[ ٥ / ٧١٣ ]
جماع أبواب الكلام حول مدى صحة تقسيم الدين إلى أصول وفروع وربط ذلك بمسائل التكفير
[ ٥ / ٧١٥ ]
[٧١٩] الكلام حول مدى صحة تقسيم الدين إلى أصول وفروع وربط ذلك بمسائل التكفير
سؤال: شيخ! ما أدري كأني سمعت أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول ببدعية تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وإن هذا يعني: الشق الأول .. هل هذا صحيح ما ينقل عن شيخ الإسلام؟ الشق الثاني: كيف تكون ثمرة الخلاف، أو كيف نفرق بين من يستهين في أمر اعتقادي ومن يستهين في مسألة فقهية معينة، هل يستوي هذا مع ذاك؟ أحسن الله إليك.
الشيخ: هذا هي ثمرة عدم التفريق! والذي نقلته عن ابن تيمية صحيح النقل عنه، وهو صحيح من حيث الحق ومفارقته للصواب، والثمرة هو ما ذكرته آنفًا، فهذا أمر واضح جدًا، فإن تقسيم الدين إلى أصول وفروع يعني خلاف الثمرة التي ذكرتها أنت آنفًا، فبعض الأحكام الشرعية التي ليس لها علاقة بالأصول أي: بالعقيدة لو استحلها الإنسان فلا فرق بينه وبين من استهان بالشيء من العقيدة، اسمع قوله ﵊: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرا والحرير والخمر والمعازف يمسون في لهو ولعب ويصبحون قد مسخوا قردة وخنازير» فالآن قوله ﵊: «يستحلون الحرا» أي: الفرج، أي: الزنا، والحرير يعني: حرير الحيوان، والخمر معروف، والمعازف وهي آلات الطرب، يمسون في لهو ولعب ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير، يستحلون الآن يمكن التفسير لاستحلال معنيين:
المعنى الأول: استحلال القلبي.
والمعنى الآخر: الاستحلال العملي
[ ٥ / ٧١٧ ]
فالتفريق إذًا أولًا: غير صحيح، وثانيًا: لا تكون الثمرة في التفريق بين العقيدة فيكفر من أنكر شيئًا منها، وبين الأحكام، فلو أنكر بعضهم شيئًا منها يظل مسلمًا جاء بنتيجة واحدة.
"رحلة النور" (٤٠ب/٠٠:٤٢:٣١)
[٧٢٠] باب منه
سؤال: يا شيخنا طبعًا ذكرتم أن المنهج الصحيح موجود في القرآن والسنة، وقواعد المنهج معلومة لدينا فهما الكتاب والسنة على فهم الصحابة وما إلى ذلك، فيعني وكلنا يعلم أنكم قد بذلتم جهدكم في يعني سبيل إقامة قواعد هذا المنهج، ولست أنا أشهد أو غيري، ولكن السلسلة الصحيحة تشهد والسلسلة الضعيفة وإرواء الغليل .. وما إلى ذلك من الكتب التي كان هدفها تصفية الدين مما علق به من الشوائب من بدع ومنكرات وأحاديث ضعيفة ومنكرة، فالسؤال يا شيخنا يعني طبعًا على سبيل ضرب المثل الإمام ابن حجر في كتابه «فتح الباري في شرح أحاديث صحيح البخاري» كانت له بعض الزلات في مجال العقيدة، ونبه عليها شيخنا عبد العزيز بن باز في تعليقاته، فالسؤال: طبعًا هو في زلاته هذه يعني خفق في فهم الصحابة، فكانت له زلات في مجال العقيدة، فسؤالي: هل يخرج من المنهج أو زلاته في الاعتقاد تنفي عنه كونه على المنهج الصحيح. هذا السؤال يا شيخ؟
الشيخ: إذا كنا متذكرين جميعًا أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله - ﵌ -، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إمامًا في دعوة الحق، فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى في مسألتين أو ثلاث
[ ٥ / ٧١٨ ]
أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبناها، فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح، متى يكون المسلم صالحًا؟ هل يشترط في أن يكون صالحًا: ألا يقع منه أي ذنب أو معصية؟
الجواب: لا، بل من طبيعة الإنسان أن يقع منه الذنب والمعصية مرارًا وتكرارًا، فمتى يكون العبد صالحًا؟
إذا غلب خيره شره، وصلاحه على ضلاله .. وهكذا، كذلك تمامًا يقال في المسائل العلمية سواء كانت هذه المسائل العلمية مسائل عقدية أو فقهية، فإذا كان هذا العالم يغلب عليه العلم الصحيح فهو الناجي، أما أن له زلة أو زلات في الفقه أو في العقيدة فهذا لا يخرجه عن ما غلب عليه من العقيدة الصحيحة، فابن حجر ما ذكرت له من تلك الزلات فلا يعني ذلك أنه لا ينبغي أن نستفيد من كتابه، وألا نترحم عليه، وألا نحشره في زمرة علماء المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة.
كل إنسان يخطئ، ولا مجال من الخطأ؛ لأن الله ﷿ حينما خلق ملائكة وخلق بشرًا فقد قدر على هؤلاء البشر أن يخطئوا رغم أنوفهم، كما قال ﵊، حديثان مهمان جدًا، ولكن حذاري أن يفهم فهمًا خاطئًا:
الحديث الأول: قال ﵊: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدركه لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه»، الشاهد من هذا الحديث: «فهو مدركه لا محالة»، أي: لا يمكن أن
[ ٥ / ٧١٩ ]
يتخلص، لماذا؟ لأنه إنسان ليس مَلَكًا.
الحديث الآخر وهو الأهم، قال ﵊: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يحلون محلكم ويذنبون بخلافكم، فهل أنتم لا تذنبون؟ فهذا قضاء الله قدره، لا بد لجنس البشر من أن يقع في الخطأ الذي لا يحبه الله، لكن هذا الخطأ قد يكون من الصغائر من اللمم وقد يكون من الكبائر، فسواء كان هذا أو هذا، هذا أمر لا بد منه، ولكن هل معنى الحديث: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، هل معنى الحديث ومغزى الحديث: الحض على الذنوب وارتكاب المعاصي؟
الجواب: لا، المقصود من الحديث تمامًا عاقبته، يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، ومعنى هذا حينئذ: يا معشر البشر .. كما قال تعالى في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ..» إلى آخر الحديث، الشاهد: أن حديث: «لو لم تذنبوا»، الهدف منه: أيها البشر ما دام أنكم فطرتم على المعصية فلا تتكلوا عليها، وإنما أتبعوها بالمغفرة بالاستغفار؛ حتى تعقبها المغفرة؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:١١٤)، إذا كان إذًا هذه طبيعة البشر أن يخطئوا في مخالفة النص قصدًا وهي الذنوب، وأن يخطئوا في مخالفة النص لا قصدًا وإنما لسوء فهم فلا مؤاخذة في ذلك، المؤاخذة متى تكون؟ إذا أقيمت الحجة على إنسان، سواء كانت الحجة في مسألة عقدية فكرية أو كانت الحجة في مسألة فقهية، ثم عاند وأصر على خطئه فهنا تكون المؤاخذة، والعكس لا، أي: إذا إنسان وقع في خطأ عقدي لكنه هو كان حريصًا على معرفة الصواب في تلك العقيدة لكنه لم يوفق إلى
[ ٥ / ٧٢٠ ]
ذلك، ولو أقيمت الحجة عليه لرجع إلى الصواب فلا مؤاخذة عليه.
لذلك هذا الكلام في الحقيقة يجرنا إلى مسألة من تلك المسائل المنهجية التي يجب أن نعرفها، فإن بعض العلماء، وبخاصة الكتاب اليوم، يخطئون في هذه المسألة، كثيرًا ما تقرءون أو تسمعون: أن الخطأ في الفهم يغتفر في الفروع وليس في الأصول، هذا خطأ، الخطأ يغتفر مطلقًا، سواء كان في الفروع أو كان في الأصول؛ لأنه عدم المؤاخذة من الله ﷿ لعباده هو لعدم وجود قصد المخالفة من هذا العبد لربه، فإذا وجدت المخالفة، سواء كانت المخالفة في العقيدة أو في الحكم في الفقه ولم يكن القصد هو العناد والمكابرة والجحد فلا مؤاخذة في ذلك، فالتفريق بين الأصول والفروع، بين العقيدة والفقه في مسألة عدم المؤاخذة بالخطأ في الفروع والمؤاخذة في الأصول، هذا التفريق لا أصل له، فهذا التفريق يشبه تمامًا التفريق البدعي الآخر وهو: أنه يجب الأخذ بحديث الآحاد في الفروع ولا يؤخذ بحديث الآحاد في الأصول، هذا خطأ وهذا خطأ.
أروي لكم الآن حديثًا من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ومن حديث حذيفة بن اليمان أيضًا رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﵌ - قال: «كان في من قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط، فلما حضره الموت جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» هل ترونه مؤمنًا وهو يقول: (إن قدر الله علي)؟ هذا شك في قدرة الله ﷿، إذًا نستطيع أن نقول: هل أخطأ في الفرع أم أخطأ في أصل الأصول في الله ﷿ الذي ذكر في خاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾) (يس:٧٨)؟ هذا الإنسان هو هذا الذي عناه الله ﷿ في هذا
[ ٥ / ٧٢١ ]
المثال، قال هذا الرجل: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» يعترف بأنه كان مخطئًا مع ربه، وأن الله ﷿ إذا عذبه يكون عادلًا؛ لأنه كان مخطئًا معه، فللخلاص من عذابه دار في ذهنه مخرج مخلص، فأوصى بوصية في علمه وفي اعتقاده لم يقع مثلها في الدنيا من غير هذا الإنسان، «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم خذوا رمادي فذروا نصفه في البحر ونصفه في الريح» أحرقوه بالنار وأخذوا رماده والريح يهوج فذروه في الريح، والنصف الثاني في البحر، لماذا فعل هذا الرجل هذه الفعلة؟ ظن أنه يضل عن ربه، وأن الله ﷿ ليس بقادر على أن يقول له: كن بشرًا سويًا، لكن الله ﷿ فعل ذلك به، فلما مات وذروا رماده في الريح وفي البحر قال الله له: كن فلانًا، فكان بشرًا سويًا، قال له .. هنا الشاهد: «قال له: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب خشيتك -أنا خفت منك- قال: اذهب فقد غفرت لك».
هذا الحديث وقد عرفتم أنه من صحاح الأحاديث في البخاري ومسلم وعن صحابيين جليلين: أبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، هذا الحديث من مخصصات عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، في هذا الحديث قد غفر الله لهذا الجاني على نفسه بوصيته الجائرة.
لكن هنا لا بد لي من وقفة، وهذا من العلم الذي نحن بحاجة إليه باعتبارنا أننا ندعو الناس إلى الكتاب والسنة: هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ الآن أنا أوجه هذا السؤال وما أريد أن أسمع صوتًا، لكن أرى يدًا رفعت، من كان عنده الجواب عن هذا السؤال يرفع يده، هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ تفضل.
[ ٥ / ٧٢٢ ]
مداخلة: كافر.
الشيخ: كافر، تفضل.
مداخلة: لا كافر ولا مشرك.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: ليس بكافر ولا مشرك؛ لأن الله ﷿ لا يغفر الشرك، والله ﷿ غفر له.
الشيخ: هاه، مع الأسف ما سمعنا جوابًا صحيحًا، الذي أنكر قدرة الله ﷿ على إعادته بشرًا كما كان هذا كافر بلا شك؛ لأن هذا هو الذي ذكرناكم بخاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨)، هو جعل نفسه رميمًا سلفًا، يعني: ما صبر حتى يدفن ويصير جسمه رميمًا ترابًا، وإنما عجل على نفسه بتلك الوصية الجائرة فجعل نفسه رمادًا، لا شك أن هذا كفر.
لكن كنت أتمنى أن أسمع الجواب الصحيح، ومن أجل هذا أنا وقفت هذه الوقفة معكم من باب التذكير أو التعليم: هذا الرجل كفر وهذا الرجل أشرك، ولولا أنه أشرك ما جاز لي أن أقول: إن آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨)، قلنا: إن هذه الآية مخصصة بمثل هذه الحادثة، أي: أن بعض الشرك يغفر، هذا معنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨) ليست الآية على عمومها وشمولها، فبعض الشرك يغفر، وأنا الآن ذكرت لكم نوعًا، أذكر لكم نوعًا آخر، وهذا ستعرفونه، لأنكم تسمعون بأن أهل الفترة غير معذبين، أليس كذلك؟
[ ٥ / ٧٢٣ ]
طيب، هل تقولون: أنهم كانوا غير مشركين؟ كانوا مشركين، لكنهم لا يعذبون، لماذا؟ لأن حجة الله لم تقم عليهم، أي: لم تبلغهم دعوة الرسول، وأنا أتكلم بصورة عامة عن أهل الفترة لا أعني الذين بعث إليهم الرسول لكن بقاعدة عامة: أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ولو كانوا مشركين فهم لا يعذبون على شركهم، لماذا؟ لأن الحجة لم تصلهم.
فهنا في هذه القصة هذا الرجل بالنسبة للفكرة القائمة: أن الشرك أخص من الكفر، والكفر أعم من الشرك، بمعنى: كل من أشرك فقد كفر، وليس كل من كفر أشرك، هذا هو الفقه القائم في أذهان الناس إلا قليلًا منهم.
أوضح ذلك بمثال: رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم .. إلى آخره، لكنه أنكر آية من القرآن، هذا كفر أم لم يكفر؟
مداخلة: كفر.
الشيخ: كفر، هل أشرك؟
مداخلة: ما أشرك.
الشيخ: ما أشرك، لا الصواب أشرك، كل كافر مشرك وكل مشرك كافر، لا فرق بين اللفظين إطلاقًا، هذه الحقيقة التي جرني إلى بيانها حديث ذلك الجائر في وصيته، إنه أشرك، كل من كفر فقد أشرك، ومن أشرك فقد كفر، لا إشكال في ذلك، والدليل على ذلك: لو تذكرنا محاورة المؤمن والكافر في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا،
[ ٥ / ٧٢٤ ]
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (الكهف:٣٢ - ٣٥) انتبهوا الآن: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (الكهف:٣٥، ٣٦) بمفهومكم السابق هذا كفر أم أشرك؟
مداخلة: أشرك.
الشيخ: كفر.
مداخلة: أشرك.
مداخلة: كفر.
الشيخ: مفهومكم السابق مفهومكم الخطأ هذا كفر وما أشرك، أنكر البعث والنشور، ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُه، إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٥ - ٤٢)، إذًا: هو لما أنكر البعث والنشور أشرك مع الله، فكل من كفر بشيء جاء في الكتاب أو في السنة فهو في حالة كفره مشرك، هذا هو من ناحية النص القرآني، فما هو الوجه الفكري والعقلي؟
الجواب: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية:٢٣)، فإذًا كل من كفر بكفرية ما يكون مشركًا مع الله؛ لأنه جعل عقل نفسه شريكًا مع ربه تبارك
[ ٥ / ٧٢٥ ]
وتعالى؛ ولذلك لا تفرقوا بين الكفر والشرك، إذا عرفتم هذه الحقيقة فيزول إشكال قد يعرج أحيانًا في البال لبعض من يسمع حديث الرسول ﵇ بروايته: «من ترك الصلاة فقد كفر»، «من ترك الصلاة فقد أشرك»، كيف هذا؟
الذي يفرق بين الكفر والشرك يشكل عليه لفظة: (أشرك)، لا، الصواب أن يقال: كفر، كذلك الحديث الآخر: «من حلف بغير الله فقد كفر»، «من حلف ب
غير الله فقد أشرك»، كفر أشرك، أشرك كفر، لا فرق بين اللفظين من حيث الاصطلاح الشرعي، من حيث الاصطلاح اللغوي في فرق بلا شك، لكن الشرع فتح بصائرنا وأفكارنا وأفهمنا لماذا كل من كفر بالله ﷿ أي نوع من الكفر يكون مشركًا؛ لأنه شرَّك عقله مع ربه ﷿ فجعله شريك فيما يصدر منه من قرار ومن حكم.
إذا عرفنا هذا نعود إلى وصية ذلك الرجل: «غفر الله له»، لماذا؟
هنا كان بيت القصيد من الاستدلال بالحديث؛ لأن الكفر لم يعقد في قلبه، إنما عرض له لشبهة طرأت له من هول تصوره لعذاب ربه له فيما إذا تمكن منه، فليتخلص من هذا العذاب الذي هو يستحقه أوصى بتلك الوصية الجائرة، فإذا أصابت مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله يؤمن بكتاب الله وبحديث رسول الله فتأول نصًا من كتاب الله، إن كان تأوله وهو يعلم أنه مبطل فهو كافر، أما إن كان شُبِّه له فلا مؤاخذة عليه.
وهذا هو نهاية الجواب عن ذلك السؤال.
"الهدى والنور" (٧٢٤/ ٥٥: ٠٠: ٠٠)
[ ٥ / ٧٢٦ ]
[٧٢١] باب منه
سؤال: يا شيخ! سؤال آخر وهو الأخير: وهو أن هناك من هو سليط اللسان على العلماء بحيث لا يراعي كبيرًا ولا صغيرًا، مثلًا أضرب على ذلك مثالًا: كل من هو وصف بالأشعرية أو قيل: أن معتقده أشعري فتجده يتعرض له في كتبه بأقبح الأقوال، فنريد نصيحة لهذا الرجل، خصوصًا كثيرًا من الناس اغتروا به أو يقولون: أن فيه سمات الصالحين، فنريد أن تنصحه يا شيخ! توجه له نصيحة.
الشيخ: نعم، جزاك الله خيرًا، أنا أعتقد أن العدل أن يذكر كل مسلم بما فيه من خير وصواب، وأن يذكر بما فيه من خطأ ولا أقول: من شر؛ لأن الشر أخص من الخطأ، أنا أعتقد أن هذا الشخص المشار إليه في السؤال ليس فقيهًا، قد يكون صالحًا ولكن الصلاح شيء والفقه شيء آخر.
ولعله يحسن بي أن أُذَكِّرَ بعاقبة الصلاح الذي لم يقترن معه العلم أن يكون عاقبة هذا الصالح أن يحكم على نفسه بالإعدام، كما حدثنا ﵊ في الحديث الصحيح المتفق عليه بين البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، وأراد أن يتوب فسأل عن أعلم أهل الأرض؟ فدل على راهب» أي: عبد صالح منزوٍ عن الناس لعبادة الله على طريقتهم يومئذٍ من الترهُّب: «فجاء إليه وقال: أنا قتلت تسعة وتسعين نفسًا فهل لي من توبة؟ قال: قتلت تسعة وتسعين نفسًا وتسأل هل لك من توبة؟ لا توبة لك، فقتله وأكمل به العدد المائة» ويبدوا من تضاعيف القصة وسياقها أن رجلًا فعلًا كان مخلصًا في توبته، لكن يريد عالمًا يدله على المنهج الذي ينبغي عليه أن ينهجه: «فلم يزل يسأل حتى دل على عالم فجاء إليه وقال له: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول
[ ٥ / ٧٢٧ ]
بينك وبين التوبة؟! ولكنك بأرض سوء - هذا جواب العالم - فاخرج منها إلى الأرض الفلانية الصالح أهلها» فخرج يمشي وجاءه الأجل في الطريق فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كل يدعي أنه من حقه، فأرسل الله إليهم ملك يحكم بينهم فقال لهم: قيسوا ما بينه وبين كل من القريتين التي خرج منها والتي قصد إليها، فإلى أيهما كان أقرب فألحقوه بأهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية التي خرج إليها فتولت ملائكة الرحمة إخراج روحه.
الشاهد: أظن أن هذا الرجل إذا كان صالحًا كما نرجو فهو ليس فقيهًا، هو لا يتصور (١) -وهذا ليس هو فريدًا-، وهذه أظن أنها فائدة مهمة جدًا، كثير من الناس يفرقون بين الخطأ في الفروع وهذا اصطلاح يفرقون بين الخطأ في الفروع والخطأ في الأصول، فيقولون: الخطأ في الفروع مغتفر إذا صدر من اجتهاد، أما الخطأ في الأصول فغير مغتفر، هذا خطأ.
والسبب أولًا: لا دليل على هذا التقسيم، أعني: تقسيم الشريعة إلى أصول وفروع، وترتيب هذا الحكم على هذا التقسيم هذا لا أصل له.
ثانيًا: الأدلة أو بعضها على الأقل تؤكد أن الإنسان لو أخطأ حتى فيما يتعلق بالعقيدة فهو معذور أيضًا، وأكبر دليل على ذلك: حديثان اثنان يمكن الآن أن أسردهما سردًا، الحديث الأول: حديث ذاك الرجل الذي جمع أولاده حينما حضره الموت فقال لهم: «أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا، فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم خذوا نصفي فذروه في الريح والنصف الثاني في البحر» فلما مات نفذوا
_________________
(١) قطع الشيخ الكلام لينبه على فائدة مهمة.
[ ٥ / ٧٢٨ ]
فيه هذه الوصية التي ربما لا يتصور في الجور والبعد عن الشرع أبعد منها: «فقال الله ﷿ لذراته: كوني فلانًا فكان، فقال الله ﷿ له: أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: ربي خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك».
فهذا كُفر لا شك أنه كُفر، لأنه أوصى بهذه الوصية الجائرة بزعمه: ليضل عن ربه، يذكرنا بقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨) فهذا الرجل يضمن هذه الوصية أن الله ﷿ غير قادر على أن يعيده كما كان بشرًا سويًا، لكن الله أحياه وقال له: كن فلانًا وخاطبه، لكن الله ﷿ وهو العليم بما في الصدور عرف من هذا الإنسان أنه ما فعل فعلته لأنه كان جاحدًا للبعث وللنشور وإنما كان الخوف من العذاب المدخر له والمعترف هو به وأنه مستحق له أعمى بصيرته فأوصى بهذه الوصية الجائرة.
أما الحديث الثاني فهو قوله ﵇، وهذا أيضًا مهم جدًا وله علاقة بمسألة أهل الفترة، وهذه لها طبعًا مجالس عديدة سبقت وهو قوله ﵇: «ما من رجل في هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» إذًا: هؤلاء الذين لم يسمعوا بالرسول ﵇ وماتوا كفارًا ماتوا مشركين لا يعذبون على شركهم وعلى ضلالهم، بل أقول أكثر من ذلك تفقهًا في قوله ﵇: «يسمع بي» يعني: بحقيقتي؛ لأننا إن تصورنا أن بعض الأوروبيين: كالبريطان والألمان وأمثالهم ممن تأثروا بدعوة القاديانيين وآمنوا بأن هناك أنبياء بعد رسول الله - ﵌ -، وأن أحدهم بعث في قاديان، وهو الذي كان معروفًا في نشأته الأولى: بميرزا غلام أحمد القادياني، ثم حرف اسمه فجعله: أحمد لغاية في نفسه معروفة، الشاهد: هؤلاء الألمان والبريطان الذين ضللوا باسم
[ ٥ / ٧٢٩ ]
دعوة الإسلام أن الإسلام يقرر مجيء أنبياء بعد الرسول ﵇ وأن هذا أحدهم: ميرزا غلام أحمد القدياني، وأن الإسلام ينكر خلقًا اسمه الجن وله المواصفات المعروفة في الكتاب والسنة إلى آخره، هؤلاء بلا شك أنهم ضلوا، لكنهم هل سمعوا به ﵇ حقًا؟ الجواب: لا، إذًا: هذا الحديث يعطينا:
أولًا: من لم تبلغهم الدعوة مطلقًا فهم ليسوا معذبين، لهم معاملة معروفة في عرصات يوم القيامة.
ثانيًا: إذا بلغتهم دعوة الإسلام محرفة مغيرة مبدلة فآمنوا بها أيضًا لا يؤاخذون عليها، إذًا التفريق بين الأصول والفروع هذا انحراف عن الكتاب وعن السنة، لذلك أقول: أن هذا الأخ الصالح إن شاء الله يجب أن يصلح علمه على الأقل في فتواه الجائرة؛ لأن كون الرجل العالم الفاضل منحرفًا في قضية ما من العقائد: كالأسماء والصفات ونحو ذلك مما وقع فيه بعض الأشاعرة وبعض الماتريدية، فيمكن أن يكون ذلك باجتهاد منهم وليس بسوء قصد منهم، فلا يجوز إطلاق هذا القول إلا مقيدًا: من علم الحق ثم انحرف عنه فهو كذا وكذا، ثم لا يفرق بين من انحرف في مسألة الأسماء والصفات أو ما يتعلق بالعقيدة وبين من انحرف في حكم شرعي، مثلًا: من عرف أن الحق مثلًا: أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، وهو يظل يصر مكابرًا للأدلة، وعلى ذلك فقس وما أكثر المسائل الفرعية التي اختلف فيها العلماء والتي بعضها قد يكون أثرها في المجتمع إفسادًا أكثر بكثير من بعض المسائل التي هي تتعلق فقط في العقيدة.
ترى! من أنكر كبعض الأحزاب القائمة اليوم على الأرض الإسلامية .. أنكر عذاب القبر، ترى! هذا ضرره أكثر أم ذلك الرأي الفقهي الذي يقول: إن الفتاة
[ ٥ / ٧٣٠ ]
المسلمة إذا بلغت سن الرشد فيجوز لها أن تزوج نفسها بنفسها دون إذن وليها خلافًا للحديث؟ أي الرأيين أشد إفسادًا في المجتمع؟ آلأول الذي أنكر عذاب القبر أم هذا الذي أنكر شرط إذن الولي؟ لا شك أن هذا أكثر فسادًا، لكن هذا اسمه فروع وذاك أصول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (النجم:٢٣) وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٦٣٥/ ٢٣: ٣٢: ٠٠)
[ ٥ / ٧٣١ ]
جماع أبواب أحكام العذر بالجهل في العقيدة
والكلام حول العذر بالإكراه
وحكم من شذ في مسألة عقدية
[ ٥ / ٧٣٣ ]
[٧٢٢] باب ضوابط العذر بالجهل
سؤال: ما هو الضابط بالنسبة للعذر بالجهل بالتوحيد وهل قراءة وتلاوة القرآن تكفي لإزالة هذا العذر؟
الشيخ: أولًا الضابط سواءً كان يحسن قراءة القرآن أولًا، ويفهمه ثانيًا، أو كان يقرأه ولا يفهمه، أولا يحسن لا فهمه ولا قراءته، فالضابط في ذلك هو أن يعيش المسلم في جو إسلامي صحيح، وتكون العقائد منتشرة في ذلك الجو حتى صارت من قسم ما يسميه علماء الأصول بالمعلوم من الدين بالضرورة.
ولعل جميع الحاضرين يذكرون حديث الجارية التي كانت ترعى غنمًا لرجل في أحد وأن الذئب سطى على الغنم فلما بلغه الخبر قال الرجل معتذرًا لنفسه عما فعل بقوله: قال الرجل أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة، يقول الرسول ﵇ وعليه عتق رقبه فأمره ﵇ بأن يأتي بها فقال: لها أين الله؟ فقالت: في السماء فقال: من أنا؟ قالت أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة، الشاهد من الحديث أن كون الله ﷿ في السماء في عقيدة قرآنية منصوص عليها في القرآن في غير ما آية صريحة وعقيدة سنية نبوية عليها أحاديث كثيرة جدًا، ولكن الآن كثير من المجتمعات الإسلامية، لا تعتقد العقيدة الإسلامية فالرجل الذي يعيش في هذا الجو يكون معذورًا؛ لأن الحجة لم تبلغه بخلاف من كان في مجتمع آخر عقيدة التوحيد هي فاشية ومنتشرة في ذلك المجتمع الذي أشبه ما يكون بالمجتمع الأول النبوي والذي فيه الجارية وهي راعية الغنم عرفت هذه العقيدة، هل هي درست القرآن، هل هي درست حديث الرسول عليه الصلاة
[ ٥ / ٧٣٥ ]
والسلام، ذلك مما يستبعد عادةً من راعية غنم، لكن هي تعيش مع أهل
بيت: سيدها وسيدتها فهي تسمع منهم وتتفقه على أيديهم، فتعلم ما لم تكن من
قبل تعلم.
وإذا ضممنا إلى هذا الحديث وإلى هذا المعنى قول الله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) وفهمنا الآية الكريمة فهمًا صحيحا، وليس فهمًا جامدًا على لفظها دون مرامها ومعناها، وأعني بذلك أن الآية لا تعني فقط بقوله تعالى ﴿حتى نبعث رسولا﴾ أي أن كل جماعة وكل طائفة وفي كل عصر يأتيها رسول، قد يأتيها رسول، وقد يأتيها دعوة الرسول، المهم إذًا أن الآية ليست تعني فقط شخص الرسول وإنما تعني دعوة الرسول؛ ومن الأدلة على ذلك أن الرسول قد يأتي قومًا فيكون فيه المجنون، ويكون فيه المصروع، ويكون فيه غير البالغ، والأصم وإلخ، وهؤلاء جاءهم الرسول، ولكن ما جاءتهم دعوة الرسول، وعلى العكس من ذلك، أمثالنا نحن أتباع محمد ﵇،
نحن ما جاءنا محمد، مباشرة لكن جاءتنا دعوة محمد إذًا من وصلته دعوة محمد - ﵌ - على نقاوتها وعلى حقيقتها فقد بلغته الحجة، ولا يعذر بالجهل على ما وضحت آنفًا.
من هنا أنا قلت أكثر من مرة أن كثيرًا من الأوروبيين والأمريكيين الذين يفتنون بدعاةٍ منحرفين عن الكتاب والسنة ولنضرب على ذلك مثلًا بطائفة القاديانية؛ لأن هؤلاء من الطوائف التي لها نشاط شديد جدًا في الدعوة إلى ما يعتقدون من دينهم، ولذلك فقط استطاعوا أن يؤثروا على الألوف المؤلفة من الإنجليز والألمان والأمريكان وإلخ، ترى وهنا الشاهد هؤلاء الذين اتبعوا الدعوة
[ ٥ / ٧٣٦ ]
القاديانية هل بلغتهم حجة الإسلام؟ الجواب: لا بلغتهم حجة القاديانية وليست حجة الإسلام، فلله الحجة البالغة وهي مناط التكليف إيجابًا وسلبًا، فالضابط إذًا بلوغ الدعوة الصحيحة إلى الأفراد فمن بلغته فقد أقيمت عليه الحجة ومن لا فلا، لكن الذي يضبط الموضوع هو ملاحظة المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء الأفراد؛ فإن كان المجتمع مجتمع أهل السنة والجماعة كما كانوا يقولون قديمًا ولا نرى استعمال هذه الكلمة حديثًا؛ لأنها في عرف المقلدين إنما تعني الأشاعرة والماتريدية وإنما نعني من بلغتهم دعوة السلفية وما كان عليه السلف الصالح فهذا قد أقيمت عليه الحجة ولكن في اعتقادي أن هؤلاء قلة في العالم الإسلامي كله، في اعتقادي أظن يكفي هذا جوابًا على سؤالك.
"الهدى والنور" (٨٦١/ ٢٠: ٠١: ٠٠)
[٧٢٣] باب منه
السائل: [أسأل] على عملية العذر بالجهل، العذر بالجهل يعني ..
الشيخ: العذر بالجهل أخي يختلف، العذر بالجهل تارة يُعْذَر وتارة لا يعذر، ولا فرق بين أن يكون الأمر في العقيدة أو أن يكون في الأحكام الشرعية، قد يكون معذورًا في كل منهما وقد يكون غير معذور في كل منهما، وقد يكون معذورًا في أحدهما دون الآخر وهكذا، والمناط؛ أي: العلة التي توجب المؤاخذة أو لا توجبها، إنما هي ملاحظة كون هذا الذي نريد أن نقول عنه أنه معذور أو غير معذور يعيش في مجتمع إسلامي معروف الحكم عند هذا المجتمع وذائع وشائع مع ذلك هو ليس عنده علم بذلك فهذا غير معذور.
وبين شخص آخر يعيش في مجتمع إما غير إسلامي محض كالمجتمعات
[ ٥ / ٧٣٧ ]
الكفرية وإما يعيش في مجتمع إسلامي اسمًا حينئذ هذا يكون معذورًا بأنه لم تبلغه الحجة، عرفت الفرق؟
مداخلة: نعم.
"الهدى والنور" (١٩٩/ ٥٨: ٥٦: ٠٠) و(٢٢٤/ ٢٨: ٠٢: ٠٠)
[٧٢٤] باب منه
السائل: موضوع العذر بالجهل هنالك من يقول ..
الشيخ: موضوع إيش ..
السائل: العذر بالجهل في العقيدة خاصة، هناك من يقول يعذر الإنسان بالجهل وهنالك من يقول لا، وقد ظهرت مؤلفات في ذلك، نرجو الإفادة
في ذلك ..
الشيخ: نعم، سبق أن أجبت عن مثل هذا السؤال بشيء من التفصيل ولا أستحسن إعادة الكلام في الإجابة عن سؤال متكرر إلا إيجازًا، فأقول لا يصح القول مطلقًا بأن الإنسان يعذر بالجهل مطلقًا أو لا يعذر مطلقًا كلاهما خطأ، وإنما لابد من التفصيل، من كان يعيش في جو إسلامي، وهذا الجو الإسلامي يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا ثم وجد هناك شخصٌ يجهل العقيدة الإسلامية، وهو يحيى في هذا الجو؛ فهو غير معذور، وعلى العكس من ذلك: إذا تصورنا شخصًا آخر يعيش في جو غير إسلامي، جو الكفر والضلال مثل أوربا وأمريكا مثلًا ثم أسلم فهذا يعذر بجهله لأنه لا يجد الجو الذي يساعده على أن يتعلم وأن لا يجهل، ثم نضرب المثال الذي يعاكس الصورة الأولى، الصورة الأولى قلنا رجل يعيش في
[ ٥ / ٧٣٨ ]
جو إسلامي يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا فهو غير معذور بجهله، الآن نقلب الصورة فنقول زيد من الناس يعيش في مجتمع إسلامي ولكن هذا المجتمع قد انحرف به الجمهور فيه عن العقيدة الصحيحة فيكون أيضًا هذا الشخص معذورًا لأنه لا يجد الجو الإسلامي الصحيح الذي يقدم إليه العقيدة الصحيحة كما يقولون اليوم أوتوماتيكيا، يعني ليس بحاجة إلى أن يتعلم بحلقات خاصة؛ لأن الجو كله مملوء بالعقيدة الصحيحة، مثال ذلك: حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: صليت يومًا ورأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعطس رجلٌ بجانبه، وعطس رجل بجانبه فقلت له: يرحمك الله، وهو يصلي مع المصلين، قال فنظروا إليَّ بمُؤخرة أعينهم فضقت ذرعًا فقلت: واثكل أُمياه، مالكم تنظرون إليَّ؟ فأخذوا ضربًا على أفخاذهم، يقولون له: اسكت ليس هذا مكان الكلام والصياح قال: فلما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة أقبل إليَّ فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي:" إن هذه الصلاة لا يصلح فيها من كلام الناس ..
"، يرحمك الله، يهديكم الله، هذا الذي هو معتاد وعادة شرعية جيده إذا عطس الرجل فحمد الله فشمتوه هذا لا يجوز في حالة الصلاة " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها من كلام الناس، إنما هي تسبيحٌ وتكبيرٌ وتحميدٌ وتلاوة القرآن"، قال: فقلت يا رسول الله، أتصورُ نفسية هذا الإنسان الفاضل أنه كان حديث عهد بالإسلام وأنه لم يتعلم بعد ما يجوز في الصلاة وما لا يجوز ولذلك وقع منه هذا الخطأ، حيث قال لمن عطس يرحمك الله هذا كلام وقد كان مثل هذا جائز في أول الإسلام حتى أنزل الله ﵎ القرآن ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِين﴾ فحرم الله عليهم الكلام، كان الرجل قبل استقرار تحريم الكلام يدخل
[ ٥ / ٧٣٩ ]
المسجد فيجد الناس في الصف يصلون وراء الإمام فيقف فيقول لصاحبه إي ركعةٍ هذه يقول هذه الركعة الثانية فيفهم في صلاة الصبح مثلًا أنه قد فاتته الركعة الأولى فينوي ويكبر ويقرأ ماتيسر له ويركع لوحده ثم ينضم مع الإمام في الركعة الثانية، حتى دخل يومًا معاذ ابن جبل ﵁ دخل المسجد فوجد الناس قيامًا كالعادة فنوى مباشرة ولم يسأل ذلك السؤال التقليدي ثم قام وصلى ماسُبق به من الصلاة فقال ﵊ إن معاذًا قد سن لكم سنة أي سنة حسنة، فصار من ذلك اليوم الحكم المعروف حتى اليوم ألا وهو قوله ﵇: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» بينما كان الحكم كما عرفتم، يستوضح متكلمًا مع صاحبه وهو في الصلاة فيصلي ما فاته لوحده، ثم ينضم، هذا الرجل يبدو أنه لم يكن قد بلغه تحريم الكلام في الصلاة وبخاصة أن هذا ليس من الكلام المعتاد، كيف حالك وشلونك وكِيف السوق وما أشبه ذلك، إنما عطس فحمد الله، فقال له: يرحمك الله، ولم يكن قد علم بعد أن هذا شيء ممنوع في الصلاة ولذلك ازداد ثورةً وغضبًا حينما وجدهم ينكرون عليه أشد الإنكار، أولًا بنظرهم إليه بمؤخرة أعينهم، ثانيًا بضربهم على أفخاذهم بأكفهم، فلا شك تتصورون معي أنه هذا الإنسان ما يدري كيف صلى وهو يفكر -عرف أنه قد أخطأ لكن ما خطؤه- وعلى ذلك انتظر حينما سلم الرسول ﵇ من الصلاة أن يأتيه وأن يؤنبه وأن يقسو عليه في الكلام كما هو شأن كثير من الأئمة ومن المدرسين الذين لا يتحملون سؤال عادي إلا ويثورون ويغضبون، هكذا تصور هو أن الرسول لما أقبل إليه لكن خاب ظنه والحمد لله حينما قال معبرًا عن لطفه ﵇ ورأفته قال: أقبل إليَّ فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني إنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا
[ ٥ / ٧٤٠ ]
يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح ٌ وتحميدٌ وتكبيرٌ وتلاوة للقرآن» حينما وجد هذا اللطف المحمدي تفتحت معه ذاكرته وذكرته لتوجيه السؤال بعد السؤال، قال يا رسول الله إنا منا أقوام يأتون الكهان قال: «فلا تأتوهم»، قال إنا منا أقوامًا يتطيرون، قال: «فلا يصدنكم»، قال إنا منا أقوام يخطون الرًّمَل، قال: «قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطهُ خطه فذاك»، قال يا رسول الله -وهنا الشاهد- إن لي جاريه في أحد ترعى الغنم لي فسطى الذئب يومًا على غنمي، وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة، وعليَّ عتق رقبة، كأنه يقول أفتجديني أن أعتقها كفارة لما علي من عتق رقبة قال:
«هاتِها» فجاءت قال لها: «أين الله» قالت في السماء، قال لها: «من أنا» قالت أنت رسول الله فالتفت إلى سيدها السائل وهو معاوية بن الحكم السلمي، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».
الشاهد من هذا الحديث وفيه أحكام جمة كما سمعتم وفوائد عديدة، إنما الشاهد فيه أن النبي - ﵌ - سألها عن عقيدة تتعلق بكل مسلم ألا هو قوله ﵇: أين الله؟ فأجابت بالجواب الصحيح قالت في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. فحكم عليها بأنها مؤمنة لأنها أجابت عن السؤالين جوابًا صحيحًا، انظروا الآن الفوارق؛ هذه جارية ترعى الغنم عرفت العقيدة الصحيحة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) هذه العقيدة التي لا زال المسلمون يختلفون فيها اختلافًا جمًّا، ولا يزال جماهيرهم منهم بعض العرب وأكثرهم من العجم لا يزالون يجهلون هذه العقيدة الصحيحة بل ويحاربونها أيضًا، فإذا افترضنا جوًا مثل هذا الجو النبوي، جارية ترعى الغنم، عرفت ما لا يعرفه كبار المشائخ في بعض البلاد، فمن كان من عامة الناس في تلك البلاد ومن أين
[ ٥ / ٧٤١ ]
له أن يعرف العقيدة الصحيحة كما عرفتها هذه الجارية والعلماء في تلك البلاد هم يعتقدون خلافها ويقولون ما لا يجوز، كمثل قولهم إذا قلت لهم أين الله؟ يقولون نعوذ بالله، هذا سؤال لا يجوز، سؤال لا يجوز والرسول هو الذي سَنَّهُ! هكذا يقولون لا يجوز هذا السؤال، لماذا؟ لأن الجواب لا يجوز، أكثر وأكثر عندهم: لا يجوز أن يقول المسلم كما قالت الجارية: الله في السماء، وكثير من هؤلاء العلماء الأعاجم بل وفيهم العرب وبعضهم من الشراكسة وبعضهم من المغاربة حاولوا [الطعن في] صحة هذا الحديث وما ذاك إلا لأنه يحمل في طواياه العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بتفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، فيعللون هذا الحديث مع كونه في صحيح مسلم ومع كونه يشهد الله لا علة له إطلاقًا، أقول هذا لأنه قد يوجد في صحيح مسلم وفي غيره ما يمكن أن يكون فيه طعن ما كتدليس ونحو ذلك، أما هذا الحديث فذلك من فضل الله علينا وعلى الناس فليس فيه أي طعن من حيث إسناده، ولكن أهل الأهواء إن كانت العقيدة في القرآن حاولوا اللف والدوران حولها بتأويلها وإخراجها عن دلا لتها الصريحة، وإن كانت العقيدة في السنة حاولوا الطعن فيها بكل وسيلةٍ ولو كانت فاشلة.
فإذًا الذي يعيش مثلًا في جو مثل الأردن، مثل سوريا مثل مصر أكثر علمائها لا يعرفون هذه العقيدة بصورة خاصة، والعقيدة السلفية بصورة عامة، أفلا يعذر المسلمون الذين يقيمون في تلك البلاد، نقول نعم، لكن ليس الأمر كذلك، الغرباء الذين يعيشون في هذه البلاد والتي فضلها الله ﵎ وميزها بكثير من الخصال من أهما دعوة التوحيد التي سخر الله لها في هذه البلاد منذ نحو مئتي سنة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فأحيى دعوة التوحيد حيث كانت الشركيات والوثنيات قد كادت أن تعم البلاد الإسلامية كلها ومنها هذه البلاد في الجزيرة
[ ٥ / ٧٤٢ ]
العربية فأنقذ الله بهِ عباده هناك، ثم سَرَت يقظته هذه إلى البلاد الإسلامية الأخرى لكن بنسب متفاوته وقليله جدًا، فمن كان غريبًا هنا من الأعاجم أو العرب فهو يسمع ليل نهار عقيدة التوحيد، وأن الله على العرش استوى، وأن استواءه معلوم لغةً وهو الاستعلاء، وأن الكيف مجهول، وأن السؤال عن كيفية الأستواء بدعة، فهذا لا يكون معذورًا لأنه قد وجد في جو يشبه جو تلك الجارية، من أين عرفت الجارية العقيدة؟ من المجتمع التي عاشت فيه فسيدها وسيدتها وأبناؤهما كلهم ينطقون بالعقيدة الصحيحة، فلماذا هي لا تكون كذلك عقيدتها صحيحة، وهذا مما يفسر به قوله ﵊ وهو من أنباء الغيب: «إن الله ليعجب من أقوامٍ يجرون غلى الجنة في السلاسل، إن ربك ليعجب من أقوام يجرون إلى الجنة بالسلاسل»، كيف هذا؟! إشارة عظيمة جدًا من نبينا - ﵌ - إلى الفتوحات الإسلامية التي ستقع من بعد الرسول - ﵌ -، ويأتون بالأسرى مغللين في الأصفاد فيعاشرون المسلمين وهم عبيد أرقاء لكن رقهم هذا سينقلب نعمة ما بعدها نعمة عليهم، فإنهم قد كانوا من قبل وهم أحرار في بلادهم يسمعون عن الإسلام كل سيئة بسبب القساوسة والرهبان والجهال وما شابه ذلك من الذين يذيعون السوء عن الإسلام والأفكار والعقائد السيئة، فلما ابتلاهم الله ووقعوا في الأسر وسيقوا إلى بلاد الإسلام بالأغلال عاشوا مع المسلمين عن كثب وعن قرب واطَّلعوا أولًا على عقائدهم وعلى عبادتهم ثم على سلوكهم وأخلاقهم فوجدوها من أحسن ما يمكن أن يوجد على وجه الأرض، فكان ذلك سببًا لدخولهم في الإسلام اختيارا وليس اضطرارًا، فدخلوا الجنة أي بسبب إسلامهم وهم قد سيقوا من قَبل بالأغلال.
فهذه البلاد إذًا من كان فيها من الغرباء سواء من العرب أو الأعاجم فلا يعذر بجهله؛ لأنه استمر في جهله، فمعنى ذلك أنه مكابر ومعاند لأنه قد أقيمت الحجة
[ ٥ / ٧٤٣ ]
عليه فإنه يسمعها ليل نهار، أما من كان في البلاد الأخرى فهو يسمع نقيض ذلك فهو معذور بجهله، فإذًا عرفتم الآن ثلاثة صور أو ثلاثة مجتمعات ..
المجتمع الأول: المجتمع الإسلامي الذي فهم العقيدة الصحيحة فمن عاش في هذا المجتمع فلا يعذر بجهله.
المجتمع الثاني: المجتمع الكافر الذي قد يُسْلِمُ فيه فردٌ من أفراده أو بعض أفراده فمن أين له أن يعرف العقيدة الصحيحة فهو معذور بجهله.
المجتمع الثالث: مجتمع بينهما فهو في الظاهر مسلم وعلامات الإسلام ظاهره فالمساجد عامرة بالصلاة والأذان مرفوعٌ صوته وإلى آخره، لكن كبار أهله منحرفون عن العقيدة الصحيحة، فمن أين يتلقى أفراد هذا الشعب العقيدة الصحيحة؟ فيكونون والحالة هذه معذورين.
هذا الذي تيسر لي من الجواب عن هذا السؤال وبهذا القدر كفاية .. والحمد لله رب العالمين.
"فتاوى جدة -الأثر- (١٠/ ٤٣: ٥٥: ٠٠)
[٧٢٥] باب هل يُعذر بالجهل
في مسائل الاعتقاد في بلادنا اليوم؟
السؤال: هل يعذر بالجهل في مسائل الاعتقاد؟
الجواب: أما في بلادنا اليوم يعذر؛ لأنه ليس هناك علماء يبلغون أحكام الله إلى عامة المسلمين.
"الهدى والنور" (٢٦٢/ ٠٠:٤٣:٠٥)
[ ٥ / ٧٤٤ ]
[٧٢٦] باب هل يعذر بالجهل
من عاش في مجتمع مليء بالشركيات؟
السائل: بسم الله والصلاة السلام على رسول الله، أما بعد:
قد ذكرت فيما مضى من الأسئلة السابقة أن قضية العذر بالجهل، هذا بالنسبة للصفات، هل يعذر بالجهل من كان في بلدة يقام فيها الذبح للأولياء والطواف حول قبورهم وهم يدعون الإسلام، وبلدهم أو بلادهم .. الطابع هذا كله في جميع البلاد، فهل هذا الرجل يعذر بالجهل أم لا؟ ويعتقد أن الأولياء .. أو أن هذا الذي يطوف حوله ينفع ويضر، وهذا المعتقد السائد في هذا البلد، فهل هذا الرجل يعذر بالجهل، أم ماذا؟
والسؤال الثاني: ..
الشيخ: حسبك سؤالًا سؤالًا .. أنا جوابي على جوابك بكل صراحة: نعم، وهو مفهوم من جوابي السابق تمامًا؛ لأن السؤال كما قلت أنت الآن في العقيدة: هل يعذر إذا كان ضالًَا في العقيدة أم لا، وما دندنت حوله من الطواف حول القبور هو من الإشراك بالله ﵎، فالجواب هو الجواب الذي دندنا حوله وصرحنا به فيما مضى، وليس في السؤال شيء جديد.
إذا تذكرت بأنني جعلت المجتمع الذي يعيش فيه هذا الذي يعذر أو لا يعذر جعلت المجتمعات ثلاثة:
إما مجتمع إسلامي صحيح، وإما مجتمع كافر، وإما مجتمع اسمًا مجتمع إسلامي، ولكن العلماء الذين هم مفروض فيهم أن يكونوا هداة هادين لغيرهم هم في أنفسهم ضالون، وقد ذكرتُ ومن أين يأتيه علم هذا الجاهل، فهو معذور إذا
[ ٥ / ٧٤٥ ]
وجد في مثل المجتمع الثاني المجتمع الكافر، أو المجتمع الثالث المجتمع المسلم الذي ليس فيه أهل التوحيد وأهل العقيدة الصحيحة، فما الذي حملك على أن تجدد السؤال بضرب مثال، مع أن الأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى.
قد يكون هناك شيء خفي أمره على بعض الحاضرين، وقد تكون أنت منهم، فهل تستطيع أن تقول ما الذي حملك على توجيه هذا السؤال وهو داخل في الجواب السابق، تفضل.
مداخلة: هناك آيات من القرآن كثيرة .. أن الأولياء إذا دعوهم الناس لا يضروهم ولا ينفعوهم ..
الشيخ: ليس هنا داعي يا أخي! أنت الآن كأنك تناقش إنسانًا يقر دعوة غير الله ﷿ من الأموات، لسنا في هذا الصدد، بحثنا هذا الجاهل يعيش بين أناس يعتقدون أن هذه الاستغاثة بغير الله هو من باب التوسل المشروع، لسنا في هذا الصدد، نحن والحمد لله منذ نعومة أظفارنا ونحن من أهل التوحيد: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ (يوسف:٣٨) لكن بحثنا الآن: من وجد في مجتمع شرك، هل أقيمت حجة الله عليه؟
مداخلة: على العقائد هذه ..
الشيخ: واضح أن الحجة لم تقم، فهذا الذي نحن ندندن حوله، ولذلك ففي سؤالك ليس فيه شيء جديد، ونحن حين نقول: إنه معذور يمكن هذه النقطة تحتاج إلى توضيح، ماذا نعني إنه معذور بمعنى: إننا لا نحكم عيه بأنه من أهل الكفر المخلدين في النار، هذا الذي نعنيه، ولسنا نعني أنه يدخل الجنة ترانزيت! لا ما نعني هذا، لا يدخل الجنة كما قال ﵇ إلا نفس مؤمنة، هذا أعلنه في
[ ٥ / ٧٤٦ ]
حجة الوداع، ولكني أريد من قولي: إنه معذور، أي: لا نحكم له بالنار التي وعد بها الكفار، له معاملة يوم القيامة معروفة في بعض الأحاديث الثابتة، فإن أطاع دخل الجنة وإن عصى دخل النار.
"فتاوى جدة-الأثر-" (١١/ ٠١:١٨:٤٨)
[٧٢٧] باب هل يعذر المخالف في العقيدة؟
سؤال: فضيلة الشيخ! هل يعذر من خالف في العقيدة لمجرد اشتراكه في النية حتى وإن خالف المنهج الصحيح في أصول الاستدلال؟
الشيخ: هذه المسألة كثيرًا ما تثار في هذا الزمان، وأنا أرى أنها تحتاج إلى شيء من التفصيل، وقد يُطرح هذا السؤال بصيغة أخرى، وهي هل يُعذر الجاهل بجهله؟، ولا شك أن الجهل قد يكون جهلًا جزئيًّا أو يكون جهلًا كليًّا، أنا أشرت آنفًا إلى أن بعض المخالفين قديمًا خالفوا في بعض العقائد [فهذا] إذا كان قصده الوصول إلى معرفة حكم الله ﷿ فيما ذهبوا إليه فأخطأ، الخطأ في اعتقادي معذور إذا كان صادرًا عن اجتهاد قد أفرغ صاحبه جهده ولم يقصر، فلا فرق في الخطأ في الأصول أو في الفروع إذا لاحظت هذه القاعدة: لو أن رجل استحل حكمًا هو في الشرع حرام، لا شك أنه إذا علم حرمته ومع ذلك استحله، فإنه يكفر، وهذا حكم شرعي وليس عقيدةً، وكذلك العكس تمامًا لو أنه استحل محرمًا باجتهاده فلا يعتبر هذا كفرًا وإن كان يعتبر خطأ وضلالة فمن حيث به لا يجوز حتمًا، لكن من حيث أنه مؤاخذ عند الله ﷿ مؤاخذته للكافر الذي عرف الحق وجحده فليس الأمر كذلك، فالمناط في هذه المسألة من حيث المؤاخذة ليس هو كونه أخطأ في العقيدة أو في أصل من الأصول، وإنما المناط
[ ٥ / ٧٤٧ ]
في القضية: هل تبين من الحق ثم جحده كما قال تعالى في حق المشركين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) وقال في حق اليهود ومعرفتهم بصدق النبي - ﵌ -، ومع ذلك كفروا به، قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦).
فإذًا: المناط في المؤاخذة في الخطأ في العقيدة أو في الأحكام ليس هو التفريق بين هذه وهذه، وإنما التفريق بين أن يكون المخطئ قصد الحق بإخلاص وإفراغ الجهد للوصول فيه أو لم يقصد، فعلى هذا يحكم بأنه معاقب عند الله ﷿ أو لا.
ويحضرني بهذه المناسبة حديثان اثنان: أحدهما يتعلق بما ذكر آنفًا في قوله تعالى لليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦) ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (١) أن النبي - ﵌ - كان له غلام من اليهود يخدمه فمرض هذا اليهودي، فعاده ﵊ فوجده في حضرة الموت فقال له ﵊: «قل: لا إله إلا الله» وعند رأس الغلام والده، فرفع بصره إليه كأنه يستشيره يسأله: ما رأيك في قول محمد ﵇، فالخبيث أجاب بكلمة حق فقال لابنه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: لا إله إلا الله ومات، فقال ﵊: «الحمد لله الذي نجاه بي من النار» الشاهد في هذا الحديث هو كتفسير الآية الكريمة: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦) والد هذا الغلام لما رأى ابنه في حضرة الموت ويعرف حقيقة أن النبي - ﵌ - نبي صادق أراد أن ينقذ ابنه من الورود في العذاب فقال له: أطع أبا القاسم، أما هو نفسه فصدق فيه قوله تعالى:
_________________
(١) البخاري (رقم١٢٩٠).
[ ٥ / ٧٤٨ ]
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) فعاش أبوه كافرًا وربما مات كذلك، ولكنه نصح ابنه وقال له: أطع أبا القاسم.
هذا الكفر الذي هو الجحد هو الذي يحاسب عليه الإنسان عند الله ﷿ ويكون خالدًا مخلدًا في النار.
الحديث الثاني: حديث في اعتقادي مهم جدًا فيما يتعلق بالكفر وأنه ليس الخطأ في الكفر غير معذور؛ لأنه كفر وإنما المناط كما ذكرنا الجحد، لقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري وغيره أيضًا قال: «كان رجل فيمن قبلكم لم يعمل خيرًا قط، فلما حضرته الوفاة جمع أولاده حوله وقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي» وهنا يبدأ الشاهد: قال: «فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا، فإذا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في الريح ونصفي في البحر» فلما مات نفذوا فيه هذه الوصية العجيبة الغريبة فقال الله ﷿ لذراته: كوني فلانًا فكانت بشرًا سويًا، قال الله ﷿: «أي عبدي! ما حملك على ما فعلت، قال: يا رب! خشيتك، قال: فقد غفرت لك».
الشاهد: أن هذا الإنسان لا يشك مسلم بأنه قد وقع في الكفر حينما شك في قدرة الله ﵎ أن يعيده كما كان وهو يستحق العذاب، فصورت له غفلته أن يضيع على ربه بزعمه فأوصى بتلك الوصية الجائرة الغريبة حيث أمر أولاده بأن يحرقوه بالنار وأن يذروا نصفه في الريح الشديدة والنصف في البحر المائل، فما كان ذلك بالذي يضيع على ربه كما قال في القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨) إلى آخر الآيات، تعالى الله ﷿ والله أعلم بما كان، في نفسه من الوازع والدافع الذي دفعه على مثل هذه
[ ٥ / ٧٤٩ ]
الوصية: «ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك» أي: إنه مؤمن بالله ﷿ أولًا، وبِعَدله ثانيًا، وأنه يستحق العقوبة؛ لأنه لم يعمل خيرًا قط، هذا الخوف من ربه هو الذي أعماه عن قدرته التي لا يتصور أن يعيش مسلم جاحدًا لها، لكن
الخوف أعماه فأوصى بهذه الوصية، فلما علم الله ﷿ منه ذلك قال: قد غفرت لك.
فلذلك لا يجوز الفصل بين الخطأ في الفرع أو الخطأ في الأصل؛ لأن الخطأ في الأحكام أو الخطأ في العقائد فهو خطأ هنا وهناك، وهو كفر هنا وهناك، أو خطأ هنا وهناك، فالله ﷿ العليم بما في الصدور هو الذي سيحاسب كل إنسان بما قام في نفسه حينما انحرف عن الصواب، هل كان متعمدًا له أو كان غير متعمد .. هل كان قاصدًا لمعرفة الحق أو غير قاصد؟ هذا أمره يعود إلى الله ﵎، أما الأحكام الظاهرة فهذه شأن آخر فلا بد من تنفيذ الأحكام الظاهرة إذا ظهر أن مسلمًا ما يقول كما تقول الشيعة، بأن هذا المصحف ناقص والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) هذا بلا شك يؤتى به إلى الحاكم والقاضي الذي يحكم بالشرع فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، فهذا حكم غير ما نتكلم فيه عند الله ﷿: هل يدان بالخطأ بالعقيدة أم لا يدان؟ فيه التفصيل الذي ذكرناه آنفًا.
"رحلة النور" (١٣أ/٠٠:٤٣:٣١) (١٣ب/٠٠:٠٠:٠٠)
[٧٢٨] باب هل يعذر بالجهل في الأسماء والصفات؟
السائل: هل يعذر الإنسان بالجهل في الأسماء والصفات؟
الشيخ: الجواب بارك الله فيك: أن الأمر يختلف باختلاف الإنسان من حيث موطنه، وأنا كما يقولون في دمشق: نضربها علاوية، يعني: فارق كبير، يعني:
[ ٥ / ٧٥٠ ]
للمسلم الأوروبي الذي أسلم بسببٍ بدا له من نور الإسلام فآمن، كذاك البدوي الذي أسلم في بعض المعارك وسأل الرسول ﵇: أنه إذا قاتل واستشهد أيدخل الجنة؟ قال: نعم، فهجم على الكفار وقاتل حتى قتل، هذا ما يتصور أنه عرف تفاصيل الإسلام، صح أو لا؟ نرجع للمثال السابق: هذا الأوروبي الذي أسلم من أين يستمد المعلومات التفصيلية فيما يتعلق بالصفات الإلهية سواء ما كان منها في الكتاب أو ما كان منها في السنة، فهذا يعذر، هذا أعلى شيء مثال، ننزل قليلًا إلى الوسط: المسلم الذي يعيش في جو خلفي ماتريدي أو أشعري، لو سأل أي عالم من العلماء الذين يقال إنهم من أهل العلم، فسيفتونه بما تعلم من التأويل والتعطيل، فهذا بلا شك يعذر، أما من كان يعيش في بلاد فيها علماء سلفيين .. فيها علماء خلفيين، فهذا عليه أن يجتهد، أما من كان في بلاد سلفية محضة فهنا يقال: لا يعذر بجهله، واضح؟ فالأصل في هذا هو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
(فتاوى جدة -الأثر-" (٥/ ٠٠:٤٢:١٩)
[٧٢٩] باب هل يعذر الإنسان بجهله في زمن انتشار العلم؟
السائل: [هل يعذر الإنسان بجهله في هذا الزمان مع انتشار العلم؟]
الشيخ: هذا ليس على إطلاقه، وكثيرًا ما سئلنا مثل هذا السؤال في هذه البلاد وفي غيرها، السؤال التقليدي: هل يعذر الجاهل بجهله أم لا؟ فجوابي: أنه قد يعذر وقد لا يعذر، إذا كان الجاهل يعيش في بلاد إسلامية يغلب عليها العلم الإسلامي وخاصة بعقائده وبصورة أخص ما يتعلق منها بالتوحيد فهنا لا يعذر هذا الإنسان بجهله؛ لأنه يعيش في جو إسلامي يفترض أن يكون قد عرف من الجو الصالح الذي يعيش فيه العقيدة الصحيحة وهذا بلا شك أيضًا يستطيع الإنسان أن
[ ٥ / ٧٥١ ]
يتصور صورًا متعددة.
جو إسلامي والحمد لله أن البلاد السعودية لا تزال من حيث صلاح عقيدتها هي في القمة ولكن يقصدها كثير من المسلمين العرب أو العجم لقضاء مصالحهم وأحيانًا عباداتهم من الحج أو العمرة، فقد يكون الواحد منهم أقام في هذه البلاد مدة من الزمن لم يتمكن في المدة لقصرها أن يتعرف على عقيدة التوحيد مثلًا فهو لا يزال يحمل في أفكاره بعض الانحرافات عن التوحيد الصحيح، فهذا بالرغم أنه أقام في جو إسلامي وتوحيده صحيح لا يمكن أن يقاس به من ولد في هذه البلاد وعاش فيها وترعرع ونشأ وتعلم فهناك فرق كبير بين الأول وبين الثاني؛ ولذلك إذا أخذنا هذا الإنسان الأول أي: البلد الإسلامي الصحيح توحيده وعقيدته ثم قابلناه ببلد آخر ليس بلدًا إسلاميًا فالمسلمون الذين يسلمون في بلاد الكفر كأوروبا مثلًا .. أو نحو ذلك، فهؤلاء إذا لم يفهموا بعض العقائد الإسلامية على وجهها الصحيح .. هؤلاء يعذرون لأنهم لا يجدون الجو الذي يعطينا المعنى الذي أشرت أنت إليه آنفًا بقول: صار من المعلوم من الدين بالضرورة، هذا إنما [هو في] المجتمع الأول وفي التفصيل الذي ذكرته: من نشأ وترعرع به وليس بالنسبة لمن [زاره] حالًاّ فيه لمدة قصيرة من الزمن.
ثم نأخذ مثلًا بل أمثلة أخرى ما بين المثل الأول الطالح والمثل الآخر الصالح نأخذ مثلًا كالبلاد المصرية حيث يوجد فيها مشايخ وعلماء الأزهر وما أدراك ما علماء الأزهر من حيث الأزهر الشريف وإلى آخره، ومع ذلك فتجد هناك الشرك ضاربًا أطنابه في الأزهر وفي المساجد التي في الحسين وغيره، فيعيش المصري هناك مسكينًا ولا يسمع صوت التوحيد إطلاقًا، فهذا ليس كهذا الذي عاش في المجتمع الأول؛ فلذلك فمن الخطورة بمكان مع استحضارنا لهذا التفصيل وما
[ ٥ / ٧٥٢ ]
أشير إليه مما لم يذكر .. من الخطورة بمكان أن يقال بأن الجاهل لا يعذر؛ لأنه يعيش في بلد إسلامي، يشترط في هذا البلد الإسلامي أن تكون عقائده مشهورة وكما قلت معلومة من الدين بالضرورة.
لنفترض كما قلنا آنفًا رجل فرنسي أو ألماني أسلم، ما الذي دفعه للإسلام؟ شيء من عظمة الإسلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن يا ترى هل مجرد أن أعلن إسلامه وعودي من قومه عرف الإسلام بتفاصيله؟ طبعًا الجواب: لا، فقد يكون يعيش هو وزوجته وزوجته لا تزال سافرة متبرجة كما كان قبل إسلامه بل وكما كانت هي قبل إسلامها ويعيشون مع بعضهم البعض أشقاء وإخوة وتظهر أمامهم كما تظهر أمام زوجها، هل يعذر أم لا؟ يعذر؛ لأنه حديث عهد بالإسلام؛ ولذلك نجد في بعض الأحاديث ما يمكن اتخاذه حجة؛ لأن القول بأن الجاهل لا يعذر قول يخالف سنة الرسول ﵇ العملية.
ماذا نقول اليوم لو أن مسلمًا في بلاد الإسلام صاح في صلاته بأعلى صوته واستمر في صلاته ولم يعد الصلاة صلاته صحيحة أو باطلة؟ صلاته باطلة لكن الرسول ما أبطل صلاة ؛ لأنه عذره بجهله وما ذاك إلا لأنه كان حديث عهد بالإسلام وعلى ذلك يقاس هذه المسألة الحساسة فلا يقال مطلقًا: الجاهل يعذر، ولا يقال مطلقًا: الجاهل لا يعذر وإنما المسألة تتحمل تفاصيل كثيرة ذكرت
آنفًا بعضها.
أنا أشرت في مثالي الأخير إلى قصة معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وهو بداهةًَ غير معاوية بن أبي سفيان الأموي، فقد حدث كما جاء في موطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد وصحيح الإمام مسلم بالسند الصحيح عنه أنه صلى
[ ٥ / ٧٥٣ ]
ذات يوم ورأى النبي - ﵌ - عطس رجل بجانبه فقال له وهو في الصف في الصلاة: يرحمك الله، فنظروا إليه بأطراف أعينهم تسكيتًا له، فعظم عليه هذا الأمر فصاح بأعلى صوته وهو يصلي: واثكل أمياه، ما لكم تنظرون إلي؟ فما كان لمن حوله إلا أن أخذوا ضربًا على أفخاذهم تسكيتًا، يبدوا أن الرجل تنبه ولو بعد لأي بأنه أخطأ فيما فعل من الكلام والصياح؛ لذلك قال: فلما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة أقبل إليّ .. تصوروا مصليًا في هذا الزمان لو فعل مثل ذلك الإنسان وجاء الإمام إليه ما الذي يتصوره؟ سيشتمه ويسبه إن لم يضربه، كأن معاوية هذا ﵁ تصور شيئًا من ذلك لما رأى الرسول مقبلًا إليه ولكن خاب تصوره؛ لأنه رسول الله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:١٥٩) قال: فما قضى رسول الله - ﵌ - الصلاة أقبل إلي ووالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما تسبيح وتحميد وتكبير وتلاوة القرآن.
انتهت قصة الرجل هاهنا، ولكن يبدو من ناحية النفس أنه لما رأى هذا اللطف النبوي شجعه لأن يتعلم؛ لأنه عرف أنه جاهل .. يصيح في الصلاة بما سمعتم فيقول الرسول: أنه لا يصلح شيء من كلام الناس وإنما هو التسبيح والتحميد والتكبير وتلاوة القرآن، فتشجع على أن يوجه إلى النبي - ﵌ - بعض الأسئلة فأخذ [يطرح] هذه الأسئلة سؤالًا بعد سؤال.
كان مما جاء ذكره في هذا الحديث أن قال: «يا رسول الله! إن منا أقوامًا يتطيرون، قال: فلا يصدنكم، قال: إن منا أقوامًا يخطون بالرمل، فقال ﵊: قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطُه خطَه فذاك، قال: يا رسول الله! إن لي جارية ترعى لي غنمًا في أُحُد فسطا الذئب يومًا على غنمي وأنا بشر
[ ٥ / ٧٥٤ ]
أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة وعلي عتق رقبة، فقال ﵇: هاتها، قال لها ﵊: أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فالتفت إلى سيدها وقال له: اعتقها فإنها مؤمنة».
الآن: لو وجه هذا السؤال النبوي إلى بعض شيوخ الأزهر: أين الله؟ لأقاموا [الدنيا] عليه، فضلًا عن أنه لا يحسن جواب الجارية، لا يقول ذاك الله في السماء، وإن كان عنده شيء من العلم فيحاول أن يطعن في صحة هذا الحديث، وإن سلم بصحته فسيعلل جواب الجارية بتعليلات تعود بالطعن في الرسول ﵇ من حيث هو لا يدري ولا يشعر ولا أرى الآن ضرورة أن أخوض في تفصيل هذا الكلام وإنما حسبي أن أربط هذا الكلام بما سبق.
إذا كان بعض شيوخ الأزهر اليوم من كثرة كاثرة في مصر مثلًا لا يتبنون العقيدة السلفية التي اتضح فيها الآيات الكريمة وتتابعت عليها الأحاديث النبوية الصحيحة لا يعتقدون أن الله ﷿ له صفة العلو فماذا يكون عقيدة عامة الشعب المصري؟ هل يعتقد كما تعتقد هذه الجارية؟
إذًا: ينبغي أن نقول: أن هؤلاء العامة في مصر وفي أمثالها من البلاد الأخرى سواء ما كان منها بلادًا عربية أو أعجمية فالشعب هنا وهناك معذور؛ لأنه لا يعيش في ذلك الجو الإسلامي الذي منه تعلمت الجارية تلك العقيدة الصحيحة، من أين للجارية وهي راعية غنم أن تعرف هذه العقيدة التي لا يعرفها علماء الأزهر؟ من الجوّ .. الصحابة سيدها وسيدتها وما حولها من الناس كلهم يدينون دينًا واحدًا ويتبنون عقيدة واحدة فعرفت هذه العقيدة من المجتمع الذي عاشته، وربما تكون قد قرأت واتبعت سنة الرسول ﵇ بقراءة سورة تبارك التي يسن للمسلم
[ ٥ / ٧٥٥ ]
أن يقرأها في كل ليلة قبل يضطجع وينام ففيها يقول ربنا ﵎: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧).
فإذًا هذه الجارية وفي بعض الروايات الضعيفة أنها أعجمية تلقت هذه العقيدة الصحيحة من الجو الذي كانت تعيش فيه فسلمت عقيدتها، أما الجو المصري وجو البلاد الأعجمية الأخرى فهو موضوء ولا يجد فيه الأفراد العقيدة الصحيحة، وأنا في اعتقادي يكونون معذورين كل العذر.
"رحلة النور" (٥أ/١٨: ٠٦: ٠٠)
[٧٣٠] باب حكم الطواف بالقبور وهل يعذر بالجهل في مثل ذلك وهل أخذ الميثاق يكفي كحجة؟ وحكم أهل الفترة
السؤال: ما حكم الطواف القبور؟ أو
الشيخ: الطواف في القبور شرك لا شك في ذلك ولا ريب، إذا كان النبي - ﵌ - قد قال كما في صحيح مسلم (١): «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» وهذا نص صريح أنه لا يجوز اتخاذ القبر قبلة؛ لأن قبلة المسلم إنما هي بيت الله الحرام أو الكعبة المشرفة، فإذا طاف الطائف حول القبر فمعنى ذلك أنه نقل عبادة هي لله وحده لا شريك له إلى ذاك المقبور الذي يعتقد بأنه من الأنبياء أو الاولياء أو الصالحين، ولا شك أن مثل هذا الارتكاب هو إخلال بحق لا إله إلا الله؛ لأن معنى هذه الكلمة الطيبة: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، فربنا عز
_________________
(١) مسلم (رقم٢٢٩٤).
[ ٥ / ٧٥٦ ]
وجل يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة:٥) فأي عبادة توجه لغير الله ﷿ فهو شرك بالله في توحيد العبادة لأنكم تعلمون فيما أعتقد أن العلماء المحققين قسموا التوحيد الذي ينجي يوم القيامة .. يوم رب العالمين ينقسم إلى ثلاثة أقسام فإذا أخل المسلم بواحد منها لم يكن موحدًا حقًا:
القسم الأول: توحيد الربوبية.
والقسم الثاني: توحيد الألوهية، أي: توحيد العبادة.
والقسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
فمن وجه عبادة من العبادات التي تعبد الله ﷿ بها عباده إلى غيره ﷿ فقد اتخذه معه إلهًا؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم أن النبي - ﵌ - لما كان يدعو المشركين من قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له بالكلمة الطيبة: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات:٣٥) وأيضًا حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥) المشركون لم يكونوا ينكرون التوحيد الأول وهو توحيد الربوبية وتوحيد الخالقية وإنما كانوا يعترفون بذلك تمامًا وإنما أنكروا توحيد العبادة لذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥) فأنكروا على النبي - ﵌ - حينما أمرهم بأن لا يذبحوا إلا لله، وأن لا يحلفوا إلا بالله، وأن لا ينذروا إلا لله .. أنكروا ذلك عليه وجعلوا ذلك علامة منهم على كفرهم وشركهم للألوهية وتوحيد الله ﷿ في العبادة، فقول المسلم أي مسلم كان: لا إله إلا الله محمد رسول الله هذا بلا شك ينجيه من عذاب الدنيا ألا وهو القتل كما قال ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا قالواها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم
[ ٥ / ٧٥٧ ]
إلا بحقها وحسابهم على الله» فمن قال: لا إله إلا الله نجا بنفسه من الموت لكن لا ينجو أمام الله ﷿ من الخلود في النار إلا إذا قام بحق هذه الكلمة وأول حقها هو عبادة الله ﷿ وحده لا شريك له.
من طاف إذًا حول القبور فمعنى هذا أن ما عظمه بعبادة جعلها الله ﷿ عبادة له فنقلها هذا الضال من عبادته لله إلى عبادة مقبور وهو شرك لا شك ولا ريب فيه.
هل هناك شيء آخر؟
مداخلة: [متى يقام الحد على مثل هذا؟]
الشيخ: نعم، هذا السؤال حينما يراد إقامة الحد ﵇؛ لأن هذا بهذا العمل يرتد، فإذا كان هناك من يقيم الحد، أي: القتل على المرتد حينذاك هذا الإنسان يؤتى به فيستتاب، لا يسأل: تعتقد أو لا تعتقد؛ لأن عمله برهان عن عقيدته، إنما يستتاب بعد أن تقام عليه الحجة، أن هذا الطواف هو لبيت الله فقط عبادة وخضوع لله كالسجود لا فرق، فلو أن إنسانًا سجد لشيخ له أو أمير له فهذا لا يسأل لماذا أنت تسجد، وهل تعتقد أن هذا يستحق التعظيم؛ لأن عمله يدل على التعظيم لكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فالرسول ﵇ قال كما على العموم: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» (١) فالسجود بعد هذا التعظيم ليس من حاجة أن يسأل: لماذا أنت تسجد؟ لكن نحن بحاجة أن نفهمه أن هذا السجود إشراك مع الله لمن تعظمه
_________________
(١) صحيح الجاع (رقم٥٢٩٤، ٧٧٢٥).
[ ٥ / ٧٥٨ ]
بنفس الوسيلة التي تعظم بها ربك، فإما أن ترتدع وإما أمامك لا سمح الله القتل.
وسبب هذا الحديث الأخير أن معاذًا ﵁ أتى الشام في زمن النبي عليه الصلاة السلام وغاب ما غاب عنه - ﵌ -، ثم لما جاء إلى المدينة ووقع بصره على النبي - ﵌ - أراد أن يسجد له، فقال له: «مه يا معاذ! قال: يا رسول الله! إني أتيت الشام فوجدت النصارى يسجدون لقسيسيهم وعلمائهم فرأيتك أنت أحق بالسجود منهم، فقال ﵇: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» لكن لا يصلح السجود إلا لله ﵎.
إذًا: سواء من سجد لغير الله أو طاف بغير بيت الله لا حاجة بنا أن نسأله ماذا تعني .. أتعتقد أن هذا يستحق العبادة؟ سيقول لك: لا، ما أعتقد؛ لأنه لا يفهم ما هي العبادة، لكن نحن نقيم الحجة عليه ونفهمه أن هذا إشراك في قسم من التوحيد، الأول: قلنا الربوبية، والثاني: العبادة أو الألوهية، فإن استجاب وذلك ما نبغي فبها ونعمت وإلا قتل كفرًا ولا يدفن في مقابر المسلمين.
مداخلة: هل يعذر الجاهل في أمور العقيدة مثل هذه الأمور؟
الشيخ: هذه أيضًا لنا فيها أكثر من شريط فيما أعتقد، والسؤال يحتاج إلى تفصيل، فالشاهد: يختلف الجاهل باختلاف المجتمع الذي يعيش فيه، فإذا كان مجتمعًا جاهليًا فهو يعذر؛ لأن ما في من يقيم الحجة عليه ويبين له التوحيد، وإذا كان مجتمعًا إسلاميًا محضًا موحدًا فلا يعذر، وبين هذا وهذا طبعًا وجوه كثيرة وربنا ﷿ هو الذي يعلم ما في الصدور، فمن علم الله منه أنه لم تبلغه حجة الله فيما كان جاهلًا به فهذا معذور عند الله لقوله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
[ ٥ / ٧٥٩ ]
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) ولقوله - ﵌ -: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» يسمع بي، يعني: يسمع بدعوتي على حقيقتها ثم هو مع ذلك لا يؤمن فهو خالد في النار أبدًا.
هذا هو مجمل القول في هذه المسألة: المحيط والبيئة له أثر كبير جدًا في تقويم الإنسان أو إفساده؛ ولذلك نهى عليه الصلاة السلام أن يسافر المسلم إلى بلاد الكفر ويساكنهم ويعاشرهم.
مداخلة: ذهب القائلون يا شيخ بارك الله فيك: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (الأعراف:١٧٢) ذهب القائلون في هذا إلى أنه لا يعذر الإنسان بجهله وقد أخذ الله ﷿ العهد عليه من ظهور .. فما رأيكم في هذا الدليل يا شيخ جزاك الله خيرًا؟
الشيخ: هذا بارك الله فيك استدلال هزيل جدًا، وإنما معنى الآية السابقة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) هذا الاستدلال معناه: تعطيل حكمة بعث الرسل وإنزال الكتب، فلو كان ما وقع في عالم الأرواح كما يقولون يكفي لإقامة الحجة كان لم يقل ربنا ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) ولم يكن هناك حاجة قصوى لإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهذا استدلال خاطئ اعتزالي؛ لأن المعتزلة يفسرون الآية التي ذكرتها آنفًا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) أي: العقل، وهذا انحراف طبعًا عن السنة؛ لأن السنة توضح أن أربعة أجناس يوم القيامة يدلون بحجتهم:
الطفل الذي لم يبلغ سن التكليف، والمجنون، والشيخ ، والرابع لا أذكره الآن .. المهم هؤلاء يحاسبون يوم القيامة حسابًا غير حساب الناس .. يرسل الله
[ ٥ / ٧٦٠ ]
﵎ إليهم رسولًا فمن أطاع هذا الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فلذلك الآية السابقة وهذا الحديث وما جاء في كتب التفاسير من السلف تبطل الاستدلال بالآية التي ذكرتها آنفًا.
فضلًا عن الحديث الذي ذكرته أيضًا آنفًا وهو من الحجج: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فلو كانت الحجة السابقة صحيحة لم يكن لهذا الحديث معنى أبدًا؛ لأن الحجة السابقة تسوي بين من سمع عن الرسول وبين من لم يسمع به إطلاقًا، وهذا لا يقول به عالم أبدًا.
مداخلة: معنى سمع بي؟
الشيخ: شرحته آنفًا .. سمع بدعوتي وعلى حقيقتها، وبأوصافه وشمائله المعروفة، وهذا أيضًا لنا بعض تسجيلات في هذه الفترة عندكم، نعم.
مداخلة: أهل الفترة يا شيخ [ما حكمهم]؟
الشيخ: إذا كان المقصود باهل الفترة جماعة بخصوصهم فينبغي تعيينهم، وإذا كان المقصود بأهل الفترة ليس جماعة بخصوصهم وإنما هم أقوام لم تبلغهم دعوة نبي ورسول فقد سبق الجواب، فيا ترى! ما هو المقصود بأهل الفترة في سؤالك؟
مداخلة: يقول: هم الذين ما بلغتهم رسالة نبي
الشيخ: سبق البحث: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
"رحلة النور" (٢٠ب/١٠: ٠٥: ٠٠)
[ ٥ / ٧٦١ ]
[٧٣١] باب حكم من مات من المسلمين
وهو يجهل التوحيد لعذر
مداخلة: الحمد لله والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وصحبه من والاه.
يا شيخ! ما هو حكم من مات من المسلمين وهو يجهل التوحيد حيث لم تصله الدعوة إما لجهله وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإما لكون بعض العلماء الجاهلين تولوا نشر الدعوة بين الناس وأَضْرِبُ مثلًا على ذلك: الصوفية الناس يتصوفون ويعلمون أن الصوفية عبادة ..
الشيخ: نعم.
مداخلة: كنتم فضيلتكم تكلمتم عن قضية الدعوة ونشر الإسلام في أكثر الأجوبة وضربتم مثل عن القديانية أن من لم تصله الدعوة الحقة دعوة التوحيد فهم إن شاء الله لهم معاملة خاصة، فما هو رد فضيلتكم؟
الشيخ: إن عرفت فالزم .. هذا هو الجواب، أي: هذا النوع من المسلمين يعاملون فيما نعلم من دين الإسلام عند رب العالمين معاملة مَنْ لم تبلغهم
الدعوة.
فالجواب هو حسب ما جاء في السؤال، أنت وصفت الوضع الذي عاش فيه هذا الإنسان، يعني: المجتمع الذي عاش [فيه] ذلك الإنسان الذي مات وهو لم يفقه التوحيد يغلب عليه .. أو هو صورة مماثلة لهذا المجتمع الذي لم يفهم التوحيد، وإذا كان المشايخ أو العلماء في مثل ذاك المجتمع الذين هم المفروض
[ ٥ / ٧٦٢ ]
فيهم أن يكونوا هداةً مهتدين هم أنفسهم ضالين منحرفين فما يكون شأن الآخرين، يعني كما قيل:
إذا كان رب البيت للدف ضاربًا فما على الساكنين فيه إلا الرقص
"الهدى والنور" (١٠/ ٥١: ٤١:٠٠)
[٧٣٢] باب هل يُدعى لمن مات جاهلًا بحقيقة التوحيد
ونقاش حول ذلك؟
سؤال: من ناحية الأموات الذي قلت لك أنهم ماتوا على عقيدة دعاء الأموات والأولياء فالدعاء لهم إذا كان يعتقدون الضر والنفع بالأولياء بغير الله، وماتوا على هذا، إنما هم لا يعرفون حقيقة التوحيد، فالذي عرفوه هو هذا من العلماء.
الشيخ: أنا أجبتك عن هذا في ظني، قلت: أن هؤلاء ما دام أنهم كانوا يحافظون على أركان الإسلام، لكن فيهم جهل، والمسؤول عنهم هم هؤلاء الجهلة من أهل العلم، الذين هم يضللونهم، فهؤلاء الذين ماتوا، فالأصل فيهم أنهم مسلمون، فيعاملون معاملة المسلمين، فهم يدفنون في مقابر المسلمين، وبالتالي إذا مر المار بقبورهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين، ويترحم عليهم ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة، ثم أَمْرُهم إلى الله ﵎؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، ثم لا يؤاخذ المشرك إلا بعد أن تكون قد بلغته الدعوة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، فربنا ﷿ من فضله ورحمته بعباده أنه يقبل عذر العبد، فإذا كان أحد هؤلاء المسلمين الخرافيين، فلنسميهم، إذا كان هؤلاء الخرافيين من المسلمين ضل سواء السبيل، ولم يكن هناك من ينبئه
[ ٥ / ٧٦٣ ]
ويحذره وينهاه عن ضلاله، فهو يكون معذورًا عند ربه ﵎، ولا يؤاخذهم مؤاخذة الذي أقيمت الحجة عليه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
لقد جاء في صحيح البخاري ومسلم حديث عجيب جدًا يدل على واسع رحمة الله بعباده، بحيث أن يغفر الكفر أحيانًا، لعلمه بعذر هذا الكافر، قال ﵊: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط» الحديث في صحيح البخاري ومسلم، إياكم أن تشكوا بصحته «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط، فلما حضرته الوفاة، فقال لهم: أي » [حصل هنا انقطاع صوتي]
وهنا الغرابة تأتي: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» هذا شك في البعث، ألا تشعرون معي.
قول: «ولئن قدر الله علي» كأنه يشك بقدرة الله.
«ليعذبني عذابًا شديدًا» إذًا: كيف يتخلص هو من عذاب الله الشديد المعترف بأنه (سيلاقيه).
قال: «فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار لأضل على ربي ثم خذوني وذرّوني نصفي في الريح، ونصفي في البحر». انظر ماذا أوحى له الشيطان.
مداخلة: فين يدور، فين يلاقيني؟
الشيخ: فلما مات الرجل، والأولاد أبرار، وهذه وصية أبيهم، وهو كما اعترفوا كان خير أب لهم، نفذوا وصيته فحرقوه بالنهار حتى صار رميمًا، صار رمادًا، فأخذوا نصف هذا الرماد، ورموه في الريح الهائج راحت بددًا، والنصف الثاني في البحر المائج وراحت مع هذه الأمواج، فقال الله لهذه الذرات: كوني
[ ٥ / ٧٦٤ ]
فلانًا، فكان بشرًا سويا، أي: عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: ربي خشيتك، أنا خفت منك؛ لأنه أنا مستحق لهذا العذاب، وخوفًا منك، لأضل عنك فعلت ما فعلت، قال: اذهب فقد غفرت لك.
هذا كفر، وهذا شرك، وهذا صريح في القرآن، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس:٧٨، ٧٩).
لكن يبدو أن هذا الرجل طيلة حياته كان مؤمنًا، لكن ساعة احتضار الموت واستحضاره لذنوبه ومعاصيه، غلبت عليه خشيته من الله، فعمت عليه الطريق، وسولت له نفسه هذه الوصية الجائرة التي لا أتصور أن وجد في الدنيا أجأر منها، وأفظع منها، مع ذلك غفرها الله ﷿ لهذا الإنسان، فنحن إذا تصورنا هؤلاء المساكين الضالين من إخواننا المسلمين بسبب علماء السوء، يقعون في الشرك وفي الضلال، يستغيثون بغير الله، وينادون الأموات، وهم لا يسمعون، وبينهم برزخ إلى يوم بيعثون، فالله ﷿ إذا علم من أحدهم أنه لم تتبين له الحقيقة، وأن هذا شرك وضلال، بل لم يوجد من يقول لهم يومًا ما: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (الأنبياء:٩٨)، فاعتقادنا أن الله ﷿ لا يؤاخذ الإنسان إلا بعد قيام الحجة، فمن علم من هؤلاء الموتى، - نحن لا نعلم-، من علم الله من هؤلاء الموتى أنه سمع دعوة الحق من الشيخ الفلاني، أن هذا شرك وضلال، فما أبه لذلك، وما اهتم لأنه الشيخ الضال هناك سول له عمله، فهذا إلى جهنم وبئس المصير.
أما الذي لم يُقَيَّض له من ينبهه فهو معذور عند الله، ولما كنا نحن عاجزين عن
[ ٥ / ٧٦٥ ]
أن نميز من الذي بلغته الدعوة الصحيحة، عن الذي لم تبلغه الدعوة الصحيحة، فنحن لنا الظاهر وهو أنه مسلم كان يصلي ويصوم، فدفن في مقابر المسلمين، فنحن ندعو له ونستغفر له ونسلم عليه.
أما ما حاله عند الله أمره إلى الله.
[مداخلة: كلام غير واضح للسائل خلاصته أنه يرى جواز الدعاء للمسلمين جملةً، أما الدعاء اللأعيان الذين عرف عنهم الوقوع في الشرك فلا يُدعى لهم، لذلك فهو لا يدعو لجده ولا لجدته].
الشيخ: سامحك الله.
مداخلة: آمين يا رب، ..
الشيخ: أنا أسألك الآن عن جدك المرحوم ﵀.
مداخلة: مرحوم هل يجوز
الشيخ: أنت تسألني عن شيء فعلته، وأنا أقول لك عن الجد المرحوم، وأنت تقول: يجوز أو لا؟
جدك المرحوم فيما تعلم كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟
مداخلة:
الشيخ: لا بد أن تقول، نحن تعلمنا منك يعني خير الكلام ما قل ودل، تعلم أنه كان يقول ولا أسألك عما في قلبه.
مداخلة: لا شك هو يقول.
[ ٥ / ٧٦٦ ]
الشيخ: بس خلاص، أنت تعلم أن جدك كان يقول: لا إله إلا الله محمدًا رسول الله، هل شققت عن قلبه، فوجدت الكفر قد انعقد في قلبه، فمنعك أن تستغفر له. قل: لا، بارك الله فيك، لكي يتعلم إخواننا هؤلاء يتعلمون طريق البحث، ويأخذوا حريتهم، بساط أحمدي يا أستاذ.
فإذا علمت أنه كان يقول أشهد أن لا إله إلا الله، ولم تعلم ما ينقض هذه الشهادة، وهذه الكلمة.
مداخلة: أعلم أنه كان يعمل ما ينقض هذه الشهادة.
الشيخ: جدك تعرفه أدركته؟
مداخلة: لا ما أدركته لكن
الشيخ: أنا ظننت أنك ستقول أدركته، فسأغير وأقول: جد جدك تعرفه؟
فالحمد لله، إذا سمحت بارك الله فيك، حتى لا نطيل المشوار على الجماعة، ليس كل الناس عندهم نفسك الطويل، فصبرًا.
مداخلة: أمد الله بساطك الأحمدي إلى عندي نفس طويل.
الشيخ: بشرك الله خيرًا.
أنت علمت أن جدك كان يشهد أن لا إله إلا الله.
مداخلة: كان يقول: لا إله إلا الله.
الشيخ: وما هو الفرق بارك الله فيك.
مداخلة: هذا كان عن علم.
[ ٥ / ٧٦٧ ]
الشيخ: سامحكم الله، رجل يقول: لا إله إلا الله، آخر يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، من الناحية الإسلامية في فرق.
مداخلة: لا
الشيخ: سامحك الله، إذًا: أنت تناقشني في الألفاظ، فسامحك الله، ومع ذلك تعلمنا نحن، اللي ما يجي معك امشي معه أقول أنا: كان يقول أم كان يشهد؟ ستقول لي: سواء قلت هكذا وهكذا لأنه المغزى واحد.
إذًا: أنت تعلم أن جدك كان يقول أو يشهد أن لا إله إلا الله، لكن أنت ما عرفت ما في قلبه، هل هو يلتقي مع ما في لسانه، أم مع ما ينافيه.
إذًا: أنت لا يجوز لك أبدًا إلا أن تشهد له بشهادته، إلا أن تقول أنه كان مسلمًا، أنا أقول لك: لا تقل كان مؤمنًا؛ لأن الإيمان أمر قلبي.
إذا قلت أنا لا أشهد بأنه كان مؤمنًا، أنا أعذرك، لكن أنت تقول إنه مسلم، ولا يسعك إلا هذا، فإذا مررت بقبر المسلم، ماذا يكون موقفك؟ لا بد أنك تسلم عليه
مداخلة: الذي قال: لا إله إلا الله، وقال رسول الله حاضر ناظر في كل مكان
الشيخ: حدت، أنا أتكلم عن جدك الذي لا تعرف ولا سمعت عنه شيئًا.
مداخلة: سمعت عما كان يعتقده، لأنه أبويا كان يقول زيه.
الشيخ: وجد جدك؟
مداخلة: لا، أنا لا أتكلم عن جد جدي الآن، أتكلم عن جدي وأبي.
[ ٥ / ٧٦٨ ]
الشيخ: أنا إذًا أخطأت، أنا أنقل السؤال من جدك إلى جد جدك، تقول أيضًا مثلما أردت أن تقول عن جدك، هذا لا يجوز، لا ينبغي يا أستاذ هذا التوسع بالظنون.
مداخلة: الآن أتيت لي بواحد يقول: لا إله إلا الله، أمامي هو يقول: يا رسول الله! يا رسول الله! يا بدوي! ..
الشيخ: حيدة حيدة نحن نتكلم عمن نعلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله، ولا نعلم أنه كفر عمليًا واعتقاديًا بلا إله إلا الله.
مداخلة: أنا أعني هذا، أنا معك بالعشرة.
الشيخ: لا، أنت لست معي.
مداخلة: إذا علمت أنه كان يلفظها في كل لحظة.
الشيخ: يا أستاذ، بس البحث فيمن لم تعلم.
مداخلة: أدع.
الشيخ: طيب، أنت تعلم جد جدك ماذا كان حاله.
مداخلة: هو رب اغفر لنا ولإخواننا على هذا أو رب اغفر وللمسلمين.
الشيخ: أنت كما تعلم بارك الله فيك، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء:١٧١).
إذا رأيت إنسانًا يقول: لا إله إلا الله، ثم يعبد غير الله، هذا شيء، وإذا عرفت أن والد هذا الإنسان كان يقول لا إله إلا الله، وما شهدت منه ما شهدت من ابنه، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولذلك أنا عجبت حينما تتكلم عن جدك، وتقول: أنا لا
[ ٥ / ٧٦٩ ]
أترحم عليه.
مداخلة: لما وصلني من أبي عنه، لأن أبي أخذ عنه.
الشيخ: لا، ليسوا سواء؛ لأن الوردة تخلف شوكة، والشوكة تخلف وردة الخلاصة: نرجع إلى الصورة التي أنت تريد أن تتحدث عنها، رجل يشهد أن لا إله إلا الله، ويصلي ويصوم ويحج إلى بيت الله الحرام، وكل شيء ما أحسنه، لكن يا باز! أغثني، يا بدوي! كذا .. مدد .. إلى آخره، هذا شرك، هذا كفر.
مداخلة: هل نستغفر له؟
الشيخ: وأنا ماذا أقول، أنا أتيت معك، لست أنت أتيت معي، أنا تركت البحث الذي ابتدأته من أجل طي البحث والخسارة، وانتقلت رأسًا إلى هذا الذي رأيناه يستغيث بغير الله ﷿.
هل نقول عن هذا إنه مرتد عن دينه؟ أنا بالطبع لا أقول .. الشيخ .. رأسًا، قفز من السلم من تحت إلى فوق، نستغفر له أم لا، هذا فيما بعد نستغفر له أو لا.
أنا أقول: هل هذا ارتد عن دينه؟
مداخلة: هذا العمل عمل
الشيخ: حقًا، لا نريد حيدات بارك الله فيك.
مداخلة:
الشيخ: كلمة، خير الكلام ما قل ودل، سامحك الله.
أنت لك الحرية المطلقة على حسب ما عندك من علم، أن تقول ارتد عن دينه أو لم يرتد عن دينه، الذي تراه تقوله.
[ ٥ / ٧٧٠ ]
مداخلة: .. ارتد وفعل فعل شرك.
الشيخ: سبحان الله، أنا أقول فعل فعل الشرك، فتعلمني بماذا، لا تعلمني بشيء، إنما تقول إنه فعل شركًا، أنا الذي قررت هذا، فلست بحاجة أن تعيد
مداخلة: ما ارتد عن دينه.
الشيخ: هذا هو الجواب بارك الله فيك، هذه مسألة مهمة جدًا، فما دام لا تستطيع أن تقول هذا الذي يشهد بلسانه أن لا إله إلا الله ويصلي ويستقبل قبلتنا ويأكل من ذبيحتنا .. إلى آخره، لا تستطيع أن تقول ارتد عن دينه، هذا هو الحق الذي أعرفه منك، ولا يسعك أنت ولا غيرك أن تقول سواه.
حينئذ هذا الذي لم يرتد عن دينه، ما دينه الذي لم يرتد عنه؟
مداخلة: الإسلام.
الشيخ: الإسلام، إذًا هو مسلم، وبماذا يعامل هذا المسلم، بأعمال المسلمين أم أعمال المرتدين، طبعًا بأعمال المسلمين، فإذا مات هذا الإنسان، أولاده يرثونه ونصلي عليه، انتهى الأمر كله.
مداخلة: هل أدعو له؟
الشيخ: ادع له، كيف لا وهو مسلم، ما دام يرثه أهله، ويرث من مات قبله، وما دام أننا نصلي عليه.
" الهدى والنور " (٩٥/ ٤٠: ٤٥: ٠٠)
[ ٥ / ٧٧١ ]
[٧٣٣] باب منه
سؤال: (الذين) يقرؤون القرآن جاهلين بفهم القرآن من آبائنا وأجدادنا الذين مضوا، وهم على عقيدة دعاء الأموات، وما أشبه ذلك مما هو حاصل، وماتوا وظهر لنا أن هذا الشيء أنه لا يجوز، فكيف من ناحية الدعاء هل ندعو لهم أم لا، وهم لا يعرفون، ما عرفوا الحقيقة، عندهم العلماء الذين كانوا موجودين معهم هم الذين دلوهم على هذا الشيء، أن هذا هو الدين، ولا يوجد غيره؟
الشيخ: ما دام أنهم كانوا يحافظون على أركان الإسلام فأنتم تدعون لهم؛ لأنكم لا تعلمون ما في قلوبهم.
(الهدى والنور/ ٩٥/ ٥٥: ٢١: ..)
[٧٣٤] باب العذر بالجهل، وبيان أن الموحِّد لا يخلد في النار مهما كان فعله مخالفًا لما يسلتزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال [قال رسول الله - ﵌ -]:
«كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيرًا قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حممًا، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، [ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين]، فلما مات فعلوا ذلك به، [فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه]، فإذا هو [قائم] في قبضة الله، فقال الله ﷿: يا ابن آدم! ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ! من مخافتك (وفي طريق آخر: من خشيتك وأنت أعلم)، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيرًا قطُّ إلا التوحيد».
[ ٥ / ٧٧٢ ]
[قال الإمام]:
واعلم أن قوله في حديث الترجمة: "إلا التوحيد" مع كونها صحيحة الإسناد، فقد شكك فيها الحافظ ابن عبد البر من حيث الرواية، وإن كان قد جزم بصحتها من حيث الدراية، فكأنه لم يقف على إسنادها، لأنه علقها على أبي رافع عن أبي هريرة، فقال ﵀ (١٨/ ٤٠):
"وهذه اللفظة- إن صحت- رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل؛ فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار؛ لأن الله ﷿ قد أخبر أنه ﴿لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ لمن مات كافرًا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة.
والدليل على أن الرجل كان مؤمنًا قوله حين قيل له " لم فعلت هذا؟ " فقال:" من خشيتك يا رب! ". والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق؛ بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم؛ كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر:٢٨)، قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده.
وأما قوله: "لئن قدر الله علي "؛ فقد اختلف العلماء في معناه؛ فقال منهم قائلون: هذا رجل جهل بعض صفات الله ﷿، وهي القدرة، فلم يعلم أن الله على كل ما يشاء قدير، قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله عزوجل، وآمن بسائر صفاته وعرفها؛ لم يكن بجهله بعض صفات الله كافرًا. قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله.
[ ٥ / ٧٧٣ ]
وهذا قول المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين.
وقال آخرون: أراد بقوله: "لئن قدر الله علي " من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء. قالوا: وهو مثل قول الله ﷿ في ذي النون: ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنبياء:٨٧).
وللعلماء في تأويل هذه اللفظة قولان:
أحدهما: أنها من التقدير والقضاء.
والآخر: أنها من التقتير والتضييق.
وكل ما قاله العلماء في تأويل هذه الآية فهو جائز في تأويل هذا الحديث في قوله: "لئن قدر الله علي "، فأحد الوجهين تقديره: كأن الرجل قال: لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه؛ ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين غيري.
والوجه الآخر: تقديره: والله! لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك. ثم أمر بأن يحرق بعد موته من إفراط خوفه.
وأما جهل هذا الرجل بصفة من صفات الله في علمه وقدره؛ فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين وجماعة من الصحابة سألوا رسول الله - ﵌ - عن القدر. ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا حين سؤالهم عنه غير مؤمنين.
وروى الليث عن أبي قبيل عن شُفَيٍّ الأصبحي عن عبد الله بن عمرو بن
[ ٥ / ٧٧٤ ]
العاص- فذكر حديثًا في القدر، وفيه: فقال أصحاب رسول الله - ﵌ -: فأي شيء نعمل إن كان الأمر قد فرغ منه؟ (١)، فهؤلاء أصحاب رسول الله - ﵌ - وهم العلماء الفضلاء- سألوا عن القدر سؤال متعلم جاهل؛ لا سؤال متعنت معاند، فعلمهم رسول الله - ﵌ - ما جهلوا من ذلك، ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه، ولو كان لا يسعهم جهله وقتًا من الأوقات؟ لعلمهم ذلك مع الشهادة بالإيمان، وأخذ ذلك عليهم في حين إسلامهم، ولجعله عمودًا سادسًا للإسلام، فتدبر واستعن بالله.
فهذا الذي حضرني على ما فهمته من الأصول ووعيته، وقد أديت اجتهادي في تأويل حديث هذا الباب كله ولم آلُ، وما أبرئ نفسي، وفوق كل ذي علم عليم. وبالله التوفيق ".
هذا كله كلام الحافظ ابن عبد البر، وهو كلام قوي متين يدل على أنه كان إمامًا في العلم والمعرفة بأصول الشريعة وفروعها، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
وخلاصته؛ أن الرجل النباش كان مؤمنًا موحدًا، وأن أمره أولاده بحرقه إنما كان إما لجهله بقدرة الله تعالى على إعادته- وهذا ما أستبعده أنا- أو لفرط خوفه من عذاب ربه، فغطى الخوف على فهمه؛ كما قال ابن الملقن فيما ذكره الحافظ (١١/ ٣١٤)، وهو الذي يترجح عندي من مجموع روايات قصته، والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) رواه أحمد والترمذي وصححه، وهو مخرج في "الصحيحة " (٨٤٨)، و"المشكاة" (٩٦)، وحديث عمران الذي أشار إليه متفق عليه، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٤١٢ و٤١٣)، وفيه حديث عمر (١٧٠). [منه].
[ ٥ / ٧٧٥ ]
وسواء كان هذا أو ذاك؛ فمن المقطوع به أن الرجل لم يصدر منه ما ينافي توحيده، ويخرج به من الإيمان إلى الكفر؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لما غفر الله له؛ كما تقدم تحقيقه من ابن عبد البر.
ومن ذلك يتبين بوضوح أنه ليس كل من وقع في الكفر من المؤمنين وقع الكفر عليه وأحاط به. ومن الأمثلة على ذلك: الرجل الذي كان قد ضلت راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها قال من شدة فرحه:
"اللهم! أنت عبدي وأنا ربك "! (١).
وفي ذلك كله رد قوي جدًا على فئتين من الشباب المغرورين بما عندهم من علم ضحل: الفئة الأولى: الذين يطلقون القول بأن الجهل ليس بعذر مطلقًا؛ حتى ألف بعض المعاصرين منهم رسالة في ذلك!
والصواب الذي تقتضيه الأصول والنصوص التفصيل؛ فمن كان من المسلمين يعيش في جو إسلامي علمي مصفى، وجهل من الأحكام ما كان منها معلومًا من الدين بالضرورة- كما يقول الفقهاء- فهذا لا يكون معذورًا؛ لأنه بلغته الدعوة وأقيمت الحجة.
وأما من كان في مجتمع كافر لم تبلغه الدعوة، أو بلغته وأسلم؛ ولكن خفي
_________________
(١) رواه مسلم (٨/ ٩٣)، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (٥/ ٨٧) وصححه من حديث أنس، وعزاه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/ ٥) لمسلم من حديث النعمان بن بشير أيضًا بزيادة " اللهم! أنت .. "، وهو وهم؛ فإنه عنده دون الزيادة، وكذلك أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٣ و٢٧٥) عن النعمان، والبخاري، ومسلم أيضًا من طريق أخرى عن أنس مختصرًا، وأخرجاه من حديث ابن مسعود مطولًا؛ غير أن البخاري أوقفه. ومسلم، وابن حبان (٢/ ٩/ ٦٢٠ - الإحسان)، وأحمد (٢/ ٣١٦ و٥٠٠) عن أبي هريرة مختصرًا نحو روايتهما عن أنس. [منه].
[ ٥ / ٧٧٦ ]
عليه بعض تلك الأحكام لحداثة عهده بالإسلام، أو لعدم وجود من يبلغه ذلك من أهل العلم بالكتاب والسنة؛ فمثل هذا يكون معذورًا.
ومثله- عندي- أولئك الذين يعيشون في بعض البلاد الإسلامية التي انتشر فيها الشرك والبدعة والخرافة، وغلب عليها الجهل، ولم يوجد فيهم عالم يبين لهم ما هم فيه من الضلال، أو وجد ولكن بعضهم لم يسمع بدعوته وإنذاره؛ فهؤلاء أيضًا معذورون بجامع اشتراكهم مع الأولين في عدم بلوغ دعوة الحق إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩) وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ (الإسراء:١٥)، ونحو ذلك من الأدلة التي تفرع منها تبني العلماء عدم مؤاخذة أهل الفترة؛ سواء كانوا أفرادًا أو قبائل أو شعوبًا؛ لاشتراكهم في العلة؛ كما هو ظاهر لا يخفى على أهل العلم والنُّهى.
ومن هنا يتجلى لكل مسلم غيور على الإسلام والمسلمين عظم المسؤولية الملقاة على أكتاف الأحزاب والجماعات الإسلامية الذين نصبوا أنفسهم للدعوة للإسلام، ثم هم مع ذلك يدعون المسلمين على جهلهم وغفلتهم عن الفهم الصحيح للإسلام، ولسان حالهم يقول- كما قال لي بعض الجهلة بهذه المناسبة
-: "دعوا الناس في غفلاتهم"! بل وزعم أنه حديث شريف!! أو يقولون- كما تقول العوام في بعض البلاد-: "كل مين على دينه، الله يعينه "! وهذا خطأ جسيم لو كانوا يعلمون، ولكن صدق من قال: "فاقد الشيء لا يعطيه "!.
والفئة الثانية: نابتة نبتت في هذا العصر؛ لم يؤتوا من العلم الشرعي إلا نزرًا يسيرًا، وبخاصة ما كان منه متعلقًا بالأصول الفقهية، والقواعد العلمية المستقاة من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومع ذلك؛ اغتروا بعلمهم فانطلقوا
[ ٥ / ٧٧٧ ]
يبدِّعون كبار العلماء والفقهاء، وربما كفروهم لسوء فهم أو زلة وقعت منهم، لا يرقبون فيهم (إلًا ولا ذمة)، فلم يشفع عندهم ما عرفوا به عند كافة العلماء من الإيمان والصلاح والعلم، وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة الكفر الذي يخرج به صاحبه من الإيمان؛ ألا وهو الجحد والإنكار لما بلغه من الحجة والعلم؛ كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٣، ١٤). وقال في الذين كفروا بالقرآن: ﴿ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون﴾ (فصلت:٢٨) ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (١٦/ ٤٣٤ - مجموع الفتاوى):
" لا يجوز تكفير كل من خالف السنة؛ فليس كل مخطئ كافرًا، لا سيما في المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة ".
يشير إلى مثل مسألة كلام الله وأنه غير مخلوق، ورؤية الله في الآخرة، واستواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه؛ فإن الإيمان بذلك واجب، وجحدها كفر، ولكن لا يجوز تكفير من تأولها من المعتزلة والخوارج والأشاعرة بشبهة وقعت لهم؛ إلا من أقيمت عليه الحجة وعاند.
وهذا هو المثال بين أيدينا: الرجل النباش؟ فإنه مع شكه في قدرة الله على بعثه غفر الله له؛ لأنه لم يكن جاحدًا معاندًا؛ بل كان مؤمنًا بالله وبالبعث على الجملة دون تفصيل لجهله. قال شيخ الإسلام بعد أن ساق الحديث برواية " الصحيح " وذكر أنه حديث متواتر (١٢/ ٤٩١):
" وهنا أصلان عظيمان:
[ ٥ / ٧٧٨ ]
أحدهما: متعلق بالله تعالى؛ وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.
والثاني: متعلق باليوم الآخر؛ وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله. ومع هذا فلما كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملًا صالحًا- وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه-؛ غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ".
ولهذا؛ فإني أنصح أولئك الشباب أن يتورعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم، وأن يستمروا في طلب العلم حتى ينبغوا فيه، وأن لا يغتروا بأنفسهم، ويعرفوا حق العلماء وأسبقيتهم فيه، وبخاصة من كان منهم على منهج السلف الصالح كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وأَلْفِتُ نظرهم إلى "مجموع الفتاوى" فإنه "كُنَيْف مُلِىءَ علمًا"، وبخاصة إلى فصول خاصة في هذه المسالة الهامة "التكفير"، حيث فَرَّقَ بين التكفير المطلق وتكفير المعين، وقال في أمثال أولئك الشباب:
"ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين؛ إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ".
يعني الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق. ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة؛ وأمثالهم.
فأقول: وملاحظة هذا الفرق هو الفيصل في هذا الموضوع الهام، ولذلك
[ ٥ / ٧٧٩ ]
فإني أحث الشباب على قراءته وتفهمه من "المجموع " (١٢/ ٤٦٤ - ٥٠١) الذي ختمه بقوله:"وإذا عُرف هذا؛ فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم- بحيث يحكم عليه أنه من الكفار- لا يجوز الإقدام عليه؛ إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت مقالتهم لا ريب أنها كفر، (يعني: الدعاة إلى البدعة).
وهكذا الكلام في تكفير جميع (المعينين)؛ مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين- وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ".
هذا؛ وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان فعله مخالفًا لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال؛ كالصلاة ونحوها من الأركان العملية، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة؛ أن الله يأمر الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان. ويؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن الله ﵎ يخرج من النار ناسًا لم يعملوا خيرًا قط، ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك، وأنه من الأدلة الصريحة الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضًا ولا يخلد فيها، فانظره بالرقم (٣٠٥٤).
"الصحيحة" (٧/ ١/١٠٥ - ١١٦).
[ ٥ / ٧٨٠ ]
[٧٣٥] باب هل يحشر قول عائشة:
«مهما يكتم الناس يعلمه الله» في أبواب العذر بالجهل؟
مداخلة: يا شيخ في الحديث يا شيخ لما عائشة تقول في رواية البخاري، يقول الرسول - ﵌ - قال: «أما خفت أن يحيف الله عليك ورسوله » المهم فقالت: أو كلما يفعله (١) الناس يعلمه الله؟ الحديث. بلفظ البخاري.
وفي لفظ مسلم: «كل ما يعمله الناس يعلمه الله» ..
فشيخي هذا دليل على أن عائشة ﵂ شَكَّت هنا في علم الله ﵎، وشيخ الإسلام أقر بذلك، وبين أن الرسول - ﵌ - عذرها، وارتكاب عائشة لهذا النوع من الكفر كان لجهل ، ولذلك يقول فأعطاها، يعني شيء مقابل ما تلفظت به، هل يقال هذا شيخنا؟
الشيخ: لا أعتقد هذا.
مداخلة: لماذا؟
الشيخ: لأن هناك استفهام استنكاري، واستفهام استقراري.
يعني: يقول الإنسان وهو يعتقد بهذا الذي يستفهمه وليس يعني استنكاره.
مداخلة: شيخي عائشة ﵂، هذا ليس كلامي، ولكن شيخ الإسلام يقول في مجموع الفتاوى: وعائشة قبل قولها لهذا الكلام لم تكن كافرة، وصرح بموضع آخر، وهذا كفر صدر من عائشة ﵂، كان شيخ
_________________
(١) لفظ الحديث: "مهما يكتم الناس يعلمه الله "
[ ٥ / ٧٨١ ]
الإسلام يتكلم حول العذر بالجهل، يستدل بهذا الحديث على أن الذي ينكر صفة
الشيخ: أنت يا أبا حذيفة تعلم أننا لسنا تيميين، وأراك تلهج كثيرًا بالاحتجاج بكلام ابن تيمية
هناك قاعدة عن العلماء المتأخرين، حينما كثر فيهم إطلاق لفظة التكفير لأدنى سبب.
قال بعض المتأنين منهم: إذا كان هناك أقوال كثيرة، بل تسعة وتسعون قولًا في تكفير رجل مسلم بسببٍ صدر منه قول أو فعل، وهناك قول آخر أن هذا لا يكفر به، أخذ بهذا القول الذي يقابله تسعة وتسعون قولًا؛ لأن القول بأن المسلم كفر -ولو فيما بعد نحن عذرناه- فيه خطورة.
فكلام السيدة عائشة، لماذا أنا وجهت لك السؤال: هل هو نص بأنها كفرت لجهلها؟ ليس نصًا يحتمل الكلام هذا، ويحتمل ما قلناه آنفًا.
فإذا دار الأمر بين أن يحمل كلام المسلم وبخاصة زوجة الرسول والمبشرة بالجنة على المعنى الأسلم، هذا الحمل هو الأسلم، ولا نحمله على المعنى الأنكر. هذا أقل ما يقال في الموضوع.
ومع ذلك فأنا لما أسمع هذه العبارة من السيدة عائشة ليس فيها إشعار بأنها كانت لا تعتقد من قبل بأن الله ﷿ يعلم كل شيء، وهل يخفى هذا الأمر على رجل من عامة الناس؟
الآن على سبيل التذكير، ﴿أءله مَعَ الله﴾ (النمل:٦٠). ماذا يعني هذا؟
[ ٥ / ٧٨٢ ]
مداخلة: استفهام إنكاري.
الشيخ: هذا استفهام.
مداخلة: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ (يوسف:٣٩).
الشيخ: كثير في القرآن، هذا أسلوب قرآني، هذا لا يعني إقرار الألوهية لغير الله، وإنما يعني الإنكار تمامًا.
الشاهد: اللغة العربية واسعة، فإذا تَحَمَّلَ كلامُ مسلمٍ معنىً سليمًا ومعنى غير سليم، وجب حمله على المعنى السليم، وليس على المعنى غير السليم، والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (١٦٤/ ٥٠: ٢١: ٠٠) و(١٦٤/ ٢٩: ٣٦: ٠٠)
[٧٣٦] باب هل العذر بالإكراه
كان موجودًا في شريعة من سبقنا؟
مداخلة: قلتم في أحد الأشرطة في شريط الحج ١٤١٠هـ في أثر سلمان: "دخل رجل الجنة في ذبابة، ودخل رجل النار في ذبابة"، قلتم إن إسناده صحيح برواية أحمد لكن فيه نكارة من حيث أن الإكراه، فهذا مكره فكيف يدخل النار، أليس كذلك؟
الشيخ: قبل أن أقول هو كذلك أو ليس كذلك، لما قلت إسناده صحيح مرفوعًا أم موقوفًا؟
مداخلة: موقوفًا، أنا قلت أثرًا.
[ ٥ / ٧٨٣ ]
الشيخ: أنا أتثبت خشية أن أفهم منك ما لا تريد.
مداخلة: طيب.
الشيخ: فبعد هذا التحفظ أقول لك الآن هو كذلك.
مداخلة: عندي إشكال في ذلك يا شيخ.
الشيخ: هاته.
مداخلة: وهو أني قرأت لبعض الكتاب أن العذر بالإكراه لم يكن موجودًا في شريعة من سبقنا، بدليل قوله تعالى في سورة الكهف عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ في مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا] (الكهف:٢٠)، وغير ذلك من الأدلة التي نستفيد منها أن العذر بالإكراه لم يكن موجودًا في الأمم السابقة بخلاف أمتنا ففيه الآية في سورة النحل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦)، فماذا تقولون في هذا يا شيخ؟
الشيخ: بعد التسليم بما ذكرت من اختلاف الحكم بين شريعتنا وشريعة من قبلنا، نقول: ما الذي يستفاد من حديث سلمان مع التسليم بهذا التفريق حينذاك؟
مداخلة: يستفاد منه ما يستفاد من الآية في سورة الكهف.
الشيخ: وهو؟
مداخلة: وهو العذر بالإكراه لم يكن مرخصًا فيه
الشيخ: لا أنا أقول بالنسبة إلينا الآن، يعني ما الذي يستفيده المسلم وما
الذي يستفيده المؤلف اليوم في شريعة الإسلام وأحكام الإسلام حينما يورد هذا الأثر؟
[ ٥ / ٧٨٤ ]
مداخلة: يستفيد منه الذي ذكرته لك أن العذر بالإكراه غير موجود في تلك الأمة أما بالنسبة إلينا لا نستفيد منه حكمًا بالنسبة إلينا.
الشيخ: واقع هذا الأثر في أي مناسبة يذكر؟ هل هو لتذكير الناس بهذا الذي سلمت لك به جدلًا؛ لأن الأمر يحتاج إلى بحث، هل هم يوردون هذا الأثر لتنبيه الغافل مثلي أقولها صريحة؛ ليفهم أن الحكم بالإكراه يختلف سابقًا عن لاحقًا أم هم يسوقونه لشيء آخر؟
مداخلة: هم يسوقونه لأن هناك من الناس من يستدل بهذا الأثر على تكفير المسلم إذا قام بما يضاد التوحيد، فيردون عليهم بالكلام الذي ذكرته لك آنفًا.
الشيخ: كيف؟ غير واضح.
مداخلة: يعني هناك ناس يستدلون بهذا الأثر على أن المسلم إذا قام
الشيخ: على أن المسلم اليوم.
مداخلة: اليوم نعم، لو قام بشيء يضاد التوحيد لا يلزم بذلك.
الشيخ: وهل هذا صحيح الاستدلال.
مداخلة: لا، غير صحيح طبعًا.
الشيخ: فإذًا ما هو الإشكال الذي أنت بدأت كلامك أنه عرض لك إشكال، نحن حريصون على بيان مرتبة هذا الأثر أولًا أنه ليس مرفوعًا كما يوهمه كلام ابن القيم ومن قلده كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره، أنه ليس مرفوعًا إلى النبي - ﵌ -، وثانيًا نريد أن نقول أن هذا يمكن أن يكون معذورًا، فإذا كان الكلام الآن فلا يجوز أن يذكر هذا الأثر مطلقًا؛ لأنك تسلم بأن الحكم اختلف، المكره اليوم لا
[ ٥ / ٧٨٥ ]
يؤاخذ، كان في ذلك الزمان يؤاخذ، هذه تعود مسألة تاريخية وليست مسألة شرعية بالنسبة إلينا اليوم، وأنت تعلم جيدًا بأنهم يذكرون هذا الأثر لتعلقه بالشرع وليس بالتاريخ القديم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فإذًا الإشكال لا أراه ضروريًا.
مداخلة: هو الإشكال يا شيخ كلمة نكارة التي قلتموها، هذه التي
أشكلت علي.
الشيخ: هذه بارك الله فيك النكارة بالنسبة لشرعنا.
مداخلة: لا بد من تقييدها.
الشيخ: هي مقيدة؛ لأننا نتكلم بشرعنا، ونحن حينما نجد نصًا صريحًا في عدم جواز شيء ما في شريعة من قبلنا أو على العكس من ذلك، نقول شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، لو كان النص صريحًا فكيف والمسألة لا تزال في موضع البحث أن هذه المسألة مسألة الإكراه كان فيما قبل لو أكره على الكفر ففعل الكفر فهو كافر مرتد مخلد في النار، لو سلمنا جدلًا فهذه شريعة من قبلنا، لكن الحقيقة أنا أرجو منك أن تتابع البحث في هذه الجزئية لتوفر علينا الوقت في البحث فيها.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: لأني أراه بعيدًا جدًا عن القاعدة الإسلامية أن الله ﷿ لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فالخروج عن هذه القاعدة تحتاج إلى نص مقطوع الثبوت والدلالة كما يقولون.
[ ٥ / ٧٨٦ ]
مداخلة: نعم.
الشيخ: فلعلك تبحث إن شاء الله أو تتمم البحث.
مداخلة: إن استطعت إن شاء الله.
الشيخ: وجزاك الله خيرًا.
مداخلة: وإياك.
" الهدى والنور" (٤٣٨/ ٣٥: ١٠: ٠٠)
[٧٣٧] باب بيان ضعف
حديث: «دخل رجل الجنة في ذبابة»
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك؛ قال: مر رجلان [مسلمان] [ممن كان قبلكم] على قوم لهم صنم (وفي رواية: يعكفون على صنم لهم) لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب [شيئًا]، قال: ليس عندي شيء. فقالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا. فخلوا سبيله. قال: فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب ولو ذبابا. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ﷿. قال فضربوا عنقه، قال: فدخل الجنة»
(موقوف)
[قال الإمام]:
ولقد كان الداعي إلى تخريجه هنا وبيان كونه موقوفًا: أنه كثر السؤال عنه في كثير من البلاد الإسلامية، وشاع تداوله؛ وذلك لأنه ذكره الإمام محمد بن عبد
[ ٥ / ٧٨٧ ]
الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه النافع " التوحيد " مرفوعا معزوًاّ لأحمد! فقال: " وعن طارق بن شهاب: أن رسول الله - ﵌ - قال (فذكره). رواه أحمد ".
وقال شارحه الشيخ سليمان: حفيد محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ﵎ في " التيسير " (ص ١٦٠): " هذا الحديث ذكره المصنف معزوا لأحمد، وأظنه تبع ابن القيم في عزوه لأحمد؛ قال ابن القيم: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية عن طارق بن شهاب يرفعه .. وقد طالعت " المسند " فما رأيته فيه، فلعل الإمام رواه في " كتاب الزهد " أو غيره ".
قلت: وفي هذا العزو أمور:
أولا: قوله: " يرفعه " خطأ واضح كما يتبين من تخريجنا هذا.
ثانيا: إطلاق العزو لأحمد فيه نظر! لأنه يوهم بإطلاقه أنه في " مسنده "، وليس فيه كما قال الشيخ سليمان رحمه الله تعالى، ولو كان فيه؛ لأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "، وليس فيه أيضًا، وإنما هو في " الزهد " له كما تقدم.
ثالثا: لم يتعد في إسناده طارق بن شهاب، فأوهم أنه من مسنده! وإنما هو من روايته عن سلمان موقوفًا؛ كما رأيت عند مخرجيه ومن جميع طرقه.
هذا؛ وإني لأستنكر من هذا الحديث: دخول الرجل النار في ذباب؛ لأن ظاهر سياقه أنه إنما فعل ذلك خوفًا من القتل الذي وقع لصاحبه، كما أنني استنكرت قول الإمام محمد بن عبد الوهاب في المسألة: " الحادية عشر: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرًا؛ لم يقل: " دخل النار في ذباب " "!
فأقول: وجه الاستنكار أن هذا الرجل لا يخلو حاله من أمرين:
[ ٥ / ٧٨٨ ]
الأول: أنه لما قدم الذباب للصنم، إنما قدمه عبادةً له وتعظيمًا، فهو في هذه الحالة لا يكون مسلمًا؛ بل هو مشرك، وهو ظاهر كلام الشارح الشيخ سليمان ﵀ (ص ١٦١): " في هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل وأنه يوجب النار، ألا ترى إلى هذا لما قرب لهذا الصنم أرذل الحيوان وأخسه وهو الذباب كان جزاؤه النار؛ لإشراكه في عبادة الله " إذ الذبح على سبيل القربة والتعظيم عبادة، وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (المائدة:٧٢).
والآخر: أنه فعل ذلك خوفًا من القتل كما تقدم مني، وهو في هذه الحالة لا تجب له النار، فالحكم عليه بأنه مسلم دخل النار في ذباب يأباه قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ﴾ (النحل:١٠٦) الآية، وقد نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر به - ﵌ -، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي - ﵌ -؛ كما في " تفسير ابن كثير " وغيره، وأخرجها في " الدر " (٤/ ١٣٢) من طرق.
فإن قيل: إنما أراد الإمام أنه كان مسلمًا ثم كفر بتقديمه الذباب كما تقدم في الأمر الأول؛ وحينئذ يرد عليه ما ذكرته في الأمر الآخر، وقصة عمار. ويشبهها ما روى ابن أبي شيبة (١٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨) بسند صحيح عن الحسن - وهو البصري -: أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؛ قال: نعم. فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؛ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؛ قال: فأهوى إلى أذنيه فقال: إني أصم! قال: ما لك إذا قلت لك: تشهد أني رسول الله قلت: إني أصم؟! فأمر به فقتل. وقال
[ ٥ / ٧٨٩ ]
للآخر: أتشهد أن محمدًا رسول الله؛ قال: نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؛ قال: نعم. فأرسله. فأتى النبي - ﵌ - فقال: يا رسول الله! هلكت. قال: "وما شأنك"؛ فأخبروه بقصته وقصة صاحبه، فقال: " أما صاحبك؛ فمضى على إيمانه، وأما أنت؛ فأخذت بالرخصة ".
قلت: وهذه قصة جيدة، لولا أنها من مراسيل الحسن البصري؛ لكن الآية السابقة وسبب نزولها يشهدان لصحتها، والله أعلم.
وقد روى الشطر الأول منها ابن إسحاق في " السيرة " (٢/ ٧٤ - ٧٥) بسند حسن عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة مرسلًا أيضًا، وسمى صاحبها حبيب بن زيد؛ أي: ابن عاصم الأنصاري المازني شهد العقبة، وقد ذكرها ابن كثير في تفسير الآية، وابن حجر في ترجمة حبيب من " الإصابة " جازمين بها. والله ﷾ أعلم.
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٧٢١ - ٧٢٥).
[٧٣٨] باب بيان نكارة متن حديث الذبابة لمخالفته لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾
سؤال: هل في كتاب التوحيد للشيخ ابن عبد الوهاب حديث ضعيف؟
الشيخ: والله هو ليس بصحيح البخاري ففيه.
مداخلة: بعضهم يقول أنه ليس فيه حديث ضعيف، فأحببنا أن نسمع منكم الجواب.
الشيخ: أنا لا أستطيع الآن أن أجزم بالجواب سلبًا أو إيجابًا، لكني أتردد في
[ ٥ / ٧٩٠ ]
حديث فإن كنت تذكره هل هو في كتاب التوحيد أم في شرح من شروحه وهو حديث الذبابة، هل هو في المتن أم في الشرح؟
مداخلة: في المتن.
الشيخ: في المتن، فإذًا: صدق من قال: ليس هو بصحيح البخاري، فحديث الذبابة لا يصح رفعه إلى النبي - ﵌ -، وإن كان هو نقله من كتاب ابن القيم ﵀، وابن القيم ذكره ولم يتكلم عن إسناده، ولما بحثنا عنه وجدناه حديثًا موقوفًا على سلمان الفارسي، وإسناده إليه صحيح، ولكنه موقوف، والموقوفات - هنا أمامنا بحث مهم جدًا بالنسبة لكل طالب علم يريد أن يكون على بصيرة من دينه، الأحاديث الموقوفة تارةً لها حكم الرفع، وتارةً ليس لها هذا الحكم، أما الحالة الأولى أي: متى يكون للحديث الموقوف حكم الرفع؟
شرطان لا بد منهما أن يجتمعا وأحدهما شرط في كل حديث وهو: الثبوت، فإذا ثبت حديث ما عن صحابي ما موقوفًا عليه، وجب الشرط الثاني ألا وهو: أن يكون مما لا يقال بمجرد الرأي والاجتهاد والاستنباط، وإنما يقطع الواقف على معناه أنه لا بد أن يكون بتوقيف من رسول الله - ﵌ - الذي كان هذا الصحابي مصاحبًا له، فإذا وجد هذان الشرطان: الثبوت أولًا، وأن يكون معناه مما لا يقال بالاجتهاد والرأي والاستنباط ثانيًا، فهو في حكم المرفوع.
ومن الأمثلة على ذلك حديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال» (١) هذا الحديث جاء عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا ولكن إسناده ضعيف، ولو كان حديثًا عاديًا لم تقم به الحجة لما ذكرت من ضعف سنده،
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٢١٠).
[ ٥ / ٧٩١ ]
لكن هذا الحديث قد جاء بإسناد قوي موقوفًا على ابن عمر، حينئذ لو صرفنا النظر عن السند الأول المرفوع عن ابن عمر عن رسول الله - ﵌ -، لو صرفنا النظر عنه بالكلية، ووقفنا عند حديثه الموقوف الثابت عنه لم نخسر شيئًا؛ لأن هذا الحديث الموقوف على ابن عمر يغنينا عن ذاك الحديث المرفوع الضعيف إسناده، كيف كان هذا الحديث الموقوف في حكم المرفوع؛ لأنه يقول: «أحلت لنا ميتتان» فمن الذي يحلل ويحرم، إنما هو الله ﵎ تارة في كتابه، وتارة في سنة نبيه صلى الله عليه وآله سلم، وعلى ذلك قال أهل العلم بالحديث: إذا قال الصحابي من السنة كذا، فهو في حكم المرفوع، بخلاف ما إذا قال التابعي: من السنة كذا، فليس له حكم المرفوع.
هذا مثال للحديث الموقوف الذي هو في حكم المرفوع، وصدق فيه أنه لا يقال بمجرد الرأي والاجتهاد.
مثال آخر وهو أدق وأبعد عن أن يكون من موارد الاجتهاد، ذاك هو حديث ابن عباس الموقوف أيضًا عليه والذي قال: «نزل القرآن إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل أنجمًا حسب الحوادث» فهذا حديث موقوف، ولم نجده مرفوعًا إطلاقًا، جاء بالسند الصحيح عن ابن عباس موقوفًا عليه، فقال العلماء: إن هذا الحديث في حكم المرفوع؛ لأنه يتحدث عن أمر غيبي، وهو أنه يقول: نزل كلام الله القرآن الكريم جملة واحدة إلى السماء الدنيا، وهذا لا يستطيع العقل البشري أن يتحدث به إلا من إنسان لا يبالي ما يخرج من فيه، أما ابن عباس وهو صحابي جليل ابن صحابي ابن عم الرسول - ﵌ -، فلا يخطر في بال إنسان أن يتحدث رجل بالغيب.
فإذًا: قوله أن القرآن نزل جملة واحدة .. إلى آخر الحديث، فيه من الدقائق ما
[ ٥ / ٧٩٢ ]
يبعد أن يكون هذا الحديث قد قاله بالرأي، فيقول مثلًا بعد أن ذكر نزل جملة واحدة إلى بيت العزة، ما هو بيت العزة، وهل يستطيع الإنسان أن يعين مكانًا في السماء ويسميه باسم من عنده، هذا أبعد عن أن يكون قد حصل من رأي الصحابي، ثم هو يعين مكان بيت العزة هذا في السماء لا يقول لا السابعة، ولا .. ولا .. وإنما يقول السماء الدنيا.
فإذًا: هذا حديث موقوف في حكم المرفوع.
إذا عرفنا هذين المثالين فكان ذلك تمهيدًا للوصول إلى الحكم على حديث الذبابة، دخل رجل النار في ذبابة، هل هذا وقد صح إسناده عن سلمان الفارسي موقوفًا، هل هو في حكم المرفوع؟
كان يمكن أن يقال إنه في حكم المرفوع؛ لأنه يتحدث أيضًا عن أمر غيبي تقدم على بعثة النبي - ﵌ -، لكن يحول بيننا وبين أن نقول إنه أيضًا في حكم المرفوع أنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات، والإسرائيليات هي منبعها أهل الكتاب، وأهل الكتاب ولا شك نزل عليهم الكتاب التوراة والإنجيل وبعث الله ﷿ إلى إسرائيل الأنبياء الكثيرين، فقد كانوا يحدثونهم بأشياء من الأمور الغيبية، ولكن قد دخل في هذه الأخبار التي نزلت على أنبياء الله من وحي السماء، دخل فيها ما لم يكن منها أشبه ما يكون - وهو بلا تشبيه كما يقولون، كما دخل في السنة بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، كذلك دخل على بني إسرائيل كثير من الأحاديث التي لا أصل لها في شرائعهم المتقدمة، مع فرق كبير جدًا بين أحاديث نبينا - ﵌ - وأحاديث أنبيائهم، فأحاديث نبينا قد سخر الله ﵎ لها من يخدمها ويميز صحيحها من ضعيفها كما جاء في بعض الآثار عن بعض أئمة الحديث أنه لما ألقي القبض على أحد الزنادقة وحكم الخليفة بقطع رأسه،
[ ٥ / ٧٩٣ ]
لزندقته، أروى غيظ قلبه بقوله لا أموت إلا وقد دسست في أحاديث نبيكم خمسة آلاف حديث، فهو مرتاح بهذا الميتة، فقال له أحد العلماء من أهل الحديث الحاضرين: خسئت، ما تمشي هذه الأحاديث بين المسلمين وفيهم فلان لعله قال: ابن المبارك أو غيره، وقد أخذ الغربال بيده فهو يغربل هذه الأحاديث ويصفيها ويخرجها عن أحاديث النبي - ﵌ - الصحيحة.
الشاهد أن أحاديث الأنبياء الأولين قد دخلها ما ليس منها وهي التي تعرف عند المسلمين اليوم بالإسرائيليات، ولذلك فلا يجوز للمسلم أن يروي شيئًا مما وقع فيمن قبلنا من الأحاديث إذا جاءت من غير طريق النبي - ﵌ -، الإسرائيليات تنقسم من حيث روايتها إلى قسمين:
قسم وهو الأقل ما تحدث رسول الله - ﵌ - بها، فهذا إذا صح السند إلى النبي - ﵌ - فيكون من الإسرائيليات الصحيحة كمثل مثلًا حديث ذاك الرجل الذي قال عنه ﵊: كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أراد أن يتوب فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب -أي: على جاهل متعبد ليس بعالم- فذهب إليه وقال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفسًا بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال له: قتلت تسعة وتسعين نفسًا وتريد أن تتوب، لا توبة لك، فقتله وأتم به العدد المائة لكن الرجل يبدو من سياق الحديث أنه كان مخلصًا، كان حريصًا في أن يتوب إلى ربه ﵎، ولكنه يريد عالمًا بحق أن يدله على الطريق، فلم يزل يسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم، هذه المرة وفق بعالم، فذهب إليه وقال: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنك بأرض سوء، من هنا يظهر علم هذا الرجل العالم-ولكنك بأرض سوء، لو كنت في أرض صالحة أهلها ما تمكنت من قتل مائة نفس بغير
[ ٥ / ٧٩٤ ]
حق، ولكنك بأرض موبوءة بالفساد والقتل وسفك الدماء بغير حق، فأخرج منها إلى القرية الفلانية الصالح أهلها.
فانطلق الرجل يمشي تائبًا إلى الله ﷿، قاصدًا القرية الصالح أهلها، فجاءه الموت في الطريق، فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كل يدعي أنه من اختصاصه، وملائكة العذاب لما يعلمون من سفكه الدماء بغير حق، ملائكة الرحمة؛ لأنهم علموا أنه خرج تائبًا إلى الله ﷿، فأرسل الله إليهم حكمًا، فقال لهم: قيسوا ما بين موضع موته وما بينه وبين القرية التي خرج منها، والقرية التي قصد إليها، فقاسوا ووجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بنحو شبر فتولته ملائكة الرحمة، وقبضت روحه وألحق بالصالحين لتوبته.
هذا حديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -
فهذا حديث مرفوع ويتعلق ببني إسرائيل، فهو من الأحاديث القليلة الصحيحة التي تتعلق بالإسرائيليات، أما القسم الثاني من الأحاديث وهي الأكثر، فهي التي تروي ولو موقوفة على بعض الصحابة، ولو بالسند الصحيح، حينئذ لا تأخذ حكم المرفوع (حصل هنا انقطاع صوتي).
لا تصدقوهم ولا تكذبوهم؛ لأننا إن صدقناهم من الممكن أن نصدقهم بما كذبوا، وإن كذبناهم يمكن أن نكذبهم فيما توارثوه عن أنبيائهم، لذلك لا نصدقهم ولا نكذبهم إلا إذا جاء من طريق الرسول ﵇ الذي من صفاته أنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
إذا عرفنا هذا التفصيل في الحديث الموقوف، وأنه لا يكون مرفوعًا أو لا
[ ٥ / ٧٩٥ ]
يكون في حكم المرفوع إلا إذا كان يتحدث بما يتعلق بالشريعة الإسلامية، أما إذا كان الحديث يتعلق بما وقع فيمن كان قبلنا فحينئذ لا نتحدث به، وإذا كان الأمر كذلك عدنا إلى حديث الذبابة فهو موقوف ويتحدث عما وقع فيمن قبلنا، حينئذ لا نصدقه ولا نكذبه، لما ذكرته آنفًا من قوله ﵇: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم».
ولكن في حديث الذبابة في حد تعبير علماء الحديث نكارة في المتن؛ ذلك أن الرجل الأول دخل الجنة في ذبابة؛ لأنه مر بالمشركين فطلبوا منه أن يقدم قربانًا ذبابة لصنمهم فأبى؛ فدخل الجنة، ثم جاء الرجل الثاني فطلبوا منه أن يقدم ذبابة فقدم؛ فدخل النار.
نحن نعلم أن الله ﷿ استثنى من الكفر المخلد لصاحبه في النار، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦).
ونعلم مما ذكره علماء التفسير في سبب نزول هذه الآية، وإن كان في الرواية شيء من الضعف من الناحية الحديثية، ولكن السبب يتناسب مع هذه الآية، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦).
قالوا: بأن هذه الآية نزلت في عدي بن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه، فإنه كان من أوائل الأصحاب الذين عذبوا في سبيل الله كبلال الحبشي ﵃ جميعًا.
عذب عمار بن ياسر عذابًا شديدًا، وكأن المشركين قتلهم الله لاحظوا فيه أنه انهارت قواه، فعرضوا عليه أن ينال من النبي - ﵌ - وأن يسبه وأن يقول فيه ساحر شاعر كذاب، إذا هو أراد أن يطلقوا سبيله، فقال ما أرادوا منه، ولما شعر بالراحة
[ ٥ / ٧٩٦ ]
وزوال العذاب الشديد عنه كأنه رجع إلى نفسه معاتبًا لها، كيف أن نفسه طاوعته على أن يصف النبي - ﵌ - بما هو الكفر بعينه، فلم يجد توبة له إلا أن يذهب إلى النبي - ﵌ - وأن يحدثه بما وقع له لعله يجد له مخرجًا، فلما جاء إليه - ﵌ - وقص عليه القصة، قال له ﵊: «كيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئنًا بالإيمان» فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦)، وقال له ﵊: «فإن عادوا فعد» إن عادوا إلى تعذيبك، فعد أنت إلى الخلاص من هذا العذاب بهذا الكلام الذي التلفظ به كفر، ولكن ليس كفرًا ما دام أن قلبك مطمئن بالإيمان، فإذا لاحظنا هذا التفصيل في حكم من فعل الكفر أو نطق بالكفر وأنه لا يؤاخذ، حينذاك نجد في حديث الذبابة شيئًا من الغلو والمبالغة
"الهدى والنور" (٤١٠/ ٥٩: ٣٦: ٠٠)
[٧٣٩] باب من شذ في مسألة عقدية
هل يعد ضالًاّ أم مجتهدًا؟
سؤال: إذا شذ إمام من الأئمة في أمر من أمور العقيدة كان في بعض الصفات فهل يكون ضالًا أم مجتهدًا وله أجر؟
الشيخ: يعني بالإمام العالم؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: الجواب عن هذا السؤال يتعلق بمثل قوله ﵊: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» ذلك أن هذا الحديث وإن اشتهر عند العلماء استعماله في الأحكام الشرعية والمسائل التي
[ ٥ / ٧٩٧ ]
يسمونها بالمسائل الفرعية دون استعمال هذا الحديث في المسائل الأصولية أو الاعتقادية، وإن كان هذا اشتهر عند الأصوليين؛ فإنه مما لا شك ولا ريب فيه أن الحديث يشمل الاجتهاد في كلٍّ من الأمرين المذكورين، أي: سواء كان فرعًا أو أصلًا .. سواء كان عقيدة أو حكمًا فقهيًا، المهم: أن العالم المسلم لا يلقي هكذا الكلام على عواهنه، وإنما يجتهد في معرفة حكم ربه في كل ما كلف الله ﷿ به عباده سواء كان فرعًا أو أصلًا .. سواء كان فقهًا أو عقيدةً.
ومعلوم أن الله ﷿ يقول في صريح القرآن الكريم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) والآية ينبغي أن نتنبه للمعنى الحقيقي منها؛ لأن ظاهر الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) أي: بشخصه، وهذا بلا شك هو الخطوة الأولى من بعثة الرسول، ولكن ليس المقصود هو شخص الرسول بذاته وإنما المقصود دعوة الرسول ﵇ أكثر من الشخص.
ونحن نقرب لكم القضية بمثلين سمحين سهلين جدًا: بُعِثَ رسول ما إلى قوم ما، وفي هؤلاء القوم شخص أصم فهو لم يسمع دعوة الرسول، هذا بعث إليه الرسول إلى قومه لكنه لم يسمع دعوة هذا الرسول فهو لم تقم حجة الله عليه، وقيسوا على ذلك الشيخ الفاني بمعنى الخَرْفَان ونحو ذلك .. الأطفال الصغار، فهؤلاء بالرغم أنهم كانوا في الوقت الذي بعث الرسول إلى قومهم فهم لم تبلغهم الدعوة هذا هو المثال الأول.
واعكسوا الآن: دعوة هذا الرسول جاء إلى الجيل الثاني وهم لم يروا الرسول ولا سمعوا دعوته منه مباشرةً ولكن الدعوة بلغتهم فهل تشملهم الآية الكريمة؟ الجواب: نعم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
فإذًا: إما أن تكون الحجة تقوم بواسطة الرسول مباشرةً، أو بواسطة غيره ممن
[ ٥ / ٧٩٨ ]
يبلغ رسالته كما بلغها هو قومه، إذًا: الحجة تقوم ببلوغ الدعوة إلى المكلف، الدعوة كما ذكرنا آنفًا قد تكون متعلقة بالعقيدة وقد تكون متعلقة بحكم شرعي، فإذا افترضنا إنسانًا بلغته دعوة نبيٍّ على الوجه الصحيح في حكم فرعي فقهي، ومع ذلك هو أنكر هذا الحكم فإنكاره وأؤكد ما قلت آنفًا: بلغه الحكم كما لو كان سمع الحكم من النبي أو الرسول مباشرةً ومع ذلك فهو أنكره فهذا يكفر.
على العكس من ذلك إنسان آخر لم تبلغه دعوة الرسول فيما يتعلق بعقيدةٍ ما، ولنضرب على ذلك مثلًا: فنقول: مثل عقيدة عذاب القبر، أو سؤال منكر ونكير، ونحو ذلك من الغيبيات التي تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:١ - ٣) فهذا المثال الثاني الرجل الثاني لم تبلغه دعوة الرسول فيما يتعلق بمثالنا هذا عذاب القبر، فهذا ليس مكلفًا .. ليس مسئولًا فيما إذا لم يؤمن بعذاب القبر؛ لأن الحجة لم تبلغه ولم تقم عليه، إذا عرفنا هذه الحقيقة حينئذٍ نعود إلى أصل السؤال: أي إمام من أئمة المسلمين سواء كان خطؤه متعلقًا بعقيدة أو كان خطؤه متعلقًا بحكم فقهيٍ فهو غير مؤاخذ إذا لم تبلغه الحجة، والعكس بالعكس تمامًا كل من بلغته الحجة سواء في العقيدة أو في الفقه وأنكرها فهو الذي قامت عليه حجة الله فذاك نادم وهذا هالك.
فلا فرق إذًا بين من يقع في خطأ إنكار صفة من الصفات مثلًا إلهية إذا كان إنكار هذا ليس عنادًا وليس جحودًا وإنما كان باجتهاد منه، ولو أن هذا الاجتهاد كان منه خطئًا، هنا يرد الحديث الذي ابتدأنا الجواب به عن هذا السؤال: «إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» لذلك ما يشاع في هذا الزمان أن من أخطأ في الأصول أو في العقيدة فهو غير معذور هذا الإطلاق خطأ
[ ٥ / ٧٩٩ ]
جلي جدًا لا يصح أن يتبناه المسلم.
مداخلة: شيخ بارك الله فيك! بالنسبة لقضية الاجتهاد في العقيدة فهنالك قاعدة عند أهل السنة أن الأمور السمعية لا يجتهد فيها، وقد سألت الشيخ مشهورًا جزاه الله خيرًا فقال لي هذه القاعدة.
الشيخ: سألت ماذا؟
مداخلة: الشيخ مشهور.
الشيخ: نعم.
مداخلة: وقال لي هذه القاعدة، لكن هنا الذي نريد أن نستوضحه هو: أنه إذا جاء إلى عالم من العلماء قول وقد أجمع السلف عليهم جميعًا من الصحابة والتابعين إلى غيرهم، إلى عصره، ثم هذا القول رَدَّهُ، وقد أضرب على ذلك مثلًا في قضايا الصفات، وهو عالم ومعروف له بالعلم ومشهود له بالعلم، عند كافة أهل العلم فرد هذا القول بعقله أو برأيه أو باجتهاد منه لنقل ذلك! وأطلق على هؤلاء القوم بكلام من اجتهاده وبذلك أنكر الصفات فهل نقول: هل هو فعلًا هنا اجتهد مع أن الصحابة هنا كلهم مجمعون على ذلك؟
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك! نحن ما نستطيع أن ندخل إلى قلوب الناس حينما قلنا ما قلنا آنفًا إنما نعني بذلك، هل هذا الإنسان مؤاخذ عند الله ﷿ أو غير مؤاخذ؟ هل هو مؤاخذ عند الله بمعنى: أقيمت الحجة عليه فهو مؤاخذ أو غير مؤاخذ؟ البشر لا يستطيع أن يتعمق ويصل إلى ما في القلب، ما يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب كما هو معلوم، الآن أنت دندنت حول ما نقلت عن قضية الإجماع، هل الإجماع إذا صح عند شخص لازمه أن يصح عند كل شخص؟
[ ٥ / ٨٠٠ ]
مداخلة: الجواب لا طبعًا.
الشيخ: طبعًا! طبعًا لا ولذلك حينما أنت تفترض أن السلف الصالح كلهم أجمعوا على كذا، وجاء رجل عالم وأنكر هذا الإجماع وقال قولًا مخالفًا لهم، نحن نستطيع أن نخطئ هذا المخالف؛ لكن لا نستطيع أن نكفره، أي: لا نستطيع أن ندخل إلى قلبه ونحكم عليه بأنه كما قال تعالى في بعض المشركين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) لا نستطيع أن نصل إلى هذه النقطة، نحن كل الذي نستطيعه أن نحكم بأن هذا أخطأ وإن شئتَ أو شئتُ، قلتَ أو قلتُ: ضل، أما أنه كفر وجحد هذا أمر قلبي لا نستطيع نحن أن نتوصل إليه.
مداخلة: شيخنا بارك الله فيك! أنا لا أقصد بكلامي التكفير أو التفسيق أو التضليل، لكن الذي أقصده: هل بِرَدِّه مثلًا للعلماء قد يتبنى إجماع عند عالم لا يرى الإجماع عند عالم آخر، لكن هل فعلًا هو اجتهد؟
الشيخ: مكانك راوح! لا يوجد شيء جديد في كلامك، الاجتهاد بالنسبة للمكلف يتعلق بالقلب والعمل، أما بالنسبة للآخرين فلا يستطيعون أن يحكموا عليه بأنه اجتهد أو لم يجتهد صحيح هذه البديهية أم لا؟ يعني: أنت ما تستطيع أن تحكم علي أنني اجتهدت أو لم أجتهد .. أنني تابعت البحث متابعةً بحيث يصدق علي قوله ﵇: «إذا حكم الحاكم فاجتهد» أنت ما تستطيع أن تحكم على أي إنسان أنه اجتهد أو لم يجتهد حتى تبني على اجتهاده أنه معذور أو تبني على عدم اجتهاده أنه غير معذور، لكن هو يدري ماذا يفعل، فهو إذا أفرغ جهده لمعرفة الحق بالطرق التي تتيسر له، وعلم الله منه الصدق والإخلاص في معرفة الحق لكنه لم يوفق إليه وهنا يأتي الحديث: «وإن أخطأ فله أجر واحد».
إذا كان الحديث الواحد يختلف عالمان في تصحيحه وتضعيفه، الذي
[ ٥ / ٨٠١ ]
يضعفه أنكر صحته فإن أنكر وهو معذور فهو معذور، وإن أنكر نكايةً وجحدًا لجهد ذلك المجتهد الأول المصيب فهو الضلال المبين، لا يوجد فرق بين الفقه وبين العقيدة وبين الحديث تصحيحًا وتضعيفًا، تعرف أنت أن الحديث قد يكون صحيحًا عندهم جميعًا، ولكن قد يبلغ مبلغ التواتر عند بعضهم دون بعض آخر إلى آخره، فالقضية نسبية والحكم عند علام الغيوب هو الذي يعلم ما في القلوب، فهو الذي سيحكم ويدين كل إنسان بما فعل: «إن اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد» على كل حال: أنا يعني: لا تكن في حرج صف ما عندك حتى أفهم جيدًا وأعطيك ما عندي إن كان عندي.
مداخلة: شيخ هذه القضية: الأسماء والصفات معروف أنها قضية سمعية، يعني: أهل السنة متفقين عليها ومسلمين بها، لكن نحن كما قلت: نحن لا نريد أن نطلق هذه الألفاظ نحن نقول: أنه اجتهد أو أخطأ أو ضل أو مثل هذه الألفاظ، نحن لا نريد أن نكفر أحدًا في هذه القضية، لكن أنا قصدي أنه مثل هذه مثل قضية أصولية عند أهل السنة والجماعة عندما يأتي مثلًا شخص ويرد الصفات كلها، نحن نقول: لو أنه مثلًا رد صفة واحدة أو أول صفة واحدة أو أنكر صفة واحدة نقول مثلًا اجتهد في فرعية من الفرعيات، لكن عندما مثلًا يرد جميع الصفات وينكر على غيره ويستعمل ألفاظًا لا تجوز، هذا الذي أريد أن أستوضحه.
الشيخ: أنا أرى الآن تطورت المسألة، كان السؤال: في إمام أنكر صفةً، الآن أنت قفزت قفزة الغزلان أنكر كل الصفات.
مداخلة: أنا قصدي هذا أنكر كلها.
الشيخ: معليش، أنت كنت سئلت السؤال الأول؟
مداخلة: لا، ليس أنا.
[ ٥ / ٨٠٢ ]
الشيخ: طيب يا أخي! لكل سؤال جواب، أنا لا أتصور الآن كما يقال نضع النقاط على الحروف أنا ما أتصور إمامًا من أئمة المسلمين أنكر الصفات هذه كلها، هذا إما أن يكون الجهمي الأول الجهم بن صفوان أو الجعد أو أمثاله، أما إمام من أئمة المسلمين ينكر الصفات كلها هذا لا يتصور، الآن أنت تقول أنكر كل الصفات طيب! دعنا نحدد رجل أنكر الصفات كلها ما هو السؤال حتى أعطيك الجواب بأوجز عبارة؟
مداخلة: السؤال.
الشيخ: نعم، أنكر كل الصفات ما هو السؤال؟
مداخلة: هل يكون هو في هذه الحالة اجتهد أم لا؟
الشيخ: لا، لا يكون اجتهد.
مداخلة: لا يكون اجتهد.
الشيخ: طبعًا! لكن يعود البحث السابق: ما أنكر كل الصفات آمن بالبعض وأنكر البعض، ممكن أن يكون مجتهدًا؟
مداخلة: في هذه الحالة ممكن.
الشيخ: طيب إذًا؟!
مداخلة: لكن أنا كان قصدي - عفوًا أعتذر - أنه كان قصدي عن مسألة الصفات كلها.
الشيخ: خير إن شاء الله.
"الهدى والنور" (٨٢٠/ ٤١: ٢٢: ٠٠) و(٨٢٠/ ٤١: ٣١: ٠٠)
[ ٥ / ٨٠٣ ]
[٧٤٠] باب متى يكفر
من أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة؟
[قال الإمام]:
الحق الذي لا ريب فيه أن من أنكر شيئًا ثابتًا في الدين، سواء كان في الأصول أو الفروع فهو كافر إذا علم كونه من الدين، ومع ذلك أنكر، فبهذا الشرط يكفر؛ لأن معنى ذلك أنه لا يصدق الرسول - ﵌ - في كل ما جاء به، وما جاء به كله صواب، فجحد أي شيء منه يعتبر طعنًا فيه - ﵌ -. وذلك كفر بين. وعلى ذلك إذا أنكر شيئًا وهو لا يعلم أن النبي - ﵌ - جاء به، فلا سبيل إلى تكفيره إلا بعد تبليغه وإقامة الحجة عليه لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ولا مجال بعد ذلك للتردد في تكفيره، ولو زعم أنه يقتنع بذلك أو لم تطمئن نفسه به فإنه ينافي الإيمان به - ﵌ - كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
"تحقيق كتاب: التوحيد والعقائد الإسلامية" (ص١٢ - ١٣).
[ ٥ / ٨٠٤ ]
جماع أبواب أحكام أهل الفترة ومن في حكمهم
والكلام على مصير أبوي النبي - ﵌ -
-غير ما تقدم-
[ ٥ / ٨٠٥ ]
[٧٤١] باب بيان من هم أهل الفترة
سؤال: شيخ من أهل الفترة؟ وما حكمهم في الآخرة؟ وهل أهل الجاهلية يعتبرون من أهل الفترة؟
الشيخ: نعم.
المراد بأهل الفترة كل من لم تبلغه الدعوة على الوجه الصحيح الذي جاء في الشرع، ولكن ليس من المستطاع تحديد كل فرد من أفراد أهل الفترة؛ لأن هذا أولًا ليس بالمستطاع بالنسبة للبشر، وثانيًا لم يرد مثل هذا التحديد عن الله ورسوله.
ثم هذه التسمية أهل الفترة وإطلاقها على من لم تبلغهم الدعوة هو اصطلاح علمي لا مانع منه؛ لأن لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاؤوا بشرط أن لا يكون في اصطلاحهم شيء من المخالفة لنص من نصوص الكتاب أو السنة، نحن
نجد في القرآن مثل قوله ﵊، مثل قول رب الأنام: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، ولله الحجة البالغة ولو شاء الله لهدى الناس جميعًا.
أما أن نقول: إن العصر الفلاني أو الزمن الفلاني هم كلهم أفرادًا وجماعات هم من أهل الفترة هذا أمر مستحيل، لكننا نقول: من كان من أهل الفترة بالمعنى الذي أشارت إليه الآية أي لم تبلغه الدعوة ولن تبلغه دعوة نبي أو رسول فهو الذي نستطيع أن نقول: إنه لا يعذب يوم القيامة من لم تبلغه الدعوة، أما من هم وفي أي زمن هم؟ هذا لا سبيل إلى تحديده، بل قد يمكن أن يوجد أهل فترة في كل زمان سواء كان هذا الزمان قبل الإسلام أو بعد الإسلام.
[ ٥ / ٨٠٧ ]
أما الذين كانوا قبل بعثة النبي ﵊ من العرب في الجاهلية فهو مما يدخل في كلامي السابق لا يمكن أن نقول: إنهم جميعًا ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة أو إنهم من أهل الفترة كلهم لم تبلغهم الدعوة، لا يمكن أن يقال: لا هذا ولا هذا بهذا الإطلاق والعموم والشمول، ولكننا نعتقد أن كلًا من النوعين كان موجودًا، أي كان في العرب من بلغتهم الدعوة وكان فيهم من لم تبلغهم الدعوة، فإذا جاء النص عن الله ورسوله يحدد أن فلانًا لم تبلغه الدعوة قلنا في عينه بأنه لم تبلغه الدعوة، والعكس بالعكس تمامًا، إذا جاء النص عن شخص معين إما أنه لم تبلغه الدعوة أو جاءنا لازم ذلك أي: إنه من أهل النار فذلك يستلزم أن يكون قد بلغته الدعوة؛ لأن الله يقول كما ذكرنا آنفًا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، فقبل بعثة النبي - ﵌ - كانت هناك رسالة إبراهيم وإسماعيل وكانت آثارها في العرب لا تزال قائمة وبخاصة في مكة المشرفة والمقدسة من الله ﵎ ببناء إبراهيم الكعبة فيها وعبادته لله ﷿ فيها هو وابنه إسماعيل ومن استجاب لدعوتهما، فإسماعيل ﵇ كان قد أرسل إلى العرب ودعوته استمرت ظاهرة جلية في البلاد العربية وبخاصة في عاصمتها مكة، واستمرت هذه الدعوة في العرب ما شاء الله وكان فيهم إلى قدوم بعثة الرسول ﵇ من يعبد الله وحده لا شريك له وإن كان غالبية العرب قد وقعوا في الشرك وهذا أمر أعني وقوعهم في الشرك وعبادتهم لغير الله ﷿ هذا أمر لا يحتاج إلى كثير من البحث، وإنما البحث الذي ينبغي أن نوجه الكلام فيه هو: هل كل من كان قبل الرسول ﵇ لم تبلغه الدعوة من هؤلاء العرب فهم غير مؤاخذين وغير مخلدين في النار؟ الجواب: هذه الكلية باطلة لا يجوز إطلاقها، أن يقول قائل: كل من كان قبل بعثة النبي - ﵌ - فهو من أهل الفترة، ذلك لأن لدينا أحاديثًا كثيرة وكثيرة جدًا تصرح بأن بعض من كانوا في الجاهلية قبل بعثة
[ ٥ / ٨٠٨ ]
الرسول عليه - ﵌ - هم من أهل النار، وأظن أن مثل هذه الأحاديث لا تخفى على أحد من الحاضرين، بل ولا على أحد من طلاب العلم من غيرهم.
إلا أن بعض هؤلاء المشار إليهم من غير الحاضرين إن شاء الله عندهم بعض الشبه والإشكالات حول هذه النصوص التي أشرت إليها بأن النبي - ﵌ - قد أخبر عن بعض من كان قبل بعثته من العرب وقد يكونون أو يكون بعضهم من أقاربه ﵊ بل من أقرب الناس إليه وقد شهد النبي - ﵌ - بأنه في النار، فيأتي هنا الإشكال ويحاول بعض الناس بالإطاحة بالإشكال من أصله بالحكم على الأحاديث التي وردت بعدم صحة ذلك بزعمهم لأنها تتنافى مع كون العرب الذين كانوا قبل النبي - ﵌ - هم من أهل الفترة.
فلذلك فأنا أريد أن ألفت النظر إلى شيئين قد سبق أن ذكرت آنفًا أحدهما وهو أنه لا يمكن أن يقال قولًا مطلقًا بأن كل من كانوا قبل بعثة الرسول ﵇ من العرب كانوا من أهل الفترة أي من الذين لم تبلغهم الدعوة، وحين ذاك لا يصح الاستنزال لرد هذه الأحاديث التي أشرت إليها وسيأتي التنصيص على بعضها لا يجوز ردها بمثل الآية السابقة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)؛ لأننا سنقول: هذه الآية محكمة، ولكن تطبيقها على كل فرد من الأفراد الذين كانوا في أمة قد أرسل إليهم رسول لا يمكن إلا أن نقول: إن كل فرد لم تبلغه الدعوة أو على العكس من ذلك والعكس ليس موضع إشكال وهو أن كل فرد قد بلغتهم الدعوة، لا نقول بلغتهم الدعوة فردًا فردًا كما أننا لا نقول: لم تبلغهم الدعوة فردًا فردًا، من لم تبلغه الدعوة فهو من أهل الفترة الذين لا يعذَّبون بكفرهم وضلالهم فحينئذ إنما نقف أمام أحاديث صحيحة يصرح فيها النبي - ﵌ - بأن فلانًا وفلانًا من أهل النار فلا يجوز أن يقال في هذه الحالة: بأن هذا ليس صحيحًا لأنه
[ ٥ / ٨٠٩ ]
كان من أهل الفترة؛ لأننا سنقول: ما يدريك أنه من أهل الفترة وقد قال ﵊ فيهم: أنهم من أهل النار.
كما جاء في الصحيحين مثلًا: «أن النبي - ﵌ - مر ذات يوم راكبًا على دابته فشمست به وكادت أن ترميه فنظر فوجد قبرين فسأل من كان معه من الصحابة: متى مات هؤلاء؟ قالوا: في الجاهلية، فقال ﵊: لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» (١).
والشاهد من هذا الحديث أن النبي - ﵌ - شهد بأن هذين المقبورين ماتا في الجاهلية ومع ذلك فإنهما يعذبان ولو قال ﵇: «لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» هذا العذاب الذي شمست به دابته خوفًا من هذا العذاب الذي سمعته الدابة وهذا العذاب كان منصبًا على رجلين ماتا في الجاهلية.
فحينئذ لازم هذا الحديث وأمثاله أنهما ماتا على الشرك وعلى الضلال من جهة وأنهما ليسوا ممن لم تبلغهم الدعوة؛ لأنهم لو كانوا كذلك لم يستحقوا العذاب بصريح الآية السابقة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
كذلك قد جاء في غير ما حديث: «أن النبي - ﵌ - سئل عن بعض الأجواد الكرماء الذين كان يضرب بهم المثل بجودهم وكرمهم ممن ماتوا في الجاهلية، هل نفعهم شيء من ذلك؟ قال: لا إنه لم يقل يومًا ما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (٢).
وأخيرًا: نأتي إلى مشكلة المشاكل بالنسبة لبعض الكتاب المعاصرين الذين
_________________
(١) مسلم (رقم٧٣٩٢).
(٢) مسلم (رقم٥٤٠).
[ ٥ / ٨١٠ ]
يتكؤون على قاعدة أن أهل الفترة غير معذبين فيردون هذا الحديث الأخير، مع ما سبق ذكره من أحاديث فلا يهمهم أن يتعرضوا لذكرها سلبًا أو إيجابًا؛ لأنها لا علاقة لها بعواطفهم بخلاف الحديث الذي سأذكره آتيًا ألا وهو قوله ﵊: «إني أستأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي» (١) فهذا الحديث باعتباره يتعلق بوالدة النبي - ﵌ - الذي هو سيد البشر فكثير من الناس الذين يستسلمون لعواطفهم دون أن يحكموا فيها شريعة ربهم وأن يسلموا لها تسليما يكبر عليهم جدًا أن يتقبلوه كما هو واجب كل مسلم في أن يكون موقفه تجاه حكم من أحكام الله ﷿ كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥)، فهم لا يسلمون لهذا الحديث تسليمًا كما أمرهم الله ﷿ في الآية المذكورة؛ لأنهم لا تتسع عقولهم لأن يعتقدوا بأن أم سيد البشر هي من أهل النار، مع علمهم أن النبي - ﵌ - كان يقول في حديث معروف في صحيح مسلم من: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) والله ﷿ يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١)، فالأنساب يوم القيامة بالنسبة لمن مات على الشرك فلا فائدة منه إطلاقًا، وهذا الحديث بخصوصه يدخل في هذا العموم أن النسب لا يفيد صاحبه إذا لم يكن مؤمنًا بالله ورسوله.
فقوله - ﵌ -: «واستأذنت ربي في أن أستغفر لها» فلم يأذن لي دليل واضح
_________________
(١) مسلم (رقم٢٣٠٤).
(٢) مسلم (رقم٧٠٢٨).
[ ٥ / ٨١١ ]
جدًا أن والدة النبي - ﵌ - هي من أهل النار مع أنها ماتت قبل أن يشب النبي - ﵌ - فضلًا عن أنها ماتت قبل بعثته - ﵌ - فهي إذًا ماتت في الجاهلية فهل هي من أهل الفترة أي: الذين لم تبلغهم الدعوة؟ الجواب: لو كانت كذلك لمَا أبى الله ﵎ أن يأذن للنبي - ﵌ - بأن يستغفر لها، فإذًا هي ماتت على الشرك ومن مات على الشرك فلا تنفعه شفاعة الشافعين.
كذلك الحديث الآخر ولعله عند بعض الناس أشهر وهو أيضًا في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن رجلًا جاء إلى النبي - ﵌ - فقال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار، ثم انصرف الرجل».
قال ﵊: «هاتوا الرجل، فلما رجع قال له - ﵌ -: إن أبي وأباك في النار» (١)، فحكمه أيضًا ﵊ في هذا الحديث على والده الذي كان سبب وجوده أنه من أهل النار لدليل واضح أنه ليس من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن أيضًا من أهل النار.
لهذه الأحاديث لا يجوز لنا أن نقول: إن كل من كان قبل بعثة الرسول ﵇ من المشركين هو من أهل الفترة؛ لأننا بذلك نضرب أحاديث الرسول - ﵌ - دونما حجة من عند أنفسنا إلا التمسك بعمومات لا تفيد بالنسبة للنصوص الخاصة، وحينئذ وجب الجمع بين ما دلت عليه الآية وما في معناها، أن الله ﷿ لا يعذب أحدًا من عباده إلا بعد إرسال الرسول إليه.
ولعل من المفيد أن نذكر هنا شبهة أخرى تعترض سبيل أولئك الشاكِّين في بعض هذه الأحاديث المقطوع بصحتها عند أهل العلم حينما يقولون: إن هؤلاء
_________________
(١) مسلم (رقم٥٢١).
[ ٥ / ٨١٢ ]
الأفراد الذين جاءت الأحاديث لتصرح بأنهم من أهل النار لم تبلغهم الدعوة، فنقول حين ذاك: ما هو الدليل عندكم أن هذا الجنس من الناس المعذبين ممن ماتوا في الجاهلية، ما هو الدليل عندكم في النفي الذي تذكرونه أي: قولهم: لم تبلغهم الدعوة؛ لا يجدون جوابًا إلا أن يقولوا: نحن نعلم يقينًا إن أبوي الرسول مثلًا وبعض أولئك الكرام الذين ماتوا في الجاهلية نعلم يقينًا أنه ما أرسل إليهم رسولًا، هنا لا بد من أن نقف قليلًا:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) هل المقصود ببعثة الرسول التي تقوم الحجة بها على الناس الذين جحدوها وكفروا بها أن يأتيهم الرسول بشخصه ومعه الدعوة من ربه إليهم، أم يكفي أن تصل دعوة الرسول إلى أولئك الناس ولو بواسطة بعض أصحاب ذلك الرسول أو الذين جاءوا من بعدهم، هنا دقة في الموضوع، وأظن أنه لا يستطيع أحد أن يفسر الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) أن المقصود بعثة الرسول بشخصه فقط، أي: بمعنى أنه إذا مات الرسول ماتت الدعوة، وأن هذه الدعوة لو بلغت ناسًا بواسطة أتباع الرسول الأولين أو أتباع أتباعهم وهكذا فلا تقوم حجة الله على الناس إلا في حالة بعثة الرسول بشخصه فقط.
لا أعتقد أن أحدًا يضيق معنى هذه الآية فيقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) بشخصه، أي: كل قوم لا بد أن يأتيهم الرسول بشخصه وبدعوته، ذلك؛ لأن من المعلوم أولًا بالنص قوله ﵊: «فضلت على الأنبياء قبلي بخمس خصال -وذكر فيها ﵊ قوله: وأنه كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» (١)، قوله ﵇: «وبعثت
_________________
(١) مسلم (رقم٤٢٧).
[ ٥ / ٨١٣ ]
إلى الناس كافة» مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ:٢٨)، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٧)، كل هذا وذاك يدل على أن بعثة الرسول ﵇ ليست فقط بشخصه بل وببلوغ الدعوة إلى من بعد وفاته ﵊.
كذلك نقول حينما قال ﵇: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة» لا يعني: يبعث بشخصه فقط بل وبدعوته بعد وفاته ﵊.
هذه حقائق باعتقادي لا يمكن لأحد أن يماري أو يجادل فيها؛ لأنه سيلزمه محظوران اثنان:
المحظور الأول: أن يعتقد أن بعثة الرسول - ﵌ - إلى الناس كافة محصورة بالعرب الذين دعاهم الرسول ﵊ مباشرًة إلى الإسلام، أما بعد وفاته فقد انتهت دعوته ﵇ وبعثته ورسالته، وهذا بلا شك باطل.
والشيء الآخر مثله وهو: أن يعتقد أولئك الشاكين المرتابين في صحة تلك الأحاديث وهي صحيحة دون خلاف بين العلماء أن يعتقدوا أننا نحن اليوم معشر المسلمين وعددهم يبلغ عشرات الملايين، لم تبلغنا الدعوة، لماذا؟ لأنه ما جاءنا رسول مباشرةً، فهل من عاقل يقول بمثل هذا القول الذي يلزمهم أن يقولوا به إذا ما قالوه في العرب الذين كانوا قبيل بعثة الرسول ﵇؛ لأنهم يقولون: هؤلاء ما جاءهم رسول لكنهم يعلمون أنهم جاءتهم دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وهي دعوة التوحيد فكفر من كفر بها وآمن من آمن بها، فإذًا: لا فرق بين دعوة إبراهيم وإسماعيل من حيث شمولها لكل من بلغته الدعوة ولو بعد وفاة الرسول المرسل إليهم مباشرةً؛ لأنه ليس المقصود من بعثة الرسول
[ ٥ / ٨١٤ ]
هو الشخص، وإنما المقصود دعوته ورسالته.
ذلك لأننا لو فرضنا إنسانًا في زمن الرسول المبعوث مباشرةً إلى قومٍ ما كان أصم أبكم، التقى مع الرسول المبعوث ولكنه هو لا يفقه شيئًا مما يقول لما به من صمم وبكم، فهذا لم تبلغه الدعوة وإن كان قد بلغه الرسول بشخصه، والعكس كذلك حينما نتصور قومًا جاءتهم دعوة الرسول ﵇ دون أن يروا الرسول وبعينه وشخصه فقد قامت الحجة عليهم.
إذا كان الأمر كذلك وهو كذلك دون خلاف بين مسلمين فحينئذٍ لا محظور بالنسبة لتلك الأحاديث الصحيحة التي تشهد بأن أولئك الأشخاص هم من أهل النار، فلازم ذلك أنهم قد بلغتهم الدعوة، وأقيمت عليهم الحجة، فلا جرم أن النبي - ﵌ - حكم عليهم بأنهم من أهل النار، فقول من يقول بدفع هذه الأحاديث أن إسماعيل أو إبراهيم أو غيرهما من الأنبياء الذين أرسلوا إلى العرب ما جاءهم رسول مباشرةً، هذا كما لو قال قائل اليوم: أن التابعين وأتباع التابعين إلى هذا الزمان وإلى آخر الزمان الذي لا يبقى على وجه الأرض من يشهد ألا إله إلا الله إلا جاءت ريح طيبة وقبضت أرواحهم، كل هؤلاء من المسلمين أتباع الصحابة ومن بعدهم نقول: لم تبلغهم الدعوة؛ لأنهم ما جاءهم الرسول، فهل من عاقل يقول بمثل هذه الكلمة؟
ظني أن لا أحد يقول، إذًا: نحن نلزمهم بأن يقولوا نفس الكلمة معنا: بأنه ليس المقصود من إرسال الرسل فيما قبل الرسول ﵇ هو أشخاصهم فقط، بل المقصود: دعوتهم أيضًا، فسواء لا فرق بين قوم جاءهم الرسول مباشرةً بدعوته، وبين قوم أو أقوام آخرين جاءتهم دعوة الرسول بوساطة أتباع الرسول،
[ ٥ / ٨١٥ ]
فكل من هؤلاء وهؤلاء قد قامت حجة الله ﷿ على الناس جميعًا بطريق من هاتين الطريقتين: إما وصول دعوة الرسول بواسطته هو مباشرةً، أو وصول دعوة الرسول بواسطة غيره من أتباعه الذين آمنوا به، فحينئذٍ نعرف من هم أهل الفترة.
وخلاصة ذلك: أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة الرسول - ﵌ - مباشرةً منه إليهم، أو بواسطة أحد أتباع هذا الرسول.
إلى هنا فيما يبدو لي ينتهي الجواب عن السؤال السابق، ولكن لا بد لي من كلمة قصيرة حول الدعوة التي يجب أن تبلغ ناسًا لتكون حجة الله قائمةً عليه؛ لأنهم قد تكون جاءتهم الدعوة بطريق غير طريق الرسول، فلا تكون الحجة قائمةً في هذه الحالة، لتقصير وقع من هؤلاء المبلغين، فقد ذكرت آنفًا أن الرسالة قد تبلغ بطريق من طريقتين:
الطريقة الأولى: بشخص الرسول، وهذه بلا شك ولا ريب أقوى من الطريقة الأخرى.
وهي: أن تصل الدعوة إلى قوم ما بواسطة أتباع الرسول، سواء كان هؤلاء الأتباع من أتباع الرسول مباشرًة، أو على التسلسل كما نقول في فهم حديث الرسول: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» فخير الناس أصحابه ﵇؛ لأنهم هم الذين أرسل إليهم الرسول مباشرةً، ثم التابعون لهؤلاء الأصحاب، ثم أتباعه.
فالطريقة الأخرى أن تصل الدعوة إلى ناس ما بطريق أتباع الرسول، سواء التابعين للصحابة أو أتباعهم، أو من جاءوا من بعدهم كما هو واقعنا اليوم.
الذي أريد الآن أن أذكر به إتمامًا للفائدة: أن الدعوة التي تصل إلى قوم ما
[ ٥ / ٨١٦ ]
بالطريقة الأخرى، ليس بطريقة الرسول مباشرةً يجب أن تكون هذه الدعوة قد بلغتهم صافيةً نقية، لا تغيير فيها ولا تبديل ولا تحوير، لأنها في هذه الحالة إذا بلغتهم كذلك تكون بلوغ الدعوة إليهم بواسطة الأتباع كما لو كانت وصلت إليهم بواسطة الرسول مباشرةً، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك، أي: إن قومًا ما أو ناسًا ما بلغتهم دعوة الإسلام محرفةً .. مغيرةً .. مبدلةً، وبخاصة ما كان منها متعلقًا في أصولها وفي عقيدتها، فهؤلاء الناس أنا أول من يقول إنهم لم تبلغهم الدعوة؛ لأن المقصود ببلوغ الدعوة على صفائها وبياضها ونقائها، أما والفرض الآن أنها بلغتهم مغيرةً مبدلة، فهؤلاء لم تبلغهم الدعوة وبالتالي لم تقم حجة الله ﵎ عليهم.
هذا الذي أردت أن أضيفه إلى ما سبق من البيان لتتم الفائدة إن شاء الله.
مداخلة: هو لا شك بأن الدعوة وصلت إلى كثير من الناس ولكن هؤلاء الناس يختلفوا، إذا عرب درسوا إلى جانب هذه الدعوة المحرفة .. درسوا القرآن واللغة العربية بعلومها من بلاغة وبيان وإلى آخر والنحو والصرف، فهموا اللغة فهمًا واضحًا يعني: فهموا أيضًا القرآن .. اطلعوا على شيء من تفاسير السلف، هناك دعوة قائمة أيضًا تؤكد المبادئ وقواعد التوحيد التي جاء بها القرآن الكريم، كل هذا تتوفر لكثير من الناس خصوصًا العرب منهم، فهل نقول في هؤلاء: إنهم ما قامت عليهم الحجة وما بلغتهم الدعوة؟
الشيخ: من يقول بهذا؟
مداخلة: أخشى أن يتبادر فهم ..
الشيخ: لكن اعكس تصل الطرف الثاني بلغتهم الدعوة؟
[ ٥ / ٨١٧ ]
مداخلة: أي طرف ثاني؟
الشيخ: الذي يقابل هذا الطرف الذي وصفته.
مداخلة: لا لا.
الشيخ: هذا هو المهم بارك الله فيك.
مداخلة: لا أقول بهذا، مثلًا الآن: مدرسة الأزهر تدرس العلوم الإسلامية بلغاتها وعقائدها وتراثها وكذا وكذا .. مثلهم بعض المدارس أيضًا يدرسون هذه العلوم، يدرسون القرآن وعلومه ولغته بأصنافها، فهل نقول في هؤلاء فعلًا وصلتهم الدعوة المحرفة أو بطريق الأشعرية أو غيرهم، لكن بقي هناك ما تقوم به عليهم الحجة من فهمهم اللغة العربية وبفهمهم لعلوم القرآن وعلوم الحديث وتراث السلف الصالح، هل نقول في هؤلاء: بلغتهم الحجة فعلًا وقامت عليهم أو نقول: إن هناك احتمال أنه ما بلغتهم الحجة أو بعضهم ما بلغته الحجة.
الشيخ: أنا أعتقد بارك الله فيك أننا في كل المسائل يجب أن نأخذ أوضح الأمثلة وليس أغمضها، فالآن لنقل عن المسلمين الأعاجم، لا نتحدث عن علمائه، بل لنقل عن العرب أمة العرب الذين ليسو من العلماء، هل بلغتهم الدعوة؛ لأن المهم أن نتكلم في الأمة التي نقول عنها إنها أمة مسلمة سواء كانوا عربًا أو كانوا عجمًا، لا نريد أن نتكلم عن نخبة منها .. عن خاصة هذه الأمة العربية أو الأعجمية، وإنما نتكلم عن عامة هذه الأمة، هل بلغتهم الدعوة في هذا العصر؟ أنت ذكرت الأزهريين بخاصة، ترى! المصريين هل المصريون كشعب هل بلغتهم الدعوة كما جاء بها رسول الله - ﵌ - إلى الصحابة، وكما نقلها الصحابة إلى التابعين وهكذا؟
[ ٥ / ٨١٨ ]
أنا أقطع بأن هذا الشعب كشعب لم تبلغهم الدعوة كما جاءت وكما أنزلت، لكن بلا شك بعض الخاصة من أولئك كما شرحتم آنفًا قد بلغتهم الدعوة وأقيمت عليهم الحجة، ونحن غرضنا من هذا البيان هو أن نخلص عامة المسلمين وبخاصة منهم الأعاجم من أن نبادر إلى تسليط سيف التكفير عليهم، ونحن نعرف أنهم يعيشون بين علماء كثير منهم من لم يفهم الدعوة كما يجب، وقسم منهم كما أشرت فهمها كما جاءت ولكنه اتبع هواه كما وقع مع العرب الأولين تمامًا الذين بعث إليهم الرسول مباشرًة، ولذلك أنا فرقت بين الدعوة بالطريقة الأولى حيث يأتي الرسول فيبلغ قومه مباشرًة، هنا ليس هناك مجال أن يكون التبليغ فيه سوء تبليغ .. فيه تقصير، بينما نقل الدعوة بالطريقة الأخرى يمكن أن يرد عليها شيء من هذا التقصير، أو من ذاك السوء سوء التبليغ.
فهناك فرق بين الطريقة الأولى والطريقة الأخرى تمامًا، وما دمنا نحن نعيش اليوم وقد بلغنا الدعوة بالوسائط، وبخاصة وبيننا وبين الرسول الذي أرسل مباشرةً إلى الصحابة أربعة عشر قرنًا فيجب أن نتصور أن الدعوة إلى جمهور الأمة الإسلامية اليوم حتى العرب لم تبلغهم الدعوة كما جاءت أو كما أنزلت من العلماء؛ لأنهم من علماء السوء ومن الذين وصفهم الرسول ﵇ في الحديث الصحيح حين قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور العلماء، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١).
غرضي من هذا ليس أن نقدم عذرًا لمن لا عذر له وهم الأقلية، وإنما أن نقدم
_________________
(١) مسلم (رقم٦٩٧٤).
[ ٥ / ٨١٩ ]
عذرًا لمن لهم عذر في أن الدعوة لم تبلغهم كما جاءت، اليوم المصريون مثلًا وكثير من أمثالنا من السوريين العرب زعموا، هل بلغتهم دعوة التوحيد كما بلغت العرب الأولين؟ أنا أقول: لا، العامة عامة المسلمين العرب فضلًا عن الأعاجم لم تبلغهم الدعوة؛ لأن هؤلاء الذين يفترض أن يكونوا أداة هداية وإرشاد من هؤلاء المنتمين إلى العلم أن يكونوا أداة هداية وإرشاد للعامة وأداة إضلال وإفساد للعامة بسبب أن علمهم هو الجهل بعينه؛ لأنهم يتأولون لهم النصوص الصريحة من الكتاب والسنة التي تصرح بأن ما يسمونه بالتوسل مثلًا هو الشرك بعينه.
فالعامة من أين لهم أن يفهموا هذا الفهم الصحيح الذي تفردت لا أقول: كل أفراد هذه البلاد إنما أقول: كثير من أفراد هذه البلاد تفردت بفهم التوحيد فهمًا صحيحًا بسبب دعوة الدعاة المخلصين منهم، أما تلك البلاد فقل ما يوجد فيهم عالم بمعنى الكلمة وبلغهم الدعوة الصحيحة ثم هم نكلوا عنها، هذا واقع العالم الإسلامي فضلًا عن العالم الغربي.
لننتقل الآن إلى الغرب: أوروبا وأمريكا، هل هؤلاء الأقوام من الكفار بلغتهم دعوة الإسلام كما أنزلها الله ﷿ على قلب محمد ﵊؟ مع الأسف الشديد ما بلغتهم، وأنا أضرب لكم مثلًا قريبًا جدًا: الذي نعرفه ولو من سنين طويلة، ولا أدري الوضع هو الآن، إن الطائفة القديانية التي خرجت من الإسلام بما تحمل من عقائد باطلة، هي من أنشط الفرق التي تتبنى الإسلام دينًا في دعوة الأوروبيين إلى الإسلام، وقد استجاب لهم المئات بل الألوف من الأوروبيين، سواء من الألمان أو البريطان أو الأمريكان .. استجابوا لدعوة القديانيين فصاروا مسلمين قاديانيين.
ومن عقيدة هؤلاء أن النبوة لم تختم، وأن قوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ
[ ٥ / ٨٢٠ ]
اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) ليس معناه كما نفهم نحن، أي: آخر النبيين وأنه لا نبي بعده، وإنما تأولوا لهؤلاء الأعاجم من الأوربيين والأمريكان خاتم النبيين، يعني: زينة النبيين! أي: ليس معنى الآية بأنه آخر الأنبياء، فأسلم الأوروبيون على دين القديانيين، هل هؤلاء بلغتهم الدعوة كما أنزلها الله ﷿؟ الجواب: لا، أما من انحرف منهم من العلماء فهذا أمر واضح لا إشكال فيه.
مداخلة: طيب لو قال قائل يا شيخ: بالنسبة لموضوع الفترة .. لو قال قائل: نفس المقالة هذه التي نحن نقولها: أن مشركي العرب ما بلغتهم الدعوة كما جاءت عن الرسول السابق، أليس له الحق في ذلك؟
الشيخ: لا ليس له الحق في ذلك، أولًا: هذا القول ليس هي المشكلة، المشكلة هي في العرب الأولين ليس في العرب الآخرين، مشكلة أولئك الذين سميتهم بالخصوم هو ردهم للأحاديث الصريحة التي ذكرنا آنفًا بعضها ..
مداخلة: والد النبي ووالدته يقولون أنهم ما يمكن أن يكونوا في النار، لماذا لا نقول: نحن أمة كلفنا بأن نؤمن بالغيب؟ والله امتدحنا بالإيمان بالغيب، فنحن نقول: أن الله ﷾ هو أعلم بعباده، ويعلم بأن والد النبي ووالدة النبي وكل من كان من أهل الفترة، وأخبر الله نبيه أنه من أهل النار أنه يستحق ذلك حتى ولو بعث إليه نبي ما يمكن أن يؤمن به، ونرتاح من هذه الإشكالات حتى لا يرد علينا أي شيء
الشيخ: ما فهمت عليك كثيرًا مما تقول!
مداخلة: أنا أقول: الذين يقولون: أن أهل الفترة هؤلاء .. أن بعض أهل الفترة ممن أخبر النبي - ﵌ - عنهم بأنهم في النار، هؤلاء ما بلغتهم الدعوة.
[ ٥ / ٨٢١ ]
الشيخ: نحن انتهينا من هذا، قلنا: من لم تبلغهم الدعوة فهم غير معذبين، ولكن هل كل أهل الفترة لم تبلغهم الدعوة؟
مداخلة: لا أنا ما أقول .. أقول عن هؤلاء بخصوصهم ..
الشيخ: بارك الله فيك أنا ما أسألك أنت، أسأل عن أولئك الناس هل يعتقدون أن كل أهل الفترة ما بلغتهم الدعوة، أم بعضهم بلغتهم وبعضهم لم تبلغهم، أنا أسألك أنت عنهم، ليس ما تقول أنت.
مداخلة: هم يقولون البعض والبعض .. يقولون يخصصون والد النبي - ﵌ - ومن جاءوا قبل بعثة النبي - ﵌ - ولُبِّسَ عليهم، كما حصل من عمرو بن لحي الخزاعي الذي جاء بالأصنام إلى مكة وفعل وفعل، وغطى عليهم دعوة الأنبياء، يقولوا: أن هؤلاء ما بلغتهم الدعوة، ومن ذلك والد النبي ووالدته.
نقول لهم: والد النبي ووالدته ورد في النصوص الصحيحة التي تبين، ونحن أمة آمنا برسول الله - ﵌ -، وإذا أخبر الرسول - ﵌ - بأمر لا يمكن أن نقول عن الأمر الذي بلغنا به النبي - ﵌ - أن هذا فيه كذا أو فيه ما يوحي أن هؤلاء بلغتهم أو ما بلغتهم، علينا أن نسلم بأننا مسلمين
الشيخ: أنت تتكلم عن من يا شيخ؟ أنت تتكلم عن الذين يؤمنون بصحة هذه الأحاديث أم الذين ينكرونها؟
مداخلة: لا يؤمنون بها ولكن ينكرونها، يقولون: أن الأحاديث هذه واردة صحيحة لكن ..
الشيخ: أرجوك أن تجيبني: هل تتكلم عن الذين يؤمنون بهذه الأحاديث ويصدقون بها فيقولون كما قال ﵇: أبي في النار، أم أنت تتحدث عن غير
[ ٥ / ٨٢٢ ]
هؤلاء الذين ينكرون هذه الأحاديث؟
مداخلة: أنا أتكلم عمن يقول بها ثم يحرف فيقول: الأب المراد به العم؛ لأنهم يؤولون يقولون: والعم أصلًا هو الأب، هم يقولون: نحن نقول النبي - ﵌ - قال بأن والده في النار
الشيخ: الآن انحرفت عن السؤال .. الآن بارك الله فيك خرجت عن الصدد، الآن دخلت في موضوع تأويل الأحاديث.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! نحن أتينا بأحاديث أخرى صريحة الدلالة بأن بعض من مات في الجاهلية يعذبون في القبر.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! فهؤلاء كيف يؤولون هذه الأحاديث إلا بالتسليم بأن هناك في العرب من بلغتهم الدعوة ولذلك عذبوا، فنحن الآن ما نريد أن ندخل في متاهات تخرجنا عما كنا في صدده، والرد عندنا واضح، لكن ما بين أيدينا الآن شخص يقول: أنا أؤمن بأن النبي - ﵌ - قال: «إن أبي وأباك في النار» لكن أنا أتأول: الأب هنا بمعنى العم فحينئٍذ نبدأ ونرد عليه، لسنا في هذا الصدد، سنقول: وكيف تفسر حديث الأم: «واستأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي» لعله يقول ..
مداخلة: يأتي بأحاديث يقول أنه ما مات وأحاديث موضوعة ومكذوبة ما مات النبي - ﵌ - حتى أحيا الله له الاثنين
الشيخ: هذا موقف المسلم؟
[ ٥ / ٨٢٣ ]
مداخلة: ليس موقف مسلم، لكن أنا أقول مثل هذا كيف نرد عليه؟
الشيخ: سبق كيف نرد عليهم، الآن أتينا بأحاديث صريحة بأن بعض من مات في الجاهلية معذب.
مداخلة: نعم، نرد بالإيمان بالغيب ونستريح.
الشيخ: هل يؤمنون بها؟
مداخلة: لذا يجب عليهم أن يؤمنوا بالغيب
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك! أنت تقول: يجب عليهم، نحن ليس هذا موضع الخلاف، نسأل عن واقعهم: هل هم يؤمنون بها، أم تدفعهم عاطفتهم الجامحة التي لا تقف ..
مداخلة: تدفعهم العاطفة.
الشيخ: طيب! فإذًا: هم لا يؤمنون بها وإلا هو ..
مداخلة: الذين يؤمنون بالغيب لا يستحق المناقشة.
مداخل آخر: لو سمحت يا شيخ! لا شك أن الدعوة السلفية لها نشاط في العالم العربي والإسلامي عمومًا في بلاد العجم وغيرها، ومن آثار هذه الدعوة تجد مثلًا المسلمين في الهند يبلغون ملايين السلفيين اثنا عشر مليون مثلًا بنجلاديش .. اثنا عشر مليون في باكستان .. اثنا عشر مليون في الهند، أكثرهم عوام، يعني:
الشيخ: الحمد لله ذلك ما نبغي.
مداخلة: هذا شيء.
[ ٥ / ٨٢٤ ]
الشيخ: طيب.
مداخلة: هؤلاء السلفيون حركتهم تتمثل في الخطابة .. تتمثل في نشر الكتب مترجمة التي تبلغ العوام وغير العوام، هذا على مستوى واحد، العامي والعامي يأتي إلى هذا الكتاب يدعو إلى التوحيد ويحارب الشرك أنا اقتنعت، أخي بنفس المستوى يقرأ هذا ولا يعمل، يكتب: هل يعذر هذا
الشيخ: لا يعذر إذا قدمت إليه العقيدة صحيحة كما جاءت.
مداخلة: قدمت له صحيحة
الشيخ: لا يعذر.
مداخلة: طيب! في مصر مثلًا هناك نشاط سلفي قوي جدًا .. في السودان نشاط سلفي قوي .. في سوريا نشاط سلفي جيد .. في الأردن على مستوى الكتب والدعوة في المساجد والخطابة، تجلس أمام أناس درجاتهم يعني: متحدة في الفهم وكذا وكذا، واحد يسمع هذه الخطبة تقول كلمة الحق تبين التوحيد الشرك البدعة، قال: والله هذا كلام حق وسلم، هذا أخوه في نفس المستوى، مثله سمع هذا الكلام الحق الذي يشرح لا إله إلا الله وبين التوحيد من الشرك، يرفض يقول: هذا وهابي! ما يقبل، هذا قامت عليه الحجة أو ما قامت؟
الشيخ: بارك الله فيك! هذه حياة عشناها نحن في سوريا، لكن لماذا تدع الجانب الآخر السلبي الذي لا شك فيه؟ ضربنا لكم مثلًا بالقاديانيين ودعوتهم، هل هؤلاء الأوربيون الذين جاءتهم الدعوة الإسلامية بطريق القاديانيين قامت عليهم الحجة؟
مداخلة: لا.
[ ٥ / ٨٢٥ ]
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: أنا ما أعرض هذا، أعرض فيمن بلغتهم الدعوة على الوجه الصحيح.
الشيخ: وأنا معك في هذا بارك الله فيك، لكن المشكلة ليس في هذا النوع، المشكلة في النوع الثاني.
مداخلة: انتهينا من الثاني هذا نعرفه، [نتكلم] عن كثير من العوام إن عوام أمامي في هذا المسجد .. في هذه المدرسة .. في هذا المجال يخطب واحد، يقدم لهم كتب يعني: كلهم في مستوى واحد، هذا يقبل الحق وهذا يرفضه ويعارضه بتهمة أن هذا وهابي وهذا الكلام الذي يقوله ضلال وتحريف لكلام الله، بينما الآخر يقول: والله هذا كلام سليم وهذا كلام حق يقوم على قال الله قال رسول الله، تَقَبَّل هذا ورفض هذا، هل نفهم إخواننا أن هؤلاء والذي سميناهم عوام عندهم عقول .. وإن سميناهم عوام إنهم قد قامت عليهم الحجة ولم تكن عاميتهم هذه عذرًا لهم ما دامت قد بلغتهم الدعوة على المنهج الصحيح عن طريق الكتب أو عن طريق
الشيخ: حولها ندندن! بلغتهم الدعوة .. بلغتهم الدعوة انتهى الأمر .. بلغتهم الدعوة سليمة انتهى الأمر .. بلغتهم الدعوة غير سليمة انتهى الأمر .. ما بلغتهم الدعوة مطلقًا انتهى الأمر، المسألة واضحة جدًا.
"الهدى والنور" (٣٦٣/ ٠٦: ٣٠: ٠٠)
[ ٥ / ٨٢٦ ]
[٧٤٢] باب منه
سؤال: أستاذنا سؤال آخر، قضية أهل الفترة، هل يمكن أن نعرف تحديد من هم أهل الفترة، وقضية الآيات التي جاءت تبين أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير وكذا، كيف يجمع بين هذه الأمور حتى نعرف أنه ما كان قبل النبي - ﵌ - هل هم داخلين في أهل الفترة أم لا؟ جزاك الله خيرًا.
الشيخ: كأنك تعني بمن هم أهل الفترة، ليس كأفرادٍ وإنما كجماعة، لعلك تقصد هذا؟
مداخلة:
الشيخ: لا تحيد عن الجواب، إما أن تقصد أفرادًا وهذا أستبعده عنك، وإما أن تقصد جماعة أو أمة أو عصرًا معينًا، فماذا تعني؟
مداخلة: الحقيقة أنا سؤالي أعم أنه قد يكون جماعة لا أقصد أمة، إنما قد يكون جماعة وقد يكون أفرادًا.
الشيخ: جميل جدًا.
الآن في العصر الحاضر عصر المدنية والعلم وما شاء الله، هل تعتقد أنه يمكن أن يوجد فرد في هذه الملايين المملينة من البشر من أهل الفترة أم لا؟
مداخلة: والله باعتقادي لا، لكن بعض الناس الذين
الشيخ: دعك والناس، أنا أحكي بيني وبينك، لماذا تريد أن تدخل نفسك في معركة الناس؟
[ ٥ / ٨٢٧ ]
مداخلة: لا، هم الذين
الشيخ: يا أخي
مداخلة: الجواب، لا.
الشيخ: لا، كيف يعني، حتى نفهم المنفي شو هو؟
مداخلة: المنفي أنه في هذه المدنية التي نعيشها لا يعقل أنه لم يصل اسم الإسلام إلى الناس بمجموعه العام.
مداخلة: أَكَلْهَا.
الشيخ: لا مش أَكَلْهَا، خربها. لأننا نتكلم الآن عن فرد، السؤال فرد، أنت تقول لي مجموع، الآن إذا كان هناك ملايين من أفراد البشر الذي دخلوا سن التكليف، السؤال كان: ألا تتصور أن يكون فرد من هذه الملايين هو من
أهل الفترة؟
مداخلة: نعم موجود.
الشيخ: هذا ينافي ما قلته آنفًا.
مداخلة: لعلي فهمتك خطأً يا شيخ.
الشيخ: معليش عفا الله عما سلف.
إذًا: الآن ممكن أن تتصوروا وجود شخص في هذه الملايين المملينة هو من أهل الفترة، ولو وضعنا أمام الواحد نقطة يختلف الأمر عندك؟
مداخلة: لا.
[ ٥ / ٨٢٨ ]
الشيخ: نقطة على اليمين وليس على الشمال. كم صار العدد؟
مداخلة: عشرة.
الشيخ: ونقطة ثانية، ونقط، هل يختلف الجواب؟
مداخلة: الحقيقة أن الإشكال
الشيخ: الكلام لي وليس لك؟
مداخلة: ما هو أنت
الشيخ: ماذا أريد أورطك أم أنقذك؟
لماذا أنت خايف؟
معليش، نحن من عاداتنا في سوريا كلمة طيبة، اللي ما يجي معك تعال معه، فأنا سأمشي معك، سنعود للشخص الأول حتى يسهل عليك الجواب أنه هذا ممكن أن يكون موجودًا، ليش؟
مداخلة: أحسبها بعدم وصول الدعوة له.
الشيخ: لا، أنا السبب أطلبه منك.
مداخلة: هو قد يكون تقصير منه.
الشيخ: لا، لا تدخل في التفاصيل يا أخي، عرفت ما هو السؤال الثاني؟
مداخلة: الذي هو سبب كونه من أهل الفترة.
الشيخ: أيوه.
مداخلة: عدم وصول الدعوة له.
[ ٥ / ٨٢٩ ]
الشيخ: كويس، هذا السبب يمكن أن يتكرر.
مداخلة: نعم.
الشيخ: إذًا ممكن نضع نقطة أمام الواحد إلى العشرة ونقط ..
مداخلة: نعم.
الشيخ: مع أنه لا أزال عند موقفي، لكن فقط تغيير العبارة.
هذا في عصرنا، لماذا خصصت عصرنا؟
مداخلة: لأنه عصر
الشيخ: لوجود الوسائل هذه المقربة للبعيد التي كادت أن تجعل الكرة الأرضية كقرية صغيرة بسبب الوسائل التي خلقها الله، وذللها للبشر، فما رأيك قبل عصر العلم والثقافة .. إلى آخره، لنعد إلى عصر الجاهلية الأولى، يمكن أن يكون هناك مثل هؤلاء الأشخاص الذين لم تبلغهم الدعوة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، وقبل أن نمضي في الكلام، هل نحن متفقون أن أهل الفترة سواء كان فردًا أو عشرة أو أكثر هم الذين لم تبلغهم الدعوة، هل نحن متفقون
على هذا.
مداخلة: لكن أريد أن أجعل السؤال عام، هل الدعوة المقصود بها
الشيخ: الله يحفظنا من كلمة لكن ..
مداخلة: هل دعوة نبي قبلنا تصدق عليه أم لا بد من دعوة النبي - ﵌ - حتى
[ ٥ / ٨٣٠ ]
نعتبره من أهل الفترة.
الشيخ: أنت رجعت إلى العصر الحاضر.
مداخلة: لا، مثلًا حتى نشمل في سؤالنا ما كان قبل النبي لما ذكرتنا في الجاهلية الآن.
الشيخ: ما علاقة الجاهلية بالنبي، النبي جاء بعد الجاهلية؟
مداخلة: أي نعم، قبل.
الشيخ: طيب، ما الجواب الآن.
أعيد السؤال: إذا رجعنا قبل بعثة الرسول ﵇ يمكن أن يكون هناك أهل فترة، يمكن، وهكذا دواليك ..
ترجع للوراء يعني. إلى عهد آدم ﵇.
نحن نتصور بوضوح أن آدم ﵇ كان نبيًا في أولاده، ولما تكثر وتتناسل أولاده، بحيث أنه تصور أنه يمكن أن يكون هناك فرد أو أكثر من فرد ما بلغته دعوة آدم ﵇.
إذًا: الآن أنا فيما أظن أو يخيل إلي أنني أجبتك عن سؤالك بطريقة السؤال والجواب.
مداخلة: نعم، بس يرد سؤال في ذهني .. أستاذي.
الشيخ: نعم.
مداخلة: قضية أنه مثلًا ما قبل النبي - ﵌ - جاءت بعض الأحاديث تبين
[ ٥ / ٨٣١ ]
مثل: «عمرو بن لحي يَجُرُّ قصبه .. في النار»، مثل حديث: «أبي وأباك في النار» (١)، مثل حديث «استأذنت ربي في أمي»، يعني هؤلاء كيف يفهم الآن مثل عمرو بن لحي دخوله النار، أو أن أبي وأباك في النار، هنا الإشكال الذي ورد في ذهني، أنه هل نعتبرهم أهل فترة، إن اعتبرناهم أهل فترة فَلِمَ عذبوا؟
الشيخ: أنت اتفقت معي أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ألست تربط في ذهنك وفي عقيدتك أن كل من كان من أهل الفترة فهو لا يعذب في النار.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، فكلما جاءك نص عن شخص أنه يعذب في النار سترفع من ذهنك أن هذا من أهل الفترة؛ لأن الله يقول في صريح القرآن: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
إذًا: قول الرسول - ﵌ - في أي شخص هذا في النار، يساوي بلغته الدعوة وكفر بها فهو في النار، المسألة واضحة جدًا.
مداخلة: يعني الاستثناء لأشخاص وليس للمجموع.
الشيخ: الاستثناء للأشخاص من حيث الإخبار عنهم، وليس من إخبار العام الشامل الذي يختم كل قرن مثلًا أو كل جماعة أو كل أمة، هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، ليس عندنا هذا التقسيم.
_________________
(١) البخاري (رقم٣٣٣٣) ومسلم (رقم٢١٣٨).
[ ٥ / ٨٣٢ ]
مداخلة: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لكن هناك شيء ظننت أنك ستتدرج إلى الوصول إليه لأهميته، يمكن نحن الآن أن نتصور أناسًا بلغتهم الدعوة الإسلامية، ومع ذلك فأنا أقول ما بلغتهم الدعوة الإسلامية، ومعنى هذا الكلام أنه ينبغي أن نستحضر في أذهاننا أن كل فرد أو كل طائفة أو جماعة لا نستطيع أن نقول إنهم بلغتهم الدعوة إلا إذا بلغتهم صافية غضة طرية كما أنزلت، وهذا من الصعب بمكان؛ لأنك تعلم اليوم أن هناك طوائف يدعون الإسلام ويدعون إلى الإسلام، وهم إما بريئون من الإسلام براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يقال في المثل العربي القديم أو أنهم ضلوا ضلالًا بعيدًا عن قسم كبير من الإسلام، وإن كانوا لا يزالون محسوبين في دائرة الإسلام.
أضل هذه الطوائف هم البهائيون، ثم يأتي من بعدهم القاديانيون، القاديانيون أشد ضررًا على المجتمع، مجتمع أمة الدعوة كما يقول العلماء ولا أريد المجتمع الإسلامي، بل الأمم القائمة المكلفين اليوم بالاستجابة لدعوة الحق، هؤلاء البهائيون أضر ما يكونون لأنهم نسفوا الإسلام نسفًا، وما أبقوا عليه من شيء، بينما القاديانية يصومون ويحجون ويصلون، كل شيء يفعلوه مثل أهل السنة والجماعة، ولكن عندهم عقائد أخرجتهم عن دائرة الإسلام، فهم مرتدون عن دينهم، لكنهم خطيرون من هذه الزاوية بأنهم مسلمون منا، بينما الخلاف بيننا وبينكم أنكم فهمتهم نصوصًا على وجه خطأ في رأينا، ونحن نرى الصواب فيما نحن عليه.
[ ٥ / ٨٣٣ ]
ونشاط القاديانيين هو أوسع ما يكون انتشارًا في العالم اليوم، وأشد الفرق الضالة تأثيرًا على الناس، ولذلك تجد قاديانيين مسلمين في ألمانيا، في فرنسا، في بريطانيا، وأنا شخصيًا رأيت هناك مسجد في بريطانيا مكتوب عليه بخط كبير جدًا، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقلت هذا من نفاقكم؛ لأنكم يجب أن تقولوا وميرزا غلام أحمد نبي الله، كما يقول الشيعة مثلًا وعلي ولي الله في أذانهم، فهؤلاء الذين تقدينوا إذا صح التعبير، هؤلاء ما نستطيع أن نقول بلغتهم دعوة الإسلام، بل هم لا يزالون من أهل الفترة، لأنهم ما بلغتهم دعوة الإسلام على الوجه الصحيح، ولهذا أنا أذكر جيدًا حينما انتدبنا للتدريس في جامعتكم ولما تفتح أبوابها للتدريس، كنا في سهره كهذه السهرة بحضرة جماعة من أساتذة الجامعة، فأثيرت هذه النقطة، ادعى بعضهم عجبًا، قال لا يا أخي الإسلام بلغ المشرق والمغرب، هذه كل يوم صباح ومساء في إذاعة القرآن الكريم، قلت له يا شيخ هذا القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين أهل العروبة الآن ومدعوا العروبة لا يفقهون كثيرًا من كلام القرآن الكريم، فماذا نقول عن الأعاجم الذين يسمعون هذه الإذاعات لتلاوة القرآن ولا يكادون يفقهون منه شيئًا، هذا ليس معناه أنه بلغتهم الدعوة، ولذلك فيجب ملاحظة هذا القيد فإنه ضروري جدًا.
مداخلة: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: وإياكم.
"الهدى والنور" (٦٣٤/ ٠٨: ٣٢: ٠٠ طريق الإسلام) و(٦٧٧/ ٤٢: ٣١: ٠٠)
[٧٤٣] باب هل يوجد في هذا الزمان من له حكم أهل الفترة؟
[قال الإمام]: اليوم يوجد أهل فترة، تسمع بسكان القطب الشمالي والقطب الجنوبي؟
[ ٥ / ٨٣٤ ]
مداخلة: نعم.
الشيخ: هؤلاء وكثير من الأمريكان وغيرهم ما بلغتهم الدعوة، فإن الحقيقة
-وهذه المسألة أثيرت منذ سنين وأنا في الجامعة الإسلامية-، ليس المقصود ببلوغ الدعوة بلوغ اسمها دون حقيقتها، وإنما المقصود أن تبلغ قومًا ما الدعوة التي بعث بها الرسول سواء خاتم الأنبياء والرسل أو من بعثوا قبل النبي - ﵌ -، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه (١) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني سمع بي، ثم لم يؤمن بي إلا دخل النار» فقوله ﵊: يسمع بي، يعني: على حقيقة دعوته أم على ما انحرفت هذه الدعوة بالنسبة لبعض المسلمين الذين ضلوا في فهمها ضلالًا بعيدًا أو قريبًا فضلًا عن ضلال الكفار متشتتين والرهبان الذين يتعمدون نقل الدعوة الإسلامية إلى أقوامهم على خلاف عقيدتها وواقع أمرها.
لعلكم جميعًا تعلمون أن النصارى ما يعرفون جلهم عن النبي - ﵌ - إلا أنه كان يحب النساء؛ لأنه تزوج فوق التسع منهن، هكذا يصور قسيسوهم ورهبانهم نبينا - ﵌ - لأولئك الأقوام الكفار، فهل هؤلاء بلغتهم دعوة الرسول حينما لا يعرفون عنها إلا أن نبي الإسلام هو رجل يحب النساء وفقط، لا شك أن هؤلاء لا تبلغهم الدعوة، وأنا أفترض هذا وهذه فرضية واسعة، لكن من عرف الإسلام على عقيدته الصافية، منها: لا إله إلا الله بمعناها الصحيح، وأن محمد رسول الله كذلك، فهذا بلغته الدعوة فإن لم يؤمن فهو بلا شك كافر كما قال ﵇: فهو في النار.
فالآن: الدعوة الإسلامية اسمها بلغ آذان كثيرين من الأعاجم، أما حقيقتها فلم
_________________
(١) (رقم٤٠٣).
[ ٥ / ٨٣٥ ]
تصل بعد إليهم، لذلك سمى أهل الفترة أنهم الذين لم تبلغهم الدعوة، وعلى حقيقتها؛ لأن النبي قال: «ثم لم يؤمن بي» وهذا كقوله ﵇: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي» (١) فمن رأى النبي - ﵌ - على غير أوصافه، وشمائله التي كان عليها في حياته ما رآه؛ لأنه يقول: «من رآني» فمن رآه مثلًا شيخًا كبيرًا كما وقع كثيرًا مع بعض الناس حينما يستفتون علينا يقول: أنا البارح رأيت الرسول في المنام، ويقص قصة طويلة، كيف رأيته يا أخي؟ يقول: رأيته ما شاء الله شيخ كبير وجهه مصباح نور، لحيته بيضاء إلى آخره، نقول: ما رأيت الرسول؛ لأن أصحابه يقولون: ما شانه ﵎ ببيضاء (٢)، أو رآه يمشي على عكاز بينما هو كان يمشي وكأنه ينصب من صبب (٣) إذًا: حديثان يفضيان إلى حقيقة واحدة: من رآه في المنام كما كان هو في حياته، من سمع به كما كان هو في دعوته فهذا وذاك قد انطبق عليهم حديث الذي رآه بصفته فقد رآه حقًا، والذي بلغته الدعوة على حقيقتها فقد بلغته، فإذا لم يؤمن فقد كفر ومأواه النار كما جاء في الحديث.
مداخلة: الرافضة عوامهم وجهالهم ينطبق عليهم هذا؟
الشيخ: إذا أنتم قصرتم معهم فهم كذلك، إذا قصرتم معهم وهم عرب أمثالكم ليسوا مسلمين مثل الإيرانيين الأعاجم لا يفقهون اللغة العربية، فإذا لم تبلغوا الدعوة للروافض الذين ابتيتم بهم في عقر داركم فأنتم مسؤولون عنهم، ليس هم المسؤولون.
"رحلة النور" (٤٦أ/٠٠:١٤:٣٠)
_________________
(١) البخاري (رقم٦٥٩٣) ومسلم (رقم٦٠٥٦).
(٢) مسلم (رقم٦٢٢٥).
(٣) صحيح الترمذي (رقم٢٨٧٧).
[ ٥ / ٨٣٦ ]
[٧٤٤] باب هل من لم يصله الدين في هذا الزمان، أو وصله على غير وجهه له حكم أهل الفترة؟
السؤال: اللي بيموت الآن من غير المسلمين مثلًا في دول أوروبا ونشأ في بيئة والعياذ بالله فاسدة، وما أحد وصل له الدين الإسلامي، وإن كان وصل له فوصل له مشوشًا بحيث إنه ما يرغب أنه يدخل فيه، فلا أدري يعني .. هل هؤلاء يدخلون في حكم أهل الفترة أم فيه اختلاف كبير؟
الشيخ: لا، هذا مثل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة، لهم معاملة خاصة في عرصات يوم القيامة.
مداخلة: أما هذول؟
الشيخ: عم أقول لك هذول مثل أهل الفترة لهم معاملة في عرصات يوم القيامة معاملة خاصة، فلا يحكم لهم هنا بجنة ولا بنار.
مداخلة: العرصات تأتي بمعنى الطرق يعني؟
الشيخ: العرصات ساحة موقف المحشر.
مداخلة: الذي بيموت منهم الآن يعني، بيكون حقه عَلَى مَنْ مثلًا؟
الشيخ: ما بيكون؟
مداخلة: يكون حقه على من يعني: مسئول عنه مَن يحتمل خطيئته وإثمه؟ هل المسلمون يعني مثلًا الذي لم يذهبوا له يبلغوه الدين؟
الشيخ: عن أي نوع أنت عم بتحكي عن النوع اللي سألت عنه أولًا.
مداخلة: هو نفس السؤال اللي فيه، الذي يموت مثلًا في فرنسا من أمريكا من
[ ٥ / ٨٣٧ ]
بريطانيا من ألمانيا إلى ما شابه ذلك، وما عنده يعني من يوصلّه الدين
الشيخ: الله يهديك، أنت حكمت هذيك الساعة إنه هذول عليهم إثم؟
مداخلة: كيف؟
الشيخ: حكمت هذيك الساعة إنه عليهم الإثم؟
مداخلة: إثم يعني اللي مثلًا ما بلغوهم هذا قصدي.
الشيخ: أنا عارف لقصدك الله يهديك، هل فهمت مني إنه هذول اللي ماتوا ولم تبلغهم الدعوة آثمين؟
مداخلة: لا ما فهمت هكذا.
الشيخ: طيب! فهمت أنهم غير آثمين؟
مداخلة: نعم فهمت.
الشيخ: فإذًا كيف تقول: إنه من يتحمل إثمهم؟
مداخلة: أيوه صحيح.
"الهدى والنور" (٣٢٦/ ٢٧: ٣٥: ٠٠ طريق الإسلام)
[٧٤٥] باب حكم من لم تبلغهم الدعوة في الآخرة
مداخلة: نحن نقرأ قول الله ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
الشيخ: أي نعم.
[ ٥ / ٨٣٨ ]
مداخلة: ونرى أن في هذه الأيام الملايين من البشر يعيشون في معزل عن العلم أي نعم، فالحقيقة وقد انقطع الوحي، وما عاد الرسل يأتون.
مداخلة: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩).
مداخلة: أي نعم، وطبعًا نحن نعرف حكم أهل الفترة في هذه المسألة بالذات، فهل يقاسون هؤلاء على أهل الفترة، وما هو الشيء الذي لا يؤاخذون
به شرعًا؟
الشيخ: هو في اعتقادي لا يخفاك أن علة التكليف، مناط الحكم على طائفة من الناس أو شعب من الشعوب أو أمة من الأمم.
مداخلة: عفوًا يا شيخنا، تكملة للسؤال وأستميحكم وأقول: مع ملاحظة أن الرسول ﵊ ذكر بأن أباه في النار، ولم يؤذن بالاستغفار لأمه، فهذه المسألة نريد توضيحها.
الشيخ: أردت أن أقول أن مناط الحكم في المؤاخذة وعدمها، هو وصول الدعوة وعدم وصولها، فأي جماعة أو أي شعب أو أي أمة نفترض أنها لم تبلغها دعوة الرسول ﵇، وهذا الذي يهمنا بالنسبة لخاتم [الأنبياء] حين ذاك يرتفع القلم عن هؤلاء فلا يؤاخذون بكفرهم وبضلالهم، ما دام أننا افترضنا أنهم لم تبلغهم دعوة الرسول ﵇، فالشيخ محمد جزاه الله خيرًا ذكر الآية: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩)، وهذه الآية فيها لفت النظر لبعض الناس الذين يستشهدون لهذه المسألة بمثل قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (يس:٦).
إذًا: ما دام أن آباءهم لم ينذروا، فإذًا: يتبادر إلى الذهن أنهم من أهل الفترة.
[ ٥ / ٨٣٩ ]
أنا أقول: أولًا الآية عطفت، قال: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩)، وهذا يعني أن النذير لا يشترط في إقامة الحجة أن يكون اتصل بالقوم مباشرةً بجسده وصوته ودعوته، هذا طبعًا واقع ولكن ليس شرطًا، إنما المهم أن تبلغهم الدعوة، والذي يؤكد لنا هذا أن أي نبي وبخاصة خاتم الأنبياء لو أتى قومًا وبشرهم وأنذرهم، لكن فيهم رجل أصم، فإذًا: هذا جاءه الرسول مباشرة، لكن ليس هذا هو المقصود، لكن أن تصل الدعوة إليه، وهذا باعتباره أصم أو باعتباره أحمق، ونحو ذلك، فهو غير مؤاخذ لأنه لم تبلغه الدعوة، مع أنه شخص الرسول اتصل به، فالعكس بالعكس تمامًا.
وأنا أقول بهذه المناسبة لهؤلاء الذين يتمسكون بالآية السابقة: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩):
نحن الآن المسلمين على هذا الفهم الضيق للآية السابقة: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (يس:٦)، نحن أيضًا ما جاءنا من نذير، لكن نحن جاءتنا الدعوة، بلغتنا، ولذلك فنحن مُكلَّفون، وإذا لم نستجب فنكون غير معذورين.
نفس الكلام يقال تمامًا بالنسبة لأهل الفترة قبل الرسول ﵇، ومنه نستطيع أن نأخذ جواب الحديثين الذين ذكرتهما آنفًا، لا نستطيع أن نقول أن الذين كانوا قبل الرسول ﵇ كلهم من أهل الفترة، ولا نستطيع أن نقول كلهم ليسوا من أهل الفترة، لا نستطيع أن نقطع بأن كل فرد من أفراد العرب الذين كانوا قبل الرسول بلغته الدعوة، كما أن العكس لا نستطيع أن نقوله، أن كل فرد من أفراد هؤلاء ما بلغتهم الدعوة.
إذًا: القضية مربوطة بالبلاغ وعدم البلاغ، إذا كان هذا بينًا كما تعلمون، حينئذ أقول: إذا جاءنا خبر عن الرسول ﵇ صحيح بأن فلانًا كان من أهل
[ ٥ / ٨٤٠ ]
الجاهلية وهو في النار، نحن نقطع فورًا أن هذا بلغته الدعوة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، ولا يخفاكم أن هذه الآية تعني أيضًا رسولًا إما مباشرةً وإما بدعوته، فإذا سلفت هناك أحاديث مثل حديث: «إن أبي وأباك في النار» يحكم على ناس ماتوا في الجاهلية قبل بعثة الرسول ﵇، فذلك يعني تمامًا أن هؤلاء بلغتهم دعوة التوحيد، ولذلك جحدوا بها، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤).
اليوم كما أشرتم، أمم في الشمال القطب الشمالي، القطب الجنوبي، بل أوروبا، بل أمريكا إلى آخره، لا يعرفون عن الإسلام شيئًا، والحقيقة كما يقال: إن أنسى فلن أنسى، وأول لقاء كان بيني وبين بعض الأساتذة في الجامعة (١) لأول سنة أظن، في نفس الجامعة في جماعة من أهل العلم ومحمد أمان تذكره جيدًا، أثيرت هذه القضية، وأنا بينت وجهة نظري باختصار حسب ما سمعتم بشيء من التفصيل، قال الشيخ المشار إليه بأنه ما نستطيع أن نقول أنه لم تبلغهم الدعوة اليوم الأوربيون والأمريكيون ونحو ذلك؛ لأنه ما شاء الله الآن القرآن يتلى في الإذاعات ليلًا نهارًا، قلنا له: يا شيخ، الله يهدينا وإياك العرب لا يفهمون الكلام هذا حتى يفهمه الأعاجم، فإذا قلت للأعجمي، قل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (الإخلاص:١ - ٢)، سيقولها ولكن بشيء من الصعوبة، لكن هل يعلم أن هذا يهدم الصليب والمعبود بالباطل، لا يدري ولا يفقه أي شيء.
فإذًا: ليس المقصود ببلوغ الدعوة ألفاظها، وإنما المقصود معاني الدعوة وحقائقها.
_________________
(١) أي: الجامعة الإسلامية.
[ ٥ / ٨٤١ ]
مداخلة: سماعها على الوجه الذي يحمله على
الشيخ: هو كذلك، هذه حقائقها، ولهذا أن أقول اليوم كثير من المشركين الذين نراهم في ضلال مبين، ويشركون ويجعلون لله أندادًا وهم لا يعلمون، المشركين الأولين وهم يعلمون
إذًا: لا نستطيع أن نحكم لهم بنار؛ لأن الذي يقيم الحجة عليهم المشايخ الذين يحيطون بهم هم سبب بلاغهم، يسموا الاستغاثة كما تعلم توسلًا، ونحو ذلك من الضلالات، والانحرافات، فهؤلاء ما بلغتهم الدعوة.
مداخلة: إذًا: على هذا شيخنا نحمل قول النبي ﵊: «والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهوديًا ولا نصرانيًا من هذه الأمة ثم لا يؤمن بي إلا
دخل النار».
إذًا: هذا السماع [ما] المقصود به؟
الشيخ: السماع الحق.
مداخلة: الذي عناه الله أيضًا بقوله ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة:٦).
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: هنا سؤال يا شيخنا متصل بهذه المسألة بالذات، وهو: الرسول - ﵌ - يقول: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهمية » إلى آخر الحديث.
وفي سورة الروم قول الله ﵎: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا
[ ٥ / ٨٤٢ ]
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم:٣٠)، هذه الفطرة التي في الآية وفي هذا الحديث، أليست تعني فطرة التوحيد؟
الشيخ: فيها خلاف هذه، منهم من يقول هذا، وهذا هو الظاهر، ومنهم من يقول استعداد لتقبل دعوة الحق، لكن الأول هو الأرجح.
مداخلة: فإذا كان الأمر كذلك، فهل يصح لنا أن نقول بأنه يمكن أن نقسم الأمر بالنسبة للدعوة إلى قسمين أو للنجاة والعذاب، نقسم الناس إلى قسمين وهم: أهل الفترة ومن يشبههم في أي زمان يأتي من بعد النبي ﵊، فنقول: من كان في نفسه هذه الفطرة لن تتغير ولن تتبدل، ولم يبلغه الدعوة، ولم تكن قد بلغته الدعوة، فهذا يعد من الناجين، ومن كان قد تغيرت
في نفسه فطرة التوحيد، ولم تبلغه التوحيد، فهذا يعتبر غير ناجي، فهل يمكن أن يقال هذا؟
الشيخ: من الناحية النظرية بلا شك يمكن أن يقال هذا، لكن من الناحية الواقعية يا ترى إذا تُرِكَ الإنسان خاصة إذا كان في مجتمع منحرف، هل يظل على فطرته، أنا أتصور أن الحديث الذي ذكرته، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، يعطي أن التربية لها تأثير، فمن الناحية النظرية؛ هو كما تقول ما أشرك مع الله أحدًا، فهو ناجي بفطرته الأصيلة في نفسه، لكن تَصَوُّرُ الأمر كأمر واقع، أنا أستبعده جدًا، إلا إذا تصورنا إنسان من العصر الحجري، يعيش لوحده في هذه البراري ولا يعيش في بيئة تصلحه أو تفسده، ممكن هذا أن يعيش على الفطرة السليمة ويموت كذلك، فعلى هذا نقول هو ناجي.
مداخلة: بس نحن الآن نريد أن نستدرك فقرة في هذا الحديث: «فأبواه
[ ٥ / ٨٤٣ ]
يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» إذًا: المفهوم المتبادر في ضوء إجابتكم الطيبة هذه، أن الأبوين هم اللذان يتحملان مسؤولية الولد أليس كذلك؟
الشيخ: نعم، لكن هذا لا ينجي الولد.
هم بلا شك يتحملان مسؤولية الولد، لكن لا ينجي الولد من العذاب؛ لأنه إذا كان الولد مات قبل بلوغ سن التكليف فهذا طبعًا لا نقول أنه معذب، أما إذا بلغ سن التكليف ومات يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، فلا عذر له باعتبار أن (أباه) وأمه كانوا من الضالين يهود أو نصارى أو مجوس، فتحمل الآباء مسؤولية الأبناء شيء، وعدم مؤاخذة الولد شيء آخر، هنا لا بد من التفصيل الذي ألمحتُ إليه؛ أنه إن كان بلغ سن التكليف فهو مؤاخذ؛ لأنه لم يستعمل عقله في تفهم الدعوة، ويعود للكلام السابق، إذا بلغته، يعني نحن الآن عندما نتصور
مداخلة: نحن نقول في الذي لم تبلغه الدعوة.
الشيخ: حينئذ لا فرق بارك الله فيك بين الولد وبين الوالد.
مداخلة: وهذا هو الذي أريد أن أصل إليه، إذًا: معناه أنه صارت سلسلة
من التهويد والتمجيس والتنصير، لا حد لها وكل والدين يحملان مسؤولية
ما قبلهما (١).
إذًا: هذا كما قال النبي ﵊: «من أجرب البعير الأول؟» (٢).
الشيخ: لكن لا بد أن نلاحظ أن هذا التسلسل لا ينبغي طرده لا سلبًا ولا
_________________
(١) كذا، ولعله أراد: وكل والدين يحمل مسؤوليتهما من قبلهما.
(٢) صحيح الجامع (رقم٨٨٦).
[ ٥ / ٨٤٤ ]
إيجابيًا، يعني لا نستطيع أن نتصور أن كل واحد من هؤلاء لم تبلغه الدعوة، فأنت تعرف النصارى الذين يعيشون في البلاد الإسلامية، كبلاد الشام مثلًا، هؤلاء لا أتصور أن نقول عنهم أنهم لم تبلغهم الدعوة؛ لأننا حينما نقول لم تبلغهم الدعوة ما نعني تفاصيلها، وإنما نعني محاربة الشرك الذي هم واقعين فيه، بينما نصارى أوروبا وأمريكا .. وإلى آخره، هؤلاء يغلب على الظن أنهم ما بلغتهم الدعوة، لكن مع ذلك لا يجوز أن نطلق هذا النفي؛ لأنه ممكن بعض أفراد من أولئك إما دراسة شخصية أو اتصالات شخصية كما نعلم عن بعض السفراء الذي كانوا يرسلون إلى بعض البلاد العربية، فتتاح لهم فرصة في لقاء بعض العلماء وبعض المشايخ، فتتجلى لهم عن الإسلام حقائق كانوا يجهلونها من قبل، فهؤلاء بالرغم أنهم من أمريكا مثلًا، لكن هؤلاء لا ينساقون مساق أولئك أبدًا.
لذلك فيجب أن ننظر إلى المناط، من بلغته الدعوة فقد أنذر، من لم تبلغه الدعوة فكما تعلم له حساب في عرصات يوم القيامة.
مداخلة: إذًا: هنا يا شيخنا سؤال يسترجع السؤال الآخر، وهو إذا كان هذا الإنسان، فسدت فطرته بأبويه وتحول إلى دين الشرك حتى بفطرته، فهذا الإنسان إذا بلغ سن التكليف وكان في بيئة كبيئة ديار الشام أو مصر مثلًا، وهو يسمع بهذه الدعوة التي أقل ما فيها فهمًا له أنه قادر على نفي الشرك عنه، فإذًا مؤاخذٌ ولو أن أبويه قد أفسدا فطرته.
الشيخ: لا شك.
مداخلة: الرسول ﵊ حكم بأن أباه في النار، وهذا حكم قضى به - ﵌ - بصريح اللفظ والعبارة، لكن أمه لم يصرح بأنها في النار، وإنما قال:
[ ٥ / ٨٤٥ ]
«استأذنت ربي أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي»، فهل هذا أيضًا ينبئ عن ما صرح بحق أبيه؟
الشيخ: طبعًا بلا شك؛ لأنه كما لا يخفاك عدم الاستغفار.
مداخلة: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾.
الشيخ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (التوبة:١١٤).
فعدم الإذن للرسول ﵇ بالاستغفار لأمه يعني بأنه لا يجوز الاستغفار لمشرك.
مداخلة: لكن أيضًا هل يقال بأنه قد يلمح عدم تصريح النبي - ﵌ - بأن أمه في النار، أنها في منزلة دون منزلة أبيه في النار؟
الشيخ: لا، الأمر مسكوت عنه، ممكن كما حدث الرسول ﵇ عن عمه أبي طالب أنه في ضحضاح، هذا ممكن، لكن كما لا يخفاك أيضًا أن الأمور الغيبية لا يجوز التوسع فيها، وإنما نكل الأمر إلى الله ﷿.
مداخلة: وإلا لانتهينا إلى ما انتهى إليه القوم، بأن الله بعث أبوي النبي - ﵌ -
الشيخ: أحياهما له، حتى آمنا به.
مداخلة: يعني: إنسان غير موحد لا يُسْتَغْفَر له، ولو أيقنا أنه لم تبلغ الدعوة.
الشيخ: هذا لأنك أنت لك الظاهر، أنت لا تدري أن هذا معذور أو غير معذور، فهو مشرك من حيث الظاهر.
أردت أن أقول بالنسبة لحديث: «ما من يهودي أو نصراني من هذه الأمة
[ ٥ / ٨٤٦ ]
يسمع بي ثم لا يؤمن بي » أنا أقول في تفسير هذا الحديث بهذه المناسبة، يسمع بي على حقيقتي، فإن النصارى مثلًا في فرنسا في بريطانيا في ألمانيا، سمعوا بالرسول ﵇، لكن سمعوا به رجل دجال نسونجي .. إلى آخره،
لكن هم معناه ما سمعوا به على حقيقته، دعمت هذا الفهم بحديث: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي» لا بد أن يكون الذي رآه في المنام تطابق أوصافه أوصاف الرسول - ﵌ - الواردة في الشمائل.
إذًا: لا بد له أن يرى شخص الرسول في المنام، ليس صورة يقال له: في المنام هذه شخصية محمد ﵇، فهنا قوله: (رآني) مثل قوله: (سمع بي) تمامًا، أي: كل منهما على حقيقته ﵇، هنا من حيث شخصه، وهناك من حيث دعوته.
"الهدى والنور" (١٧٩/ ٠١: ٢٩: ٠٠)
[٧٤٦] باب مصير من وصلهم الدين على غير حقيقته
سؤال: بالنسبة للأمور الشركية، طبعًا في الشيشان صوفيين، وسألت في الداغستان بعض أهل العلم عن الدين الذين وصلهم؟
الشيخ: عن؟
مداخلة: عن الدين الإسلامي كيف وصلهم يعني، صوفي أم .. دعوة التوحيد، قالوا: الذي وصلهم منذ ثلاثمائة سنة الذي هو صوفية فقط هذا ما عرفوه، طبعًا نتكلم مع كبار السن، يعني: هم يقولون: لا إله إلا الله، ولكن اعتقادهم الجازم إذا ما في له أستاذ لا يدخل الجنة، والأستاذ طبعًا رجل ميت، طبعًا يسألون الأستاذ يعني التقرب إلى الله كقريش، يعني: يقولون: يا أستاذ يا وقحجي ينادون الأولياء،
[ ٥ / ٨٤٧ ]
هذا الذي وصلهم لا يعرفون غير هذا، كبار السن معظمهم يرفضون ما نقوله بالنسبة للا إله إلا الله، ولكن الصغار يتقبلون الحمد لله، يعني هؤلاء الحكم يا شيخ، هل هم .. في بعضهم يقولون أنهم مشركون؟
الشيخ: نحن ذكرنا أكثر من مرة أن الإسلام يبني أحكامه على الظواهر، ويدع البواطن لله ﷿، والإسلام كما تعلمون جميعًا له شروط وأركان، فكل من اعترف بها حسب مسلمًا، وقد يكون اعترافه نفاقًا، فنفاقه بينه وبين ربه الله يحاسبه، ونحن ليس لنا إلا الظاهر، فهؤلاء الذين ذكرتهم أتصور من بعيد وما رأيتهم، لكني رأيت أمثالهم في بعض البلاد الأخرى، لا شك أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويصومون ويحجون، إذًا: هم جاءوا بأركان الإسلام الخمسة، ثم هم يؤمنون بالله وملائكته و.. وكتبه الأركان المعروفة الإيمانية، لكن بلا شك يسيئون فهم كثير من هذه الشروط أو الأركان.
أول ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ومعنى: وأن محمدًا رسول الله، أننا لا نعبد الله إلا بما جاء به رسول الله، فمن حقق هذا المعنى في الشهادة الأولى، وهذا المعنى في الشهادة الأخرى يكون مسلمًا ويصدق عليه ما قاله ﵇: «فإذا قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله فلهم ما لنا وعليهم ما علينا».
إذًا: هؤلاء نحن نسوقهم مساق المسلمين، أما الله ﷿ فهو المحاسب لهم هو أعلم بهم، نحن نفرق هنا بين هؤلاء المساكين الذين لم تبلغهم دعوة الحق التي نسميها نحن بالدعوة السلفية، وبين كثير من هؤلاء العرب الذين يعيشون في البلاد العربية وقد سمعوا دعوة الحق ثم جحدوها وأنكروها، فأعتقد أنهما أي الفريقين ليسوا سواء عند رب العالمين؛ ذلك لأن الفريق الأول يعتبر جله عذرًا لهم
[ ٥ / ٨٤٨ ]
أي: لم تبلغهم الدعوة، وربنا ﷿ يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
وبهذه المناسبة أقول: ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، إما رسولًا بشخصه ودعوته أو بدعوته دون شخصه كما هو شأننا اليوم، نحن ما جاءنا رسول، لكن جاءتنا دعوة الرسول، فالحجة قائمة علينا، لكن ليس كل فرد في العالم -كل العالم الإسلامي وغير الإسلامي- قد قامت الحجة عليه كأمثال هؤلاء الذين ما عرفوا الإسلام إلا من الزاوية الصوفية.
لذلك نحن موقفنا بالنسبة لهؤلاء حقيقة موقف الطبيب بالنسبة للمريض، فهو شفيق على مريضه وحريص على شفائه؛ وذلك بما يقدم إليه من أدويته، هؤلاء يجب العناية بهم أن يفهموا القرآن ولو بِلُغَتِهِم، وأظن مهما بلغ بهم الجهل والتشبث بالتصوف فلابد أنهم سمعوا بشيئين أحدهما القرآن والآخر السنة، فحينئذ يدندن حولهم دائمًا أن الإسلام هو القرآن والسنة .. القرآن والسنة .. القرآن والسنة .. ولو بقي الداعية بينهم سنين حتى يغرس في أذهانهم أن الإسلام قال الله قال رسول الله، فإذا ما غرست هذه النواة في قلوبهم يبدأ الداعية يفهمهم بعض الأمور المتعلقة بالكتاب والسنة وبخاصة ما ذكرته آنفًا من التوحيد، ما معنى لا إله إلا الله، وهذه العقيدة والحمد لله بينة جدًا في القرآن الكريم: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات:٣٥)، المشركون هكذا إذا دعوا أن يقولوا: لا إله إلا الله يستكبرون، فيبين لهم ما معنى هذه الآيات، ويلفت نظرهم الفرق بين ما يعنيه القرآن والسنة أيضًا عن الرسول ﵇ وبين ما هم عليه مما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم.
المهم شيئان اثنان، أحدهما: يتعلق بالداعية، والآخر يتعلق بهؤلاء المدعوين،
[ ٥ / ٨٤٩ ]
هؤلاء لا يحكم عليهم بأنهم كفار وبأنهم خارجون عن الإسلام، حسبنا وفي نفوسنا أن نعتقد بلا شك ضالون عن الإسلام، هذا فيما يتعلق بهم، فيما يتعلق بنا نحن كدعاة يجب علينا كما مثلت آنفًا بالطبيب والمريض أن نترفق بهم وأن نهديهم سواء السبيل.
والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٨٠٩/ ٠٠: ٤٤: ٠٠)
[٧٤٧] باب من وُصف له الرسول - ﵌ - على خلاف الواقع فصده ذلك عن الإسلام هل هو في حكم أهل الفترة؟
السائل: الحمد لله رب العالمين، حديث: «من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي» [لو] تُحَدثنا فضيلتنا عن فقه هذا الحديث جزاكم الله خيرًا.
الشيخ: [هذا] حديث صحيح أخرجه الشيخان في صحيحيهما وله ألفاظ كثيرة متقاربة تؤدي إلى هذا المعنى أي: إن الله ﵎ حفظ نبيه صلى الله عليه وآله سلم أن يتشبه به الشيطان لبني الإنسان حتى في المنام، وهذه غاية محافظة الله ﷿ لعصمة النبي - ﵌ -، وما ذلك إلا لمحافظته على شريعته ﵎ حتى لا يؤتى المسلم في نومه من الشيطان: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» لم؟ علل ذلك ﵇ بقوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وفي لفظ آخر «لا يتزيى بي» ويُخبر بعض الناس ممن يرون أو يظنون بالأحرى أو الأصح أن نقول: يظنون أنهم رأوا النبي - ﵌ - ﷺ - ﵃ - المنام لمجرد أنه خيل إليهم أنهم رأوه في المنام فإذا ما سئلوا عن أوصافه - ﵌ - وشمائله حيث ادعوا أنهم رأوه أجابوا بصفات تخالف المعروف عنه - ﵌ - من شمائله، لقد وقع لنا
[ ٥ / ٨٥٠ ]
كثيرًا مع بعض الرائين فكنا نسألهم بعضهم يقول: رأيت النبي - ﵌ - ووجهه ولحيته بيضاء كلها نور يتوهم، أنه يصف حقيقة النبي - ﵌ - وما درى أن هذا الوصف باطل إلى ما وصف به النبي - ﵌ - يدريه ويعلمه من كان على علم واسع بشمائل النبي - ﵌ -، فإننا نقرأ في صحيح البخاري وغيره عن أنس ابن مالك ﵁ أن النبي - ﵌ - ما شانه الله ببيضاء، فإذن كيف يصف المرئي في منامه بأن له لحية بيضاء، وإن كان يضيف إلى ذلك بأنها من نور والرسول ﵇ لا يجوز أن يوصف بأنه كان شائبًا لأنه كذب عليه - ﵌ - ويمكن أن هذا كذب يدخل في عموم قوله ﵊: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (١) وفي لفظ آخر: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٢) وهذا الحديث وإن كان ظاهره التقول عليه بالكلام على كلامه ﵊، فلا شك أنه يشمل أيضًا أن يُنسب إلى النبي - ﵌ - من الشمائل والأوصاف ما لم يكن عليها فمن ذلك وصفه ﵇ بأنه كان شائبا أبيض اللحية لكثرة الشيب في لحيته فهذا كذب لما ذكرته آنفًا من حديث أنس، وفي رواية أخرى عنه أن الشعرات البيضاء لا يتجاوز عددها عشرين شعرة
فهذا الرائي الذي يقول: رأيته ذا لحية بيضاء إلى آخر كلامه يدل على أنه لم ير النبي - ﵌ -، ذلك لأنه يقول ﵊: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» من رآني: يعني بأوصافي وبشمائلي مش بالخيال لا يطابق ما كنت عليه في حياتي، لذلك كان إمام المؤولين للرؤى وهو تابعي جليل محمد ابن سيرين
_________________
(١) البخاري (رقم١٢٢٩) ومسلم (رقم٤).
(٢) البخاري رقم (١٠٩).
[ ٥ / ٨٥١ ]
﵀ الراوي عن أبي هريرة المكثر من الرواية عن أبي هريرة ﵁، كان مشهورًا بإصابته في تأويل الرؤى، كان إذا جاءه شخص وادعى بأنه رأى النبي - ﵌ - في المنام سأله كيف رأيته؟ فيصفه بصفات لم يكن ﵇ متصفًا بها في حياته فيقول: لم تر الرسول لكن ذاك شيطان خيل إليك أنه الرسول والرسول يقول: «من رآني» أي على حقيقتي، وهذا يذكرنا بحديث آخر وله علاقة بمسألة أخرى هامة وهي هل تكون الدعوة دعوة النبي صلى الله عليه وآله سلم قد بلغت ناسًا أو قومًا إذا ما بلغتهم محرفة عن حقيقة الدعوة الإسلامية هل تكون بلغتهم والحالة هذه الدعوة وأقيمت عليهم الحجة؟ أم يكونون ممن يسميهم العلماء بأهل الفترة وينطبق عليهم قول ربنا ﷿ في القرآن: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾؟
الجواب بحديث يشبه هذا الحديث من جانب ذاك الحديث هو: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي - هنا الشاهد - يسمع بي - كما قال: «من رآني» ما من رجل في هذه الأمة - أي أمة الدعوة -من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فقوله ﵊ في هذا الحديث: «يسمع بي» يعني على حقيقته وعلى حقيقة ما جاء به من الدعوة إلى الإسلام فإذا كان ذلك الرجل من يهودي أو نصراني لم يسمع به ﵇ على حقيقته فلم تبلغه الدعوة لأنها بلغته محرفة فإذا آمن بهذه الدعوة المحرفة لم يؤمن به ﵇ وعلى ذلك نفهم حقيقتين مؤسفتين:
الحقيقة الأولى: أن النصارى بخاصة في بلاد الغرب وأمريكا حينما يقوم
[ ٥ / ٨٥٢ ]
المبشرون الذين يسمون على غير اسمهم مبشرون وهم في ضلال مبين، حينما يصفون نبينا - ﵌ - لأقوامهم بأوصاف مخالفة لما كان عليه الرسول ﵇ من طهر وكمال في الأخلاق كما قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١) فحينما يصف المبشرون نبينا - ﵌ - لقومهم بهذه الأوصاف ثم كانت النتيجة أنهم لم يؤمنوا به ﵇، فما بلغتهم الدعوة؛ لأنهم وصفوه لهم بأنه كان ذا شهوة عارمة ودليل أن المسلمين يقولون بأنه ﵇ حرم على أمته من النساء أكثر من أربع بينما هو تزوج وجمع في وقت واحد بين تسع من النساء، فهم - أعني المبشرين الكذابين المفترين - يقولون فأباح النبي لنفسه لغلبة الشهوة عليه ما حرم على أمته، فحينما يسمع النصارى مثل هذه الأوصاف الكاذبة تكون النتيجة أنهم لا يؤمنون لأنهم قد وُصف لهم الرسول على غير حقيقته هذه المسألة
الأولى المؤسفة.
والمسألة الأخرى على العكس من هذا ولكنها أيضا مؤسفة، هناك طائفة من المسلمين ينتمون إلى الإسلام يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون ويحجون ويزكون ويصومون ولكنهم يعتقدون عقائد باطلة تخالف الشريعة الإسلامية في كثير من عقائدها المعلومة من الدين بالضرورة أولئك هم المعروفون عند عامة المسلمين بالقاديانيين والذين يسمون أنفسهم بالأحمديين، لهم عقائد ضالة منحرفة عن الإسلام منها اعتقادهم بأن باب النبوة بعده ﵇ لم يغلق وأنه مفتوح إلى قيام الساعة، وأنه قد جاء واحد منهم وهو الذي اتبعوه واغتروا به وابتعدوا بسبب ذلك عن الإسلام بعيدًا بعيدًا جدًّا وهو المعروف بميرزا غلام أحمد القادياني هؤلاء يدعون إلى الإسلام في تلك البلاد الأوروبية
_________________
(١) الصحيحة (١/ ٧٥).
[ ٥ / ٨٥٣ ]
بنشاط عجيب مع الأسف واستطاعوا أن يدخلوا في إسلامهم كثير من أولئك الأوروبيين فاعتقدوا ما اعتقدوه من جواز مجيء أنبياء بعد الرسول ﵇ ومنهم ميرزا غلام أحمد فهل هؤلاء الذين أسلموا إسلامًا قاديانيًّا سمعوا به ﵇ على حقيقته وحقيقة دعوته، وهل ينفعهم هذا الإسلام أم لا ينفعهم؟، الجواب في الحديث السابق «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فمن سمع بالنبي - ﵌ - على غير ما كان عليه من أخلاق ومن شريعة فهو لم يسمع به وحينذاك لا يكون من المعذبين الكافرين في النار لأن الحجة لم تقم عليه وعلى العكس من ذلك أولئك الذين آمنوا به ﵇ على أنه يقول بأن النبوة بعده سائغة ماشية وإلى غير ذلك من عقائد القاديانية، ولستُ الآن بصدد ذكر كثير منها وإنما ذكرتُ هذا على سبيل التمثيل، فقوله - ﵌ - في الحديث الأول: «من رآني في المنام» أي: من رآني على حقيقتي البدنية وشمائلي المحمدية فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي، وبذلك نعلم أن كثيرًا من الرؤى التي يدعي أصحابها فيها أنهم رأوا النبي - ﵌ - وإذا ما سئلوا عن وصف المرئي كان جوابهم أنهم رأوه في صورة لم يكن ﵇ عليها، كما ضربنا لكم آنفا مثلًا بالرجل الشايب والذي لحيته نور هكذا رأى الرسول فهذه رؤيا شيطانية، كذلك مثلا: وقع لنا أننا سألنا كيف رأيت الرسول فيجيب بأني رأيته يمشي (الهوينة) يمشي بضعف وهذا خلاف شمائله ﵊ حيث جاء فيها أن النبي - ﵌ - كان إذا مشى فكأنما ينصب من صبب كناية على أنه ﵇ يمشي بقوة فمن رأى أنه يمشي على ضعف فليس هو الرسول ﵇ وهكذا يجب أن نفهم هذا الحديث
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠٠:٢٦:٤٨)
[ ٥ / ٨٥٤ ]
[٧٤٨] باب الكلام على أهل الأعذار
الذين لم تصلهم الدعوة، وأطفال المشركين
السائل: [الحديث]: «فمن سمع بي ولم يتبعني دخل النار»، ولكن من لم يسمع بالرسول - ﵌ -؟
الشيخ: الجواب في الحديث، الحديث كما يقول علماء الأصول له منطوق وله مفهوم، منطوقه: "وسمع بي"، مفهومه ولم يسمع بي لا يدخل النار، أي: في كل عصر وفي كل مصر يوجد غير مسلمين، سواء كانوا يهودًا أو نصارى أو بوذيين أو دهريين أو أي شيء، غير مسلمين، هؤلاء يدور أمرهم بين واحد من اثنتين لا ثالث لهما: إما أن يكون بلغته دعوة الرسول ﵇ أو لم تبلغه، فإذا بلغته عرفت الجزاء من نفس الحديث، وإذا لم تبلغه فليس له هذا الجزاء، هذا هو الجواب عن سؤالك، ماشي؟
السائل: ماشي.
الشيخ: أم فيه شيء؟
السائل: نحن نسأل عن المصير، هل يجب أن يكون متبع لدين معين إذا ما وصله دين الإسلام، هل يحاسب على أعماله الشخصية، أو هل يصل إلى معرفة الخالق أو وحدانية الخالق
الشيخ: أنت يا أستاذ الحقيقة يكون في ذهنك أسئلة كثيرة جدًا تظن لما توجه سؤالًا واحدًا لازم يكون هذا متضمن لكل الأسئلة، أنت كان سؤالك: وإذا لم يسمع، جاءك الجواب، الآن تجي وتقول: هل يحاسب هل كذا هل كذا .. إلخ، كل سؤال له جواب، ما فيه عندي مانع أي إنسان يسأل سؤالًا وفي مطلع هذه الجلسة
[ ٥ / ٨٥٥ ]
قلنا: الذي عندنا جوابه نجاوب، وإلا وكلنا العلم إلى الله ﷿، لكن لازم يكون سؤال واضح، سؤالك أولًا قال: وإذا لم يسمع، فأخذت الجواب، إذا لم يسمع لا يكون له هذا الوعيد، لكن فيه سؤال ثاني، حدد لي إياه وأنا أجاوب عليه، ما سؤالك الثاني؟
السائل: ناس لم تصلهم رسالة محمد - ﵌ -، في «الإسكيمو» في أي منطقه من مناطق العالم.
الشيخ: هو قلنا نحن.
السائل: هل الجماعة هؤلاء إذا حوسبوا مثلًا وكانوا على النصرانية يحاسبون على دين النصرانية؟
الشيخ: يا أخي! سبق الجواب بارك الله فيك، إما سمع بالإسلام أو لم يسمع، إذا سمع بالإسلام ولم يؤمن فهو في النار، إذا لم يسمع فليس في النار، أي: لا يحاسب هذا الحساب الذي يحاسب عليه من سمع.
السائل: بارك الله فيك.
مداخل آخر: يحاسب يعني
الشيخ: لا لا، اسمح ليس قليل، لأني أنا شاعر أنه ما أخذ الجواب، ما دام أنه لم يسمع بالرسول ﵇ فهو ليس في النار، فسؤالك الآن ما هو: هل يحاسب؟ كيف يحاسب وهو لم تبلغه الدعوة؟
السائل: نحن نعلم من خلال قراءة التفاسير أن الطفل الصغير يُحاسب.
الشيخ: كيف يحاسب؟
[ ٥ / ٨٥٦ ]
السائل: في تفسير القرآن والتفاسير، إنسان: طفل، إذا مات غير مكلف: سنتين أو خمس سنوات عمره أو أقل أو أكثر تحت التكليف أنه يمتحن يوم القيامة من الله ﷾.
الشيخ: وبعد الامتحان ماذا يكون؟
السائل: يقرر إما جنة أو نار إذا أطاع أو خالف.
الشيخ: لا، هذا ما هو صحيح.
السائل: حسب ما قرأت.
الشيخ: لا هذا ليس صحيحًا.
مداخلة: علمه عند الله.
الشيخ: هذا علمه عند الله، هذا علم الله في القرآن، ماذا يقول ربنا ﷿ في القرآن الكريم: ألحقنا بهم ذرياتهم، من يأتي بالآية.
مداخلة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ (الطور:٢١).
الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ (الطور:٢١) أين أنت من هذه الآية، كيف تقول أنت هؤلاء الأطفال يحاسبون؟
السائل: نحن قرأنا في تفاسير كثيرة
الشيخ: لا بارك الله فيك، هذه الآية عندك صريحة.
السائل: الإخوان مشاركون لي في هذه الشغلة وقرؤوا الموضوع هذا.
[ ٥ / ٨٥٧ ]
الشيخ: لا، ما قرؤوا الموضوع، قرؤوا موضوعًا ثانيًا أنا أقول لك ما هو، أطفال المشركين، هذا الموضوع الذي قرأتوه، أما أطفال المسلمين: «ألحقنا بهم ذريتهم»، هذا ما فيه إشكال أبدًا، أطفال المؤمنين ملحقون بآبائهم، حتى في أشياء لها فضيلة كبيرة جدًا جدًا، وما أدري كيف مريت عليها، قال ﵇: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنثة -أي: التكليف- إلا لم تمسه النار إلا تحلة القسم» (١) وليس هذا فقط ليس أنهم لا يدخلون النار وهم ملحقون بآبائهم بل يكونون شفعاء لآبائهم، جاء في صحيح مسلم أن الأطفال الصبيان غير البالغين يقفون عند باب الجنة يبكون، فيرسل الله إليهم جبريل ﵇: سلهم ما بهم وهو أعلم ما بهم ربنا ﷿، فيأتيهم: ما بالكم؟ قالوا: لا ندخل الجنة إلا وآباؤنا معنا، فيقول الله ﷿: أدخلوهم وآباؤهم معهم، ، البحث الذي قرأته والله أعلم هم أطفال المشركين، فيه ثلاثة أقوال لعلماء المسلمين: أطفال المشركين في الجنة، وهم خدم أهل الجنة هذا قول، القول الثاني هم يمتحنون في عرصات يوم القيامة كما امتحن آباؤهم في الدنيا، القول الثالث: هم وآباؤهم في النار، حتى بهذه المناسبة يرووا حديثًا وأنا أذكره لتحذيري لكم منه، أنه السيدة خديجة ﵂ وأرضاها تعلمون أن النبي - ﵌ - لما تزوجها كانت متزوجة من قبل رجلًا وخلفت منه أولادًا، فسألت يومًا الرسول ﵇ عن أولادها من زوجها الأول الذي مات في الجاهلية وماتوا، قال لها وانتبهوا الحديث غير صحيح: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». هذا حديث غير صحيح.
القول الصحيح بالنسبة للأقوال الثلاثة أن الأطفال الصغار للمشركين حكمهم حكم المجانين وحكم الشيوخ الخرفانين، وحكم أهل الفترة الذين
_________________
(١) البخاري (رقم١١٩٣) ومسلم (رقم٦٨٦٥).
[ ٥ / ٨٥٨ ]
حكينا عليهم وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ﵇، هؤلاء جاء في الحديث الصحيح أن الله ﷿ يرسل إليهم في عرصات يوم القيامة رسولًا، فيأمرهم بأن يلقوا بأنفسهم في النار، وأمامهم النار، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، تمامًا كما هو الشأن في هذه الحياة، لكن مع فارق كبير، والفارق هنا يا إخواننا أرجو أن تنتبهوا يتعلق بالمرسِل والمرسَل إليهم، المرسَل هنا في الدنيا في عنده معجزات وعنده براهين تتناسب حياة المرسل إليهم المادية التي يعيشون فيها، المرسل هناك يأتي أيضًا بعلامة يقتنع المرسلون إليه بأنه هذا فعلًا مرسل من رب العالمين، والابتلاء هناك كالابتلاء هنا مع فارق كبير، هنا من يؤمن فسيصاب بما جاء في الحديث: حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات، فالذي يريد يؤمن يحف ويصاب بنار معنوية، أما هناك فنار حقيقية مادية، لكن الرسول الذي يرسل إليهم يعلمون يقينًا أن هذا من الله، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
فإذًا: لا تكليف قبل بلوغ النذارة، لا تكليف قبل مجيء الرسول أو الدعوة، وهذا من تمام حكم الله ﷿ ورحمته بعباده التي أودعها فيما يتعلق بهذا الموضوع في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) فهؤلاء الصبيان من المشركين ما جاءهم رسول لأنهم بعد ما دخلوا في دائرة التكليف، أولئك الأقوام الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ما جاءهم الرسول ولذلك ربنا لا يعذبهم، هذا قولًا واحدًا، أما يا ترى ماذا يعمل بهم ربنا؟ من كان عنده علم بالحديث الذي ذكرناه آنفًا فالجواب أن لهم امتحانًا في عرصات يوم القيامة.
فهذا هو الحق ما به خفاء فدعني عن بنيات الطريق
"الهدى والنور" (٢٦١/ ٠٤: ٣٨: ٠٠)
[ ٥ / ٨٥٩ ]
[٧٤٩] باب من وصلته الدعوة
على غير حقيقتها ليس من أهل الوعيد
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، فلا يؤمن بي، إلا دخل النار»
[قال الإمام]:
ثم إن حديث الترجمة يمكن عده مبينًا ومفسرًا لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ مع ملاحظة قوله - ﵌ - فيه:
«يسمع بي»؛ أي: على حقيقته - ﵌ - بشرًا رسولًا نبيًا فمن سمع به على غير ما كان عليه - ﵌ - من الهدى والنور ومحاسن الأخلاق؛ بسبب بعض جهلة المسلمين؛ أو دعاة الضلالة من المنصرين والملحدين؛ الذين يصورونه لشعوبهم على غير حقيقته - ﵌ - المعروفة عنه؛ فأمثال هؤلاء الشعوب لم يسمعوا به، ولم تبلغهم الدعوة، فلا يشملهم الوعيد المذكور في الحديث.
وهذا كقوله - ﵌ -: «من رآني في المنام ..»؛ أي: على حقيقته وصفاته التي كان عليها في حال حياته، فمن ادعى فعلًا أنه رآه شيخًا كبيرًا قد شابت لحيته؛ فلم يره؛ لأن هذه الصفة تخالف ما كان عليه - ﵌ - مما هو معروف من شمائله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
"الصحيحة" (٧/ ١/٢٤٥، ٢٥١).
[ ٥ / ٨٦٠ ]
[٧٥٠] باب من مات في الجاهلية ليس من أهل الفترة
[عن] زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﵌ - في حَائِطٍ لِبَنِى النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ - قَالَ كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ - فَقَالَ «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ». فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا.
قَالَ «فَمَتَى مَاتَ هَؤُلاَءِ». قَالَ مَاتُوا في الإِشْرَاكِ الحديث
[قال الإمام معلقًا على قوله في الإشراك]:
أي زمن الإشراك، يعني في الجاهلية، ففيه دليل على أن الذين ماتوا في الجاهية ليسوا من أهل الفترة والأحاديث في ذلك كثيرة.
"مختصر صحيح مسلم" (ص١٣٣).
[٧٥١] باب أهل الجاهلية ليسوا من أهل الفترة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله ﷿ أن يسمعكم (من) عذاب القبر (ما أسمعني)».
[وقال - ﵌ -]:
«إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه». قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار»، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر»، قالوا: نعوذا بالله من عذاب القبر، قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: «تعوذوا بالله
[ ٥ / ٨٦١ ]
من فتنة الدجال»، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال».
[ترجم الإمام للحديثين بقوله:"الجاهليون ليسوا من أهل الفترة" ثم أورد الحديثين مع تخريجهما ثم قال:]
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة [منه]:
إن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثته ﵊ معذبون بشركهم وكفرهم، وذلك يدل على أنهم ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة نبي، خلافا لما يظنه بعض المتأخرين؛ إذ لو كانوا كذلك لم يستحقوا العذاب لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. وقد قال النووي في شرح حديث مسلم: " أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار " الحديث.
قال النووي (١/ ١١٤ طبع الهند): " فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ".
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٢، ٢٩٤، ٢٩٧).
[٧٥٢] باب أهل الجاهلية ليسوا من أهل الفترة
عن زيد بن ثابت قال بينما النبي - ﵌ - ﷺ - ﵃ - حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر فقال رجل أنا قال: «فمتى ماتوا؟» قال: ماتوا في الشرك، فقال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا بالله من عذاب
[ ٥ / ٨٦٢ ]
النار» قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر» قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: «تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن» قالوا نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. قال: «تعوذوا بالله من فتنة الدجال» قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال». رواه مسلم.
[علق الإمام على قوله: ماتوا في الشرك قائلًا]:
أي في الجاهلية قبل بعثته - ﵌ -، ففيه دليل على أن أهل الجاهلية ليسوا من أهل الفترة وأنهم معذبون والأحاديث في ذلك كثيرة فانظر الحديث (١١١) [من مشكاة المصابيح] وما ذكرناه في تخريجه، والحديث (١٩) من «الأحاديث الصحيحة»
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٤٦).
[٧٥٣] باب بيان أن مشركي الجاهلية في النار
وليسوا من أهل الفترة بما فيهم والدي الرسول - ﵌ -
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أبي وأباك في النار»
[قال الإمام]:
والحديث أخرجه الجورقاني (١) في " الأباطيل والمناكير " (١/ ٢٣٥) من طريق أخرى عن داود بن أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا -
_________________
(١) اختلفوا في ضبطه اختلافا كثيرا، هل هو بالراء أم بالزاي؟ وهل هو بفتح الجيم أم بالضم. انظر الحاشية على " السير " (٢٠/ ١٧٨). اهـ. [منه].
[ ٥ / ٨٦٣ ]
على أن من مات في الجاهلية مشركًا فهو في النار، وليس من أهل الفترة كما يظن كثير من الناس، وبخاصة الشيعة منهم، ومن تأثر بهم من السنة! ومن تلك الأحاديث، ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه، فقال: فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف.
أخرجه مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) وأبو عوانة (١/ ٩٩) وأبو داود (٤٧١٨) والجورقاني (١/ ٢٣٣) وصححه، وأحمد (٣/ ٢٦٨) وأبو يعلى (٦/ ٢٢٩/ ٣٥١٦) وابن حبان (٥٧٨ - الإحسان) والبيهقي (٧/ ١٩٠) من طرق عن حماد بن سلمة به. ومنها سعد بن أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم (١٨) بلفظ: ِ «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار». فراجع سببه هناك، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله.
وإن مما يتصل بهذا الموضوع قوله - ﵌ - لما زار قبر أمه: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي ..» الحديث.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٧ - ١٨٨) من حديث أبي هريرة وبريدة، فليراجعهما من شاء.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا خير كبير وبركة.
واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتبني ما فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول - ﵌ -، بل إن فيهم من يظن أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث ودلالتها الصريحة! وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي - ﵌ - الذي قالها إن صدقوا بها، وهذا - كما
[ ٥ / ٨٦٤ ]
هو ظاهر - كفر بواح، أو على الأقل: على الأئمة الذين رووها وصححوها، وهذا فسق أو كفر صراح، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به، إلا من طريق نبيهم - ﵌ - كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم وأذواقهم وأهوائهم - والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم كالغزالي والهويدي وبليق وابن عبد المنان وأمثالهم ممن لا ميزان عندهم لتصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا أهواؤهم!
واعلم أيها المسلم - المشفق على دينه أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه - أن هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بكفر أشخاص أو إيمانهم، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول، لقوله تعالى: ﴿ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب﴾ (البقرة:١ - ٣) وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ..﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فالإعراض عنها وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما - وأحلاهما مر -: إما تكذيب النبي - ﵌ -، وإما تكذيب رواتها الثقات كما تقدم، وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث أو يتأولونها تأويلًا باطلًا كما فعل السيوطي -عفا الله عنا وعنه- في بعض رسائله، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي - ﵌ -، وحبهم إياه، فينكرون أن يكون أبواه - ﵌ - كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أشفق عليهما منه - ﵌ -!!
وقد لا يتورع بعضهم أن يركن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة
[ ٥ / ٨٦٥ ]
بعض الناس الذي فيه أن النبي - ﵌ - أحيا الله له أمه، وفي رواية: أبويه، وهو حديث موضوع باطل عند أهل العلم كالدارقطني والجورقاني، وابن عساكر والذهبي والعسقلاني، وغيرهم كما هو مبين في موضعه، وراجع له إن شئت كتاب " الأباطيل والمناكير " للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٩) وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٨٤): " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافرًا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾، وقوله - ﵌ - ﷺ - ﵃ - (الصحيح): «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي».
ولقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ في تعليقه على " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني، فقال (ص ٣٢٢): "كثيرًا ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك مناف للمحبة الشرعية، والله المستعان".
قلت: وممن جمحت به المحبة السيوطي عفا الله عنه، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما تقدم، وحاول في كتابه " اللآلئ" (١/ ٢٦٥ - ٢٦٨) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه، بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء.
[ ٥ / ٨٦٦ ]
ومن جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث الترجمة إعراضًا مطلقًا، ولم يشر إليه أدنى إشارة، بل إنه قد اشتط به القلم وغلا، فحكم عليه بالضعف متعلقا بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة! وهو يعلم أنه من أئمة المسلمين وثقاتهم، وأن روايته عن ثابت صحيحة، بل قال ابن المديني وأحمد وغيرهما: أثبت أصحاب ثابت حماد، ثم سليمان، ثم حماد بن زيد، وهي صحاح.
وتضعيفه المذكور كنت قرأته قديمًا جدا في رسالة له في حديث الإحياء
- طبع الهند - ولا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه، وأتتبع عواره، فليراجعها من شاء التثبت.
ولقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب ودب، مثل " الجامع الصغير " و" زيادته" و"الجامع الكبير "! ولذلك خلا منه " كنز العمال " والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتأمل الفرق بينه وبين الحافظ البيهقي الذي قدم الإيمان والتصديق على العاطفة والهوى، فإنه لما ذكر حديث: «خرجت من نكاح غير سفاح»، قال عقبه: " وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا .. "، ثم ساق حديث أنس هذا وحديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه - ﵌ -.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٧٧ - ١٨٢).
[ ٥ / ٨٦٧ ]
[٧٥٤] باب هل يمتحن بعض أهل الجاهلية في عرصات القيامة؟
[قال ابن كثير]:
إخباره - ﵌ - عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار؛ لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة، كما بسطناه سندًا ومتنًا في "تفسيرنا" عند قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (الإسراء: ١٥). فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب فلا منافاة.
[فعلق الإمام قائلًا]:
وهذا جمع جيد جدًّا، لأنه وإن كان من الممكن افتراض أن بعض من كان في الجاهلية قد بلغته الدعوة وأقيمت عليه الحجة فإن من الممكن أيضًا أن نفترض أن بعضهم لم تبلغه الدعوة، وحينئذ فأمامه الامتحان في عرصات القيامة، فمن نجح فقد نجا، وإلا فقد هلك، وعلى هذا النوع من الهالكين تحمل الأحاديث التي صرحت بعذاب بعض من مات في الجاهلية.
"صحيح السيرة النبوية" (ص٢٨).
[٧٥٥] باب الجمع بين قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا﴾ وقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾
[ذكر العز ابن عبد السلام في "بداية السول" من خصائص النبي - ﵌ -:
"أن الله تعالى أرسل كل نبي إلى قومه خاصة، وأرسل نبينا محمد - ﵌ - إلى الجن والإنس، ولكل نبي من الأنبياء ثواب تبليغه إلى أمته، ولنبينا - ﵌ - ثواب
[ ٥ / ٨٦٨ ]
التبليغ إلى كل من أرسل إليه، ولذلك تمنن عليه بقوله تعالى: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا﴾ ووجه التمنن: أنه لو بعث في كل قرية نذيرا لما حصل لرسول الله - ﵌ - إلا أجر إنذاره لأهل قريته".
[فقال الإمام معلقًا:]
قلت: وفي هذا الكلام تنبيه لطيف إلى أنه لا منافاة بين الآية المذكورة وبين وقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾؛ لأن المراد بالأولى زمانه - ﵌ -، وبالأخرى ما قبله.
"تحقيق بداية السول" (ص ٤٧)
[٧٥٦] باب منه
[أورد الصنعاني في «رفع الأستار» أدلة من قال بفناء النار فذكر منها ما] أخرجه أحمد في «مسنده» من حديث الأسود بن سريع مرفوعًا «[يأتي] أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، أما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني من رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل عليهم ليدخلوا النار قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا» (١).
_________________
(١) [أخرجه أحمد] في «المسند» (٤/ ٢٤) وإسناده جيد، ورواه عقبة بإسناد آخر عن أبي هريرة مثله غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها» ورجاله ثقات لولا أن فيه عنعنة الحسن البصري، وقد ذكره ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٤٦) مختصرًا نحوه وقال: «إسناده مقارب». والأول أخرجه ابن حبان أيضًا (١٨٢٧) والطبراني في «الكبير» (٨٤١) بلفظ: «أربعة يحتجون يوم القيامة ». وهذا أتم ولعله الذي أشار إليه المؤلف. لكن لفظ أحمد كما سبق. ثم رأيت الحديث من حديث أبي هريرة في «السنة لابن أبي عاصم» (٤٠٤ - بتحقيقي) وفيه الإحالة في تخريج حديث الأسود إلى «الصحيحة» (١٤٣٤) ولو كان تحت يدي لأغناني عن كثير من هذا التعليق. [منه].
[ ٥ / ٨٦٩ ]
[ثم عقب عليه قائلا]:
ليس الحديث أيضًا في محل النزاع إذ هو في فناء النار ودخول أهلها الجنة، وهؤلاء الثلاثة الأولون ليسوا بمشركين، فإنهم كانوا في دار الدنيا غير مكلفين، فلم يتحقق منهم أنهم كانوا مشركين، وليسوا ممن دخل النار ثم فنيت وهم فيها: والرابع الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله بنص قوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (فاطر: ٢٤) وهو حديث مشكل.
[فعلق الإمام قائلًا]:
قلت: لم يتبين لي وجه الإشكال إلا أن يكون بدا له التعارض بين الآية ﴿.. إلا خلا فيها نذير﴾ وبين قوله الذي مات في الفترة: «ما أتاني من نذير». فإن كان هذا هو المشكل فلا إشكال عندي؛ لأنه ليس من الضروري أن تبلغ النذارة كل فرد من أفراد كل أمة، بل يمكن أن يكون في كل أمة من لم تبلغهم الدعوة، حتى في هذه الأمة المحمدية، فمن الذي يستطيع أن يقول بأن سكان القطب الشمالي والقطب الجنوبي قد بلغتهم دعوة النبي - ﵌ -، لا سيما قبل عصرنا هذا الذي تيسرت فيه طرق التبليغ كالراديو وغيره، ولكن أين المبلغون للدعوة إليهم وإلى أمثالهم على وجه الأرض وبلغاتهم؟ بل أين المبلغون للدعوة الحق التي نزلت على قلب محمد - ﵌ - للمسلمين أنفسهم حين انحرف الكثيرون منهم عنها، بل وحاربوها،
[ ٥ / ٨٧٠ ]
هذا أولًا؛ وثانيًا: فإن قول المؤلف: أن الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله .. لا يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن من أمة﴾؛ لأن المعنى: «ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها» كما قال الشوكاني في
«فتح القدير».
وأما أنها تدل على أن من مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله فهذا شيء لا تدل عليه الآية لا من قريب ولا من بعيد بل لا بد له من دليل خاص. فكيف والثابت خلافه وهو قوله - ﵌ -: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة». رواه الشيخان وهو مخرج في «الإرواء» (٢٨٥).
"تحقيق رفع الأستار" (ص١١٣ - ١١٤).
[٧٥٧] باب هل كان والدا الرسول - ﵌ - من أهل الفترة
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِى؟ قَالَ: «فِي النَّارِ». فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ «إِنَّ أَبِى وَأَبَاكَ في النَّارِ».
[قال الإمام]:
[أخرجه] مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، وله شواهد، منها حديث سعد بن أبي وقاص الآتي بعده.
واعلم أن هذا الحديث مع صحة إسناده، وكثرة شواهده، وتلقي العلماء
النقاد بالقبول له، فإن الشيخ (أبو زهرة) قد رده بجرأة وجهالة متناهية، فقال (١/ ١٣٢):
«إنه خبر غريب في معناه، كما هو غريب في سنده، لأن الله تعالى يقول: [وما
[ ٥ / ٨٧١ ]
كنا معذبين حتى نبعث رسولًا] (الإسراء:١٥)، وقد كان أبو محمد ﵊ وأمه على فترة من الرسل، فكيف يعذبون؟!! وفي الحق إني ضرست في سمعي وفهمي عندما تصورت أن عبد الله وآمنة يتصور أن يدخلا النار»!
فأقول: يا سبحان الله! هل هذا موقف من يؤمن برسول الله أولًا، ثم بالعلماء الصادقين المخلصين ثانيًا، الذين رووا لنا أحاديثه - ﵌ - وحفظوها لنا، وميزوا ما صح مما لم يصح منها، واتفقوا على أن هذا الحديث من الصحيح الثابت عنه - ﵌ -؟! أليس موقف (أبو زهرة) هذا هو سبيل أهل الأهواء - كالمعتزلة وغيرهم- الذين قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين، مما رده عليهم أهل السنة؟! والشيخ يزعم أنه منهم، فما باله خالفهم، وسلك سبيل المعتزلة في تحكيم العقل، وردهم للأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لأهوائهم، إما تأويلًا إذا لم يستطيعوا رده من أصله؟! وهذا عين ما فعله الشيخ، فإنه رد هذا الحديث لظنه أنه حديث غريب فرد - كما رأيت - وتأول أحاديث الزيارة بقوله:
«ولعل نهي النبي - ﵌ - عن الاستغفار (لأمه)؛ لأن الاستغفار لا موضع له، إذ أنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبي مبعوث»!
ونحن نقول له - كما تعلمنا من بعض السلف-: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب! فإن أحاديث الزيارة تدل دلالة قاطعة على أن بكاءَه - ﵌ - إنما كان شفقة عليها من النار، وهذا صريح في بعض طرق حديث بريدة، كما سبق ذكره مني في التعليق عليه قريبًا. ولذلك علق الإمام النووي على حديث أبي هريرة منها بقوله في «شرح مسلم»:
«فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة، لأنه إذا جازت
[ ٥ / ٨٧٢ ]
زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار».
وقال في شرح حديث أنس هذا:
«فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم».
قلت: وفي كلام الإمام النووي رد صريح على زعم (أبو زهرة) أن أهل الفترة الذين كانوا من قبل بعثة النبي - ﵌ - لا يعذبون! ومع أن قوله هذا مجرد دعوى، لأنه لا يلزم من صحة القاعدة - وهي هنا أن من لم تبلغه الدعوة لا يعذب - أن الشخص الفلاني أو الأمة الفلانية لم تبلغهم الدعوة، بل هذا لا بد له من دليل كما هو ظاهر، وهذا مما لم يعرج عليه (أبو زهرة) مطلقًا، وحينئذ يتبين للقارئ الكريم كم قد تجنى على العلم حين رد حديث أنس، وتأول أحاديث الزيارة بما يفسد دلالتها بمجرد هذه الدعوى الباطلة؟!
وإن مما يؤكد لك بطلانها مخالفتها لأحاديث كثيرة جدًّا يدل مجموعها على أن الصواب على خلافها، وأرى أنه لا بد هنا من أن أذكر بعضها:
١ - قوله - ﵌ -: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب». رواه الشيخان.
وفي رواية: «كان أول من غير دين إسماعيل».
٢ - سألوه - ﵌ - عن عبد الله بن جدعان، فقالوا: كان يقرى الضيف، ويعتق، ويتصدق، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال:
[ ٥ / ٨٧٣ ]
«لا، إنه لم يقل يومًا: رب! اغفر لي خطيئتي يوم الدين». رواه مسلم.
٣ - أنه - ﵌ - مر بنخل فسمع صوتًا (يعني: من قبر)، فقال: «ما هذا؟». قالوا: قبر رجل دفن في الجاهلية فقال - ﵌ -:
«لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله ﷿ أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني»، رواه أحمد من طرق عن أنس، وعن جابر، وله شاهد من حديث زيد بن ثابت عند مسلم وأحمد، وهو مخرج في «الصحيحة» (١٥٨و١٥٩)
٤ - حديث رؤيته - ﵌ - في صلاة الكسوف صاحب المحجن يجر قصبة في النار، لأنه كان يسرق الحاج بمحجنه.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في «الإرواء» (٦٥٦).
وفي الباب أحاديث أخرى خرجها الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١١٦ - ١١٩)، فليراجعها من شاء، وهي بمجموعها تدل دلالة قاطعة على أن المشركين في الجاهلية من أهل النار، فهم ليسوا من أهل الفترة، فسقط استدلال (أبو زهرة) بالآية جملة وتفصيلًا.
وأما قوله في حديث أنس المتقدم أعلاه:
«.. كما هو غريب في سنده»!
فأقول: وهذه دعوى باطلة كسابقتها، فالحديث صحيح لا غرابة فيه، وحسبك دليلًا أنه أخرج في «الصحيح»، وإن أراد بذلك أنه غريب بمعنى أنه تفرد به واحد، فذلك مما لا يضره، لأن كل رواته ثقات أثبات، على أن له شواهد تزيده قوة على قوة كما تقدم. وأنا حين أقول هذا أعلم أن السيوطي تورط أيضًا وغلبه الهوى، فأعل الحديث بتفرد حماد بن سلمة به - إلى درجة أنه لم يورده في «الجامع
[ ٥ / ٨٧٤ ]
الصغير» ولا في «ذيله عليه» - وهو من أئمة المسلمين وحفاظهم، وكنت أود
أن أطيل النفس أيضًا في الرد عليه، ولكن طال الكلام، فحسبنا منه تقدم، والله
ولي التوفيق.
"صحيح السيرة النبوية" (ص٢٤ - ٢٧)
[٧٥٨] باب منه
مداخلة: بالنسبة للحديث، قول الرسول - ﵌ - للأعرابي: «أبي وأبوك في النار» بعض المفسرين يقولون أن هذا يخالف قول الله ﷾: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ (يس:٦)، وكيف يعذبهم الله ﷾ ولم يرسل فيهم رسول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، فما ردكم جزاكم
الله خيرًا.
الشيخ: ردي أن هذا الجاهل يقول: إن نحن ما بعث الله إلينا رسولًا. بس.
وفي فهمك الكفاية.
مداخلة: بارك الله فيك.
الشيخ: واضح ولا لا.
مداخلة: واضح.
مداخلة: لو ترجمت لنا أحسن.
مداخل آخر: الكل بده ترجمه
الشيخ: هذه غفلة متناهية، أنهم يقولون أن هذا الحديث وأمثاله يخالف القرآن، فالحق والحق أقول أن الأحاديث الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول
[ ٥ / ٨٧٥ ]
وعلى رأسها أئمة الحديث، حينما يأتي واحد أو اثنين ويدعوا أن هذا الحديث مخالف للقرآن، هذا من أحمق الناس ومن أجهل الناس؛ لأنه يتصور أن الأمة على مر الزمان هذا الحديث بين أيديها، وهي تصححه وتدين الله به مع مخالفة هذا الحديث أو هذه الأحاديث للقرآن الكريم.
فالحق أقول أنه ليس مخالفًا، مخالفٌ لفهمه للقرآن الكريم، هو يفهم القرآن الكريم خطأ، ثم يبني على هذا الخطأ أخطاء متتالية، فيرُد الأحاديث الصحيحة بسبب سوء فهمه للآيات الكريمة، يفهمون من هذه الآية وما يماثلها أن النذارة أو النذير يجب أن يكون بشخصه في كل ما تقوم به الحجة به على عباده ﵎، وليس الأمر كذلك، أنا أجبت السائل هنا معنى هذا الكلام أننا نحن المسلمين ما جاءنا من نذير، أين نذيرنا، ما عندنا نذير، النذير نبينا ﵇، طيب نبينا ما أرسل إلينا مباشرة.
إذًاَ: لماذا نأتي نفهم هناك الآية أنه لازم يكون نذير مباشرة، ونحن الآن
لم يأتينا نذير مباشرة، فإذا كان نحن نقدر نقول ما أتانا من نذير، ونقدر نقول
أتانا نذير.
مداخلة: طبعًا.
الشيخ: كيف نجمع بين التعبيرين، ما أتانا نذير، وأتانا نذير، ما أتانا نذير مباشرة، لكن جاءنا نذير أي دعوته وصلت إلينا.
إذًا: المسألة ليست مربوطة بالنذير شخصيًا، وإنما المسألة مربوطة بدعوته، فأي أمة وأي شعب على وجه الأرض منذ أن بعث الله الرسل وأنزل الكتب مكلفون ببلوغ الدعوة سواء مباشرة من النذير، من النبي أو الرسول أو بواسطة من
[ ٥ / ٨٧٦ ]
جاؤوا من بعده، فالشخص إذًا هنا ليس له مفعول، إنما دعوته، نحن الآن قلنا ما أتانا من نذير، لكن أتتنا دعوته والحمد لله.
إذًا: من اتبع هذه الدعوة نجا، ومن خالفها وكفر بها هلك.
نرجع للعرب في الجاهلية، كذلك نقول عنهم ما أتاهم من نذير، وجاءهم من نذير، الرسول ﵇ أبوه وأمه وعمه وجده وما قبل ذلك بمئات السنين، نقدر نقول ما جاءهم من نذير، أي: شخص، لكن لا نستطيع ننفي أنهم جاءهم نذير بالمعنى الثاني يعني: الدعوة، والدليل على ذلك وجود المسجد الحرام وكعبة الله في عقر دار الحجاز وهي مكة، ومحافظتهم على الطواف حول الكعبة، وعلى بعض المناسك التي توارثوها عن إبراهيم وعن إسماعيل، وقوله تعالى في القرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (البقرة:١٢٧)، لمن هذا الرفع، لأي قوم، هم العرب.
فإذًا: العرب لا نقول نحن لم يأتهم من نذير، إلا إذا كان الأحمق يريد كل شعب يجيه نذير مباشرة، بل أنا أقول كل فرد يريد نذير، وهذا لا يقوله إنسان عاقل يدري ما يخرج منه، لا تتصوروا أنتم أن النذير الذي بعث في مكة، ما تتصوروا أنه يكون هناك أشخاص ما سمعوا بالدعوة مطلقًا بسبب أو أكثر من سبب، واحد يكون أصم مثلًا ، أو يكون مختل العقل، أو .. أو .. إلى آخره، نقدر نتصور في كل زمان وجود هؤلاء الأشخاص.
إذًا: ماذا نقول عن هؤلاء، جاءهم نذير أو لم يأتهم نذير، جاءهم نذير لكن ما بلغتهم الدعوة، هؤلاء اثنين ثلاثة، أما الآخرون ما جاءهم شخص لكن جاءتهم دعوته، والدليل على هذا عندنا أحاديث كثيرة وكثيرة جدًا، بأن أهل الجاهلية
[ ٥ / ٨٧٧ ]
معذبون، منها حديث مسلم أن الرسول ﵇ كان راكبًا على بغلته يومًا فمر بقبرين فشمست البغلة، فقال ﵇: «متى دفن هذان؟ قالا: في الجاهلية. فقال ﵇: لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر». الدابة سمعت عذاب القبرين فشمست به ﵇، فسأل: هؤلاء ما قصتهم؟ قالوا له ماتوا في الجاهلية، إذًا هؤلاء ماتوا، هذا حديث لازم ينكره صاحبكم هذا، لأنه ما جاءه من نذير، وعدي بن حاتم لما سأل عن أبيه أنه كان كريمًا وكان كذا إلى آخره، فهل ينفعه ذلك، قال: لا، لأنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
مداخلة: السيدة عائشة.
الشيخ: هي السائلة.
هؤلاء كلهم ماتوا في الجاهلية.
إذا: بدنا ننكر التاريخ الإسلامي الذي لا يوجد له أصح في الدنيا أبدًا، لا يوجد له مثيل أصح بهذه الطريقة المعوجة، بسوء الفهم للآيات الكريمة، فالآن الأوربيون والأمريكيون، هل بلغتهم الدعوة أولًا نسأل، جاءهم نذير؟ ما جاءهم نذير؟ جاءهم نذير بالمعنى الثاني.
مداخلة: جاءهم.
الشيخ: أنا ما أقول جاءهم، الشيخ استعجل.
أنا ما بقول جاءهم، وكمان تعلم مني ولا بقول ما جاءهم، حط في بالك، لا بقول جاء ولا بقول ما جاء.
هذه قصة وقعت بيني وبين أحد المشايخ أول ذهابي إلى المدينة أستاذًا في الجامعة، في الليل وسهرانين هناك، المجلس عامر بالمشايخ أساتذة في الجامعة،
[ ٥ / ٨٧٨ ]
أثير هذا الموضوع، فادعى أحدهم لكن في فرق بينك وبينه، إنه هو أستاذ وأنت لست أستاذ.
وفرق ثاني أنه ما كان مستعجل مثل حكايتك،
قال جاءتهم الدعوة يا أخي، الإذاعات العربية واصلة إلى الدنيا كلها، والقرآن يتلى ليلًا نهارًا، فتبسمت في وجهه ضاحكًا، قلت له: هذا القرآن ما بدك من يفهمه؟ إذا العرب ما استطاعوا أن يفهموه فضلًا عن الأعاجم، كيف يعرف البريطان والألمان .. إلى آخره، أنه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (المائدة:٧٣)، لا يفهمون شيئًا، ثار نقاش ونقاش طويل حول الموضوع.
الشاهد حتى الإنسان ما يتورط وما يقول جاءهم نذير بالمعنى الثاني أي: الدعوة، ولا يقول إنه ما جاءهم، مش نحن الذين نحاسب هؤلاء الناس، رب العالمين.
فنقول: من علم الله منهم أنه بلغته الدعوة الإسلامية ثم جحدها كما قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤)، فهذا كافر مخلد في النار، ومن لم تبلغه كذلك فليس كذلك، أما بلغتهم نجلس نتناقش، لا ما بلغتهم، سأقول لك هؤلاء الذين في القطب الشمالي والجنوبي بلغتهم، كيف نعرف؟ والله أنا أقول إن الألبان بالنسبة لغيرهم ما بلغتهم الدعوة إلا أفرادًا قليلين منهم، ليه؟ من الذي يبلغهم الدعوة، القرآن يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم:٤)، فما فائدة أننا نذيع القرآن ليلًا نهارًا، وهم لا يفهمونه.
فإذًا: لا نستطيع أن نقول يا جماعة أن هؤلاء بلغتهم الدعوة، لكن لا بد في أفراد منهم بلغتهم الدعوة، لكن هؤلاء الأفراد لا بد أن تتصورهم من خاصة القوم،
[ ٥ / ٨٧٩ ]
يعني من مثقفيه، يعني هؤلاء القسيسين الرهبان، لا شك أن فيهم ناسًا عرفوا الحقيقة، فمنهم من آمن وكتم إيمانه، ومنهم من آمن وأعلن إسلامه، ومنهم من كفر، والتاريخ يعيد نفسه، ما بعرف أنتم كنتوا يوم كان هذا مازن النابلسي.
مداخلة: والله شيء عجيب.
الشيخ: كان الأستاذ موجود والأخ موجود.
واحد نابلسي يقول أنه ذهب لمكتبة القدس في هناك مكتبة ستة
ملايين كتاب.
علي حسن: أكبر مكتبة في العالم بعد الكونجرس.
الشيخ: في القدس، اليهود قاتلهم الله أنشؤوا هناك مكتبة يقول فيها ست ملايين كتاب، واتصل هناك تَعَرَّف على مستشرق بولاندي، وعمره نحو ٧٧ سنة، ويتكلم اللغة العربية الفصحى، ولا تظنه إلا مسلمًا، وعنده معرفة بالحديث.
علي حسن: متخصص حديث، سألته فيما بعد، قال دراساته دكتوراه وبرفسور حديث، الحديث النبوي.
الشيخ: وبعدين الرجل حواليه - كما يقولون باللغة الأجنبية - بروفسورات يعني أساتذة يتعلمون منه؛ لأنه كبير السن، وهذا النابلسي عنده قليل معلومات لا بأس بها في علم الحديث، كان يجلس معه ويتناقش معه، يعترف هذا المستشرق أمام البروفسورات أنه يتعلم من النابلسي، والنابلسي من إخوانا شاب، فقال إنه أحيانًا تطلع منه عبارات تدل على إسلامه.
مداخلة: قال لما كان يذكر النبي يقول: - ﵌ -، ولما يذكر الله ﷾
[ ٥ / ٨٨٠ ]
﷿، أو عمر بن الخطاب أو الصحابة ﵃، يعني لا يفعل إلا هذا.
الشيخ: وذكر قضية إنه واحد من الحاضرين قال له هل أسلمت؟
علي حسن: فقال له بالعبري: ليش لا؟ في أثناء محاضرة بالجامعة، فواحد قال له: أنت نحكي معك لما تذكر النبي - ﵌ - تقول كذا، فهل أسلمت، فقال له: ليش لا، باللغة العبرية.
الشيخ: يعني أسلوبه في الكلام أسلوب مسلم.
مداخلة: كان طالب كتاب الزهد لهناد ومخطوطات وكذا طالب كتب والله أنه أقل من النادر من يعرفها ولا أقول يطلبها من أهل العلم أو من العلماء أو ما شابه ذلك.
مداخلة: ما موقفك منه يعني إنه من ناحية
مداخلة: قال كلمة طيبة، قال: لعله ممن يكتم إيمانه مثل هذا الرجل.
الشيخ: نحن شاهدنا الآن أن مثل هذا الرجل يمكن أن يكون أسلم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لأنه عنده اطلاع وعنده كذا ..
وبالمناسبة أذكر في كتاب يعرفه إخواننا الطلبة، اسمه "مفتاح كنوز السنة"، عندما اقتنيته وعرفت الجهد اللي مفروغ فيه، أن هذا كونه دراس كتب السنة أربعة عشر كتابًا، لا بد أن يكون صاحبه أسلم، هكذا أنا قلت يومئذ، راحت أيام وأتت أيام كما يقولون؛ عندنا في الشام كنت جالس في المكتبة العربية الهاشمية، ، وقع تحت يدي عدد من مجلة الهلال قديمة، لجورج زيدان، وإذا به الخبيث هذا
[ ٥ / ٨٨١ ]
الألماني مؤلف كتاب مفتاح كنوز السنة «فنسنك» ناشرين مقالة لأحد الكتاب المصريين المسلمين رد على فنسنك ينقل عنه كلمات يصرح فيها أن محمد رجل عبقري وداهية و إلى آخره، وادعى النبوة واستطاع بعقله وشطارته أنه يلملم العرب حوله وإذا به ينكر النبوة، إذًا: هذا ما استفاد شي من الكتب الذي درسها، استطاع أن يفعل فهرسة تقرب البعيد كما هو معلوم لدينا.
فالشاهد لا نقول إذًا: هذا الشعب البريطاني أو الفرنسي أو الألماني أسلم أو ما بلغه، الله أعلم، من بلغته الدعوة وهذا يذكرني أيضًا بهذه الكلمة، من بلغته الدعوة كما أنزلت في أصولها وفي أسسها وما آمن، فهو إلى جهنم.
قلت لهذا الذي كنت أتناقش معه في الجامعة: أنت تعرف الآن نشاط القاديانيين في كثير من البلاد الأجنبية في ألمانيا وبريطانيا بصورة خاصة، من هؤلاء يسلمون على إسلام القاديانيين، القايادنيين كفار، صحيح أنهم يصلون ويحجون، لكن ينكرون ما هو معلوم من الدين بالضرورة من ذلك أن الرسول في أنبياء بعده، ويؤلون الآيات ويحرفونها و إلى آخرها، وينكرون عالم اسمه عالم الجن، ينكرونه ويقولون الجن المذكور في سورة الجن المذكورة في القرآن أن الجن هو اسم مرادف للبشر، لفظ مرادف للإنس، كما أننا نقول إنس وبشر معنى واحد، هم صار عندهم إنس وبشر وجن معنى واحد، وعندما تذكر له الآيات التي تقول: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف:١٢)، يقول لك: هذا مجاز، وليس حقيقة أنه خلقه من نار، كله تأويل يعني تعطيل؛ لأنه الأمر الحقيقة كما يقول ابن القيم في بعض كتبه: المعطل يعبد عدمًا، والممثل يعبد صنمًا، فهؤلاء عطلوا وأنكروا حقائق شرعية، مع ذلك كثير من الأوروبيين يستجيبون لدعوة هؤلاء؛ لأنهم يرون في دعوتهم من الإسلام الصافي ما لا يجدونه في التوراة والإنجيل
[ ٥ / ٨٨٢ ]
عندهم، فهل هؤلاء بلغتهم الدعوة؟ ما بلغتهم الدعوة، لانه بلغتهم دعوة منحرفه عن أصولها، لذلك إذا جاء حديث: «إن أبي وأباك في النار» ليس هناك مبرر للتأويل يا جماعة، عندنا أحاديث تؤدي إلى نفس المعنى بالعشرات إذا أنكرناها معناها أنكرنا الشريعة.
"الهدى والنور" (٢٥١/ ٤٥: ٤٨: ٠٠) و(٢٥٢/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)
[٧٥٩] باب منه
سؤال: كيف نوفق بين هذا الحكم، أو ما دلت عليه الأحاديث من أن أبوي الرسول - ﵌ - في النار، وبين الآية في سورة السجدة التي تقول: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (السجدة:٣)، إذًا ما أتاهم من نذير، وهنا الأحاديث تدل على أنهم لم يعذروا في شركهم؟
الشيخ: إيه، أظن هذا البحث جرى بيني وبينك وفي هذا المكان.
الملقي: هو من أجل فهم الآية فهمًا واقعيًا.
الشيخ: ما قد فعلنا ذلك، قد فعلنا ذلك، والآن الحر تكفيه الإشارة، فأنا أسألك فأقول: هل جاءنا من نذير؟
الملقي: نعم.
الشيخ: أجب بوضوح.
الملقي: [جاءنا] الكتاب النذير، هل النذير تقصد به الرجل.
الشيخ: الذي تقصده أنت، ما الذي تقصده أنت، ما الذي تقصده بسؤالك؟
الملقي: أقصد رسولًا.
[ ٥ / ٨٨٣ ]
الشيخ: فهل جاءنا رسول؟
الملقي: ما جاءنا.
الشيخ: إذًا نحن من أهل الفترة؟
الملقي: جاءنا كتابه.
الشيخ: إذًا نحن من أهل الفترة؟
الملقي: أنا لا أقول
الشيخ: هههه.
الملقي: الفترة آمنا بذلك، لكن هذه الآية تقول: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (السجدة:٣).
الشيخ: نحن عرفنا ما تقول، لكن نحن الآن في صدد بيان ماذا تريد هذه الآية؟ هل تريد في قوله تعالى: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ (المائدة:١٩) مباشرة، أم ما جاءتنا دعوة نبي ولو غير مباشر، الجواب: واضح جدًا من هذا الكلام الموجز، أي ما جاءنا من نذير من دعوة نذير، فأنت بقى بدك تقدر مضاف محذوف هنا، كما يقال في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف:٨٢)، القرية لا تسأل، إنما سكانها، فهنا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ (المائدة:١٩).
أي: من دعوة نذير، هذه الدعوة قد تكون مباشرة من النذير، وقد تكون غير مباشرة من النذير، هذا شأننا نحن اليوم، فإن نحن جمدنا على فهم الآية نذير بشخصه وليس بدعوته ولو بشخص غيره، معناها نحن أمة محمد ﵇
[ ٥ / ٨٨٤ ]
سواء أمة الإجابة أو أمة الدعوة بالمعنى العام، كلنا من أهل الفترة، وهل من عاقل لا أقول مسلم، هل من عاقل يقول أن هؤلاء البشر الذين ليسوا من أصحاب الرسول ﵇ لم يصحبوهم مباشرة ولم يتلقوا الدعوة منهم مباشرة من التابعين إلى العصر الحاضر، هؤلاء ما جاءهم من نذير؟! ما أظن عاقلًا ولو كان كافرًا يعتقد هذه العقيدة.
السائل: هنا في الآية أستاذ هم كانوا ينفون أن يكون جاءهم نذير: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ (المائدة:١٩) لكن هنا الآية، الله تعالى يقول: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (القصص:٤٦).
الشيخ: أنا ما فرقت تفريقك، ما فرقت تفريقك، سامحك الله.
السائل: أما أن تقول: هناك حذف تقيس الآية على الآية الأخرى، واسأل القرية، هناك معروف مجاز مرسل، كل من يسمع الآية يعرف أنه القرية لا تسأل في مجاز العقلي، واسأل القرية البيوت لا تسأل، ولكن يسأل ساكنها، أما هنا فالآية صريحة لا تحتاج إلى إضافة محذوف.
الشيخ: في مجاز شرعي ولا ما في؟
السائل: نعم!
الشيخ: في مجاز شرعي.
السائل: ما هو هنا لا بد تكون في قرينة.
الشيخ: ما عم تجاوب.
السائل: في قرينة.
[ ٥ / ٨٨٥ ]
الشيخ: في مجاز شرعي.
السائل: في مجاز.
الشيخ: إي هاي بدي أنا الجواب هذا إذًا قلت: ذاك مجاز لغوي، ما دام في مجاز شرعي، فلماذا لم تقف عند المجاز الشرعي، وانتقلت للمجاز اللغوي. وقلت: هذاك بيفهمه كل الناس.
الملقي: هناك مجمع عليه أنه مجاز عقلي.
الشيخ: ما لنا ولذاك.
الملقي: لكن هنا، ما جاء من نذير أي من دعوة نبي لا تخطر لبال
الشيخ: لبال الجهلة؟
السائل: لا لبال أي عالم.
الشيخ: للعلماء.
الملقي: لا تخطر .
الشيخ: لا، قف عندك.
الملقي: أي عالم.
الشيخ: قف عندك لا حول ولا قوة إلا بالله.
الملقي: تحتاج إلى قرينة.
الشيخ: القرينة يا شيخ أنك أنت بتطلع من أهل الفترة إذا لم تفهم الآية بهذا المفهوم، أنت من أهل الفترة هل تريد أن تكون من أهل الفترة؟
[ ٥ / ٨٨٦ ]
الملقي: لست من أهل الفترة.
الشيخ: هل جاءك من نذير؟
الملقي: جاءني نذير؛ كتاب الله.
الشيخ: فهذا هو المحذوف، الله يهديك.
مداخلة: ههه تقدير، تقدير
الشيخ: هههه ههه.
"الهدى والنور" (٥٣٠/ ٣٢: ١٣: ٠٠)
[٧٦٠] باب كيف يكون والدا النبي - ﵌ - في النار؟
سؤال: ما الجواب على من يقول: كيف يكون والدا النبي - ﵌ - في النار، وقد قال ﵊: «كل نسب ينقطع أو منقطع يوم القيامة إلا نسبي»؟
الشيخ: هذا سؤال غير فقيه، هل المقصود هنا النسب الديني، وإلا النسب التناسلي، طبعًا المقصود فيه النسب التناسلي، والجواب بإيجاز كما يقال عن آزر والد إبراهيم ﵇، ماذا يقال؟ .. آزر والد إبراهيم وهو مشرك: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام:٧٤)، فهذا هو الجواب الموجز، أما المفصل فالكلام فيه طويل وطويل جدًا، لكننا نقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء:١٢٣)، وربنا ﷿ يقول: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١)، والرسول ﵇ الذي جاء السائل يسأل عن أبيه يقول: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، ثم الدين ليس بالعقل ولا بالعاطفة، إنما باتباع أحكام الله في كتابه وأحكام رسوله في سنته
[ ٥ / ٨٨٧ ]
وفي حديثه، لو أراد الإنسان أن يعالج الأحكام الشرعية ولو كان من أعلم أهل الأرض بعد رسول الله - ﵌ - لأصاب هذا الإسلام ما أصاب الأديان التي كانت قبله، كاليهودية والنصرانية، فضلًا عن غيرها كالبوذية والهندوسية وغيرها، لكن الله ﷿ بسابق علمه وغالب حكمته قدر أن يكون هذا الإسلام محفوظًا إلى أن يقبض الله ﷿ بتلك الريح الطيبة روح كل مؤمن، فلا يبقى على وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله، فعليهم تقوم الساعة، قدر أن يظل هذا الإسلام محفوظًا في أصلين، في كتاب الله وسنة رسول الله - ﵌ -، فهذا وذاك كان صيانة للمسلمين أن ينحرفوا في دينهم إلى عقولهم وأهوائهم كما أصاب الذين من قبلنا ممن بدلوا دينهم واتبعوا أهواءهم واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، ولذلك فما ينبغي للمسلم خاصة من ليس عنده يعني وفر من الثقافة الإسلام إذا ما سمع خبرًا نبويًا أن يعالجه بطرح إشكالات وشبهات، كهذا السؤال.
فأي شيء في حديث أنه: «كل نسب وسبب ينقطع إلا نسبي»، هذا له علاقة بالتوالد، فنحن نعتقد أن النبي - ﵌ - كما جاء عنه أنه ولد من نكاح وليس من سفاح، فأبواه كانا معصومين من الوقوع في الفاحشة وفي الزنا لكي لا يكون ابنهما وهو محمد - ﵌ - إلا شريف النسب، لكن ذلك لا ينفي أن يكون على الأقل أبوه وأمه أقول على الأقل من أهل الضلال يعني من أهل الشرك وعبادة الأوثان ما ينافي هذا ذاك، وبعد ذلك أقول: ما ينافي أن يكون من أولئك المشركين الذين بلغتهم دعوة التوحيد ثم انحرفوا فيها مع المنحرفين عنها وهم كثر في الجاهلية الأولى، كما هم كثيرون في جاهلية القرن العشرين كما يقولون، وحينئذ فلا غرابة أن يقول النبي - ﵌ - جوابًا على سؤال ذلك السائل القائل: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النار»، ثم ولى الرجل السائل، طبعًا نتصور المشهد هذا، نتصوره الآن،
[ ٥ / ٨٨٨ ]
أنه رجع أسيفًا حزينًا على أبيه، لأنه هو ولده، والرسول ﵇ أدق الناس نظرًا وأشدهم فراسةً قال: «هاتوا الرجل»، فقال له: «إن أبي وأباك في النار»، لا شك نحن يحزننا أن يكون والدا نبينا - ﵌ - ﷺ - ﵃ - النار، ولكن حزنه ﵇ عليهما أكبر وتأثره بذلك أشد منا بكثير، ولكن أليس هذا الاستسلام منا تبعًا لاستسلام نبينا بحكم ربنا العادل على الوالدين بهذا الحكم الشديد بالنسبة إلينا، والعادل بالنسبة لصدوره من ربنا في حقهما؟ هو كذلك ولهذا هنا هذا التقدير الإلهي امتحان من أشد أنواع الامتحان للرسول أصالةً ولأتباعه المؤمنين به تبعًا، هل يرضى رسول الله - ﵌ - بقضاء الله وقدره أم يقول: لم أبي وأمي في النار؟، لا هو يرضى بلا شك، ونحن إذًا تبعًا له نرضى بما رضي هو به من قضاء الله وقدره، ثم إن الحكمة البالغة أن يتذكر الإنسان بمثل هذا الحكم الشديد على العواطف، عواطف المسلمين أن يرجعوا في أنفسهم إلى أن الأمر كله بيد الله، وأن لا أحد هناك يؤثر بجاهه ومنزلته على الله، وكما قال ﵎: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص:٦٨)، فإذًا تقدير الله ﷿ لمثل هذا الأمر، أبوا الرسول ﵇ مشركان وفي النار لأكبر دليل على أن الواسطة البشرية بين الناس وبين خالق الناس لا تفيد إطلاقًا؛ لأن السلطة كل السلطة بيد الله ﵎، فهو الفعال لما يريد، وهنا تأتي الآية السابقة التي ذكرنا: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١)، ففيها [قطع] دابر الاعتماد على النسب؛ لأن المسلم لما يرى أن أبوي الرسول ﵇ هذا مصيرهم بسبب كفرهم، فإذًا سوف لا يغتر أحد بأن يقول على خلاف ما قال ذلك الشاعر العربي، أيش قال، هات لنشوف:
لسنا وإن أحسابنا كرمت يومًا على الأحساب على الأحساب
[ ٥ / ٨٨٩ ]
مداخلة: لسنا وإن أحسابنا كرمت يومًا على الأحساب نتكل
الشيخ: على الأحساب نتكل، أنا أحفظ هكذا
نبني كما بنت أوئلنا
مداخلة: نبني كما كانت أوئلنا تبنى ونفعل
الشيخ: كما فعلوا
"الهدى والنور" (٥٣٠/ ١٤: ٠١: ٠٠)
[٧٦١] باب كيف الجمع بين كون من لم تبلغهم الرسالة من أهل الفترة وبين قول النبي - ﵌ - «أبي وأبوك في النار»؟
السؤال: حول قضية تفضلت فيها أن الذين لم تبلغهم الرسالة وأن أطفال المشركين وأهل الفترة يمتحنون في عرصات يوم القيامة، الحديث الذي تفضلت به، وهذا يعارضه حديثان، أريد أن نعلم [كيف الجمع] وهما الحديث الذي رواه مسلم ﵀: «أبي وأبوك في النار» ثم الحديث الآخر أن النبي - ﵌ - قال في الحديث الصحيح: «إن الله وعدني أن لا يعذب اللاهين من أمة البشر» (١) واللاهين معلوم أنهم الأطفال، وهذا عموم الأطفال المشركين وغيرهم.
الجواب: العموم أمره سهل، تعرف أن العام يدخله التخصيص أليس
كذلك؟
مداخلة: نعم.
_________________
(١) صحيح الجاع (رقم٣٥٩٢).
[ ٥ / ٨٩٠ ]
الشيخ: إذًا تخصيص حسب ما سمعت من التفصيل. واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يبقى الجواب عن الحديث الأول، الحديث الأول ليس فيه معارضة والحمد لله شأن كل الأحاديث الصحيحة، إنما يأتي ادعاء المعارضة هو من فكرة قائمة في أذهان كثير من الناس اليوم وهي فكرة خاطئة، وهي أن الذين كانوا قبل الرسول ﵇ هم من أهل الفترة، وهذا خطأ فاحش جدًا، العرب في الجاهلية لم يكونوا من أهل الفترة، أي: لم تبلغهم دعوة نبي. كيف وإبراهيم وإسماعيل يقول الله رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (البقرة:١٢٧) .. إلى آخر الآية.
وبعدين هم كانوا يحجون ويعتمرون وكانوا يطوفون، وكانوا يأتون بكثير من المناسك التي ورثوها عن إبراهيم وإسماعيل، فمن الخطأ الفاحش أن يقال: إن العرب كل العرب كانوا من أهل الفترة، ولذلك فالعرب بلغتهم دعوة إبراهيم وإسماعيل والآثار إلى الآن، آثار هذه الدعوة لا تزال موجودة في المسجد الحرام، لكن معلوم أيضًا بالإضافة إلى هذا أن العرب دخل في ديانتهم أشياء كثيرة من الشرك والوثنية، وكان ذلك ظاهرًا حتى في الكعبة التي كانت نصبت فيها الأصنام، والرسول لما دخلها كان يحطمها بعصاه، وكلما حطم صنمًا يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء:٨١)، لكن هذا لا يعني أنهم ما جاءتهم الدعوة، إنما نستطيع أن نقول: منهم من جاءتهم الدعوة والمقصود هنا بالدعوة ليس تفصيليًا؛ لأن الحقيقة المسلمين اليوم الدعوة التفصيلية ما جاءتهم على وجه الصحيح إلا أفراد قليلين جدًا، لكن يهمنا العقيدة التوحيد الذي هي سبب النجاة من الخلود في النار يوم القيامة واضح أو لا؟
[ ٥ / ٨٩١ ]
فأنا أقول أن العرب كأي أمة أخرى بلغتهم دعوة نبي أو رسول فمنهم من جاءته كما جاءت إلى الرسول وكما بلغها الرسول، ومنهم من انحرفت جاءته منحرفة، والله ﷿ هو الذي يعلم من هو الذي بلغته الدعوة قبل أن تنحرف عن الجادة والعكس بالعكس، لكن الغرض أن لا نطلق الكلام ونقول أن العرب في الجاهلية كانوا أهل فترة لهذا السبب أولًا، ولأحاديث متكاثرة جدًا تدل على أن أفرادًا من الجاهلية يعذبون، كهذا الحديث مثلًا: «إن أبي وأباك في النار» فهذا دليل أنه بلغته الدعوة وإلا كيف يعذب في النار ولم تبلغه الدعوة، وكحديث أن الرسول ﵇ كان مع بعض أصحابه على دابته لما مر بقبرين فشمست الدابة، نفرت، فنظر الرسول ﵇ فرأى هناك قبرين، فسأل أصحابه وقال: «متى مات هؤلاء أو هذان؟ قالوا: ماتا في الجاهلية. فقال ﵇: لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» فالدابة سمعت عذاب القبر فشمست، والرسول يقول: «لولا أن تدافنوا» أي: لولا أن تموتوا فيدفن بعضكم بعضًا من رهبة سماع العذاب في القبر لأسمعتكم العذاب هذا.
كذلك الحديث الذي يقول السائل أو السائلة أن فلان في الجاهلية، حاتم الطائي أو غيره، ابن جدعان يمكن أنه كان كريمًا وكان مضيافًا وكان كثير الخيرات واليتامى والمساكين .. وإلى آخره هل ينفعه شيء من ذلك يا رسول الله؟! قال: «لا، إنه لم يقل يومًا من دهره: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، لذلك فباختصار أهل الجاهلية ليسوا أهل فترة، بلغتهم دعوة إبراهيم وإسماعيل وكان بعض أفرادهم على التوحيد. نعم.
مداخلة: هل صح بأنه كان أفراد لا يتجاوزون الستة نفر هم الذين يعلمون كورقة بن نوفل مثلًا عن الحنيفية السمحة وكان كثير النظر للسماء والهمهمة ولا
[ ٥ / ٨٩٢ ]
يعلم كيف يعبد الله ﵎، يقول: لو أعلم كيف تبعد لعبدتك، وأخبر الله ﵎ عن المشركين بأنهم كانوا يتقربون للأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، يعبدونها ليتقربوا من الله ﵎، فهم لا يعلمون الوسيلة والصحيحة والعقيدة السليمة التي يعبد الله ﵎ بها، إذ كانوا يعبدوا الأصنام لكي تقربهم إلى خالقهم.
فمن هذا ألا تكون الديانة الحنيفية اندثرت وزالت وما بقي لها أي معان؟
الشيخ: أنا أعتقد أنه سبق الجواب عن مثل هذا السؤال أيضًا؛ لأني جعلت العرب في الجاهلية كالمسلمين اليوم، فمنهم من بلغته الدعوة فهو مسؤول مؤاخذ إذا كفر بها، ومنهم من لم تبلغه الدعوة فهو غير مؤاخذ وله حساب كما عرفتم في عرصات يوم القيامة، وقلت أيضًا: بأن من العرب من بلغته الدعوة وضربت مثلًا بجماعة التوحيد هؤلاء معروفين يعني، لكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك أفراد آخرون كانوا موحدين، وما ذكرته بالنسبة لورقة أو غيره أنه كان يقول: لا أعرف كيف أعبد الله. هذا أنا شيء لا أعرفه، ولا أعتقد صحته، لكن هب أن الأمر كذلك، لكن هذا هل معناه أنه كان مشركًا؟ لا. كان موحدًا، فالتوحيد هو سبب الخروج أو عدم الخلود في النار على الأقل.
الخلاصة عرفتموها وهو: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
فكل شخص بعينه جاءنا حديث صحيح في الجاهلية أنه معذب لا يجوز أن نتصور أنه من أهل الفترة، هذا هو المهم في الموضوع، فقد بلغته الدعوة وبذلك ترتب العذاب به. والحمد لله.
"الهدى والنور" (٢٦٢/ ٠٠:٠٨:٣٩)
[ ٥ / ٨٩٣ ]
[٧٦٢] باب هل يصح تأويل حديث
«أبي وأبوك في النار» بعمي وعمك
السائل: شيخنا بالنسبة لقوله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ (التوبة:١١٣). دلت السنة النبوية أنه - ﵌ - أجاب الأعرابي أو أجاب الرجل، قال: «أبي وأبوك في النار» [يقول] بعض إخواننا الذي نشهد لهم بالالتزام أنه يحتمل أبي وأبوك في النار، أي: عمي وعمك، ما ردكم يا شيخ؟
الشيخ: وهل يحتمل العكس؟
مداخلة: بده يكون كذلك، وده يبرأ والدي الرسول - ﵌ -، تحتمل هذيك.
الشيخ: التبرئة أولًا لا هي بيده ولا بيدنا، لكن نحن الآن نتكلم عن معنى الحديث، أنت على ذمتك.
مداخلة: أنا ما رديت عليه.
الشيخ: لا لا على ذمتك تنقل عنه، بيقول أنه تحتمل. طيب ما يحتمل
المعنى الظاهر.
مداخلة: أكيد.
الشيخ: إذًا: شو جوابه؟
مداخلة: لم نسأله عن هذه الثانية.
الشيخ: هذه المشكلة.
لذلك بدنا نتعلم السؤال والجواب.
[ ٥ / ٨٩٤ ]
هذا الحديث إذا أُوِّلَ تعطلت الشريعة، هذا أولًا.
ثانيًا: الحديث له مناسبة، وهي أن رجلًا جاء إلى النبي - ﵌ - فقال له: «أين أبي؟ قال: في النار» هل نفسر أن هذا الرجل يقصد عمه؟
مداخلة: لا. ظاهر الحديث واضح.
الشيخ: إذًا: هذا التأويل لا يمشي هنا، لأنه له مناسبة المناسبة تمنع التأويل وتبطله، هذه واحدة.
ثاني واحدة: ماذا يفعل بحديث: «استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي» ولَّا خاطر الأب عنده هذا صاحبك أكثر من خاطر الأم؟!!
"الهدى والنور" (٢٥١/ ٠٣: ٣٦: ٠٠)
[ ٥ / ٨٩٥ ]
جماع أبواب مسألة
مصير أطفال المؤمنين وأطفال المشركين في الآخرة
[ ٥ / ٨٩٧ ]
[٧٦٣] باب عدم التكليف قبل البلوغ وقيام الحجة
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار. يعني: أطفال المشركين»
(موضوع)
[قال الإمام]:
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤ - دار العروبة) بعد أن ذكر الحديث بنحوه: "وهذا الحديث كذب موضوع عند أهل الحديث، ومن هو دون أحمد من أئمة الحديث يعرف هذا فضلًا عن مثل أحمد".
قلت: وإنما جزم شيخ الإسلام بوضعه - وإن كان السند لا يقتضي ذلك -؛ لمنافاة متنه للمقطوع به في الإسلام من الأدلة الكثيرة القاضية بعدم التكليف إلا بعد البلوغ، وقيام الحجة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ (الإسراء: ١٥)، وقوله - ﵌ -: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ » الحديث (١).
"الضعيفة" (٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
[٧٦٤] باب أطفال المؤمنين في الجنة
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«أولاد - وفي رواية أطفال - المؤمنين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم
_________________
(١) وهو حديث صحيح، مخرج في " الإرواء " (٢٩٧) وغيره. [منه].
[ ٥ / ٨٩٩ ]
وسارة، حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة»
(منكر بهذا التمام)
[قال الإمام]:
ثم إن الحديث يخالف بظاهره ما جاء في عدة أحاديث صحيحة: إن نبينا - ﵌ - هو أول من يدخل الجنة، وأن أولاد الآباء يأبون أن يدخلوا الجنة إلا وآبائهم معهم، فيدخلون جميعًا.
"الضعيفة" (١٢/ ١/٥٧ - ٥٨).
[٧٦٥] باب منه
سؤال: تقول عائشة ﵂: «أدرك النبي - ﵌ - جنازة صبي من صبيان الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله - ﵌ -: وما يدريك إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب أبنائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم» (١) ماذا تقصد بعصافير الجنة؟
الجواب: يعني تفهم أن هذا الولد الصغير الذي لم يبلغ سن الحلم، أنه يدخل الجنة؛ لأنه غير مكلف، فرد الله ﷿ عليها بأن الأولاد الصغار، -وهذه مسألة أيضًا مما اختلف فيه العلماء- لهم معاملة في عرصات يوم القيامة، يمتحنون، يعني الذين ماتوا قبل سن البلوغ والتكليف، يمتحنون يوم القيامة، كما لو كانوا عاشوا في الدنيا، وبلغوا سن التكليف، فمنهم من يستجيب للدعوة التي يدعى إليها في عرصات القيامة، فيكون من أهل الجنة، ومنهم من لا يستجيب فيكون من أهل النار، ولذلك قال ﵇: «وما يدريك إن الله خلق للجنة خلقًا وللنار
_________________
(١) مسلم (رقم٦٩٣٩).
[ ٥ / ٩٠٠ ]
خلقًا» فالرسول ما يدري ماذا سيكون مصير هذا الطفل هناك في العرصات.
مداخلة: يعني ما أقر قولها؟
الشيخ: لا ما أقر طبعًا.
"الهدى والنور" (٤٢٦/ ٥٠: ١٤: ٠٠)
[٧٦٦] باب أطفال الكفار في الجنة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«سألت ربي اللاهين، فأعطانيهم. قلت: وما اللاهون؟ قال: ذراري البشر».
[قال الإمام]:
والمراد بـ (اللاهين) الأطفال كما في حديث لابن عباس عند الطبراني (١١٩٠٦) بسند حسن.
فالحديث من الأدلة على أن أطفال الكفار في الجنة، وهذا هو الراجح كما ذكرنا في " ظلال الجنة " (١/ ٩٥) فراجعه.
"الصحيحة" (٤/ ٥٠٢، ٥٠٤).
[٧٦٧] باب منه
[قال الإمام]:
القول الراجح في أطفال المشركين أنهم في الجنة، فضلًا من الله ورحمة.
وقد جاء في بعض الأحاديث: «أطفال المشركين خدم أهل الجنة». وهو صحيح بطرقه.
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٦٤٥).
[ ٥ / ٩٠١ ]
[٧٦٨] باب هل أطفال المشركين، ومن لم يبلغه الإسلام الحق من المسلمين؛ من أهل الفترة؟
السائل: [أطفال المشركين] هم مِنْ أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة؟
الجواب: أي نعم.
السؤال: مِن أهل الفترة؟
الجواب: من أهل الفترة؛ يعني يبعث الله إليهم رسولًا في عرصات يوم القيامة فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، ككل أصحاب الأعذار الذين لم تبلغهم الدعوة، ولذلك لما سئل ﵊ عن أطفال المشركين قال: ﴿الله أعلم بما كانوا يعملون﴾.
فمن استجاب منهم يوم القيامة للرسول وأطاعوه كان من خدم أهل الجنة ..
السؤال: هؤلاء الذين يُسْلِمُون على يد أصحاب الطرق الغلاة من الصوفيين وغيرهم ويعتقدون أن هذا هو الإسلام، هل هؤلاء يعتبرون من أهل الفترة أيضًا؟
الجواب: أي نعم. ما دام أن الإسلام الصحيح ما بلغه فهم كذلك، كالأوروبيين والأمريكان وغيرهم، ممن يغترون ببعض الدعوات منها غلاة الصوفيين، ومنها جماعة القاديانية ونحو ذلك.
السؤال: وهم يعتقدون أن هذا هو الإسلام ولهذا لا نستطيع أن نكفرهم؟
الجواب: لا. نحن قلنا إن ظاهرهم يشهدوا أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، وأما حسابهم عند الله.
"الهدى والنور" (٢٠٦/ ٥٠: ٢٣: ٠٠)
[ ٥ / ٩٠٢ ]
[٧٦٩] باب حكم أولاد النصارى والمنافقين ممن لم يبلغ سن التكليف في الآخرة، ومن بلغته الدعوة في سن الخرف، ومن لم تبلغه أصلا، وأمثالهم.
سؤال: حكم أولاد النصارى المتوفون دون سن التكليف؟
أولاد الكفار إذا ماتوا قبل سن التكليف فهؤلاء لا يحكم لهم بجنة أو بنار، فأما أنه لا يحكم لهم بنار؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
وتمام هذا قوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق» (١).
فإذًا: هذا الصبي النصراني أبوه وأمه هذا مرفوع عنه القلم، مرفوع عنه المؤاخذة، ولذلك فلا يحكم له بنار، لكن في الوقت نفسه لا يحكم له أيضًا بجنة؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وهذا لا يعرف الإيمان من الكفر، لذلك فلا يُقطع له بجنة ولا يُقطع له بنار، ولكن لهم في عرصات وساحات يوم القيامة، لهم معاملة خاصة لهؤلاء الأطفال .. أطفال النصارى، والذين جاءتهم الدعوة في سن الخرف .. الكبر، والذين لم تبلغهم الدعوة مطلقًا، هؤلاء أيضًا لا يحكم لهم بجنة ولا بنار، هؤلاء جميعًا لهم معاملة خاصة في عرصات يوم القيامة كما جاء في مجموعة من الأحاديث خلاصة هذه المعاملة أن الله ﷿ كما أرسل إلى الناس في الدنيا رسولًا، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: «كلكم يدخل الجنة إلا من
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٥٨٢٥).
[ ٥ / ٩٠٣ ]
أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (١).
كذلك الذين ذكرناهم من الأنواع، يبعث الله ﷿ إليهم يوم القيامة رسولًا خاصًا بهم، فيأمرهم جميعًا بأن يلقوا بأنفسهم في النار.
مداخلة: من هم؟
الشيخ: الذي ذكرناهم الأطفال النصارى والشيخ الفاني الذي بلغته الدعوة على خرف وعلى كبر، والذي لم تبلغه الدعوة مطلقًا.
هذه الأجناس يبعث الله إليهم رسولًا في عرصات يوم القيامة، ليس هناك دار تكليف صلِّ .. صُم، لا، إنما هي ساعة من نهار، ألقوا أنفسكم في النار، طبعًا هذا الرسول المرسل من الله إلى هؤلاء الناس كأي رسول أرسل إلى أهل الأرض، فهؤلاء الرسل أرسلوا ومعهم براهين ومعجزات يثبتون للناس أنهم مبعوثون من الله ﵎، كذلك يجب أن نتصور بأن هذا الرسول الذي يرسله الله ﵎ في عرصات يوم القيامة، يرسله ومعه التصديق ..
مداخلة: من هو الرسول الذي يرسل إليهم؟
الشيخ: ليس مسمى في الحديث من هو، لكن الشاهد معه «الراية»، معه البرهان على أنه مرسل من الله ﵎، فيأمرهم جميعًا بأن يلقوا أنفسهم في النار، فمن أطاع كانت ناره جنة، ومن عصاه دخل النار رغم أنفه.
هؤلاء الناس الذين هم من الأصناف الثلاثة حينما يبعث الله ﷿ إليهم
_________________
(١) البخاري (رقم٦٨٥١).
[ ٥ / ٩٠٤ ]
رسولًا يأمرهم بأن يلقوا بأنفسهم في النار، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
وهذا التكليف في عرصات القيامة له شبه في آخر أيام من أيام الدنيا، وذلك حينما يخرج الدجال الأكبر الذي حدثنا عنه الرسول - ﵌ - في أحاديث كثيرة متواترة، منها قوله ﵇: «ما بين خلق آدم والساعة فتنة أشد من فتنة المسيح الدجال» (١). وذلك لأنه يأتي بمخاريق، بخوارق للعادات يظن ضعفاء الإيمان أنه فعلًا هو كما يزعم، أنه رب، وأنه الإله الذي يستحق العبادة، لأنه يقول للسماء أمطري فتمطر، ويقول للأرض القاحلة الجدبة: أنبتي أخرجي نباتك، فتصبح خضراء مورقة، ويقول للخربة: أخرجي كنوزك، فتخرج الكنوز تمشي وراءه، يعني أشياء من جملة الفتنة التي يفتتن بها الناس بالدجال، لكن الله ﷿ كما هي سنته في عباده يبتلي الناس بالخير والشر، فهو بالإضافة إلى أنه يسخر لهذا الدجال هذه الأنواع من الخوارق، فبالإضافة إلى ذلك يبتليه بأن يكون أعور العين، ومكتوب على جبينه: كافر، يقرأه الأمي والقارئ، وهذا برهان لكونه كذاب، وتلك براهين توهم ضعفاء الإيمان أنه إله، ولذلك قال ﵇ لما وصفه بأنه أعور، قال ﵇: «وإن ربكم ليس بأعور، وإن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت» (٢).
إذًا: أي إنسان مهما كان صاحب مخاريق وخوارق وآيات يظن الناس أنها كرامات، فما دام أنه يدعي الألوهية، فإن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت. إذًا: هو دجال.
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٧٨٧٥).
(٢) المصدر السابق.
[ ٥ / ٩٠٥ ]
هذا الدجال يقول للناس آمِنْ بي أدخلتك الجنة، ويريه جنة، ولمن يعصيه يريه النار، فيقول الرسول ﵇: «فمن كفر به أدخله النار وهو في الجنة» والعكس بالعكس: «من آمن به أدخله الجنة وهو في النار».
نفس العملية تتكرر يوم القيامة مع أولئك الأجناس، هذا جواب سؤالك.
مداخلة: شيخنا بالنسبة [لنفس المسألة كيف الجمع بين ما ذكرت وحديث] «أطفال المشركين خدم أهل الجنة»؟
الشيخ: نعم، إذا عرفت التفصيل السابق، فلا شك أن في هؤلاء الأطفال من يستجيب لدعوة الرسول، فيكونوا أولئك هم الخدم.
ما في إشكال.
مداخلة: يعني أنا شايف الحديث في كل أطفال المشركين.
الشيخ: لو غيرك قال هكذا، أما تعرف أن الفقه فيه عام وخاص.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب الكلية هذه ما الذي أوقفك عندها.
مداخلة: ما الذي خصصها؟
الشيخ: ما ذكرته لك آنفًا، في بعض الروايات الذي ذكرها الإمام ابن كثير في تفسير آية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
هذا شيء، والشيء الثاني أن الرسول - ﵌ - لما سئل عن أطفال المشركين،
[ ٥ / ٩٠٦ ]
هل هم في النار أم في الجنة، قال: «الله أعلم بما كانوا يعملون (١)» يعني: إذا بلغوا سن التكليف.
فهم في الدنيا لا يحكم لهم بجنة أو بنار كما ابتدأنا الكلام، هذا بالنسبة للمؤاخذة الأخروية.
لكن ما رأيك إذا مات الطفل الكافر أين يدفن؟
مداخلة: في مقابر المسلمين.
الشيخ: سبحان الله ..
مداخلة: على ظاهر الحديث يعني.
الشيخ: لو غيرك قالها، وهذا من الأمثلة الكثيرة أن المنهج السلفي يحتاج إلى تطبيق كثير، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥).
فالسؤال الآن يتطور بناء على الجواب السابق، فنقول: ما هو سبيل المؤمنين بالنسبة للكفار عمومًا كبارًا وصغارًا؟
مداخلة: شيخنا أنا أعرف أن هذا تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية
وابن القيم.
الشيخ: وهو؟
مداخلة: أن أطفال المشركين في الجنة، بناء على هذا الحديث.
_________________
(١) البخاري رقم (١٣١٧) ومسلم (رقم٦٩٢٩).
[ ٥ / ٩٠٧ ]
الشيخ: لا حِدْتَ الآن.
مداخلة: لا هو هذا
الشيخ: حِدْتَ الآن، كان آخر نقطة في الدفن.
مداخلة: .. هؤلاء من أئمة السلف واختاروا هذا القول.
الشيخ: حِدْتَ، لا تزال أنت مصر على الحيدة، الظاهر أنك تريد أن تؤلف كتاب ثاني: الحيدة.
هب أن الأمر كذلك، هذا في الدنيا أم في الآخرة، فتح عينك، يعني ما نقلته عن شيخ الإسلام.
في الأمر الأخروي، طالما أن هذا الحديث يقول: «أطفال المشركين خدم أهل الجنة»، بم أخرجناهم وقلنا أنهم ليسوا في الجنة وهم في النار؟
الشيخ: ذكرنا لك أن الأطفال مذكورون في بعض الروايات [التي] ذكرها ابن كثير في الآية السابقة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
ثم ذكرنا لك الحديث المتفق عليه لما سُئل عن أولاد المشركين هل
هم في
مداخل آخر: الحديث الثاني يا شيخنا ممكن يوجه
الشيخ: من؟
الآخر: الحديث الثاني: «الله أعلم بما كانوا فاعلين».
الشيخ: أي نعم، بما كانوا يعملون.
[ ٥ / ٩٠٨ ]
الآخر: بما كانوا يعملون، بمعنى أن الله ﷾ يعلم بما سيؤولون إليه، وبالتالي حكم لهم بالجنة على لسان نبيه
الشيخ: لا هناك أشياء كثيرة وكثيرة جدًا، إذا قلنا بأن أطفال المشركين كلهم في الجنة حين ذاك يستوون مع أطفال المسلمين، وهذا يخالف ظاهر قول القرآن الكريم الذي يقول: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الطور:٢١)، هؤلاء المسلمون تلحق بهم ذرياتهم، بينما الذي يقول بإلحاق أطفال المشركين كلهم بإدخالهم الجنة، هذا ينافي هذا التخصيص الإلهي في القرآن الكريم: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أنت ذاكر الآية طبعًا.
فحينئذ لا يستوي الطفل المسلم أبوه مع الطفل الكافر أبوه، لا يستويان مثلًا.
مداخلة: .. يا شيخنا لو قال قائل: ذلك جاء من أبوين مسلمين، وذلك جاء
من أبوين كافرين، فما الفرق بينهما، يعني ما هو ذنب الطفل الذي ولد من
أبوين كافرين.
الشيخ: أخطأت فأعد كلامك، لكي لا تخطئ، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، أين المؤاخذة هنا؟
مداخلة: أقول ..
الشيخ: لا تَقُل، أنا أسألك الآن: أنت تقول: بماذا يؤاخذ، أين المؤاخذة في قولنا السابق؟
مداخلة: يعني عطفه على الامتحان في يوم القيامة وعدم الحكم له بالجنة مع أنه بريء.
[ ٥ / ٩٠٩ ]
الشيخ: واحدة واحدة .. هذه مؤاخذة؟
مداخلة: هكذا يبدو لي؛ لأنه لم يبلغ سن التكليف.
الشيخ: [ما] يبدو لك ينبغي أيضًا أن يلحقه المحو، تدري لم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لأنك حينئذ تحكم على الناس جميعًا في الدنيا بما حكمت على أطفال الكفار، يكفيك هذا أو ..
مداخلة: أظن أنه لا يلزمني؟
الشيخ: يكفيك هذا، فهمت علي؟
أنا أقول لك كلمة المؤاخذة، بلغ سن التكليف أو لم يبلغ سن التكليف، لكن ربنا يكلف من يشاء بما يشاء، وخلق الخلق وكلفهم، وأرسل إليهم رسولًا، فهل في هذا شيء من المؤاخذة.
مداخلة: لا في هذا ليس هناك شيء.
الشيخ: الآن نأتي إلى أطفال الكفار، إذا أرسل إليهم رسولًا ومع هذا الرسول كما قلنا سلفًا برهان أنه مرسل من الله، وأنت تعلم أن طبيعة البرهان أن يفهمه كل مكلف، حينذاك لا يهمنا أكان طفلًا أم كان رجلًا، المهم أن هذا الرسول
معه برهان أنه من الله ﷿، فحينئذ ظهر له البرهان ولم يخضع له، في مؤاخذة في هذا؟
مداخلة: لا ليس هناك مؤاخذة.
الشيخ: إذًا: ما هو الإشكال؟
[ ٥ / ٩١٠ ]
مداخلة: أنا تعليقي يا شيخنا على أنه لم يبلغ سن التكليف ومرفوع
عنه القلم.
الشيخ: أنا سأجاوبك عن هذا، ولَّا كلامي حول ماذا؟! هذا الطفل بلغ سن الرشد، سن فهم البرهان، ثم آمن أو كفر، في مؤاخذة هنا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذًا، ستعيد كلامك وتقول لي: أنا أتكلم عن الطفل.
هذا شيء، الشيء الآخر: هل من الضروري أن هؤلاء الأطفال يظلون كما ماتوا من حيث طفولتهم؟
مداخلة: معليش يا شيخ أعِد
الشيخ: أقول: هل من الضروري كون هؤلاء الأطفال [الذين] ماتوا قبل سن التكليف في الدنيا، أنهم حين يبعثون يكونون كذلك.
مداخلة: ليس من الضروري؟
الشيخ: فإذًا ليس لك حجة قاطعة أبدًا فيما أوردت من إشكال
مداخلة: المهم يا شيخنا الحديث: «أطفال المشركين خدم أهل الجنة» [بينت] بكلامك السابق أنه مخصص، بالرواية التي رواها ابن كثير.
الشيخ: بمن أطاع الرسول في عرصات يوم القيامة.
مداخلة: يعني الخلاصة: أنه من دخل الجنة من أطفال المشركين تكون وظيفته خادمًا.
[ ٥ / ٩١١ ]
الشيخ: هذا لم نختلف فيه، لكن ..
مداخلة: أقصد أنه هذا هو الجمع، وبهذا الأمر يتضح تمام، يعني انه مش في ناس والله بيكونوا في الجنة وفي النعيم كذا، وفي ناس خدم، لأنه هكذا أظنه يتوضح، يعني من دخل من أطفال المشركين الجنة استجابة للرسول تكون وظيفته خادمًا
مداخل آخر: يا سيدي المهم يدخلوا الجنة مش مشكلة.
[ثم سئل الشيخ عن حال حديث أخرجه مالك وأورده شيخ الإسلام فيه أن الطفل الكافر يعذب في مداخلة غير واضحة-، فأجاب الشيخ]:
الشيخ: إذا كنت لا تستحضر الحديث، فأنا لا أعرفه.
"الهدى والنور" (١٧٧/ ٥٧: ٤٢: ٠٠)
[٧٧٠] باب الكلام على أهل الأعذار الذين لم تصلهم الدعوة، ومصير أطفال المشركين وأطفال المؤمنين
السائل: [الحديث]: «فمن سمع بي ولم يتبعني دخل النار»، ولكن من لم يسمع بالرسول - ﵌ -؟
الشيخ: الجواب في الحديث، الحديث كما يقول علماء الأصول له منطوق وله مفهوم، منطوقه: "وسمع بي"، مفهومه ولم يسمع بي لا يدخل النار، أي: في كل عصر وفي كل مصر يوجد غير مسلمين، سواء كانوا يهودًا أو نصارى أو بوذيين أو دهريين أو أي شيء، غير مسلمين، هؤلاء يدور أمرهم بين واحد من اثنتين لا ثالث لهما: إما أن يكون بلغته دعوة الرسول ﵇ أو لم تبلغه، فإذا بلغته
[ ٥ / ٩١٢ ]
عرفت الجزاء من نفس الحديث، وإذا لم تبلغه فليس له هذا الجزاء، هذا هو الجواب عن سؤالك، ماشي؟
السائل: ماشي.
الشيخ: أم فيه شيء؟
السائل: نحن نسأل عن المصير، هل يجب أن يكون متبع لدين معين إذا ما وصله دين الإسلام، هل يحاسب على أعماله الشخصية، أو هل يصل إلى معرفة الخالق أو وحدانية الخالق
الشيخ: أنت يا أستاذ الحقيقة يكون في ذهنك أسئلة كثيرة جدًا تظن لما توجه سؤال واحد لازم يكون هذا متضمن لكل الأسئلة، أنت كان سؤالك: وإذا لم يسمع، جاءك الجواب، الآن تجي وتقول: هل يحاسب هل كذا هل كذا .. إلخ، كل سؤال له جواب، ما فيه عندي مانع أي إنسان يسأل سؤالًا وفي مطلع هذه الجلسة قلنا: الذي عندنا جوابه نجاوب، وإلا وكلنا العلم إلى الله ﷿، لكن لازم يكون سؤال واضح، سؤالك أولًا قال: وإذا لم يسمع، فأخذت الجواب، إذا لم يسمع لا يكون له هذا الوعيد، لكن فيه سؤال ثاني، حدد لي إياه وأنا أجاوب عليه، ما سؤالك الثاني؟
السائل: ناس لم تصلهم رسالة محمد - ﵌ -، في «الإسكيمو» في أي منطقه من مناطق العالم.
الشيخ: هو قلنا نحن.
السائل: هل الجماعة هؤلاء إذا حوسبوا مثلًا وكانوا على النصرانية يحاسبون على دين النصرانية؟
[ ٥ / ٩١٣ ]
الشيخ: يا أخي! سبق الجواب بارك الله فيك، إما سمع بالإسلام أو لم يسمع، إذا سمع بالإسلام ولم يؤمن فهو في النار، إذا لم يسمع فليس في النار، أي: لا يحاسب هذا الحساب الذي يحاسب عليه من سمع.
السائل: بارك الله فيك.
مداخل آخر: يحاسب يعني
الشيخ: لا لا، اسمح ليس قليل، لأني أنا شاعر أنه ما أخذ الجواب، ما دام أنه لم يسمع بالرسول ﵇ فهو ليس في النار، فسؤالك الآن ما هو: هل يحاسب؟ كيف يحاسب وهو لم تبلغه الدعوة؟
السائل: نحن نعلم من خلال قراءة التفاسير أن الطفل الصغير يُحاسب.
الشيخ: كيف يحاسب؟
السائل: في تفسير القرآن والتفاسير، إنسان: طفل، إذا مات غير مكلف: سنتين أو خمس سنوات عمره أو أقل أو أكثر تحت التكليف أنه يمتحن يوم القيامة من الله ﷾.
الشيخ: وبعد الامتحان ماذا يكون؟
السائل: يقرر إما جنة أو نار إذا أطاع أو خالف.
الشيخ: لا، هذا ما هو صحيح.
السائل: حسب ما قرأت.
الشيخ: لا هذا ليس صحيحًا.
مداخلة: علمه عند الله.
الشيخ: هذا علمه عند الله، هذا علم الله في القرآن، ماذا يقول ربنا ﷿ في
[ ٥ / ٩١٤ ]
القرآن الكريم: ألحقنا بهم ذرياتهم، من يأتي بالآية.
مداخلة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ (الطور:٢١).
الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ (الطور:٢١) أين أنت من هذه الآية، كيف تقول أنت هؤلاء الأطفال يحاسبون؟
السائل: نحن قرأنا في تفاسير كثيرة
الشيخ: لا، بارك الله فيك، هذه الآية عندك صريحة.
السائل: الإخوان مشاركون لي في هذه الشغلة وقرؤوا الموضوع هذا.
الشيخ: لا، ما قرؤوا الموضوع، قرؤوا موضوعًا ثانيًا أنا أقول لك ما هو، أطفال المشركين، هذا الموضوع الذي قرأتوه، أما أطفال المسلمين: «ألحقنا بهم ذريتهم»، هذا ما فيه إشكال أبدًا، أطفال المؤمنين ملحقون بآبائهم، حتى في أشياء لها فضيلة كبيرة جدًا جدًا، وما أدري كيف مريت عليها، قال ﵇: «ما من مسمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنثة -أي: التكليف- إلا لم تمسه النار إلا تحلة القسم» وليس هذا فقط ليس أنهم لا يدخلون النار وهم ملحقون بآبائهم بل يكونون شفعاء لآبائهم، جاء في صحيح مسلم أن الأطفال الصبيان غير البالغين يقفون عند باب الجنة يبكون، فيرسل الله إليهم جبريل ﵇: سلهم ما بهم وهو أعلم ما بهم ربنا ﷿، فيأتيهم: ما بالكم؟ قالوا: لا ندخل الجنة إلا وآباؤنا معنا، فيقول الله ﷿: أدخلوهم وآباؤهم معهم، ، البحث الذي قرأته والله أعلم هم أطفال المشركين، فيه ثلاثة أقوال لعلماء المسلمين: أطفال المشركين في الجنة، وهم خدم أهل الجنة هذا قول، القول الثاني هم يمتحنون في عرصات
[ ٥ / ٩١٥ ]
يوم القيامة كما امتحن آباؤهم في الدنيا، القول الثالث: هم وآباؤهم في النار، حتى بهذه المناسبة يرووا حديثًا وأنا أذكره لتحذيري لكم منه، أنه السيدة خديجة ﵂ وأرضاها تعلمون أن النبي - ﵌ - لما تزوجها كانت متزوجة من قبل رجلًا وخلفت منه أولادًا، فسألت يومًا الرسول ﵇ عن أولادها من زوجها الأول الذي مات في الجاهلية وماتوا، قال لها وانتبهوا الحديث غير صحيح: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». هذا حديث غير صحيح.
القول الصحيح بالنسبة للأقوال الثلاثة أن الأطفال الصغار للمشركين حكمهم حكم المجانين وحكم الشيوخ الخرفانين، وحكم أهل الفترة الذين حكينا عليهم وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ﵇، هؤلاء جاء في الحديث الصحيح أن الله ﷿ يرسل إليهم في عرصات يوم القيامة رسولًا، فيأمرهم بأن يلقوا بأنفسهم في النار، وأمامهم النار، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، تمامًا كما هو الشأن في هذه الحياة، لكن مع فارق كبير، والفارق هنا يا إخواننا أرجو أن تنتبهوا يتعلق بالمرسِل والمرسَل إليهم، المرسَل هنا في الدنيا في عنده معجزات وعنده براهين تتناسب حياة المرسل إليهم المادية التي يعيشون فيها، المرسل هناك يأتي أيضًا بعلامة يقتنع المرسلون إليه بأنه هذا فعلًا مرسل من رب العالمين، والابتلاء هناك كالابتلاء هنا مع فارق كبير، هنا من يؤمن فسيصاب بما جاء في الحديث: حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات، فالذي يريد يؤمن يحف ويصاب بنار معنوية، أما هناك فنار حقيقية مادية، لكن الرسول الذي يرسل إليهم يعلمون يقينًا أن هذا من الله، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
فإذًا: لا تكليف قبل بلوغ النذارة، لا تكليف قبل مجيء الرسول أو الدعوة،
[ ٥ / ٩١٦ ]
وهذا من تمام حكم الله ﷿ ورحمته بعباده التي أودعها فيما يتعلق بهذا الموضوع في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) فهؤلاء الصبيان من المشركين ما جاءهم رسول لأنهم بعد ما دخلوا في دائرة التكليف، أولئك الأقوام الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ما جاءهم الرسول ولذلك ربنا لا يعذبهم، هذا قولًا واحدًا، أما يا ترى ماذا يعمل بهم ربنا؟ من كان عنده علم بالحديث الذي ذكرناه آنفًا فالجواب أن لهم امتحانًا في عرصات يوم القيامة.
فهذا هو الحق ما به خفاء فدعني عن بنيات الطريق
"الهدى والنور" (٢٦١/ ٠٤: ٣٨: ٠٠)
[٧٧١] باب معنى قول النبي - ﵌ -: «الوائدة والموؤدة في النار»
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «الوائدة والموؤدة
في النار».
[قال الإمام]:صحيح.
[ثم علق على الحديث قائلا]:
ظاهر الحديث أن الموؤدة في النار ولو لم تكن بالغة، وهذا خلاف ما تقتضيه نصوص الشريعة: أنه لا تكليف قبل البلوغ، وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة أقربها عندي إلى الصواب أن الحديث خاص بمؤودة معينة، وحينئذ فـ (ال) في (المؤودة) ليست للاستغراق بل للعهد. ويؤيده قصة ابني مليكة، وعليه فجائز أن تلك المؤودة كانت بالغة فلا إشكال. والله أعلم.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٤٠).
[ ٥ / ٩١٧ ]
[٧٧٢] باب منه
سؤال: حديث «الوائدة والموءودة في النار» ما معناه؟
الشيخ: الوائدة والموءودة في النار، أي: "والموءودة له" في النار، فيطيح الإشكال، وضح لك أم لا؟ يعني: يوجد تقدير هنا شيء ليس مذكورًا صراحةً، لكن هو معروف فكرًا: الوائد والموءودة في النار، أو الوائدة والموءودة في النار، الوائدة: كونها في النار لا يوجد إشكال؛ لأنها مكلفة بالغة، أما الموءودة: الطفلة الصغيرة كيف تكون في النار؟
أولًا: لا تزر وازرة وزر أخرى.
ثانيًا: رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، فهذه موءودة لا تعقل شيئًا، فكيف يحكم بها في النار؟ الجواب: ليست المقصودة هي الموءودة بذاتها وإنما المقصود: الموءود له إما الأب وإما الأم وإما كلاهما معًا إذا كانا اشتركا واتفقا على وأد البنت تَبَعْهُم فهما الاثنان في النار، أما الموءودة هي بالذات فلا حكم لها لا بالجنة ولا بالنار، فالوائدة والموءودة له أي: الزوج في النار.
فالوائدة المصرح به بأنها هي الأم المؤنثة، أما الأب لم يذكر في الحديث صراحةً لكن ذكر ضمنًا؛ لأن قوله: "والموءودة" لا يمكن أن يحمل على ظاهر النص؛ لأن الشريعة قاطعة الدلالة على أن الطفل الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف ليس مكلفًا ولا مؤاخذًا فلا يحكم له بالنار، ولذلك فتأويل الحديث: "والموءودة له" أي: وهو زوج الوائدة.
"الهدى والنور" (١٥/:٠٠:٥٠:٢٩)
[ ٥ / ٩١٨ ]
جماع أبواب الكلام
على إقامة الحجة وشروطها
[ ٥ / ٩١٩ ]
[٧٧٣] باب تعريف الحجة ومن يقيم الحجة على الحكام؟
السؤال: إقامة الحجة على الحكام، يعني: تعريف الحجة، وكيفية إقامة الحجة، ومن يقيمها؟
الشيخ: يقيمها أولًا أهل العلم، وثانيًا: يقيمها بكتاب الله وحديث رسول الله - ﵌ -، وعمل السلف الصالح، وما أدري أنت قلت ثالثًا ما هو الثالث؟
السائل: تعريف الحجة.
الشيخ: تعريف الحجة، كما قال ابن القيم ﵀:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحاب ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
فالحجة هو قال الله وقال رسول الله.
السائل: بالنسبة للكيفية، تكون بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، أم عن
طريق الرسائل.
الشيخ: لا، المباشرة ليست ضرورية لأن الرسول ﵇ لما دعا ملوك الكفر إلى الإسلام ما دعاهم مباشرة، أرسل إليهم خطابًا وأحيانًا أرسل إليهم رسولًا من طرفه ﵇، فليس من الضروري أن تكون الحجة قائمة مباشرة، وإنما بواسطة، وبخاصة أن الآن نحن لو اتصلنا مع الذي نريد أن نقيم الحجة عليه، حتى لو اتصلنا عليه مباشرة فالحجة منا إليه نقدم ما قال الله وقال رسول الله، وبين الرسول ﵇ الذي بلغنا شريعة الله منذ أربعة عشرة قرنًا، فإذًا: في وسائط هنا لتبليغ الحجة حتى لو اتصلنا مباشرة بالذي نريد أن نقيم عليه الحجة، فالمهم
[ ٥ / ٩٢١ ]
تبليغ الحجة إليه إما بواسطة شخص يذهب إليه كما جاء في الحديث الصحيح: «أفضل الجهاد كلمة حق تقال أمام سلطان جائر»، لكن هذا لو أرسل إليه خطابًا وبينت له المسألة بأدلتها من الكتاب والسنة فقد أقيمت عليه الحجة.
"الهدى والنور" (٤٦٨/ ٢٠: ١٣: ٠٠)
[٧٧٤] باب هل يجوز تكفير الفرق الضالة بعد إقامة الحجة عليهم؟ والتطرق لمعنى إقامة الحجة
سؤال: هل يجوز تكفير الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم بعد إقامة الحجة عليهم؟
الشيخ: إذا كان السؤال مقيدًا بما جاء في آخره بعد إقامة الحجة عليهم؟ الجواب: نعم، ولكن لا بد هنا من القول: هل كل من ادعى بأنه أقام الحجة على المنكر أو المخالف هو أهل لإقامة الحجة على ذلك المخالف؟
لأننا نشاهد اليوم مع الأسف أن كثيرًا من شبابنا السلفي إذا ما تعلم بعض المسائل واختلف هو وأحد المشايخ العلماء، وقد يكونون علماء فعلًا بما يسمونه بعلوم الآلة يعني: بعلم النحو والصرف والبيان وإلى آخره، والأصول: أصول الحديث وأصول الفقه، لكن لم يطبقوا ذلك، فيأتي أحد إخواننا المبتدئ في العلم ويكون تعلم مسألة أو مسألتين أو ثلاثة واختلف مع ذلك العالم فيقول أنا أقمت الحجة عليه، ما أظن بمثل هذه السهولة نستطيع أن نقول بأن الحجة قد أقيمت عليه؛ ولذلك فأنا أقول: في هذا السؤال:
إذا أقيمت الحجة عليه فعلًا فقد سبق الجواب في هذا تمامًا، لكن من الذي
[ ٥ / ٩٢٢ ]
يقيم الحجة؟ هم أهل العلم .. أهل المعرفة بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من المنهج السليم، فكما قلتم يعني: هذا السؤال تقدم جوابه في تضاعيف الجواب عن السؤال الأول.
مداخل آخر: شيخنا تعقيبًا على كلمتكم حيث قلتم: من الذي يملك إقامة الحجة على من يجب إقامة الحجة عليه ليؤوب إلى الحق؟ دائمًا نذكر لكم كلمة لطيفة كنتم تقولونها وأطلقتموها منذ عقود:
العلماء قسمان: عالم عامل، وعامل عالم، وقد جرى قياسًا على ذلك حيث أصبحت كلمة العالم الآن استبدلت بكلمة أخرى وجرى ذكرها على ألسنة الكثيرين حيث صاروا يقولون: شيخ.
الشيخ: وكثر الشيوخ في آخر الزمان
مداخلة: فأقول: أيضًا قياسًا على تلك الكلمة، ونسجًا على من منوالها: هناك الشيوخ قسمان: شيخ عامل، وعامل شيخ.
الشيخ: الحقيقة بهذه المناسبة أنا أريد أن أذكر إخواننا أن لا يستعملوا هذه الكلمة يعني: أن ينبهوا أهاليهم أنهم لا ينادون رب البيت مثلًا الذي هو طالب علم مثلًا الشيخ فلان، وإنما بدل الاسم الكنية: أبو فلان .. أبو أحمد .. أبو محمد .. أبو عبد الرحمن .. أبو عبد الله .. أبو زيد أبو إلى آخره، أما الشيخ فلان في الحقيقة بالتعبير السوري هذه الكلمة: تبهدلت يعني: نزلت قيمتها.
سبحان الله ككلمة العالم.
مداخلة: هنا شيخنا أيضًا ما دام ذكرنا هذه المسألة، لقيني بالأمس القريب
[ ٥ / ٩٢٣ ]
بعض الإخوة كنت داخل السوق فجاؤوا مسرعين إلي وقالوا: أنجدنا أنجدك الله، قلت: أسأل الله أن يعيننا على النجدة ما ورائكم؟ قال: نحن من تلاميذ فلان، وهناك إخوة لنا من تلاميذ فلان وقبل أن ينقسم التلامذة إلى شيخين كنا نحب بعضنا بعضًا.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: والآن صار يكره بعضنا بعضًا.
الشيخ: أعوذ بالله.
مداخلة: أي نعم، وحدثت يعني منافرة قلبية حتى أن الواحد منا صار لا يحب أن يلقى أخاه، والسبب في ذلك هما: الشيخان.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فلان وفلان، ولذلك نرجوك أنك تتدارك الأمر بينهما لعل الله يصلح بينهما على يديك.
الشيخ: الله المستعان، الله المستعان.
مداخلة: والأمر يزداد نسأل الله العافية بسبب الهوى نسأل الله العافية.
الشيخ: هذا الداء العضال
مداخلة: نعم والله.
"الهدى والنور" (٨٢٠/ ٥٨: ٣٩: ٠٠)
[ ٥ / ٩٢٤ ]
[٧٧٥] باب من شروط إقامة الحجة
سؤال: البعض يقولون أو الدعاة يقولون إقامة الحجة يكون بشرطين بحامل الحجة وبذل الحجة، حامل الحجة أن يكون مقبولًا لدى الناس، وبذل الحجة ان تكون واضحة بينة، فما معنى هذا الكلام؟
الشيخ: الكلام الأول باطل، لأن الأنبياء والرسل ما كانوا مقبولين عند الكفار، أما الشرط الثاني فهو بلا شك فيجب أن يكون واضحًا.
"الهدى والنور" (٥٨٠/ ١٩: ١٨: ٠٠)
[٧٧٦] باب هل يشترط فهم الحجة؟
السائل: فضيلة الشيخ هل تكفي إقامة الحجة على أهل الشرك وسائر أهل البدع أم لابد من فهمها؟ وماهو ضابط هذا الفهم؟ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ -وذلك في الكفار- ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾؟
الشيخ: لا شك أن حجة الله ﵎ إذا قُدِمت لبعض الناس من الأعاجم باللغة العربية التي لايفهمونها فلم تقم الحجة عليهم، ومن أجل ذلك قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، فإذا أقام العالِم حجة الله على عباده ولم يفهموها بسبب عُجمة طرأت على لسانهم العربي، أو بسبب أنهم أعاجم فلا بد لهذا العالم حينذاك أن يشرح لهم حجة الله ﵎ حتى تتبين لهم، فإذا تبينت لهم الحجة ثم جحدوها بعد أن استيقنتها أنفسهم حين ذلك يُحكم عليهم بأنهم كفار وبأنهم مخلدون في النار، أما مجرد تلاوة الحجة على ناس لا يفقهونها فذلك مما لا تقوم به الححة باتفاق أهل العلم، والله عز
[ ٥ / ٩٢٥ ]
وجل حينما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فإنما يعني رسولًا بلسان قومهم ليفهموا عليه ما يخاطبهم به من الوحي الذي أنزل عليه من ربه ﵎، ولذلك تأكيدًا لهذا المعنى جاء قوله ﵊ كما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «ما من رجل من هذه الأمة من يهوديٍ أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» ففي هذا الحديث قوله - ﵌ - في كل كافرٍ على وجه الأرض يبلغه خبر النبي - ﵌ - كما كان هو ﵇ في دعوته على حقيقتها ثم يكفر بها؛ فهو في النار.
فقوله ﵊: «يسمع بي» إنما يعني دعوته الحق، ولا يعني بطبيعة الحال لو سمع أحد الكفار الأوروبيين مثلًا أو الأمريكيين أو غيرهم بالنبي - ﵌ - بطريق القساوسة والرهبان والمستشرقين الذين يتحدثون عن نبينا - ﵌ - بالأكاذيب، ولا يحدثون أقوامهم بحقيقة ما كان عليه رسول الله - ﵌ - من الأخلاق والشمائل فيما يتعلق بشخصه ثم هم لا يتحدثون بحقيقة دعوة الرسول - ﵌ - وأنها دعوة التوحيد وأنها دعوة الإصلاح في كل ميادين الحياة وإنما يحدثون أقوامهم على خلاف ما كان عليه النبي - ﵌ - ﷺ - ﵃ - شخصه وفي دعوته، فلا يكون والحالة هذه أولئك الناس قد سمعوا به ﵊ حقًا ولذلك فلا يشملهم الوعيد المذكور في آخر الحديث.
أعيد ذكر هذا الحديث لأهميته في هذا الموضوع، فإن كثيرًا من الناس يتوهمون أنه من مجرد بلوغ القرآن الكريم بسبب الإذاعات العربية إلى تلك الشعوب الكافرة، قد قامت حجة الله ﵎ عليهم ولذلك فليس على المسلمين أن يعملوا شيئًا من تبليغ الدعوة، ليس الأمر كذلك، فإن القرآن إنما نزل
[ ٥ / ٩٢٦ ]
بلسان عربي مبين، وأولئك الناس لا يفقهون منه شيئًا، كيف وكثير من العرب أنفسهم من عامتهم هم عادوا أشباه الأعاجم لا يفهمون كثيرًا مما يتلى عليهم من كتاب ربهم فكيف يقال بأن حجة الله ﵎ قد قامت على أولئك الأوروبيين وأمثالهم من الأعاجم لمجرد أنهم يسمعون كل يوم صباحًا ومساءَ تلاوة القرآن من الإذاعات العربية، فلا جرم أنه يجب على طائفة من المسلمين أن يبلّغوا شريعة الإسلام بلغة أولئك الأقوام، وعلى هؤلاء أن يكونوا من أهل العلم حقًا يحسنون ترجمة القرآن، ترجمة معنوية وليس ترجمة لفظية، هذا هو جواب ذاك السؤال الهام.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢٦أ /٠٠:١٥:٣٩)
[٧٧٧] باب هل يغني أخذ الميثاق في الأزل عن إقامة الحجة؟
سؤال: شيخ في سورة الأعراف آية الفطرة، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (الأعراف:١٧٢) .. الآية، ففيها أن الله ﵎ يسأل كل بني آدم يوم القيامة عندما يشركون بالله ﵎ شركًا، إذ أن الله ﵎ جعل فيهم الفطرة وأشهدهم على أنفسهم، هل في الآية دليل على أن الله ﵎ يحاسب الذي يشرك به من غير إرسال رسول بدليل آية الفطرة ويؤاخذه؟
الشيخ: البتة لا يوجد في الآية دليل لذلك إطلاقًا، وإنما فيه أن حجة الله ﷿ قائمة على عباده من جهة الفطرة أولًا، لكن ليس في الآية أنه يؤاخذهم بناء على هذه الحجة فقط للأدلة المعروفة التي منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، وحديث الأربعة الذين يدافعون عن أنفسهم، كالذي
[ ٥ / ٩٢٧ ]
مات في الفترة ولم تبلغه دعوة نبي، وكالذي أصابه الخرف أو المجنون ونحو ذلك .. فهذه الأدلة هي التي توجب المؤاخذة والمحاسبة يوم القيامة إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، أما هذه الآية التي ذكرتها والتي تتحدث عن خلق الأرواح في عالم الذر فهذه لا تفيد المحاسبة والمؤاخذة قبل قيام الحجة.
مداخلة: يعني قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (الأعراف:١٧٢ - ١٧٣).
الشيخ: أي نعم، لأنه ليس في الآية إلا هذه الحجة الفطرية من الله ﷿ وهذه الآية تلتئم مع الحديث الصحيح وهو قوله ﵊: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (١)، فهذه الفطرة هي حجة الله ﷿ من ذاك العالم، لكن هذه لا تعني أنه يعذب على أساسها.
مداخلة: بعض العلماء يذكرون أيضا ويضيفون إلى هذا الكلام الذي ذكرته أحاديث قوله - ﵌ - ﷺ - ﵃ - أبيه: «أبي وأبوك في النار» .. «واستأذنت ربي لأمي
أن أستغفر لها فلم يأذن لي»، ويضاف إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (آل عمران:١٠٣)، مع أن الله تعالى يقول: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا
أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (يس:٦) .. ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (القصص:٤٦) .. في
الآية الأخرى.
في الآية ظاهر أن قريش لم يأتهم نذير، وفي نفس الوقت أن الله ﵎ جعلهم في النار، جعل بعضهم .. كعمرو بن لحي .. فما قولك يا شيخ؟
_________________
(١) مسلم (رقم٦٩٢٩).
[ ٥ / ٩٢٨ ]
الشيخ: بارك الله فيك، لتوضيح السؤال للحاضرين أولًا، ثم لي ربما ثانيًا، نرجو تلخيص السؤال.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما هو السؤال؟
مداخلة: السؤال: أليس في آية الفطرة في الأعراف التي هي آية العهد ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ (الأعراف:١٧٢) ..
الشيخ: هذا انتهينا منه، لكن فيما بعد الذي ذكرته بعد ذلك.
مداخلة: أقول الذين يقولون بأن الله ﵎ يحاسب يوم القيامة المشركين وإن لم يأتهم رسول، استدلوا بالأحاديث في قوله - ﵌ -: «أبي وأبوك في النار» وحديث أمه، وكذلك عمرو بن لحي، مع أن القرآن يثبت أن قريشًا ما أتاهم من نذير، أليس في هذا دليل على القول الأول أن الله ﵎ يعذب المشرك يوم القيامة مع عدم إرسال الرسول وأن آيات إرسال الرسول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، قالوا بتخصيصها في غير المشرك.
الشيخ: ما هو المخصص في رأيهم.
مداخلة: الجمع على أساس هذا التعارض، بعدئذ أثبتوا التعارض، قالوا هناك تعارض بين هذين الدليلين، فـ .. الجمع بين النصين هو المقدم.
الشيخ: هذا التعارض واضح لديك؟
مداخلة: التعارض هذا قائم عندي.
الشيخ: طيب.
[ ٥ / ٩٢٩ ]
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، فسروه قلت بماذا؟
مداخلة: بغير الإشراك بالله ﵎، يعني وهو أنه الله ﵎ فرض على الناس أشياء كثيرة غير التوحيد فالشريعة هي التي جاءت لتعلم الناس، لتبين للناس ما أمروا به من الواجبات الشرعية، فمن لم يفعل
تلك الواجبات؛ لأن الرسول لم يأته، فلا يحاسب يوم القيامة إذ لم يشرك بالله ﵎.
الشيخ: أنا أرى أن الأدلة التي تمسك بها في تخصيص عموم آية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، فليست صريحة الدلالة لتنهض وتقوم على تخصيص الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، ويؤكد هذا أمران اثنان:
الأمر الأول أن الآية كما تعلم دائمًا من أصول وقواعد الشريعة أن السنة توضح القرآن وتبين القرآن، فتعلم من قول الرسول - ﵌ - أن تخصيص الآية بما ذكرت أمر غير مسلم به، أقل ما يقال إن لم نقل إنه باطل؛ ذلك لقول الرسول - ﵌ -: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار».
فإذًا: الآية يجب أن تظل على عمومها بدليل هذا الحديث الذي يؤكد المعنى الذي رفع من الآية بزعم أن تلك الأدلة هي التي تقيدها أو تخصصها، فهذا الحديث الصحيح ولعلي ذكرت أنه في صحيح مسلم فضلًا عن غيره يؤكد بقاء الآية على عمومها وعلى شمولها، ثم الاستدلال بآية: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا﴾ (القصص:٤٦)، استدلال خطأ واضح جدًا، وإلا كان كل مسلم اليوم يصدق فيه أو عليه أنه ما أنذر، ما جاءنا نحن من نذير على المفهوم الذي ذكرته آنفًا، فنحن ما جاءنا من نذير،
[ ٥ / ٩٣٠ ]
لكن نحن جاءنا أو جاءتنا دعوة النذير، فالآية ما تعني الشخص فقط كما تعني دعوته، فالشخص بالنسبة للدعوة هو كالوسيلة مع الغاية والغاية هو الدعوة، فإذا بلغت الدعوة شخصًا ما أو شعبًا ما أو أمة ما فقد أقيمت الحجة، سواء كان هذا البلوغ مباشرة من الرسول ﵇ إلى قومه أو بواسطة أصحابه أو من يأتون من بعدهم، المهم بلوغ الدعوة.
وعلى هذا نحن نقول إن الأحاديث [حصل هنا انقطاع] الآية؛ لأن الإنذار المذكور فيها لا يعني الإنذار المباشر من النذير فقط، وإنما يعني وصول النذارة، فسواء كان بالواسطة أو بدون واسطة، وحينئذ تسلم لنا الأحاديث الكثيرة التي يمكن أن نقول عنها بأنها متواترة المعنى حيث أنها كلها تجتمع على أن الذين ماتوا قبل بعثة الرسول ﵇ وأخبر الرسول ﵇ أنهم يعذبون وقد بلغتهم الدعوة، وليست الدعوة التي بلغتهم إلا هي دعوة أبينا إبراهيم وإسماعيل الذين قاموا ببناء الكعبة وتوارثوا الطواف أو الحج إلى بيت الله الحرام من نبيهم إبراهيم وإسماعيل ﵉، فحينما يأتي حديث كحديث: «إن أبي وأباك في النار» أو الحديث الثاني الذي ذكرته: «استأذنت ربي ..» والحديث الثالث: «كلما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار». والحديث الرابع الذي فيه أن النبي - ﵌ - مر بقبرين فشمست به الدابة، وإذا به يرى قبرين فسأل عنهما، قالوا: ماتا في الجاهلية. فقال: «لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» يشير بهذا الحديث إلى أن الدابة حينما شمست سمعت عذاب المعذبين بالقبر، فإذًا: هؤلاء ماتوا في الجاهلية ومع ذلك يعذبون، فلا يمكن أن تفسر هذه الأحاديث وهي كما قلت آنفًا تعطينا معنى متواترًا وهي أن الذين ماتوا في الجاهلية أخبر الرسول - ﵌ - بأنهم يعذبون ونعلم بالضرورة أنهم ما جاءهم من نذير بالمعنى الضيق الأول، لكن نعلم أنهم جاءهم
[ ٥ / ٩٣١ ]
النذير بالمعنى الواسع، أي: جاءتهم الدعوة دعوة التوحيد، دعوة إبراهيم ﵇ وإسماعيل، فأقيمت الحجة عليهم ولذلك فهم يعذبون.
إذًا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، هي على عمومها ومؤيدة بالنص الصريح: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» والأحاديث الأخرى التي ذكرناها، كلها تلتئم وتضطرنا اضطرارًا علميًا أن نقول بأن الآية على عمومها، وأنه ليس المقصود كما هو المتبادر من لفظ الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ دون التوحيد، هذا لا يتبادر مع ذلك الحديث يؤيد عموم وشمول الآية والأحاديث الأخرى، ولذلك فهنا مما أعتقد من كتب التوحيد لا أحد يقول بتخصيص الآية فيما أعلم من أهل السنة والجماعة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أن هذا خاص بالأحكام دون التوحيد.
أنا الذي أعرفه من قديم أن المعتزلة وهم المعروفون بأنهم يقدمون حكم عقلهم على حكم كتاب ربهم وسنة نبيهم بمعنى أنهم يسلطون عقولهم على نصوص الكتاب والسنة، ويفسرونها بأهوائهم، فهؤلاء هم الذين يقولون المقصود بالرسول هو العقل، ويعودون بهذا التفسير إلى الفطرة، أما أن يقول أحد فيما علمت من أهل العلم أن الآية مخصصة فهذا لا أعرفه، ولا أستبعد أن يكون مثل هذا التخصيص؛ لأنه أقرب ممن يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أي: عقلًا، مع العلم أن العقول متفاوتة أشد التفاوت.
أظن أنني أتيت بالإجابة عن سؤالك إن شاء الله.
مداخلة: إن شاء الله تعالى، ولو يعني شيخ الاعتراض الذي يرد عندي في
[ ٥ / ٩٣٢ ]
جانب من الجوانب، في مسألة الآية: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (القصص:٤٦)، واعتراضك على أننا لم يأتنا نذير، بأن نقول نحن أمة محمد - ﵌ -، فالنذير قائم بأننا منسوبون إلى أمته، فبالتالي نحن منذورون، وكذلك إن ظاهر الآية: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (القصص:٤٦)، بمعنى أنهم غير منذورين، هذا ظاهرها والله أعلم، ليس بمعنى أقصد التفريق بين المعنى الواسع للإنذار مما ذكرت، لا أرى دليله بشكل ظاهر، والله أعلم.
الشيخ: نحن الآن دخلنا في تفصيل جديد. يعني نحن أيضًا ما يشملنا الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، أي: اليوم لا يوجد أهل فترة في رأيك؟
مداخلة: الذين لم يصلهم ..
الشيخ: ما يحتاج إلى التفسير، أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة، لا يوجد اليوم؟
مداخلة: ممكن أن يكونوا موجودين في مجاهيل أفريقيا ..
الشيخ: عفوًا ليكن جوابك مختصرًا، وبلاش تقول ولا مؤاخذة: ممكن، لأن كل لفظة ممكن تقابل بعكسها، أي: يمكن هكذا ويمكن هكذا، وهذا ليس جوابًا، لكني أريد أن تكون معي واضحًا كما كنت معك، هل معنى تخصيصك الجديد للآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أي: هذه الآية لا يدخل فيها أمة الرسول ﵇ وينتج من وراء ذلك أنه في مجاهيل أفريقيا كما قلت ناس لم تبلغهم دعوة الرسول - ﵌ -، ربما ما سمعوا باسم محمد - ﵌ -، ربما ما سمعوا بأهل الإسلام، فهؤلاء يعذبون يوم القيامة بناء على هذا التخصيص الجديد؛ لأننا نحن أتباع محمد ﵇؟
[ ٥ / ٩٣٣ ]
مداخلة: أقول يا شيخ بأننا أتباع محمد منذورين، فلذلك
الشيخ: أرجوك لا تعيد الكلام السابق؛ لأنه مفهوم وواضح وبلسان عربي مبين، لكن أريد أنا جوابًا عما سألتك.
مداخلة: لم أفهم سؤالك.
الشيخ: هذا هو الجواب.
اليوم يوجد أهل فترة أم لا، لم تبلغهم دعوة الرسول؟ يوجد أم لا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: كيف لا، يا شيخ الله يهديك.
أين ذهبت بالذين في مجاهيل أفريقيا.
مداخلة: يمكن أن يكون، أقول في الغالب أكثر الناس بلغتهم الدعوة.
الشيخ: يا شيخ الله يهديك قلت لك كن واضحًا معي، تقول أكثر الناس، وأنا أقول لإخواننا الذي من الله بهم علينا: يا إخواننا خذوها قاعدة أي سؤال يجاب عليه بجواب يضطر السائل أن يعيد السؤال بطريقة أخرى، يعني يضطر أن يتفلسف على المجيب، لكن المسؤولية على المجيب، على قاعدة، قال الحائط للوتد لم تشقني؟ قال: سل من يدقني، فأنت تقول الأكثر، طيب والأقل سؤالي الثاني الآن: والأقل ما هم؟
مداخلة: ما أتاهم من نذير.
الشيخ: إذًا قلها من قبل بارك الله فيك.
مداخلة: نعم.
[ ٥ / ٩٣٤ ]
الشيخ: لأنه ليس موضوعنا الآن أكثر وأقل، هل هناك ناس لم تبلغهم الدعوة أم لا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب بارك الله فيك، هذا هو.
طيب: هؤلاء تشملهم الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أم لا؟ يشملهم الحديث: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»؟
مداخلة: لا يا شيخ.
الشيخ: إذًا: لم يبق لنا نحن معشر أمة محمد ﵇ خصوصية في هذا المجال، نحن ومن قبلنا يدخلون جميعًا تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ لذلك الإنذار المذكور في الآية لا بد من فهمه بالدائرة الواسعة التي شرحتها آنفًا، أي: لا بد أن يكون إما مباشرة أو بتبليغ الدعوة، مثلًا: لنعد إلى موسى وعيسى ﵉، إذا أحد الحواريين سمع دعوة التوحيد من عيسى ﵇ ونقلها إلى ولده إلى صديقه إلى قريبه إلى آخره .. قامت الحجة عليه أم لا؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: طيب، بالواسطة أو مباشرة.
مداخلة: بالواسطة.
الشيخ: إذًا: لا بد بارك الله فيك من أن نلاحظ هذا المعنى الواسع وإلا ضللنا
[ ٥ / ٩٣٥ ]
ضلالًا بعيدًا عن الحقيقة، وبذلك أظن يتم الجواب إن شاء الله.
مداخلة: بالنسبة للآية: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (القصص:٤٦)، يعني ..
الشيخ: أي نذير.
مداخلة: يعني ممكن نقول ما بلغتهم دعوة إبراهيم؛ لأنه أيضًا من نذير عموم صور النذارة، النذير الذي هو الرسول أو النذير يعني الدعوة نفسها ..
الشيخ: هنا قد يقال وإن كنت أنا لا أتبنى هذا، أنه قد يقال: «ما من نبي إلا بعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة» فالعرب جاءهم نذير منهم إسماعيل ﵇، اليهود جاءهم موسى جاءهم عيسى .. إلى آخره.
فهنا مجال أن يجاب من نذير منهم، وإن كنت أنا لا أتقيد بهذا، لكن أقول هذا من باب الاحتياط.
مداخلة: شيخنا أنا قصدي أن رسول العرب هو إبراهيم وإسماعيل، لكن من نذير، صورة النذارة ..
الشيخ: كأنك تريد أن تقول أن النذير ليس بمعنى نبي ..
مداخلة: أي نعم، من يحمل الدعوة كما
الشيخ: تقصد نذير، هو لا يريد أن يفسر نذير بمعنى نبي، وهذا يمكن أن يقال هذا، هذا يمكن أن يقال. ما جاء
مداخلة: سؤال آخر يتعلق بالموضوع، هل هناك فرق في الشريعة في مسألة الإنذار أو قيام الحجة بين قيام الحجة وفهمها حتى تكون سبب من أسباب حجة الله .. على عباده؟
[ ٥ / ٩٣٦ ]
الشيخ: هل تقصد فهمها أم إفهامها؟
مداخلة: فهمها.
الشيخ: طبعًا هناك فرق، فلو كان رجلًا مجنونًا أو كان رجلًا أعجميًا لا يفقه اللغة العربية أو .. أو .. احتمالات كثيرة، ربما نضطر أن نذكر شيئًا منها أو لا، هل تكون الحجة قائمة؟
مداخلة: لا طبعًا ..
الشيخ: طبعًا لا.
جوابي هذا على سؤالك هذا يذكرني بمناقشة جرت في مجلس لأول مرة حينما انتدبت للتدريس في الجامعة الإسلامية، وقبل أن تفتتح أبواب الدراسة اجتمعنا في مجلس في سهرة مع بعض أهل العلم والفضل، فأثير هذا الموضوع، فقال بعضهم بأن دعوة الإسلام الآن بلغت كل بلاد الدنيا وأتبع كلامه بقوله القرآن والحمد لله يذاع من كل البلاد الإسلامية إلى كل أقطار الدنيا، فأنا أجبت بما خلاصته: يا أستاذ أنت تقول القرآن وأنا أقول معك كما قلت، لكن العرب كشعب أو كأمة فيهم الآن من لا يفهم القرآن، فكيف تريد من الأعاجم الألبان والبريطان والأمريكان أن يفهموا القرآن بلغة القرآن وهو غير مترجم إلى لغتهم على الأقل، كيف تقوم الحجة على هؤلاء بأن يسمعوا القرآن يتلى بلغة القرآن، هذا لا يعني أنه أقيمت الحجة عليه، ولذلك فأنأ أقول لا بد من أن يفهم الذي بلغته الحجة أن يفهمها، وأنا أضيف شيئًا آخر: ليس كل من ينقل الحجة يحسن نقلها، قد يكون الذي نقلت إليه الحجة يفهمها، لكن قد يكون الناقل لم يحسن نقلها، ولذلك فقيام الحجة على شخص ما ليس من السهل نحن أن نقول أقيمت الحجة على فلان.
[ ٥ / ٩٣٧ ]
ولذلك أنا كثير ما أعترض على بعض إخواننا المبتدئين في طلب العلم والسالكين معنا في هذا الدرب من الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، ومتحمسين فيقول أحدهم: أنا بالأمس اجتمعت مع الشيخ فلان أو الدكتور الفلاني وناقشته في مسألة الاستغاثة بغير الله أو التوسل أو ما شابه ذلك، وقلت هذا لا يجوز، هذا حرام، هذا شرك .. إلى آخره، وهو يصلي بنا إمامًا، فأنا أقمت الحجة عليه، فهل تجوز صلاتي خلفه؟
أنا أقول أنت كيف تتصور أنك أقمت الحجة عليه وأنت لا تزال في التعبير السوري في الرقراق يعني في الضحضاح يعني في أول العلم، فما ينبغي أن أتصور أن كل طالب علم يستطيع أن يقيم الحجة على المسلم الضال فضلًا عن الكافر المشرك، لكن كل إنسان مكلف أن يبلغ ما يستطيع، أما هل قامت الحجة عليه أم لم تقم، هذا علمه عند ربه، ولذلك أنا لا أتصور أن كل شخص أفهم الحجة وبالتالي قامت عليه الحجة، لكن أنا أقول من علم الله ﷿ منه أنه قامت الحجة عليه وتبينت له وجحدها فهو الذي يحكم عليه بالنار يوم القيامة. ولذلك كما تعلمون جميعًا أن الكفر مشتق من معنى التغطية، فحينما نقول: فلان كافر، يعني تبين له الحق ثم حاد عنه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤)، فأي كافر بَلَغَتْهُ حجة الله ﷿ وفهمها جيدًا، ثم جحد هذا الذي يعذب، ولذلك ربنا ﷿ وصف بعض أهل الكتاب بقوله ويعني نبيه ﵇: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦)، فهم يعلمون أن الرسول ﵇ رسول وصادق ومبعوث إلى الناس كافة، وليس إلى العرب فقط كما قالت بعض الطوائف من اليهود، لا يعرفونه كما يعرفون أبنائهم لكن مع ذلك تعصبوا لمن كانوا ينتظرونه أن يبعث منهم وفيهم، هذا هو الذي أعتقده بالنسبة
[ ٥ / ٩٣٨ ]
لسؤالك المذكور آنفًا.
مداخلة: يا شيخ هناك آيات من القرآن تبين أن الله ﵎ يجعل بين الكافرين والقرآن حجابًا ولا يفقهون ما يقوله ﵎ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (الإسراء:٤٥).
الشيخ: نعم.
مداخلة: فهنا أن الإعراض عندما يكون عن سماع الدين وفهمه وفهم الحجة، الإعراض إنما يكون سبب عن عدم فهمه للحجة، فبالتالي تكون الحجة قائمة في مثل هذه الأدلة وإن لم يفهمها لكن قيام الحجة بسبب الإعراض.
الشيخ: أولًا: هذا الجعل هو جعل شرعي وليس كونيًا، لعله هذا التقريب واضح عندك.
يعني: هذا الجعل سببه هو كفر هذا الإنسان وسعيه إلى الكفر وعدم فتح قلبه للحق فيما إذا جاءه، وأضرب الآن أنا لك مثلًا بعد ذلك التفصيل الذي ذكرته آنفًا أن المفروض أن المنذر أو المبلغ أن تقوم الحجة عليه فيما إذا فهمها، نحن لماذا قلنا هذا؟ لأننا أمة خاتم الأنبياء والرسل فليس بعده من رسول، إذًا: فمن الذي سيبلغ الدعوة؟ هم أتباع هذا الرسول، أتباع هذا الرسول كما شرحنا آنفًا فيهم طلبة علم ومبتدئين .. إلى آخره، الآن سؤالك السابق أصوره بصورة ضيقة جدًا: هل يمكن أن نتصور رسولًا بل أن نتصور نبيًا بلغ قومه شريعة الله ﷿، وكما قال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم:٤)، مع ذلك نتصور إنسانًا عاديًا ولم يفهم الحجة من ذاك النبي، هل يمكن هذا؟
[ ٥ / ٩٣٩ ]
مداخلة: لا.
الشيخ: إذًا: حجة الله بطبيعتها أن تكون قائمة على كل إنسان، لكني أنا وضعت قيدًا: «إنسان طبيعي» أعني: غير مصاب بآفة من آفات الجنون أو الغيبوبة عن الفهم .. إلى آخره، فأي قوم وأي فرد سليم الفهم والعقل قامت حجة الله عليه لا شك أنه فهمها، لكننا نحن الآن لا نستطيع أن نقول إننا بمنزلة الرسول بل النبي في أننا نحسن إقامة الحجة على أي طائفة أو جماعة أو فرد، فمن هنا إذًا نحن لا نستطيع أن نتصور كما قلت آنفًا أن حجة الله قامت على كل من نقلت إليه الحجة لاحتمال أن النقل لم يكن سليمًا، كان ناقصًا، والأمثلة الآن كثيرة وكثيرة جدًا.
الآن أظن كل إخواننا الحاضرين يعلمون أن هناك جماعات منحرفة عن الإسلام كلًا أو بعضًا أو جزءًا، يدعون إلى الإسلام بنشاط حتى يدخل اليهود والنصارى في إسلامهم ولا أقول في الإسلام، كالقاديانية مثلًا فهؤلاء يبلغونهم الإسلام بمفهومهم المنحرف عن الإسلام الصحيح، فهم مثلًا يبلغونهم أن الرسول ﵇ ليس خاتم الأنبياء بالمعنى المفهوم عند أهل السنة، وإنما هو بالمعنى المفهوم عند القاديانية خاتم الأنبياء يعني: زينة الأنبياء، أما في أنبياء بعد الرسول ﵇، وقد جاء أحدهم زعموا وهو ميرزا غلام أحمد القادياني وسيأتي آخرون أيضًا في زعمهم، فهذا النصراني الذي أسلم وهو يحمل هذه العقيدة، هذا ليس مسلمًا بالمعنى الصحيح؛ لأن الحجة ما تقدمت إليه بالمفهوم الصحيح بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، والحديث المتواتر أيضًا معناه: «ولكن لا نبي بعدي».
كذلك هم مثلًا ينكرون كثيرًا من الأخبار الغيبية كمثل مثلًا الجن كخلق من
[ ٥ / ٩٤٠ ]
خلق الله كالملائكة، فهم ينكرون أن يكون هناك خلق من خلق الله مكلفون كالإنس بالطاعة ومنهيون عن المعصية هم الجن، ينكرون هذه الحقائق كلها، لكن هؤلاء يدعون إلى الإسلام، يدعون لشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويؤمنون بأركان الإسلام الخمسة وإلى آخره، لكن إسلامهم ليس صحيحًا، فإذًا أولئك الذين يدعون من قبل القاديانيين لم تقم حجة الله عليهم بالإسلام الصحيح، ولذلك أنا لا أتصور هؤلاء يوم القيامة يقال لهم: لم قلتم بأنه هناك أنبياء بعدي والقرآن يقول كذا؟ لأنهم أعاجم لا يفهمون القرآن وترجم لهم القرآن بمعنى خطأ، وهكذا.
"الهدى والنور" (٦١٦/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)
[٧٧٨] باب كيف تقام الحجة؟
سؤال: إقامة الحجة ..، متى نقول: أقمت على فلان الحجة؟
الشيخ: أولًا: يجب أن يراعى هنا الشخصان: المقيم للحجة، والمقام
عليه الحجة، إذا كان المقيم للحجة فعلًا رجل عالم بالكتاب والسنة، فهذا
الشرط الأول.
الشرط الثاني: أن يكون ذا فصاحةٍ وبيانٍ بحيث أنه يستطيع أن يقدم للناس ما عنده من علم بلسان عربي مبين، إن كان عربيًا، أو إن كان أعجميًا، فالأمر لا يتعدى أيضًا ما ذكرناه من استطاعة البيان في نفس الوقت، كما أشار إلى ذلك القرآن في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم:٤). أي: إذا كان المقيم للحجة أوتي فصاحةً وبيانًا في لغته أو في لغة قومه ..، وكما ذكرنا قبل إن كان على علم، فهو حينذاك يستطيع أن يقول: أنا أقمت الحجة بالنسبة لما يتعلق به
[ ٥ / ٩٤١ ]
هو، لكن يبقى الطرف الثاني، هل الطرف الثاني عنده من الفهم والإدراك والاستعداد النفسي لتقبل، بل - عفوًا أخطأت حتى تفهموا صراحة-، هل عنده استعداد لتفهم مش لتقبل، فقد تكون الحجة واضحة بينة، ولا يقبلها المعرض المشرك الكافر، لكن أريد وأعيد ما أريد، وأقول: إذا كان عنده استعداد ليتفهم الحجة، فإذا تحقق الشرط الأول في نفس المبلَّغ، ثم تبين للمبلِّغ أن المبلَّغ استوعب الموضوع في حجته وبيانه حينذاك يمكن أن يقول: أنا أقمت الحجة
على فلان.
أنا شخصيًا من الصعب أن أتصور أن أي شخصٍ يقول: أنا أقمت الحجة على فلان، أنَّ كلامه مطابقٌ للواقع، صعب أن أتصور هذه الحقيقة؛ لأني لا أجد، بل لا أكاد أتصور اجتماع الشروط في المبلِّغ لا المبلَّغ، فقد أحد الطرفين يختل فيه الأمر، فلا يصح أن يقال: أقمت الحجة على فلان هذا من جهة.
من جهة ثانية ما المقصود بقول من يدعي أنه أنا أقمت الحجة على فلان؟
هل المقصود تكفيره؟ تكفيره ما بيجعل حد فاصل بينه وبين الكفر إلا الشرك، فهو إذا اختار الكفر على الشرك فهو كافر بلا شك، أما ونحن نعيش اليوم في فوضى من الحرية لا حدود لها، والإنسان حر فيما يقول، وفيما يتصرف، فنقول: أنه أقمنا الحجة، فما الهدف من وراء ذلك تكفير؟
لا تستطيع أن تقول تكفير، أنا أقمت الحجة عليه فهو كافر؛ لأنه يقف في الطريق ما ذكرناه آنفًا.
إذًا: لم يبقَ هناك إلا أن (تكل) أمر هذا الإنسان إلى الله ﷿، فهو الذي يعلم حقيقة هذا المبلِّغ وذاك المبلَّغ، أي: هل أقيمت الحجة على المبلَّغ أم لا؟
وربك العليم بما في الصدور فهو حسيبه، أما نحن فلنا ظاهر أيّ مسلم يشهد
[ ٥ / ٩٤٢ ]
أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا في النادر جدًا جدًا أن أتصور رجلًا عالمًا حقيقة في الكتاب والسنة، وفي الطرف الآخر المبلَّغ، يبلَّغ الأمر وبفهمه، لكن عاند وكفر، فهذا هو الذي يمكن أن يقال: إنه كفر، مع أنه في مجتمعنا هذا لا يترتب وراء ذلك كبير أمر؛ لأن الأحكام الشرعية لا تُطبق.
سؤال: الرجل يكون إمامًا [ويقع] في الاستغاثة مثلًا، وتكلموا معه كثير من الناس في هذا الموضوع، فهو يستغيث برسول الله - ﵌ - على المنبر، فهل إذا كان هذا إمام يصلي خلفه أو يعيد الصلاة، أو لا يصلي خلفه؟
الشيخ: هذا يرجع للبحث السابق.
مداخلة: وتعتقد أنه أقام الحجة؟
الشيخ: نعم، أنا أقول في كثير من الأحيان باختصار هل تعتقد أن هذا رجل ارتد عن دينه؟ يعني: أصور صورة زيد من الناس، جادل عمرًا من الناس، ويقول زيد بأنه أقام الحجة عليه، هل هو مقتنع بقوله هذا أي: أنه أقام الحجة عليه إلى درجة أنه يقول: هذا ارتد؟ مرتد عن دينه فطلقت زوجته، ولا بد من تجديد عقده عليها، لا بد من تجديد إيمانه أولًا ثم تجديد عقده عليها ثانيًا، فإن قال: إيه نعم، أنا أقول له: لا تصلي خلفه، لكني أعتقد أنه صعب جدًا أن يكون هذا المبلِّغ أو المحاجِج وصل إلى قناعة في ذاته أن حَكَمَ على فلان أنه مرتد عن دينه، بمعنى: أنه مثلًا الذي أقام الحجة زوجته بنته، تحت عصمته مقابل الحجة عليه، فهي بانت منه لأنه زوجها ارتد، ولا يجتمع دينان، فهل هو يقول: لازم أنا أسعى أن أفرق بين أختي وبين هذا الذي أقمت عليه حجتي؟ إن كان وصل إلى هذه القوة، فأنا أقول: لا تصلي خلفه، وبالتالي .. ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (القيامة:١٤).
"الهدى والنور" (٢٤/ ٢٥: ٠٨: ٠٠) و(٢٤/ ١٣: ١٤: ٠٠)
[ ٥ / ٩٤٣ ]
[٧٧٩] باب كيف الجمع بين ضرورة إقامة الحجة
على من تلبس بعمل شركي، وبين قول النبي - ﵌ -
لمن لبس الصفرة: «إذا مت على ذلك لن تفلح أبدًا»
سؤال: الله يجزيك الخير شيخنا! ذكرت إذا لم يكفر الإنسان الذي يقوم ببعض الأعمال الشركية إلا إذا قامت عليه الحجة، جزاكم الله كل خير، طيب! وقول الرسول ﵊ للرجل الذي يلبس الصفرة، فقال له ﵊: «إذا مت على ذلك لم تفلح أبدًا» ما وجه المقاربة بين إقامة الحجة وقول الرسول ﵊: «إذا مت على ذلك لم تفلح أبدًا»
الشيخ: هذه الحجة.
مداخلة: هو الرسول ﵊ لو ما قام ..
الشيخ: أنت فهمت ما قلت؟
مداخلة: أنا فهمت.
الشيخ: لا أظن.
مداخلة: تفضل!
الشيخ: الرسول حينما يقول له هذه الكلمة أليس كلامه حجة؟
مداخلة: هذا بلا شك.
الشيخ: فإذا استمر؛ فيكون بعد إقامة الحجة
" الهدى والنور" (٥٤٧/ ٢٥: ٢٢: ٠٠ طريق الإسلام)
[ ٥ / ٩٤٤ ]
جماع أبواب الكلام
حول أحكام المتلبس بالشركيات من المسلمين
(غير ما تقدم)
[ ٥ / ٩٤٥ ]
[٧٨٠] باب حكم من نطق بالشهادة وبقى متلبسًا بالشركيات
السائل: في الحديث الشريف يقول النبي ﵊: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿» فإذا إنسان قال: لا إله إلا الله ولكنه لم يكفر بما يعبد من دون الله جاهلًا أو معاندًا فهذا إنسان نحكم بإسلامه وإيمانه أم لا؟
الشيخ: تعرف الإسلام: هو الإيمان، أو الإسلام غير الإيمان؟
مداخلة: عندما قال النبي ﵊: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿» فإنسان قال: لا إله إلا الله ولكنه لم يكفر بما يعبد من دون الله بمعنى قال: أغثني يا رسول الله.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فهذا قال: إذا قال إنسان: أغثني يا رسول الله ليس فيه شيء، فإنما يؤول استغاثته بأنها شفاعة، كما قال المشركون ويقول الله تعالى ..
الشيخ: أنت تلقنه؟
مداخلة: لا، طبعًا أنا .. لا، لا ما في تلقين ..
الشيخ: لا يصح هذا.
مداخلة: يقول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس:١٨) ..
الشيخ: نحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل ..؛ لأنه ليس عندنا خلاف .. ما
[ ٥ / ٩٤٧ ]
زلت تريد أن تلقنه؟
مداخلة: ما في وقت، من أجل .. أنا لا ألقن
الشيخ: جزاك الله خير، تعرف أنت ما الفرق بين الإسلام والإيمان أو
مداخلة: أعرف أن هناك حديثًا ورد بتعريف ..
الشيخ: لا، لا، لا تحيد عن السؤال .. نحن مجربين للناس صار لنا خمسين سنة وزيادة، خير الكلام ما قل ودل، تعرف في فرق بين الإسلام والإيمان أو لا؟
مداخلة: ليس هناك فرق.
الشيخ: طيب! تعرف في فرق ولا ما في فرق، [موجهًا السؤال للآخر].
مداخلة: هو أحيانًا يأتي الإيمان بمعنى الإسلام في الأحاديث وأحيانًا يأتي بمعنى آخر كما في حديث
الشيخ: ما في حديث أنت تقول: كما في حديث، أخي! المناقشة لها أسلوب بل أساليب، عندما تلتقي مع إنسان تختلف أنت وهو تدعي دعوى بحاجة إلى استدلال عليها يأتي بالدليل، أما إذا كان هذا الذي تناقش معه يريحك عن الدليل لا تتعب نفسك أنت، منتبه؟
في فرق بين الإسلام والإيمان أو ما في فرق؟
مداخلة: أحيانًا في فرق وأحيانًا ما في فرق؟
الشيخ: متى في فرق ومتى ما في فرق؟
مداخلة: وقت يكون المعنى الإيمان له ثلاث معان: في معنى يأتي بمعنى
[ ٥ / ٩٤٨ ]
الإسلام بالأحاديث
الشيخ: لا، لا. الآن دخلت في موضوع آخر، ثلاثة معاني، أنا أسألك متى يكون في فرق، لماذا مرة يكون في فرق ومرة ما يكون في فرق؟
مداخلة: الإيمان مخصوص في القلب فيكون غير معنى يكون في فرق، يعني: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (الحجرات:١٤).
الشيخ: لا، أتي أيضًا بآية؟! هؤلاء المتعالمين يعملون المحاضرة أن يجلس يتكلم ربع ساعة نصف ساعة ساعة ساعتين إلى آخره، ولسان الحال يقول: يا أرض اشتدي ما أحد عليك قدي، ونحن نأخذ ونعطي يا أخي، خذ واعط ..
مداخلة: هو كذلك.
الشيخ: لا، ليس هو كذلك
مداخلة: طيب! أنا ما أعطيك
الشيخ: ترجع تستدل بالرغم أنني قلت لك، وأنت عللت لصاحبك ألاّ تُجيب بدليل؛ لأن الوقت ضيق، وإذا بك رجعت إلى ما نهيت عنه، تأتي بدليل لماذا قل لي: متى يكون الإيمان
مداخلة: أقول لك شيء: أنا لا اعرف أن أقوله إلا عن طريق الحديث النبوي.
الشيخ: عجيب والله!
مداخلة: وفد عبد القيس
الشيخ: سبحان الله! لا تعرف تقول: أن الحديث الذي بقلبك يدل على أن
[ ٥ / ٩٤٩ ]
هناك فرق بين الإيمان أو لا، إلا عندما تأتي بالحديث؟ ليس بطيب، سؤال يتوجه إليك قلت لي: طيب! كيف طيب؟ أعط جواب للشيء الطيب.
مداخلة: الجواب عندكم.
الشيخ: ما هو؟
مداخلة: يكون في فرق بين الإيمان والإسلام.
الشيخ: عرفت أنا أن هناك فرق لكن متى كالسؤال متى يكون هناك
فرق؟ بدأت تجيب لكن ضعت لأنك شغلت بالاستدلال، قلت: الإيمان له
علاقة بالقلب.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! أكمل لنرى.
مداخلة: وأحيانًا يكون الإيمان بمعنى الإسلام نفسه [في] الأحاديث
النبوية.
الشيخ: والأول ما هو؟
مداخلة: هنا الإيمان القلبي غير الإسلام الذي هو ..
الشيخ: ما هو هذا الإسلام إذًا بين لنا، ما هو الإيمان وما هو الإسلام؟
مداخلة: الإسلام الذي هو الإيمان العملي، الإيمان العملي هو الإسلام ..
الشيخ: الإيمان العملي؟
مداخلة: نعم، يعني: المقصود أن
[ ٥ / ٩٥٠ ]
الشيخ: هنا يظهر الغلط إذًا ..
مداخلة: لماذا غلظ ..
الشيخ: المنافقين كان إسلامهم إيمان عملي؟
مداخلة: أقصد أنه ..
الشيخ: سؤال وجوابه نعم .. لا .. هكذا يصير التفاهم.
مداخلة: يعني: أنت تضعني في مكان ضيق جدًا، أريد أنا أعبر عن الشيء اللي أريده.
الشيخ: الله يهديك! وأنا ما أمنعك أنك تعبر ، لكن أقول لك: بأقرب طريق، الوقت ضيق أعطني جوابًا بأقرب طريق بدون استدلال .. سامحك الله ..
مداخلة: هذا الأسلوب ضيقت علي فيه
الشيخ: يا أخي! بماذا ضيقت عليك، أقول لك: خير الكلام ما قل ودل. هذا تضييق؟!
مداخلة: عندما كان الأعراب الذين وصفهم بعدم
الشيخ: لا تأتي قصة الأعراب أعطني الخلاصة، هل المنافقين هؤلاء كانوا مسلمين أو لا؟
مداخلة: مسلمين.
الشيخ: طيب! لكن يوافق إسلامهم إيمانهم؟
مداخلة: لا.
[ ٥ / ٩٥١ ]
الشيخ: فهذا يخالف ما قلت.
مداخلة: كيف يخالف ما قلت؟ كيف إذًا ..
الشيخ: فكر ما تقول، بينت ما هو الفرق بين الإسلام والإيمان؟
مداخلة: طيب! لماذا عندما قال لوفد عبد القيس ..
الشيخ: لك: سؤال مقابل سؤال .. لا يصير يا أخي الله يهديك، أنا أقول لك: بينت قل: نعم، قل: لا، لا ترجع وتسأل، أنا سأقول لك شيء، وستقول .. أسألك صح؟ تقول لي: صح، هكذا أنا أريد أن تكون معي أنت، الإسلام هو العمل بالإسلام ظاهرًا .. ظاهرًا .. الإسلام: هو الاستسلام لأحكام الشرع ظاهرًا، الإيمان: هو الإيمان بهذا الإسلام باطنًا، فقد يكون المسلم مؤمنًا وقد يكون كافرًا وهذا هو صفة المنافقين، رأيت الآن ماذا تقول صحيح؟
مداخلة: [نفاق أكبر] تقصد.
الشيخ: ما أسألك أنا نفاق أكبر ولا أصغر، صحيح هذا التفصيل أو لا؟
هذا الذي أريد منك، ضيقت شيء أنا الآن؟!
مداخلة: لا، لكن أنا يعني: أريد أن أتكلم بالفكرة التي نقولها، ما سمحت لي
الشيخ: لا، الفكرة التي تقولها قلت أنا حينها: تعمل محاضرة نصف ساعة أو ساعة، لكن أنت لست محاضرًا الآن، أنت سين جيم، عندك استعداد سين جيم، أهلًا وسهلًا، ما عندك استعداد هذا بحث، سنقول لك: تفضل ألق محاضرة وستكون مسجلة
[ ٥ / ٩٥٢ ]
مداخلة: أنا لا أقصد محاضرة؛ لكن الإيمان أيضًا جاء
الشيخ: أخي! أقول لك فرضًا، قال: لا يريد أن يلقي محاضرة صدقها هو .. أنا أضرب لك مثالًا الله يهديك، أنه ليس عندك استعداد تعطي جوابًا لكل سؤال بأوجز عبارة سنقول لك تفضل ألق محاضرة، سترجع وتقول لي: أنا لا أريد أن ألق محاضرة.
مداخل آخر: هو سألك سؤال يريد جواب بأوجز عبارة، أنت تقصد أنها أسئلة، نحن نسألك إذا إنسان قال: لا إله إلا الله واستمر يدعو الآلهة الأخرى
فهل يكون دخل في الإسلام وصار مسلمًا موحدًا مقبولًا عند الله أم هو ما يزال على الكفر؟
الشيخ: وأنا وجهت السؤال من أجل يرجع لهذا الموضوع؟!
مداخلة:
الشيخ: لماذا، من الذي طولها أنت أو أنا؟
مداخلة: والله أنت.
الشيخ: سامحك الله.
مداخلة: [تسأل] أسئلة .. يعني: أسئلة [كثيرة].
الشيخ: أنا ما سألتك أسئلة، سألتك سؤالًا واحد ولم تجب عليه.
مداخلة: آسف أنا أنسحب
الشيخ: الحمد لله، وننتهي من الجلسة، سبحانك اللهم وبحمدك ينسحب
[ ٥ / ٩٥٣ ]
الرجل يقول
المداخل الأول: عفوًا، جوابي لم آخذه بعد.
الشيخ: جوابك: أن تفرق بين الإسلام وبين الإيمان، هؤلاء الذين وصفتهم ليسوا مؤمنين.
مداخلة: ليسوا بمؤمنين؟
الشيخ: ليسوا بمؤمنين، لكن هؤلاء ما دام يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلوا ويصوموا فإذا فعلوا فعلًا هو الكفر بعينه فهنا ندخل في موضوع ثاني وهو: أنه هل كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه أم لا؟ ما رأيك أنت؟
مداخلة: هل كل ما وقع
الشيخ: امش على الطريقة هذه أنا أرتضيها، مو على طريق صاحبك محاضرة، كلمة غطائها، وبعد ذلك تلوموني لوموا أنفسكم، أنا أسأل سؤالًا، أنا أقول: ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، ما رأيك صحيح أو غير صحيح، إذا قلت: صح أنا سأمضي في كلامي، إذا قلت لي: لا، سأضطر أن نوقف هنا؛ لأنه (نريد) نبني عليها علالي وقصورًا، ولا يجوز نبني على كلام غير مفهوم، لأن النتيجة ستكون غير مفهومة أيضًا.
مداخلة: طيب! إذًا: الذي وقع في الكفر وقع عليه الكفر، الذي ليس وقع
في الكفر ..
الشيخ: أنا سألت سؤالًا: هل كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه؟ إما أن تقول: نعم، أو تقول: لا.
[ ٥ / ٩٥٤ ]
مداخلة: طيب! أقول: نعم.
الشيخ: تقول على كيفك.
مداخلة: لا، ليس علي كيفي.
الشيخ: طيب ما الدليل.
مداخلة: باعتبار الذي وقع في الكفر ..
الشيخ: انظر الآن انظر هناك ما نطلب يأتي بدليل، هنا أطلب دليل
تأتي باعتبار.
مداخلة: نعم، أقول لك الدليل.
الشيخ: ائت بالدليل بدون ما تقل: باعتبار، ما هو الدليل؟ ثم الدليل الذي ستأتي به على ماذا .. دليل على ماذا؟
مداخلة: دليل على أن الذي يقع في الكفر، ما هو الكفر الذي وقع فيه؟
أليس كذلك؟
الشيخ: لا، ليس كذلك.
مداخلة: إذا: ماذا؟
الشيخ: ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، بمعنى: ليس كل من وقع في الكفر قيل فيه شرعًا إنه كافر مخلد في النار، هكذا معنى العبارة، وإذا كانت العبارة هذه ما مرت عليكم طلقناها بالثلاثة، طيب!
نعود ونحكي بالكلام الذي يفهمه كل الناس: ليس كل من وقع في الكفر يجوز أن نحكم عليه بأنه كافر مرتد ومخلد في النار، قل أنت: نعم، قل: لا، مفهوم
[ ٥ / ٩٥٥ ]
عبارتي الآن؟
مداخلة: مفهومة نعم.
الشيخ: طيب! ما رأيك؟
مداخلة: طيب! لنقل: لا.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: لنقل: لا، أنه لم يقع عليه الكفر.
الشيخ: الله يهديك يا أخي! القضية ليست قضية تحزير!! قضية عقيدة نريد أن نبنيها، ليس لنقل: كذا وقع .. كفر، أو لنقل: ما كفر عقيدتك أنت الذي أنت على أساسها بدأت الكلام في هذا الحديث
مداخلة: طيب! ممكن تلقي علي السؤال بوجه آخر؟
الشيخ: لا، أكثر من هذا .. أبسط من هذا؟ ليس كل من وقع في الكفر حكمنا عليه أنه ارتد عن دينه.
مداخلة: طيب!
الشيخ: هذا وجه ثالث أيضًا، طيب! أو تريد رابعًا؟
مداخلة: معك أنا.
الشيخ: طيب! ما رأيك: صحيح هذا الكلام أو لا؟
مداخلة: لا أعلم.
الشيخ: كويس جزاك الله خير، فلذلك ينبغي أن نتعلم
[ ٥ / ٩٥٦ ]
مداخلة: بارك الله علمني عن ذلك ..
الشيخ: معلش، الآن الساعة كذا وما في مجال .. التعلم له ظروف وله أوقات، لكن يا أستاذ هشام! الذي يريد أن يتعلم لا يرفع راية المعارضة وراية التكفير وهو ما زال في قضايا بينه وبين ربه غير واضحة، لا يعرف ما هو حكم الله في هذه الإنسان، يعني: الآن من أبسط الأشياء حتى ما يبقى بالك مشغول: أهل الفترة
كفار أو لا؟
مداخلة: طبعًا كفار.
الشيخ: كفار؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: مخلدون في النار؟ لا تعرف، يَلَّا سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
"الهدى والنور" (٢٤١/ ٤١: ٣٦: ٠٠)
[٧٨١] باب كيف يتعامل مع المسلمين المتلبسين بالشركيات
السؤال: سؤالين باختصار، أول سؤال: مثلًا: نحن في الجزائر عندنا أضرحة في العاصمة بالضبط، عندنا أضرحة، وفي هذه الأضرحة أناس يتبركون بالأموات هل هؤلاء مشركين أم لا.
وثانيًا: ما هي نصيحتك للشباب الجزائري الذين يريدون أن يجاهدوا في سبيل الله؟
[ ٥ / ٩٥٧ ]
الشيخ: تقصد بالجهاد في سبيل الله يعني: قتال الكفار؟
مداخلة: قتال الكفار نعم.
الشيخ: أما هذا فقد سبق الجواب عنه، أما سؤالك الأول.
مداخلة: نصيحة عامة بما تنصح الشباب الجزائري.
الشيخ: ننصحهم بالتصفية والتربية، انتهى هذا الموضوع، سؤالك الأول يبين لنا أو يؤكد لي أنا شخصيًا على الأقل أنه لا سبيل إلا بالتصفية والتربية، أنا الآن أسأل: هل لما بعث الرسول ﵇ كان هناك من يعبد الأصنام ويعبد الأموات والقبور أم لا؟ لا شك كان موجودًا، بعدما انقضى العهد المكي هل بقي في المسلمين الذين قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله من يستعين بالموتى من دون الله؟ ليس واضح سؤالي على ما يبدو.
مداخلة: لا لم يبق.
الشيخ: طيب، الآن الشعب الجزائري شعب مسلم، كيف بقي الكثيرون إن لم نقل أكثرهم ولا أعني الطعن في الشعب الجزائري، لأن الشعب السوري مثله، والمصري مثله .. إلخ، لكن كيف بقي هذا الذي تسأل عنه هل هو شرك أم لا، كيف بقي هذا في المجتمع الإسلامي؟
مداخلة: ربما يعود ذلك للإعلام، الإعلام مثل التلفزيون والراديو.
الشيخ: لا هذا خطأ، الإعلام لم يكن له ذكر حينما بنيت المساجد
على القبور.
مداخلة: كلامك واضح.
[ ٥ / ٩٥٨ ]
الشيخ: أنا عارف، وإنما نريد أن نأخذ عبر بارك الله فيك، نريد إذا تبنينا رأيًا أو فكرًا أو عقيدة أن نكون على بصيرة، فنحن نقول: الشعب المسلم في أي بلد لا ينهضه أبدًا ولا يستطيع أن يقيم دولة الإسلام في أرضه إلا بالعلم الصحيح، وهذا الذي نسميه بالتصفية، وليس فقط بهذا العلم، بل وبالتربية عليه، فالشعب الجزائري مثل الشعب السوري مثل الشعوب الأخرى، لا يزالون يعيشون مسلمين اسمًا ومشركين فعلًا.
إذًا: كيف يمكن القضاء على هذا الشرك؟ هو بمثل ما فعل الرسول ﵇، كيف فعل؟ بالدعوة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر:٥).
وأعود لأؤكد أن عندنا اليوم مشاكل كثيرة جدًا لم تكن في العهد الأول، قلت لكم آنفًا مشكلة موجودة اليوم لم تكن في السابق، كان العلم يومئذ صافيًا غضًا طريًا، اليوم خليط شيء صحيح شيء غير صحيح، شيء ضعيف فيه باطل .. إلخ، إذًا: فيجب إجراء عملية التصفية، من الذي يجري عملية التصفية؟ هذا كله بالتفاصيل المحاضرة التي كنت ألقيتها تحت هاتين الكلمتين: التصفية والتربية، من الذي يقوم بالتصفية، لا شك أنهم أهل العلم، في اعتقادكم هل يلحق مليون مسلم عالم واحد على الكتاب والسنة؟ .. فإذًا: يا جماعة كيف نحن تخرج ونثور نقيم دولة الإسلام ونحن بعد كدعاة ما عرفنا ما هو الإسلام فضلًا أن نقعد لهذا الإسلام ونؤسس له بأفراد يستجيبون لهذا الإسلام، ولذلك فلابد من التصفية والتربية، ولذلك نحن لا نقر أبدًا أي تكتل يقوم على أساس التكتل والتجمع، هكذا غثاء كغثاء السيل، وإنما على التصفية وعلى التربية، هؤلاء الذين يمكن يومًا ما أن يحققوا ما ينشده كل المسلمين الذين يعيشون على بصيرة والذين يعيشون على غير بصيرة، كلهم متفقون والحمد لله على ضرورة إقامة الدولة المسلمة، وأنا
[ ٥ / ٩٥٩ ]
أعتقد أنه لو أقيمت الدولة المسلمة حقًا لوجد من هؤلاء المسلمين أنفسهم من يحاربها
مداخلة: جزاك الله خير يا شيخ وأطال الله في عمرك إن شاء الله بما يفيد الإسلام والمسلمين، وبارك الله فيك على هذه الإجابة، قد إن شاء الله أفدت وأجزت، وبارك الله فيك.
"الهدى والنور" (٤٦٨/ ٥٠: ١٦: ٠٠)
[٧٨٢] باب هل يجزئ حج المتلبس بالشركيات؟
سؤال: من كان يعتقد عقيدة شركية، وهو يعني: يدَّعي الإسلام، ولكنه في معتقداته في شركيات، وحج وهو يعتقد هذا الاعتقاد حج إلى بيت الله الحرام، وكانت حجته حجة الإسلام، ثم من الله عليه ﷾ بأن يهتدي إلى صراط المستقيم وسنة أهل السنة والجماعة الطريق الصحيح، فهل حجته الأولى تجزيه ولا ما تجزيه؟
الشيخ: هذا يختلف باختلاف الجو الذي يعيش فيه، بمعنى: هذا الذي وصفته إما أن يكون بلغته دعوة الإسلام بلاغًا صحيحًا، وأصر على ما تسميه بالشرك، فهذا معناه أنه يجب عليه أن يحج مرة أخرى، أما إن كان عائش في جو ليس فيه
من ينبهه ومن يبين له أن هذا الذي هو فيه هو من الإشراك بالله ﷿، والكفر بلا إله إلا الله، فهو يكون معذورًا، ويكون إسلامه وحجه مقبولًا ، هذا التفصيل لا بد منه.
"الهدى والنور" (١٣٢/ ٥٧: ٢٠: ٠٠)
[ ٥ / ٩٦٠ ]
[٧٨٣] باب هل يصلى خلف المتلبس بالبدع الشركية المكفرة؟
سؤال: يسأل سائل يقول: إمام مسجد يدعو إلى بدعة شركية ومكفرة، هل يجوز الصلاة خلفه علمًا بأن المسجد قريب من مقر عمل هذا السائل، ولا يوجد مسجد آخر قريب.
الشيخ: المسألة فيها تفصيل: إن كان هذا الإمام قد أقيمت عليه حجة الله من كتاب الله ومن حديث رسول الله على أن ما هو فيه شرك وكفر بالله ورسوله ثم لم يرتدع فلا تصح الصلاة خلفه، أما إن كان ككثير من هؤلاء الناس الذين يعيشون في جاهلية وليس هناك مع الأسف الشديد من يبلغهم حكم الله ﷿ فحينذاك في رأيي أن الصلاة جائزة لأننا لا نستطيع أن نكفره وأن نخرجه من الملة ما دام أننا لم نقم عليه الحجة.
"فتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠:٥١:٣١)
[٧٨٤] باب هل تجوز الصلاة خلف من يستغيث بالرسول - ﵌ - وينكر أن عيسى ﵇ رُفِعَ إلى السماء حقيقة؟
سؤال: يا شيخ هل تجوز الصلاة خلف إمام يستغيث بالرسول - ﵌ - كوسيلة.
الشيخ: ﵊.
مداخلة: ﵊.
وهل يجوز كذلك الأمر أنه يستبيح لنفسه أنه يميل إلى الحكم الذي يقول فيه: إنه عيسى ﵇ لم يُرفع جسديًا إلى السماء، بل رفع مقدارًا، وكذلك الأمر يستبيح لنفسه بالقول أنه يقرأ على اللوح المحفوظ في المنام رؤية، هل تجيز
[ ٥ / ٩٦١ ]
الصلاة خلفه؟
الشيخ: تجوز الصلاة خلفه ما دمت أو دمنا نحكم بإسلامه، فإذا أخرجناه من دائرة الإسلام فحينئذ لا تجوز الصلاة.
فأنت في حدود معرفتك بالشرع أولًا، ومعرفتك بالشخص ثانيًا: هو لا يزال في دائرة الإسلام وإلا ارتد عن الإسلام؟
مداخلة: لا زال في دائرة الإسلام حتى نفسه ورجع وقال لي: لا تخبر شيوخك بالذي أنا قلته إياك، يعني: مثلما تشكي بالطبع خضع في القول عاود من جديد كان في الأول موقفه حازم وبعدين رجع يحكي لي: لا تخبر شيوخك بالذي حصل حتى لا يكفروني أو يفهموني خطأ، أنا برائي رؤية في المنام شيء حصل معاي.
الشيخ: ما عليك هذه جزء مما ذكرت، أنا قلت بيسجد سجود لغير الله.
مداخلة: أنا أحكي الرؤية في المنام.
أما هو يميل إلى أنه عيسى ﵇ لم يرفع نبيًا إلى السماء، بل رفع مقدارًا، إني رافعك.
الشيخ: نعم.
الشيخ: المهم يا أخي خذ القاعدة واسترح.
مداخلة: نعم.
الشيخ: كل إنسان أصله مسلم، ثم ارتكب مخالفة شرعية، هذه المخالفة تخرجه من دائرة الإسلام والمسلمين، ولا تصح الصلاة خلفه، ولكن يجب أن
[ ٥ / ٩٦٢ ]
نعلم أنه ليس كل مسلم وقع في الكفر وقع الكفر عليه، عرفت كيف؟ ليس كل
من وقع في الكفر، وقع الكفر عليه وتلبسه الكفر وأحاط به بحيث أنه خرج من دائرة الإسلام.
فهذه هي القاعدة وتطبيق هذه القاعدة لا يستطيع عامة الناس أن يطبقوها على أي إنسان، وإنما هذا يحتاج إلى علماء عارفين بالكتاب والسنة، ويكون عنده شيء من الروية والتؤدة والتأني بحيث أنه ما في عنده الإفراط والتفريط ما عنده أن كل المسلمين كما يقولون على خير، ولا أنه من قال كذا فقد كفر وارتد عن الدين بدون ما يعرف أحواله، هل هو معذور هل هو جاهل، هل هو عالم إلى آخره.
ولذلك فأنا أقول لعامة المسلمين من أمثالك: أنه هذا الذي أنت تسأل عنه في حدود معرفتك أنت مسلم ولَّا كافر؟ لا والله مسلم إذًا: الصلاة جائزة، لا والله هذا ليس مسلمًا عندي، أقول لك حينئذ: أنت احتياطًا لا تصلي وراءه، لكن معناها من جهة أخرى: لازم تحتاط ما تبادر إلى تكفيره سيكون أنت مخطئ في تكفيره؛ لأنك لست من أهل العلم عرفت كيف؟ فإذا غلب على ظنك أنه هذا كفر، لا تصلي وراءه وتصلي على إمام لا تشك في إسلامه وإيمانه.
لكن لا تقطع بكفره ما دمت لست من أهل العلم.
"الهدى والنور" (٣٤٣/ ٠٠: ١٥: ٠٠)
[٧٨٥] باب هل يعلم الرسول - ﵌ - الغيب؟ وما حكم الصلاة خلف من يعتقد ذلك؟
سؤال: إمام مسجد يدعي بأن رسول الله - ﵌ - يعلم الغيب فهل يجوز الصلاة خلفه؟
[ ٥ / ٩٦٣ ]
الجواب: النصوص القرآنية الواردة صريحة بأن الرسول ﵇ لا يعلم الغيب كما في قوله تعالى: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ والأحاديث الواردة أيضا مؤكدةً لهذا المعنى كمثل الحديث الذي في صحيح البخاري أن النبي - ﵌ - مر بجاريةٍ صغيرةٍ وهي تغني وتقول: «وفينا نبي يعلم ما في غد» فقال ﵊: «دعي هذا؛ لا يعلم الغيب إلا الله وقولي مثل ما كنت تقولين» (١)، يعني: من الكلام المباح، فإذا بُلِّغَ ذلك ثم أصر على ضلاله فحينئذٍ لا يجوز الصلاة خلفه، نعم.
"الهدى والنور" (١٩/ ٢٦: ٥٠: ٠٠)
_________________
(١) البخاري (رقم٣٧٧٩).
[ ٥ / ٩٦٤ ]
موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر
محمد ناصر الدين الألباني
«موسوعة تحتوي على أكثر من
(٥٠) عملًا ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»
العمل الأول
سلسلة جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة
«تحتوي على ما يقارب ألفي مسألة
وفائدة عقدية مستخرجة من تراث العلامة الألباني بعناية»
(٤)
(كتاب الأسماء والصفات)
الجزء الأول
صَنَعَهُ
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
[ ٦ / ١ ]
كتاب