والرد على المخالفين
[ ١ / ٣١٥ ]
[٤٥] باب يجب على المسلم أن يؤمن بكل حديث ثبت عن رسول الله - ﵌ -
[قال الإمام]:
يجب على المسلم أن يؤمن بكل حديث ثبت عن رسول الله - ﵌ -، عند أهل العلم به سواء كان في العقائد أو الأحكام وسواء أكان متواترًا أم آحادًا، وسواء أكان الآحاد عنده يفيد القطع واليقين، أو الظن الغالب على ما سبق بيانه، فالواجب في كل ذلك الإيمان به والتسليم له، وبذلك يكون قد حقق في نفسه الاستجابة المأمور بها في قول الله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه إليه تحشرون﴾.
"الحديث حجة بنفسه" (ص٧٠)
[٤٦] باب من الأدلة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة
[قال الإمام]:
[من الأدلة] على وجوب الأخذ بخبر الواحد في العقيدة:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾.
فقد حض الله ﵎ المؤمنين على أن ينفر طائفة منهم إلى النبي - ﵌ -
[ ١ / ٣١٧ ]
ليتعلموا منه دينهم ويتفقهوا فيه. ولا شك أن ذلك ليس خاصًا بما يسمى بالفروع والأحكام بل هو أعم. بل المقطوع به أن يبدأ المعلم بما هو الأهم فالأهم تعليمًا وتعلمًا، ومما لا ريب فيه أن العقائد أهم من الأحكام، ومن أجل ذلك زعم الزاعمون أن العقائد لا تثبت بحديث الآحاد، فيبطل ذلك عليهم هذه الآية الكريمة، فإن الله تعالى كم حض فيها الطائفة على التعلم والتفقه عقيدةً وأحكامًا حضهم على أن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما تعلموه من العقائد والأحكام، و"الطائفة" في لغة العرب تقع على الواحد فما فوق. فلولا أن الحجة تقوم بحديث الآحاد عقيدة وحكمًا لما حض الله تعالى الطائفة على التبليغ حضًا عامًا، معللًا ذلك بقوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ الصريح في أن العلم يحصل بإنذار الطائفة، فإنه كقوله تعالى في آياته الشرعية والكونية: ﴿لعلهم يتفكرون﴾، ﴿لعلهم يعقلون﴾، ﴿لعلهم يهتدون﴾، فالآية نص في أن خبر الآحاد حجة في التبليغ عقيدة وأحكامًا.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ أي لا تتبعه، ولا تعمل به، ومن المعلوم أن المسلمين لم يزالوا من عهد الصحابة يَقْفُون أخبار الآحاد، ويعملون بها، ويثبتون بها الأمور الغيبية، والحقائق الإعتقادية مثل بدء الخلق وأشراط الساعة، بل ويثبتون بها لله تعالى الصفات، فلو كانت لا تفيد علما، ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (مختصر الصواعق- ٢/ ٣٩٦) وهذا مما لا يقوله مسلم.
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وفي القراءة الأخرى "فتثبتوا"، فإنها تدل على أن العدل إذا جاء بخبر ما فالحجة
[ ١ / ٣١٨ ]
قائمة به، وأنه لا يجب التثبت بل يؤخذ به حالًا، ولذلك قال ابن القيم ﵀ في "الإعلام" (٢/ ٣٩٤):
"وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد وأنه لا يحتاج إلى التثبت، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم.
ومما يدل عليه أيضًا أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله - ﵌ - كذا، وفعل كذا وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة، وفي "صحيح البخاري": قال رسول الله - ﵌ - في عدة مواضع، وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم: قال رسول الله - ﵌ - وإنما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل، وجزم على رسول الله - ﵌ - بما نسب إليه من قول أو فعل، فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهدًا على رسول الله - ﵌ - بغير علم".
الدليل الرابع: سنة النبي - ﵌ - وأصحابه تدل على الأخذ بخبر الآحاد: إن السنة العملية التي جرى عليها النبي - ﵌ - وأصحابه في حياته وبعد وفاته تدل أيضًا دلالة قاطعة على عدم التفريق بين حديث الآحاد في العقيدة والأحكام، وأنه حجة قائمة في كل ذلك، وأنا ذاكر الآن بإذن الله بعض ما وقفت عليه من الأحاديث الصحيحة، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" - ٨/ ١٣٢):
" باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، وقول الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ فلو اقتتل رجلان
[ ١ / ٣١٩ ]
دخلا في معنى الآية، وقوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وكيف بعث النبي - ﵌ - أمراءه واحدًا بعد واحد، فإن سها أحد منهم رد إلى السنة ".
ثم ساق الإمام البخاري أحاديث مستدلًا بها على ما ذكر من إجازة خبر الواحد، والمراد بها جواز العمل والقول بأنه حجة فأسوق بعضًا منها:
الأول: عن مالك بن الحويرث قال:
" أتينا النبي - ﵌ - ونحن شببه (١) متقاربون، فأقمنا عنده نحوًا من عشرين ليلة، وكان رسول الله - ﵌ - رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي ".
فقد أمر - ﵌ - كل واحد من هؤلاء الشببة أن يعلم كل واحد منهم أهله، والتعليم يعم العقيدة،
بل هي أول ما يدخل في العموم فلو لم يكن خبر الآحاد تقوم به الحجة لم يكن لهذا الأمر معنى.
الثاني: عن أنس بن مالك:
أن أهل اليمن قدموا على رسول الله - ﵌ - فقالوا: إبعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام. قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: «هذا أمين هذه الأمة «أخرجه مسلم (٧/ ٢٩) ورواه البخاري مختصرًا.
قلت: فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لم يبعث إليهم أبا عبيدة وحده،
_________________
(١) جمع شاب. [منه].
[ ١ / ٣٢٠ ]
وكذلك يقال في بعثه - ﵌ - إليهم في نوبات مختلفة، أو إلى بلاد منها متفرقة غيره من الصحابة ﵃ كعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، وأحاديثهم في "الصحيحين" وغيرهما، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء كانوا يعلمون الذين أرسلوا إليهم العقائد في جملة ما يعلمونهم، فلو لم تكن الحجة قائمة بهم عليهم لم يبعثهم رسول الله - ﵌ - أفردًا، لأنه عبث يتنزه عنه رسول الله - ﵌ -، وهذا معنى قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في "الرسالة" (ص٤١٢):
"وهو - ﵌ - لا يبعث بأمره، إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله - ﵌ -، وقد كان قادرًا على أن يبعث إليهم فيشافههم، أو يبعث إليهم عددًا، فبعث واحدًا يعرفونه بالصدق".
الثالث: عن عبد الله بن عمر قال:
" بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال إن رسول الله - ﵌ - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة " رواه البخاري ومسلم.
فهذا نص على أن الصحابة ﵃ قبلوا خبر الواحد في نسخ ما كان مقطوعًا عندهم من وجوب استقبال بيت المقدس، فتركوا ذلك واستقبلوا الكعبة لخبره، فلولا أنه حجة عندهم ما خالفوا به المقطوع عندهم من القبلة الأولى. قال ابن القيم:
"ولم ينكر عليهم رسول الله - ﵌ -، بل شكروا على ذلك ".
الرابع: عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن
[ ١ / ٣٢١ ]
موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله، ثم ذكر حديث موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى ﵇ صاحب الخضر. أخرجه الشيخان مطولًا، والشافعي هكذا مختصرًا (٤٤٢/ ١٢١٩):
وقال الشافعي: يثبت العقيدة بخبر الواحد:
"فابن عباس مع فقهه وورعه يثبت خبر أبي بن كعب عن رسول الله - ﵌ - حتى يكذب به امرءًا من المسلمين، إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله - ﵌ - بما فيه دلالة على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر".
قلت: وهذا القول من الإمام الشافعي ﵀ دليل على أنه لا يرى التفريق بين العقيدة والعمل في الاحتجاج بخبر الآحاد، لأن كون موسى ﵇
هو صاحب الخضر ﵇ هي مسألة علمية وليست حكمًا عمليًا كما هو مبين، ويؤيد ذلك أن الإمام رحمه الله تعالى عقد فصلًا هامًا في "الرسالة"
تحت عنوان "الحجة في تثبيت خبر الواحد" وساق تحته أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، (ص٤٠١ - ٤٥٣) وهي أدلة مطلقة، أو عامة، تشمل بإطلاقها وعمومها أن خبر الواحد حجة في العقيدة أيضًا، وكذلك كلامه عليها عام أيضًا، وختم هذا البحث بقوله:
"وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها، ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه (١) السبيل.
وكذلك حكى لنا عمن حكى لنا عنه من أهل العلم بالبلدان".
_________________
(١) خبر لم يزل. [منه].
[ ١ / ٣٢٢ ]
وهذا عام أيضًا.
وكذلك قوله (ص٤٥٧):
"ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والإنتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي، ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد".
"الحديث حجة بنفسه" (ص٥٣ - ٥٩)
[٤٧] باب خطورة تبني رد خبر الآحاد في العقيدة
وذكر أهم من صنف في الرد على ذلك
[قال الإمام]:
ظهرت عند بعض علماء المسلمين منذ قرون طويلة فكرة خاطئة، ورأي خطير، وذلك هو قولهم: إن حديث الآحاد ليس بحجة في العقائد الإسلامية، وإن كان حجة في الأحكام الشرعية، وقد أخذ بهذا الرأي عدد من علماء الأصول المتأخرين، وتبناه حديثًا طائفة من الكُتاب والدعاة المسلمين، حتى صار عند بعضهم أمرًا بدهيًّا لا يحتمل البحث والنقاش! وغلا بعضهم فقال: إنه لا يجوز أن تُبنى عليه عقيدة أصلًا، ومن فعل ذلك فهو فاسق وآثم!!
وقد كتب في الرد على هذا الرأي الشاذ كثير من علماء الإسلام والحديث قديمًا وحديثًا، ومن أهم الردود ما كتبه العلامة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الصواعق المرسلة" والإمام الكبير ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه القيم
[ ١ / ٣٢٣ ]
"الإحكام في أصول الأحكام".
"وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" (ص٣).
[٤٨] باب نقض القول برد حديث الآحاد في العقيدة من وجوه عِدة
[قال الإمام]:
ذهب بعضهم إلى أنه لا تثبت العقيدة إلا بالدليل القطعي، بالآية أو الحديث المتواتر تواترًا حقيقيًا، إن كان هذا الدليل لا يحتمل التأويل، وادعى أن هذا مما اتُفِق عليه عند علماء الأصول، وأن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم (١)، وأنها لا تثبت بها عقيدة (٢)!
وأقول: إن هذا القول وإن كنا نعلم أنه قد قال به بعض المتقدمين من علماء الكلام، فإنه منقوض من وجوه عديدة:
الوجه الأول: أنه قول مبتدع محدث، لا أصل له في الشريعة الإسلامية الغراء، وهو غريب عن هدي الكتاب وتوجيهات السنة، ولم يعرفه السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ولم ينقل عن أحد منهم، بل ولا خطر لهم على بال! ومن المعلوم المقرر في الدين الحنيف: أن كل أمر مبتدع من أمور الدين باطل مردود،
_________________
(١) قلت: ومعنى ذلك عندهم: أنه يمكن أن يكون كذبًا أو خطأً! [منه].
(٢) ومما ينبغي أن يُنتبه له: أن المراد بحديث الآحاد الحديث الصحيح، ولو جاء من عدة طرق صحيحة، لكنها لم تبلغ درجة التواتر؛ فمثل هذا الحديث يرده هؤلاء ولا يقبلونه في العقيدة! وللاطلاع على أهم التعريفات الحديثية المتعلقة بهذا الموضوع؛ راجع مقدمة رسالتنا السابقة «الحديث حجة بنفسه» [منه].
[ ١ / ٣٢٤ ]
لا يجوز قبوله بحال.
الوجه الثاني: أن هذا القول يتضمن عقيدةً تستلزم رد مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - ﵌ - ولم لمجرد كونها في العقيدة، وهذه العقيدة: هي أن أحاديث الآحاد لا تثبت بها عقيدة، وإذا كان الأمر كذلك عند هؤلاء المتكلمين وأتباعهم، فنحن نخاطبهم بما يعتقدونه، فنقول لهم:
أين الدليل القاطع على صحة هذه العقيدة لديكم من آية أو حديث متواتر: قطعي الثبوت قطعي الدلالة أيضًا، بحيث إنه لا يحتمل التأويل؟
الوجه الثالث: أن هذا القول مخالف لجميع أدلة الكتاب والسنة التي نحتج نحن وإياهم جميعًا بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام الشرعية، وذلك لعمومها وشمولها لما جاء به رسول الله - ﵌ - عن ربه، سواء كان عقيدة أو حكمًا.
الوجه الرابع: أن القول المذكور ليس فقط لم يَقُلْ به الصحابة، بل هو مخالف لما كانوا عليه ﵃، فإننا على يقين أنهم كانوا يجزمون بكل ما يحدث به أحدهم عن حديث عن رسول الله - ﵌ -، ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله - ﵌ -: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر.
الوجه الخامس: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (المائدة:٦٧)، وقال: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (النور:٥٤)، وقال النبي - ﵌ -: «بلغوا عني» متفق عليه، وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: «أنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، رواه مسلم.
[ ١ / ٣٢٥ ]
ومعلوم أن البلاغ: هو الذي تقوم به الحجة على المبلَّغ، ويحصل به العلم، فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم، وقد كان رسول الله - ﵌ - يرسل الواحد من أصحابه يبلِّغ عنه، فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدولُ الثقات من أقواله وأفعاله وسنته، ولو لم يفد العلم، لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل الباطل.
الوجه السادس: أننا نعلم يقينًا أن النبي - ﵌ - كان يبعث أفرادًا من الصحابة إلى مختلف البلاد ليعلِّموا الناس دينهم، كما أرسل عليًا ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن في نوبات مختلفة، ونعلم يقينًا أيضًا أن أهم شيء في الدين إنما هو العقيدة، فهي أول شيء كان أولئك الرسل يدعون الناس إليه، كما قال رسول الله - ﵌ - لمعاذ: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿» وفي رواية: «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله»، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ) الحديث متفق عليه، واللفظ لمسلم.
فقد أمره - ﵌ - أن يبلغهم قبل كل شيء عقيدة التوحيد، وأن يعرفهم بالله ﷿، وما يجب له وما ينزه عنه، فإذا عرفوه تعالى بلغهم ما فرض الله عليهم، وذلك ما فعله معاذ يقينًا، فهو دليل قاطع على أن العقيدة تثبت بخبر الواحد، وتقوم به الحجة على الناس، ولولا ذلك لما اكتفى رسول الله - ﵌ - بإرسال معاذ وحده وهذا بين ظاهر، والحمد لله.
الوجه السابع: أن القول المذكور يستلزم تفاوت المسلمين فيما يجب عليهم اعتقاده، مع بلوغ الخبر إليهم جميعًا، وهذا باطل أيضًا.
[ ١ / ٣٢٦ ]
الوجه الثامن: ومِن لوازمه -أيضًا- إبطال الأخذ بالحديث مطلقًا في العقيدة من بعد الصحابة الذين سمعوه منه - ﵌ - مباشرة، وهذا كالذي قبله في البطلان،
بل أظهر.
الوجه التاسع: إذا كان من الواجب قبول قول المحدث الواحد في الحديث: إنه متواتر، وهو يستلزم الأخذ به في العقيدة، فكذلك يجب الأخذ بحديث كل محدث ثقة، وإثبات العقيدة به، ولا فرق.
والتعليل باحتمال أن يكون وَهِمَ أو نسي أو كَذب في واقع الأمر -وإن كان ظاهره الثقة والعدالة- يقال مثله في المختص الذي قال بتواتر الحديث، ولا فرق أيضًا، فإما أن يصدق كل منهما فيما أخبر به، وإما أن لا يصدقا! والثاني باطل، فثبت الأول، وهو المراد.
الوجه العاشر: أن التصديق في مبدأ الأمر -وإن كان اختياريًا- ولذلك يقال للإنسان: صدِّق أو لا تُصدق-، ولكن المصدِّق حين يثق بالراوي يجد نفسه مقسورة على تصديقه، بحيث إنه لا يمكنه أن يكذبه أو يشك في خبره، كما يجد ذلك كل واحد منا مع صديقه الذي يثق به.
وحينئذٍ فتكليف المصَدِّقِ بوجوب تصديق الراوي الذي يثق به في الأحكام دون العقيدة هو أشبه شيء بالقول بـ: (تكليف ما لا يطاق).
الوجه الحادي عشر: أن التفريق بين العقيدة والأحكام العملية، وإيجاب الأخذ بحديث الآحاد في هذه دون تلك إنما بني على أساس أن العقيدة لا يقترن معها عمل، والأحكام العملية لا يقترن معها عقيدة، وكلا الأمرين باطل!
الوجه الثاني عشر: أن القائلين بهذه العقيدة الباطلة لو قيل لهم: إن العكس
[ ١ / ٣٢٧ ]
هو الصواب، لما استطاعوا رده، فإنه من الممكن أن يقال: لما كان كل من العقيدة والعمل يتضمن أحدهما الآخر، فالعقيدة يقترن معها عمل، والعمل يقترن معه عقيدة على ما سبق بيانه آنفًا، ولكن بينهما فرقًا واضحًا من حيث أن الأول إنما هو متعلق بشخص المؤمن، ولا ارتباط له بالمجتمع، بخلاف العمل، فإنه مرتبط بالمجتمع الذي يحيا فيه المؤمن ارتباطًا وثيقًا، فيه تستحل الفروج المحرمة في الأصل، وتستباح الأموال والنفوس، فالأمور العملية من هذه الوجهة أخطر من الأمور الاعتقادية.
الوجه الثالث عشر: أن طرد قولهم بهذه العقيدة، وتبنيها دائمًا، يستلزم تعطيل العمل بحديث الآحاد في الأحكام العملية أيضًا، وهذا باطل لا يقولون هم أيضًا به، وما لزم منه باطل فهو باطل.
الوجه الرابع عشر: أن دعوى اتفاق الأصوليين على ذلك القول دعوى باطلة، وجرأة زائدة، فإن الاختلاف معروف في كتب الأصول وغيرها، وبعض الكُتاب اليوم إنما قلد في ذلك بعض المعاصرين الذي لا يتثبتون فيما ينقلون، وإلا فكيف يصح الاتفاق المذكور، وقد نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: الإمام مالك والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي وأصحابه، كابن حزم (١)، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي؟!
الوجه الخامس عشر: هب جدلًا أن الاتفاق المزعوم صحيح، ولكنه ليس على إطلاقه عند الأصوليين، بل هو مقيد بما إذا لم يكن هناك ما يشهد له.
_________________
(١) واحتج له بحجج كثيرة قوية، لا تجدها في كتاب آخر من كتب الأصول؛ فراجع «إحكام الأحكام» له (١/ ١١٩ - ١٣٨) [منه].
[ ١ / ٣٢٨ ]
الوجه السادس عشر: على أن هذا الاختلاف مسبوق بانعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى والأمور العلمية الغيبية بها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"فهذا لا يشك فيه من له خبرة بالمنقول، فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك، وكذلك تابع التابعين مع التابعين، هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث، كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم وأمانتهم ونقلهم ذلك عن نبيهم - ﵌ - كنقلهم الوضوء والغسل من الجنابة، وأعداد الصلوات وأوقاتها، ونقل الأذان والتشهد والجمعة والعيدين، فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها، جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه، وحينئذٍ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا - ﵌ - البتة، وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل، على أن كثيرًا من القادحين في دين الإسلام قد طردوه، وقالوا: لا وثوق لنا بشيء البتة، (قال): فهؤلاء أعطوا الانسلاخ من السنة والدين حقه، وطردوا كفرهم وخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم، وتقسمت الفرق قولهم هذا في رد الحديث" (١).
ثم ذكر أكثر من عشر طوائف وما أنكروه من السنة، وهم ما بين مستقل من ذلك، ومستكثر، ومنهم المفرقون بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات،
_________________
(١) «الصواعق» (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤) [منه].
[ ١ / ٣٢٩ ]
فليراجع تمام كلامه من شاء، فإنه نفيس، ولولا خشية الإطالة لنقلته برمته.
فثبت مما تقدم أن خبر الآحاد الذي تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم، فإذا كان كذلك، فالعقيدة تثبت به، ولا اعتداد بمن خالف في ذلك من المتكلمين، لمخالفتهم أدلة الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة ومن بعدهم من الأئمة.
الوجه السابع عشر: ثم هب أن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم، واليقين، فهي تفيد الظن الغالب قطعًا باتفاقهم.
الوجه الثامن عشر: أن كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبي، يختلف باختلاف المدرِك المستدِل، ليس هو صفة في نفسه.
الوجه التاسع عشر: إن من لوازم هذا القول الباطل: الاقتصار في العقيدة على ما جاء في القرآن وحده، وفصل الحديث عنه، وعدم الاعتداد بما فيه من العقائد والأمور الغيبية، وفقًا لطائفة من الناس اليوم، يعرفون بـ "القرآنيين" لأنهم لا يدينون بالحديث إطلاقًا إلا ما وافق القرآن منه، ولذلك فصلاتهم غير صلاتنا (١)، وزكاتهم غير زكاتنا، وكل عبادتهم غير عبادتنا، وبالتالي فعقائدهم غير عقائدنا، وذلك يساوي طبعًا أنهم غير مسلمين، فهؤلاء الذين أشار إليهم رسول الله - ﵌ - بقوله فيما صح عنه: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لُقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم
_________________
(١) ولقد طلبت من أحدهم أن يرينا صلاتهم، فصلى صلاة لا يدلّ عليها حتى القرآن نفسه؛ لأنها مركبة من أدعية وأذكار لا أصل لها فيه؛ فضلًا عن السنة!! [منه].
[ ١ / ٣٣٠ ]
أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قِراهُ» رواه أبو داود (٢/ ٥٠٥).
أقول: إن الذين يتبنون هذا القول الباطل يشاركون هؤلاء الضلال في قسم كبير من ضلالهم، وهو الاكتفاء بالقرآن فيما يتعلق بالعقيدة، وهذا -وإن كان لأول وهلة يبدو أنه يخالف قولهم المشار إليه؛ لأنهم يثبتون العقيدة بالحديث المتواتر-، فإنه في الحقيقة لا يخالفه إلا في اللفظ لا المعنى.
والتحقيق: أن ذلك نظري بالنسبة إليهم غير عملي، وإلا فليدلنا هؤلاء الذين يتبنون هذا القول على عقيدة واحدة يعتقدونها بناءً على حديث متواتر، فإني شخصيًا لا أظن أن أحدًا من علماء الكلام يثبت عقيدة بحديث متواتر؛ لأنهم من أجهل الناس بالأحاديث وطرقها، وأزهد الناس في الاشتغال بها وتطلبها، كما سبق بيانه، ولذلك نراهم يحكمون على كثير من الأحاديث بأنها أخبار آحاد، وهي عند أهل العلم بالحديث متواترة!
"وجوب الأخذ بحديث الآحاد" (ص٧ - ٤٥) باختصار شديد، ومن أراد التوسع فليراجع الرسالة المشار إليها.
[٤٩] باب رد شبهات حول حجية خبر الآحاد في العقيدة
[قال الإمام]:
إن القائلين بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، يقولون في الوقت نفسه بأن الأحكام الشرعية ثبتت بحديث الآحاد، وهم بهذا قد فرقوا بين العقائد والأحكام، فهل تجد هذا التفريق في النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة، كلا، وألف كلا، بل هي بعمومها وإطلاقاتها تشمل العقائد أيضًا، وتوجب اتباعه - ﵌ - فيها، لأنها بلا شك مما يشمله قوله (أمرًا) في آية ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
[ ١ / ٣٣١ ]
ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ وهكذا أمره تعالى بإطاعة نبيه - ﵌ - والنهي عن عصيانه، والتحذير من مخالفته - وثناؤه على المؤمنين الذين يقولون عندما يدعون للتحاكم إلى الله ورسوله: سمعنا وأطعنا، كل ذاك يدل على وجوب طاعته واتباعه - ﵌ - في العقائد والأحكام. وقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ فإن "ما" من ألفاظ العموم والشمول كما هو معلوم. وأنت لو سألت هؤلاء القائلين بوجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام عن الدليل عليه، لاحتجوا بهذه الآيات السابقة وغيرها مما لم نذكره اختصارًا، وقد استوعبها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه "الرسالة" فليراجعها من شاء، فما الذي حملهم على استثناء العقيدة من وجوب الأخذ بها وهي داخلة في عموم الآيات؟ إن تخصيصها بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص، وذلك باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل.
- شبهة وجوابها
لقد عرضت لهم شبهة ثم صارت لديهم عقيدة! وهي أن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن، ويعنون به الظن الراجح طبعًا، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتفاقًا، ولا يجوز الأخذ به عندهم في الأخبار الغيبية، والمسائل العلمية، وهي المراد بالعقيدة، ونحن لو سلمنا لهم جدلا بقولهم: "إن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن" على إطلاقه، فإنا نسألهم: من أين لكم هذا التفريق، وما الدليل على أنه لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة؟!
لقد رأينا بعض المعاصرين يستدلون على ذلك بقوله تعالى في المشركين: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ وبقوله سبحانه: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾، ونحو ذلك من الآيات التي يذم الله تعالى فيها المشركين على اتباعهم
[ ١ / ٣٣٢ ]
الظن. وفات هؤلاء المستدلين أن الظن المذكور في هذه الآيات ليس المراد به الظن الغالب الذي يفيده خبر الآحاد، والواجب الأخذ به اتفاقًا، وإنما هو الشك الذي هو الخرص؛ فقد جاء في "النهاية" و"اللسان" وغيرها من كتب اللغة: " الظن: الشك يعرض لك في الشيء فتحققه وتحكم عليه ".
فهذا هو الظن الذي نعاه الله تعالى على المشركين، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى فيهم: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾ فجعل الظن هو الخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين.
ولو كان الظن المنعي على المشركين في هذه الآيات هو الظن الغالب كما زعم أولئك المستدلون، لم يجز الأخذ به في الأحكام أيضًا، وذلك لسببين اثنين:
الأول: أن الله أنكره عليهم إنكارًا مطلقًا، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام.
والآخر: أنه تعالى صرح في بعض الآيات أن الظن الذي أنكره على المشركين يشمل القول به في الأحكام أيضًا، فاسمع إلى قوله تعالى الصريح في ذلك: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ "فهذه عقيدة" ولا حرمنا من شيء "وهذا حكم" كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون﴾، ويفسرها قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ فثبت مما تقدم أن الظن الذي لا يجوز الأخذ به إنما هو الظن اللغوي المرادف للخرص والتخمين، والقول بغير علم، وأنه يحرم الحكم به في الأحكام كما يحرم الأخذ به في العقائد ولا فرق.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وإذ كان الأمر كذلك فقد سلم لنا القول المتقدم: إن كل الآيات والأحاديث المتقدمة الدالة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام، تدل أيضًا بعمومها وشمولها على وجوب الأخذ به في العقائد أيضًا، والحق أن التفريق بين العقيدة والأحكام في وجوب الأخذ فيها بحديث الآحاد فلسفة دخيلة في الإسلام، لا يعرفها السلف الصالح ولا الأئمة الأربعة الذين يقلدهم جماهير المسلمين في كل العصر الحاضر.
- بناؤهم عقيدة (عدم الأخذ بحديث الآحاد) على الوهم والخيال:
وإن من أعجب ما يسمعه المسلم العاقل اليوم هو هذه الكلمة التي يرددها كثير من الخطباء والكتاب كلما ضعف إيمانهم عن التصديق بحديث، حتى ولو كان متواترًا عند أهل العلم بالحديث كحديث نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فإنهم يتسترون بقولهم: " حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة "، وموضع العجب أن قولهم هذا هو نفسه عقيدة، كما قلت مرة لبعض من ناظرتهم في هذه المسألة، وبناء على ذلك، فعليهم أن يأتوا بالدليل القاطع على صحة هذا القول، وإلا فهم متناقضون فيه، وهيهات هيهات فإنهم لا دليل لهم إلا مجرد الدعوى، ومثل ذلك مردود في الأحكام فكيف في العقيدة؟ وبعبارة أخرى: لقد فروا من القول بالظن الراجح في العقيدة، فوقعوا فيما هو أسوأ منه وهو قولهم بالظن المرجوح فيها، " فاعتبروا يا أولى الأبصار "! وما ذلك إلا بسبب البعد عن التفقه بالكتاب والسنة، والاهتداء بنورهما مباشرة، والانشغال عنه بآراء الرجال.
"وجوب الأخذ بحديث الآحاد" (ص٤٩ - ٥٣)
[ ١ / ٣٣٤ ]
[٥٠] باب خبر الآحاد يفيد العلم واليقين في كثير من الأحيان وبيان أن سبب ادعاء أهل الضلال عدم إفادة حديث الآحاد العلم هو جهلهم بالسنة
[قال الإمام]:
ينبغي أن يعلم أن [القول بأن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن الراجح] ليس مسلمًا على إطلاقه، بل فيه تفصيل مذكور في موضعه، والذي يهمنا ذكره الآن هو أن خبر الآحاد يفيد العلم واليقين في كثير من الأحيان، من ذلك الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول، ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مما لم ينتقد عليهما فإنه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري حاصل به، كما جزم به الإمام ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" (ص٢٨ - ٢٩) ونصره الحافظ بن كثير في "مختصره" ومن قبله شيخ الإسلام ابن تيمية، وتبعه العلامة ابن قيم الجوزية في "مختصر الصواعق" (٢/ ٣٨٣)، ومثل له بعدة أحاديث، منها حديث عمر:» إنما الأعمال بالنيات «وحديث:» إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل «، وحديث ابن عمر:» فرض رسول الله - ﵌ - صلاة الفطر في رمضان على الصغير والكبير والذكر والأنثى «وأمثال ذلك، قال ابن القيم (٢/ ٣٧٣):
" قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد - ﵌ - من الأولين والآخرين، أما السلف، فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل السرخسي وأبي بكر الرازي
[ ١ / ٣٣٥ ]
من الحنفية، والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية، وابن خويز منداد وغيره من المالكية، ومثل القاضي أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية، ومثل أبي إسحاق الإسفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين، وذكره ابن الصلاح وصححه واختاره، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم، وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين، وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة: أن هذا الذي قاله أبو عمرو بن الصلاح انفرد به عن الجمهور! وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي، وإلى ابن الخطيب، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني. (قال): وجميع أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو، والحجة على قول الجمهور: أن تلقي الأمة للخبر تصديقًا وعملًا، إجماع منهم والأمة لا تجتمع على ضلالة، كما لو اجتمعت على موجب عموم، أو مطلق أو اسم حقيقة، أو على موجب قياس، فإنها لا تجتمع على خطأ وإن كان الواحد منهم لو جرد النظر إليه لم يؤمن عليه الخطأ، فإن العصمة تثبت بالنسبة إلاجماعية، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحد واحد من المخبرين بمفرده، ولا يجوز على المجموع، والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها، (قال): والآحاد في هذا الباب قد تكون ظنونًا بشروطها، فإذا قويت صارت علومًا، وإذا وضعت صارت أوهامًا وخيالات فاسدة. (قال):
واعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب كما ذكره الشيخ أبو عمرو، ومن قبله العلماء كالحافظ أبي طاهر السلفي وغيره، فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم، مفيد لليقين، ولا عبرة
[ ١ / ٣٣٦ ]
بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين، فإن الإعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم، كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها، دون المتكلمين والنحاة والأطباء، وكذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله، وهم علماء الحديث، العالمون بأحوال نبيهم، الضابطون لأقواله وأفعاله، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين لأقوال متبوعيهم، فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلومًا لغيرهم، فضلًا أن يتواتر عندهم، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم، وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علمًا لا يشكون فيه مما لا شعور لغيرهم به البتة ".
- فساد قياس الخبر الشرعي على الأخبار الأخرى في إفادة العلم:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢/ ٣٦٨):
" وإنما أتى منكر إفادة خبر الواحد العلم من جهة القياس الفاسد فإنه قاس المخبر عن رسول الله - ﵌ - بشرع عام للأمة، أو بصفة من صفات الرب تعالى على خبر الشاهد على قضية معينة، ويا بعد ما بينهما ! فإن المخبر عن رسول الله - ﵌ - لو قدر أنه كذب عمدًا أو خطأ، ولم يظهر ما يدل على كذبه لزم من ذلك إضلال الخلق، إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول، وعملت بموجبه، وأثبتت به صفات الرب وأفعاله، فإن ما يجب قبوله شرعًا من الأخبار لا يكون باطلا في نفس الأمر، لاسيما إذا قبلته الأمة كلهم وهكذا يجب أن يقال في كل دليل يجب اتباعه شرعًا، لا يكون إلا حقًا، فيكون مدلوله ثابتًا في نفس الأمر، هذا فيما يخبر به عن شرع الرب تعالى وأسمائه وصفاته، بخلاف الشهادة المعينة على مشهود
[ ١ / ٣٣٧ ]
عليه معين، فهذه قد لا يكون مقتضاها ثابتًا في نفس الأمر.
وسر المسألة أنه لا يجوز أن يكون الخبر الذي تعبد الله به الأمة وتعرف به إليهم على لسان رسوله - ﵌ - في إثبات أسمائه وصفاته كذبًا وباطلًا في نفس الأمر، فإنه من حجج الله على عباده، وحجج الله لا تكون كذبًا وباطلا، بل لا تكون إلا حقًا في نفس الأمر، ولا يجوز أن تتكافأ أدلة الحق والباطل، ولا يجوز أن يكون الكذب على الله وشرعه ودينه مشتبهًا بالوحي الذي أنزله على رسوله، وتعبد به خلقه، بحيث لا يتميز هذا عن هذا، فإن الفرق بين الحق والباطل، والصدق والكذب، ووحي الشيطان، ووحي الملك عن الله، أظهر من أن يشبه أحدهما بالآخر، ألا وقد جعل الله على الحق نورًا كنور الشمس يظهر للبصائر المستنيرة، وألبس الباطل ظلمة كظلمة الليل.
وليس بمستنكر أن يشتبه الليل بالنهار على أعمى البصر، كما يشتبه الحق بالباطل على أعمى البصيرة، قال معاذ بن جبل في قضيته (!) " تلق الحق ممن قاله، فإن على الحق نورًا " ولكن لما أظلمت القلوب، وعميت البصائر بالإعراض عما جاء به الرسول - ﵌ -، وازدادت الظلمة باكتفائها بآراء الرجال التبس عليها الحق بالباطل، فجوزت على أحاديثه - ﵌ - الصحيحة التي رواها أعدل الأمة وأصدقها أن تكون كذبًا، وجوزت على الأحاديث الباطلة المكذوبة المختلقة التي توافق أهواءها أن تكون صدقًا فاحتجت بها!
قال (٢/ ٣٧٩):
وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل، يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن كعب بأخبار آحاد الناس، مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين، فمن أظلم ممن
[ ١ / ٣٣٨ ]
سوى بين خبر الواحد من الصحابة وخبر الواحد من الناس في عدم إفادة العلم؟ وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل.
قال (٢/ ٣٧٩):
- سبب ادعائهم (عدم إفادة حديث الآحاد العلم) هو جهلهم بالسنة:
فإذا قالوا: أخباره - ﵌ - وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم، فهم مخبرون عن أنفسهم أنهم لم يستفيدوا منها العلم، فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم، كاذبون في إخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة. (وقال ٢/ ٤٣٢) إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم، فقولهم: لم نستفد بها العلم لم يلزم منه النفي العام على ذلك، (وهذا) بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء العالم به غير واجد له، ولا عالم به! فهو كمن يجد من نفسه وجعًا أو لذة أو حبًا أو بغضًا، فينتصب له من يستدل على أنه غير وجع ولا متألم ولا محب ولا مبغض، ويكثر له من الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته، ولو كان حقًا لاشتركت أنا وأنت فيه! وهذا عين الباطل،
وما أحسن ما قيل:
أقول للائم المهُدى ملامته ذق الهوى فإن استطعت الملام لُمِ
فيقال له: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول - ﵌ - واحرص عليه، وتتبعه واجمعه، و(الزم) معرفة أحوال نقلته وسيرتهم، وأعرض عما سواه، واجعله غاية طلبك، ونهاية قصدك، بل احرص عليه حرص أتباع المذاهب على معرفة مذاهب أئمتهم، بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم، ولو أنكر ذلك عليهم منكر لسخروا منه، وحينئذ تعلم: هل تفيد أخبار رسول الله - ﵌ - العلم أو لا
[ ١ / ٣٣٩ ]
تفيده، فأما مع إعراضك عنها، وعن طلبها فهي لا تفيدك علمًا، ولو قلت: لا تفيدك أيضًا ظنًا لكنت مخبرًا بحصتك ونصيبك منها ! ".
"حديث الآحاد حجة بنفسه" (ص٦٢ - ٦٨)
[٥١] باب أمثلة على العقائد الإسلامية المتواترة
[قال الإمام]:
[هذه جملة] من العقائد الإسلامية التي تلقاها الخلف عن السلف، وجاءت الأحاديث متضافرة متوافرة شاهدة عليها:
١ - نبوة آدم ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم يُذكروا في القرآن.
٢ - أفضلية نبينا محمد - ﷺ - على جميع الأنبياء والرسل.
٣ - شفاعته - ﵌ - العظمى في المحشر.
٤ - شفاعته - ﵌ - لأهل الكبائر من أمته.
٥ - معجزاته - ﷺ - كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر، فإنها مع ذكرها في القرآن تأولوها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله - ﵌ -.
٦ - صفاته - ﷺ - البدنية وبعض شمائله الخلقية.
٧ - الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق وصفة الملائكة، والجن والجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة (١).
_________________
(١) وقد صرح الشيخ محمود شلتوت - ﷺ - (١١٣) بأنه حجر طبيعي من أحجار مكة.
[ ١ / ٣٤٠ ]
٨ - خصوصياته - ﵌ - التي جمعها السيوطي في كتاب «الخصائص الكبرى» مثل دخول الجنة، ورؤية أهلها وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن وغيره ذلك.
٩ - القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.
١٠ - الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر.
١١ - الإيمان بعذاب القبر.
١٢ - الإيمان بضغطة القبر.
١٣ - الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة.
١٤ - الإيمان بالصراط.
١٥ - الإيمان بحوضه - ﵌ -، وأن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا.
١٦ - دخول سبعين ألفًا من أمته - ﵌ - الجنة بغير حساب.
١٧ - سؤال الأنبياء في المحشر عن التبليغ.
١٨ - الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر.
١٩ - الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن الله تعالى كتب على كل إنسان سعادته أو شقاوته ورزقه وأجله.
٢٠ - الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.
٢١ - الإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازًا.
٢٢ - الإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازًا (١).
٢٣ - الإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.
_________________
(١) صرَّح بعضهم في «الفصول» ص (١٥٢) بالإيمان بالكرسي مجازًا، وإنكار الإيمان به حقيقة ن ودعا إلى الإيمان بذلك!! [منه].
[ ١ / ٣٤١ ]
٢٤ - وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة.
٢٥ - وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
٢٦ - وأن لله ملائكة سياحين يبلغون النبي - ﵌ - سلام أمته عليه.
٢٧ - الإيمان بمجموع أشراط الساعة، كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇ وخروج الدجال، ودابة الأرض من موضعها، وغيرها مما صحت به الأحاديث.
٢٨ - وأن المسلمين يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي التي تتمسك بما كان عليه الصحابة من عقيدة وعبادة وهدى.
٢٩ - الإيمان بجميع أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، مما جاء في السنة الصحيحة، كالعلي، والقدير، وصفة الفوقية، والنزول وغيرها.
٣٠ - الإيمان بعروجه - ﵌ - إلى السماوات العلى ورؤيته آيات ربه الكبرى.
هذه بعض العقائد الإسلامية الصحيحة التي وردت في الأحاديث الثابتة المتواترة أو المستفيضة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي تبلغ المئات، وما أظن أحدًا من المسلمين يجرؤ على إنكارها، أو التشكيك فيها، وإن كان ذلك يلزم الذين لا يثبتون العقيدة بحديث الآحاد، هدانا الله تعالى وإياهم إلى سواء السبيل.
"وجوب الأخذ بحديث الآحاد" (ص٤٩ - ٥٣)
[ ١ / ٣٤٢ ]
[٥٢] باب عدم الإحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة بدعة محدثة
[قال الإمام]:
أدلة الكتاب والسنة، وعمل الصحابة، وأقوال العلماء تدل دلالة قاطعة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة، سواء كان في الاعتقاديات أو العمليات، وأن التفريق بينهما، بدعة لا يعرفها السلف، ولذلك قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (٣/ ٤١٢):
" وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات "يعني العقيدة"، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه دينًا، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟! نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ويحيلون على آراء المتكلمين، وقواعد المتكلفين، فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين وادعوا الإجماع على هذا التفريق، ولا يحفظ ما جعلوه إجماعًا عن إمام من أئمة المسلمين، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين فنطالبهم بفرق صحيح بين ما يجوز إثباته بخبر الواحد من الدين، وما لا يجوز، ولا يجدون إلى الفرق سبيلا إلا بدعاوى باطلة كقول بعضهم: الأصوليات هي
[ ١ / ٣٤٣ ]
المسائل العلميات، والفروعيات هي المسائل العملية (وهذا تفريق باطل أيضًا، فإن المطلوب من العمليات) (١) أمران: العلم والعمل، والمطلوب من العلميات العلم والعمل أيضًا، وهو حب القلب وبغضه، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه للباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصورًا على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية، فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال! وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي - ﵌ - غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب، من حب ما جاء به والرضا به وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه، فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جدًا، به تعرف حقيقة الإيمان.
فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية، فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العمليات بمجرد العلم دون العمل".
فتحرر من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن التفريق المذكور مع كونه باطلًا بالإجماع لمخالفته ما جرى عليه السلف، وتظاهر الأدلة المتقدمة على مخالفته، فهو باطل أيضًا من جهة تصور المفرقين عدم وجوب اقتران العلم بالعمل، والعمل بالعلم، وهذه نقطة هامة جدًا تساعد المؤمن على تفهم الموضوع جيدًا، والإيمان ببطلان التفريق المذكور يقينًا.
"الحديث حجة بنفسه" (ص٦٠ - ٦٢)
_________________
(١) الأصل: " والمطلوب منها أمران " ولعل ما أثبتناه أقرب إلى الصواب. [منه].
[ ١ / ٣٤٤ ]
[قال الإمام]:
(تقسيم) الأحاديث الصحيحة إلى قسمين:
قسم يجب على المسلم قبولها ويلزمه العمل بها وهى أحاديث الأحكام ونحوها، وقسم لا يجب عليه قبولها والاعتقاد بها وهي أحاديث العقائد وما يتعلق منها بالأمور الغيبية.
أقول: إن هذا تقسيم مبتدع لا أصل في كتاب الله ولا في سنة رسوله - ﵌ - ولا يعرفه السلف الصالح بل عموم الأدلة الموجبة للعمل بالحديث تقتضي وجوب العمل بالقسمين كليهما ولا فرق فمن ادعى التخصيص فليتفضل بالبيان مشكورًا وهيهات هيهات، ثم ألفت رسالتين هامتين جدًاّ في بيان بطلان التقسيم المذكور الأولى: " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة " والأخرى: " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام ".
"تمام المنة" (ص٧٩).
[٥٤] باب منه
(سئل الإمام عن خبر الآحاد وهل يفيد العلم أم غلبة الظن، وهل يحتج به في العقيدة أم لا، فأجاب):
يجب على المسلم أن يرفع عن ذهنه بعض التفاصيل العلمية التي هي حصيلة خبرة واجتهاد الأئمة المختصين بعلم الحديث؛ لأن هذه التفاصيل لا تفيد عامة المسلمين، الذي يجب على كل مسلم أن يخضع لكل حديث صح بأي مرتبة من مراتب الصحة، سواء كان صحيحًا .. غريبًا .. فردًا .. أو كان صحيحًا مستفيضًا
[ ١ / ٣٤٥ ]
أو مشهورًا أو متواترًا، لأن هذه المراتب يستفيد منها أهل الاختصاص والمعرفة والعلم، ويضيع بينها غيرهم؛ فلذلك لا ينبغي لعامة المسلمين أن يلجوا هذه المساحة، وإنما عليهم فقط أن يعرفوا صح الحديث عند أهل العلم فإذا صح انتهى الأمر.
حديث الآحاد في واقع الأمر يفيد الظن الغالب، هذا هو الأصل في خبر الآحاد، لكن كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: خبر الآحاد إذا اقترنت به قرينة من قرائن أفاد بسبب انضمام هذه القرائن إليه العلم واليقين، وكما ترى من هو الذي يستطيع أن يميز حديث آحاد له قرينة أو قرائن من حديث آحاد ليس له قرينة، فالمرجع في ذلك إذًا إلى أهل العلم، ولكن لنقُل الآن: نأخذ أعلى درجة في الحديث، هو كما تعلمون الحديث المتواتر، فكون الحديث متواترًا عند زيد من الناس من أهل الاختصاص فيلزم منه أن يكون متواترًا عند عمر من أهل الاختصاص، والعكس بالعكس، فما بالكم إذا كان الحديث متواترًا عند زيد من أهل العلم فهل من الضروري أن يكون متواترًا عند غير أهل العلم؟
وقد قلت مرة، وكررت ذلك بمناسبة أو بأخرى: من جماعة حزب التحرير الذين نشروا هذه البلبلة في العصر الحاضر بين عامة المسلمين، وهي أن الحديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، قلت لهؤلاء: معنى ذلك أو لازم ذلك أنكم لا تتبنون عقيدة من حديث! ولو كان متواترًا، قالوا: كيف ذلك؟ فشرحت لهم الأمر بنحو ما ذكرت آنفًا: أن قضية التواتر قضية نسبية، قلت لهم مثلًا: حينما يجري النقاش في بعض المسائل الفقهية بين الحنفية الشافعية، أو بين الحنفية وأهل الحديث مثلًا، يتناقشون حول حديث صريح الدلالة لكنه ليس متواترًا، لأن من فلسفة مذهب الحنفية: أن النص الذي فيه الفرضية في الأحكام الفقهية يشترط فيه
[ ١ / ٣٤٦ ]
شرطان: أن يكون قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، فإذا اختل أحد الشرطين نزل الحكم من الفرضية إلى الوجوب، والقول بالوجوب اصطلاح فقهي حنفي حيث يوجبون أشياء ولا يفرضونها، لأن الواجب عندهم وسط بين ما هو فرض وبين ما هو سنة، وحين يقولون في تعريف الفرض: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، أما الواجب: فيثاب فاعله ويعاقب تاركه دون معاقبة تارك الفرض.
فإذا جاء النص متواترًا مثلًا ولم يكن قطعي الدلالة [لا يفيد] الفرضية وإنما يفيد الوجوب، والعكس بالعكس: إذا كان قطعي الدلالة ولم يكن قطعي الثبوت فكذلك، فلا بد من أن يتوفر في النص أن يكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة، مثاله: قوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» لا يقولون بركنية الفاتحة، ولهم أجوبة على ذلك، فالذي يهمنا الآن هو قولهم: أن هذا حديث آحاد ليس قطعي الثبوت، لكن إمام أهل الحديث وأمير المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري يقول في أول رسالته: وجوب القراءة وراء الإمام: تواتر الخبر عن رسول الله - ﵌ - أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
فالآن: خبر من نأخذ، خبر الإمام وأمير المحدثين أو خبر الأحناف الذين يقولون: أن هذا حديث غير متواتر، نعم هو صحيح لكنه آحاد؟ فلو سلمنا للحنفية أنهم مخلصون وأنهم غير متعصبين وإلى آخره، وأنه لم يبلغهم الخبر على طريق التواتر، فنقول حينذاك: أن القضية قضية نسبية ..
فوصل بنا الكلام إلى قوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فإن هذا الحديث أخذ منه جماهير الفقهاء في دلالته الظاهرة التي هي أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، فقد تأولوا الحديث
[ ١ / ٣٤٧ ]
بمعنى: لا صلاة كاملة، لماذا؟ للسبب الذي ذكرته آنفًا وهو أنهم لا يثبتون فرضًا فضلًا عن أن يثبتوا ركنًا أو شرطًا، ولا يخفى أن الركن والشرط أقوى من الفرض، فإذا لم يثبتوا الفرض بحديث آحاد فمن باب أولى لا يثبتون ركنًا أو شرطًا بحديث آحاد، على ذلك فهم تأولوا الحديث بهذا التأويل؛ لأنه عندهم حديث آحاد، بينما علماء الحديث قد حكموا بهذا الحديث بأنه يفيد شرطية قراءة الفاتحة.
والرد على الحنفية الذين قالوا: بأنه حديث آحاد، يقال: أمير المؤمنين في الحديث يقول كما ذكرت آنفًا: تواتر الخبر عن رسول الله - ﵌ - أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فإذًا: الحديث هنا عند الحنفية آحاد وعند البخاري متواتر، فالقضية قضية نسبية ما كان متواترًا عند هؤلاء لا ينبغي، أو لا يجب على الأقل أن يكون متواترًا عند أولئك.
كنت أتحدث عن حزب التحرير في هذا الزمان الذي أشاع هذه الفلسفة: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، فلما ناظرتهم وجادلتهم في هذه المسألة قلت لهم: ما ذكرته آنفًا: لازم هذا أنكم .. لا تتقربون إلى الله ﵎ باعتقاد ما في حديث؛ لأنه حديث آحاد، قالوا: كيف؟ شرحت لهم أن كون الحديث آحادًا أو متواترًا هي قضية نسبية كما ذكرت آنفًا.
والآن قلت لهم: أقول لكم: لو فرضنا أن الشيخ تقي الدين النبهاني ﵀ هو أكبر محدث على وجه الأرض، طبعًا وهم يعلمون أنه ليس كذلك، وكان الرجل من فقهاء العصر الحاضر وفقهه تقليدي ليس فقه على بصيرة كما ينبغي أن يكون عليه كل مسلم، وبخاصة إذا كان عالمًا، فقلنا لهم: أفترض أن الرجل أكبر عالم في الحديث، قال لكم: تواتر الحديث الفلاني عن رسول الله - ﵌ - عندي، فهو سيظل متواترًا عنده، أما عندكم كأفراد سيصبح آحادًا، لماذا؟ لأن علماء الحديث
[ ١ / ٣٤٨ ]
حين اصطلحوا على تسمية حديث ما بالمتواتر يشترطون التواتر في كل طبقة، مع اختلافهم البالغ والكثير في عدد التواتر، فمن قائل: عشرة وعشرين وثلاثين إلى مائة شخص، أي: لنأخذ أقرب الأمثلة: الحديث المتواتر هو الذي رواه عشرة عن أصحاب الرسول - ﵌ -، عن رسول الله .. وعن هؤلاء العشرة عشرة من التابعين، وعن هؤلاء عشرة من أتباع التابعين، وهكذا إلى أن يصنف في الكتب كتب الحديث.
فأحدنا إذا أراد أن يكون الحديث عنده متواترًا فعليه أن يقف على هذا الحديث متواترًا عند عشرة من المحدثين، أن يكون البخاري رواه من عشرة طرق، ومسلم من عشرة طرق، وأبو داود، وإلى آخره حينئذٍ صار الحديث متواترًا عند الذي حصل هذه الطرق العشرة تواترًا في حجم كتب السنة، فإذا قال الشيخ تقي الدين: هذا الحديث متواتر، فقد انقطع التواتر بينكم وبين التواتر؛ لأنه هو خبره آحاد .. هو خبره آحاد، هو يقول: حديث متواتر، فأنت تأخذ المتواتر عن فرد انقطع به التواتر، إذًا: أنتم لا يمكن أن تعتقدوا بحديث أنه متواتر.
ونكتُّ عليهم مرةً النكتة التالية: قلت: زعموا أن أحد هؤلاء ذهب إلى اليابان للتبشير بالإسلام، والشيخ تقي الدين ﵀ له كتاب سماه: طريق الإيمان، وذكر فيه هذه الفكرة الخاطئة، وهو أن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، فهذا الداعية الحزبي أخذ يدرس عليهم طريق الإيمان، فجاء فيما دَرَّس: أن خبر الآحاد لا يفيد العلم، فهناك شخص كيس ذكي قال لهذا المحاضر يومًا: يا أستاذ! أنت فيما مضى درست علينا كذا وكذا: أن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت الآن تعلمنا الإسلام العقيدة، فإذًا يجب أن ترجع أدراجك وتأتي بالعدد هذا التواتر عشرة .. عشرين .. ثلاثين، ويشهدوا معك أن هذا هو الإسلام حينئذٍ نحن نقبل منك، أما
[ ١ / ٣٤٩ ]
الآن فلا .. هذه من لوازم فلسفة حديث التواتر وحديث الآحاد.
أنا أريد أن أقول: إن التفريق بين حديث التواتر وحديث الآحاد بأقسامه المستفيض والمشهور، هذه حقيقة واقعة، لكن من الذي يكشفها؟ يكشفها أهل العلم، هل من مصلحة عامة المسلمين أن تدرس هذه الفلسفة عليهم؟ الجواب: لا؛ لأن هذا يلقي على عقيدتهم كثيرًا من الشك والريب.
ثم إذا رجعنا إلى السلف الصالح ولأمر ما نحن ننتسب إلى السلف الصالح، ونفهم كيف تلقوا الإسلام، نجد أن النبي - ﵌ - أرسل أفرادًا وآحادًا إلى البلاد كبلاد اليمن وبلاد الشام ونحو ذلك يعلمون الناس العلم، وبخاصة من أشهر هؤلاء الرسل معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، كل هؤلاء أرسلهم الرسول ﵇ إلى اليمن كأفراد ولم يفعل كما يفعل التبليغيون اليوم حين يخرجون زرافات .. جماعات، وليس فيهم علماء، أرسل أفرادًا، وكان من جملة ما ثبت في الصحيح أن النبي - ﵌ - لما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله» هذا أس العقيدة، أس التوحيد، [لكن] بزعم هؤلاء من علماء الكلام الذين جاءوا ببدعة حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة معناه -وقد قالوا هذا مع الأسف الشديد، -معناه: أن الرسول ﵇ أرسل داعية لا تقوم به الحجة على المدعوين؛ لأنه فرد، وهذا لو نسب إلى شخص لكان عبثًا فكيف ينسب إلى الرسول ﵊؟!
وهكذا كل الأخبار تترا بأن السلف الصالح لا يفرق بين خبر الآحاد وخبر اثنين أو أكثر إلى آخره، لكن لا شك أن هذا التفريق أمر واقع ما له دافع.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٣/ ٠٠:٠٤:٠٢)
[ ١ / ٣٥٠ ]
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية:"وجميع ما صح عن رسول الله - ﵌ - من الشرع والبيان كله حق"]:
قلت: يعني دون تفريق بين ما كان منه خبر آحاد أو تواتر ما دام أنه صح عن رسول الله - ﵌ - وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والتفريق بينهما إنما هو بدعة وفلسفة دخيلة في الإسلام مخالف لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون كما حققته في رسالتي " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين " وهي مطبوعة مشهورة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٩).
[٥٦] باب منه
السائل: بعض علماء الحديث يقولون الحديث الذي نقل بخبر الآحاد لا يفيد القطع العلمي وإنما يفيد العلم النظري.
الشيخ: نعم.
مداخلة: هل هؤلاء يصح لهم أن يستدلوا بالأحاديث التي نقلت بطريق الآحاد في معجزات النبي؟
الشيخ: يا أخي! أنت تسأل سؤال ملفق بين رأينا ورأي غيرنا.
مداخلة: نعم، هذا رأي غيركم.
الشيخ: طيب! فنحن نقول: إن التفريق بين حديث الآحاد وحديث التواتر والتفريق بين أحاديث الأحكام وأحاديث العقائد هذا تفريق محدث مبتدع لا أصل
[ ١ / ٣٥١ ]
له في الإسلام ولذلك ..
مداخلة: هذا التفريق.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: أنتم تخالفون ..
الشيخ: كيف نحن نخالف؟
مداخلة: يعني: لا توافقون على هذا الكلام.
الشيخ: نعم، نحن نقول: هذا أمر محدث.
مداخلة: يعني: إذًا هنا الاستدلال بخبر الآحاد على المعجزات كالاستدلال بالتواتر.
الشيخ: نعم، لا فرق عندنا.
"الهدى والنور" (٣٣٨/ ٣٣: ٣٢: ٠٠)
[٥٧] باب منه
[قال الإمام]:
القول بالتفريق بين الأحكام فتثبت في حديث الآحاد، وبين العقيدة فلا تثبت إلا بحديث التواتر، هذه فلسفه دخيلة في الإسلام لا يعرفها السلف الصالح، وهذا المثال من عشرات إن لم نقل مئات المسائل التي تؤكد لنا أن ندعو الناس إلى الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح، هل كان السلف الصالح يفرقون بين حديثٍ ورد إليهم من طريق صحيح يتعلق بحكم من الأحكام فيتقبلونه وبين حديث أيضا ثبت لديهم يتعلق بعقيدة فلا يقبلونه؛ بل يرفضونه لم يكن شيء من
[ ١ / ٣٥٢ ]
هذا إطلاقًا، وإنما كانوا يعملون بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة المُلزمة بالأخذ بالحديث الوارد عن النبي - ﵌ - دون تفريق بين حديث يتعلق بحكم أو حديث يتعلق بعقيدة
"الهدى والنور" (٤٠٩/ ٥١: ٣٢: ٠٠)
[٥٨] باب منه
سؤال: لو سمحت في هناك خلاف بين علماء المسلمين في خبر الآحاد في العقيدة فماذا هو يعني رأيكم بالشيء الصحيح هنا؟
الشيخ: حسن، هذه المسألة يجب أن نعلم أن التفريق بين الأحكام الشرعية بحيث أنه يجب أن يأخذ ببعضها إذا صحت نسبتها إلى النبي - ﵌ - ولا يجب -هذا أقل ما يقال- ولا يجب أن يأخذ بما ثبت عن الرسول - ﵌ - في البعض الآخر هذا التقسيم دخيل في الإسلام وفلسفة لا أصل لها في دين الإسلام، وهذه المسألة تحتاج إلى كبير بحث وتطويل للكلام، وإن كان مجال الكلام فيه واسع جدًا، لكني آتي الموضوع من أقرب سبيل دون أن ندخل في سرد الأدلة الشرعية التي يفهمها بعض طلاب العلم، ولكن سأذكر ما يشترك فيه جميع المسلمين في فهمه: كلنا يعلم أن النبي - ﵌ - بُعِثَ وحده إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا وأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، هذه النقطة الأولى التي لا يشك فيها مسلم.
النقطة الثانية: أن تبليغ النبي - ﵌ - للإسلام كان على وجهين أو على صورتين؛ الأولى: أن يبلغ الإسلام بشخصه مباشرة إلى الناس، ونحن حينما نذكر هذه الحقيقة ما أظن أن أحدًا يعجز عقله عن أن يستوعب ما سأذكره ألا وهو أن النبي - ﵌ - حينما بلَّغ شريعة الإسلام ما بلَّغ كل فرد من أفراد المكلفين في ذلك
[ ١ / ٣٥٣ ]
العالم، ونأخذ مثالًا قريبًا حينما كان النبي - ﵌ - في المسجد الحرام في أول الدعوة التي لقي فيها ما لقي من المصاعب والشدة، هل كان الكفار الذين هم ليسوا في المسجد الحرام كانوا يسمعون كلامه كما يسمعه من كان بين يديه من الكفار؟ الجواب: لا، هذه بدهية يشترك في معرفتها كل الناس، لا يشترط أن يكون طالب علم، وهكذا إذا كان أهل مكة حينما كان الرسول يبلغهم أحكام الله وشريعة الله بتلاوته لآيات الله إنما يسمعها بعضهم فالآخرون كيف بلغتهم شريعة الله، لم تبلغهم بسماعهم كلام الرسول مباشرة وهذا أمر واقع في كل زمان ومكان، الآن في هذا المجلس قد يسمع أحد منكم حكمًا أو بحثًا كهذا البحث فينقله لمن لم يكن حاضرًا هذا المجلس، فالذي سمعه من المدرس سمعه منه مباشرة، لكن هذا المدرس بلغه الآخرين، الآخرون لم يسمعوا من المدرس، هذا تقريب وللرسول المثل الأكمل فالرسول - ﵌ - حينما كان يبلغ الآية أو يقرأ الحديث يسمعه الحاضرون أما الآخرون فيسمعونه بواسطة مَنْ؟ الذي سمعه من الرسول ﵇، هذه نقطة ثانية وبدهية جدًا ما تقبل المناقشة والجدل.
ندعم ذلك ببعض الروايات المعروفة أيضًا في التاريخ الإسلامي والتي أستطيع أن أقول لا يجهلها أحد أيضًا من المسلمين، أن النبي - ﵌ - أرسل الرسل من طرفه إلى رؤوس الدول ملوك الدول ككسرى وقيصر والملك النجاشي وهكذا، وأرسل دعاة إلى اليمن عليًا وأبا موسى ومعاذًا، فهؤلاء الرسل الذين أرسلهم الرسول ﵇ لنقل الدعوة التي سمعوها منه - ﵌ - من فمه الشريف ينقلون ما سمعوه منه إلى أولئك الناس، فأولئك الناس لم يأتهم الشرع من النبي المعصوم، لكن جاءهم الشرع من الفرد من الشخص.
والآن ندخل في صميم بيان ضلال التفريق بين خبر الآحاد وخبر التواتر، من
[ ١ / ٣٥٤ ]
المفيد أن نذكر قصة وقعت في اليمن تتعلق بأبي موسى ومعاذ، كان معاذ يدعو كما ذكرنا إلى الإسلام وكذلك صاحبه أبي موسى الأشعري، فجاء معاذ أبا موسى زائرًا فوجد عنده رجلًا مولَّدًا أسيرًا، قال: ما بال هذا قالوا إنه ارتد عن دينه، ومضى عليه كذا أيام وهو لا يتوب إلى الله ﷿، وكان راكبًا، فقال: والله لا أنزل حتى ينفذ فيه حكم الله لقد سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «من بدل دينه فاقتلوه» فنفذ فيه القتل، الآن هذا حديث «من بدل دينه فاقتلوه» (١) سمعه معاذ من رسول الله، نقله إلى أبي موسى والجماعة الذين كانوا عنده ونفذوه فورًا، هذا خبر آحاد، هل قامت الحجة بخبر الآحاد؟ قامت الحجة.
الآن نأتي إلى الفلسفة المشار إليها آنفًا هذا حكم شرعي، يقول المتفلسفون المبتدعون أنه نحن نقول بأن حديث الآحاد في الأحكام حجة، أما في العقيدة فليس بحجة، الآن أبو موسى ومعاذ وعلي وسائر الرسل الذي أرسلوا من قبل رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، هل تتصورون أنهم حينما يأتون قبيلة من القبائل أو ملكًا من الملوك أول ما يدعونه إليه الصلاة والطهارة والوضوء وإلى آخره ولاَّ العقائد؟ العقائد لا شك وهذا ما جاء التصريح به في حديث معاذ ابن جبل لما أرسله الرسول - ﵌ - إلى اليمن، قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك فأمرهم بالصلاة» وهكذا تسلسل ﵇ في بيان الأحكام، وفي أمر معاذ أن يتسلسل في ذلك أمره أن يبدأ بماذا بالعقيدة، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هنا تأتي الدالة الكبرى، إذًا معاذ هو فرد ودعا أولئك الناس الذين لا يعرفون من الإسلام شيئًا دعاهم إلى
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم٢٨٥٤).
[ ١ / ٣٥٥ ]
العقيدة أس العقائد كلها ألا وهي التوحيد، هل قامت الحجة به؟ المسلمون يعتقدون قامت الحجة به، أما المتفلسفة الذين تأثروا من بعض الآراء النابية عن الكتاب والسنة، فهم يقولون حديث الآحاد لا تقوم به الحجة في العقيدة، ومعنى هذا أحد شيئين: إما أن الرسول - ﵌ - كان مخطئًا حينما أرسل معاذ وأمثاله يدعون الناس إلى الإسلام وهذا هو الكفر، إذا قال الإنسان هذا كَفَرَ خرج عن الملة، ولم يبقَ هناك إلا الشيء الآخر وهو أن الذين يقولون أن خبر الآحاد في العقيدة ليس بحجة هم الضالُّون، ولذلك أنا ذكرت مرة نكتة في مثل هذه المناسبة وهي في الحقيقة تمثل لكم ضلالة هؤلاء الناس، قلت زعموا بأن رجلًا من هؤلاء المبتدعة الذين يفرقون بين حديث وحديث وكلاهما صحيح هذا يأخذ به لأنه في الأحكام، وهذا لا يأخذ به لأنه في العقيدة، وهذا تفريق كما عرفتم من الضلال المبين، ذهب أحد هؤلاء إلى اليابان مثلًا يدعوهم إلى الإسلام، ففي طبيعة الحال بدأ هو بالعقيدة وكان من جملة ما ذكر في عقيدته أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، فقام أحد الأذكياء الحاضرين قال يا أستاذ أنا أراك متناقضًا؛ لأنك تلقننا أن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت الآن تدرسنا العقيدة فنرجوك أن تعود من حيث أتيت، وتأتي بخبر فقه دقيق متواتر، يعني تأتي بناس يصدق عليهم أنهم على التواتر، وقُل لهم يبلغوننا ما تبلغنا أنت أن هذه هي العقيدة الإسلامية، فَبُهِتَ المحاضر لأنه ألقمه حجرًا من نفس عقيدته، هو يلقنهم وهي عقيدة ومن العقيدة أن حديث الآحاد لا تكون به عقيدة إذًا أنت ماذا ستعمل عندنا هنا تُلَقِّنَّا العقيدة وأنت فرد؟! لازم يكون معك جماعة.
وهذا البحث كما قلت لكم طويل طويل جدًا وحسبكم هذا المقدار، وأخيرًا
[ ١ / ٣٥٦ ]
أقول يكفي أن السلف الصالح والأئمة الأربعة ما يعرفون هذه الفلسفة، ما يفرقون بين حديث العقيدة ولا يؤخذ، وحديث الأحكام يجب أن يؤخذ، ولكني سأذكر أخيرًا نكتة تتعلق بطلاب العلم فيها فقه دقيق جدًا، قلنا لبعض هؤلاء مرة إذا جاءكم حديث هو من ناحية فيه حكم شرعي، وهو حديث آحاد، ومن ناحية أخرى يتضمن عقيدة، فماذا تفعلون؟ إن أخذتم به لأن فيه حكم خالفتم من حيث أنكم أخذتم به؛ لأن فيه عقيدة. قال: كيف هذا مثاله؟ قلنا: هاك المثال روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله - ﵌ -: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» هل تأخذون بهذا الحديث وتستعيذون بالله من هذه الأربع في التشهد الأخير؟ قالوا: لابد. قلت لهم: فهل تؤمنون بما فيه من عذاب القبر، وأنتم لا تؤمنون بعذاب القبر، فماذا تفعلون؟! إن تركتم الحديث خالفتم قاعدة: وجوب الأخذ بحديث الأحكام، وإن أخذتم الحديث خالفتم قاعدة: لا يؤخذ بالحديث في العقيدة، وهكذا شأن المبطلين دائمًا وأبدًا، وبهذا القدر كفاية جوابًا على هذا السؤال.
(الهدى والنور ٥٤١/ ٢٥: ٠٩: ٠٠)
[٥٩] باب منه
[قال الإمام]:
قد سمعتم أو قرأتم في بعض المقالات أو في بعض الكتب أن حديث الآحاد لا تثبت به العقيدة، هذا الكلام يعني معنى اصطلاحيًا، فلا بد من توضيحه: العقيدة هي كل ما يتعلق بعالم الغيب مما لا يرتبط به حكم عملي، بخلاف الأحكام
[ ١ / ٣٥٧ ]
والعبادات فهي تتعلق بأعمال المكلفين من العباد، الإيمان بالغيب دائرته واسعة جدًا، لنضرب على ذلك مثلًا: عذاب القبر، عذاب القبر عقيدة لا يترتب من ورائه حكم شرعي حتى تعرف الكيفية؛ ولذلك فالإسلام يأمرنا أن نؤمن بالغيب ولا نتكلف ولا نتعمق في معرفة هذه الكيفية الغائبة عنا، فمثل عذاب القبر عقيدة من العقائد، من يقول بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، يعني: أنه إذا جاءنا حديث عن رسول الله - ﵌ - فيه بيان أن عذاب القبر حق فهذا الحديث ولو كان صحيحًا فلا يؤخذ به عند هؤلاء؛ لأنه يدخل تحت قولهم: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وهذا الأصل أو هذه العقيدة المزعومة يدخل تحتها عشرات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - ﵌ - لا يأخذ بها هؤلاء الذين قعدوا هذه القاعدة وأسسوها من محض آرائهم، بل أقول من فلسفتهم، ولا دليل لهم على ذلك من كتاب ولا سنة، بل ذلك يخالف السنة بالمعنى الذي ذكرته آنفًا، أي: ما كان عليه - ﵌ -.
الآن لنذكركم بسنة من هذه السنن بعد أن عرفتم المعنى الحقيقي من
لفظة السنة إذا تلفظ بها الرسول - ﵌ - كالحديث الأول: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
من المعلوم أن الرسول - ﵌ - كان يرسل الرسل من طرفه ﵇ إلى البلاد البعيدة يدعون المشركين إلى دخولهم في الإسلام، فهو أرسل معاذًا إلى اليمن، وأرسل عليًا، وأرسل غيره كأبي موسى الأشعري وأرسل وأرسل، هؤلاء أرسلهم دعاة إلى الإسلام، ومن الملاحظ أن الداعي هنا هو شخص واحد، وهذا يمثل حديث الآحاد في الاصطلاح السابق.
_________________
(١) البخاري (رقم٤٧٧٦) ومسلم (رقم٣٤٦٩).
[ ١ / ٣٥٨ ]
لعل الأمر يتطلب شيئًا زيادة في التوضيح، ما المقصود بحديث الآحاد؟ ليس المقصود فقط أنه شخص واحد يحدث عن الرسول بحديث فيسمى هذا الحديث آحاد، هو كذلك، لكن حتى لو أن شخصين حدثا بحديث عن الرسول ﵇ أيضًا يسمى حديث آحاد وثلاثة وأربعة، حتى يبلغ العدد عدد التواتر، واختلفوا قديمًا وحديثًا في تحديد عدد التواتر، ولست الآن بحاجة إلى الخوض في هذا الخلاف؛ لأنه غير مهم، المهم عدد التواتر عدد يتحقق اليقين في نفس السامع للخبر من هذا العدد الغفير، كانوا عشرة أو عشرين أو أكثر، أما إذا حدث بحديث ما شخصان أو ثلاثة فالاصطلاح المذكور آنفًا يسميه حديث آحاد، أقول هذا حتى لا يتبادر لمن لم يقرأ شيئًا من علم مصطلح الحديث المعنى اللغوي، حديث آحاد يعني اعتراض (١)، لأن المقصود به ولو كان حديث جمع وهم ثلاثة فضلًا عن اثنين فهذا يسمى حديث آحاد، فإذا جاء الحديث من طريق صحابي واحد عن رسول الله - ﵌ - فهذا حديث آحاد، وإذا رواه عن هذا الصحابي تابعي واحد فهو حديث آحاد وهو كذا حتى يسمى في الكتب المعروفة بكتب السنة.
فإذا جاء مثل ذلك الحديث: «وعذاب القبر حق» حديث آحاد أو اثنين أو ثلاثة المهم حديث آحاد وليس حديث تواتر قال الذين قالوا: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، هذا الحديث نحن لا نأخذ به، لماذا؟ لأنه حديث آحاد، طيب ماذا يقولون؟ هنا الشاهد، ماذا يقولون عن رسول الله - ﵌ - حين أرسل أولئك الأصحاب مرة أبا موسى .. مرة معاذ بن جبل .. مرة علي بن أبي طالب .. مرة دحية الكلبي، كثير وكثير جدًا، هؤلاء أفراد كانوا يبلغون الناس الذين سمعوا باسم
_________________
(١) أي يعترض على المعنى الاصطلاحي باللغوي.
[ ١ / ٣٥٩ ]
الرسول ﵊ ولا يعرفون ماذا يدعو إليه، فأرسل الرسول - ﵌ - واحدًا منهم ليعرفهم بدين الإسلام، فلو كان حديث الآحاد لا تقوم به حجة فمعنى كلامي هذا أن الرسول ﵇ ما أحسن أسلوب الدعوة؛ لأنه أرسل أفرادًا لا تقوم بهم الحجة، بناء على قاعدة: حديث الآحاد لا تقوم به حجة، أما من آمن بقوله ﵇ السابق ذكره: «فمن رغب عن سنتي» عن منهجي وطريقي في كل ما جئت به، سواء كان أسلوبًا أو غاية، الغاية هو الإسلام والأسلوب الإسلام، «فمن رغب عن سنتي فليس مني» فإذا كان يوجد اليوم كما وجد قبل اليوم بسنين طويلة من قال: حديث الآحاد لا تثبت به العقيدة، معنى ذلك: أن الإسلام لا يثبت بقول العالم الفلاني والعالم الفلاني، معلمًا الذين لا يعلمون، وأنتم تعلمون قول رب العالمين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣).
ولقد قال بعضهم لبعض هؤلاء الذين يتبنون هذه الفلسفة الدخيلة في الإسلام والمخالفة لسنة النبي ﵊ ألا وهي: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، قال مرة: بعضكم يذهب أحيانًا إلى بعض البلاد الكافرة،
مثل اليابان مثلًا يدعو إلى الإسلام، وأول ما يبدأ في الدعوة الإسلام لا بد
يبدأ بالعقيدة؛ لأنه الأصل أصل الإسلام بني على قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد:١٩)، فحينما أنت تدعو إلى الإسلام فأنت تنقض نفسك بنفسك، كيف؟
أنت فرد وتدعو الكفار إلى أن يؤمنوا لهذا الإسلام الذي تنقله أنت إليهم وأنت تقرر لهم أن حديث الآحاد لا تقوم به الحجة، صار هنا تنافر، وصار هنا تضاد، ومعنى هذا: أنه لا يمكن أن تقوم حجة الله على أي كافر أو على أي جماعة
[ ١ / ٣٦٠ ]
من الكفار إلا إذا ذهب جماعة من المسلمين يبلغون أولئك الأقوام دين الإسلام، هذا أمر حسن، أن يذهب جماعة من أهل العلم يبلغون الإسلام، هذا أمر حسن، ولكن إذا لم يتيسر إلا واحد أو اثنين كما فعل الرسول ﵇، لا تقوم حجة الإسلام بهذا الواحد أو الاثنين تلك الفلسفة الدخيلة في الإسلام تقول: لا تقوم الحجة، وهذه قاعدة معروفة: حديث الآحاد لا تقوم به حجة، وعرفتم أنه يخالف سنة النبي - ﵌ - حينما أرسل دعاة من طرفه أفرادًا وآحادًا.
بل قد جاء في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن النبي - ﵌ - لما أرسل معاذًا إلى اليمن قال: إنك تأتي أقوامًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك فأمرهم بالصلاة، فإن هم استجابوا لك فأمرهم بالزكاة بالصيام ..» وهكذا، فأمره أن يبدأ حينما يدعو أولئك النصارى بعقيدة التوحيد، عقيدة التوحيد أس العقائد الإسلامية كلها، فإذا كان حديث الآحاد وهو هنا معك لا تقوم به الحجة فلازم هذا القول أبطل ما يكون وهو: أن الرسول - ﵌ - كان من الواجب عليه أن يرسل عشرات من مثل هذا الصحابي ويجتمعون كلهم ويبلغونه الإسلام، وهذا مما لم يقع من الرسول ﵇، لِمَ؟ لأن الحجة تقوم ولو بفرد واحد، لكن بشرط: أن يكون عالمًا، بشرط: أن يكون فقيهًا، قلت آنفًا: لو ذهب جماعة من أهل العلم إلى بلد ما فدعوهم إلى الإسلام، بلا شك هذا أقوى، لكن يشترط في هؤلاء أن يكونوا من العلماء.
قلت من قبل قليل: لأني أضرب لكم مثلين مما يتعلق بواقع بعض الدعاة اليوم، فهذا هو المثل الأول: أن حديث الآحاد لا تقوم به حجة، وهذا خلاف قوله ﵇ وفعله.
[ ١ / ٣٦١ ]
المثال الثاني: عرفتم من بعض الأمثلة التي ذكرتها آنفًا أن الرسول - ﵌ - كان يرسل أفرادًا، ما كان يرسل هؤلاء الأفراد جماعات من عامة الصحابة، أي: ممن يشملهم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣)، أي: ما كان رسول الله - ﵌ - يرسل أمثال أولئك الدعاة الذين سمينا لكم بعضهم كمعاذ، ما كان يرسل معه خمسة أو عشرة أو أكثر من أصحاب الرسول ﵇ الذين ليسوا بعلماء، ونحن اليوم نعلم أن جماعة مسلمة ويغلب على ظاهرهم الصلاح والتقوى والرغبة في اتباع الأحكام الشرعية، لكنهم مع ذلك يخالفون سنة النبي - ﵌ - في كثير من تصرفاتهم، لم؟ لأنهم إما أنهم لا يعلمون السنة التي قال عنها الرسول - ﵌ -: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»، إما أنهم لا يعلمون هذه السنة، أو أنهم يعلمونها ويعرفونها جيدًا ولكن منهج دعوتهم لم تقم على السنة، وكما يقال في مثل هذه المناسبة: أحلاهما مر، فإن كانوا لا يعلمون السنة فلذلك هم يخالفونها، فهذا بلا شك مر، وإذا كانوا يعلمونها ويعرفونها جيدًا كما يعرفون أبناءهم ثم هم يحيدون عنها فهذا أمر، وحينئذ ينطبق عليهم الحديث السابق: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
إذًا: هذان مثلان مما يترتب من التعدد للحزب أو تعدد الطوائف أو تعدد الجماعات بسبب تعدد المناهج، والمنهج إنما هو ما كان عليه رسول الله - ﵌ - وأصحابه، كما عرفتم من حديث الفرقة الناجية: «ما أنا عليه وأصحابي»، وأؤكد معنى هذا الحديث بقوله تعالى وأرجو أن تنتبهوا لمعنى هذه الآية ولا يتغلبن على فرد منكم فكرة قائمة منذ القديم، فلا يعرج ولا ينتبه لما يسمع من جديد من قول الرسول ﵇ السابق ذكره ومن قول ربنا ﷿ الذي أختم به الجواب عن هذا السؤال، ألا وهو قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا
[ ١ / ٣٦٢ ]
تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥)، ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ أي مؤمنين يا ترى من هؤلاء؟ المؤمنون الذين تفرقوا شيعًا وأحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون:٥٣)، أم المؤمنون الأولون السابقون الذين أثنى عليهم رسول الله - ﵌ -: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (الزمر:٢١).
"الهدى والنور" (/٦٨٦/ ٠١: ٤٢: ٠٠)
[٦٠] باب حجية خبر الآحاد، ومصير أهل الضلال الذين ينكرونه
[قال الشيخ في معرض كلامه على حجية خبر الآحاد]:
معاذ بن جبل عندما أرسله الرسول لليمن ماذا قال له؟ قال: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك فأمرهم بالصلاة إلى آخر الحديث، فشهادة أن لا إله إلا الله هي أس العقائد الإسلامية كلها ودعاهم إليها فرد واحد، هم يقولون: هذا ما تثبت به العقيدة، إذًا: معناه ما يثبت الإسلام بالدعاة اليوم كلهم الإسلاميين لأنهم أفراد فهذا من أبطل الباطل الذي يناقض تاريخ المسلمين الأول، هذا حديث آحاد لا قيمة له .. أما الصورة الخيالية التي أنا أفترضها لبيان خطورة هذه العقيدة الباطلة وأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة ..
قلت لأحدهم يومًا ما: ذهب الدعاة الإسلاميين من حزب التحرير إلى اليابان وبدأ يكتل الناس ويجمعهم ويلقي عليهم محاضرات وبالطبع أول شيء بدأ بالعقيدة؛ لأن أولئك عندهم خطة أول ما يبدأ به طريق الإيمان- هكذا عند الشيخ
[ ١ / ٣٦٣ ]
تقي الدين في بعض كتبه- أن هذا طريق الإيمان .. بدأ بالعقيدة .. من جملة هذا البحث الذي عنوانه: طريق الإيمان: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، تخيلت أنا أن أحد الأذكياء في المجلس يسمع المحاضرة قال له: يا أستاذ! أنت تقرر فينا أنه حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة وأنت تدعونا إلى الإسلام وأنت فرد واحد فمعنى ذلك أن ما تدعونا إليه بعقيدتك أنت لا تقوم الحجة علينا، ولذلك لازم ترجع إلى بلدك وتجيب عشرات مثلك ويسمعونا شهادتك وكلامك حتى يصبح حديثك حديثًا متواترًا وحينئذ تقوم الحجة علينا
سخافة متناهية لكن هذا لازمهم كُلَّما [مر] حديث صحيح يردونه بأنه آحاد .. لا يردونه بالنظر إلى السند وأنه غير صحيح لما؟ رواه أبو بكر .. أبو بكر الصديق كذاب؟! يقول له: لا، طيب! لماذا لا يؤخذ؟! وهذا يذكرني بشيء .. لو أبو بكر سمعته الدنيا كلها عنه ليس عشرة عشرين لو مائة شخص ومائة شخص ومائة شخص ومائة شخص، وجاءوا وقالوا لنا أبو بكر قال: قال رسول الله لا تقوم به حجة، لماذا؟ لأنه آحاد، طيب! أبو بكر يكذب؟! لا ما يكذب حاشاه إذًا: ممكن أن يخطئ، إذًا: ما دام يمكن أن يخطئ فلا نأخذ روايته انظروا الآن: الأقوال التي يحتجون بها لا يمكن أن يخطؤوا مع أنه ليس هناك أسانيد صحيحة بها كما نقول بالنسبة لما ثبت عن الرسول ﵇.
لذلك الحق هو مع أهل السنة والجماعة الذين يحتجون بالأحاديث الصحيحة وأولئك الذين يحتجون بأقوال الآخرين ولا سند لها ولا خطام فهم في ضلال مبين
خلاصة الكلام السابق هو: لا مخلص لهم من أحد شيئين إذا نفوا أحدهما ما يستفيدون نفي الآخر ..
[ ١ / ٣٦٤ ]
الشيء الأول: أنهم كُفِّرُوا بغير حجة زعموا، لكن الشيء الآخر: أنهم ضللوا؛ لأنهم خالفوا تفسير الرسول للقرآن والسلف الصالح أيضًا بدون حجة سوى أقوال المشايخ تبعهم، وذلك هو الضلال المبين .. أنا شخصيًا كما قلت: نضلل هؤلاء ولا نكفرهم؛ لأن الله ﷿ هو العليم بما في صدورهم .. أجحدًا ينكرون علينا أن كلام الله ﷿ صفة من صفاته وهذه حقيقة لا يمكن الإنسان يتخلص منها إذا تجرد من المذهبية الضيقة، أم والله ما ظهرت لهم الحقيقة فإذًا: حسابهم إلى الله ﵎.
ختامًا: عندنا حديث له صلة وثقى بالتحرج من الحكم بمصير هؤلاء الضالين عند رب العالمين، وأننا نقف إلى الحكم بأنهم ضلوا، أما أنهم كفار وأنهم مخلدون في النار فأمره إلى الله، قال ﵇: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط فلما حضرته الوفاة جمع أولاده حوله فقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار ثم ذروا نصفي في الريح ونصفي في البحر» ماشي حرقوه في النار وأخذوا الرماد نصفه في الريح ونصفه في البحر: «فقال الله ﷿ لذراته: كوني فلانًا فكانت بشرًا سويًا، أي عبدي! ماذا حملك على ما فعلت؟ قال: رب خشيتك، قال: فقد غفرت لك» (١).
هذا الرجل في معيارنا نحن كَفَرَ وهو الذي يصدق عليه قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (يس:٧٨، ٧٩) فربنا ﷿ عامله بخلاف معاييرنا نحن البشرية ..
_________________
(١) البخاري (رقم٣٢٦٦) ومسلم (رقم٧١٥٦).
[ ١ / ٣٦٥ ]
هذا أنكر البعث والنشور لماذا أمر بحرقه وذر نصفه في البحر ونصفه في الريح؟ قال: حتى يضل على ربه ولا يستطيع ربنا ﷿ أن يعيده مرةً ثانيةً؛ لأنه إن عاد مرة أخرى عذبه بحق؛ لأنه اعترف هو من قبل أنه لم يعمل خيرًا قط .. ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا .. خوفه من الله الذي آمن به ورطه هذه الورطة التي أودت به إلى الكفر .. لا شك هذا كفر، لكن الله ﷿ عنده ميزان غير موازين البشر .. عرف منه أن شدة خوفه من ربه أعمى بصيرته عن كون ربه ﵎ قادر على أن يحيي العظام وهي رميم؛ ولذلك لما أعاده كما كان قال: ماذا فعلت أو ما حملك؟ قال: يا رب! خشيتك، قال: قد غفرت لك.
فنحن يكفينا أن نقول: أن هذه الفرقة ضالة؛ لأنها تخالف السلف في فهم نصوص الكتاب والسنة ولا يهمنا كفرت أو ما كفرت، نحن نريد لها الهدى ويكفي أن نقول: إنكم ضالون فعليكم بالهدى الذي جاءنا من الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
"الهدى والنور" (٣١٠/ ٠١: ٥٨: ٠٠) و(٣١٠/ ٠٧: ٠٥: ٠١)
[٦١] باب الرد على من يفرِّق
في حجية خبر الآحاد بين العقائد والأحكام
سؤال: هناك من يفرق في حجية الأخذ بحديث الآحاد بين العقائد والأحكام، فيقولون: نأخذ به في الأحكام الشرعية، ولكن في المسائل الاعتقادية فلا يفيد إلا الظن، فما ردكم على ذلك بارك الله فيكم؟
الشيخ: ردنا في هذا طويل جدًا، ولنا رسالتان مطبوعتان، ولكن لا بد من الجواب ولو بإيجاز
[ ١ / ٣٦٦ ]
التفريق بين العبادة وبين العقيدة .. من محدثات الأمور، سلفنا الصالح لا يعرفون هذا التفريق إطلاقًا، والوقائع التي تروى لنا في السنة الصحيحة في إرسال الرسول - ﵌ - الدعاة من أصحابه إلى العرب وإلى العجم يدل على بطلان هذا التفريق بين العقيدة وبين العبادة، فالعبادة تثبت بحديث صحيح عندهم، والعقيدة لا تثبت بالحديث الصحيح، لا بد أن يكون هذا الحديث حديثًا متواترًا، هؤلاء الحقيقة أنا أعتبرهم مرضى، وبقدر ما أنزعج من خطئهم وضلالهم، بقدر ما أشفق عليهم لمرضهم؛ لأن المرض كما يكون ماديًا يكون أيضًا معنويًا، فالكفر والضلال الذي يسيطر على كثير من العباد هو مرض، ولذلك فيجب أن نعالج أمراض هؤلاء بالدعوة إلى الله، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل:١٢٥)، كلنا يعلم لا فرق بين عالم وطالب علم، وبين مثقف وبين عامي، كلنا يعلم أن الإسلام ما انتشر في أول الزمان وفي آخر الزمان إلا بدعاة من الأفراد، يعني ما كان يفعل السلف الأول، كما يفعل الخلف اليوم، يخرجون بالعشرات، إلى أين، قالوا: إلى الدعوة، وهم بحاجة إلى من يدعوهم، فيخرجون دعاةً وهم لا يحسنون الدعوة، وهم لا يعرفون الدعوة ولا يعرفون الدليل من الكتاب والسنة، وأظنكم لستم بحاجة إلى التصريح بمن أعني بهذا الكلام، فالكلام واضح جدًا، لم يكن عمل السلف أن يخرج جماعة فيهم واحد متفقه قليلًا، والجماعة من عامة المسلمين إلى أين؟ إلى القبائل العربية الجاهلة لتعليمهم، إلى المشركين من يهود ونصارى، ما كان هكذا عمل السلف، ولا كان رسول الله - ﵌ - يرسل هكذا من أفراد وإنما يرسل من نخبة أصحاب الرسول ﵇ علمًا وأخلاقًا وعبادةً، ومن أشهر هؤلاء علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وأبو عبيدة بن الجراح، ونحو هؤلاء من كبار الصحابة، فمعاذ بن جبل ذهب يدعو إلى اليمن، إلى ماذا دعا؟ دعا إلى العبادة
[ ١ / ٣٦٧ ]
وترك الدعوة إلى العقيدة! هذا مش معقول، وبخاصة أنه الرسول ﵇ حينما أرسل معاذًا كان أول ما وصاه به أن قال له: «إنك تذهب إلى قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن هم استجابوا لك فمرهم بالصلاة »،
إلى آخر الحديث، إذًا معاذ بن جبل أولًا ائتمارًا منه بأمره ﵇ إنما بدأ بالعقيدة، وتطبيقًا أيضًا هو فعل ذلك، كيف يقال إنه خبر الواحد لا تثبت به عقيدة، ورسول الله ما كان يرسل إلا آحادًا، معاذ لوحده، أبو موسى لوحده، أبو عبيدة بن الجراح لوحده، وهكذا، وأذكر حديثًا في صحيح البخاري أن أبا موسى زار أخاه في منزله في اليمن، وإذا برجل مغلل لما نزل أبو موسى سأل: ما بال هذا؟ قال: ارتد عن دينه، قال: والله لا أجلس إلا أن يطبق فيه قول النبي - ﵌ -: «من بدل دينه فاقتلوه»، فقتل، وجلس، أي: إن هذا الصحابي الجليل بلغ هذا الحكم ونفذ فورًا، وهو آتٍ من بلد كان يدعو إليها، وهو وحده، فإذًا كيف يقال في آخر الزمان إنه الأحاديث الصحيحة لأنها غير متواترة لا تثبت بها عقيدة، وأنا نَكَتُّ يومًا بأمثال هؤلاء بنكتة، حقيقةً هي ليست نكتة هي علم لو كانوا يعلمون، قلت: زعموا أن أحد هؤلاء الذين يقولون إن العقيدة لا تثبت إلا بعدد التواتر، ذهب أحد هؤلاء إلى اليابان يدعو إلى الإسلام، وحسب القاعدة المتبعة لدى جميع المسلمين، وكما فعل معاذ بدأ بالعقيدة اليابان ماذا يعلمون من الإسلام؟ لا شيء، فإذا هو بدأ بالعقيدة، لكن من العقيدة عندهم مع الأسف الشديد، أن لا يؤخذ بحديث الآحاد في العقيدة، فكان هناك في المجلس شاب كيس فطن في زاوية من المجلس، وقديمًا قيل: في الزوايا خبايا، فرفع إصبعه وقال له: يا أستاذ أنت بتقرر أن من العقيدة الإسلامية: أن العقيدة لا تثبت بخبر الواحد، ونراك أنت تقرر علينا عقيدة الإسلام كذا وكذا وكذا، لكني أراك متناقضًاَ حسب دعوتك هذه يجب أن تعود إلى بلدك، وتأتي بجماعة التواتر كلهم ويشهدون معك
[ ١ / ٣٦٨ ]
أن هذا هو الإسلام حتى نقبله منك، لأنك تقول: العقيدة لا تثبت بخبر الواحد وأنت واحد.
الحقيقة هم يخربون بيوتهم بأيديهم، فضلًا أنهم يخالفون دعوة الإسلام الحق، فهم متناقضون يدعون إلى الإسلام وهو فرد من الأفراد، لهذا نقول: كل مسلم ورده عن النبي - ﵌ - بطريق صحيح أنه أخبر خبرًا غيبيًا أو أخبر خبرًا تشريعيًا، فيجب فورًا أن نصدق به، إن كان عقيدة تبناه، وإن كان حكمًا تبناه عملًا وفعلًا وهكذا، لا نفرق بين حديث الرسول ﵇ ما كان منه عقيدة، وما كان منه حكمًا كله من رسول الله - ﵌ -، وعلى هذا جرى السلف الصالح، وأختم الكلمة هذه جوابًا بما سبق أن قلته وهذا ليرسخ في أذهانكم، قول العلماء:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
"الهدى والنور" (٥٢٦/ ٥٤: ٢٨: ٠٠)
[٦٢] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «هذا أمين هذه الأمة. يعني أبا عبيدة».
[قال الإمام]:
أخرجه مسلم (١٢٩٧) والحاكم (٣/ ٢٦٧) وأحمد (٣/ ١٢٥) وأبو يعلى (٢/ ٨٣١) من طرق عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: " أن أهل اليمن قدموا على رسول الله - ﵌ - فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة، وقال " فذكره، والسياق لمسلم، ولفظ الحاكم: "يعلمنا القرآن". وقال: " صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بذكر القرآن ".
[ ١ / ٣٦٩ ]
قلت: وفي الحديث فائدة هامة، وهي أن خبر الآحاد حجة في العقائد، كما هو حجة في الأحكام، لأننا نعلم بالضرورة أن النبي - ﵌ - لم يبعث أبا عبيدة إلى أهل اليمن ليعلمهم الأحكام فقط، بل والعقائد أيضا، فلو كان خبر الآحاد لا يفيد العلم الشرعي في العقيدة، ولا تقوم به الحجة فيها، لكان إرسال أبي عبيدة وحده إليهم ليعلمهم، أشبه شيء بالعبث. وهذا مما يتنزه الشارع عنه. فثبت يقينًا إفادته العلم. وهو المقصود، ولي في هذه المسألة الهامة رسالتان معروفتان مطبوعتان مرارًا، فليراجعهما من أراد التفصيل فيها.
"الصحيحة" (٤/ ٦٠٥).
[٦٣] باب هل يؤخذ بالحديث
الحسن لغيره في أبواب العقيدة؟
سؤال: الحديث الحسن لغيره هل يؤخذ في باب العقائد؟
الشيخ: الذي أعتقده أن التفريق بين حديث ثابت في مرتبة ما وحديث آخر أعلى ثبوتًا منه بين العقائد وبين الأحكام هذه بدعة لا يعرفها علماء المسلمين الأولين، واضح إلى هنا؟ وعلى هذا إذا كان الحديث الحسن يثبت به حكم شرعي فيثبت به عقيدة كذلك، بل أنا أقول شيئًا ما أظن أنكم قرأتموه، وقد حاججت جماعة هناك في دمشق الشام ممن شوشوا أذهان المسلمين اليوم بهذا النقل الذي نقلوه وطرحوه كأنه عقيدة لا شية فيها ولا عيب عليها، وهي: أن حديث الآحاد لا تثبت به العقائد، قلت لهم: يرد عليهم شيئان لا خلاص لكم منهما:
الشيء الأول: هو أنكم لا تتبنون عقيدة من حديث مهما كان شأن هذا
[ ١ / ٣٧٠ ]
الحديث قوةً وصحةً حتى لو كان متواترًا، قالوا: كيف ذاك؟ قلت: وهذه حقيقة يعرفها كل طلاب العلم المبتدئين في علم الحديث: أن كون الحديث أو كون حديث ما متواترًا فإنما ذلك أمر نسبي، أي: هو متواتر بالنسبة لمن تتبع طرق الحديث فحصل القناعة في القلب أن هذا حديث متواتر يستحيل أن يكون كذبًا، لكن هل كل حافظ ولا أقول: كل مسلم، هل كل حافظ ضروري أو لزامًا عليه أن يكون حديث ما ثبت عند حافظ ما بأنه متواتر لزام على الحافظ الآخر أن يكون أيضًا عنده متواترًا؟ ليس الأمر بواجب، واضح هذا.
ومعلوم في تعريف الحديث المتواتر: أنه يشترط في تواتره أن يستمر التواتر من الطبقة الأولى إلى الثانية إلى أن تصل إلى الذي يقول: بأنه حديث متواتر، ماشي هذا الكلام؟ فإذا انقطع التواتر في طبقة ما هل يظل الحديث متواترًا؟ الجواب: لا، أنا أقول الآن: الإمام البخاري قال في حديث ما: إنه متواتر وهنا ناهية الدقة في الموضوع، هل هو عندي أنا متواتر؟ الإمام البخاري حكم على حديث ما بأنه متواتر هل هو عندي متواتر؟ هذا سؤال امتحان؟
مداخلة: ليس بالضرورة.
الشيخ: ليس بالضرورة، يحتمل؟
مداخلة: يحتمل أن يكون وألا يكون ..
مداخلة: لا يحتمل.
مداخلة: يحتمل أن يكون عندك متواترًا ويحتمل ألا يكون.
الشيخ: لا، إذًا: جوابك صحيح وجوابه صحيح، لكن لربط أحدهما بالآخر أقول: إذا قال الإمام البخاري في حديث ما: إنه حديث متواتر، وأنا لم أقف على
[ ١ / ٣٧١ ]
هذا الحديث إلا من طريق واحدة، هل يكون عندي والحالة هذه متواترًا؟
مداخلة: لا يكون.
الشيخ: فيها شك هذه؟
مداخلة: لا.
الشيخ: هنا لا يرد الاحتمال السابق، لكن أنا بسبب نظرتك إلى أنني ممكن أن يكون أنا بحثت ما وجدت هذا التواتر كلامك صحيح، لكن في الصورة التي عرضتها آنفًا فجوابه صحيح، الآن عند من ليس عنده خبر الحديث إطلاقًا وقال البخاري فيه إنه متواتر، فبالأولى ألا يكون عنده متواترًا.
قلنا لذلك الحزب: افترضوا أن رئيسكم هو علامة الزمان في الحديث أو بخاري الحديث، قال لكم: الحديث الفلاني هو متواتر، أأصبح عندكم متواترًا؟ الجواب: لا، فانقطعت السلسلة، متى يصبح عندكم متواترًا؟ إذا كان عندكم أئمة في الحديث عشرة عشرين على حسب اختلافهم في عدد التواتر، ثم اتصلتم أنتم مع هذا العدد حينذاك يعود الحديث بالنسبة إليكم متواترًا، وما دام أن الواقع خلاف ذلك، والفرضية أن رئيسكم هو الذي حكم على هذا الحديث بالتواتر، حينئذٍ هذا الحديث يصبح عندكم آحادًا؛ ذلك لأن الذي نقل إليكم خبر تواتر الحديث عنده هو فرد، وعلى هذا قلت لهم: إنكم لا تتبنون عقيدة من حديث صحيح، واضح هذا؟ هذه النقطة الأولى
النقطة الثانية: وهي التي اقتضاها البحث السابق أن نقول: كل حديث يحمل حكمًا فهو ينطوي تحته على عقيدة، وإذا فصلت العقيدة عن هذا الحكم أذهبت قيمة هذا الحكم من الناحية الشرعية، واضح هذا أيضًا؟ بمعنى: إذا جاءك أمر من
[ ١ / ٣٧٢ ]
رسول الله - ﵌ - مؤكد بأنه على الوجوب أو على الاستحباب، أو جاءك نهي مؤكد أنه للتحريم أو للتنزيه، ذاك الأمر أو هذا النهي إذا فصلت عنها اعتقادك من أن الأمر يفيد الوجوب أو الاستحباب، إذا فصلت اعتقادك عن هذا لم يبق للحكم أثر ما في نفسك، فكذلك بالنسبة للنواهي، واضح هذا أيضًا؟.
إذًا: نستنتج مما سبق أن الحكم لو كان التفصيل السابق الذي ذهب إليه بعض علماء الكلام قديمًا وتبناه بعض المعاصرين حديثًا، لو كان هذا التفريق له وجاهة بين العقائد وبين الأحكام لكان وضعه في الأحكام أولى من العقيدة؛ لأن الحكم قلنا وهذا واضح جدًا يحمل عقيدة فإذا رفعنا العقيدة منه لم يبق له أي تأثير.
إذا عرفنا هذا كله رجعنا إلى سؤالك في الحديث الحسن، فالحديث الحسن إما أن يقال: يثبت به حكم شرعي أو لا يثبت، فإذا كان من المعروف عند جماهير العلماء أنه يثبت فإذًا هو تضمن عقيدة فلا بد من الأخذ به؛ لأنه حكم ولا يضرنا بعد ذلك أن فيه عقيدة؛ لأن هذا أمر شبه متفق عليه في الحديث الحسن، أما الحديث الصحيح فما في إشكال أنه يجب العمل به في الأحكام، وإذا عرفنا ما سبق من البيان فالعمل بالحديث الحسن يتضمن حكمًا ومعنى هذا: أنه إذا جاء خبر لا يتضمن حكمًا لكن يتضمن عقيدة ولكن إسناده حسن وجب الأخذ به كما وجب الأخذ به في الحكم؛ لأنه حكم زائد عقيدة.
ومما يتفرع من هذا الكلام هو في اعتقادي شيء هام؛ لأنه لا يوجد مسطورًا فيما علمت، ما قلته أيضًا لأولئك الحزبيين: هأنتم تفرقون عمليًا بين حديث الآحاد في العقيدة وحديث الآحاد في الأحكام، فماذا تفعلون إذا جاء حديث يحمل في طواياه عقيدة من جهة، وحكمًا من جهة؟ ولو أنه عندنا كما بينا لا فرق بين حديث فيه حكم أو حديث فيه عقيدة، فمن كان فيه حكم أو من كان فيه حكم ففيه عقيدة،
[ ١ / ٣٧٣ ]
لكن حسب فلسفتهم الخاصة قلت لهم: ما موقفكم؟ حاروا في السؤال فطلبوا المثال، قلت لهم مثلًا: قوله ﵊ في الحديث الصحيح في البخاري وغيره: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع: يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ..» وبقية الحديث معروف، هم أعرفهم لا يؤمنون بعذاب القبر؛ لأنهم بزعمهم عذاب القبر أحاديثه لم تبلغ مبلغ التواتر.
إذًا: لا يجوز الاعتقاد به، قلنا لهم: الآن أمركم رسول الله - ﵌ - بغض النظر الأمر للوجوب أو الاستحباب، أمركم رسول الله أن تستعيذوا من أربع منها: عذاب القبر فإن قلتم: هذا حديث أحكام يجب الأخذ به ناقضتم قوله: هذا حديث آحاد لا يجوز الأخذ به في العقيدة؛ لأن عذاب القبر عقيدة، فماذا تفعلون؟ أتأتمرون بأمره ﵇ كحكم شرعي أم ترجعون إلى فلسفتكم أن العقيدة لا تثبت بحديث آحاد وهذا حديث آحاد فلا نأخذ به؟ سواء قلتم هذا أو قلتم هذا خالفتم عقيدتكم، نحن لا نقول: خالفتم الشرع، هم مخالفون للشرع، لكن
خالفوا عقيدتهم بسبب تفريقهم بين حديث الآحاد في الأحكام وحديث الآحاد في العقيدة.
هذا ما عندنا حول هذه المسألة الطريفة.
مداخلة: سأل الأخ عن الحسن لغيره، كذلك ما ذكرته هو ينطبق ..
الشيخ: هو كذلك.
"رحلة النور" (٤٤أ/٠٠:١٥:٤٢)
[ ١ / ٣٧٤ ]
[٦٤] باب منه
[قال الإمام]:
لما وجد في الآونة الأخيرة حزب من الأحزاب الإسلامية قالوا: حديث الآحاد لا تؤخذ منه عقيدة، وإنما حديث التواتر. قلنا لهم: هذا يعني لا تؤخذ العقيدة من الحديث مطلقًا. قالوا: لماذا؟ قلنا له: لأنكم الذين تحملون هذه العقيدة هاتوا إلي بعقيدة أثبتموها بحديث متواتر، ولا سبيل لكم إلى ذلك؛ لأن الشيخ والإمام والعالم الذي تثقون به هو الشيخ تقي الدين ﵀
قلت لهم: لا يمكن أن يوجد عندكم عقيدة أثبتموها بحديث متواتر عندكم؟ قالوا: لماذا؟ قلت: أولًا الواقع، فإنكم عاجزون عن أن تقدموا ما أطلب، لكننا إذا قلنا لكم ما موقفكم بالنسبة لأحاديث عذاب القبر، تقولون: هذه أحاديث آحاد ولا يجوز الإيمان بها .. إلى آخره.
ثانيًا وهذا هو المهم أن حديث التواتر قضية نسبية شرحت لهم هذا القضية شرحًا بالغًا، وقلت لهم: الشيخ تقي الدين النبهاني هو العالم الفاضل الجليل عندكم والذي جمع العلوم كلها، فلو فرضنا أنه ثبت عنده أن حديثًا ما هو عنده حديث متواتر، جاء من طرق كثيرة وكثيرة جدًا، لا نناقش الآن؛ لأن المهم رأيه، أن هذا الحديث متواتر عنده، حينما نقل إليكم هذا الرأي أصبح عندكم آحاد، هل تأخذون به؟ إن أخذتم به نقضتم مبدأكم؛ لأنه آحاد، أما الشيخ واجب عليه أن يأخذ به لأنه ثبت عنده متواترًا، أما عندكم غير متواتر؛ لأن التواتر يشترط فيه اتصال التواتر في كل طبقة بمعنى، أنتم يا أفراد حزب التحرير، أنتم ما شاء الله عديد من العلماء الأفاضل متخصصين بعلم الحديث، ومفرقين بهذه البلاد
[ ١ / ٣٧٥ ]
الإسلامية، عشرين ثلاثين أربعين، كل واحد منكم اتصل مع العدد هذا، كل واحد يقول أن الحديث الفلاني هو حديث متواتر، حينئذ يصير عندكم متواترًا، أما مجرد أن يقول لكم إمامكم أو شيخكم أن هذا الحديث متواتر، .. [فكيف يكون متواترًا عندكم]؟!
"الهدى والنور" (٢٣٨/ ٠٠:٤٥:٣٠)
[٦٥] باب في ذكر بعض من أنكر حجية خبر الآحاد في العقيدة
(قال الإمام في معرض كلامه حول بعض الأمثلة التي تدل على تعصب أبي غدة لشيخه الكوثري بالباطل):
جاء في "المصنوع" حديث رد الشمس على علي ﵁ ليصلي العصر بعد أن غربت ولم يصل. فذكر المتعصب [أبو غدة] في التعليق عليه جماعة من العلماء قالوا بأنه حديث موضوع، وآخرون ذهبوا إلى تصحيحه منهم شيخه الكوثري، فضل المتعصب بين هذين الحكمين المتناقضين، ولم يستطع - وهو الأمر الطبيعي الملازم له! أن يرجح أحدهما على الآخر، ولكنه حاول بادئ الرأي أن يرجح التصحيح بدون مرجح، وإنما تقليدًا منه لشيخه الكوثري فقال (٢١٥):
وقد جاءت كلمته رحمه الله تعالى على وجازتها ملخصة للمسألة أحسن تلخيص، إذ قال: ولا كلام في صحة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية. فأفاد بهذا الإيجاز البالغ أن الخبر على صحته لا ينهض في بابه وموضوعه، لأنه من المطالب العلمية التي تتوقف على اليقينيات وما قاربها. فلا بد على هذا من تأويل الخبر مع قولنا بصحته لمخالفته ما هو من الأمور العلمية، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٧٦ ]
هكذا قال هذا المسكين، ولم يدر أنه بهذه الفلسفة التي تلقاها من شيخه يجعله كما تقول العامة: "كنا تحت المطر، فصرنا تحت المزارب". لأنه فتح على نفسه بابًا للشباب الذين لا علم لهم بالسنة أن يردوا كل حديث صحيح ورد في الأمور التي ليست من الأحكام، وإنما هي في المعجزات أو بدء الخلق والجنة والنار، وبكلمة واحدة في الغيبيات التي تتوقف على اليقينيات بزعمه ويعني بذلك الأحاديث المتواترة، ثم تحفظ فقال: "أو ما قاربها" ويعني الأحاديث المشهورة التي رواها أكثر من اثنين. أما الحديث الذي تفرد به الثقة وهو صحيح عند أهل العلم فليس حجة في الغيبيات عنده فلا بد من تأويله بزعمه، وليت شعري كيف يؤول مثل هذا الحديث الذي يتحدث عن واقعة معينة؟ اللهم إلا بإنكار معناه وتعطيله حتى يتفق مع العقول المريضة والقلوب العليلة، تمامًا كما فعلوا في آيات الصفات وأحاديثها!
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص٣٢ - ٣٤).
[٦٦] باب بدعة تقسيم دلالة
الأحاديث إلى ظنية الثبوت وقطعية الثبوت
الملقى: يقول صاحب السؤال: تحدثنا مع أحد المبتدعين من الأشاعرة، ووصل الحديث أنه قال: أنا شافعي المذهب، فهل تنكرون على مذهبي؟
فقلنا له: إذا ورد حديث صحيح عن النبي - ﵌ - يخالف قول الشافعي فهل تأخذ قول الشافعي أم حديث النبي - ﵌ -؟
فقال: لا بالطبع: قول النبي، ومن ترك النبي فقد كفر.
فقلنا له: ماذا تقول فيمن ترك الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي - ﵌ -؟
[ ١ / ٣٧٧ ]
فقال: نحن لا ننكرها ونجحدها، ونأخذها بظنية الثبوت، ولا نأخذ به في العقيدة.
الشيخ: أوه. شنشنه نعرفها من أخزم.
من العلم الدخيل في الإسلام: تقسيم الإسلام إلى قسمين: قطعي الثبوت: ظني الثبوت، أنا أشهد بالله، وأحلف على ما أقولك: أن أعرف الناس بكلام رسول الله - ﵌ - وأخلص الناس لرسول الله وهو: أبو بكر الصديق ما كان يعرف هذه الفلسفة.
ثم إذا انظرنا إلى الطبقة الثانية وهي طبقة التابعين.
خذوا سيد التابعين سعيد بن المُسيَّب أو المسيِّب وكان يكره أن يقال: المسيَّب ﵀ كان أعلم التابعين، أو حتى نَكِلَ العلم إلى الله نقول: كان من أعلم التابعين وأزهدهم، وقد لقي من بعض الحكام الأمويين ما لقي بسبب أنه أبى أن يزوج ابنته بولي العهد كما يقولون اليوم، فعذبه بينما زوجها بأحد تلامذته الفقراء والمساكين.
الشاهد: هذا التابعي الجليل لا يعرف هذه الفلسفة الدخيلة في الإسلام: الإسلام منه قطعي الثبوت ومنه ظني الثبوت.
يترتب من وراء هذا التقسيم تخيير المسلم كما سمعتم في السؤال تخيير المسلم بين أن يأخذ بما كان ظني الثبوت أولا يأخذ، أهكذا كان السلف الصالح؟
لذلك نحن يا إخواننا نقول لكم: الكتاب والسنة والسلف الصالح، إنما نؤكد على مسامعكم هذا الشرط الثالث؛ لأننا نعلم يقينا مثلما أنكم تنطقون أنه لا يوجد على وجه الأرض طائفة مسلمة مهما كانت عريقة في الضلال، لا توجد طائفة
[ ١ / ٣٧٨ ]
تقول: نحن لسنا على الكتاب والسنة كما سمعتم آنفا في جواب المسؤول، لكن توجد طوائف، بل جماهير المسلمين اليوم الذين يقولون: نحن مع الكتاب والسنة ولا يستطيعون بطبيعة الحال أن يقولوا إلا هذه الكلمة، لا يوجد فيهم من يقول: وعلى منهج السلف الصالح إلا طائفة قليلة جدا، هي الطائفة المنصورة التي قال عنها رسول الله - ﵌ - في بعض الأحاديث الصحيحة «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، حتى تقوم الساعة».
من هي هذه الطائفة؟
قال ﵇: «هم الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي». من هم؟
هم الذين يتمسكون بما كان عليه رسول الله وأصحاب رسول الله.
أعطوا بالكم؟ ليس بما كان عليه رسول الله فقط؛ بل وأصحاب رسول الله، هكذا وصف رسول الله - ﵌ - الفرقة الناجية، الفرقة الناجية لما قيل له ﵇: ما هي؟
جاءت هناك روايتان: إحداهم أصح من الأخرى، ولا اختلاف بينهما.
الأولى: قال: «هي الجماعة»، الجماعة، هم أصحاب الرسول
الثانية: هي تفسير للجماعة قال: «هي ما أنا عليه وأصحابي» وأصحابي؛ ولذلك فمن يأخذ بالكتاب والسنة لا يلتفت إلى الأخذ بما كان عليه السلف الصالح فسيكون في ضلال مبين، وهذا واقع العالم الإسلامي اليوم وقديما بالنسبة لبعض الطوائف والفرق.
لذلك نحن ندندن حول كلمة: السلف الصالح، فهل كان السلف الصالح
[ ١ / ٣٧٩ ]
يعرف فكرا أو عمليا؛ لأنني أدري أن هناك اصطلاحات ، لكن المهم واقعيًاّ هل كان فيهم إذا جاءه حديث من شخص واحد، وهذا اسمه حديث أحاد، مثلا سعيد بن المسيَّب أو المسيَّب سمع أبا هريرة يروى حديثا له علاقة مثلا في العقيدة، مثلا في القبر، هل يرى له الخيرة ألا يأخذ به، لأنه حديث آحاد؟
ما شا الله. ما كانوا يعرفون هذه الفلسفة إطلاقًا، وإنما كان يعرفون شيئا واحدًا هو ما أشار إليه ربنا ﷿ في كتابه ثم بينه [رسوله] في حديثه.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات:٦). تبينوا: تثبتوا كما بقراءة أخرى.
في الحديث الآخر، في الحديث الذي قال فيه الرسول ﵇: «كفى المرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» (١). فكان التابعون يتحرون أن يعرفوا هذا الحديث يرويه تابعي آخر عن صحابي، الصحابة كلهم عدول، فإذا التابعي سمع من الصحابي مباشرة، ما عاد في عنده أبدا تردد في أن يأخذ بهذا الحديث؛ لأنه خبر آحاد. لكني كأنني أشعر من تمام فلسفة هذا الكلام أن بعضكم ما يعرف شو معنى حديث الآحاد بلا شك لأن هذا اصطلاح؟
حديث آحاد: الآن أنا أكلمكم وأنا واحد، أنا باقول: قال الله، وقال رسول الله، وقال الصحابة .. و.. والخ.
على هذه الفلسفة أنتم لكم الخيار تأخدوا ولا ما بتأخدوا، لستم مكلفين.
بينما الرسول يقول: «بلغو عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٢)
_________________
(١) مسلم (رقم٧).
(٢) البخاري (رقم٣٢٧).
[ ١ / ٣٨٠ ]
إلى آخر الحديث.
بذلك تنبت من وراء هذه الفلسفة آثار كثيرة جدا؛ كثير من الناس لا يؤمنون بعذاب القبر، يقولون: نحن نظن لأن الخبر ظني، البحث مع الأسف طويل، وأخشى أن يصاب بعضكم بالملل.
خبر آحاد: لو تصورنا سعيد بن المسيَّب أو المسيِّب سمع من عشرة من أصحاب الرسول أو عشرين أصحاب الرسول أن أكثر من ذلك، هذا الحديث صار عنده متواترا، شوف هذا التواتر: ما رواه جماعة من المسلمين يستحيل تواطؤهم على الكذب، فإذا افترضنا أن حديثا سمعه مثل سعيد بن المسيب عن عشرة عن عشرة من أصحاب الرسول، هذا صار عنده يقين: أن الرسول قال هذا الحديث، لكن جاء تابع تابعي مثل الإمام الزهري سمع هذا الحديث عن؟ سعيد بن المسيب، هل هذا الحديث عنده متواتر؟
لا. لأنه هو سمعه من واحد، الواحد سمعة من عشرة .. عشرين، هو عنده متواتر، لكن عند تابع التابعي الإمام الزهري هذا صار خبر آحاد.
إذن أي خبر يحدث به سعيد بن المسيب مهما كان قوته، مهما كان تواتره يصبح عند تابع التابعين ظنيا؛ أي غير قطعي الثبوت.
هذه الفلسفة تقول له: أنت بقى مخير: أن تأخذ به أو ألا تأخذ به.
من تمام الفلسفة قال: إذا كان الحديث له علاقة بالعقيدة فأنت إن أخذت به، تأخذ به وتحمله محمل الظن لا القطع، وإن كان في الحكم يجب عليك أن تأخذ به، فرقوا بين العقيدة وفرقوا بين الحكم، تفريق آخر ولهذا التفريق ذيول وآثار كثيرة؛ بحيث أنك لن تستطيع أن تأخذ من واحد من هؤلاء الذين تأثروا بهذه
[ ١ / ٣٨١ ]
الفلسفة الكلامية أن تأخذ منه عقيدة؛ لأنه إن كان من القرآن الثابت قطعيا فهو يشترط: أن يكون قطعي الدلالة، فلسفة أخرى قطعي الثبوت قطعي الدلالة. القرآن قطعي الثبوت لكن أحيان لا يكون قطعي الدلالة، فإذا لم يكن قطعي الدلالة أيضا في العقيدة: أنت مخير: إن شئت أخذت وإن شئت لم تأخذ؛ البحث في هذا طويل، وطويل جدا، وأنا بفضل الله لي رسالتان مخصصتان في هذا الموضوع بإمكانكم أن تسألوا عنهما، وتدرسوها إن شاء الله دراسة طيبة، المهم أن التفريق بين حديث الآحاد وحديث التواتر هذا اصطلاح لا ينبغي أن نبني عليه تفريقا بين ما إذا كان الحديث في العقيدة فلا يؤخذ به إلا إذا كان متواترًا، أما إذا كان في الأحكام فيجب أن يؤخذ به.
هذا التعريف لا أصل له، إذا جاءك الحديث عن رسول الله - ﵌ - صحيحا وجب الأخذ به مطلقا سواء كان في العقيدة أو في الأحكام.
"الهدى والنور" (٧٤٢/ ٥٧: ٢٣: ٠٠)
[٦٧] باب هل يكفر من ينكر خبر الآحاد؟
سؤال: يقول: ما حكم الأشخاص الذين ينكرون أحاديث الآحاد على الرغم من إقامة الحجة عليهم، هل هم فساق أو ضالين أو كفرة؟
الشيخ: لا شك أن كل مسلم يتبنى مذهبًا له أو منهجًا أو سبيلًا أو طريقًا لم يكن عليه سلفنا الصالح، الذي يعني صحابة النبي - ﵌ -، والتابعين لهم، وأتباع التابعين، لا شك أن هذا المسلم الذي يخالف هؤلاء يعيش في ضلال مبين، ثم هذا الضلال الذي لا نشك في أنه واقع فيه ومتلبس له من قمة رأسه إلى أخمص قدمه قد يكون يورده موارد الكفر والخروج من الملة؛ ذلك لأن الله ﷿ قال في صريح القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
[ ١ / ٣٨٢ ]
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥)، فالذين يتفلسفون بفلسفة إنكار حديث الآحاد، هؤلاء يخالفون سبيل المؤمنين، وقد ذكرنا أكثر من مرة: أن هدي السلف الصالح وتبليغهم لدعوة الإسلام، حتى شملت قسمًا كبيرًا من أقطار الدنيا، إنما كان ذلك بنقل الآحاد والأفراد في دعوة الرسول ﵊، من أشهر ذلك مما هو معروف في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي الأول، أن النبي - ﵌ - يرسل الشخص الواحد يدعو القبيلة الواحدة إلى الدخول في الإسلام، فيأمرهم بأن يوحدوا الله وحده لا شريك له، وإذا استجابوا أن يصلوا وأن يصوموا وأن يزكوا .. وو إلى آخره، كيف انتشر الإسلام بهؤلاء الأفراد؟ وهكذا استمر انتشار الإسلام حتى شمل كثيرًا من البلاد، حتى البلاد التي هي في وسط البحار كأستراليا مثلًا وأمثالها؛ بسبب: أن مسلمًا يسافر في سبيل التجارة فينزل في بلد ما طرقته قدمه من قبل فيقول لهم: الإسلام كذا وكذا وكذا، فيدخل الناس في دين الله أفواجًا بخبر الواحد؛ ولذلك فهؤلاء الذين يستهينون بخبر الواحد ويقولون: أن خبر الواحد لا تثبت به عقيدة، يخالفون سبيل المؤمنين، بل سبيل سيد المؤمنين الذي كان أرسل معاذًا وأرسل عليًا وأرسل أبا موسى الأشعري دعاة إلى الإسلام في اليمن، ودحية الكلبي إلى بلاد سوريا إلى الروم .. وهكذا، هؤلاء الدعاة الأولين معروفين في التاريخ الإسلامي كانوا أفرادًا، فكيف يقال: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة؟!
نحن لنا والحمد لله رسالتان تعالج هذه القضية معالجة علمية وعقلية شرعية، ليس عقل فلتان، عقل شرعي مأخوذ من الكتاب ومن السنة، وكل ما خرج عن الكتاب والسنة .. فصدقوا حينما قالوا: ليس عقلًا؛ لأن الله ﷿ حينما ذكر الكفار وهم في عذاب النار حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا
[ ١ / ٣٨٣ ]
في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:١٠)، فإذًا من هو العاقل؟
هو الذي يُحكم الشرع على عقله؛ لأن هذا العقل كما قلنا العقل المطلق موزع في البشر، ليس معروفًا محدودًا بشخص، لو قيل: عقل الرسول المعصوم على الرأس والعين، هذا مرجع، لكن عقل البشر الضائع الفلتان الذي لا حدود له هذا من تمام الضلال حينما تبنوا ما أداه عقلهم المجرد عن انطباع الكتاب والسنة إلى أن يقولوا: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة.
وأنا أضرب لكم مثلًا يحمل في طواياه نكتتين، وكيف يظهر، وما هو الموقف هؤلاء الناس الذين حكموا عقولهم على نصوص نبيهم - ﵌ -.
لقد قال - ﵌ - في حديث البخاري ومسلم: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال»، هذا حديث آحاد يؤخذ عندهم في الأحكام، لا يؤخذ به في العقيدة، لكن هذا الحديث يتضمن أمرين: يتضمن حكمًا، ويتضمن عقيدة، الحكم: «فليستعذ بالله من أربع»، العقيدة: عذاب القبر، العقيدة: المسيح الدجال في آخر الزمان، وكيفما يستطيع هذا أن يستعيذ بشيء لا يؤمن به؟ لا يستطيع، إذًا هو في حيص بيص، وكيفما مال فهو في ضلال، إن أخذ بالحديث؛ لأن فيه حكم شرعي، وهذا واجبه، لكنه لم يأخذ بما فيه من عقيدة وهو الإيمان بعذاب القبر وبالمسيح الدجال في آخر الزمان.
فإذًا: في أثناء تطبيقه لهذا الحكم هو مخالف لعقيدته، وهذا من الضلال المبين.
(الهدى والنور /٧٢٨/ ٢٠: ١٩: ٠٠)
[ ١ / ٣٨٤ ]
[٦٨] باب هل إنكار خبر الآحاد يُعَدُّ كفرًا؟
يسأل السائل ما الضابط في تكفير المستهزئ بالسنة أهو العلم بكونها سنة أم غير ذلك.
الشيخ: لا شك أنه لا يجوز تكفير مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا وهو يعلم أن الذي ينكره هو ثابت في السنة، أما إذا كان جاهلًا فينبغي أن يُعَلَّم بدل أن يكفر، فمن أنكر شيئًا يؤمن بثبوته في السنة ومع ذلك فهو أنكره هذا بلا شك كافر يحل دمه.
وهذا الجواب يجرنا إلى مسالة خلافية منذ قديم ألا وهي أن كثير من العلماء المتأخرين يقسمون الحديث النبوي من حيث وروده إلينا إلى قسمين حديث متواتر، وحديث آحاد، ويبنون على ذلك أنهم يقولون من أنكر حديث التواتر فهو كافر، ومن أنكر حديث الآحاد فليس بكافر، أنا أعتقد أن هذا الجواب التفصيلي قائم على تفصيل السابق للحديث المتواتر وحديث الآحاد، وكلٌّ من التفصيلين لا أصل له في الشرع، من حيث الواقع في حديث متواتر وفي حديث آحاد؛ لأن التواتر والآحاد هو طريقة وصول الحديث إلى فرد من الأفراد، لكن هذا ليس من طبيعة الحديث، لأن الحديث هو ما صدر من فم الرسول ﵇ وليس من القرآن، فالتفصيل السابق بالتفريق بين من أنكر حديث التواتر فهو كافر، ومن أنكر حديث الآحاد فهو فاسق، هذا ليس دقيقًا؛ إنما الصحيح أن يقال: كل من أنكر حديثًا يعتقد أن الرسول قاله فهو كافر سواء كان هذا الحديث عند زيد من الناس متواتر أو آحاد، المهم أن الشخص الذي أنكر الحديث يعتقد أن النبي ﵇ قاله مع ذلك بيقول لك: هذا الحديث لا يمكن أن يُقبل لأنه ما يدخل في العقل إلى آخر الفلسفة العصرية المعروفة اليوم أما كونه حديث متواتر أو حديث آحاد
[ ١ / ٣٨٥ ]
فهذا التفصيل لا يمكن أن يعرفه إلا في المليون واحد من المسلمين، وبالكاد أن يوجد هذا الواحد في المليون، ولذلك أنا اعتقد أن من الدسائس التي أدخلت في الإسلام بسوء نيه أو بحسن قصد لكن على كل حال هذا دخيل في الإسلام، ألا وهو التفريق بين الحديث الحديث الآحاد وحديث التواتر، ثم ربط نتيجة تختلف واحدة عن الأخرى باختلاف كون الحديث متواترًا أو آحادًا.
ذكرنا آنفًا من جملة النتيجة أن من أنكر حديث التواتر فهو كافر، هو حديث متواتر عند أهل العلم، نرجع لنفس المعنى السابق، لنأتي بمثال آخر فيما بعد حديث متواتر عند أهل العلم لكن ملايين المسلمين ما عندهم خَبَرُهُ هذا الحديث، فواحد سمع به قال: هذا مش معقول مش مقبول، لكن ما عنده علم بأن هذا حديثًا قاله الرسول لكن أهل العلم يقولون حديث متواتر، وعلى عكس ذلك هو يعلم هو حديث ثابت عن الرسول لكن مو متواتر مع ذلك هو بينكره، الأول ما يكفر، والآخر بيكفر.
نتيجةٌ أخرى نتجت من التفريق بين حديث الآحاد وحديث التواتر؛ حديث الآحاد يؤخذ فيه بالأحكام دون العقيدة، حديث التواتر لا يجوز الأخذ به في العقيدة أو على الأقل لا يجب الأخذ به في العقيدة فرقوا بين حديث الآحاد فيؤخذ به في الأحكام ليس في العقيدة، أما العقيدة فلا بد أن يكون الحديث فيها - أيش؟ - متواتر هذا الكلام من العجائب أنه يقرره بعض العلماء قديمًا وحديثًا؛ لو سئل هذا العالم الحديث صحيح ولَّا ضعيف؟ ما بيعرف فضلًا أن يعرف إذا قيل له هذا متواتر وإلا آحاد، (سيقول لك) شو بيعرفني هذه ما هي شغلتي؛ (إذًا كيف) قدرت تفرق بين الحديث الآحاد وحديث التواتر، ورتبت على ذلك أنه من ينكر حديث الآحاد في العقيدة لا ضير عليه لأن العقيدة لا تثبت إلا بحديث التواتر.
[ ١ / ٣٨٦ ]
مع الأسف الشديد حزب التحرير وقع في هذه الطابوسة بالتعبير السوري يعني في هذا المطب في هذه الحفرة، فقال أول ما نشأ حزب التحرير: لا يجوز أخذ حديث الآحاد في العقيدة، وبعدين صار مناقشات بينهم وبين بعض أفراد من أهل السنة عدلوا عبارتهم؛ كانت سابقًا: لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، فحولوها إلى لا يجب، كانوا من قبل في العبارة السابقة: لا يجوز؛ يعني: أن الحزبي التحريري حرام عليه أن يعتقد بحديث آحاد، لكن لما عدلوا العبارة أعطوه فسحة شويه، لا يجب عليك؛ فأنت حر بقى تأخذ بهذا الحديث ولّا ما تأخذ ما في مانع، في الأول: لا يجوز، وجرى طبعا ًمناقشات كثيرة هناك في دمشق وغير دمشق من سوريا بيني وبينهم، فاضطروا أن يعدلوا هذه العبارة وكان من جملة ما قلت لهم: يا جماعة أنتم عندما تقولون لا يجوز الأخذ بحديث الآلحاد في العقيدة معناه أنكم لا عقيده عندكم قائمة على السنة، لا يوجد هناك عقيدة تعتقدونها مأخوذة من السنة من الحديث؛ لماذا؟ لأنكم تشترطون أن يكون متواترًا، لكن هذا الحديث المتواتر في واقعه عند أهل العلم هو مجهول عند غير أهل العلم، ونُعَدِّل العبارة فنقول هذا الحديث عند أهل الاختصاص في الحديث وما أقلهم وخاصة في هذا الزمان يكون متواترًا، لكن عند عامة العلماء فضلًا عن عامة المسلمين ما عندهم خبر إلا أنه حديث آحاد، ولذلك فسوف لا تقيمون عقيدة على حديث ولو كان متواترًا عند أهل العلم؛ لماذا؟ لأنه سيعود إليكم حديث آحاد.
كنت ضربت لهم مثلًا قلت لهم: شيخكم الشيخ تقي الدين النبهاني نفترضه بأنه أعلم أهل الزمان في الحديث -وهو ليس كذلك لكن نفترض كذلك-، بحث في حديثٍ ما بحثًا هو شأنه لأنه متخصص فخرج معه أنه حديث مثلًا مثلًا: «اتقوا
[ ١ / ٣٨٧ ]
البول فإن عامة عذاب القبر منه» (١)، ثبت لديه مثلًا أن هذا الحديث حديث متواتر،
إذًا هو تضمن: إن في عذاب قبر؛ هم لا يؤمنون بعذاب القبر؛ لأن ما في بالقرآن زعموا.
الآن شيخكم يقول: قال رسول الله - ﵌ -: «اتقوا البول فإن عامة عذاب القبر منه»، حديث متواتر عندي، أنت يا حزبي هل عندك متواتر؟ لا، ليه؟ لأن التواتر يشترط عند أهل العلم أن يتسلسل في كل طبقة؛ يعني حديث رواه أبو بكر الصديق وحده رواه عنه مليون شخص هذا حديث آحاد، مليون من الصحابة رووا حديثًا نقله إلينا واحد هذا حديث آحاد؛ إذًا لازم هذا التواتر، نخفف العدد أشوية لا يكون خياليًا يكون واقعيًا؛ حديث رواه عشرة من الصحابة، وعنه عشرة من التابعين، وعنه عشرة من أتباع التابعين، وهكذا إلى أن سُطِّر هذا الحديث في عشرات كتب السنة بهذا التسلسل؛ عشرة من الصحابة، عشرة من التابعين إلى آخره، يجيء تقي الدين النبهاني وجد لهذا الحديث عشرة طرق صار عنده قناعة يقينية أن هذا الحديث قطعي قاله الرسول ﵇، وهذا واقع لكن حينما يقوله لحزبه: هذا الحديث المتواتر، فكل حزبي يصبح عنده الحديث حديث آحاد ليه؟ لأن الذي نقل له التواتر هو واحد انتبَهَ الحزبي، يمكن يقول: هذا حديث متواتر عندي- عند حزب التحرير-، وهذا لا وجود له عنده ولاعند غيره من الأحزاب، في عندهم عشرة من المتخصصين في علم الحديث؛ الشيخ تقي الدين والشيخ أحمد ومحمد وعبد الرحيم وعبد الرحمن إلى آخرة عشرة، كل واحد بحث في هذا الحديث ووجده متواترًا، العشرة هذول يعلنون على الملأ- حزب التحرير- أن الحديث الفلاني حديث متواتر، حينئذ يصبح هذا الحديث عند كل
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٣٠٠٢) بلفظ: تنزهوا
[ ١ / ٣٨٨ ]
الأفراد حديثًا متواترًا ليش؟! لأن الذي نقل التواتر هو متواتر هو عشرة أشخاص، لكن هذا لا وجود له هذا لا وجود له.
ولذلك أنا قلت لهذه الجماعة: أنتم لا يمكن أن تجدوا حديثًا متواترًا؟ مرة من المرات صارت مجادلة بيني وبينهم [قلت] يا جماعة أنا شايف كتبكم ممتلئة بالأحاديث الضعيفة والتي لا أصل لها إلى آخره قالوا: نستعين بأمثالك قلت لهم ما شاء الله بدكم تستعينون برجال من خارج حزبكم؟! لازم العلم ينبع منكم ويرجع على غيركم إلى آخره، فقلت لهم افترضوا أنه أنا هذا الحديث ثبت لدي بطريق التواتر، قلنا لكم حديث عذاب القبر متواتر، هذا ما أفاد التواتر عندكم؛ لأن أنا شخص واحد لابد أن يجيب لكم من أطراف العالم الإسلامي علماء متخصصون في علم الحديث يقولون نفس القول هذا بأن حديث عذاب القبر متواتر وهذا غير واقع، لذلك لا يمكن أن أتصور أنكم تؤمنون بعقيدة نابعة من حديث متواتر؛ لأن هذا التواتر لا وجود له، مش عندكم كأفراد من حزب التحرير؛ عند شيخهم الكبير تقي الدين؛ لأنه هو كأي قارئ يقرأ في كتاب يقرأ أن هذا حديث آحاد أو حديث تواتر لكن ما صار متواترًا عنده؛ لأنه قراه بدلالة شخص واحد، وهذا يختلف اختلافًا كبيرا في الحكم على الحديث بالتواتر.
في البحوث الفقهية علماء الأحناف عندهم فلسفة أخرى تتعلق بالفقه، علماء الكلام جاؤوا بالفلسفة السابقة حديث الآحاد لا تؤخذ منه عقيدة، لكن فقهاء الحنفية أيش قالوا؟ قالوا حديث الآحاد لا يجوز تخصيص القرآن به، تخصيص القرآن لا يجوز؛ لأن القرآن متواتر، وحديث الآحاد غير متواتر وبهذا الجواب يعطلون عشرات الأحكام الشرعية الثابتة في السنة الصحيحة، من ذلك مثلًا يختلفون مع جماهير الفقهاء في حكم قراءة الفاتحة؛ الجماهير يقولون: بأنها ركن
[ ١ / ٣٨٩ ]
من أركان الصلاة، وهم يقولون: لا هذا واجب وليس بفرض، فضلًا عن أن يكون ركنًا لا تصح الصلاة إلا به، طيب الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»؟! يقولون هذا حديث آحاد والقرآن يقول ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ وهذا نص عام ﴿ما تيسر من القرآن﴾ لا يجوز تخصيصه بحديث الآحاد: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»
ونشوف إمام المحدثين البخاري مؤلف رسالة للقراءة «جزء في القراءة» اسم الرسالة، فإذا به في أول الرسالة يقول تواتر لدينا أن النبي - ﵌ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (كيف) بتقولوا يافقهاء يا حنفيون تقولون هذا الحديث حديث آحاد؟! هذا إمام المحدثين بيقول إنه حديث متواتر عندنا وهذا صحيح هذا الكلام، لكن صحيح عند البخاري لكن مو صحيح عند الفقهاء؛ لأنه هذا الحديث ما جاء عندهم بطريق التواتر الذي بيجيء عن اليقين، لكن هذه فلسفة دخيلة في الإسلام التفريق بين حديث وحديث؛ ما دام كلًا منهما حديث صحيح ثابت؛ لكن واحد جاء من طريق ثاني جاء من طريقين وثاني جاء من ثلاثة من عشرة إلى آخره، وكل واحد من هذا الأنواع له اسم خاص عند المحدثين: حديث مشهور، حديث مستفيض، حديث متواتر، هذه اصطلاحات للكشف عن طريقة وصول الحديث إلينا، لكن ليس المقصود من هذا الاصطلاحات أن نعطل العمل بالحديث لأنه هو في منزلة كذا، وليس في منزلة كذا، لهذا لا يجوز إلا أن نأخذ الحديث عن الرسول ﵇ مجرد أن يكون صحيحًا أما متواتر وآحاد فهذه قضية نسبية أولًا بصورة عامة، وثانيًا هي نسبية بالنسبة لأهل العلم، أما جماهير الناس لا علم عندهم.
فالتكفير إذًا ليس متعلقًا بطريقة وصول الحديث إلى منكر الحديث هل آحاد أم هو تواتر، ولا هو بطريقة وصول الحديث إلى غير المنكر، فقد يكون عند غير
[ ١ / ٣٩٠ ]
المنكر متواتر، وهو ما عنده خبر بهذا الحديث، كما ذكرنا آنفًا، لكن الحديث عند جميع العلماء غير متواتر لكنه صحيح، والذي أنكره أيضًا يعتقد أنه صحيح، مع ذلك ينكره فهو كافر.
إذًا قضية التكفير لا تتعلق بما قام في نفس المكفِّر، وإنما ما قام في نفس المكفَّر؛ فإن كان المكفَّر يعتقد بأن هذا الحديث صح عن الرسول مع ذلك ينكره فلا شك بأنه يكفر بذلك، وإن قال- وإن كان لاهيًا- هذا الحديث والله أنا أستبعد صحته عن الرسول والله يعلم من قلبه أنه لا ينافق، يقول ما في قلبه؛ هذا لا يكفر عند رب العالمين، لكنه إذا كان يعلم أن هذا الحديث قاله الرسول لكن ظهر بيقول أنا أشك في أن الرسول قال هذا، فهو عند الله كافر؛ لأنه في قرارة قلبه يؤمن بأن النبي ﵇ قد قال هذا الحديث مع ذلك ينكره.
فإذًا التكفير لا يجوز أن يحكم به بالنسبة لما قام في نفس المكفِّر وإنما لما قام في نفس المكفَّر، واضح إن شاء الله.
السائل: واضح [لكن الفرق] بين المنكر والمستهزئ.
الشيخ: ما في فرق الذي يستهزئ بحديث يؤمن بأن الرسول قاله مثل ذاك الذي أنكر فهما سواء.
"الهدى والنور" (٢٦٩/ ١٢: ٢٧: ٠٠)
[ ١ / ٣٩١ ]