وخاصة، فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء والعبيد والفلاحين والسوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم.
وأما الخاصة، فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه، وبلغ في تقويتها كل مبلغ، وجعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه والتعصب، وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها وحملوه ما لم يتحمله، ولكنه إمامهم المقدم وهؤلاء هم المبتدعة حقًاّ، وهو شيء كبير ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (مريم:٩٠)، كنفي حكمة الله تعالى، ونفي إقداره المكلف، وككونه يكلف ما لا يطاق، ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه، وأخواتهن! ومنها ما هو دون ذلك، وحقائقها جميعها عند الله تعالى، ولا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة.
ومن الناس من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف، ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق، وقد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي، ولعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه وإيذاؤهم له في عرضه وربما بلغت الأذية إلى نفسه. وعلى الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل، وتخبط في تصرفاته، وحسابه على الله سبحانه، إما أن
[ ٤ / ٣٠٢ ]
يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، وما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم والله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، وذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، وقد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه. والله المستعان.
ومن الناس من ليس من أهل التحقيق، ولا هيئ للهجوم على الحقائق، وقد تدرب في كلام الناس، وعرف أوائل الأبحاث، وحفظ كثيرًا من غثاء ما حصلوه ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل، وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء والرضا عن السلف لوقعهم في النفوس. وهؤلاء هم الأكثرون عددًا، والأرذلون قدرًا، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، ولا أدركوا سلامة العامة، فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعًا، والثاني ظاهره الابتداع، والثالث له حكم الابتداع.
ومن الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب والسنة وساروا بسيرها، وسكتوا عما سكتا عنه، وأقدموا وأحجموا بهما وتركوا تكلف مالا يعنيهم، وكان تهمهم السلامة، وحياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، وقرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، وفهم معانيه على السليقة العربية والتفسيرات المروية، ومعرفة ثبوت حديث نبوي لفظًا وحكمًا.
فهؤلاء هم السنية حقًا، وهم الفرقة الناجية، وإليهم العامة بأسرهم، ومن شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم ونياتهم.
إذا حققت جميع ما ذكرنا لك، لم يلزمك السؤال المحذور وهو الهلاك على معظم الأمة، لأن الأكثر عددًا هم العامة قديمًا وحديثًا، وكذلك الخاصة في
[ ٤ / ٣٠٣ ]
الأعصار المتقدمة، ولعل القسمين الأوسطين، وكذا من خفت بدعته من الأول، تنقذهم رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية، ورحمة ربك أوسع لكل مسلم، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث ومصداقة، وأن أفراد الفرق المبتدعة وإن كثرت الفرق فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين: فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة ".
قلت: وهذا آخر كلام الشيخ المقبلي ﵀، وهو كلام متين يدل على علم الرجل وفضله ودقة نظره، ومنه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه عمدة ابن الوزير ﵀ في إعلاله إياه. والحمد لله على أن وفقنا للإبانة عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده، وإزالة الشبهة عنه من حيث متنه.
وهو الموفق لا إله إلا هو. ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر ينكر في كتابه " أدب الجاحظ " (ص ٩٠) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ! فهو يقول: " ولو صح هذا الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية؛ إذ يسجل على أغلبيتها الخلود في الجحيم ولو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر في وجه مانعي الزكاة معتبرا إياهم في حالة ردة " إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف الرد عليه، لوضوح بطلانه لاسيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم.
على أن قوله " الخلود في الجحيم " ليس له أصل في الحديث، وإنما أورده الكاتب المشار إليه من عند نفسه ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث. وهو سالم من ذلك كله كما بينا والحمد لله على توفيقه.
"الصحيحة" (١/ ١/٤٠٤، ٤٠٨ - ٤١٤).
[ ٤ / ٣٠٤ ]
[٥٩٠] باب قبول توبة الكافروإزلة إشكالات حول ذلك
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن الله ﵎ لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه».
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٦ و٥/ ٢ و٣) من طريق أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: قال النبي - ﵌ -: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، واسم أبي قزعة سويد بن حجير. وفي لفظ له: " لا يقبل الله ﷿ من أحد توبة أشرك بعد إسلامه ". وتابعه عليه بهز بن حكيم عن أبيه به، إلا أنه قال: " عملا " مكان: " توبة ". أخرجه أحمد (٥/ ٥). قلت: وبهز ثقة حجة، لاسيما في روايته عن أبيه، وفيها ما يفسر رواية أبي قزعة، ويزيل الإشكال الوارد على ظاهرها، فهي في ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: ٩٠).
ولذلك أشكلت على كثير من المفسرين، لأنها بظاهرها مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة من قبول توبة الكافر، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى قبل الآية المذكورة: [كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين، خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (آل عمران: ٨٧ - ٨٩) فاضطربت أقوال المفسرين في التوفيق بين الآيتين، وإزالة الإشكال على أقوال كثيرة لا مجال لذكرها الآن، وإنما أذكر منها ما تأيد برواية بهز هذه، فإنها كما فسرت رواية أبي قزعة فهي أيضا تفسر الآية وتزيل الإشكال عنها. فكما أن معنى قوله في الحديث: «لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه»، أي توبته من ذنب في أثناء
[ ٤ / ٣٠٥ ]
كفره، لأن التوبة من الذنب عمل، والشرك يحبطه كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزمر: ٦٥) فكذلك قوله تعالى في الآية: ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، أي من ذنوبهم، وليس من كفرهم.
وبهذا فسرها بعض السلف، فجاء في " تفسير روح المعاني " للعلامة الآلوسي (١/ ٦٢٤) ما نصه بعد أن ذكر بعض الأقوال المشار إليها: " وقيل: إن هذه التوبة لم تكن عن الكفر، وإنما هي عن ذنوب كانوا يفعلونها معه، فتابوا عنها مع إصرارهم على الكفر، فردت عليهم لذلك، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير (١) عن أبي العالية قال: هؤلاء اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أذنبوها، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم، فلم تقبل توبتهم، ولو كانوا على الهدى قبلت، ولكنهم على ضلالة ". قلت: وهذا هو الذي اختاره إمام المفسرين ابن جرير رحمه الله تعالى، فليراجع كلامه من أراد زيادة تبصر وبيان.
"الصحيحة" (٦/ ١/٩٩ - ١٠١).
[٥٩١] باب منه
"كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ؛ ثم ارتدَّ ولَحِقَ بالشركِ؛ ثم تَنَدَّمَ، فأرسل إلى قومِهِ: سَلُوا رسول الله - ﵌ -: هل له من توبةٍ؟ فجاء قومُهُ إلى رسول الله - ﵌ - فقالوا: إنَّ فلانًا قد نَدِمَ، وإنّه أمَرَنا أن نسألك: هل له من توبةٍ؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (آل عمران:٨٦ - ٨٩)، فأرسل إليهِ [قومُه]؛ فأَسلَم".
_________________
(١) أخرجه في تفسيره (٦/ ٥٧٩ رقم ٧٣٧٦ - ٧٣٨١) من طرق عن داود بن أبي هند عن أبي العالية بنحوه، والسياق المذكور لفقه الآلوسي من مجموع الطرق، فتنبه. [منه].
[ ٤ / ٣٠٦ ]
[قال الإمام]:
ولتمام الفائدة لا بد من ذكر الآيات الأربع بتمامها، وهي في (آل عمران:٨٦ - ـ٨٩): ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين، خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُون، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾. ولا ينافي ذلك قوله تعالى بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّون، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِين﴾ (آل عمران:٩٠، ٩١). ذلك؛ لأن المقصود: لن تقبل توبتهم عند الممات كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء:١٨).
قاله الحافظ ابن كثير.
"الصحيحة" (٧/ ١/١٨٤، ١٨٦ - ١٨٧).
[٥٩٢] باب الفرق بين الإقرار والاستحلال، وهل يكفر المقر والمستحل وبيان الفرق بين الكفر العلمي والاعتقادي
سؤال: ما الفرق بين الإقرار والاستحلال؟
الشيخ: عفوًا الإقرار والاستحلال؟
الملقي: والاستحلال.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
الشيخ: في فرق كبير جدًا، الإقرار أن يرى الشيء ويقره واقعيًا، ولكن قد يكون في قرارة قلبه غير مقر بهذا الذي أقره. مثلًا: قوله ﵇: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١)، فإذا وقع منكر بين يديه ما أنكره بيده ولا أنكره بلسانه إذًا هذا يمكن أن يقال في الظاهر إنه أقر ذلك نعم.
السائل: ما الفرق بين الإقرار والاستحلال؟ وهل يحكم فيهما جميعًا على المعين بعد إقامة الحجة بالكفر؟ تتمة السؤال السابق.
الشيخ: نحن قلنا إن الكفر نوعان كفر اعتقادي وكفر عملي، والكفر الاعتقادي لا سبيل لمعرفته إلا بأن يعرب الذي صدر منه الكفر عن كفره بلسانه، أما أن نحكم عليه بما صدر منه من عمله [الذي] هو موصوف بأنه كفر في الشرع فهذا لا يلزم منه أن نصفه بأنه كفر باطنًا، كما كفر ظاهرًا، وكنت آنفًا وأنا أتحدث عن موضوع التعبير عن الفرقة الناجية وعن الطائفة المنصورة بالعبارة المتداولة اليوم ومنذ مئات السنين أهل السنة والجماعة، كنت أتحدث بأن الإسلام من كماله أنه جاء لإصلاح الظواهر والبواطن، لم يأت فقط الإسلام لإصلاح البواطن دون الظواهر، وإنما عني بإصلاح الأمرين كليهما، والسبب في هذا واضح جدًا لمن له عناية خاصة بتتبع كثير من الأحكام الشرعية التي تنص على ارتباط الباطن بالظاهر وارتباط الظاهر بالباطن، من ذلك مثلًا حديث النعمان بن بشير المتفق عليه بين الشيخين وهو حديث فيه بعض الطول، وفيه يقول الرسول ﵊: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم١٨٦).
[ ٤ / ٣٠٨ ]
كله؛ ألا وهي القلب»، وكما جاء أيضًا في الصحيح أن النبي - ﵌ - كان من هديه حينما يقوم ليصلي إمامًا بأصحابه أن يأمرهم بتسوية الصفوف ويرهبهم ويخيفهم أن لا يُخلُّوا بشيء من تسوية الصفوف بمثل قوله ﵇: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم»، فالاختلاف في تسوية الصف أمر ظاهري اعتبره الشارع الحكيم سببًا لاختلاف القلوب، فإذًا الظاهر مربوط بالباطن، وهذه حقيقة عليها أدلة كثيرة جدًا من الشريعة الإسلامية كتابًا وسنة، والذي أريد أن أصل إليها هو أن الألفاظ يجب الاهتمام بها؛ لأنها من الأمور الظاهرة، وأن لا نقول كما يقول بعض الجهلة: يا أخي العبرة بما في القلب؛ لا، قد سمعنا آنفًا أنه إذا صلح القلب صلح البدن، صلح الباطن صلح الظاهر، صلح الظاهر صلح الباطن، فسبحان الذي ربط الظاهر بالباطن فكل منهما يمد الآخر إمدادًا عجيبًا غريبًا جدًا، ما تدري آلقلب ينصلح قبل الظاهر؟ أم الظاهر قبل الباطن فهما متشابكان تمام التشابك.
فالشاهد نريد أن نقول بأن الكفر قد يكون لفظًا وقد يكون قلبًا، ومن الأحاديث المشهورة في الكفر اللفظي دون الكفر القلبي أنه كما جاء في مسند الإمام أحمد ﵀، بالسند الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي - ﵌ - خطب في أصحابه يومًا فقام رجل من أصحابه ليقول له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، ما شاء الله وشئت، فغضب ﵇ وقال: «أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده»، وفي الحديث الآخر أن رجلًا رأى رؤيا في المنام أنه بينما كان يمشي في بعض طرق المدينة لقي رجلًا من اليهود، قال له: نعم القوم أنتم معشر اليهود لولا أنكم تشركون بالله، فتقولون: عزير ابن الله، فأجابه اليهودي بقوله: ونعم القوم أنتم معشر المسلمين لولا أنكم تشركون بالله، فتقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مضى، فلقي رجلًا من النصارى فقال له: نعم القوم أنتم معشر
[ ٤ / ٣٠٩ ]
النصارى لولا أنكم تشركون بالله فتقولون: عيسى ابن الله، فقال النصراني للمسلم: ونعم القوم أنتم معشر المسلمين لولا أنكم تشركون بالله فتقولون: ما شاء الله وشاء محمد؛ فلما أصبح به الصباح جاء إلى النبي - ﵌ - وقص عليه الرؤيا، فقال له ﵇: «هل قصصتها على أحد»، قال: لا، فخطبهم ﵊ فقال لهم ما معناه: «طالما كنت أسمعكم تقولون كلمة فأستحي منكم؛ فلا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ليقل: ما شاء الله وحده. أو: ما شاء الله ثم شاء محمد». الشاهد: في كل من الحديثين أن الرجل الأول حينما خاطبه الرسول ﵇ بقوله: أجعلتني لله ندًا إنما يعني: جعله لله ندًا لفظًا؛ لأنه لو جعله لله ندًا قلبًا لحكم عليه بالردة، ولفرق بينه وبين الزوجة، ولا بد من تجديد الإسلام والنكاح.
لكن يعلم رسول الله - ﵌ - أن هذا الصحابي ما آمن بالله ورسوله إلا فرارًا من الشرك، ولكن لم ينتبه لسوء اللفظ وسوء التعبير، الذي يدل على أن إرادة الله مقرونة بإرادة رسول الله، أو أن إرادة رسول الله مقرونة بإرادة الله، لو اعتقد إنسان هذا لَكَفَرَ ولا ريب، لكن ما خطر في باله هذا المعنى، ولذلك اكتفى ﵊ بالإنكار اللفظي أيضًا؛ لأن الرجل إنما وقع في الكفر اللفظي، ولم يقع في الكفر القلبي؛ لذلك اكتفى ﵇ بأن ينكر عليه لفظًا، الرجل الذي رأى تلك الرؤيا في المنام، فيها أن الرسول قال له: «هل قصصت على أحد؟» قال: لا، قال مخاطبًا لأصحابه، كان يسمعهم يقولون هذه الكلمة فيستحي منهم، لو كان يعلم أنهم يقولونها قاصدين وهو الشرك بعينه لما استحيا منهم، لكن لما كان قد لاحظ ﵊ أنهم على جاهليتهم السابقة من التهاون في التعبير كما ذكرنا آنفًا أن أحدهم كان يقول: لقست نفسي، خبثت نفسي، فأصلح ذلك الرسول منهم، وقال: «ليقول: لقست نفسي»، كذلك كانوا يستعملون مثل هذه العبارات حتى فيما يتعلق بذات الله ﵎، فهنا الآن الإقرار والاستحلال، كلٌ من
[ ٤ / ٣١٠ ]
الأمرين قد يكون عمليًا وقد يكون قلبيًا، الاستحلال يقول الرسول ﵇ في حديث البخاري الصحيح، وإن كان صورته عند بعض المحدثين صورة الحديث المعلق: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف، يمسون في لهو ولعب، ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير» (١)، هذا الاستحلال يمكن أن يقع من هؤلاء الممسوخين استحلالًا اعتقاديًا، وهذا هو الظاهر لشدة العقوبة التي يخبر الرسول ﵇ عنها في هذا الحديث، ويمكن أن يكون استحلالًا قلبيًا، وكل عاصٍ لا بد له من استحلال على وجه من الوجهين المشار إليهما، كل عاصٍ الذي يشرب الخمر، والذي يسرق، والذي يزني، والذي يأكل الربا، كل هؤلاء بلا شك فساق وعصاة وبعض هذه الأمور من أكبر الكبائر كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، فهل هؤلاء يحكم عليهم أنهم كفار؛ لأنهم استحلوا ارتكاب ما حرم الله ﷿؟ الجواب: لا، لا نقول هذا، ولا نقول خلافه، وإنما لابد من التفصيل، من واقع شيئًا من هذه المحرمات، وهو يعترف بمخالفته لربه فهو كفره كفر عملي، ومن يستحل ذلك قلبًا وقالبًا فكفره كفر اعتقادي، هكذا يقال عن الشخص يقر المعصية أي لا ينكر، أو يستحلها عمليًا في نفسه، فإما أن يكون هذا الإقرار وذاك الاستحلال قلبًا فهو الكفر بعينه، أو بدنًا فهو الكفر دون كفر، كما صح عن ابن عباس.
الملقي: قلتم بأن القلب يعكس على الظاهر، وأنهما توأمان، والنبي - ﵌ - يقول: «الحياء والإيمان قرنا جميعًا، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر» (٢)، فإذا كان إنسان بظاهر أعماله يدل على الكفر عملًا فكيف نوفق يعني إذا كيف نقول بأنهما قرنا
_________________
(١) البخاري (رقم٥٢٦٨).
(٢) صحيح الترغيب والترهيب (رقم٢٦٣٦).
[ ٤ / ٣١١ ]
جميعًا، وأنهما قالبًا واحدًا، والآن نقول كفر عملي واعتقادي بارك الله فيكم.
الشيخ: نحن ما نقول اجتهادًا كفر عملي وكفر اعتقادي، هذا لا بد لكل مسلم أن يعتقد كذلك، أما الحديث الذي أنت تعني تنزع إليه أو تستدل به فليس فيه ما ينافي هذا التفصيل الذي ذكرناه آنفًا، ولا علمت أحدًا من العلماء يقول بأن هذا الحديث يقطع بأن مرتكب المعصية هو كافر قلبيًا، وهذا معلوم أنه مذهب الخوارج، قديمًا والإباضية منهم حديثًا، فلا يمكن لمسلم إلا أن يقع في معصية، فإذا فهمت أن هذا الحديث يعني خلاف هذه الحقائق التي لا يسع المسلم إلا أن يعترف بها، معنى ذلك أنه لا يبقى على وجه الأرض مسلم؛ لأنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله - ﵌ -.
يعني مثلًا قصة الإفك العظيمة الخطيرة هذه، لما الرسول - ﵌ - وصله خبر بعض المنافقين الذين أشاعوا الفاحشة كان موقفه من عائشة ليس موقف المتصل بوحي السماء وهو متصل بذلك دائمًا إلا ما شاء الله، إنما كان ينتظر من السماء الخبر اليقين، كان موقفه موقف أي بشر، الشاهد من هذه القصة أنه أخذ يسأل الرسول ﵇ من له صلة بالسيدة عائشة من النساء والجواري والأقارب كعلي .. إلى آخره، الشاهد أن الرسول دخل عليها فقال: يا عائشة، إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فهل معنى ذلك لو أنها لا سمح الله وقعت في الفاحشة أنها ارتدت عن دينها، الجواب لا، إذًا أوِّل حديثك بأي تأويل لا يتنافى مع الأساطين هذه من الحقائق الشرعية التي لا خلاف بين المسلمين إلا الغلاة من الخوارج الذين يكفرون المسلم بارتكاب كبيرة من الكبائر.
وأنا أنصح بهذه المناسبة أن المتمسكين اليوم أو الذين يدعون التمسك
[ ٤ / ٣١٢ ]
بالكتاب والسنة عليهم أن يفهموا الكتاب والسنة على ما كان عليه سلفنا الصالح، وفي مقدمتهم عبد الله بن عباس ترجمان القرآن الذي كان له الفضل في تفتيح أذهان المسلمين لهذه الحقيقة الشرعية أن هناك كفر دون كفر، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، الواقع يشهد أن كثيرًا ممن يحكمون سواءً كان حكمهم على أنفسهم أو على شعبهم أو على أمتهم، إنهم لا بد أن يكون كفرهم إما كفرًا خروجًا عن الملة أو كفرًا دون كفر، ذلك لما أشرت إليه آنفًا أن ما منا من أحد إلا وهو يعصي الله ﷿، فهل نتصور أن كل عاص لا بد أن يكون كافرًا كفر ردة، وهو في نفسه يعترف بأنه عصى الله، أو عصى رسول الله، يعترف في هذه الحقيقة وقد يستغفر حينما يستيقظ من غفلته هذا لا يقال إنه كفر كفر ردة، وإنما كفر كفرًا دون كفر كما قالها عبد الله بن عباس، لهذا يجب أن نأخذ عقيدتنا من سلفنا الصالح؛ لأنهم هم الذين فهموا كتاب الله، وسنة رسول الله ونقلوا هذه المفاهيم الصحيحة إلينا، فلا يجوز لمسلم أن يركب رأسه اليوم لا سيما إذا كان في ابتداء طلبه للعلم، ويقول: أنا أفهم من آية كذا أنه هؤلاء الحكام مثلًا كلهم كفار مرتدون عن دينهم، وأنه يجب الخروج عليهم، وهو لا يستطيع الخروج على أهله، مش يخرج على الحكام، فعلى هذا ينبغي أن نفهم
هذا الموضوع.
الملقي: شيخنا بارك الله فيكم، أيضًا بس يعني شبهة في هذا الموضوع: لو كان هذا الإنسان يرتكب الكفر العملي هذا دأبه، أيضًا هذا يشمله أن لا نستطيع بأن نقول إنه كافر؟
الشيخ: نعم هو كذلك.
[ ٤ / ٣١٣ ]
الملقي: لأنه مرتبط القلب مع الظاهر.
الشيخ: نعم لا نستطيع.
الملقي: جزاكم الله خير.
الشيخ: إلا إذا عبر بلسانه كما قلت آنفًا.
الملقي: بارك الله فيكم.
الشيخ: والآن المسألة واضحة، رجل يقضي بالشرع مش بالقانون، لا بالنظم المستوردة، قاض يحكم بـ قال الله قال رسول الله، لكن في حكومةٍ ما اتبع هواه، أعطى الحق لغير أهله، هذا حكم بما أنزل الله؟
الملقي: لم يحكم.
الشيخ: طيب، ماذا نقول فيه؟ ارتد عن دينه.
الملقي: لا.
الشيخ: ما ارتد عن دينه؟
الملقي: لا ..
الشيخ: لا أنا ما أقول هكذا، انتبه.
الملقي: إن كان وإن كان.
الشيخ: أيوه، بارك الله، ماشي، طيب، نفترض الآن من شان أتوصل للإجابة عن سؤالك، إنه هذا الذي يتكرر منه المعصية ومخالفة الشرع، فزيد من الناس ممن يحكمون عادة بالكتاب والسنة، في حكومة ما حكم بغير الشرع، نقول: إن
[ ٤ / ٣١٤ ]
استحل ذلك قلبًا فقد كفر وارتد عن دينه، وإلا فكفره كفر دون كفر، إذا كان من هذا النوع الثاني، هذا القاضي كان حكمه الأول من النوع الثاني، أي: لم يرتد عن دينه؛ لأنه كفره كان كفرًا عمليًا، مرة أخرى بعد مسافة طويلة قصيرة مش مهم، مرة أخرى في قضية أخرى أيضًا اتبع هواه، وحكم بغير ما أنزل الله، أنقول إنه قد ارتد؟
الملقي: لا.
الشيخ: طيب، أنقول: لم يرتد؟ هاه انتبه.
الملقي: نركب القاعدة: كفر دون كفر.
الشيخ: هذا هو.
الملقي: جزاكم الله خيرًا.
الشيخ: هذا هو. طيب تصور بقى انته مهما تكرر هذا الفعل منه، الجواب لا يختلف أبدًا، فإذًا لا فرق بين لم يتكرر، وبين تكرر، لا فرق بين تكرر قليلًا أو كثيرًا، الضابط هو أن يستحل ذلك بقلبه أو لا؟ فمهما كان الحكم كثيرًا، وهو في قرارة نفسه يقول: يا رب اغفر لي، فهذا ليس كافرًا، هذا فاسق، هذا عاص لله ﷿، في حكم واحد قال: يا أخي الزمن تغير والإسلام ما عاد يصلح للحكم إلى آخره، حكم واحد كفر وارتد عن دينه؛ لماذا؟ لأنه استحل مخالفة الشرع بقلبه.
الملقي: كيف يحكم الناس عليه إن لم يقل؟
الشيخ: نحن الآن لسنا بارك الله فيك في صدد الناس، نحن في صدد من هو الكافر عند الله ﷿، قد يكون هو كافر عند الله، ولا تستطيع أنت أن تحكم عليه بأنه كافر.
[ ٤ / ٣١٥ ]
مداخلة: كحال المنافقين.
الشيخ: هذا هو، ففي الإسلام الأول كان هناك منافقون.
مداخلة: لعل الصورة أيضًا تزداد وضوحًا شيخنا.
الشيخ: نعم.
الملقي: إذا قلنا بأن رجلًا كافرًا هو قاض من القضاة، ويقضي في الناس، وهذا الرجل أعجبه أن يقضي بنظام الإسلام أو بقضاء الإسلام، ولكنه كافر نصراني مثلًا،
الشيخ: ما يفيده شيء
الملقي: فأعجبه أن يقضي بنظامه فهل يصبح مثلًا هذا ينفعه.
الشيخ: أبدًا.
الملقي: في شبهة يا شيخ.
الشيخ: اسمعونه.
الملقي: هي التي يعني يدندنون لها يقولون: فرق بين من قضى في قضية لهواه، وبين من نسف الشريعة جملةً وتفصيلًا، وجعل بدلًا منها القوانين.
الشيخ: نعم.
الملقي: هذا بدل الدين. وأما هذا لا.
الشيخ: نعم، أنا لا أزال أقول: هذا الذي بدل إذا صح هذا التعبير، أي أقام القوانين مقام الشريعة الإسلامية كلها، تبنى القانوني الفرنسي أو السويسري أو أو إلى آخره، وأعرض عن الإسلام بالكلية، الجواب: هو ما سبق تمامًا، إن كان يتبنى ذلك استحلالًا قلبيًا وليس اتباعًا لهوىً، مثلًا محافظة على الكرسي، محافظة على
[ ٤ / ٣١٦ ]
السلطة وعلى الرياسة وو ونحو ذلك، لكن الله ﷿ يعلم منه بأنه في قرارة قلبه يعترف بأنه مخطئ، نحن الآن أخونا أبو فارس آنفًا خلط شيئًا بشيء، نحن الآن بحثنا فيما يتعلق بإيمان المرء وكفره، وحسابه عند ربه، من هو الكافر عند الله، ومن ليس بالكافر سبق الكلام؟
الملقي: نعم.
الشيخ: الآن الصورة التي تفضلت بها آنفًا، وهي شبه تذكر حقيقة، نحن نقول الحديث صريح: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما لم تروا كفرًا بواحًا»، إذًا هؤلاء لو فرضنا أنهم في قرارة نفوسهم كفرهم كفر عملي وليس اعتقادي، لكن منعوا الناس من الصلاة والاجتماع في المساجد، وإقامة شعائر الدين والزكاة ونحو ذلك، هذا كفر بواح لنا أن نقاتلهم وحسابهم.
الملقي: إلى الله.
الشيخ: إلى الله، إذًا في فرق بين بين منزلة هذا الذي يحكم بغير ما أنزل الله عند الله فيأتي التفصيل السابق، أما من حيث لنا الخروج على هؤلاء الحكام أو ليس لنا الخروج، الجواب في الحديث، «ما لم تروا كفرًا بواحًا»، فإذا رأينا هذا الكفر جاز لنا الخروج، لكن نحن نقول هنا: يجوز الخروج كما يجب الجهاد اليوم يجوز الخروج كما يجب الجهاد فهل نحن نجاهد اليوم؟ الجواب: لا، فهل إذا كنا لا نقوم بما يجب؟ هل نقوم بما يجوز؟
الملقي: لا.
الشيخ: من باب أولى، لماذا لا نجاهد وهو فرض واجب علينا؛ لأننا لا نستطيع؛ إذًا نستطيع أن نخرج، نستطيع أن نخرج على حكامنا وهنا اليهود
[ ٤ / ٣١٧ ]
بجوارنا؟! فإذًا يجب الفصل تمامًا بين الحكم على شخص أو أشخاص بأنهم كفار عند الله فالضابط هو الاستحلال القلبي أو العملي، وبين هل لنا الخروج على هؤلاء الذين ظهر منهم الكفر البواح؟ الجواب: نعم لنا الخروج، لكن من الذي يخرج؟ هو الذي يجاهد، من الذي يجاهد؟ هو الذي يستطيع الجهاد ويعد العدة ويتخذ الأسباب التي نتكلم عنها دائمًا وأبدًا. فإذًا هنا لا يجوز الخلط بين هذا
وبين هذا.
الملقي: إذًا صار الخروج ليس أسلوبًا شرعيًا.
الشيخ: نعم؟
الملقي: إذًا صار الخروج ليس أسلوبًا شرعيًا.
الشيخ: راح يكون كذلك.
الملقي: نعم.
الشيخ: لأنه.
مداخلة: وكذلك نستطيع نقول أن نقول يا شيخنا بارك الله فيكم أن الكفر البواح هو كمنعهم قيام الصلاة.
الشيخ: أي نعم.
الملقي: بارك الله فيكم.
الشيخ: لكن أنا أدندن: لا يصلح أن يكون هذا عذرًا مسوغًا لكثير من المسلمين المتحمسين الذين يخالفون الحكمة التي نكررها في كثير من المجالس وهي: من استعجل الشيء قبل أوانه؛ ابتلي بحرمانه، هذا مأخوذ من حديث:
[ ٤ / ٣١٨ ]
«ولكنكم قوم تستعجلون» (١)، ولذلك فلا يجوز الاستعجال للقيام بما فرض الله من الجهاد قبل اتخاذ العدة الواجبة، سواءً كانت معنويًا أو ماديًا.
الملقي: بقي نقطة واحدة.
الشيخ: تفضل.
الملقي: هل يجب علينا أن نعتقد أن هذا القانون كفر أكبر، بحيث تعامل هذه الدولة على أنها ليست دولة إسلام؟ أو أنه كفر دون كفر كما تفضلت.
الشيخ: هو كذلك. كفر دون كفر، خاصة إذا كان كما جاء في السؤال في أحكام شرعية في أحكام قانونية غير شرعية.
الملقي: آه.
مداخلة: شيخنا بارك الله فيكم، لو كان تبين للمسلمين أن هذا العمل الذي يعني يحق للمسلمين الخروج على حاكمهم أنه كفر اعتقادي؛ فكيف يكون خروجهم؟ بتنسيق مع العلماء مثلًا، كيف يكون الخروج يا شيخنا بارك الله فيك؟
الشيخ: الخروج بإعداد العدة للجهاد، فمن كان مستعدًا للجهاد يخرج هذا الخروج وإلا فلا.
"الهدى والنور" (٧٥١/ ٤٠: ٤٩: ٠٠) و(٧٥٢/ ١٥: ١١: ٠٠) و(٧٥٢/ ٣١: ١٥: ٠٠) و(٧٥٢/ ١٠: ١٨: ٠٠) و(٧٥٢/ ٢٤: ٢٠: ٠٠)
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٨٥٧٨) بلفظ: «ولكنكم تستعجلون».
[ ٤ / ٣١٩ ]
[٥٩٣] باب تعريف الإلحاد وبيان حُكْمِهِ
سؤال: ما هو الإلحاد وما حكمه في الدين؟
الشيخ: الإلحاد هو إنكار الدين.
مداخلة: وحكمه؟
الشيخ: حكمه الخلود في نار جهنم.
"الهدى والنور" (٧٦٣/ ٣٧: ٢٠: ٠٠)
[٥٩٤] باب تعريف دار الكفر ودار الإسلام
سؤال: ما هو تعريف بلاد إسلام وبلاد كفر، وكيف تصير بلاد الإسلام بلاد كفر والعكس؟
الشيخ: هذه مسألة بلا شك عالجها الفقهاء المتقدمون، واختلفوا كما هو شأنهم في كثير من المسائل، ولم يستطيعوا أن يضعوا جوابًا حاسمًا للخلاف يمكن الاطمئنان إليه والاعتماد عليه، وأنا أقول: أي إقليم يغلب عليه المسلمون ولو كان حكامهم لا يحكمون بما أنزل الله كلًاّ أو بعضًا فذلك لا يضر ولا يخرج ذلك الشعب عن كونه شعبًا مسلمًا، ولا يجوز مقاتلته فيما لو كان هناك دولة إسلامية، لأنها أو لأنهم إذا دعوا إلى الإسلام فسوف يستجيبون له وينقلبون تمامًا مع ذلك الداعي المسلم على الحكومة التي تحكم فيهم بغير ما أنزل الله، فإذًا: نحن لا نجعل الشعب المسلم بسبب حكم حكامهم بغير ما أنزل الله أنها غير إسلامية وأنه يجوز مقاتلتهم وفرض الأحكام التي تترتب على دار الحرب وليس على دار السلم.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
هذا الذي نعتقده وندين الله تعالى به، والله أعلم لأنني قلت تحدثوا قديمًا في هذه المسألة، وما ذكروا دليلًا حاسمًا للموضوع، لكننا نحن نعلم الآن أن حَدِّثوا ما شئتم عن أي بلد، فالشعب الجزائري شعب مسلم، الشعب السوري شعب مسلم، الشعب الأردني كذلك وقيسوا على ذلك إلخ، لكن القوانين التي تطبق عليهم الكثير منها أو أكثرها هي ليست إسلامية، ذلك لا يجعل هذه الشعوب غير مسلمة تمامًا كما قلت آنفًا، حزب البعث في سوريا لا يجعل المسلمين بعثيين، حزب البعث في العراق لا يجعل العراقيين غير مسلمين، ولذلك نفرق نحن بين الحاكم وبين المحكومين، وحينما نقول: يجب مناصرة الشعب العراقي فذلك لا يعني مطلقًا أنه يجب مناصرة الحزب البعثي أو مناصرة رئيس حزب البعث، ذلك لا يعني أنه يجوز مناصرته، لكن الشعب هو الذي يجب مناصرته.
السائل: سؤالي بالضبط ليس هكذا، نحن نريد أن نعرف وأنا شخصيًا قرأت أن ابن القيم ﵀ رجح قول الجمهور على أن الدار التي تعلوها -إن كان صحيح- تعلوها أحكام إسلامية فهي دار إسلام، وقد استدلوا بخيبر خيبر أهلها كلهم أهل ذمة، وعندما النبي - ﵌ - أَمَّرَ صحابة فأصبحت دار إسلام، لأنه تعلوها أحكام إسلامية، أما الدار التي تجري عليها نحن نعرف أن الأحكام التي تجري الآن هي اشتراكية أو قوانين وضعية، فالأحكام الدار التي تجري عليها الأحكام الوضعية هل هي دار إسلام أم دار كفر بغض البصر عن الشعوب؟
الشيخ: أنا أظن أجبت عن هذا فيما سبق آنفًا ولابد فيما يبدوا من الإعادة، ماذا يترتب من الأحكام حينما نقول: هذه الدار حرب ونقول: هذه دار إسلام، هذه دار حرب ما الذي يترتب عليها من الأحكام، أليس أول ذلك مقاتلتها؟
[ ٤ / ٣٢١ ]
السائل: نعم.
الشيخ: أنا تعرضت للجواب عن هذا الإشكال أو هذا السؤال، عندما قلت: لو كان هناك دولة مسلمة تطبق شريعة الله، فهل تقاتل الشعب الجزائري أو السوري؟ قل لي بناء على ما ذكرت من النقل عن ابن القيم وابن تيمية.
السائل: أعد بارك الله فيك.
الشيخ: أقول: إذا قلت آنفًا وأعيد ما قلته آنفًا: إذا كان فرضنا أنه يوجد أو سيوجد يومًا ما - وهذا لابد منه - دولة تحكم بما أنزل الله، هل هذه الدولة هي ستقاتل الشعب السوري ويصل إلى كل الشعوب الأخرى التي على البحر المتوسط ومنها الجزائر ومنها ليبيا وما أدراك ما ليبيا وتونس وما أدراك ما تونس هل هذه الشعوب إسلامية أم غير إسلامية؟ الجواب: إسلامية، هل هذه الدول تحكم بما أنزل الله؟ الجواب: لا، فإذًا: هذه الدولة التي افترضناها أنها ستكون تحكم بما أنزل الله تقاتل هذه الشعوب المسلمة؟
السائل: ولكن يا شيخ ..
الشيخ: لا لا عفوًا، أنت لا يخفاك قولي، «ولكن» للاستدراك، على ماذا تستدرك؟ ما قلت شيئًا لتستدرك عليه أنت، فأنت أجب على سؤالي.
ءالسائل: أي نعم سأجيب على سؤالك إن شاء الله.
الشيخ: تفضل.
السائل: يا شيخ الآن نحن عند عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يحكموننا بالظاهر.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
الشيخ: ما أجبتني. يا شيخ أنت قل: نعم قل: لا، ثم اشرح ما شئت.
السائل: لا يا شيخ، بطبيعة الحال لا يقاتلون الشعوب الإسلامية.
الشيخ: لكن هذا هو لازم القول الذي نقلته آنفًا، ولذلك أنا أحرص أن يكون جوابًا مختصرًا حتى ما ندخل في متاهات نحن في غنى عنها، فما دام تقول الآن: أن هذه الدولة التي تحكم بما أنزل الله لا تقاتل هذه الشعوب المسلمة، إذًا: كيف ينطبق عليها ذلك التعريف؟ والتعريف صادق فيها، أليس كذلك؟ التعريف الذي نقلته صادق منطبق على هذه الشعوب، لأن الذي عليهم من الحكام لا يحكمون بشريعة الإسلام، إذًا: كيف نوفق، صار فيه ناقض ومنقوض، صار فيه ليل ونهار، صار في حق وباطل، فلابد من التفريق بينهما.
أنا أعتقد التفريق هو ما قلت لك آنفًا.
"الهدى والنور" (٤٦٧/ ٣٠: ٤٦: ٠٠)
[٥٩٥] باب في مصطلح «جاهلية القرن العشرين»
[سئل الإمام]:
تناول الداعية «سيد قطب» ﵀ مصطلحًا متداولًا بكثرة في إحدى المدارس الإسلامية التي يمثلها، ألا وهو مصطلح «جاهلية القرن العشرين». فما مدى الدقة والصواب في هذه العبارة؟ وما مدى التقائها مع الجاهلية القديمة وفقًا لتصوركم؟
فأجاب ﵀:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله آله وصحبة ومن والاه وبعد:
[ ٤ / ٣٢٣ ]
الذي أراه أن هذه الكلمة «جاهلية القرن العشرين» لا تخلو من مبالغة في وصف القرن الحالي "القرن العشرين" فوجود الدين الإسلامي في هذا القرن، وإن كان قد دخل فيه ما ليس منه يمنعنا من القول بأن هذا القرن يمثل جاهليةً كالجاهلية الأولى. فنحن نعلم أن الجاهلية الأولى، إن كان المعني بها العرب فقط فهم كانوا وثنيين وكانوا في ضلال مبين، وإن كان المعني بها ما كان حول العرب من أديان كاليهودية والنصرانية فهي أديان محرفة، فلم يبق في ذلك الزمان دين خالص منزه عن التغير والتبديل، فلا شك في أن وصف الجاهلية على ذلك العهد وصف صحيح، وليس الأمر كذلك في قرننا هذا ما دام أن الله ﵎ قد مَنَّ على العرب أولًا ثم على سائر الناس ثانيًا بأن أرسل إليهم محمدًا - ﵌ - خاتم النبيين وأنزل عليه دين الإسلام وهو خاتم الأديان وتعاهد الله ﷿ بحفظ شريعته هذه بقوله ﷿ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ونبيه - ﵌ - قد أخبر أن الأمة الإسلامية وإن كان سيصيبها شيء من الانحراف الذي أصاب الأمم من قبلهم في مثل قوله - ﵌ -: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذارع، حتى لو دخلوا جحر ضرب لدخلتموه قالوا من هم يا رسول الله اليهود والنصارى؟ فقال ﵊ فمن الناس» (١)
أقول وإن كان الرسول - ﵌ - قد أخبر بهذا الخبر المفيد أن المسلمين سينحرفون إلى حد كبير ويقلدون اليهود والنصارى في ذلك الانحراف لكن ﵊ في الوقت نفسه قد بشر أتباعه بأنهم سيبقون على خطة الذي رسمه لهم فقال ﵊ في حديث التفرقة: وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة قال ﵊ كلها في النار إلا واحدة، قالوا: «ما هي يا رسول الله» قال: «هي الجماعة»، وفي رواية قال «هي التي
_________________
(١) البخاري (رقم٣٢٦٩) ومسلم (رقم٦٩٥٢) ..
[ ٤ / ٣٢٤ ]
تكون على ما أنا عليه وأصحابي» وأكد ذلك، ﵊، في قوله في الحديث المتفق عليه بين الشيخين «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» فإذن لا تزال في هذه الأمة جماعة مباركة طيبة قائمة على هدي الكتاب والسنة فهي أبعد ما تكون عن الجاهلية القديمة أو الحديثة، ولذلك فإن الذي أراه أن إطلاق الجاهلية على القرن العشرين فيه تسامح قد يوهم الناس بأن الإسلام كله قد انحرف عن التوحيد وعن الإخلاص في عبادة الله ﷿ انحرافًا كليًا، فصار هذا القرن، القرن العشرين، كقرن الجاهلية الذي بُعث رسول الله - ﵌ - وصحبه إلى إخراجه من الظلمات إلى النور حينئذ، هذا الاستعمال أو هذا الإطلاق يحسن تقييده في الكفار أولًا الذين -كما قال تعالى في شأنهم - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وصف القرن العشرين بالجاهلية إنما ينطبق على غير المسلمين الذي لم يتبعوا الكتاب والسنة ففي هذا الإطلاق إيهام بأنه لم يبق في المسلمين خير، وهذا خلاف ما سبق بيانه من أحاديث الرسول ﵊ المبشرة ببقاء طائفة من الأمة على الحق ومن ذلك قوله ﵊ «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء قالوا من هم يا رسول الله» جاء الحديث على روايات عدة في بعضها يقول الرسول - ﵌ - واصفًا الغرباء: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي» (١) وفي رواية أخرى (٢)، قال عليه الصلاة
_________________
(١) ضعف الجامع (رقم١٤٤١).
(٢) صحيح الجامع (رقم٧٣٦٨).
[ ٤ / ٣٢٥ ]
والسلام: «هم أناس قليلون صالحون بين أناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» فلذلك لا يجوز هذا الإطلاق في العصر الحاضر على القرن كله لأن فيه - والحمد الله - بقية طيبة لا تزال على هدي النبي - ﵌ - وعلى سنته وستظل كذلك حتى تقوم الساعة.
ثم إن في كلام سيد قطب ﵀ وفي بعض تصانيفه مما يشعر الباحث أنه كان قد أصابه شيء من التحمس الزائد للإسلام في سبيل توضيحه للناس. ولعل عذره في ذلك أنه كان يكتب بلغة أدبية؛ ففي بعض المسائل الفقهية، كحديثه عن حق العمل في كتاب «العدالة الاجتماعية» أخذ يكتب بالتوحيد وبعبارات كلها قوية تحيي في نفوس المؤمنين الثقة بدينهم وإيمانهم فهو من هذه الخلفية في الواقع قد جدّد دعوة الإسلام في قلوب الشباب وإن كنا نلمس أحيانًا أن له بعض الكلمات تدل على أنه لم يساعده وقته على أن يحرر فكره من بعض المسائل التي كان يكتب حولها أو يتحدث فيها، فخلاصة القول: إن إطلاق هذه الكلمة في العصر الحاضر لا يخلو من شيء من المبالغة التي تدعو إلى هضم حق الطائفة المنصورة وهذا ما عنَّ في البال فذكرته.
"حياة الألباني" (١/ ٣٩١ - ٣٩٤)
[٥٩٦] باب قد تطلق الجاهلية ويراد النسبية
عن عكرمة: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ (النبأ:٣٤). قال ملأى متتابعة. قال: وقال ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية اسقنا كأسا دهاقا.
رواه البخاري.
[نقل الإمام شرح ابن حجر لقول ابن عباس "في الجاهلية" مقررًا فقال]:
[ ٤ / ٣٢٦ ]
أي وقع سماعي لذلك منه في الجاهلية، والمراد بها جاهلية نسبية لا المطلقة، لأن ابن عباس لم يدرك ما قبل البعثة بل لم يولد إلا بعد البعث بنحو عشر سنين، فكأنه أراد أنه سمع العباس يقول ذلك قبل أن يسلم. "فتح".
"مختصر صحيح البخاري" (٢/ ٥٣٢).
[٥٩٧] باب كيف الجمع بين قوله تعالى: «لا إكراه في الدين» وقول النبي - ﵌ -: «أمرت أن أقاتل الناس »
السائل: بالنسبة لقول الله ﵎: ﴿لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وقول النبي - ﵌ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، فكيف نجمع بين الآية والحديث؟
الشيخ: ألا تعلم أن هناك ثلاثة أحكام في الشرع، إما الإسلام، وإما الجزية عن يد وهم صاغرون، وإما القتال، تعرف هذا؟
السائل: نعم، أعرف.
الشيخ: فإذًا لا تقف عند حديث واحد، خذ الأحكام مجموعة من الأحاديث، فإذا كنت تعلم أن هناك جزية ومعنى ذلك أن الكافر يبقى على دينه، فلا يتعارض حينئذ مع قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، إنما يكره على دفع الجزية إذا اختار البقاء على دينه، واضح؟
السائل: نعم
الشيخ: فإذًا، لا تعارض.
"الهدى والنور" (٤٤٢/ ٤٨: ٢٨: ٠٠)
[ ٤ / ٣٢٧ ]
[٥٩٨] باب تعريف المنافق وعلامات نفاقه
[قال الإمام]:
[المنافقون] هم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وإنما يتبين كفرهم بما يترشح من كلماتهم في الغمز في بعض أحكام الشريعة واستهجانها، وزعمهم أنها مخالفة للعقل والذوق! وقد أشار إلى هذه الحقيقة ربنا ﵎ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُم، وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم﴾ (محمد:٢٩، ٣٠) وأمثال هؤلاء المنافقين كثير في عصرنا، والله المستعان.
"تلخيص أحكام الجنائز" (ص٤٨).
[٥٩٩] باب هل يحكم على أعيان الناس الذين لا يشهدون صلاة الفجر أو العصر في جماعة بالنفاق؟
سؤال: بالنسبة لمن يحكم على من يتخلف عن صلاة الفجر أو صلاة العصر بالنفاق، نفاقًا عينيًّا يعني يذكر أنت منافق بسبب عدم حضورك لهاتين الصلاتين، فما أدري يا شيخ حكم هذا مع نصيحتك لمن يعني يرمي؟
الشيخ: مع نصيحة لمن؟
مداخلة: لمن يرمي الأخ.
الشيخ: طبعًا الحديث في ذلك يعني معروف في السنة أن صلاة العشاء وصلاة الفجر هي أشد الصلوات على المنافقين، لكن الحكم على زيد من الناس شخص معين بأنه منافق فلا نراه جائزًا، إلا إذا ثبت ثبوتًا جازمًا بأنه لا عذر له،
[ ٤ / ٣٢٨ ]
وحينئذ فلا تكون المعالجة بإطلاق لفظة المنافق عليه، وإنما بتذكيره وبنصيحته المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة، فإذا تبين أنه لا يستجيب لتذكير المذكرين ولنصيحة الناصحين فلا شك والحالة هذه أنه يجوز أن يطلق عليه لفظ المنافق ما دام انتفى أن يكون له عذر شرعي، لأنه يدخل حينذاك في عموم قول الشاعر الفقيه، أو الفقيه الشاعر حيث قال:
القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر
ومجاهر فسقًا ومستفتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة منكر
هذا هو الجواب عن السؤال الأخير، والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٣٠٧/ ١٧: ٠٣: ٠٠)
[٦٠٠] باب الغناء ينبت النفاق في القلب
[قال الإمام في معرض الكلام على حكمة تحريم الغناء]:
ومن الآثار السلفية الدالة على حكمة التحريم:
أولًا: عن ابن مسعود قال: «لغناء ينبت النفاق في القلب».
[ثم بين الإمام صحة الأثر ثم قال]:
وقد روي مرفوعًا إلى النبي - ﵌ - لكن في إسناده كذاب ولذلك خرجته في «الضعيفة» رقم (٦٥١٥).
(فائدة): قال ابن القيم ﵀ عقب أثر ابن مسعود المتقدم (١/ ٢٤٨): فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟
قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها،
[ ٤ / ٣٢٩ ]
ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها، أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء، وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف، والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوي مادة المرض، فاشتد البلاء، وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرقات، والأسواق من المرضى، وقام كل جهول يطبب الناس.
فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء.
فمن خواصه: أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن، وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدًا لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمر رضيعا لبان، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان، فإنه صنو الخمر ورضيعه، ونائبه وحليفه، وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ، وهو جاسوس القلب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل فيثير ما فيه من الهوى والشهوة، والسخافة والرقاعة، والرعونة والحماقة، فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار الإسلام وحلاوة
[ ٤ / ٣٣٠ ]
القرآن، فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقله وقل حياؤه، وذهبت مروءته وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى، إيمانه وثقل عليه قرآنه وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد، فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب والزهزهة والفرقعة بالأصابع، فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الدباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد ولا كخوار الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين، ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول:
أتذكر ليلة وقد اجتمعنا على طيب السماع إلى الصباح؟
ودارت بيننا كأس الأغاني فأسكرت النفوس بغير راح
فلم تر فيهم إلا نشاوى سرورًا والسرور هناك صاحي
إذا نادى أخو اللذات فيه أجاب اللهو حي على السماح
ولم نملك سوى المهجات شيئًا أرقناها لألحاظ الملاح
وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والعناد في قوم، والكذب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم إلى أن قال: فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج في النفاق.
وبالجملة فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء وحال أهل الذكر والقرآن تبين لهم حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها، وبالله التوفيق.
«تحريم آلات الطرب» (ص١٤٥ - ١٥١).
[ ٤ / ٣٣١ ]
[٦٠١] باب هل صلى النبي - ﵌ - على رأس المنافقين؟
سؤال: هل صلى رسول الله - ﵌ - على رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول؟
الشيخ: هل صلى على رأس المنافقين؟
هو صلى، والقصة معروفة بينه وبين سيدنا عمر ﵁، حتى نزلت الآية بالنهي عن الصلاة على المنافقين.
"الهدى والنور" (٥٦/ ٠٥: ٢١: ٠٠)
[ ٤ / ٣٣٢ ]
جماع أبواب الكلام على حكم تارك الصلاة
-غير ما تقدم-
[ ٤ / ٣٣٣ ]
[٦٠٢] باب حديثُ الشفاعة
وأنَّها تشملُ تاركي الصلاةِ منَ المسلمين
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إذا خَلصَ المؤمنونَ من النار وأَمِنُوا؛ فـ[والذي نفسي بيده!] ما مُجَادَلَةُ أحَدِكُم لصاحبِهِ في الحقِّ يكون له في الدنيا بأشدِّ من مجادلة المؤمنين لربِّهم في إخوانِهِمُ الذين أُدْخِلُوا النار. قال: يقولون: ربَّنا:! إخوانُنَا كانوا يصلُّون معنا؛ ويصومون، معنا؛ ويحُجُّون معنا؛ [ويُجاهدون معنا]؛ فأدخلتَهم النار. قال: فيقولُ: اذهَبُوا فأخرِجُوا من عَرَفْتُم منهم؛ فيأتُونهم؛ فَيَعْرفونَهُم بِصُورِهم؛ لا تأكلُ النار صُوَرَهُم؛ [لم تَغْشَ الوَجْهَ]؛ فَمِنْهم من أَخَذتْهُ النارُ إلى أنصافِ ساقَيْهِ؛ ومنهم من أخذته إلى كَعْبَيْه (١) [فَيُخرِجُونَ مِنْها بشرًا كثيرًا]؛ فيقولون: ربَّنا! قد أَخْرَجنا مَنْ أَمَرتنا. قال: ثم [يَعُودون فيتكلمون فـ] يقولُ: أَخْرِجُوا من كان في قلبهِ مِثقالُ دينارٍ من الإيمانِ. [فيُخرِجُون خلقًا كثيرًا]، ثم [يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها أحدًا ممن أَمَرتَنا. ثم يقول: ارجعوا، فـ] من كان في قلبه وزنُ نصف دينارٍ [فأًخْرِجُوهُ. فيُخرِجونَ خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا ]؛ حتى يقول: أخرِجُوا من كان في قلبه مثقال ذَرَّةٍ. [فيخرجون خلقًا كثيرًا]، قال أبو سعيد: فمن لم يُصّدِّقْ بهذا الحديث فليَقْرَأْ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٤٠)؛ قال: فيقولون: ربنا! قد أَخْرَجْنا
_________________
(١) الأصل: " كفيه" وعلى الهامش: "في "مسلم": ركبتيه". قلت: والتصويب من "المسند"، و"النسائي"، وابن ماجة ".وفي "البخاري": "قدميه " وفي رواية مسلم سويد بن سعيد؛ وهو متكلم فيه. [منه].
[ ٤ / ٣٣٥ ]
من أمرتنا؛ فلم يَبْقَ في النار أحدٌ فيه خيرٌ. قال: ثم يقول الله: شفعَتِ الملائكة؛ وشَفَعَتِ الأنبياء؛ وشَفَعَ المؤمنون؛ وبَقِيَ أرحم الراحمين قال: فَيَقْبضُ قبضةً من النار- أو قال: قَبْضَتَينِ - ناسًا لم يعملوا خيرًا قَطُّ؛ قد احتَرَقُوا حتى صاروا حُمَمًا. قال: فَيُؤْتَى بهم إلى ماء يُقالُ له: (الحياةُ)؛ فَيُصَبُّ عليهم؛ فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ؛ [قد رَأَيْتُمُوها إلى جانب الصخرة؛ وإلى جانب الشجرة؛ فما كان إلى الشمس منها كان أخضر؛ وما كان منها إلى الظلِّ كان أبيض]؛ قال: فَيَخْرُجُونَ من أجسادِهِم مِثلَ اللؤلؤِ؛ وفي أعناقهم الخاتمُ؛ (وفي رواية: الخواتِمُ): عُتَقاءُ الله. قال: فيُقالُ لَهُمُ: ادخلوا الجنة؛ فما تمنَّيتمُ وَرَأيتُم من شيءٍ فهو لكُم [ومِثلُهُ مَعَهُ]. [فيقول أهل الجنة: هؤلاء عُتقاءُ الرحمن أَدْخَلَهُمُ الجنة بغيرِ عملٍ عَمِلُوهُ؛ ولا خيرٍ َقدَّمُوهُ]. قال: فيقولون: ربَّنا! أَعَطَيْتَنا ما لم تُعطِ أحدًا من العالمين. قال: فيقول: فإن لكم عندي أفْضَلَ منه. فيقولون: ربَّنا! وما أَفْضَلُ من ذلكَ؟ [قال:] فيقولُ: رِضائي عَنْكُم؛ فلا أَسْخَطُ عليكم أبدًا».
[قال الإمام]:
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (١١/ ٤٠٩ - ٤١١): أخبرنا معمر عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﵌ - فذكره.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)، والنسائي (٢/ ٢٧٠)، وابن ماجة (رقم ٦٠)، والترمذي (٢٥٩٨) - مختصرًا-، وابن خزيمة في " التوحيد " (ص ١٨٤و٢٠١و٢١٢)؛ وابن نصر المروزي في (تعظيم قدرالصلاة رقم:٢٧٦) وتابعه محمد بن ثور عن معمر به؛ لم يسق لفظه؛ وإنما قال: بنحوه. يعني: حديث هشام بن سعد الآتي تخريجه.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
أخرجه أبو عوانة.
وتابعه سعيد بن هلال عن زيد بن أسلم به أتم منه؛ وأوله: " هل تضارُّون
في رؤية الشمس والقمر .. " الحديث بطوله. أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١/ ١١٤ - ١١٧)، وابن خزيمة أيضًا (ص٢٠١) وابن حبان (٣٣٣ - الإحسان).
وحفص بن ميسرة عن زيد: أخرجه مسلم (١/ ١١٤ - ١١٧)، وكذا البخاري (٤٥٨١)؛ لكنه لم يسقه بتمامه؛ وكذا أبو عوانة (١/ ١٦٨ - ١٦٩). وهشام بن سعد عنه: أخرجه أبو عوانة (١/ ١٨١ - ١٨٣) بتمامه؛ وابن خزيمة (ص٢٠٠)؛ والحاكم (٤/ ٥٨٢ - ٥٨٤) وصححه، وكذا مسلم (١/ ١١٧)؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه. وتابع عطاء (١): سليمان بن عمرو بن عبيد العتواري- أحد بني ليث، وكان في حجر أبي سعيد- قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول فذكره نحوه مختصرًا، وفيه الزيادة الثالثة.
أخرجه أحمد (٣/ ١١ - ١٢)، وابن خزيمة (ص ٢١١)، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/ ١٧٦/١٦٠٣٩)، وعنه ابن ماجه (٤٢٨٠)، وابن جرير في "التفسير" (١٦/ ٨٥)، ويحيى بن صاعد في "زوائد الزهد" (ص ٤٤٨/ ١٢٦٨)، والحا كم (٤/ ٥٨٥) وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم "! وبيض له الذهبي، وإنما هو حسن فقط؛ لأن فيه محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث.
أقول- بعد تخريج الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر،
_________________
(١) ووقع في رسالتي، حكم تارك الصلاة" (ص ٣١ - المطبوعة): "وتابع زيدًا" وهو سهو وسبقُ قَلَم. [منه].
[ ٤ / ٣٣٧ ]
وبيان أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل" الصحاح " و" السنن" و" المسانيد"-:فيه فوائد جمة عظيمة؛ منها شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين الذين أدخلوا النار بذنوبهم، ثم في غيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم. ثم يتفضل الله ﵎ على من بقي في النار من المؤمنين، فيخرجهم من النار بغير عمل عملوه؛ ولا خير قدموه. ولقد توهم بعضهم أن المراد بالخير المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار! قال الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٤٢٩):
«ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين؛ كما
تدل عليه بقية الأحاديث».
قلت: منها قوله - ﵌ - في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضًا: «فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله».
متفق عليه، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٢/ ٢٩٦/ رقم: ٨٢٨). وفي طريق أخرى عن أنس ﵁: «.. وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ﷿ لا تشركون بالله شيئًا؟ فيقول الجبار ﷿: فبعزتي لأعتقنهم من النار. فيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون ..» الحديث.
أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في "الظلال " تحت الحديث (٨٤٤)، وله فيه شواهد (٨٤٢ - ٨٤٣)، وفي "الفتح " (١١/ ٤٥٥) شواهد
[ ٤ / ٣٣٨ ]
أخرى. وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله - ﵌ - فيه: "لم تغش الوجه "، ونحوه الحديث الآتي بعده: "إلا دارات الوجوه ": أن من كان مسلمًا ولكنه كان لايصلي لايخرج؛ إذ لا علامة له! ولذلك تعقبه الحافظ بقوله (١١/ ٤٥٧): " لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة؛ لعموم قوله: " لم يعملوا خيرًا قط "؛ وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد) "، يعني هذا.
وقد فات الحافظ ﵀ أن في الحديث نَفْسِهِ تعقبًا على ابن أبي جمرة من وجه آخر؛ وهو أن المؤمنين كما شفعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشرًا كثيرًا؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانه. وهذا ظاهر جدًا لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك؛ فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة- إذا مات مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله- لا يخلد في النار مع المشركين، ففيه دليل قوي جدًا أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (النساء:٤٨)، وقد روى الإمام أحمد في "مسنده " (٦/ ٢٤٠) حديثًا صريحًا في هذا من رواية عائشة ﵂ مرفوعًا بلفظ: «الدواوين عند الله ﷿ ثلاثة ..» الحديث، وفيه: «فأما الديوان الذي لا يغفره الله؛ فالشرك بالله، قال الله ﷿: ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ (المائدة:٧٢).
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا؛ فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه؛ من صوم يوم تركه؛ أو صلاة تركها؛ فإن الله ﷿ يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء .. " الحديث. وقد صححه الحاكم (٤/ ٥٧٦)، وهذا وإن كان غير مُسَلْمٍ عندي - لما بينته في "تخريج شرح الطحاوية" (رقم: ٣٨٤) -؛ فإنه يشهد له هذا الحديث
[ ٤ / ٣٣٩ ]
الصحيح: حديث الترجمة. فتنبه.
إذا عرفت ما سلف يا أخي المسلم! فإن عجبي حقًا لا يكاد ينتهي من إغفال جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة؛ ألا وهي: هل يكفر تارك الصلاة كسلًا أم لا؟ لقد غفلوا جميعًا- فيما اطلعت- عن إيراد هذا الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته، لم يذكره من هو حجة له، ولم يجب عنه من هو حجة عليه، وبخاصة منهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه مع توسعه في سوق أدلة المختلفين في كتابه القيم: "الصلاة"، وجواب كل منهم عن أدلة مخالفه؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث في أدلة المانعين من التكفير؛ إلا مختصرًا اختصارًا مخلًا لا يظهر دلالته الصريحة على أن الشفاعة تشمل تارك الصلاة أيضًا، فقد قال ﵀: "وفي حديث الشفاعة: "يقول الله ﷿: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله ". وفيه: "فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط ".
قلت: وهذا السياق ملفق من حديثين؛ فالشطر الأول هو في آخر حديث أنس المتفق عليه؛ وقد سبق أن ذكرت (ص ١٣١) الطرف الأخير منه؛ والشطر الآخر هو في حديث الترجمة: " فيقبض قبضة من النار ناسًا لم يعملوا لله خيرًا قط ".
وأما أن اختصاره اختصار مخل؛ فهو واضح جدًا إذا تذكرت أيها القارئ الكريم ما سبق أن استدركته على الحافظ (ص١٣٢) متممًا به تعقيبه على ابن أبي جمرة؛ مما يدل على أن شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما بعدها؛ وأنهم أخرجوهم من النار؛ فهذا نص قاطع في المسألة؛ ينبغي أن يزول به النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة؛ التي منها: عدم تكفير أهل الكبائر من الأمة المحمدية؛ وبخاصة في هذا الزمان الذي توسع
[ ٤ / ٣٤٠ ]
فيهم بعض المنتمين إلى العلم في تكفير المسلمين؛ لإهمالهم القيام بما يجب عليهم عمله مع سلامة عقيدتهم؛ خلافًا للكفار الذين لا يصلون تدينًا وعقيدة؛ والله ﷾ يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ (القلم:٣٥، ٣٦)؟! لما تقدم كنت أحب لابن القيم ﵀ أن لا يغفل ذكر هذا الحديث الصحيح كدليل صريح للمانعين من التكفير؛ وأن يجيب عنه إن كان لديه جواب؛ وبذلك يكون قد أعطى البحث والإنصاف للفريقين دون تحيز لفئة.
نعم؛ إنه لممّا يجب علي أن أنوه به أنه عقد فصلًا خاصًا " في الحكم بين الفريقين؛ وفصل الخطاب بين الطائفتين "؛ يساعد الباحث على تفهم نصوص الفريقين؛ فهمًا صحيحًا؛ فإنه حقق فيه تحقيقًا رائعًا ما هو مسلم به عند العلماء؛ أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة. فمن المفيد أن أقدم إلى القارىء فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مرامه؛ ثم أعقب عليه بما يلزم مما يلتقي مع هذا الحديث الصحيح؛ ويؤيد المذهب الرجيح.
لقد أفاد ﵀ أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد.
وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه؛ يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة؛ فهو من الكفر العملي قطعًا.
(قلت: قد يكون ذلك من الكفر الاعتقادي أحيانًا، وذلك إذا اقترن به ما يدل على فساد عقيدته؛ كاستهزائه بالصلاة والمصلين، وكإيثاره القتل على أن يصلي إذا دعاه الحاكم إليها، كما سيأتي، فتذكر هذا؛ فإنه مهم. ثم قال:) ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه؛ ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد.
[ ٤ / ٣٤١ ]
وقد نفى رسول الله - ﵌ - الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان؛ فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.
(قلت: لكني أرى أنه لا يصح أن يطلق على أمثال هؤلاء لفظة الكفر؛ فيقال مثلًا: من زنى فقد كفر، فضلًا عن أنه لا يجوز أن يقال: فهو كافر، حتى على تارك الصلاة وعلى غيره ممن وصف في الحديث بالكفر، وقوفًا مع النص- ودفعًا لإيهام الوصف بالكفر الاعتقادي-، ومن باب أولى أن لا يقال: كافر حلال الدم! قال بعد أن ذكر الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"): ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية؛ كما لا يخرج الزاني والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر ولوازمهما.
ثم ذكر الأثر المعروف عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ (المائدة:٤٤): ليس بالكفر الذي تذهبون إليه.
(قلت: زاد الحاكم: إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، كفر دون كفر. وصححه هو (٢/ ٣١٣) والذهبي. وهذا قاصمة ظهر جماعة التكفير وأمثالهم من الغلاة. ثم قال ابن القيم ﵀): والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلمًا ولا مؤمنًا؛ وإن كان معه
[ ٤ / ٣٤٢ ]
شعبة من شعب الإسلام والإيمان.
(قلت: نفي التسمية المذكورة عن تارك الصلاة فيه نظر؛ فقد سمى الله تعالى الفئة الباغية بالمؤمنة في الآية المعروفة: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ (الحجرات:٩) مع قوله - ﵌ - في الحديث المتقدم: «وقتاله كفر»، فكما لم يلزم من وصف المسلم الباغي بالكفر نفي اسم المؤمن عنه فضلًا عن اسم المسلم، فكذلك تارك الصلاة؛ إلا إن كان يقصد بذلك أنه مسلم كامل، وذلك بعيد. قال): نعم، يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطًا في صحة الباقي واعتباره، وإن كان المتروك شرطًا في اعتبار الباقي لم ينفعه.
فهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟ هذا سر المسألة. (قلت: ثم أشار إلى الأدلة التي كان ذكرها للفريق الأول المكفر، ثم قال:) وهي تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة.
(فأقول: يبدو لي جليًا أن ابن القيم ﵀ بعد بحثه القيم في التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وأن المسلم لا يخرج من الملة بكفر عملي؛ لم يستطع أن يحكم للفريق المكفر بترك الصلاة؛ مع الأدلة الكثيرة التي ساقها لهم؛ لأنها كلها لا تدل إلا على الكفر العملي. ولذلك لجأ أخيرًا إلى أن يتساءل: هل ينفعه إيمانه؟ وهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟
وإن كل من تأمل في جوابه على هذا التساؤل يلاحظ أنه حاد عنه إلى القول بأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بالصلاة، فأين الجواب عن كون الصلاة شرطًا لصحة الإيمان؟ أي: ليس فقط شرط كمال؛ فإن الأعمال الصالحة كلها شرط
[ ٤ / ٣٤٣ ]
كمال عند أهل السنة؛ خلافًا للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار؛ مع تصريح الخوارج بتكفيرهم، فلو قال قائل بأن الصلاة شرط لصحة الإيمان، وأن تاركها مخلد في النار؛ فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم هذا، وأخطر من ذلك أنه خالف حديث الشفاعة هذا كما تقدم بيانه.
ولعل ابن القيم ﵀ بحيدته عن ذاك الجواب أراد أن يشعر القارئ بأهمية الصلاة في الإسلام من جهة؛ وأنه لا دليل على أنها شرط لصحة الإيمان من جهة أخرى.
وعليه؛ فتارك الصلاة كسلًا لا يكفر عنده إلا إذا اقترن مع تركه إياها ما يدل على أن كفره كفر اعتقادي، فهو في هذه الحالة فقط يكفر كفرًا يخرج به من الملة؛ كما تقدمت الإشارة بذلك مني. وهو ما يشعر به كلام ابن القيم في آخر هذا الفصل)؛ فإنه قال: "ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبدًا! " ..
قلت: وعلى مثل هذا المصر على الترك والامتناع عن الصلاة- مع تهديد الحاكم له بالقتل- يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفر للتارك، وبذلك تجتمع أدلتهم مع أدلة المخالفين؛ ويلتقون على كلمة سواء: أن مجرد الترك لا يكفر؛ لأنه كفر عملي لا اعتقادي؛ كما تقدم عن ابن القيم، وهذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀- أعني أنه حمل تلك الأدلة هذا الحمل-، فقال في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٤٨) - وقد سئل عن تارك الصلاة من غير عذر هل هو مسلم في تلك الحال؟ فأجاب ﵀ ببحث طويل ملىء علمًا؛ لكن المهم منه الآن ما يتعلق منه بحديثنا هذا؛ فإنه بعد أن حكى أن تارك الصلاة يقتل عند جمهور
[ ٤ / ٣٤٤ ]
العلماء: مالك والشافعي وأحمد؛ قال: "وإذا صبر حتى يقتل؛ فهل يقتل كافرًا مرتدًا؛ أو فاسقًا كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين حُكيا روايتين عن أحمد؛ فإن كان مقرًا بالصلاة في الباطن معتقدًا لوجوبها؛ يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل ولا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك. وهو يصر على تركها مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرًا بوجوبها ولا ملتزمًا بفعلها، فهذا كافر باتفاق المسلمين؛ كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة؛ كقوله - ﵌ -: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة». رواه مسلم فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط فهذا لا يكون قط؛ مسلمًا مقرًا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل؛ هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإن كان قادرًا ولم يصل قط؛ علم أن الداعي في حقه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل. لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها، وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانًا. فأما من كان مصرًا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلمًا.
لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في "السنن "، حديث عبادة عن النبي - ﵌ -؛ أنه قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة؛ من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ
[ ٤ / ٣٤٥ ]
عليهن لم يكن له عهد عند الله؛ إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له» (١). فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى.
والذي يؤخرها (الأصل: ليس يؤخرها) أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها؛ فهذا تحت مشيئة الله تعالى. وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه كما جاء في الحديث " (٢).
وعلى هذا المحمل يدل كلام الإمام أحمد أيضًا؛ الذي شهر عنه بعض أتباعه المتأخرين القول بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل، وكلامه يدل على خلاف ذلك " بحيث لا يخالف هذا الحديث الصحيح، كيف وهو قد أخرجه في "مسنده " كما أخرج حديث عائشة بمعناه كما تقدم؟! فقد ذكر ابنه عبد الله في "مسائله (٥٥) قال: "سألت أبي ﵀ عن ترك الصلاة متعمدًا؟ قال: والذي يتركها لا يصليها، والذي يصليها في غير وقتها؛ أدعوه ثلاثًا؛ فإن صلى وإلا ضربت عنقه، هو عندي بمنزلة المرتد .. ".
قلت: فهذا نص من الإمام أحمد بأنه لم يكفر بمجرد تركه للصلاة، وإنما بامتناعه من الصلاة مع علمه بأنه سيقتل إن لم يصل، فالسبب هو إيثاره القتل على الصلاة، فهو الذي دل على أن كفره كفر اعتقادي، فاستحق القتل.
_________________
(١) حديث صحيح مخرج في "صحيح أبي داود" (٤٥١ و١٢٧٦). [منه].
(٢) يشير﵀- إلى قوله له: «أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة؛ يقول ربنا ﷿ لملائكته- وهو أعلم-: انظروا؛ في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا؛ هل لعبدي من تطوع؛ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم» وهو حديث صحيح، مخرج في "صحيح أبي داود" (٨١٠). [الناشر "ناشر الصحيحة"]
[ ٤ / ٣٤٦ ]
ونحوه ما ذكره المجد ابن تيمية- جد شيخ الإسلام ابن تيمية- في كتابه " المحرر في الفقه الحنبلي " (ص ٦٢):" ومن أخر صلاة تكاسلًا لا جحودًا أمر بها؛ فإن أصر حتى ضاق وقت الأخرى؛ وجب قتله ".
قلت: فلم يكفر بالتأخير، وإنما بالإصرار المنبئ عن الجحود. ولذلك قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في "مشكل الآثار" في باب عقده في هذه المسألة، وحكى شيئًا من أدلة الفريقين، ثم اختار أنه لا يكفر؛ قال (٤/ ٢٢٨): " والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلي، ولا نأمر كافرًا أن يصلي، ولو كان بما كان منه كافرًا لأمرناه بالإسلام؛ فإذا أسلم أمرناه بالصلاة؛ وفي تركنا لذلك وأمرنا إياه بالصلاة؛ ما قد دل على أنه من أهل الصلاة؛ ومن ذلك أمر النبي - ﵌ - الذي أفطر في رمضان يومًا متعمدًا بالكفارة التي أمره بها وفيها الصيام؛ لا يكون الصيام إلا من المسلمين. ولما كان الرجل يكون مسلمًا إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما
يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس؛ ومن صيام رمضان كان كذلك؛ ويكون كافرًا بجحوده لذلك؛ ولا يكون كافرًا بتركه إياه بغير جحود منه له؛ ولا يكون كافرًا إلا من حيث كان مسلمًا، وإسلامه كان بإقراره بالإسلام؛ فكذلك ردته لا تكون إلا بجحوده الإسلام ".
قلت: وهذا فقه جيد، وكلام متين لا مرد له، وهو يلتقي تمامًا مع ما تقدم من كلام الإمام أحمد ﵀ الدال على أنه لا يكفر بمجرد الترك؛ بل بامتناعه من الصلاة بعد دعائه إليها، وإن مما يؤكد ما حملت عليه كلام الإمام أحمد؛ ما جاء في كتاب " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل " للشيخ علاء الدين المرداوي؛ قال ﵀ (١/ ٤٠٢) - كالشارح لقول أحمد المتقدم آنفًا: " أدعوه ثلاثًا " -: " الداعي له هو الإمام أو
[ ٤ / ٣٤٧ ]
نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله، ولا يكفر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم ".
وممن اختار هذا المذهب أبو عبد الله بن بطة، كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه " الشرح الكبير على المقنع " للإمام موفق الدين المقدسي (١/ ٣٨٥)، وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره. قال أبو الفرج: " وهو قول أكثر الفقهاء؛ منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي .. ".ثم استدل على ذلك بأحاديث كثيرة أكثرها عند ابن القيم، ومنها حديث عبادة المتقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال عقبه: "ولو كان كافرًا لم يدخله في المشيئة".
قلت: ويؤكد ذلك حديث الترجمة وحديث عائشة تأكيدًا لا يدع لأحد شكًا أو شبهة، فلا تنسى. ثم قال أبو الفرج: " ولأن ذلك إجماع المسلمين؛ فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا مُنع ميراث مورِّثه، ولا فُرِّقَ بين زوجين لِتَرْكِ الصلاة من أحدهما- مع كثرة تاركي الصلاة-! ولو كفر لثبتت هذه الأحكام، ولا نعلم خلافًا بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد (١). وأما الأحاديث المتقدمة (يعني: التي احتج بها المكفرون كحديث: " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة "؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة؛ كقوله - ﵌ -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .. وأشباه هذه مما أريد به التشديد في الوعيد. قال شيخنا ﵀ (يعني: الموفق المقدسي): وهذا أصوب القولين. والله أعلم".
قلت: ونقله الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
_________________
(١) قلت: الراجح أنه لا يضيء؛ كما حققه ابن تيمية ﵀ (٢٢/ ٤٦). [منه].
[ ٤ / ٣٤٨ ]
﵏ في حاشيته على "المقنع " لابن قدامة (١/ ٩٥ - ٩٦) مقرًا له.
ومع تصريح الإمام الشوكاني في "السيل الجرار" (١/ ٢٩٢) بتكفير تارك الصلاة عمدًا، وأنه يستحق القتل، ويجب على إمام المسلمين قتله؛ فقد بين في "نيل الأوطار" أنه لا يعني كفرًا لا يغفر، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء واختلافهم، وذكر شيئًا من أدلتهم (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥): "والحق أنه كافر يقتل، أما كفره؛ فلأن الأحاديث صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم (!) وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الإطلاق.
ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون؛ لأنا نقول: لا يمنع أن
يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة؛ ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرًا. فلا مُلْجِئَ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها ".
ولقد صدق ﵀. لكن ذهابه إلى جواز إطلاق اسم (الكافر) على تارك الصلاة؛ هو توسع غير محمود عندي، لأن الأحاديث التي أشار إليها ليس فيها الإطلاق المدعى، وإنما فيها: "فقد كفر"، وما أظن أن أحدًا يستجيز له أن يشتق منه اسم فاعل فيقول فيه: (كافر)، إذن؛ لزمه أن يطلقه أيضًا على كل من قيل فيه: "كَفَر"؛ كالذي يحلف بغير الله، ومن قاتل مسلمًا، أو تبرأ من نسب، ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث.
نعم؛ لو صح ما رواه أبو يعلى وغيره عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: " عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة؛ عليهن أسس الإسلام؛ من ترك واحدة منهن فهو بها
[ ٤ / ٣٤٩ ]
كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان ".
أقول: لو صح هذا؛ لكان دليلًا واضحًا على جواز إطلاقه على تارك الصلاة، ولكنه لم يصح كما كنت بينته في " السلسلة الضعيفة " (٩٤).
والخلاصة؛ أن مجرد الترك لا يمكن أن يكون حجة لتكفير المسلم، وإنما هو فاسق، أمره إلى الله، إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له، وحديث الترجمة نص صريح في ذلك لا يسع مسلمًا أن يرفضه.
وأن من دعي إلى الصلاة، وأنذر بالقتل؛ إن لم يستجب فقتل؛ فهو كافر يقينًا حلال الدم، لا يُصَلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، فمن أطلق التكفير فهو مخطئ، ومن أطلق عدم التكفير فهو مخطئ، والصواب التفصيل.
فهذا الحق ليس به خفاءُ فدعني عن بنيات الطريق وبعد؛ فإن أخشى ما أخشاه أن يبادر بعض المتعصبين الجهلة إلى رد هذا الحديث الصحيح؛ لدلالته الصريحة على أن تارك الصلاة كسلًا مع الإيمان بوجوبها داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء]؛كما فعل بعضهم أخيرًا بتاريخ (١٤٠٧ هـ)، فقد تعاون اثنان من طلاب العلم: أحدهما سعودي، والآخر مصري، فتعقباني في بعض الأحاديث من المئة الأولى من " سلسلة الأحاديث الصحيحة "؛ منها حديث حذيفة بن اليمان ﵁ المتقدم برقم (٨٧) ولفظه: «يَدْرُسُ الإسلام كما يَدْرُسُ وشْيُ الثوب حتى لا يُدرى ما صيام؛ ولا صلاة ولا نسك، ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله ﷿ في ليلة؛ فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: " لا إله إلا الله "، فنحن نقولها».
[ ٤ / ٣٥٠ ]
قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم " لا إله إلا الله " وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار (ثلاثًا).
قلت: فسوّدا في تضعيف هذا الحديث ثلاث صفحات كبار في الرد عليَّ لتصحيحي إياه، لم يجدا ما يتعلقان به لتضعيفه؛ إلا أنه من رواية أبي معاوية محمد بن خازم الضرير؛ بحجة أنه كان يرى الإرجاء! وأن الحديث موافق لبدعة الإرجاء!! وهذا من الجهل البالغ، ولا مجال الآن لبيانه إلا مختصرًا، فإن أبا معاوية مع كونه ثقة محتجًا به عند الشيخين؛ فإنه قد توبع من ثقة مثله، ثم إن الحديث لا صلة له بالإرجاء مطلقًا، وهما إنما ادعيا ذلك لجهلهما بالعلم، وكيف يكون كذلك وقد صححه الحاكم والذهبي، وكذا ابن تيمية والعسقلاني والبوصيري؟! ولئن جاز في عقلهما أنهم كانوا في تصحيحهم إياه جميعًا مخطئين فهل وصل الأمر بهما أن يعتقدا بأنهم يصححون ما يؤيد الإرجاء؟! تالله إنها لإحدى الكبر؛ أن يتسلط على هذا العلم من لا يحسنه، وأن يضعف ما يصححه أهل العلم! وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه؛ أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك، بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثًا في بلاد الكفر لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم، فقد سألني أحدهم هاتفيًا عن امرأة تزوجها، وكانت تصلي دون أن تغتسل من الجماع! وقريبًا سألني إمام مسجد ينظر إلى نفسه أنه على شيء من العلم يسوغ له
[ ٤ / ٣٥١ ]
أن يخالف العلماء! سألني عن ابنه أنه كان يصلي جنبًا بعد أن بلغ مبلغ الرجال واحتلم؛ لأنه كان لا يعلم وجوب الغسل من الجنابة! وقد قال ابن تيمية ﵀ في " مجموع الفتاوى " (٢٢/ ٤١): " ومن علم أن محمدًا رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به؛ لم يعذبه الله على ما لم يبلغه؛ فإنه إذا لم يعذر على ترك الإيمان بعد البلوغ، فإنه [أن] لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى، وهذه سنة رسول الله - ﵌ - المستفيضة عنه في أمثال ذلك ".
ثم ذكر أمثلة طيبة؛ منها: المستحاضة؛ قالت: إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة والصوم؟ فأمرها بالصلاة زمن دوام الاستحاضة، ولم
يأمرها بالقضاء.
قلت: وهذه المستحاضة هي فاطمة بنت أبي حبيش ﵂، وحديثها في "الصحيحين " وغيرهما، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٨١).
ومثلها: أم حبيبة بنت جحش زوجة عبد الرحمن بن عوف، واستحيضت سبع سنين، وحديثها عند الشيخين أيضًا، وهو مخرج في "صحيح أبي داود"
أيضًا (٢٨٣).
وثمة ثالثة؛ وهي حمنة بنت جحش، وهي التي أشار إليها ابن تيمية؛ فإن في حديثها: "إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة؛ فما ترى فيها؛ قد منعتني الصلاة والصوم .. " الحديث. أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب "السنن " بإسناد حسن، وصححه جمع، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٩٣) و"الإرواء" (٨٨١).
هذا؛ وهناك نص آخر للإمام أحمد كان ينبغي أن يضم إلى ما سبق نقله عنه؛ لشديد ارتباطه به ودلالته أيضًا على أن تارك الصلاة لا يكفر بمجرد الترك، ولكن
[ ٤ / ٣٥٢ ]
هكذا قُدِّر؛ قال عبد الله بن أحمد في "مسائله " (ص ٥٦/ ١٩٥):
"سألت أبي عن رجل فرط في صلوات شهرين؟ فقال: يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات؛ فلا يزال يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرط فيها؛ فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها؛ ولا يضيع مرتين؛ ثم يعود فيصلي أيضًا حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها؛ إلا إن كثر عليه؛ ويكون ممن يطلب المعاش؛ ولا يقوى أن يأتي بها؛ فإنه يصلي حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يقيمه من معاشه؛ ثم يعود إلى الصلاة؛ لا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها، فهو يعيدها أيضًا إذا ذكرها وهو في صلاة ".
فانظر أيها القارئ الكريم! هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلا ما يدل على ما سبق تحقيقه؛ أن المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة؛ بل صلوات شهرين متتابعين! بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش.
وهذا عندي يدل على شيئين: أحدهما - وهو ما سبق -: أنه يبقى على إسلامه، ولو لم تبرأ ذمته بقضاء كل ما عليه من الفوائت.
والآخر: أن حكم القضاء دون حكم الأداء؛ لأنني لا أعتقد أن الإمام أحمد - بل ولا من هو دونه في العلم- يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش. والله ﷾ أعلم.
واعلم أخي المسلم! أن هذه الرواية عن الإمام أحمد- وما في معناها- هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولًا؛ ولخصوص الإمام أحمد.
ثانيًا؛ لقوله ﵀: " إذا صح الحديث فهو مذهبي "؛ وبخاصة أن الأقوال الأخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جدًا؛ كما تراها في كتاب
[ ٤ / ٣٥٣ ]
" الإنصاف " (١٠/ ٣٢٧ - ٣٢٨) وغيره من الكتب المعتمدة؛ ومع اضطرابها؛ فليس في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة؛ وإذ الأمر كذلك؛ فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيدة والمبنية لمراده ﵀؛ وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبد الله.
ولو فرضنا أن هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك؛ وجب تركها والتمسك بالروايات الأخرى؛ لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرة. وبهذا صرح كثير من كبار علماء الحنابلة المحققين؛ كابن قدامة المقدسي -كما تقدم في نقل أبي الفرج عنه-، ونص كلام ابن قدامة: " وإن ترك شيئًا من العبادات الخمس تهاونًا؛ لم يكفر".
كذا في كتابه "المقنع "، ونحوه في "المغني " (٢/ ٢٩٨ - ٣٠٢) في بحث طويل له؛ ذكر الخلاف فيه وأدلة كل فريق؛ ثم انتهى إلى هذا الذي في " المقنع"؛ وهو الحق الذي لاريب فيه؛ وعليه مؤلف " الشرح الكبير" و" الإنصاف " كما تقدم وإذا عرفت الصحيح من قول أحمد؛ فلا يرد عليه ما ذكره السبكي في ترجمة الإمام الشافعي؛ من " طبقات الشافعية الكبرى " (١/ ٢٢٠)، قال: " حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة؛ فقال له الشافعي: يا أحمد! تقول: إنه يكفر؟ قال: نعم. قال: إذا كان كافرًا فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه!! قال: يسلم بأن يصلي. قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها. فانقطع أحمد وسكت ".
فأقول: لا يرد هذا على أحمد ﵀ لأمرين:
أحد هما: أن الحكاية لا تثبت، وقد أشار إلى ذلك السبكي ﵀
[ ٤ / ٣٥٤ ]
بتصديره إياها بقوله: " حُكي"، فهي منقطعة. والآخر: أنه ذكر بناءً على القول بأن أحمد يكفر المسلم بمجرد ترك الصلاة؛ وهذا لم يثبت عنه كما تقدم بيانه؛ وإنما يرد هذا على بعض المشايخ الذين لا يزالون يقولون بالتكفير بمجرد الترك! وأملي أنهم سيرجعون عنه بعد أن يقفوا على هذا الحديث الصحيح؛ وعلى قول أحمد وغيره من كبار أئمة الحنابلة الموافق له؛ فإنه لا يجوز تكفير المسلم الموحد بعمل يصدر منه؛ حتى يتبين منه أنه جاحد ولو بعض ما شرع الله؛ كالذي يدعى إلى الصلاة فإن استجاب وإلا قتل كما تقدم. ويعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في "الفتح " (١٢/ ٣٠٠) عن الغزالي أنه قال:
"والذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير؛ ما وجد إليه سبيلًا، فإن استباحة دماء المسلمين المقرِّين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد ".
هذا؛ وقد بلغني أن بعضهم لما أُوِقف على هذا الحديث؛ شك في دلالته على نجاة المسلم التارك للصلاة من الخلود في النار مع الكفار، وزعم أنه ليس له ذكر في كل الدفعات التي أخرجت من النار. وهذه مكابرة عجيبة تذكرنا بمكابرة متعصبة المذاهب في رد دلالات النصوص انتصارًا للمذهب، فإن الحديث صريح في أن الدفعة الأولى شملت المصلين بعلامة أن النار لم تأكل وجوههم، فما بعدها من الدفعات ليس فيها مصلون بداهة، فإن لم ينفع مثل هذا بعض المقلدين الجامدين؛ فليس لنا إلا أن نقول: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِين﴾.
(تنبيه): ابن قدامة ﵀ من جملة الذين فاتهم الاستدلال بهذا الحديث الصحيح للمذهب الصحيح في عدم تكفير تارك الصلاة كسلًا. لكن العجيب أنه
[ ٤ / ٣٥٥ ]
ذكر حديثًا آخر لو صح لكان قاطعًا للخلاف؛ لأن فيه أن مولى للأنصار مات وكان يصلي ويدع، ومع ذلك أمر - ﵌ - بغسله والصلاة عليه ودفنه، وهو وإن كان قد سكت عنه؛ فإنه قد أحسن بذكره مع إسناده من رواية الخلال، الأمر الذي مكنني من دراسته والحكم عليه بما يستحق من الضعف والنكارة، ولذلك أودعته في الكتاب الآخر: " الضعيفة " (٦٠٣٦).
بعد كتابة ما تقدم بأيام أطلعني بعض إخواني على كتاب بعنوان هام: "فتح من العزيز الغفار بإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار" تأليف عطاء بن عبد اللطيف بن أحمد، ففرحت به فرحًا كبيرًا، وازداد سروري حينما قرأته، وتصفحت بعض فصوله، وتبين لي أسلوبه العلمي وطريقته في معالجة الأدلة المختلفة التي منها- بل هي أهمها- تخريج الأحاديث وتتبع طرقها وشواهدها، وتمييز صحيحها من ضعيفها؛ ليتسنى له بعد ذلك إسقاط ما لا يجوز الاشتغال به لضعفه، والاعتماد على ما ثبت منها، ثم الاستدلال به أو الجواب عنه، وهذا ما صنعه الأخ المؤلف جزاه الله خيرًا؛ خلافًا لبعض المؤلفين الذي يحشرون كل ما يؤيدهم دون أن يتحروا الصحيح فقط؛ كما فعل الذين ردوا علي في مسألة وجه المرأة من المؤلفين في ذلك من السعوديين والمصريين وغيرهم. أما هذا الأخ (عطاء)؛ فقد سلك المنهج العلمي في الرد على المكفرين؛ فتتبع أدلتهم، وذكر ما لها وما عليها، ثم ذكر الأدلة المخالفة لها على المنهج نفسه، ووفق بينها وبين ما يخالفها بأسلوب رصين متين، وإن كان يصحبه أحيانًا شيء من التساهل في التصحيح باعتبار الشواهد، ثم التكلف في التوفيق بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على عدم كفر تارك الصلاة؛ كما فعل في حديث أبي الدرداء في الصلاة: " فمن تركها فقد خرج من الملة ". فإنه بعد أن تكلم عليه وبين ضعف إسناده؛ عاد فقواه بشواهده،
[ ٤ / ٣٥٦ ]
وهي في الحقيقة شواهد قاصرة لا تنهض لتقوية هذا الحديث، ثم أغرب فتأول الخروج المذكور فيه بأنه خروج دون الخروج!! وله غير ذلك من التساهل والتأويل؛ كالحديث المخرج في " الضعيفة " (٦٠٣٧).
والحق؛ أن كتابه نافع جدًا في بابه؛ فقد جمع كل ما يتعلق به سلبًا أو إيجابًا، قبولًا أو رفضًا؛ دون تعصب ظاهر منه لأحد أو على أحد، وأحسن ما فيه الفصل الأول من الباب الثاني؛ وهو كما قال: " في ذكر أدلة خاصة تدل على أن تارك الصلاة لا يخرج من الملة "! وعدد أدلته المشار إليها (١٢) دليلًا، ولقد ظننت حين قرأت هذا العنوان في مقدمة كتابه أن منها حديث الشفاعة هذا؛ لأنه قاطع للنزاع كما سبق بيانه، ولكنه- مع الأسف- قد فاته كما فات غيره من المتقدمين على ما سلف ذكره.
غير أنه لابد لي من التنويه بدليل من أدلته لأهميته وغفلة المكفرين عنه؛ ألا وهو قوله - ﵌ -: " إن للإسلام صُوىً ومنارًا كمنار الطريق .. " الحديث، وفيه ذكر التوحيد، والصلاة وغيرها من الأركان الخمسة المعروفة والواجبات، ثم قال - ﵌ -: «فمن انتقص مِنْهُنَّ شيئًا؛ فهو سهم من الإسلام تركه؛ ومن تركهن؛ فقد نبذ الإسلام وراءه».
وقد خرجه المومى إليه تخريجًا جيدًا، وتتبع طرقه؛ وبين أن بعضه صحيح الإسناد، ثم بين دلالته الصريحة على عدم خروج تارك الصلاة من الملة. فراجعه وراجع الكتاب كله؛ إن كان عندك شك في المسألة.
وقد كنت خرجته قديمًا برقم (٣٣٣) منذ أكثر من ثلاثين سنة، واستفاد هو منه- كما هو شأن المتأخر مع المتقدم- ولكنه لم يشر إلى ذلك أدنى إشارة، ولقد كان يحسن به ذلك؛ ولا سيما أنه خصني بالنقد في بعض الأحاديث، وذلك مما
[ ٤ / ٣٥٧ ]
لا يضرني البتة؛ بل إنه لينفعني أصاب أم أخطأ، وليس الآن مجال تفصيل القول في ذلك.
والخلاصة؛ أن حديثنا هذا حديث الشفاعة حديث عظيم، ومن ذلك دلالته القاطعة على أن تارك الصلاة- مع إيمانه بوجوبها- لا يخرج من الملة، وأنه لا يخلد في النار مع الكفرة الفجرة.
ولذلك؛ فإني أرجو مخلصًا كل من وقف على هذا الحديث وغيره مما في معناه أن يتراجع عن تكفير المسلمين التاركين للصلاة مع إيمانهم بها، والموحدين لله ﵎؛ فإن تكفير المسلم أمر خطير جدًا كما تقدم. وعليهم فقط أن يذكروا بعظمة منزلة الصلاة في الإسلام بما جاء في ذلك في الكتاب والأحاديث النبوية، والآثار السلفية الصحيحة، فإن الحكم قد خرج- مع الأسف- من أيدي العلماء، فهم لذلك لا يستطيعون أن ينفذوا حكم الكفر والقتل في تارك واحد للصلاة؛ بله جمع من التاركين؛ ولو في دولتهم فضلًا عن الدول الإسلامية الأخرى! فإن قتل التارك للصلاة بعد دعوته إليها إنما كان لحكمة ظاهرة، وهو لعله يتوب إذا كان مؤمنًا بها، فإذا آثر القتل عليها؛ دل ذلك على أن تركه كان عن جحد، فيموت- والحالة هذه- كافرًا؛ كما تقدم عن ابن تيمية، فامتناعه منها في هذه الحالة دليل عملي على خروجه من الملة. وهذا مما لا سبيل إلى تحقيقه اليوم مع الأسف، فليقنع العلماء- إذن من الوجهة النظرية- على ما عليه جمهور أئمة المسلمين؛ بعدم تكفير تارك الصلاة مع إيمانه بها، وقد قدمنا الدليل القاطع على ذلك من السنة الصحيحة؛ فلا عذر لأحد بعد ذلك ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (النور:٦٣).
[ ٤ / ٣٥٨ ]
ثم طَبَعْتُ هذا البحث في رسالة خاصة بعنوان " حكم تارك الصلاة " فنفع الله بها من شاء من عباده، واستنكر بعض المؤلفين ما فيه من الحكم: أن تارك الصلاة كسلًا- مع إيمانه بها- ليس بكافر؛ لمخالفته إياه عقيدة، فهو بهذا الاعتبار مخالف له؛ وهو عمل قلبي؛ والله ﷿ ضمن أن لا يضيعه؛ كما قال أبو سعيد في الحديث هذا: " فمن لم يصدق بهذا الحديث؛ فليقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾.
وبالنظر إلى تركه الصلاة فهو مشابه للكفار عملًا؛ الذين يتحسرون يوم القيامة؛ فيقولون وهم في سقر: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين﴾ (المدثر:٤٣، ٤٤)؛ فكفره كفر عملي؛ لأنه عمل عمل الكفار؛ فهو كالتارك للزكاة؛ وقد صح الحديث أيضًا أن مانع الزكاة يعذب يوم القيامة بماله الذي كان منعه، ثم يساق إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولكن المؤلف المشار إليه- هدانا الله وإياه-تأول هذا الحديث كما تأول حديث المانع للزكاة تأويلًا عطل دلالته الصريحة على ما ذهبنا إليه من الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؛ مع أنه قد صح هذا عن ابن عباس وبعض تلامذته، وجرى عليه من بعدهم من أتباع السلف؛ كابن القيم وشيخه؛ كما تقدم في هذا البحث؛ ومع ذلك لم يعرج عليه المومى إليه مطلقًا ولو لرده؛ ولا سبيل له إليه! والله ﷿ يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ (القلم:٣٥، ٣٦)؟ وكذلك صرف المؤلف المذكور نظره عن حديث:" إن للإسلام صوى .. " الصريح في التفريق بين: "من ترك سهمًا؛ فهو سهم من الإسلام تركه "؛ وبين " من ترك الأسهم كلها؛ فقد نبذ الإسلام كله "؛ فلم يتعرض له بجواب. ولا أستبعد أن يحاول تأويله أو تضعيفه؛ كما فعل بغيره من الأحاديث الصحيحة.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
وبالجملة؛ فمجال الرد عليه واسع جدًا، ولا أدري متى تسنح لي الفرصة للرد عليه، وبيان ما يؤخذ عليها فقهًا وحديثًا؟ وإن كنت أشكر له أدبه ولطفه وتبجيله لكاتب هذه الأحرف، ودفاعه عن عقيدة أهل الحديث في أن الإيمان يزيد وينقص؛ وإن كان قد اقترن به أحيانًا شيء من الغلو والمخالفة؛ والاتهام بالإرجاء؛ مع أنه يعلم أنني أخالفهم مخالفة جذرية؛ فأقول: الإيمان يزيد وينقص؛ وإن الأعمال الصالحة من الإيمان، وإنه يجوز الاستثناء فيه؛ خلافًا للمرجئة، ومع ذلك رماني أكثر من مرة بالإرجاء! فقلب بذلك وصية النبي - ﵌ -: " وأتبع السيئة الحسنة تمحها .. "! فقلت: ما أشبه اليوم بالبارحة! فقد قال رجل لابن المبارك: " ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر؛ أمؤمن هو؟ قال: لا أخرجه من الإيمان. فقال الرجل: على كبر السن صرت مرجئًا! فقال له ابن المبارك: إن المرجئة لا تقبلني! أنا أقول: الإيمان يزيد وينقص. والمرجئة لا تقول ذلك. والمرجئة تقول: حسناتنا متقبلة. وأنا لا أعلم تُقبلت مني حسنة؟ وما أحوجك إلى أن تأخذ سبورة فتجالس العلماء ". رواه ابن راهويه في "مسند هـ " (٣/ ٦٧٠ - ٦٧١).
قلت: ووجه المشابهة بين الاتهامين الظالمين هو الإشراك بالقول مع المرجئة في بعض مايقوله المرجئة؛ أنا بقولي بعدم تكفير تارك الصلاة كسلًا؛ وابن المبارك في عدم تكفير مرتكب الكبيرة ولو أردت أن أقابله بالمثل لرميته بالخروج؛ لأن الخوارج يكفرون تارك الصلاة وبقية الأركان الأربعة! و﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين﴾.
"السلسلة الصحيحة" (٧/ ١/١٢٧ - ١٥٤).
[ ٤ / ٣٦٠ ]
[٦٠٣] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: " لا إله إلا الله " فنحن نقولها».
[قال الإمام]:
هذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة، ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها، ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة خاصة، مع إيمانه بمشروعيتها، فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك، بل يفسق وذهب أحمد إلى أنه يكفر وأنه يقتل ردة، لا حدًاّ، وقد صح عن الصحابة أنهم كانوا لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي والحاكم، وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور، وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصا على أنهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار ولا يحتمل أن يغفره الله له، كيف ذلك وهذا حذيفة بن اليمان - وهو من كبار أولئك الصحابة - يرد على صلة بن زفر وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له، فيقول: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة " فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه: «يا صلة تنجيهم من النار. ثلاثًا».
فهذا نص من حذيفة ﵁ على أن تارك الصلاة، ومثلها بقية الأركان
[ ٤ / ٣٦١ ]
ليس بكافر، بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة، فاحفظ هذا فإنه قد لا تجده في غير هذا المكان.
وفي الحديث المرفوع ما يشهد له، ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ثم وقفت على " الفتاوى الحديثية " (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة وهي مشهورة معروفة: "ولكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدًا لوجودها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين، لأنه يكون حينئذ كافرًا مرتدًاّ بإجماع المسلمين، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه، وإلا قتل، وأما من تركها بلا عذر، بل تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه - على الصحيح أيضًا - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري، كأن يترك الظهر مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد، ثم يقتل إن لم يتب، ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه، ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه. وهو وجوب العمل، جمعا بين هذه النصوص وبين ما صح أيضًا عنه - ﵌ - أنه قال: «خمس صلوات كتبهن الله -» فذكر الحديث. وفيه: «إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» وقال أيضا: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» إلى غير ذلك. ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافرا لم يغفر له، ولم يرث ولم يورث ".
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في "حاشيته على المقنع" (١/ ٩٥ - ٩٦) وختم البحث بقوله: "ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة، ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع
[ ٤ / ٣٦٢ ]
ميراث موروثه مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كفر لثبتت هذه الأحكام، وأما الأحاديث المتقدمة، فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة، كقوله ﵊: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "، وقوله "من حلف بغير الله فقد أشرك " وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين ".
أقول: نقلت هذا النص من " الحاشية " المذكورة، ليعلم بعض متعصبة الحنابلة، أن الذي ذهبت إليه، ليس رأيا لنا تفردنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم، كالموفق هذا، وهو ابن قدامة المقدسي، وغيره، ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة، تحملهم إن شاء الله تعالى، على ترك غلوائهم، والاعتدال في حكمهم.
بيد أن هنا دقيقة، قل من رأيته تنبه لها، أو نبه عليها، فوجب الكشف
عنها وبيانها.
فأقول: إن التارك للصلاة كسلًا إنما يصح الحكم بإسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدل عليه، ومات على ذلك، قبل أن يستتاب كما هو الواقع في هذا الزمان، أما لو خير بين القتل والتوبة بالرجوع إلى المحافظة على الصلاة، فاختار القتل عليها، فقتل، فهو في هذه الحالة يموت كافرا، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا تجري عليه أحكامهم، خلافا لما سبق عن السخاوي لأنه لا يعقل - لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان، لا يحتاج إثباته إلى برهان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في " مجموعة الفتاوى " (٢/ ٤٨): " ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقرًاّ
[ ٤ / ٣٦٣ ]
بوجوبها ولاملتزما بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة فمن كان مصرًاّ على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلمًا مقرا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط، علم أن الداعي في حقه لم يوجد ".
قلت: هذا منتهى التحقيق في هذه المسألة، والله ولي التوفيق.
"الصحيحة" (١/ ١/١٧١، ١٧٥ - ١٧٨).
[٦٠٤] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا
من يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل
أثر السجود فيخرجون من النار فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود» رواه البخاري ومسلم.
[قال الإمام]:
فيه أن عصاة المصلين لا يخلدون في النار، وكذلك لو كان الموحد تاركًا للصلاة كسلًا فإنه لا يخلد.
"صفة الصلاة" (ص١٤٩).
[ ٤ / ٣٦٤ ]
[٦٠٥] باب منه
سؤال: بالنسبة جزاك الله خير لتارك الصلاة: الآن كثير من أهل العلم بعضهم يقول: هو كافر وبعضهم يقول: هو فاسق، فما حكمه في هذه المسألة وهل هو كفر دون كفر أو كفر يخرج من الملة؟
الشيخ: نحن ذكرنا هذه المسألة في سلسلة الأحاديث الصحيحة وذكرنا بأن من ترك الصلاة عامدًا متعمدًا جاحدًا لها فهو كفر بإجماع الأمة، أما من تركها كسلًا معترفًا بوجوبها ويتمنى من الله ﷿ أن يهديه وأن يوفقه للصلاة فهذا ليس بكافر كفرًا يرتد به ويخرج به من الملة؛ لأن الكفر الذي يخرج به صاحبه من الملة مَقَرُّهُ القلب فإذا كان هذا التارك للصلاة مؤمنًا في قلبه معترفًا بما فرض الله عليه من فرائض لكنه يعرف بأن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والتجارة وإلى آخره لا شك أن هذا التعلل مردود عليه، ولكن يشفع له أن لا يُكفَّر ما دام أنه يؤمن بما شرع الله ﵎.
والعلماء والمحققون كابن تيمية وابن القيم الجوزية وغيره قد وضعوا قاعدة عامة ألا وهي التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، فمن وقع في الكفر الاعتقادي فهو الذي ارتد عن الدين، أما من وقع في الكفر العملي فهذا لا يحكم بردته وإنما بفسقه وفجوره، فتارك الصلاة هكذا لا يحكم بأنه كافر إلا إذا جحد ذلك جحدًا فحينئذٍ يكفر؛ ولذلك كان مذهب جماهير العلماء عدم تكفير تارك الصلاة إلا مع الجحد، وهذه رواية عن الإمام أحمد نفسه فهو وافق فيه جماهير الأئمة على أن الترك إن كان ليس عن جحد فهو فسق وليس كفر.
مداخلة: طيب! بالنسبة للحديث بارك الله فيك: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» يا ليت تشرح الحديث؟
[ ٤ / ٣٦٥ ]
الشيخ: هو بارك الله فيك! ليس هذا هو أول حديث يقال فيه من فعل كذا فقد كفر، عندكم الحديث المشهور: «من حلف بغير الله فقد أشرك، كفر» ألا نقول نحن من قال: «وحياة أبي» إنه ارتد عن دينه.
وأنتم تعلمون مثلًا حديث عمر بن الخطاب في صحيح البخاري لما سمعه الرسول ﵇ يحلف بأبيه فقال ﵇: «لا تحلفوا بآبائكم من كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (١) وفي حديث ابنه عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﵌ -: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢) وفي رواية أخرى: فقد كفر، فلا يلزم من مجيء لفظة من فعل كذا فقد كفر أي: أنه كفر كفر ردة وإنما له معان كثيرة، منها مثلًا: كفر أي أشرف على الكفر .. كفر كفرًا عمليًا ونحو ذلك من المعاني التي يضطر إليها أهل العلم بالتوفيق بين النصوص: «من ترك الصلاة فقد كفر» نقول: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» .. من قال: «لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره» كما جاء في حديث البزار وغيره، «أيما عبد أبق من مولاة فقد كفر» (٣) هذه الألفاظ كثيرة وكثيرة جدًا فقد كفر فقد كفر ولا يوجد حديث يُفَسَّر هكذا على ظاهره إذا جاء بلفظ فقد كفر.
هذا الحديث حديث: «من ترك الصلاة فقد كفر» يعامل نفس المعاملة التي تعامل بها الأحاديث الأخرى التي تشترك مع حديث الصلاة في لفظة «فقد كفر»، فهنا تأتي تآويل كثيرة لهذا النص فكثير من الأحاديث مثلًا: «لا يدخل الجنة قتات» (٤) .. «لا يدخل الجنة نمام» هل معنى ذلك أنه كفر بسبب نميمته؟ الجواب:
_________________
(١) البخاري (رقم٢٥٣٣) ومسلم (رقم٤٣٤٦).
(٢) صحح الجامع (رقم٦٢٠٤).
(٣) صحيح الجامع (رقم٢٧٣١).
(٤) البخاري (رقم٥٧٠٩).
[ ٤ / ٣٦٦ ]
إن كان يستحل ذلك بقلبه فقد حرمت عليه الجنة .. إن كان يعترف بتحريم ذلك ويعترف بأنه مخطئ وأنه مذنب ومجرم؛ فهو أمره إلى الله كما قال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
فترك الصلاة هو فعل يعرض صاحبه أن يموت والعياذ على غير الإيمان، وترك الصلاة هو من شيم الكفار الذين لا يصلون .. لا يؤتون الزكاة ولا يصلون، فالمسلم إذا لم يصل فقد شابه الكفار، فكفره هنا كفر عملي والأحاديث كثيرة وكثيرة جدًا التي لا بد من تأويلها، مثلًا: قال ﵊ في حجة الوداع وقد خطب فيهم أمر جرير بن عبد الله البجلي أن يستنصت الناس، فقال ﵇: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» ..
ومثل قوله ﵇: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فإذا قتل مسلم مسلمًا أو قاتله فهل هذا يرتد عن دينه؟ الجواب: لا؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩) فاعتبر كلًاّ من الطائفتين الباغية والمبغي عليها من المؤمنين مع أن الرسول يقول في الحديث السابق: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فبماذا يفسر هنا الكفر؟ كفر دون كفر .. كفر عملي .. وهكذا أيضًا أحاديث الصلاة التي فيها التصريح بأن من ترك الصلاة فقد كفر، إما أن يقال أشرف على الكفر الاعتقادي .. أشرف أن يموت على غير ملة الإسلام، أو أنه كفر كفرًا عمليًا، هذا التأويل لا بد منه حتى لا نضرب أحاديث الرسول ﵇ بعضها ببعض.
"الهدى والنور" (٨١/ ٢٩: ٢٥: ٠٠)
[ ٤ / ٣٦٧ ]
[٦٠٦] باب منه
سؤال: ما حكم تارك الصلاة وهو موحد ويعرف حدود الله وقد ألهته الدنيا عن ذكر ربه، ومات على ذلك وما حكم تارك الصلاة خوفًا من حاكم ظالم ولا يصلي إلا عندما يصبح بأمان ومات على ذلك؟
الشيخ: يصلي خوفًا من الحاكم الظالم وحين لا يكون في أمان لا يصلي؟
مداخلة: هو تارك للصلاة خوفًاَ من الحاكم الظالم ولا يصلي إلا إذا أمن الحاكم؟
الشيخ: كيف تارك الصلاة خوفًا من الحاكم؟
مداخلة: لا يصلي خوفًا من الحكام، هو تارك للصلاة إذا علموا أنه يصلي يؤذونه.
الشيخ: هم كفار يعني؟
مداخلة: والأول هو موحد يعرف حدود الله وقد ألهته الدنيا عن ذكر ربه؟
الشيخ: والثاني أيش الفرق بينه وبين الأول يعني غير موحد؟
مداخلة: الثاني يعني نفس الشيء لكن ترك الصلاة خوفًا من الحاكم؟
الشيخ: المهم أن المسلم إذا كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حقًا ولكنه يرتكب كثيرًا من المعاصي الكبائر والصغائر كأكل الربا والزنا ونحو ذلك، ومن ذلك تركه للصلاة، فهو إن فعل كل ذلك جحدًا بحكم الله فيها فهو كافر مرتد، فمن جحد مثلًا شرعية الصلاة فهو كافر، من جحد تحريم الربا والزنا والسرقة وغير ذلك من المعاصي فهو كافر؛ لأن هذا الجحد يتعلق بالقلب وهو
[ ٤ / ٣٦٨ ]
الكفر الاعتقادي فحينئذ مثل هذا لا يكون مسلمًا إطلاقًا.
وعلى العكس من ذلك من كان مؤمنًا بالله ورسوله وكل ما جاء عنهما ولكنه يواقع شيئًا من تلك الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وحينئذ فالصورتان تُعَالجان بهذا الجواب: الكفر الذي يساوي الخروج عن الملة هو الكفر الاعتقادي، أما إذا كان هناك كفر عملي كترك الصلاة فهذا لا يخرج صاحبه عن الملة؛ لأنه مؤمن بشرعيتها؛ فلا يكفر إلا إذا جحد شرعيتها.
"الهدى والنور" (٩٧/ ٠٩: ٢٣: ٠٠)
[٦٠٧] باب منه
[سئل الشيخ عمن يصلي الفجر بعد طلوع الشمس، ثم قال السائل]:
فهذه الصلاة التي يصليها دائمًا وأبدًا بعد طلوع الشمس لا قيمة لها في
الشرع أبدًا.
هل تجزي هذه الصلاة وما يترتب عليها من إثم أم يعتبر كافرًا؟
الشيخ: أقول: هذه الصلاة لا تجزيه، أي: لا تبرأ ذمته بأدائه صلاة الفجر دائمًا وأبدًا بعد طلوع الشمس إلا في الحالة التي ذكرتها آنفًا.
وخلاصة ذلك أنه ينام بعد صلاة العشاء، فإذا غلبه النوم وما استيقظ إلا بعد الشمس، فلا مؤاخذة نائم.
لكن أن يظل في منهجه السابق ما يجوز ولا تجزئه هذه الصلاة.
أما أنه يعتبر كافرًا أم مقصرًا فقط؟
[ ٤ / ٣٦٩ ]
أقول: لا يعتبر كافرًا إذا كان معترفًا بشرعية هذه الصلاة كل في وقتها، وضميره كما يقولون اليوم يؤنبه على تقصيره، فهذا لا يعتبر كافرًا ..
مداخلة: بخلاف المنهج.
الشيخ: بخلاف المنهج.
لا يعتبر كافرًا وإنما يعتبر مقصرًا أشد التقصير، وأخيرًا: أدى فريضة الحج فهل تعتبر صحيحة؟
نقول: إذا كان قد أدى فريضة الحج بشروطها وبأركانها فهي صحيحة، واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وهل تجوز أم لا؟ الجواب: نعم.
مداخلة:
الشيخ: هو يصلي أو لا يصلي؟
مداخلة: بعد التوبة؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: مكث ثلاث سنوات يصلي.
الشيخ: يصلي، طيب ما اغتسل؟
مداخلة: نعم، بعدما رجع إلى الله صار له ثلاث سنوات يقول ما أغتسل، جاهلًا فيه.
الشيخ: كل هذه السنين.
مداخلة: نعم يغتسل، ولكن اغتسال الرجوع إلى الله مثل مثلًا المسيحيين لما
[ ٤ / ٣٧٠ ]
يدخل الإسلام يغتسل
الشيخ: هل كان كافرًا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: هو كان ضالًا.
مداخلة: ضالًا تاركًا للصلاة وسائر العبادات.
الشيخ: إذًا: ليس كافرًا، عندما كان تاركًا للصلاة كان مؤمنًا بها كما قلنا في المرة الأولى.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب هذا ليس كافرًا، ولذلك لا يجب أن يغتسل، كما يجب على الكافر إذا أسلم أن يغتسل، لكن هو لما مثلًا تاب إلى الله ﷿ توبة نصوحة، وفاجأته أول صلاة، فإن كان جنبًا مثلًا فعليه أن يغتسل، وإن كان محدثًا حدثًا أصغر عليه أن يتوضأ.
لا بد أنه فعل هذا وهذا، أما اغتسال لأنه ارتد، هذا إنما يجب على قول من يقول من مشايخكم في هذه البلاد، أن تارك الصلاة كسلًا كافر مرتد عن دينه، وهذا ليس صوابًا.
ولذلك فهو ضال؛ أسلم منذ ثلاث سنوات، لا يجب عليه إلا ما فعله، أن يغتسل غسل الجنابة عند اللزوم، وأن يتوضأ لكل صلاة، ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم جميعًا.
"الهدى والنور" (٤٠٢/ ٢٠: ١١: ٠٠)
[ ٤ / ٣٧١ ]
السؤال: حكم تارك الصلاة قطعيًا؟
الشيخ: حكم تارك الصلاة إن كان تركها كسلًا وهو يؤمن بشرعيتها فهو مسلم فاسق، أما إذا كان ينكر شرعيتها فهو كافر مرتد عن دينه.
" الهدى والنور" (٤٣٧/ ٢٨: ١٤: ٠٠)
[٦٠٩] باب منه
السؤال: ما حكم تارك الصلاة، وماذا يفعل من كان أبوه أو أخوه أو ابنه تارك لصلاته؟
الجواب:
بالنسبة للشطر الأول:
تارك الصلاة له حالتان: إما أن يتركها كسلًا وإما أن يتركها جحدًا لشرعيتها، فإن تركها كسلًا فجمهور العلماء أيضًا على أنه لا يكفر، ومذهب أحمد في رواية عنه تخالف الرواية الأخرى التي توافقه توافق الجمهور، يقول بأنه يكفر بترك الصلاة ولو كسلًا، لكن الرواية التي رجحها كبار فقهاء الحنابلة كابن قدامة المقدسي في المغني وغيره، رجحوا روايته الأخرى الموافقة لرواية الجمهور وهي أن تارك الصلاة كسلًا يفسق ولا يكفر، أما إن تركها جحدًا لشرعيتها، فهذا كافر بالإجماع.
لكن هنا صورة لا بد من التنبيه إليها؛ لأنها تذكر في فروع الجمهور الذين لا يكفرون تارك الصلاة؛ لأنه تركها كسلًا، فما جزاء تارك الصلاة كسلًا.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
هناك مذهبان: مذهب أبي حنيفة أنه يحبس حتى يتوب، ومذهب الإمام الشافعي وغيره أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
الخطأ أن تمام الجواب فإن لم يتب قتل، قالوا: وغسل وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، هذا خطأ.
مداخلة: .. كفر ..
الشيخ: لا، هم ما يقولون كفر.
مداخلة: قتل حدًّا.
الشيخ: لا في دقة هنا، ما يأتي بيانه وتجاوبًا مع قول أهل العلم الذي أخل به أكثر طلاب العلم في هذا الزمان، من بركة العلم أن يعزى كل قول لقائلهن فأنا استفدت ما يأتي من كلام ابن تيمية لم يسبقه إليه أحدًا إطلاقًا.
يقول: من عرض على النطع -على القتل- وهو تارك صلاة، قيل له: إما أن تتوب وتصلي وإلا قتلناك فآثر القتل على الصلاة، هذا يموت كافرًا؛ لأنه لا يتصور أن يكون يدين الله ﷿ بشرعية الصلاة وأمامه القتل ويعاند ويختار القتل على الصلاة، هذا مستحيل، لذلك فهذا قول خطأ يا أبا عبد الرحمن، هذا القول خطأ، لا يقتل حدًا مثل هذا الرجل.
مداخلة: هم يقولون ..
الشيخ: سامحك الله، وأنا أقول ماذا؟ أنا أقول إنما يقولون قول باطل
لا يجوز.
إذًا: تارك الصلاة كسلًا لا يحكم عليه بالكفر، لكن يستتاب فإن تاب فبها.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
فما الفرق بين القولين الذي يحكم بالكفر والذي يقول لا، ليس بكافر، تارك الصلاة كافر طلقت زوجته بانت منه، فلا بد أن يعقد من جديد ويجدد إيمانه من جديد، أما الذي يقول تارك الصلاة كسلًا لا يكفر لا يترتب عليه هذه الأمور الأخرى، لكن إذا ما جيء به أمام القاضي الشرعي، وقيل له: صل وإلا قتلناك، فآثر القتل على الصلاة هذا يموت كافرًا، لا يتصور أن يكون إلا عقائديًا كما يقولون اليوم، لا يرى الصلاة، فهذا يموت كافرًا.
"الهدى والنور" (٦٤٢/ ٠٠:٢٧:٢١)
[٦١٠] باب حكم من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا
عن أبي الدرداء ﵁ قال:
«لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له»
رواه ابن عبد البر وغيره موقوفًا.
(صحيح موقوف).
وقال ابن أبي شيبة قال النبي - ﵌ -: «من ترك الصلاة فقد كفر».
وقال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: «صح عن النبي - ﵌ - أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي - ﵌ - أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر».
[قال الإمام]:
قلت: وزاد ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢٢٦) عن إسحاق: إذا أبي من قضائها وقال: لا أصلي. ففي قوله هذا ما يشعر أنه لا يصلي عنادًا واستكبارًا عن
[ ٤ / ٣٧٤ ]
الخضوع لله بها، فهو في هذه الحالة ونحوها كافر. وليس كذلك من يقول مثلًا في هذا الزمان الذي عطلت فيها إقامة الحدود الشرعية - حين ينكر عليه ترك الصلاة قال -: الله يتوب علي، والله يعلم أنه صادق فيما يقول فليس الكفر هو لمجرد الترك، بل ما اقترن به من العمل الدال على الكفر القلبي، فعليه تحمل أحاديث الباب وآثاره. والله أعلم.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٥٩).
[٦١١] باب نقاش حول حكم تارك الصلاة
السائل: سؤال على أساس نحن نعلم بأن من ينكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة يعني تذاكرنا بهذا الكلام عند كثير من المشايخ الله يجزيهم خيرًا، ولكن الله يجزيك الخير تفصل لنا، واحد ينكر شيء معلوم من الدين بالضرورة نزل من الله سلطان بأنه كافر من فعل ذلك، مثلًا: آتي لحديث صحيح رواه مثلًا البخاري ومسلم بين الرجل والكفر ترك الصلاة، ومن تركها فقد كفر، وأيضًا ورد بأن البعث واجب الإيمان به وورد بأنه مثلًا أحاديث متواترة عن عذاب القبر أو المسيح الدجال كذا .. إلخ، طيب أحد أنكر شيئًا من هذه المعلومات بالضرورة، ما حكمه، وكيف نتعامل معه، ألا يكفر بهذا الكلام.
الشيخ: أنت حشرت أمورًا اعتقادية بأمور عملية، مثلًا: إنكار البعث والنشور قرنت معها ترك الصلاة، وأنت تعرف أن ترك الصلاة عمل يقترن به نية، أما البعث فهو مجرد إيمان وقر في القلب أو خرج من القلب، فالأحكام أحكام العبادات والمعاملات لا يمكن أن تقرن مع الغيبيات، فالآن حدد كلامك حتى يتضح لك الجواب، هل أنت في موضوع الإيمانيات والغيبيات كالبعث والنشور ونحو ذلك،
[ ٤ / ٣٧٥ ]
أم أنت في العمليات كالصلاة والزكاة ونحو ذلك؟
السائل: حددت السؤال يا شيخ، قلت: معلومات من الدين بالضرورة، أمور معلومة من الدين بالضرورة.
الشيخ: معلوم من الدين بالضرورة الصلاة مثلًا معلوم من الدين بالضرورة، هل سؤالك أنه أنكرها أم تركها؟
السائل: تركها.
الشيخ: وما أنكرها؟
السائل: وما أنكرها.
الشيخ: طيب، فالمعلوم من الدين بالضرورة العلماء يسوقوه في مساق الغيبيات أم الأحكام؟
السائل: نريد منك التفصيل.
الشيخ: العلماء لما يقولوا العبارة يقصدون بمن أنكر شيئًا معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر، «من أنكر»، ليس من ترك العمل، فيجب أن تفرق.
السائل: ورد بالنص يا شيخ: من تركها.
الشيخ: يجب أن تفرق الله يهديك، الآن نحن نبحث في اصطلاح العلماء ومن هو الكافر عندهم، ما نبحث بخصوص تارك الصلاة، هذه لها حجرة لوحدها، بحث لوحده، فمن أنكر شيئًا معلوم من الدين بالضرورة، هو الذي يكفره العلماء، أما من ترك شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة وهو يؤمن أنه من الدين بالضرورة فهذا لا يدخل في قاعدة من أنكر شيئًا من الدين بالضرورة فقد
[ ٤ / ٣٧٦ ]
كفر لأنه لا ينكر، يعني: الآن أنت جئت بمثال الصلاة، لأنه موضوع الساعة، ومشايخ السعودية دائمًا يدندنون حول القضية هذه، اترك الآن مؤقتًا موضوع الصلاة، وخذ الذي لا يصوم، هل هو أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة؟
السائل: لا.
الشيخ: طيب، هل هو كافر وهو لا يصوم؟
السائل: لا.
الشيخ: طيب.
السائل: ما ورد هنا نص يا شيخ.
الشيخ: لا تقل يا أخي ما ورد.
السائل: ورد نص بأنه يكفر تارك الصلاة.
الشيخ: الله يهديك اصبر.
السائل: تفضل.
الشيخ: الآن نحن نزيل عراقيل؛ لكي لا يقع الإنسان في سوء الفهم، منها: أن نعلم ماذا يعني العلماء بمن أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، فالصيام هي من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، الصيام، فمن أنكر شرعية الصيام كمن أنكر شرعية الصلاة، كلاهما كافر، بل من أنكر ما هو دون ذلك من أنكر مثلًا تحريم الخمر فهو كافر، والأمثلة بالعشرات إن لم نقل بالمئات والألوف.
إذًا: الآن واضح لك ما المقصود من قاعدة المعلوم من الدين بالضرورة،
[ ٤ / ٣٧٧ ]
لكني أنا أظن ما هو هذا أنت موضوعك، بس اختلط عليك شعبان في رمضان، موضوعك أن تارك الصلاة جاء فيه نص من ترك الصلاة فقد كفر، ولذلك هذا ظهر منكم أكثر من مرة خاصة لما أتيت لك بمثال الصيام، قلت: ما جاء فيمن ترك الصيام، أنا أقول الآن: إذًا موضوعك: ما حكم من ترك الصلاة؟
السائل: أيضًا أنا أقصد الأمور الأخرى جزاك الله خير أنت فصلت لي سؤالي.
الشيخ: إذًا انتهينا منها.
السائل: نعم انتهينا منها.
الشيخ: طيب نحن في الصلاة الآن.
السائل: الآن تارك الصلاة نعم جزاك الله خيرًا.
الشيخ: فمن ترك الصلاة فقد كفر، ألا تتصور معي أن كل تارك للصلاة يمكن أن يتوفر فيه أمران اثنان، ويمكن ألا يتوفر فيه الاثنان وإنما شيء واحد، فرب تارك للصلاة لا يصلي، هذا شيء، الشيء الثاني لا يرى شرعية الصلاة، هو يقول لك كما نسمع من بعض الشباب: بلا صلاة بلا صيام، هذا كان في وقت مضى وانقضى، الآن المدنية والرقي والرياضة كل هذا يغنينا عن مثل هذه التمارين، هذا يختلف عن الأول، الأول لا يصلي فعلًا، لكنه يؤمن بشرعية الصلاة، وإذا قلت له: يا أخي لماذا لا تصلي؟ يقول: الله يتوب علينا، هذا مؤمن أم كافر؟
السائل: شيخ، قلت لك ورد فيه نصًا.
الشيخ: كافر؟.
السائل: كافر.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
الشيخ: لا تحيد عن الجواب، كافر؟
السائل: كافر.
الشيخ: لا، مؤمن.
السائل: ترك الصلاة يا شيخ.
الشيخ: الله يهديك الله يهديك، أنت بتقول لي تارك الصلاة هل أنبأتني بشيء مجهول عندي، أنا أقول لك: هو تارك صلاة، أنت تقول لي: تارك صلاة. الله يهديك. قل آمين.
السائل: آمين.
الشيخ: الرجلين كلاهما تارك للصلاة، أحدهما تارك للصلاة ويؤمن بشرعيتها وأتيت لك بمثال واقعي، إذا قيل له يقول: الله يتوب علينا، الآخر يقول: بلا صلاة بلا صيام، فهذا تارك للصلاة ومنكر لشرعية الصلاة، هل هما سواء؟
الآن ما أظنك تقول سواء.
السائل: قد يكون كفرًا دون كفر يا شيخ.
الشيخ: يخوِّف يخوِّف.
السائل: يا شيخ فيه منافق في الدرك الأسفل من النار ومنافق ..
الشيخ: الله يهدينا وإياك قل آمين.
السائل: آمين اللهم آمين.
الشيخ: هؤلاء الاثنين مثل بعض؟
[ ٤ / ٣٧٩ ]
السائل: قد يكون هذا في الدرك الأسفل من النار وذلك ..
الشيخ: هؤلاء الاثنين مثل بعض؟
السائل: لا.
الشيخ: الحمد لله، ليس مثل بعض، ما الفرق؟
السائل: هذا أنكرها يعني أنكر مشروعيتها وذلك تركها فقط.
الشيخ: هذا لا يقابل أنكر الله يهديك، ذلك تركها فقط تركها واستوى مع الآخر الذي في الترك، لكن اذكر لي نقطة الخلاف بينهما
السائل: هذا تركها جحودًا بشرعيتها، وذلك تركها مؤمنًا بشرعيتها.
الشيخ: هذه جاءت منك، احفظ ما قلت الآن، ما هو.
السائل: حافظ حافظ، قلت: أن هذا أنكرها.
الشيخ: نقطة الفرق.
السائل: الجحود وعدم الجحود.
الشيخ: لا.
السائل: جحود وإيمان بالشرعية.
الشيخ: الجحود يقابله الإيمان.
السائل: شيخنا أرجع وأقول: أن هناك ورد نص.
الشيخ: الله يهديك.
السائل: آمين.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
الشيخ: أنا عارف ما تريد أن تقول، لكن نريد أن نمشي خطوة خطوة، هذا مؤمن وذاك كافر، ذاك أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر كفر ردة، هذا الآخر كفر بتركه الصلاة فعلًا، لكنه آمن بشرعيتها، فهو يجمع بين إيمان وبين ترك لما يؤمن به، صح؟
طيب، قال ﵊: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» ماذا تقول بهذا الحديث؟ «لا إيمان لمن لا أمانة له» أنت حطيت أمانة عند زيد من الناس ورجعت بعد مدة طلبتها منه أنكرها، كافر أم مؤمن؟
السائل: أي سماء تضلني وأي أرض تقلني، ما أعلم والله لا إيمان غَيْرَ كُفْر.
الشيخ: إذًا فأنت خضت ..
السائل: لا إيمان، غير كفر.
الشيخ: نعم؟
السائل: لا إيمان لما يقول: لا إيمان قد تكون غير كفر، «لا إيمان لمن لا أمانة له» غير من تركها.
الشيخ: الله يهديك.
السائل: آمين.
الشيخ: أنت لا تشعر الآن أنك تتكلم بغير علم؟
السائل: أنا لست عالمًا، أستفتيك يا شيخ.
الشيخ: أنا أسألك: أنت تقرر لا تستفيد، فأنا أسألك: هذا الحديث ما رأيك؟ قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له» فأنكر الأمانة فهل هو كفر؟
[ ٤ / ٣٨١ ]
السائل: نقول كما قال الرسول - ﵌ -: لا إيمان له. لا أعلم ..
الشيخ: أرأيت كيف تجادل، من أجل هذا قلت لصاحبك: هذا يخوف، ليست تخوف يعني بعلمك، لا، العكس تمامًا، أنت تجادل بالباطل، وربك يقول لك: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:٣٦) أنت تقول: لا أعلم، أما أن تتكلم هكذا بأوهامك التي أنت عايش فيها لأنه عندك شيء من العلم، هذا لا يجوز في دين الله أبدًا، ما معنى: (ولا دين لمن لا عهد له)؟
السائل: قلت لك: هذا لا أعلم تفصيله يا شيخ.
الشيخ: قلت، طيب كذلك أنت لا تعلم ما معنى: «بين الكفر وبين الرجل ترك الصلاة» لا تعلم، لأنك لم تحط بالأدلة التي تتعلق بموضوع الكفر العملي والكفر الاعتقادي، الآية المعروفة اليوم التي يطرحها المعروفون قديمًا بجماعة الهجرة والتكفير، والمعروفون اليوم باسم الجهاد أو المجاهدين في مصر أو غيره، أو جماعة الجهاد اسمهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) ما رأيك في إنسان حكم بحكم خالف فيه الشرع كَفَرَ؟
السائل: الحاكم يعني؟
الشيخ: أنا أسألك سؤالًا أنت أجب عنه.
السائل: أعد السؤال إذا ممكن.
الشيخ: الله يهديك.
السائل: آمين.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
الشيخ: اسمع، ما رأيك في رجل حكم في حكومة في قضية بخلاف ما أنزل الله، أكفر؟
السائل: ما أستطيع أحكم في هذا، إن كان حاكمًا.
الشيخ: أنا أسألك الآن: وأنت مكلف أن تحكم؟
السائل: كيف يعني، يعني: بالنسبة لي أحكم على تارك الصلاة مثلًا؟ أنا لا أفهم السؤال.
الشيخ: الله يهديك، أنت قلت: ما أستطيع أن أحكم.
السائل: أنا سألتك الحاكم.
الشيخ: أنت سألتني؟
السائل: نعم سألتك الحاكم.
الشيخ: الله يهديك أنا السائل: رجل حكم بحكومة على خلاف حكم الله ﷿ أكفر؟ أنا السائل، أنت عليك الجواب، تقول: كفر، ما كفر، لا أدري.
السائل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
الشيخ: لا تجاوب.
السائل: أنا أقول لك: نعم الآية تقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
الشيخ: يا أخي أنا عارف الآية أنا تلوتها على مسامعك ترجع بنفس القضية السابقة أن هذا تارك الصلاة وأنا سألتك عن تارك الصلاة الله يهديك.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
السائل: لا أقول يعني: نفس الآية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) يعني: يكفر بصريح الآية يكفر نعم.
الشيخ: الله يهديك، أنا أسألك عن الآية تلوتها أنا على مسامعك وبنيت عليها هذا السؤال: رجل حكم في قضية ما بخلاف ما أنزل الله أكفر؟ الآية.
السائل: أنا لم أستوعب سؤالك.
الشيخ: لن تستطيع أن تستوعبه، تعرف لماذا؟ لأنك ليست بهذا المستوى، لازم تعرف حالك.
السائل: معليش يا شيخ.
الشيخ: لا أنت معليش، فهمت، أنت فهمت السؤال؟
السائل: أنا أسألك إن كنت تقصد ..
الشيخ: أنا أسألك: فهمت السؤال قل لي نعم أو لا.
السائل: لا ما فهمت.
الشيخ: سبحان الله، ما سمعتك مرة تقول إيه أو لا، إلا تلف وتدور، هل فهمت السؤال؟
السائل: لا ما فهمته.
الشيخ: إذًا: كيف تجاوب عنه.
السائل: قلت لك: ما استوعبت سؤالك.
الشيخ: الله أكبر.
السائل: قلت يا شيخ: ما استوعبت سؤالك.
الشيخ: قلت؛ ألست أنت قرأت علي الآية وقلت لي: كفر، أنت أم غيرك؟
[ ٤ / ٣٨٤ ]
السائل: نعم قلت، ومن لم يحكم بما أنزل الله.
الشيخ: إذًا: ما التناقض هذا، التناقض كله يأتي من الحرارة التي ليست قائمة على علم، أعيد عليك: هل فهمت السؤال؟
السائل: لا.
الشيخ: كيف تجيب إذًا؟
السائل: فهمت ..
الشيخ: الآن أطور السؤال: رجل حكم في حكومتين بغير ما أنزل الله هل هناك فرق بين هذا الثاني والأول؟
السائل: كلهم ما حكم بما أنزل الله، لا.
الشيخ: ما فيه فرق؟
السائل: لا.
الشيخ: هل هناك قاض لا يمكن أن يحكم ولو مرة في زمانه بغير ما أنزل الله؟
السائل: لا.
الشيخ: إذًا: كلهم كفار.
السائل: لا نستطيع أن نحكم بكفرهم يا شيخ.
الشيخ: الآن أنت استطعت، الآن أنت حكمت، لأنك ما فرقت بين رجلين، لأنه ظننت أنك ستفرق، كنت أريد أوصلك إلى عند أبو رقيبة، هذا الذي يعترف أن الإسلام مضى وانقضى والصيام هذا والضحايا والأموال لازم ندخرها، فأنت ما تفرق بين إنسان حكم مرة واحدة بخلاف ما أنزل الله اتبع هوى اتبع شهوة خاف
[ ٤ / ٣٨٥ ]
من ضرر .. إلخ، فتقول: أن هذا كفر، وبين إنسان ثاني أعاد القضية ثاني مرة ويقول لك: هو دائمًا يحكم بغير ما أنزل الله، ما تفرق بين الأمثلة كلها؟
السائل: لا، أفرق.
الشيخ: تفرق؟
السائل: أفرق نعم.
الشيخ: طيب، خلينا نأخذ الرقم الأصغر، ما الفرق بين رقم واحد
ورقم اثنين؟
السائل: رقم واحد ورقم اثنين كأنه أخطأ، مرة واحدة تقول في عمره مثلًا لم يحكم بغير ما أنزل الله.
الشيخ: تعيد علي كلامي، جزاك الله خير، أنا أسألك ما الفرق؟
السائل: الأول أخطأ وذاك ..
الشيخ: ما الفرق بالنسبة لكفر وما كفر؟
السائل: هذا مقر بالحكم بما أنزل الله، وأخطأ في تنفيذه، وذاك لا يقر
به إطلاقًا.
الشيخ: من قال لك، أنا هكذا قلت لك، الله يهديك، يا الله يا سيدي، فيه عندكم سؤال ضروري. تفضل (١).
"الهدى والنور" (٤٩١/ ٥١: ٣٦: ٠٠)
_________________
(١) قمت بإثبات النقاش مع أن الشيخ قد قطعه؛ لأنه لا يخلو من فائدة في طريقة الشيخ في المحاججة.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
[٦١٢] باب تحقيق أقوال بعض الصحابة
ومن بعدهم في حكم ترك الصلاة
[قال المنذري: قد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمدًا لتركها، حتى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء ﵃، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم رحمهم الله تعالى.
فعلق الإمام قائلًا]:
في ذكر المؤلف بعض هؤلاء الصحابة وغيرهم في جملة من قال بكفر تارك الصلاة نظر لا يتسع المجال لتفصيل القول في ذلك وبيانه، لكن اذكر منهم على سبيل المثال عمر بن الخطاب وعبد الله بن العباس؛ فإنه لم يصح ذلك عنهما، فانظر التعليق على هذين الأثرين في (ص ٢٥٨،٢٥٩) [من صحيح الترغيب والترهيب] و«سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٥٦٥٠).
ونحو ذلك ذكره فيهم أحمد بن حنبل، وهذا وإن كان يذكره بعض الحنابلة المتأخرين، فإنه لا يصح عند محققيهم، فقد ذهب كثير منهم إلى عدم تكفيره إلا بالجحد ونحوه، كمثل ابن بطة ، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه البار ابن قيم الجوزية، ومن سار على منوالهم، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا، كيف ولا وقد صح عن إمام السنة أنه سئل عن ترك الصلاة متعمدًا، فقال: « والذي يتركها لا يصليها، والذي يصليها في غير وقتها؛ أَدْعُوْهُ ثلاثًا فإن صلى
[ ٤ / ٣٨٧ ]
وإلا ضربت عنقه، هو عندي بمنزلة المرتد » ونحوه كلام المجد ابن تيمية، وحفيده ابن تيمية، وكثير من محققي الحنابلة، ومنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما تراه محققًا مفصلًا في كتابي «حكم تارك الصلاة».
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٦٣).
[٦١٣] باب توجيه كلام عبد الله بن شقيق في تارك الصلاة
عن عبد الله بن شقيق العقيلي ﵁ قال:
«كان أصحاب محمد - ﵌ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة».
(صحيح موقوف).
[قال الإمام]:
هذا ونحوه محمول على المعاند المستكبر الممتنع عن أدائها ولو أنذر بالقتل. كما قال ابن تيمية وابن القيم، انظر رسالتي «حكم تارك الصلاة».
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٥٦)
[٦١٤] باب هل يحكم على من لا يصلي بالكفر وبالتالي مقاطعته؟، وبيان متى تكون المقاطعة وسيلة تأديبية
السائل: شيخنا! ما قولك في قوله تعال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ (المجادلة:٢٢) إلخ الآية، فيه نعرف أن ترك الصلاة كفر، ممكن الآباء أو الأبناء أو الأخوان تاركين الصلاة، هل نعتبرهم ممن يحادون الله ورسوله، وهل مطلوب منا ألا نوادهم إذا كنا مؤمنين بالله؟
الشيخ: الآية كيف تقول؟
[ ٤ / ٣٨٨ ]
السائل: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ (المجادلة:٢٢).
الشيخ: يجب أن نقف عند قوله تعالى: (يحادون الله ورسوله) ماذا
نفهم منها؟
السائل: مفهومي أنا الصحيح أنا لست شيخًا أنا محاسِب، أنا رجل مالي يعني؛ مطلوب وضع نفسه في حد ووضع الرسول والله ﷾ في حد آخر، إن كان بإعلان الكفر، أو بارتكابه المعاصي، فيه أمور كثيرة جدًا.
الشيخ: لا، بس فيه عندنا هنا بدي أنت نظرك لشي أنت ما دام تقول: أنا محاسب، معناها تُعَرِّفُني أنك لست عالمًا على الأقل بعلم التفسير، صحيح هذا؟
السائل: صحيح بس أقرأ التفسير وأتعلم.
الشيخ: حينئذٍ ينبغي أن يعلم كل منا كما أنه لا يجوز للعالم بالفقه أو الحديث أو التفسير أن يعتدي على صنعة الدكتور تيسير وهو طبابة لأنه أنا جاهل بالطب، فأنا أستمد منه المعرفة التي خصه الله بها، فكذلك هو بدوره لا يعتدي على غيره من أهل العلم إن كان محدثًا فما يأتي يفتأت عليه ويقول: هذا حديث صحيح وغير صحيح وضعيف .. إلخ، لأن هذا ليس من اختصاصه، كما أني أنا مسؤول أن أسأل أهل العلم، فهو أيضًا مسئول أن يسأل أهل العلم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣)، كذلك لا يجوز لعامة المسلمين أن يفسروا القرآن بما يبدوا لكل واحد منهم، وإنما كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان:٥٩)، أو الآية الأولى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣)، معليش أنا ما أعتب عليك أنك سألت، لا، لكن أقول: ما
[ ٤ / ٣٨٩ ]
ينبغي لك ولأمثالك أن يكوِّنوا رأيًا في فهم آية إلا بعد أن يسألوا أهل العلم، فهنا الذين يحادون الله ورسوله المقصود بهم المشركون، فلا يقصد به الولد الذي ضربت به مثلًا أنه تارك صلاة.
مداخلة: الولد أنا ما أقصد طفل، ما أقصد طفل أنا.
الشيخ: لا لا، أنا أقصد معك، أي تارك الصلاة أنا أقول الذي تقصده أنت، الولد ما قصدت الولد الصغير أنت ذكرتني الآن بحديث، والشيء بالشيء يذكر، جاء رجل إلى النبي - ﵌ -، قال: يا رسول الله! أركبني، يعني: يريد دابة تحمله أمامه سفر، قال للمختص بالإركاب: أركبه يا فلان ولد الناقة، قال: يا رسول الله! «وهل يحملني ولد الناقة»، قال له: وهل الناقة إلا ولد الناقة. فكلمة ولد في اللغة العربية لا تعني معناها صبي غير بالغ.
مداخلة: الشائع حاليًا.
الشيخ: معليش ما معليش، يمكن أنا غلب علي الفقه الحديثي في هذا، فأنا قلت الولد يعني: ولد الابن، ولو كان مكلفًا، وإنما المقصود هنا الذين يحادون الله يعني: يعادونه ويعلنون عداءه، فلا ينبغي للمسلم أن يوادد ويحابب هؤلاء، فما فيه إشكال، أما إذا كان هناك والد ابتلي بولد أعيد كلمة ولد، ولنقل الآن توضيحًا: ولد بالغ مكلف بأنه لا يصلي، فما ينبغي أن يعاديه، لكن ينبغي أن يناصحه، وأن يلتزم دائمًا توجيهه وتذكيره، ولا يكون كما يفعل اليوم الآباء يتركون الأبناء كما يقولون: يرخوا لهم الحبل على الغارب، ويتركوهم يشرقوا ويغربوا، ويمشوا على كيفهم، ويروحوا سينما وما يأتون إلا نصف الليل .. إلخ، هذا لا ينبغي، كما أنه ليس هذا معناه أنه يعادونه ويحاربونه
[ ٤ / ٣٩٠ ]
[فالواجب] أن يعتني بالولد، وأن يسعى دائمًا لتوجيهه، كما تعلمون من قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم:٦)، والآية الأخرى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طه:١٣٢) ما معناها: صلِّ، وهذا الأمر أيضًا لا تقل: أنا أمرته ما فيه فائدة، لا.
مداخلة: الصبر عليها على الصلاة ليس على التربية.
الشيخ: الصبر على الصلاة طبعًا، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه:١٣٢)، فالشاهد أن الأمر ينبغي أن يتكرر من الوالد لابنه، حتى يشعر بأنه الولد هذا تأثر بنصيحة والديه، لكن لا ينبغي معاداته.
السائل: لم أقصد هذا، قد يكون قريب أو صديق.
الشيخ: معليش، إذا الابن بارك الله فيك فمن باب أولى الآخرون
السائل: من شوية الأخ سأل سؤال عن العمة، أقرت منكر فتم مقاطعتها.
الشيخ: لا، هذا شيء آخر، أنت لا تسأل بارك الله فيك عن المقاطعة، أنت تسأل عن الآية المواددة والمحاببة، المقاطعة وسيلة في الإسلام تأديبية، المقاطعة في الإسلام وسيلة تأديبية، أنا قلت للرجل: نعم ما فعلت فعلًا، لأن ربنا يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:٢)، فإذا الابن زنا والأم أقرته على الزنا وما أنكرته، والولد هذا ما أدري ماذا سيكون بالنسبة لها، قلت: عمتك آه؛ فأقرها أيضًا، معناها سيصيب المسلمين ما أصاب اليهود، ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٩)
[ ٤ / ٣٩١ ]
فالمقاطعة هي وسيلة تربوية شرعها الرسول ﵇، مع خيرة من خيرة أصحاب الرسول ﵇، وهم الثلاثة الذين خلفوا (١)، تعرف هذه القصة يمكن في القرآن الكريم.
حيث أعلن الرسول ﵇ أنه سيتوجه للغزو وللجهاد، فثلاثة منهم تأخروا وانشغلوا، وفعلًا تخلفوا، وأحدهم اسمعه كعب بن مالك، كان من خيرة أصحاب الرسول ﵇، بعد أن رجع الرسول من الغزوة ندم على ما فعل، وهو كل يوم يقول: اليوم أروح اليوم أروح، وشغل، فلما رجع الرسول ﵇ وجاء المتخلفون وفيهم كثير من المنافقون، كل واحد يقدم العذر، والرسول يقبل العذر، يقول هو عن نفسه هذا: لما جئت إلى الرسول ﵇ قال له: والله يا رسول الله إني لأعلم أنني أوتيت نطقًا وكلامًا، أنني أستطيع أن أقول كما قال الآخرون، ولكنني أخشى أن أقول خلاف الواقع فيفضحني الله ﵎، فأقر الرجل أنه تخلف، فأمر زوجته بأن تذهب إلى دار أهلها، وأمر الصحابة بأن يقاطعوه هو واثنين آخرين ممن تخلفوا، وهكذا خمسين يومًا، ويحكي هذا الرجل كعب بن مالك الحالة النفسية التي أصيب بها كما عبر الله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ (التوبة:١١٨)، يعني: كان يهم أن يصعد إلى جبل ويلقي نفسه، كلما رأى شخص: السلام عليكم، السلام عليكم؛ لا أحد يرد السلام؛ لأن الرسول أمر بالمقاطعة، فكانت هذه المقاطعة سبب لتزكية نفوس هؤلاء، وندموا على ما فعلوا للتخلف عن رسول الله - ﵌ -، حتى أنزل الله ﷿ التوبة عليهم، فالمقاطعة أمر مشهور مرغوب في الواقع، ولكن فيها دقة فيجب أن توضع في مكانها.
_________________
(١) البخاري (رقم٤١٥٦) ومسلم (رقم٧١٩٢).
[ ٤ / ٣٩٢ ]
والناس أيضًا هنا ككثير من المسائل ما بين إفراط وتفريط، اسم المقاطعة اليوم لا ذكر لها على ألسنة الخطباء والمدرسين، لماذا؟ لأني أنا أقول في كثير من الأحيان لما أسأل يقول: يا أخي إذا تُقاطع الناس كلها معناها تنزوي على رأس جبل ولا تخالط الناس، لكن بدك تصبر، لكن لما يكون العلاقة بين شخص وشخص قريبه فهنا المقاطعة يكون لها تأثير، أما مقاطعة الناس كلها هذا لا يمكن، لذلك قال ﵇: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
"الهدى والنور" (٢٦١/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
[٦١٥] باب خطورة القول بتكفير تارك الصلاة
سؤال: قلتم في بعض مجالسكم أن الخطأ في مسألة تكفير تارك الصلاة مفتاح لباب من أبواب الضلال، نرجو أن تفصلوا لنا القول في هذه المسألة؟
الجواب: تفصيل هذه المسألة هو ما تكلمنا عنه مرارًا وتكرارًا: التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؛ لأن تارك الصلاة له حالتان: إما أن يؤمن بها بشرعيتها، وإما أن يجحد شرعيتها، ففي الحالة الثانية هذه فهو كافر بإجماع المسلمين، وكذلك كل من جحد أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، من جحد الصيام مثلًا فهو كافر، الحج إلى آخر ما هناك من أمور معروفة عن المسلمين جميعًا أنها من ضروريات الدين، فهذا لا خلاف فيه، من جحد شرعية الصلاة فهو كافر، لكن إذا كان هناك رجل لا يجحد الصلاة، يعترف بشرعيتها، ولكن من حيث العمل هو لا يقوم بها، لا يصلي، فربما لا يصلي مطلقًا، وربما يصلي تارة وتارة، ففي هذه الحالة إذا قلنا: هذا رجل كفر ما يصدق عليه هذا الكلام بإطلاقه؛ لأن
[ ٤ / ٣٩٣ ]
الكفر هو الجحد، وهو لا يجحد شرعية الصلاة، كما قال تعالى بالنسبة للكفار: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) فإذا أخذنا مثالًا: زيدا ًمن الناس لا يصلي، ولكن حينما يُسْأَل: لماذا لا تصلي يا أخي؟ يقول لك: الله يتوب علي، والله الدنيا شغلتني، الأولاد شغلوني، من هذا الكلام، هذا الكلام طبعًا ليس له عذر مطلقًا، لكن يعطينا فائدة لا نعرفها نحن؛ لأننا لا نطلع على ما في قلبه، يعطينا فائدة أنه رجل يؤمن بشرعية الصلاة، بخلاف ما لو كان الجواب لا سمح الله: يا أخي الصلاة هذه راح وقتها، كانت في زمن كان الناس غير مثقفين، كانوا وسخين، كانوا بحاجة إلى نوعية من النظافة والطهارة والرياضة، وهذا الآن ذهب زمانه، الآن الوسائل جديدة تغنينا عن الصلاة، فهذا كفر فإلى جهنم وبئس المصير.
أما إذا كان الجواب هو الأول: لماذا لا تصلي؟ الله يتوب علينا، الله يلعن الشيطان، من هذا الكلام الذي ينبئنا أن الرجل لا ينكر شرعية الصلاة، فإذا قلنا: هذا رجل كافر نكون خالفنا الواقع؛ لأنه هذا رجلٌ مؤمن بشرعية الصلاة، مؤمن بالإسلام كله، فكيف نكفره؟
من هنا نحن نقول: لا فرق بين تارك الصلاة، وتارك الصيام وتارك الحج، وتارك أي شيء من العبادات العملية في أنه يُكَفَّر وأنه لا يكفَّر؛ متى يكفَّر؟ إذا جحد، متى لا يكفَّر؟ إذا آمن وعلى ذلك جاءت الأحاديث الكثيرة التي آخرها: «أدخلوا الجنة من قال: لا إله إلا الله وليس له من العمل مثقال ذرة» ولكن له مثقال ذرة من إيمان، فهذا الإيمان هو الذي يمنعه من أن يخلد في النار، ويدخل الجنة ولو بعد أن صار فحمًا أسود، لكن هذا الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويؤمن بكل ما جاء عن الله ورسوله لكن لا يصلي، أو لا يصوم، أو لا يحج، أو نحو ذلك، أو يسرق أو يزني، كل هذه الأمور لا فرق فيها إذا ما وضعت
[ ٤ / ٣٩٤ ]
في ميزان الكفر العملي والكفر الاعتقادي.
فرجل مثلًا: يزني هل نكفره؟ ستقولون: لا، أنا أقول: لا، رويدًا، ننظر هل يقول: الزنا حرام، أم يقول كما يقول بعض الجهال: بَلَا حرام بَلَا حلال، إذا قال هذه الكلمة كفر، كذلك السارق، أي ذنب، الرجل الذي مثلًا يستغيب الناس، تقول له: اتق الله، الرسول قال: «الغيبة ذِكْرُكَ أخاك بما يكره» يقول: بَلَا قال الرسول بَلَا كذا، كفر، هكذا كل الأحكام الشرعية سواء ما كان منها حكم إيجابي بمعنى فرض من الفرائض، أو كان حكمًا سلبيًا بمعنى: أنه [من] المحرمات [التي] يجب أن يبتعد عنها، فإذا استحل شيئًا من هذه المحرمات في قلبه كَفَرَ، لكن إذا واقعها عمليًا وهو معتقد أنه عاصي لا يكفر، فلا فرق في هذا بين الأحكام الشرعية كلها، سواء ما كانت من الفرائض أو ما كانت محرمات، الفرائض يجب القيام بها، ولا يجوز تركها، لكن من تركها كسلًا لم يجز تكفيره، من تركها جحدًا كفر، من استحل شيئًا من المحرمات كذلك يكفر، لا فرق في هذا أبدًا بين الواجبات والمحرمات، هذا ما أردت بكلمة السائل.
" الهدى والنور" (٨/ ١٠: ٤١: ٠٠)
[٦١٦] باب مناقشة بعض أدلة مكفري تارك الصلاة
سؤال: يُكَفِّرُ بعض العلماء تارك الصلاة ، ويقولون أيضًا بالكتاب والسنة وقول الصحابة والنظر الصحيح، والسامع لهذا الكلام يظن أن المسألة هكذا فعلًا، فنرجو حفظكم الله توضيح وتفصيل الجواب، أولًا: يقولون: القرآن يستدلون بالآية التي في سورة التوبة آية إحدى عشر ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ﴾ (التوبة:١١) يقولون: مفهوم الآية يدل على أنهم إن لم يفعلوا
[ ٤ / ٣٩٥ ]
ذلك فليسوا بإخوانكم، والإخوة لا تنتفي بالمعاصي، وإن عظمت، ولكن تنتفي عند الخروج عن الإسلام، ما مدى صحة هذا الاستدلال بهذه الآية، ولا يخفاكم أن السياق يتحدث عن المشركين؟
الشيخ: جوابي من ناحيتين: أن الإخوة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، فإذا كانت الإخوة المنفية هنا بسبب ترك ما فرض الله هي الإخوة العامة فكلامهم صحيح، لكن هذا ليس عليه دليل يُلْزِمُ المخالفين لهذا الرأي بقولهم؛ لاحتمال أن تكون الإخوة المنفية هي الإخوة الخاصة، وهذا لا بد لهم من أن يتبنوه، وهذه من الحجج القوية، لأنهم يفرقون بين تارك الصلاة وتارك الزكاة، من حيث أن تارك الزكاة ما يقطعون بكفره وردته كما يفعلون بالنسبة لتارك الصلاة، وقد ذكر مع ترك الصلاة ترك الزكاة، فما كان جوابهم، هذا الجواب جدلي، لكنه صحيح، وقد قدمنا الجواب العلمي، فما كان جوابهم عن تارك الزكاة هو جوابهم عن تارك الصلاة.
مداخل آخر: شيخنا: ألا يقال أنه رتب تلك الأعمال على التوبة التي هي التوبة توبة الإسلام، وبالتالي إذا فقدت هذه التوبة الأعمال تلك الأخرى لا ثمرة لها، بالتالي كالكلام عن التوبة يعني: وتلك تبع للتوبة والسياق عن المشركين.
الشيخ: ويش معنى كلامك؟
الآخر: يعني الآن فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم الكلام عن المشركين، وهو صدر البحث عن التوبة، يعني: توبة الإسلام الدخول في الإسلام، وبالتالي رتب تلك الأمور (فإخوانكم في الدين) يعني: لا يستلزم أنها تكون بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إنما بسبب التوبة التي دخلوا فيها، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة طبعًا بالتوبة، فبالتالي لا ننزع عنه الإخوة في الدين بسبب تركه للصلاة فقط، يعني:
[ ٤ / ٣٩٦ ]
فيه قبل الصلاة توبة التي هي الأصل.
الشيخ: طيب، وسياق الجواب مفهوم المخالفة فإخوانكم وإلا فليسوا بإخوانكم.
الآخر: وهذا صحيح بسبب التوبة، مش بسبب إقام الصلاة.
الشيخ: كيف؟ لأنه هو لسه مش موضح مراده، مفهوم المخالفة- وهنا الحجة-، فإن لم يؤتوا الزكاة فإن لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فليسوا بإخوانكم.
الآخر: ما هو في قبل قوله: بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة توبة، فإن لم يتوبوا، وتلك الأعمال تبع.
الشيخ: جميل، إذًا بنقول: فإن لم يتوبوا فليسوا بإخوانكم.
الآخر: طبعًا.
الشيخ: طيب، فإن لم يتوبوا ولم يصلوا أليسوا ..
الآخر: هذا مصير البحث الآخر اللي تفضلت فيه أستاذنا.
الشيخ: إيه نعم، يعني: نحن [لا ينبغي] أن نقول: أن المقصود فقط الجملة الأولى، وهي التوبة، وإنما التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، المجموعة هذه، إذا انتفت يساوي نفي الإخوة، لكن هذه الإخوة المنفية هذه هي إخوة مطلقة أي: فهم مشركون كما كانوا من قبل أم بقدر ما ينقصون تنقص الإخوة، فبيكون المنفي إخوة الكمال كنفي «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له»، نفي الكمال وليس نفي الصحة.
مداخلة: إذًا: في الفقرة الأخيرة هذه أجبت عن استدلالهم من السنة وهو
[ ٤ / ٣٩٧ ]
قولهم أن النبي - ﵌ - قال: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة وأن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» أن هذه الأحاديث ليست على ظاهرها؟
الشيخ: طبعًا، كفر دون كفر، حَلَّها ابن عباس ﵁.
مداخلة: طيب إذا فيه كلام زيادة بيان في هذا؟
الشيخ: حسبك هذا الأمر.
مداخلة: ويقولون أيضًا أقوال الصحابة أقوال الصحابة يقول أمير عمر الخطاب ﵁: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة» (١) والحظ: النصيب، وهو هنا نكرة في سياق النفي، فيكون عامًا لا نصيب قليل ولا كثير، هذا قول عمر بن الخطاب ما الجواب عليه، أوهل يصح هذا الاستدلال؟
الشيخ: والله ما أستحضر هو موجود في الترغيب، بس ما أدري إذا كان غير صحيح، ما أقدر أستحضر الآن، أقول: موجود في الترغيب، لكن لا أدري إذا كان صحيحًا أو لا.
هذا لا يخرج عن البحث السابق مثل لا إيمان ما هو الفرق، ولا دين، ولا حظ.
يعني: أريد أضيف تضيفوا على ما سبق أن هذا نكرة تفيد الشمول، هذا كلام عربي صحيح، لكن هذا حينما لا يكون هناك أدلة تضطرنا إلى تقييد هذه الدلالة، وإلا إذا أخذنا لا إيمان ولا يدخل الجنة و.. و.. ونحو ذلك من العبارات هذه، خرجنا بمذهب الخوارج، لكن حينما يضم إلى مثل هذا النص لا سيما وهو
_________________
(١) سنن الدارقطني (رقم١) وسنن البيهقي الكبرى (٣/ ٣٦٦) رقم (٦٢٩١).
[ ٤ / ٣٩٨ ]
موقوف، وليس بمرفوع، إذا ضم إليه الأحاديث التي فيها إثبات الإيمان لمن يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنه ينجو من الخلود في النار، حينئذ نضطر أن نقول أن هذا الاصطلاح العلمي الفقهي من حيث أن هذا نكرة منفية وهي تفيد الشمول، هذا إذا نظرنا نظرة خاصة بهذا النص، أما إذا نظرنا إلى الأدلة الأخرى فحينئذ نقول: لا حظ كمثل قولنا في لا إيمان ولا دين ونحو ذلك، أي: لا حظ كاملًا كما قلنا أيضًا في الإخوة.
مداخلة: لا إخوة كاملة.
الشيخ: نعم.
مداخل آخر: شيخنا في الموطأ موطأ يحيى الليثي عن مالك حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن المسور بن مخرمة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها فأيقظ عمر لصلاة الصبح فقال عمر نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
الشيخ: كأنه في البخاري هذا.
الآخر: أنا ما حبيت أقول إنه في البخاري والله وقع في قلبي أنه في البخاري لكن ما حبيت أقول لأنه ما أشار مع انه من عادته يشير فؤاد عبد الباقي ولكنه
ما أشار.
الشيخ: صحيح هذا.
الآخر: نعم.
مداخلة: ويكون الجواب أيضًا على قول عبد الله بن شقيق كان أصحاب النبي - ﵌ - الجواب [نفس الجواب].
[ ٤ / ٣٩٩ ]
[كذلك يذكرون من الأدلة على كفر تارك الصلاة] النظر الدقيق أو الصحيح، فأما من جهة النظر الصحيح فيقال: هل يعقل أن رجلًا في قلبه حبه من خردل من إيمان يعرف عظمة الصلاة وعناية الله بها، ثم يحافظ على تركها هذا شيء لا يمكن، وقد تأملت الأدلة التي استدل بها من يقول أنه لا يكفر، فوجدتها لا تخرج من أقوال أربعة: أما أنها لا دليل فيها أصلًا، أو أنها قيدت بوصف يمتنع معه ترك الصلاة، أو أنها قيدت بحال يعذر فيها من ترك هذه الصلاة أو أنها عام فتخصص في أحاديث كفر تارك الصلاة.
الشيخ: طيب هذا شو؟
مداخلة: ابن عثيمين
الشيخ: كويس
مداخلة: نعم
الشيخ: هذا هو أول من يخالف هذا الكلام.
مداخلة: أول من يخالف هذا الكلام.
الشيخ: المؤلف هو أول من يخالف ما ألف، وما قال في هذه الفقرة؛ لأنه البحث عندهم ليس فيمن لم يصلِّ في عمره صلاتًا، وإنما من ترك صلاة صلاتين إلى آخره، فهذا ينطبق عليه الحكم يعني: الحنابلة اللي بيختلفوا عن الجمهور
أنت لاحظت أول عبارته هل يُعْقَل؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ماذا قال؟
[ ٤ / ٤٠٠ ]
مداخل: هل يعقل أن رجلًا في قلبه حبه من خردل من إيمان يعرف عظمة الصلاة وعناية الله بها، ثم يحافظ على تركها، هذا شيء لا يمكن.
الشيخ: ما هو معنى يحافظ على تركها حتى الوفاة، ولا قبل الوفاة؟
مداخلة: الظاهر من كلامه أنه ما صلى أبدًا.
الشيخ: هذا هو، فليس هذا قولهم، يعني: لو ما صلى يومًا بكامله، هل هو مسلم ولا كافر؟ هو عندهم كافر لذلك هذه بنسميها لغة خطابية، لغة شعرية، للأخذ بألباب السامعين، أنا بقول مثلما هو بيقول لا يعقل، لكن القضية مش قضية معقول أو غير معقول، القضية كما قال ﵇: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، فإنما الأعمال بالخواتيم».
الشيخ: يعني: الحقيقة إخواننا هؤلاء الحنابلة مش محررين مذهبهم في موضوع تارك الصلاة، كثيرًا ما سمعتهم يتحدثون في الإذاعة ما بيوضحوا المسألة توضيحًا يفهمه كل السامعين لكلامهم، هل يكفر بترك صلاة واحدة، ولا بترك خمس صلوات في اليوم والليلة، ولا ولا إلى آخره ما تفهم أنه من هذا الموضوع إطلاقًا، وإذا أرادوا أن يتمسكوا بهذه الأدلة، فمن ترك صلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله، صلاة واحدة بتخرجه بقي عن الملة حسب فهمه لهذه النصوص دون مراعاة النصوص الأخرى، وإذا تصورنا أو افترضنا أنهم وضعوا حدًا، كأن يقولوا مثلًا: إذا ترك صلاة واحدة لا يكفر، لكن إذا ترك خمس صلوات يكفر نقول لهم: ما الدليل؟ ولا يستطيعون إلى ذلك سبيلًا؛ لذلك القضية ما بِتِنْحَلّ إلا بمذهب ابن عباس، كفر عملي وكفر اعتقادي، من ترك صلاة واحدة مستحلًا لها
[ ٤ / ٤٠١ ]
فهو مرتد عن دينه، لكن من ترك صلاة واحدة مؤمنًا بها معترفًا بتقصيره مع الله ﵎ فهو عاصي ومجرم وأمره إلى الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء عفى عنه؛ لأنه هذا عمل والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) وما أدري ليش المشائخ هناك يظلون يكررون هذه المسألة على العالم الإسلامي دون - كما يقال اليوم- وضع النقاط على الحروف أن يقولوا: صلاة واحدة بتكفر، لا، صلاة واحدة ما بتكفر، خمس صلوات، وحينما يدخلون في هذا التفصيل وهذا التحديد يتبين ضعف مذهبهم، لأنه لا سبيل لوضع تحديد، وبالتالي إذا وضعوا حدًا سقط الكلام النظري الذي قرأته علينا آنفًا.
"الهدى والنور" (١٤٠/ ٣١: ٠٩: ٠٠)
[٦١٧] باب الرد على من استدل بتعريف كلمة الكفر في قوله - ﵌ -: «بين المرء وبين الكفر ..» على أن المراد الكفر الكبر
سؤال: آخر سؤال يا شيخ عندي: هو ذكرت اليوم الصبح في نقاش عن قضية تارك الصلاة في حديث صحيح مسلم عن جابر: «بين المرء والكفر ترك الصلاة»، وذكرت أن هناك أحاديث جاءت فيها: كسباب المسلم فسوق وقتاله كفر وغيره من الأحاديث، لكن لم يرد لفظ الكفر بأل التعريف إلا في قضية الصلاة في
هذا الحديث.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فعلى معاني "أل" في اللغة سواء كانت الاستغراق أم العهد على ماذا نخرجه؟ أليس الكفر العهدي الذي هو الكفر الخروج من الملة، أو
[ ٤ / ٤٠٢ ]
الاستغراق فإن هذا أشد في الحجة، فكيف يرد على المستدل بهذا الحديث على أن الكفر المقصود به هو الكفر الأكبر؟
الشيخ: والحديث ماذا يقول؟
مداخلة: «بين المرء والكفر والشرك ترك الصلاة».
الشيخ: وأين التعريف؟ الاستغراق والشمول أين؟
مداخلة: «بين الكفر والشرك» هذا في كلمة الكفر والشرك، هذا ليس
فيه استغراق؟
الشيخ: لو كان كفرًا .. لو أراد كفرًا عمليًا ما يختلف التعبير.
مداخلة: لكن جزاك الله خيرًا سمعت لك في كلام قديم أنه دائمًا يؤخذ بالحكم بالأعلى فالأعلى، يعني: إذا كان مثلًا .. فهنا عندنا الآن فقد كفر هذا ممكن يحمل على العملي، لكن أسأل الآن الكفر والشرك، علمًا بأنه ليس هناك حديث نص عليه الرسول - ﵌ - أنه الكفر أو الشرك إلا في قضية ترك الصلاة، فألا يمكن الاستدلال به على كفر تارك الصلاة كفرًا اعتقاديًا؟
الشيخ: أظنك تعلم أن إذا كان الحديث له دلالة ظاهرة ينصرف الذهن إليها، ولكن إذا قام مانع شرعي يمنع من أن ينصرف الذهن إلى هذه الدلالة الظاهرة فهنا يأتي ما يسمى بالتأويل والتوفيق بين الأحاديث، يعني: مثلًا قوله ﵊: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» فإذا نظرنا إلى هذا الإطلاق أليس يعني ذلك أنه كافر؛ لأنه نفى مطلق الإيمان؟
مداخلة: الإيمان هنا نكرة.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
الشيخ: نعم، نكرة ألا تفيد الشمول؟
مداخلة: تفيد الشمول بلى.
الشيخ: فإذًا! فنفى الإيمان مطلقًا، لا إيمان مطلقًا لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، الشيء الكثير النصوص الشرعية، ولكن لما الإنسان يجمع بين هذا النص وبين نص آخر، يضطر أن يقول: لا إيمان كاملًا، لا دين كاملًا، وعلى هذا تؤولت كثير من الأحاديث، كمثل قوله - ﵌ - عند جمهور الأئمة: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» (١) فلا صلاة له، هذا نفي للصلاة، أي: تكون الصلاة باطلة، لكن الذين يقولون بأن هذه الصلاة مع الجماعة فريضة لكن ليست شرطًا أو ركنًا من أركان الصلاة، يضطرون أن يفسروا هذا الحديث على ضوء الأحاديث الأخرى، صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، وليس القصد الآن هنا تحرير القول بمثل هذا الحديث، وإنما المقصود التذكير بأساليب العلماء في سبيل التوفيق بين حديث يدل بظاهره على شيء ثم لما يضمون إليه الأحاديث الأخرى يضطرون أن يخرجوا عن هذه الدلالة الظاهرة ويفهموا أن دلالة الحديث على ضوء الأحاديث الأخرى.
وما أكثر الأحاديث بهذا الصدد، مثلًا: «لا يدخل الجنة قتات» ما الذي يتبادر للذهن؟ لا يدخل أبدًا، لكن عندما تأتي للأحاديث التي تفيد عدم خلود المسلم مهما كان عاصيًا في النار، ويذكر مثلًا حديث الشفاعة ونحو ذلك: «وأخرجوا من النار من كان في » كل هذه الأحاديث لما تجمع مع مثل حديث: «لا يدخل الجنة قتات» أو نمام أو ديوث أو .. إلى آخره، يضطر أن يفهم الحديث على غير
_________________
(١) صحيح الترغيب والترهيب (رقم٤٢٦).
[ ٤ / ٤٠٤ ]
المتبادر إلى الذهن، قد يكون الحديث المشهور هكذا؛ لأنه لا يوجد في الشريعة مطلقًا أن الإنسان يكفر بترك عمل، وهو يؤمن بأن هذا العمل [واجب].
"رحلة النور" (٣٠ب/٠٠:١٨:٢٣)
[٦١٨] باب رد شبهة حول الاستدلال
بحديث الشفاعة على عدم تكفير تارك الصلاة
سؤال: عندي سؤال يتعلق بقضية التكفير، تكفير تارك الصلاة، في الرسالة الأخيرة: حكم تارك الصلاة.
الشيخ: نعم.
الملقي: أعني الحديث الذي هو حديث الشفاعة ذكر لي بعض الإخوة إنه هناك يَرِدُ على حديث الشفاعة الذي في آخره: «يخرج من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، وقوله: بعد هذا، يعني بعد شفاعة الله ورحمة الله يخرجوا أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط، قال هذا خاصة الأخيرة: لم يعملوا خيرًا قط، مثل اللفظ الذي في حديث الذي قتل المائة فقالت ملائكة العذاب: أنه لم يعمل خيرًا قط، مع أن الرجل أتى تائبًا وقد عمل خيرًا، فهذا يعني إشكال عن: لم يعمل خيرًا قط، مع أن هذا الرجل مؤمن بالله ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كيف الجواب على هذا الإشكال؟ لأنهم قالوا إنما هذا خرج مخرج الغالب، الغالب اللي هو لم يعمل خيرًا قط.
الشيخ: شو له علاقة بالموضوع؟
الملقي: عن قضية أنه رد هذه الجزئية في أنه تارك الصلاة كافر إذا قلنا إنه هذا
[ ٤ / ٤٠٥ ]
ما ينفع العمل معاه الباقي إذا ترك الصلاة.
الشيخ: أولًا: شو علاقته بحديث الشفاعة اللي ذكرناه نحنا إنه: «هؤلاء إخواننا كانوا يصلون ويصمون معنا» إلى آخره، فيأذن الله -﷿- بأن يشفعوا لهم، فيشفعوا لهم، ثم يشفعون لوجبة أخرى، ما علاقة هذا الحديث
بهذا الحديث.
الملقي: يعني قوله: أنه لم يعمل خيرًا قط، أي يعني ليس معناه.
الشيخ: مالي وله يا أخي، خليه يؤول الحديث: «لم يعمل خيرًا قط» بما يشاء؛ لأنه ليس موضوعنا الآن فيه.
الملقي: آه.
الشيخ: موضوعنا إنه هذا حديث صحيح وصريح أن الله -﷿- أذن للمؤمنين الصالحين من أهل الجنة بأن يشفعوا لإخوانهم الذين كانوا معهم، كانوا يصومون ويصلون لكنهم ما نراهم معنا، فيستأذنون ربهم بأن يشفعوا لهم فيأذن لهم، خرجت أول وجبة، هالوجبة فيهم الذين كانوا يصومون ويصلون، لكن ارتكبوا ذنوبًا فاستحقوا بها أن يدخلوا النار فأخرجوا بشفاعة الصالحين هؤلاء، ثم يؤذن لهم بإخراج وجبة أخرى، هذه الوجبة الأخرى ليس فيهم أولئك المصلون أو مثل أولئك المصلين، فأنا عم أتساءل الآن: ما علاقة حديث لم يعمل خيرًا قط بهؤلاء الذين أخرجوا بشفاعة الصالحين الشافعين، ولم يكونوا من المصلين، شو وجه العلاقة؟
الملقي: وجه العلاقة أنه يعني الفهم القائم عند هؤلاء لعله أنه الوجبة الثانية أنهم: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة أو مثقال دينار لا ينفي أنهم غير مصلين،
[ ٤ / ٤٠٦ ]
لا ينفي أنهم
الشيخ: نحن مو هذا دليلنا، دليلنا أن الذين كانوا يصلون أخرجوا أول وجبة.
الملقي: أيوه، والآخرين اللي بينهم، هل ينفي
الشيخ: ما فيهم مصلين طبعًا؛ لأنه الذين قالوا: هؤلاء إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون وما نراهم معنا، أيش فعلوا له: فأخرجوهم، فلما أذن لهم بأن يشفعوا بجماعة ثانية هؤلاء ليس فيهم أولئك المصلون، ولذلك أنا بتساءل أيش علاقة هذا الحديث بذاك.
الملقي: إذًا هنا
الشيخ: التصنيف والترتيب هو الذي جعلنا نحن نستدل بالحديث على أن تارك الصلاة إذا كان مؤمنًا كما قلنا آنفًا في التفصيل بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، إذا كان مؤمنًا بالصلاة ولكنه لم يكن يصلي كسلًا أو عملًا، وليس عن عناد أو إنكار فهؤلاء يشفع لهم فيشفعون فيهم.
الملقي: إذًا انقطع عني الإشكال، إنما السؤال الآن توجيه هذه العبارة بحيث أنه لم يعمل خيرًا قط ولا يدخل الجنة إلا المؤمن.
الشيخ: إيه أيش معنى: لا يدخل الجنة إلا مؤمن؛ كامل؟
مداخلة: لا، لا شك.
الشيخ: وأنا بقول: تارةً بلى، تارةً لا، لا يدخل الجنة إلا مؤمن مع السابقين الأولين مؤمنًا كاملًا، أو على الأقل رجحت سيئاته على، حسناته على سيئاته، أما إذا كان مؤمنًا لكن له سوابق، له سيئات إلى آخره، فإذًا إن لم تشمله مشيئة الله
[ ٤ / ٤٠٧ ]
بالمغفرة كما قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، إن لم تشمله مغفرة الله فيدخل النار ويعذب ما يشاء، حينئذٍ كما قلنا في الحديث السابق: «من قال لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره»، أي تكون هذه الشهادة مش الشهادة بمقتضياتها، «إلا بحقها» كما جاء في حديث: «أمرت أن أقاتل الناس» هذا بالنسبة للمؤمنين الكاملين، أما بالنسبة للمؤمنين العصاة فتنجيهم شهادة أن لا إله إلا الله، هذا هو الإيمان، وهذا هو أقل ذرة إيمان، أي لم يكن هنا يعني التزام لحقوق شهادة لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، هذه الحقوق إذا التزمها الإنسان قد يدخل الجنة ترانزيت مع السابقين الأولين، قد يدخلها بعد الحساب، ويكون الحساب نوع من العذاب، ولكنه لا يدخل النار إلى آخره.
فهناك المهم يعني درجات، أما إذا افترضنا أشقى الناس مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، فهذه الشهادة تنفعه وتخرجه ولا تجعله من المخلدين في النار، فحينما نحن نقول إنه تارك الصلاة كافر، أي مرتد عن دينه، ما هو الكفر، الكفر ما هو؟ لا يمكن أن أتصور عالمًا حقًا لا يوافق على هذا التفصيل الذي استفدناه من شيخي الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية، كفر عملي وكفر اعتقادي، لا بد من هذا التقسيم، وإلا ألحق من لا يتبنى هذا التقسيم بالخوارج ولا بد، فالذين يكفرون تارك الصلاة ليس عندهم حجة إطلاقًا قاطعة في الموضوع سوى ظاهر نصوص، طيب هذه الظواهر من النصوص معارضة بظواهر من نصوص أخرى، فلا بد من التوفيق بينها، فبماذا نوفق، نوفق من ترك الصلاة مؤمنًا بها معترفًا بشرعيتها، معترفًا في قرارة نفسه بأنه مقصر مع الله ﵎ في إضاعته إياها، فهو بلا شك يومًا ما يخرج من النار، أما أن نسوي بين هذا وبين ذاك المشرك الذي لا يعترف لا بصلاة ولا بزكاة يعني أنا مستغرب جدًا كيف بين من كفره كفر
[ ٤ / ٤٠٨ ]
اعتقادي وعملي، المشرك كافر كفرًا اعتقاديًا وعمليًا، أي: هو ينكر الشريعة الإسلامية بحذافيرها ومنها الصلاة فهو إذًا لا يصلي، فهو إذًا كافر كفر اعتقادي وكفر عملي، وهناك مسلم وقد يصلي أحيانًا كما هو الواقع في كثير من المبتلين بترك الصلاة، كيف نقول هذا كهذا، هذا يخالف هذا تمامًا في العقيدة، هذا المشرك لا يشهد بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا بلوازمها، لا يؤمن بذلك كله، أما هذا المسلم الفاسق الخارج عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله يخالفه مخالفة جذرية، فهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويؤمن بكل لوازمها، ولكن غلبه هوى النفس، غلبه حب المال، غلبه ووو إلى آخره، من معاذير ليست معاذير له تشفع في أن يترك الصلاة، لكنها معاذير تشفع له عند الله يوم القيامة، إنه أنا آمنت بالله ورسوله، لكني قصرت، فالتسوية بين هذا وهذا، بلا شك أنه ظلم وأنه ميزان جائر غير عادل.
هذا مع الأدلة الأخرى الكثيرة والكثيرة جدًا التي أشرنا إليها في الجلسة السابقة، أنه مجرد: «من ترك الصلاة فقد كفر» مش معناها يعني ارتد عن دينه؛ لأنه من حلف بغير الله فقد كفر مش معناها إنه ارتد عن دينه، مثل هذا التعبير كثير وكثير جدًا في أحاديث الرسول -﵇-، فما الذي يحملنا على أن نفسر: «من ترك الصلاة فقد كفر» أي: ارتد عن دينه، «من حلف بغير الله فقد كفر» ما ارتد عن دينه؟ ما هو؟! أنا بقول: هذا وهذا قد يلتقيان وقد يختلفان ويفترقان: «من ترك الصلاة فقد كفر» جحودًا فقد ارتد عن دينه، «من حلف بغير الله فقد كفر» جحودًا لهذا الحكم ألحق بالأول أي فهو كافر، «من ترك الصلاة فقد كفر» معترفًا بأنه ترك الصلاة حرام ولا يجوز وكفر عملي، فهذا لا نلحقه بالكافر، «من حلف بغير الله» ﷿، معذرةً أنا ما أعرف هذا، طيب مو ذكرناك؟ أي والله غلبت علي العادة،
[ ٤ / ٤٠٩ ]
هذا لا يكفر كفرًا اعتقاديًا، هذا يكفر كفر عملي، فالأحاديث والنصوص كلها تتجاوب بعضها مع بعض، وتضطرنا اضطرارًا فكريًا عقديًا أنه ما نقع في حيص بيص، هنا كفر ارتد عن دينه، وهنا ما ارتد عن دينه، هو يؤمن بأنه هذا شريعة الله، وهون لا كَفَرَ يعني عصى الله -﷿- وكفر كفرًا عمليًا إلى آخر ما هنالك من أشياء كثيرة وكثيرة جدًا.
ولذلك فأنا استغربت قولك: إنه هذا لم يعمل خيرًا قط، ربط بموضوع حديث الشفاعة، لا نحن لاحظنا التصنيف المذكور في هذا الحديث الصحيح، الذي يشعرنا تمامًا أن هناك معذبين في النار كانوا مصلين أخرجوا، دخلوا النار ليس بسبب تركهم للصلاة، وإنما قد يزني قد يسرق قد يأكل الربا إلى آخره، فدخلوا النار كما جاء في بعض الأحاديث بذنوب اجترحوها، لكن في الوقت نفسه كانوا مع المصلين، ولذلك إخوانهم المصلون الصالحون قالوا: يا ربنا لا نرى معنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا، فالله -﷿- تفضل وأمرهم بأن يشفعوا فشفعوا لهم، قالوا: إخواننا، ما ذكروا كما ذكروا في الأولين يصلون معنا ويصومون، فأخرجوا من عرفتم منهم، فأخرجوهم، وهكذا، هذا التصنيف هو الذي جعلنا نحتج بالحديث ونحن لم نكن من قبل نحتج بهذا الحديث، عندنا أشياء كثيرة وكثيرة جدًا، لكن الحديث هذا في الحقيقة جاء نورًا على نور، أوضح لمن كان غافلًا إنه هذه المسألة فيها غلو من بعض المشايخ والعلماء، ويكفي في ذلك أن تعلموا أن جماهير العلماء المجتهدين حتى الإمام أحمد حتى الإمام أحمد الذي ينسب إليه القول بتكفير تارك الصلاة كسلًا، في روايات كثيرة أنا ذكرتها أظن ذكرتها في كتابي. مو هيك.
مداخلة: صحيح.
[ ٤ / ٤١٠ ]
الشيخ: فيقولون: لو كان هذا مرتد عن دينه بترك الصلاة، متى يؤمن متى يسلموا إذًا إذا كان ارتد عن دينه لا بد أن يجدد إيمانه، لا هو بيقول يأمره بقضاء الصلاة وبس يعني، حتى أذكر في رواية وأنا أنسى كثيرًا، أنه إذا كان عنده عمل مضطر يعتاش، به يسمح له بأن يترك الصلاة أي قضاءها حينما يتفرغ لها، هذا الإمام أحمد إمام السنة، ولذلك فأنا أرى أنه المسألة أخذت بشيء من الشدة أكثر من اللازم،
شقرة: وأظن هذا والله أعلم المشهور عند الحنابلة هذا القول، لكن أريد تعقيبًا على سؤال الأخ عبد الله.
الشيخ: أبو عبد الرحمن.
شقرة: أبو عبد الرحمن أقول بأنه أولًا العذاب الذي يمس أولئك العصاة ممن لم ينج من النار، هناك طبعًا العذاب متفاوت في درجاته، ولا نعرف كم يمكثون، آخر من يخرج من النار كم يمكث في العذاب، فيا ترى يعني أولًا هذا العذاب الذي مس أولئك ربما يبقى أو يمتد إلى وقت طويل جدًا لا يدرى
الشيخ: أحقابًا
شقرة: أحقابًا؛ لأن الله -﷿- ما حدد لنا الوقت، أو الرسول -﵊- ما حدد لنا الأزمنة التي يتفاوت فيها الخارجون من النار بها أبدًا، فلذلك هؤلاء الذين ذاقوا مس النار عياذًا بالله، وهم آخر من يخرج من النار من المؤمنين، ألا يكفيهم ذلك العذاب، أولًا، نسأل الله العافية.
الشيخ: آمين.
[ ٤ / ٤١١ ]
شقرة: يعني هل نقول بأن تخليد هؤلاء في النار هو الذي نرجوه لهم، أم نرجو للذين يقولون لا إله إلا الله ما نرجو لمن ينطق بالشهادة، والشهادة كما قال شيخنا يكفي أنها كما قال -﵊-: «من قال لا إله إلا الله خالصًا بها قلبه نفعته يومًا من الدهر» أو «يومًا من دهره»، هذه واحدة، أما المسألة الثانية فإن برضه شيخنا أشار إلى هذه المسألة، لكن أنا أقول حتى يعني بصورة مختلفة أو بلفظ آخر، بأن الذي لم يعمل خيرًا قط، الذي لم يعمل خيرًا، أي لم يعمل عملًا صالحًا غير لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله هي العمل الذي نفعه وهي القول الذي قاله، لأنه هي لسانه يتحرك بها فهو عمل، وقلب يعتقد فهو عمل أيضًا، لكن الرسول -﵊- أراد أنه لم يعمل خيرًا قط، أي من الأعمال التي كان يعملها سائر المؤمنين.
مداخلة: مقتضياتها.
شقرة: مقتضياتها مثل ما قال شيخنا، فهذه مسألة مهمة جدًا الحقيقة، ونحن المسلمين طبعًا ما ينبغي أن يفرطوا؛ لأنه كل مسلم معرض نسأل الله العافية، إذا انتكس أمره في أول عمره في وسطه في آخره ألا يبقى له إلا هذا الذي يقوله، أو هذه الكلمة التي يقولها وهي: لا إله إلا الله، فكيف نرضى لمن يقول: لا إله إلا الله أن نسوي بينه وبين من يقول غيرها أو من يجحدها حقها، أو من يجحدها
هي أصلًا.
مداخلة: هذه الزيادة .. يعني الأخيرة لم يعمل خيرًا قط، نحن استثينا لفظ الإيمان الذي هو والشهادة، ألا تكفي وحدها لرد الحكم بكفر تارك الصلاة؟
الشيخ: يكفي من طريق دلالة العموم.
[ ٤ / ٤١٢ ]
مداخلة: هاه، يعني كيف شيخنا هذا.
الشيخ: لم يعمل قط، هلا نحنا حسبما شرح الأستاذ أبو مالك لم يعمل خيرًا قط استثنينا نحن.
مداخلة: أيوه وهذا يمكن يكون استثني أيضًا ..
الشيخ: عرفت كيف، أما حديث الشفاعة خاص، نص في الموضوع.
مداخلة: أستاذ، لعل في زيادة في مسند أحمد من حديث ابن مسعود: لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: بهذا النص جاءت.
الشيخ: نعم.
علي حسن: الإشكال .. شيخنا هنا هذا اللفظ الذي أشار إليه أخونا أبو
عبد الرحمن: «لم يعملوا خيرًا قط» أصل من الأصول العظيمة التي استدل بها أهل السنة على قاعدة كلية تجيب على الإشكال من أصله أن أعمال الجوارح ليست شرط صحة في أصل الإيمان، ولكنها شرط كمال
الشيخ: كمال الإيمان، نعم
علي حسن: من شرط كمال الإيمان، هذا أحد الأدلة على ذلك.
الشيخ: صحيح.
علي حسن: هذا نقطة أولى، بعدين نقطة ثانية شيخنا، تفضلتم بإشارة غالية
[ ٤ / ٤١٣ ]
عزيزة منكم في التفريق، أولئك الذين لا يفرقون بين الذي عنده إيمان بالصلاة وبالتالي التوحيد، والذي عنده جحود وإنكار للألوهية وكذا، أنا أقول هذه نقطة شيخنا، وهنا ملحظ اجتهادي أرجو منكم تقويمي فيها.
الشيخ: تفضل.
علي حسن: إنه هؤلاء يخشى أن يكون قولهم بعدم التفريق هذا سببًا في أن يجعلوا الصلاة أهم من كلمة التوحيد؛ لأن كلمة التوحيد هي الأساس الذي تقبل تحته الصلاة، وليس العكس.
الشيخ: تمام.
علي حسن: فقط.
الشيخ: تمام. يعطيك العافية.
علي حسن: الله يبارك فيك.
الشيخ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف:٤٣).
"الهدى والنور" (٦٧٢/ ٢٤: ٥٣: ٠٠) و(٦٧٣/ ١٤: ٢٢: ٠٠)
[٦١٩] باب بيان ضعف أحد أدلة كفر تارك الصلاة
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أوصاني خليلي رسول الله - ﵌ - بسبع خصال: فقال: لا تشركوا بالله شيئًا، وإن قطعتم، أو حرقتم، أو صلبتم، ولا تتركوا الصلاة متعمدين، فمن تركها متعمدًا فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية فإنها سخط الله، ولا تشربوا الخمر فإنها رأس الخطايا كلها. الحديث.
[ ٤ / ٤١٤ ]
(ضعيف).
[قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: رواه الطبراني ومحمد بن نصر في «كتاب الصلاة» بإسنادين لا بأس بهما «فعلق الإمام قائلًا]:
قلت: إنما هو إسناد واحد! وفيه عندهما سلمة بن شريح، قال الذهبي: لا يعرف! وهو مخرج في الضعيفة (٥٩٩١)، وفيه الرد على من احتجّ بالحديث على تكفير تارك الصلاة كسلًا.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٥٥)
[ ٤ / ٤١٥ ]
جماع أبواب الكلام حول الحكم بغير ما أنزل الله وموقع ذلك من الكفر (١) وغير ما تقدم
_________________
(١) تنبيه هام: جمع كلام الإمام على مسألة الحكم بغير ما أنزل الله باستيعاب سيأتي في "جامع تراث الألباني في المنهج"، يسر الله نشره.
[ ٤ / ٤١٧ ]
[٦٢٠] باب خطورة ما وقع فيه الحكام والمحكومين من استباحة المعاصي وأثر ذلك في مصاب المسلمين
[قال الإمام]:
لقد أصاب أكثر المسلمين - حكامًا ومحكومين - ما أصابهم، فأكثرهم لا يحكّمون كتاب الله؛ وهو بين أيديهم، فحكامهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فحكموا القوانين، وأعرضوا عن كتاب رب العالمين، واتبعهم المحكومين إلا القليل، فهم يستبيحون الربا والغناء وكثيرًا من المعاصي، والقليل فيهم من يؤثر التقليد على كتاب الله وسنة نبيه - ﵌ -، والله المستعان.
"صحيح موارد الظمآن" (١/ ١٣٥).
[٦٢١] باب هل الحكم بغير ما أنزل الله كفر؟
[سئل الشيخ عن الحكم بغير ما أنزل الله هل هو كفر فأجاب]:
الشيخ: الكفر عند علماء أهل السنة ينقسم إلى قسمين، وكذلك النفاق: فأحد القسمين هو الكفر الاعتقادي والنفاق الاعتقادي، والقسم الأخر الكفر العملي والنفاق العملي، الكفر الاعتقادي واضح من هذه الصفة كفرًا اعتقاديًا واضح المقصود منه تمامًا، أي: له علاقة بالعقيدة أما الكفر العملي ليس له علاقة بالعقيدة وإنما له علاقة بالعمل فأنت مثلًا لا بد أنك قرأت أو على الأقل سمعت مثل قوله ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١) نعم سمعت بهذا الحديث ولا بد.
_________________
(١) البخاري (رقم٤٨) ومسلم (رقم٣٣٠)
[ ٤ / ٤١٩ ]
السائل: نعم يا شيخ
الشيخ: حسنًا هل لهذا الحديث معنى مفهوم عندك خاصة ما يتعلق بالشطر الثاني منه: «وقتاله كفر» هل هذا الكفر يعني المسلم إذا قاتل المسلم يكفر.
السائل: لا.
الشيخ: هه إذًا هذا الكفر أطلق على المسلم الذي يقاتل أخاه المسلم هذا لا يجوز أن نسميه كفرًا اعتقاديًا فإذًا هو كفر عملي، هذا الكفر العملي هل يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام بل عن دائرة الإيمان؟
السائل: كلا.
الشيخ: كلا حسنًا إذا هذه النقطة ما تحتاج إلى بحث لأنها واضحة عندك والحمد لله، نعود إلى الكفر الاعتقادي ونقف عند المثال ذاته السابق ذكره فنقول إذا استحل مسلم قتل مسلمٍ غير متأول استحل بقلبه بعقيدته قتل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هل هذا كفر عملي أم كفر اعتقادي؟ فكر ثم بعد قليل أجب.
السائل: كفرًا عمليًا وإن لم يكن متأولًا فهو كفر اعتقادي، والله تعالى أعلم.
الشيخ: حسنًا إذًا هناك كفر عملي، وهناك كفر اعتقادي، ووضح لك الفرق بين الكفرين: ما كان متعلقًا بالعقيدة تخالف الشريعة فهو كفر اعتقادي، وما كان متعلقًا بالعمل ليس بالعقيدة فهذا كفر عملي وليس كفرًا اعتقاديًا، الآن يسهل علينا أن نجيبك عن سؤالك أي إنسان يحكم بغير ما أنزل الله كلًا أو جزءًا وهذا مستحيل لأنه لابد من أحكام هناك تطابق الشريعة وأحكام تخالف الشريعة،
[ ٤ / ٤٢٠ ]
وإنما الفرق قد يكون قلةً وكثرة، واضح هذا حينئذ نقول الذي يحكم بغير ما أنزل الله إما أن يكون عن عقيدة فهو كافر مرتد عن دينه، وإنما أن يكون عملًا كأي قاضي شرعي يتبع هواه ويقضي مخالفًا لدينه فهذا كفر عملي وليس كفرًا
اعتقاديًا، واضح؟
السائل: نعم.
الشيخ: طيب هذا هو الجواب عن مثل هذا السؤال وما أكثر ما سئلناه وما أكثر ما أجبنا عليه.
السائل: بارك الله فيك.
الشيخ: طيب وفيك.
سائل آخر: شيخنا لتمام الفائدة طالما أنه تفضلتم بهذا الجواب المختصر المفيد كما يقال لو تجيبون شيخنا على شبهة تطرح حديثًا قد أفلس المخالفون عن إتيان أو عن الإتيان بجديد فبدؤوا يعني يأتونا بالقديم بثوب جديد فيقولون مثلًا: إن هؤلاء الذين يحكمون بغير ما أنزل الله يستبدلون الشريعة، فالاستبدال استبدال الشريعة منهم نوع من الاستحلال غير مجرد الحكم بما أنزل الله.
الشيخ: الجواب هو نفس الجواب السابق؛ لأن الحقيقة العبارة التي نقلتها اليوم أو الآن عن أولئك الناس هو من نوع التلاعب بالألفاظ وإلا نحن سنقول هذا الذين يسمونه بالاستبدال إما أن يكون عن قناعة بأن الحكم بما أنزل الله لا يصلح في هذا الزمان فقد انتهى الحكم فهذا كفر ردة، وإما أن يكون ليس بهذه العقيدة المكفرة، وإما إتباعًا لهوى النفس يعني هو متمسك بالكرسي والكرسي لا
[ ٤ / ٤٢١ ]
يستطيع أن يثبت عليه إلا بأن يحكم هذا القانون الذي وجده وتلقاه من قبله إما كافرًا متحكمًا في البلاد الإسلامية أو ممن خلفه من بعده ممن يعدون أنفسهم مسلمين، فالمهم أن هذا الاستبدال إما أن يكون عن عقيدة فهو كفر ليخرج به صاحبة عن الملة وإما أن يكون ليس عن عقيدة وإنما يعمل عمل الكفار أن يحكم بغير ما أنزل الله وهذا مما انطبع عليه الكفار حين قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ ولذلك ذكر علماء التفسير أن هذه الآيات هي نزلت في حق اليهود الذين كانوا يدسون بعض أفرادهم ليسألوا الرسول فإن كان جوابه موافقًا لهواهم تبنوه، وإلا قالوا نحن لا نؤمن بهذا الكلام، فالجواب هو نفس الجواب الحقيقة لكن في لفت نظر هو تلاعب بالألفاظ.
"الهدى والنور" (٥٦٣/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
[٦٢٢] باب سبب نزول ومن لم يحكم بما أنزل الله
وأن الكفر العملي غير الاعتقادي وأمثلة ذلك
-" إن الله ﷿ أنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ و﴿أولئك هم الظالمون﴾ و﴿فأولئك هم الفاسقون﴾.
قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتله (العزيزة) من (الذليلة) فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتله (الذليلة) من (العزيزة) فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك، حتى قدم النبي - ﵌ - المدينة، فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله - ﵌ -، ويؤمئذ لم يظهر ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح، فقتلت
[ ٤ / ٤٢٢ ]
الذليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت (العزيزة) إلى (الذليلة) أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت (الذليلة): وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟! إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا، وفرقًا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله - ﵌ - بينهما، ثم ذكرت (العزيزة) فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيمًا منا وقهرا لهم، فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه، إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه. فدسوا إلى رسول الله - ﵌ - ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله - ﵌ -، فلما جاء رسول الله - ﵌ - أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾، ثم قال: فيهما والله نزلت، وإياهما عنى الله ﷿ ".
[قال الإمام]:
(فائدة هامة): إذا علمت أن الآيات الثلاث: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ نزلت في اليهود وقولهم في حكمه - ﵌ -: " إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه "، وقد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه الآيات فقال: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ﴾، إذا عرفت هذا، فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الأرضية، أقول: لا يجوز تكفيرهم بذلك،
[ ٤ / ٤٢٣ ]
وإخراجهم من الملة إذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله، وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل الله، لا يجوز ذلك، لأنهم وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور، فهم مخالفون لهم من جهة أخرى، ألا وهي إيمانهم وتصديقهم بما أنزل الله، بخلاف اليهود الكفار، فإنهم كانوا جاحدين له كما يدل عليه قولهم المتقدم: " وإن لم يعطكم حذرتموه فلم تحكموه "، بالإضافة إلى أنهم ليسوا مسلمين أصلًا، وسر هذا أن الكفر قسمان: اعتقادي وعملي، فالاعتقادي مقره القلب، والعملي محله الجوارح، فمن كان عمله كفرًا لمخالفته للشرع، وكان مطابقا لما وقر في قلبه من الكفر به، فهو الكفر الاعتقادي، وهو الكفر الذي لا يغفره الله، ويخلد صاحبه في النار أبدًا، وأما إذا كان مخالفا لما وقر في قلبه، فهو مؤمن بحكم ربه، ولكنه يخالفه بعمله، فكفره كفر عملي فقط، وليس كفرًا اعتقاديًا، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وعلى هذا النوع من الكفر تحمل الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر على من فعل شيئًا من المعاصي من المسلمين، ولا بأس من ذكر بعضها:
١ - «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في الأنساب والنياحة على الميت». رواه مسلم (١).
٢ - «الجدال في القرآن كفر» (٢).
٣ - «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». رواه مسلم (٣).
_________________
(١) "تخريج الطحاوية" (ص ٢٩٨).
(٢) "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ٨٣/٣١٠١).
(٣) تخريج " الإيمان " لأبي عبيد (ص ٨٦)، وتخريج " الحلال " (رقم ٣٤١).
[ ٤ / ٤٢٤ ]
٤ - كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق (١).
٥ - «التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر» (٢).
٦ - لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض. متفق عليه (٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا مجال الآن لاستقصائها. فمن قام من المسلمين بشيء من هذه المعاصي، فكفره كفر عملي، أي إنه يعمل عمل الكفار، إلا أن يستحلها، ولا يرى كونها معصية فهو حينئذ كافر حلال الدم، لأنه شارك الكفار في عقيدتهم أيضًا، والحكم بغير ما أنزل الله، لا يخرج عن هذه القاعدة أبدًا، وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: " كفر دون كفر "، صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم، ولابد من ذكر ما تيسر لي عنهم لعل في ذلك إنارة للسبيل أمام من ضل اليوم في هذه المسألة الخطيرة، ونحا نحو الخوارج الذين يكفرون المسلمين بارتكابهم المعاصي، وإن كانوا يصلون ويصومون!
١ - روى ابن جرير الطبري (١٠/ ٣٥٥/١٢٠٥٣) بإسناد صحيح عن ابن عباس: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ قال: هي به كفر، وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله.
٢ - وفي رواية عنه في هذه الآية: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه (٤)، إنه
_________________
(١) "الروض النضير" (رقم ٥٨٧).
(٢) "الأحاديث الصحيحة " (رقم ٦٦٧).
(٣) "الروض النضير" (رقم ٧٩٧)، و" الأحاديث الصحيحة " رقم (١٩٧٤).
(٤) كأنه يشير إلى الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁. [منه].
[ ٤ / ٤٢٥ ]
ليس كفرًا ينقل عن الملة، كفر دون كفر. أخرجه الحاكم (٢/ ٣١٣) وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي، وحقهما أن يقولا: على شرط الشيخين، فإن إسناده كذلك، ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في "تفسيره" (٦/ ١٦٣) عن الحاكم أنه قال: "صحيح على شرط الشيخين"، فالظاهر أن في نسخة "المستدرك" المطبوعة سقطًا، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضا ببعض اختصار.
٣ - وفي أخرى عنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. أخرجه ابن جرير (١٢٠٦٣). قلت: وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه جيد
في الشواهد.
٤ - ثم روى (١٢٠٤٧ - ١٢٠٥١) عن عطاء بن أبي رباح قوله:
(وذكر الآيات الثلاث): كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم.
وإسناده صحيح.
٥ - ثم روى (١٢٠٥٢) عن سعيد المكي عن طاووس (وذكر الآية) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وإسناده صحيح، وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني المكي، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم، وروى عنه جمع.
٦ - وروى (١٢٠٢٥ و١٢٠٢٦) من طريقين عن عمران بن حدير قال: أتى أبا مجلز (١) ناس من بني عمرو بن سدوس (وفي الطريق الأخرى: نفر من الإباضية) (٢) فقالوا: أرأيت قول الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
_________________
(١) من كبار ثقات التابعين واسمه لاحق بن حميد البصري. [منه].
(٢) طائفة من الخوارج. [منه].
[ ٤ / ٤٢٦ ]
الْكَافِرُون﴾ أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ أحق هو؟ قال: نعم.
قال: فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون وإليه يدعون -[يعني الأمراء]- فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم أصابوا ذنبًا. فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق (١). قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تحرجون، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك، أو نحوًا من هذا، وإسناده صحيح.
وقد اختلف العلماء في تفسير الكفر في الآية الأولى على خمسة أقوال ساقها ابن جرير (١٠/ ٣٤٦ - ٣٥٧) بأسانيده إلى قائليها، ثم ختم ذلك بقوله (١٠/ ٣٥٨): " وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرًا عنهم أولى.
فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصًاّ؟ قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم - على سبيل ما تركوه - كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي "، وجملة القول أن الآية
_________________
(١) أي: تجزع وتخاف. [منه].
[ ٤ / ٤٢٧ ]
نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله، فمن شاركهم في الجحد، فهو كافر كفرًا اعتقاديا، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره عملي لأنه عمل عملهم، فهو بذلك مجرم آثم، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة كما تقدم عن ابن عباس - ﵁ -.
وقد شرح هذه وزاده بيانا الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم ابن سلام في " كتاب الإيمان " " باب الخروج من الإيمان بالمعاصي " (ص ٨٤ - ٨٧ - بتحقيقي)، فليراجعه من شاء المزيد من التحقيق.
وبعد كتابة ما سبق، رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول في تفسير آية الحكم المتقدمة في " مجموع الفتاوي " (٣/ ٢٦٨): " أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله ". ثم ذكر (٧/ ٢٥٤) أن الإمام أحمد سئل عن الكفر المذكور فيها؟ فقال: كفر لا ينقل عن الإيمان مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه.
وقال (٧/ ٣١٢): " وإذا كان من قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم أنه يكون فيه إيمان وكفر، وليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾، قالوا: كفرا لا ينقل عن الملة. وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة ".
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٩ - ١١٦).
[٦٢٣] باب في تفسير آيات ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ ﴾
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
[ ٤ / ٤٢٨ ]
أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾، قال: هي في الكفار كلها».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٦): حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب عن النبي - ﵌ - قوله: قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث دليل صريح في أن المقصود بهذه الآيات الثلاث الكفار من اليهود والنصارى، وأمثالهم الذين ينكرون الشريعة الإسلامية وأحكامها، ويلحق بهم
كل من شاركهم في ذلك ولو كان يتظاهر بالإسلام، حتى ولو أنكر حكمًا
واحدًا منها.
ولكن مما ينبغي التنبه له، أنه ليس كذلك من لا يحكم بشيء منها مع عدم إنكاره ذلك، فلا يجوز الحكم على مثله بالكفر وخروجه عن الملة لأنه مؤمن، غاية ما في الأمر أن يكون كفره كفرًا عمليًا. وهذه نقطة هامة في هذه المسألة يغفل عنها كثير من الشباب المتحمس لتحكيم الإسلام، ولذلك فَهُم في كثير من الأحيان يقومون بالخروج على الحكام الذين لا يحكمون بالإسلام، فتقع فتن كثيرة، وسفك دماء بريئة لمجرد الحماس الذي لم تعد له عدته، والواجب عندي تصفية الإسلام مما ليس منه كالعقائد الباطلة، والأحكام العاطلة، والآراء الكاسدة المخالفة للسنة، وتربية الجيل على هذا الإسلام المصفى. والله المستعان.
"الصحيحة" (٦/ ١/٤٥٧ - ٤٥٨).
[ ٤ / ٤٢٩ ]
[٦٢٤] باب منه
سؤال: في بعض العلماء يقولون على قول الله ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:٤٥) إلى آخره.
يقولون: حين يقولون: هذا يخرج من الملة، وفي منهم من يقول: ليس مخرجًا من الملة، مع العلم اليوم أكثر البلدان إلا من رحم الله يحكمون بالقوانين، فهل هؤلاء الذين يحكمون بالقوانين يخرجون من الملة والعياذ بالله، أم لا يخرجوا من الملة؟
الجواب: تفسير الآيات الثلاث هذه التي أشرت إليها ذكر إمام المفسرين وهو: محمد بن جرير الطبري أن معنى هذه الآية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) إذا استحل الحكم بغير ما أنزل الله، فيكون شأنه شأن الكفار، لكن يجب أن يلاحظ أن الاستحلال قسمان: استحلال قلبي، واستحلال عملي.
الذي يخرج من الملة هو: الاستحلال القلبي، أما الاستحلال العملي فكل الأوساط واقعون فيه، الذي يسرق والذي يزني، والذي يغش والذي .. إلى آخره، كلهم يواقعون هذه المعاصي، ويرتكبونها ويستحلونها عمليًا، ولا فرق بين هؤلاء، وبين من يحكم بغير ما أنزل الله كلهم مجرمون، كل الأوساط ولكن كما قيل: حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
ذاك الذي يرابي والربا من أكبر الكبائر كما تعلمون إن استحل ذلك بقلبه ارتد عن دينه! وإذا اعترف بمعصيته فهو فاسق أمره إلى الله، وداخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
[ ٤ / ٤٣٠ ]
كذلك كل من يحكم بغير ما أنزل الله إن حكم بما حكم به، ولو في حكومة واحدة مش ضروري في كل الأحكام، ولو في حكومة واحدة إذا رأى أن هذا الحكم هو الذي يصلح لهذا الزمان بخلاف حكم الإسلام فقد ارتد عن دينه، ليس في كل الأحكام ولو في حكم واحد، فما بالك إذا كان يستحسن الحكم بكل القوانين التي هو يطبقها على الأمة، فإن استحل ذلك قلبيًا فهو مرتد عن دينه، أما لو حوسب ونوقش فقيل له: لماذا أنت تفعل هكذا، وهذا خلاف الشرع؟ الله يتوب علينا وإن شاء الله نتمكن من الحكم بما أنزل الله، فهذا ليس كفره كفر ملة، وإنما هو كفر عملي.
لذلك فمما استفدناه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه تقسيم الكفر إلى قسمين بل إلى أربعة أقسام، لكن هما في النتيجة قسمان: كفر عملي، وكفر اعتقادي، كفر لفظي وكفر قلبي، كفر لفظي وكفر قلبي، الكفر اللفظي لا يخرج من الملة الذي يخرج هو الكفر القلبي.
"الهدى والنور" (٨٥/ ٠٠:٥٥:٥٣)
[٦٢٥] باب منه
السائل: يقول السائل: ما هو التفسير الصحيح لقول ربنا ﵎ في كتابه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
الجواب: نعم. التفسير الصحيح هو ما جاء في تفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن كثير الدمشقي أن المقصود بالكافرون هنا: هم الذين لا يؤمنون بشريعة الله ﵎ أي: لا يحكمون بما أنزل الله؛ لأنهم لا يرون ما أنزل الله شرعًا صالحًا للحكم به في كل زمان، وفي كل مكان، فكل من اعتقد هذا الاعتقاد
[ ٤ / ٤٣١ ]
كاليهود الذين في حقهم نزلت هذه الآية الكريمة، يكون كافرًا مرتدًا عن دينه.
ولكن هنا شيء لابد من ذكره: إن آمن بشريعة الله ﵎، وأنها صالحة لكل زمان، ولكل مكان، ولكنه لا يحكم فعلًا بها، إما كلًا وإما بعضًا أو جزأً فله نصيب من هذه الآية، له نصيب من هذه الآية، لكن هذا النصيب لا يصل به إلى أن يخرج عن دائرة الإسلام، فيجب أن نعلم أن هناك إيمانًا وهناك إسلامًا، الإيمان هو الذي استقر في القلب، والإسلام: هو أثر هذا الإيمان الذي يظهر على الجسد والأبدان، وبنسبة قوة الإيمان الذي يكون لقلب المؤمن يكون صلاح ظاهر هذا الإنسان واستقامة جوارحه وبدنه.
كما أشار ﵊ إلى هذه الحقيقة بقوله في حديث النعمان بن بشير الذي أوله: «إن الحلال بين والحرام بين » إلى أن يقول ﵊: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي: القلب».
فصلاح الظاهر مرتبط بصلاح الباطن بشهادة هذا الحديث وبعض الأحاديث الأخرى التي سبق ذكرها في ابتداء هذه الجلسة، لكن إذا كان بنسبة قوة الإيمان يكون نسبة الصلاح في البدن كما ذكرنا، هذا الصلاح الظاهر هو الإسلام، فإذا المسلم أخل بشيء من الأحكام الإسلامية، فالإخلال هذا لا يخرجه عن دائرة الإسلام قد يخرجه عن دائرة الإيمان، المطلق أي: الكامل، بعض العلماء يفسرون قوله ﵊ في الحديث الصحيح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» هل الزاني إذا زنى كفر وارتد عن دينه؟ الجواب: لا أحد من المسلمين الذين هم على طريقة أهل السنة والجماعة يقولون بأن الزنا أو غير الزنا من
[ ٤ / ٤٣٢ ]
المعاصي، بل ومن الكبائر يخرج المسلم من دائرة الإسلام.
إذًا: ما معنى قوله ﵇: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؟» أي: لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان، لكن هو بذلك لا يخرج عن دائرة الإسلام، وشبه بعضهم الإيمان بدائرة وحول هذه الدائرة دائرة أخرى تحيط بالدائرة الأولى، فحينما زنى الزاني خرج من الدائرة الأولى أي: الإيمان الكامل، لكنه ما خرج من الدائرة الأخرى وهي: دائرة الإسلام فهو لا يزال مسلمًا.
كذلك كل من يعصي الله ﷿ أي معصية كانت، لا يجوز إخراجه من الدائرة الأخرى الكبرى وهي: دائرة الإسلام إلا إذا جحد شيئًا مما يتعلق بالدائرة الأولى أي: دائرة الإيمان، فإذا أنكر ما جاء في الشرع، وهذا الإنكار له علاقة بالإيمان حينئذ خرج عن دائرة الإيمان، وعن دائرة الإسلام.
فالآية السابقة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) إن كان الذي لا يحكم ينكر صلاح الشريعة أن يحكم بها في كل زمان ومكان، فقد خرج عن الدائرتين: دائرة الإيمان، ودائرة الإسلام أي: صار مرتدًا عن دين الله ﵎.
أما إن كان يؤمن بما في الدائرة الأولى وهو: وجوب الحكم بما أنزل الله، لكن هو فعلًا كما قلنا آنفًا لا يحكم بما أنزل الله إما كلًا وإما جزءًا، فحينئذ خرج عن دائرة الإيمان الدائرة الكاملة، ولكنه لا يزال داخل الدائرة الأخرى وهي دائرة الإسلام؛ لذلك قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ليس الأمر في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) كما يقولون: أي: كما يقولون الغلاة قديمًا، ويقول بعضهم اليوم حديثًا:
[ ٤ / ٤٣٣ ]
إنه الكفر بعينه؟ قال: لا ابن عباس يقول: لا إنما هو كفر دون كفر، إنما هو كفر دون كفر، وهذه الجملة التي نطق بها ترجمان القرآن وفسر بها تلك الآية الكريمة عليها شواهد عديدة جدًا من السنة بل ومن القرآن الكريم.
في الحديث الصحيح المتفق على صحته بين الشيخين: أنه ﵇ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».
فالمسلم حينما يقاتل أخاه المسلم كفر بنص هذا الحديث كفرًا، لكن احفظوا جيدًا كلمة عبد الله بن عباس كفر دون كفر، ما الدليل على ذلك؟ أدلة كثيرة كما قلت آنفًا منها: قوله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩).
فإذًا: هنا طائفتان من المؤمنين اقتتلوا إحداهما: باغية، إحداهما معتدية أمرت الطائفة المسلمين المحقة أن يقاتلوا الطائفة الباغية، لكن نحن نرى هنا في نص الآية أن الله ﷿ ما رفع عنهم اسم الإيمان، وهو قوله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات:٩).
فإذًا: هؤلاء البغاة الذين يقاتلون أهل الحق هم مؤمنون من جهة، ولكن وقعوا في الكفر من جهة أخرى، ذلك هو معنى قول ابن عباس: كفر دون كفر.
فإذًا: الآية المسئول عنها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
إنما تعني كفر جحود أو كفر عمل، فمن جحد شرعية العمل بالقرآن فهو كافر مرتد عن دينه، ومن اعترف وأقر بذلك فهو مؤمن، ولكنه إيمانه ناقص؛ لأنه لا
[ ٤ / ٤٣٤ ]
يعمل بما يؤمن به، من هنا قال أهل العلم: بأن الإيمان يزيد، وينقص وزيادته الطاعة، ونقصانه المعصية.
"الهدى والنور" (٢١٨/ ٠١: ٢٨: ٠٠)
[٦٢٦] باب رد فهم مغلوط لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ..﴾
سؤال: يا شيخنا بارك الله فيكم، بعض أفراد الجماعات الإسلامية كحزب التحرير مثلًا، يؤولون قول الله ﷻ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، وهناك آيات أخرى مشابهة لهذا التكفير: كالظالمون، والفاسقون مثلًا، يؤولون هذا التأويل على أن هذه الآيات بين قوسين يكون معناها للحاكم فقط دون غيره ممن يصنع ما يصنع الحاكم من الفسوق والعصيان، فأرجو بيان ذلك بارك الله فيكم. جزاكم الله خير؟
الشيخ: عفوًا يبدو لي توضيح: هل يعنون بالحاكم مطلق حاكم، أم يعنون بالحاكم يعني الملك أو الخليفة؟
مداخلة: هو كذلك يعني الملك أو الخليفة أو الرئيس الدولة.
الشيخ: رئيس الدولة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني مثلًا: واحد مثلي أنا ابتلي بأن يتصدر هذا المكان فسئل عن حكم الله ﷿ في مسألة ما، فخالف حكم الله وهو يعلم، لا ينطبق عليه الآية السابقة فيما تنقل عنهم؟
[ ٤ / ٤٣٥ ]
مداخلة: فيما أنقل عنهم لا ينطبق.
الشيخ: لا ينطبق بس؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا الذي أردت استيضاحه.
لا شك أن قصر الآية أو قصر دلالة الآية على الملوك والرؤساء وحكام الشعوب والدول الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، لا شك أن في هذا القصر للآية شطب وضرب للقسم الأكبر من معناها، ذلك أن الآية أولًا من حيث دلالتها تشمل كل حاكم، سواء كان رئيسًا أو كان مرؤوسًا، سواء كان واليًا على المسلمين ولاه المسلمون أو كان واليًا من طرف هذا الملك أو هذا الإمام الأعلى، كما هو شأن مثلًا القضاة في كل زمان ومكان هم يأتمرون بأمر الحاكم الأعلى من البشر أو الرئيس أو الملك أو الخليفة، فقوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة:٤٤) يشمل كل هؤلاء الحكام، سواء الأعلى أو الأدنى، أولًا: لعموم الدلالة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة:٤٤)، وهناك ما هو أقوى في الدلالة أيضًا من عموم النص ألا وهو سبب ورود النص، هناك مقولة للفقهاء تعتبر قاعدة علمية فقهية ينبغي على طلاب العلم أن يكونوا أولًا على معرفة بها، وثانيًا: على التزام منهم لها، وهي: قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا عموم اللفظ يشمل كل حاكم، ولو كان السبب ورد بالنسبة للحاكم الأعلى لقلنا: العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، لكن الواقع هنا على العكس تمامًا، أي: أن سبب ورود هذه الآية ليس بالنسبة للرئيس الأعلى الحاكم الأعلى، وإنما هو بالنسبة لبعض أفراد الشعب، ذلك أنه جاء في سبب ورود هذه الآية: أن اليهود
[ ٤ / ٤٣٦ ]
كانوا طائفتين: طائفة تنظر إلى نفسها أنها طائفة عليا، وطائفة أخرى ينظر إليها من الطائفة الأولى بأنها طائفة دنيا، يعني: أشبه ما يكون بالأحرار والعبيد لكن كلهم أحرار، إلا أنهم كانوا ينظرون إلى طائفة نظرة أرستقراطية كما يقولون اليوم، والأخرى نظرة شعبية، يعني: دون أولئك، وترتب من وراء هذا التمايز بين هذه الطائفة وتلك بعض الأحكام في القصاص، فلو أن الطائفة العليا قتلت قتيلًا من الطائفة الدنيا فلا يؤخذ بثأر هذا القتيل، وبالعكس يؤخذ، عاش اليهود ما شاء الله وهم على هاتين القسمتين، إلى أن بعث الله محمدًا - ﵌ - رحمة للعالمين، فوقع في اليهود مشكلة من هذه النوعية، فتنازعت الطائفتان، فبعد أن تناقشوا في الموضوع وتدابروا وتباغضوا اتفقوا على أن يحكموا رسول الله - ﵌ -، وهذا من خبثهم وضلالهم؛ لأنهم أولًا: كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦)، ومع ذلك لم يؤمنوا به، وثانيًا: مع كفرهم به أرادوا أن يحكموه فما وقع بينهم الخلاف، ولكن فيما بينهم ماذا قالوا؟ هنا الشاهد: قالوا: إن حكم لنا قبلنا حكمه، وإن حكم علينا رفضناه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
إذًا: الآية بدلالتيها: بدلالة عموم اللفظ، ودلالة سبب الورود، تدل أنه ليس المقصود بها فقط الملوك والرؤساء، وإنما كل من يحكم بغير ما أنزل الله؛ لأن هؤلاء لما لجؤوا إلى رئيسهم، فالرئيس قال: نحكم محمدًا فإن حَكَمَ لنا قبلنا وإلا رفضنا، لا هي الطائفة التي ترى نفسها أعلم من الأخرى هي التي قالت
هكذا. نعم.
مداخلة: يشمل هذا بارك الله فيكم أرباب الأسر وأرباب العمل مثلًا؟
[ ٤ / ٤٣٧ ]
الشيخ: بلا شك، لكن أنا أريد أن أقول: المسألة هي خاصة من ناحية وهي عامة من ناحية أخرى، هي خاصة في الحكم في .. الحكم، ليست خاصة في التطبيق، فمن حكم .. مثلًا: المعروف، ماذا يسمونه هؤلاء البدو لما يصطلحوا بين بعضهم البعض على ..
مداخلة: عشائري.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: صلح عشائري.
الشيخ: صلح عشائري، فهؤلاء يصطلحون على أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، هؤلاء بلا شك تشملهم الآية، لكن مثلًا الذي يسرق .. الذي ينهب .. والذي يفعل كل ما يخالف الشرع هذا لا يقال فيه: حكم بغير ما أنزل الله، ..
مداخلة: مثلًا: رب الأسرة يطلب من بناته أن يتزين وأن يلبسن القصير، وأنه ينبذ المتحجبات ويقول لبناته: هذا لباس قبيح، فيأمرهم بالمنكر، يعني هذه صورة من الصور يا شيخنا بارك الله فيك هل يشمل هذا؟
الشيخ: لا لا، هذا ما يدخل في الحكم، هذا يدخل في ..
مداخلة: القضاء.
الشيخ: لا، في اتباع الهوى، يدخل في اتباع الهوى، الحكم كما قلنا هو القضاء كما قال يعني؛ ولذلك قال ﵇ في الحديث الذي في البخاري: «إذا شهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» (١)، هذا له علاقة
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٤٩٣) بلفظ: «إذا حكم».
[ ٤ / ٤٣٨ ]
في الحكم وهو القضاء.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أما أن يعرف الإنسان حكم الله وشريعة الله ثم يتبع هواه مخالفًا لشريعة الله، هنا تأخذ المسألة طورًا آخر كما تعرفون من تقسيم الكفر: إلى كفر اعتقادي، وكفر عملي، فإذا كان هذا الشخص الذي أشرت إليه بأنه يقبح الحجاب الشرعي، ويزين التبرج للنساء .. وما شابه ذلك، هو في قرارة قلبه يرى هذا، فهذا مرتد عن دينه، أما إذا كان يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والله هذا يريد جهاد ويريد صبر وو .. إلى آخره.
مداخلة: والبنات تتأخر حتى يتزوجوا مثلًا.
الشيخ: إلى آخره، فهذا يكون كفره كفرًا عمليًا وليس كفرًا اعتقاديًا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: خلاصة المثال الأخير الذي طرحته لا يدخل فيما نحن في صدده، إنما الذي يجب أن نفهمه هو ما ذكرته آنفًا وخلاصته، وأذيل عليه بشيء آخر، الخلاصة: أن هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) تشمل كل حاكم، سواء كان رئيسًا أو مرؤوسًا، ما دام أنه يخالف شرع الله وهو يعلم.
أما التذييل الذي أشرت إليه فهو: أننا وجدنا في زمن أصبنا فيه بمختلف الفتن التي ما كان المسلمون الأولون على ما كان بينهم من خلافات وفتن يعرفون هذه الأنواع من الفتن.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
لا شك أنكم تعلمون أن المسلمين اختلفوا منذ القرن الأول من الخوارج ومن دونهم وتفرقوا في دينهم شيعًا وأحزابًا، لكن المصيبة اليوم تضخمت جدًا بحيث أن المسلمين بالإضافة إلى ما توارثوه من مذهب وطرق مختلفة ومتدابرة ومتباغضة، وكل حزب بما لديهم يفرحون، فقد تجدد فيهم التحزب وتكتل جديد اقترن به أنه أصبح كل فرد ينتمي إلى حزب يتبنى أفكارًا معينة، ليس لأنه على علم بالكتاب والسنة، وإنما بأن حزبه الذي هو ينتمي إليه يرى هذا الرأي.
فأنا أردت أن أذيل بهذا التذييل بناء على ما سمعت آنفًا من السؤال، حزب التحرير يتبنى رأيًا مثلًا، أو جماعة التبليغ أو الإخوان المسلمين .. إلى آخره، هذا التحزب وهذا التكتل الذي طرأ على الجماعات الإسلامية اليوم هو توسيع لدائرة التفرق الذي ورثناه خلفًا عن سلف، فأصبح الفرد الواحد الذي ينتمي إلى حزب قد يعد الألوف بل الملايين يتبنى رأي الرئيس الذي أسس هذه الجماعة أو رئس على هذه الجماعة دون أن يكون على علم من كتاب الله ومن حديث رسول الله - ﵌ -، والأمثلة كثيرة، ولا أريد الخوض إنما أردت التذكير، فالمثال بين أيديكم الآن، الآية مطلقة لكن الحزب الفلاني قصر معناها على الحاكم الرئيس الأعلى؛ لماذا؟ لأن هذا الحزب أو ذاك نصب نفسه لمحاربة الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، ثم نسي أن الحكم بغير ما أنزل الله لا ينكر فقط على هذا الرئيس، وإنما ينكر أيضًا على كل من له حكم على طائفة أو جماعة، لنقل: رئيس الحزب الفلاني، فهو أيضًا يصدق عليه مثل تلك الآية إذا ما حكم بغير ما أنزل الله ﷿، فهذا الفرد من أفراد الحزب تبنى فهم الآية على خلاف ما عليه علماء المسلمين كما ذكرت لكم آنفًا، عموم النص يدل على أن من لم يحكم بما أنزل الله يشمل كل حاكم، وسبب ورود النص كذلك يشمل من هو دون الحاكم الأعلى.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
فلهذا نحن ننصح المسلمين كافة أن يتذكروا مثل قوله ﵎: لهذا نحن ننصح المسلمين كافة أن يتذكروا مثل قوله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم:٣١، ٣٢)، كل مسلم واجب عليه أن يفهم هذه الآية كما جاءت في كتب التفسير، أما أن نسلط على هذه الآية أو غيرها الآراء الحزبية الشخصية فهذا هو مما يصدق عليه نفس الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤). هذا ما أردت التنبيه عليه.
" الهدى والنور" (٧٢٨/ ٥٢: ٠٠: ٠٠)
[٦٢٧] باب الرد على من تأول قول ابن عباس: كفر دون كفر، بأنه أراد بذلك تغيير نظام الحكم لا استبدال الشرع
سؤال: يتأولون تفسير قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) تأدبًا أن ابن عباس لم يقصد في قوله هذا فيمن ضاهى بتشريعه أحكام وتشريع الله تعالى، وأتى بتشريعات مضاهية لتشريعات الله، بل قصد هذا فيمن غير وبدل في نظام الحكم من شورى أو خلافة إلى ملكي وإلى آخره فقط، فأرجوا الجواب عن هذا فقط.
الشيخ: لا يفيدهم شيئًا إطلاقًا هذا التأويل الهزيل؛ ذلك لأنه أولًا كأي تأويل من تأويلاتهم؛ لأننا سنقول لهم: ما دليلكم على هذا التأويل؟ فسوف لا يحيرون جوابًا هذا أولًا.
ثانيًا: الآية التي قال فيها عبد الله بن عباس هذه الكلمة معروفة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) بماذا فسرها علماء التفسير
[ ٤ / ٤٤١ ]
سيعود للمناقشة من أولها.
مداخلة: نعم.
الشيخ: علماء التفسير اتفقوا على أن الكفر قسمان:
كفر اعتقادي وكفر عملي، وقالوا في هذه الآية بالذات: من لم يعلم بحكم أنزله الله فهو في حالة من حالتين: إما أنه لم يعمل بهذا الحكم كفرًا به فهذا من أهل النار خالدًا فيها وإما اتباعًا لهواه لا عقيدة إنما عملًا كهؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بالإسلام فلا كلام فيهم، هذا بالنسبة للكفر الاعتقادي، وكهؤلاء المسلمين الذين فيهم المرابي وفيهم الزاني، وفيهم السارق وو إلى آخره ..
هؤلاء لا يطلق عليهم كلمة الكفر بمعنى الردة إذا كانوا يؤمنون بشرعية تحريم هذه المسائل؛ لذلك علماء التفسير في هذه الآية صرحوا بخلاف ما تأولوا فقالوا: الحكم الذي أنزله الله إن لم يعمل به اعتقادًا فهو كافر، وإن لم يعمل به إيمانًا بالحكم لكنه تساهل في تطبيقه فهذا كفره كفر عملي، إذًا: هم خالفوا ليس السلف الأولين بل وأتباعهم من المفسرين والفقهاء والمحدثين، إذًا هم خالفوا الفرقة الناجية.
"الهدى والنور" (٨٣٠/ ٠٥: ٥٧: ٠٠).
[٦٢٨] باب الرد على من أدعى أن تبديل الشرع كفرٌ مطلقًا
سؤال: مكفرا الحكام يستدلون على إطلاق تكفير الحكام بأدلة، كانوا أولًا عندما يتكلمون معنا في قضية تكفير الحكام، قلنا لهم: هل أنتم تقولون أن كل من حكم بغير ما أنز الله يكفر؟ فإذا قالوا: نعم، فكنا نقول لهم: ماذا تقولون مثلًا في حكام بني أمية الذين حكموا بغير ما أنز الله، وحكام بني العباس وأمراء الجور؟
[ ٤ / ٤٤٢ ]
والذين أمر النبي ﵊ بالصبر عليهم إلا نرى كفرًا بواحًا، معنى ذلك: أن الذي فعلوه ليس كفرًا بواحًا، فلجئوا إلى تغيير العبارة فبدل ما يقولون: يحكم بغير ما أنزل الله، قالوا: يبدل شرع الله ويبدل حكم الله، فقالوا: نحن نسلم بتفصيل السلف أن من حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن حكم الله هو الحق وما دونه هو الباطل .. يحل الحلال ويحرم الحرام باعتقاده وبلسانه، وإن كان بفعله يخالف ذلك ويعتقد أنه لا يجوز أن يحكم مع الله شيء، نحن نقول: أن هذا كفره كفر عملي، وأما إذا اعتقد أن حكمه أفضل من حكم الله، أو يساوي حكم الله، أو يجوز له أن يحكم مع الله، فهو كفر اعتقادي، قالوا: نسلم لكم بتفصيل السلف في قضية الحكم، أما قضية التشريع فلا نسلم لكم فإن من شرع في جزئية واحدة يكون كافرًا.
الشيخ: عملًا أم اعتقادًا؟
مداخلة: لا يعني: اعتقادًا وخروجًا من الإسلام.
الشيخ: لا، أقول عملًا أم اعتقادًا؟
مداخلة: هم يقولون: لا يصرف بذلك الاستحلال، وكافر يعني: كافر
بمجرد عمله.
الشيخ: عفوًا، نحن نرد عليهم الآن.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنت لم تُقَصِّرْ، بينت وجهة نظرك، نحن نقول: هم يقولون: ليس كذلك من شرع حكمًا، نحن نقول: شَرَّعَ إما قولًا وإما اعتقادًا، فلا نزال نحن في النقطة التي هم التقوا معنا.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
مداخلة: في الأولى التقوا معنا فيها؟
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: وبدلوا اسمها ونحن لا نزال على هذه التسوية.
الشيخ: أي نعم، فنحن نسألهم الآن: شرَعوا أو شرّعوا اعتقادًا أم عملًا؟ فإن كان قالوا اعتقادًا فهم معنا كما كانوا من قبل، وإن قالوا: لا، قولًا، إذًا: هم خرجوا عما كانوا معنا، إن قالوا: شرعوا عملًا وليس اعتقادًا، لم يستفيدوا كما أشرت أنت في كلامكم أنهم بدلوا الألفاظ.
يعني: تفنن في التعبير للتضليل، وإلا لماذا الفرق بين شرع معناها: أنه سيحكم بهذا الذي شرع، فكلمة شرع رجع إلى الحكم، والحكم يرجع إلى العمل، والعمل إما أن يقترن به عقيدة وإما أن لا يقترن به عقيدة، فلم يستفيدوا شيئًا من هذا التلاعب بالألفاظ؛ لأننا سنلزمهم بهذا التسلسل المنطقي الذي لا مجال له من التهرب منه.
رجل وضع نظامًا حبر على ورق، وآخر لم يضع نظامًا حبر على ورق، وكل منهما التقيا في العمل بهذا النظام أحدهما سود به، والآخر ترك الصحيفة بيضاء لكنهما يشتركان في العمل، هل يختلفان؟ قد يختلفان وقد يلتقيان، قد يلتقيان كل منهما وقد اختلفا في الوسيلة فأحدهما كتب والآخر لم يكتب واتفقا في العمل فاختلفا في الوسيلة.
قد يتفقان في الغاية، كل منهما لا يستحل في قرارة قلبه هذا الذي عملوا به أحدهما كتب والآخر لم يكتب، كل منهما لا يستحل ذلك بقلبه والله أعلم بما في نفسه.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
بل لعله يقول: الله يتوب علينا، مضطرين نحافظ على الكرسي .. نريد أن نحافظ على جاهنا .. على منزلتنا إلى آخره، هذا كفر عملي.
قد يختلفان أحدهما يستحل ذلك بقلبه فيكون كفره اعتقادًا، ولو لم يكتب ولا كلمة واحدة .. الذي عمل بما كتب أحدهما استحل ذلك بقلبه، وقال: الشرع هذا الذي جاء به الإسلام كان ومضى زمانه، ونحن الآن في زمان غير ذاك الزمان، هذا أكفر من الذي كتب؛ لأنه استحل ما فعل بقلبه ذاك الذي لم يستحل ما فعل وما كتب بقلبه، فإذًا: هذا تلاعب بالألفاظ يا أستاذ.
مداخلة: نعم.
الشيخ: النتيجة واحدة.
سؤال: طيب! هم يا شيخنا يستدلون على كلامهم .. وقبل ما أذكر استدلالهم هناك: بعضهم قد تكلمت معه في بعض الأدلة أذكرها لكم وأعرف قولكم فيها حفظكم الله.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: قلت لهم: بنو أمية قد شرعوا بدلوا بعض الأشياء التي كانت موجود على عهد النبوة كما ألزموا الناس بالحكم الوراثي وأن من رفع رأسه ضربت عنقه في هذا الأمر.
الشيخ: أي نعم.
الشيخ: فقالوا: أن بني أمية لم يبدلوا؛ لأنهم عندما حكموا بالحكم الوراثي كان الأمير قرشيًا والشرط أن يكون قرشيًا: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى:٣٨)
[ ٤ / ٤٤٥ ]
هذه لا التفات إليها، فقلت لهم: إذا كانوا لم يبدلوا ماذا تقولون في حديث النبي ﵊: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء، ثم تكون مُلكًا عاضًا ..» (١) إذا كان الملك العاض هو نفسه على الحالة التي كانت على منهاج النبوة الأولى، لماذا يقول النبي ﵊: «ثم يرفعها ثم تكون ملكًا عاضًا» إذًا: هناك تبديل وهناك تغيير!
الشيخ: لا شك.
مداخلة: وهم يقولون في مثل هذا، يقولون: هذا شيء خفيف .. شيء هين لو بدلوا فيه .. قلت لهم: الكفر لا يوجد فيه خفيف وهين، من ثبت كفره .. والكفر هو درجات.
الشيخ: من أنكر اللفظ من القرآن كما لو أنكر آية من القرآن، أو أنكر سورة من القرآن، أو أنكر القرآن كله.
مداخلة: أذكر لك شيخ ماذا يستدلون به؟ في الحديث الصحيح في قصة حديث أنس في قصة اليهوديين الذين زنيا، وقد بدلا حكم الرجم بالتجبية والتحميم وغير ذلك .. فيقولون: أن الله ﷾ حكم بكفرهم - وانظر؛ الكلام في اليهود شيخنا بارك الله فيك - أن الله حكم بكفرهم؛ لأنهم بدلوا شرع الله في هذا الأمر.
الشيخ: من أين لهم هذا التعليل؟
_________________
(١) الصحيحة (١/ ٨).
[ ٤ / ٤٤٦ ]
مداخلة: يقولون: الحديث قصة سياق الحديث أن الله ﷾ حكم بكفرهم حينما فعلوا ذلك.
الشيخ: الحديث يعلل هكذا؟
مداخلة: قصة حديث أنس حينما ذكر يعني ..
الشيخ: لا، لا أنا أسأل سؤالًا؛ لأني بعيد عهد لكن.
مداخلة: فيه فنزل، يعني: بعدما ذكر القصة كان ذلك تم في نزول الآية.
الشيخ: طيب!
مداخلة: نعم.
الشيخ: لكن هذا لا يعني أن التكفير كان بسبب هذه الجزئية، وإنما كانت سبب نزول الآية هو هذه الجزئية.
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني: لا يمكننا أن نوافقهم على قولهم بأنهم كفروا؛ لأنهم حكموا بخلاف ما حكم الله ﷿ على أنه يأتي هنا ولا شك ولا ريب التفصيل الذي لا بد أن نذكرهم به؛ نقول: لا بد من التذكير هنا بأن الاستحلال إما أن يكون عمليًا وإما أن يكون قلبيًا، فإذا كان في الحديث تعليل كفرهم بسبب هذا الحكم وهذا الجزء من الأحكام الشرعية فلا يكون ذلك نصًا على أن الكفر العملي - وهم متفقون معنا - على أن الكفر العملي يخرج عن الملة، يعني: استدلالهم بهذا لا يفيدهم شيئًا إطلاقًا؛ لأننا سنقول لهم: اليهود في هذه المسألة التي غيروا فيها حكم الرجم هل
[ ٤ / ٤٤٧ ]
كان ذلك استحلالًا قلبيًا أم عمليًا؟ لا بد لهم من أن يقولوا واحدة من الاثنتين: إن قالوا بدلوا قولًا عملًا وليس اعتقادًا؛ فاستدلالهم خطأ على أن الله كفرهم بسبب تغييرهم هذا الحكم، وإن قالوا: لأنهم غيروا وبدلوا عقيدةً؛ التقوا معنا كما التقوا معنا هناك، فما يفيدهم شيء الاستدلال بهذا الحديث.
مداخلة: نعم، بارك الله فيكم، هو هذا شيخنا؛ لأني أنا قلت لهم أيضًا: نحن نريد معرفة محل النزاع .. محل النزاع فيمن يقول بلسانه: إني أؤمن بأن حكم الله هو الحق وإن شرعت خلاف حكم الله ﷿، فهل لكم أن اليهود كانوا مقرين أن حكم الله هو الحق وهم مخطئون في فعلهم هذا؟ فإن قلتم: ليس لنا دليل على ذلك، قلنا إذًا: هذا دليلكم ليس في محل النزاع، فقال لي قائلهم: وأنتم أيضًا ليس معكم دليل أنهم كفرهم الاعتقادي، قلت: وأنا يعني .. لم أدعِ هذا إنما هو دليلك أنت ليس لي.
الشيخ: لا يهمنا نحن، نعم.
مداخلة: هو دليلك أنت فدليلك تطرق إليه الاحتمال فيسقط به الاستدلال.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: والشيء الثاني: اليهود كفار بدون ما يحكموا بهذا الحكم، يعني: كفرهم سابق لهذا الشيء.
الشيخ: هو كذلك، بارك الله فيك.
مداخلة: أيضًا يستدلون بقصة الياسق وكلام الحافظ ابن كثير في ياسق جنكيز خان وقضيته مع التتار بأن من شرع حكمًا غير حكم الله فقد كفر.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
الشيخ: مكانك راوح.
مداخلة: هو، هو.
الشيخ: أبدًا.
مداخلة: نفس الكلام.
الشيخ: أبدًا.
مداخلة: نقول لهم: هل كانوا هؤلاء يعتقدون بطلان ما أتى به جنكيز خان؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: فإن قالوا: وما عندكم دليل أنهم كانوا .. قلنا إذًا: سقط دليلكم.
الشيخ: بلى.
مداخل آخر: شيخنا إضافة إلى أن ابن كثير في البداية والنهاية عندما ذكر الياسق وموضوعه قال: أنه كان يدعي النبوة.
الشيخ: يا سلام!
مداخل آخر: وأنه يتناول من عند الله أحكام الياسق هذا.
الشيخ: الله أكبر.
مداخل آخر: فانظر كيف الدليل واستدلالهم؟!
الشيخ: الله أكبر، لا هؤلاء يتبعون ما تشابه .. إذا كانوا يتبعون ما تشابه من القرآن وأحاديث الرسول ﵇، فلم لا يفعلون بأخبار التاريخية ما يفعلون بالقرآن والسنة؟! هذا هو الهوى! هذا هو الهوى والعياذ بالله.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
مداخلة: يتصل بهذا يا شيخنا في نفس هذه المسألة مسألة أخرى وهي أنهم يقولون: إذا شرع فقد استحل، وإن لم يكن ذلك في قلبه، فهنا سؤال: هل الاستحلال ..
الشيخ: مكانك راوح.
مداخلة: أي نعم، هل الاستحلال لا بد فيه من النطق باللسان بتحليل ما حرم الله بعد إقامة الحجة عليه، أو يكتفى فيه بمجرد الفعل في بعض المواضع؟
الشيخ: الاستحلال هو كالكفر لا فرق بين الأمرين، الكفر كلفظ لغوي أدل على كفر الواقع فيه من دلالة الاستحلال أنه أن هذا المستحل هو كافر، فإذا كان موقفنا وهم معنا أن الكفر ينقسم إلى قسمين: كفر يخرج به من الملة، وكفر لا يخرج به من الملة، فأولى ثم أولى ثم أولى أن الاستحلال ينقسم أيضًاَ إلى قسمين: استحلال يخرج به من الملة ويعود إلى الاستحلال القلبي، واستحلال لا يخرج به من الملة وهو الاستحلال العملي.
ومن هنا قلنا في حديث البخاري الذي يضعفه بعض ذوي الأهواء في هذا الزمان، وتقليدًا من بعضهم لابن حزم الإمام، قوله ﵇: «ليكونن في أمتي أقوامًا يستحلون الحرا والحرير والخمر والمعازف، يمسون في لهو ولعب، ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير».
فالاستحلال هنا كتعبير لغوي يحتمل أن يكون فعلًا؛ لأنهم يبيتون على خمر ومعازف وما شابه ذلك، ويستحقون ذلك العذاب المذكور في الحديث، ويحتمل أن يكون استحلالًا قلبيًا وهذا أوضح وأقرب إلى العقوبة المذكورة في هذا الحديث.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
فإذًا: ما يستفيدون شيئًا من كلمة الاستحلال إذا ما وردت في مكان ما أنها تعني كفر الردة؛ لأن لفظة الكفر نفسها لا تعني كفر الردة دائمًا وأبدًا، هذا ما عندي وأرجو الله ﷿ أن يلهمنا رشدنا، نعم.
مداخل آخر: شيخنا الحديث الذي أشار إليه أخونا أبو الحسن.
الشيخ: ماله؟
مداخل آخر: حديث البراء في صحيح مسلم.
الشيخ: أي نعم.
مداخل آخر: قال: «مر على النبي - ﵌ - بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم - ﵌ - فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم».
الشيخ: كذبوا.
مداخل آخر: هنا أهم نقطة شيخنا في الحديث كله.
الشيخ: نعم.
مداخل آخر: «فدعا رجل من علمائهم: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: لا، لولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله - ﵌ -: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم فأنز الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا
[ ٤ / ٤٥١ ]
فَخُذُوهُ﴾ (المائدة:٤١) يقول: ائتوا محمدا ً - ﵌ - فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:٤٥) ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:٤٧) في الكفار كلها.
الشيخ: في الكفار.
مداخل آخر: شيخنا! فالحقيقة هذا النص واضح جدًا أنهم نسبوا التغيير لكتاب الله، وهنا موضع الاعتقاد الذي هم فيه، لو كان هذا ناسبينه إلى أنفسهم نتيجة شهوى أو كذا لا يكون هذا تكفيرًا، أليس كذلك يا أستاذنا؟
الشيخ: هو كذلك نعم.
"الهدى والنور" (٨٤٩/ ٠٣: ١١: ٠١) و(٨٤٩/ ٣٤: ١٨: ٠١) و(٨٤٩/ ٠٢: ٠٢: ٠١) و(٨٤٩/ ٠٤: ٠١: ٠٠)
[ ٤ / ٤٥٢ ]
[٦٢٩] باب هل استبدال الشرع كفر؟ وبيان أقسام الكفر، ونقاش بين الشيخ محمد إبراهيم شقرة! وبعض المخالفين حول حكم تارك جنس العمل!!
سؤال: الإجماع الذي قاله ابن كثير في البداية والنهاية أن من حكم الياسق فهو كافر بإجماع المسلمين، وأيضًا يا شيخنا! يعني: إذا قلنا أن .. كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ومعنى الطاغوت أو رؤوس الطواغيت خمسة: وذكر منهم الثاني والثالث قال: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، وذكر الثالث قال: الحاكم بغير ما أنزل الله، وكما نعلم أن الكفر بالطاغوت الركن الثاني من أركان التوحيد؛ لأن الله ﷿ قال في سورة البقرة وقال في سورة النحل في سورة النحل غير الآية ولكن في البقرة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (البقرة:٢٥٦) فالكفر بالطاغوت هو الركن الثاني من أركان الإيمان، وإذا قلنا أن الإجماع قد انعقد على كفر المستبدل لشرع الله ﷿ فينبغي أن أقيم هذه العقيدة وأقيم دولة الإسلام كما سمعنا منكم في قلبي فأنا ينبغي أن أعتقد بهذا في قلبي بخاصة أن علماء المسلمين أكثر من عالم نقلوا الإجماع على كفر الحاكم مستبدلًا .. ومنهم: محمود شاكر، ومنهم الدكتور: عمر الأشقر تقريبًا ست علماء نقلوا الإجماع في هذه المسألة.
الشيخ: أنت بارك الله فيك! هل انتبهت سابقًا أو لاحقًا في هذه الجلسة أن الكفر عمل قلبي وليس عمل بدني، هل انتبهت لهذا أم لا؟
مداخلة: نحن لا نقر بهذا.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
الشيخ: هنا تكمن المشكلة، طيب! ما هو الكفر ما معنى كفر لغة وشرعًا؟
مداخلة: الكفر قيل في اللغة: هو الجحود، وأما في الشرع قسمه العلماء إلى كفر عملي أو اعتقادي، أو كفر أكبر وكفر أصغر، فالكفر الأكبر قالوا: هو الكفر الذي يخرج من الملة، والكفر الأصغر هو الكفر الذي لا يخرج من الملة.
الشيخ: صحيح بارك الله فيك! لا نريد أن نلقي الآن محاضرات نريد تفاهم سين وجيم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: الآن أنت بدر منك أنه يوجد هناك كفر عملي ويوجد كفر اعتقادي فهل أنت تعني ما تقول؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! الكفر العملي يكفر به صاحبه؟
مداخلة: نعم، إن كان مخرجًا من الملة.
الشيخ: لا لا، الكفر العملي يكفر به صاحبه؟
مداخلة: نعم إن كان مخرجًا من الملة .. إن كان كفرًا أكبر؛ لأن الكفر العملي يوجد منه كفر أكبر وكفر أصغر.
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك! أنا قلت لك كلمة آنفًا .. لا نريد أن نلقي محاضرات الآن نريد أن نتفاهم كلمة يقول عنها في سوريا: كلمة وغطائها، نحن كأننا اتفقنا أنه يوجد كفر اعتقادي ويوجد كفر عملي.
مداخلة: نعم.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
الشيخ: فسألتك هل الكفر العملي هو يخرج صاحبه من الملة؟ الجواب: إما أن تقول نعم، أو أن تقول لا، ثم لا مانع من التفصيل إن لزم الأمر للتفصيل.
مداخلة: هنا يلزم التفصيل.
الشيخ: لم نأت بعد! أنت أجبنا قل إن الكفر العملي هو ردة أو لا؟
مداخلة: ما أجيب إلا بتفصيل.
الشيخ: سبحان الله! الكفر الاعتقادي كفر ردة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! لماذا لم تفصل؟
مداخلة: لأن هذا متفق عليه، ولكن الكفر العملي هو محل الخلاف بين المرجئة وأهل السنة.
الشيخ: طيب! الكفر العملي له ارتباط بالكفر الاعتقادي الذي تقول عنه أنه ردة أم ليس له ارتباط؟
مداخلة: له ارتباط.
الشيخ: إذًا رجع إلى الكفر الاعتقادي بارك الله فيك! رجع إذًا إلى الكفر الاعتقادي.
الكفر العملي فيما يبدوا ولا تؤاخذني .. وإن كنت أحاول أن ألطف العبارة لم يتبين لك بعد الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي ليتبين لك ثمرة هذا الاختلاف بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، الكفر العملي: عمل يصدر من المسلم هو عمل الكفار، لكن هذا العمل الذي يصدر من المسلم هو مشابه لذاك
[ ٤ / ٤٥٥ ]
العمل الذي يصدر من الكافر من جهة، أي: من حيث العمل، لكنه يختلف من جهة أخرى عن ذلك العمل الذي يصدر من الكافر، ذلك العمل الذي يصدر من الكافر مقرون بالكفر الاعتقادي، أما هذا المسلم هنا يظهر الفرق والثمرة بين الكفرين هذا المسلم إن صدر منه كفر عملي وأيضًا مقترن معه كفر اعتقادي ككفر الكافر فهو كفر ردة لا إشكال فيه، أما إذا لم يخرج منه ما يدل على أنه قد اقترن بكفره العملي كفر اعتقادي حينئذٍ لا يكون كفرًا اعتقاديًا؛ لأن الكفر الاعتقادي يختلف عن الكفر العملي من حيث أنه كفر قلبي، أما الكفر العملي ليس كفرًا قلبيًا وإنما هو كفر عملي، خذ مثلًا الحديث الصحيح المتفق عليه ألا وهو قوله ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» قتال المسلم لأخيه المسلم كفر، الآن أنا أسألك مسلم يقاتل مسلمًا هل كفر بهذه المقاتلة؟
مداخلة: لا يكفر؛ لأن هذا كفر أصغر.
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك.
مداخلة: لا لا يكفر.
الشيخ: خير الكلام ما قل ودل، طيب هذا كفر.
مداخلة: نعم كفر.
الشيخ: أنت الآن تسميه كفرًا أصغر، طيب! أنا أسميه كفر عملي، فما الفرق بيني وبينك، أنا سميته كفرًا عمليًا .. أنت سميته كفر أصغر، الآن نحن نقول هذا كفر عملي لماذا؟ لأنه عمِل عمل الكفار، الكفار من طبيعتهم كما هو مشاهد دائمًا وأبدًا أن بعضهم يقاتل بعضًا، وقد أشار النبي - ﵌ - إلى هذه الحقيقة التي تساعدنا نحن عليك وعلى تأويلك بأن هذا الكفر كفر أصغر .. يساعدنا على تفسير كفر أي
[ ٤ / ٤٥٦ ]
كُفرًا عمليًا: قوله ﵇ في حجة الوداع كما جاء في صحيح البخاري من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال له رسول الله - ﵌ -: «استنصت لي الناس فخطبهم ﵊ وقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» جملة يضرب بعضكم رقاب بعض هذا بلا شك عمل وهو تفسير لقوله ﵇: «من قبل كفارًا» «لا ترجعوا بعدي كفارًا» كيف؟ «يضرب بعضكم رقاب بعض» إذًا: هذا كفر عملي: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فهو لا يخرج عن الملة ولكن إذا اقترن مع قتال المسلم لأخيه المسلم استحلال دمه قلبًا وهو يعتقد أنه مسلم حينئذٍ يتحول كفره العملي إلى كفر اعتقادي.
أنت تحتج بالإجماع الذي نقلته عن فلان وفلان من المتقدمين أو من المعاصرين، لا بد أنك قرأت في تفسير الأئمة لمثل قوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) أعني أنك قرأت أن الآية نزلت في اليهود الذين كانوا يدفعون بعضهم إلى أن يسألوا الرسول؛ لأنهم كانوا حزبين ومتخاصمين فيدفعون أحدهم ليسأل محمدًا فإن أجابهم بما يوافقهم قبلوه وإلا رفضوه، ومن أئمة المفسرين المعروفين والمشهورين ابن جرير الطبري يقول في تفسير هذه الآية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)؛ لأنهم لا يؤمنون بحكم رسول الله - ﵌ - قلبًا؛ لأنهم هم في الأصل كفروا برسول الله - ﵌ - إلا إذا حكم لهم ولصالحهم فحينئذٍ يتبنون هذا الحكم؛ لأنه لصالحهم لكن إذا لم يكن لذلك فهم يرفضونه قلبًا وقالبًا.
ولذلك فهو يقرر وكذلك ابن كثير أنه لا يجوز سحب هذه الآية على المسلم الفاجر الفاسق الذي يدين ويؤمن بما أنزل الله ﷿ ولكنه قد يحكم إما في نفسه أو في غيره بخلاف ما حكم الله ﷿ في كتابه أو نبيه - ﵌ - في سنته، لا
[ ٤ / ٤٥٧ ]
يجوز سحب هذه الآية على أولئك المسلمين؛ لأنهم يختلفون عن المشركين بأنهم آمنوا بما أنزل الله لكن إيمان بما أنزل الله لم يقترن به العمل، بينما أولئك كفار جحدوا ما أنزل الله قلبًا وقالبًا، لذلك فالعلماء علماء المسلمين في تفسير هذه الآية التي يحتج بها كثير من الذين يتمسكون بالتكفير إطلاقًا ومنه قولك: أن الكفر العملي قد يكون كفر خروج عن الملة ولم تلاحظ أن هذا يستحيل أن يكون الكفر العملي خروج عن الملة إلا إذا كان الكفر قد أنعقد في قلب هذا الكافر عملًا.
فيجب التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، لا يوجد عندنا في الشريعة أبدًا نص يصرح ويدل دلالة واضحة على أن من آمن بما أنزل الله لكنه لم يفعل بشيء مما أنزل الله فهذا هو كافر، الذي مثلًا يأكل الربا ما حكمه؟ هل هو كافر مرتد عن دينه؟ ستقول: لا، أليس كذلك؟
مداخلة: نعم .. بلى.
الشيخ: أنا لا أقول بقولك هكذا، أنا أقول: قد وقد، أي: إذا استحل الربا بقلبه أيضًا كما استحله بعمله فهو كفر ردة وإلى جهنم وبئس المصير، أما إذا قال: الله يتوب علينا ونريد أن نعيش من الكلمات الفارغة هذه إلى آخره مما يشعرنا بأنه هو يؤمن بأنه يعصي الله ﷿ ورسوله ولكنه من جهة أخرى اتبع هواه.
ولا فرق يا حضرة الأخ المسلم بين من يعص الله ﷿ في أكله الربا مثلًا وبين من يعصي الله في أن يحكم بغير ما أنزل الله.
والآن أنهي هذه الكلمة بمثال بسيط جدًا، أقول: قاضٍ شرعي يحكم، لا أقول: يحكم بالشرع بل أقول كما نقول نحن دائمًا: يحكم بالكتاب والسنة، لكن في حكومة وفي قضية معينة تقاضى عنده اثنان فحكم للظالم بحق المظلوم هل
[ ٤ / ٤٥٨ ]
هذا حكم بما أنزل الله؟
مداخلة: أنا أجيب لكن باستفسار .. قبل ما أجيب أستفسر من سؤالك.
الشيخ: طيب! يقولون عندنا في الشام الذي لا يأتي معك امشي معه.
مداخلة: حسنًا.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: هل هذا القاضي جعل هذا الحكم شريعة يقضي بها في كل حال في هذه الحالة في القضية، فلنضرب مثالًا الآن: إنسان سرق وجاء عند هذا القاضي الذي يحكم بما أنزل الله ﷿ ولكن في هذا القضية لهوى أو لقرابة قال: أنا لن أقطع يده أنا سأقيم عليه حدًّا آخر، مهما أن شروط السرقة توفرت فيه .. مهما أنه في الحالات الأخرى يقطع اليد، فهذا لا نقول كفر ننزل عليه قول ابن عباس: كفر دون كفر، أما أن جعل حد السرقة السجن أو الحبس نقول هذا كفر بمجرد حكمه في هذه القضية أن جعلها شرعًا يتبع؛ لأنه جعل نفسه ندًا لله.
الشيخ: أنت بارك الله فيك! ما تؤاخذني أنت تؤيد عبارات قرأتها، وطلبك أن تقطع كلامي لتبين هذا لا يفيدك شيئًا، أنا سأقول: هذا الإنسان الذي حكم للظالم على المظلوم هل حكم بشرع الله؟ المفروض أن تقول: لا، ثم نتابع الموضوع إلى نهايته بعد ذلك إن وجدت مناسبةً لتقول ما قلت تقول ذلك.
نعود إلى ما كنا في صدده: هذا المسلم والقاضي الذي يحكم بما أنزل الله عادةً، حكم في قضية ما بغير ما أنزل الله، وما ظن أن مسلمًا عالمًا يحكم بمجرد أن صدر منه هذا الحكم المخالف للشرع أنه يحكم عليه بأنه كفر، ما أظن أحدًا يفعل هذا! فأريد أن أقول في قضية أخرى لسبب أو آخر تكرر ذلك السبب أو تجدد
[ ٤ / ٤٥٩ ]
ليس مهم، وإنما حكم أيضًا بغير ما أنزل الله.
كذلك أنا أقول: لا أستطيع أن أقول بأنه كفر كُفر اعتقاد وكفر ردةٍ، إلى متى؟ سنكرر خمس مرات .. عشر مرات .. عشرين مرة .. مائة مرة .. إلى آخره، متى أستطيع أن أقول بأن حكمه هذا يدينه بأنه كُفر ردة وليس كُفر عمل فقط؟ إذا ما بدا منه ما ينبئ عما وقر في قلبه؟ فإذا بدا منه شيء ينبئ عما وقر في قلبه وهو أن هذا الحكم لا يصلح الحكم به بالرغم أنه مما أنزله الله، هنا يقال بأن كفره كفر ردة، فلا نعود -لعلنا نلتقي-،أن هذا الذي اتخذ نظامًا قد يكون سبب قول القائلين بأن هذا كفر ردة هو أنهم اتخذوا نظامه دليلًا على ما وقر في نفسه بأن الحكم في الإسلام لا يصلح.
وأنا أقول: إن صح حكمهم أو استنباطهم ويكون هذا حكمًا صحيحًا مطابقًا للكفر الاعتقادي.
إذًا: الآن مناط الحكم والبحث والتفريق بين كفر وكفر هو أن ننظر إلى القلب، فإن كان القلب مؤمنًا والعمل كافرًا فهنا يتغلب الحكم المستقر في القلب على الحكم المستقر في العمل، أما إذا كان ما في القلب مطابق للعمل، أي: هو لا يقر بهذا الحكم الذي جاء في الشرع إما إعرابًا وإفصاحًا بلسانه أو تعبيرًا كما يقال بلسان قاله .. بلسان حاله .. يعني: التعبير قد يكون بلسان القال أو بلسان الحال، إذا كان تعبيره عن كفره القلبي بلسان القال انتهى الموضوع، أما إذا كان بلسان الحال هنا لسان الحال قد يقبل الجدال، فماذا تقول الآن في مثل هذا التفصيل؟
وألخص ما سبق: الكفر العملي الذي قد يكون كفرًا اعتقاديًا كما قلت في أول جوابك هذا لا بد أن يكون مربوطًا بالكفر الاعتقادي، أما كفر عملي وهو حكمه كالكفر الاعتقادي أي: مرتد عن الملة وهو مؤمن بقلبه هذا لا وجود له في
[ ٤ / ٤٦٠ ]
الإسلام، والآن تفضل ما عندك.
مداخلة: أول شيء جزآكم الله خيرًا.
الشيخ: وإياك.
مداخلة: نحن ما نعتقده: أن هناك كفر عملي يخرج من الملة بغض النظر عن الاعتقاد كان مؤمنًا أو كان غير مؤمن، ولنا في ذلك سلف منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى.
الشيخ: نريد أدلة الآن .. نريد أدلة من الكتاب قبل كل شيء.
مداخلة: الأدلة ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (التوبة:٧٤).
الشيخ: اسمح لي يا أخي!
مداخلة: تفضل.
الشيخ: رجعت إلى قولي، قلت لك آنفًا: الكفر الاعتقادي الذي - أرجوك لا تستعجل علي - الكفر الاعتقادي الذي مركزه القلب إما أن يدل عليه لسان القال أو لسان الحال، أنت الآن تحتج بالآية: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (التوبة:٧٤).
مداخلة: نعم.
الشيخ: سبحان الله! هذا لي .. هذا لي ما تشعر معي؟
مداخلة: لا ما أشعر، لأن الله ﷿ لم يبين أنهم استحلوا أو لم يستحلوا الله ﷿ أطلق وهذا
الشيخ: يا أخي الله يهديك! أنا أقول لك بلسان عربي مبين: المؤمن بما تحكم
[ ٤ / ٤٦١ ]
على إيمانه أليس بقوله؟!
مداخلة: بإقراره، نعم.
الشيخ: طيب! والكافر بما تحكم عليه؟ بقوله؟!
مداخلة: نعم.
الشيخ: وأنا معك، وأنا سبقتك قلت لك: الكفر الذي وقر في القلب نحن ما نصل إلى القلب لكن نتخذ طريقًا للوصول إلى ما في القلب أحد طريقين: إما القال وهذا لسان القال، وإما لسان الحال تفرق معي بين أمرين أم لا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! فالآن أنت احتججت بالآية .. الآية حجة لي.
مداخلة: لكن ما فهمته من كلامك أنا: أنك لا تكفره ما دام قال كلمة الكفر بدليل أنك قلت: إنسان سيء التربية في بيت أهله يشتم الله ﷿ هذا لا نكفره، وهذا مخالف إجماع العلماء الذين نقله ابن تيمية، هذا بغض النظر لو كان مؤمن أو غير مؤمن بمجرد شتمه لله كفر.
الشيخ: طيب! هل يقتل؟
مداخلة: نعم يقتل.
الشيخ: لا، يستتاب.
مداخلة: هذا خلاف بين العلماء.
الشيخ: الخلاف بين العلماء ما هو الراجح؟
[ ٤ / ٤٦٢ ]
مداخلة: الذي رجحه من كتب هذه المسألة أنه لا يقتل.
الشيخ: طيب! يكفر أو لا يكفر؟
مداخلة: يكفر ويستتاب.
الشيخ: لا يستتاب؟
مداخلة: يستتاب.
الشيخ: نحن قلنا هل يستتاب أم لا؟ قلت: يوجد قولين.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! ما هو الراجح؟
مداخلة: الذي قرأناه الذي رجحه أنه لا .. يستتاب.
الشيخ: الذي أعلن الردة عن دينه يستتاب؟
مداخلة: يستتاب.
الشيخ: الذي أعلن الردة عن دينه؟
مداخلة: الذي يكفر يستتاب.
الشيخ: «من بدل دينه».
مداخلة: «فاقتلوه».
الشيخ: «فاقتلوه». يستتاب؟
مداخلة: الذي نعلمه أنه يستتاب.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
الشيخ: يوجد فرق يا أخي بين إنسان يعلن الردة عن دينه، وبين إنسان يتكلم بكلمة الكفر قد يكون له في ذلك عذر كما ذكرنا بالنسبة للجهال آنفًا، ولعلك تذكر معي أن سبب رواية الصحابي لهذا الحديث: «من بدل دينه فاقتلوه» أن أنا أشك الآن .. هي القضية تدور بين معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري، كانا في اليمن لما أرسلهما الرسول ﵇، فإما نزل أبو موسى ضيفًا - هنا أشك فقط - إما نزل أبو موسى ضيفًا على معاذ أو العكس تمامًا، فوجد عنده رجل مغلل في الأصفاد، سأل عنه قال: هذا بدل دينه، رأسًا سحب السيف وقتله لا يهمنا هل هو أبو موسى الذي فعل أو معاذ بن جبل، وكلاهما صحابي جليل ورأسًا نفذ فيه الحكم: «فمن بدل دينه فاقتلوه» تبديلًا لا يحتمل عذرًا له هذا لا يستتاب، أما الذي يتكلم بكلمة الكفر وقد يكون له وجهة نظر خاطئة من ناحية العلم أو من ناحية الجهل أو لأي سبب من أسباب كما ألمحت أنا آنفًا إلى شيء من ذلك وكررته وهو سوء التربية مثلًا.
فهؤلاء نحن نسمعهم اليوم بسبب سوء التربية تجد الواحد يتكلم بكلمة كفر في حالة ثورة غضبية، وإذا به فورًا ماذا يقول: أستغفر الله، الله يلعن الشيطان إلى آخره، هذا ماذا تحكم هذا متناقض مع نفسه .. هذا إذا كان هناك حكم بالإسلام يتوبه إذا ما هو تاب، إذا سب الرسول ﵇ كما كان في بعض الأسئلة هذا يستتاب فإن تاب وإلا قتل، أما وهو فورًا استغفر الله وأناب فهذا دليل أن الرجل ما خرج ذلك عن قصد منه للكفر.
فالشاهد: نحن نكرر في كلامنا أن الكفر الاعتقادي طريقة معرفتنا نحن به إما بإقرار الكافر كما في الآية التي ذكرتها، إما أن نستدل بلسان حاله، الاستدلال بلسان الحال مجال للاختلاف والمناقشة .. يا ترى! هذا استنباط صحيح أو غير
[ ٤ / ٤٦٤ ]
صحيح؟ لكن حينما يكون يعلن الكفر بلسانه انتهى الموضوع، فما هو الدليل الآن إذا كنا نقول بالكفر العملي غير مقرون بالكفر الاعتقادي أنه كفر يخلد صاحبه في النار، ما هو الدليل من كتاب الله أو من حديث رسول الله؟
ونحن نعلم أن الحجة إنما تقوم بمعرفته بالحكم الشرعي، فإذا لم يعلم لسبب أو آخر - وهذا موضوع سبق الإشارة إليه، فما هو الدليل على أنه من وقع في شيء من المكفرات قولًا وبجهل أو غفلة كما ذكرنا في قصة الذي أوصى بتلك الوصية، أو بعمله ما هو الدليل أن هذا كفر كفرًا يخلد صاحبه في النار؟
لا يوجد عندنا دليل، إما أن نقول قال فلان وقال فلان، فهذه الأقوال متناقضة والله ﷿ يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (النساء:٥٩) إلى آخر الآية؛ فهل تذكر دليلًا
مداخلة: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (النحل:١٠٦) فالله ﷿ كما قالوا العلماء لم يستثن إلا المكره، وأما غير المكره بغض النظر كان مستحلًاّ أو لم يكن مستحلًّ بمجرد تلفظه بالكفر كفر.
الشيخ: هذا حجة عليك الآية، تدري لم؟
مداخلة: لم؟
الشيخ: شرح صدره بارك الله فيك، فهذا حجة عليك .. تأمل كثيرًا ..
مداخلة: يعني: من أجل هذا الانشراح ..
مداخلة: هو قبول الكفر ..
[ ٤ / ٤٦٥ ]
الشيخ: لا، لا هو عارف للكفر ومطمئن له، هذا معنى الآية ..
مداخلة: ولكن ما قرأناه مخالف لهذا التفسير وما نعلمه ..
الشيخ: إذن يجب أن تجدد طريقة فهم النصوص .. ما قرأته .. قل قرأت هذه النقطة التي في الآية .. من شرح صدره .. من شرح ..
محمد شقرة: يا شيخ أنا أريد لعلي أوجز أو أختصر الطريق ..
الشيخ: تفضل يا أخي.
شقرة: أنا أقول: أن أولًا لو سألنا سؤالًا وأذعناه في الناس لنجد الجواب عنه، عند الناس جميعًا ثم نعزل الجواب السلبي عن الجواب الإيجابي ولنرى النسبة بين الطرفين، السؤال هو: ما ثمرة تكفير المسلم الذي يقول: لا إله إلا الله إن بدا منه شيء يحكم عليه بالكفر ظاهرًا؟ أنا في زعمي هذا سؤال يحتاج إلى دقة فهم في الجواب، أما أنا في الجواب عندي أقول: إن الفائدة والثمرة التي تترتب على الجواب: يجب أن يكون الإنسان مقتنعًا بها أولًا، فإذا قلت أنا: الثمرة هي أن أحكم عليه بالكفر، إذًا: حكمت عليه بالكفر وكفى، ما الشيء الذي بعد الحكم عليه بالكفر؟ لا شيء وبخاصة في زمان نحن فيه أحوج ما نكون إلى أن نبين للناس طريق الحق الذي ينبغي أن يتبعوه حتى نخرجهم من دائرة الكفر إلى دائرة الإيمان، وأما إذا قلنا: هذا الجواب الذي ينتظر من الآخرين: إن الثمرة التي تترتب على هذا السؤال بالجواب، أن نقول: يجب علينا أن نقتل هذا الذي يثبت كفره لدينا بسؤالنا وبجوابه، وأظن أن الشق الثاني أو الجواب الثاني هذا يكون شيئًا من العبث في زماننا هذا؛ لذلك يجب أن تتوحد النظرة في الحكم على هذا الإنسان.
ما حكم أو لماذا نكفر؟ يجب علينا أن نتريث قبل أن نجيب فنقول: إذا كان
[ ٤ / ٤٦٦ ]
الكفر أو إذا كان التكفير له ثمرة عملية من حيث تأديب المجتمع فعندئذٍ يمكن أن نقول، لكن ألا تعلم بأن التكفير يزيد في تكفير الناس وخروجهم عن الإسلام، لذلك لا بد من تعديل النظرة والحكم على هؤلاء الناس بأنهم مرضى وأننا يجب أن نخرجهم من الظلمات إلى النور، وإذا قلت الحكام فطائفة الحكام طائفة قليلة وأنا كنت بالأمس القريب أتكلم في مجلس عام وذكرت بأن حالة الإكراه التي أشرت إليها لا تقتصر على حالة الفرد الواحد وإنما الأمة كلها الآن مكرهة .. الأمة كلها الآن واقعة في بوتقة الإكراه، من الذي يستطيع أن يقول: إذا قال أعداء الإسلام .. إذا قالوا للأمة نريد منكم كذا فمن الذي يملك أن يقول: لا، الآن علمًا بأنك تستطيع أن تقول ذلك في بيتك أو بينك وبين الناس الآخرين على صداقة بينكم أو مودة، ولكن لا تستطيع أن تعلن ذلك في الناس، فهذا دليل على أنك مكره على فعل الشيء أو على قبول الشيء الذي لا تؤمن به أولًا.
وهناك شيء آخر لا بد من لفت النظر إليه وهو أن .. الآن أنا أسأل سؤالًا: ما الذي يرتجى للإنسان الذي يحكم عليه بالكفر .. أنا حكمت عليه بأنه كافر اعتقادًا، مصيره أين؟ الخلود في النار أليس كذلك، طيب .. أنت قلت يا سامي! الكفر العملي قسمان: قسم يحكم عليه بأنه كافر ردةً أو اعتقادًا والقسم الآخر لا .. فأنا أريد أن أختار أيهما شئت، واضرب لي مثلًا أولًا أو حدد لي من تعتقد أنه بالكفر العملي يكون قد كفر كفرًا اعتقاديًا حدد لي ما هو؟!
سامي: ما ضربناه من مثل لمجرد الإنسان أنه يستبدل دين الله ﷿ بالقوانين الوضعية هذا كفر أكبر وهذا عمل .. أنه حكم بغير ما أنزل الله بمجرد أنه بدل دين الله هذا كفر كفر أكبر مخرج من الملة ..
[ ٤ / ٤٦٧ ]
شقرة: لا الذي قلت: بدل ..
سامي: هذا واقعنا الآن .. أنهم الآن هم بدلوا شريعة الله بالقوانين الوضعية .. أو حكموا بغير ما أنزل الله سَمِّهِ ما شئت .. فهذا عمل، فهذا نحكم عليه بأنه خرج من الملة كما قال ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب الصلاة وحكم تاركها قال: كما أن هناك من الإيمان شعب قولية توجب زوالها زوال الإيمان، كذلك الشعب الفعلية وكذلك الشعب الكفر القولية والعملية ..
شقرة: خلطت الآن الأمور .. الآن أنا أسألك، طيب هذا الذي استبدل دين الله بنظام الكفر أو نظام الكفر استبدله بدين الله .. العبارة الصحيحة .. الآن أنا أسألك: من يوافقه في ظاهره ماذا تقول فيه؟
سامي: إذا رضي ..
شقرة: لا تقل لي: إذا رضي ..
سامي: كيف يوافقه؟
شقرة: هو الآن رجل يحكم بغير ما أنزل الله .. استبدل دين الله بنظام الكفر أو نظام الله بنظام الكفر أليس كذلك؟
سامي: نعم.
شقرة: من يوافقه ظاهرًا، ماذا تقول فيه؟
سامي: غير مكره كَفَرَ.
شقرة: طيب كيف تحكم بأنه غير مكره.
سامي: وضعه الإكراه يعني هل هو ..
[ ٤ / ٤٦٨ ]
شقرة: نعم .. الآن تستقصي أمة من أدناها إلى أقصاها كيف تستطيع أن تحدد هذا؟ أنا أريد أن نصل معًا إلى من يحكم عليه بأنه كافر أو بأنه موافق بإكراه أو بغير إكراه .. كيف تحكم على ذلك؟
سامي: أنا أقول أنه الشعوب الآن إذا رضيت بأنظمة الكفر التي هي سائدة كفروا بغض النظر إن شاء الله تكون الأمة كفرت نكفرها ..
شقرة: جاوبني جوابًا محددًا، الآن هذه الفئة الموجودة حاليًا هنا هل تستطيع أن تحدد المكره من غير المكره؟
سامي: لا، نحن الأصل عندنا هم الآن الإسلام .. الأصل عندنا أنهم مسلمون ..
شقرة: يا أخي! أنا أقول لك: هل تستطيع أن تخرج لي من هؤلاء الجالسين المكره من غير المكره؟
سامي: لا أستطيع.
شقرة: لا تستطيع، إذًا بارك الله فيك: الظاهر أنهم محكومون عليهم بأنهم قد رضوا باتباع هذا النظام وقبلوه بدليل أنك أنت تدرس في الجامعة ولا تأبى دراسة الجامعة علمًا بأن نظام الجامعة نظام كافر، وهو نظام طاغوتي وترضى بأن تدرس في الجامعة وترضى بأنظمة الجامعة، وترضى بالاختلاط في الجامعة، وترضى بحلاق اللحى الذين ظاهرهم يدل على أنهم يجحدون نظام الله، لماذا تفعل هذا أنت؟ إذًا: أول من يحكم عليه هو أنت!
سامي: أنا ما أرضى بالأنظمة الوضعية الآن.
شقرة: سبحان الله! أنا أقول لك أنت رضيت.
[ ٤ / ٤٦٩ ]
سامي: ما رضيت.
شقرة: كيف لم ترض إذًا لماذا تدرس في الجامعة؟
سامي: أنا الآن وضعي غير.
شقرة: الرضا قلبي أم عملي؟
سامي: هناك رضا قلبي وعملي أنا ما رضيت .. أنا الآن أذهب إلى الجامعة بغض النظر ..
شقرة: يا شيخ! أنت الآن الرضا تقسمه قسمين .. قلبي
سامي: أنا ما
شقرة: تتوقف عن الكلام ..
سامي: أتوقف عن الكلام أجيبوا أسئلة أخرى ..
شقرة: لماذا؟
سامي: انتهى ..
شقرة: لا، لا بد أن تجيب .. لا، أنا ما عهدتك تهرب .. أنا ما عهدتك هرابًا يا سامي ..
سامي: الذي عندهم كلام يتكلمون
شقرة: لا، أريد أن تجيب أنت .. تجيب أن الله يبارك فيك ..
سامي: أنا قلت أنا غير راض بالأنظمة ..
شقرة: إذًا يا أخي بارك الله فيك أنا ..
[ ٤ / ٤٧٠ ]
سامي: لا توجد مشكلة .. العقيدة ..
شقرة: كيف أرى أو كيف أحكم عليك بأنك غير راض وأنا أراك كل يوم تذهب إلى الجامعة؟!
سامي: أي إنسان مسلم يرضى بالأنظمة الآن إلا الذي عنده عقيدة
صحيحة ..
شقرة: يا سامي! دعني من هذه الأجوبة العامة الفضفاضة، أنا أسألك أنت .. أنت الآن كافر أو غير كافر؟
سامي: لا لست بكافر.
شقرة: لماذا؟ لا، أنت كافر تحكم على نفسك بأنك كافر.
سامي: لا، أنا ما أحكم على نفسي ..
شقرة: سبحان الله! أنت ..
الشيخ: خاصة أنه جعل الرضا عمليًا.
سامي: نعم أن الرضا عملي .. بالظاهر الله يبارك فيك.
شقرة: يا سامي! أنا أقول لك شيئًا وهو: أن هذه الفكرة التي استحوذت عليك أو هي مستحوذة عليك .. هذه ما كنت أحسبها فيك، ولكنها ظهرت الآن، وإني أحمد الله على أنني قد ظهرت أمامي ولم تنقل إلي نقلًا على ألسنة الآخرين .. ما كنت لأصدق؛ وذلك لسببين اثنين:
السبب الأول: أنا أعلم بأنك لن تستحكم بعد فكرة التكفير والإيمان أو الحكم بالإيمان والكفر على الناس عندك بدليل أنك الآن لا تريد أن تخوض في
[ ٤ / ٤٧١ ]
هذه المسألة وقفت.
أما ثانيًا: فلأني أرى بأن واقعك الذي أنت فيه يتنافى مع منطقك وكلامك من لسانك.
ثم أخيرًا يا سامي أريد أن أقول لك: الحكم على الإنسان بالكفر كما قال ﵊ يقتضي واحدًا من أمرين: إما أن يكون القائل هو الكافر، وإما أن يكون المقول فيه هو الكافر، فقد حار على أحدهما، فلذلك بارك الله فيك! ما أغناك عن هذا أن تقول قال فلان وقال فلان .. والله عمر الأشقر وابن تيمية وسيد قطب وابن كثير والطبري لو قال وكل علماء الدنيا قالوا: هذه الكلمة لقالوها بلا دليل، وأنت استشهدت بآية من كتاب الله: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (التوبة:٧٤) ولكن ما أتممتها ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ (التوبة:٧٤) لقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (التوبة:٧٤) هذا في شأن المنافقين بارك الله فيك، ما هو في شأن واحد مسلم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله!
وأنا أريد أن أحيلك أيضًا إلى ما جاء في صحيح البخاري وسائلك قبل أن أحيلك إليه: ومعذرة من شيخنا، سائلك: الآن أن تقول: لا إله إلا الله، وأنت تعيش في مجتمع كهذا المجتمع الذي نعيش فيه .. مجتمع مطبق بالكفر وحكمه حكم كافر جائز .. أنت تعيش بلا إله إلا الله وحدها .. لا تصلي ولا تصوم ولا تزكي ولا تحج ولكنك تعتقد مخلصًا بلا إله إلا الله، فهل أنت كافر أم مؤمن؟
سامي: كافر، إذا تركت جنس العمل كافر.
شقرة: سبحان الله! طيب، كيف تحكم على نفسك بأنك كافر وأنت تقول لا
[ ٤ / ٤٧٢ ]
إله إلا الله مخلصًاَ بها قلبك، والرسول ﵊ يقول: «من قال لا إله إلا الله مخلصًا بها قلبه نفعته يومًا من الدهر» أو قال: «دخل الجنة» كيف تحكم على ذلك؟!
سامي: لأني لم آت ..
شقرة: لا لا، جاوبني على قدر سؤالي .. كيف تحكم وأنت تقول مخلصًا والرسول يقول مخلصًا ولم يشترط العمل بدليل الرسول ﵊ في الحديث الشفاعة: «حتى يخرج من لم يعمل خيرًا قط من النار» ما عمل خيرًا قط .. لا صلى ولا صام ولا زكى ولا حج بل قال: لا إله إلا الله، فماذا تقول في هذا، والكافر يخلد في النار بحكمك أنت سواء كان كفرًا عمليًا يجره إلى سوء الاعتقاد أو كان كفرًا اعتقاديًا، فماذا تقول؟
سامي: هذا الذي ..
شقرة: جاوبني ..
سامي: أنا أريد أن أجيبك أنت الآن تحشرني .. أنا عندي أمور تفصيلية .. الآن لا بد أن نجمع بين النصوص التي في المسألة لا آخذ بالنصوص الذي أخذ بها أهل الإرجاء ونجعلها قاعدة
شقرة: طيب تسمح أن تفهمني معنى الإرجاء؟
سامي: هم الذين قالوا: أن الإيمان هو الإقرار مجرد الإقرار ..
شقرة: نعم.
سامي: وقالوا: بأنه يستمر على الإيمان حتى ولو لم يأت بعمل .. ومنهم من
[ ٤ / ٤٧٣ ]
غلا وهم الجهمية قالوا: أنه التصديق ..
شقرة: نعم.
سامي: فهم فريقان: فريق قالوا هو الإقرار حتى لو أقر بلا إله إلا الله، ولم يأت بأي عمل قالوا: هذا يستمر له ويخرج من جهنم، ومنهم من غلا كالجهمية قالوا: الإيمان ..
شقرة: طيب أنا أسألك الآن: من أصدق قيلًا .. أنت أم رسول الله - ﵌ -؟!
سامي: لا ريب ولا شك رسول الله - ﵌ -.
شقرة: لا، أنت تكذب رسول الله.
سامي: أنا لا أكذب رسول الله.
شقرة: لأن الرسول - ﵌ - مرجئ .. مرجئ الرسول .. لا والله مرجئ يا أخي! لا تقول لي: أعوذ بالله، أنتم تحكمون عليه بالإرجاء ..
سامي: شيخ نحن تعلمنا ..
شقرة: هات لي يا سامي نصين متناقضين يتناقض أحدهما مع قوله - ﵌ -: «من قال لا إله إلا الله مخلصًا بها قلبه نفعته يومًا من الدهر» هات لي نص يناقضها ..
سامي: أنا قلت: لا أريد أن أتكلم من الأصل ولكن أنت أردت أن أتكلم .. أنا الآن ..
شقرة: أنا أردت أن أتكلم ..؟!
سامي: أردت أن تكلمني أنا أقول لك شيخنا: كما تعلمنا منكم أنه لا بد أن نجمع بين النصوص فهناك نصوص ..
[ ٤ / ٤٧٤ ]
شقرة: أنا قلت لك هات لي نص.
سامي: طيب الآن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء:٦٤) فالله ﷿ بين حكمة إرسال الرسل أو بعث الرسل وهي الطاعة، فأنا إذا لم أطع الرسول - ﵌ - فقد ناقضت الحكمة التي بعثها الله ..
شقرة: طيب، أنا الآن أجيبك عن سؤالك هذا واعتراضك .. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء:٦٤) هل طاعة العباد متساوية أم متفاوتة؟
سامي: متفاوتة لا شك ..
شقرة: طيب، من قال: لا إله إلا الله أطاع الرسول أو ما أطاع الرسول؟ وهي أصل الاعتقاد.
سامي: اكتفى بها؟
شقرة: أنا أسألك اكتفى ولا ما اكتفى.
سامي: ما اكتفى.
شقرة: ما أطاع؟!
سامي: طيب يا شيخنا دعني أفصل ..
شقرة: يا حبيبي يا سامي أنا أسألك فأجبني على قدر سؤالي: من قال لا إله إلا الله مخلصًا به قلبه أطاع الله ورسوله أو لم يطع ..
سامي: كبداية أطاع.
شقرة: ما هو كبداية .. هناك بداية ونهاية يا أخي؟!
سامي: دخل الإسلام الآن، ولكن لا يستمر له وصف الإسلام حتى
[ ٤ / ٤٧٥ ]
شقرة: طيب، أنا أسألك سؤال الآن .. واحد كان نصرانيًا أو يهوديًا وقال: لا إله إلا الله، ثم قام فاغتسل وجاء وكان وقت صلاة الظهر قد أتى، ولكنه لم يصل فمات على لا إله إلا الله دخل الجنة أو لم يدخلها؟
مداخلة: دخل الجنة ..
شقرة: لماذا؟
مداخلة: لأنه حديث عهد بالإسلام ..
شقرة: من أين هذه حديث عهد بالإسلام ..
مداخلة: من الأحاديث التي وردت ..
شقرة: منها ..
مداخلة: الحديث الذي جاء للرسول - ﵌ - قال له: «أقاتل أم أسلم، قال له: أسلم» هذا مات ولم يُصَلِّ، حديث عهد بالإسلام ..
شقرة: طيب! هذا الرجل مات بكامل عمله يا أستاذ ولذلك لو جاؤوا اثنين أو ثلاثة وواحد مات في التوّ وواحد انتظر ولم يُصَلِّ المغرب ولا العشاء ومات، لا يؤاخذ بتركه الصلاة لكن ألا يثاب على لا إله إلا الله؟
مداخلة: يثاب لأنهم الآن فقط هذا العمل المطلوب منه ..
شقرة: لا، أنا أقول لك الثاني يثاب على لا إله إلا الله أو لا؟
مداخلة: على خلاف بين ترك الصلاة الآن، نأتي إلى ترك الصلاة.
شقرة: لا حول ولا .. أنا لا أفرض ترك الصلاة أي عمل من الأعمال؟
[ ٤ / ٤٧٦ ]
مداخلة: إذا قال بلا إله إلا الله ثم لم يأت بأي عمل هذا كافر عياذًا بالله .. ترك العمل بالكلية وكفر.
شقرة: استدلالك خطأ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ (النساء:٦٤) أنا سألتك سؤالًا، قلت: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء:٦٤) هذا الذي قال: لا إله إلا الله واستمر مخلصًا بها قلبه ألا تقول بأنه أطاع الله؟
مداخلة: لا، لم يطع الله.
شقرة: ما يطيع الله؟!، طيب! ما علامة دخوله الإسلام؟
سامي: ما هذا هو الفرق بين المرجئ وأهل السنة.
شقرة: يا أخي! اتركنا أن محمدًا مرجئ صار ..
سامي: لا، أنا ما أقول أن محمدًا مرجئ عياذًا بالله .. أنت أخذت يا شيخنا بعض النصوص ونحن نأخذ كل النصوص ..
شقرة: يا أخي ما في عندي نصوص أنا، أنا قلت لك هات لي نص .. جئت لي بنص مبتور؛ لأنك قلت: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء:٦٤) واحد قال: لا إله إلا الله ولم يصل .. واحد قال لا إله إلا الله وصلى .. واحد قال: لا إله إلا الله ولم يصل ولكنه زكى .. هذا الذي لم يصل وزكى وقال: لا إله إلا الله، أتقول: أطاع الله أو لا؟
سامي: على خلاف في ترك الصلاة ..
شقرة: يا سبحان الله! سامي ..
سامي: لأن هذه المسألة [لا تخوض فيها] فيه حتى نعلم هل هو كافر
[ ٤ / ٤٧٧ ]
تارك الصلاة ..
شقرة: يعني أريد أن أقول: ترك ثلاثة من أركان الإسلام غير الشهادتين وعمل بركن واحد أطاع الله أو لم يطع الله؟
سامي: أعد السؤال ..
شقرة: واحد قال لا إله إلا الله .. اثنين: واحد قال لا إله إلا الله وعمل بأركان الإسلام كلها .. وواحد قال: لا إله إلا الله ولم يعمل بأركان الإسلام وعمل بركن واحد .. أطاع الله أو لم يطع الله ..
سامي: ننظر هل تركه لهذه الأعمال هل هي توجب الكفر، إن كانت توجب الكفر نكفره.
شقرة: ترك الصيام ما صام ..
سامي: لم يترك جنس العمل الآن هو الآن ترك الصلاة ..
شقرة: ترك الصيام ..
سامي: ما نعلمه الراجح من أقوال العلماء أنه ليس بكافر تارك الصيام ..
شقرة: طيب! ترك الزكاة ..
سامي: كذلك ما نعلمه أنه لا يكفر ..
شقرة: ترك الحج ..
سامي: تارك الحج كذلك.
شقرة: طيب! ترك الصلاة
[ ٤ / ٤٧٨ ]
سامي: نتوقف.
شقرة: لماذا؟
سامي: لأن المسألة خلافية بين العلماء.
شقرة: إذًا ما كفر.
سامي: لا، نتوقف ربما يكون كافرًا وربما يكون مسلمًا نحن لا ..
شقرة: لا أنا أريد أرجح القولين عندك .. ما هو؟
سامي: نتوقف ما نحكم عليه .. أنا الآن ما أعلم ما الراجح في المسألة ..
شقرة: طيب! إذًا معناها كل واحد من هؤلاء أطاع الله أو لم يطع الله؟
سامي: أطاع الله ﷿ بإتيان الأعمال
شقرة: قل فقط يا أخي كلمة واحدة أجبني .. أطاع الله أو لم يطع الله؟
سامي: أطاع الله بإتيان الأعمال.
شقرة: بإتيان العمل ..
سامي: الأعمال التي أتى بها.
شقرة: هو أتى بعمل واحد.
سامي: هو لم يترك جنس العمل الآن ..
شقرة: أريد طيب لا إله إلا الله عمل أو لا؟!
سامي: هو عمل ولكن وحده لا يكفي.
شقرة: سامي .. أنت هذا الفكر من أين أتيت به يا سامي؟! هذا الكلام الذي
[ ٤ / ٤٧٩ ]
تحكيه كلام مناقض لكل عقول العقلاء .. هذا الكلام الذي تأخذه مبتور لا ينفعك يا سامي أبدًا .. لا يفيدك هذا إطلاقًا .. أنت تحتاج إلى ترتيب جديد في قراءتك .. أنت تناقض نفسك في الموطن الواحد ثلاث أربع مرات ..
سامي: كيف؟
شقرة: الآن تناقض نفسك مرة تقول: نعم؛ لأنه لم يترك جنس العمل .. يا أخي! أنا أقول لك: ترك الصلاة تقول لي: نتوقف لا نكفره .. طيب! أنا أريد مع توقفك ..
سامي: لا نكفره ولا نقول عنه مسلم.
شقرة: ماذا؟
سامي: لا نكفره ولا نقول عنه مسلم.
شقرة: وما تريد أن تقول عنه؟!
سامي: لا أتوقف فيه الآن هذا حكمه أن أتوقف فيه؛ لأنه الآن
شقرة: هو قال لا إله إلا الله وأنت تتوقف في الحكم عليه لا تقول عنه كافر ولا تقول عنه مسلم ما هو إذًا؟!
سامي: لسنا بالمعتزلة
شقرة: إذًا قل لي ما هو؟
سامي: الآن هذا تارك لجنس العمل عندنا كافر .. هذا نريد أن نبين، تارك جنس العمل أو تارك العمل بالكلية كافر .. ترك الصلاة نتوقف فيه .. غير الصلاة الآن ننظر هو الآن صلى وترك الزكاة غير كافر ..
[ ٤ / ٤٨٠ ]
شقرة: هذا تناقض هذا.
سامي: لا، ليس تناقضًا
شقرة: طيب! أنا أريد أقول عنه أنا كافر فماذا ترى؟
مداخلة: لك اجتهادك.
شقرة: طيب! إذًا من الذي يحكم عليه بالكفر وعدم الكفر ..
مداخلة: النصوص الشرعية الكتاب والسنة ..
شقرة: ما اختلفنا في النصوص الشرعية .. اختلفنا تمامًا .. إذًا يا سامي! عندما يختلف الناس في الحكم على إنسان بأنه كافر أو ليس بكافر ليس معنى هذا .. من الذي .. ما الذي نرجحه لكي ننجي أنفسنا وننجي هذا الذي اختلفنا في الحكم عليه، كيف نرجح ماذا ترى .. أنحكم عليه بالكفر ليحور على واحد منا كفره أو الكفر، أم لا نحكم عليه بالكفر وهو أنجى .. ما الذي تراه؟
مداخلة: إن كان فعله كفر نكفره ..
شقرة: أنا أتكلم عن الصلاة الآن ..
مداخلة: الصلاة أنا أقول: لا هو كافر ولا مسلم الله أعلم بتركه .. حتى نعلم الراجح في المسألة .. هل هو كافر أم مسلم.
شقرة: متى ستعرف الراجح يوم القيامة ..
سامي: يعني نبحث ..
شقرة: أو قبل أن تأتي الغرغرة .. الآن يا سامي تحتاج إلى إعادة النظر في كل ما قرأته .. والله العظيم أنا الآن أسألك سؤالًا أخيرًا أنا تقول: أنا أذهب إلى
[ ٤ / ٤٨١ ]
الجامعة، وضربت لك مثلًا في الجامعة وهذا المثل يعني .. أعلى صوتًا في الأمثلة صراخًا ليحكم عليك بأنك ترتكب منكرًا من القول وزورًا وأنك راض عن نظام الكفر الذي تقول بأنه نظام كافر، ما أجبت لي وقلت لي: أنا أرضى بالجامعة، لماذا تذهب للجامعة؟
سامي: أنا غير راض بالذهاب إلى الجامعة.
شقرة: إذًا لماذا تذهب يا أخي؟!
سامي: هذا عندي ظروف أذهب للجامعة ولكن غير راض، ليس ضروري أن كل إنسان يعلم لم يذهب إلى الجامعة.
شقرة: طيب! أنا عندما أراك ذاهبًا للجامعة وأنا أحكم بالظاهر سوف أحكم عليك بالكفر؛ لأنك راض بالطاغوت .. ماذا ترى؟
سامي: من قال أني راضي به؟
شقرة: لكن أنا أحكم عليك بالظاهر .. أنا حكمت عليك بالكفر ..
سامي: لا هذا .. لست راض ولكن ..
شقرة: سبحان الله!
سامي: الآن الذي [لا يرضى] نكفره؟ لا، لا نكفره .. لا؛ لأنه ليس راضي، أما إنسان .. أنا الآن أرضى بعبادة الأصنام أصبحنا الآن تحكيم القوانين .. أنا إنسان أرضى بالأحكام .. بعبادة الأصنام أكافر أو ليس بكافر؟
شقرة: ما يدريني.
سامي: أرضى أرضى يعني: ظاهر قولي أذهب عندهم .. لا أنكر عليهم ..
[ ٤ / ٤٨٢ ]
أعاشرهم .. أفعل معهم كذا .. ربما أفعل فعلهم هذا كافر أو ليس بكافر الآن هذه القضية خلافنا مع الشباب الذين .. الخلاف بيننا وبينهم ليس قضية الحكام .. هذا الحكام لا نبحث فيه الآن .. قضية جنس العمل .. الآن أنا راضي بالكفر .. هل هو كفر أم ليس بكفر .. اتركنا من الوضع الحالي، الوضع الحالي ما في إنسان ..
شقرة: ما يعرفني أنك راضي أو غير راضي ..
سامي: راضي .. أنا عندما أقول: أنني لست براضٍ وأنا مرتكب ..
شقرة: ما وضعك يعني؟
شقرة: شيخنا أطال الله في عمره قال أن هناك أمران يدلان: لسان المقال ولسان الحال، أما لسان القال فالقول فيه مقطوع به أنه يحكم عليه بالكفر؛ لأنه قال بلسانه، لكن لسان الحال هو الذي يمكن تأويله حتى يقال بأنه كافر أو غير كافر؛ ولذلك لا نستطيع بلسان الحال؛ لأنه يقبل التأويل، وأنت الآن تقول بالتأويل، أنت نفسك ولذلك أنا لا أريد أحكم عليك بالكفر لكن أنت تحكم على نفسك بالكفر ..
الشيخ: يعني: بلسان حاله ..
شقرة: نعم، بلسان حاله.
الشيخ: خاصة فسر الرضا بالقلب وبالعمل ..
سامي: سؤال: نرجع للآية: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦) الإكراه هنا لا يكون إلا على الظاهر .. إلا على العمل ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ لا يكره الإنسان على عقيدة أو على ..
[ ٤ / ٤٨٣ ]
شقرة: كيف لا يكره؟! هذه الآية فيم نزلت؟! في من نزلت الآية؟
سامي: عمار بن ياسر ..
شقرة: ماذا قال عمار؟
سامي: قال كلمة الكفر.
شقرة: أنت تقول على العمل.
سامي: نحن ليس بالسبب، أنت قلت سبب النزول ..
شقرة: لا إله إلا الله! يا حبيبي الله يرضى عليك اذهب واقرأ سبب النزول وتعال بعد ذلك نتكلم ..
مداخلة: شيخنا .. المسألة كما قال شيخ الإسلام في هذه الآية، قال: من كفر بعد إيمانه فقد شرح بالكفر صدرًا، والإصرار لا يكون على العقيدة .. أنا سأكره على عملي .. أكره أنني أسجد للصنم .. أكره أنني ألبس صليب .. أكره على ماذا؟ على العمل ولكن العقيدة أكره عليها ما أحد يكره على العقيدة .. واضح ولكن كل من كفر فعلًا هو قد شرح بالكفر صدرًا .. هذا هو التفسير، لذلك شيخ الإسلام قال: وهذه الآية دليل على فساد قول الجهم ومن تبعه: أن كل من تكلم الكفر صح عليه -أو وقع عليه- وعيد أهل الكفر ..
الشيخ: على كل حال ما دندنته حول شرح صدره .. ما دندنت حول هذه الكلمة وهي نقطة الفصل في الموضوع، فلعلك تدرس الآية في هذه النقطة بالذات .. يعني: إذا سمحت .. هل كل من وقع في الكفر شرح صدره له؟
سامي: إذا انتفت عنه .. تكفير ..
[ ٤ / ٤٨٤ ]
الشيخ: يا أخي سين جيم.
سامي: لا.
الشيخ: نعم، إذًا: لا تستطيع أن تقول في إنسان تقول: ليس ضروري أن يكون شرح صدره للكفر بأنه كافر لا تستطيع ..
سامي: نحن عندنا موانع للتكفير .. ليس كل إنسان وقع في الكفر نكفره؛ لأن هناك موانع كالرجل الذي ..
الشيخ: أرجوك لا تحيد عن الآية .. الآية تكفر من شرح صدره .. فكل من شرح صدره بالكفر فهو الكافر ..
سامي: شيخ! نحن مختلفون في تفسير الآية .. أنت تقول بهذا والعلماء الذين نتبع لم يقولوا بهذا.
الشيخ: لا، أنت لا تستطيع أن تأتي بعالم يقول: ولو لم يشرح صدره للكفر، لن تستطيع أبدًا ولا أتصور أن عالمًا يخالف صراحة القرآن ..
سامي: كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكر هذا.
الشيخ: يا أخي محمد بن عبد الوهاب ولا مؤاخذة .. له جهوده في الدعوة وإلى آخره، لكن هذا يذكرنا بحديث الذبابة، تذكره؟
سامي: لا، ما أذكره ..
الشيخ: الذي ذكره في كتابه الذي دخل النار بأنه قدم ذبابة .. ذكرت الحديث؟
سامي: ضعفته ..
[ ٤ / ٤٨٥ ]
الشيخ: ما يهمنا هذا ألا ترى كيف تشرد .. لا تشرد عنه بارك الله فيك، كفى كفى ما مضى، الآن هل تذكر الحديث .. «دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟! قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب! قال: ليس عندي شيء أقربه، قالوا له: قرب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا فخلوا سبيله ودخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة» المهم ماذا تقول في رجل أكره أن يقدم ذبابةً؟
سامي: هو أورده الشيخ عبد الوهاب!
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!
سامي: نحن لا نتبع الشيخ محمد عبد الوهاب لا نتبع الإنسان على الخطأ .. هذا كما تعلم له ممكن؛ لا نتبع الإنسان على الخطأ ..
شقرة: من أين تعلمت هذا؟
الشيخ: لا، هو صادق تعلم بعضًا ولم يتعلم بعضًا .. المهم ماذا تقول في رجل أكره أن يقدم ذبابة وإلا قتل كما قتل صاحبه في القصة، هل هو يدخل النار؟
سامي: إذا توفرت شروط الإكراه لا لأنه مؤمن كونه يكره على فعل الكفر ..
الشيخ: طيب! ومحمد بن عبد الوهاب قص القصة هذه ليستدل بها على ماذا؟ أنه لو قرب ذبابة يكفر، إنما لا بد من التفريق، وهنا تأتي آية عمار بن ياسر: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ (النحل:١٠٦) المهم بارك الله فيك أنا أضم صوتي إلى صوت أبي مالك وقد تأخر الوقت أنه يجب أن تعيد النظر في دراستك ومتأثرًا بالمنهج: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
[ ٤ / ٤٨٦ ]
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء:٥٩) وأن تهيئ نفسك للتفكير الإيجابي عن كل سؤال قد يورده غيرك عليك أو تورده أنت بنفسك على نفسك، فالأستاذ آنفًا
عندما استدللت [إلا ليطاع بإذن الله] كان هو كلامه يدندن معك ولا يحصل
على جواب.
ليطاع إطاعة كاملةً وإلا ولو إطاعة ناقصةً كيف تفسر الآية؟ إطاعة كاملةً ولو إطاعة ولو ناقصةً كيف تفسر الآية؟ أو كيف تهفم الآية؟ ما أظنك تفهمها إطاعة كاملةً .. ظني في محله؟
سامي: نعم.
الشيخ: طيب! إذا العكس هو الصواب؟ إطاعة ولو ناقصة؟
سامي: نعم، لأنه ما يستطيع ..
الشيخ: أجب يا أخي بارك الله فيك.
سامي: نعم.
الشيخ: طيب! هو لا يرد كلام الشيخ، الذي قال مخلصًا من قلبه لا إله إلا الله ولم يعمل عملًا قط أطاع إطاعة ناقصة، لا بد لك من أن تسلم بهذه النتيجة أبدًا لكن نحن نقدم لك عذرًا .. إذا عندك دليل مثل مثلًا الصلاة فقد كفر مثلًا وفسرتها كما يفسر بعض العلماء يعني: كفر ردة إلى قدر مثلًا، لكن ما دام أنت متوقف في هذه الجزئية في خصوص الصلاة فما ينبغي أن تجادل الشيخ كل هذه الساعات حينما يسألك: «من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه حرم الله بدنه على النار» أطاع الله إطاعة ناقصة ما كان ليحظى منك بجواب لم؟ مع الآن قلت ليطاع بإذن الله ليس من الضروري أن تكون إطاعة كاملة وأن ما كان هناك مسلم على وجه
[ ٤ / ٤٨٧ ]
الأرض .. إذًا ولو أطاعة ناقصة وهنا يأتي أن الإيمان يزيد وينقص زيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية إلى آخره.
فأنا عجبت كل هذه المدة والأستاذ حريص على أن يسمع منك ويبدوا أن هناك أحاديث سابقة بينك وبينه إلى آخره ما كنت لتحظيه إذا صح تعبيري بأنه والله هنا يوجد إطاعة ولو ناقصة، لماذا؟! ما دام أنت اتفقت الآن مع الصواب .. ليطاع ولو إطاعة ناقصة فهذا الذي قال: لا إله إلا الله ومخلصًا من قلبه يصدق عليه هذه الآية وبهذا التفسير الذي وضح أخيرًا .. فلماذا أنت تجادله كل هذه المدة؟
والسلام عليكم.
"الهدى والنور" (٨٢١/ ١٠: ٠١: ٠٠) و(٨٢١/ ٥٨: ٢٨: ٠٠)
[٦٣٠] باب ما المقصود بالكفر البواح؟
سؤال: بالنسبة لحديث النبي - ﵌ -: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا». ما المقصود بالكفر، هل هو العملي أو الاعتقادي؟
الشيخ: الاعتقادي.
مداخلة: طيب بالنسبة لقوله أيضًا في حديث آخر: «ما أقام الصلاة». ونحن نعلم أن الصلاة لا يكفر صاحبها بتركها، كيف نجمع بين القولين، أو بين الحديثين أو الروايتين؟
الشيخ: ما وضح لي التعارض حتى نتكلم في الجمع، فاشرح لي التعارض.
مداخلة: نحن نعلم أن الصلاة تركها ليس بالكفر الاعتقادي، وفي الحديث الآخر: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا» قلت أنه الكفر الاعتقادي، فكيف نجمع؟
[ ٤ / ٤٨٨ ]
الشيخ: تريد أن تقول كأنه كفر اعتقادي ترك الصلاة؟
مداخلة: لا.
قصدت أنه يعني هذا كفر عملي هنا ما أقام الصلاة.
الشيخ: هذا
مداخلة: أنا أقول أنه كفر عملي.
الشيخ: أقول يعني ما هو التعارض حتى أستطيع أن أزيله إن كان هناك تعارض.
يعني الرسول - ﵌ - يقول لا يجوز الخروج على الأئمة، على الحكام، إلا أن نرى كفرًا اعتقاديًا، وهنا في الحديث الثاني ما صلوا، أي: لا تخرجوا عليهم ما صلوا، فمعنى أن الحديث الأول يتعارض مع الحديث الثاني، فإقامتهم الصلاة سبب مانع لقتالهم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لهذا معناه أننا لم نر كفرًا بواحًا، صح أو لا؟
مداخلة: صح.
مداخلة: خطر في بالي لعلي فهمت الآن ما الذي يقصده.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: إلا أن تروا كفرًا بواحًا، يعني اعتقاديًا.
الشيخ: نخرج عليه.
مداخلة: لا، هذه النقطة الأولى التي فيها
الشيخ: ما المقصود من الحديث؟
[ ٤ / ٤٨٩ ]
مداخلة: الخروج.
الآن فنلفرض أنه قال ما أقاموا الصلاة فيكم، فإذا تركوها يخرج عليهم؟
الشيخ: لا، لا يخرج عليهم.
مداخلة: هنا الإشكال، فلو قلنا يخرج عليهم يكون قد عملوا كفرًا عمليًا وخرجنا عليهم، هنا وضح الإشكال.
الشيخ: نحن الآن نفهم من هذا الحديث غير الفهم الذي تفهمه أنت،
أقاموا الصلاة فيكم، وليس أقاموا الصلاة هم في أنفسهم، هل هناك فرق بين الأمرين عندك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فإذا كان المعنى ما أقاموا الصلاة فيكم، يطيح الإشكال أو يبقى؟
مداخلة: يطيح.
الشيخ: هذا هو.
"الهدى والنور" (٦٧٧/ ٤٢: ٢٧: ٠٠)
[٦٣١] باب معنى الكفر البواح
السائل: جاء في حديث عبيدة بن الصامت دعانا رسول الله - ﵌ - فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (١) فالسؤال المطروح هو توضيح معنى الكفر البواح؟
_________________
(١) البخاري (رقم٦٦٤٧) ومسلم (رقم٤٨٧٧).
[ ٤ / ٤٩٠ ]
الشيخ: يعني الكفر الصريح الذي ليس عند صاحبه حجة يقتنع بها في نفسه فضلًا عن أن يستطيع أن يقنع بها غيره، فالحجة هنا هي الحجة القاطعة البيّنة؛ أن يأتي بحجة على الكفر الذي نسميه نحن، أما إذا كان جاء بحجة هو مقتنع بها فلا يجوز الخروج عليه؛ لأنه خالف معهودنا وخالف معلوماتنا، وبهذا نعلل فتنة المأمون العباسي حيث خرج على العالم الإسلامي في خلافته بقوله بأن القرآن مخلوق، فهم ما خرجوا عليه .. فنجد العالم الإسلامي يومئذ وفيه العلماء الفطاحل من المحدثين والفقهاء والأئمة ما خرجوا عليهم وهم كانوا بلا شك يعني أقوى منا اليوم في الخروج عليهم؛ لكنهم لما كانوا يتبنون هذا الحكم وهو أنه لا يجوز للمسلمين أن يخرجوا على حكامهم وأمرائهم إلا إذا رأوا منهم كفرًا بواحًا، ما رأوا منه الكفر البواح؛ لأن الكفر البواح يمكن أن نفهمه بما يعبر عنه بعض العلماء في بعض المناسبات بما كان معلومًا من الدين بالضرورة، يعني حكم يشترك في معرفته الخاصة والعامة، العالم والجاهل فإذا أعلن الحاكم يومًا ما استباحة أمر مقطوع تحريمه مثلًا من الدين بالضرورة حينئذ تسقط البيعة التي بويع بها؛ لأنه ارتكب كفرًا بواحًا صريحًا، أما مسألة خلق القرآن صحيح أنها خطأ بلا شك لكن أين الدليل علماء السلف، الصحابة الأولون ما تكلموا في هذه القضية لكن لما خرجت المعتزلة بهذه العقيدة الباطلة المنحرفة طبعًا عن الأدلة الشرعية فقالوا أن كلام الله مخلوق؛ اضطر علماء السنة وبخاصة منهم علماء الحديث أن يقابلوا هذا القول بنقيضه وهو الصفة، وأن يقولوا كلام الله صفة من صفاته ولا يُعقل أن يكون مخلوقًا لكن هذا أشبه شيء بما يسمى بعلم الكلام، ولنقل عبارة أخرى أشبه شيء بالفلسفة من يفهم أن هذه صفة والصفة تبع للذات، والذات قديمة والصفات قديمة فيلزم منه أن الكلام ليس مخلوقًا؛ لأن هذا صفة للخالق ..، هذه أمور اجتهادية استنباطية وليست كل أمور اجتهادية استنباطية باطلة ولا هي كلها صواب
[ ٤ / ٤٩١ ]
لكن يختلف الأمر بين ما هو منصوص عليه وبين ما هو بطريق الاجتهاد والاستنباط لذلك نجد العلماء يومئذ ما قابلوا ضلالة المهدي بالخروج عليهم؛ لأنه صحيح جاء بأمر منكر لكن ما جاء كفرًا بواحًا، ولذلك لقوا ما لقوا من التعذيب والسجن وربما الموت والقتل وما خرجوا عليه، وهنا الآن نحن بعد أن تبيّن لنا ما هو الكفر البواح وضربنا بعض الأمثلة ما فائدة فهم هذا الحديث في هذا العصر حيث لا بيعة، أنا أعتقد أن الذين يثيرون هذا السؤال وأمثاله هم من جماعة الخوارج المحدثين، هم يحملون الفكر الجديد الذي تبنته جماعة سموا بحق أو بباطل بجماعة الكفر والهجرة
"الهدى والنور" (٢١١/ ٠٥: ٥٧: ٠٠)
[٦٣٢] باب هل تطبيق أنظمة الكفر السياسية
والاقتصادية يعد كفرًا بواحًا
سؤال: هل يعد تطيبق أنظمة الكفر السياسية والاقتصادية في بلاد المسلمين كفرًا بواحًا، وإن كان كذلك فما حكم منابذتهم بالسيف من قبل أهل القوة والمنعة الجيش مثلًا وما هو حكم من يطبق هذه الأنظمة الوضعية الكافرة؟
الشيخ: أولًا أعد السؤال أو أعد الأسئلة سؤلًا سؤلًا فما هو السؤال الأول؟
السائل: هل يعد تطبيق السياسية والاقتصادية في بلاد المسلمين كفرًا بواحًا؟
الشيخ: هذا يتعلق الكفر البواح الصريح لا يتعلق بالعمل فقط وإنما يتعلق بالعقيدة التي تقترن بالعمل، وإلا كان كل مرتكب لمخالفة شرعية كافرًا كفرًا بواحًا، فالذي يأكل الربا ويتعامل بالربا هذا ارتكب كبيرة من الكبائر بلا شك فلماذا لا يرد السؤال التقليدي هذا حول من يأكل الربا، مدير بنك مثلًا، موظف في
[ ٤ / ٤٩٢ ]
البنك، هل هذا يكفر؟ لا فرق بين آكل الربا وفرق بين مرتكبيها، سواء من حيث أنهم كفروا كفرًا بواحًا أي كفر ردة أو لم يكفروا كفر ردة، إلا إذا تميز أحدهم بشيء وقر في نفسه واستقر في قلبه فميز بذلك على غيره من أولئك المشاركين له في المعصية للرب ﵎، ما هو هذا الاعتقاد؟ فمن استحل الربا قلبًا وقالبًا فهو كافر مرتد عن دينه، وقس على ذلك كل المعاصي التي سردتها أنا، والمعصية التي أنت تدندن في السؤال حولها وهو الحكم بغير ما أنزل الله.
فمن كان يحكم بغير ما أنزل الله ليس فقط من الحكام الرؤوس، بل والذين أيضًا تحت أيديهم من القضاة من المفوضين كمدير البنك ومن دونه كلهم يشتركون في ارتكاب إثم الربا لكن هل يكفرون الجواب سبق: مَنْ استحل فعله بقلبه فهو كافر، كذلك نقول على رئيس الدولة الذي يحكم بالقوانين الوضعية ومن دونه ممن ينفذها كل ذلك إثم ومخالفة صريحة للشرع، لكن هل هو كفر بواح وصريح الجواب: كل من استحل من هؤلاء الأفراد من الرئيس إلى أصغر مرؤوس من استحل هذا الحكم بغير ما أنزل الله بقلبه فهو قد ارتد عن دينه هذا جواب سؤالك رقم واحد والرقم الثاني ما هو.
مداخلة: وإن كان كذلك فما حكم منابذتهم بالسيف من قِبَلِ أهل القوة والمنعة مثل الجيش؟
الشيخ: مثل الجيش هذا السؤال في ظني يسلم على بالتعبير سوري طبعًا يسلم على سؤال صدر آنفًا حول العملة الورقية هذا سؤال يتعلق بالخيال كيف تتصور جيشًا يستطيع أن يخرج على الحاكم بغير ما أنزل الله وهو جزء من هذا الحكم هذا خيال ولذلك لا تكن خياليًا كن واقعيًا ما هو السؤال الثالث؟
[ ٤ / ٤٩٣ ]
مداخلة: وما هو حكم من يطبق هذه الأنظمة الوضعية الكافرة؟
الشيخ: سبق الجواب.
"الهدى والنور" (٥٤١/ ٤٩: ٢٧: ٠٠)
[٦٣٣] باب الفرق بين التولي والولاية وهل يكفر من وقع فيهما؟
سؤال: ما هو الفرق بين التولي والولاية؟ وهل يحكم فيهما جميعًا على المعين بالكفر؟
الشيخ: لا لا يحكم بالكفر، لأنه الكفر كما نذكر دائمًا وأبدًا ينقسم إلى كفر عملي وكفر اعتقادي، فمن تولى الكفار عملًا هو فاسق، أما من تولاهم عقيدة فهو كافر.
"الهدى والنور" (٧٥١/ ١١: ٤٩: ٠٠)
[٦٣٤] باب حكم التحاكم إلى المحاكم
التي تحكم بالقوانين الوضعية
سؤال: [حكم] النزول إلى المحاكم، وأنتم تعرفون أن هذه المحاكم تحكم بغير ما أنزل الله ﷾، فإذا غلب على ظن الرجل بأن هذا الحق مهضوم ولا يمكن الحصول عليه إلا بواسطة هذه المحاكم، وهو في نظره أنه حق سواء كان قرض أو كان أجرة .. إلى غير ذلك، فهل يجوز خاصة وأنه يعلم أنه يوجد من القضاة من النصارى وليس من المسلمين وأنه قد يطبقون على هذا الشخص أحكام تناقض شريعة الإسلام، وهو لا يعلم مضمون هذه الأحكام الذي قد لا يطبقونها، فهل يجوز اللجوء؟ وهل يجوز للمحامي الذي يقول أنني لا أدافع إلا
[ ٤ / ٤٩٤ ]
عن الناس المظلومين الذين هضمت حقوقهم، والذين نهبت أموالهم من تجار ومن غيرهم، ولا أدافع عن جنايات يحكم فيها بغير ما أنزل الله، كمسائل القتل وما أشبه ذلك، هل يجوز له أن يدخل ويدافع في مثل هذه القضايا؟
الشيخ: بالقيد الذي ذكرته طبعًا يجوز، لكن أعتقد أنه صعب تحقيقه، هذا جواب الشق الثاني من السؤال.
أما الشق الأول فأنا شعرت أن سؤالك فيه تناقض؛ لأنه في أول كلامك أتى فيه أنه يعتقد أنه ..
مداخلة: يغلب على ظنه بأنه حق لن يحصل عليه إذا لم يلجأ إلى المحكمة، فإذا لجأ يغلب على ظنه أنه سيحصل على هذا الحق.
الشيخ: هذا هو، وبعد ذلك قلت أنه قد يحكم الحاكم وقد يكون نصرانيًا، فهل تعني أنه قد يحكم بخلاف الشرع؟
مداخلة: نعم، قد يحمل هذا الشخص أكثر مما عليه، يدفعه رسوم وأشياء ثانية وسجن وغيرها، يعني لا يقف القضاء إلى حد تحصيل الحقوق فقط، فقد يتجاوزها
الشيخ: إذًا نحن ما فهمنا عليك.
أنا الشخص المظلوم وزيد هو القاضي، الظالم هو ذاك بكر، أنا أريد منه ألف دينار، أنا الآن لي نظرة في القضاء بصورة عامة الآن أنه إذا قدمت شكوى على هذا الإنسان سأحصل على الألف دينار أو لن أحصله؟
مداخلة: بحصله، لكن يمكن يسجنوه ويدفعوه كمان غرامات ويعني يزيد
[ ٤ / ٤٩٥ ]
على هذا الشيء، ورسوم المحكمة ورسوم محاماة، ويعني أشياء ..
الشيخ: إذا كانت المخالفة تقف في هذه الصورة الذي أنت تصورها الآن؛ فهو المسؤول ليس المظلوم الذي يطالب بحقه، أما إذا كانت المحكمة ستعطيه أكثر مما يستحق، هذا الذي لا يجوز التحاكم فيه.
مداخلة: يعني أكثر من الألف دينار؟
الشيخ: نعم.
"الهدى والنور" (٢٧٤/ ٣٨: ٠٠: ٠٠)
[٦٣٥] باب لماذا لم يحكُم النجاشي بعد إسلامه بالإسلام؟ والربط بين ذلك وبين من لم يحكم بما أنزل الله من حكام زماننا
السائل: بالنسبة لموضوع النجاشي، يعني: كونه أعلن النبي ﵊ الصلاة عليه، هذه إشارة واضحة على أنه مات على الإسلام، لكنه قصر من ناحية أخرى في موضوع وهو حاكم بتحكيم شرع الله ﷿، فنريد تعليقك حول هذا الموضوع؟
الشيخ: أنا لا أتهمه بالتقصير مباشرة، ولكني أقول: إنه إن كان عند ربنا ﵎ غير معذور وليس في تطبيقه أحكام الشرع ابتداء، بل قبل كل ذلك في دعوته لشعبه الذي هو حاكم عليه إلى الإيمان بمثل ما هو آمن به، فهذا قبل أن يطبق الأحكام الشرعية، لأن الأحكام الشرعية تتطلب وجود محكوم لهم يتقبلون هذه الأحكام، فإذا كان شعبه من النصارى شأنهم شأنه قبل أن يهديه الله ﷿ للإسلام، فليس من المشروع بل ولا من المعقول لا من قريب ولا من بعيد أن يحكمهم بالإسلام، وهم لا يعلمون عن الإسلام شيئًا، بل إن أول ما يجب عليه
[ ٤ / ٤٩٦ ]
هو أن يدعوهم إلى الإسلام، وأن يوضح لهم هذا الإسلام الذي آمن به. يجب عليه، قبل أن نقول أنه مقصر في تركه لتحكيم أحكام ربه ﷿.
فالشيء الواضح البين تمامًا هو أن يدعوهم إلى هذا الإسلام الذي آمن هو به، كما أشار إلى ذلك رسولنا - ﵌ - في الكتاب الذي كان أرسله إلى هرقل ملك الروم قال له: أسلم تسلم، فإنما عليك إثم الأريسيين.
مداخلة: يؤتك الله أجرك مرتين.
الشيخ: مرتين، فإن لم تفعل فإنما عليك إثم الأريسيين، فدعاه الرسول ﵇ أول ما دعاه إلى أن يدخل في الإسلام، ثم بالتالي أن يدعو الأريسيين وهم الشعب وهم الفلاحين إلى أن يؤمنوا بمثل ما آمن به، ويكون بذلك له أجران: أجر إيمانه وأجر تسببه لإيمان شعبه بمثل ما آمن هو به.
أقول: هذا هو كان الواجب على النجاشي ﵀، لكن لا أقول كما جاء في السؤال: إنه مقصر في عدم تطبيقه للأحكام، لأن الأحكام هنا غير واردة، لكن قد يكون مقصرًا في عدم دعوته لشعبه إلى أن يؤمنوا بمثل ما آمن به، فنحن نكل الأمر إلى الله ﷿، ولا نقطع سلبًا أو إيجابًا بأنه كان مقصرًا أو كان غير مقصر، لكن أسوأ أحواله أنه كان مؤمنًا يكتم إيمانه، لكن لماذا؟ الله أعلم لماذا، فإن كان له عذر عند الله والله يعرف ويقبل وإلا فلا يقبل عذره، لكن ذلك لا يخرجه عن دائرة الإيمان، فهو مؤمن، شأنه في هذا شأن كثير من حكام زماننا اليوم الذين يظهر منهم بعض الإسلاميات، ويظهر منهم أشياء معاكسة، ومن أبرزها: أنهم لا يظهرون اهتمامًا بتطبيق أحكام الله وشريعته ﵎، فلا شك أن هذا تقصير، كما أن ذاك تقصير، لكن إما أن يكون معذوراُ أو ألا يكون معذورًا، فحساب كل من
[ ٤ / ٤٩٧ ]
هؤلاء وهؤلاء إلى الله ﷿، فمن لم يكن معذورًا فهو يستحق العقاب والعذاب عند الله ﵎، وإن كان معذورًا فربنا ﷿ يعامل كل إنسان بما يعرف من حقيقة أمره، هذا رأيي في موضوع النجاشي ﵀.
سؤال: كان الظن في هذه المسألة أنها تنفذ على مسألة تكفير تارك الصلاة والحكام.
الشيخ: لا، نحن ربطنا في الجواب بمسألة الحكام، والآن تكلمنا بشيء من التفصيل، أما قضية ترك الصلاة ما كان خاطرًا في البال، لكن أنا الآن يخطر في بالي شيء آخر، وهو يتعلق بتطبيق الأحكام، أنه هو لو آمن هو وشعبه فليس من المتيسر له أن يطلع بهذه السرعة على الأحكام، لأنه ليس عايش مع الرسول ﵇، ولذلك فليس مكلفًا أن يسارع في تطبيق الأحكام التي نزلت على النبي ﵇، وإنما يمكن أن يقال: ما يعلم من ذلك يطبقه، هذا هو.
مداخلة: إذًا أستاذي الكفر المنسوب إلى عدم تحكيم شرع الله ﷿ هو بما نعلم من أن الكفر دون كفر، وكفر عملي وكفر اعتقادي، وهكذا، يعني: هذا ينطبق على الآية حسب التخصيص.
الشيخ: أي نعم، يختلف باختلاف الأشخاص.
"الهدى والنور" (٢٥٧/ ٥٨: ٤٩: ٠٠)
[ ٤ / ٤٩٨ ]
موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر
محمد ناصر الدين الألباني
«موسوعة تحتوي على أكثر من
(٥٠) عملًا ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»
العمل الأول
سلسلة جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة
«تحتوي على ما يقارب ألفي مسألة
وفائدة عقدية مستخرجة من تراث العلامة الألباني بعناية»
(٣)
(الإسلام والإيمان والكفر - أهل الأعذار في العقيدة)
الجزء الثاني
صَنَعَهُ
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
[ ٥ / ٢٠٥١ ]
جماع أبواب الكلام حول حكم جحد شيءٍ من القرآن والسنة وحكم رد الأحاديث النبوية بالعقل ورد حديث الآحاد
[ ٥ / ٥٠٩ ]
[٦٣٦] باب حكم جحد شيء من القران أو الشك فيه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«لا تجادلُوا بالقُرْآن، ولا تكذِّبُوا كتابَ اللهِ بعضَه ببعْضٍ؛ فو الله! إنّ المؤمنَ لَيجادلُ بالقرآن فيُغلَبُ وإنّ المنافقَ لَيجادلُ بالقرآن فيَغلِبُ»
[قال الإمام]:
(فائدة): قال ابن عبد البر عقب الحديث:"والمعنى: أن يتمارى اثنان في
آية؛ يجحدها أحدهما ويدفعها، أو يصير فيها إلى الشك، فذلك هو المراء الذي
هو الكفر.
وأما التنازع في أحكام القرآن ومعانيه؛ فقد تنازع أصحاب رسول الله - ﵌ - في كثير من ذلك، وهذا يبين لك أن المراء الذي هو الكفر: هو الجحود والشك كما قال ﷿: ﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ (الحج:٥٥)، والمراء والملاحاة غير جائز شيء منهما؛ وهما مذمومان بكل لسان، ونهى السلف ﵃ عن الجدال في الله جل ثناؤه في صفاته وأسمائه.
وأما الفقه؛ فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك، وليس الاعتقادات كذلك؛ لأن الله ﷿ لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله - ﵌ - أو أجمعت عليه الأمة، وليس كمثله شيء فيدرك بقياس أو بإنعام نظر، وقد نهينا عن التفكر في الله، وأمرنا بالتفكر في خلقه الدال عليه" (١).
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٣٢٣، ١٣٢٥).
_________________
(١) قلت: وهو حديث قوي بمجموع طرقه، وقد خرجت بعضها في "الصحيحة" (رقم ١٧٨٨)، ثم وجدت له مرسلًا صحيح الإسناد، فألحقته به. [منه]
[ ٥ / ٥١١ ]
[٦٣٧] باب بيان كفر
من يدعي أن القرآن الذي بين أيدينا ليس كاملًا
[سئل الشيخ عن فتوته الخاصة بالخميني، فأجاب:]
الفتوى خلاصتها: أنه وقفنا على عبارات للخميني أنه يقول: كذا وكذا، أربع خمس عبارات، فهذه العبارات هي الكفر بعينه، وكل من يقول بهذا الكلام فهو كافر أو يكفر، وشرحنا هنا في الأسباب المقتضية لهذا الحكم، وبلا شك أنه نفس الكلمات عندما يقرأها مسلم مهما كان الثقافة الإسلامية ضحلة فهو لا يشك في أن هذا الكلام كفر.
من ذلك مثلًا أنه يقول في بعض كتبه: بأن أئمة أهل البيت هم من المنزلة عند الله ﵎ فوق منزلة الملائكة والرسل والأنبياء، ومن ذلك أنه يقول: أن مصحف فاطمة أظن مذكور هذا في الأشياء .. مصحف فاطمة هو المصحف الكامل، أما المصحف المتداول اليوم بين الأئمة فهو جزء من ذاك المصحف، وهذا كفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) وهكذا أربع خمس عبارات نقلت من كتبه .. كتب الخميني نفسه، هذه الأشياء خطيرة جدًا وكتابه الذي أصدره: «فوائد الثورة الإيرانية» هذه وهي: الكتاب المعروف: «بالحكومة الإسلامية»، لا أدري رأيتم هذا الكتيب الصغير؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لم تروه،، في هذا الكتيب الصغير الذي سماه: الثورة الإسلامية أو: الحكومة الإسلامية مع أن هذا الكتاب هو كتاب دعاية، والمفروض عند كل الناس المسلمين والكافرين أن أي كتاب سياسي لا يحسن بالكاتب أن ينشر في
[ ٥ / ٥١٢ ]
هذا الكتاب العقائد التي يعلم أن الخصوم سوف ينكرونها ويبادرون إلى عدم الاستجابة لمضمون الكتاب بصورة عامة، ومع أن الشيعة يوجد عندهم عقيدة يساعدهم أوسع ما تكون المساعدة في سلوك هذا السبيل السياسي وهو: كتمان عقائدهم عن الناس؛ لأنه يوجد لديهم شيء يسمى: بالتقية، لا بد أنك سمعت عن التقية شيء، فالأمر عندهم في موضوع التقية خطير جدًا بحيث أنه لا يمكن لإنسان يعرف أن عندهم التقية أن يركن إليهم؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهذا دين عندهم، فهو إذا قال لك عن شيء وهو يعلم أنه كاذب لا يستوحش من هذا الكلام إطلاقًا؛ لأن هكذا دينه الذي منه التقية يأمره بذلك.
فمع كون عندهم هذه التقية التي تسوغ لهم أن يقولوا ما شاؤوا، وعلى العكس أكثر من ذلك أن يكتموا عن الناس عقائدهم، لكن الله ﷿ لحكمته البالغة ألهم هذا الرجل الخميني في كتيبه المشار إليه آنفًا: الحكومة الإسلامية أن يبيح عن بعض العقائد مع أنه كتاب دعوة وسياسة، منها: ما ذكرته آنفًا من تعظيمه لأهل البيت أكثر من الملائكة والأنبياء والرسل.
ومن ذلك وهذه كفرية أخرى، وهي: أنهم يعني: أهل البيت يعلمون كل حركة تقع في الكون ما من ذرة تقع في الكون إلا وهم على علم بها، مع أن أهل البيت ماتوا وصاروا ترابًا مهما كان شأنهم، فجعلوهم شركاء في العلم مع الله ﷿، يعني: أشياء غريبة جدًا، فربنا ﵎ ليقيم الحجة على من قد يغتر بدعايتهم يعني: سَخَّرَ هذا الإنسان أن يضع في هذا الكتيب الذي هو كتاب دعاية العقيدتين الوافدتين، واحدة منها تكفي لتحذير الناس من الاغترار بما سموه بالثورة الإسلامية.
[ ٥ / ٥١٣ ]
ومع الأسف يعني: لما قامت هذه الثورة اغتر بها بعض الشخصيات الإسلامية ويمكن ذهبوا إليهم، فمنهم من رجع وقد تبين له الحق، ومنهم من لا يزال إلى الآن يدعو إلى دعوتهم
"الهدى والنور" (١٣٧/ ٠٠:٠٥:١٨)
[٦٣٨] باب حكم من يطعن في آيات الله وسنة نبيه - ﵌ -
مداخلة: شيخنا بالنسبة للذي ظهر في هذا الزمان من بعض النسوة من يتكلم في آيات الله ﷾، ويتهمها بالظلم، ومن قد تجرأ على أحاديثه صلى الله تعالى عليه وسلم، ولعلكم سمعتم شيخنا بالنسبة لهذا الأمر، إحدى النسوة تكلمت في أحاديث الرسول - ﵌ - وردتها، وقالت عن معنى قوله ﵎: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ (الأحزاب:٣٣)، قالت: هذا ظلم.
وقالت على أحاديثه - ﵌ - عن المرأة أنهن ناقصات عقل ودين. فقالت: هذا لا يختلف فيه اثنان بأن من يقول هذا بأنه مريض، وقد شتمت في هذا الرسول - ﵌ -.
في هذا الزمان الذي انقرض فيه حكم الله تعالى بالنسبة للحاكمين، هل يجوز لفرد من المسلمين أن يقاص هذه المرأة ويوقفها عند حدها، لتكون عبرة لمن اعتبر؟ يقتلها أو يفعل فيها شيء يكون عبرة؟
الشيخ: لا، هنا يصير مشكلة.
مداخلة: يعني يجعلها عبرة.
مداخلة:
[ ٥ / ٥١٤ ]
مداخلة: يعني يشوهها مثلًا.
الشيخ: إذا كان هذا هو بيت القصيد كما يقال، فأنا جوابي في هذا معروف دائمًا: أن إقامة الحدود ليست للأفراد؛ لأن ذلك يترتب منه مفاسد كثيرة وكثيرة جدًا، وبخاصة في مثل هذا الزمن الذي أشرت إليه، فالرجل الذي يريد مثلًا أن يقيم الحد على هذه المرأة بالقتل، على اعتبار أنها مرتدة مثلًا، أو أنه يؤذيها بعض الإيذاء؛ تأديبًا لها، هي لن تأخذها بمعنى التأديب، ستأخذها أولًا بمعنى الاعتداء عليها، ثم لا بد أن يكون لها أقارب أب أو أخ .. إلى آخره، فهم يقومون بدورهم بالاعتداء على المعتدي عليها .. وهكذا يتسلسل الاعتداء من مرحلة إلى أخرى، ويكثر الفساد في الأرض، وليس هذا هو المقصود من شرعية الحدود.
فإذا كان المقصود من سؤالك هذا هو فقط، فالجواب ما سمعت، لا يجوز مقاصصتها ولا يجوز إيذاءها بأي نوع من أنواع الإيذاء أو تعذيبها بأي نوع من العذاب، إلا للحاكم الذي يحكم بما أنزل الله، وطبعًا أنت قيدت، ما دام لا يوجد من يحكم بما أنزل الله، فإذًا: يحكم بذلك فرد من الأفراد.
هذا في الواقع من أخطاء بعض من يفكر من التكتلات الإسلامية أن يتولى بعض الأفراد إقامة الحدود، هذا لا يجوز إطلاقًا إلا في مجتمع تهيأت فيه أسباب إقامة الحدود التي يتحقق فيها قوله ﵎: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٧٩).
لكن الفرد حينما يريد أن يفرض نفسه حاكمًا على غيره، بالإضافة إلى المفاسد التي قد تترتب من وراء هذا الحكم أو التنفيذ مما أشرت إليه آنفًا، فقد يقع هو في مخالفة الشرع من زاوية أخرى وهي:
[ ٥ / ٥١٥ ]
مثل هذه المرأة مثلًا، أنا ما قرأت كلماتها، ونقل إلي شيء منها، لكن أنا أتصور أن مثلها كثير وكثير جدًا في المجتمع الإسلامي أنهم لا يميزون حديث الرسول ﵇ من أحاديث الناس، فهن يسمعن أن هؤلاء المسلمين المتسمكين أو المتنطعين في زعمهم والمتشدقين يقولون: أن النساء ناقصات
عقل ودين.
يظنون أن هذا رأيًا لهم، حكم مثلًا من الأحكام، لكن لا يعرفون أن هذا قاله الرسول ﵇ حقًا؛ حتى أنا أفترض ما هو أوسع من ذلك، لكي لا يقع المسلم في مؤاخذة شرعية، حتى لو كانت هي أو غيرها سمعت أنه حديث عن الرسول، هكذا يقول المشائخ، لكن هؤلاء المشائخ مشائخ مهابيل في رأيها، وليس عندهم وعي، وليس عندهم ثقافة، ما عندهم .. بالخلاصة: رجعيين يهرفون بما لا يعرفون، من هذا الكلام الكثير.
أي: أنها ليس قائمًا في ذهنها أن هذا فعلًا حديثًا قاله نبي الإسلام؛ لذلك هذه المرأة وأمثالها لو كان هناك حاكم مسلم، أفترض أنه أنا هذا الحاكم المسلم -لا سمح الله- ما رأيك؟
مداخلة: إن شاء الله تكون حاكم مسلم وتحكم المسلمين.
الشيخ: المقصود: أفترض أن حاكمًا من حكام المسلمين على الكتاب والسنة، لا يأتي إلى هذه المرأة ويحاسبها ويأخذها من ذيلها، وإنما يمسكها من رأسها من عقيدتها، يسألها: هل أنت مسلمة؟ فتقول: أي نعم، الحمد لله أنا مسلمة؟ تؤمنين بالله ورسوله؟ أي نعم. يقينًا؟ أي نعم. ما رأيك إذا ثبت عندك حديث عن الرسول ﵇، وخالف هواك أو عقلك أو ثقافتك هذه التي
[ ٥ / ٥١٦ ]
ترين نفسك فيها .. إلى آخره، ما موقفك بالنسبة لحديث كهذا، أو قبل الحديث، هذا الشيخ الحاكم المزعوم بيخطئ، سيأتي لها بآية مثلما أنت قلت عن تلك الآية: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ (الأحزاب:٣٣)، أنت تقولين أنك مؤمنة بالله ورسوله، بالكتاب والسنة؟
أي نعم.
هل تعرفين أن هذه آية في القرآن الكريم؟
لا والله أنا لا أعرف.
إذًا: لا يجوز أن يقال أنها مرتدة عن دينها؛ لأنها لا تعرف أن هذا من دينها، هذا جهل.
فهذا الذي نصب نفسه حاكمًا يريد أن يقاصصها، يريد أن يؤدبها .. إلى آخره، لكن هو لم يفهم أنها عن علم أوعن زندقة، أو عن جهل؟
وأنا الحقيقة لا ألوم كثيرًا من الشباب ولا الشابات؛ لأنهم يسمعون أشياء هي من الإسلام والإسلام بريء منها كما يقال: براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأنتم تشاركوني في هذا الرأي؟
مداخلة: أكيد.
الشيخ: وأنا أذكر لما كنت في دمشق وألقي دروسًا هناك أسبوعية منظمة، كانت تأتي مناسبة نتحدث فيها على بعض البدع، وعلى بعض الصوفيات المقيتة من الآراء والأفكار، هناك صاحب الدار الذي كان الله يجزيه الخير، عطل الدار عن أن يتم بناءها، ليقطعها إلى غرف، وجعل هذه الغرف ينفذ بعضها إلى بعض في
[ ٥ / ٥١٧ ]
سبيل أن الجمع يسمع كل ما يقوله الشيخ، فأوقفه تقريبًا إيقافًا مؤقتًا، لكنه عاقل وذكي مع أنه شبه أمي، يقف هناك ويقول: يا إخواننا! والله لا تؤاخذون هؤلاء الشيوعيين إذا كفروا بالإسلام؛ لأن الحقيقة أنهم يسمعون كلمات من المشايخ، فيقولوا: إذا كان هذا هو الإسلام، فنحن بريئين من هذا الإسلام، يرون مظاهر من بعض المشايخ تقرف النفوس، عندنا هناك عادة، بعض الناس خاصة في المسجد الكبير في دمشق الذي هو مسجد بني أمية، في بيوت قضاء الحاجة هناك صفين، وممر بين الصفين، تجد بعض الشيوخ يطلع من قضاء الحاجة يكون لابس صاية مفتوحة، يطلع من المرحاض يحط يده ويغطي، ويمشي ويدبك برجليه ويهز، من شان يتصفي.
مداخلة: الله يهديه.
الشيخ: مهزلة ما بعدها مهزلة، هذا هو الإسلام، لا أريد هذا الإسلام، ويسمعون كلمات خرافية وسخافة .. إلى آخره، لذلك يقول: لا تؤاخذوا هؤلاء الناس الشيوعيين عندما يقولون أن الدين أفيون الشعوب، هذا صاحبنا الأمي يقول: لا تؤاخذوا الشيوعيين عندما يقولون أن الدين أفيون الشعوب؛ لأن الحقيقة هذه الأشياء التي يسمعونها، هذه ليست من الإسلام، وحق أن يقول هؤلاء أن الدين أفيون الشعوب؛ لأنهم لا يفهمون الإسلام الصحيح.
فالآن ماذا نفترض في هذه المرأة، نرى دكاترة ومتخصصين في الشريعة غير فاهمين الإسلام، ذلك اليوم تسألني امرأة في الجامعة، وهي تدرس في الجامعة أيضًا، ناقشها دكتور في موضوع علو الله على العرش، يقول الدكتور: هذا خطأ، الله في كل مكان.
[ ٥ / ٥١٨ ]
مداخلة: الله يهديه.
الشيخ: والله! هذه العقيدة الكافر لا يقبلها، وأنا دخلت في تجربة، كنت مرة منطلق من حلب إلى إدلب، ومن إدلب إلى اللاذقية غربًا هناك في سوريا، وكان معي أحد إخواننا اسمه عبد الرحمن شلبي، ذهبنا إلى اللاذقية من إدلب، تعرفون الأوروبيين عندهم طريقة الشحاذة، الذي يكون في سيارة مجانًا ماذا يعملوا.
مداخلة: ستوب بيسموها.
الشيخ: ما أعرف، يوقف شحاذ في الطريق بس بطريقة عصرية، وأنا ماشي بسيارتي وبجانبي صاحبي، طبعًا مسرعين بعض الإسراع، أو كثير الإسراع، ما أدري ، المهم بعدما قطعنا شوطًا سمعنا أن هناك شخصًا رافع إبهامه، وقفنا هكذا وتطلعنا بالمرآة، فعلًا: ما رأيك يا عبد الرحمن، دعنا نأخذه معنا، السيارة فاضية، الشاهد، رجعنا والله، وإذ بالرجل أمريكي، وزوجته واقفه ، ولكن ليست واقفة علنًا، (واقفة) جانبًا، فلما أوقفنا السيارة أشار إليها، فقلت (لأخينا) عبد الرحمن، إذًا: سنقطع الطريق معهما بعدما عرفنا أنهم أجانب، الشاهد: ركبوا الاثنين ومشينا، صاحبي يرطن الانجليزية، أما أنا لا أرطنها، حسبي ألبانيتي.
بدأ قلت له: اسألهم من أين هم، حتى وصلنا: ما هي عقيدتك أنت في الله ﷿، قال: في كل مكان. هذه عقيدة الدكتور، غرابة أن تكون عقيدة واحد كافر أمريكي، ليس هناك غرابة، فقلت أنا لصاحبنا: قل له كذا .. قل له كذا .. وهو يترجم حتى وصلنا إلى بيت القصيد، قال لي: والله هذا هو المعقول، المعقول أن الله فوق المخلوقات كلها؛ لأنه كان وليس هناك خلق، لا زمان ولا مكان، كيف يقال أن الله في كل مكان، الدكاترة المصريون لا يفهمون بعد هذه العقيدة،
[ ٥ / ٥١٩ ]
ويلقنونها الطلاب، وفي الأزهر الشريف، ويأتي الأزهري ويناقشك ويضللك فوق هذا؛ لأنك تقول: الرحمن على العرش استوى.
فما يؤاخذ كثير من الناس من الرجال فضلًا عن النساء، أنهم إذا أنكروا حقائق شرعية؛ لذلك أنا مذهبي، وقلت هذا مرارًا وتكرارًا قريبًا وبعيدًا: لا نسارع في إطلاق كلمة الكفر على أحد ممن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا بعد الاستنطاق والاستجواب؛ فإذا تبين أنه يعني ما يقول، فهنا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل من الحاكم المسلم، نسأل الله أن يوجده لنا.
مداخلة: الصحيفة تقول أنهم طلبوا منها في المحكمة أنها تعود عن قولها بعدما فهموها الأمر، فهموها أن أنتي مخطئة وتكلمتي .. إلى آخره، وعودي عن قولك ولن نعمل محاكمة، اكتبي في الجريدة: أنه أنا أخطأت كذا .. إلى آخره، فقالت: أنا مصممة على ما أنا أقوله، والذين تريدونه اعملوه، فأقيمت المحكمة، الآن أريد أن أقول: إذا قالت هذا اعتقادًا وهي أثبتت أنها معتقدة فيما تقول، وتبرع أحد المسلمين على أن يقتلها، وتبرع بنفسه، وحتى أنه يسلم نفسه أنه أنا قاتل هذه المرأة واعلموا هذا حتى تكون عبرة لغيرها، واستشف من حديث لعله يكون ضعيف أو صحيح لا أدري، أن أحد الصحابة الكرام وكانت عنده زوجة قد شتمت الرسول - ﵌ -، فوضع خنجره على صدرها واتكأ عليها فماتت، فبلغ ذلك الرسول - ﵌ -، فقال: إنها شتمتك يا رسول الله!
الشيخ: هذا حديث صحيح.
مداخلة: الحمد لله.
الشيخ: أي نعم، لكن الذي يطبق هذا الحكم في هذا الزمان يكون عندي
[ ٥ / ٥٢٠ ]
حيوان؛ لأنه هذه لها أخوات أو ليس لها أخوات، أقصد بأخوات مثيلات.
مداخلة: والله ما أكثرهن بهذا الزمان.
الشيخ: فهذا الحيوان كل ما سمع بواحدة مثل هذه يريد أن يقتلها؟
مداخلة: بس هذه أشهرت في ظنه، أشهرت علنًا.
الشيخ: لا يجوز هذا يا أخي، ما دام المجتمع كله فاسد، فنرجع إلى أصل المنهج التربوي، هل تكون التربية باستعمال القوة، أنت اليوم وأنا وكل هؤلاء المسلمين ضعفاء، فإذا أردت أن تقوم الاعوجاج القائم في المجتمع، فسيقضى عليك وعلى من يلوذ بك، ويقضى على الدعوة في النهاية.
مداخل آخر: بالنسبة لقضية هذه المرأة، اليوم في الجريدة شيخنا كاتبة المقال هي نفسها، فيعني معتذرة شبه اعتذار مُبَطَّن، يعني ما قالت تراجعت أنا، وقلت كذا ..
الشيخ: ولا بيقولوها، المشايخ لا يقولوها.
مداخلة: والله صحيح يا شيخ.
فهي تقول: هؤلاء يشككون في إسلامي وإيماني، وتقول هذه الأشياء التي قالوها محض افتراء، وقالوا عن البيان أن فيه مناقضة لكلام الله وكلام رسوله، وأنا ما طلبت إلا ما في القرآن وما في الأحاديث، وهذا هو بياني.
فهذا شبه اعتذار مبطن، ومثلما تفضل الأستاذ نحن لا نريد من الناس أن يقولوا: والله إحنا كفرنا وتبنا، لكن مثل هذا ألا تستمر في كفرها ..
"الهدى والنور" (٢٨٢/ ٥٤: ٠٨: ٠٠)
[ ٥ / ٥٢١ ]
[٦٣٩] باب هل الكفر في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ اعتقادي أم عملي؟
سؤال: الاستهزاء بالدين الذي جاء في قوله -﵎-: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة:٦٦)، السؤال: هل الكفر هنا اعتقادي أم عملي؟
الشيخ: لا شك هذا كفر اعتقادي، بل هذا كفر له قرنان؛ لأن الاستهزاء بآيات الله -﷿- لا يمكن أن يصدر من مؤمن مهما كان ضعيف الإيمان، وهذا النوع من الكفر هو الذي يدخل في كلامنا السابق حينما كنا نقول: (لا يجوز تكفير مسلم إلا إذا ظهر من لسانه شيء يدلنا على ما وقر في قلبه) فهنا استهزاؤه بآيات الله -﷿-، هذا أكبر إقرار منه على أنه لا يؤمن بما استهزأ به، فهو إذًا كافر كفرًا اعتقاديًا.
"الهدى والنور" (٦٧٢/ ٤٤: ١٠: ٠٠)
[٦٤٠] باب حكم الاستهزاء بكلام الله ورسوله - ﵌ -
السائل: ما جزاء من يستهزئ بكلام الله ورسول الله.
الشيخ: طبعًا كُفر الاستهزاء بالله وآياته كفر.
"الهدى والنور" (٤٣١/ ٠٠:٣٩:٠٨).
[٦٤١] باب حكم منكري السنة؟
السائل: سؤال فضيلة الشيخ: بما يُرَدُّ على من لم يحتج بالحديث الصحيح نتيجة أنه لا يُصَرَّح في القرآن على هذا الأمر، أو يتأول الحديث على ما يوافق هواه؟
[ ٥ / ٥٢٢ ]
الشيخ: كيف طبعًا هذا لا يكون مسلمًا؛ لأن الله ﷿ قد أمر حينما يختلف الناس ويتنازعون في شيء ما من الأحكام أن يرجعوا إلى أمرين اثنين: إلى كتاب الله وسنة رسول الله - ﵌ -، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء:٥٩) وقد اتفق علماء التفسير على أن الرد في هذه الآية إلى الله إنما هو الرد إلى كتابه، وهذا من البداهة والظهور بمكان؛ لأن الرد إلى الله لا يعني كما لو رد الأمر إلى حاكم أو قاضي فيذهب المتخاصمان إليه، فربنا ﷿ لا يمكن للبشر أن يرتدوا إليه لذاته ﵎؛ ولذلك أجمعوا على أن المقصود بالرد إلى الله لتقدير مضاف محذوف أي: إلى كتابه.
كذلك بالنسبة للرد إلى رسوله: لا يمكن الرد إلى شخصه وبخاصة لمن كان بعيدًا عنه في حياته وبصورة أخص بالنسبة للذين جاءوا بعد وفاته ﵇ فلا يمكنهم الرد إلى شخصه فأيضًا الأمر أن المقصود بالرد إلى الرسول الرد
إلى سنته.
فمن زعم بأنه يستكفي بالقرآن دون السنة فقد كفر بالله ورسوله لهذه الآية وبأمثالها من آيات كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب:٣٦) وقوله ﵎: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) فمن لم يؤمن ببيانه ﵊ الذي هو كما يضاف إليه هذا البيان للقرآن ، والآية الأشهر في هذا المجال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء:٨٠).
فالذي يزعم بأنه لا يتحاكم إلى سنته ﵇ وإنما إلى القرآن فهو ليس
[ ٥ / ٥٢٣ ]
مؤمنًا بالقرآن وإنما يصدق عليه ما قاله تعالى في بعض أهل الكتاب: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة:٨٥) ولذلك جاء التحذير الشديد من النبي - ﵌ - عن الاعتماد على القرآن فقط دون السنة فقال ﵊: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يقول: هذا كتاب الله فما وجدنا فيه حرامًا حرمناه وما وجدنا فيه حلالًا حللناه ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» (١)؛ لأنه كما جاء في القرآن: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٣، ٤).
وختامًا: قد جمع المصدرين الأساسين للمسلمين كتابًا وسنةً في قوله - ﵌ -: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» فمن صرح من المسلمين ولو كان يصلي ويصوم بأنه لا يعتمد في دينه إلا على القرآن الكريم فهو كافر، وأول ما يدل على كفره وتناقضه أنه يصلي صلاة إن كان مخلصًا في هذه الصلاة، هذه الصلاة لم تأت في القرآن فمن أين جاءته هذه الصفة؟ من ركوع .. سجود .. وأذكار وتشهد، هذه التفاصيل كلها إنما جاءتنا من طريق رسول الله - ﵌ - فمن زعم أنه لا يعتمد إلا على القرآن فلا يصح إسلامه، بل لو كان هناك حاكمًا ينفذ الشرع بجميع أحكامه يستتاب فإن أصر على أنه لا يعتمد في دينه على القرآن قتل كفرًا وليس حدًا، وإن تاب تاب الله عليه.
"رحلة النور" (١٠ب/٠٠:٢٩:٢٥)
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٢٦٥٧).
[ ٥ / ٥٢٤ ]
[٦٤٢] باب هل من رد السنة يكفر؟
سؤال: شيخ كلمة الإمام أحمد "من رد السنة فقد كفر"؟
الشيخ: الله المستعان، طبعًا هو المقصود من رد السنة كأصل، فهذا صحيح.
مداخلة: لا، لكن أقول هو الإمام أحمد لما ساقها في مورد قصه ما تحضرني الآن أن رجل بلغه حديث النبي - ﵌ - فرده، فقال من رد السنة فقد كفر.
الشيخ: نحن إذا أخذنا هذه الجملة وتأولناها بأن المقصود رد السنة إطلاقًا والذي جاءت المناسبة من أجل هذه الجملة في جزء، فلا شك أن إنكار السنة إطلاقًا ردة، لكن إنكار حديث بذاته، أنا لا أقول بهذا الكلام في خصوص حديث معين، وأنا أفرق بين إنكار السنة جملة وتفصيلًا، وبين إنكار جزء من السنة، فإذا كان هذا الإنكار لهذا الجزء مع الاعتراف بأن الرسول - ﵌ - فعل أو قال فهو ردة أيضًا، أما إذا كان إنكار كما هو شأن كثير من أهل الأهواء والبدع؛ لأنه لم يثبت عنده ولو بسبب جهله، فأنا أعتقد بفسقه وليس بكفره، أكبر مثال اليوم هؤلاء، الرجل الذي كنا نتكلم عنه آنفًا السقاف وقبله حسان، وقبل هؤلاء الذي بليتم بإقامته عندكم وتدريسه عندكم وهو الغزالي.
مداخلة: والصابوني
الشيخ: لكن الغزالي غير.
مداخلة: صريح.
الشيخ: الصابوني الآن يصحح أحاديث في مختصر لابن كثير، ابن كثير ما صححها، لكن بجهده هو، بأسلوب سوق ابن كثير للأحاديث وجهله بعلم
[ ٥ / ٥٢٥ ]
الحديث، يظن أن سكوت ابن كثير على بعض الأحاديث التي ذكرها وبخاصة فيما كان منها مسبوق بالسند من المسند مثلًا أو غيره، علماء الحديث يقولون بأن المؤلف إذا ساق الحديث عن الرسول ﵇ بإسناده منه إلى الرسول - ﵌ - أو بإسناد نقله من بعض المؤلفين إلى الرسول ﵇ فلا مسؤولية عليه، فهو بريء الذمة، ولكن هذا الأسلوب يعني أيها القارئ انظر فأنا ما سقت السند إلا لتنظر لا لأعتقد أن هذا السند صحيح وأنا كنت استغنيت عنه وقلت كما يقول في الغالب إسناده صحيح .. إسناده حسن .. إلى آخره.
فالصابوني يصحح أحاديث لو سئل الغزالي عنها لأنكرها أشد الإنكار، فأسلوب الغزالي أسلوب عقلي هوائي.
"الهدى والنور" (٥٩٧/ ٤٠: ١٤: ٠٠) و(٥٩٧/ ٥١: ١٦: ٠٠)
[٦٤٣] باب هل يكفر من ينكر الحديث المتواتر
[تكلم الإمام عن كون التواتر أمر نسبي فقد يتواتر عند بعضهم ما لم يتواتر عند الآخرين، ثم قال]:
المسألة الثانية: حكم من ينكر الحديث المتواتر؟
الجواب عن هذه المسألة الثانية تنبني على المسألة الأولى، إذا عرفنا إنه القضية نسبية فلا يجوز تكفير من ينكر حديثًا، هو متواتر عند بعضهم، وغير متواتر عند البعض الآخر، على أنه نفترض حديثًا مجمعًا على تواتره، ومثال هذا معروف في كتب المصطلح، ألا وهو قوله ﵇: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» حينئٍذ نقول: لا فرق بين تكفير أو عدم تكفير منكر الحديث المتواتر أو منكر حديث الآحاد الصحيح لا فرق بينهما لماذا؟ لأنه العبرة بقناعته
[ ٥ / ٥٢٦ ]
الشخصية هو، إذا افترضنا إنسانًا عالمًا هو يعتقد بأن حديثًا ما صحيح، قاله الرسول، لكن هو ليس عنده متواتر وأنكره فقد كفر، عرفت ليش؟ لأنه عرف أنه خالفه ﵇، لكن لا بطريق التواتر، [بل] طريق الآحاد، والعكس بالعكس تمامًا، هو لم يصح عنده حديث متواتر عند غيره، فلا يجوز تكفيره؛ لأنه العبرة بما قام في نفسه سلبًا أو إيجابًا، أظنه الآن ظهر لك أنه تكفير منكر حديث التواتر أو عدم تكفيره كتكفير منكر الحديث الصحيح أو عدم تكفيره؛ لأنه في كل من الأمرين العلة هو ما قام في نفسه بغض النظر أنه متواتر أو غير متواتر، إن قام في نفسه إنه هذا حديث صحيح ثم جحده فهو كافر، وإن قال في نفسه بأنه غير صحيح فلا يجوز تكفيره؟
مداخلة: حتى لو أجمعت الأمة على إنه هذا الحديث متواتر، يعني: علماء الأمة أجمعوا على أن هذا الحديث متواتر
الشيخ: أنا ضربت لك مثال إنه الإجماع موجود في حديث: «من كذب عليَّ متعمدًا» هذا الإجماع الذي ينكره هل هو صار عنده قناعة ووجدانية ضميرية نفسية بأن الأمة مجمعة؟ فإذا حصل هذا وأنكر فهو كافر، لكن هذا تصوره
صعب جدًا.
"الهدى والنور" (١٣٤/ ٣٤: ٠٠: ٠٠)
[٦٤٤] باب الضابط في تكفير المستهزئ بالسنة، وهل إنكار خبر الآحاد يعد كفرًا؟
سؤال: يسأل السائل ما الضابط في تكفير المستهزئ بالسنة أهو العلم بكونها سنة أم غير ذلك.
[ ٥ / ٥٢٧ ]
الشيخ: لا شك أنه لا يجوز تكفير مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا وهو يعلم أن الذي ينكره هو ثابت في السنة، أما إذا كان جاهلًا فينبغي أن يُعَلَّم بدل أن يكفر، فمن أنكر شيئًا يؤمن بثبوته في السنة ومع ذلك فهو أنكره هذا بلا شك كافر يحل دمه.
وهذا الجواب يجرنا إلى مسالة خلافية منذ قديم ألا وهي أن كثير من العلماء المتأخرين يقسمون الحديث النبوي من حيث وروده إلينا إلى قسمين حديث متواتر، وحديث آحاد، ويبنون على ذلك أنهم يقولون من أنكر حديث التواتر فهو كافر، ومن أنكر حديث الآحاد فليس بكافر، أنا أعتقد أن هذا الجواب التفصيلي قائم على التفصيل السابق للحديث المتواتر وحديث الآحاد، وكلٌّ من التفصيلين لا أصل له في الشرع، من حيث الواقع في حديث متواتر وفي حديث آحاد؛ لأن التواتر والآحاد هو طريقة وصول الحديث إلى فرد من الأفراد، لكن هذا ليس من طبيعة الحديث، لأن الحديث هو ما صدر من فم الرسول ﵇ وليس من القرآن، فالتفصيل السابق بالتفريق بين من أنكر حديث التواتر فهو كافر، ومن أنكر حديث الآحاد فهو فاسق، هذا ليس دقيقًا؛ إنما الصحيح أن يقال: كل من أنكر حديثًا يعتقد أن الرسول قاله فهو كافر سواء كان هذا الحديث عند زيد من الناس متواتر أو آحاد، المهم أن الشخص الذي أنكر الحديث يعتقد أن النبي ﵇ قاله مع ذلك بيقول لك: هذا الحديث لا يمكن أن يُقبل لأنه ما يدخل في العقل إلى آخر الفلسفة العصرية المعروفة اليوم أما كونه حديث متواتر أو حديث آحاد فهذا التفصيل لا يمكن أن يعرفه إلا في المليون واحد من المسلمين، وبالكاد أن يوجد هذا الواحد في المليون، ولذلك أنا اعتقد أن من الدسائس التي أدخلت في الإسلام بسوء نيه أو بحسن قصد لكن على كل حال هذا دخيل في الإسلام ألا
[ ٥ / ٥٢٨ ]
وهو التفريق بين الحديث الحديث الآحاد وحديث التواتر، ثم ربط نتيجة تختلف واحدة عن الأخرى باختلاف كون الحديث متواترًا أو آحادًا.
ذكرنا آنفًا من جملة النتيجة إنه إن من أنكر حديث التواتر فهو كافر، هو حديث متواتر عند أهل العلم، نرجع لنفس المعنى السابق، لنأتي بمثال آخر فيما بعد حديث متواتر عند أهل العلم لكن ملايين المسلمين ما عندهم خَبَرُهُ هذا الحديث، فواحد سمع به قال: هذا مش معقول مش مقبول، لكن ما عنده علم بأن هذا حديثًا قاله الرسول لكن أهل العلم يقولون حديث متواتر، وعلى عكس ذلك هو يعلم هو حديث ثابت عن الرسول لكن مو متواتر مع ذلك هو بينكره، الأول ما يكفر، والآخر بيكفر.
نتيجةٌ أخرى نتجت من التفريق بين حديث الآحاد وحديث التواتر؛ حديث الآحاد يؤخذ فيه بالأحكام دون العقيدة، حديث التواتر لا يجوز الأخذ به في العقيدة أو على الأقل لا يجب الأخذ به في العقيدة فرقوا بين حديث الآحاد فيؤخذ به في الأحكام ليس في العقيدة، أما العقيدة فلا بد أن يكون الحديث فيها - أيش؟ - متواتر هذا الكلام من العجائب أنه يقرره بعض العلماء قديمًا وحديثًا؛ لو سئل هذا العالم الحديث صحيح ولَّا ضعيف؟ ما بيعرف فضلًا أن يعرف إذا قيل له هذا متواتر وإلا آحاد، (سيقول لك) شو بيعرفني هذه ما هي شغلتي؛ (إذًا كيف) قررت تفرق بين الحديث الآحاد وحديث التواتر، ورتبت على ذلك أنه من ينكر حديث الآحاد في العقيدة لا ضير عليه لأن العقيدة لا تثبت إلا بحديث التواتر.
مع الأسف الشديد حزب التحرير وقع في هذه الطابوسة بالتعبير السوري يعني في هذا المطب في هذه الحفرة، فقال أول ما نشأ حزب التحرير: لا يجوز
[ ٥ / ٥٢٩ ]
أخذ حديث الآحاد في العقيدة، وبعدين صار مناقشات بينهم وبين بعض أفراد من أهل السنة عدَّلوا عبارتهم؛ كانت سابقًا: لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، فحولوها إلى لا يجب، كانوا من قبل في العبارة السابقة: لا يجوز؛ يعني: أن الحزبي التحريري حرام عليه أن يعتقد بحديث آحاد، لكن لما عدلوا العبارة أعطوه فسحة شويه، لا يجب عليك؛ فأنت حر بقى تأخذ بهذا الحديث ولّا ما تأخذ ما في مانع، في الأول: لا يجوز، وجرى طبعا ًمناقشات كثيرة هناك في دمشق وغير دمشق من سوريا بيني وبينهم، فاضطروا أن يعدلوا هذه العبارة وكان من جملة ما قلت لهم: يا جماعة أنتم عندما تقولون لا يجوز الأخذ بحديث الآلحاد في العقيدة معناه أنكم لا عقيده عندكم قائمة على السنة، لا يوجد هناك عقيدة تعتقدونها مأخوذة من السنة من الحديث؛ لماذا؟ لأنكم تشترطون أن يكون متواترًا، لكن هذا الحديث المتواتر في واقعه عند أهل العلم هو مجهول عند غير أهل العلم، ونُعَدِّل العبارة فنقول هذا الحديث عند أهل الاختصاص في الحديث وما أقلهم وخاصة في هذا الزمان يكون متواترًا، لكن عند عامة العلماء فضلًا عن عامة المسلمين ما عندهم خبر إلا أنه حديث آحاد، ولذلك فسوف لا تقيمون عقيدة على حديث ولو كان متواترًا عند أهل العلم؛ لماذا؟ لأنه سيعود إليكم حديث آحاد.
كنت ضربت لهم مثلًا قلت لهم: شيخكم الشيخ تقي الدين النبهاني نفترضه بأنه أعلم أهل الزمان في الحديث وهو ليس كذلك لكن نفترض كذلك، بحث في حديثٍ ما بحثًا هو شأنه لأنه متخصص فخرج معه أنه حديث مثلًا مثلًا: «اتقوا البول فإن عامة عذاب القبر منه» (١)، ثبت لديه مثلًا أن هذا الحديث حديث
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٣٠٠٢) بلفظ: «تنزهوا من البول ».
[ ٥ / ٥٣٠ ]
متواتر، إذًا هو تضمن: إن في عذاب قبر؛ هم لا يؤمنون بعذاب القبر؛ لأن ما في بالقرآن زعموا.
الآن شيخكم يقول: قال رسول الله - ﵌ -: «اتقوا البول فإن عامة عذاب القبر منه»، حديث متواتر عندي، أنت يا حزبي هل عندك متواتر؟ لا، ليه؟ لأن التواتر يشترط عند أهل العلم أن يتسلسل في كل طبقة؛ يعني حديث رواه أبو بكر الصديق وحده رواه عنه مليون شخص هذا حديث آحاد، مليون من الصحابة رووا حديثًا نقله إلينا واحد هذا حديث آحاد؛ إذًا لازم هذا التواتر، نخفف العدد شوية لا يكون خياليًا يكون واقعيًا؛ حديث رواه عشرة من الصحابة، وعنه عشرة من التابعين، وعنه عشرة من أتباع التابعين، وهكذا إلى أن سُطِّر هذا الحديث في عشرات كتب السنة بهذا التسلسل؛ عشرة من الصحابة، عشرة من التابعين إلى آخره، يجيء تقي الدين النبهاني وجد لهذا الحديث عشرة طرق صار عنده قناعة يقينية أن هذا الحديث قطعي قاله الرسول ﵇، وهذا واقع لكن حينما يقوله لحزبه: هذا الحديث المتواتر، فكل حزبي يصبح عنده الحديث حديث آحاد ليه؟ لأن الذي نقل له التواتر هو واحد انتبَهَ الحزبي، يمكن يقول: هذا حديث متواتر عندي- عند حزب التحرير-، وهذا لا وجود عنده ولاعند غيره من الأحزاب، في عندهم عشرة من المتخصصين في علم الحديث؛ الشيخ تقي الدين والشيخ أحمد ومحمد وعبد الرحيم وعبد الرحمن إلى آخرة عشرة، كل واحد بحث في هذا الحديث ووجده متواترًا، العشرة هذول يعلنون على الملأ- حزب التحرير- أن الحديث الفلاني حديث متواتر، حينئذ يصبح هذا الحديث عند كل الأفراد حديثًا متواترًا ليش؟! لأن الذي نقل التواتر هو متواتر هو عشرة أشخاص، لكن هذا لا وجود له هذا لا وجود له.
[ ٥ / ٥٣١ ]
ولذلك أنا قلت لهذه الجماعة: أنتم لا يمكن أن تجدوا حديثًا متواترًا؟ لأن لأنه مرة من المرات صارت مجادلة بيني وبينهم يا جماعة أنا شايف كتبكم ممتلئة بالأحاديث الضعيفة والتي لا أصل لها إلى أخره قالوا نستعين بأمثالك قلت لهم ما شاء الله بدكم تستعينون برجال من خارج حزبكم لازم العلم ينبع منكم ويرجع على غيركم إلى آخره، فقلت لهم افترضوا أنه أنا هذا الحديث ثبت لدي بطريق التواتر، قلنا لكم حديث عذاب القبر متواتر، هذا ما أفاد التواتر عندكم؛ لأن أنا شخص واحد لابد أن يجيكم من أطراف العالم الإسلامي علماء متخصصون في علم الحديث يقولون نفس القول هذا بأن حديث عذاب القبر متواتر وهذا غير واقع، لذلك لا يمكن أن أتصور أنكم تؤمنون بعقيدة نابعة من حديث متواتر؛ لأن هذا التواتر لا وجود له، مش عندكم كأفراد من حزب التحرير؛ عند شيخهم الكبير تقي الدين؛ لأنه هو كأي قارئ يقرأ في كتاب يقرأ أن هذا حديث آحاد أو حديث تواتر لكن ما صار متواترًا عنده؛ لأنه قراه بدلالة شخص واحد، وهذا يختلف اختلافًا كبيرا في الحكم على الحديث بالتواتر.
في البحوث الفقهية علماء الأحناف عندهم فلسفة أخرى تتعلق بالفقه، علماء الكلام جاؤوا بالفلسفة السابقة حديث الآحاد لا تؤخذ منه عقيدة، لكن فقهاء الحنفية أيش قالوا؟ قالوا حديث الآحاد لا يجوز تخصيص القرآن به، تخصيص القرآن لا يجوز؛ لأن القرآن متواتر، وحديث الآحاد غير متواتر وبهذا الجواب يعطلون عشرات الأحكام الشرعية الثابتة في السنة الصحيحة، من ذلك مثلًا يختلفون مع جماهير الفقهاء في حكم قراءة الفاتحة؛ الجماهير يقولون: بأنها ركن من أركان الصلاة، وهم يقولون: لا هذا واجب وليس بفرض، فضلًا عن أن يكون ركنًا لا تصح الصلاة إلا به، طيب الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
[ ٥ / ٥٣٢ ]
الكتاب» (١)؟! يقولون هذا حديث آحاد والقرآن يقول: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وهذا نص عام ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ لا يجوز تخصيصه بحديث الآحاد: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»،
ونشوف إمام المحدثين البخاري مؤلف رسالة للقراءة «جزء في القراءة» اسم الرسالة، فإذا به في أول الرسالة يقول تواتر لدينا أن النبي - ﵌ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (كيف) بتقولوا يا فقهاء يا حنفيون تقولون هذا الحديث حديث آحاد؟! هذا إمام المحدثين بيقول إنه حديث متواتر عندنا وهذا صحيح هذا الكلام، لكن صحيح عند البخاري لكن مو صحيح عند الفقهاء؛ لأنه هذا الحديث ما جاء عندهم بطريق التواتر الذي بيجيء عن اليقين، لكن هذه فلسفة دخيلة في الإسلام التفريق بين حديث وحديث؛ ما دام كلًا منهما حديث صحيح ثابت؛ لكن واحد جاء من طريق ثاني جاء من طريقين وثاني جاء من ثلاثة من عشرة إلى آخره، وكل واحد من هذا الأنواع له اسم خاص عند المحدثين: حديث مشهور، حديث مستفيض، حديث متواتر، هذه اصطلاحات للكشف عن طريقة وصول الحديث إلينا، لكن ليس المقصود من هذا الاصطلاحات أن نعطل العمل بالحديث لأنه هو في منزلة كذا، وليس في منزلة كذا، لهذا لا يجوز إلا أن نأخذ الحديث عن الرسول ﵇ مجرد أن يكون صحيحًا أما متواتر وآحاد فهذه قضية نسبية أولًا بصورة عامة، وثانيًا هي نسبية بالنسبة لأهل العلم، أما جماهير الناس لا علم عندهم.
فالتكفير إذًا ليس متعلقًا بطريقة وصول الحديث إلى منكر الحديث هل آحاد
_________________
(١) البخاري (رقم٧٢٣) ومسلم (رقم٩٠٠).
[ ٥ / ٥٣٣ ]
أم هو تواتر، ولا هو بطريقة وصول الحديث إلى غير المنكر، فقد يكون عند غير المنكر متواتر، وهو ما عنده خبر بهذا الحديث، كما ذكرنا آنفًا، لكن الحديث عند جميع العلماء غير متواتر لكنه صحيح، والذي أنكره أيضًا يعتقد أنه صحيح، مع ذلك ينكره فهو كافر.
إذًا قضية التكفير لا تتعلق بما قام في نفس المكفِّر، وإنما ما قام في نفس المكفَّر؛ فإن كان المكفَّر يعتقد بأن هذا الحديث صح عن الرسول مع ذلك ينكره فلا شك بأنه يكفر بذلك، وإن قال- وإن كان لاهيًا- هذا الحديث والله أنا أستبعد صحته عن الرسول والله يعلم من قلبه أنه لا ينافق، يقول ما في قلبه؛ هذا لا يكفر عند رب العالمين، لكنه إذا كان يعلم أن هذا الحديث قاله الرسول لكن ظهر بيقول أنا أشك في أن الرسول قال هذا، فهو عند الله كافر؛ لأنه في قرارة قلبه يؤمن بأن النبي ﵇ قد قال هذا الحديث مع ذلك ينكره.
فإذًا التكفير لا يجوز أن يحكم به بالنسبة لما قام في نفس المكفِّر وإنما لما قام في نفس المكفَّر، واضح إن شاء الله.
السائل: واضح، [لكن الفرق] بين المنكر والمستهزئ.
الشيخ: ما في فرق الذي يستهزئ بحديث يؤمن بأن الرسول قاله مثل ذاك الذي أنكر فهما سواء.
"الهدى والنور" (٢٦٩/ ١٢: ٢٧: ٠٠)
[٦٤٥] باب هل يكفر من ينكر خبر الآحاد؟
سؤال: يقول: ما حكم الأشخاص الذين ينكرون أحاديث الآحاد على الرغم من إقامة الحجة عليهم، هل هم فساق أو ضالين أو كفرة؟
[ ٥ / ٥٣٤ ]
الشيخ: لا شك أن كل مسلم يتبنى مذهبًا له أو منهجًا أو سبيلًا أو طريقًا لم يكن عليه سلفنا الصالح، الذي يعني صحابة النبي - ﵌ -، والتابعين لهم، وأتباع التابعين، لا شك أن هذا المسلم الذي يخالف هؤلاء يعيش في ضلال مبين، ثم هذا الضلال الذي لا نشك في أنه واقع فيه ومتلبس له من قمة رأسه إلى أخمص قدمه قد يكون يورده موارد الكفر والخروج من الملة؛ ذلك لأن الله ﷿ قال في صريح القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥)، فالذين يتفلسفون بفلسفة إنكار حديث الآحاد، هؤلاء يخالفون سبيل المؤمنين، وقد ذكرنا أكثر من مرة: أن هدي السلف الصالح وتبليغهم لدعوة الإسلام، حتى شملت قسمًا كبيرًا من أقطار الدنيا، إنما كان ذلك بنقل الآحاد والأفراد في دعوة الرسول ﵊، من أشهر ذلك مما هو معروف في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي الأول، أن النبي - ﵌ - يرسل الشخص الواحد يدعو القبيلة الواحدة إلى الدخول في الإسلام، فيأمرهم بأن يوحدوا الله وحده لا شريك له، وإذا استجابوا أن يصلوا وأن يصوموا وأن يزكوا .. وو إلى آخره، كيف انتشر الإسلام بهؤلاء الأفراد؟ وهكذا استمر انتشار الإسلام حتى شمل كثيرًا من البلاد، حتى البلاد التي هي في وسط البحار كأستراليا مثلًا وأمثالها؛ بسبب: أن مسلمًا يسافر في سبيل التجارة فينزل في بلد ما طرقته قدمه من قبل فيقول لهم: الإسلام كذا وكذا وكذا، فيدخل الناس في دين الله أفواجًا بخبر الواحد؛ ولذلك فهؤلاء الذين يستهينون بخبر ويقولون: أن خبر الواحد لا تثبت به عقيدة، يخالفون سبيل المؤمنين، بل سبيل سيد المؤمنين الذي كان أرسل معاذًا وأرسل عليًا وأرسل أبا
[ ٥ / ٥٣٥ ]
موسى الأشعري دعاة إلى الإسلام في اليمن، ودحية الكلبي إلى بلاد سوريا إلى الروم .. وهكذا، هؤلاء الدعاة الأولين معروفين في التاريخ الإسلامي كانوا أفرادًا، فكيف يقال: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة؟!
نحن لنا والحمد لله رسالتان تعالج هذه القضية معالجة علمية وعقلية شرعية، ليس عقل فلتان، عقل شرعي مأخوذ من الكتاب ومن السنة، وكل ما خرج عن الكتاب والسنة .. فصدقوا حينما قالوا: ليس عقلًا؛ لأن الله ﷿ حينما ذكر الكفار وهم في عذاب النار حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:١٠)، فإذًا من هو العاقل؟
هو الذي يحكم الشرع على عقله؛ لأن هذا العقل كما قلنا العقل المطلق موزع في البشر، ليس معروفًا محدودًا بشخص، لو قيل: عقل الرسول المعصوم على الرأس والعين، هذا مرجع، لكن عقل البشر الضائع الفلتان الذي لا حدود له هذا من تمام الضلال حينما تبنوا ما أداه عقلهم المجرد عن انطباع الكتاب والسنة إلى أن يقولوا: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة.
وأنا أضرب لكم مثلًا يحمل في طواياه نكتتين، وكيف يظهر، وما هو الموقف هؤلاء الناس الذين حكموا عقولهم على نصوص نبيهم - ﵌ -.
لقد قال - ﵌ - ﷺ - ﵃ - حديث البخاري ومسلم: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (١)، هذا حديث آحاد يؤخذ عندهم في الأحكام، لا يؤخذ به في العقيدة، لكن هذا
_________________
(١) البخاري (رقم٦٠١٦) ومسلم (رقم٧٠٤٦).
[ ٥ / ٥٣٦ ]
الحديث يتضمن أمرين: يتضمن حكمًا، ويتضمن عقيدة، الحكم: «فليستعذ بالله من أربع»، العقيدة: عذاب القبر، العقيدة: المسيح الدجال في آخر الزمان، وكيفما يستطيع هذا أن يستعيذ بشيء لا يؤمن به؟ لا يستطيع، إذًا هو في حيص بيص، وكيفما مال فهو في ضلال، إن أخذ بالحديث؛ لأن فيه حكم شرعي، وهذا واجبه، لكنه لم يأخذ بما فيه من عقيدة وهو الإيمان بعذاب القبر وبالمسيح الدجال في آخر الزمان.
فإذًا: في أثناء تطبيقه لهذا الحكم هو مخالف لعقيدته، وهذا من الضلال المبين.
(الهدى والنور /٧٢٨/ ٢٠: ١٩: ٠٠)
[٦٤٦] باب حكم الصلاة خلف من ينكر بعض الأحاديث الصحيحة، وخلف من يتلبس ببعض الشركيات
سؤال: الصلاة خلف أئمة يظهرون بعض البدع الشركية، في ليبيا يوجد كثير من الأئمة جهلة، وبعضهم حتى المتعلم منهم ولكن لديه بدع شركية، وبعضهم ينكر بعض الآيات أو بعض الأحاديث.
الشيخ: ينكر بعض الآيات؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كيف هذا؟
مداخلة: مثلًا: ينكر الإسراء قصة الإسراء ينكرها من أصلها.
الشيخ: ما تقول هكذا.
[ ٥ / ٥٣٧ ]
مداخلة: هذا موجود عندنا.
الشيخ: يواش .. يواش! على قول ذالك التركي؟! أنت لا ينبغي لك أن تنسب مسلمًا إلى أنه ينكر الإسراء؛ لأن المتبادر من هذا الكلام وخاصة أظن قلت: بعض الآيات القرآنية فهذا خطأ، أنت تريد أن تقول: ينكر بعض المعاني لبعض الآيات القرآنية، أو أنك تصر على قولك الأول؟
مداخلة: بعضهم ينكر حتى يعني: معنى تفسير الآية مثلًا.
الشيخ: رجعت إلي .. دعك معي خير لك، أنت تريد أن تقول: ينكر بعض المعاني لبعض الآيات، أما أن تقول: بعضهم ينكر الآيات أو بعض الآيات هذا خطأ؛ لأن النتيجة تكون يعني خطيرة جدًا وفرق كبير بين من يؤوِّل الآية ويخرجها عن ظاهرها ولكنه يؤمن بها على أنها منزلة من السماء فهذا مسلم ضال، أما الذي ينكر الآية من أصلها فهذا كافر مرتد عن دينه، فأنا أظن أنك تعني بعض المؤولين وبعض المعاصرين الذين يعتقدون بأن الرسول أسري بروحه وليس بجسده، هذا هو المعنى الذي تريد بقولك: إنهم ينكرون؟
مداخلة: نعم، لكن في الأحاديث ينكرون أصل الحديث.
الشيخ: أنا أتكلم عن الآية.
مداخلة: نعم هذا في الآية نعم.
الشيخ: فإذًا: هم يؤمنون بآية الإسراء لكن ينكرون المعنى، ماذا يقولون في المعنى الذي يؤمنون به هم؟
مداخلة: أنه لم يسر به، بعضهم ينكر أنه أسري به ..
[ ٥ / ٥٣٨ ]
الشيخ: ماذا يقولون في الآية؟ ما دام أنهم يؤمنون بالآية، ما هو المعنى الذي يؤمنون به في هذه الآية؟ أهو الذي قلته لك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أسري بروحه.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أو يوجد عندهم شيء آخر نحن لا نعرفه؟
مداخلة: هم يقولون هذا.
الشيخ: طيب! إذًا هؤلاء أكرر لا يجوز أن نقول عنهم: ينكرون آية الإسراء، وإنما نصحح تعبيرنا عنهم فنقول: إنهم ينكرون المعنى الصحيح لهذه الآية، صحيح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: بعد ذلك لك أن تعود وتقول: ينكرون الأحاديث.
مداخلة: نعم.
الشيخ: هؤلاء الذين ينكرون الأحاديث لهم حالة من حالتين: إما أنهم ينكرون الحديث كمرجع ثان بعد القرآن الكريم .. الحديث مطلقًا فهؤلاء ليسوا مسلمين، وما أظنك تعني هذا فيهم، أليس كذلك؟
مداخلة: هم ينكرون.
الشيخ: أليس كذلك؟
[ ٥ / ٥٣٩ ]
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنا أريحك، لماذا تريد أن تلقي محاضرة في الجواب، أليس كذلك؟ قل: نعم قل: لا، قل ما شئت .. قل ما تعتقد، أنا أظن أن هؤلاء لا تريد أن تقول عنهم: ينكرون الحديث كله؟.
مداخلة: نعم.
الشيخ: إذًا: هم ينكرون بعض الأحاديث؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: منها أحاديث الإسراء والمعراج، صحيح طيب! ما هو الفرق بين إنكار الحديث كلًاّ وإنكار الحديث جزءًا؟ إنكار الحديث كلًاّ يستلزم إنكار نصوص قرآنية وهذا لا أظن يحتاج إلى إيضاح، ولذلك فمن أنكر السنة لا يكون مسلمًا؛ لأنه لا يؤمن بالقرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر:٧) إلى آخره.
أما من ينكر بعض الأحاديث وهذا موجود قديمًا وحديثًا، فالآن: ممن اشتهر في إنكار كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة ممن ينتمي إلى أهل السنة والجماعة الشيخ الأزهري المصري: محمد الغزالي، هذا لا ينكر السنة .. لا ينكر الأحاديث من أصلها فيما يبدو والله حسيبه، لكن ينكر كثيرًا من الأحاديث، فهذا لا يجوز تكفيره بناءً على أنه لم ينكر السنة من أصلها، لكن بلا شك هو ليس على هدىً من ربه حينما ينكر كثيرًا من الأحاديث الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول، فهو في ضلال مبين من هذه الحيثية.
ولا شك أنه إذا كان مثله وقع في مثل هذا الضلال فلا شك أن له أتباعًا كثيرين في البلاد، وأظن أنه كان مدرسًا عندكم أو عند بعض جواركم، فَسَرَت
[ ٥ / ٥٤٠ ]
عدواه إلى .. من جاور وما شابه ذلك، فهؤلاء نحن موقفنا تجاههم أن ننصحهم، وأن نجادلهم بالتي هي أحسن.
بعد أن نقوم بواجب النصيحة والتوجيه والتعليم فإذا أصروا على ضلالهم المبين نصفهم بأنهم ضالون ولا نزيد على ذلك، أي: لا نكفرهم، بناءً على هذا نعود إلى الجواب: هل الصلاة خلفهم صحيحة أم باطلة؟ الجواب: الصلاة صحيحة؛ لأننا نصلي وراء كل مسلم ما دام لا يزال في دائرة الإسلام مهما كان بعيدًا عنا في بعض الأفكار أو الآراء أو العقيدة ما لم يخالف نصًا مجمعًا عليه بين المسلمين، فإذا كان هناك نص ويتأولونه بتآويل ليست حادثة وإنما هي معروفة منذ القديم من بعضهم، والمسلمون لم يكفروهم؛ لأن هذه المسألة تحتمل ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، حينئذٍ لا نقول بتكفير هذا النوع من الأئمة، وما دام أن الأمر كذلك فالصلاة خلفهم صحيحة، لكننا بطبيعة الحال ننصح بأن من وجد إمامًا خير من هذا الإمام عقيدةً وسلوكًا فلا يصلي وراء ذاك الإمام.
مداخلة: طيب! النوع الآخر الذي لديه شرك مثلًا في الألوهية مثلًا: يعبد يزور القبور ويتبركون بها وهكذا؟
الشيخ: لا شك أن هذا نوع من الشرك، لكن التكفير نفسه لا يصار إليه إلا بعد إقامة الحجة، فإذا مثلًا رأيت إمامًا لا يؤمن بتوحيد الألوهية فهو يعبد مع الله غيره، ينادي غير الله مثلًا في الشدائد وينذر ويذبح لغير الله ﷿ في الأفراح، هذا كفر لا شك فيه، لكن لا نستطيع أن نقول: إنه كافر إلا بعد تفهيمه وبخاصة إذا كان من الأعاجم؛ لأننا نحن مشكلتنا اليوم مع العرب الذين يفترض فيهم أن يفهموا القرآن كما أراده منزله من السماء، فما بالك بالأعاجم؟ ما بالك من استعجم من العرب؟! فهم كالعجم لا يفهمون لغة القرآن، إذًا: هؤلاء وهؤلاء يجب قبل
[ ٥ / ٥٤١ ]
المبادرة إلى تكفيرهم وإخراجهم عن دائرة دينهم إقامة الحجة عليهم، فإن جحدوها فصدق فيهم قول ربنا ﵎: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) حينئذٍ نخرجهم من دائرة الإسلام ولا نبالي.
" الهدى والنور" " الهدى والنور" (٥٤٧/ ٤٩: ٠٧: ٠٠ طريق الإسلام) و(٥٤٧/ ٠٢: ١٦: ٠٠ طريق الإسلام)
[٦٤٧] باب هل يكفر من يرد الأحاديث الصحيحة؟
السؤال: في معرض الحديث عن الغزالي، وإن كان السؤال قد يكون قاسي أو شديد، يعني يختلف بعض الناس أن الغزالي الآن ثبت بما لا يقبل الشك رده للأحاديث الصحيحة، ولا يردها بدعوى أنها لم تثبت عنده، ما قال في صحتها شيء، لكن رد العمل به يعني لا أدري هل يمكن أن يقال قد يخرجه هذا من الملة؟
الجواب: لا، إلا بشرط، أنت أظن تعلم أن الكفر الذي يخرج من الملة له علاقة بالقلب وليس بالعمل، ومن الخطأ السائد في أذهان كثير من أهل العلم فضلًا عن طلاب العلم أن الذي ينكر حديث التواتر فهو كفر، أما الذي ينكر حديث الآحاد فهو فسق.
أنا أقول: هذا خطأ؛ والسبب أنني أستطيع أن أتصور العكس تمامًا، فأقول: رجل أنكر حديث آحاد، يمكن أن يكون كافرًا، وهو غير متواتر.
هذا الذي أنكر حديث الآحاد، وأريد أن ألفت النظر أنه حديث الآحاد في اصطلاح العلماء لا يعني المعنى اللغوي، يعني رواه فرد. لا.
مداخلة: ما دون التواتر.
الشيخ: هذا هو، فهذا الحديث ..
[ ٥ / ٥٤٢ ]
مداخلة: حد التواتر كم يا شيخ؟
الشيخ: احفظ سؤالك؛ لأن هذا له بحث خاص.
فحديث ما آحاد أنكره منكر ما، فإذا كان يعتقد في قرارة قلبه أن هذا الحديث نطق به الرسول ﵇ فقد كفر وخرج من الدين كما تخرج الشعرة من العجين.
مداخلة: برد العمل به.
الشيخ: لا، ليس له علاقة القضية برد العمل، بمجرد أنه اعترف بقلبه أن الرسول قال هذا ثم هو أنكره.
مداخلة: أنكره رد العمل به.
الشيخ: قد يكون ليس له علاقة بالعمل.
مداخلة: يعني يقره ولا يعمل به. وارد هذا الحال؟
الشيخ: يا أخي قضية العمل به يدخل في حديث الأحكام، أما المسألة أوسع من ذلك، وبالعكس قد أتصور إنسانًا ينكر حديثًا متواترًا ولا يكفر.
"الهدى والنور" (٢٣٨/ ٠٠:٣١:٢١)
[٦٤٨] باب هل يكفر من ينكر حديثًا بعقله؟
سؤال: الذي ينكر مثلًا حديث رسول الله - ﵌ - أنه مثلًا بصق في الطعام، ويقول: أن هذا يتنافى مع الأدب .. مع خلقهصفلا يمكن أن يصدر هذا عن الرسول - ﵌ - يعني: ينكره من هذا الباب ليس من باب أنه صحة السند أو عدم صحة السند وإنما من هذا الباب.
[ ٥ / ٥٤٣ ]
الشيخ: [انقطاع صوتي] .. في تكفيرهم لكن هم ضالون منحرفون عن الخط، لماذا لا يجب تكفيرهم؟ لأنهم هم في قرارة نفوسهم ينزهون الله ﷿ بذلك التأويل الذي شبه لهم، فهذا ضال وهؤلاء ضالون؛ لأنهم خالفوا الحق، لكن لا نتجرأ على تكفيرهم، لا نتجرأ على تكفيرهم أبدًا، هذا الإنسان يُكَلَّم بهدوء وعلم وفكر وإلى آخره، يقال له: عقلك حَكَم؟ مهما كان هو معجب بعقله لا أظن أنه سيتورط معك ويقول لك: نعم عقلي حكم.
مداخلة: هذا له مقالة
الشيخ: لا لا، اسمح لي أخي! قد يقول لك أنت، لكن لو تابعته في الحديث، قلت له: عقلك حَكَم؟ قال لك: نعم، طيب! وعقل زميلك الثاني حَكَم؟ قال لك: نعم، والعشرات والمئات والألوف من العقول المتباينة كل هؤلاء حكم؟ لأنه مهما كان رجل أبله جاهل لن يقول ..: نعم هذا عقله حَكَم .. هذا عقله حَكَم، إذًا صاروا الحكام هؤلاء بعدد البشر بالملايين المملينة، [من] في الدنيا يقول هذا الكلام؟! لكن أنت حينما تقف عنده وهو مغرور بنفسه سيقول لك: نعم عقلي حكم، لكن بَيِّن له عاقبة هذا القول حيجي يعني ينتبه لعاقبة حماقته.
"الهدى والنور" (١٥/:٠٠:٠٠:٣٣)
[٦٤٩] باب هل يكفر من يقول: هذا الحديث لا يدخل عقلي؟
سؤال: ذكرت شيخ في كلامك قاعدة أن من اعتقد بحديث عن الرسول - ﵌ - ثم قال أن هذا الحديث لا يدخل عقلي بأنه كافر، هل هذا الكلام ينطبق على طلبة العلم فقط أم على العامة عامة؟
الشيخ: كل من اعتقد حديثًا قاله الرسول - ﵌ - ثم هو مع ذلك يرده بعقله
[ ٥ / ٥٤٤ ]
فهو كافر.
مداخلة: حتى وإن كان عن جهل؟
الشيخ: أنت بارك الله فيك لو دققت في كلامي لما أوردت سؤالك.
مداخلة: .. يا شيخ ولكن كثير من العامة
الشيخ: اسمح لي يا أخي بارك الله فيك، أنا أقول: كل من اعتقد أن الرسول عليه الصلاة السلام قال حديثًا ما، ثم قال: رافضًا له ما دخل في عقلي؛ فهو كافر.
الآن أنت تخصص بالذكر العامي، فإن كان أنت -بقول الآن-: ما دخل في عقلك أن عامي يعتقد حديثًا صحيحًا ثم يرفضه، إذًا: هو لا يشمله؛ لأنك لا تعتقد أن عاميًا يعتقد صحة حديث قاله الرسول ثم هو يرفضه، ونعرف سؤالك نابع من شبهة، أنا سأردها الآن.
قلنا آنفًا الغزالي ما هو سبيل معرفته بكون الحديث صحيحًا أو ضعيفًا؟ هو عقله أم العلم؟
مداخلة: عقله.
الشيخ: العلم.
لا ما هو الذي ينبغي؟ عفوًا، ما هو الطريق؟: العلم
هو ليس عالمًا بالحديث، إذًا: قلنا يجب أن يطبق الآية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣).
أنا الآن أقول: رجل من عامة المسلمين سأل عالمًا في الحديث: هذا الحديث صحيح أم لا؟ قال له: هذا حديث صحيح.
إذًا: هذا العامي تبنى هذا الحكم واعتقد بأن هذا الحديث صحيح، لكن
[ ٥ / ٥٤٥ ]
رفضه لأنه ما دخل في عقله.
فإذًا: قوله حتى لو كان عاميًا؟ نعم يا أخي، لأن طريق الوصول إلى معرفة العلم إما أن يكون مباشرة وهذه وظيفة المجتهد، وإما أن يكون بالواسطة وهي وظيفة المتبع أو المقلد.
إذًا: اعقل معي هذا الصورة التي كررت السؤال عنها.
"الهدى والنور" (٦٣١/ ٥٤: ٣٠: ٠٠)
[ ٥ / ٥٤٦ ]
جماع أبواب الكلام على البدع الكفرية هل يكفر أصحابها
والكلام على بعض البدع العقدية وموقعها من الكفر
[ ٥ / ٥٤٧ ]
[٦٥٠] باب هل كل من وقع في البدعة المكفرة كافر؟
سؤال: هل نقول عن من ابتدع بدعة مكفرة أنه صاحب بدعة مكفرة وهو كافر؟
الشيخ: [الحكم] طبعًا كالكفر.
مداخلة: ارتكب بدعة مكفرة.
الشيخ: كالكفر، ما هو الفرق؟ وأيش البدعة؟ كفر، وقع في الكفر، هل كل من وقع في الكفر هو كافر؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فذلك أولى.
"الهدى والنور" (٢٤/ ٤٣: ٢٢: ٠٠)
[٦٥١] باب هل يجوز
تكفير الفرق الضالة بعد إقامة الحجة عليهم؟
سؤال: هل يجوز تكفير الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم بعد إقامة الحجة عليهم؟
الشيخ: إذا كان السؤال مقيدًا بما جاء في آخره بعد إقامة الحجة عليهم؟ الجواب: نعم، ولكن لا بد هنا من القول: هل كل من ادعى بأنه أقام الحجة على المنكر أو المخالف هو أهل لإقامة الحجة على ذلك المخالف؟
لأننا نشاهد اليوم مع الأسف أن كثيرًا من شبابنا السلفي إذا ما تعلم بعض
[ ٥ / ٥٤٩ ]
المسائل واختلف هو وأحد المشايخ العلماء، وقد يكونون علماء فعلًا بما يسمونه بعلوم الآلة يعني: بعلم النحو والصرف والبيان وإلى آخره، والأصول: أصول الحديث وأصول الفقه، لكن لم يطبقوا ذلك، فيأتي أحد إخواننا المبتدئ في العلم ويكون تعلم مسألة أو مسألتين أو ثلاثة واختلف مع ذلك العالم فيقول أنا أقمت الحجة عليه، ما أظن بمثل هذه السهولة نستطيع أن نقول بأن الحجة قد أقيمت عليه؛ ولذلك فأنا أقول: في هذا السؤال:
إذا أقيمت الحجة عليه فعلًا فقد سبق الجواب في هذا تمامًا، لكن من الذي يقيم الحجة؟ هم أهل العلم .. أهل المعرفة بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من المنهج السليم، فكما قلتم يعني: هذا السؤال تقدم جوابه في تضاعيف الجواب عن السؤال الأول.
مداخل آخر: شيخنا تعقيبًا على كلمتكم حيث قلتم: من الذي يملك إقامة الحجة على من يجب إقامة الحجة عليه ليؤوب إلى الحق؟ دائمًا نذكر لكم كلمة لطيفة كنتم تقولونها وأطلقتموها منذ عقود:
العلماء قسمان: عالم عامل، وعامل عالم، وقد جرى قياسًا على ذلك حيث أصبحت كلمة العالم الآن استبدلت بكلمة أخرى وجرى ذكرها على ألسنة الكثيرين حيث صاروا يقولون: شيخ.
الشيخ: وكثر الشيوخ في آخر الزمان
مداخلة: فأقول: أيضًا قياسًا على تلك الكلمة، ونسجًا على من منوالها: هناك الشيوخ قسمان: شيخ عامل، وعامل شيخ.
الشيخ: الحقيقة بهذه المناسبة أنا أريد أن أذكر إخواننا أن لا يستعملوا هذه
[ ٥ / ٥٥٠ ]
الكلمة يعني: أن ينبهوا أهاليهم أنهم لا ينادون رب البيت مثلًا الذي هو طالب علم مثلًا الشيخ فلان، وإنما بدل الاسم الكنية: أبو فلان .. أبو أحمد .. أبو محمد .. أبو عبد الرحمن .. أبو عبد الله .. أبو زيد أبو إلى آخره، أما الشيخ فلان في الحقيقة بالتعبير السوري هذه الكلمة: تبهدلت يعني: نزلت قيمتها.
سبحان الله ككلمة العالم.
مداخلة: هنا شيخنا أيضًا ما دام ذكرنا هذه المسألة، لقيني بالأمس القريب بعض الإخوة كنت داخل السوق فجاؤوا مسرعين إلي وقالوا: أنجدنا أنجدك الله، قلت: أسأل الله أن يعيننا على النجدة ما وراءكم؟ قال: نحن من تلاميذ فلان، وهناك إخوة لنا من تلاميذ فلان وقبل أن ينقسم التلامذة إلى شيخين كنا نحب بعضنا بعضًا.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: والآن صار يكره بعضنا بعضًا.
الشيخ: أعوذ بالله.
مداخلة: أي نعم، وحدثت يعني منافرة قلبية حتى أن الواحد منا صار لا يحب أن يلقى أخاه، والسبب في ذلك هما: الشيخان.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فلان وفلان، ولذلك نرجوك أنك تتدارك الأمر بينهما لعل الله يصلح بينهما على يديك.
الشيخ: الله المستعان، الله المستعان.
[ ٥ / ٥٥١ ]
مداخلة: والأمر يزداد نسأل الله العافية بسبب الهوى نسأل الله العافية.
الشيخ: هذا الداء العضال
مداخلة: نعم والله.
"الهدى والنور" (٨٢٠/ ٥٨: ٣٩: ٠٠)
[٦٥٢] باب متى يكفر أتباع الفرق الإسلامية؟
سؤال: قلتم إنه لا يجوز تضليل أتباع الفرق الإسلامية كالمعتزلة والأشاعرة والشيعة فضلًا عن تكفيرهم، فما هو الدليل على ذلك، ومتى يكفر هؤلاء؟
الشيخ: لا، أنا ما أقول هذا الكلام، أنا أقول لا نكفرهم، أما أن نضللهم، فكل من ضل سواء السبيل فهو ضال، شئنا أم أبينا، أنا أقول الفرق الضالة طبعًا لأنه الفرقة الناجية واحدة بنص الحديث المعروف، لكننا نتورع عن المبادرة إلى التكفير، أولًا: تكفير جماعة بالكوم، كما يقولون إنه الفرقة الفلانية كافرة، وقد يكون فيهم أشخاص مثلًا يريدون معرفة الحق، لكن لا سبيل له إليهم، فنحن ما ننكر أن نقول إنهم من الفرق الضالة، لكننا لا نكفرهم، فنفرق بين التضليل وبين التكفير، وليس كما قال السائل، ونسب إلينا أو إلى غيرنا ما أدري، فإن كان يعنينا فنحن لا نقول بأننا لا نضلل، وإلا صارت القضية فلتانة لا حدود لها، نحن نضلل كل من حاد عن الكتاب والسنة، حتى ممن ينتمي إلى السنة، لكننا لا نكفر، هذا هو الجواب
مداخلة: كل واحد ضلاله بقدر بعده عن الكتاب والسنة.
الشيخ: نعم.
"الهدى والنور" (٧٩/ ٠٤: ٥٢: ٠٠) (٧٩/ ٠٢: ٥٧: ٠٠)
[ ٥ / ٥٥٢ ]
[٦٥٣] باب ضابط كفر المتأول
والتنبيه على أن ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه
سؤال: ما ضابط كفر المتأول الذي يقول أو يفعل فعل الكافر أو قوله ..؟
الشيخ: الضابط بين البشر مفقود، لكن الله يعلم ما في القلوب، علماء السلف كما تعلمون يضللون المرجئة ويضللون المعتزلة لكنهم لا يكفرونهم [انقطاع] صحة هذه الرواية من حيث السند؛ لأنه لم يتح لي الوقوف على السند لكن المعنى هو معنىً صحيح بمعنى: أنه ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه لأننا نعلم المؤاخذة هو كالإيمان فمن آمن هكذا دون قصد لا [قيمة] لإيمانه ومن كفر دون قصد للكفر فلا يحكم بكفره، إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .. وهناك الأحاديث كثيرة وكثيرة جدًا ومنها مما له صلة مما نقلت آنفًا عنهم من الغلو من قولهم: أن من فعل فعل الكفار فهو كافر، سبحان الله! ما هو الدليل؟ سيعودون إلى الدعوة التي لا أصل لها وهي أن الإيمان يستلزم العمل .. نحن نقول: الإيمان الكامل يستلزم العمل لكن الكمال ليس شرطًا في كل إيمان حتى ولو كان ذرة تنجيه من الخلود يوم القيامة في النار؛ فمن تلك الأقوال والأحاديث التي تبطل دعواهم الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما: «أن النبي - ﵌ - في مسير له مروا بشجرة ذات أنواط فقال بعضهم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﵊: الله أكبر هذه السنن لقد قلتم كما قال قوم موسى لموسى ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف:١٣٨)» (١).
إذًا: مجرد القول بكلمة الكفر لا تستلزم أن قائله كافر فعلًا، وتعلمون قصة
_________________
(١) صحيح الترمذي (رقم٢١٨٠).
[ ٥ / ٥٥٣ ]
عمار بن ياسر ونزول قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦) كذلك ذلك الرجل الذي أشرت إلى حديثه آنفًا حيث جاء في حديثه: لم يعمل خيرًا قط، كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط فلما حضرته الوفاة جمع بنيه حوله فقال له: أي أب كنت لكم؟! قالوا: خير أب، قال: لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا فإذا أنا مت فحرقوني بالنار ثم ذروا نصفي في الريح ونصفي في البحر فلما مات فعلوا ونفذوا وصيته، فقال الله ﷿ لذراته كوني فلانًا فكان فلانًا، قال الله ﷿: أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك.
لو كان كفرًا .. الكفر لا يغتفر بنص الآية .. ليس كفرًا؛ لأنه لم يقصد الكفر، إذًا: هذا من أدلة ضلال هؤلاء وأنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأوليه، نعم.
مداخلة: هل يلزم ما أمر النبي - ﵌ - بقتله لارتكابه محرمًا ما أو أو إلى آخره بأنه قد استحله فأمر بقتله ..
الشيخ: كيف؟
مداخلة: إذا أمر النبي - ﵌ - بقتل فلان قد اقترف ذنبًا ..
الشيخ: الله أكبر ..
مداخلة: هل يكون بمجرد اقترافه مستحلًا فيكون بهذا الاستحلال كافرًا ..
الشيخ: هذا من كذباتهم أيضًا وحديث التي زنت وقال ﵇
في حقها: «لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم» (١) مع أنه أقام
_________________
(١) مسلم (رقم٤٥٢٨).
[ ٥ / ٥٥٤ ]
الحد عليها.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فهذا من أكاذيبهم أيضًا، ومن إعراضهم لكثير من النصوص التي تخالف أهوائهم، ولذلك فما أرى فائدة كبيرة من ذكر شبهات هؤلاء الضلال لأن هذا باب لا ينتهي ..
علي حسن: يذكرون حديثًا شيخنا
الشيخ: تفضل ..
مداخلة: عن البراء بن عازب قال: «لقيت عمي أبا بردة بن نيار مع لواء قلت: أي عم! أين ذاهب؟ قال: أمرني النبي - ﵌ - أن أذهب إلى رجل تزوج بامرأة أبيه فأقتله» ..
الشيخ: طيب! ما فيه هذا؟!
مداخلة: أن هذا النص دليل على أن من أمر النبي - ﵌ - بقتله لارتكابه هذا المحظور لزم من هذا أنه استحل ذلك ..
الشيخ: يا أخي! فهمت ما الدليل على هذا؟
مداخلة: أنه تزوج، وهذا استحلال.
الشيخ: يا أخي ما اختلفنا .. الذي يقتل النفس المؤمنة أليس استحلالًا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! فهل هو كافر؟
[ ٥ / ٥٥٥ ]
مداخلة: ليس بكافر.
الشيخ: ما الفرق بين هذا وذاك، كما قلت لك آنفًا: ما الفرق بين الكفر في عمل وكفر في عمل .. ما الفرق؟ قالوا يعني: ممكن الإنسان أن يضع احتمالات في نصوص الكتاب والسنة .. النصارى يمكن تعرفون يحتجون ببعض نصوص القرآن .. وعلى كفرهم .. الأهواء لا يمكن وضع حدود لها إلا أن نتبع السلف الصالح تمامًا، وهذا هو الحكم الفصل بيننا وبينهم وإلا سيأتونك بكل دليل ويضعون له تأويلًا حتى يتطابق مع أهوائهم؛ ولذلك قلت لك: هذا باب لا ينتهي ..
علي حسن: كأن شيخنا يقصد أنه أفراد الشبهات لا تنتهي ..
الشيخ: لا تنتهي.
مداخلة: أصل .. أصول كاملة يعني: كل الكلام اللي اتفضلت به يدل على قضية تحريف في الاستدلال ..
الشيخ: هذا هو ..
مداخلة: هل من تأول عن تقصير ولم يقصد قلنا بأنه لا يكفر ..
الشيخ: بلى ولكنه يؤاخذ.
مداخلة: يؤاخذ لكنه لا يكفر.
الشيخ: نعم.
مداخلة: الجاهل الذي يقصد بجهله الكفر هذا أظنه الذي لا يعذر بجهله أليس كذلك؟!
[ ٥ / ٥٥٦ ]
الشيخ: يقصد الكفر؟
مداخلة: الجاهل الذي قصد بجهله إرادة الكفر هذا أظنه لا يعذر بجهله؟
الشيخ: نعم، لكن ظنك سابق لأوانه إلا بعد أن تتأمل في الكفر الذي قصده هذا الجاهل، هل هو يعلم أنه كفر شرعًا؟
مداخلة: يعلم نعم ..
الشيخ: هه، بهذا القيد ممكن، أما بدون قيد ما يكفر، وحينئذٍ لا فرق بينه وبين .. يعني: حينئذٍ يكون سؤالك ولا مؤاخذة شكلي محض؛ لأنه إن كان يعلم أن هذا الكفر كفر شرعًا يعلم فهو والعالم سواء، ولذلك أنا خشيت أن تطلق عليه الكفر وهو يجهل مع أنه قاصد الكفر لكنه يجهل أنه كفر شرعًا فحينئذٍ نقول: أن هذا لا يكفر، لكن إذا كان عالمًا فلا فرق إذًا بينه وقد وصفته بأنه جاهل وبين غيره وقد وصفته بأنه عالم؛ لأنه اشترك كلاهما في معرفة أن هذا الكفر هو كفر شرعًا؛ فإذًا لا عذر لهذا.
"الهدى والنور" (٨٣٠/ ٥٥: ٣٨: ٠٠)
[٦٥٤] باب متى يكفر المؤولة؟
السائل: المؤولة الذين يؤولون متى يُكَفَّر الشخص؟
الشيخ: لا يكفر المسلم ما دام لم يظهر منه المعاندة للنصوص، وإنما عنده وجه نظر هو مخطئ عندنا بلا شك، لكنه لم يتبين لنا أنه تبين له الحق ثم جحده كما هي طبيعة الكفار الذين كفروا بالقرآن الكريم وأخبرنا رب العالمين عنهم بقوله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) الذي يستيقن الحق ثم يحيد
[ ٥ / ٥٥٧ ]
عنه فهو الكافر، أما الذي يتبين لنا أنه تبين له الحق فنحن نضلله نبين انه ضل سواء السبيل، لكن ما نكفره ولا نخرجه عن دائرة الإسلام.
"الهدى والنور" (٥٨٢/ ٠٧: ٤٢: ٠٠)
[٦٥٥] باب هل يُكفر من ينفي رؤية الله تعالى يوم القيامة؟
وهل يكفر القائل بأن كلام الله مخلوق؟
[قال الإمام]:
لا شك أن الإباضية وكل من دان برأيهم وبعقيدتهم في أن كلام الله ﷿ مخلوق، ومن ذلك هذا القرآن المعجز مخلوق، وكذلك من نفى إنكار رؤية المؤمنين لرب العالمين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لا شك أن هؤلاء المنكرين لكون القرآن كلام الله حقيقة وليس مخلوقًا، وأن الله ﷿ يمتن على عباده المؤمنين فيتجلى لهم يوم القيامة، ويوم يدخل المسلمون الجنة، هذا الإنكار فيه ضلال واضح جدًا، وأما أن هذا الضلال كفر ردة عن الدين أو لا، نقول: من تبينت له الحجة ثم أنكرها فهو كافر مرتد عن دينه، لكن من أنكر ذلك فهو في ضلال، ونحن لا يهمنا أن نقول فلان من الناس أو الطائفة الفلانية من الناس هم كفار، حسبنا أن نقول هم ضلّال؛ لأن المقصود هدايتهم وأن يعرفوا أنهم على خطأ وعلى ضلال حتى يعودوا إلى الصواب ..
"الهدى والنور" (٣١٠/ ٠٠:٤٩:٣٣)
[ ٥ / ٥٥٨ ]
[٦٥٦] باب هل استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين؟
مداخلة: شيخ ما تقول فيما ورد في أبي حنيفة ﵀ في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بإسناد صحيح يروي عن أبيه أن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين، وأشياء كثيرة من هذا القبيل؟
الشيخ: هذه كلمة مبهمة .. مطلقة، لم يذكر فيها نوع الكفر الذي استتيب منه، فقد يكون كفرًا بإجماع الأمة وهذا مستحيل بالنسبة لأبي حنيفة، وقد يكون كفرًا بالنسبة للبعض دون البعض، ولذلك فنسبة هذا النص المطلق لا يجوِّز اتهام أبي حنيفة بالكفر الذي هو يساوي الردة، نحن نعلم مثلًا أنه قد روي عنه في بعض الروايات أنه كان يقول بخلق القرآن، فخلق القرآن صحيح أنه ضلالة وأنه مذهب المعتزلة ومذهب الخوارج، ولكن ذلك لا يعني أنه يكفر ويخرج من الملة، فإذا صح السند عن إمام بما يثلب أحد العلماء المشهورين ويطعن فيه فنحن لا نطعن بالإمام أحمد كما يقول متعصبة الحنفية، أن هذا من باب الطعن بمعاصرة المعاصر له، وإنما نقول أن هذا الكفر لم نعرف ما نوعيته كما ذكرت آنفًا، ثم أن أبا حنيفة ﵀ في الجرح لا مجال لأحد أن يتجرد عن العصبية المذهبية أن يرد كل أقوال الطاعنين فيه بحجة أن أبا حنيفة إمام من أئمة المسلمين، ومن الأئمة الأربعة المتبعين، لا شك أنه كذلك هو من أئمة ولكن ليس من الضروري أن يتوفر في كل إمام كل الخصال المميزة له على غيره، فأبو حنيفة متميز تميزًا لا نناقش فيه أحد وفقهه وفهمه واستنباطه للأحكام الفقهية، وإن كان له في بعض ذلك شيء من الاعتماد والرأي، وهذا من المآخذ عليه أيضًا، لكن ذلك لا يعني أن نحكم بكفره.
"رحلة النور" (٣٢ب/٠٠:٤١:٣١)
[ ٥ / ٥٥٩ ]
[٦٥٧] باب كفر القائلين بوحدة الوجود
السؤال: الصوفية حديثة عهد في بلدنا، بماذا تنصحنا؟
الشيخ: الصوفية فيها خلاف قديم جدًا بين المسلمين، المسلمين بالمعنى العام كما شرحناه آنفًا، والحقيقة أن لهذا الاسم التصوف والذين ينتمون إليه الصوفية أو المتصوفة معاني كثيرة ومختلفة، نحن نعلم لمخالطتنا لكثير من هؤلاء، أنهم حينما تقام عليهم الحجة فهم يقولون: التصوف ليس إلا التمسك بالأخلاق التي كان عليها رسول الله - ﵌ -، ومنها مثلًا: الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، هكذا يقولون حينما تقوم عليهم الحجة، وحينئذ نحن نقول إن كان التصوف هو هذا بزعمكم، فيبقى الخلاف بيننا وبينكم لفظيًا، ارفعوا كلمة التصوف؛ لأنها أصبحت كلمة لها معاني كثيرة وكثيرة جدًا، بعضها ومنها ما ذكرنا عنهم آنفًا التمسك بالأخلاق الكريمة والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ليس هناك ضرورة أن نطلق هذا الاسم المشكوك في المراد منه على هذا الأمر المتفق عليه من التمسك بأخلاق الرسول ﵇ والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، لكن الحقيقة أن لمفهوم التصوف معاني أبعد بكثير عن هذا المعنى الصحيح، ثم هذا البعد تارة يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، وتارة يلحقه بفرقة من الفرق الضالة، أما الحالة الأولى فأولئك هم الذين يؤمنون بما يعرف عند أهل العلم بعقيدة الوحدة، أو وحدة الوجود بالتعبير الأوضح، وحدة الوجود تعني -هنا إلحاد بعينه- تعني الطبيعة بتعبير علماء الطبيعة، أي: لا شيء إلا المادة، حيث يقول قائلهم:
كل ما تراه بعينك فهو الله.
إذًا: فهي المادة، كل ما تراه بعينك فهو الله!
[ ٥ / ٥٦٠ ]
ويقول آخر:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة
ويقول ثالث: العبد رب والرب عبد فليت شعري من المكلف؟
إن قلت عبد فذاك نفي أو قلت رب أنى يكلف؟
والرابع يقول:
لما عبد المجوس النار ما عبدوا إلا الواحد القهار
هذه كلها عبارات مسطرة في كتبهم التي يتبركون بها، فمثل هذه العقيدة تخرج صاحبها من دائرة الإسلام؛ لأنها عقيدة أكفر من عقيدة اليهود والنصارى، وهذا يذكرني بقول أحد غلاتهم، حيث قال: إنما كفر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود حصروا الله في العزير، أما النصارى فحصروا الله في الآب والابن والروح القدس، أما نحن أي: هم، قال: فقد عممناه في كل شي، ولذلك فمن ذكرهم ليس ذكرهم ذكر المسلمين كما قال ﵇: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» ذكرهم: هو هو. ويقولوا في بعض العبارات التي مع الأسف تلقفها بعض العامة عندنا في سوريا، تجد الواحد جالسًا يريد أن يذكر الله فيقول: ما في غيره. ماذا يعني بما في غيره؟ في خالق وهناك مخلوق.
فهذه عقيدة وحدة الوجود تلت في ألفاظ بعض الناس، لكنهم لا ينتبهون إلى ضلالها، ومثلها تمامًا قول كثير من الخاصة والعامة: الله موجود في كل الوجود، الله موجود في كل مكان، .. عقيدة وحدة الوجود، لكنها مع ذلك عقيدة الأشاعرة والماتريدية في آخر الزمان، الله موجود في كل مكان، هذا مكان، الله موجود هنا، ما هو الموجود؟ زيد وبكر وعمرو ومادة وحيطان وهواء .. إلى آخره، الله هنا؟!
[ ٥ / ٥٦١ ]
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، هذه عقيدة السلف الصالح.
فهذا النوع من التصوف هو أكفر الكفر الذي وجد على وجه الأرض.
هناك نوع دونه وهو الذي انحرف في سلوكه عما كان عليه الرسول - ﵌ - من تحميل النفس ما لا تطيق، باسم تربيتها، وهنا نحن نقول: لسنا نحن بصفتنا مسلمين، لسنا بحاجة أبدًا إلى وسيلة نتلقاها من طريق غير طريق نبينا - ﵌ -، لنربي بها أنفسنا، كيف وفي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند، وغيره في غيره من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، «أن النبي - ﵌ - رأى ذات يوم في يد عمر بن الخطاب صحيفة يقرأ فيها، قال: ما هذا يا عمر؟ قال: هذه صحيفة كتبها لي رجل من اليهود، فقال ﵊: يا ابن الخطاب! أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟! والذي نفس محمد بيده! لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي».
إذًا: إذا كان موسى كليم الله والذي أنزل الله عليه التوراة مباشرة لو كان أدرك النبي - ﵌ - لم يسعه أن يتبع توراته، بل لا يسعه إلا أن يتبع نبينا - ﵌ -.
إذًا: كيف بنا نحن اليوم باسم الإسلام الصوفي نربي أنفسنا على طريقة من الحمل عليها بزعم تهذيب النفس الأمارة بالسوء بالتشديد عليها، لهم قصص عجيبة وغريبة جدًا، كان أحدهم، وهذا في بعض القرون الأولى المشهود لها بالخيرية، أما فيما بعد في عهد الشعراني، وما أدراك ما الشعراني فحدث ولا حرج، لكن في العهود الأولى حيث بدأ التصوف يذر قرنه، كان فيهم من يلبس أغلظ الثياب، ثم ينغمس في نهر دجلة أو طلاء الفرات في اليوم البارد الشديد البرودة، ثم يصعد فيقف على سطح الدار، تلفحه الرياح الباردة، ما هذا؟ قال:
[ ٥ / ٥٦٢ ]
تهذيبًا للنفس.
هذا ليس تهذيبًا، هذا تعذيب، والنبي - ﵌ - الذي قال بحق، ونحن بحاجة لنعرف أثر هذه الكلمة في حياتنا العلمية الإسلامية اليوم: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» (١) ومن ذلك حديثان في صحيحي البخاري ومسلم أحدهما من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جاء رهط إلى النبي - ﵌ - فلم يجدوه، وسألوا أهله عن عبادته، عن قيامه في الليل وقيامه في النهار، وقربانه للنساء، فتحدثن بما يعلمن وقلن: إنه ﵇ يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء. قال أنس: فلما سمعوا ذلك تقالوها، أي: وجدوا عبادة الرسول ﵇ قليلة؛ لأنهم كانوا يتصورون رسول الله - ﵌ - ينام الليل؟! لازم أن يقوم الليل كله. كذلك يفطر؟! لا بد أن يفطر الدهر كله، كذلك يتزوج النساء؟! وبعض الناس يقولون: ضاع العلم بين أفخاذ النساء. كيف الرسول يتزوج أربع، يتزوج تسعة وزيادة، فوجدوا عبادته عن الكلام قليلة، لكن رجعوا إلى أنفسهم قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من
_________________
(١) الصحيحة (٦/ ٢/٨٦٥).
[ ٥ / ٥٦٣ ]
ذنبه وما تأخر.
الحقيقة هذا الكلام يخرج من أناس أفهم من بعيد أنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، لأنه ليس من الممكن من إنسان فهم نبيه ﵇ في كماله السامي الذي لا مثل له، يقول: لماذا يتزوج الرسول، ولماذا ينام؟ ولماذا يفطر؟ الله غفر له، ماذا يريد أكثر من هكذا. لا ينبغي أن يقال هذا الكلام، لكن هكذا وقع.
المهم، فرجعوا إلى أنفسهم، قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
إذًا: نحن لا بد أن نكد ونتعب ونتعبد لله حتى يغفر لنا الله.
ما هو السبيل في زعمهم؟
قال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر لا أفطر أبدًا.
قال الآخر: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام.
وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء.
وانصرفوا، بعد قليل جاء الرسول ﵇ فأخبر الخبر، خطب النبي - ﵌ - خطبة وجيزة فقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم لله، أما أني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
هنا الشاهد: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» فهؤلاء الصوفية الصالحين قديمًا لا أعني عن جماعة الشعراني وأمثاله ووحدة الوجود، لا، هؤلاء حادوا عن هدي النبي - ﵌ -، فجاءوا بأساليب بوذية هندية قديمة، توارثوها، ولعلهم كانوا من الأعاجم الذين دخلوا في الإسلام ولما يفقهوا الإسلام بعد، فجاءوا بطريقة تعذيب النفس بزعم تصفيتها، وهذا هو نبيكم - ﵌ - يقول: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
ثم إنه ﵇ طبق هذا النهج في بعض أصحابه حينما بلغه عن عبد الله بن عمر بن العاص صحابي ابن صحابي ﵄، بلغه أن أباه زوجه بفتاة
_________________
(١) البخري (رقم٤٧٧٦) ومسلم (رقم٣٤٦٩).
[ ٥ / ٥٦٤ ]
من قريش (١)، فدخل عليها يومًا فسألها عن زوجها، فقالت له: ما به من بأس إلا أنه لم يطأ لنا بعد فراشًا، إنه قائم الليل صائم النهار، أي: تزوج وما تزوج. فصعب الأمر على عمر وشكا ابنه إلى نبيه - ﵌ - فقال له ﵊: يا عبد الله! بلغني عنك أنك تقوم الليل وتصوم النهار ولا تقرب النساء، قال: قد كان ذلك يا رسول الله! وهنا الحديث فيه طول وأختصره فأقول: إن النبي - ﵌ - وضع له منهجًا ليتعبد الله فيه ويجمع كما يقولون اليوم بين حق الجسم وحق النفس من جهة، وحق الروح من جهة أخرى، أي: العبادة، فقال وقد كان يقوم الليل كله
يختم القرآن، ويصوم الدهر، قال بالنسبة لقراءة القرآن هذا في نهاية المطاف، والقصة طويلة، قال: اقرأ القرآن في ثلاث ليال، فمن قرأ القرآن في أق ل من ثلاث لم يفقه.
وفيما يتعلق بالصيام قال له في أول الأمر: صم من كل شهر ثلاث أيام، والحسنة بعشرة أمثالها، فكأنهما صمت الشهر كله، فكان يقول: يا رسول الله! إني شاب إن بي قوة، إنني أستطيع أكثر من ذلك، وتلاحظون هنا الفرق بين ذاك الجيل وجيلنا اليوم، شاب في مقتبل العمر زوجه أبوه بفتاة من قريش يعرض عنها ويقوم الليل ويصوم النهار و.. إلى آخره، وعندما يقول له الرسول - ﵌ - هون على نفسك يقول له: يا رسول الله! أنا شاب، أنا قوي، أنا أستطيع أكثر من ذلك، اليوم على العكس من ذلك ينشأ شاب في طاعة الله تجد الصادين من حوله القريب والبعيد، أولًا الأب وثانيًا الأم يقولون له: ما زلت شابًا تعبد فيما بعد، انظر الفرق بين ذاك الزمان وهذا الزمان.
_________________
(١) البخاري (رقم٤٧٦٥).
[ ٥ / ٥٦٥ ]
الشاهد قال له في نهاية المطاف: صم يومًا وأفطر يومًا، فإنه صوم داود ﵇، وكان لا يفر إذا لاقى، قال: يا رسول الله! إني أريد أفضل من ذلك، قال: لا أفضل من ذلك.
فأين هذه الصوفية الزاهدة الزاعمة، مخالفة للكتاب والسنة.
فإذًا: ما كان من التصوف مفسرًا بما يوافق الكتاب والسنة حقيقة فحينئذ ارفعوا هذا الاسم ونبقى على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، وما خالفهما فنحن نضرب بذلك عرض الحائط.
"الهدى والنور" (٦٣٢/ ٠٠:٤٠:٢٩)
[٦٥٨] باب هل يكفر المعتزلة؟
سؤال: يقول السائل: ذكرتم .. أن المعتزلة لا يكفرون، فكيف ذلك وهم يقولون بخلق القرآن وغيره من الأمور العقدية المخالفة، فما هو الضابط في قضية الكفر؟
الجواب: نعم، هذا سؤال مهم.
الحقيقة أن هناك شيئًا وسطًا: لا يلزم من وقوع الإنسان في الكفر أن يقع الكفر عليه، ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، لكن إذا أردنا أن نقول: إنه كفر وارتد عن الدين فلا بد من إقامة الحجة عليه حتى تتجلى له الحقيقة وتزول عنه الشبهة التي كانت هي السبب في انحرافه عن الحق الذي جاء به الشرع وخالفه فوقع في الضلال المبين.
هذا الجواب يشمل كل الفرق الإسلامية التي لا تزال مسلمة معنا، لا تنكر شيئًا من الأحكام المتعلقة بالإسلام، يعني الأحكام العملية.
[ ٥ / ٥٦٦ ]
فما دام مسلمًا لا ينكر ما هو ثابت من الدين بالضرورة - كما يقول الفقهاء - فهو مسلم ولو ضل سواء السبيل في بعض الأفكار أو في بعض العقائد، فمن أنكر - كما قلنا عن المعتزلة وغيرهم من الجبرية وأمثالهم من المبتدعة قديمًا وحديثًا، حديثًا اليوم جبرية ما شئت من المسلمين جبرية، يقول لك: ما في فائدة، الإنسان مجبور، وكلمة سائرة على الألسنة يمكن كلكم يشترك في معرفتها، الإنسان مسير وإلا مخير؟ ويش يقولون؟ مسير، أيش هو معنى مسير؟
مداخلة: مجبور.
الشيخ: يعني مجبور. فإذًا أمة يغلب عليها هذه العقيدة أن الإنسان مسير ما هو مخير مش ممكن أنها تنهض، بدها علاج بدها تصحيح المفهوم. هل نكفر هؤلاء؟ نقول: لا. لماذا؟ لأنهم يعيشون في جو جاهلي الحقيقة.
نرجع للمعتزلة الموجودين اليوم، كثير منهم بيقول لك: أن الإنسان مش معقول أن الله يكتب عليه أنه شقي وبعدين أيش يعذبه، فأنكروا الكتاب الإلهي السابق، قال تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر:٥٣) يعني: مسجل.
﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) الكتاب هنا ليس كما تسمعون أحيانًا من بعض الكتاب المعاصرين يعني القرآن، ويريدون [أن] يتفاخروا على سائر الأديان بباطل، والمسلمون ليسوا بحاجة إلى مثل هذا الافتخار بالباطل حين يقولون: أن القرآن كل شيء مذكور فيه.
﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، الكتاب في هذه الآية هو اللوح المحفوظ وليس القرآن الكريم.
القرآن الكريم بشهادة أهل السنة والجماعة ليس فيه كل شيء مما يتعلق
[ ٥ / ٥٦٧ ]
بإصلاح عبادة الإنسان وسلوكه، وإنما تمام ذلك في سنة نبيه، كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
فإذا كانت السنة متممة للقرآن فكيف يقال: إن القرآن فيه كل شيء من الاختراعات والابتكارات وعلم الفلك والجغرافيا وو، هذه مبالغة ليس الإسلام بحاجة إليها أبدًا.
﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) أي: اللوح المحفوظ، فالناس اليوم ينكرون هذه الكتابة ويتوهمون شيئًا آخر وهو الذي وقع فيه المعتزلة: أن القدر الإلهي هو العلم الإلهي، بينما القدر ليس هو العلم الإلهي كالكتابة، القدر مشتق من التقدير من تفصيل كل شيء ووضعه في مكان لائق به، فالقدر الإلهي هو فعل الإله ﷿، لكن حسب العلم الإلهي الأزلي.
كذلك الكتابة، كتب كل شيء في اللوح المحفوظ كما جاء في الحديث الصحيح: «لما خلق الله القلم، أو أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» (١) هذه عقيدة المسلمين كافة، إلا المعتزلة يقولون: لا قدر، لا كتابة. إذًا: ليس فقط إلا العلم الإلهي.
الحقيقة أنهم حينما يؤمنون بالعلم الإلهي من جهة يجعلهم في دائرة الإسلام، لكن من جهة يخرجون عن الإيمان - كما قلنا آنفًا - بعض الخروج بإنكارهم التقدير الإلهي والتسطير الإلهي والكتابة الإلهية.
لكن من عجائب عقولهم: أنهم ما استفادوا شيئًا من تعطيل هذه النصوص
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٢٠١٧).
[ ٥ / ٥٦٨ ]
التي قصدوا بهذا التعطيل تخليص جماهير الجبريين من الجبر، ما استفادوا شيئًا، لماذا؟ لأن الذي قدره الله وفق علمه ولأن الذي كتبه الله هو وفق علمه، فإذًا بزعمهم الجبر لا يزال ملازمًا لهذا الإنسان المخلوق.
إذا رفعنا الآن من أذهاننا كما يريد المعتزلة لا كتابة ولا قدر، طيب. ألم يسبق في علم الله أن فلانًا من أهل النار؟ مثلًا: أن إبليس هو في أسفل الدرك من النار؟ نعم، سبق في علم الله.
طيب. هل يستطيع ألا يفعل ذلك؟ نفس الشبهة هم يوردونها على أهل السنة حينما يقولون بالقدر ويقولون بالكتابة، الشبهة واردة عليهم أيضًا، لأن الكتابة لا تزيد على أكثر مما في العلم الإلهي.
بلا تشبيه، إنسان منا عنده فكرة أجى كتبها، الكتابة هذه ما زادت على ما في فكره وفي عقله فهي تبقى هذا الفكر، فما أدت بشيء جديد إلا لماذا يكتب أحدنا الآن؟ ليبين للناس الحقيقة التي في مخه.
بلا تشبيه، ربنا ﷿ أراد أن يبين ما سبق في علمه فقدر كل شيء وكتب كل شيء، وذلك لتأكيد أن الله ﷿ على كل شيء قدير.
إذًا: الجواب لإبطال شبهة الجبر ليس هو بإنكار الكتابة والقدر وإنما بأن نلاحظ شيئًا واحدًا وهو: أن ندرس طبيعة هذا الإنسان الذي خلقه ربنا ﷿ في أحسن تقويم، هل هو فعل المجبور؟ أو بالتعبير العامي: هل هو ميسر ما
هو مخير؟
الجواب: لا يصح أن نقول كما يقولون، الإنسان مسير ما هو مخير، ولا يصح العكس أيضًا أن نقول: الإنسان مخير ما هو مسير، وإنما نقول: إنه تارة يكون
[ ٥ / ٥٦٩ ]
مسيرًا أي: مجبورًا، وتارة يكون مخيرًا مختارًا، فلا نطلق لا سلبًا ولا إيجابًا، لا نقول كما تقول العامة: مسير ما هو مخير، ولا العكس نكاية في العامة نقول: لا، هو مخير ما هو مسير، لأن الواقع يشهد أن الإنسان تارة مسير وتارة مخير.
بدليل حينما يكون الإنسان في أي شيء ما صدر منه، لوحظ في ذلك أنه كان مجبورًا، كان مسيرًا من الغير وهو رب العالمين ولم يكن مخيرًا هل عليه مسئولية عند الله ﵎؟ لا مسئولية. لماذا؟ لأنه ثابت كتابًا وسنة وعقلًا: أن المسئولية والجبر لا يجتمعان، كما قال الجبري المقيت واصفًا ربه ﷿ بما لا يصح أن نصف به جبارًا ظالمًا مبيرًا، قال في الله واصفًا علاقة العبد مع ربه:
ألقاه في اليم مكتوفًا ثم قال له إياك إياك أن تبتل بالماء
هكذا الإنسان مع رب الأنام؟ حاشا لله ﷿.
قال بصريح القرآن: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩).
قال الرسول: «من أراد الحج فليتعجل، ومن أراد أن يضحي ودخل عليه عشر ذي الحجة فلا يأخذن من شعره وظفره» إلى غير ذلك من النصوص.
إذًا: الإنسان له إرادة، له اختيار، فإذا سلبت منه هذه الإرادة رفع عنه التكليف، وإذا ثبتت هذه الإرادة وهذا الاختيار ترتب من ورائه التكليف.
فإذًا: الإنسان تارة يكون مسيرًا وتارة يكون مخيرًا، الذي يقتل إنسانًا خطأً هذا مسير، رمى عصفور، رمى غزال، رمى أرنب راحت الرصاصة وصابت أيش؟ وراء الأكمة مزارع يعمل في الأرض هذا قتل خطأ، لا يقول لهذا الإنسان رب العالمين: لماذا قتلت فلانًا؟ لأنه غير مختار.
وعلى العكس من ذلك الذي يُبَيِّتُ قتل زيد من الناس ويتخذ الأسباب
[ ٥ / ٥٧٠ ]
ويعزم على قتله ويقتله كما يقولون اليوم في لغة المحامين: عن سابق إصرار وترصد. نعم.
هذا يستوي مع ذاك؟ لا يستويان مثلًا، هذا سيقول رب العالمين: لم قتلت فلانًا؟ ولم عزمت على قتله؟ وسيحاسبه حسابًا عسيرًا جدًا.
فكل نصوص الشريعة فضلًا عن العقل الفطري السليم يحكمان معًا على أن الإنسان تارة يكون مختارًا وتارة مجبورًا، فلما يقول لك الجبري: لا قدر، كيف لا قدر يا أخي؟ هذا أرغم وقتل إنسان خطأً هذا هو القدر، لكن أين الذي قتل الإنسان بإرادته وبسابق ترصد؟ هذا أيضًا بقدر، لكن الذي أردت بهذه الأمثلة أن أقول: كتب الله على فلان هكذا في اللوح المحفوظ بوفق العلم الإلهي، كتب الله على إبليس أنه سيكون في أسفل سافلين، في الدرك الأسفل من النار، لماذا؟ لأنه يؤمر بالسجود وهو مستطيع فيستكبر على أمر ربه ويقول ناسبًا إلى الله الظلم: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء:٦١).
إذًا هو لا يسجد وباستطاعته أن يسجد، فإذًا كُتب من أهل النار بل أشقى أهل النار، لكن على العكس، نرجع الآن لموضوع المعتزلة؛
الذي مات في القطب الشمالي أو القطب الجنوبي ولم يطرق سمعه شيء اسمه دين الإسلام، أو إنسان اسمه محمد بن عبد الله نبي الإسلام ما طرق سمعه فعاش يعبد الأصنام التي كان يعبدها أهل الجاهلية الأولى هل هذا يقال له يوم القيامة: لم كفرت؟ لا. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
وهذا باب واسع جدًا، ولذلك فلا أريد أن أذهب بعيدًا عن السؤال. فالمعتزلة وكل الفرق الضالة إذا ضلوا سواء السبيل وظلوا مع المسلمين يقومون بالواجبات
[ ٥ / ٥٧١ ]
الدينية فهم ضالون ولا شك، ولكن لا نخرجهم من دائرة الإسلام إلا بعد إقامة الحجة عليهم، فإذا أقيمت الحجة عليهم فهناك أمران اثنان:
أمر يتعلق برب العالمين، ونحن ما ندري ما سيكون عاقبة أمره عند الله.
وأمر يتعلق بحاكم المسلمين، حاكم المسلمين هنا يظهر أهمية الحكم الإسلامي، يؤتى بهذا الإنسان إليه ويؤتى ببعض علماء المسلمين ويقيمون الحجة عليه، فإذا أصر على ضلاله بعد أن تبينت له حجة الله عليه قتلوه ردةً، لأنه كفر فعلًا وأقيمت الحجة عليه.
أما إنسان لم يتاح له مثل هذه الفرصة أن تقام عليه الحجة فنحن نكتفي وبخاصة بالنسبة للماضين معتزلة وخوارج ومرجئة وجبرية وو إلى آخره، نقول: أمرهم إلى الله، فمن يعلم الله ﷿ بأنه كابر وجحد فحسبه جهنم، ومن يعلم الله ﷿ بأنه ما جحد شيئًا وهو يؤمن بحقيقة الأمر فهذا لا يحاسب حساب الكفار، يجوز أن يحاسب لأنه مقصر، ما سلك الطريق الذي يوصله لمعرفة الحق فحينئذ ربنا ﷿ هو حسيبه.
أما نحن فلا نخرج مسلمًا من دائرة الإسلام مهما كان ضالًا إلا بعد إقامة الحجة. هذا آخر الجواب.
"الهدى والنور" (٢١٩/ ٣٦: ١٠: ٠٠)
[٦٥٩] باب لماذا كفر السلفُ الجهمية؟
مداخلة: بسم الله الرحمن الرحيم.
معلوم أن كثيرًا من السلف كفروا الجهمية، وكفروا من قال بخلق القرآن وغيره من المكفرات فهل نحرم على من يكفر هؤلاء على طريقة السلف، ثم إن
[ ٥ / ٥٧٢ ]
حمل الناس على أحد القولين وهو عدم التكفير يجرئ دعاة البدعة، و[يجغل] الجهال يتبعونهم على البدع المكفرات، فلو أضاف الداعية إلى جانب القول بعدم التكفير حكاية السلف حتى يكون رادعًا لكثير من الدعاة السيئين وأرباب البدعة من التمادي واتخاذ الشركيات ؟
الشيخ: نعم، تكفير السلف للجهمية أو الجمهيين في اعتقادي أن علماء السلف أقاموا الحجة على أولئك وأصروا على ضلالهم وزيغهم، ونحن لا نشك في أن مثل هذا التكفير هو على الجادة، لكن لا يقاس الضلالات الأخرى على ضلالة الجهمية، لعدم وجود في اعتقادي من يقيم الحجة كما ذكرنا اليوم في بعض المجالس على هؤلاء الذين انحرفوا عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، ولذلك فنفرق فنقول: هذا كفر وهذا شرك لكن لا نبادر إلى التكفير وإخراج هذا الذي وقع في الكفر من الملة إلا بعد إقامة الحجة، فما جاء في السؤال من أن السلف كفروا الجهمية فالجواب: في اعتقادي أنهم اعتقدوا أن الحجة قامت عليهم من أطراف كثيرة وكثيرة، لا سيما وكانت الظروف مواتية لأهل السنة أن يقيموا الحجج الدامغة لضلال هؤلاء الجهمية مع ذلك فهم أصروا على ضلالهم فالمقابل أصر علماء السلف على تكفيرهم.
"لقاءات المدينة" (١/ ٠٠:٠٨:٠٧)
[٦٦٠] باب هل يُكَفَّر الجهمية أم يعذروا بجهلهم؟
سؤال: الإمام ابن حزم ﵀، يعني: ذكر ابن عبد الهادي ونقلته في السلسلة بأنه يقول: بأنه جهمي جلد، الذي نقله ابن القيم في الجهمية الذين يقولون بخلق القرآن: ولقد تقلد كفرهم خمسمائة من العلماء، كيف التوفيق بين هذا وهذا؟
[ ٥ / ٥٧٣ ]
الشيخ: شغل بالي في قولك: الذي نقلته وأنه ظهر لي في شيء من الخطأ فأرجوا أن تعيد علي، من القائل: جهمي جلد، ومن المقول فيه ؟
مداخلة: القائل: ابن عبد الهادي.
الشيخ: لمن قال؟
مداخلة: ابن حزم.
الشيخ: ابن عبد الهادي هو القائل؟!
مداخلة: نعم.
الشيخ: أو هو المقول فيه؟
مداخلة: لا، هو القائل.
الشيخ: والمقول فيه؟
مداخلة: ابن حزم.
الشيخ: ابن حزم، صحيح، والعبارة الثانية؟
مداخلة: ابن القيم.
الشيخ: ماذا قال؟
مداخلة: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان
الشيخ: طيب! من هم؟
مداخلة: على الجهمية والذين يقولون بخلق القرآن.
الشيخ: فأنت سؤالك الذي سمعته جيدًا: ما التوفيق بين هذا وهذا؟
[ ٥ / ٥٧٤ ]
مداخلة: نعم، كيف نجمع بين
الشيخ: أين التعارض؟ ينبغي أن يقال في السؤال: أليس في هذا مبالغة؟ بما يتعلق بابن حزم، أما ما في تعارض بين القولين حتى تقول: كيف التوفيق؟
مداخلة: ابن حزم الآن إذا كان يقول بقول الجهمية وابن القيم ينقل عن خمسمائة عالم بأنهم يكفرون الجمهية كيف نقول: بأن ابن حزم ليس بكافر؟
الشيخ: كيف نقول أن ابن حزم ماذا؟
مداخلة: ليس بكافر.
الشيخ: هذا الذي أقول لك، أقول لك أنا: صحة السؤال أنه: أليس هناك مبالغة في أن يقال في حزم إنه جهمي جلد؛ لأن هذا يساوي أنه كافر، طيب! وهذا من جملة أولئك الكفار في حد تعبير .. فهل هناك تعارض حتى يكون سؤالك كيف التوفيق؟! فالسؤال ساقط، وإنما الحقيقة أنه كيف يقال في ابن حزم بأنه جهمي جلد؟ وبخاصة أنه ابن القيم كفر الجهميين، وضح الآن أن السؤال كان خطأ؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! الجواب: كنا تكلمنا في بعض مجالسنا في هذه الرحلة أن من الخطأ الشائع بين المسلمين اليوم علمائهم إلا من عصم الله منهم جعل الدين أو تقسيمه إلى قسمين: أصول وفروع، ويفرعون على هذا التقسيم أن الخطأ في الأصول كفر، والكفر في الفروع مغتفر، هذا التقسيم لا أصل له، وهذا هو الذي يشرحه ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه شرحًا وافيًا جدًا، الخطأ الذي يكفر به
[ ٥ / ٥٧٥ ]
المسلم لا يتعلق بكونه في العقيدة دون الفروع، بل يتعلق بأن يتبين له الخطأ ثم يصر عليه عقيدةً وليس عملًا، ولما كانت الأحكام فيها عمل والعمل قد يصحبه عقيدة سيئة وقد لا يصحبه عقيدة سيئة، أما القسم الأول قسم العقائد فليس فيها عمل، فإذا تكلم أحد العلماء بعقيدة خالف فيها نص الكتاب والسنة في وجهة نظر الآخرين، فهل يكفر أم لا يكفر، كما لو أخطأ في حكم عملي، مثلًا لعلكم تعرفون بعض العلماء الموقرين يرون أن الخمر ليس كل خمر حرامًا خلافًا للحديث الوارد في صحيح مسلم: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» بل يفصلون فيقولون: ما كان مستنبطًا من الخمر من العنب فهذا قليله وكثيره حرام، وما كان مستنبطًا من غيره فكثيره المسكر هو الحرام، أما قليله فحلال، هذا وجد في العراقيين من قال مثل هذا القول، وهو مصادم لقوله ﵇: "كل ما أسكر كثيره فقليله حرام"، فهل يكفر مثل هذا المخالف؟ الجواب: لا؛ لأنه صدر منه اجتهاد.
لكن لو جئنا إلى الخمر الذي اتفق على تحريمه فاستحله مستحل بقلبه، هذا ارتد عن دينه، مع أنه حكمًا ليس عقيدةً ولكن آنفًا أظن قبل ما يأتي كثير منكم، كنا نبين خطأ من يفرق في وجوب الأخذ بحديث الآحاد بين ما إذا كان فيه عقيدة أو كان في العقائد فلا يجوز الأخذ به بخلاف الأحكام فقد أثبتنا بشيء من التفصيل والبيان أن كل حكم شرعي يتضمن عقيدةً لا بد أن يتبنى المسلم لها وإلا لم يكن قوله بما تضمنه هذا الحكم مفيدًا له؛ لأنه أي حكم هذا حرام، والحرام يجب أن يكون في قلبه معتقدًا حرمته فإذا لم يعتقد ذلك فلا قيمة لهذا الحكم دون ذاك، فأقول: فإذا نقلنا موضوع الخمر من غير العنب وفي ذاك الخلاف الذي أشرت إليه آنفًا، إلى الخمر المجمع على تحريمه وصرح أحد المسلمين بأن هذا ليس بحرام كما هو الشأن في خمر غير العنب، لا شك أنه باعتقاده في هذا الحكم أنه غير
[ ٥ / ٥٧٦ ]
حرام قد كفر، لماذا؟ لأن هذا الحكم تضمن كما قلنا آنفًا عقيدة، فحينئٍذ ننتقل إلى نص فيه عقيدة وليس فيه حكم كما هو في موضوع ما نحن فيه آنفًا مما يتعلق بالجهمية الذين أنكروا كثيرًا من صفات الله ﷿ الثابتة في الكتاب فضلًا
عن السنة.
فالآن: ندخل في صميم الموضوع: من أنكر عقيدةً ما وهو يعتقد أن هذه العقيدة قد جاءت عن الله ورسوله فهو كافر، ولا نقول عنه فقط جهمي جلد، وبل وكافر مرتد عن دينه، ولكن إذا كان لا يغلب على ظننا على الأقل أنه هو حينما وقع في هذا الإنكار وفي هذا الجحد لصفة من صفات الله ﷿ إنما وقع في ذلك خطأًوتوهمًا وليس قصدًا، فحينذاك لا يلزم من قولنا فيه إنه جهمي جلد أنه كافر، وعلى العكس من ذلك، إذا قلنا في أحد: إنه كافر جهمي جلد فهذا لا يحتمل عن الآخر سوى التكفير، أما مجرد قولنا فيه: جهمي جلد، فهذا لا يعني أنه كافر.
لعلك وصلت إلى الجواب عن سؤالك؟
مداخلة: يا شيخ الآن عندنا
الشيخ: أنا سألتك!
مداخلة: نعم.
الشيخ: أرحتني، جزاك الله خير، فقل الآن استدرك ما شئت.
مداخلة: الآن عندنا الجهمية الآن ما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه إلا من أجل التأويل والخطأ، لأنهم أنكروا الأسماء والصفات ..
[ ٥ / ٥٧٧ ]
الشيخ: إلا من أجل التأويل والخطأ! أنت زدت علي شيئًا؟
مداخلة: لا، لأن ..
الشيخ: سألنا: زدت علي شيئًا؟
مداخلة: لا ما زدت.
الشيخ: إذًا: ما محل ذلك الاستدراك من الإعراب؟
مداخلة: الاستدراك: كان كلامك الأول منصب إلى ابن حزم، وكلامي ينصب إلى الاثنين.
الشيخ: طيب! يعني: أنت سرت معي ووسعت الدائرة، أكذلك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! أنا أقول كلمة عامة: كل من وقع في التجهم بعد أن تبينت له الحجة أنه على ضلال وأصر فهو كافر، لكن تعيين فلان هذا موضع اجتهاد، فابن حزم هل يقول باحث مسلم يعرف قيمة هذا الإمام وعلمه وفضله وإلى آخره كالجعد الجهمي هل يسوي بينهما؟ ومن ذلك تأخذ الفرق ولا تستطيع أن تقيس وتقول مثلًا لماذا يقال عن الجعد أنه كافر، وقتل أو ذبح على كفره، وهذا ابن حزم إمام من أئمة المسلمين ويشترك معه في ذلك، ذلك لأن هذا ينفك بعلمه وفضله في الكتاب والسنة عن ذاك وإن كان يشترك معه في ضلالة من الضلالات، لكن هذا لا يلزمنا أن نحكم عليه بنفس الحكم الذي صدر عن غيره ممن لا يعرف عنه له جهاد في العلم بالكتاب والسنة، هذا ما عندي جوابًا عن ذاك السؤال.
"رحلة النور" (٤٤ب/٠٠:٠٠:٥٤)
[ ٥ / ٥٧٨ ]
[٦٦١] باب هل يُكفر الشيعة بعامة؟
سؤال: هل يصح تكفير الشيعة عامتهم أم فرق خاصة منهم؟ أم فرق خاصة منهم؟
الشيخ: نحن نقول دائمًا وأبدًا: لا يجوز في شرع الله -﵎- تكفير طائفة أو جماعة من المسلمين بالجملة، لا يجوز هذا؛ ذلك لأن أي طائفة قد يكون فيهم من لم يستحق أن يوجه إليه التكفير لعذر أو لآخر، كما أنه قد يوجد فيهم من يستحق التكفير، ولذلك فلا يجوز بوجه من الوجوه أن يقال: الشيعة مثلًا كلهم كفار، أو الزيدية مثلًا، أو الخوارج، أو الإباضية، أو غير هذه الفرق التي كانت قديمًا، ولا يزال شيء من آثارها موجودة حتى يومنا هذا، هذا أولًا، وخلاصة ذلك: لا يجوز التكفير بالجملة، وإنما لا بد من التفصيل، ونحن نعلم بالتجربة بأن كثيرًا من عامة المسلمين بغض النظر عن انتمائهم إلى السنة أو إلى الشيعة أو إلى غيرهم نجد فيهم من لا يزال على الفطرة ولم يتأثر بما يسمى عند العلماء بعلم الكلام، كما تأثر به كثير من المشتغلين بالعلم، ولذلك فهؤلاء العامة يبقون على سلامتهم، وعلى فطرتهم، بينما يكون بعض خاصتهم قد انحرفوا عن الخط المستقيم بسبب أنهم تثقفوا بثقافة غير إسلامية، وإن كان يطلق عليها أنها من الإسلام، فإذا تركنا هؤلاء العامة، وتوجهنا إلى الخاصة منهم من أي أعود لأقول: من أي جماعة كانت، حتى من أهل السنة الذين يقولون إنهم من أهل السنة والجماعة، فنحن مع الأسف نعلم بأن في أهل السنة والجماعة كثيرًا من الطرق الصوفية التي يتبنى بعضها على الأقل مذهبًا أو عقيدة يعتبر أنها تضل من عقيدة اليهود والنصارى، ألا وهي: عقيدة وحدة الوجود، فيوجد في الصوفية كثير من
[ ٥ / ٥٧٩ ]
أمثال هؤلاء الذين يؤمنون بالوحدة هذه، ولا شك أن من كان يؤمن بها يكون كافرًا مرتدًا عن الدين؛ لأن عقيدة وحدة الوجود تعني الطبيعة، كما يقول الكفار والملاحدة الشيوعيون وأمثالهم إنه ليس هناك إلا المادة، الكفر اليوم يعلن به صراحة، فالشيوعيون يعلنونها: ليس هناك شيء سوى المادة.
المؤمنون بوحدة الوجود يغمغمون للقضية ويلبسونها ثوبًا من الإسلام والدين، كي يضللوا عامة المسلمين، فهم مثلًا حينما يفسرون كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ينتهون بها إلى أن يقول: لا هو إلا هو، ثم يختصرون هذه الجملة التي تتضمن مستثنىً ومستثنىً منه، فيقولون: هو هو، لا هو إلا هو يلخصونها فيقولون: هو هو، لا شيء سواه، ويعبرون عن ذلك بكثير من العبادات الشركية المكشوفة القناع، كقول بعضهم مثلًا: كل ما تراه بعينك فهو الله، إذًا هذه هي المادة التي يؤمن بها الملاحدة، وبعض آخر فيقول: لما عبد المجوس النار ما عبدوا إلا الواحد القهار، والشاهد هؤلاء ليسوا في الشيعة، ولا في الخوارج، هؤلاء من أهل السنة والجماعة، فهل يجوز تكفير الصوفية عامة؟ الجواب: لا؛ لأن كثيرًا منهم إنما يتبعون التصوف جملة بظنهم أنه هو السلوك الذي يوصلهم إلى رب العالمين، لكن أكثرهم لا يعلمون هذه العقيدة التي هي من أبطل الباطل، أما خاصتهم فهم يؤمنون بها، فإذًا لنبدأ بأصحابنا وأهل سنتنا ومذهبنا وهم أهل السنة والجماعة، وفيهم من ذكرنا ممن يؤمن بوحدة الوجود، وهؤلاء إنما يوجدون على الغالب عند الصوفية، ولكن مع ذلك يوجد هؤلاء حتى عند غير الصوفية، حتى عند بعض الذين يحاربون التصوف جملة وتفصيلًا كالمعتزلة مثلًا، المعتزلة الذين يسمون أنفسهم بأهل التوحيد، وأنهم يفخرون على الطوائف الأخرى منها أهل الحديث ومنها الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، هؤلاء ليسوا من أهل التوحيد وأهل العدل؛
[ ٥ / ٥٨٠ ]
لأنهم في ظن المعتزلة يؤمنون بالجبر، يعني أهل السنة عند المعتزلة يؤمنون بالجبر حينما يعتقدون، واعتقادهم حق بلا شك أن ما من شيء يقع في هذا الكون من خير أو شر إلا بمشيئة الله -﵎- وإرادته، أما المعتزلة فيقولون لا: ليس كل شيء يقع في هذا الكون بإرادة الله ومشيئته، بل الإنسان هو الفعال لما يريد، وهو الذي يخلق، خاصة هم يدندنون حول الشر، فهو يخلق الشر وليس لله في ذلك إرادة، وهذا بحث طويل ولا نريد أن ننسى أصل السؤال، المهم أن هؤلاء المعتزلة يشتركون مع القائلين بوحدة الوجود حينمًا ينكرون نصوصًا قاطعة في الكتاب والسنة تثبت أن لله -﷿- صفة العلو، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى:١)، نقول في السجود: سبحان ربي الأعلى، والنصوص التي أشرنا إليها -إن شاء الله- معروفة عندكم، هم ينكرون هذه النصوص، لا ينكرونها لفظًا، وإنما ينكرونها معنىً؛ لأنهم إن صرحوا بإنكارها لفظًا خرجوا عن الإسلام، فينكرونها بطريق التأويل، فهم لا يؤمنون بأن الله -﷿- على العرش استوى -كما قال الله -﷿-؛ لأنهم يؤولون الاستواء بمعنى الاستيلاء وهذا باطل -أيضًا-، وله مجال آخر لتفصيل القول في ذلك، فإذًا لو سئلوا السؤال الذي ورثنا إياه نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- ألا وهو: «أين الله؟» فجوابهم: الله في كل مكان، إذًا الله في كل مكان، المكان خَلْقٌ من خلق الله، التقى قولهم هذا مع قول أهل الوحدة أي: لا شيء إلا هذا الكون المخلوق، وبخاصة حينما يؤكدون في نفي الوجود الإلهي بأن الله -﷿-، هكذا يقولون كما ستسمعون: الله لا يوصف بأنه فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا
خلف، لا داخل العالم ولا خارجه؛ إذًا لم يبق إلا المادة؛ إلا هذا الكون المشاهد، فالتقت -أيضًا- المعتزلة مع الجماعة القائلين بوحدة الوجود في أن لا شيء هناك إلا الطبيعة، هل
[ ٥ / ٥٨١ ]
يشترك مع المعتزلة ومع الصوفية الغلاة في هذه النقطة بالذات كثير ممن ينتمي إلى السنة والجماعة ممن ينتمي إلى الماتريدية أو الأشعرية؟ نقول: نعم، وهذا نلمسه ونسمعه دائمًا أبدًا في كل مجتمع سني ليس شيعيًا ولا معتزليًا يقولون: الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل وجود، أهل السنة هاللي عايشين معنا وعايشين معهم هكذا يقولون، إذا كان الأمر هكذا، فهل نكفر هؤلاء الذين ينكرون أن من صفة الله -﵎- أنه ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠)، إلى غير ما هنالك من كثيرة أجمعت على أن الله -﷿- فوق المخلوقات كلها، هل نكفر هؤلاء بالجملة بالكوم؟ نقول: لا، نبدأ بأهل العلم منهم: هل نكفرهم؟ أيضًا لا إلا بشرط واحد، بعد إقامة الحجة؛ لأنه يمنعنا من المبادرة إلى تكفير أي مسلم ما دام أنه يلتقي معنا في الأصل الأول من أصول الإسلام الخمسة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فكل مسلم يشهد هذه الشهادة فابتداءً لا يجوز الحكم بتكفيره؛ لأنه رفع راية الإسلام بشهادته بشهادة الإسلام، وأنتم فيما أعتقد جميعًا تعلمون قول النبي - ﵌ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها: فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم عند الله﵎-»، إذًا هذا المسلم الذي يشهد هذه الشهادة نحن لا يغيب عنا ولا يفوتنا أنه قد يقولها وهو كافر بما تدل عليه من الحق ومن العقيدة الصحيحة؛ لأن هذا من طبيعة المنافقين الذين كانوا موجودين حتى في العصر الأول الأنور الأطهر، وهو العصر الذي قال عنه الرسول -﵇-: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» قد كان فيهم خاصة في المدينة من أهل المدينة مردوا على النفاق، الله كان يعلمهم، وقال للنبي - ﵌ -: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (التوبة:١٠١)، فكيف
[ ٥ / ٥٨٢ ]
عاملهم الرسول -﵇- هل عاملهم معاملة اليهود والنصارى؟ فرض عليهم الجزية يعطونها ويدفعون عن يد وهم صاغرون؟ أم مشى عليهم أحكام الإسلام؟ مشى عليهم أحكام الإسلام؛ لأنهم شهدوا بألسنتهم، أما قلوبهم فكما قال في الحديث السابق: حسابه عند الله -﵎-، يؤكد لكم هذا المعنى الذي خلاصته أن الإسلام يبني أحكامه على ما يظهر للناس، ولذلك كان من قواعد علماء الفقه والأصول: نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
وهذا مأخوذ من بضعة أحاديث ثابتة في السنة الصحيحة، منها تلك القصة الواردة في كتب السيرة وفي الصحيح -أيضًا- أن رجلًا كان يبارز مشركًا فلما شعر المشرك بأنه صار تحت ضربة السيف وأنه مقتول لا محالة قال: لا إله إلا الله، فالمسلم ما بالاه، قتله، ولما بلغ الخبر النبي - ﵌ - أرسل خلفه وقال له: «كيف أنت ولا إله إلا الله»، قال: يا رسول الله ما قالها إلا خوفًا من القتل، وحقيقة الأمر: كل واحد منا فضلًا عن ذاك الصحابي الذي باشر الأمر يشعر تمامًا أنه هذا المشرك ما قال هذه الكلمة إلا فرارًا من القتل، ولذلك ما اقتنع هذا الصحابي بهذه الشهادة فقتله، مع ذلك فالرسول - ﵌ - قال له: «هلا شققت عن قلبه؟!»، «هلا شققت عن قلبه؟!»؛ إذًا كأنه يقول: ليس لك إلا الظاهر، أما القلوب فلا يعلم ما فيها إلا علام الغيوب -﷾-.
وحقيقة الأمر أننا في الوقت الذي نتصور ما سبق بيانه أنه من الممكن أن هذا المشرك ما قالها إلا تقية، وإلا خوفًا من القتل، يمكن -أيضًا- أن نلاحظ احتمالًا آخر، وهو أن يكون هذا المشرك معتدًا بقوته وشجاعته وبطولته، فلما رأى نفسه مغلوبًا، بل ومقتولًا تحت ضربة سيف ذلك الصحابي كأنه تجلى له أن هناك قوة قاهرة مُدّ بها هذا الصحابي حتى تمكن من أن يجعل ذلك المشرك الذي كان
[ ٥ / ٥٨٣ ]
يتوهم في نفسه أنه البطل الصنديد، فحينئذٍ خضع لهذه القوة وليس لأنه خاف كما قلنا في الاحتمال الأول من القتل فقال: لا إله إلا الله، وهذا يقربه إلينا -هذا الاحتمال الثاني- يقربه إلينا حادثة مصارعة الرسول - ﵌ - لركانة، الذي كان يعد في زمن الجاهلية المصارع الذي لا غالب له، فجاء إلى النبي - ﵌ - وطلب منه المصارعة، فما كان منه -﵇- بقوة من الله -﵎- ولا شك إلا مجرد أن أخذه ورماه على ظهره، قوة خارقة، طلب منه المرة الثانية والثالثة، فكان عاقبة أمره أن قال: أشهد أنك رسول الله، فآمن، لماذا؟ لأنه رأى قوة لا يعتقد إنها من قوة البشر.
إذًا الشارع الحكيم يبني أحكامه على ما يظهر للناس، فكل مسلم إذًا يرفع هذه الراية الإسلامية، فيشهد أن لا إله إلا الله؛ لا يجوز لنا أن نبادر إلى تكفيره إلا في حالة واحدة، حينما يعلن مع تلك الشهادة ما يعارضها وما يعطلها وينكرها، حينئذٍ ندينه ونلزمه بما يلزم منه، حينذاك باستطاعتنا أن نكفره، ومع ذلك رويدك، ولا يجوز -أيضًا- المسارعة إلى تكفيره إلا بعد إقامة الحجة عليه.
إذًا عندنا الآن شرطان؛ ليجوز للعالم المسلم أن يكفر مسلمًا: الشرط الأول: أن يسمع من هذا المسلم ما يكفر به. الشرط الثاني: أن تقام الحجة عليه؛ لأن الله -﵎- ما أنزل الكتب وأرسل الرسل إلا لتكون حجة الله -﵎- قائمة على الناس، ولا يكون لإنسان ما ارتد أو كفر بالله ورسوله عذرٌ يوم القيامة، من هنا اتفق علماء المسلمين على أنه إذا وجد هناك قومٌ لم تبلغهم دعوة الإسلام فهؤلاء لا يحكم لهم بالنار التي وُعد بها الكفار؛ لأن الكفار هم الذين بلغتهم الدعوة ثم جحدوها وأنكروها، كما قال الله -﷿- في كثير من هؤلاء: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) وأصل الكفر -كما تعلمون- من
[ ٥ / ٥٨٤ ]
الكَفْر وهو التغطية؛ لذلك فالزراع يسمون بالكفار ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (الحديد:٢٠) أي الزراع، فلما كان الزارع يستر الحب بالحرث وبالتراب، كذلك الكافر يستر الحق بباطله، فمن كان بهذه المثابة فهو الذي يكفر، ويكون مخلدًا في النار، أما من لم تأته الدعوة ولم تظهر له الحجة ثم ظل على كفره وعلى ضلاله، فهذا يعتبر عند علماء المسلمين من أهل الفترة، ولذلك فأهل الفترة لا يحكم لهم لا بإسلام ولا بكفر، لهم معاملة خاصة عند الله -﵎-، ونكتفي بهذه الإشارة إلى هؤلاء، والمهم: فلله الحجة البالغة على الناس، فلا يجوز المبادرة إلى تكفير أي إنسان ظهر منه ما يحملنا على أن نقتنع بأنه كفر بـ لا إله إلا الله، فلا بد من إقامة الحجة عليه، فإن جحدها ألحق بالكفار، وإن خضع لها فهو لا يزال في إسلامه، على هذا نحن نسوق هذه القاعدة بالنسبة لعامة المسلمين، سواء كانوا ينتمون إلى السنة أو إلى الشيعة أو إلى أي طائفة أخرى، لا بد قبل كل شيء من أن يعلن إنكاره لما هو ثابت في الشرع على طريق اليقين، وهنا يعبر العلماء بكلمة: أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أنا أضرب لكم مثلًا: الذي ينكر حرمة الخمر، فهذا يعتبر كافرًا مرتد عن الدين؛ لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، وليس كذلك من ينكر حرمة الحشيش المخدر أو الأفيون أو هذا الدخان الذي ابتلي به عامة الناس، هؤلاء لا يكفرون؛ لأنهم لا ينكرون ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ثم إنهم يجدون كثيرًا ممن يظنون أنهم من أهل العلم يفتونهم بأنه هذا مكروه، معليش تركه أولى، من هذا الكلام، ولذلك فمن أنكر ما كان معلومًا من الدين بالضرورة ثم أقيمت عليه الحجة الشرعية من كتاب الله ومن سنة رسول الله - ﵌ - فكفر وجحد فهذا هو الكافر، ما يهمنا كان سنيًا منتسبًا إلى السنة أو إلى الشيعة أو إلى غيرهم، هذا نهاية الجواب عن السؤال.
[ ٥ / ٥٨٥ ]
ولكن عندي شيء أريد أن ألفت نظر الشباب المسلم اليوم؛ هذا الكلام لا يفيد المسلمين اليوم، ذلك لأن قضية التكفير هذا يعود إلى رأي الحاكم المسلم؛ لأن هذا الحاكم المسلم هو الذي له صلاحية إقامة الحدود الشرعية، فإذا قال فرد من أفراد العلماء أو من طلاب العلم مثلي: فلان كافر، ماذا ترتب على ذلك؟ ترتب عليه فقط إني أنا ما أزاوجه ما كذا .. أعامله إلى آخره، لكن لما بيكون هناك يوجد حاكم مسلم يدعوه أن يؤمن بالإسلام وإلا قطع رأسه، ولذلك فليس من المفيد اليوم بين المسلمين إثارة هذه القضايا؛ لأنها أحكام تتعلق بالحكام الذين يحكمون بما أنزل الله وأين هؤلاء في هذا الزمان، زمن الغربة بين أفراد المسلمين أنفسهم، فضلًا عن حكامهم، وصدق من قال: دود الخل منه فيه، ولذلك فما يفيد كثيرًا أن نتكلم: هل يجوز تكفير الشيعة؟ أو تكفير الخوارج، أو الخ؟! ما الذي يترتب من هذا؟! وإنما يجب أن نبلغ الناس شريعة الله، وهذا يتطلب منا نحن الذين نفكر ونتساءل: هل يجوز تكفير هؤلاء وهؤلاء؟ يجب علينا أن نتفقه في دين الله، وعلى كتاب الله وسنة رسول الله - ﵌ -، ثم بعد ذلك نرجوا أن نكون قد وضعنا نواة لتحقيق المجتمع الإسلامي المنشود أولًا، والذي بدونه لا يمكن إقامة الحكم الإسلامي على وجه الأرض، بهذا أنصح بعد أن قدمت الجواب عن ذاك السؤال.
"الهدى والنور" (٥١٨/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)
[٦٦٢] باب منه
سؤال: أنا كنت يعني في مأدبه وانأ خطيب جمعة كنت أناهض الشيعة؛ لأنني في الواقع كنت مدرس توحيد في السعودية وعرفت عنهم الكثير، فكثير من أخواننا بعثوا لي تهديدًا؛ لأن الخميني في رأيه هو الداعية إلى الإسلام وإقامة دولة
[ ٥ / ٥٨٦ ]
إسلامية، فلكي أقنعهم لازم أقول لهم روحوا إقرؤوا مصطلح الحديث وحياة الصحابه والقرآن هذا طريق طويل ولا يمكن السير فيه، فنحن نريد من فضيلتكم أن تبين لنا فعلًا الفرق القائمة الآن مثلًا العلويين إسماعيلين الشيعة بأصنافها (باختصار)، وأعتقد أن الله ﷾ قد ذكر ذلك في سورة الحشر لأنه صنف المسلمين ثلاث أنواع، مهاجرين وأنصار والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر:١٠)، وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: الطريق طويل صحيح لكن أنا قلت آنفًا وكررت على مسامعكم أكثر من مرة إنه إن كنت فقيهًا فاستفتي نفسك، إن كنت محدثًا فاستفتي علمك، إن كنت فقيهًا لتعرف الحرام والحلال استفتي نفسك، وإن كنت محدثًا لتعرف الصحيح من الخطأ، لأنك عالم لأنك فقيه، وإن كنت لست كذلك قلت: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».
السائل: يا سيدي نريد.
الشيخ: اسمح لي، اسمح لي شوي، ألم تسمع هذا الجواب؟
السائل: نعم، نعم.
الشيخ: طيب هذا الطريق الثاني قصير ولَّا طويل؟
السائل: والله هذا قصير طبعًا.
الشيخ: طيب اسمح لي.
[ ٥ / ٥٨٧ ]
السائل: إذا كان فيه صلاح
الشيخ: فإذًا أنت أخذت بعض كلامي ودندنت حوله وهولت أن هذا الطريق طويل وأنا بقول معك طويل، و(الذي) طَوَّلَه؟ قلت آنفًا: أن أكثر المسلمين انصرفوا عنه، تذكر هذا الكلام ولَّا لا؟
السائل: نعم، نعم أذكره.
الشيخ: فإذًا لماذا أنت ذكرت هذا الطريق الطويل، وجعلته عذرًا لك، من كلفك يا أخي أنت الله ما كلَّف أن كل مسلم يكون عالمًا، يكون يعني متخصص في كل علوم الشرع، الله ما كلَّف، لكن كلف كل مسلم أنه إذا تعبد الله بعبادةٍ ما أن يكون فيها على بصيرة، وذكرت الآية ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (يوسف:١٠٨)، فإذًا في عندك طريق مختصر وهو: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣)، الآن أنا ذكرتك بأنه نصف كلامك نصف سؤالك كان جاء في تضاعيف كلامي السابق، صح.
السائل: نعم.
الشيخ: الآن ما هذا الذي تسأل عنه أنت، أن احكي لك عن الشيعة، احكي لك عن الاسماعيليين، عن ..
السائل: ملخص كلمة مش كثير نبذة عن مبادئهم.
الشيخ: آه.
السائل: بعض الناس في الواقع أنا أريد أجي في الموضوع بصراحة بعض الناس خطؤونني كثيرًا لأنني حقيقةً قلت: أنا مستعد أن أقاتل الشيعة.
[ ٥ / ٥٨٨ ]
الشيخ: فخطؤوك لماذا؟
السائل: خطؤونني لأن يعني هذول جماعة يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله، وإنهم مسلمون بل يعني يَكْفُر من كَفَّرَهُم، وجاءني تهديد بواسطة أخي هذا، أن يعني يجوز يقتلوني
مداخلة: احمد ربك إنك كويس.
الشيخ: أنا أظن الموضوع له علاقة بالعلم
السائل: نعم.
الشيخ: ونحن نعرف أن لما الخميني طلع بدعوته راح ناس من أهل السنة والجماعة ومن هالبلد ليبايعوه .. والسبب أنهم لا يعرفون مذهب الشيعة بعامة، ولا يعرفون دعوة الخميني بخاصة ومن جهل شيئًا عاداه، فحينئذ هل نقموا عليك،
كان أنت لازم تبين لهم شو عقيدة الشيعة؟ وماذا يقولون؟ وما موقف الذي انتقدوك أنت.
السائل: قلت لهم لو عقيدة فقط لو قال فقط لو قال بها أي إنسان من السنة أن القرآن الذي نقرؤه الآن ليس القرآن الذي نزل على محمد - ﵌ -، لكفى هذا لتكفيره هذا ما قلته.
الشيخ: أنا أقول، ما أظن مسلم سواءً من هؤلاء الذين كان أشرت إليهم أو ما أشرت إليهم بيخالفك في هذا، شو رأيك؟
السائل: لكن ما هو تطلع النتيجة كما هي قلت لك مش معقول أنهم ينكرون القرآن.
[ ٥ / ٥٨٩ ]
الشيخ: لا، نحن نجعله يعقل غصبًا عنه، نجبله الكتاب ها ألي اسمه « في إثبات كتاب رب الأرباب».
السائل: صح، هذا الذي قرأت منه.
الشيخ: طيب نجيب له هذا الكتاب.
السائل: فصل الخطاب.
الشيخ: كويس شو بده يكون موقفه الحين.
السائل: موقفه يقول: مش معقول هذولا جماعه ألي كتبوا غير الآن الموجودين.
الشيخ: حينئذ، تخرج أخي القضية عن العلم وتخرج عن المناقشة، ورجعنا إلى المعقول، هل المعقولات عند الناس كلها سواء خذ وأعطي معي.
السائل: لا.
الشيخ: فإذًا معقولك أنت شيء ومعقول زيد شيء ثاني وإلى آخره، لكن نحن بدنا ندرس أولا عقيدتنا ثانيًا في حدود الواقع ندرس عقائد الشعوب أو الطوائف الآخرى هذا الإنسان الذي قال لك هذا الكلام نربطه بالواقع هل قرأ كتاب الحكومة الإسلامية للخميني.
السائل: لا أظن، أنا قرأته.
الشيخ: طيب، ليش أنت ماقَرَّأته، فأنت مخطى، لازم تجعله أمام الأمر الواقع، تقول له شوف الخميني يقول أن أئمة أهل البيت ما في ذرة في الكون إلا وهم يعلمون بها.
[ ٥ / ٥٩٠ ]
هذا الذي أنكر عليك شو رأيه هذا كلام مسلم ولا غير مسلم؟ وأئمة أهل البيت في منزلة عند الله ﵎ دونها منازل الأنبياء والرسل والملائكة، فلما أنت تجعله تحت أمر واقع بيصير هو ما يكابر ..
السائل: سؤال، سؤال كنت ضيف عند ابن باز في الطائف فسألته سؤالًا أيضًا خاص بالشيعة قلت: هل يجوز للسني أن يتزوج شيعية؟ فقال لي: لا؛ قلت: لماذا؟ قال لأنهم مشركون، ثم انصرفت عنه قليلًا فتذكرت أن النصارى مشركون وأن اليهود مشركون فلماذا أجاز الله ﷿ لنا زواج النصرانية واليهودية، ولم يجز لنا زواج الشيعية.
الشيخ: أنا خمنت انك وجهت سؤالًا لابن باز.
السائل: ما وجهت، وفوجئت بالجواب، لكن أنا يعني حصل عندي شك.
الشيخ: شو كان جوابه
السائل: لا وجدته نائمًا، ما يعني ما أجابني على السؤال الثاني.
الشيخ: احفظ سؤالك وطول عليا بالك أنا راح أسمعك أولًا جواب يختلف مع جواب ابن باز (هذا الذي) سمعته منه، ونتج من ورائه سؤال أجيت أنك بدك تسأله وجدته نائمًا الآن إن شاء الله أنا بتلاقيني يقظان معك وبجاوبك عن سؤالك وبطرح عليك فكره غير (التي) سمعت من ابن باز، أنا أولًا لا أجيز لمسلم أن يصدر فتوى عامة بتكفير طائفة من المسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله شو رأيك، قل لي أنت توافق معي؟
السائل: والله لا أعرف.
[ ٥ / ٥٩١ ]
الشيخ: لا، لا اسمح لي لا تعمل مثل غيرك من رأى العبرة بغيره فليعتبر، لا تشرد عني سؤالي محدود جدًا، أنا أقول لا أرى من الجائز شرعًا أن نكفر طائفة وبزيد على كلامي السابق بالكوم، فهمت عليّ، شو رأيك بهذا الجواب قلي صحيح أو قلي مو صحيح.
السائل: مع الاعتبار مو صحيح، في رأيي أنا لماذا؟، لأن كثيرًا من الناس يقولون أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم تراه يفعل الكفر.
الشيخ: هذا يؤيد كلامي الله يهديك يا أخي الله يهديك أنا أقول لك هذا الذي قُلْتَ يؤيد كلامي وينقض كلامك.
السائل: لماذا؟
الشيخ: لأنك قلت كثيرًا من يقول أشهد أن لا إله إلا الله، تراه يعمل الكفر وأنا عم أقول لك حينئذ إذًا رأيته يعمل الكفر ويعتقد الكفر، حينئذ لك صلاحيتك فيه، أنا عم أقول لك تكفير بالكوم وعملت لك هيك، بالكوم بالكمشة.
السائل: كلهم بالكوم بالكمشة.
الشيخ: اسمح لي اسمح لي
السائل: اليوم سئلت على التلفون، قالوا لي في ناس يسألون عن القاديانية والوهابية قالوا لي أن في واحد متزوج يعني قاديانية أو وهابية أتصور.
مداخلة: بهائية مش وهابية.
السائل: بهائية، أستغفر الله.
الشيخ: وين راح تضيع الشيخ ابن باز معك.
[ ٥ / ٥٩٢ ]
السائل: طيب بيقول لي هذا متزوج وبعدين بيقول لي هو بهائي، أو قادياني وبعدين متزوج سنيه ويقول لها أن الصلاة تصلح بدون وضوء، طب فبيقول يعني هل يجوز هذا الزواج ولا لا
الشيخ: أبو أيش أنت بيقولوا لك؟
السائل: أبو سامي.
الشيخ: أبو سامي أهلًا وسهلًا، بارك الله فيك أنا أعود لأقول لا يجوز تكفير طائفة من المسلمين بالكوم بالكمشه بالجملة وإنما بالتفصيل، شو رأيك.
السائل: ماشي.
الشيخ: ماشي، هذه خطوه طيبة ، اسمع فكل من ينتمي إلى طائفة وتعلم يقينًا منه إنه يدين بدينها، بكفرياتها بتكفره، أما كونه شيعي، يا أخي أولا أنا راح ألفت نظرك لشيء في شوية حساسية بالنسبة لها المجلس الآن، هل كل أهل السنة مثل بعضهم.
السائل: لا.
الشيخ: طيب فالشيعة من باب أولى ألَّا يكونوا مثل بعضهم، صح.
السائل: لكن.
الشيخ: لا تقل: لكن، عم أقول لك يا أبو سامي صح؟ فأنا أرجو أن اسمع صح؛ ما صح؟
السائل: إذا كان تعني العقيدة كل أهل السنة في عقيدتهم سواء.
الشيخ: لا.
[ ٥ / ٥٩٣ ]
السائل: ولا ما يكونون سنيين.
الشيخ: لا ليسوا سواء، قل لي لا تصمت ولا تسكت، أنا عم أقول لك ليسوا سواء نفس أهل السنة ليسوا سواء في العقيدة.
السائل: مظهر من مظاهر العقيدة.
الشيخ: حاضر أفندم، أنا أبين لك ذلك، هل طرق سمعك قول من يقول يجوز لله ﵎ تعذيب الطائع وإثابة العاصي، قل لي لا مثلما قلت لصاحبك تلك الساعة ما بيعرف إنه في ناس يقولون: الإيمان يزيد وينقص وزيادته
العمل الصالح.
السائل: ندرس هذا في الأزهر أن يعني يجوز لله ﷾ لأنه يعني هو يعني مالك الكون
الشيخ: اهه بارك الله فيك شو رأيك هذه العقيدة صحيحة.
السائل: لا، شرعًا لا؛ لأن الله ﷾
الشيخ: لا، لا، لا وبدنا نضيع الجلسة بكلام يا أبو سامي خير الكلام ما قل ودل في ناس عندنا هون ربما عندهم أسئلة بدنا نخفف المشوار أنا عم أقول لك: صح؟ قل لي: صح، قلي ما صح، هلا قلت لي هكذا درسنا في الأزهر، هذا الذي درسته في الأزهر هذه العقيدة صحيح قل لي إيه قل لي لا؟
السائل: ليست صحيحة.
الشيخ: بس هذا هو، وهل الذي درسوك هم من أهل السنة أو من أهل الشيعة؟
[ ٥ / ٥٩٤ ]
السائل: من السنة.
الشيخ: فإذًا صح من قال إنه في أهل السنة عقائد غير صحيحة فما بالك بأهل الشيعة، نرجع نحن للشيعة، وأرجو من الأخوان أن يعرفوا هذه الحقيقة مُرَّة جدًا، يوجد في بعض المذاهب السنية من يقول هكذا يجوز لله ﵎ أن يعذب الطائع وأن يثيب العاصي وبعضهم تجرأ فقال: يجوز لله تعالى أن يأخذ سيد البشر ويحطه في أسفل سافلين من النار، وإن إبليس الرجيم الملعون المطرود من رحمة الله إلى يوم الدين يحطوه في أيش المقام أيش المقام، المحمود قالوا هكذا.
مداخلة: يا سيدي هذه من غلاه التصوف هم من قال ذلك وليس من السنة.
الشيخ: لا، لا اسمح لي ليس لهذا علاقة بالتصوف، التصوف هذا نحن ما لنا فيه الآن.
مداخله: وحدة الوجود
الشيخ: هذا من عقيدة أهل السنة هذا الذي نقوله.
مداخلة: أهل السنة، ثم أجمعوا على ذلك من هم إذًا ..
الشيخ: اسمح لي هلا هو كمان الظاهر سرت العدوى أخي من شخص ثم نقول أجمعوا أنا قلت: أجمعوا؟ الله يهدينا وإياكم، نحن لا نتكلم عن الصوفية الآن أبدًا حتى أنت تجيء وتقول عن مذهب هو درسه في الأزهر الشريف ونحن درسناه في كتب الناس هالي بيعتقدوا عقائد كثيرة من عقائد أهل السنة والجماعة، لكن مع ذلك في بعض الجوانب انحرفوا عن طريق السنة والجماعة فاترك لي الصوفية الآن جانبًا والآن أنا مضطر بناءً على كلام الأستاذ هنا، أبوا أيش حضرتك؟
[ ٥ / ٥٩٥ ]
السائل: أبو عمر.
الشيخ: ما شاء الله، عمر الفاروق، فيا أبا عمر الآن نحن نذكر ألا يوجد اليوم في مجتمعنا الإسلامي العام من يعتقد أن الله ﷿ موجود في كل مكان أنبؤوني بعلم.
السائل: نعم.
الشيخ: طيب شوا رأيك بأهل العقيدة هذه، عقيدة أهل السنة والجماعة، ننتظر الجواب.
السائل: ليست هذه عقيدة هذه وحدة الوجود، وليست من عقيدة أهل السنة والجماعة.
الشيخ: جميل، لكن ألا يوجد من يتبنى هذه العقيدة في المسلمين الذين يعيشون معنا ونتزوج منهم ويتزوجون منا وو إلى آخره، وهو من أهل السنة والجماعة قلها صريحة يا أبا عمر لا تخشى في الله، لا تأخذك في الله لومة لائم.
السائل: نقول من أمة الإجابة، لكن السنة يعني ما وافق عليه
الرسول - ﵌ -.
الشيخ: أنا ما أسألك أن تعرف لي السُّنة، المسلمين ألي عم نتزاوج معهم ألا يعتقدون هذه العقيدة؟
السائل: والله أنا ما عرفت مسلم يلتزم السنة يقول بوحدة وجود.
مداخلة: يا سيدي درسونا إياها في المرحلة الابتدائية
الشيخ: مبين، مبين
[ ٥ / ٥٩٦ ]
مداخلة: هناك أصحاب مناصب عالية بها البلد كذبوها
الشيخ: أنت تشعرني بكلامك هذا بأنك تراجعت عما قلت آنفًا.
السائل: وهو؟.
الشيخ: وهو إنه هذا ليس من الإسلام أن يقول المسلم الله موجود في كل مكان، كأنك تراجعت أليس كذلك؟
السائل: أقول الله ﷿ بعلمه يعلم
الشيخ: هل سمعت مني لفضة العلم؟
السائل: إطلاقًا لكن الذين يقولون أن الله
الشيخ: أنا أسألك افترض ألا أحد يقول ما رأيك فيما إذا قال قائل الله موجود في كل مكان، هل هذه عقيدة إسلامية ويجوز أن يقوله المسلم؟
السائل: المعنى صحيح أن الله معنا بعلمه.
الشيخ: وبذاته.
السائل: وبذاته، يتنزه أن يكون بيننا ﷾
الشيخ: إذًا لماذا هيك وهيك؟
السائل: لأنه إذا فصلنا؛ أن نقول بعلمه، يجوز أن نقول وإذا بذاته
الشيخ: أنت آنفًا طلعت بدعوى طويلة عريضة أن لما قلت عن الشيعة ما قلت، قاموا ناس عارضوك وو إلى آخره، والآن أنت تقف بين أيدي سؤال واضح جدًا لا يمكن أن يقول مسلم أن الله في كل مكان ومن هذه الأمكنة الدهاليز
[ ٥ / ٥٩٧ ]
وإلى آخره، والمفروض لمثلك أن تقول أعوذ بالله أعوذ بالله، وإذا بك تلين
القول، وتقول.
السائل: ما يكون من نجوى ثلاثة.
الشيخ: هذا ما محلها هذه يقول بها كل مسلم: بعلمه، وهو معكم بعلمه، ولم يكن السؤال، هل الله عليم بكل شيء؟ هذا إن شك فيه مسلم فهو كافر، السؤال ما رأيك فيمن يقول: الله موجود في كل مكان، أنا اعتبرك الآن أنت مسؤول أمام الله.
نرجع بعدنا كثير عن شيخك ابن باز.
السائل: الله يبارك فيك.
الشيخ: أنا عم أقول لك نرجع إلى الشيخ ابن باز، أنا أقول لا يجوز تكفير مسلم بعينه لأنه ينتمي إلى طائفة من الطوائف الإسلامية والمنحرفة، لا يجوز تكفيره بعينه، إلا أن تراه مثلما قلت آنفًا تراه وقع في الكفر حينئذ، أما الشيعة كفار، الزيدية كفار، القاديانية كفار، البهائية كفار، (قل) من كان يعتقد كذا وكذا فهو كافر أما بالكوم بالكمشه بالجملة هذا ما يجوز، لأنه بتعي خطورة تكفير المسلم، «من كفر مسلمًا فقد كفر»، هذا صحيح، لذلك أنا قلت لك آنفًا ما أتيتم بكتاب الشيعة اللي اسمه كتاب الكليني وما يقول فيه أن مصحف فاطمة مصحفنا هذا جزء من ذاك المصحف والباقي ضايع فهذا من يراه
مداخلة: طيب بناءً على هذه العقيدة فلا يجوز تكفيرهم بالكوم؟
الشيخ: اسمع يا شيخ، بدنا نرجع إلى عند الشيخ ابن باز الله يرضى عليك، فالمهم هذه العقيدة كُفْر ومن اعتقدها فهو كافر، لكن أنا على يقين أن كبارًا من
[ ٥ / ٥٩٨ ]
علماء الشيعة كفروا بهذا القول، كفروا بهذا القول واعتبروا هؤلاء شاذين وخارجين عن مذهب الشيعة، ما بالك بالعامة يا أخي (الذين) بيشهدوا أن لا إله إلا الله وبيصلوا، يا أخي ما عندهم هالمعلومات اللي بتضلل المسلم وتخرجه عن هذا الدين فلذلك فهذا تكفير بالكمشة، بالكوم، بالجملة، هذا خطأ من أهل السنة ولا يجوز أن يقع فيه المسلم، على هذا أنا ما أقول بأن الشيعة كفار؛ بقول من كان يعتقد كذا وكذا، وكذا من كان يقول أن القرآن ناقص من يقول أهل البيت أفضل عند الله من الأنبياء والرسل والملائكة من يقول أن السيدة عائشة التي طهرها الله ﷿.
مداخلة: برأها.
الشيخ: أي نعم برأها مما رميت به إلى آخره، فهؤلاء كفار بلا شك لكن
لا تستطيع لا أنت ولا غيرك أن يأتي ويقول بأن كل شيعي يعتقد هذه العقائد الباطلة لا يجوز هذا، بناءً على هذا التفصيل تقدر تقول: يجوز للمسلم أن
يتزوج شيعية ولَّا لا، يجوز لمسلم أن يزوج بنته لشيعي ولا لا، وعلى هذا التفصيل مما عرفته.
مداخلة: نفحصه أولًا.
الشيخ: أيوه من عرفته فتعطيه ما يستحقه من الحكم، أما هيك ما يجوز هذا.
"الهدى والنور" (٤٤٦/ ٢٢: ١٩: ٠٠)
[ ٥ / ٥٩٩ ]
[٦٦٣] باب من كَفَّرَ معاوية ﵁ هل يكفر؟
سؤال:
يا شيخ مثلًا من يكفر الصحابة مثلًا يقول يزيد بن معاوية: فاسق أو فاجر، وكذلك أبيه يعني: هذا يكون كافرًا أم فاجرًا أو فاسقًا؟
الشيخ: هذا يختلف يا أخي باختلاف هذا الإنسان هل هو جاهل هل هو عالم، هل أقيمت الحجة عليه من كتاب الله ومن سنة رسول الله - ﵌ -، هل هو معاند هل هو متأول؟ كل هذا التفصيل يمنع أهل العلم من المبادرة إلى القول بأنه كافر أو بأنه ليس بكافر، لابد من تطبيق هذه القيود لنتمكن بعدها من القول أنه كافر أو ليس بكافر.
"الهدى والنور" (٣٤٢/ ٠٦: ٥٩: ٠٠).
[٦٦٤] باب كفر من أنكر عالم الجن
عن جابر بن سمرة قال: صلينا مع رسول الله - ﵌ - صلاة مكتوبة فضم يده في الصلاة، فلما صلى قلنا: يا رسول الله، أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: «لا، إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إليه أخي سليمان لارتبط إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة».
[قال الإمام]:إسناده صحيح على شرط مسلم.
[وعلق قائلًا]:
وهو من الأحاديث الكثيرة التي يكفر بها طائفة القاديانية؛ فإنهم لا يؤمنون
[ ٥ / ٦٠٠ ]
بعالم الجن المذكور في القرآن والسنة، وطريقتهم في رد النصوص معروفة، فإن كانت من القرآن؛ حرفوا معانيها؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ قالوا: أي من الإنس! فيجعلون لفظة «الجن» مرادفة للفظة «الإنس»؛ كـ «البشر»! فخرجوا بذلك عن اللغة والشرع، وإن كانت من السنة؛
فإن أمكنهم تحريفها بالتأويل الباطل؛ فعلوا، وإلا؛ فما أسهل حكمهم ببطلانها؛ ولو أجمع أئمة الحديث كلهم والأمة من ورائهم على صحتها؛ بل تواترها!
هداهم الله.
"أصل صفة الصلاة" (١/ ١٢٤)
[ ٥ / ٦٠١ ]
جماع أبواب حكم سب الله أو الرسول أو الدين
[ ٥ / ٦٠٣ ]
[٦٦٥] باب حكم سب الله ورسوله والدين
سؤال: هناك أناس يشتمون الذات الأهلية ورسول الله - ﵌ - والدين فهل يخرج هؤلاء من ملة الإسلام، وما التصرف الذي ينبغي أن يكون؟
الشيخ: أما هل يخرج من ملة الإسلام من يسب الذات الإلهية هذا بلا شك ما يحتاج إلى سؤال فضلًا عن جواب؛ لأنه هو الكفر الذي ذر قرنه، ولكن الذي يمكن أن يقال في مثل هذه المناسبة: أن من صدرت منه كلمة الكفر له حالة من حالتين:
إما أن يعني ما يقول، وإما أنه لا يدري ما يقول ففي الحالة الأولى الجواب السابق أنه كافر مرتد عن دينه، ولو كان هناك حاكم مسلم يحكم بما أنزل الله فهذا يصدق عليه قوله ﵇: «من بدل دينه فاقتلوه» لو أن مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن مثل القاديانية أنكر أن يكون محمد - ﵌ - خاتم الأنبياء هذا يقتل؛ لأنه أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، ما بالك من سب الذات الإلهية؟! ما بالك من سب رسول الله - ﵌ -؟! إلى آخره، فلا شك أن هذا يعتبر مرتدًا وأنه يقتل ردةً، هذا في الحالة الأولى إذا كان يعني ما يقول.
أما إن كان لا يعني ما يقول فهنا لا بد من شيء من التفصيل، إما أن يكون أعجميًا يقول كلمة عربية لا يفقه معناها وهي الكفر أو أن يكون عربيًا مستعجمًا .. نسي اللغة العربية وما عاد يفقه فتكلم بكلمة الكفر وهو لا يفهم أنها كلمة كفر، وهذا المثال في بعض الكلمات السابقة سمعتم قول الرسول ﵇: «من حلف بغير الله فقد كفر» فما أكثر ما نسمع من المسلمين الحلف بغير الله كيف؟ لأنهم يجهلون أن الحلف بغير الله كفر، فهل هذا يحكم بكفره؟ هذا يدخل على
[ ٥ / ٦٠٥ ]
التفصيل السابق: إن كان يعني فهو كافر، وإن كان لا يعني فهنا يأتي البيان.
لا بد أن يذكر هذا الإنسان بأن هذا الكلام الذي يقوله هو كفر فعليه أن يرجع عنه وإلا قطع رأسه، جاء في مسند الإمام أحمد بالسند الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه: «أن النبي - ﵌ - خطب يومًا في أصحابه فقام رجل وقال له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله! فقال ﵇: أجعلتني لله ندًا قل: ما شاء الله وحده» أجعلتني لله ندًا، أي: شريكًا، ترى! هذا الصحابي الذي جلس في مجلس نبيه وقد آمن به وأنقذه الله به من الشرك إلى التوحيد لما قال له الرسول ﵇: «أجعلتني لله ندًا» شريكًا، ترى! هل قصد أن يجعل رسول الله شريكًا مع الله؟ الجواب: لا؛ لذلك اكتفى رسول الله - ﵌ - بتذكير هذا الرجل أن هذه الكلمة التي قلتها هي كلمة كفر لكن أنا أدري أنك لا تعني ما تقصد؛ ولذلك اكتفى بتذكيره ولم يطبق عليه حكم المرتد عن دينه؛ لأنه ما كان قاصدًا لما يقول.
فمن نطق إذًا بكلمة الكفر وهو يدري ما يقول فهو المرتد وحكمه القتل، ومن كان لا يدري لسبب أنه لم يعرف الدقة في المعنى الذي تضمنه كلامه كما في حديث ابن عباس أو قال كلمة الكفر وهو يدري ما يقول لكنه قالها مضطرًا، هذه صورة أخرى: فهو لا يكفر وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦).
كما جاء في كتب التفسير ولو أنه في السند شيء من الضعف لكن الآية معناها واضح جدًا، وهذه الرواية توضح هذا المعنى أو تزيده بيانًا وتوضيحًا أن المشركين لما أخذوا بلالًا وعدي بن حاتم الطائي وعذبوهما عذابًا شديدًا، أما بلال فذلك الرجل الصبور الذي كان تحت العذاب الشديد يطلبون منه الإشراك
[ ٥ / ٦٠٦ ]
بالله فما يكون منه إلا أن يقول: أحد أحد، وهم يعذبونه أشد العذاب عمار بن ياسر ﵁ لم يصبر فعرضوا عليه لما جسوا نبضه وأن صبره نفد عرضوا عليه أنه يسب الرسول ويشتمه كما هم يشتمونه حتى يتركوا سبيله، فوافقهم فقال عن الرسول بأنه ساحر شاعر كذاب، فأطلقوا سبيله، لكن سرعان ما انتبه لخطئه فجاء إلى الرسول ﵇ فذكر له ما فعل، وهذا من قوة إيمانه، فقال له ﵇: «كيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئنًا بالإيمان، فقال ﵇:
فإن عادوا فعد» فإن عادوا إلى تعذيبك ولم تجد مخلصًا من العذاب إلا بأن تشتمني وقلبك عامر بالإيمان .. مطمئن بالإيمان فاتخذ هذه الوسيلة ما دام أنك لا تزال في إيمانك، إذًا: كلمة الكفر لا يدان بها القائل إلا بهذا التفصيل الذي لا
بد منه، نعم.
مداخلة: من قالها في الغضب؟
الشيخ: كذلك يا أخي! لا يؤاخذ .. ربنا ﷿ ذكر في القرآن الكريم قصة موسى مع قومه حينما ذهب لمناجاة ربه، ولما رجع وفي يده الألواح من التوراة وأخبر الخبر من أخيه موسى بأن قومه عبدوا العجل من بعده أخذ الألواح وضربها أرضًا، لو فعل هذا مسلم بالقرآن الكريم عامدًا متعمدًا يكفر فكليم الله .. كلام الله الذي هو التوراة ما يفعل هذا عامدًا، إذًا: الغضب أيضًا عذر لذلك كان من رأي بعض العلماء وهو الصواب أن حكم القاضي غضبان لا ينفذ، مطلق زوجته وهو غضبان لا ينفذ طلاقه، قال ﵇: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» (١) لماذا؟ لأن الغضب يحول بين صاحبه وبين التفكير السليم، كذلك قال
_________________
(١) البخاري (رقم٦٧٣٩).
[ ٥ / ٦٠٧ ]
﵇: «لا طلاق في إغلاق» (١) الإغلاق فسر بمعنيين:
المعنى الأول: الإكراه فإذا واحد أكره رجلًا لغاية في نفسه أن يطلق زوجته وهذا يقع كثيرًا فذهب يطلقها، لا يقع هذا الطلاق؛ لأنه مكره.
فسر بالمعنى الثاني وهو الإغلاق، أي: الغضب، فإذا غضب الإنسان من زوجته في ظرف ما .. في حالة ما وذهب يطلقها هذا الطلاق لغو لا قيمة له، وقصة موسى ﵇ مع الألواح أكبر دليل على أن صاحب الغضب لا يؤاخذ ولكن هذا الغضوب ينصح بأن يملك أعصابه، ونحن ننصح هؤلاء الذين يسارعون إلى تطليق زوجاتهم بحالة غضبية ننصحهم: يا جماعة اتقوا الله، وتذكروا قول الرسول ﵇: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب» (٢) فنقول لهم: قد تسأل بعض الناس عن طلاقك لزوجتك في حالة الغضب فيطلقها منك وأنت تثق بعلمه لكن فيما بعد تندم ولات حين مندم؛ لذلك لا تغضب.
ويعجبني في هذه المناسبة حديث في صحيح البخاري: «أن رجلًا جاء إلى النبي - ﵌ - فقال له: أوصني يا رسول الله، قال: لا تغضب» (٣) كأنه وجدها كلمة ليس لها قيمة «قال: يا رسول الله أوصني، قال: لا تغضب، قال: يا رسول الله أوصني، قال له: لا تغضب» ثلاث مرات، كأن الرجل في الأخير فاء لنفسه وطبقها في حياته، قال: فوجدت الخير كله في ترك الغضب؛ لذلك الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب.
"الهدى والنور" (٧٤٣/ ١٩: ٠٥: ٠٠)
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٧٥٢٥).
(٢) البخاري (رقم٥٧٦٣) ومسلم (رقم٦٨٠٩).
(٣) البخاري (رقم٥٧٦٥).
[ ٥ / ٦٠٨ ]
[٦٦٦] باب منه
سؤال: شيخنا في بعض الأمور ترتكب خاصة في بلادنا هون من الأمور الكفرية يعني نرى خطورتها أعظم من المسألة اللي احنا بصددها، ألا وهي سب الدين والرب، كثير من جماعاتنا وكذا من يسب الله والدين تكرارًا ويوميًا ويصلي، ولكن هذا أليس كفرًا؟
عندك تفصيل لهذا يا شيخ؟
الشيخ: ما يحتاج إلى كبير تفصيل هذا، أنا أعتقد أن هؤلاء الذين تصدر منهم هذه الكفريات اللفظية، خلينا نسميها، بواقع أمرها: الذين تصدر منهم هذه الكفريات اللفظية، نحن نسمع الكثيرين منهم، من يُتْبِعُ كفره بالاستغفار، هذا إيش معناه، معناه أنه هذا يحتاج إلى عصايتين تلاتة ولن يعود مرة أخرى إلى مثل هذه اللفظة الكافرة. أريد أن أقول: هذا من سوء التربية، وعدم قيام الحاكم بالواجب من تربية المسلمين على شريعة رب العالمين، كما قال ﷿: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (البقرة:١٧٩)، فلو أن هناك نظامًا يحكم بالإسلام على الأقل من بعض الجوانب منها، اليوم نعرف مع الأسف الشديد أن فردًا من أفراد الرعية لو أنه سب مقامًا ساميًا من البشر هذا لا بد من أن يعاقب وأن يسجن، ولا يدقق فيه التدقيق الواجب شرعًا، يا ترى هذه تهمة ..، بينما تصل القضية المتعلقة بسب رب العالمين أو سب نبيه الكريم أو شريعة الإسلام يفهمون جيدًا أن هذا وقع بيلفوها وبمشوها، فهذا كله عكس للحقائق، فلو كان هناك من يؤدب هؤلاء مرة مرتين ثلاثة، وشاع الخبر بين أمثال هؤلاء القليلي الأدب والتربية فسوف لن تسمع أحدًا يقع في هذا الكفر اللفظي، فأنا أريد أن أصل، هذا واقعنا مع
[ ٥ / ٦٠٩ ]
الأسف الشديد، يعني ما في من يقيم الحكم الشرعي على هذا الفاسق، فنحن الآن ما الذي نملكه مع هؤلاء، ما نملك شيئًا سوى أن نذكرهم وأن نعرفهم بأنه هذا كفر، فهل أنت تعني ما تقول؟ نحن نعرف أن بعض الكفار من الشباب الذين ربوا تربية لا دينية قد يصارحك بالواقع، بيقلك: بلا الله بلا إسلام بلا كذا إلى آخره، هذا شر ما يمكن أن يقع من أنواع هؤلاء الفاسقين، ماذا يمكنك أن تفعل معهم؟ لا شيء، إذًا ليس لك إلا الكلمة الطيبة إلا النصيحة، وتذكيره بأنك إن كنت مسلمًا حقًا، فما ينبغي لك أن تسب رب العالمين الذي خلقك وعدلك وسواك إلى آخره، لذلك بارك الله فيكم نحن يجب الآن أن نهتم بالإصلاح المزدوج، إصلاح القلب والقالب، ولا نتحمس إنه هذا كفر يلاَّ بقى اقتله، ستقتله وقد تكون مخطئًا لأنه قد لا يكون قد كفر كفرًا يستحل به دمه، فتقتل أنت مقابل قتلك إياه، وربما تتسع القضية بسبب القبلية أو البلدية أو ما شابه ذلك، لذلك نقول: لا بد من هذا التفصيل لنخلص من كثير من المشاكل، منها هذا الخروج السابق لأوانه.
الملقي: هل يدخل في هذا بالنسبة للألفاظ حديث المتفق عليه في الرجل الذي ضلت ناقته.
الشيخ: آه أنت ربي.
الملقي: اللهم أنت عبدي وأنا ربك
الشيخ: اللهم أنت عبدي وأنا ربك نعم، هذا قال بلسانه ما ليس في قلبه. لكن لكن لا يخفى على جميع الحاضرين بخاصة على مثلكم أن هناك فرقًا كبيرًا بين هذا؛ لأنه هذا من شدهه.
الملقي: نعم.
[ ٥ / ٦١٠ ]
الشيخ: قالها هذه الكلمة الكافرة، لكن ذاك من سوء تربيته.
الملقي: لا أقصد أنه هما أن القلب لم يربط على هذه
الشيخ: قصدك مفهوم تمامًا،
الملقي: نعم.
الشيخ: لكن أردت أن أنبه على الفرق.
"الهدى والنور" (٧٥٢/ ٢٤: ٢١: ٠٠)
[٦٦٧] باب منه
مداخلة: من الناس من يسب الذات الإلهية، وهؤلاء على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: يسب في حالة غضب شديد فإذا هدأ وتذكر استغفر وتاب.
الصنف الثاني: يسب جحودًا وإنكارًا وتكبرًا وفي كل حالة.
الصنف الثالث: يسب عنادًا للمتدينين، أو إذا رأى متدين يثير غضبه، فما حكم كل من هؤلاء، وماذا يجب على كل منهم، وماذا يجب على من يعاشرهم أو يسكن معهم؟
الشيخ: الأصناف الثلاثة أنا فهمت صنفين يجمعهما الإيمان وهو الذي يسب في حالة الغضب، والذي يسب في حالة الغضب لكن نعرف عنه أنه يجحد الشرع، فالقسم الثالث ليس واضح حتى نفكر في جواب عنه.
مداخلة: يدعي أنه مؤمن لكن مثلًا غضب مع أحد المتدينين.
الشيخ: هذا واحد، اترك الملحد، والثاني من؟
[ ٥ / ٦١١ ]
مداخلة: الثاني: الذي إذا غضب لأي غضب مثلًا يسب ثم إذا هدأ استغفر.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: ليس [نفسه] ، ذاك فقط مع المتدينين.
الشيخ: هذا هو واحد يا أخي! ما الفرق بينهم؟
مداخلة: لا، يوجد اثنين مع الملتزمين، إنسان لا يستعمل هذه الطريقة إلا مع الملتزمين، وإنسان مع كل الناس في أي غضب.
الشيخ: المهم أخي! من سب الله ﷿ وهو قاصد فهو كافر مرتد عن دينه، أما من يسب الله أو شرعه ودينه وهو في ثورة غضبية، فإذا ما ذكر تذكر وتاب وأناب واستغفر فهذا ليس كافرًا بل هو فاسق ينبغي أن يؤدب، ولكن فيما يتعلق بجزء آخر من سؤالك، ما موقف من يسمع من هذا أو ذاك هذا الضلال وهذا الكفر، فنحن نقول: بالنسبة لهذا السامع ليس له إلا أن يذكره وأن ينصحه وأن ينكر ذلك عليه بقوله، أما أن ينكر عليه بالفعل فذلك أولًا: ليس من خصوص الأفراد وإنما هذا من خصوص من كلفه الشارع بإقامة الحدود، فهذا الذي يسب الله أو شريعته هذا إما أن يكون ملحدًا فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، من الذي يستتيبه ومن الذي يقتله إذا لم يتب؟ هو الحاكم.
وإذا قيل كما نسمع دائمًا وأبدًا: أن الحاكم اليوم مع الأسف في أكثر البلاد الإسلامية لا يطبق أحكام الشريعة، فنقول: إذا الحاكم لم يطبق أحكام الشريعة فذلك معناه: أنه لا يريد أن يطبق أحكام الشريعة، فإذا قمت أنت وطبقت الحكم الشرعي في مثل هذا الكافر معنى ذلك: هو سيعود ويطبق حكمه غير الشرعي عليك، ولهذا فليس لك إلا أن تنصح وأن تذكر.
[ ٥ / ٦١٢ ]
ثم هناك تفصيل لا بد من مراعاته: كثيرًا ما نسمع أن رجلًا وحديثًا سمعنا حادثة مؤسفة: أن أخًا قتل أخته لماذا؟ لأنه علم أنها تتعاطى الفاحشة، وهذا يتكرر مع الأسف في هذا الزمان، يمكن أن تكون هذه الفتاة التي قتلت من أخيها أو من أبيها أن يكون مسئولًا عن وقوعها في الفاحشة هو أبوها وأخوها، حيث أرخوا لها الحبل كما يقال على الغارب وأطلقوا لها الحرية الكاملة، فإذا خرجت من بيت أبيها أو أخيها تخرج متبرجة بزينتها، وهم يشاهدونها بل هم الذين يشترون لها هذا اللباس الخليع، فإذا ما وقعت في الفاحشة الكبرى وهم الذين يسروا السبيل لها في وقوعها في هذه الفاحشة ثارت فيهم الغيرة فقتلوها، فهم الجناة عليها أولًا، ثم قد لا تستحق القتل فقد تكون مثلًا غير متزوجة فلا يجوز قتلها وإنما جلدها.
فهؤلاء الذين يريدون أن يتولوا تنفيذ بعض الحدود الشرعية هؤلاء أولًا: يجب أن يكونوا من أهل العلم.
وثانيًا: يجب أن يكون قد وكل إليهم تنفيذ الأحكام الشرعية، وهذا لا يتحقق في أكثر الأحوال التي تقع اليوم منها: هؤلاء الناس الذين يسبون دين الإنسان لثورة غضبية، فأنت لا تستطيع أن تطبق عليه الحكم الشرعي؛ لأنك ينبغي أن يكون لك سلطة عليه غير الكلام .. سلطة تنفيذية كما يقولون.
لهذا إذا سمعتم إنسانًا يكفر بلسانه كفرًا ما فليس عليكم إلا أن تذكروه، وأن تأمروه بالمعروف وأن تنهوه عن المنكر فإن تاب فبها ونعم وإلا فأمره إلى الله.
مداخلة: شيخ! بالنسبة للذي يهدأ ويستغفر، ينفعه الاستغفار أو تلزمه الشهادة؟
الشيخ: الشهادة أخي هنا تجب فيما إذا كان قاصدًا والعياذ بالله؛ لأنه كفر،
[ ٥ / ٦١٣ ]
وحينئذٍ لا تجب الشهادة فقط، إذا كان متزوجًا طُلِّقَت زوجته فعليه أن يعقد عليها من جديد، تترتب أحكام شرعية فيما إذا كان قاصدًا للسب؛ لأن هذا يكون
كفرًا قلبيًّا.
وكثير من هؤلاء الذين تقول عنهم يستغفرون كفرهم هذا كفر لفظي ليس كفر قلبي، فحينئذٍ لا تجب الشهادة، لكن إذا قالها على سبيل الذكر والتوبة والأوبة إلى الله فهذا جيد بلا شك، لكن يجب أن نعرف أنه إذا قلنا: ألا تجب عليه الشهادة من جديد؟ نقول: تجب إذا كان سب عن عقيدة .. عن قلب، ويجب عليه بعد ذلك أمور وأشياء كثيرة كما قلنا آنفًا.
"الهدى والنور" (٥٤٤/ ٤٥: ٥٥: ٠٠)
[٦٦٨] باب منه وكلمة حول خطورة التوسع في التكفير
سؤال: شيخنا! أيضًا وردت بعض الآثار عند بعض الأئمة وعن بعض الصحابة كخالد بن الوليد، وبعض الأئمة كالإمام أحمد بكفر شاتم الله أو الرسول واعتبروه كفر ردة فهل هذا على إطلاقه؟ نرجو الإفادة.
الشيخ: ما نرى ذلك على الإطلاق، فقد يكون السب والشتم ناتجًا عن الجهل وعن سوء التربية، وقد يكون عن غفلة، وأخيرًا: قد يكون عن قصد ومعرفة، فإذا كان بهذه الصورة عن قصد ومعرفة فهو الردة الذي لا إشكال فيه، أما إذا احتمل وجه من الوجوه الأخرى التي أشرت إليها فالاحتياط في عدم التكفير أهم إسلاميًا من المسارعة إلى التكفير.
ويعجبني بهذه المناسبة أن لبعض الفقهاء قول: إذا اتفق تسع وتسعون عالمًا على القول بتكفير شخص بسببٍ ما بدر منه من مكفر، وواحد في المائة قال هذا
[ ٥ / ٦١٤ ]
ليس كفرًا فإنما هو الفسق، قال: لا يكفر هذا حتى يجمع على تكفيره من المائة مائة، هذا هو الحيطة والحذر الذي يستفاد من مثل قوله ﵊:
«من كفر مسلم فقد حار الكفر على أحدهما» (١) والعبارة الأشهر: من كفر مسلمًا فقد كفر.
فلذلك ينبغي التحفظ والاحتياط من إطلاق الكفر على مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وبهذه المناسبة أذكِّر بالحديث الصحيح المعروف بأن رجلًا من أصحاب الرسول ﵇ لقي مشركًا وبَدَءَا بالمبارزة والمقاتلة، فلما صار المشرك تحت ضربة سيف المسلم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالاه بل قتله، فلما بلغ خبره النبي - ﵌ - غضب غضبًا شديدًا وأنكر على الرجل المسلم الصحابي الذي قتل ذلك المشرك حينما سمع منه تلك الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، قال: يا رسول الله! ما قالها إلا فرارًا من القتل، قال: «هلا شققت عن قلبه» هنا الشاهد «هلا شققت عن قلبه» ظاهر هذا المشرك الذي كان يقاتل المسلم على دينه في تلك اللحظة التي شعر بأنه أصبح تحت ضربة سيف الصحابي قال: أشهد أن لا إله إلا الله الظاهر أنه ما قالها إلا تقية، لكن مع ذلك اعتد ﵊ بهذه الكلمة الطيبة ونهى ذلك الصحابي عن فعلته التي فعلها.
إذًا: التكفير أمر صعب جدًا، ثم أنا أرى وهذا يوصلنا بطبيعة البحث إلى لفت النظر إلى ما عليه كثير من الشباب المتحمس اليوم من أن يضيع وقته في إطلاق كلمة الكفر على كثير إن لم نقل على كل حكام المسلمين، إنهم هؤلاء كلهم كفار، فشغلوا أنفسهم بإطلاق هذه الكلمة فنحن نقول: إن هؤلاء الذين يُكَفَّرُون قد
_________________
(١) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٤٠٣).
[ ٥ / ٦١٥ ]
يكون فيهم من يصلي مثلًا وقد يكون فيهم من يصوم ومن يحج إلى آخره، فهناك ظواهر تدل على إسلامهم، وهناك ظواهر أخرى قد تدل على كفرهم، فما ينبغي نحن أن نسارع إلى تغليب الكفر على الإسلام بخطورة التكفير كما ذكرنا آنفًا، هذا من جهة، من جهة أخرى: ما الذي نستفيده نحن اليوم من تشهير سلاح التكفير على الحكام أو على بعض أتباع الحكام ما دام أننا لا نستطيع أن نعمل شيئًا مما أباحه الرسول ﵇ في مثل الحديث المعروف حينما قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا» وفي الحديث الآخر: «ما لم تروا كفرًا بواحًا» فإذا رأينا الكفر الصريح ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم فما الفائدة من إثارة هذا الموضوع سوى تشغيل أنفسنا أولًا بما ليس هو الأهم بالنسبة إلينا كطلبة علمٍ وفِقْهٍ، وثانيًا: بما قد يضرنا في حياتنا الإسلامية ثانيًا.
إذًا: نحن يجب أن نتورع في استعمال كلمة: «تكفير»، ومن أجل التحذير من فعلة هؤلاء الذين يريد أولئك أن ينزلوا عليهم أحكام الكفر نكتفي بأنهم ضالون، وأنهم قد حادوا عن أحكام الشريعة في كثير منها وفي قليل، فهذا يكفينا أن نقول أن هذا هو الضلال المبين، أما فلان كافر وفلان كافر .. ومن قال كذا فقد كفر
إلى آخره.
على هذا نحن نقول بالنسبة لذاك السؤال، أما من صدر منه كلمة الكفر فهو معروف عند المسلمين أنه يستتاب فإن تاب فهذا يدل على أنه لم يكن قاصدًا لكلمة كفر، وإن أصر على ذلك قُتل قتل ردة وكفر ولا يدفن في مقابر المسلمين.
مسألة الكفر حقيقة مسألة خطيرة جدًا وهنا أذكر بالحديث وأنهي الجواب عن هذا السؤال .. الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحة عن النبي - ﵌ - أنه قال: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا» ..
[ ٥ / ٦١٦ ]
عفوًا هذا لا يهمنا الآن: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط فلما حضرته الوفاة جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: - وهنا الشاهد - فلئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» هذا هو الكفر شك في قدرة الله ﷿ أن يتمكن من تعذيب هذا المجرم الذي لم يعمل في حياته خيرًا قط: «قال: ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» ولتكملة هذه الكفرية ماذا أوصى: «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم ذروا الرماد نصفه في البحر ونصفه في الريح» لماذا؟ في زعمه ليضل عن ربه، الشاهد: فلما مات حرقوه بالنار وأخذوا الرماد نصفه في الريح الهائج والنصف الثاني في البحر المائج، فقال الله تعالى لذراته هذه: «كوني فلانًاَ فكان فلان، أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك قال: فقد غفرت لك» هنا الآن نأتي إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
هذا أشرك، وقد يقول بعضكم: لا هذا ما أشرك هذا كفر، فأقول بمثل هذه المناسبة: أن الشرك والكفر في لغة الشرع لفظان مترادفان، فكل من كفر فقد أشرك ومن أشرك فقد كفر، وهذا له بحث آخر ولا نخوض فيه الآن، الشاهد: أن هذا الرجل حينما ظهر منه أقول: حينما ظهر منه أنه ينكر قدرة الله على جمعه وعلى بعثه ثم على تعذيبه بناء على أنه لم يعمل خيرًا قط لما ظهر منه هذا: هذا كفر، إذًا: ما جوابنا عن قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) هذا كُفْرٌ، ومع ذلك قد غفر؟ الجواب: إنه كُفْرٌ لم يكن مقصودًا بالقلب، لم يكن معقودًا في القلب وإنما من خوفه من ربه ﵎ على ما جنت يداه من المعاصي والآثام أوصى بمثل هذه الوصية الجائرة التي ربما لم تقع مثلها في تاريخ هذه الدنيا كلها، ثم أوصى بتلك الوصية إنها كفر وإنها ضلال لكننا نقول: ليس كل من
[ ٥ / ٦١٧ ]
وقع في الكفر وقع الكفر عليه، هذه حقيقة يجب أن نستحضرها حتى ما نكون من الخوارج الذين يبالغون في تكفير المسلمين بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب والمعاصي، وإن كان بحثنا ليس في الذنب والمعصية وإنما هو في الكفر لكننا نفرق بين الكفر المقصود قلبًا وبين الكفر الذي لم يُقْصَد قلبًا، وإنما قالبًا وفعلا، هذا ما أردت التذكير به.
" الهدى والنور" (٨٢٠/ ٠٣: ٤٦: ٠٠)
[٦٦٩] باب حكم من سب الله ورسوله مع أنه يصلي
[قال الإمام]:
الرسول - ﵌ - يقول: «نهيت عن قتل المصلين» (١) فهذا الذي رأيته يصلي ومع ذلك سب الله والرسول، هذا يجب أن ينصح، فإذا نصحته تبين لك هل صلاته عن عقيدة أم عن نفاق، فإذا قال لك كما قلنا بالنسبة لبعض المصلين حينما ينصحون أن يصلوا، يقول لك: الله يتوب عليك، أيضًا هذا الذي سب الله ورسوله نصحته قال: الله يلعن الشيطان، استغفر الله، ماذا تقول فيه؟ هل كان كفره عن قصد وعن قلب، أم كان كفره عن لفظ وليس عن قلب ..
مداخلة: نحن لا نريد أن نتسرع، نحن نسأل حتى نستفيد بارك الله فيك، لكن معظم الذين ننصحهم ليتركوا سب الله وسب رسول الله - ﵌ - لا يتركون ويصرون على ذلك، فما حكم هذا؟ أما الذي يصلي ويسب الله غضب أو جهلًا أو كذا كما تفضلت، هذا علمناه.
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٤٢٧١).
[ ٥ / ٦١٨ ]
أما ذاك الذي يصر عليها ونحن ننصحه ويصر عليها. فما حكمه.
الشيخ: كافر.
"الهدى والنور" (٦٣٤/ ٠٠:٠٠:٠١)
[٦٧٠] باب حكم سب الدين، وبيان موانع التكفير
سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني سلمه الله في لقاء سابق معكم قبل ثلاث سنوات سألتم عن بعض السفهاء الذين يستهزئون بالدين وربما سبوا الدين فكان جواب سماحتكم أن مثل هؤلاء يؤدبون ويضربون بالأسواط ثم بعد ذلك ينتهى يعني يتركون ولا يحكم عليهم بشيء، فهذه مسألة حقيقة يعني فهمت من بعض الناس فهمًا لا يريده الشيخ ناصر سلمه الله بحيث أنهم ظنوا أن الشيخ يطلق أن الاستهزاء مثلًا بالدين أو سب الدين أو سب النبي ليس كفرًا فأريد من الشيخ سلمه الله توضيح هذا، وإن أذن لي الشيخ قبل الجواب أن أقرأ شيئًا يسيرا من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم العلامة
مفتي الديار السعودية ﵀ حول يعني سؤال سئل الشيخ حول هذه المسألة فأجاب؟
الشيخ: إذا شئت تفضل؟
مداخلة: قال بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة مساعد قاضي محكمة سابطة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فقد جرى اطلاعنا على خطابكم برقم وتاريخ كذا وكذا بخصوص مسألة معوض بن فلان، وما صدر منه من لعنه دين محمد بن المهدي، وما قررتموه في حقه من جلده
[ ٥ / ٦١٩ ]
عشرة أسواط تعزيرًا واستتابته، ثم توبته واستغفاره وطلبكم منا الإحاطة بذلك؛ ونفيدكم أن سبه دين محمد بن مهدي- والحال أن محمد المهدي مسلم- هو سب للدين الإسلامي وسب الدين كما لا يخفى عليكم ارتداد والعياذ بالله، وعليه فليزمكم علاوة على ما أجريتم إحضار المذكور وأمره بالاغتسال ثم النطق بالشهادتين وتجديد التوبة بعد إخباره بشروطها الثلاثة من الإقلاع عن موجب الإثم والندم على صدوره منه والعزم على عدم العودة إليه، ونظرًا لما ذكرته عنه بأنه جاهل بمدلول ما صدر منه فيكتفى بما قررتموه عليه تعزيرًا، وفقكم الله والسلام عليكم،، مفتي الديار السعوية، إن أذنت لي أيضًا بفتوى أخرى؟
الشيخ: تفضل.
مداخلة: أيضًا هنا حكم من سمى علم التوحيد علم التوحيش وعلم الفقه علم حزاوي العجائز، من محمد بن إبراهيم
الشيخ: سماه ماذا؟
مداخلة: حزاوي العجائز.
الشيخ: شو يعني العجائز، حزاوي أيش يعني.
مداخلة: يعني أحاديث، أحاديث العجائز.
الشيخ: هي لغة نجدية يعني؟
مداخلة: لا أعلم يا شيخ.
الشيخ: طيب.
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة قاضي سلمه الله، السلام عليكم ورحمة
[ ٥ / ٦٢٠ ]
الله وبركاته وبعد: فقد وصل إلينا كتابك رقم كذا وكذا وتاريخ كذا وكذا، الذي ذكرت فيه حالة بعض الشباب من تلاميذ المدارس وأنهم يسمون علم التوحيد علم التوحيش ويسمون علم الفقه علم حزاوي العجائز تسأل عن حكم هؤلاء والجواب: لا شك أن مثل هؤلاء متجنون على الشريعة الإسلامية وعلومها، وهذا يدل على استخفافهم بالدين وجرأتهم على رب العالمين، ومن أطلق هذه المقالة على علم التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وهو يعلم معناها فلا شك أنه مرتد، ولكن ينبغي معرفة الفرق بين الحكم على شخص بعينه وبين من قال من فعل كذا وكذا أو قال كذا وكذا فهو كافر، لأن الشخص المعين لا بد من إثبات صدورها منه باختياره وكونه مكلفًا بالغًا عاقلًا، ومن أطلق هذه المقالة على علم الفقه فهو مخطئ ومتجن على علوم الشريعة لكن لا يبلغ به إلى الحكم عليه بالردة، وعلى كل فيتعين تعزير كل من يصدر منه مثل هذه الألفاظ، فإن كانوا أطفالًا وسفهاء فهذا أخف، وإن كانوا كبارًا عقلاء فهذا أغلظ والعياذ بالله، والحقيقة أن هذا مما يستغرب وقوعه ولا سيما من طلاب المدارس الذين يتلقون هذه العلوم في مدارسهم وهي من أهم مقرراتهم. انتهى إلى هنا المقصود من كلامه عليه رحمة الله، تفضل سلمك الله.
الشيخ: الذي أراه وأدين الله به وأقول بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله: أن الأمر لا يتعدى في عقيدتي ما أسمعتني إياه من كلام الشيخ ﵀ في فتاواه، لكني أريد أن أوضح شيئًا تضمنه جواب الشيخ لكن يحتاج إلى شيء من البيان؛ فأنا أقول من المعلوم عند كافة العلماء أن الأقوال بمقاصد قائليها فإذا تكلم المتكلم بكلمة تحتمل أمرًا مخالفًا للشرع، والمخالفة قد تزدوج فقد تكون كفرًا وردة، وقد تكون معصية، وأوضح مثال في ذلك هو الحلف بغير الله تبارك
[ ٥ / ٦٢١ ]
وتعالى فنعلم جميعًا قوله - ﵌ -: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وفي اللفظ الآخر: «فقد كفر»، فلا نستطيع [نقول أن] كل من حلف بغير الله أنه كفر كفر ردة، ولكن قد يكون هذا الحالف بغير الله كفر كفر ردة، قد يكون، وقد لا يكون.
ولذلك فلتأكيد أحد الاحتمالين ورفع الاحتمال الآخر فلا بد من معرفتنا بطريقة أو بأخرى ما الذي قصده هذا الحالف؛ فإن كان قصد فعلًا تعظيم المحلوف وهو غير رب العالمين ﷿ تعظيمًا له كتعظيمه لله ﷿وهذا ما لا يفعله فيما أعتقد أي مسلم- فيكون في هذه الحالة كفر ردة، ولكن كما قلت آنفًا هذا ما لا أعتقده؛ أن فردًا من أفراد المسلمين وما أكثر هؤلاء الذين يحلفون بغير الله ﷿ في بلاد الإسلام، ما أعتقد أن أحدهم يعني تعظيم المحلوف بغير الله ﷿ كحلفه بالله أو أن يجعله أعظم منه، لا أعتقد هذا ولذلك نرى كثيرًا من هؤلاء المسلمين الذين غلبت عليهم هذه العادة -عادة الحلف بالآباء والأنبياء والرسل بل وبرأس الرجل وبلحيته وشاربه ونحو ذلك من الأيمان القبيحة- إذا ما ذكر وقيل له رسول الله يقول كذا وكذا فهذا لا يجوز؛ يقول: جزاك الله خيرًا، وأنا ما كنت أعرف هذا، ويستغفر الله.
هذا مثال أريد أن أصل به إلى موضوع من يسب الله ﷿، أو يسب نبيه ﵇، أو يسب الدين؛ الأمر يعود إلى القصد؛ لأن الإنسان قد يتكلم وقد يفعل فعلًا في حالة غضب شديد يعميه عن الكلام المستقيم الذي ينبغي أن يتكلم به، فإذا ما سمعنا شخص من هؤلاء كما قال الشيخ في بعضهم السفهاء يسبوا الشرع أو الدين أو رب العزة أو نبيه ﵇ إلخ، فإذا ما ذكروا -هذا يقع كثيرًا منهم ومن الناصحين والمذكرين لهم- بيقول: لعنة الله على الشيطان .. أستغفر الله، فهذا يدل على شيء مهم جدًا يضطرنا نحن ألا نتسارع إلى إصدار حكم التكفير
[ ٥ / ٦٢٢ ]
بحقه؛ لأنه لم يتقصد الكفر، كيف وهو يستغفر الله ويعترف بخطئه فيما بدر منه، لكن هذا لا يجعلنا .. نبارك له قولته، بل ننكر عليه ذلك أشد النكير، ولو كان هناك حكم أو حاكم يحكم بالشرع لاقترحنا بأن يعزر بأن يجلد عشر أسواط، كما جاء في حديث الرسول ﵇ المعروف، لكن مع الأسف الشديد مثل هذا الحكم لا يوجد في أكثر بلاد الإسلام اليوم آسفين.
ولعل هذا يسوغ لي أن أقول لفقدان مثل هذه الأحكام الشرعية التي نص الشارع الحكيم على فائدتها في مثل قوله ﵎ في القرآن الكريم ﴿وَلَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ (البقرة:١٧٩) عدم قيام الحكام بتنفيذ الأحكام الشرعية هو من أسباب انطلاق ألسنة هؤلاء السفهاء بما لا ينبغي ولا يجوز شرعًا أن يتفوهوا به.
فخلاصة الكلام: أن التكفير أمر صعب جدًا كما هو معروف عند أهل العلم والأحاديث صحيحة في البخاري وغيره معروفة في هذا المعنى.
لكني أريد أن أذكر فرعًا بهذه المناسبة أريد أن أذكر فرعًا فقهيًا جاء في بعض كتب المذاهب، وهذا في الواقع متجاوب تمامًا مع رهبة تلك الأحاديث التي تحذر المسلم أن يبادر إلى تكفير أخيه المسلم خشية ألَّا يكون كافرًا فيعود الكفر على المكفر، لقد ذكروا أنه إذا صدر من مجموعة من العلماء بلغ عددهم تسعة وتسعين شخصًا بتكفير مسلم، لكن عالم واحد قال لا ليس بكافر، فينبغي ألَّا يصدر حكم التكفير بالنسبة لهذا الإنسان ما دام أن هناك عالمًاَ يقول هذا ليس بكفر، أفهم من هذا أن هؤلاء الذين فرعوا هذا الفرع لخطورة إصدار الكفر بحق الرجل المسلم، لا سيما إن كان معلومًا بمحافظته على الأركان الإسلامية، ليس
[ ٥ / ٦٢٣ ]
فقط الشهادة، بل على الصلاة والصيام، وكثيرًا ما نسمع خلافًا ينشب بين زوجين، فتأتي المرأة وتسأل أن زوجي سب كذا، نسأل يصلي؟ تقول: بيصلي، بيصوم؟ بيصوم إلخ، إذا كيف هذا، وقد خاصمته ونصحته إلخ، إذًا فهذه السبة إذا صدرت في إنسان من حالة غضب يستتاب ويعزر ويجلد إلخ، لكن إذا ما أردنا أن نصدر في حقه التكفير الذي يلازمه الردة، لابد أن نفهم اعترافه بما فعل، فإن اعترف فهو ردة ويقتل وكما هو معروف من الإسلام لقوله ﵇: «من بدل دينه فاقتلوه» أما إذا أتبع كلامه بالاستغفار والتوبة إلى الله ﷿ فهذا دليل أنها ثورة غضبية لا نستطيع أن نرتب عليها ما نرتب على الكلام الصادر بقصدٍ وإرادة، وإذا كان الرسول ﵊ يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وهذا لم تكن النية أن يقصد ما سبه مما ذكر آنفًا، فلا يجوز أن ندينه بكلمته ما دام أن قلبه يخالف كلمته، هذا رأيي في هذا الموضوع.
مداخلة: سلمك الله هل يمكن أن نجمل هذا ونقول مثلًا إن شروط التكفير ثلاثة وموانعها ثلاثة؛ شروطها أولًا: العلم ويقابلها الجهل مانعه الجهل، الاختيار: مانعه الإكراه والجبر، التأويل ومانعه عدم التأويل، يعني لو لم نفتح باب التأويل في مسألة نرى أن التأويل قد يدخل فيها لكفرنا الجهمية ولكفرنا المعتزلة الذي يقول لا أدري الله فوق العرش أو تحت العرش، والسلف لم يفعلوا ذلك.
هنا سلمك الله عبارة أريد أن أقرأها عليك لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -﵀- في كتاب الشيخ الفاضل صالح العبود يقول الشيخ: والشيخ يُكَفِّرُ من كفر بإجماع المسلمين، وهو الذي قامت عليه الحجة، ولا يكفر من لم تقم عليه الحجة حتى أن الشيخ قال- عليه رحمة الله-: إن أول الأركان
[ ٥ / ٦٢٤ ]
الخمسة للإسلام الشهاداتان، وقد أجمع العلماء على كفر تاركها، ووجوب قتاله، أما الأربعة الباقية فإذا أقر الإنسان بها وتركها تهاونًا، فالشيخ يقول: ونحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها؛ لأن العلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود.
أيضًا هنا عبارة أخرى ينقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر كقدامة وأصحابه ظنوا أنها تباح لمن عمل عملًا صالحًا على ما فهموا من آية المائدة؛ اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابوا فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا بالتحريم جلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداءً؛ لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق فإن أصروا كفروا، ولهذا كنت أقول الجهمية الذين نفوا أن يكون الله فوق العرش، أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، وأنتم عندي لا تكفرون.
الشيخ: تمام.
مداخلة: لأنكم جهال ونحن نعلم بالضرورة -هذا كلام لعله كلام الشيخ ابن عبد الوهاب الباقي الآن- أن الرسول - ﵌ - لم يشرع لأمته- أو لعل هذا كلام شيخ الإسلام- أن يدعوا أحدًا من الأحياء ولا الأموات ولا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بلفظ الاستعاذة، ولا غيرها، كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت ولا إلى غير ميت ونحو ذلك، بل نعلم وأنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول - ﵌ -، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط - الآن هذا كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -
[ ٥ / ٦٢٥ ]
لمن يعرف أصل دين الإسلام إلا تفطن له، وقال: هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض أكابر شيوخ العارفين من أصحابنا [يقول]: وهذا أعظم ما بينته لنا.
الشيخ: الله يجزيه خير هذا كلام شيخ الإسلام أكيد؟
مداخلة: كلام شيخ الإسلام نعم، عاد هنا كلام لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لو أذنت لي يا شيخ.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: حينما اتهم بأنه يكفر المسلمين قال: وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم إنا نكفر بعموم.
الشيخ: جميل.
ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه- يعني زعمهم أنه يكفر من لم يقم عليه الحجة ونحو ذلك- يقول الشيخ: وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر- لعله قصده ما يوضع على القبور- وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
الشيخ: سبحان الله، هذا كلام عظيم جدًا، وأنا أقول:
هذا هو الحق ما به خفاء فدعني عن بنيات الطريق
[ ٥ / ٦٢٦ ]
لقد قلنا في كثير من المجالس وإخواننا الحاضرين يعرفون هذا وخاصة هؤلاء النابتة الجديدة التي ديدنها هو تكفير الحكام المسلمين وبالتالي المحكومين، يقولون بأنا نكفر الجماهير ولا نكفر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، فحكمنا بالنسبة للحكم بغير ما أنزل الله معروف، ولا حاجة للخوض فيه، ولكن أنا قصدي أن أقول أنا لا أكفر هؤلاء العامة الذين يطوفون حول القبور لغلبة الجهل، بل وقلت- ولعل الأخ أبو الحسن يذكر هذا: أنني أتعجب من بعض العلماء الذين يقولون بأنه لا يوجد اليوم أهل فترة، فأنا أقول أهل الفترة موجودون خاصة في بلاد الكفر أوروبا وأمريكا ووإلى آخره، بل أنا أقول قولة ما أظن أحد يقولها اليوم، أنا أقول: أهل الفترة موجودون بين ظهرانينا، وأعني هؤلاء الجهلة الذين يجدون من يؤيد ضلالهم: استغاثتهم بغير الله، والنذر لغير الله والذبح لغير الله، ويسمون هذه الشركيات كلها بالتوسل، والتوسل كما تعلمون نوعان، فهؤلاء من أين لنا أن نكفرهم وهم لم تبلغهم دعوة الكتاب والسنة، أعني هؤلاء العامة والمضللين من بعض الخاصة، والبعض الآخر قد يوجدون في بلد، ولا يوجدون في بلد آخر، هذا الكلام الذي تلوته علي آنفًا أنا متأثر به جدًا جدًا، حتى قلت أن أهل الفترة اليوم يعيشون بين ظهرانينا يصلون معنا، ويصومون، ويحجون، لكن هم ما يفقهون ماذا يقولون حينما يقولون أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله وهو كما أشرتم في كلامكم، فيما قرأتم؛ لا بد قبل كل شيء من تحققنا من حال هذا المتكلم بأنه عالم بما يقول ويعني ما يقول، فإذا انتفى أحد الأمرين لم يجز لنا بحقه إلا التعزير.
ومنذ أيام قريبة جرى بحث بيني وبين بعض الإخوان ردًا على هؤلاء الذين
[ ٥ / ٦٢٧ ]
يبادرون إلى تكفير الحكام، وكما يقولون عندنا في سوريا بالكوم بالجملة يعني، المقصود بينت له خطورة التكفير لهذا الذي كنت أتناقش معه وأشرت إلى هؤلاء الذين يفترون علينا الكذب، كما افتروا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره، ولنا أسوة بالأنبياء والرسل كما هو معلوم بالقرآن، قلت إذا رأينا مسلمًا، نعرف أنه مسلم، رأينا مسلمًا داس المصحف، لا شك هذا أمر منكر، لكن لا يجوز إلى إصدار الحكم بتكفيره حتى نتثبت أنه أولًا فعل هذا الفعل وهو يريد إهانة المصحف، وهو عارف أن هذا الكتاب الذي يدوسه بقدمه هو القرآن الكريم، فإذا كان عارفًا بإنه القرآن الكريم وقاصدًا إهانته، فهذ كفره كفر ردة، لكن ما دام أنه يحتمل أن ألَّا يكون هذا القرآن هو كلام الله، أو هذا الكتاب الذي داسه بقدمه يحتمل أنه ليس كتاب الله، ثم مع الاحتمال الآخر يحتمل أنه كتاب الله وهو أراد أن يستهزأ به وأن يهينه أما إن فعل ذلك في حال ثورة غضبية فهو لا يدان وإنما
أيضًا يعزر.
وأنا أذكر في مثل هذه المناسبة أنني لا أفرق في النتيجة وفي العاقبة بين أن يأخذ الرجل المصحف ويدوسه، أو أن يضرب به الأرض، كل من الصورتين لابد من التفريق، كل من الاحتمالين الأول أنه يدري أنه هذا كلام الله، وثانيًا: أنه يقصد الإهانة والاستهزاء بكلام الله، وإلا فنحن نقرأ في القرآن الكريم بأن كليم الله موسى ضرب الألواح بالأرض فهل هذا يعتبر كفرًا وكفر ردة؟! حاشا، لكن هو لغيرته على التوحيد ولما رأى قومه قد عبدوا العجل ثارت ثورته، غيرة على التوحيد، ووقع، منه ما وقع لكن هذا الذي وقع ليس بقصد منه، فالقصد هو الأساس في المحاسبة والمعاقبة، فإذا لم يوجد هذا القصد مقترنًا مع اللفظ لم يجز المبادرة إلى التكفير وإنما إلى التعزير.
[ ٥ / ٦٢٨ ]
مداخلة: لعل هناك صورة تبين بوضوح ما أردتم الإشارة إليه؟
الشيخ: تبين؟
مداخلة: بوضوح ما أشرتم إليه: قد نرى رجلين كلاهما يمزق المصحف فنعطي هذا حكمًا وهذا حكمًا، فهذا أراد تمزيقه إكرامًا له وحتى لا يهان، فله حكمه، وذاك أراد تمزيقه مما علمنا من نيته إهانة له و
الشيخ: جميل جدًا إذًا إنما الأعمال بالنيات هو هذا أحسنت، لا حول ولا قوة إلا بالله.
مداخلة: كلمة ابن القيم وجدناها فأقول لعل أخونا أبو أحمد يضيفها في الشريط بطريقته الخاصة.
الشيخ: جميل.
مداخلة: وأيضًا هذا كلام ابن القيم يدل على ما تقدم من كلام الشيخ فضيلة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم، يقول ابن القيم: «وسأله - ﵌ - الحجاج بن علاط فقال إن لي بمكة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئًا، فأذن له رسول الله - ﵌ - أن يقول ما شاء» وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائله معناه إما لعدم قصده له، أو لعدم علمه به، أو أنه أراد به غير معناه لم يلزمه ما لم يرده بكلامه.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: وهذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله، ولهذا لم يَلْزَمْ المكرهَ على التكلم بالكفر الكفرُ، ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به، ولم
[ ٥ / ٦٢٩ ]
يلزم الحجاج بن علاط حكم ما تكلم به؛ لأنه أراد به غير معناه، ولم يعقد قلبه عليه، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ (المائدة:٨٩) وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (البقرة:٢٢٥) فالأحكام في الدنيا والآخرة مرتبة على ما كسبه القلب وعقد عليه وأراده من معنى كلامه.
الشيخ: هذا هو الحق ما شاء الله.
علي حسن: كالمسمار في التاج.
الشيخ: كلام العلماء يا سيدي، فينطبق عليه خير الكلام ما دخل الأُذُن
بغير إِذْن.
"الهدى والنور" (٨٨٠/ ٠٣: ٥٧: ٠٠) و(٨٨٠/ ١٠: ٢٤: ٠١)
سؤال: ما حكم سب الدين؟
الشيخ: حرام، ومن استحل ذلك بقلبه فهو كُفر.
"الهدى والنور" (١٩٢/ ٣٠: ٠٦: ٠٠)
[٦٧٢] باب منه
مداخلة: بعض الناس لما يغضب يعني غضبًا شديدًا مع أهله أو مع أي واحد آخر يسب الدين أو يسب الرب، ما يكون الحكم عليه؟
الشيخ: الحكم عليه أنه إذا في حاكم مسلم ومتبني مذهب من المذاهب التي
[ ٥ / ٦٣٠ ]
ما يحققون ولا يدققون يقطعون رأسه، وإن كان بعد التدقيق فيجلدونه ويحبسونه حتى يتربى، وثاني مرة ما يرجع يتكلم بهذه الكلمة، وهذا يعني أحسن أحواله.
"الهدى والنور" (٢٣٥/ ٥٠: ٣١: ٠٠)
[٦٧٣] باب منه
سؤال: ما حكم الذي يسب الدين؟
الشيخ: إما كافر أو فاسق.
مداخلة: طيب مثلًا عصبية
الشيخ: فاسق.
مداخلة: ماذا عليه أن يعمل؟
الشيخ: يتوب إلى الله ﷿ ويعزم على أن لا يعود، ولو أن هناك حكم إسلامي قائم يعملوا له كم عصاية يبطل هو وغيره.
"الهدى والنور" (٦٦٤/ ١٨: ١٦: ٠٠)
[ ٥ / ٦٣١ ]
جماع أبواب متفرقة في مسائل التكفير
[ ٥ / ٦٣٣ ]
[٦٧٤] باب متى يكفر
من أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة؟
[قال الإمام]:
الحق الذي لا ريب فيه أن من أنكر شيئًا ثابتًا في الدين، سواء كان في الأصول أو الفروع فهو كافر إذا علم كونه من الدين، ومع ذلك أنكر، فبهذا الشرط يكفر؛ لأن معنى ذلك أنه لا يصدق الرسول - ﵌ - في كل ما جاء به، وما جاء به كله صواب، فجحد أي شيء منه يعتبر طعنًا فيه - ﵌ -. وذلك كفر بين.
وعلى ذلك إذا أنكر شيئًا وهو لا يعلم أن النبي - ﵌ - جاء به، فلا سبيل إلى تكفيره إلا بعد تبليغه وإقامة الحجة عليه لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ولا مجال بعد ذلك للتردد في تكفيره، ولو زعم أنه يقتنع بذلك أو لم تطمئن نفسه به فإنه ينافي الإيمان به - ﵌ - كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
"تحقيق كتاب: التوحيد والعقائد الإسلامية" (ص١٢ - ١٣).
[٦٧٥] باب حكم الاستخفاف بفرائض الله
[قال الإمام]:
الاستخفاف بفرائض الله تعالى كفر ورده؛ لأنه كفر قلبي.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٣٣٠).
[ ٥ / ٦٣٥ ]
[٦٧٦] باب حكم ترك الأعمال
سؤال: السؤال الأول: هل صحيح أن من مات على التوحيد وإن لم يعمل بمقتضاه وأول مقتضى التوحيد إقامة الصلاة .. هل يكفر ويخلد مع الخارج الكافر في نار جهنم أم لا؟
الشيخ: السلف فرقوا بين الإيمان وبين العمل فجعلوا العمل شرط كمال في الإيمان ولم يجعلوه شرط صحة خلافًا للخوارج، واضح هذا الجواب؟!
مداخلة: ما قولكم في تأويلهم لقوله - ﵌ - أن كلمة: من لم يعمل أو جملة: «من لم يعمل خيرًا قط» ليست على ظاهرها.
الشيخ: طيب! ولماذا؟
مداخلة: لأنها جاءت من باب إفهام القارئ أنها من جملة نفي كمال العمل ليس جنسه.
الشيخ: نطور السؤال: ما الدليل؟
مداخلة: الدليل من قوله - ﵌ -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
الشيخ: طيب! هل الكفر حينما يطلق يراد به الكفر المقارن بالردة؟
مداخلة: لا، هم يقولون: لا لكن الصلاة ..
الشيخ: معليش معليش. إذا قالوا: لا، فما هو الحد الفاصل بين كفر في نص ما أي: القائل إنه كفر ردة، وفي نص آخر ليس كفر ردة، وكل من الأمرين المذكورين في النصين عمل، ما الفرق بين هذا وهذا؟
[ ٥ / ٦٣٦ ]
مداخلة: الفرق كثير جدًا يطول تفصيله عندهم بتأويلات أن من ترك جزء العمل ليس كمن ترك كل العمل، أو أن من شابه ببعض الأعمال الكافرين ليس كما يشابه بعض أفعالهم التي نص عليها الشارع أنها كفر يخرج من الملة.
الشيخ: هل أجبت عن السؤال؟
مداخلة: هذا جوابهم.
الشيخ: لا ما أريد جوابهم، هل أنت شعرت بأن هذا الذي تقول جوابهم هو جواب سؤالي ..
مداخلة: لا، الشيخ: إذًا ما الفائدة يا أخي، أنا أريد أن يتنبه إخواننا الطلاب أنه ليس بمجرد الدعوى تثبت القضية، أنا أقول: ما الفرق بين كفر يذكر في مثل هذا الحديث وبين كفر يذكر في حديث آخر، وكل من الأمرين الذي أنيط به الكفر في كل من النصين أي: الجامع هو العمل فلماذا هذا العمل كفر ردة وذاك العمل ليس كفر ردة مثلًا قال ﵇: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» هل هذا كفر أم دون ذلك؟ كذلك مثلًا قوله ﵇ والأحاديث في هذا الصدد كثيرة جدًا: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ما هو الفارق بين كفر في حديث الصلاة وكفر في حديث القتال؟ لا بد أن يكون هناك دليل يعتمد عليه الذي يفرق.
أهل السنة والجماعة الذين نقلنا عنهم آنفًا أن العمل ليس شرط صحة وإنما هو شرط كمال، ولا يفرقون بين عمل وعمل آخر بشرط أن يكون المؤمن قد آمن بذلك الحكم الذي تساهل في القيام به والعمل به، وما نقلته عنهم آنفًا لم يعمل خيرًا قط هذا تأويل وإذا صح التأويل في نص كهذا ممكن أن يصح التأويل في
[ ٥ / ٦٣٧ ]
نصهم أيضًا.
وأنا أريد الآن أن ألفت النظر بأن هؤلاء الذين يأتون بمفاهيم جديدة تدندن حول تكفير المسلمين بسبب إهمالهم بقيام عمل أمر الشارع الحكيم به، هؤلاء ينبغي أن لا يأتوا بشيء نابع من أهوائهم أو لنقل من جهلهم، بل لنقل من علمهم؛ لأن علمهم مهما كان صحيحًا ودقيقًا فهو لا يساوي هذه المسألة.
وهنا لا بد من أن نذكر بما أذكره دائمًا وأبدًا حول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥) هؤلاء يتبعون غير سبيل المؤمنين .. هؤلاء لا يقيمون وزنًا لهذا المقطع من هذه الآية الكريمة يعني: عندهم الآية سواءً آمنوا في هذا المقطع ومعناه أو لم يؤمنوا به لا فرق عندهم بين أن تكون الآية: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) لا فرق عندهم بين ما لو كانت هكذا الآية وبين ما هي عليه أنزلت، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فنحن نسألهم: هذه التآويل وهذه التفاسير التي تأتون بها من حيث اللغة العربية الأمر واسع جدًا، ولا يستطيع أحد أبدًا أن يوقف باب التأويل أمام الناس وبخاصة إذا كان أهل الأهواء.
إذًا: ما هو الأمر الفاصل القاطع في الموضوع؟ هو الرجوع إلى ما كان عليه السلف، هؤلاء كما أنهم لا يؤمنون بمعنى هذه القطعة من الآية ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هم أيضًا أنا على مثل اليقين لا يؤمنون بمثل قوله ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» لا يؤمنون بمثل قوله ﵇ حينما سئل عن الفرقة الناجية، قال: «هي الجماع»؛ لأنهم خرجوا عن الجماعة، وكالرواية الأخرى: «هي ما أنا عليه وأصحابي» لا يقيمون وزنًا إطلاقًا لما كان عليه السلف الصالح، هذا يكفينا في بيان خروجهم عن مفاهيم السلف
[ ٥ / ٦٣٨ ]
الصالح وبالتالي خروجهم عن الفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة، كأنه عندك شيء؟
مداخلة: عندي جواب على سؤالك شيخ يقول الطبري أَذْكُرُه؟
الشيخ: تفضل.
مداخلة: ينقلون ويتكئون على كلمة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الاقتضاء» يقول فيها: أن لفظة كفر إذا جاءت منكرة تدل على أنها كفر اعتقادي، أما إذا جاءت معرفة بأل ومصدرًا فإنها تدل الكفر العملي .. الحديث الكفر: «بينه وبين الكفر ترك الصلاة» فلم يقل كُفْر قال: الكفر فهذا هو الكفر الاعتقادي ..
الشيخ: معليش .. المسألة هنا تكون فرعية والموضوع ليس فرعيًا وإنما هو أصل ..
مداخلة: صح.
الشيخ: نعم، فنحن نعلم أن بعض الحنابلة لا يزالون إلى اليوم يفتون بأن ترك الصلاة كفر ردة، لكنهم ليسوا خوارج ولا يتعدون الخط الذي يمشون عليه الخوارج فلو سلمنا لهم جدلًا بمثل هذا الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغضضنا النظر عن النصوص الأخرى التي نذكرها خاصة في رسالة الصلاة التي تعرفها فإذا صرفنا النظر عن هذه المسألة بالذات؛ لأن الأدلة فيها متقاربة متشابهة، لكن المهم أنهم إذا وفقوا للصواب في تكفير تارك الصلاة فذلك لا يعني فرض تكفير المؤمن في أي عمل فرض عليه لا يقوم به، فهنا المعنى: أن القاعدة سليمة لكن لكل قاعدة شواذ، كما يقول الحنابلة مثلًا .. هم لا يقولون بصحة مذهب الخوارج بل هم ضد هذا المذهب لكنهم التقوا مع هؤلاء أو بعبارة أصح
[ ٥ / ٦٣٩ ]
هؤلاء التقوا مع الحنابلة في القول بتكفير تارك الصلاة، لكنهم خرجوا عن الحنابلة وعن الشافعية والمالكية والحنفية وعن بقية المسلمين في قولهم بتكفير التارك للعمل كما قلت أنت أن الإيمان لا يكفي نقلًا طبعًا عنهم .. لا يكفي إنما مقتضاه العمل، بينما الأحاديث التي تعرفونها جيدًا والتي من بعض أجزاء أحاديث الشفاعة أن الله ﷿ يأمر بإخراج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة .. مثقال ذرة من إيمان، هذا الإيمان هو الذي ينجي من الخلود في النار وهذا هو من معاني قوله تعالى، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
"الهدى والنور" (٨٣٠/ ٠٢: ٢٨: ٠٠)
[٦٧٧] باب هل تَرْكُ الفرائض مخرج من الملة؟
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة».
(صحيح لغيره).
[قال الإمام]:
قلت: من فقه هذا الحديث ما قاله أبو عبد الله ابن بطة في «الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة» (٣٧ - تحقيق رضا نعسان): لا يخرج الرجل من الإسلام إلا الشرك بالله، أو رد فريضة من فرائض الله ﷿ جاحدًا بها، فإن تركها تهاونًا أو كسلًا؛ كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ١٩٣).
[ ٥ / ٦٤٠ ]
[٦٧٨] باب حكم تارك الزكاة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -:
«ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفايح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قلت: هذا نص صريح من رسول الله - ﵌ - أن تارك الزكاة الذي يعذب تلك المدة الطويلة أنه ليس بكافر مخلد في النار لقوله: «فيرى سبيله إما إلى جنة، وإما إلى نار» ففيه رد قويّ على بعض الدكاترة وغيرهم الذين يكفرون التارك لمجرد الترك، ويتشبثون بالمتشابه من الروايات! ويتأولون النصوص كعلماء الكلام.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٣٣٨).
[٦٧٩] باب منه
سؤال: يا شيخ بس أريد أن تشرح لي قضية البخاري والله أعلم بوب باب الردة عندما قاتل مناع الزكاة، كيف تفسر هذا يا شيخ بحكم أنهم تركوا الزكاة قاتلهم أبو بكر الصديق، وسميت: حرب الردة؟
الشيخ: التفسير بارك الله فيك أنت ستجيبني عنه، كيف تفسر قتل الزاني المحصن؟ مالكم لا تنطقون، كيف تفسر يا أخي.
[ ٥ / ٦٤١ ]
مداخلة: حدًا.
الشيخ: إذًا: الذي يمنع الصلاة يقاتل، يمنع الزكاة يقاتل، يمنع الصيام يقاتل، المهم لا تربط بين مقاتلة وبين الكفر، لا تلازم بين مقاتلة قوم وبين كونهم مرتدين، وأكبر شيء عندك مشكلة الساعة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩) قاتلوا التي تبغي لأنها كفرت؟ لأنها بغت.
مداخلة: ولكن ..
الشيخ: هذه «ولكن» اسحبها من قاموسك، ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩) مقاتلة طائفة من المسلمين لا نستلزم من مجرد المقاتلة أن هؤلاء المسلمين كفار مرتدون مخلدون في النار يوم القيامة، لا نستلزم هذا، الآن قاتل أبو بكر أولئك الناس الذين امتنعوا من الزكاة، هذه المقاتلة لا تعني أنه قاتلهم على أساس أنهم مرتدين عن دينهم بمجرد امتناعهم من أداء الزكاة، الآن ألا تعلم أن هناك أغنياء كثيرون أصحاب ملايين مملينة إذا صح التعبير لا يؤدون زكاتها؟ ألا تعلم؟ هل تقول: هؤلاء كفار مرتدون عن دينهم؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لا، فإذًا: لو كانت الآن دولة مسلمة ستعيد دولة الخلافة الراشدة وأولها أبو بكر الصديق أي: سيقاتل هؤلاء الممتنعين من أداء الزكاة، إذًا: اجمع الآن في ذهنك يقاتلون لأنهم امتنعوا من الزكاة، ولا يقاتلون أنهم مرتدون عن دينهم لأنك ما حكمت أن تارك الزكاة مرتد عن دينه، فإذًا: لا تلازم بين مقاتلة الخليفة لقوم أنهم قوتلوا لأنهم مرتدون، وإنما أعود لأقول: قد يكونون مرتدين
[ ٥ / ٦٤٢ ]
وقد لا يكونون، أنا ما أقول «قد» واحدة، أقول اثنتين، قد يكونون مرتدين وقد لا يكونون مرتدين، وأتبعها بقد ثالثة، قد يكون بعضهم مرتدًا وبعضهم غير مرتد، وهذا موجود في العالم كله، الذي نقول: قد يكون مرتدًا، أي: استحل منع الزكاة، وهذا يروى عن بعضهم أنه يحتج بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (التوبة:١٠٣) الخطاب موجه للرسول، الآن الرسول راح، فإذًا: نحن لا ندفع الزكاة وليس علينا زكاة، فهذا يكون مرتدًا عن دينه، أما الآخرون فلا
السؤال: في البحث شيخنا نقطة ظهرت لي أثناء مناقشة التكفير في مسألة منع الزكاة، فأحب أن أعرضها لأرى رأيكم فيها.
الشيخ: تفضل.
السائل: شيخنا في نفس الحديث لما أنكر عمر على أبي بكر، قال أبو بكر كلمة تدل على أنه ما قاتلهم من أجل منع الزكاة بعينها، وإنما من أجل تواطؤهم على المنع، فقال: (والله لو منعوني عناقًا أو عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه) وهذا العناق أو العقال منعه لا يكفر فضلًا عن أن يكون من أركان الإسلام المتروكة أو كذا. هذا أولًا.
ثانيًا: النبي ﵊ يقول في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: «ومن منعها فإنا أخذوها وشطر ماله» فلم يقل: كفره أو قتله أو شيء من هذا، فدل هذا أن مقاتلته ﵁ لهم إنما هو لتواطؤهم على منعها ومقاتلتهم عليها، وخاصة في ظروف الردة وحرب الردة وما شابه ذلك.
الشيخ: أحسنت جزاك الله خير.
"الهدى والنور" (٤٦٨/ ٠٠: ٠٩: ٠٠) و(٤٦٨/ ٢٠: ١٣: ٠٠)
[ ٥ / ٦٤٣ ]
[٦٨٠] باب الشك في قدرة الله؛ من أي أنواع الكفر هو؟
سؤال: في الحديث الصحيح الرجل الذي أوصى أحد أبنائه أن يحرقه من أي نوع يكون كفره؟
الشيخ: من أي نوع، تقصد نوع ..؟
السائل: كفر يعني عملي أو اعتقادي؟
الشيخ: لا اعتقادي، هذا كفر اعتقادي، لكنه كفر بغفلة.
" الهدى والنور " (٥٢/ ٠٠:١٨:٠٠)
[٦٨١] باب كيف غفر الله للرجل الذي أمر بنيه بأن يحرقوه والله ﷿ يقول: «إن الله لا يغفر أن يشرك به»
السائل: هل الذي أوصى الرجل أبناءه إذا مات أن يذروه في التراب، أن يذروه في الريح يحرقوه ويذروه حتى لا يستطيع الله أن يجمعه ثم جمعه، فكيف وأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء؟
الشيخ: نعم. نحن ذكرنا هذا أكثر من مرة أن الآية التي ذكرت في ختام سؤالك هي القاعدة وهي الأصل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) كما أن الآية: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ (البقرة:٨٦) المشركون لا يخفف عنهم العذاب، لكن هناك قاعدة في علم الأصول أن كثيرًا من العمومات يدخلها التخصيص وإن كان الأصل البقاء مع النص العام حتى
يأتي المخصص، فإذا جاء المخصص لا يتردد الإنسان في قبوله سلفًا لا يتردد، ولو أنه لم يظهر له وجه التوفيق بين العام والخاص، يكفي أن ذاك نص عام وهذا
[ ٥ / ٦٤٤ ]
نص خاص.
أما ما هي الحكمة وما هي فلسفة الموضوع وتوجيهه هذا بحث ثاني، قد يستطيعه بعض الناس وقد لا يستطيعه، لكن المشي مع القواعد يريح عقل الإنسان ونفسه، هذا عام وهذا خاص: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:١١٦).
﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ (البقرة:٨٦) ممكن يدخل تخصيص من الناحية العقلية؟ ممكن، لكن من الناحية الشرعية ننتظر الشرع، إن جاء ما يدل على التخفيف قبلناه وإلا فنحن مع النص العام ونرفض كل رأي يخالف النص العام إلا إذا كان مقرونًا بالدليل
نحن ننظر ما هو موقفنا نحن أهل الحديث، بالنسبة للحديث الصحيح أن الرسول سئل أن عمك أبو طالب كان يدافع عنك، كان وكان إلى آخره: «هل نفعه ذلك شيء؟ قال: لقد خفف عنه العذاب وهو أخف أهل النار عذابًا، وإنه ليغلي دماغه من شدة العذاب في نعليه» (١).
المهم خفف عنه العذاب، وربنا يقول ما يخفف عنهم العذاب، إذًا هذا نص عام وهذا نص خاص ما في مانع، نقبله ما دام صح، ولهذه القاعدة والجهل بها يضل كثير من الناس قديمًا وحديثًا.
الخوارج مثلًا الذين ضلوا في كثير من الأمور الاعتقادية والفروع الشرعية، لماذا؟ لأنهم استندوا إلى نصوص عامة ورفضوا النصوص الخاصة، وقواعد أهل
_________________
(١) البخاري (رقم٣٦٧٠) ومسلم (رقم٥٣١).
[ ٥ / ٦٤٥ ]
العلم هو الجمع بين النص العام والنص الخاص.
الآن ما نحن في صدده [ننظر إليه] من زاوية عامة شوية وهي: الذين أشركوا وكفروا وبغوا واعتدوا وما بلغتهم الدعوة، ما حكمهم عند الله؟ هل هم في النار؟ هل هذا ذنبهم مغفور؟ الجواب: نعم، هؤلاء لا يشملهم العذاب الذي هو جزاء الكافرين المخلدين في النار، وإنما لهم معاملة أخرى في عرصات يوم القيامة، يؤمرون بطاعة الرسول هناك، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
هؤلاء الذين دخلوا الجنة داخلين في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:١١٦).
إذًا: ما جاز لنا أن نأخذ هذا العموم على شموله وإطلاقه، وأنا سأدخل في موضوع الإجابة عن السؤال من باب ممكن الجميع يدركه يعني، حتى ما ندرك شيء ربما لا يدركه بعض الناس.
فإذًا إذا وصلنا إلى هذه الحقيقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:١١٦) شو صار في هذه الآية؟ بقيت على عمومها وإلا دخلها شيء من التخصيص؟ دخلها شيء من التخصيص، لا يغفر أن يشرك به إلا إذا كان الشرك به دون بلوغ ماذا؟ دعوة، إذًا: الآية ليست على الإطلاق والشمول الذي يتبادر إلى الأذهان، إذا كان هذا واضحًا وظاهرًا وهو كذلك بإذن الله.
ننتقل الآن إلى قصة هذا الرجل الذي أوصى أولاده بتلك الوصية والتي أعتقد أنها أغرب وصية علمناها في الدنيا، أنه إذا مات أنه يحرقوه، ولماذا؟ قال: «لأني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» فهو الآن بين عقيدتين متناقضتين أشد التناقض، هو يعتقد بأنه عاصي ومذنب وهو كذلك،
[ ٥ / ٦٤٦ ]
ويعتقد أن الله ﷿ إذا عذبه فهو عادل، لكن هو يريد أن يخلص من هذا العذاب فوقع في الضلال، فأوصى أنهم يحرقوه بالنار وأن يجعلوا نصف رماده في الريح ونصف رماده في البحر، لماذا؟ ليضل على ربه زعم، ونسي قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨).
هذا الرجل أنا أتصور الآن أنه كان في ساعة شدة فيها غاب عقله ووعيه عن الحقيقة التي يؤمن بها كل من يعتقد أنه عاص مع ربه وأن ربه ﷿ إذا عذبه عادل به، وهو لخوفه من ربه غلب عليه هذا الضلال، والدليل أنه ربنا لما أحياه وقال لذراته المنتشرة في الريح الهائج والبحر المائج: كوني فلانًا فكان بشرًا سويًا، قال له: «أي فلان! ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك».
فهو مؤمن بالله، لكن يعني خفت منك أي: الخوف [اشتد به] به فأوحى إليه بأن يأتي بهذه الوصية الجائرة، فعلم الله ما في قلبه فقال له: قد غفرت لك.
فإذًا هذا النوع من الكفر ليس من الكفر المستمكن في النفس، وإنما هو الكفر العارض لحالة نفسية واضحة جدًا في هذه الحادثة، فلا إشكال والحمد لله في هذا الحديث الصحيح.
أما الذين يتسرعون ويتفهمون نصوص الشرعية بألفاظها العامة دون أن يدققوا النظر في معانيها الخاصة فهم يضربون نصوص الشريعة بعضها في بعض، بيقولك هذا الحديث غير صحيح ولو رواه البخاري ومسلم، نحن نعرف بعض إخواننا كانت عندهم هذه الجرأة أنه هذا الحديث ما هو صحيح ولو رواه البخاري ومسلم، الشاهد: يجب دائمًا وأبدًا إذا جاءنا حديث صحيح أن نتريث ونتثبت، هذا حديث صحيح؟ إي نعم حديث صحيح على الرأس والعين.
[ ٥ / ٦٤٧ ]
كيف التوفيق بين الحديث والآية؟ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء:٧).
قد لا توفقون لأهل الذكر، إما لأنكم حرمتم منهم، أو أنتم حرمتم أنفسكم منهم، ممكن هذا وممكن هذا حتى ما نظلم الناس، حينئذ نقف نؤمن أن هذه الآية وهذا الحديث صحيح، التوفيق بينهما الله أعلم به، لكن نحن ما نتسرع فنضرب الحديث بالآية أو العكس لا سمح الله نضرب الآية بالحديث، ليس هذا هو سبيل المؤمنين، ورب العالمين يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥).
عندكم الآن مثال واقع في كتاب هذا المسمى بمحمد الغزَّالي أو الغزَالي ما ندري، محمد الغَّزالي القديم فهو بالتشديد، أما الغزالي الحديث فما أدري إن كان بالتشديد أو بالتخفيف.
المهم هو في كتابه الآن يضرب حديثًا في البخاري ومسلم بعديد من الروايات يضربها لضيق عطنه وسوء تفكيره، فيأتي مثلًا إلى حديث: «جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أجب ربك، فلطمه لطمة ففقأ عينه» (١) يبني هنا
علالي وقصورًا.
مداخلة: في أي كتاب؟
الشيخ: كتابه الأخير هذا تبع السنة. أيش؟
مداخلة: «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث».
_________________
(١) مسلم (رقم٦٢٩٨).
[ ٥ / ٦٤٨ ]
الشيخ: أي نعم. يقول لك معقول؟ ملك الموت يأتي إلى موسى كليم الله ويقول له: أجب ربك، يخاف من الموت وبيروح يضرب ملك الموت ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى ربه قال: «يا رب، أرسلتني إلى رجل لا يحب الموت، قال: اذهب إليه، ارجع إليه وقل له: ليضع كفه على جلد ثور»، «فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة تحت كفه سنة» رجع ملك الموت وقال له هذه الرسالة التي أمره الله ﷿ بها، قال له موسى: «وماذا بعد ذلك؟ قال: الموت. قال: فالآن إذًا. قال ﵇: فقبض روحه، ولو كنت هناك لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر».
بيقول لك بقى هذا الغزالي في العصر الحاضر أن هذا الحديث باطل ولو يا أخي رواه البخاري ومسلم، هذه الكلمة لا يقولها عالم، لأن القضية لو قالها الألباني وابن باز مثلًا أمر سهل، لكن هذا رواه البخاري ومسلم وأجمعت عليه الأمة، أجمعت عليه الأمة، ما هو أنه هذا اليوم صحح، هذا مصحح من مئات السنين وتلقته الأمة بالقبول، فلما يضرب هذا الحديث في صدره يقول: ولو رواه البخاري ومسلم هذا لا يعني أنه لا يعتد بعلم البخاري ومسلم وبدقتهما وقوة المناهج التي أقاموا عليها صحاحهما لا، هو لا يعتد بإجماع الأمة، بينما تجد هذا الرجل يقيم النكير على بعض أو أفراد من أهل السنة لأنهم يخالفون الفقهاء المعروفين اليوم، أو على قول بعضهم أو بالأحسن أكثرهم؛ لأنهم يتبعون السنة، يقول: هؤلاء ما يعرفون من الفقه شيء، يخالفون جمهور العلماء ثم يخالفون العلماء كلهم ركوبًا لرأسه فقط وجهله فيقول هذا الحديث لا يمكن أن يكون صحيحًا، ياواش ياواش.
"الهدى والنور" (٢٣٤/ ٣٨: ٥٨: ٠٠) و(٢٣٥/ ٣٨: ٠٠: ٠٠)
[ ٥ / ٦٤٩ ]
[٦٨٢] باب معنى قوله - ﵌ -:
«مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن»
[قال رسول - ﵌ -]:
«مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن».
[قال الإمام]:
(فائدة): ذكر الضياء عن ابن حبان أنه قال: " يشبه أن يكون معنى الخبر: من لقي الله مدمن خمر مستحلا لشربه لقيه كعابد وثن، لاستوائهما في حالة الكفر".
"الصحيحة" (٢/ ٢٨٧، ٢٨٩).
[٦٨٣] باب هل الاستعانة بالمشركين ردة؟
السؤال: يا شيخ، فيما يخص قضية الاستعانة بالمشركين وموالاة المشركين، هل هذه تعد ردة أم لا؟
الشيخ: الجواب: في ظني أن السائل يعتقد معي أن الكفر ينقسم إلى قسمين باعتبارٍ ما، كفر اعتقادي وكفر عملي، كفر اعتقادي وكفر عملي، أليس كذلك، أنت معنا في هذا التقسيم أم ما عندك فكرة واضحة حوله؟
السائل: ما عندي فكرة في هذا.
الشيخ: حسن جدًا، ومن تمام الفكرة أن أي عمل يقترن به نية، فإذا أردنا أن نقول جوابًا عن سؤالك: موالاة الكفار هل هو كفر ردة؟ يجب أن نطبق التعريف السابق: الكفر كفران، كفر قلبي وكفر عملي، فسؤالك إما أن يتعلق بما يتعلق في القلب سلبًا أو إيجابًا، فيعطى له الحكم، أي: إذا كان الموالي للكفار
[ ٥ / ٦٥٠ ]
يفعل ذلك معتقدًا جواز ذلك، ومعلوم أن هذا لا يجوز شرعًا باتفاق العلماء فهذا هو الردة بتمامها، وإذا كان إنما يفعل ما يفعل من الموالاة كما يفعل العصاة كلهم من استحلالهم عمليًا لما حرم الله ومع ذلك ما يخرجهم العلماء من دائرة الإسلام إلا إذا ظهر من أحدهم أنه لا يستحل ما يفعله من المحرمات عمليًا فقط، بل وقلبيًا أيضًا، فحينئذٍ نقول: هذا قد ارتد عن دينه، لعلي أجبتك عن سؤالك.
السائل: تعريف هذا يا شيخ، كيف نعرفه بحكم أنا لا نعلم الغيب، نحكم بالظاهر، كيف نعرفه يا شيخ؟
الشيخ: بنفس الطريق الذي ستعرف كيف نحكم على هذا الذي يأكل الربا، هل عمله كفر ردة أو كفرة عمل؟ كيف تعرف؟
السائل: يعني: إقامة الحجة والبينة، أو يا شيخ ألاترى أن هؤلاء بحكم أنهم يعيشون مثلًا في بلد مسلمين وأقصد هؤلاء الذين تحالفوا بعضهم بعض ألا تقصد أنهم يعيشون بين أيدي علماء، وبين بلدة مسلمة، كيف تقام عليهم الحجة
وهم يعني ..
الشيخ: هذه مشكلة، يعني: إذا كان بعض الأفراد يعيشون في مجتمع فيه علماء هل معنى ذلك أن هذا المجتمع لا يعصي الله؟
السائل: يعصي الله، لكن هنا تختلف هذه ليست معصية.
الشيخ: ما كان بحثنا تختلف أو لا تختلف، نحن يجب أن نمشي إلى توضيح الأمور ليس بالطريق القفز، لأن هذا لا يفيد، لأن الذي يقفز بسرعة يهوي بسرعة، هل هناك في ذاك المجتمع الذي ابتلي مع الأسف بموالاة الكفار قبل هذا الابتلاء كان هناك من يتعامل بالربا؟ كان هناك بنوك تتعامل بالربا؟
[ ٥ / ٦٥١ ]
السائل: نعم.
الشيخ: طيب، هل كان الفرق بين هؤلاء الذين يأكلون الربا ويطعمون الربا في تلك البلاد فرق بينهم وبين هذه البلاد الأخرى من حيث الحكم الشرعي، لماذا؟ ماذا تلاحظ حينما هنا تقول لا فرق، وهناك تقول: يوجد فرق، انظر الآن كيف الإنسان العجل يقع فيما لا يحبه، ما الفرق بين هذا وهذا، ما رأيك فهمت سؤالي؟
مداخلة: أنا فاهم سؤالك يا شيخ.
الشيخ: ما جوابك، مد لصاحبك بمددك الآن.
مداخلة: نفس الاستعانة نفس أكل الربا، نفسها.
الشيخ: نفس الشيء.
مداخلة: نفس المعصية واحدة.
الشيخ: لا، ليس هذا السؤال، السؤال أنه هل هناك فرق في هذه المعصية بين بلد يعيش أهله بين علماء وبلد آخر قل فيه العلماء كما يريد أن يقول أخونا الجزائري، هل هناك فرق؟
مداخلة: لا ما فيه.
الشيخ: هو ما ظهر له بعد، لماذا لم يظهر لك.
مداخلة: نرجو من فضيلتكم تفسير هذا الفرق لكي يتبين لنا الحق.
الشيخ: معليش، لكن أنا لا أعترف فيما تقول، ليس هناك فرق بارك الله فيك، الفرق يتصور بالنسبة لشخص يعلم أن هذا حرام، وشخص لا يعلم أنه حرام، هذا فرق معترف فيه، يعني: مثلًا هذا أخونا الذي أنعم الله عليه بالإسلام إبراهيم هذا،
[ ٥ / ٦٥٢ ]
باعتبار أنه حديث عهد بالإسلام وكان لما كان في ضلاله القديم يشرب الخمر، وربما ما أقول عنه بالذات ربما غيره ومش بعيد أسلم ولا يزال يشرب الخمر، ممكن هذا أم لا؟
مداخلة: ممكن.
الشيخ: ويشرب الخمر وهو لا يدري أنه محرم، ممكن أم لا؟
مداخلة: ممكن.
الشيخ: لكن في بلاد الإسلام ليس ممكنًا، هذا الفرق موجود، أما أنا أقول الآن: الربا حرام سواء كان ربًا سعوديًا أو كان أردنيا ًأو سوريًا أو جزائريًا، فيه فرق؟ هل هناك فرق؟
مداخلة: لا ما فيه فرق.
الشيخ: لا فرق، هل كل هؤلاء في كل هذه البلاد سواء من حيث القول فيهم أنهم كفار، مرتدون كلهم عن الإسلام لأنهم يستحلون ما حرم الله أو كلهم هم مسلمون، وإن كانوا يستحلون ما حرم الله أم قد يكون بعضهم كفارًا مرتدين عن الدين وبعضهم لا يزالون مسلمين؟ ماذا ترى في هذا التقسيم العادل؟
أراك ضعت عني.
مداخلة: يا شيخ، أنا أقصد في كلامي هل هؤلاء الحكام آل سعود أو الكويتيين أو المصريين أو أي حكام سواء الجزائريين فنحن يا شيخ هل نحن نعلم أن هؤلاء ظاهرهم يوالون أعداء الله ولا يتبرؤون منهم، فهل هذه أريد جواب دقيق جدًا، فهل هذه ردة أم لا؟
[ ٥ / ٦٥٣ ]
الشيخ: ما جوابك بالنسبة للذين يأكلون الربا وهم يعلمون تحريمه؟ ما جوابك المطمئن أنت له؟
مداخلة: نعم يا شيخ ممكن يقدر يأكل الربا وهو ليس معتقد
الشيخ: أحسنت، لا، يظهر أن هذا المعروف يصبح في كثير من الأحيان مجهولًا، والآن هذا هو الواقع، احفظ هذه الكلمة: ما قولك في الذين يأكلون الربا هل هم كفار؟
مداخلة: لا، إذا كانوا مستحلين لهذا كفار خارجين عن الملة، وإن لم يكونوا مستحلين [فلا].
الشيخ: وإذا قلت هذا الكلام في أولئك الحكام الذين يوالون أعداء الله تكون مخطئًا؟
مداخلة: لا أكون مخطئًا.
الشيخ: فهو هذا، إذًا التقينا، ليست المولاة في حد ذاتها كفرًا، كفر ردة، ولكنه معصية كبيرة، فمن استحلها بقلبه كالذي استحل الربا بقلبه، كلاهما ارتد عن الإسلام، ومن لم يستحل بقلبه هذه المعصية أو تلك فلا يزال في دائرة الإسلام، وأذكرك بما فعل حاطب بن أبي بلتعة تذكر حديثه، هل كفر؟
مداخلة: لا ما كفر.
اشليخ: لماذا، مع أنه والى المشركين، وفي قضية خطيرة جدًا؟
مداخلة: أخبر عن أمور المسلمين.
الشيخ: وأمور المسلمين وعليهم سيد المرسلين.
[ ٥ / ٦٥٤ ]
مداخلة: ولكن أليست هذه الحالة خاصة.
الشيخ: لا تقل: «ولكن» يا أخي، «لكن» استدراك، أنت تستدرك على ماذا، ما في شيء يُستدرك عليه، أنا الآن أسألك: أليس هذا قد والى المشركين؟ إذًا: ما كفر، أليس كذلك.
مداخلة: نعم.
الشيخ: إذًا: ليس كل موالاة كفرَ ردة، واضح إلى هنا، [الردة] هو الذي اقترن بالاستحلال القلبي، وآنفًا أنت قلت: نحن ليس لنا أن نشق عن قلوبهم، لنا الظاهر، أنا أسألك الآن: هذا الظاهر الذي أنت تركن إليه في مسألة الموالاة المحرمة إسلاميًا، ما هو؟
هو أنهم عصوا رب العالمين ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة:٥١) هذا هو الظاهر، لكن هذا الظاهر نحن اتفقنا أنه محرم، لكن ما هو الظاهر الذي دلك على أن هذا الاستحلال الظاهري هو استحلال باطني أيضًا، عندك دليل
على هذا؟
مداخلة: عندي ظاهرهم يا شيخ، أنا أظن أن الباطن قد يوافق الظاهر، نحن نتكلم مع الشيخ لكي نتعلم هذه فرصة لعلها لا تتح لنا مرة أخرى.
الشيخ: أنا أذكرك بأن «لا تكن من المقدقدين»، لأن هذه قد تقابل بقد مثلها، أليس كذلك أم ضعت عني أيضًا؟
مداخلة: لا لا، نعم نعم.
الشيخ: إذًا: ارفع كلمة قد، وأجب عن سؤالي، هؤلاء الذين والوا المشركين
[ ٥ / ٦٥٥ ]
ظاهرهم أنهم خالفوا نص القرآن الكريم، هذا ما فيه إشكال، لكن كيف توصلت أو تريد أن تتوصل إلى باطنهم لتقول: أن هؤلاء استحلوا موالاة الكفار بقلوبهم، هل لك سبيل إلى ذلك أن تكشف عما في قلوبهم؟ إذًا: تبقى عند الظاهر، ما هو الظاهر؟ أنهم خالفوا نص القرآن الكريم، وهذا ليس موضع خلاف.
"الهدى والنور" (٤٦٧/ ٥٩: ٥٣: ٠٠) و(٤٦٨/ ٤٣: ٠٠: ٠٠)
[٦٨٤] باب التألي على الله يحبط العمل كالكفر
[قال رسول - ﵌ -]:
«إن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك. أو كما قال».
[قال الإمام]:
فيه دليل صريح أن التألي على الله يحبط العمل أيضا كالكفر، وترك صلاة العصر، ونحوها.
"الصحيحة" (٤/ ٢٥٤، ٢٥٦).
[٦٨٥] باب هل سوء الخلق لا يُغفَر كالشرك؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«سوء الخلق ذنب لا يغفر، وسوء الظن خطيئة تفوح»
(باطل لا أصل له)
[قال الإمام]:
[ ٥ / ٦٥٦ ]
وقد أورده الغزالي (٣/ ٤٥) جازمًا بنسبته إليه - ﵌ - وإذا جاز أن يخفى عليه بطلانه من الناحية الحديثية فلست أدري كيف خفي عليه بطلانه من الناحية الفقهية؟! فإن الحديث معارض تمام المعارضة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾.
"الضعيفة" (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
[٦٨٦] باب معنى قوله - ﵌ - في الكاسيات العاريات:
«لا يدخلن الجنة » وهل هو على التأبيد؟
سؤال: حديث لا يدخلن الجنة
الشيخ: .. هذا له عدة تآويل، .. لا يدخلن الجنة إذا استحللن ذلك في قلوبهن، [أما إذا لم يستحللن ذلك] فيدخلن الجنة بعد َلأْيٍ ليس مع السابقين الأولين.
"الهدى والنور" (١٩/ ٢٩: ٢٦: ٠٠)
[٦٨٧] باب هل السجود لشخصٍ كفر؟
سؤال: جرى يا شيخ نقاش بين طرفين في مسألة يعني: أراد أحد الطرفين أن يقيم مشهد تمثيلي، وهذا المشهد يستلزم أن أحد الأفراد يسجد لشخص، رفض ذلك الذي طلب منه ذلك الدور بحجة أن هذا كفر، حتى لو لم يقصد به يعني السجود لغير الله حقيقة، فاحتج عليه الطرف الآخر بأن هذا لا يكون كفرًا إلا إذا صاحبه اعتقاد، فأي القولين صحيح، وما هو الصواب في المسألة؟
الشيخ: هو في الأصل في الإسلام لا يوجد تمثيليات.
مداخلة: نعم صحيح.
[ ٥ / ٦٥٧ ]
الشيخ: إذًا: ما في سجود فهو غير جائز.
مداخلة: لأنه تمثيل؛ لكن نفترض أن هذا حدث، ما .. ما.
الشيخ: أخذت الجواب: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (الإسراء:٢٣) فمن باب أولى لا تضربهما بكف التمثيل هذا أصله لا يجوز، فإذا كان فيه معصية من باب أولى.
مداخلة: أحسنت، بس قول هذا الرجل أن هذا السجود لا يكون كفرًا إلا إذا صاحبه اعتقاد؟
الشيخ: معروف، صب هذا القول على التمثيلية.
مداخلة: أيوه نعم.
الشيخ: أليس كذلك.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: طيب، السجود هو عمل، والعمل منه اللفظ، وقد يكون اللفظ أشد تعبيرًا عن الكفر من الفعل، فإذا قال الرجل المسلم: أنا أعبد اللات، دلالته كلفظ أشد من أن يسجد للات أو لغير اللات، فهل التلفظ هو أولًا خلينا نقول: التلفظ أليس عملًا؟ لا شك، طيب هل كل عمل كفر يدل على الكفر القلبي؟ الجواب أظن متفقون: لا، أليس كذلك أو عندك ريب؟ أو ما لك ماشي معي ..
مداخلة: [أرجو] إعادة النقطة الأخيرة؟
الشيخ: أقول: هل كل لفظ صريح في الكفر يدل على أنه نابع من قلبه فهو كافر؟ الجواب: لا؛ لأن هذا في صريح القرآن: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (الأنعام:١١٩)، والآية كما يذكر المفسرون وإن كان في السند شيء من
[ ٥ / ٦٥٨ ]
الضعف، وإلا في قصة عدي بن حاتم الطائي الذي .. هو عدي أو؟
مداخلة: عمار.
الشيخ: هاه؟
مداخلة: عمار.
الشيخ: عمار.
مداخلة: عمار بن ياسر.
الشيخ: عمار بن ياسر، عذبه المشركون كما تذكرون جيدًا كما عذبوا بلالًا وعرضوا عليه أن يكفر بمحمد ﵇ وأن يقول فيه: إنه ساحر شاعر كذاب حتى يطلقوا سبيله، فيظهر من شدة العذاب استروح إلى هذه الكلمة وأطلقوا سبيله، لكنه عاد إلى رشده، وقال: ماذا فعلت بنبيي، ذهب إلى الرسول ﵇ وقص عليه القصة، فقال له ﵇: «كيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئنًا بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد»، الشاهد من الآية وليس من الحديث؛ لأن الحديث كما قلنا فيه نظر من حيث ثبوته، لكن لأنه يلتقي مع الآية من حيث دلالاته أن كلمة الكفر إن قالها المسلم غير قاصد لها ومعذورًا لقولها ليس معصية فضلًا عن أن يكون كفرًا. واضح إلى هنا؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: طيب، الآن نقول .. نعود إلى جواب ذلك الذي نقلت عنه أنه لا يكون كفرًا، نحن الآن عندنا قاعدة شرعية، وهي التي يقولها علماء الأصول: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، فإذا رأينا رجلًا صدر منه كلمة الكفر ولم يكن هناك قرينة بالنسبة إلينا تدلنا على أنه معذور في هذا القول فنحن لا نكفره هذه أول
[ ٥ / ٦٥٩ ]
مرحلة، ثاني مرحلة: ننظر هل هو معذور بحيث أنه ليس مؤاخذًا بالكلية أو حسبه ألا يكون كافرًا؛ لأنه لم يقل ذلك معتقدًا وإنما قاله لغوًا؟ هنا لابد أيضًا من بحث، فسنقول: إن قال هذا اللفظ وهو مثلًا لا يدريه، ولا يعنيه فشأنه شأن ذلك الرجل الذي قال للرسول ﵇ حينما خطبهم: «ما شاء الله وشئت يا رسول الله، قال: أجعلتني لله ندًا؟ قل ما شاء الله وحده»، ما رتب على لفظه أو على لفظته بالكفر كما يقولون مثلًا تجديدًا للإيمان تجديدًا للعهد وما شابه ذلك، لماذا؟ لأنه قالها وما يدري معناها ومغزاها، أما إن قالها تحصيلًا للدنيا، يعني: في عندنا هنا معلومتان: إحداهما: من قالها اعتقدًا فلا نكفرهم، الأخرى: قالها كسبًا ماديًا فنضلله ولا نسمح له بمثل هذا الكلام، وليس له عذر في ذلك، هنا يأتي الجواب على ذاك السؤال، أظنه واضح إن شاء الله، يعني: أنا قلنا نحن التمثيليات هذه كلها جاءت لنا من الغرب، وكلها يشوبها إن لم يغلب عليها الكذب، وقد يداخلها كثير من المعاصي كاختلاط الرجال بالنساء وتشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال .. إلى آخره، فهي كفكرة هي غربية أجنبية، وتبني .. أن نتبناها نحن هو من باب: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، فهنا لا عذر لهذا الإنسان إطلاقًا إما ما قد يلزمه من فائدة قد تكون عاجلة وقد تكون آجلة في زعمه أن فيها تحريك النفوس على الخير وما شابه ذلك، لكن الرسول ﵇ كما قال في الحديث الصحيح: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئًا يباعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه».
"الهدى والنور" (٧١٩/ ٤٤: ١٧: ٠٠)
[ ٥ / ٦٦٠ ]
[٦٨٨] باب هل المشاركة في البرلمان كفر أكبر؟
والتفريق بين الكفر العملي والاعتقادي
سؤال: هل المشاركة في البرلمانات كفر أكبر يخرج كل من شارك في هذا البرلمان [من الملة]؟
الشيخ: لا المشاركة عمل، فإذا لم يقترن به ما يدل على أنه يستحل هذا العمل بقلبه فهو ذنب ومعصية، وقد يكون كبيرة وأقول وأعني ما أقول: قد يكون كبيرة؛ لأن بعض الذين يشاركون يضلون بسبب جهلهم بالإسلام، ولا يكونون يعني قاصدين معصية الله -﷿-، فعلى كل حال، المشاركة في البرلمانات نحن نعتقد أولًا أنه لا يجوز إسلاميًا؛ لأنه يعتبر من أوضح الموالاة للحكم بغير ما أنزل الله -﷿-، هذا عملي، هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة:٥١)، فهذا التولي هو
كفر عملي، فإذا ما اقترن به كفر قلبي فهو كفر، كفر ملة يخرج به عن الإسلام، فالمشاركة بالبرلمانات بلا شك أنه معصية كبيرة، لكن لا يجوز القول بأنه كفر ردة إلا حسب الأفراد، إذا بدر من أحدهم ما يدل على أنه يستحل الحكم بغير ما أنزل الله بقلبه فهو كافر كما كنا شرحنا ذلك في جلسة سابقة.
علي حسن: الله يبارك فيكم. شيخنا مسألة كنا سمعنا منكم دليلًا واضحًا عن التفريق أو على التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي وهو حديث: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك مثقال حبة من خرج من إيمان» (١).
_________________
(١) مسلم (رقم١٨٨).
[ ٥ / ٦٦١ ]
الشيخ: نعم.
علي حسن: فحبذا لو هكذا نبذه يسيرة في الموضوع حتى يكون تمامًا
لما قبله.
الشيخ: والله، أنت ما شاء الله، تذكر ما صار عندي نسيًا منسيًا.
علي حسن: جزاك الله خيرًا يا شيخ.
الشيخ: فلعلك تساعدنا في الموضوع، وتذكر ما كنا ذكرناه في بعض المناسبة. الآن لا يحضرني شيئًا أكثر مما يتضمنه هذه الحديث، وهذا الحديث يلتقي كثيرًا وكثيرًا جدًا مع أحاديث أخرى، من ذلك الحديث المعروف عند عامة طلاب العلم من مثل قوله -﵇-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، الحقيقة أن الإنكار القلبي لكل أنواع الشرك والضلال والذنوب والمعاصي هو مخرج إسلامي لكي لا يقع المسلم في الكفر المخرج عن الملة؛ لأنه جعل مساغًا وملجأً للمسلم أن ينكر المنكر، ومن ذلك بلا شك، بل هو من أوضح المنكرات: الحكم بغير ما أنزل الله، أنه ينجي منكره بقلبه من أن يكون داخلًا في قوله -﵎- على أحد وجهي المعنى الذي ذكرناه في الجلسة السابقة في قوله -﷿-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) أولئك هم الكافرون كفرًا يخرج به عن الملة إذا استحله بقلبه، وكفرًا عمليًا إذا استحله بعمله دون قلبه، كذلك هذا المسلم إذا رأى منكرًا ومن ذلك الحكم بغير ما أنزل الله كما قلنا، فلم ينكره بيده؛ لأنه لا يستطيع، الدرجة الثانية: لم ينكره بلسانه -أيضًا- لأنه لا يستطيع، أو يستطيع فلنقل وهذا أهم بلا شك، ولكنه لأمر ما وأسوأه أن يتبع
[ ٥ / ٦٦٢ ]
هواه لم ينكر -أيضًا- بيده، ولكنه أنكر ذلك بقلبه، فهذا الإنكار يرفع مسؤولية كونه أنه أقر هذا المنكر وبسبب هذا الإصرار كفر، لا، لا يكفر كفر ملة خروجًا عن الملة، ولكنه يدور عليه الحكم التفصيلي، إن كان يستطيع أن ينكر بيده فلم يفعل فهو عاصي، وإن كان يستطيع أن ينكر بيده بلسانه فهو عاصي، وإن أنكر بقلبه فهو مسلم عاصي، أما إذا وصل به الأمر إلى أن لا ينكر -أيضًا- بقلبه فهنا المشكلة الخطيرة جدًا؛ لأن الرسول - ﵌ - قال في هذا الحديث وفي ذاك الحديث أنه: «ليس وراء ذلك ذرة من إيمان»، وهنا لا بد لي من التذكير بأنه المسلم يجب أن يأخذ حذره من أن يعتاد بعض المعاصي فلا يجد إنكارًا في قلبه لها، فيخشى حينذاك أن يقع في الكفر الذي يخرج من الملة، وأنا أعتقد أن كثيرًا من المسلمين والمسلمات يقعون في هذه المشكلة الكبيرة جدًا، بحيث أن قلوبهم أصبحت غلفًا لا تنكر منكرًا حتى ولا بالقلب، فهذا المعاصي المنتشرة الآن، مثل التبرج، تبرج النساء وخلاعتهن، ومثل الربا وانتشار التعامل به، بحيث أن كثيرًا من الناس انمحى من ذهنهم أن يكون كل هذه الأنواع من المعاصي هي معاصي، ما بقوا يشعرون بذلك، وأنا أستحضر مثالًا يتعلق ببعض النسوة، تجد المرأة متبرجة تبرج الجاهلية قبل العصر العشرين، بمعنى تكون قد لبست لباسًا إلى نصف الساقين، ووضعت خمارًا ما يسمونه الإيشار وهي تكشف بهذا ناصية رأسها، ولا تشعر بأنه قد عصت ربها، فإذا مرت بجانبها امرأة أخرى زادت عليها في التبرج الحديث كأن يكون مثلًا ثوبها إلى ركبتيها، كأن تكون حاسرة الرأس، كأن تكون مخصرة الثياب ونحو ذلك، فما تكاد تمر بها إلا وتلتفت هكذا تستنكر عليها بقلبها، هذا معناه أنها لا تشعر بأنها هي واقعة في مثلها من حيث أنها خالفت شريعة ربها، لكن
لا شك أن تلك أنكر، وقعت فيما هو أشد إنكارًا من هذه التي هي أنكرت ذلك، هذا أيش
[ ٥ / ٦٦٣ ]
معناه، هذا يدلنا أنه هذا النوع من النساء لم يعدن يشعرن بالمعصية، فإذًا لم يبق في قلوبهن إنكار هذه المعصية، فلذلك: على المسلمين أن يحافظوا على أنفسهم بأن يكونوا دائمًا في صحبة من يذكرونهم دائمًا وأبدًا بأن يكونوا بعيدين عن استحلال ما حرم الله، على كل حال وضح فيما أظن الجواب عن السؤال السابق أنا لا نؤيد الدخول في البرلمان مهما كان الباعث على ذلك، لكن لا بد من التذكير والتنبيه دائمًا وأبدًا على أنه لا يجوز الغفلة أو التغافل عن هذه القاعدة الإسلامية الهامة، والهامة جدًا جدًا، ألا وهو التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؛ لأنه هذه حقيقة جاءت عليها نصوص شرعية كثيرة وكثيرة جدًا، تكلمنا عما يسر الله -﷿- من ذلك في الجلسة السابقة، فدخول البرلمان هو كفر عملي، فإذا اقترن به استحلال الحكم بغير ما أنزل الله بالقلب فهو الكفر الاعتقادي المخرج من الملة. غيره.
مداخلة: شيخنا بعض الدعوات الآن التي ترى دخول البرلمانات والوزارات يذبون عن الديموقراطية ويتبنونها، ونحن نعلم أن الديموقراطية هي حكم الطاغوت وهي كفر، ففي أي دائرة هؤلاء، بل سمعت أحدهم يقول لما رأى مقالة لشيخنا أبي مالك في المجلة الجديدة الأصالة، قال: هل تسمح لي أن أرد على هذا المقال الذي شيخنا يهاجم فيه الديموقراطية وينتقده، فهذا يعني هم يتبنونها ويدعون إليها، ماذا نقول في هؤلاء؟
الشيخ: يا أخي أنا ولا أظن غيري عنده جواب غير ما سبق، لا بد من التفريق بين الأمرين، هذا الذي أنت تشير إليه، كتب ردًا على مقالة الأستاذ أبي مالك، حينذاك سيتبين موقفه إن كان كافرًا مرتدًا عن دينه، أو يكون ضعيف الإيمان يريد أن ينافح وأن يداهن وما شابه ذلك، فما يكفي، أنت تعرف وهذا -أيضًا- يجرنا
[ ٥ / ٦٦٤ ]
إلى بحث قد يكون -أيضًا- مهمًا، في الجلسة السابقة ذكرنا الآية بأطرافها الثلاثة ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:٤٥) ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:٤٧)، وأشرنا إلى أنه كما ينقسم الكفر إلى هذين القسمين، كذلك الفسق، وكذلك الظلم، الآن أريد أن أذكر بتقسيم ثانٍ للفظ رابع، وأظن أن هذا التقسيم سيقضي -أيضًا- على مشكلة قد تكون قائمة في صدور بعض إخواننا من طلاب العلم، فحينما نقرأ قول الله -﵎- في المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار، ثم نقرأ قوله -﵊-: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (١) فهل يكون هذا المنافق في الدرك الأسفل من النار، الآية تقول في المنافقين أنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النساء:١٤٥)، والرسول يقول: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب»، فهذا الذي إذا حدَّث كذب هل يكون في الدرك الأسفل من النار، استحضروا التقسيم الثالث، هذا الـ عفوًا السابق، استحضروا معي التقسيم السابق، هذا الذي يستحل الكذب أو الخيانة أو ما شابه ذلك من المعاصي التي ذكرت في هذا الحديث أو في غيره، استحل ذلك بقلبه، فهو في جهنم ومع المنافقين، لا، استحله عمليًا؛ إذًا كيف الرسول -﵇- في هذا الحديث جعل آية المنافق ثلاثًا، هذا كمثل كثير من الآيات أنه عمل عمل المنافقين، هذا الذي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ذلك يستلزم أن يحرم ما حرم الله ورسوله، فإذا هو استحل ما حرم الله ورسوله، فيكون قد خالف فعله قلبه، قد خالف فعله اعتقاده، لكن هنا المخالفة من نوعية تختلف عن مخالفة ظاهر المنافق الكافر لباطنه، المنافق الذي هو في الدرك الأسفل من النار يضمر الكفر ويظهر الإسلام،
_________________
(١) البخاري (رقم٣٣) ومسلم (رقم٢٢٠).
[ ٥ / ٦٦٥ ]
يضمر الكفر ويضمر الإسلام.
نعم، يضمر الكفر ويظهر الإسلام، أما هذا الذي قال فيه الرسول -﵇-: «آية المنافق ثلاث»، هو يضمر الإيمان، ويظهر عملًا خلاف ما أمره الإسلام، فالتقى مع المنافق في هذه الصورة ليس في الحقيقة، الفرق كبير جدًا، المنافق الكافر هو كافر بقلبه مسلم في ظاهره، هذا المنافق الذي من علامته: إذا حدَّث كذب، هو مؤمن في قلبه لكنه يخالف في عمله حكم دينه الذي عمل به آمن به، لذلك قال -﵇-: «آية المنافق ثلاث» إلى آخره، إذًا النفاق -أيضًا- ينقسم إلى قسمين: نفاق يخلد صاحبه في النار، ونفاق لا يخلد صاحبه في النار، النفاق الذي يخلد صاحبه في النار هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، النفاق الذي لا يخلد هو الذي يبطل الإيمان ويظهر عملًا يخالف فيه الإسلام، لذلك قال -﵇-: «آية المنافق ثلاث» إلى آخره، فهذه الدقائق ينبغي أن نكون على معرفة بها حتى ما نقع في إفراط أو تفريط، حتى ما نكفر مسلمًا بذنب فنقع في مخالفة السلف الصالح جميعًا وأهل السنة، ولا نتساهل -أيضًا- نقول: معليش، فنقع في الإرجاء الذين كانوا يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الشرك حسنة، نحن نقول: لا ينفع مع الشرك حسنة، لكن نقول: يضر في الإيمان المعصية والإيمان كما تعلمون جميعًا يقبل الزيادة والنقص، وزيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية؛ إذًا النفاق كالكفر كالفسق كالظلم، لا يمكن أن يساق مساقًا واحدًا، وإنما حسب ما قام في الإنسان، فهذا المثال الذي ذكرته يا أبا أنس، هذا قد يرد على الأستاذ أبي مالك أو على غيره، لكن ينبغي أن ننظر إلى رده، هل هو رد يصرح بأنه ينكر شرع الله، فهو مرتد عن دينه.
"الهدى والنور" (٦٧٢/ ٥٨: ١١: ٠٠)
[ ٥ / ٦٦٦ ]
[٦٨٩] باب معنى قوله - ﵌ -: «من كفر مسلمًا فقد كفر»
سؤال: أخ يسأل عن قوله ﵊: «من كفر مسلمًا فقد كفر» يقول: ذكر الإمام النووي عدة أقوال في هذا الحديث، ثم ذكر أن من كفر مسلمًا لا يكفر وأن السبب في ذلك هو أن التكفير معصية وبالتالي فإن صاحب المعصية لا يكفر، فهل هذا التوجيه والتعليل قائم على حجة، وما هو رأيكم في هذا؟
الشيخ: هذا الكلام إن كان نقله عن الإمام النووي صحيحًا فليس على إطلاقه، لكن من الصحيح أنه ليس من كفر مسلمًا كفر كفر ردة، أي: خرج عن الملة، وإنما قد وقد، والتفصيل الذي لا بد منه: أن من كفر مسلمًا مجتهدًا مبتعدًا أولًا عن حظ النفس والانتصار لها، ثانيًا: عاملًا بالقواعد الشرعية الفقهية، أي: أن يكون عالمًا بطريق الفقه الصحيح من الكتاب والسنة فَكَفَّرَ مع ملاحظة هذين القيدين بعيدًا عن الهوى .. بعيدًا عن الجهل، أي: متمسكًا بالعلم الصحيح فكفر مسلمًا وتبين أن هذا المكفَّر ليس كما توهم المكفِّر، فالمكفَّر هنا لا يعود الكفر عليه إلا في الحالة الأخرى وهي: أن يكون أطلق الكفر عليه ليس مندفعًا بعيدًا عن الهوى .. بعيدًا عن الجهل بل هو غارق في الجهل والهوى، فهذا الذي يصدق عليه كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، فإن كان كذلك لحقه الكفر وإلا حار الكفر عليه، أي: رجع إليه فهذا التفصيل هو الذي ينبغي أن يراعى فيه بين الكفر الذي نقول دائمًا وأبدًا كفر اعتقادي وكفر عملي .. من أطلق الكفر على مسلم باجتهاد صائب فهو لا شيء عليه، بل هو مأجور، أما من أطلق الكفر باتباع الهوى وبالجهل فهنا إما أن يعني الخروج عن الملة فعلًا حينما نسب الكفر إلى المسلم المؤمن بالله ورسوله وهو يعلم أنه مؤمن حقًا فهو الذي يحار ويعود الكفر عليه
[ ٥ / ٦٦٧ ]
وإلا يكون قد تساهل في شيء من الشروط فيكون عاصيًا آثمًا كما قال الإمام النووي ﵀.
هذا ما يبدو لي جوابًا عن هذا السؤال.
"الهدى والنور" (٧٩٧/ ١٠: ٠٧: ٠٠)
[٦٩٠] باب هل يكفر من عطل الجهاد؟
والكلام على الفرق بين الكفر العملي والاعتقادي
[قال الإمام]:
[ثمة] بحث وموضوع طالما طرقناه في محاضراتنا وفي كثير من تسجيلاتنا، ألا وهو التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وهذا أمر ضروري جدًا، ومن لم يفرق بين كفر وكفر، يخشى عليه أن يقع في الكفر من حيث لا يدري أو من حيث يدري، من أجل ذلك صح عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه وهو ترجمان القرآن بحق أنه فسر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، قال: ليس كما يظنون إنما هو كفر دون كفر، فمن لم يحكم بما أنزل الله، هنا بيت القصيد من الجواب عن سؤالك عن الآية المذكورة، هل تنطبق على هؤلاء الذين عطلوا الجهاد، فجوابي قد تنطبق على بعضهم ولا تنطبق على بعضهم، كيف ذلك؟
بدليل أثر ابن عباس المذكور: كفر دون كفر. فمن أنكر شرعية الجهاد عقيدة فهذا هو كافر، وهذا هو الذي ينطبق عليه الآية وغيرها، أما من اعترف بفرضية الجهاد سواء كان حاكمًا أو محكومًا ولكنه لا يجاهد اتباعًا لهواه، اتباعًا لتكالبه
[ ٥ / ٦٦٨ ]
للدنيا ونحو ذلك، فهذا يكون كفره كفرًا عمليًا، وليس كفرًا اعتقاديًا، لا فرق بين الذي يترك الجهاد، وبين الذي يترك الكسب الحلال، وإنما يكسب الحرام بطريق الربا أو بيع الخمر أو ما شابه ذلك، فكل هذه معاصي بلا شك يصدق في متعاطيها ما يصدق على كل حاكم بغير ما أنزل الله، إما أن يكون استحل هذه الأمور قلبًا وقالبًا أو استحلها قالبًا لا قلبًا، أي: استحلها عمليًا وليس اعتقاديًا، فمن ارتكب محرمًا في الإسلام وهو يعتقد أنه محرم فهذا كفره دون كفر، ومن استحل محرمًا وهو يعتقد أنه لا شيء في هذا الاستحلال ككثير من الشباب اليوم مثلًا الذين ربوا تربية أوروبية خالصة، إذا قيل لهم لماذا لا تصلون؟ يقول لك: الصلاة والطهارة والغسل من الجنابة والوضوء إلى آخره، هذه كانت في زمن الجاهلية القذرين الوسخين، أما اليوم فليس هناك حاجة لمثل هذه الصلاة، هذا هو الكفر الاعتقادي، أما كما هو شأن كثير من الشباب المسلم مع الأسف يقال له: لماذا لا تصلي؟ يقول: الله يتوب علينا.
إذًا: هو معترف بالفرضية لكن غير قائم بما فرض الله، كذلك أي حاكم في الدنيا إذا قيل له: لماذا لا تجاهد في سبيل الله؟ إذا قال: الآن ليس هناك جهاد. الآن حرية فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، من هذه التأويلات التي ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا المنكر للجهاد كشرع هذا هو الكافر، أما الذي يعتقد أنه والله يجب أن نجاهد، لكن الله يعيننا، وليس عندنا استعداد كما ينبغي، وريثما نستعد وإلى آخره، وهو يستطيع أن يستعد، فيكون آثمًا، لكن إذا كان لا يستطيع ككثير ممن يتكلم الآن من أفراد المسلمين، لا يستطيعون أن يجاهدوا، في المثل العامي: عين لا تقاوم مخرز. وهذه حقيقة، ولذلك خلاصة الكلام أن الجهاد فرض عين،
[ ٥ / ٦٦٩ ]
وأشد ما يكون فرضية هو في هذا الزمان؛ لأن الأمم تداعت كما جاء في الحديث السابق تداعيًا لم ير مثله في التاريخ الإسلامي مطلقًا.
"الهدى والنور" (٧٢٠/ ٠٠:٣١:٤٠)
[٦٩١] باب هل كَفَرَ سلمان رشدي بكتابه
"الآيات الشيطانية" وهل يجب قتله؟
السؤال: ما قولكم في أمر سلمان رشدي كاتب كتاب "الآيات الشيطانية"؟
الشيخ: أستغرب من السؤال، أنا ما قرأت الكتاب، وعلى حسب ما نشروا عنه فهو ليس مسلمًا، هل يريد غير هكذا، أو السؤال يكون واضح.
السائل: هل في رأيكم مما علمتم أن الفتوى بقتل سلمان رشدي من الخميني فتوى صحيحة، والآن وقد أعلن عودته إلى الإسلام هل تنتهي مثل هذه الفتوى؟
الشيخ: أرجع أقول أنا ما قرأت كتابه، لكن المقاطع التي نشرت تكفي لإدانته، بناء على ذلك أقول ليس هو أول مرتد عن دينه يجب قتله، ولذلك أنا أقول لماذا التسائل عن هذا الإنسان، والذين كفروا لا يزالوا يكفرون في مصر وفي غيره، لا أحد يتسائل هل يجب قتلهم أم لا وهم مرتدين، لكن هذه أخذت هالة خاصة حول كفر هذا الإنسان من جهة، ودولة إسلامية منحرفة عن الإسلام الصحيح هي الشيعة استغلت وقالت أنه لا بد أن هذا يقتل، وكأنه لا يوجد في دنيا الإسلام في هذا الزمان من يجب قتله من المسلمين المرتدين إلا هذا الرجل مع أنه مع الأسف هؤلاء كثير لا يمكن إحصاءهم.
بعدين يا ترى! هل الشرع يفرق بين مسلم ارتد، وبين كافر أصيل في كفره نال
[ ٥ / ٦٧٠ ]
من الإسلام ونبي الإسلام، هل يفرق بين وجوب قتل هذا وذاك؟
مداخلة: هل هذا سؤال له أم سؤال تحديثي؟
الشيخ: لا .. هل فهمته ماذا قلت؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنا أتمم وأقول: هل الكافر الذي نال من الرسول ﵇، إما أن يكون ذميًا ومعاهدًا، هذا الكافر الذي طعن في الرسول ﵇ أو في دين الإسلام أو في القرآن أو في أي شعيرة من شعائر الإسلام المعروفة، هذا الكافر إما أن يكون ذميًا، وإما أن يكون معاهدًا، وإما أن يكون حربيًا، فإذا كان ذميًا أو معاهدًا فمجرد طعنه في الإسلام في جانب من جوانبه فقد رفع الذمة من نفسه وأباح دمه؛ لأن دمه أحصن بخضوعه للذمة، فحينما أباها ولم يخضع لها استحق القتل، ولذلك وقع في الإسلام الأول حينما كانت العزة للمسلمين، أن كثيرًا من الذميين قتلوا حدًا إسلاميًا، وإن كان كافرًا فهو حلال الدم أصالة، فلماذا لا تثار هذه القضايا وما أكثرها، وإنما قضية مثل هذا الإنسان يألف كتاب تقوم الدنيا، استغلال سياسي غير شريف.
مداخلة: هل معنى هذا أنه لا يقتل.
الشيخ: هو المعنى يُقتَل ولا يُقتَل؛ لأنه ليس هناك من يَقْتُل.
مداخلة: لماذا لا يوجد من يَقْتُل؟
الشيخ: لأنه سيقتل مقابله أكثر من المسلمين، وأنا أضرب له مثلًا وهو عندي أخطر من هذا الكتاب .. يجب قتل العشرات إن لم نقل المئات من البريطانيين غير
[ ٥ / ٦٧١ ]
هذا صاحب الكتاب، منهم صاحب لا أدري ماذا أقول لأن عهدي بعيد، أقول مقهى .. حانة .. مرقص .. ونحن نمر في بعض طرق لندن مكتوب: مكة. هل هو رأى هذا الشيء أو غير وبدل؛ لأنه قامت احتجاجات من بعض الدول العربية؟
مداخلة: موجود.
الشيخ: قل له، لو كنت أرى القتل وكان هو معي فيما أرى، لقلت له في ليلة لا قمر فيها، يجب أن ينسف هذا المقهى أو الحانة بمن فيها؛ لأن هؤلاء شر، لأن هذا عنوان مستديم، مستمر، ولا أحد يغير.
انتبه يا أبو محمد أن يفهم أني آمره يفعل
مداخلة: ..
الشيخ: وأنا سمعت، يمكن أنتم رأيتم أم لا، بعض الألبسة الداخلية يكتبوا اسم الشهادة أو النعل يكتبوا تحت منه لا إله إلا الله، في هيك شيء؟ أنا قرأت هذا الشيء ولكن ما رأيته، فهذا شيء منه كثير، شو بده الإنسان ليقتل.
"الهدى والنور" (٤٣٦/ ٠٠:٣٧:٤٨)
[٦٩٢] باب معنى قوله - ﵌ -:
«من قال أنا يهودي أو نصراني فهو كما قال»
سؤال: في الـ يعني قول: أنا يهودي، «من قال أنا يهودي أو نصراني فهو كما قال». هنا كيف نفسر الحديث أو كيف.
الشيخ: إذا قاله قاصدًا.
الملقي: أي نعم.
[ ٥ / ٦٧٢ ]
الشيخ: أما إذا قال غاضبًا أو
مداخلة: نفس المنهج.
الشيخ: أخي كل هذه نفس القاعدة تدخل يعني.
مداخلة: الحقيقة شيخنا إذا هذه، كل هذه النصوص لم تضبط بالقاعدة
الشيخ: أبدًا.
مداخلة: يصبح خلط عظيم جدًا.
الشيخ: الله أكبر. الله أكبر.
مداخلة: في شيخنا من باب التذكير للإخوان والوصية، أنا أقول بأنا كنا نسمع في السابق من كثير من الجماعات الإسلامية التي كانت ترى بأن الديمقراطية كفر، وبأن الذي يتولى الديمقراطية ولا ندري كيف يتولاها هو من أهل الكفر.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: عياذًا بالله تعالى. ثم تغير الحال وتبدل، فأصبحوا يقولون غير ما كانوا يقولون.
الشيخ: الله أكبر.
شقرة: لذلك أنا أريد، الوصية التي أوصي بها نفسي وإخواني أنه لا ينبغي لنا إلا أن نكون على الخط السوي، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام:١٥٣)، لا ينبغي أن نغير أو نبدل مهما كانت الظروف؛ لماذا؟ لأمرين اثنين: أما الأمر الأول: فمنهجنا واضح لا يقوم على الدليل من الكتاب والسنة، وعلى الفهم الصحيح الدقيق الذي عرفناه من سلفنا الصالح. وأما الأمر الثاني: فإني الذي أخشاه -لا سمح الله- إن تغير الحال وتبدل إلى مآل -لا سمح الله- غير ما نرجو، فإن الأمر يكون، كما كان من غيرنا يكون منا -لا قدر الله، ولا سمح الله-.
[ ٥ / ٦٧٣ ]
الشيخ: -لا سمح الله- هناك أثر عن حذيفة بن اليمان، شيء عجيب جدًا، كنت ذكرت في بعض الأشرطة حينما تكلمنا عن حرب الخليج فرأينا أناسًا كانوا في الأمس القريب يقولون قولًا، فعادوا يقولون قولًا مناقضًا، كانوا ينصرون شخصًا وإذا بهم خذلوه، وكانوا يخذلون شخصًا وإذا بهم نصروه، فعجبت من حذيفة بن اليمان ولا عجب فإنه صاحب سر رسول الله - ﵌ -، كان يقول والعهد بهذا النص بعيد مني، لكن على الأقل سأحاول استحضار المعنى، ولعل الأخ علي أو غيره من إخواننا يستحضر لفظه، يقول: إذا أراد أحدكم أن يعرف هل أصابته الفتنة فتنة هل أصابته أم لا فلينظر إذا كان يقول شيئًا خلاف ما كان يقوله سابقًا فقد أصابته الفتنة. تذكر اللفظ؟
علي حسن: شيخنا، هو الأمر كما قلتَ، يعني الصدر الأول، لكن هو: فلينظر حلالًا كان يحرمه بالأمس وحرامًا أصبح يحلله اليوم.
الشيخ: هذا هو صدق على كثير من الناس اليوم.
علي حسن: شيخنا، في رواية أعم شوي عن حذيفة -﵁-.
الشيخ: أيوه.
مداخلة: إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف.
الشيخ: الله أكبر، الله أكبر. نعم.
"الهدى والنور" (٦٧٣/ ٠٩: ٤٧: ٠٠) و(٦٧٣/ ٥٧: ٤٨: ٠٠)
[ ٥ / ٦٧٤ ]
[٦٩٣] باب هل المنتحر كافر؟
السؤال: قوله ﵊ كما في صحيح مسلم (١): «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ -أي: يطعن- يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا » الحديث، فما نوع هذا التأبيد، وهل يقتضي الكفر؟
الشيخ: نعم، ظاهر الحديث أن هذا فيمن يستحل الانتحار، فهو كما جاء في الحديث خالدًا مخلدًا فيها.
والكفر عندنا قسمان كما يقول أهل العلم والتحقيق: كفر اعتقادي وكفر عملي، فمن فعل فعل الكفار واعترف بخطأ هذا الفعل آمن بأنه خطأ اتباعًا للشرع، ولكنه غلبه الهوى وغلبته النفس الأمارة بالسوء فكفره كفر عملي، أما إذا اقترن به الاستحلال القلبي فهو الكفر الاعتقادي، وبه يخرج المسلم عن الملة، فمثل هذا يحمل على من كان كفره كفرًا اعتقاديًا، لأنه لا يخلد في النار إلا من كان كافرًا مشركًا بالله ﵎.
السائل: طيب يا شيخ من أين نأخذ الاستحلال إذا استحل ذلك من ظاهر الحديث؟
الشيخ: من الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) ومن وصف هذه العقوبة، لأنه لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
" الهدى والنور" (٣٠٠/ ٤٩: ٤٣: ٠٠) و(٣٠٠/ ٢٣: ٤٥: ٠٠)
_________________
(١) (رقم٣١٣).
[ ٥ / ٦٧٥ ]
[٦٩٤] باب هل الكذب المتعمد على النبي - ﵌ - كفر؟
سؤال: بمناسبة ذكر نوح بن أبي مريم، هل الكذب عمدًا على النبي - ﵌ - يستوجب الخلود في النار؟ المسألة أن هذا كذب متعمدًا كعبد الكريم بن أبي العوجاء، لأجل أن يحرم الحلال، ويحلل الحرام، كما صرح هو بنفسه. هذا يعتبر خرج من الملة لو قصد هذا؟
الشيخ: إذا قصد ماذا؟
مداخلة: إذا قصد أن يدخل في الشريعة عمدًا لأجل تزييفها ونحوها، هذا كافر؟
الشيخ: كافر.
مداخلة: وعامة الوضاعين الذين كانوا يضعون الحديث؟
الشيخ: ليسوا سواء، هناك يعني من يضع مثلًا حديث: «شكوت إلى جبريل ضعفي من الإلقاء، فأمرني بأكل الهريسة» (١). هذا لا يقصد الدس في الشريعة أو تغييرها، هذا من أجل ترويج البضاعة، كالذي روى أيضًا حديث: «من أكل اليخنة دخل الجنة» ..
هذا يروونه بعضهم عن إمام قرية جاءه أحد فلاحي القرية، فوجد اليخنة عنده متكدسة عنده ويخشى أن تفسد، قال له: ما عليك، أنت أحضرها غدًا أو اليوم إذا كان يوم جمعة، وضعها أمام المسجد والباقي علي، ففعل الرجل، صعد المنبر: يا عباد الله! اتقوا الله .. إلى آخره، تسلسل، قال رسول الله - ﵌ -: «من أكل اليخنة دخل
_________________
(١) الضعيفة (٤/ ١٨١).
[ ٥ / ٦٧٦ ]
الجنة»، الناس ما يكادون يصدقون، يخرجون من مسجد اليخنة مكومة أمام باب المسجد، يشترون اليخنة من شان يدخلون الجنة، وفي لحظات انصرفوا من المسجد، نظف المكان من اليخنة، لأن الشيخ قال على المنبر: «من أكل اليخنة دخل الجنة».
فهذا بلا شك ريب وافتراء، ويستحق النار، فليتبوأ مقعده من النار، لكن هذا يختلف عن ذلك الذي قصد إفساد الدين والشريعة، هذا متبع هواه.
سؤال: أذكر أن الجويني ذكره العلماء فيمن تفرد بأنه حكم على الكاذب على رسول الله بالكفر؟
مداخلة: أبو محمد.
مداخلة: أبو محمد الجويني، يذكرون أنه قال عنه أنه كافر.
الشيخ: نعم، هذا المنصوص عليه في المصطلح، لكن أنا في اعتقادي لا بد من التفصيل، لا بد من دراسة الدافع له على الكذب.
"الهدى والنور" (٣١/ ٤٥: ٣٤: ٠٠)
[٦٩٥] باب ما حد الإعراض عن دين الله الذي يكفر صاحبه؟
السائل: هناك قول للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في "نواقض الإسلام" يقول: الإعراض عن دين الله: لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (السجدة:٢٢) فنرجو شرح هذا الكلام، يعني: كيف يكفر من يأتي بهذا العمل، الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا
يعمل به؟
[ ٥ / ٦٧٧ ]
الشيخ: أنا أفهم الإعراض هنا كما أفهم لفظة الكفر في مواطنه التي ذكر فيها الكفر من الكتاب والسنة، أفهم أن الكفر نوعان: كفر اعتقادي، وكفر عملي، كذلك أقول ولا حاجة للتفصيل؛ لأني أعتقد أنك فيما أظن والله أعلم تعلم الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؟ أليس كذلك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم، ولذلك فلا داعي للتفصيل، لكني أقول: إن الإعراض يكون كالكفر إما أن يكون عملًا وإما أن يكون عملًا واعتقادًا، فإذا كان الإعراض فيه الاعتقاد فهو الكفر الاعتقادي، وإذا لم يكن فيه الاعتقاد فهو كالكفر العملي ولا إشكال في ذلك وبمعنى آخر: نستطيع أن نقول: إن الآية تعني بصراحتها حيث قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ (السجدة:٢٢) أي: لا أظلم فهي تعني الإعراض القلبي وليس فقط الإعراض العملي فهي تعني الكفر الاعتقادي.
"الهدى والنور" (٢٣٢/ ١٤: ٤٢: ٠٠)
[٦٩٦] باب هل صدام كافر؟
سؤال: نريد أن نسأل هل صدام كافر؟
الشيخ: صدام اضطربت فيه الأقوال، وأنا أقول دائمًا وأبدًا: لا يهم المسلم، بل المسلمين جميعًا أن يعرفوا أن الفلان الحاكم هو كافر أو فاسق؛ لأن كلًاّ من الأمرين حسابهما واحد بالنسبة للمسلمين؛ لأننا إذا قلنا بأنه كافر، أو قلنا بأنه فاسق مسلم فاسق ليس بكافر ما هو الحصيلة؟
مداخلة: الخروج عليه والمواجهة
[ ٥ / ٦٧٨ ]
الشيخ: نعم. ومن الذي سيخرج الذين عجزوا أن يخرجوا على اليهود، مَنْ الذين سيخرجون؟! ولذلك فأنا أقول: إن الشباب المسلم اليوم ضائع حينما يسأل مثل هذا السؤال، ويظن ويتوهم أو يتحقق مش مهم أنه فلان الحاكم كافر مرتد عن الدين طيب. ماذا يفعل الشاب؟ يخرج عليه هو مش قادر أنه يخلص حاله من ظلم هذا الحاكم المستبد فضلًا من أن يتمكن من الخروج عليه والقضاء عليه.
ثم التاريخ المعاصر اليوم أكبر دليل على أن المسلمين أو الشباب المسلم بالأحرى لا يستطيع لا يعرف كيف يعمل لدينه ولإسلامه، فكلنا يعلم أنه قامت هناك ثورات عديدة في بعض البلاد الإسلامية، وكانت الحماسة الدينية فيها هو الدافع الأول، لكن ماذا كانت الثمرة؟ كانت مرة جدًا كانت العاقبة سيئة من حيث أرادوا الإصلاح فوقعوا في الإفساد، والسبب هو ما ذكرته آنفًا بالنسبة للانتفاضة عدم الأخذ بالوسائل الشرعية والمادية، واضح؟
فإذًا: نعود إلى سؤالك، فإن كان صدام كافرًا مرتدًا عن دينه فواجبنا نحن بصفتنا مسلمين أن نعمل لإقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، ويومئذ ينسحب من الطريق زيد وبكر سواءً كان كافرًا أو كان فاسقًا، عرفت كيف؟ ولذلك فأنا لا أستحسن بأي وجه من الوجوه أن الشباب المسلم يشغل نفسه باستصدار أو استجلاب فتاوى بأنه فلان حاكم كافر، أو فلان الحاكم مسلم؛ لأنه ما هناك فائدة عملية من وراء هذه الفتاوى وهذه الإجابات أو الأسئلة فيما ذكرت لك آنفًا.
"الهدى والنور" (٣٤٤/ ٥٣: ١٢: ٠٠)
[ ٥ / ٦٧٩ ]
[٦٩٧] باب ذكر أذناب الخوارج
[عن جرير] ﵁، عن النبي - ﵌ - قال: «إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة»، وفي رواية: «فقد كفر حتى يرجع إليهم».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قلت: هذا اللفظ موقوف على مسلم لكن قال راويه منصور بن عبد الرحمن: «قد روي عن النبي - ﵌ -، ولكني أكره أن يروي عني ههنا بالبصرة»، يعني أنها كانت ممتلئة بأهل البدعة من الخوارج وغيرهم القائلين بتكفير أهل المعاصي وتخلديهم في النار كما في «شرح مسلم».
قلت: وقلدهم في العصر الحاضر جماعات عدة، وسرت فتنتهم في كثير من البلاد بسبب الجهل بعقيدة السلف، وفيهم مع الأسف من ينتمي إلى العمل بالحديث، وقد لقيت كثيرين منهم وناقشتهم مرات ومرات، فهدى الله منهم جماعات، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٧٥٧).
[٦٩٨] باب بدعة البراءة
[قال] أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الإيمان": حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: اجتمع الضحاك وميسرة وأبو البختري فأجمعوا على أن الشهادة بدعة، والإرجاء بدعة، والبراءة بدعة.
(إسناده إلى الجمع المذكور صحيح).
[ ٥ / ٦٨٠ ]
[قال الإمام]:
و(البراءة) هي من بدع الخوارج، الذين خرجوا على علي ﵁ وتبرؤوا منه، ثم صارت البراءة لهم مذهبًا عرفوا به، حتى كانوا يتبرؤون ممن كان منهم لمخالفته لهم، ولو في مسألة واحدة. انظر تفسير ذلك في "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري (١/ ١٥٦ - ١٩٦).
"تحقيق الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام" (ص ٦٤)
[٦٩٩] باب رَدُّ شبهةٍ لمكفري أصحاب الكبائر
سؤال: قد ذكرنا لأفراد من جماعة التكفير أن أصحاب الكبائر قد يغفر لهم أو يدخلون النار لمدة معينة ثم يخرجون ولا يخلدون، فقالوا: إن هؤلاء قد تابوا في الدنيا، ولكن توبتهم لم تطهرهم كليًا من الذنوب، كأن لا تقام عليهم الحدود مثلا واستدلوا بحديث بمعناه، هو: أن من الناس من يعني يذكِّره الله ﷿ بذنوبه يوم القيامة، ثم يقول: رب قد تبت، قد تبت، فما مدى صحة هذا القول والحديث؟
الشيخ: أما الحديث بهذا اللفظ ما أعرفه، وأنت باعتبارك طالب علم يجب أن تعرف كيف تُؤكل الكتف، فعندما يقول لك واحد من هؤلاء الذين يسمون بجماعة الهجرة والتكفير: الحديث الفلاني، فبدل ما تنتظر تُحَصِّل الفرصة تجتمع مع الشيخ الذي ابتليت به وهو الألباني وتسأله هذا الحديث شو، له رأسًا وجه له السؤال قل له هذا الحديث من أين جئت به هل هو حديث صحيح ومن الذي رواه؟ بهذه الصورة نضع حدًّا لهؤلاء أن يحتجوا بكل ما يشتهون، بعدين بتخففوا عنا، أنا والله ما عرفت هذا الحديث ولا سمعته إلا هذه الساعة، فربما هو لأنه بيهمه هذا الحديث بيجوز يكون شايفه في كتاب بيقول لك هذا رواه البزار مثلا؛
[ ٥ / ٦٨١ ]
فأنا حينئذٍ رأسًا براجع البزار بينما هلاَّ إذا بدي أراجع شو بدي أراجع مئات الكتب وقد نحصله ولا ما نحصله.
أما التأويل الذي ذكرته آنفا فهذا دليل أنه الجماعة بيتطوروا، يعني: من أين جاء أنه تاب لكن توبته ما كانت نصوحًا، فالذي تاب ولم تكن توبته نصوحا أهو مذنب أم غير مذنب؟ هو مذنب، طيب، فهل هؤلاء يغفر لهم أم لا؟ ثم أنت خليك مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)؛ لأن هذه الآية في الواقع بالنسبة لهؤلاء الجهلة هي قاصمة الظهر لأن النص جامع مانع كما يقول العلماء "لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " يغفر ما دون ذلك؛ يعني: يغفر ما ليس بشرك، فالكبائر ومو كبائر هذه فلسفة دخيلة في الإسلام، وهؤلاء أذناب أولئك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين وصار مذهبًا لهم الخروج على كل الخلفاء الذين يأتون من بعده.
" الهدى والنور " (٥٢/ ١٠: ١٤: ٠٠)
[٧٠٠] باب في الرد على من يكفر بالذنوب
ومن يوجب تعذيب الفاسق
[قال رسول - ﵌ -]:
«تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه».
[ ٥ / ٦٨٢ ]
[قال الإمام]:
وفي الحديث رد كما قال العلماء على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأن النبي - ﵌ - أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لابد أن يعذبه.
قلت: ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨). فقد فرق تعالى بين الشرك وبين غيره من الذنوب، فأخبر أن الشرك لا يغفره، وأن غيره تحت مشيئته، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولابد من حمل الآية والحديث على من لم يتب، وإلا فالتائب من الشرك مغفور له، فغيره أولى، والآية قد فرقت بينهما.
وبهذا احتججت على نابتة نبتت في العصر الحاضر، يرون تكفير المسلمين بالكبائر تارة، وتارة يجزمون بأنها ليست تحت مشيئة الله تعالى وأنها لا تغفر إلا بالتوبة، فسووا بينها وبين الشرك فخالفوا الكتاب والسنة، ولما أقمت عليهم الحجة بذلك في ساعات، بل جلسات عديدة، رجع بعضهم إلى الصواب، وصاروا من خيار الشباب السلفيين، هدى الله الباقين.
"الصحيحة" (٦/ ٢/١٢٦٧ - ١٢٦٨).
[٧٠١] هل إخراج أهل الكبائر من النار خاص بأمة محمد - ﵌ -
قال صاحب الطحاوية: وأهل الكبائر [من أمة محمد - ﵌ -] في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون ..
[فعلق الإمام قائلًا]:
ما بين المعكوفتين لم ترد في المخطوطات الثلاث. ولا في مطبوعة (خ)
[ ٥ / ٦٨٣ ]
وحذفها أصح؛ لأن مفهوم هذه الزيادة أن أهل الكبائر من أمة غير أمة محمد - ﵌ - قبل نسخ تلك الشرائع به؛ حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد، وفي ذلك نظر فإن النبي - ﵌ - أخبر أنه: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقًا، فتأمله.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٢).
[٧٠٢] باب من عقائد الخوارج في العبادات
[قال الإمام]:
الخوارج لا يرون المسح على الخفين.
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٣٤٣).
[٧٠٣] باب هل للقاتل توبة؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يأتي المقتول متعلقًا رأسه بإحدى يديه متلببًا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دمًا، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني. فيقول الله للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار».
[قال الإمام]:
قلت: وقول ابن عباس: " وأنى له التوبة " مشهور عنه من طرق، والجمهور على خلافه، وقد صح عن ابن عباس ما يدل على تراجعه عنه إلى قول الجمهور.
"الصحيحة" (٦/ ١/٤٤٤ - ٤٤٥).
[ ٥ / ٦٨٤ ]
[٧٠٤] باب منه
لما نزلت هذه الآية التي في (الفرقان): ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ عجبنا للينها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في (النساء): ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ حتى فرغ ".
[قال الإمام]: في رواية البخاري المتقدمة عن ابن عباس أنه قال: لا توبة للقاتل عمدًا، وهذا مشهور عنه، له طرق كثيرة كما قال ابن كثير وابن حجر، والجمهور على خلافه، وهو الصواب الذي لا ريب فيه، وآية (الفرقان) صريحة في ذلك، ولا تخالفها آية (النساء) لأن هذه في عقوبة القاتل وليست في توبته، وهذا ظاهر جدا، وكأنه لذلك رجع إليه كما وقفت عليه في بعض الروايات عنه، رأيت أنه لابد من ذكرها لعزتها، وإغفال الحافظين لها: الأولى: ما رواه عطاء بن يسار عنه: أنه أتاه رجل، فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حية؟ قال: لا. قال: " تب إلى الله ﷿، وتقرب إليه ما استطعت ". فذهبت فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: " إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله ﷿ من بر الوالدة ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٤) بسند صحيح على شرط " الصحيحين ".
الثانية: ما رواه سعيد عن ابن عباس في قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله. أخرجه ابن جرير (٥/ ١٣٨) بسند جيد، ولعله يعني أنه لا يغفر له، على قوله الأول، ثم استدرك على نفسه فقال: " إلا أن يستغفر الله ". والله أعلم.
"الصحيحة" (٦/ ١/٧٠٨، ٧١١ - ٧١٢).
[ ٥ / ٦٨٥ ]
[٧٠٥] باب هل يقبل الله توبة القاتل؟
السائل: التقيت بأخ بلغ من العمر السن الكبير، ولا يصلي ، فأقول له: يا أخي بلغت من العمر، والله ﷾ منعم بصحة ومال وكل شيء، لماذا لا تصلي؟ قال: كيف أصلي وأنا قاتل، قتل أثناء وظيفته، وهذه عنده كعقدة دائمة كيف أصلي وأنا قاتل وأنا عارف حالي إلى الله، فأفدني بماذا أجيبه؟
الشيخ: سامحه الله، هذه مشكلة الجهل، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان:٦٣ - ٧٠).
فإذًا: هذا الإنسان عليه أن يتوب إلى الله ﷿، وكما قال ﵇ في الحديث الصحيح: (الندم توبة)، فإذا كان هذا كما تنقل عنه ندم على قتله بذاك الإنسان، فهذه توبة، فلماذا لا يصلي، أنا أخشى ما أخشاه أن يتخذ الذنب الذي وقع منه مرة في حياته تبريرًا لآثامه وذنوبه المتكررة وهي المثابرة على ترك الصلاة.
مداخلة: سألته كيف حدث القتل، قال: كنت في الجبهة في زيارة لبعض المواقع، كان فيه مركز رئيسي، وأحسست بإحساس الجندي أننا أصبحنا مستهدفين
[ ٥ / ٦٨٦ ]
لقذائف العدو، طلبت من آمر السرية الموجودين أن يأمر أعضاء السرية بالتفرق، فأبى، فما كانت هي إلا لحظات حتى سقط عليهم القذائف، وكان نتيجتها أن قتل من السرية ستة عشر واحد، قائد السرية ومعاونة كانوا سليمين، فيقول له: هذا جزاء مخالفتك للأوامر عشان الوضع الحرج الذين كانوا موجودين فيه قائد السرية، فلما شتمه كمل عليه وقال له نم مع الذين قتلوا، هذه القصة التي هو رواها.
الشيخ: معليش، بس هذه صورة ما تنجيه من إثم القتل وإن كان قتل من نوعية غير نوعية الاعتداء المباشر، لكن على كل حال أرجو أن تكون أنك فهمت الجواب، أنه لو واحد قتل إنسانًا ظلمًا وبغيًا وعدوانًا دون أي تأويل كهذا التأويل الذي تنقله عن صاحبك هذا، لو قتل هكذا عامدًا متعمدًا عن سابق عزم وتصميم فهذا إذا تاب إلى الله ﷿ قبل الله توبته، أنا أرجو أن تنقل ما سمعت، أنا أخشى ما أخشى أن يتخذ هذا القتل ولو بهذه الصورة وسيلة له أن لا يصلي، فيتخذ الذنب وسيلة لذنوب متراكمة عليه، أما أن تتوب إلى الله ﷿، والله ﷿ يقبل التوبة، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر:٥٣)، فهكذا تبلغه إن شاء الله.
"الهدى والنور" (٢٦١/ ٢٨: ٢٥: ٠٠)
[٧٠٦] باب كيف الجمع بين عدم قبول توبة القاتل
وبين ما هو معلوم من قبول توبة الكافر؟
سؤال: يقول السائل: قال رسول الله - ﵌ -: «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة» (١) ما هو تفسير الممكن لهذا الحديث بما لا يتعارض مع المعلوم من أن الله
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٢٣).
[ ٥ / ٦٨٧ ]
يتوب على الكافر إذا أسلم، فهل قتل المؤمن أشنع من الكفر؟
الشيخ: الجواب: نصف العلم لا أدري.
"فتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠:٠٣:٣٥)
[٧٠٧] باب حكم من يدوس المصحف
والكلام على الكفر العملي والاعتقادي
سؤال: والحديث الآخر: «بين الرجل وبين الكفر والشرك» نعم، فإن قيل بأنها من العمليات والعمل، وأن الكفر العملي مطلقًا لا يخرج من الملة حتى من وقع منه السخرية والاستهزاء بالدين، أو من ألقى المصحف في مزبلة مثلًا ..
الشيخ: من يقول هذا الكلام؟
مداخلة: لا، لا، أنا أُمَثِّل
الشيخ: كيف؟
مداخلة: أنا أمثل الآن ليس جواب عنها، نعم، فهل يقال: أن هذه بمجموعها داخلة تحت هذا الكفر العملي؟
الشيخ: أنت عرفت هذا الكفر العملي والكفر الاعتقادي؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: الذي يستهزئ إيش كفره.
مداخلة: هو قد يكون أنه مؤمن وأنه ..
الشيخ: لا تقدقد الله يرضى عليك! مادام تريد إزالة الإشكال كن صريحًا: ما
[ ٥ / ٦٨٨ ]
حكم من يستهزئ بكتاب الله أو يضع قدمه على كتاب الله، هذا كفر عملي عندك أو اعتقادي؟
مداخلة: يدل على أنه كافر كفرًا اعتقاديًا.
الشيخ: ما في حاجة إلى هذا الكلام، كفر عملي، أو اعتقادي؟ خير الكلام ما قل ودل، ما يمنعك أن تقول كفر اعتقادي؟ لماذا تبعدون النجعة تقول: يدل على كذا وكذا، السؤال واضح: هل هو كفر عملي فيما تفهم أنت أو كفر اعتقادي؟ الجواب: كفر عملي أو كفر اعتقادي، ما هو الجواب عندك؟
مداخلة: الذي أفهم أنه كفر عملي، ولكن طبعًا هذا خارج من الملة؛ لأنه هذا يدل على عقيدته، ليس مؤمن، ليس أنه مشرك
الشيخ: أنت إذًا أنت ما تعرف والله أعلم بجوابك هذا، وهو قولك: يبدو لي أنه كفر عملي!
مداخلة: لا.
الشيخ: الكفر العملي مثل النفاق العملي، والكفر الاعتقادي مثل الكفر الاعتقادي .. ما هو النفاق العملي؟
مداخلة: يعمل عمل المنافقين كالكذب.
الشيخ: طيب! فهل هذا يكفر؟
مداخلة: لا.
الشيخ: طيب، متى يكفر؟
مداخلة: إذا اعتقد حله مثلًا.
[ ٥ / ٦٨٩ ]
الشيخ: إذا إيش؟
مداخلة: كأن يعتقد حله
الشيخ: حسن، فكيف يدخل في عقلك أن إنسانًا مؤمنًا بأن هذا كتاب الله حق وصدق ويدوسه بقدمه؟! أنت نظرت فقط إلى عمله، فقلت: إنه كفر عملي، لكن لو نظرت إلى ما يدل هذا العمل على ما وقر في قلبه، فهل تجمع في ذهنك أن مؤمنًا بكتاب الله يضع قدمه على كلام الله؟
مداخلة: أبدًا.
الشيخ: إذًا: كيف قلت: يظهر لي أنه كفر عملي؟
مداخلة: نعم، أنا أريد أن أصل إلى هذا حتى أورد إشكالًا وهو ..
الشيخ: لكن لا يجوز أن تقول بارك الله فيك: الذي لي يظهر لي أنه كفر عملي؛ لأنك سرعان ما ستقول: لا، بل هو الكفر بعينه، ما ينبغي هذا؛ لأن الجدل والبحث والمناقشة يكون بأن يكون المؤمن صريحًا مع أخيه المسلم، وليس يلف ويدور إلى آخره حتى يصل إلى هدف إلى آخره.
فأنت أحد الرجلين: إما تعتقد أن هذا العمل هو الكفر الاعتقادي الذي يُخَلِّدُ في النار، وإما أن تعتقد كما نقول نحن بالنسبة لذاك التفصيل الذي تقول أنك حضرته، وما أدري حضرت هذه النقطة؟!، رجلان تاركان للصلاة أحدهما يؤمن بأن هذا فرض ويقول نسأل الله أن يهدينا وأن يغفر لنا إلى آخره، والآخر يقول كما يقول بعض الناس عندنا في تلك البلاد: بلا طهارة بلا صلاة .. فهل يستويان مثلًا؟ لا يستويان مثلًا، فأنت بارك الله فيك ضربت مثالًا من أسوأ الأمثلة مع ذلك جوابك لما سألتك قلت: أنا الذي يبدو لي أنه كفر عملي، ما نظرت إلى العمل
[ ٥ / ٦٩٠ ]
الذي يدل على ما وقر في القلب وهو الاستهزاء بآيات الله، فهذا ليس كفرًا عمليًا؛ لأن الكفر العملي هو كالنفاق العملي، نفاقه العملي غير الاعتقادي، اعتقاده بخلاف النفاق الاعتقادي، بل هناك مخلد في النار يُظهر الإسلام ويصلي مع المسلمين ويتلو القرآن إلى آخره، لكن قلبه ممتلئ بالكفر فهو في الدرك الأسفل من النار، لكن المسلم يصلي ويصوم، ولكنه يكذب كما قلت أو يعد ولا يفي فهذا كفره عملي ليس اعتقاديًا، متى يصبح كفره اعتقاديًا؟ إذا اعتقد أن هذا الكذب ليس حرامًا، إذا اعتقد أن الإخلاف بالوعد ليس حرامًا، إلى آخره تفضل
مداخلة: أنه إذا قيل كفر عملي سواء هذا الاصطلاح اصطلحه العلماء الذي يتبادر إلى الذهن هو ما ارتبط بالعمل فقط .. فيكون عندهم أن الكفر الاعتقادي هو ما مس الاعتقاد فقط، والكفر العملي هو مس العمل، فبالتالي ترد هنا الشبهة أن ترك الصلاة عمل، إذًا هو ليس اعتقاد .. أن الاستهزاء بالدين عمل إذًا ليس اعتقاد .. دوس المصحف عمل ليس باعتقاد، فأقول: حبذا لو يقال أن هذا مجرد اصطلاح، والكفر الاعتقادي قد يكون فيه عمل أيضًا.
أقول: فلو .. يعني: خلاصة هذه الكلمة: أن الكفر الاعتقادي قد يكون عمل، هو عمل بذاته، والعمل هذا في الكلام.
الشيخ: انظر يا أستاذ ..
مداخلة: أقول يا شيخ: فعندما يظن البعض أن الكفر الاعتقادي هو ما كان في القلب فقط ولا علاقة له بالعمل فهنا يرد الإشكال .. نعم، فكما تقول أنت يا شيخ، وأنا أنقل قول من يقول وليس قولي، فكما تقول أنت يا شيخ: لا يمكن أن نتصور إنسان يدوس المصحف بقدمه، أو أنه كما ذكر الأخ مثال آخر لذلك: لا يمكن أن
[ ٥ / ٦٩١ ]
يكون في قلبه ذرة من إيمان، هناك من يقول: لا يتصور المؤمن لا يسجد لله سجدةً واحدة ثم يقال عنه مؤمن بيوردون نفس الإيراد، يقول: هل في ذلك أنه ليس كفرًا اعتقاديًا؟
الشيخ: لا يستويان مثلًا، لكن على كل حال أنا أجيبك عن سؤالك: نحن حينما نتكلم عن هذه القضية نقول: كل كفر اعتقادي فهو كفر عملي، وليس العكس: ليس كل كفر عملي هو كفر اعتقادي، واضح هذا الجواب؟ مطمئن؟
مداخلة: مطمئن نعم، لأن هذا الكلام لا يذكر دائمًا مثل المرة هذه ربما فيرد الإشكال عند بعض الناس.
الشيخ: لا يذكر دائمًا هذا يمكن أن يكون كذلك؛ لأن نحن ما نذكر المسألة نعمل عليها محاضرة ولكن واحد يسأل سؤالًا فنجيبه، أما الإحاطة بالموضوع من كل الجوانب فهذا يتطلب تحرير المسألة وجمع الفكر والبحث فيه، لكن الذي نحن نعتقده في قرارة نفوسنا: كل كفر اعتقادي يقترن به الكفر العملي، وليس كل كفر عملي يقترن به الكفر الاعتقادي، ولذلك أتيت للأخ بالمنافق العملي والمنافق الاعتقادي، فالمنافق الاعتقادي يظهر الصلاة والصيام وإلى آخره، لكن أمره هو الكفر، بينما المسلم يصلي ويصوم لكنه يكذب .. يعد ولا يفي .. يخون إذا اؤتمن وما شابه ذلك، فهذا لما كان عمله خلاف اعتقاده كان عمله عمل الكفار، لكن عقيدته ليست عقيدة الكفار ..
مداخلة: يا شيخ! المشايخ الذي هنا يقولون: من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه دخل الجنة، فهل تتصور أن رجل لا يصلي صلاة قط يقول: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه، يعني: ممكن نتصور حالة واحد يقول فعلًا
[ ٥ / ٦٩٢ ]
الشيخ: لا لا، لا بأس! هذا الذي قال فيه الرسول: «مخلصًا من قلبه دخل الجنة» ابتداءً أم انتهاءً؟ يعني: دخل الجنة دون أن يمسه نصب من العذاب؟
مداخلة: ما في تحديد في الحديث.
الشيخ: ما في لكن نسأل: ما معنى، يعني: مثلًا ..
مداخلة: دخل الجنة دون حساب ولا عذاب، دون أن يعني:
الشيخ: نعم، من بسط في هذه الصفات دخل الجنة كما يقال اليوم: ترانزيت، لكن من كان إخلاصه لهذه الكلمة الطيبة مناصفًة أو مرابعًة أو إلى آخره كما جاء في الحديث الذي كنا فيه فيه قلب جرب الإيمان، هل هذا هو الذي أراده الرسول في حديث: مخلصًا من قلبه؟ لا، هذا في آخر نهاية الإخلاص.
مداخلة: وما الذي حملك على هذا الحمل؟ لا يوجد من قال قلبه دخل الجنة، يعني: مباشرًة.
الشيخ: طبعًا.
مداخلة: طيب! هل يعني مباشرًة ما الذي حملنا عليه؟ على
الشيخ: هو الأحاديث الأخرى من ..
مداخلة: في الحديث: حدثنا عبد الله: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن المغيرة بن معيقيب، عن سليمان بن عمرو العتواري ..
الشيخ: لكن على كل حال
[ ٥ / ٦٩٣ ]
مداخلة: «فيقولون: أي ربنا عباد من عبادك كانوا معنا في الدنيا، يصلون صلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صيامنا، ويحجون حجنا، ويغزون غزونا لا نراهم، فيقول: اذهبوا إلى النار فمن وجدتم فيها منهم فأخرجوه، قال: فيجدونهم قد أكلتهم النار على قدر أعمالهم، - فمنهم من ومنهم ومنهم .. - ومنهم من أخذته إلى عنقه ولم تغش الوجوه، فيستخرجونهم منها فيطرحون في ماء الحياة، قيل: يا رسول الله، وما ماء الحياة؟ قال: غسل أهل الجنة فينبتون نبات الزرعة، وقال مرة فيها: كما تنبت الزرعة في غثاء السيل، ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله ألا الله مخلصًا، فيخرجونهم منها، قال: ثم يتحنن الله برحمته على من فيها، فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان» ..
الشيخ: هذا غير رواية انظر في صفحة هنا في إحدى عشر إلى ستة عشر.
مداخلة: .. إحدى عشر التي منها الرواية، هذه أثنا عشر ..
الشيخ: ما هذه الطبعة الباهتة؟
مداخلة:
الشيخ: طبعة جديدة هذه طيب!
مداخلة: حدثنا ربعي بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن إسحاق، وزيد بن أسلم، وعطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: «سألنا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب» ..
الشيخ: يمكن هذا
مداخلة: طيب! «فيبقى المؤمنون ومنافقوهم بين ظهريهم، وبقايا أهل الكتاب وقللهم بيده قال: فيأتيهم الله ﷿ فيقول» ..
[ ٥ / ٦٩٤ ]
«.. فإذا جاوزوه فما أحدكم في حق يعلم أنه حق له بأشد مناشدة منهم في إخوانهم الذين سقطوا في النار، يقولون: أي رب! كنا نغزو جميعًا، ونحج جميعًا، ونعتمر جميعًا، فبم نجونا اليوم وهلكوا؟ قال: فيقول الله ﷿: انظروا من كان في قلبه زنة دينار من إيمان فأخرجوه، قال: فيخرجون، قال: ثم يقول: من كان في قلبه زنة قيراط من إيمان فأخرجوه، قال: فيخرجون، قال: ثم يقول: من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه، قال: فيخرجون، قال: ثم يقول أبو سعيد: بيني وبينكم كتاب الله».
الشيخ: الآن انظر، هذه الرواية ليس فيه ذكر الصلاة، رأيت كيف؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وأنا لاحظت أن في الصحيح سويد بن سعيد هذا وفيه كلام، ولذلك الآن يحتاج أن المسألة لها تدقيق ..
مداخلة: لها زيادة سويد بن بن سعيد.
الشيخ: نعم.
مداخلة: ممكن تكون شاذة؟
الشيخ: نعم، ممكن، فما بقي علينا إلا أن نرجح رواية البخاري في
مداخلة: طيب! في البخاري ..
الشيخ: يا الله.
"رحلة النور" (٢٧أ/٠٠:١٥:٢٩)
[ ٥ / ٦٩٥ ]
[٧٠٨] باب حكم رمي المصحف على الأرض حال الغضب
سؤال: كان أحد إخواننا طرح عليك مسألة المرأة اللي رمت المصحف يا شيخنا التي حلف عليها زوجها بالطلاق، فهذا يا شيخنا في واحد من إخواننا من طلبة العلم مستدل أنه برمية المصحف لهذه المرأة على سيدنا موسى لما رمى الألواح، لما رجعوا على قومه ألقى الألواح، هل هذا الاستدلال صحيح؟
الشيخ: يا أخي بدنا نفهم استدل على ماذا؟
مداخلة: على قصة هذه المرأة لما تنازعت هي وزوجها.
الشيخ: شو كان جوابنا.
مداخلة: والله يا شيخي جوابك أنا، خلي أخونا علي يا شيخ يحكي
معك فيها.
الشيخ: تفضل.
علي حسن: أستاذي يومها لما تكلم الرجل عن امرأة سيئة الخلق زوجته الذي لما كان يتكلم معها أو يأمرها أو ينهاها، حتى أمرها أنها تحلف على القرآن، فرمته على الأرض بشدة، فأنتم قلت أن هذا لا يجوز، وهذه امرأة سيئة الخلق، ولا يرفع له عمل من تحته امرأة سيئة خلق، وننصحه بالطلاق إلى آخر هذا الكلام، فالآن هم يسألوا أن هذا نفسه سائل بعض الناس يبدو، فقالوا له إن مثل هذا العمل لا يعد حرامًا أو كفرًا أو شيئًا من هذا؛ لأنه موسى لما رجع إلى قومه ألقى الألواح.
الشيخ: الله يهديه، هذا قياس مثلما يقولوا عندنا في الشام: الملائكة
على الحدادين.
[ ٥ / ٦٩٦ ]
يقيس سيدنا موسى كليم الله على هذه المرأة الفاسقة الفاجرة، لا يجوز.
لأنه نحن ما قلنا بتكفيرها، قلنا بفسقها فسقًا على فسق.
مداخلة: صحيح لا شك ولا ريب، جزاك الله خيرًا يا شيخنا.
"الهدى والنور" (١٦٣/ ٠٠: ٥٩: ٤٠)
[٧٠٩] باب امرأة رمت المصحف
على الأرض هل يطلقها زوجها؟
سؤال: في إنسان صديقي كلفني أن أستشيرك في مسألة الإنسان هذا صديقي متزوج وعنده ثلاثة أولاد ويريد الطلاق من زوجته يعني للشقاق والنزاع بحجة أنها لا تصلي، وصار النزاع بينه وبين زوجته وقال لها احلفي علي القرآن رمت القرآن من يده، فتشتمه وتسبه بأفظع المسبات فما نصيحتكم في هذا الشأن؟
الشيخ: طبعا النصيحة الشرعية أن يبادر إلى الخلاص منها بتطليقها (انقطاع) فنحن لجهلنا بخُلُق هذا الإنسان هذا الزوج المبتلى بالزوجة السيئة الخلق، وهذا الزوج الذي ابتلي بمثل هذه المرأة قد جاء في حديث: «ثلاثة لا تستجاب دعوتهم: ورجل عنده امرأة سيئة الخلق ولا يطلقها» (١)، ولذلك نحن نأمره بطلاقها، ولو كانت أقل سوءًا مما حكيت عنها آنفًا، ولكن وجود هؤلاء الأطفال أولًا، وجهلنا بخلق هذا الزوج ثانيًا، وقوة إيمانه ثالثًا، ما نستطيع أن نقول يجب أن يبادر إلى التطليق وهذا هو الحكم؛ لأننا نخشى أن يكون هو من ذاك النوع من مثل ذاك الشخص الذي جاء إلى النبي - ﵌ - فقال: «يا رسول الله زوجتي
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٣٠٧٥).
[ ٥ / ٦٩٧ ]
لا ترد يد لامس، قال: طلقها»، وأنا أقول لهذا الرجل الذي أجهله: طلقها، قال: «إني أحبها» قال له: «فأمسكها» (١)، شو يسوي معه لأنه إذا قال له طلقها طلقها يمكن يروح يعاشرها بالحرام، لا، حنانيك بعض الشر أهون من بعض قال له طلقها قال: إني أحبها، قال: أمسكها.
هذا الرجل الذي أنت تحكي عنه أنا في اعتقدي يجب عليه أن يبادر إلى تطليقها ليستريح منها في الدنيا والأخرى، لكن سيعرض للمشكلة، وهذا يقع معنا، كثير أسئلة تردنا من هذه النوع لكن لي منها كذا وكذا ولد، طيب ماذا أعمل لك؟ أنت أدرى ما تستطيع أن تصبر دونها، وأن تقوم أنت على أولادها، أو تعطيها الأولاد وتقوم هي بتربيتهم فتفسد تربيتهم وإلخ، هذه قضايا نحن ما نستطيع أن نقدرها أولًا حق قدرها ونعرف حقيقة واقعها، وثانيًا رب الدار أدرى بما فيها.
فالجواب: يقال لهذا الإنسان طلقها، لكن انظر إذا طلقتها هل تعود إليها فتصبح ذليلا معها فيما لو استرجعتها أكثر من الحالة الأولى.
"الهدى والنور" (١٩٦/ ٥٤: ٠٠:١٦)
[٧١٠] باب الجمع بين حديث: «إذا اقتتل مسلمان ..»
وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ..﴾
سؤال: الرسول - ﵌ - يقول: «إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول هما في النار» بعض الناس يظنون أن آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، فيظنون أن [الآية تختلف مع الحديث ..]
الشيخ: هل قال: هما مخلدين في النار؟
_________________
(١) صحيح سنن النسائي (رقم٣٤٦٥).
[ ٥ / ٦٩٨ ]
مداخلة: يعني هما في النار، ما قال مخلدين.
الشيخ: لا يوجد خلاف إذًا بين الآية وبين الحديث: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
مداخلة: ممكن يدخل النار ويخرج كمان.
الشيخ: طبعًا إذا مات على التوحيد يخرج كما قال ﵇: «من قال لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره» والأحاديث المعروفة بأحاديث الشفاعة التي فيها أن الله يقول: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، فهذا الحديث لا يعني إلا تحريم مقاتلة المسلم للمسلم، أما هذا المقاتل يخلد في النار أو لا يخلد في النار، هذه قضية أخرى تؤخذ من أدلة الشريعة التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، حينما تكلمنا عن تارك الصلاة، وفرقنا بين من يترك الصلاة جحدًا فهو كافر مخلد في النار، وبين من يتركها كسلًا مؤمنًا بها، فهذا لا يخلد في النار؛ لأن التوحيد الذي في قلبه ينجيه من الخلود في النار.
"الهدى والنور" (٩٣/ ٤٥: ٢٣: ٠٠)
[٧١١] باب: معنى قول النبي - ﵌ -: «لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ » قِيلَ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ»
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - «لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ اجْتِمَاعًا يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ». قِيلَ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ».
[قال الإمام]:
معناه - والله أعلم - أن المؤمن القاتل للكافر، إذا سدد بعد ذلك واستقام، لا
[ ٥ / ٦٩٩ ]
يجتمع مع الكافر في النار اجتماعًا يتضرر هو به، وإنما لم ينف عنه دخولها أصلًا لقوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فلا بد من دخول النار حتى المؤمن، ولكن ذلك لا يضره، وإنما تكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، كما جاء ذلك مصرحًا من حديث جابر.
هذا ما بدا لي، وقد استشكلوا الحديث وأجابوا عنه بما لا يروي كما ترى في الشرح وغيره، حتى قيل أن الحديث مقلوب، وإن الصواب: «مؤمن قتله كافر ثم سدد». ولقد كدت أركن إلى هذا (القيل) حين رأيت الحديث في «سند أحمد» (٢/ ٣٩٩) من طريق أبي إسحاق (الفزاري. وهو شيخ شيخ مسلم) في هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: إلا أنه قال: قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «مؤمن يقتله كافر ثم يسدد بعد ذلك»، ولكن منعني من ذلك أنني رأيت أبا إسحاق قد تابعه على لفظ مسلم جماعة، منهم محمد بن عجلان عند النسائي (٢/ ٥٥) وأحمد (٢/ ٣٤٠) وحماد بن سلمة عنده (٢/ ٢٣٢ و٣٥٣). فتبين لي من ذلك أن لفظ أبي إسحاق عنده شاذ. وأن لفظ الكتاب هو المحفوظ. ومعناه ما ذكرته. والله أعلم.
"مختصر صحيح مسلم" (ص٢٨٦).
[٧١٢] باب الرد على من قال بأن شيخ الإسلام كافر
سؤال: يا شيخ: كثر الكلام في حديث شيخ الإسلام ابن تيمية، أحد الناس يحدثني حقيقة قبل فترة: أن شيخ الإسلام ابن تيمية كافر، فلما توقفت عن تكفيره قال: من توقف أو شك في تكفير ابن تيمية فهو كافر، تركني في حيرة حقيقة من هذا الموضوع، واستشهد بفكرة الذي هو قول ابن تيمية وما رواه عنه ابن القيم الجوزية أحد تلاميذه بقوله: أن النار تفنى، فكيف يقول ابن تيمية أن النار تفنى، إذًا
[ ٥ / ٧٠٠ ]
ابن تيمية كافر، وإذا توقفنا أو شكينا في تكفير ابن تيمية فنحن كفار.
الشيخ: ومن الذي يقول هذا الكلام؟
مداخلة: جماعة السقاف.
مداخلة: الحقيقة شاب من الأحباش.
الشيخ: غرضي بارك الله فيك الذي يقول هذا الكلام ليس هو شيخ من شيوخ الإسلام، أليس كذلك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هل هو من شيوخ الإسلام؟
مداخلة: لا، طبعًا.
الشيخ: هاه، لماذا ما أنتم بارك الله فيكم كلما نعق ناعق أو صاح صائح تخافوا وتلتفتوا لعل كلامه صواب أوحق.
يا أخي! هؤلاء أولًا ليسوا بعلماء هم جهلة، ثم ليت أن الأمر كان قاصرًا على الجهل، بل هناك ضلال، جهل مقرون بالضلال، وهذا الضلال ناشئ من الهوى، وهو اتباع الهوى الذي يضل عن سبيل الله، ولذلك مثل السقاف وأذناب السقاف لماذا أنتم يعني تهتمون بأمثال هؤلاء، ولو سألتم أهل الأرض اليوم من العلماء وطلاب العلم ما يجرؤ أن يقول في شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه ضال، ونحن نفرق بين أن نقول: فلان كافر، أو أن نقول: فلان ضال؛ لأنه من خالف الكتاب والسنة ولو في بعض المسائل فقد ضل، لكن هذا الضلال قد لا يوصل صاحبه إلى الكفر؛ ولذلك فاليوم بعد أن طبعت كتب ابن تيمية وانتشرت؛ بسبب تيسر وسيلة النشر
[ ٥ / ٧٠١ ]
بالوسائل المختلفة والمعروفة لدى الجميع عرف الناس من هو شيخ الإسلام ابن تيمية، هذه التي نسميها اليوم بالصحوة، هذه في الحقيقة من أسبابها بعد الله ورسوله بعد كتاب وسنة رسول الله - ﵌ - هو انتشار كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا العصر الحاضر؛ لأن كتبه كانت غير منتشرة؛ لعدم وجود أولًا الوسائل الميسرة للنشر، وثانيًا: لقلة العارفين بعلم ابن تيمية وقدره.
وأنا والله أتعجب من إخوان لنا طيبين والله سمعنا كذا وكذا أن شيخ الإسلام ابن تيمية كافر، وليس هذا فقط والذي لا يكفره فهو كافر، من الذي يقول هذا الكلام؟!
يقول: من يستحق أن يُعاد إليه هذا الكفر فهو الكافر؛ لأن الرسول يقول: «من كفر مسلمًا فهو كافر»، هناك كتاب ألفه رجل من كبار علماء الحديث في دمشق الشام وكان معاصرًا لأحمد بن حجر العسقلاني شارح فتح الباري وهو المعروف بالشيخ ابن ناصر الدين الدمشقي، ألف كتابًا: في أن من قال: بأن شيخ الإسلام كافر فهو كافر، وهناك نشر فتاوى لعشرات من العلماء في زمان ابن تيمية والذين جاؤوا من بعده يؤيدون هذا الكلام؛ لأنه قد يُكَفَّرُ إنسانٌ رجل عادي مغمور ليس معروف حقيقته؛ لأنه تكلم بكلمة كفرية فعلًا، أما ابن تيمية الذي رد على الفلاسفة وعلى الدهرية وعلى علماء الكلام وعلى الصوفية وعلى القائلين بوحدة الوجود .. إلى آخره، هذا إنسان نادر أن تلد النساء مثله، مع ذلك يأتي مثل هذا الإنسان المغمور المأبون فيقول: إن شيخ الإسلام كافر ومن لم يقل بإنه كافر فهو كافر، هذا من مصائب الدهر، وهذه من الحرية التي تستلزمها الديمقراطية زعموا، لو كان هناك حكم يحكم بما أنزل الله لجيء بهذا الإنسان ووضع أمام النطع أن يتراجع عن هذا الكلام، وإلا قطع رأسه وفصل عن بدنه؛ لأن إنسان مثل هذا الرجل يعترف بفضله كبار علماء المسلمين فمعناه: أنه ليس فقط يكفر ابن تيمية، بل من
[ ٥ / ٧٠٢ ]
لم يكفره أيضًا كافر، إذًا كل العلماء الذين جاؤوا مثل: ابن قيم الجوزية، مثل ابن عبد الهادي، مثل ابن كثير، كل هؤلاء كفار، الله أكبر! الله أكبر! الله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. دعونا من هذا الكلام الله يعافينا.
"الهدى والنور" (٧٢٨/ ٢٠: ٣٠: ٠٠)
[٧١٣] باب في كفر اليهود مع ما أوتوا من علم
عن أبي أنملة: أنه بينما هو جالس عند رسول الله - ﵌ - جاء رجل من اليهود فقال: هل تكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله - ﵌ -: (الله أعلم) فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم فقال رسول الله - ﵌ -: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، فإن كان حقًاّ لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم «وقال: «قاتل الله اليهود لقد أوتوا علما».
[قال الإمام]: صحيح.
[وعلق على قوله (- ﵌ -: «لقد أوتوا علمًا» قائلًا]:
قلت: يعني بالنسبة لسائر الملل، وبخاصة الوثنيين منهم، لما كان عندهم من التوراة، ولكنهم لم ينفعهم علمهم بعد أن كفروا بنبينا محمد - ﵌ -، وهم كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾.
"صحيح موارد الظمآن" (١/ ١٣٣).
[٧١٤] باب هل يباح الدعاء على الكفار في قنوت الوتر؟
سؤال: هل يجوز بعد دعاء قنوت الوتر الدعاء للمسلمين والدعاء على الكفار؟
[ ٥ / ٧٠٣ ]
الشيخ: لو كان يقنت في صلاته، وبدا له أن يقنت في دعاء قنوت الوتر، يمكن أن يتسامح به، وبخاصة إذا كان قنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان، لأنه في روايات ثابتة عن السلف أنهم كانوا يلعنون الكفار ويدعون عليهم في قنوت الوتر بالنصف الثاني من رمضان، لكنهم ما كانوا ليعرضوا عن القنوت بالدعاء على الكفار في الصلوات الخمس، فخلاصة الجواب: ترك القنوت في الصلوات الخمس والدعاء على الكفار، ونقل هذا الدعاء إلى قنوت الوتر، هذا قلب للسنة.
"الهدى والنور" (٥٩/ ٢٨: ٤٥: ٠٠)
[٧١٥] باب هل الفرح بتغيير رؤساء أمريكا خلل عقدي؟
الملقي: شيخنا بعض المسلمين يرقبون الغرب وتطورات الغرب فإذا حدَّث بعض الشيء فيه أظهروا الفرح والسرور، فهل هذا يعتبر من الخلل العقدي العملي أم القلبي، وماذا تنصح هؤلاء الناس؟
الشيخ: عفوًا، تقصد ماذا، ماذا تقصد؟
مداخلة: كلينتون شيخ.
مداخلة: رؤساء أمريكا ذهب فلان وجاء فلان.
الشيخ: آه
مداخلة: فهذا أخف من ذاك، وهذا يعني سينفع المسلمين إلى غير ذلك.
الشيخ: هذا ضعف إيمان وعقل معًا. ضعف إيمان وعقل، الحقيقة الذي لا بد لكل مسلم أن يستحضرها في ذهنه بمثل هذه المناسبة، أن يتذكر قوله -﵎-: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (الأعراف:٣٨) ليذوقوا العذاب.
[ ٥ / ٧٠٤ ]
مداخلة: الآية ﴿إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ (الأعراف:٣٨).
الشيخ: الله أكبر.
الشيخ: أي نعم، فالشاهد، في الحقيقة هذا الفرح فرح صبياني ليس
فرح رجال أولًا، ثم هو ليس فرح رجال مسلمين ثانيًا؛ لأنه كون سقط بوش
وقام مكانه.
مداخلة: كلينتون.
الشيخ: ما أعرف شو اسمه.
مداخلة: ههههه.
الشيخ: أسماء غريبة على ذهني.
مداخلة: والله شيخنا أسماء شياطين.
الشيخ: ههه هه فالشاهد، سقط بوش ونجح في الانتخاب فلان، هم كلهم يمشون على سياسة واحدة، وإنما تغيير وجوه، ولذلك فمن السخافة بمكان أن نفرح أنه راح بوش وجاء فلان مكانه، وبخاصة أنه فلان لسه ما عرفنا خيره من شره إن كان منهم خير، فلماذا هذا الاستعجال، ما دام أنه الكفر أولًا كله ملة واحدة، والشعب الأمريكي كشعب سياسته مع اليهود، فكونه سقط بوش ونجح فلان هذا ما يغير من سياسة هذا الشعب بهذه السرعة التي يتوهمها بعض ضعفاء الأحلام والعقول، إنه خلصنا من بوش، طيب وهذا لعله شر من بوش، على كل حال، المسلم لا يفرح بسقوط شخص كافر وقيام شخص كافر مكانه؛ لأنه الكفر ملة واحدة، والسياسة هي سياسة واحدة، انظروا الآن: مين كان في الوزارة تبع اليهود وقام مكانه
[ ٥ / ٧٠٥ ]
مداخلة: آخشاميور، وإسحاق رابين.
الشيخ: إسحاق رابين، شو شوفنا بين سقط هذاك وقام هذا لا شيء أبدًا، إنما هو لعب على ذوي الأحلام الضعيفة، ومع الأسف بعض المسلمين أو بعض السياسيين الذين لم يساسوا بسياسة القرآن والسنة، ولذلك أنا أستطيع أن أقول إن الله، كما قال الله -﷿- أقول بهذه المناسبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (القصص:٧٦)، هؤلاء الذين يفرحون بسقوط هذا ونجاح هذا، هؤلاء كما قلت آنفًا أحلامهم كأحلام الصبيان بل العصافير، الله المستعان.
الملقي: هل لهذا الأمر علاقة في العقيدة، يعني هل من الممكن أن يطلق، يعني بعض إخواننا يطلق على من يظهر الفرح لمثل هؤلاء: الكفر؟
الشيخ: لا لا، هذا كله خطأ ومعصية إذا كان له علاقة بالكفر فالكفر العملي يا أخي، نحن نأخذ القاعدة ونستريح، الكفر المخرج عن الملة يتعلق بالقلب، لا يتعلق باللسان، والآن سؤالك هذا يذكرني بقسمة عادلة أخرى للكفر، فهناك كفر لفظي، وكفر قلبي، التقسيم السابق كان كفر اعتقادي وكفر عملي، الآن قسمة أخرى عادلة كفر لفظي، وكفر قلبي، الكفر القلبي يساوي الكفر الاعتقادي، الكفر اللفظي يساوي الكفر العملي، فإنسان يظهر فرحًا بسقوط بوش ونجاح جورج أو أنطونيوس أو ما شابه ذلك، هذا فرح بلا شك لا ينبغي أن يصدر من مسلم، فهذا ممكن نسميه كفرًا لفظيًا، لكن هذا لا يكفر به؛ لأنه قد وقع في زمن الرسول -﵇- كما أعتقد أنه لا يخفى على أحد منكم شيء من ذلك، كمثل حديث ابن عباس لما قال إن الرسول -﵇- خطب يومًا في أصحابه فقام رجل ليقول له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، فقال: «أجعلتني لله ندًا، قل: ما شاء الله وحده»، فهذا كفر لفظي، قال له: «أجعلتني لله ندًا»، لكنه ما ألزمه بشيء.
[ ٥ / ٧٠٦ ]
الشيخ: من لوازم الكفر الاعتقادي، فإذًا نحن يجب أن نضع أمام أعيننا دائمًا وأبدًا هذه القسمة الصحيحة: كفر اعتقادي أو قلبي، وكفر عملي أو لفظي؛ لأنه اللفظ من العمل، فإذا رأينا مثل هذا ما نبادر إلى أن نقول: كفر، حتى لو تكلم بلفظة الكفر ما نبادر إلى تكفيره وإخراجه عن الملة، حتى نستوضح ماذا يريد
بهذه الكلمة.
مداخلة: بعد إذنك شيخنا، لو سمحتم.
الشيخ: تفضل
مداخلة: أقول في هناك في سياسة البلاد الغربية أو الكفار بعامة في هناك أصول وفروع.
الشيخ: أيوه.
مداخلة: فالأصول لا تتغير على مدى السنين .. أبدًا، في هناك أصول ثابتة للسياسة، وهذه الأصول الثابتة هي التي ينطلق منها وتحكم مسيرة السياسيين الصغار والكبار في تلك البلاد.
الفروع في الحقيقة هي متفرعة من هذه الأصول، وعندما نتابع نحن مسيرة السياسات الدولية العالمية التي أحاطت خصوصًا بنا وأوقعتنا فيما أوقعتنا فيه من البلايا نجد أن التغير الذي حدث إنما حدث فقط في الصيغ التي صيغت بها هذه الفروع المتفرعة عن هذه الأصول.
مداخلة: ولذلك، نحن نضرب مثال مثلًا لذلك، مثلًا قضية فسلطين، قضية فلسطين الحقيقة منذ ما يقرب من خمسة وأربعين من خمس وأربعين سنة ونحن نتابع هذه القضية متابعة تُخْرِجُنا، في كل خمس سنوات أو عشر سنوات مرحلية
[ ٥ / ٧٠٧ ]
سنوية قسمت لها القضية بأبعاد الزمن، تخرجنا من حال إلى حال، ونحن ننظر في هذا الحال الذي سبق فنجده أحسن من الحال الذي يأتي، والسياسة الدولية هي التي تلجؤنا إلى استحسان المرحلة الآتية وعدم استحسان المرحلة التي فاتت.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: ولذلك وصلنا الآن بهذه السياسات التي صاغتها لنا الدولة الكافرة وصلنا إلى قناعة بأن أفضل ما يمكن أن نفعله الآن بالنسبة للقضية الفلسطينية أن نسلم بكل ما يحدث من غير أن نسأل: لم ولا كيف؟
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: وهذه النهاية التي انتهت إليها تعطينا فكرة، فيا ترى لو أنه كان هناك مثلًا جاء أو بقي بوش هل يمكن أن نتصور بأن النهاية التي انتهت إليها القضية الفلسطينية ووضعت على مائدة المباحثات التي تجري الآن في واشنطن مثلًا، هل كان يمكن لبوش أن يعجل في النهاية قبل أن يتغير موقعه وأن يكون أن يأتي الرئيس الجديد؟ طبعًا الجواب: لا. هل هذا الرجل الآتي هل هو سيستعجل في حل القضية ويقول بأنني رأيت ما كان قبل السياسة التي رسمها بوش لهذه القضية هل أعود إلى المرحلة السابقة لأقف عندها وأحل القضية أو أجعل القضية محلولة بالنظريات التي كانت تحكم هذه القضية في المرحلة الزمنية السابقة؟ الجواب: لا. ولذلك سياسة واحدة لا تختلف، الفرح إذا فرحنا بقدوم كلنتون، نبكي على بوش.
الشيخ: الله أكبر، الله المستعان.
"الهدى والنور" (٦٧٢/ ١٥: ٤٤: ٠٠)
[ ٥ / ٧٠٨ ]
[٧١٦] باب هل يجوز استغابة الكافر والمشرك وسبهم؟
سؤال: هل يجوز استغابة الكافر والمشرك، وهل يجوز أن نسبهم؟
الجواب: يجوز كل ذلك؛ لأن الكافر لا حرمة له إلا إذا كان يترتب على ذلك مفسدة، فمثلًا: إذا كان يسب الكافر في وجهه، أو بقفاه فَيَبْلُغُهُ ذلك، فربما يسب المسلم ويسب دينه ونبيه .. إلخ، فعند ذلك يحرم سب المسلم للمشرك.
"الهدى والنور " (١/ ٤٢: ٢٩: ٠٠)
[٧١٧] باب هل يجوز لعن اليهود والنصارى؟
سؤال: بالنسبة للنصارى واليهود لو لعناهم؟ يعني: مثلًا أنا مرة بزعل فأقول لابني: الله يلعن اليهود والنصارى. هل هذا جائز؟
الشيخ: هو لعن الكفار جائز، لكن بمثل هذه المناسبة غير جائز ..، لا تلعن لا الشيطان ولا اليهود، خاصة لعن الشيطان ينبسط منك إذا لعنته، وإنما تقول له: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
"الهدى والنور" (٢٣/ ٠٠:٠٤:٠١)
[٧١٨] باب هل يجوز لعن المعين؟
سؤال: بالنسبة للعن فضيلة الشيخ كلنا رأينا من النساء الكاسيات العاريات هل يجوز لعنهن أم لا يجوز؟
الشيخ: لو كان الذكر الصوفي مشروعًا وهو الله الله الله الله الله الله نقول: لا؟!
مداخلة:
[ ٥ / ٧٠٩ ]
الشيخ: لم يفهم، نحن ننكر الذكر الصوفي، هم يسمونه الذكر بالاسم المفرد، وهو: الله الله الله الله، لو كان مشروعًا ننكره عليهم؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذا جاء ذكر مشروع بلفظ لعنة الله عليك، لعنة الله عليك، لعنة الله عليك، ننكره؟!
مداخلة: لا.
الشيخ: هذا لو كان هكذا، مثل الذكر الصوفي، فما بالك ما بين الآونة والأخرى ترى واحدة متبرجة تقول لها: لعنة الله عليك، ما فيها تكرار وما
فيها إشكال.
مداخلة: وأحيانًا يجوز .. تلفت النظر بأنك تلعنها؟
الشيخ: كأن سؤالك ليس هذا، أنت تقصد هل يجوز لعنها بحيث يسمعها، أم ما يُسْمِعُها؟
مداخلة: لا ما يسمعها.
الشيخ: إذا؛ فماذا فيها، تقول: سبحان الله سبحان الله لعنة الله عليك لعنة الله عليك، نعم، "فالعنوهن فإنهن ملعونات" لكن هنا ترد قاعدة: وهي: أن الأمر بعد نهي لا يفيد الوجوب، واللعن كقاعدة منهي عنه! «لا تكونوا لعانين» «واللعانون لا يكونون شهداء يوم القيامة» فما دام الأصل في اللعن النهي ثم جاء أمر به في مكانٍ ما فمعنى ذلك لا يفيد الوجوب إنما الجواز [إذًا] (فالعنوهن) ليس للوجوب وإنما للجواز، وللتأديب مع الأسف إما تأديب الملعون مباشرة إذا كان من الممكن إسماعه، أو تأديب النفس لكي تكون على حذر من الوقوع في
[ ٥ / ٧١٠ ]
نفسه وفي أهله في مثل ذلك.
مداخلة: يعني: ممكن يسمعها؟
الشيخ: قد قلت لك، في المجتمع الإسلامي ممكن، في المجتمعات اليوم
لا يمكن.
مداخلة: [يعني] لا تسمعها اللعنة إذا ترتب عليها مفسدة.
الشيخ: يمكن آتي لك بصورة خيالية تعجبك، إذا كنت تمشي في الصحراء ورأيت امرأة متبرجة وأنت متلثم قلت لها: لعنة الله عليك، وغير معروف مين أنت.
مداخلة: أو يكون الإنسان راكب السيارة وهي تمشي في الأرض يلعنها ويمشي.
الشيخ: [لا] ممكن يقع شيء، يمكن تأخذ رقم السيارة مثلًا.
"الهدى والنور" (٢٣/ ٣١: ٥٩: ٠٠)
[ ٥ / ٧١١ ]