[ ٢ / ٥ ]
جماع أبواب الكلام على التوحيد: تعريفه، وأقسامه، وأهمية الدعوة إليه، وبيان لوازم ومقتضيات النطق بالشهادتين والكلام على الشرك: تعريفه، وأنواعه، وخطورة الوقوع فيه
[ ٢ / ٧ ]
[٧٤] باب أهمية إعطاء الدعوة إلى التوحيد
والعقيدة الصحيحة الأولوية عند الدعاة
بسم الله الرحمن الرحيم
[سئل الإمام]: فضيلة الشيخ لا شك أنكم تعلمون بأن واقع الأمة الديني واقع مرير من حيث الجهل بالعقيدة، ومسائل الاعتقاد، ومن حيث الافتراق في المناهج وإهمال نشر الدعوة الإسلامية في أكثر بقاع الأرض طبقًا للعقيدة الأولى والمنهج الأول الذي صلحت به الأمة، وهذا الواقع الأليم لا شك بأنه قد ولد غيرة عند المخلصين ورغبة في تغييره وإصلاح الخلل، إلا أنهم اختلفوا في طريقتهم في إصلاح هذا الواقع؛ لاختلاف مشاربهم العقدية والمنهجية-كما تعلم ذلك فضيلتكم-من خلال تعدد الحركات والجماعات الإسلامية الحزبية والتي ادعت إصلاح الأمة الإسلامية عشرات السنين، ومع ذلك لم يكتب لها النجاح والفلاح، بل تسببت تلك الحركات للأمة في إحداث الفتن ونزول النكبات والمصائب العظيمة، بسبب مناهجها وعقائدها المخالفة لأمر الرسول - ﷺ - وما جاء به؛ مما ترك الأثر الكبير في الحيرة عند المسلمين-وخصوصًا الشباب منهم-في كيفية معالجة هذا الواقع، وقد يشعر الداعية المسلم المتمسك بمنهاج النبوة المتبع لسبيل المؤمنين، المتمثل في فهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان من علماء الإسلام؛ قد يشعر بأنه حمل أمانة عظيمة تجاه هذا الواقع وإصلاحه أو المشاركة في علاجه.
فما هي نصيحتكم لأتباع تلك الحركات أو الجماعات؟
وما هي الطرق النافعة الناجعة في معالجة هذا الواقع؟
[ ٢ / ٩ ]
وكيف تبرأ ذمة المسلم عند الله ﷿ يوم القيامة؟
[فأجاب الإمام]:
يجب العناية والاهتمام بالتوحيد أولًا كما هو منهج الأنبياء والرسل ﵈:
بالإضافة لما ورد في السؤال-السابق ذكره آنفًا-من سوء واقع المسلمين، نقول: إن هذا الواقع الأليم ليس شرًا مما كان عليه واقع العرب في الجاهلية حينما بعث إليهم نبينا محمد - ﵌ -؛لوجود الرسالة بيننا، وكمالها، ووجود الطائفة الظاهرة على الحق، والتي تهدي به، وتدعو الناس للإسلام الصحيح: عقيدة، وعبادة، وسلوكًا، ومنهجًا، ولا شك بأن واقع أولئك العرب في عصر الجاهلية مماثل لما عليه كثير من طوائف المسلمين اليوم!.
بناء على ذلك نقول: العلاج هو ذاك العلاج، والدواء هو ذاك الدواء، فبمثل ما عالج النبي - ﵌ - تلك الجاهلية الأولى، فعلى الدعاة الإسلاميين اليوم-جميعهم-أن يعالجوا سوء الفهم لمعنى «لا إله إلا الله»، ويعالجوا واقعهم الأليم بذاك العلاج والدواء نفسه. ومعنى هذا واضح جدًا؛ إذا تدبرنا قول الله ﷿ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١).
فرسولنا - ﵌ - هو الأسوة الحسنة في معالجة مشاكل المسلمين في عالمنا المعاصر وفي كل وقت وحين، ويقتضي ذلك منا أن نبدأ بما بدأ به نبينا - ﵌ - وهو إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين أولًا، ومن عبادتهم ثانيًا، ومن سلوكهم ثالثًا.
ولست أعني من هذا الترتيب فصل الأمر الأول بدءًا بالأهم ثم المهم، ثم ما
[ ٢ / ١٠ ]
دونه! وإنما أريد أن يهتم بذلك المسلمون اهتماما شديدًا كبيرًا، وأعني بالمسلمين بطبيعة الأمر الدعاة، ولعل الأصح أن نقول: العلماء منهم؛ لأن الدعاة اليوم-مع الأسف الشديد-يدخل فيهم كل مسلم ولو كان على فقر مدقع من العلم، فصاروا يعدون أنفسهم دعاة إلى الإسلام، وإذا تذكرنا تلك القاعدة المعروفة-لا أقول: عند العلماء فقط بل عند العقلاء جميعًا-تلك القاعدة التي تقول: «فاقد الشيء لا يعطيه»؛ فإننا نعلم اليوم بأن هناك طائفة كبيرة جدًا يعدون بالملايين من المسلمين تنصرف الأنظار إليهم حين يطلق لفظة: الدعاة. وأعني بهم: جماعة الدعوة، أو: جماعة التبليغ «ومع ذلك فأكثرهم كما قال الله ﷿: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (لأعراف: ١٨٧).
ومعلوم من طريقة دعوتهم أنهم قد أعرضوا بالكلية عن الاهتمام بالأصل الأول-أو بالأمر الأهم-من الأمور التي ذكرت آنفًا، وأعني: العقيدة والعبادة والسلوك، وأعرضوا عن الإصلاح الذي بدأ به الرسول - ﵌ - بل بدأ به كل الأنبياء، وقد بينه الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦). فهم لا يعنون بهذا الأصل الأصيل والركن الأول من أركان الإسلام-كما هو معلوم لدى المسلمين جميعًا-هذا الأصل الذي قام يدعو إليه أول رسول من الرسل الكرام ألا وهو نوح - ﵌ - قرابة ألف سنة، والجميع يعلم أن الشرائع السابقة لم يكن فيها من التفصيل لأحكام العبادات والمعاملات ما هو معروف في ديننا هذا لأنه الدين الخاتم للشرائع والأديان، ومع ذلك فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يصرف وقته وجل اهتمامه للدعوة إلى التوحيد، ومع ذلك أعرض قومه عن دعوته كما بين الله﷿ذلك في محكم التنزيل ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح: ٢٣).
[ ٢ / ١١ ]
فهذا يدل دلالة قاطعة على أن أهم شيء ينبغي على الدعاة إلى «الإسلام الحق» الاهتمام به دائمًا هو الدعوة إلى التوحيد وهو معنى قوله﵎-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩).
هكذا كانت سنة النبي - ﵌ - عملًا وتعليمًا.
أما فعله: فلا يحتاج إلى بحث، لأن النبي - ﵌ - في العهد المكي إنما كان فعله ودعوته محصورة في الغالب في دعوة قومه إلى عبادة الله لا شريك له.
أما تعليمًا: ففي حديث أنس بن مالك﵁الوارد في الصحيحين أن النبي - ﵌ - عندما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك » (١).إلخ الحديث. وهو معلوم ومشهور إن شاء الله تعالى.
إذًا، قد أمر النبي - ﵌ - أصحابه أن يبدؤوا بما بدأ به وهو الدعوة إلى التوحيد، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا جدًا بين أولئك العرب المشركين-من حيث إنهم كانوا يفهمون ما يقال لهم بلغتهم-، وبين أغلب العرب المسلمين اليوم الذين ليسوا بحاجة أن يُدْعَوْا إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله؛ لأنهم قائلون بها على اختلاف مذاهبهم وطرائقهم وعقائدهم، فكلهم يقولون: لا إله إلا الله، لكنهم في الواقع بحاجة أن يفهموا-أكثر-معنى هذه الكلمة الطيبة، وهذا الفرق فرق جوهري-جدًا-بين العرب الأولين الذين كانوا إذا دعاهم رسول الله - ﵌ - أن يقولوا: لا إله إلا الله يستكبرون، كما هو مبين في صريح القرآن العظيم (٢) لماذا يستكبرون؟؛ لأنهم
_________________
(١) حديث صحيح: رواه البخاري (١٣٩٥) وفي غير موضع، ومسلم (١٩)، وأبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، كلهم من حديث ابن عباس ﵁. [منه].
(٢) يشير إلى قوله تعالى في سورة الصافات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (الصافات: ٣٥ - ٣٦). [منه].
[ ٢ / ١٢ ]
يفهمون أن معنى هذه الكلمة أن لا يتخذوا مع الله أندادًا وألا يعبدوا إلا الله، وهم كانوا يعبدون غيره، فهم ينادون غير الله ويستغيثون بغير الله؛ فضلًا عن النذر لغير الله، والتوسل بغير الله، والذبح لغيره والتحاكم لسواه إلخ.
هذه الوسائل الشركية الوثنية المعروفة التي كانوا يفعلونها، ومع ذلك كانوا يعلمون أن من لوازم هذه الكلمة الطيبة-لا إله إلا الله-من حيث اللغة العربية أن يتبرؤوا من كل هذه الأمور؛ لمنافاتها لمعنى «لا إله إلا الله».
غالب المسلمين اليوم لا يفقهون معنى لا إله إلا الله فهمًا جيدًا:
أما غالب المسلمين اليوم الذين يشهدون بأن «لا إله إلا الله» فهم لا يفقهون معناها جيدًا، بل لعلهم يفهمون معناها فهمًا معكوسًا ومقلوبًا تمامًا؛ أضرب لذلك مثلًا: بعضهم (١) ألّف رسالة في معنى «لا إله إلا الله» ففسرها: «لا رب إلا الله!!» وهذا المعنى هو الذي كان المشركون يؤمنون به وكانوا عليه، ومع ذلك لم ينفعهم إيمانهم هذا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ (لقمان: ٢٥).
فالمشركون كانوا يؤمنون بأن لهذا الكون خالقًا لا شريك له، ولكنهم كانوا يجعلون مع الله أندادًا وشركاء في عبادته، فهم يؤمنون بأن الرب واحد ولكن يعتقدون بأن المعبودات كثيرة، ولذلك رد الله تعالى-هذا الاعتقاد-الذي سماه عبادة لغيره من دونه بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ (الزمر: ٣).
_________________
(١) هو الشيخ محمد الهاشمي، أحد شيوخ الصوفية «الطريقة الشاذلية» في سوريا من نحو ٥٠ سنة. [منه].
[ ٢ / ١٣ ]
لقد كان المشركون يعلمون أن قول: «لا إله إلا الله» يلزم له التبرؤ من عبادة ما دون الله ﷿، أما غالب المسلمين اليوم؛ فقد فسروا هذه الكلمة الطيبة «لا إله إلا الله» بـ: «لا رب إلا الله!!» فإذا قال المسلم: لا إله إلا الله»، وعبد مع الله غيره؛ فهو والمشركون سواء، عقيدة، وإن كان ظاهره الإسلام؛ لأنه يقول لفظة: لا إله إلا الله فهو بهذه العبارة مسلم لفظيًا ظاهرًا، وهذا مما يوجب علينا جميعًا-بصفتنا دعاة إلى الإسلام- الدعوة إلى التوحيد وإقامة الحجة على من جهل معنى «لا إله إلا الله» وهو واقع في خلافها؛ بخلاف المشرك؛ لأنه يأبى أن يقول: «لا إله إلا الله» فهو ليس مسلمًا لا ظاهرًا ولا باطنًا فأما جماهير المسلمين اليوم هم مسلمون؛ لأن الرسول - ﵌ - قال: «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى» (١).
لذلك، فإني أقول كلمة-وهي نادرة الصدور مني-، وهي: إن واقع كثير من المسلمين اليوم شر مما كان عليه عامة العرب في الجاهلية الأولى من حيث سوء الفهم لمعنى هذه الكلمة الطيبة؛ لأن المشركين العرب كانوا يفهمون، ولكنهم لا يؤمنون، أما غالب المسلمين اليوم، فإنهم يقولون ما لا يعتقدون، يقولون: لا إله إلا الله، ولا يؤمنون -حقًا-بمعناها (٢)، لذلك فأنا أعتقد أن أول واجب على الدعاة المسلمين-حقًا-هو أن يدندنوا حول هذه الكلمة وحول بيان معناها بتلخيص، ثم
_________________
(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٢٥) وفي غير موضع، ومسلم (٢٢)، وغيرهم، من حديث ابن عمر ﵄. [منه].
(٢) يعبدون القبور، ويذبحون لغير الله، ويدعون الأموات، وهذا واقع وحقيقة ما تعتقده الرافضة، والصوفية، وأصحاب الطرق، فالحج إلى القبور وبناء المشاهد الشركية والطواف عليها والاستغاثة بالصالحين والحلف بهم عقائد ثابتة عندهم. [منه].
[ ٢ / ١٤ ]
بتفصيل لوازم هذه الكلمة الطيبة بالإخلاص لله ﷿ في العبادات بكل أنواعها، لأن الله ﷿ لما حكى عن المشركين قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ (الزمر: ٣)، جعل كل عبادة توجه لغير الله كفرًا بالكلمة الطيبة: لا إله إلا الله؛ لهذا؛ أنا أقول اليوم: لا فائدة مطلقًا من تكتيل المسلمين ومن تجميعهم، ثم تركهم في ضلالهم دون فهم هذه الكلمة الطيبة، وهذا لا يفيدهم في الدنيا قبل الآخرة! نحن نعلم قول النبي - ﵌ -: «من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه حرم الله بدنه على النار» وفي رواية أخري: «دخل الجنة» (١). فيمكن ضمان دخول الجنة لمن قالها مخلصًا حتى لو كان بعد لأيٍ وعذاب يمس القائل، والمعتقد الاعتقاد الصحيح لهذه الكلمة، فإنه قد يعذب بناءً على ما ارتكب واجترح من المعاصي والآثام، ولكن سيكون مصيره في النهاية دخول الجنة، وعلى العكس من ذلك؛ من قال هذه الكلمة الطيبة بلسانه، ولما يدخل الإيمان إلى قلبه؛ فذلك لا يفيده شيئًا في الآخرة، قد يفيده في الدنيا النجاة من القتال ومن القتل إذا كان للمسلمين قوة وسلطان، وأما في الآخرة فلا يفيد شيئًا إلا إذا كان قائلًا لها وهو فاهم معناها أولًا، ومعتقدًا لهذا المعنى ثانيًا؛ لأن الفهم وحده لا يكفي إلا إذا اقترن مع الفهم الإيمان بهذا المفهوم، وهذه النقطة؛ أظن أن أكثر الناس عنها غافلون! وهي: لا يلزم من الفهم الإيمان بل لا بد أن يقترن كل من الأمرين مع الآخر حتى يكون مؤمنًا، ذلك لأن كثيرًا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يعرفون أن محمدًا - ﵌ - رسول صادق فيما يدعيه من الرسالة والنبوة، ولكن مع هذه المعرفة التي شهد لهم بها ربنا ﷿ حين قال:
_________________
(١) حديث صحيح: رواه أحمد (٥/ ٢٣٦)، وابن حبان (٤) زوائد، وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٥٥). [منه].
[ ٢ / ١٥ ]
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ (البقرة: ١٤٦).
ومع ذلك هذه المعرفة ما أغنت عنهم من الله شيئًا لماذا؟ لأنهم لم يصدقوه فيما يدعيه من النبوة والرسالة، ولذلك فإن الإيمان تسبقه المعرفة ولا تكفي وحدها، بل لا بد أن يقترن مع المعرفة الإيمان والإذعان، لأن المولى ﷿ يقول في محكم التنزيل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ (محمد: ١٩).
وعلى هذا، فإذا قال المسلم: لا إله إلا الله بلسانه؛ فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة هذه الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل، فإذا عرف وصدق وآمن؛ فهو الذي يصدق عليه تلك الأحاديث التي ذكرت بعضها آنفًا، ومنها قوله - ﵌ - مشيرًا إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته آنفًا: «من قال: لا إله إلا الله، نفعته يومًا من دهره».
أي كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها منجية له من الخلود في النار-وهذا أكرره لكي يرسخ في الأذهان-وقد لا يكون قد قام بمقتضاها من كمال العمل الصالح والانتهاء عن المعاصي، ولكنه سلم من الشرك الأكبر وقام بما يقتضيه ويستلزمه شروط الإيمان من الأعمال القلبية-والظاهرية حسب اجتهاد بعض أهل العلم وفيه تفصيل ليس هذا محل بسطه- (١)؛ وهو تحت المشيئة، وقد يدخل النار جزاء ما ارتكب أو فعل من المعاصي أو أخل ببعض الواجبات، ثم تنجيه هذه الكلمة الطيبة أو يعفو الله عنه بفضل منه وكرمه، وهذا معنى قوله - ﵌ - المتقدم ذكره: «من قال: لا إله إلا الله، نفعته يومًا من دهره»، أما من قالها بلسانه ولم يفقه معناها، أو فقه معناها ولكنه لم يؤمن بهذا المعنى؛ فهذا لا ينفعه قوله: لا إله إلا الله، إلا في العاجلة إذا كان يعيش في ظل الحكم الإسلامي وليس
في الآجلة.
_________________
(١) هذه عقيدة السلف الصالح، وهي الحد الفاصل بيننا وبين الخوارج والمرجئة. [منه].
[ ٢ / ١٦ ]
لذلك لا بد من التركيز على الدعوة إلى التوحيد في كل مجتمع أو تكتل إسلامي يسعى- حقيقة وحثيثًا-إلى ما تدندن به كل الجماعات الإسلامية أو جلها، وهو تحقيق المجتمع الإسلامي وإقامة الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله على أي أرض لا تحكم بما أنزل الله، هذه الجماعات أو هذه الطوائف لا يمكنها أن تحقق هذه الغاية-التي أجمعوا على تحقيقها وعلى السعي- حثيثًا إلى جعلها حقيقة واقعية-إلا بالبدء بما بدأ به الرسول - ﵌ -.
وجوب الاهتمام بالعقيدة لا يعنى إهمال باقي الشرع من عبادات وسلوك ومعاملات وأخلاق:
وأعيد التنبيه بأنني لا أعنى الكلام في بيان الأهم فالمهم وما دونه على أن يقتصر الدعاة فقط على الدعوة إلى هذه الكلمة الطيبة وفهم معناها، بعد أن أتم الله ﷿ علينا النعمة بإكماله لدينه! بل لا بد لهؤلاء الدعاة أن يحملوا الإسلام كُلًا لا يتجزأ، وأنا حين أقول هذا- بعد ذلك البيان الذي خلاصته: أن يهتم الدعاة الإسلاميون حقًا بأهم ما جاء به الإسلام، وهو تفهيم المسلمين العقيدة الصحيحة النابعة من الكلمة الطيبة «لا إله إلا الله»، أريد أن استرعي النظر إلى أن هذا البيان لا يعني أن يفهم المسلم فقط أن معنى: «لا إله إلا الله»، هو لا معبود بحق في الوجود إلا الله فقط! بل هذا يستلزم أيضًا أن يفهم العبادات التي ينبغي أن يعبد ربنا﷿بها، ولا يوجه شيء منها لعبد من عباد الله ﵎، فهذا التفصيل لا بد أن يقترن بيانه أيضًا بذلك المعنى الموجز للكلمة الطيبة، ويحسن أن أضرب مثلًا-أو أكثر من مثل، حسبما يبدو لي-لأن البيان الإجمالي لا يكفي.
أقول: إن كثيرًا من المسلمين الموحدين حقًا والذين لا يوجهون عبادة من
[ ٢ / ١٧ ]
العبادات إلى غير الله ﷿، ذهنهم خال من كثير من الأفكار والعقائد الصحيحة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة، فكثير من هؤلاء الموحدين يمرون على كثير من الآيات وبعض الأحاديث التي تتضمن عقيدة وهم غير منتبهين إلى ما تضمنته، مع أنها من تمام الإيمان بالله ﷿، خذوا مثلًا عقيدة الإيمان بعلو الله ﷿، على ما خلقه، أنا أعرف بالتجربة أن كثيرًا من إخواننا الموحدين السلفيين يعتقدون معنا بأن الله ﷿ على العرش استوى دون تأويل، ودون تكييف، ولكنهم حين يأتيهم معتزليون عصريون، أو جهميون عصريون، أو ماتريدي أو أشعري ويلقي إليه شبهة قائمة على ظاهر آية لا يفهم معناها الموسوِس ولا الموسْوَس إليه، فيحار في عقيدته، ويضل عنها بعيدًا، لماذا؟ لأنه لم يتلق العقيدة الصحيحة من كل الجوانب التي تعرض لبيانها كتاب ربنا -﷿وحديث نبينا محمد - ﵌ -، فحينما يقول المعتزلي المعاصر: الله﷿يقول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ ﴾ (الملك: الآيتان ١٥ - ١٦).وأنتم تقولون: إن الله في السماء، وهذا معناه أنكم جعلتم معبودكم في ظرف هو السماء المخلوقة!! فإنه يلقى شبهة على من أمامه.
بيان عدم وضوح العقيدة الصحيحة ولوازمها في أذهان الكثيرين:
أريد من هذا المثال أن أبين أن عقيدة التوحيد بكل لوازمها ومتطلباتها ليست واضحة-للأسف- في أذهان كثير ممن آمنوا بالعقيدة السلفية نفسها، فضلًا عن الآخرين الذين اتبعوا العقائد الأشعرية أو الماتريدية أو الجهمية في مثل هذه المسألة، فأنا أرمي بهذا المثال إلى أن المسألة ليست بهذا اليسر الذي يصوره اليوم بعض الدعاة الذين يلتقون معنا في الدعوة إلى الكتاب والسنة، إن الأمر ليس بالسهولة التي يدعيها بعضهم، والسبب ما سبق بيانه من الفرق بين جاهلية
[ ٢ / ١٨ ]
المشركين الأولين حينما كانوا يدعون ليقولوا: لا إله إلا الله فيأبون؛ لأنهم يفهمون معنى هذه الكلمة الطيبة، وبين أكثر المسلمين المعاصرين اليوم حينما يقولون هذه الكلمة؛ ولكنهم لا يفهمون معناها الصحيح، هذا الفرق الجوهري هو الآن متحقق في مثل هذه العقيدة، وأعني بها علو الله ﷿ على مخلوقاته كلها، فهذا يحتاج إلى بيان، ولا يكفي أن يعتقد المسلم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥). «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (١). دون أن يعرف أن كلمة «في» التي وردت في هذا الحديث ليست ظرفية، وهي مثل «في» التي وردت في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ ] (الملك: الآيتان ١٥ - ١٦)؛ لأن «في» هنا بمعنى «على» والدليل على ذلك كثير وكثير جدًا؛ فمن ذلك: الحديث السابق المتداول بين ألسنة الناس، وهو بمجموع طرقه -والحمد لله-صحيح، ومعنى [قوله - ﵌ -]: «ارحموا من في الأرض» لا يعني الحشرات والديدان التي هي في داخل الأرض! وإنما من على الأرض؛ من إنسان وحيوان، وهذا مطابق لقوله - ﵌ -: « يرحمكم من في السماء»، أي: على السماء، فمثل هذا التفصيل لا بد للمستجيبين لدعوة الحق أن يكونوا على بينة منه، ويقرب هذا: حديث الجارية وهي راعية غنم، وهو مشهور معروف، وإنما أذكر الشاهد منه؛ حينما سألها رسول الله - ﵌ -: «أين الله؟» قالت له: في السماء (٢).لو سألت اليوم كبار شيوخ الأزهر-مثلًا-أين الله؟ لقالوا لك: في كل مكان! بينما الجارية أجابت بأنه في السماء، وأقرها النبي - ﵌ -، لماذا؟؛ لأنها أجابت على الفطرة، وكانت تعيش بما يمكن أن
_________________
(١) «السلسلة الصحيحة» (٩٢٥).
(٢) رواه مسلم (رقم٥٣٧).
[ ٢ / ١٩ ]
نسميه بتعبيرنا العصري» بيئة سلفية «لم تتلوث بأي بيئة سيئة-بالتعبير العام-؛ لأنها تخرجت كما يقولون اليوم-من مدرسة الرسول - ﵌ - هذه المدرسة لم تكن خاصة ببعض الرجال ولا ببعض النساء، وإنما كانت مشاعة بين الناس وتضم الرجال والنساء وتعم المجتمع بأكمله، ولذلك عرفت راعية الغنم العقيدة لأنها لم تتلوث بأي بيئة سيئة؛ عرفت العقيدة الصحيحة التي جاءت في الكتاب والسنة وهو مالم يعرفه كثير ممن يدعي العلم بالكتاب والسنة، فلا يعرف أين ربه! مع أنه مذكور في الكتاب والسنة، واليوم أقول: لا يوجد شيء من هذا البيان وهذا الوضوح بين المسلمين بحيث لو سألت -لا أقول: راعية غنم-بل راعي أمة أو جماعة؛ فإنه قد يحار في الجواب كما يحار الكثيرون اليوم إلا من رحم الله وقليل ما هم!!!.
الدعوة إلى العقيدة الصحيحة تحتاج إلى بذل جهد عظيم ومستمر:
فإذًا، فالدعوة إلى التوحيد وتثبيتها في قلوب الناس تقتضي منا ألا نمر بالآيات دون تفصيل كما في العهد الأول؛ لأنهم-أولًا-كانوا يفهمون العبارات العربية بيسر، وثانيًا لأنه لم يكن هناك انحراف وزيغ في العقيدة نبع من الفلسفة وعلم الكلام، فقام ما يعارض العقيدة السليمة، فأوضاعنا اليوم تختلف تمامًا عما كان عليه المسلمون الأوائل، فلا يجوز أن نتوهم بأن الدعوة إلى العقيدة الصحيحة هي اليوم من اليسر كما كان الحال في العهد الأول، وأقرب هذا في مثل لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان-إن شاء الله تعالى-:
من اليسر المعروف حينئذ أن الصحابي يسمع الحديث من رسول الله - ﵌ - مباشرة ثم التابعي يسمع الحديث من الصحابي مباشرة وهكذا نقف عند القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، ونسأل: هل كان هناك شيء اسمه علم الحديث؟
[ ٢ / ٢٠ ]
الجواب: لا، وهل كان هناك شيء اسمه علم الجرح والتعديل؟ الجواب: لا، أما الآن فهذان العلمان لا بد منهما لطالب العلم، وهما من فروض الكفاية؛ وذلك لكي يتمكن العالم اليوم من معرفة الحديث إن كان صحيحًا أو ضعيفًا، فالأمر لم يعد ميسرًا سهلًا كما كان ذلك ميسرًا للصحابي، لأن الصحابي كان يتلقى الحديث من الصحابة الذين زكوا بشهادة الله﷿لهم إلخ. فما كان يومئذ ميسورًا ليس ميسورًا اليوم من حيث صفاء العلم وثقة مصادر التلقي، لهذا لا بد من ملاحظة هذا الأمر والاهتمام به كما ينبغي مما يتناسب مع المشاكل المحيطة بنا اليوم بصفتنا مسلمين، والتي لم تحط بالمسلمين الأولين من حيث التلوث العقدي الذي سبب إشكالات وأوجد شبهات من أهل البدع المنحرفين عن العقيدة الصحيحة منهج الحق تحت مسميات كثيرة، ومنها الدعوة إلى الكتاب والسنة فقط! كما يزعم ذلك ويدعيه المنتسبون إلى علم الكلام.
ويحسن بنا هنا أن نذكر بعض ما جاء في الأحاديث الصحيحة في ذلك ومنها: أن النبي - ﵌ - لما ذكر الغرباء في بعض تلك الأحاديث، قال: «للواحد منهم خمسون من الأجر»، قالوا: منا يا رسول الله أو منهم؟ قال: «منكم» (١).
وهذا من نتائج الغربة الشديدة للإسلام اليوم التي لم تكن في الزمن الأول، ولا شك أن غربة الزمن الأول كانت بين شرك صريح وتوحيد خال من كل شائبة، بين كفر بواح وإيمان صادق، أما الآن فالمشكلة بين المسلمين أنفسهم فأكثرهم توحيده مليء بالشوائب، ويوجه العبادات إلى غير الله ويدعي الإيمان؛ هذه القضية ينبغي الانتباه لها أولًا، وثانيًا: لا ينبغي أن يقول بعض الناس: إننا لا بد لنا من
_________________
(١) «السلسلة الصحيحة» (٤٩٤).
[ ٢ / ٢١ ]
الانتقال إلى مرحلة أخرى غير مرحلة التوحيد وهي العمل السياسي!! لأن الإسلام دعوته دعوة حق أولًا، فلا ينبغي أن نقول: نحن عرب والقرآن نزل بلغتنا، مع تذكيرنا أن العرب اليوم عكس الأعاجم الذين استعربوا، بسبب بعدهم عن لغتهم، وهذا ما أبعدهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم، فهب أننا-نحن العرب-قد فهمنا الإسلام فهمًا صحيحًا، فليس من الواجب علينا بأن نعمل عملًا سياسيًا، ونحرك الناس تحريكًا سياسيًا، ونشغلهم بالسياسة عما يجب عليهم الاشتغال به، في فهم الإسلام: في العقيدة، والعبادة، والمعاملة والسلوك!! فأنا لا أعتقد أن هناك شعبًا يعد بالملايين قد فهم الإسلام فهمًا صحيحًا -أعني: العقيدة، والعبادة، والسلوك -وربي عليها.
أساس التغيير هو منهج التصفية والتربية:
ولذلك نحن ندندن أبدًا ونركز دائمًا حول النقطتين الأساسيتين اللتين هما قاعدة التغيير الحق، وهما: التصفية والتربية، فلا بد من الأمرين معًا؛ التصفية والتربية، فإن كان هناك نوع من التصفية في بلد فهو في العقيدة، وهذا-بحد ذاته-يعتبر عملًا كبيرًا وعظيمًا أن يحدث في جزء من المجتمع الإسلامي الكبير- أعني: شعبًا من الشعوب-، أما العبادة فتحتاج إلى أن تتخلص من المذهبية الضيقة، والعمل على الرجوع إلى السنة الصحيحة، فقد يكون هناك علماء أجلاء فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا من كل الجوانب، لكني لا أعتقد أن فردًا أو اثنين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو عشرين يمكنهم أن يقوموا بواجب التصفية، تصفية الإسلام من كل ما دخل فيه؛ سواء في العقيدة، أو العبادة، أو السلوك، إنه لا يستطيع أن ينهض بهذا الواجب أفراد قليلون يقومون بتصفية ما علق به من كل دخيل ويربوا من حولهم تربية صحيحة سليمة، فالتصفية والتربية الآن مفقودتان.
[ ٢ / ٢٢ ]
ولذلك سيكون للتحرك السياسي في أي مجتمع إسلامي لا يحكم بالشرع آثار سيئة قبل تحقيق هاتين القضيتين الهامتين، أما النصيحة فهي تحل محل التحرك السياسي في أي بلد يحكم بالشرع من خلال المشورة أو من خلال إبدائها بالتي هي أحسن بالضوابط الشرعية بعيدًا عن لغة الإلزام أو التشهير، فالبلاغ يقيم الحجة ويبرئ الذمة.
ومن النصح أيضًا، أن نشغل الناس فيما ينفعهم؛ بتصحيح العقيدة، والعبادة، والسلوك، والمعاملات.
وقد يظن بعضهم أننا نريد تحقيق التربية والتصفية في المجتمع الإسلامي كله! هذا ما لا نفكر فيه ولا نحلم به في المنام؛ لأن هذا تحقيقه مستحيل؛ ولأن الله ﷿ يقول في القرأن الكريم ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: ١١٨).
وهؤلاء لا يتحقق فيهم قول ربنا تعالى هذا إلا إذا فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا وربوا أنفسهم وأهليهم ومن كان حولهم على هذا الإسلام الصحيح.
من يشتغل بالعمل السياسي؟ ومتى؟
فالاشتغال الآن بالعمل السياسي مشغلة! مع أننا لا ننكره، إلا أننا نؤمن بالتسلسل الشرعي المنطقي في آن واحد، نبدأ بالعقيدة، ونثني بالعبادة ثم بالسلوك؛ تصحيحًا وتربية ثم لا بد أن يأتي يوم ندخل فيه في مرحلة السياسة بمفهومها الشرعي؛ لأن السياسة معناها: إدارة شؤون الأمة، من الذي يدير شؤون الأمة؟ ليس زيدًا، وبكرًا، وعمرًا؛ ممن يؤسس حزبًا أو يترأس حركة، أو يوجه جماعة!! هذا الأمر خاص بولي الأمر؛ الذي يبايع من قبل المسلمين، هذا هو الذي
[ ٢ / ٢٣ ]
يجب عليه معرفة سياسة الواقع وإدارته، فإذا كان المسلمون غير متحدين-كحالنا اليوم-فيتولى ذلك كل ولي أمر حسب حدود سلطاته، أما أن نشغل أنفسنا في أمور لو افترضنا أننا عرفناها حق المعرفة فلا تنفعنا معرفتنا هذه؛ لأننا لا نتمكن من إدارتها، ولأننا لا نملك القرار لإدارة الأمة، وهذا وحده عبث لا طائل تحته، ولنضرب مثلًا الحروب القائمة ضد المسلمين في كثير من بلاد الإسلام هل يفيد أن نشعل حماسة المسلمين تجاهها ونحن لا نملك الجهاد الواجب إدارته من إمام مسؤول عقدت له البيعة؟! لا فائدة من هذا العمل، ولا نقول: إنه ليس بواجب! ولكننا نقول: إنه أمر سابق لأوانه، ولذلك فعلينا أن نشغل أنفسنا وأن نشغل غيرنا ممن ندعوهم إلى دعوتنا؛ بتفهيمهم الإسلام الصحيح، وتربيتهم تربية صحيحة، أما أن نشغلهم بأمور حماسية وعاطفية، فذلك مما سيصرفهم عن التمكن في فهم الدعوة التي يجب أن يقوم بها كل مكلف من المسلمين؛ كتصحيح العقيدة، وتصحيح العبادة، وتصحيح السلوك، وهي من الفروض العينية التي لا يعذر المقصر فيها، وأما الأمور الأخرى فبعضها يكون من الأمور الكفائية، كمثل ما يسمى اليوم بـ «فقه الواقع» والاشتغال بالعمل السياسي الذي هو من مسئولية من لهم الحل والعقد، الذين بإمكانهم أن يستفيدوا من ذلك عمليًا، أما أن يعرفه بعض الأفراد الذين ليس بأيديهم حل ولا عقد ويشغلوا جمهور الناس بالمهم عن الأهم، فذلك مما صرفهم عن المعرفة الصحيحة! وهذا مما نلمسه لمس اليد في كثير من مناهج الأحزاب والجماعات الإسلامية اليوم، حيث نعرف أن بعضهم انصرف عن تعليم الشباب المسلم المتكتل والملتف حول هؤلاء الدعاة من أجل أن يتعلم ويفهم العقيدة الصحيحة، والعبادة الصحيحة، والسلوك الصحيح، وإذا ببعض هؤلاء الدعاة ينشغلون بالعمل السياسي ومحاولة الدخول في البرلمانات
[ ٢ / ٢٤ ]
التي تحكم بغير ما أنزل الله! فصرفهم هذا عن الأهم واشتغلوا بما ليس مهما ً في هذه الظروف القائمة الآن.
أما ما جاء في السؤال عن كيفية براءة ذمة المسلم أو مساهمته في تغيير هذا الواقع الأليم؛ فنقول: كل من المسلمين بحسبه، العالم منهم يجب عليه ما لا يجب على غير العالم، وكما أذكر في مثل هذه المناسبة: أن الله ﷿ قد أكمل النعمة بكتابه، وجعله دستورًا للمؤمنين به، من ذلك أن الله تعالى قال: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الانبياء: ٧) فالله ﷾ قد جعل المجتمع الإسلامي قسمين: عالمًا، وغير عالم، وأوجب على كل منهما مالم يوجبه على الآخر، فعلى الذين ليسوا بعلماء أن يسألوا أهل العلم، وعلى العلماء أن يجيبوهم عما سئلوا عنه، فالواجبات-من هذا المنطلق-تختلف باختلاف الأشخاص، فالعالم اليوم عليه أن يدعوا إلى دعوة الحق في حدود الاستطاعة، وغير العالم عليه أن يسأل عما يهمه بحق نفسه أو من كان راعيًا؛ كزوجة أو ولد أو نحوه، فإذا قام المسلم -من كلا الفريقين-بما يستطيع؛ فقد نجا، لأن الله ﷿ يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦).
نحن-مع الأسف نعيش في مأساة ألمت بالمسلمين، لا يعرف التاريخ لها مثيلًا، وهو تداعي الكفار على المسلمين، كما أخبر النبي - ﵌ - في مثل حديثه المعروف والصحيح: «تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم لكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن»،
[ ٢ / ٢٥ ]
قالوا: وما الوهن يارسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١).
فواجب العلماء إذًا، أن يجاهدوا في التصفية والتربية، وذلك بتعليم المسلمين التوحيد الصحيح وتصحيح العقائد والعبادات، والسلوك، كل حسب طاقته وفي البلاد التي يعيش فيها، لأنهم لا يستطيعون القيام بجهاد اليهود في صف واحد ماداموا كحالنا اليوم، متفرقين، لا يجمعهم بلد واحد ولا صف واحد، فإنهم لا يستطيعون القيام بمثل هذا الجهاد لصد الأعداء الذين تداعوا عليهم، ولكن عليهم أن يتخذوا كل وسيلة شرعية بإمكانهم أن يتخذوها، لأننا لا نملك القدرة المادية، ولو استطعنا، فإننا لا نستطيع أن نتحرك فعلًا، لأن هناك حكومات وقيادات وحكامًا في كثير من بلاد المسلمين يتبنون سياسات لا تتفق مع السياسة الشرعية-مع الأسف الشديد-لكننا نستطيع أن نحقق-بإذن الله تعالى - هذين الأمرين العظيمين اللذين ذكرتهما آنفًا وهما التصفية والتربية، وحينما يقوم الدعاة المسلمون بهذا الواجب المهم جدًا في بلد لا يتبنى سياسة لا تتفق مع السياسة الشرعية، ويجتمعون على هذا الأساس، فأنا أعتقد-يومئذ- أنه سيصدق عليهم قول الله ﷿: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّه﴾ (الروم: ٤ - ٥).
الواجب على كل مسلم أن يطبق حكم الله في شئون حياته كلها فيما يستطيعه:
إذًا، واجب كل مسلم أن يعمل ما باستطاعته، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وليس هناك تلازم بين إقامة التوحيد الصحيح والعبادة الصحيحة، وبين إقامة الدولة الإسلامية في البلاد التي لا تحكم بما أنزل الله، لأن أول ما يُحكم بما أنزل
_________________
(١) «السلسة الصحيحة» (٩٥٨).
[ ٢ / ٢٦ ]
الله -فيه- هو إقامة التوحيد، وهناك-بلا شك-أمور خاصة وقعت في بعض العصور وهي أن تكون العزلة خيرًا من المخالطة، فيعتزل المسلم في شعب من الشعاب ويعبد ربه، ويكف من شر الناس إليه، وشره إليهم، هذا الأمر قد جاءت فيه أحاديث جدًا وإن كان الأصل كما جاء في حديث ابن عمر -﵁-: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (١). فالدولة المسلمة-بلا شك-وسيلة لإقامة حكم الله في الأرض، وليست غاية بحد ذاتها.
ومن عجائب بعض الدعاة أنهم يهتمون بما لا يستطيعون القيام به من الأمور، ويدعون ما هو واجب عليهم وميسور! وذلك بمجاهدة أنفسهم كما قال ذلك الداعية المسلم؛ الذي أوصى أتباعه بقوله: «أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقم لكم في أرضكم».
ومع ذلك فنحن نجد كثيرًا من أتباعه يخالفون ذلك، جاعلين جل دعوتهم إلى إفراد الله عزوجل بالحكم، ويعبرون عن ذلك بالعبارة المعروفة: «الحاكمية لله».ولا شك بأن الحكم لله وحده ولا شريك له في ذلك ولا في غيره، ولكنهم؛ منهم من يقلد مذهبًا من المذاهب الأربعة، ثم يقول-عندما تأتيه السنة الصريحة الصحيحة-: هذا خلاف مذهبي! فأين الحكم بما أنزل الله في اتباع السنة؟!.
ومنهم من تجده يعبد الله على الطرق الصوفية! فأين الحكم بما أنزل الله بالتوحيد؟! فهم يطالبون غيرهم بما لا يطالبون به أنفسهم، إن من السهل جدًا أن تطبق الحكم بما أنزل الله في عقيدتك، في عبادتك، في سلوكك، في دارك، في
_________________
(١) «السلسلة الصحيحة» (رقم٩٣٩).
[ ٢ / ٢٧ ]
تربية أبنائك، في بيعك، في شرائك، بينما من الصعب جدًا، أن تجبر أو تزيل ذلك الحاكم الذي يحكم في كثير من أحكامه بغير ما أنزل الله، فلماذا تترك الميسَّر إلى المعسَّر؟!.
هذا يدل على أحد شيئين: إما أن يكون هناك سوء تربية، وسوء توجيه. وإما أن يكون هناك سوء عقيدة تدفعهم وتصرفهم إلى الاهتمام بما لا يستطيعون تحقيقه عن الاهتمام بما هو داخل في استطاعتهم، فأما اليوم فلا أرى إلا الاشتغال كل الاشتغال بالتصفية والتربية ودعوة الناس إلى صحيح العقيدة والعبادة، كل في حدود استطاعته، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد عليه وآله وسلم.
رسالة "التوحيد أولًا".
[٧٥] باب منه
سؤال: إن الحمد لله نحمد ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فقد من الله ﵎ عليّ بلقاء أحد علماء الإسلام السائرين على نهج خير الأنام وصحبه الكرام، الذين جمع الله لهم بين العلم والعمل، والفهم والعقل، وما أعظم الإنسان إذا اجتمعت فيه هذه الصفات فهو إمام بحق، من الذين قال الله فيهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤)، ألا وهو فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وذلك في تاريخ الثالث
[ ٢ / ٢٨ ]
عشر من الشهر العاشر لسنة ١٤١٣هـ، وذلك ضمن تسجيلات سلسلة الهدى والنور الذي يقوم بتسجيلها الأخ الكريم أبو ليلى محمد بن أحمد وصلى الله وسلم وبارك على نبينا ورسولنا محمد.
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:
لا شك أن فضيلة الشيخ ناصر الألباني حفظه الله وسلمه وبارك فيه يعلم أن واقع الأمة الديني واقع مرير من حيث الجهل في العقيدة والفساد العقدي، ومن حيث الافتراق في المناهج، ومن حيث إهمال ونسف الشريعة الإسلامية في أكثر بقاع الأرض، هذا الواقع الغيورون من المسلمين لهم رغبة عظيمة في تغييره وإصلاحه، إلا أنهم تختلف مآخذهم في تصحيح هذا الوضع، كما يعلم فضيلتكم من خلال الحركات الإسلامية والجماعات الإسلامية التي جاهدت في إصلاح واقع الأمة الإسلامية ومع ذلك لم تفلح، بل ربما للأمة بسبب تلك الحركات نكبات ومصائب عظيمة، الشباب المسلم في حيرة وفي حيرة عظيمة، كيف يقابلون وكيف يعالجون هذا الواقع، وقد يشعر الواحد منهم أنه حمل جبالًا عظيمة، فما هي نصيحتكم للشباب المسلم، وما هي الطرق النافعة الناجعة لمواجهة هذا الواقع، وكيف تبرأ ذمة المسلم عند الله ﷿ يوم القيامة؟
الشيخ: إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠٧١) أما بعد: فإن خير الكلام
[ ٢ / ٢٩ ]
كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - ﵌ - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار:
بالإضافة إلى ما جاء في تضاعيف سؤال الأخ أبي عبد الرحمن عبد الله من سوء واقع المسلمين فكذلك نقول: إن هذا الواقع الأليم ليس شرًا مما كان واقع العرب في جاهليتهم وحينما بعث إليهم رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، فلا شك أن واقع أولئك العرب الجاهليين كان أسوأ بكثير مما عليه المسلمون اليوم، وبناءً على ذلك نقول: العلاج هو ذاك العلاج، والدواء هو ذاك الدواء، فبمثل ما عالج النبي - ﵌ - تلك الجاهلية الأولى فعلى الدعاة الإسلاميين اليوم جميعهم أن يعالجوا واقعهم الأليم ومعنى هذا واضح جدًا، متذكرين فيه قول الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (الأحزاب:٢١)، فرسولنا صلوات الله وسلامه عليه هو أسوتنا في معالجة مشكلة المسلمين في زمننا، وذلك بأن نبدأ بما بدأ به النبي - ﵌ - وهو إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين أولًا، ومن عباداتهم ثانيًا، ومن سلوكهم ثالثًا، ولست أعني بهذا الترتيب هو الفصل بين الأمر الأول الأهم ثم المهم ثم ما دونه، وإنما أريد أن يهتم المسلمون وأعني بهم بطبيعة الأمر الدعاة منهم، ولعل الأصح أن نقول: العلماء منهم، لأن الدعاة اليوم مع الأسف الشديد صار يشمل كل مسلم ولو كان على فقر مدقع من العلم، فصاروا يعدون أنفسهم دعاة إلى الإسلام، ونعلم جميعًا القاعدة المعروفة لدى-لا أقول العلماء، بل والعقلاء جميعًا-، تلك هي التي تقول: فاقد الشيء لا يعطيه، فنحن نعلم اليوم بأن هناك طائفة كبيرة جدًا جدًا، يعدون الملايين من المسلمين إذا ما أطلقت لفظة الدعاة انصرفت هذه اللفظة إليهم، وهم جماعة الدعوة أي جماعة التبليغ، ومع ذلك فأكثرهم كما قال الله ﷿: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
[ ٢ / ٣٠ ]
النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧)، ومع ذلك فهم جماعة الدعوة حينما يطلق جماعة الدعوة ينصرف هذا الاسم إليهم، ومعلوم من طريقة دعوتهم أنهم قد أعرضوا بالكلية عن الاهتمام بالأصل الأول أو بالأمر الأهم من الأمور الثلاثة التي ذكرتها آنفًا، العقيدة والعبادة والسلوك، فتركوا وأعرضوا عن إصلاح ما بدأ به الرسول ﵇، بل ما بدأ به كل الأنبياء تبعًا للرسل من مثل قوله ﵎: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦)، فهم لا يعنون بهذا الأصل الأصيل، وهو الركن الأول من أركان الإسلام، كما هو معلوم لديكم جميعًا، وهذا الأصل الذي قام يدعو إليه رسول من الرسل الكرام ألا وهو نوح ﵊ قرابة ألف سنة، وهو يدعو إلى التوحيد، وأنتم تعلمون أن الشرائع السابقة لم يكن فيها من التفصيل لأحكام المعاملات والعبادات ما هو ما هو معروف في ديننا هذا؛ لأنه خاتمة الشرائع والأديان، ومع ذلك فقد لبث في قومه، قد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فيما إذًا كان اهتمامه؛ أن يفهموا عنه التوحيد، ومع ذلك فكما تعلمون من القرآن الكريم، أعرضوا عن دعوته، وقالوا: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ (نوح: ٢٣) إلى آخر الآية.
فهذا يدل دلالة قاطعة على أن أهم شيء ينبغي للدعاة حقًا إلى الإسلام هو أن يهتموا بالدعوة إلى التوحيد، ذلك لأنه معنى قوله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩)، هكذا كانت سنة النبي - ﵌ - فعلًا وتعليمًا، أما فعله فما يحتاج إلى بحث؛ لأن النبي - ﵌ - في العهد المكي إنما كان جهده ودعوته محصورة في الغالب أن يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، أما تعليمًا فتعلمون حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه الوارد في صحيح البخاري ومسلم أن النبي - ﵌ - حينما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا
[ ٢ / ٣١ ]
إله إلا الله»، إلى آخر الحديث، «فإن استجابوا لك» أو «فإن أطاعوك فمرهم بالصلاة» تمام الحديث هو معروف إن شاء الله، فإذًا قد أمر النبي - ﵌ - أصحابه أن يبدأوا بما بدأ به، وهو أن يدعوهم إلى شهادة التوحيد، لا شك أن هناك فرقًا كبيرًا جدًا بين أولئك العرب المشركين من حيث أنهم كانوا يفهمون ما يقال لهم بلغتهم، وبين العرب المسلمين اليوم والذين ليسوا بحاجة إلى أن يدعوا إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، فإنهم قائلون بها مهما اختلفت مذاهبهم وطرائقهم وعقائدهم، فكلهم يقول: لا إله إلا الله، ولذلك فالدعاة اليوم ليسوا بحاجة إلى أن يدعوا المسلمين إلى أن ينطقوا بهذه الكلمة لكن هم في الواقع بحاجة أكثر من العرب في الجاهلية إلى أن يفهموا معنى هذه الكلمة الطيبة، هذا الفرق فرق جوهري جدًا بين العرب الأولين الذين إذا دعاهم رسول الله - ﵌ - أن يقولوا لا إله إلا الله يستكبرون كما هو صريح القرآن الكريم، لماذا يستكبرون؟ لأنهم يفهمون أن معنى هذه الكلمة أن لا يتخذوا مع الله أندادًا، وأن لا يعبدوا مع الله غيره، وهم كانوا يعبدون غيره، فهم ينادون غير الله، ويستغيثون بغير الله، فضلًا عن التوسل بغير الله، فضلًا عن النذر لغير الله، والذبح لغير الله من هذه الوسائل الشركية الوثنية المعروفة، كانوا هم يفعلونها، ولكنهم كانوا يعلمون أن من لوازم هذه الكلمة الطيبة من حيث اللغة العربية أن يتبرأوا من كل هذه الأمور لمنافاتها لكلمة: لا إله إلا الله، أما المسلمون اليوم الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، لكنهم لا يفقهون معناها، بل لعلهم يفقهون معناها فهمًا معكوسًا مقلوبًا تمامًا، فكما تعلمون جميعًا إن بعضهم ألف رسالةً في معنى لا إله إلا الله، ففسرها بالمعنى الذي كان عليه المشركون الذين كانوا يؤمنون به: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فالمشركون كانوا يؤمنون بأن لهذا الكون خالقًا لا شريك له في ذلك، ولكنهم مع
[ ٢ / ٣٢ ]
ذلك كانوا يجعلون لله أندادًا وشركاء في عبادته، فهم يؤمنون بأن الرب واحد، لكن يعتقدون بأن المعبودات كثيرة، ولذلك قال تعالى في الآية المعروفة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣)، فهم كانوا يعلمون أن قول لا إله إلا الله،
ينبغي أن يتبرأ قائلها من كل عبادة سوى عبادة الله ﷿، أما المسلمون اليوم فقد فسروا الكلمة الطيبة بـ لا رب إلا الله، فإذا قال المسلم لا إله إلا الله، وهو يعني هذا المعنى لا رب إلا الله، فهو والمشركون سواء؛ عقيدةً، أما لفظًا فهو مسلم؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله، بخلاف المشرك لأنه يأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فهو ليس مسلمًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، أما جماهير المسلمين اليوم فهم مسلمون، لأن الرسول ﵇ يقول: «فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
ولذلك فأنا أقول كلمة ربما تكون نادرة الصدور مني وهي: أن واقع المسلمين اليوم شر مما كان عليه العرب من حيث سوء الفهم لهذه الكلمة الطيبة؛ لأن العرب كانوا يفهمون لكنهم لا يؤمنون، أما المسلمون اليوم فيقولون ما لا يعتقدون، يقولون: لا إله إلا الله وهم يكفرون بمعناها، ولذلك فأنا أعتقد أن أول واجب على الدعاة المسلمين حقًا هو أن يدندنوا حول هذه الكلمة وحول بيان معناها بالتلخيص، ثم تفصيل لوازم هذه الكلمة الطيبة من الإخلاص لله ﷿ في العبادات بكل أنواعها؛ لأن الله ﷿ لما حكى عن المشركين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣)، فكل عبادة توجه إلى غير الله فهو كفر بالكلمة الطيبة لا إله إلا الله.
لهذا أنا أقول اليوم: لا فائدة مطلقًا من تكتيل المسلمين ومن تجميعهم على تركهم في ضلالهم في بعدهم عن فهم هذه الكلمة الطيبة فذلك لا يفيد في الدنيا
[ ٢ / ٣٣ ]
قبل الآخرة، نحن نعلم جميعًا أن قول النبي - ﵌ -: «من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه؛ حرم الله بدنه على النار» (١)، وفي أحاديث أخرى: «دخل الجنة»، فلا يمكن ضمان دخول الجنة ولو بعد لَأْيٍ، ولو بعد عذاب يمس القائل والمعتقد الاعتقاد الصحيح لهالكلمة فإن هذا قد يعاقب بناءً على ما ارتكب واجترح من المعاصي والآثام، ولكن سيكون مصيره دخول الجنة، وعلى العكس من ذلك من قال هذه الكلمة الطيبة بلسانه، ولما يدخل الإيمان إلى قلبه، فذلك لا يفيد شيئًا في الآخرة، قد يفيد في الدنيا النجاة من القتال ومن القتل، أما في الآخرة فلا يفيده شيئًا إلا إذا قالها فاهمًا لمعناها أولًا، ومعتقدًا لهذا المعنى؛ لأن الفهم والمعرفة وحدها لا يكفي إلا إذا اقترن مع الفهم الإيمان بهذا المفهوم، وهذه نقطة أظن أن كثيرًا من الناس عنها غافلون، وهي: لا يلزم من الفهم الإيمان، لا بد أن يقترن كل من الأمرين مع الآخر حتى يكون مؤمنًا، ذلك لأنكم تعلمون إن شاء الله أن كثيرًا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يعرفون أن محمدًا - ﵌ - رسول صادق فيما يدعيه من الرسالة والنبوة، ولكن مع ذلك، أي مع هذه المعرفة التي شهد لهم بها ربنا ﵎ حين قال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة: ١٤٦)، ومع ذلك فهذه المعرفة ما أغنتهم شيئًا، لماذا؛ لأنهم لم يصدقوه فيما عرفوا منه من ادعاء النبوة والرسالة، ولذلك فالإيمان يسبقه المعرفة ولا تكفي وحدها، لا بد أن يقترن معها الإيمان، فإذًا إذا قال المسلم لا إله إلا الله بلسانه، فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة معنى هذا الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل، فإذا عرف وصدق وآمن، فهو الذي يصدق عليه تلك الأحاديث التي ذكرت بعضها
_________________
(١) الصحيحة (٣/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٣٤ ]
آنفًا، ومنها قوله ﵊ مشيرًا إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته آنفًا ألا وهو قوله - ﵌ -: «من قال لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره»، أي كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها وهذا أكرره لكي يرسخ في الأذهان، بعد معرفة معناها والإيمان بهذا المعنى الصحيح، ولكنه قد لا يكون قام بمقتضياتها وبلوازمها من العمل الصالح والانتهاء عن المعاصي فقد يدخل النار كجزاء لما فعل وارتكب من معاصي، أو أخل ببعض الواجبات، ثم تنجيه هذه الكلمة الطيبة، هذا معنى قوله ﵇: «من قال لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره» (١)، أما من قالها بلسانه ولم يفقه معناها، أو فقه معناها ولكنه لم يؤمن بهذا المعنى فهذا لا ينفعه قوله: لا إله إلا الله، إلا هنا في العاجلة وليس في الآجلة.
لذلك لا بد من تركيز الدعوة إلى التوحيد في كل مجتمع أو تكتل إسلامي يسعى حثيثًا وبحق إلى ما يدندن به كل الجماعات الإسلامية، أو لعل الأدق أن نقول: جل الجماعات الإسلامية، وهو تحقيق المجتمع الإسلامي وإقامة الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله، هذه الجماعات أو هذه الطوائف لا يمكنها أن تحقق هذه الغاية التي أجمعوا على تحقيقها وعلى السعي حثيثًا إلى جعلها حقيقة واقعة إلا بالبدء بما بدأ به رسول الله - ﵌ -، أعيد التنبيه إلى أنه لا أعني بهذا الكلام في بيان الأهم فالمهم وما دونه، هو أن يقتصر الدعاة فقط على الدعوة إلى هذه الكلمة الطيبة وفهم معناها؛ لأن الإسلام بعد أن أتم الله ﷿ علينا النعمة بإكماله لدينه، فلا بد لهؤلاء الدعاة أن يحملوه كلًا لا يتجزأ.
وأنا حين أقول هذا أقول بعد ذاك البيان الذي خلاصته أنه يجب على الدعاة
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٦٤٣٤).
[ ٢ / ٣٥ ]
الإسلاميين حقًا أن يهتموا بالأهم مما جاء به الإسلام وهو تفهيم المسلمين العقيدة الصحيحة النابعة من الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، لكني أريد أن ألفت النظر إلى أن هذا لا يعني أن يفهم المسلم فقط أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق في الوجود إلا الله فقط، بل هذا يستلزم أن يفهم العبادات التي ينبغي أن يتعبد ربنا ﷿ بها، ولا يوجه شيئًا منها لعبد من عباد الله ﵎، هذا التفصيل لا بد أن يقترن بيانه أيضًا مع ذلك المعنى الموجز للكلمة الطيبة.
"الهدى والنور" (٧٥٠/ ١٤: ٠٢: ٠٠)
[٧٦] باب نصيحة الشيخ لبعض
الداعيات أن تجعل التوحيد أولى أولوياتها
[قال الإمام في سياق نصيحته لبعض الداعيات]:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:٢، ٣) فقد جعل الله لكن مخرجًا هذا المسجد إن شاء الله حينما ضاق بكم دار أختكم، وعسى أن يكون ما وراء ذلك أوسع لكم مما ادخر لكم في الغيب، ولكن عليكن أن تصبرن فالدعوة إذا لم يقترن معها الصبر تعود القهقرى لا سمح الله، هذا أولًا، وثانيًا هذا المسجد الذي فيه ما ذكرت من بعض الناس من تلك الجماعة أو ذاك الحزب، وما دام أنهم ليسوا متعصبين كل التعصب فأرجو أن تكون عاقبة الدعوة زيادة في الانتشار بواسطة التدريس في ذاك المسجد، ولكن أنصح باستعمال السياسة الشرعية المتضمنة في قوله تعالى المعروف لدى المسلمين والمسلمات جميعًا ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) وأن تكون منطلق البحث والتدريس هو كما قيل: العلم إن
[ ٢ / ٣٦ ]
طلبته كثير والعمر عن تحصيله قصير، فقدم الأهم منه فالأهم ولا يخفى عليكن أن أهم شيء في الإسلام هو التوحيد والعقيدة الصحيحة، ولذلك فينبغي البدء بهذا الأصل الأول من أصول الإسلام ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) وليكن هذا المنطلق من رسالة العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي الحنفي فإنها وإن كان مؤلفها حنفي المذهب ماتريدي المشرب فإنه سليم بالمائة تسعة وتسعين، وهناك مسألة واحدة فقط خالف فيها منهجنا السلفي الحديثي وهو أنه يذهب إلى أن الإيمان فقط عقيدة وأنه لا يدخل في مسماه العمل الصالح خلافًا لأهل الحديث، ولذلك فليكن المنطلق في تدريس العقيدة من هذه الرسالة لصحتها على ما بينت آنفًا، ولأنها مقبولة حتى عند المخالفين للمنهج السلفي، هذه نصيحتي، خلاصتها الدعوة بالتي هي أحسن .. بالحكمة والموعظة الحسنة والبدء بالعقيدة انطلاقًا من هذه الرسالة الطيبة ..
"الهدى والنور" (٦٦٤/ ١٢: ٠١: ٠٠)
[٧٧] باب أصل دعوة الأنبياء
والرسل هو دعوة التوحيد وبيان أقسام التوحيد وما يضادة
أصل دعوة كل الأنبياء والرسل إنما هي قائمة على عبادة الله ﵎ وحده لا شريك له.
فكل نبي بعثه الله، وكلُّ رسول أرسله الله إلى قومه فإنما كان أول ما يدعوهم إليه: أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت.
على هذا جاء رسول الله - ﵌ - وعلى هذا الأساس وقع الخلاف بينه وبين قومه، لأنهم كما تعلمون جميعًا والمسألة لا تحتاج إلى كثير من البيان والتفصيل،
[ ٢ / ٣٧ ]
فقد كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى فلما دعاهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ودعاهم إلى أن يقولوا: معه: لا إله إلا الله، استكبروا عن ذلك وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
كما أن النبي - ﵌ - كان أول ما بدأ بالدعوة هي: دعوة قومه إلى هذا التوحيد، كذلك كان رسول الله - ﵌ - إذا أرسل رسولًا من طرفه إلى قبيلة من قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام، فلم تكن دعوة رسول رسول الله - ﵌ - إلى الإيمان بإسلام غير واضح معالمه، وإنما كانت دعوة رسول رسول الله - ﵌ - إنما كانت دعوته إلى الإسلام أن يعبدوا الله وحده لا شريك له.
على هذا أدب النبي صلى الله علي وآله وسلم أصحابه، وعلمهم كذلك أن يدعوا غيرهم إلى دين الله ﷿.
من ذلك ما جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي - ﵌ - حينما بعث معاذًا إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام، ولعلكم تعلمون أن اليمن يومئذ كان يجمع بين أقوام مشركين وأقوام آخرين من أهل الكتاب، من الذين يدعون مع الله عيسى بن مريم، لذلك أوصى رسول الله - ﵌ - رسوله معاذًا حينما بعثه إلى اليمن قال له: «ليكن- وهنا الشاهد- ليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك فمرهم بالصلاة الخ الحديث».
والشاهد من هذا الحديث ومن الآية السابقة وما في معناها وهي آيات كثيرات طيبات في كتاب الله ﷿: أن دعوة الرسول، دعوة أتباع الرسل
إنما يكون اهتمام بدعوة من حولهم إلى هذه الكلمة الطبية: إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
[ ٢ / ٣٨ ]
ولكن المسلمين اليوم بسبب بعد عهدهم بإسلامهم وبدينهم الذي جاءهم به رسول الله - ﵌ - طاهرا نقيا كما جاء في الحديث: «ليلها كنهارها».
بسبب هذه المسافة الشاسعة التي حالت بين المسلمين وبين تلقيهم الإسلام هكذا غضًا طريًا قد دخل في الإسلام، في أصوله فضلا عن فروعه ما لم يكن من قبل له وجود، أوْ لَهُ ذكر عن المسلمين الأولين.
يضاف إلى ذلك: أن القرآن الكريم كما تعلمون جميعًا أنزله الله على قلب محمد صلى الله علي وآله وسلم بلسان عربي مبين، وإلى العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فكان ميسرًا لديهم أن يفهموه دون أن يتولى الرسول - ﵌ - بيان الكثير منه إلا ما كان له علاقة ببيان الأحكام التي تكون أصولها موجودة في كتاب الله ﷿، أما نحن اليوم فلدخول العجمة في ألسنتنا نحن معشر العرب أصبحنا لا نفهم من القرآن الكريم من حيث اللغة العربية عل الأقل ما كان يفهمه العرب الأولون، وفهم المشركون الذين حاربوا دعوة التوحيد، كأبي جهل وأمثاله فقد كانوا بسبب لغتهم يفهمون حينما يقول لهم رسول الله - ﵌ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله».فهم يفهمون أن معنى هذه الشهادة: الكفر بكل ما سوى الله ﵎ فما عبد من دونه، في عهد المشركين الذين بعث إليهم رسول الله - ﵌ - مباشرة أو فيمن قبلهم، فكل هؤلاء وهؤلاء من المشركين كانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى.
فكلمة الإله في اللغة العربية التي نزل بها القرآن كما ذكرنا وفهمها العرب الذين بعث إليهم الرسول ﵇ مباشرة اليوم كثير من المسلمين لا يفهمون هذه اللفظة حق فهمها، وإنما قد يفهمونها بمعنى آخر ليس مرادًّ فاللفظة: «لا إله»
[ ٢ / ٣٩ ]
إنما هو جزء من المعنى الذي يدل عليه لفظ: «الإله».
نحن نعلم اليوم حينما نسمع من بعض المسلمين حتى ممن قد يعدون أنفسهم من الدعاة فضلا عن عامة الناس أنهم يفهمون أن معنى الإله: هو بمعنى الرب؛ فيفسرون الكلمة الطيبة التي هي أصل الإسلام كما تعرفون وكما سمعتم الحديث السابق ذكره يفهمون لا إله: أي لا رب إلا الله، وهذا فهم قاصر ناقص، من شهد أن لا إله إلا الله بمعنى: أن لا رب إلا الله فقط، وأرجو أن تنتبهوا لقولي فقط؛ لأنني أريد أن أقول: لا إله تعني: لا رب وشيء أخر: أي لا رب يعبد إلا الله ﷿ وبحق، فلا إله لا تعني لا رب إلا الله، لا خالق إلا الله فقط؟ لا، لابد من أن يضم إلى ذلك في عقيدة المسلم الذي لا بد أن يتشهد بهذا الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله أن يكون قد فهم أن معناها: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎. فإذا فهم المسلم هذا الفهم الصحيح؛ فهو قد استقام على الجادة، وأخذا الخيط الأول منها.
ثم علية بعد ذلك أن يحقق هذا المعنى الذي فهمه وآمن به وصدقه، أن يحققه في حياته التي يزعم بأنه يعبد الله ﷿ فيها وحده لا شريك له.
كثير من الناس يتوهمون أن العبادة فقط إنما هي أن تصلى لله وحده لا شريك له، وأنك إذا ركعت، سجدت أو استغثت أو استعنت في الشدائد بغير الله ﷿ لا تكون أضررت بشهادتك بقولك: لا إله إلا الله، كثير من الناس يتوهمون أن من استعان بغير الله في الشدائد هذا لا يناقض شهادة التوحيد، هذا خطأ فاضح واضح جدًا؛ لأن هذا الشهادة تعني: أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله، وأنت إذا استعنت بالله ﷿ في حالة الشدة حيث لا يمكن لأحد من البشر أن يغيثك، سواء كان من الأحياء أو الأموات؛ فقد جعلت هذا المستغاث، شريكا مع الله
[ ٢ / ٤٠ ]
﵎ وحينذاك تكون قد أخللت بهذه الشهادة، ولم تؤمن بها حق الإيمان.
كل مسلم اليوم من يصلى، لا تصح صلاته إلا إذا قرأ فاتحة الكتاب كما تعلمون.
فهو في أوله يخاطب ربه بقوله ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥).
كثير من الناس يفهمون أنه لا يجوز عبادة غير الله، وهذا هو الأصل الأول من هذه الكلمة الطيبة التي يجب على المسلم أن يفهمها، ولكن لا ينتبهون إلى أن تمام الآية ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
إنها تعني: أن الاستعانة بغير الله ﷿ تناقض عبادة الله وحده لا شريك له؛ ولذلك فحينما نسمع بعض الناس أو نراهم يستعينون في الشدائد ببعض الصالحين، أو الأولياء أو الأنبياء، وهم يعلمون أنهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا؛ حينئذ لا يكونون قد فهموا معنى: لا إله إلا الله؛ بينما أنكروها على رسول الله، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
الفرق بين المسلمين اليوم والمشركين قديمًا وحديثًا: أن المشركين، أعني بهم: العرب خاصة كانوا يفهمون معنى هذه الشهادة ولكن لا يؤمنون بها، أما المسلمون اليوم فالقليل منهم من يفهمها، ويؤمن بها حقًا، كثير منهم يشهدون بألسنتهم، ولكن كما قال تعالى في بعض الأعراب: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤).
والإيمان لا يتسرب إلى قلب المؤمن إلا بشيئين اثنين:
[ ٢ / ٤١ ]
الأول: الفهم الصحيح.
الثاني: الإيمان الصحيح
لذلك نعى ربنا ﷿ على أقوام يقرؤون القرآن، لكن لا يفهمونه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤).
فمن الأسس التي جاء بها الإسلام: فاعلم، في القرآن: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩).
لذلك المسلمون اليوم مسلمون ولا شك؛ لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله فهم من هذه الحيثية فارقوا المشركين الذين لم ينطقوا بهذا الشهادة؛ لأنهم كانوا يعلمون أن النطق بها يلزمهم القيام بحقائقها ولوازمها ومقتضياتها.
من ذلك: أن لا يعبدوا إلا الله ﵎ وهكذا ما كانوا يصرحون به: أنهم لا يؤمنون به. لذلك قال ﷿ في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
فقد صرحوا بأنهم يعبدون مع الله آلهة أخرى، فما هي عبادتهم؟ هل كانوا يصلون وهم لا يعرفون الصلاة هل كانوا يصلون لتلك الآلهة: تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله؟ الجواب: لا.
إذن ما هي عبادة المشركين؛ وإنما لتقربهم إلى الله زلفى؟.
ماذا كان هؤلاء الجاهليون، هؤلاء المشركون، ماذا كانوا يفعلون مع أولئك المعبودات من دون الله ﷿؟
[ ٢ / ٤٢ ]
كانوا يذبحون لهم، وأنتم تعلمون هذه الحقيقة، كانوا يذبحون، كانوا ينذرون لهم نذورا، كانوا في الشدائد يستغيثون بهم؛ لكن إذا جاءت شدة يعلمون أنه لا مغيث لهم منها إلا الله حينئذ ذكروا الله ﷿ ولجأوا إليه كما هو مصرح في عديد من الآيات الكريمة، إذن المسلم يجب أن يتعلم الأشياء التي تنافى التوحيد حتى يكون منزهًا من الوقوع فيها من حيث لا يدري ولا يشعر؛ لذلك جاء في بعض الأحاديث: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما سوى الله دخل الجنة» (١) فلا بد من الجمع بين إثبات العبادة لله ﷿ ونفي العبادة عن غير الله ﷿.
العبادات كثيرة، وكثيرة جدًا.
فكلُّ ما تعبدنا الله ﷿ به، كلُّ ما تعبد الله به من العبادات، سواء كانت من الفرائض أو الواجبات أو المستحبات، فلا يجوز للمسلم أن يتوجه بشيء منها إلى غير الله ﵎ في القرآن الكريم كما تعلمون: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ (الأنعام: ١٦٢) أي: وأضحيتي وذبحيتي ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢).
فمن ذبح لغير الله معنى ذلك: أنه عبد غير الله، ليس من الضروري أن يصلى لهذا الغير، يكفيه شركًا أن يذبح لغير الله، يكفيه شركًا أن ينذر لغير الله، يكفيه شركًا أن يحلف بغير الله، كل هذه الأشياء جاء النص في السنة عن رسول الله - ﵌ - في لعن فاعلها: «من ذبح لغير الله فهو ملعون» (٢). مطرود من رحمة الله، لماذا؟، لأنه تقرب إلى غير الله بما لا يجوز له أن يتقرب به إلا إلى لله ﵎ لذلك بارك الله فيكم لا ينبغي لكم أن تكتفوا بأن تتكلموا سواء في الصلاة أو خارج
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم١٣٩).
(٢) صحيح مسلم (رقم٥٢٣٩).
[ ٢ / ٤٣ ]
الصلاة تسبحون الله وتكبرونه وتهللونه: فتقولون: لا إله إلا الله، ثم لا تفهمون
معناها جيدًا، وهأنذا قد ذكرتكم ببعض الأمثلة التي هي من واقع كثير من المسلمين اليوم.
نحن لا نتكلم عن أمور خيالية، وإنما هي مع الأسف أمور مشهودة وواقعة بصفوف كثير من المسلمين لا أقول: من عامتهم، بل ومن بعض خاصتهم الذين على الأقل إن لم يفعلوا فعل عامتهم، أيدوا فعل عامتهم، وقالوا: دعوهم وشأنهم، نيتهم طيبة.
هذا هو الضلال المبين، هذا إقرار للشرك الذي يقع فيه بعض الجهلة من المسلمين بديل أن يحرروهم، وأن ينبهوهم ولا بأس أن يتلطفوا معهم: أن يقولوا مثلًا: أنت يا أخي لما تنذر نذرًا للولي الفلاني تريد أن تحترم وأن تقدس هذا الولي لصلاحه وتقواه، ولكن كما قيل:
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل.
ما يكون تعظيم الأولياء والصالحين بمخالفة الأولياء والصالحين فيما كانوا عليه من عبادة وصلاح وعقيدة، الصالحون لا يعبدون إلا الله، ومن ذلك: أنهم لا يذبحون إلا لله، ولا ينذرون إلا بالله، ولا يحلفون إلا لله، فإذن أنت أيها الأخ المسلم لا تذبح للقبر الفلاني، للولي الفلاني.
اذبح لله ﷿ وقل بلسانك وبلبك: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢). فلا يجوز للمسلم أن يفرق بين صلاته فيقول: أنا لا أصلى إلا لله، وهذا حق، فينبغي أيضًا أن يقول ويلتزم ما يقول: ألا يذبح إلا لله؛ لأنه من ذبح لغير الله فهو ملعون كما جاء في صحيح مسلم بالسند الذي لا غبار
[ ٢ / ٤٤ ]
عليه من حيث الصحة: «ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من غير تخوم الأرض» (١) الحديث له تتمة حسبنا الآن هذا الشاهد منه: «ملعون من ذبح لغير الله».
«لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (٢)، «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٣).
اليوم الحلف بغير الله أمر منتشر بين العرب وهذا أمر عجيب جدًا الحلف بغير الله منتشر بين العرب أكثر من كثير من العجم.
فالعرب هم الذين حملوا الدعوة الأولى، وهم الذي يليق بهم، وهم أولى أن يحملوها في هذا الزمن؛ لأنهم هم الذين باستطاعتهم أن يفهموا كلام الله وكلام رسول الله - ﵌ - فهما صحيحًا.
والشاهد: أن كلمة لا إله إلا الله، التي ينجو بها المسلم في الدنيا من أن يقاتل، أو يفرض عليه الجزية، ويدفعها عن يد وهو صاغر، وينجو يوم القيامة من الخلود في النار، هذه الكلمة الطيبة لا تفيده إلا إذا فهمها فهمًا صحيحًا، وآمن بهذا الفهم الصحيح إيمانًا صادقًا ثم طبقه في حياته، في منطلقه في حياته.
لذلك تذكروا في نهاية هذا الكلمة كلمة حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه الذي كان يقول: «كان رسول الله - ﵌ - يسألون رسول الله - ﵌ - عن الخير، وأسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه» (٤).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) البخاري (رقم٣٦٢٤).
(٣) صحيح الجامع (رقم٦٢٠٤).
(٤) البخاري (رقم٣٤١١) ومسلم (رقم٤٨٩٠).
[ ٢ / ٤٥ ]
فإذن عليكم أن تسألوا عن الشركيات، وعن الوثنيات التي تنافي كلمة التوحيد؛ حتى يكون توحيدكم واضحًا في أذهانكم، ومستقرا في قلوبكم، وظاهرا انطلاقكم على هذا الفهم الصحيح، والإيمان الصحيح.
فلا بد إذن من الجمع بين الإيمان بعبادة الله وحدة لا شريك له، وبين معرفة ما يناقض هذا التوحيد الصحيح من الشركيات والوثنيات.
أقول كلمة أخيرة: إن المسلمين اليوم، وأعني بهم الخاصة منهم والدعاة منهم، لا يدندنون مطلقًا حول تفهيم المسلمين شهادة لا إله إلا الله وما يلزمها وما يعارضها وينافيها.
يتوهمون أن المسلمين اليوم كلهم والحمد لله موحدون، ولا يتذكرون أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام عند العلماء والمحققين، الذين فهموا الكتاب والسنة فهمًا صحيحًا بعدما دخلت العجمة إلى لسان العرب، ودخل فيهم من الشركيات والوثنيات ما لم يكن للسلف الأول، ما لم يكن لهم عهد بذلك.
هؤلاء العلماء جعلوا التوحيد ثلاثة أقسام:
١ - توحيد الربوبية وأذكر بأن توحيد الربوبية الذي هو التوحيد الأول وهو الذي هو أساس ما سيأتي من التوحيد الثاني والثالث، هذا التوحيد كان المشركون الأولون يؤمنون به.
فهل نفعهم شيء من ذلك؟.
الجواب: لا. لماذا؟
لأنهم كفروا بالتوحيد الثاني وهو توحيد العبادة، وقد شرحت لكم آنفًا كيف
[ ٢ / ٤٦ ]
كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
أما أنهم كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية فذلك مذكور في نصوص من الكتاب والسنة ونصوص كثير ة، وكثيرة جدًا.
قال الله تعالى مثلًا في بعض تلك النصوص: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
إذن هم يعرفون بأن خالق السموات والأرض إنما هو الرب واحد لا شريك له. والآيات في هذا المعنى كثيرة ومعروفة.
لكني أكرر لكم حديثًا: كيف كانوا يصرحون بعبادة غير الله ﷿ مع أنهم يوحدونه توحيد ربوبية، كان أحدهم إذا طاف حول الكعبة يلبى كما كان سيدنا إبراهيم وإسماعيل ومن سار على مسيرتهم يلبون، فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك؛ إلى هنا هذه تلبية الموحدين، لكن ماذا كانوا يقولون هم من عند أنفسهم وشركهم وضلالهم؟
كانوا يقولون بعد: لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك، لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك، فكان ﵊ وهو لا يزال في مكة قبل أن يهاجر إلى المدينة حينما يسمعهم وهو يدعوهم دائمًا وأبدًا ليلًا نهارًا إلى ألا يعبدوا إلا الله لا شريك له: كان ﵇ إذا سمعهم يقولون: لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك قبل أن يقولوا هذه الجملة الاستثنائية يقول: «قد قد» (١) يعني حسبكم لا تزيدوا، قفوا عند قول لا شريك لك قط قط.
_________________
(١) مسلم (رقم٢٨٧٢).
[ ٢ / ٤٧ ]
لكنهم لا يبالون؛ لأنهم مشركون، فيقولون: إلا شريكا تملكه أنت وما ملك انظروا ضلالهم، ما قيمة هذا الشريك الذي هو عبد مملوك لله الذي بحق لا شريك له؟ ذلك هو الضلال البعيد.
لذلك العلماء يقسمون التوحيد إلى أقسام:
١ - توحيد الربوبية، وهذا ما كان المشركون يؤمنون به كما ذكرت.
٢ - توحيد العبادة، وقد يسمى بتوحيد الألوهية: أي لا إله: أي لا معبود بحق في الوجود إلا الله، كانوا يكفرون بهذا التوحيد قد سمعتم ما فيه الكفاية آنفًا.
٣ - التوحيد الثالث: توحيد الأسماء والصفات: أي كما أن الله ﷿ واحد في ذاته فهو واحد في ألوهيته وعبوديته، لا يعبد معه سواه، كذلك هو واحد في أسمائه وصفاته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١).
هنا لا بد لي أيضًا من وقفة والأمر كما يقال ولو طال: الحديث ذو شجون.
إن كثيرًا من المسلمين اليوم يقعون في شرك الأسماء الصفات، كثير من الناس وبخاصة أولئك الذين يميلون إلى ما يسمونه التصوف، أولئك الصوفيون، الذين يعتقدون في بعض الأولياء والصالحين، أنهم يطلعون على ما في القلب، وأنهم يعلمون الغيب، حتى إنهم لم يقتصروا على هذه الضلالة، بل إنهم يتقربون إلى الله ﷿ حينما يصفون عبدًا من عباد الله بما لا يليق وَلاَ بالنبي - ﵌ - بقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم.
ماذا ترك هذا الواصف لرسول الله - ﵌ - بأن من علمه من هذه كما يقول اللغويون: تبعيضية: أي من بعض علومك يا رسول الله: علم اللوح والقلم.
[ ٢ / ٤٨ ]
ماذا ترك هذا الواصف في شعره هذا لله ﵎ وهو القائل: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥). ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥)؟
إذن رسول الله المصطفى الذي هو سيد الرسل والأنبياء هو لا يعلم الغيب بشهادة هذا القرآن الكريم بذلك جاء في حديث في صحيح البخاري ومسلم، حديث طويل والشاهد منه قول السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها: «ومن حدثكم أن رسول الله - ﵌ - كان يعلم ما في غد فقد افترى على الله».
أو قالت: فقد أعظم الفرية على الله ثم تلت الآية السابقة: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥).
وجاء أيضا في صحيح البخاري أن النبي - ﵌ - مر بجارية من جواري الأنصار وهي تغني وتقول: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال عليه الصلاة السلام: «لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا وقولي مثلما كنت تقولين» (١).
في وصف الرسول ﵇ بما وصفه الله في القرآن الكريم، كمثل قوله ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤).
لذلك فاحفظوا هذا وتفقهوا فيه، التوحيد ثلاثة أقسام:
توحيد الربوبية: وهذا لا بد منه، لكن المشركين لما آمنوا به ما أفادهم شيئًا، لا يتم التوحيد إلا بالثاني والثالث.
الثاني: توحيد العبادة؛ ألا تعبدوا غير الله.
_________________
(١) البخاري (رقم٤٨٥٢).
[ ٢ / ٤٩ ]
التوحيد الثالث: هو أن توحِّدوا الله في أسمائه وفي صفاته فلا تصفون بشرًا بصفة من صفات الله، منها: أن تظنوا بأن أحدًا من المصطفين الأخيار يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله.
"الهدى والنور" (٧٤١/ ٥٨: ٠٤: ٠٠)
[٧٨] باب فضل التوحيد وأنه ينجي من الخلود في النار
[قال الإمام]:
إن شهادة أن لا إله إلا الله تُنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها.
"الصحيحة" (١/ ١/١٧٥).
[٧٩] باب الموحد لا يخلد في النار
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيرًا قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حممًا، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، "ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين"، فلما مات فعلوا ذلك به، "فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه"، فإذا هو "قائم" في قبضة الله، فقال الله ﷿: يا ابن آدم! ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ! من مخافتك (وفي طريق آخر: من خشيتك وأنت أعلم)، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيرًا قطُّ إلا التوحيد».
[قال الإمام]:
وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان فعله
[ ٢ / ٥٠ ]
مخالفًا لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال؛ كالصلاة ونحوها من الأركان العملية، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة؛ أن الله يأمر الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان.
يؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن الله ﵎ يخرج من النار ناسًا لم يعملوا خيرًا قط. ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك، وأنه من الأدلة الصريحة الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضًا ولا يخلد فيها، فانظره بالرقم (٣٠٥٤).
"الصحيحة" (٧/ ١/١٠٥، ١١٦).
[٨٠] باب الذنب
وإن عظُم لم يكن موجبًا للنار متى ما صحت العقيدة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إنّ الله قد غَفَرَ لك كَذِبَكَ بتصديقِكَ بـ " لا إله إلا الله "».
[قال الإمام]:
(فائدة):
قال البيهقي عقب حديث الحسن هذا: " هذا منقطع، فإن كان في الأصل صحيحًا فالمقصود منه البيان: أن الذنب وإن عظم لم يكن موجبًا للنار متى ما صحت العقيدة، وكان ممن سبقت له المغفرة، وليس هذا التعيين لأحد بعد النبي - ﵌ - ".
"الصحيحة" (٧/ ١/١٧٦، ١٨١ - ١٨٢).
[ ٢ / ٥١ ]
[٨١] باب أهمية التوحيد
وبيان أنه لا تنفع الأعمال الصالحة بدونه
[قال الإمام]:
وأما الركن الأول من هذه الأركان الخمسة " شهادة أن لا إله إلا الله " فبدونها لا ينفع شيء من الأعمال الصالحة، وكذلك إذا قالها ولم يفهم حقيقة معناها، أو فهم، ولكنه أخل به عمليًاّ كالاستغاثة بغير الله تعالى عند الشدائد ونحوها من الشركيات.
"الضعيفة" (١/ ٢١٣).
[٨٢] باب لا يُحدث العامة بأحاديث
قد يساء فهمها في فضل التوحيد
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أبشروا وبشروا الناس من قال لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة».
[ترجمه الإمام بقوله: ما كل حديث تُحَدَّثُ به العامة، ثم قال]:
أخرجه أحمد (٤/ ٤١١) حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه أن رسول الله - ﵌ - قال: (فذكره). فخرجوا يبشرون الناس، فلقيهم عمر ﵁ فبشروه، فردهم.
فقال: رسول الله - ﵌ -: " من ردكم؟ ".قالوا: عمر قال: لم رددتهم يا عمر؟ " قال: إذا يتكل الناس يا رسول الله! قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وأبو عمران الجوني هو عبد الملك بن حبيب الأزدي. وحسنه
[ ٢ / ٥٢ ]
الحافظ (١/ ٢٠٠) فقصر وكأنه أراد طريق مؤمل الآتية. ثم أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٢) حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة به وزاد في آخره." قال: فسكت رسول الله - ﵌ - ".لكن مؤمل بن إسماعيل فيه ضعف من قبل حفظه إلا أنه يشهد له حديث أبي هريرة بمثل هذه القصة.
مطولا بينه وبين عمر، وفي آخرها: " قال عمر: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله - ﵌ -: فخلهم ".
أخرجه مسلم (١/ ٤٤) من طريق عكرمة بن عمار قال: حدثنا أبو كثير قال: حدثني أبو هريرة. وفي قصة أخرى نحو الأولى وقعت بين جابر وعمر، وفي آخرها:
" قال: يا رسول الله! إن الناس قد طمعوا وخبثوا. فقال رسول الله - ﵌ - (يعني لجابر): اقعد ".أخرجه ابن حبان (رقم ٧) بإسناد صحيح من حديث جابر. وفي الباب عن معاذ بن جبل ﵁ وهو الآتي بعده، وفيه:
" قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: دعهم يعملوا ".وقد أخرجه البخاري (١/ ١٩٩ - فتح) ومسلم (١/ ٤٥) وغيرهما من حديث أنس أن رسول الله - ﵌ - ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ " الحديث وفيه:
«أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا» وأخبر بها معاذ عند موته تأثما».وأخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨ و٢٢٩ و٢٣٠ و٢٣٢ و٢٣٦) من طرق عن معاذ قال في أحدها: " أخبركم بشيء سمعته من رسول الله - ﵌ - لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا، سمعته يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، أو يقينا من قلبه لم يدخل النار، أو دخل الجنة» وقال مرة: «دخل الجنة ولم تمسه
[ ٢ / ٥٣ ]
النار».وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد ترجم البخاري ﵀ لحديث معاذ بقوله: " باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"
ثم ساق إسناده بذلك وزاد آدم بن أبي إياس في " كتاب العلم " له: " ودعوا ما ينكرون ".أي ما يشتبه عليهم فهمه. ومثله قول ابن مسعود: " ما أنت بمحدث قوما حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ".رواه مسلم (١/ ٩).
قال الحافظ: " وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة.
وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحَجَّاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. والله أعلم ".
"الصحيحة" (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٩).
[٨٣] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ - لأبي هريرة]:
«اذهب بنعليِّ هاتَين؛ فمَن لقِيتَ من وراءِ هذا الحائط يشهدُ أن لا إله إلا الله مُستَيقِنًا بها قلبُه؛ فَبَشِّره بالجنّةِ».
[ ٢ / ٥٤ ]
[قال الإمام]:
أخرجه مسلم (١/ ٤٤ - ٤٥)، وأبو عوانة (١/ ٩ - ١٠) من طريق عكرمة بن عمار قال: حدثني أبو كثير قال: حدثني أبو هريرة قال: كنا قعودًا حول رسول الله - ﵌ -، معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله - ﵌ - من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يُقتَطَعَ دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله - ﵌ -، حتى أتيت حائطًا للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له بابًا؛ فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة- والربيع: الجدول-، فاحتفزت فدخلت على رسول الله - ﵌ - فقال: "أبو هريرة؟ ".فقلت: نعم يارسول الله! قال: "ماشأنك؟ ".قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي! فقال: "يا أبا هريرة! "، وأعطاني نعليه، قال: (فذكر الحديث).وقال: فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟! فقلت: هاتان نعلا رسول الله - ﵌ -، بعثني بهما: من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه؛ بشرته بالجنة. فضرب عمر بيده بين ثديي، فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة! فرجعت إلى رسول الله عشية، فأجهشت بكاء، وركبني عمر، فإذا هو على إثري؛ فقال رسول الله - ﵌ -: "مالك يا أبا هريرة؟! ".قلت: لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي؛ قال: ارجع! قال رسول الله - ﵌ -: "يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟! ".قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك؛ من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، بشره بالجنة؟! قال: "نعم ".قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون. قال رسول الله - ﵌ -: "فخلِّهم ".
[ ٢ / ٥٥ ]
[قال الإمام]:
وفي الحديث توجيه سديد للدعاة أن لا يحدثوا بأحاديث الترغيب والترهيب، إلا مع بيان المراد منها بالتفصيل؛ خشية أن يساء فهمها، فيتكلوا، فيبين مثلًا: أن الشهادة لله بالوحدانية يجب أن تفهم جيدًا، بحيث تمنع قائلها من عبادة غير الله بأي نوع من أنواع العبادات المعروفة.
وأن من شهد بها وقصر بالقيام ببعض الأحكام الشرعية، أو ارتكب بعض المعاصي؛ فذلك لا يعني أنه لا يستحق أن يعذب عليها؛ إلا أن يغفر الله له.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٧٠٨ - ١٧١٠).
[٨٤] باب أقسام التوحيد والشرك
[قال الإمام]:
الشرك كالتوحيد، التوحيد ثلاثة أقسام يقابله الشرك ثلاثة أقسام:
- توحيد الربوبية.
وهو أن تجعل مع الله إلها آخر كما جاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين: «أن تجعل لله ندا وقد خلقك» (١) يعني شريكا في الخلق، هذا
أكبر الكبائر.
توحيد الربوبية يقابله الشرك في الربوبية، مثاله: المجوس الذين يعتقدون خالقًا للخير وخالقًا للشرـ لذلك قال ﵇: «القدرية مجوس هذه الأمة» (٢)
_________________
(١) البخاري (رقم٤٢٠٧) ومسلم (رقم٢٦٧).
(٢) صحيح الجامع (رقم٤٤٤٢).
[ ٢ / ٥٦ ]
لأنهم يعتقدون أن الإنسان بيخلق الشر وربنا بيخلق الخير، فهذا شرك في الربوبية، فتوحيد الربوبية أول شيء يجب أن يكون المسلم مؤمن به وهذا سهل مفطور عليه الإنسان حتى الكفار في الجاهلية كما سمعتم كانوا يوحدون الله توحيد الربوبية، وقد جاء في صحيح مسلم أنهم كانوا في الجاهلية من ضلالهم يطوفون حول الكعبة عراة نساءً ورجالًا حتى كانت المرأة اللي كان عندها شوية بقية من حياء خجل لكن الجهل والعادات والتقاليد تعمي القلوب، شوفوا اليوم أنتم المسلمين رجالًا ونساءً صباح العيد وين رايحين؟ بدل ما يروحوا إلى المصلى بيروحوا عند القبور، أنت ذهابًا وإيابًا بتلاقي الناس عاكفين على القبور، (هؤلاء) كانوا يطوفون حول الكعبة عراةً نساءً ورجالًا فتقول المرأة الواحدة منهم وهي تشير إلى فرجها:
اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله
وكانوا في أثناء هذا الطواف يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا تملكه وما ملَك.
شو ها الشريك هذا، تملكه وما ملك، معتقدين بتوحيد الربوبية؛ أنه ليس مع الله خالق ثاني، لكن من أين جاءهم الشرك؟ في النوعين الثانيين، الأول قلنا توحيد الربوبية.
- النوع الثاني: توحيد الألوهية.
ويسمى بتوحيد العبادة، يعني أنت أيها العبد ما دام ءامنت بأن الله هو الذي خلقك وصورك، فهذا هو الذي يستحق أن تتوجَّهَ إليه بكل عبادتك، هنا كان الكفار _كفار قريش ومن دان دينهم _يكفرون بهذا التوحيد فكانوا يعبدون مع الله آلهة أخرى وهذا أيضا كما حكاه في القرآن حكى عنهم إيمانهم بالربوبية وحكى
[ ٢ / ٥٧ ]
عنهم كُفْرُهم بالألوهية ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزُّمر: ٣) والذين اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم من دون الله، إذا قيل لهم لماذا تعبدونهم من دون الله؟ قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إذًا هذا اعتراف منهم بأنهم يعبدون أولياءهم ولا يعبدونهم لذواتهم، وإنما كوسيلة تقربهم إلى الله زلفى، فكفروا بتوحيد الألوهية أو توحيد العبادة، ولذلك أيضا حكى ربنا ﷿ عنهم أنه قال ﴿أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) أجعل الآلهة: يعني المعبودات جعلها معبودًا واحدًا، «إنَّ هذا لشيء عجاب» ماسمعنا بهذا في آبائنا الأولين، وقال ربنا في آية أخرى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصَّفات: ٣٥) تتضاعف المصيبة حينما نعلم أن الكفار كانوا يفهمون معنى لا إله إلا الله لكن لا يخضعون له أما كثير من جهلة المسلمين اليوم لا يفهمون معنى لا إله إلا الله ولذلك فليس هناك استكبار وإنما هو الجهل، فلا إله إلا الله معناها لا معبود بحق في الوجود إلا الله فهل المسلمون قاموا بحق هذه الكلمه _كلمة التوحيد - هل هم بعد أن آمنوا بتوحيد الربوبية آمنوا بتوحيد الألوهية مع الأسف نقضوها هذا النوع من التوحيد نقضوه لماذا؟ لأنهم يأتون إلى قبور الأولياء والأنبياء والصالحين يصلون عندهم ويستغيثون بهم ويتوسلون بهم إلى الله وإذا سألتهم قالوا ما نعبدهم، لكن ما بيقولوا ما نعبدهم شوف من جهلهم لأنهم يفهمون العبادة بمعنى ضيق أنك تقعد تصلي لهذا القبر، لا هو ما بيصلي لكن بيقول: يا فلان أغثني، ما يعرف أن هذا صلاة وعبادة له، ما بيعرف لما بيقرأ في سورة الفاتحة [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] «الفاتحة: ٥» أنه الاستعانة بالميت هو عبادة له، ما بيعرف أنه هذه عبادة، ولذلك إذا سألته أنت تعبد غير الله يقول أعوذ بالله، لكن هو منغمس في هذه الضلالة؛ أي: في عبادة غير الله أيضًا، هذا التوحيد الثاني توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة.
[ ٢ / ٥٨ ]
- التوحيد الثالث والأخير: توحيد الأسماء والصفات.
اعتقدتَّ أن الله واحد في ذاته لا شريك له في خلقه، اعتقدت أن الله واحد في عبادته لا تعبد معه سواه، بقي عليك أن تعتقد أنه واحد في صفاته، كما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته، لا تعتقد مثلًا أن هناك في البشر مهما سما أحدهم وعلا؛ بيرفع راسه هيك ويشوف بينكشف له اللوح المحفوظ وبيعرف اليوم فلان بِدُّه يموت شقي، وفلان بده يموت سعيد، فهو يعلم الغيب من دون الله ﷿، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا الله﴾ (النمل: ٦٥)، فإذا اعتقدت أن الشيخ الفلاني يعلم الغيب وهذا نحن نسمعه بآذاننا من الصوفيين أن الشيخ يكاشفنا، الشيخ كاشفنا بنكون احنا محضرين السؤال، ولسه ما طرحناه، والشيخ بيعطينا الجواب بدون ما نضع السؤال، صار في عقيدة في الناس، إشراك في القسم الثالث من التوحيد في أسماء الله وصفاته لا يعلم الغيب إلا الله، صار فيه أولياء بيعلموا الغيب ولذلك تجد أحدهم لا بيتاجر ولا بيسافر ولا بيتزوج ولا بيأتي بحركة تستحق الذكر إلا بعد استشارة الشيخ، والشيخ كاشفله يعني بيطلع له على الغيب، هذا كله كفر بلا إله إلا الله لماذا؟ لأننا لم نفقه بعد هذا التوحيد.
"الهدى والنور" (٥٢/ ٠٠: ١٨: ٠٠)
[٨٥] باب بيان أقسام التوحيد والشرك
سؤال: بالنسبة عن الشيخ عن أحمد ديدات بيقول البعض يعني وسألنا عن منهجه، وإن شاء الله طبعا يكون من المناهج الطيبة الجيدة، فيقول بعض الناس، مش المهم المنهج، المهم أنه مسلم ، فلو تُبَيِّن لنا هذا يا شيخ الله يجزيك الخير؟
الشيخ: احنا حقيقة نرجو أن يكون الشيخ أحمد هذا على المنهج السلفي
[ ٢ / ٥٩ ]
القديم، الذي يؤمن بالله ويعبده حق عبادته، لكن نحنُ بحاجة أن نتذكر دائمًا، أنه لا يلزم من مجرد إيمان الإنسان بوجود خالِق لهذا الكون أن يصبح بذلك مؤمنًا، لابد أن يتحقق هناك شرطان أساسيان:
الشرط الأول: أن يشهد أن لا إله إلا الله
والشرط الثاني: أن محمدًا رسولُ الله
الشرط الأول: (لا إله إلا الله) لا يعني أن خالق الكون واحد وبس، لأنّه قد يجتمع في الإنسان إيمان وكُفر، قد يجتمع في الإنسان إيمان وكفر، الذي يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) طبعا هذا القول له لوازم، مرتبطة هذه اللوازم مع هاتين الشهادتين، فإذا تصورنا مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، لكن بيقول إنه القرآن ناقص، إذا تصورنا مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لكن بيقول القرآن ناقص، هذا ما أفاده شهادة لا إله إلا الله، لأنه مثل عسل صبينا عليه حامض، أفسد العسل، وهكذا يجتمع في الإنسان إيمان وكُفر، لذلك قال تعالى في حق المشركين الأولين: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦)، الآية هاي تعطينا أنه الأقوام هذول مؤمنين لكن في الوقت نفسه هم مشركون، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا والحالة هاي هم مشركون، إذن يجتمع في الإنسان إيمان وكفر، ضربنا لك مثالًا بإنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولكن [يقول]: القرآن ناقص، هذا كفر، هذا شرك، لكن هذا يؤمن بالله ويؤمن برسولِ الله، فصَدقَ عليهِ قولُه تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦).
لدقة الموضوع وهو أنه يجتمع في الإنسان إيمان وكفر، إيمان أو توحيد وشرك، أكثر الناس حتى في هذا الزمان يصدُق عليهم قول ربنا الآن: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ
[ ٢ / ٦٠ ]
أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦)، خلينا بقي ندخل للواقع، هؤلاء المسلمون الذين يصلون ويصومون ويحجون ويتصدقون، بيروحوا لمقام من المقامات، لقبر من قبور الأولياء، بيطلبوا منهم الشفاء، بيطلبوا منهم العافية، هدول ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦)، عالمين أنه الله موجود، لكن عبدوا مع اللهِ غيرَه والله يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٤) فاستعانوا بغيرِه تعالى، لذلك العلماء المحققين قسّموا التوحيد ثلاثة أقسام:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - توحيد الألوهية.
٣ - توحيد الصفات.
يعني الله واحد في ذاته، الله واحد في عبادته، يعني لا يُعبد معه غيره، الله واحد في صفاته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، هذا ليس معناه أنه الله موجود وبس!، لا الله موجود ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، فمثلًا النصارى في أعيادهم بينشروا هاي الصور، بتشوف في صورة الرب تبعهن، شيخ كبير السن لحية طويلة بيضاء، هذا هو ربُّ العالمين الذي ليسَ كمثلِه شيء؟
اليهود والنصارى بيآمنوا بأنه هذا الكون له خالق، فهم مؤمنون بالتوحيد الأول، شو إسمه هذا التوحيد؟ توحيد الربوبية، يعني أنه لهذا الكون خالق.
السائل: دهري صاحب الكلام هذا؟!
الشيخ: بيختلفوا هم بقى عن الدهريين، أو الطبيعيين، الذين يقولون .. ما فيه خالق ولا في مخلوق، اليهود والنصارى يقولون: الله هو اللي خلق الكون، فهم إذًا
[ ٢ / ٦١ ]
موحدون، لكن توحيد الربوبية، يعني توحيد الخالقية، لكن بيجي توحيد الألوهية توحيد العبادة، اليهود عبدوا عُزيرًا والنصارى عبدوا عيسى، هدول كفروا بتوحيد العبادة، فهم ما يقولون: (لا إله إلا الله) وإذا قالوها، بيقولوها إما نفاقًا وإما جهلًا بحقيقة المعنى، وإلا لو قالوها اعتقادًا ومؤمنين بها، ما عبدوا عيسى ولا خضعوا له ولا سجدوا له إلى آخره، ولا وضعوا صورته وصورة مريم في الكنائس، هدول إذًا مؤمنين من جهة، كفّار من جهة، مؤمنين من حيث أنهم مو مثل الدهريين بيقولون: ما في الله!، لا بيقولوا في الله، لكن شو فايدة القول لما بيشبهوا الله بالمخلوقات؟
مداخلة: أو بيعبدوا غيره!
الشيخ: أو بيعبدوا غيرَه، آه! الشاهد من الكلام هذا، كثير من المسلمين ولا أعني العامة منهم فقط، بل وأعني كثيرًا من الخاصّة، أنهم بيقولوا: (لا إله إلا الله)، لكنهم يعبدون غيرَ الله، وبيكفروا بالله من ناحية الصفات.
الآن مثلًا إحنا نعرف أن كثيرين منهم، وغير اللي أشرنا إليهم، أنهم يدعون الموتى والصالحين، ويخضعون لهم ويصلون عندهم وإلى آخره، يقولون الله موجود في كل مكان، الله أكبر من كل شيء، وكان ولا شيء معه، شلون حشرتوه بهالكون؟ حتى بيقول قائلهم:
وما اللهُ في التمثالِ إلا كثلجةٍ بها الماءُ
تقدِر تفرق بين الثلج والماء؟! هيك الله عند هؤلاء، هذا كفر!، إن الله في القرآن الكريم غني عن العالمين، هنا حصروه في هذا الكون مثل دودة القزّ، دودة الحرير بتلف على نفسها، تحفر نفسها تنخنق وتموت، إن الله غني عن العالمين، هذول مؤمنين من جهة، كفّار من جهة.
[ ٢ / ٦٢ ]
لذلك ونحن في الواقع بيهمنا أن هذا الشيخ أحمد -جزاه اللهُ خيرًا- قائم بواجب كبير، لكن هذا الواجب وهذا الجهاد إنما يفيدُه، إذا كان يؤمن بالله ربًا واحدًا أي ذاتًا واحدةً، ومعبودًا واحدًا، ليس المقصود بأنه معبود واحد بمعنى أنه لا يصلي إلا له، لا، لو نادى الخَضْر في الضيق ما عبد الله وحده، لأن النداء عباده، قال - ﵌ -: «الدعاء هو العبادة»، فنحن نرجو أن يكون قد درس في بلاده التوحيد الصحيح، فيكون موحدًا لله في ذاته موحدًا لله في عبادته موحدًا لله -﷿- في صفاتِه، ثلاثة، حينذالك يكون جهاده لعله نستطيع أن نقول، قام بواجب أخل به جميع المشايخ.
السائل: اللهً أكبر!
الشيخ: إيه والله، الله يجزيه الخير
السائل: الله يبارك فيك يا شيخنا، الله يبارك لنا في عمرك إن شاء الله.
الشيخ: الله يحفظك.
السائل: تفضل شيخنا.
الشيخ: توحيد الربوبية المقصود منه أن يعتقد المسلم اعتقادًا جازمًا أن خالق هذا الكون بما فيه واحد في ذاته، ليس له ند، ..، وليس له شريك، المجوس يعتقدوا أنه فيه إلهين، إله خالق الشر، وإله خالق الخير، هذول أشركوا في توحيد الربوبية، عرفت كيف؟، فإذا المسلم لا سمح الله اعتقد أن مع الله من الأولياء والصالحين من يضر وينفع، ويحيي ويميت، ويطعم ويرزق، كفر بالتوحيد، توحيد الربوبية، وأشرك؛ لأنه جعل خالقَين، الله بيخلق الخير، بيخلق الشر، وكمان الأولياء والصالحين وبيرزقوا وبحييوا وبيموّتوا، لذلك بيروحوا لعندهم، يطلبون
[ ٢ / ٦٣ ]
منهم بركات.
السائل: فيه كثير نساء إذا ما بتحمل؛ تحمل حالها وتروح عند شجرة يكون تحتيه مقبور ولي تصير تربط فوقيه وكذا، نعم.
الشيخ: الله أكبر، هذا اسمه شرك في الربوبية،
الشرك في الألوهية هو شرك في العبادة، وهو أن يعبد غير الله ويؤمن أن الله واحد في ذاته، لكن بيذبح للولي فلاني، هذا أشرك في العبادة، بينادي الولي فلاني، هو صاير في التراب في قبره، بشر من البشر، يعقتد أنه بيسمع وأنه بيغيثه، وبيضر وبينفع، هذا صار شرك في العبادة.
" الهدى والنور" (٢٢٢/ ١٧: ١٩: ٠٠)
[٨٦] باب أقسام التوحيد والشرك والكفر
سؤال: موضوع الألوهية والربوبية، هل هذا نص في الإسلام أو هو اجتهاد لابن تيمية وغيره، وهل المسلم ملزم بأن يدرس التوحيد في هذه الصيغة، أو له أن يدرس التوحيد بصيغة مختلفة، على أن تؤدي إلى نفس النتيجة؟
الشيخ: إذا صح سؤال السائل، فإذا كنا نعتبر أن تقسيم بعض العلماء للتوحيد إلى ثلاثة أقسام، هذه وسيلة وليس الأمر كذلك باعتقادي فنحن نقول: بأي وسيلة على المسلم أن يفهم شهادة أن لا إله إلا الله التي أمر الله بفهمها في نص القرآن الكريم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩).
لكن ما هي الوسيلة التي يريدون بها حينما يقولون: .. هو يفهم التوحيد بأي وسيلةٍ.
[ ٢ / ٦٤ ]
مداخلة: عفوًا يا شيخ! هذا الاستفسار من عندي شخصيًا.
الشيخ: من عندك، نقول: سامحك الله! إذًا: ممكن أن نتحاور معك في هذا الموضوع، كيف يمكن الوصول إلى فهم هذه الشهادة، وهذه الكلمة الطيبة بوسيلة أخرى غير وسيلة التقسيم الذي شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية، الحق والحق أقول: ابن تيمية لم يأت بشيء جديد.
توحيد الربوبية منصوص عليه في القرآن، توحيد الألوهية، توحيد الصفات، كل هذه الأشياء منصوصة في الكتاب والسنة ولكن ابن تيمية أوضح هذه المعاني بتفسير نصوصها من الكتاب والسنة فصار لزامًا على المسلم أن يتبناها بهذا الإيجاز؛ لأن ليس كل مسلم يستطيع أن يفهم مثلًا نص توحيد الربوبية من أين جاء؟ نص توحيد الألوهية أو العبادة من أين جاء؟ توحيد الصفات من أين جاء؟ عامة الناس المكلفين بفهم شهادة التوحيد هم لا يستطيعون أن يفهموها إلا بطريق أهل العلم.
فإذا غضضنا الطرف عن تقسيم ابن تيمية موضحًا لنصوص الكتاب والسنة التي استلخص منها هذه الأنواع الثلاثة من توحيد الربوبية .. توحيد الألوهية .. توحيد الصفات، ما هي الوسيلة التي يمكن أن تصور لنصل إلى فهم هذه الحقيقة، حقيقة لا إله إلا الله؟
نحن نضرب مثلًا الآن: كثير من الخلف ومن المتمسكين ببعض المذاهب العقائدية لا يرون حرجًا مطلقًا في أن يقول قائلهم في أناشيدهم التي يسمونها: بالأناشيد الدينية:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
[ ٢ / ٦٥ ]
هذا القائل وأصبح قوله دينًا متبعًا، أصبح قوله أمرًا مقررًا غير منكر، بل أصبح قولًا يتبركون به، ويحاولون الاستفادة من تلاوة هذه القصيدة بوضع كوز من ماء يحل في هذا الماء بركة هذا الكفر أو هذا الشرك في هذا الماء فيسقى المرضى ليحصلوا على الشفاء، هذا النوع يا ترى إذا تركنا الاصطلاح الذي كان للشيخ ابن تيمية فضل الأسبقية في شرحه وبيانه للناس، ماذا نسميه؟ هل هذا شرك في الربوبية .. هل هذا شرك في العبادة .. هل هذا شرك في الصفات؟ نحن نتنازل ما نقول: أنه من هذا أو من هذا أو من هذا .. لكن ماذا نستطيع نقول إذا تركنا هذا الاصطلاح؟
مداخلة: نقول: شرك، مثل ما قال النبي ﵇: «ويحك أجعلتني ندًا لله» نقول: ما يجوز، لكن ماذا يصير لو فصَّلنا هذا التفصيل، طالما في كل واحد من هذه البنود الثلاثة الحال فيها شرك
الشيخ: نحن سميناه شركًا وما اختلفنا في هذا، لكن هل هذا شرك يساوي شرك من أشرك بالله في عبادته؟
الذي سجد للصنم شأنه شأن الذي اعتقد بأن نبيه يعلم الغيب؟
لا شك هذا شرك، وهذا شرك، هذا كفر وهذا كفر لكن بلا شك الذي يدرس الكتاب والسنة يفهم أن هذا النوع من الشرك غير هذا النوع من الشرك، أنا أستغرب هذا السؤال في الحقيقة، وأستغرب أكثر قولك: أنه صادر منك ومع تصديقي لك أقول: هذا ليس صادرًا منك لكنه صادر من الجو الذي تحيا فيه أنت، وهذا أكيد، وإلا كيف يمكن لإنسان يفقه الكتاب والسنة أن يقنع فقط أن يقول: هذا شرك؟ طيب! نمشي ..
[ ٢ / ٦٦ ]
مداخلة: عفوًا شيخنا! العلماء مثلًا يدرسون التفصيلات هذه، ولكن أسأل لعامة المسلمين، هل لهم أن يدرسوا هذا التفصيل؟ ..
الشيخ: أخي: عامة المسلمين نحن ذكرنا سلفًا، عامة المسلمين لا يستطيعون أن يفهموا مصادر هذه الأنواع الثلاثة، لكن عليهم أن يفرِّقوا بين شرك الربوبية وهو جحد الإله ﷿ كالشيوعيين والدهريين وأمثالهم، وبين شرك العبادة أن يسجد لعبد مخلوق مثله، وبين شرك الصفات الذي يقع فيه كثير من الصالحين، والسبب؛ لأنهم لم يُفَهَّمُوا أن هذا شرك ومن نوع شرك الصفات وليس شرك العبادة أو شكر الربوبية.
ثم أعود لنقول: ماذا نقول في مثل قوله ﵇: «من حلف بغير الله فقد أشرك»؟ هل نقول: أشرك وانتهى الأمر، يعني: ندع العامة يفهمون النصوص على جهلهم وأنت تقول: وهل هم مكلفون أن يدرسوا؟ نحن نقول: لا، عليهم أن يفهموا وهم لا يستطيعون أن يدرسوا ولكن بناءً على ما نسمع نحن بعض الناس، أن هذا التقسيم أنتم أوجدتموه، أي: نحن أوجدناه، ماذا تقولون فيمن يقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
قال صاحبنا: لكن هو لا يستطيع أن يخالف عقيدته، لكن لا يمثل الآخرين الذين ابتلي بمصاحبتهم أو بمجادلتهم، قال: هذا شرك، وصدق لكن أولئك من الصعب جدًا أن تأخذ منهم هذا الاعتراف، ثم إذا سلموا لك وقالوا لك كما قلت، هل فهمت أنهم فاهمون هذا الشرك فعلًا، أم قالوا لك الشرك جدلًا، كما لو قالوا لك: وحياة رأس أبوك! سيقولون لك: شرك، نعم، شرك لكن في الواقع هم يقرونه ولا يهتمون بإنكاره إطلاقًا، كذلك يقرون هذه الأناشيد التي فيها هذا النوع من
[ ٢ / ٦٧ ]
الشرك.
فإذًا: أريد أن أقول: إذا لم يفهم العامي معنى الشرك وأقسامه ربما خلط بين ما اصطلح على تسميته، وأعود لأقول: لا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يخالف شرعًا، ماذا يقولون في تقسيم العلماء وأظن أنهم لا يخالفون في هذا التقسيم كما هم يخالفون يخالفون في تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: شرك أكبر وشرك أصغر، هل يسلمون بهذا فيما تعلم منهم؟
مداخلة: يسلمون.
الشيخ: حسنا! هل في الكتاب والسنة ما يسمى بشرك أكبر وشرك أصغر؟ طبعًا لا، لا يوجد هذا، إذًا: كيف يسلمون بتقسيم الشرك إلى شرك أكبر وأصغر مع اعترافهم، ونحن نشهد معهم أنه فعلًا لا نجد في الكتاب هناك شرك موصوف بأنه شرك أكبر، وهناك شرك موصوف بأنه شرك أصغر، هذا أولًا، وثانيًا: ما نجد في الكتاب تفصيل الشرك الأكبر أجزاء وأجزاء، ولا نجد تفصيل الشرك الأصغر أيضًا أجزاء وأجزاء، وإنما هذا من فهم العلماء فهمًا صحيحًا من كتاب الله، ومن حديث رسول الله - ﵌ -.
فإذا سلموا إذًا معنا في تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر مع أنه لا يوجد عندنا أولًا هذا التقسيم ولئن وجد جدلًا فلا يوجد عندنا تفصيل الشرك الأكبر هو كذا وكذا وكذا، والشرك الأصغر هو كذا وكذا، فهل نحن حينئذ نخلط بين الشركين؟
إذا ما حلف إنسان بأبيه أو بجده أو برأسه أو ما شابه ذلك من الأيمان المحرمة، هل نقول بمجرد أنه حلف بغير الله: أشرك وارتد عن الدين؟ لا، نحن عندنا تفصيل أن من حلف بغير الله فقد أشرك، تارة يكون مشركًا مرتدًا عن دينه،
[ ٢ / ٦٨ ]
وتارة يكون مشركًا شركًا لفظيًا، وهذا أيضًا يذكرنا بتقسيم الكفر، وتقسيم الشرك إلى قسمين آخرين: كفر اعتقادي وكفر عملي، شرك اعتقادي وشرك عملي، ما في الكتاب والسنة.
يعني: معنى هذا الموقف باختصار: إنكار جهود العلماء بصورة مطلقة في تقريبهم نصوص الكتاب والسنة، أصولًا كما يقولون أو فروعًا، فيا سبحان الله! إنه موقف عجيب غريب، لا ينكرون تعمق بعض العلماء في تفصيل الفروع إلى درجة أنهم تعرضوا لبيان بعض الفروع التي هي خيال، لا يمكن تصور وقوعها، والأمثلة في ذلك كثيرة وكثيرة جدًا وبعضها مما يستحي المسلم من ذكرها خجلًا.
أنا أذكر مثالين: مثال لهذا ومثال يقابله وليس فيه شيء من هذا الاستحياء ولكنه مستحيل: إذا مات رجل وخلف سبعين جدًا، فكل جد كم يرث؟ كم حقه؟ أين سبعين جدًا! يمكن نصل إلى آدم في سبعين جدًا، ما هذا الخيال؟ ما أنكر هذا النوع من التفريع، وإذا أنكر على الخلف؟ قالوا: هذا من باب تشحيذ الأذهان، لكن ما بالكم إذا قال قائلهم، وهذا المثال الثاني الذي يُستحيَى من ذكره: إذا جلس الرجل من زوجته وأدخل عضوه فيها فانشطر عضوه قسمين: قسم دخل فيها وقسم خرج منها، هل يجب عليه الغسل أم لا؟ هذا التفريع لا أحد ينكره من هؤلاء الخلف.
أما لماذا تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية والألوهية والصفات .. لماذا تقسيم الشرك إلى كبير وصغير .. لماذا تقسيم الكفر إلى كفر اعتقادي .. هذا مشكلة عويصة جدًا، [انقطاع] بإقرار هذا الخلاف الذي هو موجود اليوم بين الناس، ولذلك صح فيهم قول العامة: كل مين على دينه الله يعينه.
[ ٢ / ٦٩ ]
أما:
فهذا هو الحق ما به خفاء فدعني عن بنيات الطريق
هذا أمر لا يتمثلون به، لعلي أجبت أيضًا.
مداخلة: قضية (الانشغال) بإنكارهم هذا التقسيم، في الواقع ما جاءت من فراغ مثلما تفضل الأستاذ إنما هم مسبوقون، يعني: كثير من الكُتَّاب كأبي غدة وغيره وشخص اسمه مرزوق الميداني أو كذا في كتابه: براءة الأشعريين، تكلموا في هذه القضية وردوها، وفي الواقع: ردهم لهذا جاء نتيجة عملية المشاحنة التي بينهم وبين شيخ الإسلام فقط لا غير وبين الدعوة السلفية بشكل عام، مع أن شيخ الإسلام مسبوق بهذا بابن مندة، ابن منده في كتاب التوحيد له مثل هذا التقسيم، والدكتور الفقيهي محقق الكتاب أتى بالتاريخ الفعلي لهذه القضية وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وأثبت أن شيخ الإسلام مسبوق بهذا وليس وحيدًا.
"الهدى والنور" (١٧٠/ ١١: ١٧: ٠٠)
[٨٧] باب الرد على من حصر العقيدة في توحيد الربوبية
[سئل الإمام عمن يُعَرِّفُ «لا إله إلا الله» بـ «لا رب إلا الله» هل هذا التعريف ينفعه، فأجاب ﵀]:
كلا لا ينفعهم؛ لأن هذه العقيدة ليست كافية؛ لأن الكفار الذين عادوا الرسول ﵇، وقاتلوه، واضطروه للخروج من بلده والهجرة إلى المدينة المنورة كانوا يعتقدون هذه العقيدة، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
[ ٢ / ٧٠ ]
فآيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن المشركين كانوا أولًا يؤمنون بوجود الله وثانيًا لا يجعلون شريكًا لله في ذاته، فلا يعتقدون أن هناك خالقًا معه، نافعًا معه، ضارًا معه، بل كانوا يعتقدون أن الأمر كله بيده ﵎، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الله ﷿ لما أرسل الرسل وأنزل الكتب، لم يفعل ذلك لكي يدعو الناس إلى الاعتقاد بوجود الله وبأنه هو الضار النافع، وأنه لا شريك له في شيء من ذلك، ما بعثهم ولا أنزل الكتب من أجل هذا؛ لأن هذا أمر مفطور في الناس حتى المشركين، ولذلك صرحت الآية الكريمة أن المشركين إذا سئلوا: ﴿أإلهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فرقوا بين الإله وبين الرب، فهم يشركون في الألوهية ولا يشركون في الربوبية، يعتقدون بأن الله هو رب العالمين وحده لا شريك له، وأنهم إذا وقعوا في مصيبة أو في بلية تضرعوا إلى الله والتجؤوا إليه؛ لما وقر في نفوسهم من أن الله هو الضار وهو النافع، فهم كانوا يؤمنون بما كان يسمى عند العلماء بتوحيد الربوبية، لكن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة هؤلاء الناس جميعًا إلى عبادته وحده لا شريك له، ليس إلى اعتقاد أنه واحد في ذاته، وأنه لا خالق معه، لاحظ الاعتقاد كانوا يؤمنون به بصريح القرآن الكريم، وإنما الذين كانوا يكفرون به أن هناك أشخاصًا مخلوقين ويستحقون أن يعبدوا مع الله ﵎، وهذا صريح في القرآن، حيث قال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤)، الذين تدعونهم في الشدة هم عباد أمثالكم.
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤)؛ لأنهم يعتقدون أنهم عبيد، ولذلك قال ﷿ في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
[ ٢ / ٧١ ]
هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله أولياء إذا سئلوا: لماذا تعبدونهم من دون الله، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
إذًا: هم يؤمنون بأن المعبود الحق هو واحد لا شريك له في العبادة، ولكنهم من ضلالهم أنهم اتخذوا من بعض الصالحين أولياء يعبدونهم، يتوجهون إليهم بالدعاء والاستغاثة والركوع والسجود، لماذا؟
هم أجابوا بأنفسهم وألسنتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
فإذًا: المشركون الذين كانوا في عهد الرسول ﵇ ما كان الخلاف بينهم وبين الرسول هو في أن الخالق واحد والرازق واحد، والمحيي واحد، والمميت واحد، هذا كانوا يؤمنون به، ولكن الخلاف كان في أنهم عبدوا غير الله ﷿، خضعوا لغير الله ﷿، فأشركوا مع الله في العبادة، وليس في الربوبية، ولذلك وصل ضلال هؤلاء المشركين إلى أنهم كانوا إذا طافوا بالبيت وهذا الطواف ورثوه من أبيهم إبراهيم ﵊، ثم دخلهم الشرك، فكان قائلهم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا تملكه أنت وما ملك.
لك شريك لكن هذا الشريك هو مملوك لك، وما معه أيضًا مملوك لك.
إذًا: فالمشركون كفروا بتوحيد الألوهية، بتوحيد العبادة وليس بتوحيد الربوبية، ولهذا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، أما الآية السابقة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥)، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
[ ٢ / ٧٢ ]
الشاهد أن الآية الأولى صريحة بأن المشركين يؤمنون بربوبية الله وحده لا شريك له، الآية الثانية صريحة بأنهم ينكرون أن يكون الإله واحد، ما معنى
الإله إذًا؟
الإله: هو المعبود، فلما كان الرسول يدعوهم إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، كانوا ينكرون ذلك ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، كيف يستكبرون وهم في الآية الأخرى ربنا يخبر عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
معنى ذلك أن الربوبية شيء، والألوهية شيء آخر.
الرب واحد باتفاق البشر جميعًا حتى المشركين الذين قاتلوا الرسول ﵇ وعادوه كما ذكرنا، أما الإله فمتعدد عندهم، ولذلك استنكروا على الرسول ﵇ حينما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة أنواع وأقسام، وأعظم عبادة تتجلى فيها حاجة الإنسان وعبوديته لله ﷿ هو الدعاء، ولذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح: «الدعاء هو العبادة» (١)، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠).
إذًا: المشركون، هذه نقطة مع الأسف كثير من الخواص المسلمين اليوم لم
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٣٤٠٧).
[ ٢ / ٧٣ ]
يتنبهوا لها، وهو التفريق بين الربوبية وبين الألوهية، فالمشركون كانوا يؤمنون بوحدانية الله في الربوبية، ولكنهم كانوا يكفرون بوحدانية الله في العبادة والألوهية، ولذلك كانوا يقولون بأن لله شريكًا لكن هذا الشريك مملوك لله وما يملكه هذا الشريك، وعلى هذا فمعنى: لا إله إلا الله، لا يجوز تفسيره بمعنى: لا رب إلا الله، هذا اعتقاد المشركين لا يكفي، وإنما لا إله إلا الله، معنى هذه الكلمة التي جاءت في القرآن مأمور بها ﵇ والمقصودين أمته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩)، معنى هذا، فاعلم أنه لا معبود بحق في الوجود إلا الله.
ليس لا رب إلا الله، لا رب إلا الله، المشركون يؤمنون بهذا، يعني الخالق والرازق والمحيي والمميت، المشركون يعتقدون بأنه واحد لا شريك له، لكنهم يجعلون له شريكًا في العبادة.
من هنا لا يجوز للمسلم أولًا أن يفهم هذه الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) بمعنى لا رب إلا الله، لأنه تعطيل لمعنى الألوهية والعبادة لله ﷿ وحده.
ثانيًا: إذا فهم المسلم هذه الكلمة الطيبة أن المعنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، فلا يجوز له أن ينقض هذه العقيدة، عقيدة التوحيد في عبادة الله وحده لا شريك له عمليًا، كثير من المسلمين اليوم يدعون في الشدائد غير الله، كما كان المشركون يفعلون تمامًا، فهذا ينادي البدوي، وهذا ينادي
عبد القادر الجيلاني، وهذا ينادي الشاذلي، إلى آخره.
كل هؤلاء الأشخاص يُعْبَدُون اليوم من كثير من المسلمين بسبب جهلهم معنى هذه الكلمة لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ولهذا كان أول ما دعا إليه الرسول ﵇ هو هذه الكلمة الطيبة، كما قال - ﵌ - في
[ ٢ / ٧٤ ]
الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم عند الله» (١).
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله» لا يعني: أن لا رب، وإنما يعني أن لا معبود بحق إلا الله، فمن اعتقد أن لا معبود بحق إلا الله آمن بأن الرب واحد لا شريك له، لكن من آمن بأن الرب واحد لا شريك له بذاته، قد يكفر بالعبودية، بعبادة الله وحده لا شريك له، لأنه من عبادة الله الدعاء، فإذا دعا غير الله فقد اتخذه إلهًا من دون الله ﵎.
"الهدى والنور" (١٧٨/ ٥٠: ٠٢: ٠١)
[٨٨] باب الدفاع عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبيان التوحيد الذي دعى إليه، مع التنبيه على أقسام التوحيد وخطر الشرك
سؤال: ترددت كلمة الوهابية في كلام أخينا الشيخ أبو أحمد جزاه الله خير فحبذا لو توضح فإنها كلمة يعتريها كثير من كلام والناس ما بيعرفوها على حقيقتها هل هي فعلًا كما ذكر أو أيش المقصود بالوهابية ونسبة لأيش حتى تتضح الصورة وجزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: حسن، سؤال طيب الواقع أن هذه اللفظة: «الوهابية» هي خطأ لغةً، وخطأ عرفًا؛ أما اللغة فالوهابية نسبة إلى الوهَّاب والوهاب اسم من أسماء الله ،
_________________
(١) البخاري (رقم٢٥) ومسلم (رقم١٣٣).
[ ٢ / ٧٥ ]
والذين ينتسبون إلى هذا الوهابي فهم الوهابيون (فهذه) النسبة إذا أخذناها من الناحية العربية هي نسبة تشريف فلان وهابي يعني: منسوب إلى الوهَّاب وهو الله ﵎، والوهابيون هون منسوبون لمن ينسب هذه النسبة فالمقصود بكلمة الوهابيين كما لا يخفى على الجميع هم النجديون، والنجديون ليس فيهم من ينتمي إلى هذا الاسم مع أنه خلاف ما يستعمل هو اسم تشريف وهابي، وليس اسم ذم وتقبيح، لكن من حكمة الله ﷿ ليظهر خطأ المفترين على المسلمين ينسبون هؤلاء الناس النجديين إلى كونهم وهابيين بزعم أن هذه النسبة إلى
إمام لهم.
وإمام النجديين وفي جانب من الشريعة وليس في كل الشريعة إنما هو
محمد بن عبد الوهاب وليس الوهاب؛ لأن الوهاب هو الله ﵎،
عبد الوهاب هو والد محمد الذي جدد لهم دعوة التوحيد، فلو نسب منتسب ما إلى عبد الوهاب لم تكن النسبة إليه وهابي فهي خطأ مزدوج لأن الذي جدد لهم دعوة التوحيد هو محمد بن عبد الوهاب، وليس والده عبد الوهاب، ثم النسبة إلى عبد الوهاب ليس وهابيًا وإنما هو ممكن يقال: عبدلي أو نحو ذلك، فهذا خطأ من حيث التعبير اللغوي ومن حيث-كما قلنا- من حيث الواقع، فليس هناك من ينتمي إلى هذا الاسم الوهابية إطلاقًا، بينما الفرق الموجودة قديمًا وحديثًا كلها حينما تنسب إلى نسبة تعترف بهذه النسبة كالشيعة والزيدية والإباضية ونحو ذلك، ولكن لا يوجد على وجه الأرض الإسلامية أبدًا رجل يقول أنا وهابي، والسبب ما ذكرناه آنفًا من ناحيتين: ناحية اللغة العربية والناحية الواقعية.
لكن هذه الكلمة مع الأسف شاعت وأذيعت بين عامة المسلمين في زمن أواخر دولة الأتراك وقصدوا بذلك تنفير المسلمين جميعًا عن الدعوة التي سميت
[ ٢ / ٧٦ ]
بالدعوة الوهابية، علمًا أن هذه الدعوة الوهابية ليس فيها إلا الدعوة إلى توحيد الله ﷿ بالمعنى الجامع لكلمة التوحيد، وهذا في الواقع مما يمتاز به النجديون على كل الجماعات والطوائف والفرق الإسلامية في كل بلاد الدنيا منذ أن جاء محمد بن عبد الوهاب حتى هذه الساعة؛ ذلك لأنهم يفهمون التوحيد بالمعنى الأعم والأشمل والصحيح بينما كثير من المسلمين الآخرين يفهمونه بمعنى ضيق جدًا ذلك أن التوحيد الذي أنزل الله ﷿ به الكتب وبعث به الرسل يعني أمورًا ثلاثة:
الأمر الأول: إنما هو توحيد الربوبية ومعنى ذلك أنه لا رب إلا الله وأن الله هو الذي تفرد بخلق السموات والأرض كما هو معروف بإجماع كل من يؤمن بالله على اختلاف كل الملل، لكن الفرق بين الدعوة الإسلامية الحقة والتي جاءت بهذا التوحيد الذي أحيا معناه الصحيح محمد بن عبد الوهاب هنا تختلف الدعوة الإسلامية هذه الحقة عن اليهودية والنصرانية، فهي بالإضافة إلى أنها توجب على كل مسلم أن يعتقد بأنه لا خالق إلا الله، فهي توجب عليه في الوقت نفسه أن لا تعبد مع هذا الخالق سواه، ولذلك فعلماء المسلمين متفقون جميعًا أن معنى لا إله إلا الله لا يساوي لا رب إلا الله، وإنما هذه الكلمة الطيبة لا إله إلا الله تعني معنى أوسع من معنى لا رب إلا الله، ذلك أنها تعني لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎ فهذه الكلمة الطيبة التي هي مفتاح الجنة كما جاء في بعض الآثار، وبها ينجو المسلم من الخلود في النار كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﵌ -؛ جمعت بين التوحيدين توحيد الربوبية أي لا خالق مع الله لا رب مع الله سواه وتوحيد الإلوهية ويعبر عن هذا التوحيد أحيانًا بتوحيد العبادة؛ أي: أن يعبد الله وحده لا شريك له فإذا فسر مفسر ما هذه الكلمة الطيبة لا إله إلا الله بمعنى
[ ٢ / ٧٧ ]
لا رب إلا الله لم يكن موحدًا هذه نقطة الفصل بين المسلمين حقًا وبين الآخرين؛ المسلم يوحد الله ﷿ في ذاته ويوحده في عبادته بينما الآخرون من اليهود والنصارى يوحدونه في ذاته إلا من ضل منهم ضلالًا بعيدا ولكنهم يعبدون معه سواه. لهذا يجب على المسلمين جميعًا أن يعرفوا أولًا هذا المعنى الحقيقي لكلمة لا إله إلا الله وأنها لا تعني لا رب إلا الله فقط، وإنما تعني إضافةً على ذلك أنه لا معبود مع الله أيضًا بحق وكلمة بحق هي احتراز من إنكار أن هناك معبودات في الأرض قديمًا وحديثًا يعبد من دون الله تبارك، وتعالى فلا يجوز أن يقال لا معبود إلا الله لأن المعبودات كثيرة وكثيرة جدًا لكن إنما يصح التفسير بقيد (بحق) لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، وإلا قد عُبِدَت اللات والعزى، وعُبِدَت الطواغيت حتى الآن، فكيف يستطيع المسلم أن يقول لا معبود إلا الله؟ لا؛ المعبودات موجودة بكثرة ولكنها بالباطل، والمعبود بحق إنما هو الله ﵎.
كذلك بالإضافة إلى هذين النوعين من التوحيدين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة أو الألوهية، هناك توحيد ثالث به يتم التوحيد، وبه تقبل شهادة الموحد لا إله إلا الله، وإلا فهي مردودة عليه ما هو هذا التوحيد الثالث؟: توحيد الله في صفاته فكما أنه ﷿ واحد في ذاته وواحد في ألوهيته فهو واحد أيضًا في صفاته لذلك قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشُّورى: ١١) هذه الدعوة التي جاء بها محمد - ﵌ - وعرفها السلف الصالح والأئمة جميعًا، ولكن خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ ليسوا فقط أضاعوا الصلاة بل وأضاعوا التوحيد، لأنهم فهموا هذه الكلمة الطيبة بالمعنى الأول الضيق لا إله إلا الله: لا رب إلا الله، ونحن نرى رسائل في العصر الحاضر مؤلفة ومطبوعة وفسرت هذه الكلمة الطيبة بهذا
[ ٢ / ٧٨ ]
التوحيد الوحيد فقط وهو: لا إله إلا الله؛ أي: لا رب إلا الله، هذا لا يجوز المسلم أن يفهم هذه الكلمة الطيبة بهذا المعنى الضيق.
لذلك كان من آثار ذلك لما أخلُّوا-جماهير المسلمين وبخاصة عامتهم- لما أخلُّوا بفهم هذه الكلمة الطيبة؛ أخلُّوا عمليًا في تطبيقها، فهم يعبدون مع الله آلهةً أخرى وهم لا يشعرون، وهذه من أكبر المصائب التي حلت في المسلمين، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين إثنين ذكرنا أنفًا أحدهما: أنهم لم يفهموا من كلمة التوحيد توحيد الله في العبادة، والأمر الأخر: أنهم لم يفهموا معنى العبادة؛ فإذا قلت لإنسان أنت تعبد مع الله آلهة أخرى، قال لك: لا، أنا لا أعبد إلا الله، أنا لا أصلي إلا لله ﷿، نقول: إلى هنا نحن معك، أنت لا تصلي إلا لله ﷿، ولكن ألست تدعو غير الله عند الشدة؛ فتقول يا سيدي أحمد، يا سيدي بدوي، يا سيدي شعيب، يا كذا يا كذا؟! هذا هو عبادة الله، أو هذا من عبادة الله ﵎، والله ﷿ قد أنزل علينا كتابًا كريمًا وافتتحه بسورةٍ هي سورة الفاتحة وفيها يقول المسلم مخاطبًا ربه ﷿ في كل ركعة من صلواته [إياك نعبد وإياك نستعين] فأنت تعبد الله وحده لا شريك له، لكنك تستعين بغيره، هذه الاستعانة سواءً عليها سميناها استعانة، وهي تسمية صحيحة أو سميناها استغاثة، وهي أيضًا تسمية صحيحة، أو سميناها توسلًا، وهي تسمية خاطئة؛ هذه الأسماء تدل على مسمى واحد، بعض هذه الأسماء صحيح كالاستغاثة والاستعانة، وبعضها توسل، هذا تسمية الاستعانة بغير الله والتوسل بغير الله توسلًا من باب قوله ﵇ في غير هذه المناسبة «يسمونها بغير اسمها» (١) فقول القائل يا رسول الله أغثني، زعموا أن هذا توسل، لا، هذا دعاء لغير الله، وهذا استعانة بغير الله، وهذا إشراك بتوحيد
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٣٢٥١).
[ ٢ / ٧٩ ]
العبودية؛ لأن الذي ينادي غير الله خاصة في الشدائد فقد عبده من دون الله ﷿، ومن الدليل على ذلك وهو مذكور في القرآن وفي السنة قول الله ﷿ ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ تدعون ما قال تعبدون لكن الحقيقة أن هذه الآية تعني تدعون أي تعبدون، فسواء قلت: يعبدون غير الله أو يدعون غير الله، فكِلا التعبيرين يؤدي إلى حقيقة واحدة وهي أنهم يستعينون بغير الله ﷿ وهذا إخلال بتوحيد الإلوهية وليس إخلالًا بتوحيد الربوبية، هذا التفصيل الذي جاء في الكتاب والسنة وجرى على ذلك سلف الأمة إلى ما قبل قرون قليلة، ثم انحرف الخط على بعض المسلمين ففهموا لا إله إلا الله بمعنى لا رب إلا الله، وهذا المعنى ما كفر به المشركون بل كانوا يؤمنون به، لكنهم كفروا بهذا المعنى الصحيح الذي جهله كثير من المسلمين ألا وهو توحيد الألوهية أو توحيد العبودية أو العبادة.
في سورة من القرآن ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾ إذًا المشركون يؤمنون بتوحيد الربوبية لا يعتقدون بأن هناك-كما هو دين المجوس- بأن هناك خالقًا للخير وخالقًا للشر مثلًا، وإنما يعتقدون أن الخالق هو الله وحده لا شريك له، إذًا من أين جاء شركهم؟ ولماذا قاتلوا نبيهم إذ دعاهم إلى لا إله إلا الله مع ذلك يستكبرون، كما قال في القرآن الكريم ﴿وإذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ وقالوا: ﴿أجعل الألهة إلهًا واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾، إذًا مفهوم لفظة الإله عند العرب في الجاهلية غير مفهوم الرب لأنهم كانوا يؤمنون بأنه لا رب إلا الله؛ أي: لا خالق ولا مربي ولا رازق إلا الله، أما الإله فهو الذي لا يخضع إلا له ﵎، وهم كانوا يخضعون لغير الله من الأوثان والأصنام المعروفة في التاريخ.
[ ٢ / ٨٠ ]
ولذلك كان من غرائب شرك المشركين قبيل بعثة الرسول ﵊ أنهم كانوا يطوفون حول الكعبة ويقولون في تلبيتهم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا تملكه وما ملك»، شريك تملكه وما ملك لماذا؟ لأنهم يعتقدون أن لا خالق مع الله لكن جعلوا لله شركاء، أي: يعبدونهم من دون الله ﵎ كما في الآية ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزُّمر:٣) فهذه الآية صريحة بأن الهدف الأساسي عند المشركين هو الله، ومع ذلك فهم يعبدون معه سواه، لكن إذا سئلوا لماذا تعبدون هؤلاء قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزُّمر: ٣) فهذه حقيقة مؤسفة جدًا أنهم يؤمنون بأن الله واحد لا شريك له، ومع ذلك جعلوا له شركاء في ماذا جعلوا له شركاء؟ في العبادة.
ولذلك يجب أن نتنبه لأمر في ظني أن كثيرًا من الناس غفلوا عنه ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾ أيش معنى أندادًا؟ أندادًا في الخلق، أندادًا في الرزق أندادًا في الإحياء والإماتة؟ .. لا، وإنما أندادًا في العبادة وهذا هو كان شرك المشركين في الجاهلية.
وهذا بحث طويل والغرض منه التنبيه إلى أن النجديين هؤلاء ينبزون بلقب الوهابية هذه نسبة كما ذكرنا خطأ، وإنما هم أرادوا أن ينسبوهم إلى محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يأت بشيء جديد مطلقًا وإنما هو من المجددين الذين ذكرهم الرسول ﵊ في الحديث الصحيح «إن الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها على رأس كل مائة سنة» (١) المجددون كما يذكر الإمام السيوطي وغيره لا ينبغي أن نتصور أن المجدد يكون واحدًا في كل عصر
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم١٨٤٧).
[ ٢ / ٨١ ]
وإنما يمكن أن يكون هناك مجددون في كل عصر مجددون كثيرون، لكن لكل منهم اختصاصه في التجديد، فمجددٌ في التوحيد، مجددٌ في الحديث، مجددٌ في التفسير، وفي اللغة، وفي كل شيء تعلق بإحياء فرض كفاية لفهم الإسلام فهمًا صحيحًا، والغرض أن محمد بن عبد الوهاب جدد التوحيد الذي لا تزال آثار الإخلال به مع الأسف الشديد في كل البلاد الإسلامية إلا هذه البلاد النجدية بفضل دعوة محمد بن عبد الوهاب ولا أقول بفضل الدعوة الوهابية.
علمًا أن تلك البلاد قبل محمد بن عبد الوهاب كان شأنها شأن البلاد الأخرى وأظن أنه لا يخفى على الحاضرين جميعًا ما يوجد في مصر من مقابر الحسين مثلًا أو السيدة زينب، وما يقع في تلك الأمكنة من الوثنيات والشركيات التي تنافي لا إله إلا الله من الطواف حول قبور هؤلاء الأولياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم مثل هذا يوجد في هذه البلاد وفي سوريا وفي أكثر البلاد الإسلامية، ما هو السبب؟ السبب تقصير علماء المسلمين ببيان دعوة التوحيد دعوة الحق التي جاءت في الكتاب والسنة وماتت هذه الدعوة في كثير من البلاد الإسلامية ثم جددها محمد بن عبد الوهاب ﵀.
فمحمد بن عبد الوهاب ليس له جهد بارز سوى هذه الناحية وكفى له بذلك فضلا؛ لأن البلاد النجدية كانت كالبلاد المصرية والسورية ونحو ذلك من حيث انتشار الآثار الوثنية وعبادة القبور والاستغاثة بها من دون الله ﷿، حتى الآن مع الأسف مع أنه بدأت الحركة الإسلامية الصحيحة في تلك البلاد تضعف رويدًا رويدًا لكن لن تجد هناك يعني وثنية تذكر، حتى ولا رفع القبر من على وجه الأرض لا يوجد هذا الشيء إطلاقًا، بينما إذا طفت البلاد الإسلامية كلها فأنت واجد فيها من المخالفات الشيء الكثير، أرونا بلدًا لا يوجد فيه مسجد فيه قبر مع
[ ٢ / ٨٢ ]
شدة تحذير الرسول ﵇ للمسلمين أن يتخذوا مساجد على القبور، كما قال ﵇: «لعنة الله على اليهود والنصارى أو لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) والأحاديث في هذا كثيرة أكثر من عشرة أحاديث ومنها ما يتعلق بالأمة الإسلامية قوله ﵇: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون قبور أنبياءهم مساجد» (٢) فعندكم مثلًا المقام المعروف بسيدي شعيب، وهناك مسجد يقصد للصلاة فيه من أجل أيش؟ سيدي شعيب وعندنا مقام أخر أسمه يوشع، نعم؟
مداخلة: أبو عبيدة
الشيخ: لا أقول، هنا يوشع غير أبو عبيدة أيضًا هذه في الأغوار إلى آخره، كل هذه المقامات بنيت على قبور مزعومة إن كانت هذه القبور حقيقة لمن نسبت إليه من الصحابة أو الأنبياء فالأمر أشكل؛ لأنه مخالفة صريحة لمثل هذه الأحاديث التي تنهى عن بناء المساجد على القبور لماذا هذا النهي؟ ولماذا هذا اللعن الشديد؟ في سبيل المحافظة على التوحيد؟ ذلك (لأن وجود) قبر في المسجد مَدْعَاةٌ إلى أن يُدْعَى من دون الله ﵎، كم وكم من أناس نراهم يقفون خاشعين متبتلين يدعون، هم صحيح أنهم يدعون الله ﷿ ولكن يتوسلون بهذا الميت، فمحمد بن عبد الوهاب خلاصة القول هو مجدد لدعوة التوحيد، وهذا أمر لا يمكن إنكاره أبدًا؛ لأنه كما قيل:
هذه أثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الأثار
_________________
(١) البخاري (رقم٤٢٥) ومسلم (رقم١٢١٢).
(٢) يأتي.
[ ٢ / ٨٣ ]
النجديون كانوا قديمًا بدو يعني البدو الذين تعرفونهم في كل الصحارى وكان (إنقطاع) مما يخل بتوحيد العبودية هذه الأشياء قضي عليها حتى هذه الساعة لا تجد لها ذكرًا بينما البلاد الأخرى عامرة مع الأسف بهذه الشركيات وبهذه الوثنيات.
"الهدى والنور" (١٩٥/ ١٢: ٢١: ٠٠)
[٨٩] باب كان الناس على التوحيد ثم طرأ عليهم الشرك
[قال رسول - ﵌ -]:
«كان بين آدمَ ونوحٍ عشرةُ قرونِ، وبين نوحٍ وإبراهيم عشرةُ قرونٍ»
[قال الإمام]:
وفيه فائدة هامة؛ وهي أن الناس كانوا في أول عهدهم أمة واحدة على التوحيد الخالص، ثم طرأ عليهم الشرك، خلافًا لقول بعض الفلاسفة والملاحدة؛ أن الأصل فيهم الشرك ثم طرأ عليهم التوحيد! ويبطل قولهم هذا الحديثُ وغيرهُ مما هو نصٌّ في نبوة أبيهم آدم ﵇، إلى أدلة أخرى كنت ذكرت بعضها في كتابي"تحذير الساجد" (ص ١٤٧ - ١٥٠)،فراجعه فإنه مهم.
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٥٢،٨٥٤ - ٨٥٥).
[٩٠] باب الرد على من يقول أن الدعوة إلى التوحيد تفرق الصف
سؤال: فضيلة الوالد حفظك الله! ما هو ردكم على من يقول: أن الدعوة إلى التوحيد والعقيدة الصحيحة ومنهج السلف يفرِّق الناس وجزاك الله خيرًا؟
[ ٢ / ٨٤ ]
الشيخ: الله أكبر! وهل من يقول في هذا الزمان: أن الدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ومنهج السلف الصالح يفرق الأمة سبحان الله! ذلك القول هو الضلال البعيد، هذا السؤال يذكرني بحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه في حديث لا أستحضر لفظه الآن وإنما فيه أن من أسماء النبي - ﵌ -: المفرِّق (١)، وهذا بلا شك قد تستغربونه من أسماء النبي: أحمد ومحمد والماحي، ونحو ذلك مما هو وارد في الحديث الصحيح، لكن حديث في صحيح البخاري فيه أن من أسماءه ﵊: المفرق، تُرى! لماذا كان هذا الاسم من أسمائه - ﵌ -؟ ذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، والقرآن من أسمائه: الفرقان يفرق من تمسك به واهتدى به بين الحق والباطل، يهدي إلى صراط مستقيم، ومن دعا إليه فهو أيضًا مفرق، فرسول الله بحق مفرق، ثم من تمام هذا الاسم أو من لوازمه أن نتيجة الدعوة إلى الحق والتفريق بينه وبين الباطل هو التفريق من نتائج ذلك حتمًا والتاريخ الأول يؤكد ذلك أن يفرق بين الرجل وابنه .. بين الزوجة وزوجها لماذا؟ لأن الزوجة أسلمت وبقي زوجها على الكفر فأوجب عليها الإسلام أن تفارقه، أسلم الابن ففارق أباه بل وربما قتله إذا لقيه في المعركة وهكذا، فأين هؤلاء الذين يقولون: إن الدعوة إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح يفرق الأمة سبحان الله! كأنهم يتجاهلون الحديث الذي ذكرناه قبل صلاة المغرب وهو قوله ﵊: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» إلى آخر الحديث.
فالفُرقة قائمة وموجودة فما حلها وما الخلاص منها وما النجاة من هذه
_________________
(١) لم أجده الآن.
[ ٢ / ٨٥ ]
الفُرقة؟ أليس هو قال الله قال رسول الله؟! أليس هو اتباع سبيل المؤمنين كما قال رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥) هذا أمر واضح لا يحتاج إلى زيادة بيان، لكني أقول جدلًا: إذا تركنا لا سمح الله الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؛ لأنه بزعمهم يفرق الأمة، فما الذي يجمع الأمة ليت شعري؟ ما الذي يجمعها إذا تركنا الكتاب والسنة، والنبي - ﵌ - حينما بعث في قومه العرب فكلنا يعلم أنهم كانوا مستعبدين من فارس والروم فما الذي جعلهم أعزاء ومتسلطين على الأمم التي هي أقوى منهم ماديًة؟ أليس أن الله جمعهم على كلمة سواء هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنصرهم الله بسبب ذلك، فكيف يقول هؤلاء أن هذه الدعوة تفرق؟ فما هو الدليل؟ لا أعتقد إلا أنهم يريدون خلاف ما يظهرون، يريدون القضاء على دعوة الإسلام الصحيحة وإقامة إسلام إما أن يكون إسلامًا أوروبيًّا أو إسلامًا أمريكيًا أو إسلامًا خلفيًا كل هذا وهذا لا يقربنا إلى الله زلفى إلا كما سمعتم في الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣) ومن هذه السبل من يقول هذه الكلمة الباطلة التي هي الكفر بعينه، وقد شهد النبي - ﵌ - على أمثال هؤلاء بالحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور العلماء ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقي عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» فهؤلاء الناس الذين يفتون الناس بمثل هذه الكلمات هم الذين عناهم الرسول ﵇ بقوله: «اتخذ الناس رؤوسًا جهالا
[ ٢ / ٨٦ ]
فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١) نسأل الله ﵎ أن يلهمنا العلم النافع، وليس هو إلا العلم بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، ثم أن يقوينا ويساعدنا على العمل به إنه سميع مجيب.
"رحلة النور" (٣٣ب/٥١: ١١: ٠٠)
[٩١] باب إخلاص العبودية لله
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن الله ﷿ لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه».
[قال الإمام]:
فهذا الحديث وغيره يدل على أن المؤمن لا يقبل منه عمله الصالح إذا لم يقصد به وجه الله ﷿، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. فإذا كان هذا شأن المؤمن فماذا يكون حال الكافر بربه إذا لم يخلص له في عمله؟ الجواب في قول الله ﵎: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١١٨ - ١١٩).
[٩٢] باب توحيد الاتباع
[قال الإمام]:
روى الإمام أحمد وغيره عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال:
_________________
(١) البخاري (رقم١٠٠) ومصلم (رقم٦٩٧٤).
[ ٢ / ٨٧ ]
«رأى رسول الله - ﵌ - في يد عمر صحيفة، فسأله عنها، فقال ﵁: هذه صحيفة من التوراة كتبها لي رجل من اليهود، فقال ﵊: يا ابن الخطاب! أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، والذي نفس محمد بيده لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي» (١).
في هذا الحديث ما يشرح لنا جانبًا من جوانب شهادة أن محمدًا رسول الله، ذلك أن كثيرًا من المسلمين ينطقون بالركن الأول من الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكن الكثير من هؤلاء ينطقون بما لا يفهمون معناه على وجه الصحة، ولقد تكلمنا مرارًا وتكرارًا، وبمناسبات شتى على الشهادة الأولى: لا إله إلا الله، وأنها تعني: أنه لا معبود بحق في هذا الوجود إلا الله ﵎، هذا المعنى الموجز وهو المعنى الصحيح لهذه الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله يجهل هذا المعنى كثير ممن ينطقون بهذه الكلمة، ولست الآن في صدد شرح هذا المعنى الصحيح: لا معبود بحق إلا الله، فإنها تستلزم ألا يتوجه المسلم إلى غير الله ﵎ بشيء من العبادات مطلقًا، كما يفعله كثير من الناس اليوم من دعاء غير الله، والنذر لغير الله، والذبح لغير الله، والحلف بغير الله إلى غير ذلك من الأمور كل ذلك ينافي قول المسلم وشهادة المؤمن: لا إله إلا الله، لأن هذه الأمور التي ذكرناها كلها عبادات لا يجوز التوجه بها إلا إلى هذا الإله رب السماوات والأرض.
ومع ذلك فنجد هؤلاء المسلمين الذين أشرنا إليهم يذهبون إلى القبور فيذبحون هناك، وينذرون النذور، وقد يطوفون حول بعض القبور، زعموا استشفاء، طلبًا للاستشفاء ممن لو كان حيًا لما استطاع أن يرد المستشفي به شفاءً
_________________
(١) مشكاة المصابيح (رقم١٧٧).
[ ٢ / ٨٨ ]
لأنه لا شافي إلا الله ﵎، فكيف بهم وهم يطلبون الشفاء من الموتى من الذين أصبحوا ترابًا رميمًا، فهذا مما ينافي شهادة التوحيد هذه.
تكلمنا في هذه الشهادة كما قلنا مرارًا وتكرارًا، والآن أريد أن أتكلم بشيء من التوسع والبسط حول الشهادة الثانية التي لا يتم إيمان المؤمن إلا بها، فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم لم يتبعها بشهادة أن محمدًا رسول الله لم تنفعه الشهادة الأولى، لذلك كان مقررًا بين المسلمين جميعًا أن الركن الأول مما بني عليه الإسلام هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكن هذه الشهادة من الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة لا تنجي صاحبها من الخلود في النار إلا إذا فهمها قبل كل شيء فهمًا صحيحًا، إلا إذا حققها في منطلقه في حياته تحقيقًا صادقًا، فكيف يكون تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله؟ أيكون ذلك بمجرد أن نطيعه في بعض ما أتانا به عن الله ﷿، ونخالفه إلى أمور لم يأت بها رسول الله - ﵌ - عن الله ﵎، هذا ما أريد أن أبينه الآن في هذه الكلمة في هذه الليلة المباركة إن شاء الله.
فإذًا: نعلم أن قول المسلم: وأشهد أن محمدًا رسول الله، أو وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله لا يتحقق هذا المعنى حتى يخلص له ﵊ في اتباعه كما يخلص لربه في توحيده، فمعنى الشهادتين أن تخلص لله ﷿ في عبادته فلا تشرك معه أحدًا في شيء من العبادات كما ذكرنا، وأن تخلص لرسوله ﵊ في اتباعه فلا تشرك معه متبوعًا غيره، ولئن فعل ذلك إنسان فلن يؤمن به إيمانًا خالصًا صادقًا، مصداق هذا الذي أقوله حديث جابر السابق، فقد قال الرسول ﵊ كما سمعتم لعمر: والذي نفسي بيده لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي» فإذا كان موسى ﵊
[ ٢ / ٨٩ ]
وهو الذي كلمه الله تكليمًا وأنزل عليه التوراة، مع ذلك لو كان في زمن الرسول ﵊ ما وسعه إلا إتباعه، فكيف يكون حال من ليس من الأنبياء والرسل، فلابد أن يكون هذا أوجب وأوجب أن يتبع الرسول - ﵌ -، وما معنى أن يتبع الرسول؟ كمعنى يعبد الله، ما معنى يعبد الله؟ أي: لا يعبد غيره، يعبد الله وحده لا شريك له، وما معنى أن يتبع الرسول؟ أي: يتبعه وحده لا يتخذ معه متبوعًا غيره، وذلك لأن موسى نبي الله بل وكليم الله، فهذه الصحيفة التي رآها الرسول ﵇ في يده كأنه يقول له: ألم يكفك ما أتيتك يا عمر من الله من وحي السماء حتى تشرك فيما أتيتك به ما أنزل الله على موسى وقد صار ما أنزل الله على موسى شرعًا منسوخًا، لأن الله ﷿ أنزل القرآن على قلب محمد ﵊، وجعله مهيمنًا مسيطرًا على سائر الكتب والشرائع التي كانت من قبل، فإذا كان موسى بشريعته لا يسعه إلا أن يدع شريعته ويخلص في إتباعه لرسول الله - ﵌ -.
وهاهنا بيت القصيد في هذه الكلمة، فإذا كان موسى لا يسعه إلا اتباع الرسول ﵇ ولا يتبع شريعته؛ تُرى إذا اخترع مخترعٌ ما طريقةً أو منهجًا أو حزبًا أو أي شيئًا آخر لم يأت به رسول الله - ﵌ - فاتبعه فلا يكون حين ذلك قد أخلص للرسول ﵊ في الاتباع، وبالتالي لا يكون حقق معنى هذه الشهادة: وأن محمدًا رسول الله، لأن هذه الشهادة تسلتزم اتباع الرسول فيما أرسله الله به من الحق والنور، فإذا افترضنا أن إنسانًا اتبع غير رسول الله أقول: إذا افترضنا وهذه فرضية واقعة في صور شتى وطرائق قددًا، فإذا فرضنا أن إنسانًا اتبع غير رسول الله - ﵌ - ولو في بعض المسائل وهو يعلم أن الرسول - ﵌ - لم يأت بهذه المسائل من عند الله ﷿، ومع ذلك اتبع هذا الإنسان أو هذه الطريق أو هذا
[ ٢ / ٩٠ ]
المذهب أو الحزب فما يكون مخلصًا في إتباعه للرسول ﵊، وإلا فحينما رأى الرسول ﵇ في يد عمر الصحيفة هل يظن ظان أن عمر أراد أن يستبدل الصحيفة بالشريعة الإسلامية أو أن يعرض عن الشرعية الإسلامية، أو عن الرسالة التي دعاه الرسول ﵇ إليها وصدقه عليها وآمن بها، هل يدعها إلى اتباع التوراة؟ هذا ما لا يحصل في بال الإنسان مطلقًا، إذًا: ما هو الذي أنكره الرسول ﵊ على عمر بن الخطاب حينما قال له تلك الكلمة العظيمة: «أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى» أي: أمنحرفون أنتم عن شريعة الله كما انحرف اليهود والنصارى عن شريعة الله «والذي نفس محمد بيده لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي» فإذا كان عمر لا يعقل أن ينحرف عن اتباع الرسول ﵇ قيد شعرة فما الذي أنكره الرسول ﵊ على عمر؟ ..
الذي خشيه رسول الله على عمر: أن يشرك مع الرسول اتّباعه غيره من الأنبياء والرسل، فماذا نقول للذين يشركون مع الرسول اتّباع غير الأنبياء والرسل؟ هؤلاء أشد إنكار من إنكار الرسول على عمر بن الخطاب رضي الله ﵎ عنه.
إذا عرفنا هذا فالله ﷿ يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الأعراف: ٣) ما معنى قوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ أي: لا تتخذوا أشخاصًا تتبعونهم كما لو كان أنزل عليهم من السماء، أي: كما تتبعون رسول الله - ﵌ -، فاتباع غير رسول الله - ﵌ - معناه شيئان اثنان: أولًا: الشك في أن الرسول ﵊ أدى الرسالة وبلغ الأمانة، ومن شك في هذا فهو كافر ومرتد عن دين الإسلام، والشيء الآخر: الإشراك، إشراك شخص مع الله ﷿ في التشريع، والله ﵎ أنكر أن يكون له شركاء، فيقول عز
[ ٢ / ٩١ ]
وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١).
فلا يجوز لمسلم أن يشرع من عند نفسه شيئًا مهما حقر وصغر، وبالتالي لا يجوز لمسلم أن يتبع هذا المشرع ولو في أدنى مسألة وأحقرها، فالذي يشرع المسألة من عند نفسه أشرك مع الله ﵎، فلم يؤمن بحقيقة لا إله إلا الله، ومن اتبع هذا المشرع من دون الله فقد اتخذه شريكًا مع الله، وبالتالي لم يوحد الرسول في اتباعه وحده ولم يخلص له في ذلك.
ولهذا لما أنزل الله ﷿ على قلب محمد ﵊ قوله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١) كان في المجلس أحد الصحابة ممن كان تعلم القراءة والكتابة، وبالتالي كان تنصر قبل بعثة الرسول ﵇ من بين العرب الوثنيين، ألا وهو عدي بن حاتم الطائي، لما نزلت هذه الآية كان هو قد أسلم وكفر بالنصرانية وآمن بالله ورسوله، ولكنه كان على علم بما كان عليه النصارى، فأشكل عليه قول ربنا ﵎ في حق النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١)، قال: يا رسول الله! والله ما اتخذناهم أربابًا من دون الله، خفي عليه معنى: اتخاذ النصارى الأحبار والقسيسين أربابًا من دون الله، توهموا أن المقصود في هذه الآية أنهم اعتقدوا أن القسيسين والرهبان يخلقون مع الله، فبين له الرسول ﵇ المقصود من هذه الآية، وأنه ليس ذلك الفهم الذي عرض له، فقال له على طريقة السؤال والجواب، قال: ألستم كنتم إذا حرموا لكم حرامًا حرمتموه وإذا حللوا لكم حلالًا حللتموه؟ قال: أما هذا فقد كان، فقال ﵊: ذلك اتخاذكم إياهم أربابًا من دون الله، حينما كان القسيسون يقول هذا حلال فيقولون: حلال، أو قالوا هذا حرام فيقولون حرام، والواقع أن هذا التحريم والتحليل صدر من عند أنفسهم، ولم
[ ٢ / ٩٢ ]
يتنقله بواسطة نبيهم عن ربهم، فبين الرسول ﵇ أن هذا هو معنى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١) فكفرت طائفتان، الطائفة التي حللت وحرمت لنفسها، والطائفة الأخرى التي اتبعتهم على عماها كما يقولون دون بصيرة من شريعة الله ﵎، ولهذا فالمسلم إذا أخلص للرسول ﵊ في الاتباع كان ذلك عصمة له من أن يزل في التوحيد لله ﵎ في عبادته، فكأن توحيد الله في عبادته وإفراد الرسول في اتباعه أمران مرتبطان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فمن أراد أن يكون من المؤمنين الصادقين المخلصين في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فلابد له أن يوحد رسول الله في الاتباع، كما يوحد الله في العبادة، فمن أخل بهذا، أي: من أخل في توحيد الرسول في الاتباع فشأنه شأن من أخل في توحيد الله في العبادة، فكل من التوحيدين إذا صح هذا التعبير توحيد الله في عبادته وتوحيد الرسول في اتباعه ركن من أركان الإسلام، إذا اختل أحدهما انهار هذا الإسلام من أُسه وأصله.
وإذا عرفنا هذا يتبين لنا خطر ما وصل إليه بعض الناس اليوم من الإخلال بهذا الإخلاص لرسول الله في الاتباع، فجعلوا الإخلاص في الاتباع لغير رسول الله - ﵌ -، وأنا أذكر لكم بعض الأمثلة:
هناك بعض المشايخ الطرقيين قديمًا وحديثًا يلقنون أتباعهم ومن يسمونهم بمريديهم مثل الجمل الآتية: المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي غاسله، هذا الكلام نقلوه من رسول الله والمؤمنون به فخصوا به المشايخ لو قال مسلم: المسلم بين يدي الرسول ﵊ كالميت بين يدي الغاسل، فربما يكون فيه شيء من الغلو من حيث التعبير، أما من حيث المعنى فهذا مصداق قول الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا
[ ٢ / ٩٣ ]
في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) هذا التسليم إذا عبر عنه معبر مسلِّم بتلك الكلمة أو لو قال: المسلم بين يدي الرسول كالميت بين يدي الغاسل لكان أصاب هذا المعنى ولو أننا لا نقره في تعبيره، فما بالكم وقد أقروا التعبير والمعنى كليهما معًا وجعلوه لمن؟ لرسول الله، لا لغير رسول الله - ﵌ -، فأين إخلاص الاتباع لرسول الله - ﵌ -، وهم قالوا في غير الرسول من متبعوعيهم ما لم يقولوه لرسول الله - ﵌ -، أضف إلى ذلك كلمة أخرى مشهورة بينهم: من قال لشيخه: لمه لا يفلح أبدًا. بينما نحن نجد أصحاب الرسول ﵇ قد قالوا له في مناسبات شتى: لم يا رسول الله؟ فلم ينكر عليهم، لأنه يعلم أنهم يسألون ليستفسروا عما يكون قد غاب عليهم، أما هؤلاء الذين نسبوهم وأنزلوهم منزلة الرسول المعصوم فقد قالوا فيهم: من قال لشيخه: لمه لا يفلح أبدًا، وليس هذا فقط، بل من قال لشيخه في المنام لمه لا يفلح، وهذا مذكور في كتاب مشهور وهو كتاب إحياء علوم الدين للغزالي الذي يعتقد جماهير الناس اليوم من المثقفين المثقفون يسمونه بحجة الإسلام، حجة الإسلام هذا جاء في كتابه في الإحياء أنا قرأته بنفسي، حكى القصة الآتية: أن شيخًا من الشيوخ في القرن الرابع أن مريدًا له جاءه فقال له: رأيتك في المنام أبكي تأمرني بشيء فقلت لك: لمه؟ هذا في المنام كله، قال المريد لشيخه: لمه؟ قال الراوي للقصة في كتاب الإحياء، فهجره شيخه شهرًا كاملًا لماذا؟ لأن مريده قال له في المنام وليس في اليقظة لمه؟ هجره شهرًا كاملًا، وليت أن حجة الإسلام الغزالي أورد هذه القصة ومر منها مر الكرام، لا، بل وقف عندها متفقهًا مستنبطًا كما يفعل الفقيه المسلم في كتاب الله وفي حديث رسول الله، فقال: دلت هذه القصة على أن هذا المريد كان في قلبه زغل ضد شيخه، لمه؟ لأنه لو كان قلبه صافيًا مع شيخه لم ير في منامه نفسه يقول له لمه؟ مع أن كل عالم يعلم أن الرؤيا التي يراها المسلم فهي تحتمل أن تكون واحدة من
[ ٢ / ٩٤ ]
ثلاثة كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «الرؤى ثلاثة: فرؤيا من الرحمن، ورؤيا من تهاويل الشيطان، أي: من تلاعبه بالإنسان، ورؤيا من تحديث النفس» (١)،
فلم فسرت رؤيا هذا المريد المسكين بالتآويل بتأويل واحد من هذه التأويل، أي: أن نفسه كانت تحدثه في أثناء النهار بالاعتراض على شيخه فرأى هذا في منامه، مع أنه من الممكن أن تكون هذه الرؤيا من تهاويل الشيطان، بل لعل الشيطان أراد بهذه القصة أن يدل الشيخ نفسه قبل المريد، ولا شك أن الشيخ حينما يهجر تلميذه المخلص له في الاتباع لأنه قال له في المنام: لمه؟ لا يكون متبعًا للشرع، بل يكون ظالمًا له وأن قوله له: لمه لو صدر في قيد حياته في صحته وفي يقظته لم يكن في ذلك أي خطأ، (وأيًّا كان) فلا يجوز أن يهجر، لماذا؟ لأن الرسول ﵊ يقول: «لا يحل لرجل مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث-ثلاثة أيام- يلتقيان فيعرض هذا عن هذا، ويعرض هذا عن هذا، وخيرهما الذي يبادر أخاه في السلام» (٢) فإذا كان الرسول يُقرِّر أنه لا يجوز هجر المسلم إلا ثلاثة أيام فما فوق ذلك حرام، فكيف يجوز للشيخ العالم ذي الأخلاق الكريمة ومنها التواضع والألفة والمعشر الحسن، كيف يجوز أن يهجر أخاه المسلم ليس ثلاثة أيام بل شهرًا كاملًا لمجرد أنه قال له في المنام: لمه؟
فانظروا كم انحرف المسلمون عن إخلاص الاتباع للرسول ﵇، بل لقد انعدم هذا الاتباع بالكلية من أمثال هؤلاء، حيث نقلوه من اتباع الرسول إلى اتباع الشيخ، ولذلك وقعنا في المشكلة التي نحياها اليوم، إذا قلت لإنسان: إذا قلت لإنسان قال الله قال رسول الله كان الجواب: قال شيخي كذا، ذلك لأن
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٣٥٣٤) ..
(٢) البخاري (رقم٥٧٢٧) ومسلم (رقم٦٦٩٧).
[ ٢ / ٩٥ ]
الإخلاص في الاتباع قد فقدوه، بل أحلوا محله متبوعين آخرين ألا وهم المشايخ، أي: مشايخ الطرق، هذا مثال.
ومثال آخر له علاقة في واقعنا وحياتنا القريبة اليوم، فقد انقسم مع الأسف الشديد المسلمون انقسامات جديدة، وانقسموا إلى أفكار حديثة، وكل يدعي بأنه ينصر الإسلام، ويريد أن يقيم صرح الإسلام شامخًا عاليًا، ومع ذلك إذا ما دعوا إلى الله ورسوله قال كل من الأحزاب: نحن رأينا هكذا، فأين تحقيق الاتباع للرسول ﵇ إذا قيل لهم: قال رسول الله - ﵌ - في الحديث الصحيح وهذا معروف لدى الجميع: «تفرقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلى واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة» في رواية مفسرة مبينة: «هي ما أنا عليه وأصحابي» كلهم يعلمون هذا الحديث، فإذا دعوتهم إلى اتباع السلف الذين هم الميزان في معرفة الفرقة الناجية من الفرق الهالكة في قول الرسول ﵇ حينما سئل: من هي هذه الفرقة الناجية؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي.
فإذًا: حينما يدعى المسلم إلى تحقيق الاتباع «انقطاع صوتي»
عن الإخلاص في اتباع الرسول ﵇ كان يقول لهم: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق، أي: عليكم ما كان عليه الرسول ﵊ دون زيادة أو نقصان، وقد جاء عنه في قصة صحيحة وفيها عبرة وبيان سبب هذه الكلمة: اتبعوا ولا تبدعوا، فقد كفيتم عليكم بالأمر العتيق، روى الإمام الدارمي في سننه بالسند الصحيح عنه أن أبا موسى الأشعري جاء إلى داره، فذات يوم خرج والناس ينتظرونه ليخرجوا معه إلى المسجد، فقال لهم: أخرج أبو عبد الرحمن؟ أبو عبد الرحمن كنية عبد الله بن مسعود، قالوا: لا، فجلس ينتظر
[ ٢ / ٩٦ ]
حتى خرج ابن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن! لقد رأيت في المسجد آنفًا شيئًا أنكرته، ومع ذلك والحمد لله لم أر إلا خيرًا، قال: ماذا رأيت؟ قال: إن عشت فستراه، رأيت أناسًا حلقًا حلقًا، وفي وسط كل حلقة منها رجل يقول لمن حوله: سبحوا كذا، كبروا كذا، احمدوا كذا، وأمام كل واحد منهم حصى يعد فيه التسبيح والتكبير والتحميد، قال ابن مسعود: أفأنكرت عليهم؟ قال: لا، انتظار أمرك أو انتظار رأيك، فعاد ابن مسعود إلى داره، وخرج متقنعًا لا يرى إلا عيناه، ثم انطلق إلى المسجد فوقف على أصحاب الحلقة، حتى رأى ما ذكر له أبو موسى، فكشف عن وجهه اللثام وقال: أنا عبد الله بن مسعود، صحابي رسول الله - ﵌ -، ويحكم ما هذا الذي تصنعون؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! حصى، يعني: بالتعبير العامي: ما فيها شيء، شغلة بسيطة، حصى نعد به التسبيح والتكبير والتحميد، قال: عدوا سيئاتكم وأنا الضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم ما أسرع هلكتكم، هذه ثيابه - ﵌ - لم تبل، وهذه آنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده! أئنكم أهدى من أمة محمد - ﵌ - أو إنكم متمسكون بذنب ضلالة. فقالوا: والله يا أبا عبد الرحمن يقولون معتذرين عما فعلوا: ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لا يصيبه، إن محمدًا - ﵌ - حدثنا إن أقوامًا يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال شاهد القصة وراويها: فلقد رأينا أولئك الأقوام أصحاب الحلقات قال: رأيناهم يقاتلوننا يوم النهروان، أي: أصبحوا من الخوارج ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقاتلهم حتى استأصل شأفتهم إلا قليلًا منهم، هذه
القصة وقعت لعبد الله بن مسعود الآمر بقوله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق.
يعني: أن الرسول ﵇ قد جاءكم بشريعة كاملة تامة فما معنى إحداث
[ ٢ / ٩٧ ]
عبادات من بعده إلا الاستدراك عليه ونسبة الرسول ﵊ إلى أنه لم يؤد الأمانة ولم يبلغ الرسالة، وإلا فمن كان مؤمنًا بأن هذه الشريعة كاملة تامة فكيف يلتقي مع إيمانه هذا أن يحدث بدعًا وأمورًا وعبادات لم تكن في عهد الرسول ﵊، هذه أمور متناقضة متنافرة، أن يؤمن الإنسان بأن الشريعة كاملة ثم هو يأتي بزيادات يلحقها بها فهذه الزيادات بلا شك ليست منها، لذلك كان أصحاب الرسول ﵇ ينكرون أشد الإنكار الإحداث في الدين، لأنهم يجزمون ويقطعون بأن هذا الإحداث في الدين ينافي قول رب العالمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) فالزيادة على هذا الإسلام ينافي هذه الآية الكريمة، حيث امتن الله ﷿ بأنه أكمل علينا النعمة بإتمام الدين.
ومن عجائب الأمور والجحد بأهمية هذه النعمة -من رب العالمين- من المؤمنين بشريعته يغفلون عن هذا بينما ينتبه الكافرون بالشريعة الإسلامية فيعرفون قدر تمام هذه الشريعة وفضل وأهمية امتنان الله ﷿ على عباده بهذه الآية الكريمة، ذلك أن رجلًا من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب في خلافته فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتاب الله-يعني: في القرآن- لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، آية عندكم يا معشر المسلمين آية في كتاب الله في القرآن الكريم يقول الرجل اليهودي: لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال عمر: ما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) قال عمر: إنها نزلت في يوم عيد، نزلت يوم جمعة وفي عرفات، الغاية أن هذا اليهودي عرف أهمية هذه الآية الكريمة، لأن الله يمتن فيها على عباده بأنه أتم الدين على المسلمين، فهذه نعمة كبرى لازم تتخذوا يوم نزولها عيدًا، فأجابه عمر قد فعلنا لأنها نزلت في يوم جمعة
[ ٢ / ٩٨ ]
وهو عيد في الأسبوع للمسلمين، وزيادة على ذلك ورسول الله في عرفات، في حجة الوداع، فهذا اليوم يوم العيد الأسبوعي الذي نزلت فيه هذه الآية الكريمة أين المسلمون اليوم الذين يقدرون هذه الآية وما فيها من النعمة من رب العالمين على المسلمين فيقفون عند تمام الإسلام ولا يزيدون عليه من هذه الزيادات التي شوَّهت جمال الإسلام، وضيعت صورته الحقيقية عن أعين الناس وبصائرهم، ولذلك بدءوا ينصرفون عنه بأنه ليس هو هذا الإسلام بصورته الكاملة الحقيقية التي أنزلها ربنا ﵎ على نبيه ﵊.
ولقد أكد الرسول ﵇ معنى هذه الآية الكريمة حين قال: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» (١) لهذه المعاني التي أدركها أصحاب النبي - ﵌ - كانوا ينهون أشد النهي عن الابتداع في الدين، لمنافاة الابتداع لكمال الدين ولمنافاة الابتداع لكون المشرع رب العالمين ولمنافاة الابتداع لكون المتبوع هو محمد رسول الله فقط ليس إلا؛ كما يقال.
من تلك الآثار التي وردت عن الصحابة الكبار ﵃ قول حذيفة بن اليمان: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - ﵌ - فلا تتعبدوها» ومن ذلك وهو أوضح في إنكار الزيادة في الدين قول عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» فأين نحن اليوم من هذه الأقوال السلفية، لقد ابتعدنا جدًا وخالفنا هذا الخط إلى خط آخر فبينما أصحاب الرسول ينهون عن الزيادة في الدين إذا بنا نحن نقرر بكل جرءة أن الزيادة في الدين لا بأس
_________________
(١) السلسلة الصحيحية (٤/ ٤١٦ - ٤١٧).
[ ٢ / ٩٩ ]
فيه؛ لأن فيه بدعة حسنة يقولون، وهذا ابن عمر يصرح فيقول، أولًا يروي قول الرسول: «كل بدعة ضلالة» هذا حديث مشهور معروف، ويفسر هذه الجملة من حديث الرسول فيزيد بيانًا فيقول: «وإن رآها الناس حسنة» «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» لمه؟ لأن الاستحسان كما قال الإمام الشافعي: "من استحسن فقد شَرَّعَ"، لأن الاستحسان لا يجوز أن يكون من إنسان لا يدري الغيب والشرع غيب، ولولا ذلك ما كان هناك من حاجة أن يبعث الله ﷿ الرسل وينزل الكتب إذا كان كل إنسان يستحكم لعقله، عرف هذه الحقيقة أصحاب الرسول ﵇ فأمروا من جاءوا بعدهم بأن يخلصوا للرسول ﵊ بالإتباع ولا يزيدوا على ما جاء به ﵊.
هذه كلمة وهي تحتمل البسط والزيادة أكثر وأكثر، ولكني أخشى أن يتسرب إليكم الملل، فأكتفي بهذا القدر.
" الهدى والنور" (٤٥٥/ ٠٨: ٠٠: ٠٠ طريق الإسلام)
[٩٣] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«لا والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني».
(حسن).
[قال الإمام]:
قلت: فإذا كان مثل موسى كليم الله لا يسعه أن يتبع غير النبي - ﵌ - فهل يسع ذلك غيره؟ فهذا من الأدلة القاطعة على وجوب إفراد النبي - ﵌ - في الاتباع، وهو
[ ٢ / ١٠٠ ]
من لوازم شهادة «أن محمدًا رسول الله»، ولذلك جعل الله ﵎ في الآية المتقدمة أتباعه - ﵌ - دون سواه دليلًا على حب الله إياه، ومما لا شك فيه أن من أحبه الله كان الله معه في كل شيء، كما في الحديث القدسي الصحيح: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه » (البخاري).
وإذا كانت هذه العناية الإلهية إنما هي بعبده المحبوب من الله، كان واجبًا على كل مسلم أن يتخذ السبب الذي يجعله محبوبًا عند الله، ألا وهو اتباع رسول الله - ﵌ - دون سواه، وبذلك فقط يحظى بالعناية الخاصة من مولاه ﵎، ألست ترى أنه لا سبيل إلى معرفة الفرائض وتمييزها عن النوافل إلا باتباعه - ﵌ - وحده؟
وإن مما لا شك فيه أن المسلم كلما كان بسيرة رسول الله - ﵌ - أعلم، وبمحاسنه وفضائله أعرف، كان حبه إياه أكثر، واتباعه إياه أوسع وأشمل.
"تحقيق بداية السول" (ص ٦).
[٩٤] باب معنى الشهادتين
[قال الإمام]:
الشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ .. الشهادة الأولى تعني: ألا تعبد إلا الله، والشهادة الأخرى تعني: ألا تعبد الله إلا بما جاءك به رسول الله، فهما شهادتان وهما توحيدان، هذا أيضًا اصطلاح ..، توحيدان: توحيد الله في العبادة،
[ ٢ / ١٠١ ]
وتوحيد الرسول في الاتباع، فكما أننا لا نعبد مع الله أحدًا ولا نشرك به شيئًا كذلك لا نتخذ مع نبينا متبوعًا آخر، فهو متبوعنا لا سواه، وهو ربنا لا نعبد غيره.
"الهدى والنور" (٦٥٠/ ١٤: ٢٠: ٠١)
[٩٥] باب بيان مقتضيات الشهادتين
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٠، ٧١) أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - ﵌ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
كلمتي في هذه الليلة الطيبة إن شاء الله والمباركة في كلمتين خفيفتين قصيرتين جدًا، لكنهما يجمعان الإسلام كله، هما: ألا نعبد إلا الله، وهذا كلكم تعرفونه مع غفلة عن كثير من حقائق هذه العبادة.
[ ٢ / ١٠٢ ]
أما الأخرى فكثير من الناس لا يعلمونها وهي بعد أن قلنا في الكلمة الأولى: ألا نعبد إلا الله، أما الكلمة الأخرى: ألا نعبده إلا بما شرع الله، ألا نعبد إلا الله وألا نعبده إلا بما شرع الله.
إذًا هما حقيقتان شرعيتان هامتان جدًا جدًا، لا يكون المسلم مؤمنًا إلا بعد أن يحقِّق معنى هاتين الكلمتين في نفسه وقلبه وإيمانه، هما: ألا نعبد إلا الله. هذه الأولى. والأخرى: ألا نعبده إلا بما شرع الله.
فهاتان الكلمتان هما خلاصة الشهادتين اللتين قال فيهما رسول الله - ﵌ -: «أمرت أن أقاتل الناس-كل الناس من الكفار-حتى يشهدوا ألا إله إلا الله» هي الكلمة الأولى.
«وأن محمدًا رسول الله» هي الكلمة الأخرى «إلا بحسابها، إلا بحقها وحسابهم عند الله ﵎».
كثير من الناس لا يعلمون حقيقة هاتين الشهادتين اللتين لا يمكن لكافر أن يُقبل إسلامُه إلا بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كلنا يعلم هذه الحقيقة أن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكن الكثير من المسلمين لا يعلمون ما تتطلبه هاتان الشهادتان، الأولى لا إله إلا الله، والأخرى محمد رسول الله.
أريد أن أدير كلمتي هذه في هذه الليلة حول الشهادة الثانية: وأن محمدًا رسول الله، مع الإيجاز من البيان في الشهادة الأولى لا بد منه.
فقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» تعني أول ما تعني: ألاَ معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، تعني: أن يخلص المسلم
[ ٢ / ١٠٣ ]
عبادته لله ﷿ فلا يشرك في عبادة الله مع الله أحدًا. وهذا له بحثه الطويل، ولعلنا تعرضنا له أكثر من مرة، لكن أردت إيجاز الكلام في هذه الكلمة الطيبة أن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ليس معناها كما قد يتوهم البعض: لا إله أي: لا رب، هذا معنىً قاصر، الإله هو المعبود، أما الرب فقد يطلق على الخالق ﷾ الذي هو رب البيت وهو رب العالمين ورب العرش العظيم ونحو ذلك، وقد يطلق على رب المال صاحب المال وصاحب الدار ونحو ذلك.
فليس المقصود من الكلمة الطيبة هذه: لا إله إلا الله بمعنى: لا رب إلا الله فقط، لا. وإنما المقصود: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ولذلك فكلمة التوحيد هذه لا تفيد صاحبها شيئًا مما يرجى لقائلها يوم لقاء الله ﷿ من النجاة في الخلود في النار إلا إذا فهم معنى الإله في هذه الشهادة، في هذه الكلمة الطيبة الإله هو المعبود الحق، فلا يعبد مع الله غيره ﵎.
هكذا معنى كلمة التوحيد، ذلك لأن المشركين كانوا بنص القرآن الكريم، كانوا بنص القرآن الكريم يشهدون أن خالق السماوات والأرضين هو الله، قال ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزمر: ٣٨).
فلا يكفي المسلم إذًا أن يقول: إن الله هو الخالق هو الرازق وهذا لا بد منه، لكن يجب أن يضم إلى اعتقاده بأنه لا رب إلا الله، ولا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا معبود في الوجود بحق إلا الله ﵎، وبذلك يقوم بحق هذه الكلمة الطيبة.
قلت آنفًا: أُوجز الكلام في هذه الكلمة الطيبة لأنني تعرضت لذلك أكثر من مرة، أريد أن أخصص قليلًا من جلستنا هذه حول الشهادة الثانية وهي: وأن محمدًا رسول الله.
[ ٢ / ١٠٤ ]
قلت: هما كلمتان: لا نعبد إلا الله هذا معنى لا إله إلا الله. والكلمة الثانية: لا نعبد الله إلا بما شرع الله، فإذا عبدنا الله بما شرع الله فقط يكون صدقنا وآمنا حقيقة حينما نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أما إذا وسعنا دائرة العبادة فعبدنا الله ﷿ بما لم يشرع ربنا ﷿ في القرآن ولا في السنة فلا نكون قد آمنا حقيقة بالشهادة الثانية: وأن محمدًا رسول الله. لم؟ لأن إيماننا بأن محمدًا رسول الله يعني أمرين اثنين:
الأمر الأول: أنه مبعوث رسولًا من رب العالمين لكافة الناس بشيرًا ونذيرًا، رسولًا يعني برسالة هي رسالة الإسلام.
والأمر الآخر: أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ولم يدع لأحد شيئًا يستدركه عليه - ﵌ -، ولذلك قال ربنا ﵎ مؤكدًا لقيامه - ﵌ - بحق كونه رسولًا وبذلك نشهد فنقول: وأن محمدًا رسول الله.
وقد نزلت آية عظيمة جدًا جدًا ورسول الله - ﵌ - على عرفة وفي حجة الوداع تأكيدًا لهذا المعنى أن النبي - ﵌ - أدى الرسالة كاملة غير منقوصة، فقال ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣).
نزلت هذه الآية الكريمة ورسول الله - ﵌ - على عرفة ويوم جمعة، ولقد عرف قيمة هذه الآية الكريمة، هذه النعمة العظيمة الذي امتن الله ﵎ بها على عباده بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) إلى آخر الآية.
وقد عرف هذه الحقيقة حبر من أحبار اليهود كان قد أسلم هداه الله ﷿
[ ٢ / ١٠٥ ]
إلى الإيمان بالله ورسوله ألا وهو كعب الأحبار على قلة من أسلم من اليهود، فلما عرف مما درس من كتاب الله هذه الآية الكريمة جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتاب الله لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا يوم نزولها عيدًا. قال عمر: ما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) إلى آخر الآية.
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد نزلت في يوم عيد يوم الجمعة ورسول الله - ﵌ -
على عرفة.
لقد صدق ظن كعب الأحبار حينما أحس بعظمة هذه الآية حينما قال: لو نزلت على اليهود لاتخذوا يوم نزولها عيدًا، فأخبره عمر بأن المسلمين يعيدون في هذا اليوم فعلًا ألا وهو يوم الجمعة ويوم عرفة أيضًا.
الغرض من تقديم هذه الرواية الصحيحة- وهي في صحيح البخاري- هو تذكير المؤمنين بالله ورسوله حقًا، بعظمة هذه النعمة التي امتن الله بها على عباده حينما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) لكن المسلمين إلا قليلًا منهم لم يعرفوا قيمة هذه النعمة، ولم يقدروها حق قدرها، لم؟ لسببين اثنين، أحدهما يعود إلى الفكر والآخر يعود إلى العمل الذي هم عليه.
أما الفكر فإننا إلى اليوم نعيش في مشكلة فقهية مخالفة لما تنص عليه هذه الآية الكريمة من أن الدين أكمله الله ﷿ على رسوله - ﵌ -، نعيش في مشكلة، مشكلة أن العبادات التي يتعبدها المسلمون اليوم كثير منها ليس من الدين بشيء، ليس من الإسلام بسبيل مع أننا سمعنا آنفًا أولًا الآية وأنها نزلت في يوم عيد ورسول الله - ﵌ - على جبل عرفات وفي حجة الوداع.
هذه النعمة عظيمة ما قدرها كثير من المسلمين حق قدرها، ولو أنهم قدروها
[ ٢ / ١٠٦ ]
حق قدرها لوقفوا عند ما شرع الله على لسان رسول الله - ﵌ -، لست أعني فقط أن هناك قوانين ودساتير وضعت لم توضع على كتاب الله وعلى حديث رسول الله - ﵌ -، لأن هذه الدساتير والقوانين لم يضعها علماء المسلمين وفقهاء المسلمين المتعبدون المخلصون لدينهم، وإنما هي فرضت عليهم، وإنما أعني أفراد المسلمين الصالحين منهم الذين يقومون الليل ويصومون النهار ومع ذلك فهم لا يقفون عند هذه النعمة من كمال الدين، فيتعبدون الله ﷿ بما لم يأتِ في الدين ولم يبينه رسول رب العالمين.
هذا الذي أردت توضيحه بعد ذلك الإجمال حينما قلنا: أصلان لا بد لكل مسلم أن يدين الله بهما، الأصل الأول: ألا يعبد إلا الله. والأصل الثاني: ألا يعبده إلا بما شرع الله، لم؟ لأن الدين قد أكمله الله ﵎.
هذه الحقيقة-مع الأسف-غائبة عن أذهان كثير من المسلمين المتعبدين والمتفقهين، ذلك لأن الإسلام اليوم وقد مضى عليه أربعة عشر قرنًا قد دخل فيه مع الزمن ما ليس منه، ولذلك جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﵌ - والآثار السلفية تحذر من الإدخال لشيء ما في الدين باسم التقرب إلى الله ﵎، ذلك لأن الله ﷿ قد كفانا مؤنة الإحداث والإدخال في الدين ما لم يكن منه كما سمعتم آنفًا من الآية التي نزلت في عرفة.
وأكد النبي - ﵌ - هذا المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة في بعض الأحاديث الصحيحة التي منها قوله - ﵌ -: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله ويبعدكم عن
النار إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» إذًا انتهى باب العبادة، فلا سبيل لأن يتعبد المسلم إلا بما جاءنا به
[ ٢ / ١٠٧ ]
رسول الله - ﵌ -.
من أجل هذا جاءت الأحاديث الكثيرة والكثيرة جدًا وكذلك الآثار عن الصحابة والسلف الصالح، تنهى المسلمين من الإحداث في الدين، تنهاهم نهيًا مطلقًا دون أن يدخل هذا النهي شيء من التخصيص أو التقييد، وبعض هذه الأحاديث معروفة ولكن قل من يقف عند دلالتها العامة.
فآنفًا افتتحت كلمتي هذه بخطبة الحاجة التي كان رسول الله - ﵌ - يفتتح بها خطبه، وفيها: خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - ﵌ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
هذه الكلية كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؛ لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله حقًا أن يعارض هذه الكلية وأن يقول: لا، ليست كل بدعة ضلالة أو ليس كل بدعة ضلالة، كيف يقول هذا مسلم يؤمن بالله ورسوله حقًا يعارضه ويشاققه ويشاكسه ويقول: كل بدعة ضلالة هكذا يقول رسول الله، ثم هناك من يقول: لا، البدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة حسنة وبدعة سيئة. هذه قسمة ضيزى يجب على كل مسلم ألا يؤمن بها، لأنها تنافي إيمانه بقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
عجيب جدًا أن يوجد في بعض المسلمين من يشاقق الرسول في هذه الكلمة، هو يقول: «كل بدعة ضلالة» وذاك المسلم يقول: هناك البدعة تنقسم إلى قسمين: حسنة وسيئة. ماذا يقال في من يقول في حديث الرسول ﵇ آخر فيه مثل هذه الكلية.
[ ٢ / ١٠٨ ]
قال - ﵌ -: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (١) هل يعقل أن يقول مسلم: هذا الكلام مقسوم إلى قسمين؟ ليس كل مسكر خمر، بل منه ما هو خمر ومنه ما ليس بخمر. هذا لا يتصور أن يصدر من مسلم إلا سهوًا، إلا خطأً هذا ممكن.
أما أن يصبح شريعة مستمرة في أذهان المسلمين بل وأكثر المسلمين بسبب زلة وقع فيها عالم فهنا تكمن المشكلة، ممكن أن يقول قائل خطأً وسهوًا ما يخالف القرآن والسنة، ولكن لا يمكن أن تصبح هذه المخالفة شريعة وعبادة مستمرة طيلة هذه السنين الطويلة.
فمن يقول في قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة» ليس كل بدعة ضلالة وإنما هي بدعة حسنة وبدعة سيئة مثله من يقول في قوله ﵇ الآخر: «كل مسكر خمر» فيقول ذلك الذي قسم البدعة إلى قسمين أيضًا يقول: ليس كل مسكر خمر، وإنما منه ما هو خمر ومنه ما ليس بخمر.
سبحان الله! كيف يتجرأ المسلم أن يقول بهذه القسمة الضيزى؟ والله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥).
الأحاديث التي جاءت عن رسول الله - ﵌ - تحذر من كل عبادة لم يشرعها الله على لسان رسول الله أكثر من أن تحصر.
ذكرت لكم آنفًا الحديث الذي يعم كل بدعة بأنها ضلالة، والآن أذكركم بحديث آخر هي وصية الحبيب - ﵌ - لأصحابه في موعظة وعظ بها أصحابه عليه
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم٥٣٣٦).
[ ٢ / ١٠٩ ]
الصلاة والسلام، كما قال العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه وهو كان من فقراء الصحابة الذين كانوا يأوون إلى الصُّفَّة لا همَّ لهم إلا صحبة النبي - ﵌ - والاستفادة من علمه ﵊، قال: «وعظنا رسول الله - ﵌ - موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها وصية مودع فأوصنا وصية لا نحتاج إلى أحد بعدك أبدًا. قال ﵊: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة» هذه
أيضًا كلية.
«فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ثم جاءت أحاديث النبي - ﵌ - الأخرى بألفاظ تختلف عن لفظ الكل لكنها تؤيد معنى الكل المذكور في هذا الحديث وفي ما قبله، من ذلك مثلًا قوله ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) هذا أيضًا يعني تلك الكلية التي جاءت في الحديثين المذكورين آنفًا، لأنكم علمتم من آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) أن الدين قد كمل، فمن أحدث في هذا الدين شيئًا [فهورد] يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي: مردود على الذي أحدث تلك المحدثة لأن الدين كمل والحمد لله كما في آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣).
فإذًا كلما ذكرنا حديثًا ولو لم يكن فيه لفظ: «كل بدعة»، لكنه يؤيد هذه الكلية
_________________
(١) البخاري (رقم٢٥٥٠) ومسلم (رقم٤٥٨٩).
[ ٢ / ١١٠ ]
كل التأييد، من ذلك مثلًا حديث الرهط (١) الذين جاءوا إلى النبي - ﵌ - وهم ثلاثة رجال فلم يجدوه فسألوا أهله ﵊ عن عبادته، عن قيامه وصيامه وقربانه لنسائه، فذكرن ما يعلمن من ذلك عن النبي - ﵌ -، فقلن: إنه ﵊ يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء. فلما سمع الرهط كلام نساء النبي - ﵌ - تقول أو يقول راوي الحديث وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: لما سمعوا ذلك تقالوها، أي: وجدوا عبادة الرسول قليلة. سبحان الله! رسول الله الذي قام حتى تفطرت وفي لفظ: تشققت قدماه، يقول هذا الرهط أن عبادة الرسول ﵇ قليلة، لماذا؟ هنا الشاهد وهنا النكتة يا إخواننا فانتبهوا.
إنهم كانوا يتوهمون أن التقرب إلى الله ﵎ إنما يكون بالترهب أي: بأن ينذر المسلم نفسه لعبادة الله فقط ولا يهتم بشيء من أمور الدنيا، لا يهتم بشيء يتعلق بنسائه وأولاده، هكذا هم تصوروا. وهذا بلا شك تصور مخالف للإسلام الذي من أقواله ﵊: «لا رهبانية في الإسلام» (٢).
من أجل هذا التوهم الخاطئ وجدوا عبادة الرسول ﵇ قليلة، ومن ذلك رجعوا إلى أنفسهم يقولون: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لسان حالهم يقول: لماذا لا يتمتع الرسول بنسائه؟ لماذا لا يتمتع النبي ﵇ بنومه؟ لماذا لا يتمتع الرسول بطعامه وشرابه؟ إذًا هو كان يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء أي: يغتسل منهن.
هم تصوروه ﵇ حسب تصورهم الخاطئ أنه قائم الليل كل الليل،
_________________
(١) البخاري (رقم٤٧٧٦) ومسلم (رقم٣٤٦٩).
(٢) الصحيحة (٤/ ٣٨٥).
[ ٢ / ١١١ ]
أنه صائم الدهر كل الدهر وأنه لا يقرب النساء، كما قال بعض القدامى: ضاع العلم بين أفخاذ النساء، فتصوروا الرسول ﵇ أنه لا علاقة له بهذه الدنيا، ثم عادوا يعللون تلك القلة من رسول الله - ﵌ - بعلة لو أنهم صمموا عليها وأصروا عليها ولم يعودوا إلى سنته ﵇ لضلوا ضلالًا بعيدًا، لأنهم قالوا: ولماذا رسول الله يتعب نفسه فيصلي الليل كله ويصوم الدهر؟ ما في حاجة، الله غفر له وكما يقال في بعض البلاد: حَط رجليه بالماء البارد واستراح.
هذا طعن في عبادة الرسول ﵇، وهو الذي جاء في صحيح البخاري من حديث جماعة من أصحاب النبي - ﵌ - ومنهم المغيرة بن شعبة، قال: «قام رسول الله - ﵌ - حتى تفطرت قدماه. قالوا: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» كأنهم يقولون له: ارفق بنفسك، اشفق عليها، لماذا تقوم هكذا حتى تشققت قدماه؟ فكان جوابه ﵇ كما هو المفروض في سيد البشر وأفضل البشر وأكمل البشر قاطبة، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا، أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١).
إذًا رسول الله - ﵌ - حينما نسبه ذلك الرهط إلى الإقلال في العبادة كانوا مخطئين كل الخطأ، كانوا متوهمين لأنهم كانوا أو لأنهم كانوا يحمدون في فكرهم الرهبانية التي ليست من الإسلام، بناءً على ذلك الوهم القائم في أذهانهم وبعد أن علَّلوا قلة عبادة نبيهم أن الله غفر له وانتهى الأمر، قالوا: أما نحن فنحن لا نعلم أن الله ﷿ قد غفر لنا فما هو السبيل لنحصل مغفرة ربنا ﷿؟ تعاهد الثلاثة بعضهم مع بعض على ما يأتي.
_________________
(١) البخاري (رقم١٠٧٨).
[ ٢ / ١١٢ ]
أما أحدهم فقال ناذرًا قال: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر. قال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام. أما الثالث قال: أما أنا فلا أتزوج النساء، وانصرفوا متعاهدين على أن يقوم كل واحد منهم بما عاهد الله عليه من قيام الليل كله، من صيام الدهر كله، من اجتناب النساء بالكلية وانصرفوا هكذا.
ولما جاء رسول الله - ﵌ - إلى نسائه وأخبرنه الخبر دخل المسجد وجمع الناس وخطبهم وقال. قال ﵊: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا» يعني: .. أقوال عرفتموها فلا حاجة لإعادتها، لكن الشاهد في ما يأتي.
«أما إني أتقاكم لله وأخشاكم لله، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» الشاهد من هذا الحديث كله الجملة الأخيرة بعد أن عرفتم سبب ورودها، هذه الجملة الأخيرة مع الأسف أكثر المسلمين المتعبدين لا أعني الزاهدين في عبادة الرسول ﵇ والمعرضين عنها بالكلية، إنما أعني الزاهدين المتعبدين الراغبين في الآخرة، قال في خاتمة الحديث: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» انتهى الحديث، وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.
أريد أن أقف قليلًا معكم عند قوله: «سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني» لعل الكثيرين منكم قرؤوا شيئًا من الفقه على أي مذهب من المذاهب الأربعة المتبعة من جماهير المسلمين أهل السنة والجماعة، ويقرؤون في هذه الكتب تقسيم العبادات إلى أقسام منها فرض ومنها سنة، ولا أزيد على هذا-لأن هنا الشاهد-.ويعرفون السنة من حيث ثوابها ومن حيث حكم تاركها بأن من فعلها أثيب عليها دون ثواب الفريضة، ومن تركها لا يعاقب عليها، بعضهم يزيد-
[ ٢ / ١١٣ ]
والزيادة لا أصل لها- لا يعاقب عليها لكن يزيد فيقول: لكنه يعاتب من رسول
الله - ﵌ -.
هذه الزيادة وهي قول بعضهم: أن من ترك سنة من سنن النبي - ﵌ - التي هي ليست بفريضة ولا هي أيضًا بواجبة بالنسبة لرأي الحنفية الذين يفرقون بين الفرض والواجب فهي دون الفرض ودون الواجب يقولون قولة الحق: لا يعاقب تاركها، لكن يزيدون فيقولون: يعاتب تاركها. هذا العتاب ليس له أصل لا في كتاب الله ولا في حديث رسول الله - ﵌ - ولا في أثر من الآثار الواردة عن السلف الصالح ﵃ أجمعين، وإنما على العكس من ذلك أذكركم بحديث ذلك الأعرابي الذي سأل النبي - ﵌ - عن ما فرض الله عليه في كل يوم وليلة، فقال: «خمس صلوات. فلما قال له: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. فقال ﵊: أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق» (١) فأين هذا العتاب المُدَّعى؟ هذه كلمة كما يقال على الماشي، لكن الذي أريد أن أدندن حوله هو: هل السنة في هذا الحديث المتفق عليه هو بمعنى السنة التي ليست بفريضة ولا واجبة؟ الجواب: لا. هذا اصطلاح اصطلح الفقهاء ولا مشاحة كما يقول العلماء في الاصطلاح، اصطلحوا في سبيل بيان الأحكام وتوضيحها للناس فقسموا الأحكام إلى خمسة، قسموا العبادات أو الأحكام إلى خمسة فقالوا فرض وقالوا سنة وقالوا مستحب ونحو ذلك.
ليس المقصود في قوله ﵇: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ليس المقصود بالسنة في هذا الحديث الصحيح هي السنة المصطلح عليها وهي التي
_________________
(١) البخاري (رقم٤٦) ومسلم (رقم١٠٩).
[ ٢ / ١١٤ ]
دون الفرض، وإنما المقصود بهذه السنة في الحديث الصحيح: الطريق والمنهج والشريعة التي سار عليها الرسول ﵊ بما فيها من أحكام حتى المباح، آخر حكم من الأحكام الخمسة المباح، فكما لا يجوز لمسلم أن يحرم ما أباح الله كذلك لا يجوز لمسلم أن يحلل ما حرم الله، كذلك لا يجوز لمسلم أن يشرع للناس فيقول لهم: هذه سنة، أو أن يقول لهم وهنا بيت القصيد: هذه سنة أو بدعة حسنة، لا يجوز أن يقول هذا الكلام لما سبق بيانه أن النبي - ﵌ - ذم البدعة الدينية، وأرجو أن تنتبهوا لهذا القيد، لأن كثيرًا من الناس الغافلين أو الجاهلين حينما يقال لهم: هذه بدعة فلا تفعلها يقول: الذي لابسه أنت كله بدعة، الذي راكب السيارة هي بدعة، هذا من جهلهم أتوا لأنكم عرفتم آنفًا أن البدعة التي ذمها النبي - ﵌ - ذمًا مطلقًا وحكم على صاحبها بأنه على ضلالة إنما عنى البدعة في الدين بدليل قوله في الحديث المتفق عليه بين الشيخين: «من أحدث في أمرنا هذا، في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد».
إذًا قوله - ﵌ -: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ما دلالة هذا الحديث على العموم الذي ذكرناه آنفًا صريحًا في بعض الأحاديث التي تذم البدعة ذمًا عامًا شاملًا بحيث يسد على كل من كان قاصدًا أن يعرف الحق في ما اختلف فيه الناس يسد عليه الطريق أن يقول: لا، هناك بدعة حسنة. قلنا: هذا أمر مستحيل أن يصدر من مسلم مؤمن يؤمن بالله ورسوله حقًا، لأنه يعتبر مشاقاة لله ولرسوله، رسولك أيها المسلم يقول لك: «كل بدعة ضلالة» وأنت بكل جرأة تقول: لا، ليس كل بدعة ضلالة إنما هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة. هذا لا يقوله إلا أحد رجلين: إما جاهل وإما غافل لا يدري ما يخرج من فمه.
[ ٢ / ١١٥ ]
فأقول: قوله ﵇: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» سنته أي: شريعة الله التي أنزلها الله على قلب محمد ﵇، وشريعة الله قد علمتم مما سبق من البيان أنها قد كملت والحمد لله بشهادة تلك الآية الصريحة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) ما بعد الكمال إلا النقصان، أما الزيادة فلا مجال للزيادة في الدين أبدًا.
قلت لكم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» هل هناك مسلم مهما تصورناه عالمًا، زاهدًا، صالحًا أن يكون مثل رسول الله - ﵌ - في العبادة؟ هذا مستحيل، لأنه لا مثله ﵊ لا في علمه ولا في خلقه ولا في عبادته.
إذًا ما هو الشيء الذي يمكن أن نتصوره في بعض عباد الله الصالحين الذين يأتون في المرتبة في الصلاح والعبادة والتقرب إلى الله بعد رسول الله - ﵌ -؟ سنقول: لا بد أن يكون هؤلاء دون رسول الله - ﵌ - في العبادة كما قيل:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
يعني حسب المسلم الصالح والعالم بشريعة الله ﷿ أن يتشبه برسول الله - ﵌ -، وبالكاد أن يقترب من عبادته، بالكاد. أما أن يكون مثله فهذا أمر مستحيل.
إذًا رجعنا إلى حديث من تلك الأحاديث: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به» إذًا يا مسلمون! لقد أُغلق باب التشريع وباب الاستحسان في الدين بأن الدين قد كَمُل نصًا في الآية ونصًا في حديث الرسول ﵊، لذلك قال تلك الكلمة العظيمة جدًا: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
لنتأمل الآن لمن قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»؟ لمن أراد أن يبتدع في الإسلام بدعة لا أصل لها، لأن هناك شبهة يقول بعضهم: أن البدعة الضلالة
[ ٢ / ١١٦ ]
هي التي ليس لها أصل مطلقًا لا في الكتاب ولا في السنة.
لننظر الآن في حق من قال ﵊: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» من أراد أن يقوم الليل كل الليل فهل قيام الليل بدعة؟ لا أحد والحمد لله يقول إلا أنها عبادة عظيمة جدًا، وبخاصة أن هناك أحاديث صحيحة تأمر بقيام الليل مثل قوله - ﵌ -: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين من قبلكم» (١) لا أحد يقول: أن قيام الليل بدعة.
الآخرون ماذا قالوا؟ أن يصوموا الدهر، الصيام أيضًا خير عمل، الصيام خير عمل، وقد عرفتم أن الرسول ﵇ كان يصوم.
كذلك الثالث الذي قال: أنا لا أتزوج النساء. فعدم تزوج النساء إذا كان من باب الرهبنة فقد عرفتم أن ذلك لا رهبانية في الإسلام. الآن نقول بالنسبة للذي أراد أن يصوم الدهر وأن يقوم الليل كله: إنما أراد كل من هذين الزيادة في التقرب إلى الله ﷿ بالصيام والقيام، الزيادة في التقرب إلى الله ﷿ بالصيام وبالقيام، الصيام والقيام عبادة. إذًا هو أراد أو هما أرادا زيادة التقرب إلى الله ﷿ بما أصله مشروع وهو الصيام والقيام، فهل قَبِلَ ذلك الرسول ﵇ من ذينك الرجلين؟ لا، رد ذلك عليهما بكلام فيه تشديد عليهما، قال: «أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم لله» كأنه يقول ﵇ لهما: أنتم الآن أخشى لله مني؟ أنتما أو أنتم أتقى لله مني؟ أنا أقوم الليل وأنام، وأصوم وأفطر. أنتم الآن تريدون أن تصوموا الدهر وأن تقوموا الليل كله؟ يعني معناه انعكست القضية، أنتم أخشى وأنتم أتقى فهذا أمر مستحيل، فلا أفضل بعد رسول الله - ﵌ -[منه].
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٤٠٧٩).
[ ٢ / ١١٧ ]
إذًا خذوا من هذا الحديث دليلًا واضحًا أن الزيادة في الدين ولو كانت عبادة في الأصل فهذه الزيادة منكرة أنكرها رسول الله - ﵌ -.
فالمقصود إذًا من هذا الحديث كأمثلة بدأت في عهد الرسول ﵇ باسم الزيادة في الدين وباسم زيادة التقرب إلى رب العالمين، مع ذلك رفضها رسول الله - ﵌ - رفضًا باتًا ولفت نظرهم أن من يصر على التقرب إلى الله ﷿ بهذه العبادة الزائدة على ما جاء به ﵇ فمعنى ذلك: أن الزائد هو أتقى لربه وأخشى من ربه من نبيه ﵊.
ولا شك أن من تصور هذه الأفضلية لا يكون مسلمًا، لأن النبي - ﵌ - هو أفضل البشر قاطبة في كل شيء لا سيما أنه قد اصطفاه ربه ﷿ بخاتمة الشرائع والأديان.
على هذا النموذج وعلى هذا النهج جاءت أقوال السلف الصالح تلتقي في ذم البدعة التي يراد بها زيادة التقرب إلى الله ﵎، من ذلك مثلًا ما روي عن حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله - ﵌ - أنه قال: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - ﵌ - فلا تعبدوها» أي: فلا تتعبدوها. انظروا هذه الكلية من هذا الصحابي الجليل صاحب سر رسول الله - ﵌ -.
«كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - ﵌ - فلا تتعبدوها» الله أكبر. كم مِن عبادة اليوم نراها في المساجد وفي البيوت يريدون أن يزدادوا بها قربى إلى الله ﷿ وهم يعلمون أن النبي - ﵌ - لم يفعلها، أن السلف الصالح لم يفعلها، أن الأئمة كل الأئمة وعلى رأسهم الأربعة لم يفعلوها. ما هو جوابهم؟ يا أخي أيش فيها؟ هذه زيادة خير خير، كلمة عامية يقولونها زيادة خير خير.
"الهدى والنور" (٧١٠/ ٣٥: ٠٢: ٠٠)
[ ٢ / ١١٨ ]
[٩٦] باب معنى شهادة أن لا إله إلا الله وبيان مقتضياتها
[قال الإمام]:
أشهد أن لا إله إلا الله .. أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله الواجب الوجود لذاته تعالى. ذكره القاري وغيره.
هذا هو معنى هذه الشهادة التي تحقن دم قائلها، وتنجيه يوم لقائه الله تعالى؛ إذا عمل بمقتضاها، ولم يقتصر على التلفظ بها.
ولقد ضل كثير من المسلمين حين فهموا منها: أنه لا رب ولا خالق إلا
الله تعالى.
وبنو على ذلك: أن من عَبَدَ غيره تعالى بنوع من أنواع العبادات؛ كالاستغاثة بغيره سبحانه، والذبح لغيره، وما شابه ذلك أنه صحيح الاعتقاد، سليم الإيمان! مع أن حقيقة هذه الشهادة: توحيد الإله في هذه العبادات، وغيرها؛ فإنه هو الفارق بين المؤمن الموحد، وبين الكافر المشرك؛ ذلك لأن المشركين الذي بعث إليهم رسول الله - ﵌ - كانوا يعتقدون هذا المعنى الخاطئ لهذه الشهادة، ولكنهم كانوا يقتصرون على ذلك؛ فلا يؤمنون بأن لا معبود بحق في الوجود إلا الله تعالى.
فهم موحدون من ناحية، مشركون من ناحية أخرى؛ موحدون في توحيد
الربوبية، كافرون بتوحيد الألوهية. هذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم بنصوصه الصريحة.
أما إيمانهم بتوحيد الربوبية وأنه: المتفرد بالخلق والرزق؛ فقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا
[ ٢ / ١١٩ ]
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون:٨٤ - ٨٩) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾.
وأما كفرهم بتوحيد الألوهية-الذي هو المراد من هذه الشهادة-؛ فأقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وكانوا إذا دعاهم - ﵌ - إلى الإيمان بهذه الشهادة؛ يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥).
وكذلك كان كفر من قبلهم من المشركين؛ كانوا يكفرون بتوحيد الألوهية، وإلى هذا التوحيد كان يدعوهم أنبياؤهم - ﵌ -؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف:٦٥). ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (الأعراف:٧٠) وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ الآية (هود:٦١). ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: ٦٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ﴾. أي قائلين لأممهم: أن اعبدوا الله وحده. فأفاد بقوله: في كل أمة: أن جميع الأمم لم تُرسل إليهم الرسلُ إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأنه هو الخالق للعالَم، وأنه رب السماوات والأرض؛ فإنهم كانوا مُقِرّين بهذا بباعث الفطرة-كما سبق عن الجاهليين-؛ ولهذا لم ترد الآيات في ذلك في الغالب؛ إلا
[ ٢ / ١٢٠ ]
بصيغة استفهام التقرير؛ نحو: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾.
ومما سبق تعلم أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان شركاء لله تعالى في الربوبية؛ أي: أنهم [ما] اعتقدوا فيهم أنهم شركاء لله في الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، كلا؛ فإنهم نفوا ذلك بأنفسهم، وإنما اتخذوهم شركاء لله سبحانه في العبودية والألوهية؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣). فهم مُقِرّون بأن المقصود بالذات هو الله تعالى، وأنهم إنما عبدوا أوثانهم؛ وسيلة توصلهم إلى الله.
وفي «صحيح مسلم» (٤/ ٨)،و«المختارة» للضياء المقدسي عن ابن عباس: «كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك».قال: فيقول رسول الله - ﵌ -:
«ويلكم قَدْ قَدْ».فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تملكه، وما ملك. يقولون هذا، وهم يطوفون بالبيت!
ومعنى عبادة المشركين لأوليائهم وأصنامهم هو: أنهم خَصُّوهم بنوع من العبادات: كالاستغاثة بهم، والنذر، والنحر لهم، وغيرها؛ مما يدل على منتهى الخشوع والخضوع، وهم لم يفعلوا ذلك إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم لديه. فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه، وأن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، والتقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده، وهو توحيد العبادة.
وقد كان المشركون، منهم: من يعبد الملائكة، وينادونهم عند الشدائد، ومنهم: من يعبد تماثيل لبعض الصالحين، ويهتف بها عند الشدائد، فبعث الله
[ ٢ / ١٢١ ]
إليهم محمدًا - ﵌ -؛ يدعوهم
إلى الله وحده بأن يفردوه بالعبادة-كما أفردوه بالربوبية-وأن لا يدعوا مع
الله أحدًا؛ قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ
لَهُم بِشَيْءٍ﴾.
وأمر عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولا يُصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى؛ وإلا كان كاذبًا، منهيًا عن أن يقول هذه الكلمة؛ إذ معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها، وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. كما عرف من علم البيان: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ أي: اعبدوا الله، ولا تعبدوا غيره، واتقوه ولا تتقوا غيره.
فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده، واللجوء إلى الله، والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع، والقيام لله تعالى، والركوع، والسجود، والطواف، والتجرد عن الثياب، والحلق، والقصر كله لا يكون إلا لله ﷿، ومن فعل ذلك لمخلوق حي، أو ميت، أو جماد، أو غيره؛ فهذا شرك في العبادة والألوهية، وفي النهي عن ذلك نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وصار من يُفعل له هذه الأمور إلهًا لعابده سواء كان ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو قبرًا، أو غير ذلك، وصار بهذه العبادة، أو بأي نوع منها عابدًا لذلك المخلوق، وإن أقر بالله وحده وعبده؛ فإن إقرار المشركين بالله، وتقربهم إليه؛ لم يخرجهم عن الشرك؛ قال الله ﷿ في الحديث القدسي:
[ ٢ / ١٢٢ ]
«أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا، وأشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه».
أخرجه مسلم وغيره.
فمن علم ما ذُكِرَ من الفرق بين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وجمع بينهما في اعتقاده وعمله؛ فهو الذي تحقق بمعنى لا إله إلا الله، وهو الذي يستحق أجر قائلها، وتنفعه من دهره يومًا ما-كما جاء في الأحاديث النبوية-.
وهذا بحث عظيم قد أُلِّفَت فيه كتب، ورسائل شتى؛ لأهميته، وخطورة شأنه، فمن شاء التوسع في ذلك، فليراجع «تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد» للإمام الصنعاني- وغالب ما كتبناه مأخوذ عنه-، و«تجريد التوحيد»، للمقريزي، و«حجة الله البالغة»، وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٧٧ - ٨٨١)
[٩٧] باب لوازم الشهادة لله بالوحدانية
[قال الإمام]:
الشهادة لله بالوحدانية يجب أن تفهم جيدًا، بحيث تمنع قائلها من عبادة غير الله بأي نوع من أنواع العبادات المعروفة.
وأن من شهد بها وقصر بالقيام ببعض الأحكام الشرعية، أو ارتكب بعض المعاصي؛ فذلك لا يعني أنه لا يستحق أن يعذب عليها؛ إلا أن يغفر الله له.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٧١٠).
[ ٢ / ١٢٣ ]
[٩٨] باب تلقين المحتضر شهادة التوحيد
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوها موتاكم».
[قال الإمام]:
من فقه الحديث:
فيه مشروعية تلقين المحتضر شهادة التوحيد، رجاء أن يقولها فيفلح.
والمراد بـ (موتاكم) من حضره الموت، لأنه لا يزال في دار التكليف، ومن الممكن أن يستفيد من تلقينه فيتذكر الشهادة ويقولها، فيكون من أهل الجنة.
وأما تلقينه بعد الموت، فمع أنه بدعة لم ترد في السنة فلا فائدة منه لأنه خرج من دار التكليف إلى دار الجزاء، ولأنه غير قابل للتذكر، ﴿لتنذر من كان حيا﴾.
وصورة التلقين أن يؤمر بالشهادة، وما يذكر في بعض الكتب أنها تذكر عنده ولا يؤمر بها خلاف سنه النبي - ﵌ - كما حققته في " كتاب الجنائز " (ص١٠ - ١١) فراجعه.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٣٦ - ٨٣٨).
[٩٩] باب معنى شهادة أن محمدًا عبد الله ورسوله وبيان مقتضياتها
[قال الإمام]:
اعلم أن هذه الشهادة "أي شهادة أن محمدًا عبد الله ورسوله" قد جمعت
[ ٢ / ١٢٤ ]
له - ﵌ - صفتين لا يتم إيمان المرء به - ﵌ - إلا إذا تحقق بمعناهما.
الأولى: كونه - ﵌ - عبدًا لله تعالى، كغيره من عباده تعالى، فهو مثلهم من هذه الناحية، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾.
وقال - ﵌ -: «إنما أنا بشر مثلكم؛ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني». وقال - ﵌ -: «لا تطروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد. فقولوا: عبد الله ورسوله».
ولذلك فلا يجوز لمسلم يشهد هذه الشهادة أن ينزله - ﵌ - منزلة فوق التي أنزله الله تعالى فيها؛ فإن ذلك مما لا يرضاه - ﵌ -، كما قال في الحديث: «أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿».ولا أن يمدحه إلا بما مدحه الله به، أو بما صحت به الأحاديث والأخبار، فَمَدْحُهُ - ﵌ - بمثل قول بعضهم:
فإن من جودك الدنيا وضَرّتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فهذا القول مما يتنافى مع الشهادة بالعبودية لمحمد - ﵌ -، وهو القائل-كما حكاه الله تعالى في القرآن الكريم-: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. وهو القائل للجارية التي كنت تندب من قتل يوم [بدر]، ثم قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال النبي - ﵌ -: «لا تقولي هكذا، وقولي كما كنت تقولين».
ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث لها في «الصحيحين»: «ومن حدثكم أن محمدًا - ﵌ - كان يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية».
[ ٢ / ١٢٥ ]
فإذا كان هذا شأن من قال عنه - ﵌ -: إنه يعلم ما في غد؛ فما بال من يقول: إنَّ من بعض علومه علمَ اللوح والقلم؟! فلا جَرَم أن حَذَّرَنا - ﵌ - من الغلو في مدحه وتعظيمه؛ فإنه سبب هلاك الأمم قبلنا كما قال - ﵌ -:
«إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم».
وأما الصفة الأخرى: فهي كونه - ﵌ - رسولا ً اصطفاه الله تعالى، وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات، وذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله - ﵌ -، وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات، سواء كان ذلك موافقًا لعقلك، أو بعيدًا عن فهمك وعقلك، يجب الإيمان بذلك كله، فمن لم يكن هذا موقفه معه - ﵌ -؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله، فما تنفعه هذه الشهادة، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، وذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد - ﵌ - من الأمور التشريعية والغيبية-ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك-؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:١ - ٣). فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم، ولا تُغالِ فيه، ولا تفرط؛ بل وسطًا بين ذلك، لتكون من الناجين عند رب العالمين.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨١ - ٨٨٣).
[ ٢ / ١٢٦ ]
[١٠٠] باب لوازم الإيمان برسالة محمد - ﵌ -
[قال الإمام]:
"الإيمان بكونه" - ﵌ - رسولًا اصطفاه الله تعالى، وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات، .. ذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله - ﵌ -، وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات، سواء كان ذلك موافقًا لعقلك، أو بعيدًا عن فهمك وعقلك، يجب الإيمان بذلك كله، فمن لم يكن هذا موقفه معه - ﵌ -؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله، فما تنفعه هذه الشهادة، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، وذلك ما يفيده قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد - ﵌ - من الأمور التشريعية والغيبية-ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك-؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:١ - ٣). فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم، ولا تُغالِ فيه، ولا تفرط؛ بل وسطًا بين ذلك، لتكون من الناجين عند رب العالمين.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨٢ - ٨٨٣).
[١٠١] باب هل هناك فرق بين تفسير لا إله إلا الله، بلا معبود إلا الله أو بلا معبود بحق "في الوجود" إلا الله؟
سؤال: يا شيخ! هل في فرق كبير بين: لا معبود بحق إلا الله، ولا معبود بحق
[ ٢ / ١٢٧ ]
"في الوجود إلا الله"؟
الشيخ: ما في فرق؛ لأن الوجود هو هذا الخلق الذي خلقه الله ﷿ بقدرته، لا فرق لكن الفرق البعيد هو بين عبارة: لا معبود بحق إلا الله، وبين: لا معبود إلا الله، هذا الفرق، أما قضية ذكرنا: "في الوجود" أو ما ذكرناها فهذا لا يترتب من ورائه شيء، لكن بعض المؤلفين ..
أنا قرأت رسالة هناك في دمشق لأحد مشايخ الطريقة الشاذلية واسمه: الشيخ محمد المغربي، كما قرأت رسالة أخرى لبعض جماعة التبليغ فسر هذه الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله: بلا معبود إلا الله، وهذا هو القول بوحدة الوجود؛ لأن كل المعبودات اليوم تعبد من دون الله ﵎، فإذا أطلق عليها: لا معبود إلا الله، فمعنى ذلك: أن هذه المعبودات هي الله، أما حينما يقول المسلم كما قال أهل العلم: لا معبود بحق إلا الله فحينئذٍ نفى الآلهة التي تعبد من دون الله وهذا معنى قوله: لا إله إلا الله، فأثبتوا بكلمة التوحيد توحيد الربوبية، هذا التوحيد الذي لا بد منه لكل مؤمن حقًّا لكنه وحده لا ينجي من الشرك والكفر؛ لأن المشركين كانوا يعتقدون أنه لا خالق إلا الله .. لا رازق إلا الله، ولذلك حكى الله ﷿ عنهم قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥) لكن في آية أخرى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥) لماذا؟ لأن في هذه الكلمة الطيبة نفي كل معبوداتهم إلا الله ﵎، ولذلك أنكروا توحيد الألوهية فكفروا بالله ﷿.
"فتاوى رابغ" (٢/ ٠٠:٣٨:١٧)
[ ٢ / ١٢٨ ]
[١٠٢] باب هل قيد «في الوجود» في قولنا: لا معبود بحق في الوجود إلا الله؛ مهم؟
سؤال: يا شيخ بارك الله فيك، بالنسبة إلى تعريف لا إله إلا الله، أو شرح معنى: لا إله إلا الله قلت فضيلتك أنه ما معبود بحق في الوجود إلا هو، ما أدري يعني بالأمس كنت أراجع في هذا المعنى، قول علماء أهل السنة في معنى لا إله إلا الله، لم يتطرق أحد منهم إلى كلمة في الوجود يعني: فكم من آلهة عُبدت فيما مضى ولا وجود لها الآن يعني: ليست موجودة الآن، فكلمة في الوجود هذه الكلمة الآن يعني الآن شيخ الإسلام وابن القيم السنة الذين عرفوا معنى لا إله إلا الله لا لم يتطرق احد منهم إلى كلمة في الوجود ، هل يعني هذا أن ما .. يعني كلمة الوجود من أين جاءت بارك الله فيك فبين لنا؟
الشيخ: البيان واقع بارك الله فيك، ألست تفرق كما يترشح من كلامك، ولو كنت تدندن على خلاف ذلك، ألا تفرق بين قول من يقول في الوجود الآن، وبين من يقول في الوجود مطلقًا دون أن يقيده بالآن، ألا تفرق معي بين الأمرين؟ قل: بلى أفرق.
مداخلة: أفرق بارك الله فيك.
الشيخ: اصبر للتتمة: الوجود هو موجود الآن أو منذ خلق الله الكون فهو الموجود وهو الوجود، أليس كذلك، فإذا إشكالك بارك الله فيك لفظي وليس معنويًا، كان يكون معنويًا لو قال القائل في الوجود الآن، فيكون قوله باطلًا، أما في الوجود والوجود هو منذ قال الله: كن فكان الوجود، فالله ﷿ هو معبود بحق دائمًا وأبدًا، فكلمة الوجود لا تعني التقييد الذي ألقي في بالك ودفعك انتماؤك
[ ٢ / ١٢٩ ]
للمعنى أن أيده بلفظ الآن، وهذا اللفظ صحيح لو كان مقيدًا في البال وليس باللفظ يكون باطلًا المعنى، لكن كلمة الوجود ليست مقيدة لا ذهنًا بالآن ولا لفظًا، ولذلك فلا إشكال في الموضوع.
مداخل آخر: بارك الله فيك لفظ موجود وارد.
الشيخ: اسمح لي بارك الله فيك، أرجو أن ما تكون المناقشة في الألفاظ، لو قلت لك: لا غبار، فأنت إذا قيل لك نفس الكلام، هل هناك غبار لمن قال: لا معبود بحق في الوجود هل هناك غبار؟ بعد أن عرفت أن الوجود لا يعني الآن، لا غبار إذًا.
إذًا: هذه مناقشة في اللفظ ويترتب من ورائها الآن أن بعض إخوانا المطلعين والذين نرجو أن يزيدنا الله وإياه علمًا يقول: هذه العبارة موجودة، أنت الذي نفيته وغيرك الآن يثبته، فما حصيلة هذا وهذا؟ لا شيء، على النظام العسكري: مكانك راوح، ما في فائدة، لا معبود في الوجود إلا الله.
"الهدى والنور" (٦٥٥/ ٥٠: ٥٥: ٠٠)
[١٠٣] باب معنى قوله - ﵌ -: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة»
الشيخ: حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة».
أولًا: «من قال» هل يعني مجرد قول، ولا عقيدة؟ عقيدة. أي: إذًا: معنى الحديث: «من قال» معتقدًا ليس من قال متلفظًا، هذه ما أظن فيها إشكال عند عامة الناس، لكن انظروا ما يأتي: «من قال لا إله إلا الله» إذًا: المعنى معتقدًا، طيب.
ولا إله إلا الله فاهمًا وإلا بدون فهم؟
[ ٢ / ١٣٠ ]
مداخلة: فهم.
الشيخ: بفهم، هنا هي المشكلة الكبرى: أكثر المسلمين إلى اليوم لا يفهمون معنى لا إله إلا الله، وأنا أعتقد من تقصير الجماعات الإسلامية، التي تكلمنا اليوم بكلام عام حينما تكلمنا عن حديث الفرق الثلاث والستين، الثلاث والسبعين، والفرقة الواحدة هي الناجية أنا أقول الآن: كل الجماعات الإسلامية لا تدندن حول هذه الشهادة الطيبة الكلمة الطيبة، لا تتكلم حولها أبدًا وبخاصة أن الله ﷿ أمر نبيه فقال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) ترى فاعلم: هذا أمر بأمر مستحب؟ هذا أمر بأصل الإسلام أصل الإسلام الذي ما بعده قام عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) المسلمون اليوم لا يعلمون كما أمرهم الله معنى هذه الشهادة التي قال الرسول «دخل الجنة»، والآن نمضي ولا نقف هنا، نفترض الآن أن زيدًا من الناس علم معنى لا إله إلا الله والمعنى الملخص هو: أنه لا معبود بحق في الوجود وفي الكون كله إلا الله أي: كما جاء في بعض الأحاديث: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما سواه» ما عد يفكر أنه يعتقد أن الله واحد في ذاته وواحد في عبادته وواحد في أسمائه وصفاته، يجب أن يكفر بكل ما على الأرض قديمًا وحديثًا من المعبودات بالباطل حينئذ هذا يكون قد علم معنى لا إله إلا الله.
الآن نفترض زيد من الناس فهم المعنى الصحيح لـ «فعلم أنه لا إله إلا الله» والرسول - ﵌ - يقول: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة».
لاشك دخل الجنة إذا مات على ذلك، فمن يضمن أن يموت على ذلك؟ إذًا: مجرد القول بالشهادة والاعتقاد بالشهادة مع الفهم للشهادة ليس معناها: دخل الجنة يقينًا إلا بشرط أن يموت على ذلك، ولذلك قال ﵇: «من مات» في
[ ٢ / ١٣١ ]
حديث آخر: «وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة».
وفي أحاديث أخرى: «مخلصًا من قلبه» هذا يعني: المعاني التي أشرنا إليها آنفًا طيب، ولو فعل تسعًا وتسعين معصية جمع كل هذه الشروط، فهل يدخل الجنة ولو فعل كل هذه المعاصي؟ الجواب: نعم. أيضًا: الجواب: نعم. لأنه هذا وقع كان رسول الله - ﵌ - يومًا خارج المدينة ومعه أبو ذر فأوقفه في المكان، وابتعد قليلًا فسمع صوتًا أبو ذر سمع صوتًا وهو في المكان الذي أوقفه الرسول ﵇ فيه أو عليه، ثم رجع الرسول - ﵌ - إليه فقال ﵇: «آتاني جبريل آنفًا فبشرني وقال لي: بشر أمتك أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال الرسول - ﵌ - قلت: يا جبريل؟ وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق».
لما روى الحديث رسول الله إلى أبي ذر عن جبريل مع أن الرسول سأل وإن زنى وإن سرق وأجابه جبريل: وإن زنى وإن سرق يعني: هذا هو الأمر فقال أبو ذر بدوره للرسول ﵇: «وإن زنى وإن سرق» ماذا يسع الرسول أن يقول بعد أن الرسول مرسل من الله جبريل إلى محمد ويقول له: بشر ويسأل الرسول - ﵌ - جبريل يقول له: وإن زنى وإن سرق؟ يعطي الجواب: وإن زنى وإن سرق، ماذا يسعه إذا قال أبو ذر للرسول مثلما قال الرسول لجبريل يقول له: «وإن زنى وإن سرق» لكن لا يزال في شيء قال له: «وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق رغم أنفك يا أبا ذر» هذا شيء عظيم جدًا، ما معنى إذًا الحديث في النهاية؟ تفصيل الحديث إذا توفرت الشروط الذي ذكرناها كلها وفيها هذا السؤال والجواب: وإن زنى وإن سرق.
إذًا: مصير هذا الموحِّد مصيره أي: عاقبة أمره: أن يدخل الجنة، لكن هذا لا
[ ٢ / ١٣٢ ]
يعني أنه لا يحاسب، ولا يعني أنه لا يعزر إلا أن يشمله الله ﷿ بمغفرته ورحمته.
إذًا: فتأكيد الرسول ﵇ تبعًا لجبريل بقوله: «وإن زنى وإن سرق» يعني: أن هذه الشهادة تنفع قائلها والمعتقد بها يوم القيامة حتى لو فعل ما فعل، لكن كونه يحاسب أو كونه يعذب على ما اجترح من المعاصي هذا أمر ثاني، هذا يبقى مطويًا لماذا؟ لأن الله ﷿ هو وحده الذي يعلم حقيقة كل من يشهد أن لا إله إلا الله هل يا تُرى! قام بحقها قام بواجبها، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» وحسابهم على الله إلا بحقها.
ترى! هل هؤلاء الذين يقولون: لا إله إلا الله بعد الشروط والأوصاف التي قلناها آنفًا على التسلسل السابق قاموا بحق هذه الكلمة الطيبة أم لا؟
فإن كانوا قاموا بحق هذه الكلمة فهم الذين يدخلون الجنة بدون عذاب، لكن لا نقول: بدون حساب.
والرسول ﵇ يقول في الحديث الصحيح في البخاري: «من نوقش الحساب عذب» (١).
إذًا: هؤلاء المسلمون الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وتحققت الأوصاف
_________________
(١) البخاري (رقم١٠٣) ومسلم (رقم٧٤٠٦).
[ ٢ / ١٣٣ ]
التي ذكرناها كلها وقاموا بحقها حقها طبعًا: القيام بما فرض الله والاجتناب عما نهى الله، وهذا باب واسع جدًا جدًا، فإذا قاموا بالحق دخلوا الجنة بدون عذاب، لكن ليس معنى ذلك: بدون حساب لماذا؟ لأن دخول الجنة بدون حساب يتطلب القيام ببعض الفضائل من الأعمال، وتصوروا لا يمكن لحاسوب لكمبيوتر مهما كان ضخمًا مهما كان دقيقًا أن يعطينا عدد أهل الجنة، سيكون عددهم من يوم خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة ملايين البلايين إلى آخره لا يعلم عددهم إلا الله ﷿ منها البلايين البلايين الذين يدخلون الجنة فكم عدد الذين يدخلون الجنة بدون حساب؟ سبعون ألفًا سبعون ألف فقط يدخلون الجنة بدون حساب طبعًا ولا عذاب، قال ﵊ ذات وهو في المسجد: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب وجوههم كالقمر ليلة البدر» (١) ودخل إلى الحجرة وترك الناس بعد أن ألقى فيهم هذا الحديث فأخذوا يتحزرون حزيرة مَنْ هؤلاء؟ هنيئًا لهم من يكون هؤلاء؟ واحد يقول هؤلاء .. الذي تركوا بلادهم وأموالهم وعيالهم، وهاجروا من مكة إلى المدينة.
آخر يقول: لا. هؤلاء الأنصار الذين نصروا رسول الله - ﵌ - في ساعة العسرة.
القول الثالث يقول: لا، لا أنت ولا أنت هؤلاء أولادنا الذي يأتوا من بعدنا الذين آمنوا بنبينا ما شافوه، وهم عم يتحزروا من التحازير دخل عليهم الرسول ﵇، حكمة بالغة أسلوب عظيم جدًا في وعظ الناس قال لهم: «هم الذين» هنا الشاهد: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون».
_________________
(١) مسلم (رقم٤٨٩).
[ ٢ / ١٣٤ ]
هم الذين لا يسترقون ما معنى لا يسترقون ما يأتي الواحد إلى عند الشيخ يا شيخ من فضلك كَبِّسْني ارقيني لا، إنما هو يدعو الله بنفسه، والله يستجيب دعوة المضطر إذا دعاه، أما يلجأ للشيخ حط واسطة بينه وبين ربه مع أن الواسطة هذه ما هي شرك، ولا هي منكرة، لكن ما هي فاضلة هي مرذولة لا تطلب من الشيخ أنه يرقيك، «هم الذين لا يسترقون».
لا يطلبون الرقية من أحد أبدًا، يتوكل على الله بعد أن يتخذ الأسباب المشروعة من التعويذات الواردة في السنة الصحيحة وهكذا.
«هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون» الكي؛ عرف العرب بطب الكي منذ قديم إلى اليوم، والحقيقة: أن النبي - ﵌ - مدح الكي كوسيلة طبية عربية، وذكر في بعض الأحاديث.
الخلاصة: أن الرسول ﵇ أحسن الثناء كعلاج على الكي، لكنه قال في آخر الحديث: «وأنهى أمتي عن الكي» (١) لماذا؟ لأنه تعذيب بالنار، ولا يعذب بالنار إلا رب النار، ولذلك روى في زمن علي رضي الله تعالى عنه أن بعض الشيعة غلوا فيه واعتقدوا فيه نوع من الإلوهية فارتدوا بذلك عن دينهم فأمر بحرقهم بالنار، ولما بلغ خبره إلى عبد الله بن عباس قال: «لو علمت ذلك لمنعته من أن يعذبهم بالنار؛ لأني سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: لا يعذب بالنار إلا
رب النار».
فمن أجل أن الكي فيه تعذيب بالنار نهى مع أنه فيه فائدة للمعالجة لبعض
_________________
(١) البخاري (رقم٥٣٥٦).
[ ٢ / ١٣٥ ]
الأمراض.
قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون».
التطير معروف عندكم وهو: التشاؤم، وهذا مع الأسف يعني: منتشر بين المسلمين بسبب جهلهم بدينهم، ورجوعهم إلى الجاهلية القديمة بسبب أنهم ما تثقفوا بثقافة الإسلام الصحيحة.
ومثل هذا التطير مثله تمامًا: الطيرة، الطيرة واستعمال بعض الأمور لدفع الشر العين زعموا، فأنتم تشوفون اليوم كثيرًا من أصحاب السيارات الجديدة الفارهة يعلقون في دبرها: نعلًا، والنعل هذه كلما كانت عتيقة ومهرية كلما كانت تدفع الأثر أثر العين عن هذه السيارة الجديدة هذا منتهى الجهل.
الطيرة في الإسلام: محرمة وهي مشتقة من الطير، وكانت من عادات الجاهلية، الجاهلية الحقيقة: .. وفيهم بلاهة متناهية، من هذه البلاهة المتناهية: أنه الواحد منهم إذا عزم على السفر وتهيأ للسفر، وحَضَّرَ الزاد والمزاد وكل شيء ما بقي إلا يركب الناقة أو الجمل ويركب ومشي شوية ويطار طيرًا منه، هذا الطير إذا أخذ يمينًا خلاص هذه سفرة مباركة، وإذا أخذ يسارًا هذه سفرة مشئومة، من هنا سميت الطيرة؛ لأن لها علاقة بالطير الذي كان يتشاءم به الجاهلي يا ترى عقل هذا الإنسان! وإلا إذا صح التعبير عُقيل هذا الحوين الصغير وهو الطير لاشك في ذلك، الله ﷿ كما قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠).
لاشك أن هذا الإنسان خير من هذا الطير، كيف صار الطير الصغير قائد لهذا
[ ٢ / ١٣٦ ]
الإنسان الكبير! هذا من عجائب ما وصل به انحطاط العقل الجاهلي.
طيب. ما بالكم اليوم يا معشر المسلمين رجعتم إلى الجاهلية فبتعلقوا هذا النعل من أجل المحافظة على السيارة ما تأثير هذا؟ قال: يرد العين النعل الذي ترد العين؟! ما يرد العين إلا الله، وإلا ما شرع الله، وهكذا.
"الهدى والنور" (٢٠٦/ ٢٤: ٢٧: ٠٠)
[١٠٤] باب هل نسخت الأحاديث الواردة
فيمن قال لا إله إلا الله وأنه يدخل الجنة؟
عن أنس ﵁ أن النبي - ﵌ - ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا.
قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار
قال يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذًا يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا.
رواه البخاري ومسلم.
[قال المنذري]:
تأثما أي تحرجًا من الإثم، وخوفًا منه أن يلحقه إن كتمه.
قال المملي عبد العظيم: وقد ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال لا إله إلا الله دخل الجنة أو حرم الله عليه النار ونحو ذلك، إنما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد
[ ٢ / ١٣٧ ]
الإقرار بالتوحيد، فلما فرضت الفرائض وحُدَّت الحدود نسخ ذلك، والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة، وقد تقدم غير ما حديث يدل على ذلك في كتاب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ويأتي أحاديث أخر متفرقة إن شاء الله.
[فعلق الإمام قائلًا]:
قلت: الأحاديث التي أشار إليها المؤلف ﵀ ليس فيها ما يدل على النسخ المُدَّعى، وإنما فيها وجوب أشياء لم تذكر في أحاديث الباب، وهذا لا يستلزم النسخ كما لا يخفى، كيف ومن رواتها أبو هريرة، وصحبته متأخرة عن أكثر الفرائض؟! فإنه أسلم قبل وفاته - ﵌ - بثلاث سنوات! وقصته مع عمر في منعه إياه أن يبلغ الناس فضل الشهادة، إنما كانت في المدينة حينما دخل حائطًا للأنصار يبتغي رسول الله - ﵌ - وهي معروفة في «صحيح مسلم» (١/ ٤٤) وغيره، وفي المسند نحوها بين أبي موسى الأشعري وعمر أيضًا، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة كما في الفتح، وقد خرجتها في «الصحيحة» (١٣١٤)، وفيه قصة أخرى بين جابر وعمر، من حديث جابر نفسه، وهو أنصاري مما يؤكد أن القصة وقعت في المدينة، وأن الحديث غير منسوخ، فراجع تمام هذا في المصدر المذكور آنفًا.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤).
[١٠٥] باب هل هناك ممن يقول: «لا إله الله» من يدخل النار أولا؟
سؤال: بالنسبة يا شيخ المسلم الذي يعني يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة.
الشيخ: نعم.
مداخلة: يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة.
[ ٢ / ١٣٨ ]
الشيخ: أيوه.
مداخلة: هل هذا محققًا لقول النبي - ﵌ -: «من قال لا إله إلا الله صدقًا دخل الجنة»؟
الشيخ: طبعًا؛ لأنه ليس المقصود من الحديث يدخل الجنة ترانزيت.
مداخلة: أي نعم.
"الهدى والنور" (٧١٩/ ١٠: ٤٣: ٠٠)
[١٠٦] باب محمد عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد
[قال الإمام]:
محمد عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة.
"الصحيحة" (٥/ ٣٠٥)
[١٠٧] باب السلامة من الشرك أهم ما في العقيدة
[تكلم الإمام على أنواع الشرك في تعليقه على متن الطحاوية ثم قال]: فاحفظ هذا فإنه أهم شيء في العقيدة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٩).
[١٠٨] باب التحذير من الشرك وبيان أنه أكبر الكبائر
[قال الإمام]:
إن مما يجب ذكرهُ وبيانه بهذه المناسبة: أن استحلال المحارم المهلك يكون على وجهين اثنين:
[ ٢ / ١٣٩ ]
الأول: ارتكاب المحارم مع العلم بحرمتها، وهذا أمر مشاهد فاشٍ مع الأسف الشديد بين المسلمين اليوم بكل أشكاله وأنواعه حتى أكبر الكبائر ألا وهو الإشراك بالله ﷿، الذي يتجلى واضحًا في بعض الجماعات أو الأفراد الذين ينادون ﷿ في الشدائد، ويستغيثون بالله وينذرون ويذبحون لغير الله فضلًا عن أن أكثرهم يحلفون بغير الله كل هذه من الشرك ..
من أنواع الشرك الفاشية اليوم بين المسلمين وأكثرهم لا أقول: أكثر عامتهم، بل أقول: أكثر خاصتهم لا يدندنون حول التحذير من هذه الأنواع من الشركيات والوثنيات، هذا أكبر الكبائر كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، الإشراك بالله ﷿، ومنها قتل النفس بغير حق، وعقوق الوالدين، وأكل الربا وما أدراكم ما أكل الربا فقد انتشر أيضًا في هذا الزمان بسبب قيام ما يسمونه بالبنوك، وكذلك من الكبائر شرب الخمر وتبرج النساء وبناء المساجد على القبور وغيرها كثير وكثير.
والقسم الآخر من المحارم المحرمة: ارتكابها دون معرفة حكمها أو حرمتها؛ وذلك للجهل بها، وهذا بلا شك شر منتشر أيضًا بين كثير من المسلمين، وإما باستحلالها بطريق الاحتيال عليها على نحو احتيال اليهود على صيد السمك المذكور في القرآن كما هو معلوم مشهور، وكاحتيالهم على أكلهم الشحوم، كما في قوله - ﵌ - في الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» (١) هذا الحديث من الأحاديث التي قلما نسمعها من ألسنة الخطباء والوعاظ وهو من الأحاديث المهمة جدًا جدًا التي تحذر المسلمين أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود من قبلهم، وحذرهم رسول الله - ﵌ - من أن يقعوا في مثل ما وقعوا هم فيه في الحديث
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٥١٠٧).
[ ٢ / ١٤٠ ]
الذي أخرجه البخاري وغيره في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن!» أو قال: «فمن الناس!» (١).
وأقول محذرًا: وهذا النوع من الارتكاب والاستحلال لما حرم الله ﷿ بأدنى الحيل قد وقع أيضًا فيه كثير من المسلمين في بعض معاملاتهم وعقودهم: من أشهر ذلك نكاح التحليل الملعون فاعله، في السنة الصحيحة بقوله - ﵌ -: «لعن الله المحلل والمحلل له» (٢) ومع ذلك فلا يزال في المسلمين اليوم بعض المتفقهة يجيزون نكاح التحليل رغم لعن النبي - ﵌ - فاعله كمثل ما سمعتم آنفًا.
"الهدى والنور" (٦٩٠/ ٢٥: ٢١: ٠٠)
[١٠٩] باب بيان خطر الشرك
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من لقي الله لا يشرك به شيئًا، يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان
غفر له». قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: «دعهم يعملوا».
[قال الإمام]:
قلت: وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن المسلم لا يستحق مغفرة الله إلا إذا لقى الله ﷿ ولم يشرك به شيئًا، ذلك لأن الشرك أكبر الكبائر كما هو معروف
_________________
(١) البخاري (رقم٣٢٦٩).
(٢) صحيح الجامع (رقم٥١٠١).
[ ٢ / ١٤١ ]
في الأحاديث الصحيحة. ومن هنا يظهر لنا ضلال أولئك الذين يعيشون معنا ويصلون صلاتنا ويصومون صيامنا، و ولكنهم يواقعون أنواعًا من الشركيات والوثنيات كالاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين ودعائهم في الشدائد من دون الله والذبح لهم والنذر لهم ويظنون أنهم بذلك يقربونهم إلى الله زلفى، هيهات هيهات. ﴿ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾!
فعلى كل من كان مبتلى بشيء من ذلك من إخواننا المسلمين أن يبادروا فيتوبوا إلى رب العالمين ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعلم النافع المستقى من الكتاب والسنة.
وهو مبثوث في كتب علمائنا رحمهم الله تعالى، وبخاصة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ومن نحا نحوهم وسار سبيلهم، ولا يصدنهم عن ذلك بعض من يوحي إليهم من الموسوسين بأن هذه الشركيات إنما هي قربات وتوسلات، فإن شأنهم في ذلك شأن من أخبر عنهم النبي - ﵌ - ممن يستحلون بعض المحرمات بقوله " يسمونها بغير اسمها ".
هذه نصيحة أوجهها إلى من يهمه أمر آخرته من إخواننا المسلمين المضللَّين، قبل أن يأتي يوم يحق فيه قول رب العالمين في بعض عباده الأبعدين: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾.
"الصحيحة" (٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢).
[١١٠] باب عظم خطر الكفر والشرك
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار».
[ ٢ / ١٤٢ ]
[قال الإمام]:
في هذا الحديث فائدة هامة أغفلتها عامة كتب الفقه، ألا وهي مشروعية تبشير الكافر بالنار إذا مُرَّ بقبره، ولا يخفى ما في هذا التشريع من إيقاظ المؤمن وتذكيره بخطورة جرم هذا الكافر حيث ارتكب ذنبًا عظيمًا تهون ذنوب الدنيا كلها تجاهه ولو اجتمعت، وهو الكفر بالله ﷿ والإشراك به، الذي أبان الله تعالى عن شدة مقته إياه حين استثناه من المغفرة فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، ولهذا قال - ﵌ -:
«أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وقد خلقك» متفق عليه. وإن الجهل بهذه الفائدة مما أودى ببعض المسلمين إلى الوقوع في خلاف ما أراد الشارع الحكيم منها، فإننا نعلم أن كثيرًا من المسلمين يأتون بلاد الكفر لقضاء بعض المصالح الخاصة أو العامة، فلا يكتفون بذلك حتى يقصدوا زيارة بعض قبور من يسمونهم بعظماء الرجال من الكفار ويضعون على قبورهم الأزهار والأكاليل ويقفون أمامها خاشعين محزونين، مما يشعر برضاهم عنهم وعدم مقتهم إياهم، مع أن الأسوة الحسنة بالأنبياء ﵈ تقضي خلاف ذلك كما في هذا الحديث الصحيح واسمع قول الله ﷿: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ..﴾ الآية، هذا موقفهم منهم وهم أحياء فكيف وهم أموات؟!
"الصحيحة" (١/ ١/٥٥، ٥٧ - ٥٨)
[ ٢ / ١٤٣ ]
[١١١] باب بيان خطورة الشرك بالله، وأثر ذلك على العبادات كالحج
[قال الإمام في مقدمة «حجة النبي - ﵌ -»]:
لابد لي من أن أحذر من بعض المعاصي التي يكثر ابتلاء الناس بها، ويُحرِمون بالحج ولا يشعرون إطلاقًا بأن عليهم الاقلاع عنها، ذلك لجهلهم وغلبة الغفلة عليهم، وتقليدهم لآبائهم.
١ - الشرك بالله ﷿:
فإن من أكبر المصائب التي أصيب بها بعض المسلمين جهلهم بحقيقة الشرك الذي هو أكبر الكبائر، ومن صفته أنه يحبط الأعمال:
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (محمد: ٦٥). فقد رأينا كثيرًا من الحجاج يقعون في الشرك وهم في بيت الله الحرام، وفي مسجد النبي ﵊، يتركون دعاء الله والاستغاثة به، إلى الاستعانة بالأنبياء والصالحين ويحلفون بهم، ويدعونهم من دون الله ﷿، والله ﷿ يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر:١٤). والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، وفي هذه كفاية لمن فتح قلبه للهداية. إذ ليس الغرض الآن البحث العلمي في هذه المسألة، وإنما هو التذكير فقط.
فليت شعري ماذا يستفيد هؤلاء من حجهم إلى بيت الله الحرام، إذا كانوا يصرّون على مثل هذا الشرك، ويغيرون اسمه، فيسمونه: توسلًا، وشفعًا، وواسطة!
[ ٢ / ١٤٤ ]
أليست هذه الوساطة هي التي ادعاها المشركون من قبل يبررون بها شركهم وعبادتهم لغيره ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزُّمر: ٣). فيا أيها الحاج، قبل أن تعزم على الحج، يجب عليك وجوبًا عينيًا أن تبادر إلى معرفة التوحيد الخالص وما ينافيه من الشرك، وذلك بدراسة كتاب الله وسنة نبيه - ﵌ -، فإن من تمسك بهما نجا، ومن حاد عنهما ضل. والله المستعان.
"حجة النبي - ﵌ - " (ص ٦ - ٨).
[١١٢] باب الشرك هو الكفر
[قال الإمام]:
الشرك .. هو الكفر ولا فرق بينهما شرعًا، فكل كفر شرك، وكل شرك كفر، كما يدل عليه محاورة المؤمن صاحب الجنتين المذكورة في سورة (الكهف).فتنبه لهذا فإنه به يزول عنك كثير من الإشكالات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٣).
[١١٣] باب كل كفر شرك
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«إنَّا جِئْنَاكُمْ لِخَيْرٍ، (يعني: اليهودَ) إنَّا أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ النَّصْرَ، وَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ أَقْبَلَ إلَيْنَا بِجَمْعٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِمَّا قَاتَلْتُمْ مَعَنَا، وَإِمَّا أَعَرْتُمُونَا سِلَاحًا».
(منكر).
[ ٢ / ١٤٥ ]
[قال الإمام]:
أخرجه أبو جعفر الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) عن عبد الرحمن بن شريح: أنه سمع الحارث بن يزيد الحضرمي يحدث عن ثابت بن الحارث الأنصاري عن بعض من كان مع رسول الله - ﵌ - قال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّه ِ - ﵌ - جَمْعُ أَبِي سُفْيَانَ لِيَخْرُجَ إلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَانْطَلَقَ إلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بالنَّضِيرِ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ نَفَرًا عِنْدَ مَنْزِلِهِمْ فَرَحَّبُوا، فَقَالَ لهم: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات غير ثابت بن الحارث الأنصاري؛ فإنه غير معروف بعدالة أو جرح، ولم يورده أحد من أئمة الجرح والتعديل غير ابن أبي حاتم برواية الحارث بن يزيد هذا فقط عنه، وبيَّض له. وقد ذكر ابن هشام في "السيرة" (٣/ ٨) عن محمد بن إسحاق عن الزهري: أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله: يا رسول الله! ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: "لا حاجة لنا فيهم ".
وذكر نحوه ابن كثير في "البداية" (٤/ ١٤)، ومن قبله ابن القيم في "زاد المعاد"، وهو الموافق لحديث عائشة الصحيح: " إنا لا نستعين بمشرك أو بالمشركين ".
وهو مخرج في "الصحيحة " (١١٠١) كما تقدم قريبًا. وعليه فإني أقول: إذا تبين لك ضعف حديث الترجمة، وما فيه من عرضه - ﵌ - على اليهود أن يقاتلوا معه؛ فلا حاجة حينئذٍ إلى التوفيق بينه وبين حديث عائشة الصحيح كما فعل الطحاوي حين قال: "لأن اليهود الذين دعاهم النبي - ﵌ - إلى قتال أبي سفيان معه؛ ليسوا من المشركين الذين قال رسول اللَّهِ - ﵌ - في الآثار الأُوَل: فإنه لا يستعين بهم؛
[ ٢ / ١٤٦ ]
أولئك عبدة الأوثان، وهؤلاء أهل الكتاب الذين قد ذكرنا مباينة ما هم عليه مما عبدة الأوثان عليه في الباب الذي تقدم قبل هذا ".
قلت: يشير إلى بعض الأحكام التي خص بها أهل الكتاب دون المشركين كحل ذبائحهم، ونكاح نسائهم، وغيرها مما بعضه موضع نظر، وبنى على ذلك قوله (ص ٢٣٤): "فكان كل شرك بالله كفرًا، وليس كل كفر بالله شركًا"!
فأقول: لو سلمنا جدلًا بقوله هذا؛ فلا حاجة للتأويل المذكور لأمرين اثنين: الأول: أن التأويل فرع التصحيح كما هو معلوم، وما دام أن الحديث غير صحيح كما بينا؛ فلا مسوغ لتأويل الحديث الصحيح من أجله كما هو ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
والآخر: كيف يصح أن يقال في اليهود والنصارى: إنهم ليسوا من المشركين، والله ﷿ قال في سورة التوبة بعد آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. فمن جعل لله ابنًا؛ كيف لا يكون من المشركين؟! هذه زَلَّة عجيبة من مثل هذا الإمام الطحاوي. ولا ينافي ذلك أن لهم تلك الأحكام التي لا يشاركهم فيها غير أهل الكتاب من المشركين؛ فإنهم يشتركون جميعًا في أحكام أخرى-كما لا يخفى على أولي النُّهى-.
وقد لا يعدم الباحث الفقيه- الذي نجَّاه الله من التقليد- في الكتاب والسنة ما
[ ٢ / ١٤٧ ]
يؤكد ما تقدم، ويبطل قول الطحاوي السابق: " وليس كل كفر بالله شركًا"من ذلك تلك المحاورة بين المؤمن والكافر الذي افتخر بماله وجنَّتيه؛ كما قال ﷿ في سورة الكهف؛ ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾؛ فهذا كفر ولم يشرك في رأي الطحاوي! ولكن السِّياق يردّه؛ فتابع معي قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾؛ فتأمل كيف وصف صاحبَه الكافر بالكفر، ثم نره نفسه منه معبِّرًا عنه بمرادِفِه وهو الشرك؛ فقال: ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. وهذا الشرك مما وصَف به الكافرُ نفسَه فيما يأتي؛ فتابع قوله تعالى- بعد أن ذكر ما وعظه به صاحبه المؤمن-: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
قلت: فهذا القول منه- مع سباق القصة- صريح جدًا في أن شركه إنما هو شَكُّه في الآخرة، وهذا كفر وليس بشرك في رأي الطحاوي! فهو باطل ظاهر البطلان.
وإن مما يؤكد ذلك من السنة قوله - ﵌ -: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» رواه الشيخان وغيرهما عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ، وهو مخرج في "الصحيحة" برقم (١١٣٣)، فإن المراد بهم اليهود والنصارى؛ كما دلت على ذلك أحاديث أخر، منها قوله - ﵌ -: «لئن عشت؛ لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أترك فيها إلا مسلمًا».
رواه مسلم وغيره وهو مخرج هناك (١١٣٤).
[ ٢ / ١٤٨ ]
ولما كان حديث ابن عباس حجة قاطعة في الموضوع؛ غمز في صحته الطحاوي تعصبًا لمذهبه- مع الأسف-! وزعم أنه وهم من ابن عيينة قال (٤/ ١٦): "لأنه كان يحدث من حفظه؛ فيحتمل أن يكون جعل مكان (اليهود والنصارى): (المشركين) (!) ولم يكن معه من الفقه ما يميزبه بين ذلك "! كذا قال سامحه الله! فإنه يعلم أن تحديث الحافظ الثقة- كابن عيينة-من حفظه ليس بعلة؛ بل هو فخر له، وأن تخطئة الثقة بمجرد الاحتمال ليس من شأن العلماء المنصفين، ولكنها العصبية المذهبية؛ نسأل الله السلامة! وعلى مذهب الطحاوي هذا يمكن أن يغفر الله الكفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾!!
وبهذه الآية احتج ابن حزم ﵀ على أبي حنيفة الذي هو مَتبوعُ الطحاويُ في التفريق المزعوم؛ فقال عقبها (٤/ ٢٤٤): "فلو كان ههنا كفر ليس شركًا؛ لكان مغفورًا لمن شاء الله تعالى بخلاف الشرك، وهذا لا يقوله مسلم ".ثم أتبع ذلك بأدلة أخرى قوية جدًا، ثم قال:
"فصح أن كل كفر شرك، وكل شرك كفر، وأنهما اسمان شرعيان، أوقعهما الله تعالى على معنى واحد".ولولا خشية الإطالة؛ لنقلت كلامه كله لنفاسته وعزته، فليراجعه من شاء المزيد من العلم والفقه.
والخلاصة أن الحديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، وأن الاستعانة بأهل الكتاب في جهاد الكفار يشملها قوله - ﵌ -: «إنا لا نستعين بمشرك».
ولفظ مسلم (٥/ ٢٠١): «فارجع فلن أستعين بمشرك».
"الضعيفة" (١٣/ ١/٢٠٩ - ٢١٣).
[ ٢ / ١٤٩ ]
[١١٤] باب هل بين الكفر والشرك فرق؟
الشيخ: الحقيقة شأن كل طالب مبتدئ في العلم وأنا كنت كذلك وربما لا أزال كذلك، كنت أقرأ هذا الحديث ويصير فيه إشكال؛ لأن في بعض الروايات: «ليس بين الكفر والرجل إلا ترك الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر» (١) في بعض الروايات: «فقد أشرك».
مداخلة: سبحان الله العظيم.
الشيخ: أتساءل أنا كيف فقد أشرك؟! يا أخي! هذا تارك الصلاة- خاصة الذي يتركها كسلًا- كيف يعني أشرك؟ كنت أظن أنه لعله في وهم من الراوي، أنا طالب علم، بعد ذلك ربنا فتح ولو على سن والحمد لله فعرفت أنه شرعًا خلاف اللغة، لا فرق بين الكفر والشرك، (فكل) كفر شرك وكل شرك كفر ولا فرق بينهما شرعًا، أما لغةً فيوجد فرق؛ لأن الكفر في اللغة هو التغطية، أما الشرك فهو جعل الشيء شريكًا لآخر، كالمشركين الذي يجعلون لله أندادًا؛ لكن فيما بعد عرفت أن كل كافر ولو كان غير مشرك لغةً فهو مشرك واقعيًا لا يخلو أي كافر إلا أن يكون مشركًا ربنا يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣) اتخذ إلهه هواه، إذًا فكل من يتبع هواه فقد جعله شريكًا مع الله، فإذًا: أي كفر لو واحد أنكر حرف من آية من قرآن كريم هذا معناه أنه حكم عقله، واتخذ عقله إلهًا من هنا جاء الشرك، فإذًا: صدق من قال: كل كفر شرك وكل شرك كفر، ليس كمن يقول ليس كل كفر شرك، كما سمعت من الطحاوي، هذا في الواقع من العلوم النادرة جدًا، والتي تحل بها مشاكل كثيرة وكثيرة منها: آية: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٩٥١٩).
[ ٢ / ١٥٠ ]
ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) أنا قرأت إشكالًا حول هذه الآية في مجلة المنار الذي كان يصدرها السيد: رشيد رضا، جاء عليه اعتراض قال: إن الآية معناها: أن هؤلاء الكفار الأوروبيون الذين يؤمنون بالديانة الطبيعية يسمونها طبيعية يعني أن لهذا الكون خالقًا، وما يعرفون أكثر من ذلك، فيمكن أن هؤلاء الله يغفر لهم؛ لأنهم
غير مشركين وما استطاع السيد رشيد رضا يومئذ أن يجيب بجواب كمثل هذا الجواب الذي لو كان يحضره يومئذ كان فصل الخطاب، كل كفر شرك وكل شرك كفر، نعم.
"الهدى والنور" (٣٤١/ ٠٥: ٤٩: ٠٠)
[١١٥] باب كلمة حول الفرق بين الكفر والشرك
سؤال: هل الكتابيات اللواتي كُنّ في عهد النبي - ﵌ - كن ممن كان يقول بأن الله هو عيسى بن مريم.
الشيخ: إيه، لا شك، معلوم.
مداخلة: وعلى الرغم من ذلك أُحِلَ الزواجُ منهن ولم يكن هذا الزواج مشروطًا بتغيير دينهن إلى الإسلام.
الشيخ: نعم.
مداخلة: لما تحدثنا على .. أهل الكتاب أنه يفترض أن ذبحهم حلال أهل الكتاب، لأنهم كانوا يذبحون حلالًا ويذكون.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فالآن لا يذبحون إلا خنق فطعامهم ما عاد حلًا لنا.
[ ٢ / ١٥١ ]
الشيخ: هو هذا.
هن مشركات لكن زائد كتابيات، فكل كتابي مشرك ولكن ليس كل مشرك كتابي، فلتميز الكتابي على المشرك لكونه كتابيًا أعطيت له خصوصيات يتميز بها عن المشركين والمشركات.
مداخلة: ويجوز أنه ليس كل كتابي مشرك.
الشيخ: يجوز هذا، لكن على التعبير الإسلامي الصحيح كل من كفر بالله فهو مشرك، لا تنسى هذه محاضرة كنا ألقيناها ربما أكثر من مرة، تتذكرون هذا؟ كل كافر مشرك، ولو كان هو ليس مشركًا لغة، هل الكلام مفهوم لديك أبو عبد الله.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: سمعت الكلمة في هذا.
مداخلة: لا ما سمعت.
الشيخ: إذًا لا يكون مفهوم لديك، يكون مفهوم هكذا يعني .. المسألة
تريد بحث.
الآن أنت تعلم بأن هناك مذهب الطبيعيين الذين يؤمنون بأن لهذا الكون خالقًا، فالضرورة أدتهم إلى أن يعتقدوا بأن لهذا الكون خالقًا، لو أن مسلمًا حتى
لا نبتعد بالأمثلة، لو أن مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم ما شاء الله عليه، لكن يقول هذه الآية لم تعجبني، هذا كفر، هل هناك شك؟
مداخلة: لا.
[ ٢ / ١٥٢ ]
الشيخ: لكن أشرك، هذه ليس عندكم خبر بها، كونه كفر لا شك، لكن كونه أشرك تحتاج إلى بيان وتوضيح.
الشرك في اللغة أخص من الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركًا، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا يستحق العبادة سواه، هذا موحد ليس مشركًا، ويؤمن بكل ما جاء من عند الله، لكنه قال: الآية الفلانية لم تعجبني، أو الحديث النبوي ما أعجبني، هذا لغةً: كَفَرَ، لكنه ما أشرك، أما شرعًا فقد أشرك أيضًا، والسبب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣)، إذًا: هنا صار شرك لأنه جعل هواه إلهًا.
إذًا: هو يقول لا إله إلا الله، لكن من حيث واقعه جعل مع الله إلهًا، وليس من الضروري يكون إلهه فرعون أو اللات أو مناة .. إلى آخره، يكفي أن يكون إلهه هواه، من هنا الآن الشرع يجعل كل من كفر بمكفر ما مشركًا، وإليك الآن النص الصريح من القرآن الكريم، قصة المؤمن والملحد الذي أنكر البعث والنشور في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف: ٣٢ - ٣٥).
هو كفر في هذه الآية، لكن في الآيات التي بعدها سيحكم عليه ربنا
بأنه أشرك.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
[ ٢ / ١٥٣ ]
ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٥ - ٣٨).
فهو قال له: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾؛ لأنه اعتبره مشركًا حينما قال: ﴿ما أظن أن تبيد هذه أبدًا .. وما أظن الساعة قائمة﴾.
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٩ - ٤٢).
إذًا شركه كان شكه في البعث والنشور، إذًا: الشرع-وقدمت آنفًا التعليل- يعتبر كل كفر شركًا، فهكذا أهل الكتاب هم مشركون، ولو وجد هناك موحدون يعتقدون بأن عيسى ليس ابنًا لله، فهو مشرك؛ لأنه ما آمن بالله ورسوله، واضح أظن القصد.
مداخلة: هو مشرك لأنه كافر.
الشيخ: هذا هو، كل كافر مشرك.
"الهدى والنور" (٦٢٦/ ٢٩: ٠٣: ٠٠) و(٦٢٦/ ٣٤: ١٣: ٠٠)
[١١٦] باب بيان خطأ مقولة: الخطأ مغفور في الفروع دون الأصول، والتعرض لمسألة التفريق بين الكفر أو الشرك
سؤال: يا شيخنا طبعًا ذكرتم أن المنهج الصحيح موجود في القرآن والسنة، وقواعد المنهج معلومة لدينا فهما الكتاب والسنة على فهم الصحابة وما إلى ذلك،
[ ٢ / ١٥٤ ]
وكُلُّنا يعلم أنكم قد بذلتم جهدكم في سبيل إقامة قواعد هذا المنهج، ولست أنا أشهد أو غيري، ولكن السلسلة الصحيحة تشهد والسلسلة الضعيفة وإرواء الغليل .. وما إلى ذلك من الكتب التي كان هدفها تصفية الدين مما علق به من الشوائب من بدع ومنكرات وأحاديث ضعيفة ومنكرة، فالسؤال يا شيخنا يعني طبعًا على سبيل ضرب المثل الإمام ابن حجر في كتابه «فتح الباري في شرح أحاديث صحيح البخاري» كانت له بعض الزلات في مجال العقيدة، ونبه عليها شيخنا عبد العزيز بن باز في تعليقاته، فالسؤال: طبعًا هو في زلاته هذه يعني خفق في فهم الصحابة، فكانت له زلات في مجال العقيدة، فسؤالي: هل يخرج من المنهج أو زلاته في الاعتقاد تنفي عنه كونه على المنهج الصحيح. هذا السؤال يا شيخ؟
الشيخ: إذا كنا متذكرين جميعًا أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله - ﵌ -، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إمامًا في دعوة الحق، فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبناها، فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح، متى يكون المسلم صالحًا؟ هل يشترط في أن يكون صالحًا: ألا يقع منه أي ذنب أو معصية؟
الجواب: لا، بل من طبيعة الإنسان أن يقع منه الذنب والمعصية مرارًا وتكرارًا، فمتى يكون العبد صالحًا؟
إذا غلب خيره شره، وصلاحه على ضلاله .. وهكذا، كذلك تمامًا يقال في
[ ٢ / ١٥٥ ]
المسائل العلمية سواء كانت هذه المسائل العلمية مسائل عقدية أو فقهية، فإذا كان هذا العالم يغلب عليه العلم الصحيح فهو الناجي، أما أن له زلة أو زلات في الفقه أو في العقيدة فهذا لا يخرجه عن ما غلب عليه من العقيدة الصحيحة، فابن حجر ما ذكرت من له تلك الزلات فلا يعني ذلك أنه لا ينبغي أن نستفيد من كتابه، وألا نترحم عليه، وألا نحشره في زمرة علماء المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة.
كل إنسان يخطئ، ولا مجال [للبراءة] من الخطأ؛ لأن الله ﷿ حينما خلق ملائكة وخلق بشرًا فقد قدر على هؤلاء البشر أن يخطئوا رغم أنوفهم، كما قال ﵊، حديثان مهمان جدًا، ولكن حذاري أن يفهم فهمًا خاطئًا:
الحديث الأول: قال ﵊: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدركه لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه» (١)، الشاهد من هذا الحديث: «فهو مدركه لا محالة»، أي: لا يمكن أن يتخلص، لماذا؟ لأنه إنسان ليس مَلَكًا.
الحديث الآخر وهو الأهم، قال ﵊: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» (٢)، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يحلون محلكم ويذنبون بخلافكم، فهل أنتم لا تذنبون؟ فهذا قضاء الله قدره، لا بد لجنس البشر من أن يقع في الخطأ الذي لا يحبه الله، لكن هذا
_________________
(١) مسلم (رقم٦٩٢٥).
(٢) مسلم (رقم٧١٤١).
[ ٢ / ١٥٦ ]
الخطأ قد يكون من الصغائر من اللمم وقد يكون من الكبائر، فسواء كان هذا أو هذا، هذا أمر لا بد منه، ولكن هل معنى الحديث: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، هل معنى الحديث ومغزى الحديث: الحض على الذنوب وارتكاب المعاصي؟
الجواب: لا، المقصود من الحديث تمامًا عاقبته، يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، ومعنى هذا حينئذ: يا معشر البشر .. كما قال تعالى في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ..» (١) إلى آخر الحديث، الشاهد: أن حديث: «لو لم تذنبوا»، الهدف منه: أيها البشر ما دام أنكم فطرتم على المعصية فلا تتكلوا عليها، وإنما أتبعوها بالمغفرة بالاستغفار؛ حتى تعقبها المغفرة؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: ١١٤)، إذا كان إذًا هذه طبيعة البشر أن يخطئوا في مخالفة النص قصدًا وهي الذنوب، وأن يخطئوا في مخالفة النص لا قصدًا وإنما لسوء فهم فلا مؤاخذة في ذلك، المؤاخذة متى تكون؟ إذا أقيمت الحجة على إنسان، سواء كانت الحجة في مسألة عقدية فكرية أو كانت الحجة في مسألة فقهية، ثم عاند وأصر على خطئه فهنا تكون المؤاخذة، والعكس لا، أي: إذا إنسان وقع في خطأ عقدي لكنه هو كان حريصًا على معرفة الصواب في تلك العقيدة لكنه لم يوفق إلى ذلك، ولو أقيمت الحجة عليه لرجع إلى الصواب فلا مؤاخذة عليه.
لذلك هذا الكلام في الحقيقة يجرنا إلى مسألة من تلك المسائل المنهجية التي يجب أن نعرفها، فإن بعض العلماء، وبخاصة الكُتاب اليوم، يخطئون في هذه
_________________
(١) مسلم (رقم٦٧٣٧).
[ ٢ / ١٥٧ ]
المسألة، كثيرًا ما تقرءون أو تسمعون: أن الخطأ في الفهم يغتفر في الفروع وليس في الأصول، هذا خطأ، الخطأ يغتفر مطلقًا، سواء كان في الفروع أو كان في الأصول؛ لأنه عدم المؤاخذة من الله ﷿ لعباده هو لعدم وجود قصد المخالفة من هذا العبد لربه، فإذا وجدت المخالفة، سواء كانت المخالفة في العقيدة أو في الحكم في الفقه ولم يكن القصد هو العناد والمكابرة والجحد فلا مؤاخذة في ذلك، فالتفريق بين الأصول والفروع، بين العقيدة والفقه في مسألة عدم المؤاخذة بالخطأ في الفروع والمؤاخذة في الأصول، هذا التفريق لا أصل له، فهذا التفريق يشبه تمامًا التفريق البدعي الآخر وهو: أنه يجب الأخذ بحديث الآحاد في الفروع ولا يؤخذ بحديث الآحاد في الأصول، هذا خطأ وهذا خطأ.
أروي لكم الآن حديثًا من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ومن حديث حذيفة بن اليمان أيضًا رضي الله تعالى عنه: أن النبي - ﵌ - قال: «كان في من قبلكم رجل لم يعمل خيرًا قط، فلما حضره الموت جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» هل ترونه مؤمنًا وهو يقول: (إن قدر الله علي)؟ هذا شك في قدرة الله ﷿، إذًا نستطيع أن نقول: هل أخطأ في الفرع أم أخطأ في أصل الأصول في الله ﷿ الذي ذكر في خاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: ٧٨)؟ هذا الإنسان هو هذا الذي عناه الله ﷿ في هذا المثال، قال هذا الرجل: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا» يعترف بأنه كان مخطئًا مع ربه، وأن الله ﷿ إذا عذبه يكون عادلًا؛ لأنه كان مخطئًا معه، فللخلاص من عذابه دار في ذهنه مخرج مخلص، فأوصى بوصية في علمه وفي اعتقاده لم
[ ٢ / ١٥٨ ]
يقع مثلها في الدنيا من غير هذا الإنسان، «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم خذوا رمادي فذروا نصفه في البحر ونصفه في الريح» أحرقوه بالنار وأخذوا رماده والريح يهوج فذروه في الريح، والنصف الثاني في البحر، لماذا فعل هذا الرجل هذه الفعلة؟ ظن أنه يضل عن ربه، وأن الله ﷿ ليس بقادر على أن يقول له: كن بشرًا سويًا، لكن الله ﷿ فعل ذلك به، فلما مات وذروا رماده في الريح وفي البحر قال الله له: كن فلانًا، فكان بشرًا سويًا، قال له .. هنا الشاهد: «قال له: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب خشيتك-أنا خفت منك- قال: اذهب فقد غفرت لك».
هذا الحديث وقد عرفتم أنه من صحاح الأحاديث في البخاري ومسلم وعن صحابيين جليلين: أبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، هذا الحديث من مخصصات عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨)، في هذا الحديث قد غفر الله لهذا الجاني على نفسه بوصيته الجائرة.
لكن هنا لا بد لي من وقفة، وهذا من العلم الذي نحن بحاجة إليه باعتبارنا أننا ندعو الناس إلى الكتاب والسنة: هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ الآن أنا أوجه هذا السؤال وما أريد أن أسمع صوتًا، لكن أرى يدًا رفعت، من كان عنده الجواب عن هذا السؤال يرفع يده، هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ تفضل.
مداخلة: كافر.
الشيخ: كافر، تفضل.
[ ٢ / ١٥٩ ]
مداخلة: لا كافر ولا مشرك.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: ليس بكافر ولا مشرك؛ لأن الله ﷿ لا يغفر الشرك، والله ﷿ غفر له.
الشيخ: هاه، مع الأسف ما سمعنا جوابًا صحيحًا، الذي أنكر قدرة الله ﷿ على إعادته بشرًا كما كان هذا كافر بلا شك؛ لأن هذا هو الذي ذكرناكم بخاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: ٧٨)، هو جعل نفسه رميمًا سلفًا، يعني: ما صبر حتى يدفن ويصير جسمه رميمًا ترابًا، وإنما عجل على نفسه بتلك الوصية الجائرة فجعل نفسه رمادًا، لا شك أن هذا كفر.
لكن كنت أتمنى أن أسمع الجواب الصحيح، ومن أجل هذا أنا وقفت هذه الوقفة معكم من باب التذكير أو التعليم: هذا الرجل كفر وهذا الرجل أشرك، ولولا أنه أشرك ما جاز لي أن أقول: إن آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨]، قلنا: إن هذه الآية مخصصة بمثل هذه الحادثة، أي: أن بعض الشرك يغفر، هذا معنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء: ٤٨) ليست الآية على عمومها وشمولها، فبعض الشرك يغفر، وأنا الآن ذكرت لكم نوعًا، أذكر لكم نوعًا آخر، وهذا ستعرفونه، لأنكم تسمعون بأن أهل الفترة غير معذبين، أليس كذلك؟ طيب، هل تقولون: أنهم كانوا غير مشركين؟ كانوا مشركين، لكنهم لا يعذبون، لماذا؟ لأن حجة الله لم تقم عليهم، أي: لم تبلغهم دعوة الرسول، وأنا أتكلم بصورة عامة عن أهل الفترة لا أعني الذين بعث إليهم الرسول لكن بقاعدة عامة:
[ ٢ / ١٦٠ ]
أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ولو كانوا مشركين فهم لا يعذبون على شركهم، لماذا؟ لأن الحجة لم تصلهم.
فهنا في هذه القصة هذا الرجل بالنسبة للفكرة القائمة: أن الشرك أخص من الكفر، والكفر أعم من الشرك، بمعنى: كل من أشرك فقد كفر، وليس كل من كفر أشرك، هذا هو الفقه القائم في أذهان الناس إلا قليلًا منهم.
أُوضح ذلك بمثال: رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم .. إلى آخره، لكنه أنكر آية من القرآن، هذا كفر أم لم يكفر؟
مداخلة: كفر.
الشيخ: كفر، هل أشرك؟
مداخلة: ما أشرك.
الشيخ: ما أشرك، لا الصواب أشرك، كل كافر مشرك وكل مشرك كافر، لا فرق بين اللفظين إطلاقًا، هذه الحقيقة التي جرني إلى بيانها حديث ذلك الجائر في وصيته، إنه أشرك، كل من كفر فقد أشرك، ومن أشرك فقد كفر، لا إشكال في ذلك، والدليل على ذلك: لو تذكرنا محاورة المؤمن والكافر في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ..﴾ انتبهوا الآن: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (الكهف:٣٢ - ٣٦) بمفهومكم السابق هذا كفر
أم أشرك؟
[ ٢ / ١٦١ ]
مداخلة: أشرك.
الشيخ: كفر.
مداخلة: أشرك.
مداخلة: كفر.
الشيخ: مفهومكم السابق مفهومكم الخطأ هذا كفر وما أشرك، أنكر البعث والنشور، ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٥ - ٤٢)، إذًا: هو لما أنكر البعث والنشور أشرك مع الله، فكل من كفر بشيء جاء في الكتاب أو في السنة فهو في حالة كفره مشرك، هذا هو من ناحية النص القرآني، فما هو الوجه الفكري والعقلي؟
الجواب: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣)، فإذًا كل من كفر بكفرية ما يكون مشركًا مع الله؛ لأنه جعل عقل نفسه شريكًا مع ربه ﵎؛ ولذلك لا تفرقوا بين الكفر والشرك، إذا عرفتم هذه الحقيقة فيزول إشكال قد يعرج أحيانًا في البال لبعض من يسمع حديث الرسول ﵇ بروايته: «من ترك الصلاة فقد كفر»، «من ترك الصلاة فقد أشرك»، كيف هذا؟
الذي يفرق بين الكفر والشرك يشكل عليه لفظة: (أشرك)، لا، الصواب أن يقال: كفر، كذلك الحديث الآخر: «من حلف بغير الله فقد كفر»، «من حلف بغير الله فقد أشرك»، كفر أشرك، أشرك كفر، لا فرق بين اللفظين من حيث الاصطلاح
[ ٢ / ١٦٢ ]
الشرعي، من حيث الاصطلاح اللغوي في فرق بلا شك، لكن الشرع فتح بصائرنا وأفكارنا وأفهمنا لماذا كل من كفر بالله ﷿ أي نوع من الكفر يكون مشركًا؛ لأنه شرَّك عقله مع ربه عزوجل فجعله شريك فيما يصدر منه من قرار ومن حكم.
إذا عرفنا هذا نعود إلى وصية ذلك الرجل: «غفر الله له»، لماذا؟
هنا كان بيت القصيد من الاستدلال بالحديث؛ لأن الكفر لم يعقد في قلبه، إنما عرض له لشبهة طرأت له من هول تصوره لعذاب ربه له فيما إذا تمكن منه، فليتخلص من هذا العذاب الذي هو يستحقه أوصى بتلك الوصية الجائرة، فإذا أصابت مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله يؤمن بكتاب الله وبحديث رسول الله فتأول نصًا من كتاب الله، إن كان تأوله وهو يعلم أنه مبطل فهو كافر، أما إن كان شُبِّه له فلا مؤاخذة عليه.
وهذا هو نهاية الجواب عن ذلك السؤال.
"الهدى والنور" (٧٢٤/ ٥٥: ٠٠: ٠٠)
[١١٧] باب أركان نفي الشرك بالله
[قال الإمام]:
إن نفي الشريك عن الله تعالى لا يتم إلا بنفي ثلاثة أنواع من الشرك:
الأول: الشرك في الربوبية وذلك بأن يعتقد أن مع الله خالقا آخر﷾- كما هو اعتقاد المجوس القائلين بأن للشر خالقا غير الله سبحانه، وهذا النوع في هذه الأمة قليل والحمد لله وإن كان قريبا منه قول المعتزلة: إن الشر إنما هو من خلق الإنسان، وإلى ذلك الإشارة بقوله - ﵌ -:
[ ٢ / ١٦٣ ]
«القدرية مجوس هذه الأمة » الحديث، وهو مخرج في مصادر عدة عندي أشرت إليها في «صحيح الجامع الصغير وزيادته» رقم (٤٣١٨).
الثاني: الشرك في الألوهية أو العبودية، وهو أن يعبد مع الله غيره من الأنبياء والصالحين، كالاستغاثة بهم، وندائهم عند الشدائد، ونحو ذلك، وهذا مع الأسف في هذه الأمة كثير، ويحمل وزره الأكبر أولئك المشايخ الذين يؤيدون هذا النوع من الشرك باسم التوسل «يسمونها بغير اسمها».
الثالث: الشرك في الصفات، وذلك بأن يصف بعض خلقه تعالى ببعض الصفات الخاصة به ﷿، كعلم الغيب مثلًا، وهذا النوع منتشر في كثير من الصوفية ومن تأثر بهم مثل قول بعضهم في مدحه النبي - ﵌ -:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم ومن هنا جاء ضلال بعض الدجالين، يزعمون أنهم يرون رسول الله - ﵌ - اليوم يقظة، ويسألونه عما خفي عليهم من بواطن نفوس من يخالطونهم، ويريدون تأميرهم في بعض شؤونهم، ورسول الله - ﵌ - ما كان ليعلم مثل ذلك في حال حياته ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ (الأعراف:١٨٨) فكيف يعلم ذلك بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى؟
هذه الأنواع الثلاثة من الشرك؛ من نفاها عن الله في توحيده إياه، فوحده
في ذاته، وفي عبادته، وفي صفاته، فهو الموحد الذي تشمله كل الفضائل
الخاصة بالموحدين.
ومن أخل بشيء منه، فهو الذي يتوجه إليه مثل قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (الزمر: ٦٥).
[ ٢ / ١٦٤ ]
فاحفظ هذا فإنه أهم شيء في العقيدة، فلا جرم أن المصنف [أي الطحاوي في عقيدته] ﵀ بدأ به، ومن شاء التفصيل فعليه بشرح هذا الكتاب [أي الطحاوية] وكتب شيوخ الإسلام ابن تيمة، وابن القيم، وابن عبد الوهاب، وغيرهم ممن حذا حذوهم واتبع سبيلهم ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ (الحشر:١٠).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧ - ١٠).
[١١٨] باب تعريف المشرك
[قال الإمام]:
المشرك: من أشرك مع الله شيئًا في ذاته تعالى، أو في صفاته، أو في عبادته.
"الصحيحة" (٤/ ٨٧).
[١١٩] باب ضوابط التفرقة بين الشرك الأكبر والأصغر
سؤال: ما هي الضوابط الدقيقة في التفرقة بين الشركين الأكبر والأصغر؟
الشيخ: لا يحضرني جواب عن هذا السؤال لأن فيه دقة.
"رحلة النور" (٣٠أ/٠٠:٣٦:٣٦)
[١٢٠] باب شرك الطاعة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرّموه، [فتلك عِبادتهم]»
[ ٢ / ١٦٥ ]
[قال الإمام]:
عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي - ﵌ - وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي! اطرح هذا الوثن».
وسمعته يقرأ في سورة (براءة): ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾، [فقلت: إنا لسنا نعبدهم]؟! قال: فذكره.
وقال العلامة الآلوسي في "روح المعاني " عقب الحديث : "ونظير ذلك قولهم: فلان يعبد فلانًا؛ إذا أفرط في طاعته، فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة، أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها، والأول أبلغ، وقيل: اتخاذهم أربابًا بالسجود لهم، ونحوه مما لا يصلح إلا للرب ﷿، وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله - ﵌ -.
والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه، وإن أخطأه اجتهاد مقلِّدِه ".
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٦١، ٨٦٥ - ٨٦٦).
[١٢١] باب أول من عبد الأصنام وغيَّر دين إسماعيل ﵇
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به]
"الصحيحة" (٤/ ٢٤٢)
[ ٢ / ١٦٦ ]
[١٢٢] باب ردّ شبهةٍ لمن جوَّز صناعة التماثيل
سؤال: في رأي يعني يقولوا: إن الشيء المحرم تحريم لذاته .. يكون محرم في جميع الأديان يقولوا كذلك، والشيء المحرم لعلة يكون محرم لأجل هذه العلة، وإذا فقدت هذه العلة فيحلل لهذا الشيء أو يصير يعني ما في كراهة، ضرب مثلًا على ذلك: أن عمل التماثيل كان يعني: محلل لسيدنا سليمان بينما الزنا وقتل النفس الذي حرمها الإسلام، فهذا محرم في جميع الأديان، فهذا يحرم.
فيقولون: الآن يجوز نصنع التماثيل لأن العلة لتحريمها قد زالت، ولا يوجد الآن من يعبد إنسانًا أو يعبد صورًا؟
الشيخ: ما شاء الله.
يقال لمن يقول ما حكيت عنه: كما تعلَّمنا من بعض العلماء الأفاضل ومن شيوخنا الأكارم الذي لم نلقهم، وإنما على قاعدة:
لنا جلساء لا نمل سماعهم مأمونون غيبًا ومشهدًا
فإن قلت أموات فما أنت بكاذب وإن قلت أحياء فما أنت بمفند
فبعض هؤلاء الشيوخ يقول لمثل هذا المدعي: أثبت العرش ثم انقش، ما هو الدليل على أن علة تحريم الأصنام- صنع الأصنام والصور- هو خوف أن تعبد من دون الله ﷿؟!.
ثم ما هو الدليل على أن هذه العبادة قد أمنا أن يقع فيها المسلمون؟!
سأعود إلى الدعوى الأولى: أي: أن نطالبهم بالدليل على العلم المدعَى،
[ ٢ / ١٦٧ ]
لكن نحن نسبق الأمر فنقول: لو ثبت أن العلة هو كذلك: خشية أن تعبد الأصنام، لكن من أين لنا أننا خلاص انتهينا وأمنا، أنه واحد يقع في الشيء، كيف هذا؟ والرسول - ﵌ - يقول كما في صحيح البخاري (١): «لا تقوم الساعة حتى تضطرب آليات نساء دوس حول صنم لهم يقال له: ذو الخليصة» هذا خبر عن الرسول في أصح الكتب بعد القرآن! فإذًا: الذي أشرت إليه من القائلين يقول ما لا يعلم، بل يقولوا: ما يخالف فيه كلام الرسول - ﵌ -، أعود إلى العلة ما هو الدليل على أن العلة هو خشية أن يعبد المسلمون الأصنام؟ ممكن أن تكون هذه حكمة أو بعض علة، أما أن تكون هي علة فأولًا: لا دليل لهم على ذلك إلا مجرد الظن وصدق الله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس: ٣٦).
ثانيًا: لقد نص الحديث على خلاف ما يزعمون، لقد قال ﵊ يقول ربنا ﵎: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة، فليخلقوا حبة، فليخلقوا شعيرة» (٢) أو قدَّم أو أخر فربما يكون الأمر كذلك، المهم: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة، فليخلقوا شعيرة، فليخلقوا ذرة».
إذًا: هذا ينص أن التحريم سببه: المضاهاة، وهذا جاء أيضًا في حديث عائشة: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» (٣) هذه العلة الأساسية التي جاءت منصوصة في السنة الصحيحة، أما الخشية التي ذكرتها أو حكيتها آنفًا فهي علة اجتهادية مأخوذة من تاريخ بعض الأمم المتقدمة كقوم نوح ﵇
_________________
(١) (رقم ٦٦٩٩).
(٢) البخاري (رقم٥٦٠٩).
(٣) البخاري (رقم٥٦١٠) ومسلم (رقم٥٦٤٧).
[ ٢ / ١٦٨ ]
حيث حكى ربنا ﷿ في القرآن أنه قال: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (نوح:٢٣، ٢٤).
يقول ابن عباس كما في البخاري وتفسير ابن جرير وغيرهما: أن هؤلاء الخمسة كانوا عبادًا لله صالحين فلما ماتوا أوحى الشيطان إليهم أن يجعلوا قبورهم داخل دورهم، فلا يدفنوهم في مقابرهم كعامة الناس، وذلك تمجيدًا وتقديسًا، وتذكرًا لمناقبهم-زعموا- كما يقول اليوم الذين بدءوا ينشرون الأصنام وينصبونها في الأماكن العامة والمنتزهات ونحو ذلك، وتركهم الشيطان جيلًا من الزمان، ثم جاءهم فأوحى إليهم أن بقاء هؤلاء في هذه القبور كما هم قد تأتي عاصفة من السماء أو سيول أو وتذهب بقبورهم فتنسونهم ماذا نفعل؟ قال: اتخذوا لهم أصنامًا، فجعلوا أصنامًا خمسة فوضعوها في أماكن أوحى للجيل الذي بعدهم أن يضعوها في أماكن تليق بذكراهم، وما جاء الجيل الذي بعدهم إلا وأخذوا يعبدونهم من دون الله، وكان من أولئك قوم نوح ﵇ ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكان جوابهم ما سمعت، ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ (نوح: ٢٣) فنهي الإسلام عن الصور وعن التماثيل وبخاصة: المجسمة منها.
يمكن أن يقال: أن هذا من باب سد الذريعة أن تعظم هذه الأصنام لكن لا نقول: أن العلة هو هذا، العلة ذكرت في الحديثين السابقين، فخلاصة الجواب: أن التصوير محرم بأحاديث قاطعة في الإسلام، وليس هناك ما يدل إطلاقًا أنه يأتي زمن تستباح هذه الأصنام (١)؛لأن الناس يعرفون التوحيد ولا يقعون في الشرك، وماذا نقول اليوم ولا نزال نحن نشكوا من الألوف المؤلفة بل الملايين المملينة من المسلمين فهم يطوفون حول القبور وحول زيارة الصالحين والأولياء، ومناداتهم
_________________
(١) أي: يستباح صناعتها. [منه].
[ ٢ / ١٦٩ ]
من دون الله وهؤلاء يشهدون معنا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فماذا نقول عن الكفار وعن الشيوعيين الذين يطوفون حول لينين قبر لينين، أين عقول هؤلاء الناس إن الناس ﴿الذين يقولون﴾ أصبحوا عارفين بالشرك مجتنبين إياه؟! وجماهير المسلمين يصدق فيهم مع الأسف الشديد قول رب العالمين: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦).
فهذا يأتي من الجهل بالتوحيد حقيقة؛ لأن أكثر هؤلاء المسلمين يتوهمون أن التوحيد هو أن تعتقد بأن الله خالق واحد لا ند له ولا شريك له، أما أن تعبد غيره، فهذا ليس له علاقة بالشرك ومنافاة التوحيد، هذا شيء مؤسف جدًا جدًا، فالصور لا تزال محرمة إلى يوم القيامة.
" الهدى والنور" (٩١/ ٥٨: ١٥: ٠٠)
[١٢٣] باب الترهيب من الرياء
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«من عمل عملًا رياءً؛ لم يكتب لا له ولا عليه».
(موضوع).
[قال الإمام]:
ثم إن حديث الترجمة باطل ظاهر البطلان؛ فإنه مع مخالفته لصراحة الآية: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾؛ فهو معارض للأحاديث الصحيحة في الترهيب من الرياء في العبادة والموافقة لصراحة الآية، كقوله - ﵌ -: «قال الله ﵎: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشِركه». رواه مسلم (٨/ ٢٢٣).
[ ٢ / ١٧٠ ]
بل هو معارض لقوله في الحديث نفسه: "من صام رياءً؛ فقد أشرك " إلخ؛ إذ كيف يقال فيمن أشرك: " لا عليه"؟!
"الضعيفة" (١١/ ١/٤٠٢ - ٤٠٣).
[١٢٤] باب الاستكبار عن عبادته تعالى ودعائه يوجب غضبه تعالى، والرد على من ادعى أن دعاء الله سوء أدب مع الله
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من لم يدع الله يغضب عليه».
[قال الإمام]:
وإن مما لا شك فيه أن الاستكبار عن عبادته تعالى ودعائه يستلزم غضب الله تعالى على من لا يدعوه وقد غفل عن هذه الأحاديث بعض جهلة الصوفية أو تجاهلوها، بزعمهم أن دعاء الله سوء أدب مع الله، متأثرين في ذلك بالأثر الإسرائيلي: " علمه بحالي يغني عن سؤاله "! فجهلوا أن دعاء العبد لربه تعالى ليس من باب إعلامه بحاجته إليه ﷾ ﴿يعلم السر وأخفى﴾، وإنما من باب إظهار عبوديته وحاجته إليه وفقره.
"الصحيحة" (٦/ ١/٣٢٣، ٣٢٦).
[١٢٥] باب سؤال الله، والرد على من حرَّمه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«حسبي من سؤالي علمه بحالي».
(لا أصل له).
[ ٢ / ١٧١ ]
[قال الإمام]:
أورده بعضهم من قول إبراهيم ﵊، وهو من الإسرائيليات ولا أصل له في المرفوع، وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء مشيرا لضعفه فقال: روي عن كعب الأحبار: " أن إبراهيم ﵊ لما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال جبريل: فسل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي " وقد أخذ هذا المعنى بعض من صنف في الحكمة على طريقة الصوفية فقال: سؤالك منه-يعني الله تعالى- اتهام له، وهذه ضلالة كبري! فهل كان الأنبياء صلوات الله عليهم متهمين لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟ فهذا إبراهيم ﵊ يقول: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهو ي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون، ربنا ﴾ إلى آخر الآيات وكلها أدعية، وأدعية الأنبياء في الكتاب والسنة لا تكاد تحصى، والقائل المشار إليه قد غفل عن كون الدعاء الذي هو تضرع والتجاء إلى الله تعالى عبادة عظيمة بغض النظر عن ماهية الحاجة المسؤولة، ولهذا قال - ﵌ -: «الدعاء هو العبادة»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ " ذلك لأن الدعاء يظهر عبودية العبد لربه وحاجته إليه ومسكنته بين يديه، فمن رغب عن دعائه، فكأنه رغب عن عبادته ﷾، فلا جرم جاءت الأحاديث متضافرة في الأمر به والحض عليه حتى قال - ﵌ -: " من لا يدع الله يغضب عليه ".
أخرجه الحاكم (١/ ٤٩١) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ١٧٢ ]
قلت: وهو حديث حسن، وتجد بسط الكلام في تخريجه وتأكيد تحسينه والرد على من زعم من إخواننا أنني صححته وغير ذلك من الفوائد في " السلسلة الأخرى " (رقم ٢٦٥٤).
"الضعيفة" (١/ ٧٤ - ٧٦).
[١٢٦] باب جواز إطلاق لفظ المشرك على أهل الكتاب
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه دلالة على جواز إطلاق لفظ " المشرك " على أهل الكتاب، فإنهم هم المعنيون بهذا الحديث كما يدل عليه الحديث السابق ومثله الحديث الآتي: " لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها إلا مسلما ".
"الصحيحة" (٣/ ١٢٥).
[١٢٧] باب هل الكتابيات مشركات؟
سؤال: هل الكتابيات اللواتي كن في عهد النبي - ﵌ - كن ممن كان يقول بأن الله هو عيسى بن مريم.
الشيخ: إيه، لا شك، معلوم.
[ ٢ / ١٧٣ ]
مداخلة: وعلى الرغم من ذلك أحل الزواج منهن ولم يكن هذا الزواج مشروطًا بتغيير دينهن إلى الإسلام.
الشيخ: نعم.
مداخلة: لما تحدثنا على .. أهل الكتاب أنه يفترض أن ذبحهم حلال أهل الكتاب، لأنهم كانوا يذبحون حلالًا ويذكون.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فالآن لا يذبحون إلا خنق فطعامهم ما عاد حلًا لنا.
الشيخ: هو هذا.
هن مشركات لكن زائد كتابيات، فكل كتابي مشرك ولكن ليس كل مشرك كتابي، فلتميز الكتابي على المشرك لكونه كتابيًا أعطيت له خصوصيات يتميز بها عن المشركين والمشركات.
مداخلة: ويجوز أنه ليس كل كتابي مشرك.
الشيخ: يجوز هذا، لكن على التعبير الإسلامي الصحيح كل من كفر بالله فهو مشرك، لا تنسى هذه محاضرة كنا ألقيناها ربما أكثر من مرة، تتذكرون هذا؟ كل كافر مشرك، ولو كان هو ليس مشركًا لغة، هل الكلام مفهوم لديك أبو عبد الله.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: سمعت الكلمة في هذا.
مداخلة: لا ما سمعت.
[ ٢ / ١٧٤ ]
الشيخ: إذًا لا يكون مفهوم لديك، يكون مفهوم هكذا يعني .. المسألة
تريد بحث.
الآن أنت تعلم بأن هناك مذهب الطبيعيين الذين يؤمنون بأن لهذا الكون خالقًا، فالضرورة أدتهم إلى أن يعتقدوا بأن لهذا الكون خالقًا، لو أن مسلمًا حتى لا نبتعد بالأمثلة، لو أن مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم ما شاء الله عليه، لكن يقول هذه الآية لم تعجبني، هذا كفر، هل هناك شك؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لكن أشرك، هذه ليس عندكم خبر بها، كونه كفر لا شك، لكن كونه أشرك تحتاج إلى بيان وتوضيح.
الشرك في اللغة أخف من الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركًا، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا يستحق العبادة سواه، هذا موحد ليس مشركًا، ويؤمن بكل ما جاء من عند الله، لكنه قال: الآية الفلانية لم تعجبني، أو الحديث النبوي ما أعجبني، هذا لغةً: كَفَرَ، لكنه ما أشرك، أما شرعًا فقد أشرك أيضًا، والسبب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣)، إذًا: هنا صار شرك لأنه جعل هواه إلهًا.
إذًا: هو يقول لا إله إلا الله، لكن من حيث واقعه جعل مع الله إلهًا، وليس من الضروري يكون إلهه فرعون أو اللات أو مناة .. إلى آخره، يكفي أن يكون إلهه هواه، من هنا الآن الشرع يجعل كل من كفر بمكفر ما مشركًا، وإليك الآن النص الصريح من القرآن الكريم، قصة المؤمن والملحد الذي أنكر البعث والنشور في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ
[ ٢ / ١٧٥ ]
وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف: ٣٢ - ٣٥). هو كفر في هذه الآية، لكن في الآيات التي بعدها سيحكم عليه ربنا بأنه أشرك.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٥ - ٣٨).
فهو قال له: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾؛ لأنه اعتبره مشركًا حينما قال: ﴿ما أظن أن تبيد هذه أبدًا .. وما أظن الساعة قائمة﴾.
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٩ - ٤٢).
إذًا شركه كان شكه في البعث والنشور، إذًا: الشرع-وقدمت آنفًا التعليل- يعتبر كل كفر شركًا، فهكذا أهل الكتاب هم مشركون، ولو وجد هناك موحدون يعتقدون بأن عيسى ليس ابنًا لله، فهو مشرك؛ لأنه ما آمن بالله ورسوله، واضح أظن القصد.
مداخلة: هو مشرك لأنه كافر.
الشيخ: هذا هو، كل كافر مشرك.
"الهدى والنور" (٦٢٦/ ٢٩: ٠٣: ٠٠) و(٦٢٦/ ٣٤: ١٣: ٠٠)
[ ٢ / ١٧٦ ]
[١٢٨] باب الرد على من حصر العقيدة في توحيد الربوبية
[سئل الإمام عمن يُعَرِّفُ «لا إله إلا الله» بـ «لا رب إلا الله» هل هذا التعريف ينفعه، فأجاب ﵀]:
كلا لا ينفعهم؛ لأن هذه العقيدة ليست كافية؛ لأن الكفار الذين عادوا الرسول ﵇، وقاتلوه، واضطروه للخروج من بلده والهجرة إلى المدينة المنورة كانوا يعتقدون هذه العقيدة، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
فآيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن المشركين كانوا أولًا يؤمنون بوجود الله، وثانيًا لا يجعلون شريكًا لله في ذاته، فلا يعتقدون أن هناك خالقًا معه، نافعًا معه، ضارًا معه، بل كانوا يعتقدون أن الأمر كله بيده ﵎، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الله ﷿ لما أرسل الرسل وأنزل الكتب، لم يفعل ذلك لكي يدعو الناس إلى الاعتقاد بوجود الله وبأنه هو الضار النافع، وأنه لا شريك له في شيء من ذلك، ما بعثهم ولا أنزل الكتب من أجل هذا؛ لأن هذا أمر مفطور في الناس حتى المشركين، ولذلك صرحت الآية الكريمة أن المشركين إذا سئلوا: ﴿أإلهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فرقوا بين الإله وبين الرب، فهم يشركون في الألوهية ولا يشركون في الربوبية، يعتقدون بأن الله هو رب العالمين وحده لا شريك له، وأنهم إذا وقعوا في مصيبة أو في بلية تضرعوا إلى الله والتجؤوا إليه؛ لما وقر في نفوسهم من أن الله
[ ٢ / ١٧٧ ]
هو الضار وهو النافع، فهم كانوا يؤمنون بما كان يسمى عند العلماء بتوحيد الربوبية، لكن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة هؤلاء الناس جميعًا إلى عبادته وحده لا شريك له، ليس إلى اعتقاد أنه واحد في ذاته، وأنه لا خالق معه، لاحظ الاعتقاد كانوا يؤمنون به بصريح القرآن الكريم، وإنما الذين كانوا يكفرون به أن هناك أشخاصًا مخلوقين ويستحقون أن يعبدوا مع الله ﵎، وهذا صريح في القرآن، حيث قال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤)، الذين تدعونهم في الشدة هم عباد أمثالكم.
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤)؛ لأنهم يعتقدون أنهم عبيد، ولذلك قال ﷿ في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله أولياء إذا سئلوا: لماذا تعبدونهم من دون الله، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
إذًا: هم يؤمنون بأن المعبود الحق هو واحد لا شريك له في العبادة، ولكنهم من ضلالهم أنهم اتخذوا من بعض الصالحين أولياء يعبدونهم، يتوجهون إليهم بالدعاء والاستغاثة والركوع والسجود، لماذا؟
هم أجابوا بأنفسهم وألسنتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
فإذًا: المشركون الذين كانوا في عهد الرسول ﵇ ما كان الخلاف بينهم وبين الرسول هو في أن الخالق واحد والرازق واحد، والمحيي واحد، والمميت واحد، هذا كانوا يؤمنون به، ولكن الخلاف كان في أنهم عبدوا غير الله ﷿، خضعوا لغير الله ﷿، فأشركوا مع الله في العبادة، وليس في
[ ٢ / ١٧٨ ]
الربوبية، ولذلك وصل ضلال هؤلاء المشركين إلى أنهم كانوا إذا طافوا بالبيت وهذا الطواف ورثوه من أبيهم إبراهيم ﵊، ثم دخلهم الشرك، فكان قائلهم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا تملكه أنت وما ملك.
لك شريك لكن هذا الشريك هو مملوك لك، وما معه أيضًا مملوك لك.
إذًا: فالمشركون كفروا بتوحيد الألوهية، بتوحيد العبادة وليس بتوحيد الربوبية، ولهذا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، أما الآية السابقة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥)، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
الشاهد أن الآية الأولى صريحة بأن المشركين يؤمنون بربوبية الله وحده
لا شريك له، الآية الثانية صريحة بأنهم ينكرون أن يكون الإله واحد، ما معنى
الإله إذًا؟
الإله: هو المعبود، فلما كان الرسول يدعوهم إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، كانوا ينكرون ذلك ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، كيف يستكبرون وهم في الآية الأخرى ربنا يخبر عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
معنى ذلك أن الربوبية شيء، والألوهية شيء آخر.
[ ٢ / ١٧٩ ]
الرب واحد باتفاق البشر جميعًا حتى المشركين الذين قاتلوا الرسول ﵇ وعادوه كما ذكرنا، أما الإله فمتعدد عندهم، ولذلك استنكروا على الرسول ﵇ حينما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة أنواع وأقسام، وأعظم عبادة تتجلى فيها حاجة الإنسان وعبوديته لله ﷿ هو الدعاء، ولذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح: «الدعاء هو العبادة، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠).
إذًا: المشركون، هذه نقطة مع الأسف كثير من الخواص المسلمين اليوم لم يتنبهوا لها، وهو التفريق بين الربوبية وبين الألوهية، فالمشركون كانوا يؤمنون بوحدانية الله في الربوبية، ولكنهم كانوا يكفرون بوحدانية الله في العبادة والألوهية، ولذلك كانوا يقولون بأن لله شريكًا لكن هذا الشريك مملوك لله وما يملكه هذا الشريك، وعلى هذا فمعنى: لا إله إلا الله، لا يجوز تفسيره بمعنى: لا رب إلا الله، هذا اعتقاد المشركين لا يكفي، وإنما لا إله إلا الله، معنى هذه الكلمة التي جاءت في القرآن مأمور بها ﵇ والمقصودين أمته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩)، معنى هذا، فاعلم أنه لا معبود بحق في الوجود إلا الله.
ليس لا رب إلا الله، لا رب إلا الله، المشركون يؤمنون بهذا، يعني الخالق والرازق والمحيي والمميت، المشركون يعتقدون بأنه واحد لا شريك له، لكنهم يجعلون له شريكًا في العبادة.
من هنا لا يجوز للمسلم أولًا أن يفهم هذه الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) بمعنى لا رب إلا الله، لأنه تعطيل لمعنى الألوهية والعبادة لله ﷿ وحده.
ثانيًا: إذا فهم المسلم هذه الكلمة الطيبة أن المعنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود
[ ٢ / ١٨٠ ]
بحق في الوجود إلا الله، فلا يجوز له أن ينقض هذه العقيدة، عقيدة التوحيد في عبادة الله وحده لا شريك له عمليًا، كثير من المسلمين اليوم يدعون في الشدائد غير الله، كما كان المشركون يفعلون تمامًا، فهذا ينادي البدوي، وهذا ينادي عبد القادري الجيلاني، وهذا ينادي الشاذلي، إلى آخره.
كل هؤلاء الأشخاص يُعْبَدُون اليوم من كثير من المسلمين بسبب جهلهم معنى هذه الكلمة لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ولهذا كان أول ما دعا إليه الرسول ﵇ هو هذه الكلمة الطيبة، كما قال - ﵌ - في الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم عند الله».
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله» لا يعني: أن لا رب، وإنما يعني أن لا معبود بحق إلا الله، فمن اعتقد أن لا معبود بحق إلا الله آمن بأن الرب واحد لا شريك له، لكن من آمن بأن الرب واحد لا شريك له بذاته، قد يكفر بالعبودية، بعبادة الله وحده لا شريك له، لأنه من عبادة الله الدعاء، فإذا دعا غير الله فقد اتخذه إلهًا من دون الله ﵎.
"الهدى والنور" (١٧٨/ ٥٠: ٠٢: ٠١)
[١٢٩] باب ذكر أخذ الميثاق
من ذرية بني آدم وهل كان على الحقيقة؟
نقل الآلوسي في "الآيات البينات" عن البيضاوي أنه حمل آية الميثاق على التمثيل لا الحقيقة وذلك في "تفسيره"، [فعلق الألباني قائلًا]:
[ ٢ / ١٨١ ]
وهو [أي تفسير البيضاوي] المعروف بـ " أنوار التنزيل وأسرار التأويل " (٣/ ٣٣) قال في معنى الآية: " نَزَّل تمكين بني آدم من العلم بربوبيته بنصب الدلائل وخلق الاستعداد فيهم وتمكنهم من معرفتها والإقرار بها منزلة الإشهاد والاعتراف تمثيلًا وتخييلًا فلا قول ثَم ولا شهادة حقيقة ". وقد تعقبه جماعة منهم العلامة علي القاري في " المرقاة " فقال (١/ ١٤٠):
وفيه أن هذا يرجع إلى مذهب المعتزلة، ومنهم الخطيب الكازروني في حاشيته عليه رد عليه تأويله المذكور بكلام قوي، ومما قاله: " إن الواجب على المفسر المحقق أن لا يفسر القرآن برأيه إذا وجد نقلًا معتمدًا عن السلف فكيف بالنص القاطع من النبي - ﵌ -؟ "، فراجعه فإنه مهم.
ومنهم الإمام الشوكاني في " فتح القدير " (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٢).وصديق حسن خان في " فتح البيان " (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٩) وكتابه " الدين الخالص " (١/ ٣٩١).و" أضواء البيان " (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٨) للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمهم الله تعالى.
[ثم ذكر الآلوسي في نفس السياق تفسير والده "روح المعاني"، فعلق الألباني قائلًا]:
ورَدَّ فيه [أي رَد َّالآلوسي الأب في تفسيره] تأويل البيضاوي المذكور وقال: " يأبى عنه كل الإباء حديث ابن عباس [هو حديث" إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بـ (نعمان) يوم عرفة وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلًا قال: «ألست بربكم قالوا: بلى» ". قال الألباني: وهو حديث صحيح بل هو متواتر المعنى كما بينته في " الصحيحة " (١٦٢٣)].
ثم ذكر أن المعتزلة ينكرون أخذ الميثاق التالي المشار إليه في الأخبار
[ ٢ / ١٨٢ ]
ويقولون: إنه من جملة الآحاد فلا يلزمنا أن نترك ظاهر الكتاب، وطعنوا في صحتها بمقدمات عقلية مبنية على قواعد فلسفية على ما هو دأبهم في أمثال هذه المطالب، ثم سرد كلماتهم في ذلك وردها كلها.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٠ - ١٥١)
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية: والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق]:
قلت: يشير إلى بعض الأحاديث المصرحة بأن الله تعالى استخرج الذرية من صلب آدم ﵊ وقد ذكر في الشرح أربعة منها وهي مخرجة في تعليقي عليه وفي " تخريج السنة " (رقم ١٩٥ - ٢٠٥) وقد كنت استثنيت في التعليق المشار إليه (ص ٢٦٦ - الطبعة الرابعة [شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٠٤]) من الصحة مسح الظهر الوارد في حديث عمر وكان ذلك سهوًا مني أسأله تعالى أن يغفره لي فقد تنبهت إلى أن له شاهدًا حسنًا من حديث أبي هريرة وهو مذكور في " الشرح " وآخر من حديث ابن عباس بسند ضعيف خرجته في " السنة " (٢٠٣) فاقتضى التنبيه.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٨).
[١٣١] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بـ (نعمان) - يعني عرفة-فأخرج
[ ٢ / ١٨٣ ]
من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أوتقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾».
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (١/ ٢٧٢) وابن جرير في " التفسير " (١٥٣٣٨) وابن أبي عاصم في " السنة " (١٧/ ١) والحاكم (٢/ ٥٤٤) والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٣٢٦ - ٣٢٧) كلهم من طريق الحسين بن محمد المروذي حدثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - ﵌ - قال: فذكره. قال الحاكم: " صحيح الإسناد ".ووافقه الذهبي.
قلت: وحقهما أن يقيداه بأنه على شرط مسلم، فإن كلثوم بن جبر من رجاله وسائرهم من رجال الشيخين. وتابعه وهب بن جرير حدثنا أبي به دون ذكر " نعمان" وقال أيضا: " صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر ".ووافقه الذهبي أيضا. وأما ابن كثير فتعقبه بقوله في " التفسير " (٢/ ٢٦٢): " هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فوقفه. وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع عن ربيعة بن كلثوم بن جبر عن أبيه به، وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، فهذا أكثر وأثبت. والله أعلم ".
قلت: هو كما قال رحمه الله تعالى، ولكن ذلك لا يعني أن الحديث لا يصح مرفوعا وذلك لأن الموقوف في حكم المرفوع، لسببين: الأول: أنه في تفسير القرآن، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع، ولذلك اشترط الحاكم في كتابه
[ ٢ / ١٨٤ ]
" المستدرك " أن يخرج فيه التفاسير عن الصحابة كما ذكر ذلك فيه (١/ ٥٥).
الآخر: أن له شواهد مرفوعة عن النبي - ﵌ - عن جمع من الصحابة، وهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأبو أمامة وهشام بن حكيم أو عبد الرحمن بن قتادة السلمي على خلاف عنهما- ومعاوية بن أبي سفيان وأبو الدرداء وأبو موسى، وهي إن كان غالبها لا تخلوا أسانيدها من مقال، فإن بعضها يقوي بعضا، بل قال الشيخ صالح المقبلي في " الأبحاث المسددة ": " ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك" (١)، ولاسيما وقد تلقاها أو تلقى ما اتفقت عليه من إخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادهم على أنفسهم، السلف الصالح من الصحابة والتابعين دون اختلاف بينهم، منهم عبد الله ابن عمرو وعبد الله بن مسعود، وناس من الصحابة، وأبي بن كعب وسلمان الفارسي ومحمد بن كعب والضحاك بن مزاحم والحسن البصري وقتادة وفاطمة بنت الحسين وأبو جعفر الباقر وغيرهم، وقد أخرج هذه الآثار الموقوفة وتلك الأحاديث المرفوعة الحافظ السيوطي في " الدر المنثور " (٣/ ١٤١ - ١٤٥)، وأخرج بعضها الشوكاني في " فتح القدير " (٢/ ٢١٥ - ٢٥٢) ومن قبله الحافظ ابن كثير في " تفسيره (٢/ ٢٦١ - ١٦٤) وخرَّجت أنا حديث عمر في " الضعيفة " (٣٠٧٠) وصححته لغيره في " تخريج شرح الطحاوية " (٢٦٦) وحديث أبي هريرة في تخريج السنة لابن أبي عاصم (٢٠٤ و٢٠٥ - بتحقيقي) وصححته أيضا هناك (ص ٢٦٧) وفي الباب عن أبي الدرداء مرفوعا، وقد سبق برقم (٤٩) وعن أنس، وسبق برقم (١٧٢) وهو متفق عليه، فهو أصحها وفيه: " إن الله تعالى يقول للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا؟
_________________
(١) نقلته من " فتح البيان " لصديق حسن خان " (٣/ ٤٠٦) اهـ. [منه].
[ ٢ / ١٨٥ ]
فيقول: نعم. فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي ".
إذا عرف هذا فمن العجيب قول الحافظ ابن كثير عقب الأحاديث والآثار التي سبقت الإشارة إلى أنه أخرجها: " فهذه الأحاديث دالة على أن الله ﷿ استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم ".
قلت: وليس الأمر كما نفى، بل الإشهاد وارد في كثير من تلك الأحاديث: الأول: حديث أنس هذا، ففيه كما رأيت قول الله تعالى: " قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا ".قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٦/ ٢٨٤): " فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ﴾ الآية.
قلت: ولفظ حديث ابن عمرو الذي أعله ابن كثير بالوقف إنما هو: أخذ من ظهره "، فأي فرق بينه وبين لفظ حديث أنس الصحيح؟!
الثاني: حديث عمر بلفظ: «ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ».
الثالث: حديث أبي هريرة الصحيح: « مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ».
الرابع: حديث هشام بن حكيم: «إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم »
[ ٢ / ١٨٦ ]
الخامس: حديث أبي أمامة: «لما خلق الله الخلق وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه، وأهل الشمال بشماله، فقال: ألست بربكم، قالوا: بلى ».
ففي ذلك رد على قول ابن القيم أيضا في كتاب " الروح " (ص ١٦١) بعد أن سرد طائفة من الأحاديث المتقدمة: " وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية- فمن قال من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه ".
وقد أفاض جدًاّ في تفسير الآية وتأويلها تأويلا ينافي ظاهرها بل ويعطل دلالتها أشبه ما يكون بصنيع المعطلة لآيات وأحاديث الصفات حين يتأولونها، وهذا خلاف مذهب ابن القيم ﵀ الذي تعلمناه منه ومن شيخه ابن تيمية، فلا أدري لماذا خرج
عنه هنا لاسيما وقد نقل (ص ١٦٣) عن ابن الأنباري أنه قال: " مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وصلب أولاده وهم في صور الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون، فاعترفوا بذلك وقبلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبل عقلا حين خوطب، وكما فعل ذلك للبعير لما سجد، والنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت".كما نقل أيضا عن إسحاق بن راهويه: "وأجمع أهل العلم أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، وأنه استنطقهم وأشهدهم".
قلت: وفي كلام ابن الأنباري إشارة لطيفة إلى طريقة الجمع بين الآية والحديث وهو قوله: "إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده". وإليه
[ ٢ / ١٨٧ ]
ذهب الفخر الرازي في " تفسيره " (٤/ ٣٢٣) وأيده العلامة ملا على القاري في " مرقاة المفاتيح " (١/ ١٤٠ - ١٤١) وقال عقب كلام الفخر: " قال بعض المحققين: إن بني آدم من ظهره، فكل ما أخرج من ظهورهم فيما لا يزال إلى يوم القيامة هم الذين أخرجهم الله تعالى في الأزل من صلب آدم، وأخذ منهم الميثاق الأزلي ليعرف منه أن النسل المخرج فيما لا يزال من أصلاب بنيه هو المخرج في الأزل من صلبه، وأخذ منهم الميثاق الأول، وهو المقالي الأزلي، كما أخذ منهم فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني، وهو الحالي الإنزالي.
والحاصل أن الله تعالى لما كان له ميثاقان مع بني آدم أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الحاملة على الاعتراف الحالي، وثانيهما المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل، بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد، كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أراد ﵊ أن يعلم الأمة ويخبرهم أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقًا آخر أزليًاّ فقال (ما) قال من مسح ظهر آدم في الأزل وإخراج ذريته وأخذه الميثاق عليهم وبهذا يزول كثير من الإشكالات، فتأمل فيها حق التأمل ".
وجملة القول أن الحديث صحيح، بل هو متواتر المعنى كما سبق، وأنه لا تعارض بينه وبين آية أخذ الميثاق، فالواجب ضمه إليها، وأخذ الحقيقة من مجموعها وقد تجلت لك إن شاء الله مما نقلته لك من كلام العلماء، وبذلك ننجو من مشكلتين بل مفسدتين كبيرتين:
الأولى: رد الحديث بزعم معارضته للآية.
والأخرى: تأويلها تأويلًا يبطل معناها، أشبه ما يكون بتأويل المبتدعة.
[ ٢ / ١٨٨ ]
والمعتزلة. كيف لا وهم أنفسهم الذين أنكروا حقيقة الأخذ والإشهاد والقول المذكور فيها بدعوى أنها خرجت مخرج التمثيل! وقد عز علي كثيرًا أن يتبعهم في ذلك مثل ابن القيم وابن كثير، خلافًا للمعهود منهم من الرد على المبتدعة ما هو هو دون ذلك من التأويل. والعصمة لله وحده.
ثم إنه ليلوح لي أننا وإن كنا لا نتذكر جميعا ذلك الميثاق الرباني وقد بين العلماء سبب ذلك- فإن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والتي تشهد فعلًا بأن الله هو الرب وحده لا شريك له، إنما هي أثر ذلك الميثاق، وكأن الحسن البصري ﵀ أشار إلى ذلك حين روى عن الأسود بن سريع مرفوعا: " ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة
" الحديث، قال الحسن عقبه: " ولقد قال الله ذلك في كتابه: [وإذ أخذ ربك ] الآية ".أخرجه ابن جرير (١٥٣٥٣)، ويؤيده أن الحسن من القائلين بأخذ الميثاق الوارد في الأحاديث، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعليه فلا يصح أن يقال: إن الحسن البصري مع الخلف القائلين بأن المراد بالإشهاد المذكور في الآية إنما هو فطرهم على التوحيد، كما صنع ابن كثير. والله أعلم.
"الصحيحة" (٤/ ١٥٨، ١٦٣).
[١٣٢] باب حُكْم من لم يوف بالميثاق [قال رسول الله - ﵌ -]:
«يقول الله لأهونِ أهل النار عذابا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب
[ ٢ / ١٨٩ ]
" وفي رواية: ظهر " آدم أن لا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار».
[قال الإمام]:
قوله (وأنت في صلب آدم).
قال القاضي عياض: " يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ..﴾ الآية، فهذا الميثاق الذي أُخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومن لم يوف به فهو كافر، فمراد الحديث: أردت منك حين أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك ".ذكره في " الفتح ".
"الصحيحة" (١/ ١/٣٣١ - ٣٣٢، ٣٣٤).
[١٣٣] باب ضلالة عقيدة الأقطاب والأوتاد
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن لله ﷿ في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم ﵇، ولله تعالى في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى ﵇، ولله تعالى في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم ﵇، ولله تعالى في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل ﵇، ولله تعالى في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل ﵇، ولله تعالى في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل ﵇، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات الخمسة أبدل الله تعالى مكانه من السبعة، وإذا مات السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات الأربعين أبدل الله مكانه من
[ ٢ / ١٩٠ ]
الثلاثمائة، وإذا مات الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة، فبهم يحيي ويميت ويمطر وينبت، ويدفع البلاء».
(موضوع)
[قال الإمام]:
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (١/ ٨ - ٩) والذهبي في " الميزان " من طريق عبد الرحيم بن يحيى الأرمني: حدثنا عثمان بن عمارة: حدثنا المعافى بن عمران عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﵌ -: فذكره. وزاد أبو نعيم:
" قيل لعبد الله بن مسعود: كيف بهم يحيي ويميت؟ قال: لأنهم يسألون الله ﷿ إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستقون فيسقون، ويسألون فتنبت لهم الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء ".
أورده الذهبي في ترجمة عثمان بن عمارة وقال: " وهو كذب، فقاتل الله من وضع هذا الإفك".
وأقره الحافظ في " اللسان ".لكنه استدرك عليه فقال: " وسبق في ترجمة عبد الرحيم قوله: أتهمه به أو عثمان ".يعني أن التهمة في وضع هذا الحديث تتردد بين عبد الرحيم الأرمني وعثمان هذا، فإنهما مجهولان لا يعرفان إلا في هذا الحديث الباطل.
(تنبيه): (الأرمني) هكذا وقع في " الحلية " وفي " الحاوي " (٢/ ٤٦٤) نقلا عنه. ووقع في " الميزان ": " الأدمي ".فالله أعلم.
[ ٢ / ١٩١ ]
(فائدة) نقلت أكثر أسانيد الأحاديث المتقدمة من رسالة السيوطي " الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال ".وقد حشاها بالأحاديث الضعيفة، والآثار الواهية، وبعضها أشد ضعفًا من بعض كما يدلك هذا التخريج، ومن عجيب أمره أنه لم يذكر فيها ولا حديثًا واحدًا في القطب المزعوم، ويسميه تبعًا للصوفية بالغوث أيضًا، وكذلك لم يذكر في الأوتاد والنجباء أي حديث مرفوع، وإنما هي كلها أسماء مخترعة عند الصوفية، لا تعرف عند السلف، اللهم إلا اسم البدل فهو مشهور عندهم كما تقدم. والله أعلم.
"الضعيفة" (٣/ ٦٧٠ - ٦٧١).
[١٣٤] باب جواب من خلق الله
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلق الله؟! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك يذهب عنه».
«يأتي شيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته».
[وقال - ﵌ -]:
- «يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله ﷿؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: ﴿الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد﴾ ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلاثا، وليستعذ من الشيطان».
فقه الحديث:
[ ٢ / ١٩٢ ]
[قال الإمام]:
دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله: من خلق الله؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث المذكورة، وخلاصتها أن يقول: " آمنت بالله ورسله، الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. ثم يتفل عن يساره ثلاثا، ويستعيذ بالله من الشيطان، ثم ينتهي عن الانسياق مع الوسوسة.
وأعتقد أن من فعل ذلك طاعة لله ورسوله، مخلصا في ذلك أنه لابد أن تذهب الوسوسة عنه، ويندحر شيطانه لقوله - ﵌ -: " فإن ذلك يذهب عنه ".
وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه القضية، فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها. ومن المؤسف أن أكثر الناس في غفلة عن هذا التعليم النبوي الكريم، فتنبهوا أيها المسلمون، وتعرفوا إلى سنة نبيكم، واعملوا بها، فإن فيها شفاءكم وعزكم.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٣٣ - ٢٣٦).
[١٣٥] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن تلبس بشرك الربوبية
[سئل الشيخ عن فتواه الخاصة بالخميني، فأجاب]:
الفتوى خلاصتها: أنه وقفنا على عبارات للخميني أنه يقول: كذا وكذا، أربع خمس عبارات، فهذه العبارات هي الكفر بعينه، وكل من يقول بهذا الكلام فهو كافر أو يكفر، وشرحنا هنا في الأسباب المقتضية لهذا الحكم، وبلا شك أنه نفس الكلمات عندما يقرأها مسلم مهما كان الثقافة الإسلامية ضحلة فهو لا يشك في أن هذا الكلام كفر.
[ ٢ / ١٩٣ ]
من ذلك مثلًا أنه يقول في بعض كتبه: بأن أئمة أهل البيت هم من المنزلة عند الله ﵎ فوق منزلة الملائكة والرسل والأنبياء، ومن ذلك أنه يقول: أن مصحف فاطمة أظن مذكور هذا في الأشياء .. مصحف فاطمة هو المصحف الكامل، أما المصحف المتداول اليوم بين الأئمة فهو جزء من ذاك المصحف، وهذا كفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وهكذا أربع خمس عبارات نقلت من كتبه .. كتب الخميني نفسه، هذه الأشياء خطيرة جدًا وكتابه الذي أصدره: «فوائد الثورة الإيرانية» هذه وهي: الكتاب المعروف: «بالحكومة الإسلامية»، لا أدري رأيتم هذا الكتيب الصغير؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لم تروه،، في هذا الكتيب الصغير الذي سماه: الثورة الإسلامية أو: الحكومة الإسلامية مع أن هذا الكتاب هو كتاب دعاية، والمفروض عند كل الناس المسلمين والكافرين أن أي كتاب سياسي لا يحسن بالكاتب أن ينشر في هذا الكتاب العقائد التي يعلم أن الخصوم سوف ينكرونها ويبادرون إلى عدم الاستجابة لمضمون الكتاب بصورة عامة، ومع أن الشيعة يوجد عندهم عقيدة يساعدهم أوسع ما تكون المساعدة في سلوك هذا السبيل السياسي وهو: كتمان عقائدهم عن الناس؛ لأنه يوجد لديهم شيء يسمى: بالتقية، لا بد أنك سمعت عن التقية شيء، فالأمر عندهم في موضوع التقية خطير جدًا بحيث أنه لا يمكن لإنسان يعرف أن عندهم التقية أن يركن إليهم؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهذا دين عندهم، فهو إذا قال لك عن شيء وهو يعلم أنه كاذب لا يستوحش من هذا الكلام إطلاقًا؛ لأن هكذا دينه الذي منه التقية يأمره بذلك.
فمع كون عندهم هذه التقية التي تسوغ لهم أن يقولوا ما شاؤوا، وعلى
[ ٢ / ١٩٤ ]
العكس أكثر من ذلك أن يكتموا عن الناس عقائدهم، لكن الله ﷿ لحكمته البالغة ألهم هذا الرجل الخميني في كتيبه المشار إليه آنفًا: الحكومة الإسلامية أن يبيح عن بعض العقائد مع أنه كتاب دعوة وسياسة، منها: ما ذكرته آنفًا من تعظيمه لأهل البيت أكثر من الملائكة والأنبياء والرسل.
ومن ذلك وهذه كفرية أخرى، وهي: أنهم يعني: أهل البيت يعلمون كل حركة تقع في الكون ما من ذرة تقع في الكون إلا وهم على علم بها، مع أن أهل البيت ماتوا وصاروا ترابًا مهما كان شأنهم، فجعلوهم شركاء في العلم مع الله ﷿، يعني: أشياء غريبة جدًا، فربنا ﵎ ليقيم الحجة على من قد يغتر بدعايتهم يعني: سَخَّرَ هذا الإنسان أن يضع في هذا الكتيب الذي هو كتاب دعاية العقيدتين الوافدتين، واحدة منها تكفي لتحذير الناس من الاغترار بما سموه بالثورة الإسلامية.
ومع الأسف يعني: لما قامت هذه الثورة اغتر بها بعض الشخصيات الإسلامية ويمكن ذهبوا إليهم، فمنهم من رجع وقد تبين له الحق، ومنهم من لا يزال إلى الآن يدعو إلى دعوتهم
"الهدى والنور" (١٣٧/ ٠٠:٠٥:١٨)
[ ٢ / ١٩٥ ]
جامع أحكام القبور
[ ٢ / ١٩٧ ]
جماع أبواب الكلام
حول حكم اتخاذ القبور مساجد، وحكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور، وما يتصل بذلك من مسائل
[ ٢ / ١٩٩ ]
[١٣٦] باب أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد
١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﵌ - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: فلولا ذاك أُبرِزَ (١).قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا» (٢).
ومثل قول عائشة هذا ما روي عن أبيها ﵄ فأخرج ابن زنجويه عن عمر مولى غفرة قال:
لما ائتمروا في دفن رسول الله - ﵌ - قال قائل: ندفنه حيث كان يصلي في مقامه! وقال أبو بكر: معاذ الله أن نجعله وثنًا يعبد، وقال الآخرون: ندفنه في البقيع
_________________
(١) أي كشف قبره - ﷺ - ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد الدفن خارج بيته، كذا في «فتح الباري» فائدة: قول عائشة هذا، يدلّ دلالة واضحة على السبب الذي من أجله دفنوا النبي - ﷺ - في بيته، ألا وهو سد الطريق على من عسى أن يبني عليه مسجدًا، فلا يجوز والحالة هذه أن يتخذ ذلك حجة في دفن غيره - ﷺ - في البيت يؤيد ذلك أنه خلاف الأصل لأن السنة الدفن في المقابر، ولهذا قال ابن عروة في «الكواكب الدراري» (ق ١٨٨/ ١ تفسير ٥٤٨): «والدفن في مقابر المسلمين أعجب إلى أبي عبد الله (يعني: الإمام أحمد) من الدفن في البيوت، لأنه أقل ضررا على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة وأكثر للدعاء له والترحم عليه ولم يزل أصحابه والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى. فإن قيل: فالنبي - ﷺ - قبر في بيته وقبر صاحبه معه؟ قلنا: قالت عائشة: إنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدًا، ولأن النبي - ﷺ - كان يدفن أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره، وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك، ولأنه روي: «يدفن الأنبياء حيث يموتون»، وصيانة لهم عن كثرة الطراق، وتمييزًا له عن غيره». [منه].
(٢) رواه البخاري (٣/ ١٥٦ و١٩٨ و٨/ ١١٤) ومسلم (٢/ ٧٦) وأبو عوانة (١/ ٣٩٩) وأحمد (٦/ ٨٠ و١٢١ و٢٥٥) والسراج في» مسنده» (٣/ ٤٨/٢) عن عروة عنها. وأحمد (٦/ ١٤٦ و٢٥٢) والبغوي في» شرح السنة» (ج ١ - ﷺ - ٤١٥) طبع المكتب الإسلامي عن سعيد بن المسيب عنها. وسنده صحيح على شرط الشيخين .. [منه].
[ ٢ / ٢٠١ ]
حيث دفن إخوانه من المهاجرين، قال أبو بكر: إنا نكره أن يخرج قبر رسول الله - ﵌ - إلى البقيع، فيعوذ به من الناس من لله عليه حق، وحق الله فوق حق رسوله - ﵌ -، فإن أخرجناه (الأصل: أخرناه) ضيّعنا حق الله، وإن أخفرناه (!) أخفرنا قبر رسول الله - ﵌ - قالوا: فما ترى أنت يا أبا بكر؟ قال سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «ما قبض الله نبيًا قط إلا دفن حيث قبض روحه» قالوا: فأنت والله رضي مقنع، ثم خطوا حول الفراش خطًا، ثم احتمله عليّ والعباس والفضل وأهله، ووقع القوم في الحفر يحفرون حيث كان الفراش (١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -:
«قاتلَ اللهُ اليهودَ؛ اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد» (٢).
٣ و٤ - عن عائشة وابن عباس؛ أن رسول الله - ﵌ - لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة (٣) له فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، وهو يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائِهم مساجِد».تقول عائشةُ: يحذر مثل
_________________
(١) قال ابن كثير: وهو منقطع من هذا الوجه؛ فإن عمر مولى غفرة مع ضعفه لم يدرك أيام الصديق. كذا في (الجامع الكبير) للسيوطي (٣/ ١٤٧/١ - ٢). [منه].
(٢) رواه البخاري (٢/ ٤٢٢)، ومسلم، وأبو عوانة، وأبو داود (٢/ ٧١) وأحمد (٢/ ٢٨٤ و٣٦٦ و٣٩٦ و٤٥٣ و٥١٨)، وأبو يعلى في «مسنده» (٢٧٨/ ١)، والسراج، والسهمي في «تاريخ جرجان» (٣٤٩)، وابن عساكر (١٤/ ٣٦٧/٢) عن سعيد بن المسيب عنه. ومسلم أيضا عن يزيد بن الأصم عنه. وأخرجه عبد الرزاق في» مصنفه» (١/ ٤٠٦/١٥٨٩) من الوجه الأول عنه، ولكنه أوقفه. [منه].
(٣) ثوب خز أو صوف معلم. كذا في» النهاية» قلت: والمراد هنا الثاني لأن الخز هو الحرير كما هو المعروف الآن وهو حرام على الرجال كما هو ثابت في السنة خلافًا لمن يستحله ممن لا يقيم للسنة وزنا. [منه].
[ ٢ / ٢٠٢ ]
الذي صنعوا (١).
قال الحافظ ابن حجر: «وكأنه - ﵌ - علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم».
قلت: يعني من هذه الأمة وفي الحديث الآتي (٦) التصريح بنهيهم عن ذلك، فتنبه.
٥ - عن عائشة ﵂ قالت: لما كان مرض النبي - ﵌ - تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة، يقال لها: مارية- وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة- فذكرن من حسنها وتصاويرها، قالت: [فرفع النبي - ﵌ - رأسه] فقال: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله [يوم القيامة]» (٢).
قال الحافظ ابن رجب في «فتح الباري»:
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٤٢٢ و٦/ ٣٨٦ و٨/ ١١٦) ومسلم (٢/ ٦٧) وأبو عوانة (١/ ٣٩٩) والنسائي (١/ ١١٥) والدرامي (١/ ٣٢٦) وأحمد (١/ ٢١٨ و٦/ ٣٤ و٢٢٩ و٢٧٥) وابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٢٥٨).ورواه عبد الرزاق في «المصنف» (١/ ٤٠٦/١٥٨٨) عن ابن عباس وحده. [منه].
(٢) رواه البخاري (١/ ٤١٦ و٤٢٢) ومسلم (٢/ ٦٦/) والنسائي (١/ ١١٥) وابن أبي شيبة في» المصنف» (٤/ ١٤٠ طبع الهند) وأحمد (٦/ ٥١ طبع المكتب الإسلامي) وأبو عوانة في» صحيحه» (١/ ٤٠٠ - ٤٠١) والسياق له وابن سعد في» الطبقات» (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١) والسراج في» مسنده» (٤٨/ ٢) وأبو يعلى في «الطبقات» (ق.٢٢٠/ ٢) والبيهقي (٤/ ٨٠) والبغوي (٢/ ٤١٥و٤١٦). [منه].
[ ٢ / ٢٠٣ ]
«هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها، كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراده؛ فتصوير صور الآدميين يحرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم، كما دلت عليه نصوص أخر يأتي ذكر بعضها.» قال: «والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة كانت على الحيطان ونحوها ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرك بها والاستشفاع بها يحرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان وهو الذي أخبر النبي - ﵌ - أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم، وهو من الكبائر، وفاعله من أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، وأنه تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ﷾».
ذكره في «الكواكب الدراري» (مجلد ٦٥/ ٨٢/٢).
قلت: ولا فرق في التحريم بين التصوير اليدوي والتصوير الآلي والفوتوغرافي، بل التفريق بينهما جمود وظاهرية عصرية كما بينته في كتابي «آداب الزفاف» (- ﷺ - ١٠٦ - ١١٦ الطبعة الثانية طبع المكتب الإسلامي).
٦ - عن جندب بن عبد الله البجلي؛ أنه سمع النبي - ﵌ - قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ (١) إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله ﷿ قد اتخذني خليلًا كما تخذ إبراهيم خليلًا،
_________________
(١) أي امتنع من هذا وأنكره والخليل هو المنقطع إليه قيل: هو مشتق من الخلة، بفتح الخاء وهي الحاجة، وقيل: من الخلة بضم الخاء وهي تخلل المودة في القلب، فنفى - ﷺ - أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله تعالى. «شرح مسلم» للنووي. [منه].
[ ٢ / ٢٠٤ ]
ولو كنت متخذا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا [وإن] من كان قبلكم [كانوا] يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (١).
٧ - عن الحارث النجراني قال: سمعت النبي - ﵌ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (٢).
٨ - عن أسامة بن زيد؛ أن رسول الله - ﵌ - قال في مرضه الذي مات
فيه: «أدخلوا عليَّ أصحابي»، فدخلوا عليه وهو متقنع ببردة معافريّ (٣)،
[فكشف القناع] فقال: «لعن الله اليهود [والنصارى] اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد» (٤).
٩ - عن أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي - ﵌ -:
«أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن
_________________
(١) رواه مسلم (٢/ ٦٧ ٦٨) وأبو عوانة (١/ ٤٠١) والسياق له والطبراني في «الكبير» (١/ ٨٤/٢) ورواه ابن سعد (٢/ ٢٤٠) مختصرا دون ذكر الإخوة واتخاذ الخليل. وله عنده (٢/ ٢٤١) شاهد من حديث أبي أمامة، وله شاهد ثان أخرجه الطبراني عن كعب بن مالك بسند لا بأس به كما قال ابن حجر الهيتمي في «الزواجر» (١/ ١٢٠) وضعفه الحافظ نور الدين الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٤٥). [منه].
(٢) رواه ابن أبي شيبة (ق ٢/ ٨٣/٢ وط ٢/ ٣٧٦) وإسناده صحيح على شرط مسلم. [منه].
(٣) برود باليمن منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن. «نهاية». [منه].
(٤) رواه الطيالسي في «مسنده» (٢/ ١١٣ من ترتيبه) وأحمد (٥/ ٢٠٤) والطبراني في «الكبير» (ج ١ ق ٢٢/ ١) وسنده حسن في الشواهد وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ١١٤) «وسنده جيد».وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٧) «رجاله موثقون». [منه].
[ ٢ / ٢٠٥ ]
شرار الناس الذي اتخذوا (وفي رواية: يتخذون) (١) قبور أنبيائهم مساجد» (٢).
١٠ - عن زيد بن ثابت أن رسول الله - ﵌ - قال: «لعن الله (وفي رواية: قاتل الله) اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣).
_________________
(١) وبين الروايتين فرق ظاهر فالرواية الأولى تعني ناسا تقدموا وهم اليهود والنصارى كما في الأحاديث المتقدمة، والرواية الأخرى تعني من يسلك سبيلهم من هذا الأمة ويؤيدها الأحاديث (٦، ٧، ١٢). [منه].
(٢) رواه احمد (رقم ١٦٩١، ١٦٩٤) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ١٣) وأبو يعلى (٥٧/ ١) وابن عساكر (٨/ ٣٦٧/٢) بسند صحيح وقال الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٣٢٥): «رواه أحمد بأسانيد (الأصل بإسنادين) ورجال الطريقين منها ثقات متصل إسنادها ورواه أبو يعلى» قلت: وفي هذا الكلام نظر ظاهر، لأن مدار الطرق الثلاث التي أشار إليها على إبراهيم بن ميمون عن سعد بن سمرة، إلا أن الطريق الثالث أدخل بعض الرواة بينهما إسحاق بن سعد بن سمرة وهو وهم كما بينه الحافظ في «التعجيل» ثم إنه ليس فيه «واعلموا أن شرار الناس ».ثم هذا الحديث ذكره الهيثمي في مكان آخر (٢/ ٨٢) نحوه وقال: «رواه البزار ورجاله ثقات» وله شاهد مرسل عن عمر بن عبد العزيز مرفوعا نحوه. رواه ابن سعد (٢/ ٢٥٤). [منه].
(٣) رواه أحمد (٥/ ١٨٤، ١٨٦) ورجاله ثقات غير عقبة بن عبد الرحمن هو ابن أبي معمر وهو مجهول كما في «التقريب» ولا تغتر بقول الهيتمي (٢/ ٢٧): «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال موثقون» كما فعل الشوكاني فإنه قال (٢/ ١١٤) «وسنده جيد» وذلك لأن قوله «موثقون» دون قوله «ثقات» فإن قولهم «موثقون» إشارة منهم إلى أن بعض رواته ليس توثيقه قويا فكأن الهيثمي يشير إلى أن عقبة هذا إنما وثقه ابن حبان فقط وأن توثيق ابن حبان غير موثوق به والله أعلم. وكون توثيق ابن حبان لا يوثق به مما لا يرتاب فيه المتضلعون في هذا العلم الشريف وقد فصلت القول في ذلك في ردي على رسالة «التعقب الحثيث» للشيخ عبد الله الحبشي وقد نشر في التمدن الإسلامي في مقالات متتابعة، ثم نشر في رسالة مستقلة تحت عنوان «الرد على التعقب الحثيث» فراجع (ص ١٨ - ٢١).على أن قول القائل في حديث ما «رجاله ثقات» أو «رجاله رجال الصحيح».فليس معناه أن إسناده صحيح كما بينته في غير هذا الموضع فانظر مثلا «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (ج ٢ ص ٥ طبع المكتب الإسلامي) لكن الحديث صحيح لشواهده المتقدمة. [منه].
[ ٢ / ٢٠٦ ]
١١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا (١)، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).
١٢ - عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد» (٣).
_________________
(١) «قال ابن عبد البر: الوثن الصنم، يقول: لا تجعل قبري صنمًا يصلى ويسجد نحوه ويعبد، فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله - ﷺ - يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبلهم، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدًا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، وكان رسول الله - ﷺ - يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه، خشية عليهم من امتثال طرقهم، وكان - ﷺ - يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته إتباعهم، ألا ترى إلى قوله - ﷺ - على جهة التعبير والتوبيخ «لتتبعن سنن الذين كانوا من قبلكم حذوا النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه»». كذا في «فتح الباري» لابن رجب (٦٥/ ٩٠/٢) من «الكواكب». [منه].
(٢) رواه أحمد (رقم ٧٣٥٢) وابن سعد (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢) والمفضل الجندي في «فضائل المدينة» (٦٦/ ١) وأبو يعلى في «مسنده» (٣١٢/ ١) والحميدي (١٠٢٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٨٢و٧/ ٣١٧) بسند صحيح. وله شاهد مرسل رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١/ ٤٠٦/١٥٨٧) وكذا ابن أبي شيبة (٤/ ١٤١) عن زيد بن أسلم. وإسناده قوي. وأخر أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٨٥) وعنه ابن سعد (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١) عن عطاء بن يسار مرفوعا. وسنده صحيح، وقد وصله البزار عنه عن أبي سعيد الخدري وصححه ابن عبد البر مرسلا وموصولا فقال: «فهذا الحديث عند من قال بمراسيل الثقات وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له وهو ممن تقبل زيادته».انظر «تنوير الحوالك» للسيوطي. وفيما قاله ابن عبد البر في عمر هذا نظر فقد قال الحافظ ابن رجب في «الفتح»: «خرجه من طريقه البزار وعمر هذا هو ابن صبهان، جاء منسوبًا في بعض نسخ البزار، وظن ابن عبد البر أنه عمر بن محمد العمري، والظاهر أنه وهم، وقد روي نحوه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة بإسناد فيه نظر». [منه].
(٣) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ٩٢/٢) وابن حبان (٣٤٠ و٣٤١) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ١٤٠ طبع الهند) وأحمد (رقم ٣٨٤٤ و٤١٤٣) والطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ ٧٧/١) وأبو يعلى في «مسنده» (٢٥٧/ ١) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (١/ ١٤٢) بإسناد حسن وأحمد أيضا (رقم ٤٣٤٢) بسند آخر حسن بما قبله، والحديث بمحموعهما صحيح. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» (١٣١١) و«الإقتضاء» (- ﷺ - ١٨٥): «وإسناده جيد» وقال الهيثمي (٢/ ٢٧): «رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن». وفي اقتصاره في عزوه على الطبراني وحده قصور ظاهر، مع أنه في المسند في ثلاثة مواضع منه كما أشرنا إليهما آنفا والشطر الأول من الحديث رواه البخاري في صحيحه (١٣/ ١٥) معلقًا. [منه].
[ ٢ / ٢٠٧ ]
١٣ - عن علي بن أبي طالب قال: لقيني العباس فقال: يا علي انطلق بنا إلى النبي - ﵌ - فإن كان لنا من الأمر شيء، وإلا أوصى بنا الناس، فدخلنا عليه وهو مغمى عليه، فرفع رأسه فقال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور الأنبياء مساجد».زاد في رواية: «ثم قالها الثالثة».فلما رأينا ما به خرجنا ولم نسأله عن شيء (١).
١٤ - عن أمهات المؤمنين أن أصحاب رسول الله - ﵌ - قالوا: كيف نبني قبر رسول الله - ﵌ -؟ أنجعله مسجدا؟ فقال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).
"تحذير الساجد" (ص٩ - ٢٠)
_________________
(١) رواه ابن سعد (٤/ ٢٨) وابن عساكر (١٢/ ١٧٢/٢) من طريقين عن عثمان ابن اليمان نا أبو بكر ابن أبي عون أنه سمع عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن جده أو قال: عن أبيه أو عن جده قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول. [منه]. قلت: هذا إسناد حسن لولا أنني لم أعرف أبا بكر هذا ولم يورده الدولابي وأبو أحمد الحاكم في «الكنى»
(٢) رواه ابن زنجويه في «فضائل الصديق» كما في «الجامع الكبير» (٣/ ١٤٧/١). [منه].
[ ٢ / ٢٠٨ ]
[١٣٧] باب معنى اتخاذ القبور مساجد
[قال الإمام]:
الذي يمكن أن يفهم من الاتخاذ إنما هو ثلاث معان:
الأول: الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها.
الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.
الثالث: بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها.
أقوال العلماء في معنى الاتخاذ المذكور:
وبكل واحد من هذه المعاني قال طائفة من العلماء، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء - ﵌ -.
أما الأول، فقال ابن حجر الهيتمي في «الزواجر» (١/ ١٢١):
«واتخاذ القبر مسجدًا معناه الصلاة عليه أو إليه».
فهذا نص منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملا لمعنيين أحدهما الصلاة على القبر
وقال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٢١٤): «واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها».
قلت: يعني أنه يعم المعنيين كليهما ويحتمل انه أراد المعاني الثلاثة، وهو الذي فهمه الإمام الشافعيُّ ﵀، وسيأتي نص كلامه في ذلك ويشهد للمعنى الأول أحاديث:
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الأول: عن أبي سعيد الخدري: «أن رسول الله - ﵌ - نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها» (١).
الثاني: قوله - ﵌ -: «لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر» (٢).
الثالث: عن أنس: أن النبي - ﵌ - نهى عن الصلاة إلى القبور (٣).
الرابع: عن عمروا بن دينار-وسئل عن الصلاة وسط القبور-قال: ذكر لي
أن النبي - ﵌ - قال: «كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فعلنهم
الله تعالى» (٤).
وأما المعنى الثاني: فقال المناوي في «فيض القدير» حيث شرح الحديث الثالث المتقدم:
«أي اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل، وإن اتخاذها مساجد لازمٌ (٥)
_________________
(١) رواه أبو يعلى في «مسنده» (ق ٦٦/ ٢) وإسناده صحيح وقال الهيثمي (٣/ ٦١): «ورجاله ثقات». [منه].
(٢) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ ١٤٥/٢) وعنه الضياء المقدسي في «المختارة» عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا وقال المقدسي: «وعبد الله بن كيسان قال فيه البخاري: منكر الحديث قال أبو حاتم الرازي ضعيف وقال النسائي: ليس بالقوي إلا أني لما رأيت ابن خزيمة والبستي أخرجا له أخرجناه» قلت: لكن الحديث صحيح، فإن له عند الطبراني (٣/ ١٥٠/١) طريقا آخر خيرًا من هذه عن ابن عباس علقه البخاري في «التاريخ الصغير» (ص ١٦٣)، وشطره الأول له شاهد من حديث أبي مرثد، يأتي قريبا. [منه].
(٣) رواه ابن حبان (٣٤٣). [منه].
(٤) رواه عبد الرزاق (١٥٩١) وهو مرسل صحيح الإسناد، وموضع الشاهد منه أن عمرا استشهد بالحديث على النهي عن الصلاة بين القبور، فد على أنه يعني المعنى المذكور. [منه].
(٥) يعني: يلزم من السجود إليها بناء المساجد عليها، كما يلزم من بناء المساجد عليها السجود إليها وهذا أمر واقع مشاهد. [منه].
[ ٢ / ٢١٠ ]
لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم. قال القاضي (يعني البيضاوي): لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثانًا لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه ».
قلت: وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال - ﵌ -: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (١).
_________________
(١) رواه مسلم (٣/ ٦٢) وأبو داود (١/ ٧١) والنسائي (١/ ١٢٤) والترمذي (٢/ ١٥٤) والطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٩٦) والبيهقي (٣/ ٤٣٥) وأحمد (٤/ ١٣٥) وابن عساكر (٢/ ١٥١٢ و١٥٢/ ٢) من حديث أبي مرثد الغنوي وقال احمد: «إسناده جيد». وقول الشيخ سليمان حفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب (﵏) في حاشيته على «المقنع» (١/ ١٢٥): «متفق عليه».وهم منه. ثم عزاه (- ﷺ - ٢٨١) لمسلم وحده فأصاب: وله [على علمه وفضله] من مثل هذا التخريج أوهام كثيرة جدًا، يجعل الاعتماد عليه في التخريج غير موثوق به، وأنا أضرب على ذلك بعض الأمثلة الأخرى تنبيها لطلاب العلم ونصحًا لهم، وإنما الدين النصيحة.
(٢) قال «- ﷺ - ٢٠»: «روى جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: لا تنتفعوا من الميتة بشيء، رواه الدارقطني بإسناد جيد». قلت: وهو حديث ضعيف وفي الصحيح ما يعارضه وعزوه للدراقطني وهم لم أجد من سبقه إليه.
(٣) قال «- ﷺ - ٢٨» لقوله ص: «من استنجى من ريح فليس منا» رواه الطبراني في «معجمه الصغير». قلت: وليس هذا في «المعجم» وأنا أخبر الناس به- والحمد لله- فإني خدمته، ورتبته على مسانيد الصحابة وخرجت أحاديثه ووضعت فهرسًا جامعًا لأحاديثه. ثم إن الحزم بنسبته إلى النبي - ﷺ - فيه نظر، لأنه من رواية أبي الزبير عن جابر، كما أخرجه الجرجاني (٢٧٢) وغيره وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه.
(٤) قال «- ﷺ - ٢٩»: «قال النبي ص: لخلوف فم الصائم » رواه الترمذي قلت: وهو في «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم»!!. [منه].
[ ٢ / ٢١١ ]
قال الشيخ علي القاري في «المرقاة» (٢/ ٣٧٢) معللا النهي: «لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيمُ حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم. وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة (يعني قبلة المصلين) وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها».
قلت: يعني في صلاة الفريضة وهذا بلاءٌ عامٌ قد تعداه إلى بلاد الشام والأناضول وغيرها، وقد وقفنا منذ شهر على صورة شمسية قبيحة جدًا تمثل صفًا من المصلين ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم فيها جثث جماعة من الأتراك كانوا ماتوا غرقا في باخرة.
وبهذه المناسبة نلفت النظر إلى أن الغالب من هديه - ﵌ - هو الصلاة على الجنائز في «المصلى» خارج المسجد، ولعل من حكمة ذلك إبعادُ المصلين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة التي نبه عليها العلامة القاري ﵀.
ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس ﵁ قال:
«كنت أصلي قريبًا من قبر، فرآني عمر بن الخطاب فقال: القبر القبر. فرفعت بصري إلى السماء، وأنا أحسبه يقول: القمر!» (١).
وأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاريُّ، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله «باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور».
_________________
(١) رواه أبو الحسن الدينوري في «جزء فيه مجالس من أمالي أبي الحسن القزويني» (ق ٣/ ١) بإسناد صحيح، وعلقه البخاري (١/ ٤٣٧ - فتح)، ووصله عبد الرزاق أيضا في «مصنفه» (١/ ٤٠٤// ١٥٨١) وزاد: «إنما أقول القبر: لا تصل إليه». [منه].
[ ٢ / ٢١٢ ]
فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجدًا يلزمُ منه النهي عن بناء المساجد عليها، وهذا أمر واضح، وقد صرح به المناوي آنفا وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدًا، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومها متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم».
وهذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة ﵂ بقولها في آخر الحديث الأول:
«فلولا ذاك أُبرِزَ قبره، غير انه خُشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجدًا».
إذ المعنى فلولا ذاك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها، لجعل قبره - ﵌ - في أرضٍ بارزةٍ مكشوفةٍ، ولكن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك خشية أن بُيْنَى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم، فتشملهم اللعنة.
ويؤيد هذا ما روى ابن سعد (٢/ ٢٤١) بسند صحيح عن الحسن- وهو: البصري- قال: ائتمروا (١) أن يدفنوه - ﵌ - في المسجد، فقالت عائشة: إن رسول الله - ﵌ - كان واضعًا رأسه في حجري، إذ قال: «قاتل الله أقوامًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة.
قلت: هذه الرواية على إرسالها تدل على أمرين اثنين:
أحدهما: أن السيدة عائشة فهمت من الاتخاذ المذكور في الحديث انه يشمل
_________________
(١) أي تشاوروا. [منه].
[ ٢ / ٢١٣ ]
المسجد الذي قد يدخل فيه القبر فبالأحرى أن يشمل المسجد الذي بني
على القبر.
الثاني: أن الصحابة أقروها على هذا الفهم ولذلك رجعوا إلى رأيها فدفنوه - ﵌ - في بيتها.
فهذا يدل على أنه لا فرق بين بناء المسجد على القبر، أو إدخال القبر في المسجد، فالكل حرام لأن المحذور واحد ولذلك قال الحافظ العراقي: «فلو بنى مسجدا يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط؛ لمخالفة وقفه مسجدًا» (١).
قلت: وفي هذا إشارة إلى أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام، كما تقدم ويأتي ويشهد لهذا المعنى الحديث الخامس المتقدم بلفظ:
«أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا أولئك شرار الخلق ».
فهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين؛ لأنه صرح أنه من أسباب كونهم من شرار الخلق عند الله تعالى.
ويؤيده حديث جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله - ﵌ - أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» (٢).
_________________
(١) نقله المناوي في «فيض القدير» (٥/ ٢٧٤) وأقره. [منه].
(٢) رواه مسلم (٣/ ٦٢) والسياق له وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٤) والترمذي (٢/ ١٥٥) وصححه واحمد (٣/ ٣٣٩ و٣٩٩). واعلم أن حديث جابر هذا في النهي عن البناء على القبر حديث صحيح لا يرتاب في ذلك ذو علم بطرق التصحيح والتضعيف، فلا تغتر بإعلال الكوثري له في «مقالاته» (ص ١٥٩) بان «فيه عنعنة أبي الزبير» فإن أبا الزبير قد صرح بالتحديث عند مسلم وكذا أحمد وما أعتقد أن هذا يخفى على الكوثري، ولكن يفعل ذلك عمدًا شأن أهل الأهواء قديمًا وحديثًا يضعفون الأحاديث الصحيحة إذا كانت عليهم، ويصححون الأحاديث الضعيفة إذا كانت لهم! والكوثري هذا مشهور بذلك عند أهل العلم، وقد بينت شيئًا من هذا في «الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة» (الأحاديث ٢٣ و٢٤ و٢٥) فليراجع من شاء التأكد مما نقول ويأتيك مثال آخر في هذا الكتاب. ويؤيد صحة الحديث أنا أبا الزبير لم يتفرد به، بل تبعه سليمان بن موسى عند أحمد وغيره، ولما صححه الترمذي قال: «وقد روي من غير وجه عن جابر» وتابعه أيضا أبو نضرة عند ابن النجار في «ذيل تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٠١/١) وله شاهد عن أم سلمة عند أحمد، وآخر عند أبي سعيد كما في «الكواكب الدراري» (ق ٨٦٨٧ تفسير ٥٤٨). [منه].
[ ٢ / ٢١٤ ]
فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر، كما يشمل بناء القبة عليه، بل الأول أولى بالنهي كما لا يخفى.
فثبت أن هذا المعنى صحيح أيضا يدل عليه لفظ (الاتخاذ) وتؤيده الأدلة الأخرى.
أما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور فدلالتها على ذلك أوضح وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه، مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عنه من باب أولى.
ومن البين جدًا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودًا بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودًا بالذات، بل ذلك
[ ٢ / ٢١٥ ]
كله من أجل الصلاة فيها، سلبًا أو إيجابًا، يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلًا بنى مسجدًا في مكان قفر غير مأهول، ولا يأتيه أحدٌ للصلاة فيه، فليس لهذا الرجل أي أجر في بنائه لهذا المسجد، بل هو عندي آثم؛ لإضاعة المال، ووضعه الشيء في غير محله!
فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنًا بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ضمنًا عن الصلاة فيها، لأنها هي المقصودة بالبناء أيضًا، وهذا بين لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى.
ترجيح شمول الحديث للمعاني كلها وقول الشافعي بذلك.
وجملة القول: أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة، فهو من جوامع كلمه - ﵌ -، وقد قال بذلك الإمام الشافعيُّ ﵀، ففي كتابه «الأم» (١/ ٢٤٦) ما نصه:
«وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه وهو غير مسوى (يعني أنه ظاهر معروف) أو يصلى إليه»، قال: «وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك، أن رسول الله - ﵌ - قال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».» قال: «وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره- والله تعالى أعلم- أن يُعظم أحدٌ من المسلمين، يعني يُتخذ قبره مسجدًا، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده».
فقد استدل بالحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرها في سياق كلامه فهو دليل واضح على أنه يفهم الحديث على عمومه وكذلك صنع المحقق الشيخ على
[ ٢ / ٢١٦ ]
القارئ نقلًا عن بعض أئمة الحنفية فقال في «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (١/ ٤٥٦):
«سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيمًا لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي؛ لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له، فنهى النبي - ﵌ - أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمنه الشرك الخفي. كذا قاله بعض الشرَّاح من أئمتنا، ويؤيده ما جاء في رواية: يحذر ما صنعوا».
قلت: والسبب الأول الذي ذكره وهو السجود لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، وإن كان غير مستبعد حصوله من اليهود والنصارى، فإنه غير متبادر من قوله - ﵌ -: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فإن ظاهره أنهم اتخذوها مساجد لعبادة الله فيها على المعاني السابقة تبركا بمن دفن فيها من الأنبياء، وإن كان هذا أدى بهم- كما يؤدي بغيرهم- إلى وقوعهم في الشرك الجلي ذكره الشيخ القارئ.
"تحذير الساجد" (ص٢١ - ٣٢)
[ ٢ / ٢١٧ ]
[١٣٨] باب حكم اتخاذ القبور مساجد
[قال الإمام]:
إن كل من يتأمل في (أحاديث اتخاذ القبور مساجد) يظهر له بصورةٍ لا شك فيها أن الاتخاذ المذكور حرام، بل كبيرة من الكبائر، لأن اللعن الوارد فيها، ووصف المخالفين بأنهم من شرار الخلق عند الله ﵎، لا يمكن أن يكون في حق من يرتكب ما ليس كبيرة كما لا يخفى.
مذاهب العلماء في ذلك
وقد اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم ذلك، ومنهم من صرح بأنه كبيرة، وإليك تفاصيل المذاهب في ذلك:
مذهب الشافعية أنه كبيرة
قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (١/ ١٢٠): «الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها» ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها ثم قال (ص ١١١):
«(تنبيه): عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من الأحاديث، ووجه اتخاذ القبر مسجدا منها واضح؛ لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية: «يحذر ما صنعوا» أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك، فيلعنوا كما لعنوا، ومن ثم قال
[ ٢ / ٢١٨ ]
أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا، ومثلها الصلاة عليه للتبرك والإعظام، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهرة من الأحاديث المذكورة لما علمت، فقال بعض الحنابلة:
«قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا به عين المحادة لله ولرسوله - ﵌ -، وابتداع دين لم يأذن به الله، للنهي عنها ثم إجماعًا، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي - ﵌ - لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله - ﵌ -، لأنه نهى عن ذلك، وأمر رسول الله - ﵌ - بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. انتهى».
هذا كله كلام الفقيه ابن حجر الهيتمي وأقره عليه المحقق الآلوسي في «روح المعاني» (٥/ ٣١)، وهو كلام يدل على فهم وفقه في الدين، وقوله فيما نقله عن بعض الحنابلة:
«والقول بالكراهة محمول على غير ذلك».
كأنه يشير إلى قول الشافعي «وأكره أن يبنى على القبر مسجد ..» الخ كلامه الذي نقلته بتمامه فيما سبق (ص. . . .).
وعلى هذا أتباعه من الشافعية كما في «التهذيب» وشرحه «المجموع»، ومن الغريب أنهم يحتجون على ذلك ببعض الأحاديث المتقدمة، مع أنها صريحة في تحريم ذلك، ولعن فاعله، ولو أن الكراهة كانت عندهم للتحريم لقرب الأمر،
[ ٢ / ٢١٩ ]
ولكنها لديهم للتنزيه، فكيف يتفق القول بـ (الكراهة) مع تلك الأحاديث التي يستدلون بها عليها؟!
أقول هذا وإن كنت لا أستبعد حمل الكراهة في عبارة الشافعي المتقدمة خاصة على الكراهة التحريمية؛ لأنه هو المعنى الشرعي المقصود في الاستعمال القرآني ولا شك أن الشافعي متأثر بأسلوب القرآن غاية التأثر، فإذا وقفنا في كلامه على لفظ له معنى خاص في القرآن الكريم وجب حمله عليه لا على المعنى المصطلح عليه عند المتأخرين، فقد قال تعالى ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (١) وهذه كلها محرمات، فهذا المعنى- والله اعلم- هو الذي أراده الشافعي ﵀ بقوله المتقدم «وأكره»، ويؤيده انه قال عقب ذلك: «وإن صلى إليه أجزأه، وقد أساء» فإن قوله «أساء» معناه ارتكب سيئة أي حراما فإنه هو المراد بالسيئة في أسلوب القرآن أيضا فقد قال تعالى في سورة (الإسراء) بعد أن نهى عن قتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس وغير ذلك: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٢) أي محرمًا.
ويؤكد أن هذا المعنى هو المراد من الكراهة في كلام الشافعي في هذه المسألة أن مذهبه أن الأصل في النهي التحريم إلا ما دل الدليل على أنه لمعنى آخر، كما صرح بذلك في رسالته «جماع العلم» (ص ١٢٥) ونحوه في كتابه «الرسالة» (ص ٣٤٣).
ومن المعلوم لدى كل من درس هذه المسألة بأدلتها أنه لا يوجد أي دليل
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية ٧. [منه].
(٢) سورة الإسراء، الآية ٣٨. [منه].
[ ٢ / ٢٢٠ ]
يصرف النهي الوارد في بعض الأحاديث المتقدمة إلى غير التحريم كيف والأحاديث تؤكد أنه للتحريم كما سبق؟ ولذلك فإني أقطع بأن التحريم هو مذهب الشافعي، لا سيما وقد صرح بالكراهة بعد أن ذكر حديث «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» كما تقدم فلا غرابة إذن إذا صرح الحافظ العراقي- وهو شافعي المذهب- بتحريم بناء المسجد على القبر كما تقدم (ص١٧٠) والله أعلم.
ولهذا نقول: لقد اخطأ من نسب إلى الإمام الشافعي القول بإباحة تزوج الرجل بنته من الزنا بحجة أنه صرح بكراهة ذلك، والكراهة لا تنافي الجواز إذا كانت للتنزيه! قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٤٧٤٨):
«نص الشافعي على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنا ولم يقل قط أنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله - ﵌ - وقد قال تعالى عقب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ (٢) إلى قوله ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ (٣) إلى آخر الآيات ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الإسراء الآية ٢٣. [منه].
(٢) سورة الإنعام الآية ١٥١ [[والحق أن ابن القيم ﵀ إنما يقصد الآية ٣٣ من سورة الإسراء كما يدل سياق كلامه وليس الآية ١٥١ من سورة الأنعام.]]. [منه].
(٣) سورة الإسراء الآية ٣٦. [منه].
(٤) سورة الإسراء الآية ٣٨. [منه].
[ ٢ / ٢٢١ ]
وفي الصحيح «إن الله ﷿ كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».
فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله - ﵌ - على المعنى الاصطلاحي الحادث!».
وبهذه المناسبة نقول:
إن من الواجب على أهل العلم أن ينتبهوا للمعاني الحديثة التي طرأت على الألفاظ العربية التي تحمل معاني خاصة معروفة عند العرب هي غير هذه المعاني الحديثة، لأن القرآن نزل بلغة العرب فيجب أن تفهم مفرداته وجمله في حدود ما كان يفهم العرب الذين أنزل عليهم القرآن ولا يجوز أن تفسر بهذه المعاني الاصطلاحية الطارئة التي اصطلح عليها المتأخرون، وإلا وقع المفسر بهذه المعاني في الخطأ والتقول على الله ورسوله من حيث لا يشعر وقد قدمت مثالًا على ذلك لفظ (الكراهة).
وإليك مثالا آخر لفظ (السنة):.فإنه في اللغة الطريقة وهذا يشمل كل ما كان عليه الرسول - ﵌ - من الهدى والنور فرضًا كان أو نفلًا وأما اصطلاحا فهو خاص بما ليس فرضًا من هديه - ﵌ - فلا يجوز أن يفسر بهذا المعنى الاصطلاحي لفظ (السنة) الذي ورد في بعض الأحاديث الكريمة كقوله - ﵌ -: « وعليكم بسنتي » وقوله - ﵌ - « فمن رغب عن سنتي فليس مني».
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ومثله الحديث الذي يورده بعض المشايخ المتأخرين في الحض على التمسك بالسنة بمعناها الاصطلاحي وهو: «من ترك سنتي لم تنله شفاعتي» فأخطأوا مرتين:
الأولى: نسبتهم الحديث إلى النبي - ﵌ - ولا أصل له فيما نعلم.
الثانية: تفسيرهم للسنة بالمعنى الاصطلاحي غفلة منهم عن معناها الشرعي، وما أكثر ما يخطئ الناس فيما نحن فيه بسبب مثل هذه الغفلة!
ولهذا أكثر ما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ﵏ على ذلك، وأمروا في تفسير الألفاظ الشرعية بالرجوع إلى اللغة لا العرف وهذا في الحقيقة أصل لما يسمونه اليوم بـ «الدراسة التاريخية للألفاظ»
ويحسن بنا أن نشير إلى أن من أهم أغراض مجمع اللغة العربية في الجمهورية العربية المتحدة في مصر «وضع معجم تاريخي للغة العربية، ونشر بحوث دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وما طرأ على مدلولاتها من تغيير» كما جاء في الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون ذي الرقم (٤٣٤) (١٩٥٥) الخاص بشأن تنظيم مجمع اللغة العربية (انظر «مجلة المجتمع» ج٨ ص٥).فعسى أن يقوم المجمع بهذا العمل العظيم ويعهد به إلى أيد عربية مسلمة فإن أهل مكة أدرى بشعابها وصاحب الدار أدرى بما فيها وبذلك يسلم هذا المشروع من كيد المستشرقين ومكر المستعمرين!
مذهب الحنفية الكراهة التحريمية
والكراهة بهذا المعنى الشرعي قد قال بها هنا الحنفية فقال الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة في كتابه «الآثار» (ص ٤٥):
[ ٢ / ٢٢٣ ]
«لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجدًا».
والكراهة عند الحنفية إذا أطلقت فهي للتحريم، كما هو معروف لديهم، وقد صرح بالتحريم في هذه المسألة ابن الملك منهم كما يأتي (ص٢١٤).
مذهب المالكية التحريم
وقال القرطبي في تفسيره (١٠/ ٣٨) بعد أن ذكر الحديث الخامس:
«قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء
والعلماء مساجد».
مذهب الحنابلة التحريم
ومذهب الحنابلة التحريم أيضا كما في «شرح المنتهى» (١/ ٣٥٣) وغيره، بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور، ووجوب هدمها فقال ابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ٢٢) في صدد بيان ما تضمنته غزوة تبوك من الفقه والفوائد، وبعد أن ذكر قصة مسجد الضرار الذي نهى الله ﵎ نبيه أن يصلي فيه وكيف أنه - ﵌ - هدمه وحرقه قال:
«ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله - ﵌ - فيها، وهدمها، كما حرق رسول الله - ﵌ - مسجد الضرار، وأمر بهدمه وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضررًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام (١) تعطيله إما بهدم أو تحريق، وإما بتغيير
_________________
(١) قلت: مفهوم هذا أن ذلك لا يجب على غير الإمام ومثله من ينوب عنه وهذا هو الذي يقتضيه النظر الصحيح، لأنه لو قام به غيره لترتب على ذلك مفاسد وفتن بين المسلمين قد تكون أكبر من المصلحة التي يراد جلبها. [منه].
[ ٢ / ٢٢٤ ]
صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بذلك، وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق، كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي (١) وسماه فويسقًا، وحرق قصر (٢) سعد لما احتجب فيه عن الرعية، وهمَّ رسول الله - ﵌ - بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة (٣)، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك (٤).ومنها أن الوقف لا يصح على غير برٍّ، ولا قربة، كما لم يصح وقف
هذا المسجد، وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا
دفن في المسجد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين
الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق فلو وضعا معًا لم يجز ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله - ﵌ - عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا أو أوقد عليه
_________________
(١) روى الدولابي في «الكنى» (١/ ١٨٩) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: «رأيت عمر أحرق بيت رويشد الثقفي حتى كأنه جمرة أو حممة وكان جارنا يبيع الخمر».وسنده صحيح. ورواه عبد الرزاق عن صفية بنت أبي عبيد كما في «الجامع الكبيرة» (٣/ ٢٠٤/١) وأبو عبيد في «الأموال» (- ﷺ - ١٠٣) عن ابن عمر وسنده صحيح أيضا. [منه].
(٢) يعني باب القصر والقصة رواها عبد الله بن المبارك في «الزهد» (١٧٩/ ١) من «الكواكب الدراري» تفسير (٥٧٥ ورقم ٥١٣ - ٥٢٨ ط) وأحمد (رقم ٣٩٠) بسند رجاله ثقات. [منه].
(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة وهو مخرج في «صحيح أبي داود» (٥٥٧ و٥٥٨). (تنبيه): إن حديث الجمعة حديث آخر من رواية ابن مسعود مرفوعا أخرجه مسلم دون البخاري. [منه].
(٤) قلت: هذا وإن كان هو المعقول لكن السند بذلك لم يصح عنه - ﷺ - فإن فيه أبا معشر نجيح المدني وهو ضعيف لسوء حفظه بل حديثه هذا منكر كما بينته في «تخريج المشكاة» (١٠٧٣) التحقيق الثاني. [منه].
[ ٢ / ٢٢٥ ]
سراجًا (١)
فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس
كما ترى»
فتبين مما نقلناه عن العلماء أن المذاهب الأربعة متفقة على ما أفادته الأحاديث المتقدمة، من تحريم بناء المساجد على القبور. وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك اعلم الناس بأقوالهم ومواضع اتفاقهم واختلافهم ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد سئل ﵀ بما نصه:
_________________
(١) يشير إلى حديث ابن عباس «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أبو داود وغيره ولكنه ضعيف السند وإن لهج بذكره كثير من السلفيين فالحق أحق أن يقال وأن يتبع وممن ضعفه من المتقدمين الإمام مسلم فقال في «كتاب التفصيل»: «هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه ولا يثبت له سماع من ابن عباس» نفله ابن رجب في «الفتح» كما في «الكواكب» (٦٥/ ٨٢/١). وقد بينت ضعف هذا الحديث في «الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة» رقم (٢٢٥) وقد ذكرت هناك أن الحديث صحيح لغيره إلا اتخاذ السرج، فإنه منكر لم يأت إلا من هذا الطريق الضعيف. وقد وقفت الآن على خطأ فاحش حول هذا الحديث فجاء في كتاب «القول المبين» لأحد أفاضل العلماء المعاصرين السلفيين ما نصه (ص ٧٩): «وهذا الحديث وإن كان في إسناده عند أصحاب السنن مقال فإن إسناده عند الحاكم خال من هذا المقال لأن طريق الحاكم غير طريقهم»! قلت: والحديث مدراه عند الحاكم وغيره على أبي صالح عن ابن عباس وقد قال الحاكم عقبه (١/ ٣٧٤): «أبو صالح هو باذام ولم يحتجا به». قلت: وهو ضعيف عند جمهور الأئمة، ولم يوثقه إلا العجلي وحده كما قال الحافظ في «التهذيب» والعجلي معروف بتساهله في التوثيق كابن حبان ولم نجد للحديث طريقًا آخر لنشد عضده به بعد مزيد البحث عنه. ولعل المشار إليه، عني بكلامه بعض الشواهد التي ذكرتها هناك لكن هذه ليس فيها ذكر السراج أصلًا فهو وهم على وهم. [منه].
[ ٢ / ٢٢٦ ]
«هل تصح الصلاة على المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط؟ فأجاب:
الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا يُبنى مسجد على قبرٍ؛ لأن النبي - ﵌ - قال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك».وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدًا وإن كان المسجد بُنيَ بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه «كذا في الفتاوى له (١/ ١٠٧ و٢/ ١٩٢).
وقد تبنت دار الإفتاء في الديار المصرية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه فنقلتها عنه في فتوى لها أصدرتها تنص على عدم جواز الدفن في المسجد فليراجعها من شاء في» مجلة الأزهر «(ج ١١ ص ٥٠١ - ٥٠٣) (١).
وقال ابن تيمية في «الاختيارات العلمية» (ص ٥٢):
«ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين».
ونقله ابن عروة الحنبلي في «الكواكب الدراري» (٢/ ٢٤٤/١) وأقره وهكذا نرى أن العلماء كلهم اتفقوا على ما دلت عليه الأحاديث من تحريم اتخاذ المساجد على القبور، فنحذر المؤمنين من مخالفتهم، والخروج عن طريقتهم، خشية أن يشملهم وعيد قوله ﷿ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ
_________________
(١) وفي المجلة نفسها مقال آخر في تحريم البناء على القبور مطلقا فانظر (مجلد سنة ١٩٣٠ ص ٣٥٩ و٣٦٤). [منه].
[ ٢ / ٢٢٧ ]
الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). و﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِي﴾ (٢).
"تحذير الساجد" (ص٣٣ - ٤٦)
[١٣٩] باب حكمة تحريم بناء المساجد على القبور
[قال الإمام]:
من الثابت في الشرع أن الناس منذ أول عهدهم كانوا أمة واحدة على التوحيد الخالص ثم طرأ عليهم الشرك، والأصل في هذا قول الله ﵎: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٣).قال ابن عباس ﵁: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» (٤).
قال ابن عروة الحنبلي في «الكوكب» (٦/ ٢١٢/١):
_________________
(١) سورة النساء الآية ١١٥. [منه].
(٢) سورة ق الآية ٣٧. [منه].
(٣) سورة البقرة الآية ٢١٣. [منه].
(٤) رواه ابن جرير في «تفسيره» (٤/ ٢٧٥ بتحقيق أحمد شاكر ﵀) والحاكم (٢/ ٥٤٦) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي. قلت: وعزاه ابن عروة الحنبلي لصحيح البخاري وهو وهم. وأما ما رواه العوفي عن ابن عباس: (كان الناس أمة واحدة) يقول: كانوا كفارا (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) فلا يصح عن ابن عباس لأن العوفي ضعيف لا يحتج به، ولقد أخطأ الفخر الرازي وغيره من المفسرين في حكايتهم لهذا القول عن ابن عباس ساكتين عنه، ولهذا قال الحافظ ابن كثير (١/ ٢٥٠): «والقول الأول عن ابن عباس أصح سندا ومعنى لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض». وهذا القول هو الذي صححه ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٠٥). [منه].
[ ٢ / ٢٢٨ ]
«وهذا يرد قول من زعم من أهل التاريخ من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار».
قلت: وفيه رد أيضا على بعض الفلاسفة والملاحدة الذين يزعمون أن الأصل في الإنسان الشرك وأن التوحيد هو الطارئ.
ويبطل هذا، ويؤيد الآية السابقة حديثان صحيحان:
الأول: قوله - ﵌ - فيما يرويه عن ربه: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (١) عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» (٢).
الثاني: قوله - ﵌ -: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟»
قال أبو هريرة: «واقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣).الآية» (٤).
إذا تبين هذا فإن من المهم جدًا أن يتعلم المسلم كيف طرأ الشرك على المؤمنين بعد أن كانوا موحدين؟
_________________
(١) أي استخفتهم فجالوا معهم في الضلال يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء منه الجولان في الحرب. «نهاية» ونحوه في «غريب الحربي». [منه].
(٢) رواه مسلم (٨/ ١٥٩)، وأحمد (٤/ ١٦٢)، والحربي في «الغريب» (٥/ ٢٤/٢) والبغوي في حديث «هدبة بن خالد» (١/ ٢٥١/٢) وابن عساكر (١٥/ ٣٢٨/١). [منه].
(٣) سورة الروم آية ٣٠. [منه].
(٤) رواه البخاري (١١/ ٤١٨) ومسلم (١٨/ ٥٢)، والدولابي (١/ ٩٨) وغيرهم وقد خرجته في (الإرواء) رقم ١٢٢٠. [منه].
[ ٢ / ٢٢٩ ]
لقد ورد عن جماعة من السلف روايات كثيرة في تفسير قول الله سبحانه في قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١) أن هؤلاء الخمسة ودًّا ومن ذكر معه كانوا عبادًا صالحين، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن يعكفوا على قبورهم، ثم أوحى إلى الذين جاؤوا من بعدهم أن يتخذوا لهم أصنامًا،
وزين لهم ذلك بأنه أدعى لهم على أن يذكروهم فيقتدوا بأعمالهم الصالحة، ثم أوحى إلى الجيل الثالث أن يعبوهم من دون الله تعالى وأوهمهم أن آباءهم كانوا يفعلون ذلك فأرسل الله لهم نوحًا ﵇ آمرًا لهم أن يعبدوا الله تعالى وحده، فلم يستجيبوا له إلا قليلًا منهم. وقد حكى الله ﷿ قصته معهم في
سورة نوح.
جاء في صحيح البخاري (٨/ ٥٤٣) عن ابن عباس:
«أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت». ونحوه في تفسير ابن جرير وغيره عن غير واحد من السلف ﵃.
وفي «الدر المنثور» (٦/ ٢٦٩):
«وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال:
ذكروا عند أبي جعفر (وهو الباقر) يزيد بن الملهب، فقال: أما إنه قتل في أول
_________________
(١) سورة نوح الآية ٢٣. [منه].
[ ٢ / ٢٣٠ ]
أرض عبد فيها غير الله ثم ذكر «ودًّا» قال:
«وكان ود رجلًا مسلمًا، وكان محببًا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا:
نعم فصور لهم مثله فوضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجلا منكم تمثالًا مثله فيكون في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصور لكل أهل بيت تمثالًا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم، فجعلوا يرون ما يصنعون به، وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا من دون الله (١) قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض «ود» الصنم الذي سموه بود «(٢).
فاقتضت حكمة الإله ﵎ وقد أرسل محمدًا - ﵌ - خاتم الرسل، وجعل شريعته خاتمه الشرائع أن ينهي عن كل الوسائل التي يخشى أن تكون ذريعة- ولو بعد حين- لوقوع الناس في الشرك الذي هو أكبرا الكبائر فلذلك نهى عن بناء المساجد على القبور كما نهى عن شد الرحال إليها واتخاذها أعيادًا (٣)
_________________
(١) زاد في «الكواكب» من رواية أبن حاتم: «أولاد أولادهم». [منه].
(٢) قلت: ورواه ابن أبي حاتم أيضًا «كما في «الكواكب الدري» لابن عروة الحنبلي (٦/ ١١٢/٢) وساق إسناده، وهو حسن إلى أبي المطهر هذا ولم أعرفه ولم يورده الدولابي في «الكنى والأسماء» ولا مسلم في (الكنى) من «فهرست رجال الشيعة». [منه].
(٣) قال: النووي آداب زيارة قبره - ﷺ - من كتابه «مناسك الحج» (٦٩/ ٢) وهو مخطوط في ظاهريه دمشق (عام ٣٦٥٦): «كره مالك ﵀ لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج الوقوف بالقبر قال: وإنما ذلك للغرباء قال: ولا بأس لمن قدم من سفر وخرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبيص فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر ﵄. قال الباجي: فرَّق مالك بين أهل المدينة والغرباء، لأن الغرباء قصدوا ذلك، وأهل المدينة مقيمون بها، وقد قال ص: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». [منه].
[ ٢ / ٢٣١ ]
والحلف بأصحابها، إذ كل ذلك يؤدي إلى الغلو بها وعبادتها من دون الله تعالى لاسيما عند انطفاء العلم وكثره الجهل وقله الناصحين وتعاون شياطين الجن والإنس على إضلال الناس وإخراجهم من عبادة الله ﵎.
ولا يخفى أنه إذا كان من المسلَّم عندنا معشر المسلمين أن من حكمة النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة هو سد الذريعة وعدم التشبه بالمشركين الذين يعبدون الشمس في تلك الأوقات، فالذريعة في التشبه بهم في بناء المساجد على القبور والصلاة فيها أقوى وأوضح، ألا ترى أننا حتى اليوم لم نجد أي أثر سيء لصلاة بعض الناس في هذه الأوقات المنهي عنها، بينما نرى أسوأ الآثار للصلاة في هذه المساجد والمشاهد المبنية على القبور من التمسح بها (١)،
والاستغاثة بأصحابها والنذر لها والحلف بل والسجود لها وغير ذلك من الضلال مما هو
_________________
(١) قال: النووي في كتابه «مناسك الحج» (٦٨/ ٢): «لا يجوز أن يُطاف بقبرهص، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدران القبر، قاله الحليمي وغيره، ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه هذا هو الصواب. وهو الذي قاله العلماء، وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يغتر بكثير من العوام في محالفتهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء، ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم، ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض في قوله ما معناه «اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين» ومن خطر في باله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة، فهو من جهله وغفلته لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء وكيف يبتغي الفضل في مخالفه الصواب؟!». قلت: رحم الله الإمام النووي فإنه بهذه الكلمة أعطى هؤلاء المشايخ الذين يتمسحون بالقبور فعلًا، أو يحبذونها قولًا ما يستحقونه من المنزلة، حيث جعلهم من العوام الذين لا يجوز أن يلتفت إلى جهالاتهم (فهل من مذكر)؟. [منه].
[ ٢ / ٢٣٢ ]
مشاهد معروف فاقتضت حكمته ﵎ تحريم كل هذه الأمور حتى يعبد الله ﵎ وحده ولا يشرك به شيء فيتحقق بذلك أمر تعالى بدعائه وحده في قوله ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١).
وإن مما يأسف له كل مسلم طاهر القلب أن يجد كثيرًا من المسلمين قد وقعوا في مخالفة شريعة سيد المرسلين - ﵌ - التي جاءت بالابتعاد عن كل ما يخدج بالتوحيد، ثم يزداد أسفًا حين يرى قليلًا أو كثيرًا من المشايخ يقرونهم على تلك المخالفة، بدعوى أن نياتهم طيبه! ويشهد الله أن كثيرًا منهم قد فسدت نياتهم، وران عليها الشرك بسبب سكوت أمثال هؤلاء المشايخ، بل تسويغهم كل ما يرونه من مظاهر الشرك بتلك الدعوى الباطلة (٢)؟
أين النية الطيبة يا قوم من أناس كلما وقعوا في ضيق جاءوا إلى ميت يرونه صالحًا فيدعونه من دون الله ويستغيثون به، ويطلبون منه العافية والشفاء وغير ذلك مما لا يُطلب إلا من الله وما لا يقدر عليه إلا الله؟! بل إذا زلت قدم دابتهم نادوا: يا الله يا باز! بينما هؤلاء المشايخ قد يعلمون أن النبي - ﵌ - سمع يوما بعض الصحابة
_________________
(١) سورة الجن، الآية ١٨. [منه].
(٢) ولقد جرى نقاش طويل بعد بضع سنين من تأليف هذا الكتاب بيني وبين أحد الخطباء يوم الجمعة في بيته حول الاستغاثة بغير الله، فصرح الشيخ بجوازها بحجة أن المستغيث يعلم أن الميت لا يضر ولا ينفع! فقلت له: لو كان الأمر كذلك فلماذا يناديه؟ قال: واسطة قلت: الله أكبر: قلتم: كما قال غيركم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (سورة الزمر الآية ٣)، ثم قلت له: فإذا كنتم تعتقدون حقا أنهم لا يعتقدون فيهم ضرًا ولا نفعًا فهل ترى باسًا من أن يكشف المستغيث بغير الله عن عقيدته التي تزعمها بقوله «يا باز؟ يا من لا يضر ولا ينفع» فقال: نعم يجوز قلت: فهذا أكبر دليل على أنك أنت فضلا عن العامة ترى أن في ندائهم نفعا وإلا سويتم بين ندائهم وبين نداء الجمادات والأحجار بل الأصنام وما أظنكم ترون جواز ندائها أيضا بحجة أنها لا تضر ولا تنفع فبهت. (فاعتبروا يا أولي الأبصار). [منه].
[ ٢ / ٢٣٣ ]
يقول له: ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندًا (١)؟!
فإذا كان هذا إنكار رسول الله - ﵌ - على من آمن به - ﵌ - فرارًا من الشرك، فلماذا لا ينكر هؤلاء المشايخ على الناس قولهم: يا الله يا باز! مع أنه في الدلالة على الشرك أوضح وأظهر من كلمة ما شاء الله وشئت؟ ولماذا نرى العامة يقولون دون أي تحرج: «توكلنا على الله وعليك» و«مالنا غير الله وأنت»؟ ذلك لأن هؤلاء المشايخ إما أنهم مثلهم في الضلال وفاقد الشيء لا يعطيه وإما أنهم يدارونهم، بل يداهنوهم كي لا يوصموا ببعض الوصمات التي تقضي على وظائفهم ومعاشاهم غير مبالين بقول الله تعالى ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يعلنهم الله ويعلنهم اللاعنون﴾ (٢).
يا حسرة على هؤلاء المسلمين لقد كان المفروض فيهم أن يكونوا دعاة لجميع الناس إلى دين التوحيد، وسببًا لإنقاذهم من الوثنية وأدرانها، ولكنهم سبب جهلهم بدينهم وإتباعهم أهواءهم عادوا مضرب مثل للوثنية من قبل المشركين أنفسهم فصاروا يصفونهم بأنهم كاليهود في بنائهم المساجد على القبور فقد
جاء في كتاب «دعوة الحق» للأستاذ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله تعالى (ص١٧٦ - ١٧٧):
«وقد سجل على المسلمين هذه الوثنية المستشرق الانكليزي اللئيم «ادوارد لين» في كتابه «المصريون المحدثون» فقال (ص ١٦٧ - ١٨١):
_________________
(١) حديث صحيح، تجد تخريجه في «الأحاديث الصحية» (١٣٩). [منه].
(٢) سورة البقرة الآية ١٥٩. [منه].
[ ٢ / ٢٣٤ ]
«ويحمل المسلمون- وبخاصة المصريون- على اختلاف مذاهبهم- ما عدا الوهابيين- للأولياء المتوفين احترامًا وتقديسًا لا سند لهما من القرآن أو الأحاديث أكثر مما يحملون للأحياء منهم، ويشيدون فوق أغلب قبور الأولياء المشهورين مساجد كبيرة وجميلة وينصبون فوق قبور من هم أقل شهرة منهم بناء صغيرا مبيضًا بالكلس ومتوجًا بقبة، ويقام فوق القبر مباشرةً نصب مستطيل من الحجر أو القرميد يسمى «تركيبة» أو من الخشب ويسمى تابوتًا، ويغطى النصب عادة بالحرير أو الكتان المطرز بالآيات القرآنية، ويحيط به قضبان أو ستر من الخشب يسمى مقصورة، وأكثر أضرحة الأولياء في مصر مدافن إلا أن أكثرها يحتوي على آثار قليلة لهم، وبعضها ليست إلا قبورا فارغة أقيمت تذكارًا للميت. إلى أن يقول: وقد جرت العادة أن يقوم المسلمون كما كان يفعل اليهودُ بتجديد بناء قبور أوليائهم، وتبيضها، وزخرفتها، تغطية التركيبة أو التابوت أحيانا بغطاء جديد، وأكثر هؤلاء يفعلون ذلك رياءً (١) كما يفعل اليهود».
علم الكفار الغربيون هذه الضلالة التي وقع فيها كثير من المسلمين لا سيما الشيعة منهم، فاستغلوها حتى في سبيل تحقيق مطامعهم الاستعمارية، فقد قال فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري في فتوى له في النهي عن زخرفة القبور وبناء القباب والمساجد عليها:
«وبهذه المناسبة، أذكر أن أحد كبار الشرقيين حدثني عن بعض أساليب الاستعمار في آسيا أن الضرورة كانت تقضي بتحويل القوافل الآتية من الهند إلى بغداد عبر تلك المنطقة الواسعة إلى اتجاه جديدٍ للمستعمر فيه غاية، ولم تجد أية وسيلة من وسائل الدعاية في جعل القوافل تختاره.
_________________
(١) قلت: هذا من بعضهم وأما الآخرون فيفعلونه تعبدا وتقربا إلى الله بزعمهم. [منه].
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وأخيرًا اهتدوا إلى إقامة عدة أضرحةٍ وقباب على مسافات متقاربة في هذا الطريق.
ما هو إلا أن اهتزت الإشاعات بمن فيها من الأولياء وبما شُوهد من كراماتهم! حتى صارت تلك الطريق مأهولة مقصودة عامرة!
وأحب أن أرسلها كلمة خالصةً لوجه الله إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أن يقلعوا عن تضخيم المقابر فإنها نُعَرَةٌ للفرد، ودعوةٌ إلى الأنانية، وإلى الارستقراطية الممقوتة التي قتلت روح الشرق.
وأن يعودوا إلى رحاب الدين التي تسوي بين الناس جميعًا أحياءً أو أمواتًا.
لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وما قدمت يداه من أعمال خالصة
لوجه الله» (١).
وقال الكاتب القدير والمؤرخ الشهير الأستاذ المحقق رفيق بك العظم في خاتمة ترجمة أبي عبيدة ﵁ من كتابه «أشهر مشاهير الإسلام» (ص ٥٢١ - ٥٢٤) تحت عنوان «كلمة في القبور»:
«لا نريد بهذا العنوان البحث عن تاريخ القبور كالنواويس والأهرام وما شاكلها من معالم الوثنية الأولى وإنما نريد الوقوف بفكرة القارئ عند اختلاف المؤرخين في مكان قبر أبي عبيدة كاختلافهم في تعيين كثير من قبور جلة الصحابة الكرام الذين دوخوا هذا الملك العظيم وتحلوا بتلك الشيم الشماء وبلغوا من الفضل والتفضل والتقوى والصلاح غاية لم يبلغها أحد من الأولين والآخرين وقد بسط المؤرخون أخبار أولئك الرجال العظام وعنوا بتدوين آثارهم العظيمة في
_________________
(١) «ليس من الإسلام» (ص ١٧٤) للأستاذ محمد الغزالي. [منه].
[ ٢ / ٢٣٦ ]
فتوح الممالك والبلدان حتى لم يتركوا في النفوس حاجة للاستزادة ونعم ما خدموا به الأمة والدين.
إن القارئ إذا وقف بفكره عند هذا الأمر وقفة المتأمل، لا يلبث أن يأخذه العجب لأول وهلة من ضياع قبور أولئك الرجال العظام واختفاء أمكنتها عن نظر نقلة الأخبار، ومدوني الآثار على جلالة قدر أصحابها وشهرتهم التي طبقت الآفاق وملأت النفوس إعظامًا لقدرهم وإقرارًا بفضيلة سبقهم للإيمان ونشرهم دعوة القرآن.
لا جرم أن القارئ أقل ما تحدثه به النفس عند التأمل في هذا الأمر: أن أولئك الرجال ينبغي أن تُعلم قبورهم بالتعيين، وتشاد عليها القباب العاليات ذات الأساطين، إذا لم يكن لشهرتهم بالصلاح والتقوى وصدق الإيمان وصحبتهم للنبي ﵊، فلما أتوه من كبار الأعمال التي تعجز عنها أعاظم الرجال فكيف غابت قبورهم عن نظر المؤرخين، ودرست أجداثهم التي تضم أكابر الصحابة والتابعين حتى اختلف في تعيين أمكنتها أرباب السير وعفي على أكثرها الأثر إلا ما علموه بعد بالحدس والتخمين، وأظهروا أثره بالبناء عليه بعد ذلك الحين، مع أن المشاهد عند المسلمين صرف العناية إلى قبور الأموات بما يبلغ الغاية بالتأنق في رفعها وتشييدها ورفع القباب عليها واتخاذ المساجد عندها لا سيما قبور الأمراء الظالمين الذين لم يظهر لهم أثرٌ يشكر في الإسلام، والمتمشيخة والدجالين الذين كان أكثرهم يجهل أحكام الإيمان، ولا نسبة بينهم وبين أولئك الرجال العظام كأبي عبيدة بن الجراح وإخوانه من كبار الصحابة الكرام، الذين نقلوا الدين غضًا طريًا، وبلغوا بالتقوى والفضيلة مكانًا قصيًا؟
والجواب عن هذا: أن الصحابة والتابعين لم يكونوا في عصرهم بأقل تقديرًا
[ ٢ / ٢٣٧ ]
لقدر الرجال، وتعظيمًا لشأن من نبغ فيهم من مشاهير الأبطال وأخيار الأمة، إلا أنهم كانوا يأنفون من تشييد قبور الأموات، وتعظيم الرفات لتحققهم النهي الصريح عن ذلك من صاحب الشريعة الغراء، الحنيفية السمحة، التي جاءت لاستئصال شأفة الوثنية، ومحو آثار التعظيم للرفات، أو العكوف على قبور الأموات، ويرون أن خير القبور الدوارس (١)، وأن أشرف الذكر في أشرف الأعمال، لهذا اختفت عمن أتى بعد جيلهم ذلك قبور كبار الصحابة وجلة المجاهدين إلا ما ندر.
ثم اختلفت نقلة الأخبار في تعيين أمكنتها باختلاف الرواة وتضارب ظنون الناقلين.
ولو كان في صدر الإسلام أثر لتعظيم القبور والاحتفاظ على أماكن الأموات بتشييد القباب والمساجد عليها، لما كان شيء من هذا الاختلاف، ولما غابت عنها إلى الآن قبور أولئك الصحابة الكرام كما لم تغب قبور الدجاجلة والمتمشيخين، التي ابتدعها بعد العصور الأولى مبتدعة المسلمين، وخالفوا فعل الصحابة والتابعين، حتى باتت أكثر هذه القباب تمثل هياكل الأقدمين، وتعيد سيرة الوثنية بأقبح أنواعها وأبعد منازعها عن الحق وأقربها إلى الشرك، ولو اعتبر المسلمون بعد باختفاء قبور الصحابة الذين عنهم أخذوا هذا الدين وبهم نصر الله الإسلام، لما اجترؤوا على إقامة القباب على القبور وتعظيم الأموات تعظيمًا يأباه العقل والشرع وخالفوا في هذا كله الصحابة والتابعين الذين أدوا إلينا أمانة نبيهم
_________________
(١) قلت: هذا ليس بحديث والسنة رفع القبر عن الأرض نحو شبر وبيانه في كتابي «أحكام الجنائز وبدعها» (ص ٢٠٨ - ٢٠٩) طبع المكتب الإسلامي). [منه].
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فأضعناها، وأسرار الشريعة فعبثنا بها.
وإليك ما رواه في شأن القبور مسلم في «صحيحه» عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﵌ - ألا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفا إلا سويته. وفي «صحيحه» أيضًا عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم بـ «ردوس» فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال سمعت رسول الله - ﵌ - يأمر بتسويتها (١).
هكذا بلغونا الذين أدوا إلينا أمانة رسول الله - ﵌ -، ثم تأكيدًا لعهد الأمانة بدؤوا بكل ما أمرهم به الرسول - ﵌ - بأنفسهم لنستن بسنتهم، ونهتدي بهدي نبيهم، ولكن قصرت عقولنا عن إدراك معنى تلك الجزئيات، وانحطت مداركنا عن مقام العلم بحكمة التشريع الإلهي والأمر النبوي القاضي بعدم تشييد القبور، اتقاء التدرج في مدارج الوثنية فلم نحفل بتلك الحكمة، وتحكمنا بعقولنا القاصرة بالشرع فحكمنا بجواز تشييد القبور استحبابًا لمثل هذه الجزئيات، حتى أصبحت كليات وخرقًا في الدين، وإفسادًا لعقيدة التوحيد، إذ ما زلنا نتدرج حتى جعلنا عليها المساجد وقصدنا رفاتها بالنذور والقربات، ووقعنا من ثم فيها لأجله أمرنا الشارع بطمس القبور (٢)، كل هذا ونحن لا نزال في غفلة عن حكمة الشرع نصادم الحق ويصادمنا، حتى نهلك مع الهالكين».
_________________
(١) الأحاديث الواردة بالنهي عن تشييد القبور وتعظيمها ولعن من يتخذها مساجد ويقصدها بالنذور كثيرة قد استقصى الكلام عليها كثير من الأئمة المصلحين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأمثالهما فلتراجع في مظانها من كتب القوم كالواسطة وإغاثة اللهفان وغيرهما. قلت: وراجع لذلك كتابنا «أحكم الجنائز». [منه].
(٢) انظر تعليقنا السابق. [منه].
[ ٢ / ٢٣٩ ]
قلت: وقد يظن بعض الناس خاصة من كان منهم ذا ثقافة عصريةٍ أن الشرك قد زال وأنه لا رجعة له بسبب انتشار العلوم واستنارة العقول بها!
وهذا ظن باطل، فإن الواقع يخالفه، إذ أن المشاهد أن الشرك على اختلاف أنواعه ومظاهره لا يزال ضاربًا أطنابه في أكثر بقاع الأرض، ولا سيما في بلاد الغرب عقر دار الكفر، وعبادة الأنبياء والقديسين، والأصنام والمادة، وعظماء الرجال والأبطال، ومن أبرز ما يظهر ذلك للعيان انتشار التماثيل بينهم.
وإن مما يُؤسَفُ له أن هذه الظاهرة قد أخذت تنتشر رويدًا في بعض البلاد الإسلامية دون أي نكير من علماء المسلمين!
وما لنا نذهب بالقراء بعيدًا؟ فهذه كثير من بلاد المسلمين وخاصة الشيعة منهم ففيها عديد من مظاهر الشرك والوثنية كالسجود للقبور، والطواف حولها، واستقبالها بالصلاة والسجود، ودعائهم من دون الله تعالى، وغير ذلك مما سبق ذكره على أننا لو فرضنا أن الأرض قد طهرت من أدران الشركيات والوثنيات على اختلاف أنواعها، فلا يجوز لنا أن نبيح اتخاذ الوسائل التي يخشى أن تؤدي إلى الشرك لأننا لا نأمن أن تؤدي هذه الوسائل ببعض المسلمين إلى الشرك بل نحن نقطع بأن الشرك، سيقع في هذه الأمة في آخر الزمان- إن لم يكن قد وقع حتى الآن! - وإليك بعض النصوص الواردة في ذلك عن النبي - ﵌ - حتى تكون على بينة من الأمر:
١ - «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات النساء دوس حول ذي الخلصة» (١)
_________________
(١) رواه البخاري (١٣/ ٦٤)، ومسلم (٨/ ١٨٢)، وأحمد (٢/ ٢٧١). [منه].
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وكانت صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة (١).
٢ - «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢) أن ذلك تامًا، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله (٣)، ثم يبعث الله ريحًا طيبةً، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبةِ
_________________
(١) هي موضع باليمن، وليست تبالة التي يضرب بها المثل ويقال: «أهون على الحجاج من تبالة» لأن تلك بالطائف. «نووي». [منه].
(٢) سورة الصف الآية ٩. [وكذا سورة التوبة الآية ٣٣]. [منه].
(٣) في هذا الحديث بيان أن الظهور المذكور في الآية لم يتحقق بتمامه، وإنما يتحقق في المستقبل، ومما لا شك فيه أن دائرة الظهور اتسعت بعد وفاتهص في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولا يكون التمام إلا بسيطرة الإسلام على جميع الكرة الأرضية وسيتحقق هذا قطعا لإخبار الرسولص بذلك فقد صح عنهص أنه قال: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بغز عزيز أو بذل ذليل عز يعر الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر. رواه أحمد (٤/ ١٠٣) وابن بشران في «الأمالي» (٦٠/ ١) والطبراني في «المعجم الكبير» (١/ ١٢٦/١) وابن منده في «كتاب الإيمان» (١٠٢/ ١) والحافظ عبد الغني المقدسي في «ذكر الإسلام» (١٦٦/ ١) وقال: «حديث حسن صحيح» والحاكم (٤/ ٤٣٠ - ٤٣١) وقال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي وإنما هو على شرط مسلم فقط. وله عنده وعند ابن مندة شاهد من حديث المقداد بن الأسود وهو على شرط مسلم أيضا. فهذا الحديث مفسر للآية الكريمة، فعلى ضوئه وبمعناه الواسع الشامل يجب أن تفسر الآية المذكورة. ومن جزئيات الآية والحديث ما صح عنهص أن المسلمين سيفتحون مدينة روما عاصمة البابا بعد فتحهم القسطنطينية وقد تحقق الفتح الأول فلا بد أن يتحقق الفتح الثاني (ولتعلمن نبأه بعد حين). (راجع حديث الفتح وتخريجه في «الأحاديث الصحيحة» رقم ٤) فعلى المسلمين أن يعدوا أنفسهم لذلك يرجعوهم إلى ربهم، وتطبيقهم لكتابه وإتباعهم لسنة نبيه واجتنابهم لحرماته واتحادهم على ما يرضيه ﷾ وفي الأفق ما قد يبشر بأن المسلمين قد استأنفوا السير نحو ذلك حقق الله تعالى الآمال. [منه].
[ ٢ / ٢٤١ ]
خردل إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» (١).
٣ - «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد القبائل من أمتي الأوثان» (٢).
٤ - «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله، وفي رواية: لا إله
إلا الله» (٣).
ففي هذه الأحاديث دلالةٌ قاطعة على أن الشرك واقع في هذه الأمة، فإذا الأمر كذلك فيجب على المسلمين أن يبتعدوا عن كل الوسائل والأسباب التي قد تؤدي بأحدهم إلى الشرك، مثل ما نحن فيه من بناء المساجد على القبور ونحو ذلك مما سبق بيانه مما حرمه رسول الله - ﵌ - وحذر أمته منه.
_________________
(١) رواه مسلم (٨/ ١٨٢) وكذا أحمد كما في «الكواكب» (١٣٠/ ٢ - تفسير ٥٥٥) وقال «وسنده صحيح». قلت: ورواه أبو يعلى في «مسنده» (ق ٢١٦/ ٢) والحاكم (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧ و٥٤٩) مستدركًا له على مسلم فوهم!. [منه].
(٢) رواه أبو داود (٢/ ٢٠٢)، والترمذي (٣/ ٢٢٧) وصححه، والحاكم (٤/ ٤٤٨، ٤٤٩) والطيالسي (رقم ٩٩١) وأحمد (٥/ ٢٨٤) والحربي في «الغريب» (٥/ ١٦٧/١) من حديث ثوبان مرفوعًا وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي وإنما هو على شرط مسلم فقط وقد أخرج هذا الحديث في صحيحه (٨/ ١٧١)، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الطيالسي (٢٥٠١). [منه].
(٣) رواه مسلم (١/ ٩١)، والترمذي (٣/ ٢٢٤)، وحسنه، والحاكم (٤/ ٤٩٤) ٤٩٥) وأحمد (٣/ ١٠٧ و٢٥٩ و٢٦٨) وابن منده في «التوحيد» (٤٩/ ١) يوسف ابن عمر القواس في «حديثه» (٦٨/ ١) والرواية الثانية له وهي رواية لأحمد والحاكم وقال: «صحيح على شرط مسلم» وهو كما قال. وله عنده شاهد من حديث ابن مسعود وصححه على شرط الشيخان ووافقه الذهبي. [منه].
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ولا يغتر أحدٌ بالثقافة العصرية، فإنها لا تهدي ضالًا، ولا تزيد المؤمن هدى إلا ما شاء الله، وإنما الهدى والنور فيما جاء به الرسول - ﵌ - وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
"تحذير الساجد" (ص١٠١ - ١٢٠)
[١٤٠] باب حكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور
[قال الإمام]:
إن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن الغاية بالأولى وبالأحرى، فينتج من ذلك أن الصلاة في هذه المساجد منهي عنها، والنهي في مثل هذا الموضع يقتضي البطلان كما هو معروف عند العلماء (٢) وقد قال ببطلان الصلاة فيها الإمام أحمد وغيره ولكنا نرى أن المسألة تحتاج إلى تفصيل فأقول:
قصد الصلاة في المساجد المبنية على القبور يبطل الصلاة
الأولى: أن يقصد الصلاة فيها من أجل القبور والتبرك بها كما يفعله كثير من العامة، وغير قليل من الخاصة!
_________________
(١) سورة المائدة الآيتان ١٥ - ١٦. [منه].
(٢) قلت وذلك لأن الصلاة في هذه المساجد منهي عنها بعينها ولهذا فرق العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها. انظر توضيح هذه المسألة الهامة وبعض الأمثلة في «جامع العلوم والحكم» للحافظ الفقيه ابن رجب الحنبلي (ص ٤٣). [منه].
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الثانية: أن يصلي فيها اتفاقا لا قصدا للقبر.
ففي الحالة الأولى لا شك في تحريم الصلاة فيها بل وبطلانها، لأنه إذا نهى - ﵌ - عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، فالنهي عن قصد الصلاة فيها أولى والنهي هنا يقتضي البطلان كما سبق قريبًا.
كراهة الصلاة في المساجد المذكورة ولو لم تُقصد من أجل القبر
كراهة الصلاة في المساجد المذكورة ولو لم تقصد من أجل القبر كراهة الصلاة في المساجد المذكورة ولو لم تقصد من أجل القبر
وأما في الحالة الثانية، فلا يتبين لي الحكم ببطلان الصلاة فيها، وإنما الكراهة فقط، لأن القول بالبطلان في هذه الحالة لا بد له من دليل خاص، والدليل الذي أثبتنا به البطلان في الحالة السابقة إنما صح بناء على النهي عن بناء المسجد على القبر، فيصح القول بأن قصد الصلاة في هذا المسجد يبطلها، وأما القول ببطلان الصلاة فيه دون قصد، فليس عليه نهي خاص يكمن الاعتماد عليه فيه ولا يمكن أن يقاس عليه قياسا صحيحا بله أولويًا.
ولعل هذا هو السبب في ذهاب الجمهور إلى الكراهة دون البطلان، أقول هذا معترفا بأن الموضوع يحتاج إلى مزيد من التحقيق، وأن القول بالبطلان محتملٌ فمن كان عنده علم في شيءٍ من ذلك فليتفضل ببيانه مع الدليل مشكورًا مأجورًا.
وأما القول بكراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور، فهذا أقل ما يمكن أن يقوله الباحث وذلك لأمرين:
الأول: أن في الصلاة فيها تشبهًا باليهود والنصارى الذين كانوا ولا يزالون يقصدون التعبد في تلك المساجد المبنية على القبور! (١).
_________________
(١) قرأت مقالا في مجلة «المختار» عدد مايو ١٩٥٨ م تحت عنوان «الفاتيكان المدينة القديمة المقدسة» يصف فيه كاتبه «رونالد كارلوس بيتي» كنيسة بطرس في هذه المدينة فيقول (ص ٤٠): «إن كنيسة بطرس هي أكبر كنيسة من نوعها في العالم المسيحي، تقوم على ساحة مكرسة للعبادة المسيحية منذ أكثر من سبعة عشر قرنًا، إنها قائمة على قبر القديس نفسه: صياد السمك، حواري المسيح، وتحت أرضيها يقع تيه من المقابر الأثرية والخرائب الرومانية القديمة». ثم ذكر أنه يقصدها نحو مائة ألف في أيام الأعياد الكبيرة للعبادة. [منه].
[ ٢ / ٢٤٤ ]
الثاني: أن الصلاة فيها ذريعة لتعظيم المقبور فيها تعظيمًا خارجًا عن حد الشرع، فينهى عنها احتياطًا وسدًا للذريعة، لا سيما ومفاسد المساجد المبنية على القبور ماثلة للعيان كما سبق مرارًا، وقد نص العلماء على كل من العلتين، فقال العلامة ابن الملك من علماء الحنفية:
«إنما حرم اتخاذ المساجد عليها، لأن الصلاة فيها استنانا بسنة اليهود».
نقله الشيخ القاري في «المرقاة» (١/ ٤٧٠) وأقره، وكذلك قال بعض العلماء المتأخرين من الحنفية وغيرهم كما سيأتي.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «القاعدة الجليلة» (ص ٢٢):
«واتخاذ المكان مسجدًا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين، فحرم - ﵌ - أن تتخذ قبورهم مساجد تقصد للصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء عنده، فنهى رسول الله - ﵌ - عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله.
والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، ينهى عنه كما ينهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو
[ ٢ / ٢٤٥ ]
التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.
ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب (١) فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه فيه هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه.
فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك، لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها، كان معلومًا أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم لنفسه، وأعظم تحريمًا من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب، كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم كان دعاؤهم والسجود أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد».
واعلم أن كراهة الصلاة في هذه المساجد هو أمر متفق عليه من العلماء كما سبق بيانه (ص١٧٨) ويأتي، وإنما اختلفوا في بطلانها وظاهر مذهب الحنابلة أنها لا تصح، وبه جزم المحقق ابن القيم كما تقدم (ص١٧٧ - ١٧٨).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب
_________________
(١) قلت: يعني الصلوات ذوات الأسباب كركعتي تحية المسجد وسنة الوضوء ونحوها. [منه].
[ ٢ / ٢٤٦ ]
الجحيم» (ص ١٥٩):
«فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وتُكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأجل أحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحدًا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد، هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ، وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين».
قلت: والوجه الثاني هو الذي رجحه في «الاختيارات العلمية» فقال (ص٢٥):
«وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره، أنه لا تجوز الصلاة فيه (أي المسجد الذي قبلته إلى القبر) حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم أنه منصوص أحمد».
قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد يسأل عن الصلاة في المقبرة؟ فكره الصلاة في المقبرة قيل له: المسجد يكون بين القبور أيصلى فيه؟
[ ٢ / ٢٤٧ ]
فكره أن يصلى فيه الفرض، ورخص أن يصلى فيه على الجنائز.
وقال الإمام أحمد أيضا ً: «لا يصلى في مسجد بين المقابر إلا الجنائز، لأن الجنائز هذه سنتها».
قال الحافظ ابن رجب في «الفتح»:
«يشير إلى فعل الصحابة، قال ابن المنذر: قال نافع مولى ابن عمر: صلينا على عائشة وأم سلمة والإمام يومئذ أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر» (١).
انظر «الكواكب الدراري» (٦٥/ ٨١/١ و٢).
ولعل اقتصار الإمام أحمد في الرواية الأولى على ذكر الفرض فقط لا يدل على أن غيره من السنن جائز، فإن من المعلوم أن النوافل صلاتها في البيوت هو الأفضل، ولذلك لم يذكرها مع الفرض، ويؤيده عموم قوله في الرواية الثانية «لا يصلى في مسجد بين المقابر إلا الجنائز». فهذا نص فيما قلناه.
ويؤيده المنصوص عن أحمد ما تقدم عن أنس:
«كان يكره أن يبنى مسجد على القبور».
فإنه صريح على أن جدار المسجد لا يكفي حائلًا بينه وبين القبر، بل لعل هذا القول ينفي جواز بناء المسجد بين القبور مطلقًا وهذا هو الأقرب لأنه حسم
لمادة الشرك.
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الاقتضاء»:
_________________
(١) قلت: الأثر أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١/ ٤٠٧/١٥٩٤) سند صحيح عن نافع به [منه].
[ ٢ / ٢٤٨ ]
«وقد كانت البُنْيَة التي على قبر إبراهيم ﵇ مسدودة لا يُدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة فقيل إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك منامًا فنقبت لذلك! وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك، ثم ترك ذلك مسجدًا بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها إتباعا لأمر الرسول - ﵌ - واتقاء لمعصيته كما تقدم».
هكذا كان شيوخهم فيما مضى، وأما شيوخنا اليوم فهم في غفلة من هذا الحكم الشرعي، فكثير منهم يقصدون الصلاة في مثل هذه المساجد، ولقد كنت أذهب مع بعضهم،- وأنا صغير لم أتفقه بالسنة بعد- إلى قبر الشيخ ابن عربي لأصلي معه عنده! فلما أن علمت حرمة ذلك باحثت الشيخ المشار إليه كثيرًا في ذلك حتى هداه الله تعالى وامتنع من الصلاة هناك، وكان يعترف بذلك لي، ويشكرني على أن كنت سببا لهدايته رحمه الله تعالى وغفر له.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
كراهة الصلاة في المسجد المبني على القبر ولو دون استقباله
واعلم أن كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور مضطردة في كل حال، سواء كان القبر أمامه أو خلفه يمينه أو يساره، فالصلاة فيها مكروهة على كل حال ولكن الكراهة تشتد إذا كانت الصلاة إلى القبر، لأنه في هذه الحالة ارتكب المصلي مخالفتين الأولى في الصلاة في هذه المساجد، والأخرى الصلاة إلى القبر وهي منهي عنها مطلقًا سواء كان المسجد أو غير المسجد بالنص الصحيح عن رسول الله - ﵌ - كما تقدم (ص١٦٨).
أقوال العلماء في ذلك
وقد أشار إلى هذا المعنى البخاري بقوله في «الصحيح»: «باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ولما مات الحسن بن الحسين بن علي ﵁ ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت، فسمعوا صائحًا يقول: «ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا»»، ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة، فقال الحافظ ابن حجر الشافعي في شرحه:
«ومناسبة هذا الأثر للباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة
هناك، فليزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة» (١).
_________________
(١) ونقل الشيخ محمد بن مخيمر من علماء الأزهر في «القول المبين» (ص ٨١) عن الحافظ ابن حجر أنه قال في «شرح الفتح» لحديث ذي الخلصة من «صحيح البخاري» في الكلام على الغزوات ما نصه: «وفي الحديث النهي عن الصلاة في المساجد التي فيها قبور يفتتن الناس بها وأنه يجب إزالتها» قلت: ولم أره في المكان المذكور من «الفتح» فيحتمل أن يكون في موضع آخر منه. والله أعلم. [منه].
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وذكر نحوه العيني الحنفي في «عمدة القارئ» (٤/ ١٤٩) وفي «الكوكب الدري على جامع الترمذي» للشيخ المحقق محمد يحيى الكاندهلوي الحنفي ما نصه (ص ١٥٣):
«وأما اتخاذ المساجد عليها، فلما فيه من التشبيه باليهود واتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعيدة الأصنام، لو كان القبر في جانب القبلة وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يمينًا أو يسارًا وإن كان خلف المصلي فهو أخف من كل ذلك لكن لا يخلو عن كراهة». وفي «شرعة الإسلام» من كتب الحنفية ما نصه (ص ٥٦٩):
«ويكره أن يبنى على القبر مسجد يصلى فيه».
فهذا بإطلاقه يؤيد ما ذكرنا من أقوال العلماء وتقدم نحوه عن الإمام محمد رحمه الله تعالى (ص١٧٦).
ففي هذه النقول ما يؤيد ما ذهبنا إليه في كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور مطلقًا، سواء صلى إليها أو لا، فيجب التفريق بين هذه المسألة وبين الصلاة إلى القبر الذي ليس عليه مسجد، ففي هذه الصورة إنما تحقق الكراهة عند استقبال القبر على أن بعض العلماء لم يشترطوا أيضا الاستقبال في هذه الصورة فقال بالمنع من الصلاة حول القبر مطلقًا، كما تقدم قريبًا عن الحنابلة، ونحوه في «حاشية الطحاوي» على «مراقي الفلاح» من كتب الحنفية (ص ٢٠٨)، وهذا هو
[ ٢ / ٢٥١ ]
اللائق بباب سد الذرائع لقوله - ﵌ -:
« فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) الحديث (١).
"تحذير الساجد" (ص١٢١ - ١٣٢)
[١٤١] باب في أن الحكم السابق يشمل جميع المساجد إلا المسجد النبوي
[قال الإمام]:
ثم اعلم أن الحكم السابق يشمل كل المساجد كبيرها وصغيرها قديمها وحديثها لعموم الأدلة (٢)،
فلا يستثنى من ذلك مسجد فيه قبر إلا المسجد النبوي
_________________
(١) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير وهو مخرج في «تخريج الحلال» (٢٠). [منه].
(٢) قال الشوكاني في «شرح الصدور في تحريم رفع القبور» بعد أن ذكر حديث جابر المتقدم بلفظ: «نهى رسولُ الله - ﷺ - أن يجصص القبر وأن يبنى عليه» (ص ٧٠) من «المجموعة المنيرية»: «وفي هذا التصريح بالنهي عن البناء على القبور، وهو يصدق على من بنى على جوانب حفرة القبر كما يفعله كثير من الناس من رفع قبور الموتى ذراعًا فما فوقه، لأنه لا يمكن أن يجعل نفس القبر مسجدًا، فذلك مما دل على أن المراد بعض ما يقربه مما يتصل به. ويصدق على من بنى قريبًا من جوانب القبر كذلك، كما في القباب والمساجد والمشاهد الكبيرة على وجه يكون القبر في وسطها أو في جانب منها، فإن هذا بناء على القبر كما لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم كما يقال: بنى السلطان على مدينة كذا أو قرية كذا سورًا، وكما يُقال بنى فلان في المكان الفلاني مسجدًا، مع أن سمك البناء لم يباشر إلا جوانب المدنية أو القرية أو المكان ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع وضع البناء عليها قريبة من الوسط كما في المدينة الصغيرة والقرية الصغيرة والمكان الضيق، أو بعيدة من الوسط كما في المدينة والقرية الكبيرة والمكان الواسع، ومن زعم أن في لغة العرب ما يمنع من هذا الإطلاق فهو لا يعرف لغة العرب، ولا يفهم لسانها، ولا يدري بما استعمل في كلامها». [منه].
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الشريف لأن له فضيلة خاصة لا توجد في شيءٍ من المساجد على القبور (١)، وذلك لقوله - ﵌ -:
«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد
_________________
(١) وبهذه المناسبة أقول: إن من أعجب ما رأينا من الأخبار الواهية، والأوهام المضلة، ما نقله العلامة ابن عابدين في الحاشية (١/ ٤١) عن كتاب «أخبار الدول» بالسند إلى سفيان الثوري «أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة» قلت: هو باطل لا أصل له عن رسول الله - ﷺ - بل ولا عن سفيان الثوري، فقد أخرجه أبو الحسن الربعي في «فضائل الشام ودمشق» (ص ٣٥ - ٣٧) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/ ١٢) عن أحمد بن أنس بن مالك أنبأ حبيب المؤذن أنبأ أبو زياد الشعباني وأبو أمية الشعباني قالا: «كنا بمكة فإذا رجل في ظل الكعبة، وإذا هو سفيان الثوري فقال رجل: يا أبا عبد الله ما تقول في الصلاة في هذا البلد؟ قال: بمائة ألف صلاة قال: ففي مسجد رسول الله - ﷺ -؟ قال: بخمسين ألف صلاة قال ففي بيت المقدس؟ قال بأربعين ألف صلاة قال ففي مسجد دمشق؟ قال: بثلاثين ألف.» قلت: وهذا إسناد ضعيف مجهول أبو زياد الشبعاني الظاهر أنه خيار بن سلمة أبو زياد الشامي وقرينه أبو أمية الشعباني فهو يحمد بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم وهما مقبولان كما في «التقريب» لكن الراوي عنهما حبيب المؤذن مجهول أورده ابن عساكر في «تاريخه» ولم يزد في ترجمته على قوله فيه «كان يؤذن في مسجد سوق الأحد» والراوي عنه أحمد بن أنس لم أجد له ترجمة. ومما يبطل هذا الأثر عن سفيان أنه أحد رواة حديث أبي هريرة الآتي أن الصلاة في مسجده - ﷺ - بألف صلاة، فيبعد أن يقول بخلاف ما صح عنده عنه - ﷺ - ومما يبطله أيضًا أن أكثر ما صح عنه - ﷺ - في فضل الصلاة في بيت المقدس أنها بألف صلاة رواه ابن ماجة (١/ ٤٢٩ ٤٣٠) وأحمد (٦/ ٤٦٣) بسند جيد وهذا الأثر يقول: أنها بأربعين ألف صلاة! ثم بدا لي أنه غير جيد السند فيه علة تقدح في صحته وإن كان لي سلف في تصحيحه وقد بينتها في «ضعيف أبي داود» (باب السرج في المساجد). نعم قد صح أن الصلاة في بيت المقدس على الربع من الصلاة في المسجد النبوي رواه البيهقي فيه يبطل أثر الثوري من باب أولى كما لا يخفى. [منه].
[ ٢ / ٢٥٣ ]
الحرام [فإنه أفضل]» (١) ولقوله - ﵌ - أيضا: «ما بين بيتي (٢) ومنبري روضة من رياض الجنة» (٣).
ولغير ذلك من الفضائل، فلو قيل بكراهة الصلاة فيه كان معنى ذلك تسويته مع غيره من المساجد، ورفع هذه الفضائل عنه، وهذا لا يجوز كما هو ظاهر وهذا المعنى استفدناه من كلام ابن تيمية السابق (ص ١٢٧ - ١٢٨) في بيان سبب إباحة صلاة ذوات الأسباب في الأوقات المنهي عنها، فكما أن الصلاة أبيحت في هذه الأوقات لأن في المنع منها تضييعًا لها بحيث لا يمكن استدراك فضلها لفوات وقتها، فكذلك يقال في الصلاة في مسجده - ﵌ -.ثم وجدت ابن تيمية صرح بهذا فقال في كتابه «الجواب الباهر في زوار المقابر» (٤) (ص ٢٢/ ١ - ٢):
_________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ومسلم وأحمد والزيادة له من حديث ابن عمر وله عنده طرق كثيرة وشواهد متعددة عن جماعة من الصحابة وقد ذكرت طرقه في «الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب». [منه].
(٢) هذا هو اللفظ الصحيح «بيتي» وأما اللفظ المشهور على الألسنة «قبري» فهو خطأ من بعض الرواة كما جزم به القرطبي وابن تيمية والعسقلاني وغيرهم ولذلك لم يخرج في شيءٍ من الصحاح، ووروده في بعض الروايات لا يصيره صحيحًا لأنه رواية بالمعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «القاعدة الجليلة» (ص ٧٤) بعد أن ذكر الحديث: «هذا هو الثابت الصحيح، ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال «قبري» وهو - ﷺ - حين قال هذا القول لم يكن قد قبر - ﷺ -، ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة، حينما تنازعوا في موضع دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل النزاع ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه. بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه». (تنبيه): ومن أوهام العلماء أن النووي في «المجموع» عزا الحديث للشيخين بلفظ «قبري» ولا أصل له عندهما فاقتضى التنبيه. [منه].
(٣) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن زيد المازني وهو حديث متواتر كما قال السيوطي، وقد ذكرت له في المصدر السابق سبعة طرق عنه - ﷺ -. [منه].
(٤) مخطوط المكتبة الظاهرية، وهو كتاب نفيس جامع في بابه وفق الله له من يطبعه، ثم حقق الله الأمنية فطبع عن النسخة الظاهرية في المطبعة السلفية في القاهرة، عني بنشره العالمان الجليلان: الشيخ عبد الملك بن إبراهيم رئيس هيئة الأمر بالمعروف بالحجاز بارك الله في عمره والشيخ محمد نصيف ﵀ وجزاه عن السنة خيرًا. [منه].
[ ٢ / ٢٥٤ ]
«والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقًا بخلاف مسجده - ﵌ - فإن الصلاة فيه بألف صلاة، فإنه أسس على التقوى وكانت حرمته في حياته - ﵌ -، وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه، وإنما أدخلت بعد انقراض عصر الصحابة».ثم قال (٦٧/ ١٦٩/٢):
«وكان المسجد قبل دخول الحجرة فيه فاضلا وكان فضيلة المسجد بأن النبي - ﵌ - بناه لنفسه، وللمؤمنين يصلي لله هو والمؤمنون إلى يوم القيامة، ففضل بنيانه له، فكيف وقد قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (١). وقال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» (٢).
وهذه الفضيلة ثابتة له قبل أن يدخل فيه الحجرة، فلا يجوز أن يظن أنه صار بدخول الحجرة فيه أفضل مما كان، وهم لم يقصدوا دخول الحجرة فيه، وإنما قصدوا توسيعه بإدخال حجر أزواج النبي - ﵌ - فدخلت الحجرة فيه ضرورة مع كراهة من كره ذلك من السلف» (٣).
ثم قال (٥٥/ ١ - ٢):
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة خرجته في «الإرواء» (٩٧١). [منه].
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة أيضا وهو مخرج في كتابي «أحكم الجنائز وبدعها» (ص ٢٢٤ - ٢٢٥). [منه].
(٣) انظر ما تقدم (في بداية الكتاب من الأمثلة على كراهة السلف لذلك). [منه].
[ ٢ / ٢٥٥ ]
«ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن له فضيلة إذ كان النبي - ﵌ - يصلي فيه والمهاجرون والأنصار، وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد بن عبد الملك لما أدخل الحجرة في مسجده فهذا لا يقوله إلا جاهل مفرط في الجهل، أو كافر، فهو مكذب لما جاء عنه مستحق للقتل، وكان الصحابة يدعون في مسجده كما كانوا يدعون في حياته، لم تحدث لهم شريعة غير الشريعة التي علمهم إياها في حياته .. بل نهاهم أن يتخذوا قبره عيدًا، أو قبر غيره مسجدًا يصلون فيه لله ﷿ ليسد ذريعة الشرك، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وجزاه أفضل ما جزى نبيا عن أمته، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه».
"تحذير الساجد" (ص١٣٢ - ١٣٨)
[ ٢ / ٢٥٦ ]
[١٤٢] باب بناء المساجد على القبور مفضاة للشرك
[قال الإمام]:
[من أحكام المساجد]: أن لا يبنيه على قبر فإنه يحرم ذلك لما روته عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﵌ - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: «فلولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» وقال ﵊: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»
الحديث الأول من حديث عائشة والآخر من حديث أبي هريرة وكلاهما صحيح
وفي هذه الأحاديث تحريم بناء المساجد على القبور فإن البناء من معاني اتخاذ المساجد على القبور، وقد جاء في بعض الروايات مصرحًا بذلك بلفظ: «بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». أخرجاه.
وقد ذهب إلى التحريم كثير من العلماء فقال الإمام محمد في كتابه «الآثار»:
«ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه «القبر» ونكره أن يجصص أو يطين ويجعل عنده مسجدًا»
والكراهة عنده للتحريم عند الإطلاق وأما الشافعي فقال في «الأم»:
«وأكره أن يبنى على القبر مسجد قال: أكره هذه للسنة والآثار وإنه كره- والله أعلم- أن يعظم أحد من المسلمين- يعني يتخذ قبره مسجدًا- ولم تؤمن في ذلك
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الفتنة والضلال على من يأتي بعده».
وفي «المجموع»:
«واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهورًا بالصلاح، أو غيره لعموم الأحاديث».
قلت: لكن الكراهة عندهم للتنزيه. ومن الدليل على ذلك أنهم قالوا: ويكره أن يصلي على قبر. فقال النووي:
«هكذا قالوا: (يكره) ولو قيل: يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد» فلو أن النووي ﵀ قال مثل هذا في قول أصحابه بكراهة البناء لكان أحق وأولى؛ لأن النهي عن البناء أشد وأرهب منه عن الصلاة إلى القبر، كما لا يخفى على من وقف على الأحاديث الواردة في هذا الموضوع، ولذلك قال شيخ الإسلام في «الاقتضاء»:
«فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه، ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة (كأنه يشير إلى الشافعي) فما أدري عنى به التنزيه أو التحريم؟ ولا ريب في القطع بتحريمه».
ثم ساق الأحاديث الواردة في هذا الباب. وقال القرطبي في «تفسيره» ما ملخصه:
«فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه؛ ممنوع».
ثم ذكر حديث عائشة الأخير ثم قال:
[ ٢ / ٢٥٨ ]
«قال علماؤنا (المالكية): وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد».وقال شيخ الإسلام أيضًا في «تفسير سورة الإخلاص»:
«قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور. ويجب هدم كل مسجد بني على قبر، وإن كان الميت قد قبر في مسجد، وقد طال مكثه؛ سوي القبر حتى لا تظهر صورته، فإن الشرك إنما يحصل إذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النبي - ﵌ - أولًا مقبرة للمشركين، وفيها نخل، وخرب، فأمر بالقبور فنبشت، وبالنخل فقطع، وبالخرب فسويت، فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجدًا، ولما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرمًا لم يكن شيء من ذلك على عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يكن يعرف قط مسجد على قبر».
هذا وقد يتوهم أن المحذور إنما هو اتخاذ المساجد على القبور بعد الدفن لا لو بني المسجد أولًا، وجعل القبر في جانبه ليدفن فيه واقف المسجد أو غيره، قال الشوكاني:
«قال العراقي: والظاهر أنه لا فرق، وإنه إذا بني المسجد لقصد أن يدفن في بعضه أحد فهو داخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرطوا أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدًا، والله أعلم».
فإن قيل: فما قصة قبر النبي - ﵌ -، فإنا نراه الآن في مسجده - ﵌ -؟ قلت: الجواب في شرح مسلم للنووي حيث قال:
«قال العلماء: إنما نهى النبي - ﵌ - عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا؛ خوفًا من المبالغة في التعظيم والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين والتابعون
[ ٢ / ٢٥٩ ]
إلى الزيادة في مسجد رسول الله - ﵌ - حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله - ﵌ -، وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄- بنو على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قالت في الحديث:
«ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا».
وفي ذكره الصحابة في هذه القصة نظر وإن تبعه على ذلك العيني في «العمدة» فإن ذلك لم يقع بحضور أي صحابي فقد قال ابن عبد الهادي في «الصارم المنكي»:
«وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار، ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتا جابر بن عبد الله، وتوفي في خلافة عبد الملك فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك، وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب «أخبار المدينة» - مدينة الرسول - ﵌ - عن أشياخه وعمن حدثوا عنه: أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد، وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي - ﵌ - فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه».
[ ٢ / ٢٦٠ ]
ثم ذكر ابن عبد الهادي عن شيخ الإسلام ابن تيمية:
«أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة، ولم يبق إلا من أدرك النبي - ﵌ -، ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة، ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين، وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة، ويقال لها: سنة الفقهاء».
وبالجملة فإنما أدخلوا قبر الرسول ﵊ إلى مسجده لحاجة توسيعه، والظاهر أنهم لم يجدوا فسحة من الجهات الأخرى ليزيدوا منها إلى المسجد وقد كان عمر وعثمان ﵄ قد زادا فيه من جهة القبلة فاضطروا إلى أخذ الزيادة من جهة الحجرات، فصار بذلك قبره في المسجد الشريف، ولكنهم- مع حاجتهم إلى هذا العمل- قد احتاطوا للأمر حيث فصلوا القبر عن المسجد فصلًا تامًا بالجدر المرفوعة حسمًا للمحذور كما سبق ذكره عن النووي، والله تعالى أعلم.
"الثمر المستطاب" (١/ ٤٧٩ - ٤٨٦).
[١٤٣] باب حرمة الصلاة في المساجد المبنية على القبور
[قال الإمام]:
[لا تجوز الصلاة في] المساجد المبنية على القبور لما في الصلاة فيها من التشبه باليهود والنصارى وقد قال - ﵌ - فيهم:
«إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا،
[ ٢ / ٢٦١ ]
وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» وقال:
«ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك».
الحديث الأول هو من حديث عائشة ﵂: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرنا للنبي - ﵌ - فقال فذكره
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وابن شيبة في «المصنف».
والحديث الثاني هو من رواية جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي - ﵌ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم » الحديث
تفرد بإخراجه مسلم، دون الستة، وقد نسبه الشوكاني للنسائي أيضًا، وكأنه يعني «سننه الكبرى» وإلا فإني لم أجده في «الصغرى» له، ولم ينسبه في (الذخائر) إلا لمسلم.
وفي الباب عن عائشة وابن عباس معًا، وعن أبي هريرة، وعن ابن مسعود، وقد مضت أحاديثهم قريبًا وعن ابن عباس أيضا بلفظ:
«لعن رسول الله - ﵌ - زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج».
أخرجه الأربعة إلا ابن ماجه والحاكم والبيهقي والطيالسي وأحمد، وهو بهذا اللفظ ضعيف إلا الجملة الأولى منه فهي صحيحة؛ لمجيئها من طريق أخرى عن أبي هريرة وحسان بن ثابت، وقد فصلت القول في ذلك في «التعليقات الجياد» بما لا يوجد في كتاب، والحمد لله.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
واعلم أن الحديث الأول يفيد تحريم بناء المساجد على القبور، وذلك يستلزم تحريم الصلاة فيها من باب أولى؛ لأنه- كما لا يخفى- من قبيل النهي عن الوسيلة- وهو البناء- لكي لا تتحقق الغاية- وهي العبادة في هذا البناء الذي أقيم على معصية الله تعالى-؛ لما يترتب من وراء ذلك من المفاسد الاعتقادية كما هو الواقع.
وأما الحديث الثاني فهو أعم من الأول؛ لأنه بلفظه يشمل الوسيلة والغاية فاتخاذ المكان مسجدًا معناه الصلاة فيه (١) ومعناه البناء عليه من أجل الصلاة والسجود فيه، فكل منهما مستلزم للآخر، كما أفاده المناوي في «الفيض» ومن المعلوم بالبداهة أن اليهود والنصارى الملعونين إنما بنوا تلك المساجد للصلاة فيها، فمن صلى في مسجد فيه قبر، ولو لم يقصد القبر، فقد شابه أولئك المغضوب عليهم والضالين، وقد نهينا عن التشبه بهم في نصوص عامة وخاصة، ولذلك قال العلامة ابن الملَك- وهو من علمائنا الحنفية- في شرح حديث ابن عباس المذكور آنفا:
«إنما حرم اتخاذ المساجد عليها لأن في الصلاة فيها استنانًا بسنة اليهود».نقله الشيخ علي القاري في «المرقاة».
يضاف إلى ما تقدم أن الصلاة في المساجد المبنية على القبور قد تفضي بصاحبها أو بمن يقتدي به من العوام والجهال إلى تخصيص الميت ببعض
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في «الاقتضاء»: وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه، فإنه يسمى مسجدًا وإن لم يكن هناك بناء كما قالص: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا». [منه].
[ ٢ / ٢٦٣ ]
العبادات الخاصة بالله تعالى كالاستغاثة والسجود، كما هو واقع في أكثر المساجد المبنية على القبور، وهو مشاهد، فنهى عن ذلك سدًاّ للذريعة، فهو كالنهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة المكروهة تحريمًا، بل المفسدة في تلك المساجد أوضح وأظهر منها في هذه الأوقات كما يشهد به الواقع.
وهذا كله فيمن لم يقصد الصلاة في تلك المساجد، وأما قصدها لأجل صاحب القبر متبركًا به معتقدًا أن الصلاة عنده أفضل من الصلاة في المساجد المجردة عن القبور فهو عين المشاقة والمحادة لله ولرسوله، وهذه الصلاة حقيق بها قول من قال ببطلانها، كما يأتي عن بعض العلماء.
وإن مما يتعجب منه المؤمن البصير في دينه تهاون أكثر الفقهاء بهذه المسألة الخطيرة، حيث إنهم لم يتعرضوا لها بذكر صريح في كتبهم وفتاويهم فيما علمت، ولذلك كان من العسير إقناع المقلدين بها على وضوح الحجة فيها، وأنى لهم أن يأخذوا بها وهم أو أكثرهم يقدمون قول الإمام- بل قول بعض أتباعه ولو من المتأخرين- على قول الله تعالى وقول رسوله - ﵌ -، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولذلك سأُعنى بصورة خاصة بنقل بعض أقوال العلماء المحققين حول هذه المسألة ليعلم الواقف على كتابنا هذا أننا لم نأت بشيء من عندنا بدعة في الدين، ولم نسيء فهم أحاديث سيد المرسلين، بل هو الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين.
وقد اعتنَى بهذه المسألة عناية خاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجزاه عن المسلمين خيرًا، فقلما ترى كتابًا له لا يتعرض فيه لهذه المسألة بإسهاب أو اختصار، ولذلك فسأنقل عنه ما يناسب المقام من أقواله وفتاويه مع بعض اختصار وتلخيص.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
قال ﵀ في «القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة»:
«واتخاذ المكان مسجدًا هو أن يتخذه للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدًا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين، فحرم - ﵌ - أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلاة فيها، كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصد المسجد لأجل صاحب القبر، ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده، فنهى رسول الله - ﵌ - عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضى إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات، ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات، ويفوت إذا لم يفعل فيها، فتفوت مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذه الأوقات فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة توجب النهي عنه، فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلاَّ يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها؛ كان معلومًا أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريمًا من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي ذلك إلى دعاء الكواكب.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم- كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريمًا من اتخاذ قبورهم مساجد».
وقال في «الاقتضاء»:
«فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، وهذا ما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب، لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأحاديث أخرى، وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحدًا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حَدُّها ثلاثة أقبر، أو ينهى عن الصلاة عن القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين (قلت: ورجح شيخ الإسلام في كتاب آخر النهي ولو عند القبر الواحد وقد سبق ذلك ثم قال:) وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم ﵇ مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك منامًا فنقبت لذلك، وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك ثم ترك مسجدًا بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها اتباعًا لأمر رسول الله - ﵌ -، واتقاءً لمعصيته كما تقدم».
ثم قال فيه:
«فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص، واتفقوا
[ ٢ / ٢٦٦ ]
أيضًا على أنه لا يشرع قصد الصلاة، والدعاء عند القبور
ولم يقل أحد من المسلمين: إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور، بل اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور، بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم، وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك، بل وبإبطال الصلاة فيها، وإن كان في هذا نزاع، والمقصود هنا أن هذا ليس بواجب ولا مستحب باتفاقهم بل هو مكروه باتفاقهم».
وقال في «الجواب الباهر في زوار المقابر» (١):
«والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقًا بخلاف مسجده - ﵌ -؛ فإن الصلاة فيه بألف صلاة، فإنه أسس على التقوى، وكانت حرمته في حياته - ﵌ - وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه».
ثم قال:
«ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن فيه فضيلة، وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد لما أدخلت الحجرة فيه، فهو جاهل مفرط في الجهل، أو كافر مكذب لما جاء به ﵇، مستحق للقتل» وقد أفتى ﵀ مرارًا بكراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور، فقد جاء في الفتاوى له ما نصه:
«مسألة: في المسجد إذا كان فيه قبر والناس يجتمعون فيه لصلاة الجماعة فهل تجوز الصلاة فيه أم لا؟ وهل يمهد القبر أم لا؟
_________________
(١) رسالة جامعة لما تفرق في كتبه الكثيرة مما يتعلق بهذا الموضوع، وهي من مخطوطات المكتبة الظاهرية تحت رقم (١٢٩) مجموع. وما نقلناه منها في الورقة (٢٢ و٥٥). [منه].
[ ٢ / ٢٦٧ ]
الجواب: اتفق الأئمة على أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي - ﵌ - قال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك»، وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّرَ: إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديدًا، فإن كان المسجد بني بعد القبر، فإما أن يزال المسجد، وإما أن يزال صورة القبر، فالمسجد المبني على القبر لا يصلى فيه فرض، ولا نفل، فإنه منهي عنه. والله أعلم»
وله فتوى أخرى نحو هذه انظرها- إن شئت- في الجزء الثاني صفحة (١٩٢) (١).
وقال الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي الهندي الحنفي في كتابه «الكوكب الدري على جامع الترمذي» ما نصه:
«وأما اتخاذ المساجد عليها فإنما فيه من الشبه باليهود في اتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت، وشبه بعبدة الأصنام، لو كان القبر في جانب القبلة، وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يمينًا أو يسارًا، وإن كان خلف المصلي فهو أخف كراهة من كل ذلك، لكن لا يخلو عن كراهة» وقد ذكر الحافظ في «الفتح» والعيني في «العمدة»:
_________________
(١) وقال تلميذه المحقق ابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ٢٢): «فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق، فلو ضمًاّ معًا لم يجز، ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد؛ لنهي رسول اللهص عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا، أو أوقد عليه سراجًا. فهذا دين الإسلام الذين بعث الله به رسوله ونبيه، وغربته بين الناس كما ترى. [منه].
[ ٢ / ٢٦٨ ]
«أن القبر في المسجد إذا كان في جهة القبلة فإنه تزداد الكراهة» وهذا هو الحق في المسألة حسب التفصيل الذي ذكره الهندي، ومرجع ذلك إلى التشبه باليهود والنصارى في صلاتهم في المساجد المبنية على القبور، والمشابهة حاصلة في كل الصور التي قد ذكرها كما لا يخفى، وهذا لمن لا يقصد الصلاة فيها، وأما القاصد؛ فاسمع ما نقله الفقيه ابن حجر الهيتمي في كتابه «الزواجر»:
«قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا بها عين المحادة لله ورسوله، وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها، ثم إجماعًا، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي - ﵌ - لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسول الله - ﵌ -، لأنه نهى عن ذلك وأمر - ﵌ - بهدم القبور المشرفة».
هذا وقد أفادت الأحاديث السابقة تحريم بناء المساجد على القبور أيضًا وهي مسألة أخرى تكلمنا عليها في «التعليقات الجياد» وذكرنا فيه أقوال العلماء في النهي عن ذلك.
"الثمر المستطاب" (١/ ٣٧٣ - ٣٨٢).
[١٤٤] باب هل الصلاة في المساجد التي فيها قبور باطلة؟
الملقي: أريد أن أسأل سؤالًا يعني بالنسبة للصلاة في المساجد التي فيها قبور يعني، يقول ناس أنها قد تبطل ولكن الكتاب الذي معي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، أرى أنك ترى الكراهة ما أدري ما هو الرأي الصحيح؟
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الشيخ: اقرأ علي العبارة التي فيها كراهة.
الملقي: أنت مقسمها قسمة يعني: الذي يصلي تعظيمًا فهو باطلة.
الشيخ: الله يهديك، خوفتني، مادام قسمين انتهى الأمر.
الشيخ: طيب شو بقى سؤالك، طاح سؤالك. طاح سؤالك.
الملقي: إنها مكروهة أم باطلة؟
الشيخ: باطلة لمن يقصد الصلاة فيها.
الملقي: يقصد لكن يصلي لله﷿-.
الشيخ: مكروهة كراهة تحريم، والكراهة تنتفي إذا لم يكن عنده مسجد آخر لصلاة الجماعة.
الملقي: إذًا ما تنتفي الكراهية أم الكراهة تحريمية.
الشيخ: كراهة تحريمية لمن يتمكن من الصلاة في غير هذا المسجد، ثم هو يصلي فيه، وإذا قصده فالصلاة باطلة.
الملقي: طيب في عندنا مسجد ولكن القبر خارج الجدار، ولكن في المسجد يعني ولكن في المسجد جدار.
الشيخ: ما في فرق إن كان في جدار ولا في الساحة ولا في الحرم كما يقولون هو من المسجد، إما خارج المسجد وإما في المسجد، هذا التفريق الجوهري، فهو خارج المسجد وإلا في المسجد؟
الملقي: في المسجد ولكن
[ ٢ / ٢٧٠ ]
الشيخ: ما في ولكن الله يهديك، ما في ولكن، أنا باقول لك: يا داخل المسجد يا خارجه؟
الملقي: هو في جاكورة خارج المسجد.
الشيخ: الله يهديك، جاكورة خارج المسجد.
الملقي: هو مسجد وفي جاكورة قدامه.
الشيخ: شو معنى جاكورة؟
الملقي: يعني حديقة هيك يعني.
الشيخ: طيب هذه الحديقة لها باب منها إلى المسجد؟
الملقي: في شباك.
الشيخ: أسألك: لها باب؟ أنت بتقول لي في شباك.
الملقي: الباب من ناحية أخرى، في المسجد لكن من ناحية أخرى، لكن من ناحية القبلة.
الشيخ: وهو من أي ناحية.
الملقي: تقريبًا يعني مش من ناحية القبلة.
الملقي: نفس المكان لكن مش من ناحية القبلة.
الشيخ: أنا ما بقدر أحكم على وصفك؛ لأن وصفك ليس دقيقًا، المهم الصلاة في المسجد اللي فيه قبر، فيه قبر وليس خارج المسجد، فقد عرفت الحكم التفصيلي، أما كون هذا المسجد اللي أنت بتحكي عنه هذا القبر في المسجد ولا خارج المسجد أنا لا أكون معك ولا عليك، والسلام عليك.
"الهدى والنور" (٦٧٩/ ٠٤: ٣٦: ٠٠)
[ ٢ / ٢٧١ ]
[١٤٥] باب حكم الصلاة في المساجد المبنية على قبور الأنبياء
سؤال: في مدينتنا مدينة الموصل تكون في شمال العراق مساجد مبنية على قبور يزعمون أنها قبور أنبياء هناك جامع النبي شيت، وجامع النبي يونس، وجامع النبي جرجيس وجامع الخضر وإبراهيم الخليل وجامع دانيال.
الشيخ: شاركتونا إبراهيم الخليل عندنا
مداخلة: الخليل تكون في أقصى الشمال يعني على الحدود العراقية التركية، فما حكم هذه المساجد وما حكم من صلى أو يصلي بها وهل يصلى في مسجد فيه قبر بارك الله فيك؟
الشيخ: الجواب طبعًا لا تجوز الصلاة في مسجد مبني على القبر ولا فرق بين أن يكون القبر في داخل مسجد مما يسمى بالحرم أو خارجه مما يسمى بصحن المسجد، كما أنه لا فرق بين أن يكون القبر شرقي أو غربي أو جنوب أو شمال المسجد لأن كون القبر في المسجد شيء، وكون الصلاة إلى القبر شيء آخر، وإذا كان هناك أرض ليست مسجدًا وصلى فيها المصلي وهناك قبر عن يمينه وعن يساره بعيدًا عنه فحين ذاك الصلاة في تلك الأرض جائزة ما دام أنه غير مستقبل للقبر؛ لأنه في هذه الحالة يصدق فيه: «وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة عنده مسجده، وطهوره» (١) الأرض كلها مسجد، لكن يستثنى من هذه الكلية ما ثبت النهي عنه بالسنة المحمدية، ففي الأرض التي لم تحول إلى مسجد أي لم يُبْنَ عليها مسجد فالصلاة في هذه الأرض جائزة ولو كان فيها قبر ما لم يكن متوجها للقبر؛ لأن هذا الاستثناء فيه حديث صحيح صريح بل أحاديث من أشهرها قوله ﵊: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» فهذا حكم الأرض
_________________
(١) البخاري (رقم٣٢٨) ومسلم (رقم١١٩١).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
التي فيها قبر تجوز الصلاة في هذه الأرض، ما لم يستقبل القبر، أما الأرض التي بُني عليها مسجد وفيه قبر ففي أي جهة من المسجد كان هذا القبر فهو يجعل هذا المسجد مما يمنع الصلاة فيه لا فرق كما قلنا آنفا بين أن يكون قبلي المسجد أو شرقي أو جنوبه أو شماله؛ ذلك لأن الأحاديث التي جاءت تنهى عن اتخاذ المساجد على القبور هي مطلقة لم تفرق بين أن يكون القبر في جهة القبلة أو في دبر القبلة، أو في أي جهة أخرى.
ولعلكم اطلعتم على رسالة قديمة لي كنت سميتها بـ «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» ففيها ما تيسر لي يومئذ من الأحاديث الكثيرة في التحذير من بناء المساجد على القبور، وقفت عند وساوس بعض المبتدعة الذين كلما وجدوا حديثا يصدم بدعتهم حالوا التخلص والتملص منه بطريقة أو بأخرى فمثلًا يتخلصون من قوله ﵇: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فيقولون هذا حكم خاص باليهود والنصارى نحن لسنا يهود ولا نصارى فيأتي الحديث الذي أردت أن أذكره؛ لأنه يتعلق بهذه الأمة حيث قال ﵊: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق وإلا على الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد»، هذا يتعلق بالأمة الإسلامية لكن هنا نقطة لا بد من بيانها ألا وهي أن النهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور كالنهي عن الصلاة في الأوقات المحرمة فهي من باب سد الذريعة، وكما أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها دخلها قليل أو كثير من التخصيص فأنا أرى استنباطًا واجتهادًا أن المسجد المبني على القبر أنه يمكن أن تجوز الصلاة فيه في بعض الطرق الاستثنائية مثلا بينما رجل يمشي في طريقه إلى داره إلى عمله، إذا به يسمع الآذان وهو يعلم أن في هذا المسجد فيه قبر وأنه يجب عليه ألا يقصد هذا المسجد للصلاة فيه، لكن
[ ٢ / ٢٧٣ ]
هو بين أن يدخل ويصلي فيه وبين أن تفوته صلاة الجماعة، فإذا دار الأمر بين هذين الأمرين تغلب وجوب فرضية صلاة الجماعة على تحريم الصلاة في المسجد المبني على القبر ذلك لأن النهي عن الصلاة في المسجد المبني على القبر من باب سد الذريعة كما أن الصلاة في الأوقات المكروهة من باب سد الذريعة، لكن إذا تداركه الوقت ولم يكن هناك إمكان إلا أن يدع الصلاة حتى يخرج الوقت كله أو أن يصلي في وقت الكراهة هذا أولى من أن يضيع الصلاة بالكلية.
كذلك إذا دار الأمر بين أن يضيع فريضة صلاة الجماعة وبين أن يصلي في مسجد الكراهة، فرجحت الصلاة في هذا المسجد على أن يصلي وحده في بيته أو في مكان آخر وهذا مثل قضية الحال معناه أو هذا الصورة إنما نعني بها: أنه إذا لم يكن في علمه أو لم يكن في استطاعته أن يدرك الصلاة مع الجماعة في مسجد آخر ليس فيه قبر، ولذلك كان البحث أنه بين أحد أمرين إما أن يصلي في هذا المسجد لإدراك صلاة الجماعة وإما أن تفوته صلاة الجماعة كلاهما شر، لكن المسلم إذا وقع بين شرين اختار أقلهما شرًا، هذا يجب أن نلاحظه؛ لأنني أعرف بتجربتي الخاصة أن كثيرا من إخواننا السلفيين لا يلاحظون هذا التفريق فمجرد أن يعلموا أن مسجدًا فيه قبر لا يصلون فيه ولو فاتتهم صلاة الجماعة، هذا خطأ.
"الهدى والنور" (٥٤٣/ ٢٢: ٤٧: ٠٠)
[١٤٦] باب حكم الصلاة في المساجد المبنية على قبور
سؤال: أستاذنا سألناك سابقًا بخصوص المسجد الذي بني على أرض كانت فيها مقبرة، يدعي البعض أن هذا المسجد لم يقع على مقبرة كان لا يوجد في هذا المكان قبور، ولكن هذا المسجد يوجد حوله قبور، أولًا: طبعًا مِنْ على القبلة، ومِنْ على أجنابه، وقال البعض من الإخوة: بأنه يجوز الصلاة في هذا المسجد، ولا
[ ٢ / ٢٧٤ ]
مانع لهذا، ولكن سألناه: ما حجتك في ذلك؟ قال: قد يكون يوجد قبور تحت هذا المسجد الموجودين نحن فيه، يعني: أو في أي مكان فما ردكم على ذلك؟
الشيخ: أقول وبالله التوفيق:
أولًا: يجب أن نعرف حكم المساجد المبنية على القبور، والجواب مفصل جدًا في كتاب لي خاص بعنوان: «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» وخلاصة ذلك: أن المسجد المبني على القبور فيما يغلب على الظن فلا تجوز الصلاة فيه، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁، ولا شك أنه يجب التفريق بين مسجد بني على مقبرة معروف ولو بغلبة الظن أنها كانت تلك الأرض مقبرة ثم أقيم المسجد عليها، ثم ليس من الضروري أن تكون القبور، أو أن يكون القبر في هذا المسجد ظاهرًا شاخصًا إذا ما كانت القبور هناك حقيقة في الأرض، فلا يجوز إقامة المسجد على المقبرة إطلاقًا، سواء كانت القبور شاخصة بارزة، أو لم تكن كذلك، أما أن يقال: أي مسجد بني على أرض فيمكن أن تكون تلك الأرض أصلها مقبرة أو فيها قبور، فنقول: هذا كلام صحيح، وقديمًا قال بعضهم وأظنه المعري:
صاح هذه قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
لكن ثمة فرق بين أرض معروف أنها كانت مقبرة، أو أنه يوجد فيها آثار قبور في أثناء الحفريات، وبين أرض لا يعرف شيء من ذلك فيها، فلا بد من هذا التفريق، ولذلك لا يجوز التوسع في فرض الاحتمالات التي جاء أحدها آنفًا، كما أنه لا يجوز تعطيل أحكام الشريعة بمثل هذه الافتراضات، فالمسألة تدور بين أن يكون هناك علم بأن هذا المسجد بني على قبر، ولو كان هذا العلم مبنيًا على غلبة
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الظن، وبين مسجد بني على أرض لا يخطر في بال إنسان أن هناك قبر أو قبور، فيجب التفريق بين الأمرين، وإلا اختلط الحابل بالنابل، والحرام بالحلال.
فإذا افترضنا أن المسجد المذكور في السؤال آنفًا حقيقة لم يبنى على قبرٍ أو على قبور، لكن ما دام القبور محيطة من جانبيه شرقًا وغربًا، وفي قبلته أيضًا، فهذا الوضع يشعر بأن المسجد بني على المقبرة، على أنني سمعت من بعضهم أنه وجد في بعض الأماكن من أساس هذا المسجد قبور، وعظام أموات، فهذا يشعر بأن أرض المسجد لا يمكن أن تكون سليمة من أن يكون فيها قبور.
وعلى كل حال إذا افترضنا يقينًا أنه ليس في المسجد هذا أي قبر وأنه لن يبنى على مقبرة، فيبقى الإشكال قائمًا من حيث أنه محاط بالقبور، وبخاصة بالجهة القبلية، ففي هذه الصورة يقول الإمام أحمد: بأنه لا بد من بناء جدار أو سور يفصل المقبرة عن المسجد أي: في اجتهاد الإمام أحمد لا يكفي جدار المسجد القبلي فاصلًا بينه وبين المقبرة، بل لا بد من بناء جدار آخر يفصل المقبرة عن جدار المسجد القبلي.
وقد سأل بعضهم: كم تكون المسافة، طبعًا هذا ليس له تحديد، المهم أن يكون هناك هذا الفاصل من الجدار بين جدار المسجد وبين المقبرة، هذا جوابنا عن هذا السؤال، والحمد لله رب العالمين.
السؤال: أستاذنا يقول البعض من الإخوة: أنه لا يطبق هذا الكلام على أمثال اليهود، مثل القبور أو الحرمة؟
الشيخ: كيف يعني؟
السؤال: يعني: مثلًا اليهود اتخذوا
[ ٢ / ٢٧٦ ]
الشيخ: قبورهم مساجد.
السؤال: قبورهم مساجد فهذا لا يطبق في هذا؟
الشيخ: ليه؟
السؤال: هم يقولون يعني بعض إخوة، أما أنا
الشيخ: لا، أنا أقول هم يقولون هذا، لماذا لا يطبق؟
السؤال: إيه نعم، لأنهم هم قاصدين في هذا، قاصدين في القبور يعني، أما المساجد الموجودة هنا مش قاصدين فيها، ..
الشيخ: هاه فهمت الآن، الجواب: أن الصلاة في المسجد المبني على القبر أو على القبور كالصلاة في الأوقات المكروهة، ففي الأحاديث الصحيحة النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعلل الرسول ﵇ في بعض الروايات الصحيحة أن الشمس حينما تشرق وحينما تغرب، فإنما تشرق وتغرب بين قرني شيطان، وحينذاك يسجد لها عُبَّاد الشمس.
فالعلماء متفقون جميعًا على النهي عن الصلاة في هذين الوقتين، ولا يشترط في ارتكاب النهي أن يكون قاصدًا الصلاة في وقت الكراهة، لأنه يكفي في ذلك أنه يتشبه بأولئك الذين يعبدون الشمس، كذلك يقال تمامًا بالنسبة للمسجد المبني على القبر، هذا المسجد المبني على القبر أولًا هو كمسجد فيه مشابهة للكنائس، والبِيع التي يتَعبد فيها اليهود والنصارى.
صورة المشابهة واضحة في هذا البنيان الذي هو المسجد المبني على القبر من جهة، وأولئك الذين يصلون في ذلك المكان بغض النظر عن نواياهم
[ ٢ / ٢٧٧ ]
ومقاصدهم، فهم أيضًا يتشبهون باليهود والنصارى الذين يصلون في مساجدهم المبنية على قبور أنبيائهم وصالحيهم.
فإذًا: ليس من الشرط هنا ليكون الأمر محذورًا أن يقال بأنه قاصد؛ لأن الأمر يدور بين شخصين: أحدهما لا يقصد المسجد من أجل القبر، والآخر يقصد، فهذا الآخر شر من الأول، والأول لا ينجو من الشر؛ لأنه يصلي في مكان يتشبه فيه باليهود والنصارى، لهذا يجب على هؤلاء الإخوان أن يتفقهوا في الدين،
وأن لا يظنوا أن الأحكام الشرعية، وأن المحرمات في الشريعة الإسلامية لا تكون حرامًا إلا بقصد الشر، فقد يرتكب الإنسان محرم وهو لا يقصد الشر، ويظل حكمه حرامًا.
وحسبنا على ذلك مثالًا ما ذكرته آنفًا من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، هذا من عمل عبدة الأقمار والشموس، فالذي يصلي في هذا الوقت لا يخطر في باله أن يعظم الشمس، لكن مع ذلك ينهى؛ لكي لا تظهر المشابهة بين المسلم في ذلك الوقت وبين الكافر، هذا جواب السؤال السابق.
السائل: الآن بخصوص المسجد الذي أشرت إليه، لو بني جدار مقابل طبعًا القبلة، هل (تقول) كالسابق أنه عدم جواز الصلاة فيه أولى ؟
الشيخ: هذا يعود بارك الله فيك إلى اتخاذ المصلين أو إلى معرفتهم، وقناعتهم الشخصية ليس اتباعًا للهوى، أنه هذا المسجد الذي هو محاط بالقبور بالجهة الغربية، والجهة الشرقية، والجهة القبلية، كيف بنيت هذه المقبرة وترك هذا المكان فارغًا حتى جاء بعض الناس في آخر الزمان فبنوا في هذا المكان مسجدًا ولم يَكُن هذا المكان مقبرة يومًا ما؟
[ ٢ / ٢٧٨ ]
هذا الأمر يعود إلى قناعة هؤلاء الذين يريدون أن يصلوا، هل هم مقتنعون فعلًا إنه هذا المسجد لم يقام على مقبرة، وإن قيل نعم اقتنعوا كيف تصور الموضوع؟ كيف بنيت المقبرة شرقًا وغربًا وجنوبًا؟
السائل: لا. جنوبًا وغربًا جهتين فقط؟
الشيخ: مش مهم، بجهة، جهتين: جهة الغربية وجهة الجنوبية، هذا الفراغ، هذه الأرض يعني كيف بقيت هكذا بدون أن يدفن فيها أي ميت، وهل هذه المقبرة هي ملك لإنسان أم هي وقف للمسلمين؟
السائل: ملك لإنسان أستاذنا؟
الشيخ: المقبرة؟
السائل: إيه نعم.
الشيخ: إيه.
السائل يعني: بيعت بالمدة الأخيرة أنها كانت في ملك لإنسان، وكان الدفن فيها عشوائي، يعني: مش أمثال مثل مقبرة السحاب، لو كان الأمر مثلًا في مقبرة السحاب، يكون الإنسان مطمئن أكثر؛ لأن الإنسان
الشيخ: ما عليش نحن بنمشي الآن إنه القبور بنيت في هذه الأرض عشوائيًا كما تقول، ما الذي حدد هذه الجهة وهذه الجهة، ولم تَتَعَدَّ الخطوات العشوائية إلى هذا المكان الذي بني عليه المسجد، لو أن المسجد مبني قديمًا قبل المقبرة، وجاء الناس فاضطروا أن يبنوا حولها المسجد؛ لأن المسجد محصور بالجدر، لكن القضية بالعكس، المقبرة من قبل ثم المسجد هو الذي بني في تلك الأرض.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
كيف يمكن أن يتصور الإنسان هذا؟ ويضاف إلى ذلك أنني سمعت من بعض إخواننا هناك أنه في أثناء الحفريات في أساس المسجد وجدوا قبورًا.
السائل: طيب أستاذي! لو كانوا مخطئين يعني: تحت أساسات السور، مش تحت أساسات البناء القائم، هل نشك قد يكون في أساسات نفس المسجد؟
الشيخ: تحت أيش؟
السائل: أساسات السور التي هي التهوية؟
الشيخ: إيه.
السائل: يعني: كالسور هذا يعني.
الشيخ: إيه.
السائل: إيه نعم، مش تحت البناء مثلًا كأمثال هذا، تحت هذا؟
الشيخ: هذا السور، وهذا بجدار المسجد؟
السائل: إيه نعم، نفترض إنه وجدوا الأساسات
الشيخ: فاهم، فاهم، وهذا جدار المسجد؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وهذا جدار المسجد؟
مداخلة: إيه نعم، هذا جدار المسجد، وهذا السور نعتبره.
السؤال: الذي هو يؤثر الذي يكون تحت المسجد مباشرة؟
الشيخ: إيه نعم.
مداخلة: جزاك الله خير.
الشيخ: وإياك.
"الهدى والنور" (٢٩/ ٢٦: ٢٥: ٠٠)
[ ٢ / ٢٨٠ ]
[١٤٧] باب حرمة اتخاذ القبور مساجد، وهل يلزم من ذلك حرمة الصلاة في مسجد الرسول - ﵌ -؟!
السؤال: سيدي قرأت حديث يقول انه لا يجوز الصلاة في مسجد يكون فيه قبر أو أكثر من قبر.
فهذا الحديث صحيح أو غير صحيح؟
الشيخ: هذا [فيه] أحاديث.
مداخلة: علمًا أن قبر النبي - ﵌ - داخل الحرم الشريف والمسجد الأموي فيه قبر كمان.
الشيخ: سؤالك فيه شُعب يعنى ممكن تقسيمه إلى أسئلة.
الجواب عن السؤال الأول أن الحديث الوارد في النهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور ليس فقط صحيحا بل هو صحيحًا متواتر، ولعلكم تعلمون المقصود بلفظة متواتر، الحديث الصحيح هو يأتي من طريق من إسناد واحد صحيح عند علماء الحديث هذا حديث صحيح، لكن الحديث إذا جاء من أسانيد متعددة وعن جماعة من الصحابة كُثُر يقال في هذا الحديث حديث صحيح متواتر، والحديث الصحيح المتواتر يعني من حيث الثبوت بيكون في قوة القرآن الكريم، فالحديث اللي بينهى عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور ليس حديثًا فردًا صحيحًا بل هو مجموع أحاديث أكثر من عشرة أحاديث.
وأنا كنت تتبعت في زماني هذه الأحاديث فجاوزت العشرة أحاديث عن عشرة من الصحابة وكل هذه الأحاديث تدندن وتدور حول النهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور، لا بأس من أن نذكر شيئا من هذه الأحاديث مما
[ ٢ / ٢٨١ ]
يحضرنا، من ذلك مثلًا: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: لما رجعت أم سلمة وأم حبيبة من الحبشة «كانوا من المهاجرات إلى الحبشة ورجعوا إلى المدينة» ذكرتا لرسول الله - ﵌ - كنيسة رأتاها في الحبشة وذكرتا من حسنٍ وتصاوير فيها فقال ﵊: «أولئك- يعنى النصارى- كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا على قبره تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»، انتبهت يا شيخ في آخر الحديث؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يقول الرسول ﵇ في آخر الحديث «أولئك- يعني النصارى- كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا- يعني نقشوا فيه تلك النقوش يعني الزخارف- أولئك شرار الخلق عند الله
يوم القيامة»
الحديث الثاني أيضا في الصحيحين عن النبي - ﵌ - قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة ﵂ «ولولا ذلك أبرز قبره ﵊ ولكن خُشي أن يتخذ مسجدًا»، الجملة هذه أرجوا أن تبقى في ذاكرتكم لأن لها صلة وثقى بالجواب عن الشطر الثاني من السؤال حيث قُلْتَ (هذا) قبر الرسول في مسجد الرسول. هذا الحديث الثاني.
الحديث الثالث وهو في صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندُب أو جندَب أن النبي - ﵌ - قال قبل أن يموت ﵇ بخمس ليال أو ثلاث ليال- الشك من عندي- «ألا إن من أَمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا،
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائم مساجد ألا فلا تتخذوها مساجد إني أنهاكم عن ذلك» هذا الحديث الثالث يؤكد الحديثين الأولين وبيزيد عليهما بيانًا لأن بعض الناس الذين اعتادوا وعاشوا على خلاف السنة الصحيحة بيقول لك يا أخي احنا شو دخلنا بالنصارى، هؤلاء النصارى والرسول بيحكي عنهم وبيقول أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وبيلعنهم لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، نحن شو دخلنا في الموضوع، يأتي هذا الحديث ليؤكد معنىً معروفًا عند العلماء أن نبينا ﵊ لما يرينا أمورًا وقعت قبل الرسول ﵇ وبيحذر من هذه الأمور فما بيحكيها
لنا للتسلية وإنما لنأخذ منها موعظة وعبرة، ولذلك جاء الحديث الأول وجاء الحديث الثاني.
ولكن قد يرد مثلًا إشكال قد يقول قائل كما قلنا آنفًا الحديث الأول والثاني ماله علاقة بالأمة المحمدية فيأتي الحديث الثالث وكما يقال اليوم يضع النقاط على الحروف، يقول بعد أن يحدث عمن قبلنا «ألا وإن من كان قبلكم- يعني اليهود والنصارى الذي ذكروا في الحديثين- كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا- أنتم معشر الأمة الإسلامية- ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» هذا حديث ثابت، وأحاديث كثيرة منها:
قوله - ﵌ -: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد»، فهذا كمان بيشمل غير اليهود والنصارى؛ لأن الرسول ﵇ يقول في بعض الأحاديث الصحيحة: «لاتقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول لا إله إلا الله» معنى الحديث لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض موحدين لله لا يشركون به شيئًا، ولذلك جاء في الحديث الآخر قوله عليه
[ ٢ / ٢٨٣ ]
السلام: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» فإذًا من شرار الخلق أولئك الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فهؤلاء سيكونون بعد الرسول ﵇.
بناءً على هذه الأحاديث وغيرها يحرم بناء المسجد على القبر ويحرم بالتالي اتخاذ ذلك المسجد مصلىً لماذا؟
الجواب مع الأسف معروف عمليًا، لأن هذا القبر سيُدعى من دون الله ﵎، ومعنى يُدعى من دون الله أنه يُعبد من دون الله.
وهذا بحث طويل الآن نؤجله إلى مناسبة أخرى إن شاء الله لندخل في الجواب عن السؤال الثاني أو الشق الثاني من السؤال الواحد، فنقول: صحيح أن قبر الرسول اليوم في مسجد الرسول لكن هل حينما مات الرسول ﵇ دفن في مسجده؟ الجواب لا، وحديث عائشة الذي لفت نظركم إليه هو دليل صريح بذلك حيث قال: «لولا ذاك أبرز قبره ولكن خُشي أن يُتخذ مسجدًا» أي: لولا تحدث الرسول ﵇ عن اليهود والنصارى وأنهم لعنوا بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، لولا هذا كان قبر الرسول ﵇ يُدفن في أرض بارزة أرض مثل الأرض التي قدامكم هنا، لكن لم يُفعل بقبره ﵇ ذلك لماذا؟ خشية أن يُتخذ مسجدًا، إذًا أين دُفن الرسول - ﵌ -، هنا قصة لما مات ﵊ ﴿وكل من عليها فان﴾ اختلف أصحابه في مكان دفنه، أكثرهم كان لا علم عنده بأين يدفن النبي ﵇ وهم في هذا التشاور أين يدفنوه ﵊ دخل عليهم أبو بكر الصديق، قال لهم: الجواب عندي سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «ما من نبي إلا دُفن في الموضع الذي مات فيه» أين مات الرسول ﵇؟ في بيته في بيت السيدة عائشة ما كادوا يسمعون هذا الحديث إلا سحبوا السرير الذي مات عليه الرسول وحفروا تحت منه وذلك في
[ ٢ / ٢٨٤ ]
بيت عائشة، وبيت عائشة كان بجنب مسجد الرسول ﵇، لذلك تواترت الأحاديث أن الرسول ﵇ كان يخرج من بيته إلى المسجد حتى يوم الجمعة كان إذا أذن بلال يوم الجمعة أو قبل ما يؤذن بلال يوم الجمعة كان الرسول يخرج من البيت إلى المنبر فورًا، وبس بلال يشوف الرسول صعد المنبر يؤذن الأذان، ثم يبدأ الرسول - ﵌ - الخطبة إلى آخره. فإذًا رسول الله دُفن في بيته لكن ماذا جرى بعد ذلك، وقع شيء مؤسف، في زمن أحد ملوك بني أمية أو خلفاء بني أمية رأوا من الضروري توسعة المسجد النبوي، علمًا أنه كان عمر بن الخطاب قد أدخل توسعةً على المسجد النبوي، وكذلك من بعده عثمان بن عفان، انظر الآن الفرق بين الصحابة وعملهم وبين من جاؤوا بعدهم، توسعة عمر بن الخطاب وتوسعة عثمان لم تكن على حساب حجرات أم المؤمنين التي منها حجرة السيدة عائشة وإنما كانت في الجهة الجنوبية التي بيقولوا إلى اليوم زيادة عمر هناك، وزيادة عثمان في جهة أخرى لا تحضرني الآن، لكن في زمن بني أمية وجدوا حاجة بتوسعة المسجد فوسعوه من جهة قبر الرسول - ﵌ -، فرفعوا الجدار الفاصل بين بيت عائشة وبيوت سائر أمهات المؤمنين وبين المسجد فصار القبر في المسجد حيث ترونه اليوم، فتظنون أن الرسول ﵇ دُفن في مسجده فيُشكل عليكم الأمر حينما تسمعون هذه الأحاديث وتسمعون ما يدل عليها من تحريم الصلاة في المساجد المبنية على القبور.
يبقى الجواب والثالث والأخير هل حكم الصلاة في المسجد النبوي كحكم الصلاة في المساجد كلها ومنها ما ذكرت أنت أو غيرك مثل بني أمية عندنا
في الشام؟
نقول مسجد الرسول ﵇ ليس كذلك؛ لماذا؟
[ ٢ / ٢٨٥ ]
لأن مسجد الرسول له فضيلة خاصة حيث قال: «صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» هذه الفضيلة ستستمر إلى يوم القيامة، لكن الذين أدخلوا القبر في المسجد أخطأوا السنة والواجب حين ذاك أن المسلم ما يقصد يصلي تجاه القبر إنما يصلي في الروضة والنواحي الأخرى وبهذا القدر كفاية.
"الهدى والنور" (١٣٠/ ١٦: ١٩: ٠٠)
[١٤٨] باب حرمة اتخاذ القبور مساجد
[قال الإمام]:
قوله [أي صاحب فقه السنة]: «وعند الحنابلة كذلك [أي تكره الصلاة في المقبرة] إذا كانت [المقبرة] تحتوى على ثلاثة قبور فأكثر أما ما فيها قبر أو قبران فالصلاة فيها صحيحة مع الكراهة إن استقبل القبر وإلا فلا كراهة»
قلت: هذا قول بعض الحنابلة، ولم يرتضه شيخ الإسلام ابن تيمية، بل رده وذكر عن عامة أصحاب أحمد أنه لا فرق بين المقبرة فيها قبر أو أكثر.
قال في «الاختيارات العلمية»: «ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهى عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولًا لحرمة
[ ٢ / ٢٨٦ ]
القبر المنفرد، وفناءه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد»
قلت: وقد ذكر شيخ الإسلام في «الفتاوى» وغيرها اتفاق العلماء على كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور وحكى بطلانها فيها في مذهب أحمد، وذلك مستفاد من أحاديث النهى عن اتخاذ القبور مساجد، وبنائها عليها، وهى مسألة هامة قد أغفلها عامة الفقهاء، ولذلك أحببت أن أنبه عليه، وأن لا أخلى هذه التعليقات منها، وقد فصلت القول فيها في «التعليقات الجياد» و«أحكام الجنائز» و«تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد».
"تمام المنة" (ص٢٩٨ - ٢٩٩).
[١٤٩] باب حكم اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«لعن رسول الله - ﵌ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج».
(ضعيف)
[قال الإمام]:
ولعن المتخذين على القبور المساجد متواتر عنه - ﵌ - في " الصحيحين " وغيرهما من حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت وأبي عبيدة بن الجراح وأسامة بن زيد، وقد سقت أحاديثهم وخرجتها في " التعليقات الجياد على زاد المعاد " ثم في " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد "، وهو مطبوع،
[ ٢ / ٢٨٧ ]
ونص حديث عائشة وابن عباس مرفوعًا:
"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد" زاد أحمد في روايته: "يحرم ذلك على أمته" وأخرج أيضًا من حديث ابن مسعود مرفوعًا:
"إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد".
ومع هذه الأحاديث الكثيرة في لعن من يتخذ المساجد على القبور تجد كثيرا من المسلمين يتقربون إلى الله ببنائها عليها والصلاة فيها، وهذا عين المحادة لله ورسوله، انظر " الزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر " للفقيه أحمد بن حجر الهيثمي (١/ ١٢١) وقد صرح بعض الحنفية وغيرهم بكراهة الصلاة فيها، بل نقل بعض المحققين اتفاق العلماء على ذلك، فانظر " فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (١/ ١٠٧، ٢/ ١٩٢) " وعمدة القاري شرح صحيح البخاري " للعيني الحنفي (٤/ ١٤٩) وشرحه للحافظ ابن حجر (٣/ ١٠٦)،
وأما لعن المتخذين عليها السرج. فلم نجد في الأحاديث ما يشهد له، فهذا القدر من الحديث ضعيف، وإن لهج إخواننا السلفيون في بعض البلاد بالاستدلال به، ونصيحتي إليهم أن يمسكوا عن نسبته إليه - ﵌ - لعدم صحته، وأن يستدلوا على منع السرج على القبور بعمومات الشريعة، مثل قوله - ﵌ -: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، ومثل نهيه - ﵌ - عن إضاعة المال، ونهيه عن التشبه بالكفار ونحو ذلك.
"الضعيفة" (١/ ٣٩٣، ٣٩٥ - ٣٩٦).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
[١٥٠] باب من هو قائل عبارة"يُحذِّر ما صنعوا" في حديث اتخاذ القبور مساجد؟
[قال الإمام في معرض كلامه على أخطاء البوطي في كتاب فقه السيرة]:
ذكر [أي البوطي في "فقه السيرة"] (ص ٥٠٢) الحديث المتفق عليه: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد. وقال عقبة: كأنه - ﵌ - يحذر المسلمين من أن يصنعوا صنيعهم به.
قلت: هذا القول من الدكتور ينبئ العالم بالحديث بأحد أمرين: إما أن الدكتور من الجهل بحيث لا علم له بالحديث، أو أنه يتعمد تحريف رواية الحديث، ذلك أن التحذير المذكور الذي جعله الدكتور من قوله، هو من تمام الحديث المتفق عليه، وهو من حديث عائشة وعبد الله بن عباس ﵄، فقد قالا عقب الحديث مباشرةً «يحذر ما صنعوا».هكذا أخرجه البخاري (٤٢٢/و٦/ ٣٨٦و١٠/ ٢٢٧ - فتح الباري) ومسلم (٢/ ٦٧) والدارمي (١/ ٣٢٦) وأحمد (١/ ٢١٨) وصرح هذا أنه من قول عائشة ﵂، وهذه فائدة فاتت الحافظ ابن حجر التنبيه عليها فقال في «الفتح (١/ ٤٢٣): «قوله: «يحذر ما صنعوا» جملة أخرى مستأنفة من كلام الراوي، كأنه سأل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجيب إلي ذلك».
فإذن قوله: «يحذر ما صنعوا» من كلام راوي الحديث كما صرح الحافظ، وهو عائشة ﵂، كما في رواية أحمد، فكيف جعلها الدكتور من كلامه هو؟! وصنعه هذا يذكرني بنوع من أنواع جرح رواة الحديث وهو المعروف بسرقة الحديث؛ كان الراوي يبلغه حديث يرويه بعضهم فيسرقه منه ويركب عليه إسنادًا
[ ٢ / ٢٨٩ ]
من أسانيده، ثم يرفعه إلى النبي - ﵌ -، أما الدكتور، فقد نسب ما في الحديث إلى نفسه! إلا أنني لا أستطيع أن أجزم بأنه تعمد ذلك ليقيني أن محفوظاته للأحاديث النبوية قليلة جدًا، فمن المحتمل احتمالًا قويًا أنه لا يعلم أن في الحديث تلك الجملة: «يحذر ما صنعوا»، فشرحه من عندياته! على أن في قول الدكتور: «كأنه - ﵌ - يحذر » تشكيكًا واضحًا منه في أنه - ﵌ - أراد التحذير، وهذا مخالف مخالفة صريحة لجزم السيدة عائشة بذلك بقولها: «يحذر ما صنعوا»، كيف لا والشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ كما قال - ﵌ - (١) فتأمل ما يصنع الجهل بالحديث من التحريف والتبديل للنص الصحيح الصريح.
"دفاع عن الحديث النبوي" (ص٩١ - ٩٢)
[١٥١] باب هل عمَّى الصحابة موضِعَ قبر النبي دانيال
حتى لا يُتَّخَذ على قبره مسجدًا؟
سؤال: القصة التي يوردها أئمة الدعوة في كتبهم، أن بعض الصحابة خرجوا فوجدوا جثة النبي دانيال فحفروا لها ثلاثة عشر قبرًا حتى يعمى الناس عنها ولا يتخذوها قبورًا، يعني مساجد على قبره، فما مدى صحة هذه الرواية؟
الشيخ: أولًا ذكرت في أول كلامك يذكرها أهل الدعوة، تعني بأهل
الدعوة من؟
مداخلة: أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
الشيخ: لكن هي في الاصطلاح الآن يقصد به جماعة التبليغ.
_________________
(١) قلت وهو مخرج عندي في «الأحاديث الصحيحة» برقم (١٩٠٤). [منه].
[ ٢ / ٢٩٠ ]
مداخلة ما قصدت هذا.
الشيخ: أنت ما قصدت هذا لكن لفظك يوهم هذا، فاستغربت ما نسبته بناء على فهمي، لأن هؤلاء لا يهتمون بمثل هذه الفضائل إطلاقًا.
مداخلة: صحيح.
الشيخ: المهم هذه الرواية لها أصل صحيح ثابت، وهو له أو هي لها عدة روايات، فالتفصيل الذي ذكرته لا أستحضر الآن إن كان صحيحًا بنفس التفصيل، لكن المهم أنه فعلًا اكتشفوا وحفروا وأجروا نهرًا عليه بحيث أنه لا يمكن أن يؤتى إليه فيعظم أو يعبد من دون الله ﵎ فهذا ثابت.
"الهدى والنور" (٣٠٤/ ٥٣: ٥٧: ٠٠)
[١٥٢] باب مدى صحة تخصيص حرمة الصلاة في المساجد التي فيها قبور فيما إذا كان المصلي يستقبل القبر، وحكم الصلاة في مسجد النبي - ﵌ -؟
سؤال: بعض المشايخ كالأزهريين وغيرهم يفرقون بين إذا ما كان المصلي يستقبل القبر أم إذا كان القبر خلف المصلي.
الشيخ: الله يهديهم.
الملقي: ففي الحالة الأولى لا يجيزون الصلاة. وفي الحالة الثانية يجيزونها، فما هو رأيكم-بارك الله فيكم-؟
الشيخ: نحن كنا تكلمنا عن هذه المسألة بشيء من التفصيل، في كتابنا المطبوع قديمًا عديدًا من الطبعات المسمى بـ: "تحذير الساجد من اتخاذ القبور
[ ٢ / ٢٩١ ]
مساجد"، فقلنا: إن المسألة تختلف بين الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، وبين الصلاة في أرض ليست مسجدًا فيها قبر، ففي الحالة الأولى، أي في المسجد الذي فيه قبر؛ لا فرق بين الصلاة إلى القبر أو إلى يمينه أو إلى يساره، أو من أمامه قريبًا منه أو بعيدًا عنه، لا فرق بين ذلك؛ لأن هذا المصلي في أي صورة من هذه الصور المحكية آنفًا صلى فقد صلى في مسجد بني على قبر، والرسول﵇- في الأحاديث المتواترة في لعن الذين سبقونا من اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، وفي الحديث الخاص بهذه الأمة الذي جاء في بعض الروايات في صحيح مسلم، كما تقول السيدة عائشة يحذر مما صنعوا: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر﵇- مما صنعوا، وتقول السيدة عائشة في رواية متفق عليها في الصحيحين: ولولا ذلك لأبرز قبره﵇-، ولكنه لم يفعل؛ لأنه خشي أن يتخذ مسجدًا، كذلك أخيرًا يأتي قوله﵇-: «إن من شر الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد»، هذا ليس خاصًا بالأمم السابق، وإنما بالأمة اللاحقة، آخر الأمم وهي أمة الرسول﵇-: «إن من شر الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد»، إذًا لا فرق من حيث أن الصلاة لا تصح في المسجد المبني على القبر في أي جهة صلى المصلي في هذا المسجد.
نعم هناك فرق بين من يصلي بعيدًا وبين من يقصد الصلاة إلى القبر كما يفعل بعض الضالين هناك في المسجد النبوي، لا يعجبهم أن يصلوا في المسجد النبوي وفيه القبر إلا أن يصلوا في السدة التي إذا صلوا فيها استقبلوا القبر هذا أشر من ذاك، لكن كلهم يشملهم أن الصلاة باطلة.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وهنا لا بد من التنبيه مما كنا نبهنا عليه في ذاك الكتاب بصورة خاصة وربما في غيره أن مسجد النبي - ﵌ - لا يشمله هذا الحكم؛ لأنه له صبغة وصفة شرعية، ويرحمك الله، أن الصلاة فيه بألف صلاة مما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، هذه الألف صلاة من الفضيلة لا يمكن نسخها من عندنا بسبب ما طرأ عليه من إدخال ما خشيه الرسول﵇- حينما بيّن وسن للناس أن يدفن في حجرته، هذا الحكم في الصلاة في المسجد المبني على القبر.
أما قبر في أرض عراء، فهذه الحكم لا ينسب من هناك إلى هذه الأرض، وإنما من صلى هنا إلى القبر فهذا هو المحظور، وهذا هو المنهي عنه في قوله
-﵇-: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها»، هذا حكم خاص في قبر في أرض في العراء، أما القبر في المسجد فكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية
-﵀-: هذا المكان الذي بني وفيه قبر صار مقبرة، ولو بقبر واحد، بعض الحنابلة كما يذكر هو اشترط أن تكون القبور في ذلك المكان ثلاثة حتى يصبح ذلك المكان مقبرة، قال ابن تيمية: لا هذا هذا العدد لا أصل له لا لغة ولا شرعًا، مجرد أن يدفن رجل أو شخص أو ميت واحد في هذه الأرض صارت الأرض مقبرة، فإذا كان المسجد فيه قبر واحد لا تجوز الصلاة فيه، أرض هناك عراء ليست مسجدًا لا تجوز الصلاة إلى القبر مواجهةً، أما إذا صلى بعيدًا يمينًا يسارًا أو أمامًا فلا محظور في ذلك، بهذا ينتهي الجواب عن سؤال أخينا الكريم.
"الهدى والنور" (٦٤٧/ ١٦: ٣٠: ٠٠)
[١٥٣] باب هل تجوز صلاة الجنازة في مسجد فيه قبر؟
السائل: عندي ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: ويوجد عندنا في مصر كثير من المساجد المقبورة التي بني من أجلها القبر أو بنيت هي من أجل القبر، ولا يوجد
[ ٢ / ٢٩٣ ]
إلا القليل من المساجد التي تخلو من هذا، وصلاة الجنازة خاصة.
الشيخ: كيف؟
السائل: صلاة الجنازة، إذا مات إنسان يصلوها في تلك المساجد المقبورة، فنحن لا نذهب إليها، فتعلمون ثواب صلاة الجنازة، فنحن نُحْرَم من هذا الثواب بسبب عدم ذهابنا إلى تلك المساجد، فهل نذهب ونصلي مع الكراهية، أم لا نصلي أبدًا على صلاة الجنازة؟
الشيخ: سؤال جيد، قبل صلاة الجنازة، صلات الفريضة، كما تعلم من الصلوات الخمس، أين تصلونها؟
السائل: الحمد لله مكن الله لنا ببناء مساجد بالرغم من هذا يعني، لكن الناس لا يصلون فيها صلات الجنازة.
الشيخ: جميل، حينئذٍ تصلون على الميت في قبره.
السائل: في قبره، بعد دفنه.
الشيخ: وهل يكون الميت في قبره إلا بعد دفنه؟
السائل: لا اقصد بعد ما الناس يدفنوه وينزلوا، نصلي نحن يعني؟
الشيخ: ما أنا اقصد ما تقول أنت أنا اقصده، تصلون عليه في قبره.
" الهدى والنور" (٤٢٧/ ١٦: ٣٣: ٠٠ طريق الإسلام)
[١٥٤] باب منه
سؤال: بالنسبة للنهي عن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، هل ذلك يشمل أيضًا النهي عن صلاة الجنازة في ذلك المسجد؟
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الشيخ: أليست صلاة؟ لا تصلى أي صلاة في مسجد فيه قبر؛ لنهي الرسول ﵇ عن ذلك في أحاديث متواترة كنا قد جمعناها أو جمعنا ما تيسر لنا يومئذ في كتابي: «تحذير الساجد عن اتخاذ القبور مساجد».نعم.
مداخلة: بعضهم علل النهي بالركوع والسجود، وقال أن صلاة الجنازة لا سجود فيها، فبالتالي النهي عن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، قد يتوهم بعضهم أن هذا يسجد ويركع للميت المقبور مثلًا، فقال: حيث انتفت العلة فينتفي الحكم، هل هذا صحيح؟
الشيخ: ما هي العلة؟
مداخلة: إيهام السجود لصاحب القبر.
الشيخ: من أين هذه العلة جاءت؟
هذه علة عقلية وليست نقلية، ولذلك فلا يجوز أن يبنى عليها حكم شرعي يخالف النصوص العامة.
"الهدى والنور" (٣٨٥/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)
[١٥٥] باب حكم صلاة الجنازة داخل المقبرة في مكان مخصص للصلاة ليس فيه قبور
السائل: السؤال الثاني: ما حكم صلاة الجنازة داخل المقبرة في مكان مخصص للصلاة ليس فيه قبور إنما هو أرض فسيحة؟
الشيخ: إذا كان هناك حاجز بين المقبرة وبين هذه الأرض الفسيحة فالصلاة فيها جائزة وإلا فلا، لا بد من أن يكون هناك سور يفصل مصلى الجنازة عن
[ ٢ / ٢٩٥ ]
المقبرة، والأحسن إذا كان ممكنًا ألا يكون- ولو بني هناك سور من جميع أطراف الأرض- ألا يكون المصلون مستقبلين للمقبرة، وإنما تكون المقبرة عن يمينهم أو عن يسارهم، واضح الجواب؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: قلتُ: إذا كانت الأرض التي يصلي فيها المصلون جنازة ونسمي هذه الأرض المصلى، كانت مسورة مبني حولها جدار، ومفصولة بين المصلى وبين المقبرة جاز الصلاة في هذه الأرض لانفصالها بالسور عن المقبرة، لكن الأولى والأشرع والأفضل أن تكون أرض المصلى عن يمين المقبرة أو عن يسارها، وألا تكون المقبرة في قبلة الأرض، ولو كان بين الأرض وبين المقبرة سور فاصل.
"الهدى والنور" (٢٣١/ ٥١: ٣١: ٠٠)
[١٥٦] باب هل تجوز
الصلاة في مسجد فيه قبر لمن لم يجد مسجدًا غيره؟
مداخلة: هل [تجوز الصلاة في مسجد] وهذا المسجد فيه قبر، ولا يوجد مسجد غيره ؟
الشيخ: إذا كان يعرف أن المسجد الذي به قبر لا يجوز الصلاة فيه ولا يوجد كما تقول مسجد آخر ولا يستطيع هو أن يذهب إلى قرية قريبة منه ليصلي، فالذي أراه أنه يجوز له أن يصلي في هذا المسجد؛ لأنني أعتقد أن النهي عن المساجد المبنية عل القبور هو من باب سد الذريعة، فإذا كان الذي يصلي يعرف هذا الحكم ويجد له عذرًا في الصلاة في هذا المسجد فهو شأنه عندي شأن المصلي في وقت الكراهة، لكنه لا يتقصد الصلاة في وقت الكراهة فتكون صلاته صحيحة إن لم
[ ٢ / ٢٩٦ ]
يتعمد ولا كراهة فيها، وإلا إن تعمد فمعروف أن هذا التعمد يؤاخذ عليه، وسؤالك واضح جدًا أنه لا يتعمد الصلاة في هذا المسجد وإنما لأنه لا يجد مسجدًا آخر خاليًا من قبر، هذا شيء.
الشيء الآخر في اعتقادي: يجب على هذا إذا كان على شيء من العلم أن ينشر هذه المسألة بين المصلين ولو بالتدرج وعدم الصدع بحيث أنه يثير مشكلة أو فتنة في المسجد، فربما نفع الله ﷿ به أهل المسجد وربما مع الزمن يقومون إما لبناء مسجد جديد إذا كان المسجد طارئًا على القبر أو لإزالة القبر إذا كان هو الطارئ على المسجد.
مداخلة: سؤال عن نفس الموضوع: كيف التوفيق النهي عن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر ؟
الشيخ: لا يوجد عندنا هذا النص الذي تقول أنت يا أخي! نحن عندنا النهي عن اتخاذ القبور مساجد، هذا النهي يستلزم أمورًا كما ذكرنا ذلك مفصلًا في كتابنا الخاص في هذه المسألة وهو المسمى بتحذير الساجد عن اتخاذ القبور مساجد، وهذا النهي يستلزم النهي عن بناء المسجد على القبر، ويستلزم النهي عن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر كما سبق في الكلام آنفًا، ويستلزم النهي عن الصلاة إلى القبر، فإذًا: هذا الحديث وأمثاله فيه النهي عن كل هذه الأمور، فلو أن رجلًا صلى إلى قبر، وهذا أغرق في الضلال وفي الخطأ أن يصلي إلى قبر، لكنه هو لم يتقصد الصلاة إلى قبر فصلاته تكون صحيحة؛ لأن القصد لم يكن التوجه إلى القبر، هذا من مع قوله ﵇: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» ولما رأى عمر بن الخطاب ﵁ أنس بن مالك يصلي إلى قبر، قال له عمر: «القبر القبر»، فلم يفهم اللفظة هذه أنس مباشرةً فرفع بصره كأنه فهم أنه يقول: القمر القمر، فعاد
[ ٢ / ٢٩٧ ]
عليه فقال له: القبر القبر، يعني: احذر القبر وابتعد عن القبر، فلم يقل-الشاهد من هذا الأثر-لم يقل أن صلاتك باطلة.
ثم نحن قلنا ما قلناه آنفًا بعد هذا التوضيح: أن الأمر أي: النهي عن بناء المساجد على القبور هو من باب سد الذريعة، فإذا كان الذي يصلي معذورًا كما جاء في السؤال فهو كالذي يصلي في أوقات الكراهة معذورًا، لا فرق بين هذا وهذا، لكن علينا نحن أن ننصح الناس أن لا يبنوا المساجد على القبور، وأن ينظروا إن كان المسجد طارئًا على القبر فيزال المسجد، والعكس بالعكس.
"لقاءات المدينة" (١/ ٠٠: ٠٢: ٥٧)
[١٥٧] باب منه
سؤال: أريد .. بالنسبة للمسجد الذي فيه قبر .. في الحي ليس هناك مسجد إلا الذي فيه قبر جائز أن الإنسان يصلي فيه، أو ما حكمه؟
الشيخ: الذي يقصد الصلاة في المسجد الذي فيه قبر فصلاته باطلة، أما الذي يفاجأ بالصلاة خشية أن تفوته صلاة الجماعة ولا يجد وقتًا .. أو لا يجد مسجدًا آخر في المحلة التي هو فيها إلا هذا المسجد الذي فيه القبر فصلاته صحيحة.
"الهدى والنور" (٧٩٧/ ٢٨: ٤٤: ٠٠)
[١٥٨] باب حكم الصلاة في مسجد نُبِشَ القبر الذي فيه
سؤال: كنت أريد أن أسأل، هؤلاء الذين أخرجوا عظام المسلمين البالية وجعلت خارج المسجد وهذا العذر يا شيخ هل يسوِّغ لنا أن نصلي دون أن نرى في ذلك حرج، أن نصلي داخل المسجد؟
[ ٢ / ٢٩٨ ]
الشيخ: يعني القبور نبشت، وأخرجت عظامها إلى خارج المسجد.
الملقي: أي نعم.
الشيخ: أكذلك؟
الملقي: أي نعم.
الشيخ: طبعًا لم يبق هناك محظور، هو في الأصل المشكلة من الناحية الشرعية كما تعلمون جميعًا تقوم على الظاهر، فلو فرض أن أرضًا للمسجد هي أصلها قبور، لكنها مدروسة ليس لها ظهور، فالصلاة في هذه الأرض أو في هذا المسجد ليس فيها شيء ..، والعكس بالعكس تمامًا، إذا فرض أن هناك قبرًا أو أكثر من قبر في أرض مسجد، والحقيقة أنه ليس هناك إلا هذا القبر الظاهر، أما في الأسفل لا شيء.
الملقي: لا شيء.
الشيخ: فهنا لا يجوز؛ لأنه العبرة بالظاهرة.
الملقي: جيد.
الشيخ: آه، فإذا كانت دُرِسَت القبور من المسجد وبخاصة إذا نبشت إذا كانت هناك لا يزال يوجد عظام كما تقول فدفنت في مكان آخر، فالمحظور زال
بلا شك.
الملقي: الحمد لله.
الشيخ: لأنه العبرة دائمًا بالظاهر، ويعجبني بهذه المناسبة ما يروى عن المعري حينما قال في شعره:
[ ٢ / ٢٩٩ ]
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
أجاب:
خفف الوطأ ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
فالأمر طبيعي ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ (المرسلات: ٢٥) ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (المرسلات: ٢٦)، فالعبرة إذًا بالشيء الظاهر، ومسجد الرسول لعلكم تعلمون.
الملقي: - ﵌ -.
الشيخ: كان عبارة عن قبور للمشركين فنبشت وأزيل النخيل وبُني المسجد.
الملقي: الحمد لله رب العالمين، عندنا بنية تم توسيع مسجد، كما تحدثتم عن المقابر هذا المسجد تم توسيعه على أرض مقبرة، تم إزالة العظام من
قِبل المقبرة ورفع المقابر وبنى المسجد عليها فهل يصح الصلاة في هذا المسجد أم لا؟
الشيخ: هذا سبق الجواب، ما كنت معنا؟
الملقي: آه بس يعني أردت تفصيل لأنه أحسست أنه بعض العلماء قال: لا يجوز الصلاة في هذا المسجد؟
الشيخ: لقد أجبنا عن هذا السؤال بعينه، ولعلك ستذكره-إن شاء الله- حينما أتينا ببيت المعري.
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
خفف الأرض ما أظن أيش؟
مداخلة: خفف الوطأ
[ ٢ / ٣٠٠ ]
الشيخ: خفف الوطأ ما أظن أديم الـ .. أرض إلا من هذه الأجساد.
ما سمعت هذا الشعر؟ سمعته؟ إيه هذه كانت المناسبة جواب لسؤال أخ هنا طرحه وهو أنه هناك مسجد كان في ساحته مقابر، فنبشت ودفنت خارج المسجد فهل تصح الصلاة في هذا المسجد؟ الجواب: نعم؛ لأننا قلنا أن الشارع الحكيم أولًا ينظر للظاهر، وضربنا مثلًا أنه لو كان هناك قبر ظاهر لكن في الداخل لا شيء إطلاقًا، كما يروى عن بعض الدجالين، لعلك سمعت قصتهم حينما بنوا قبرًا ظاهرًا، وبنوا عليه قبة، وأشاعوا بين الناس أنه هنا فلان زيد من الناس رأى في المنام أنه هنا مدفون أحد الأولياء والصالحين، أشاعوا هذه الأخبار والناس يعني كما تعلمون أتباع كل ناعق، فصارت بقى تجيء الزوار والهدايا والنذور وو الخ، هدولا اثنين، ذات يوم اختلفوا بعضهم مع بعض، فوصل بهم الاختلاف إلى أن أحدهم قال لصاحبه يعني معنى القصة إنه بتحلف بالشيخ، بيقول له علي أمان
ما في لا شيخ ولا فريخ، فنحن اتخذنا هذا من أجل أيش؟ جلب المال، فالقصد
أنه هذا قبر ظاهر لا يجوز قصده، ولو كان نحن نعلم أنه ليس هناك دفين
تحته إطلاقًا.
من أجل هذا من تاريخ حياتي، منذ نعومة شبابي لماذا؟ لأنه فيه قبر زعموا قبر رأس يحيى﵇- مش يحيى كله، رأسه فقط، وهناك أبهة وقبة وذهب مطلي، وإلى آخره، والناس يتقصدونه للتبرك والدعاء وإلى آخره، فأنا تركت الصلاة في هذا المسجد عشرات السنين. وأنا أول الناس إيمانًا أنه ليس هناك قبر، لكن هنا مظهر قبر، والإسلام يبنى الأحكام والأمور كلها على الظاهر والله يتولى السرائر، لذلك إن وجد هناك مسجد فيه صورة قبر، فالصلاة لا تصح فيه ولا تجوز، إن وجد مسجد ليس فيه قبر ظاهر، لكن المقول إنه الأرض كلها قبور، مش
[ ٢ / ٣٠١ ]
مهم لأنه ليس هناك قبر ظاهر، يقصد ويعبد ويدعى من دون الله﷿- كما قال ربنا﷿- منبهًا ومحذرًا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨)، فوجود صورة قبر ليس حقيقة قبر؛ هذا وحده يكفي لدعوته من دون الله﷿-، وعدم وجود صورة قبر ولو كانت الأرض كلها مغذية برميم الموت وبدمائهم وإلى آخره، فذلك لا يضر، لكن إن كان هناك أرض كان في عليها قبور ظاهرة ثم أريد بناء المسجد عليها لسبب أو آخر فنبشت وظهر فيها عظام وأخرجت ثم سويت فالصلاة فيه صحيحة.
"الهدى والنور" (٦٤٧/ ٤١: ٠٢: ٠٠) و(٦٤٧/ ٥٩: ٢١: ٠٠)
[١٥٩] باب إذا وجد
القبر في المسجد فهل يزال القبر أم المسجد؟
سؤال: بعض العلماء يقول: إذا أدخل القبر على المسجد فينبش القبر ويبقى المسجد، ويقولون: إذا بني المسجد على القبر يهدم المسجد، فهل هذا التفريق صحيح وله أصل في السنة؟
الشيخ: صحيح لكن ليس له علاقة بحكم الصلاة فيه؟
الملقي: نعم.
الشيخ: حكم الصلاة سواء طرأ القبر على المسجد أو طرأ المسجد على القبر، حكمه ما سمعتم، أما هل يزال القبر أو المسجد؟ فلا بد من القضاء على الظالم، على الباغي، فإذا كان هناك أرض دفن فيها ميت، فجاء أحد البغاة وبنى عليه مسجدًا فيزال هذا المسجد؛ لأنه هو الباغي، وعلى العكس من ذلك إذا كان هناك مسجد بني على تقوى من الله﷿-، فجاء أحد البغاة وأوصى بأنه إن
[ ٢ / ٣٠٢ ]
مات دفن فيه، وفعلًا دفن فيه فيقذف بجثته إلى خارج المسجد؛ لأنه هو الباغي على المسجد، فهذا كلام صحيح بلا شك.
"الهدى والنور" (٦٤٧/ ١٠: ٣٦: ٠٠)
[١٦٠] باب حكم الصلاة في غرفة مضافة إلى المسجد فيها قبر
سؤال: في مسألة المسجد بعض المساجد يعني يضاف لها قبور مثل
في الحديقة أو في غرفة خاصة فحكم الصلاة في هذا المسجد يعني يكون مثلًا التحريم؟
الشيخ: أولًا: الغرفة المضافة إلى المسجد إما أن يكون باب هذه الغرفة إلى المسجد فهي من المسجد لا فرق حينئذٍ لا فرق أن يكون القبر مستورًا بالغرفة أو مكشوفًا بدون غرفة مادام المدخل إلى القبر من المسجد، أما إذًا كانت الغرفة المدخل إليها، الغرفة التي فيها القبر المدخل إليها من خارج المسجد من الطريق هذا لا يعتبر ملحقًا بالمسجد.
السائل: بالنسبة للمسجد تعتبر من الباب الخارجي أم من الباب الداخلي، يعني المصلَّى الباحة يعني باحة المسجد، نقول مثل القبر غرفة الإمام تكون منعزلة عن المسجد معلوم تخرج من المصلى ثم تمشي إلى الغرفة فهذه الغرفة تعتبر من المسجد أم من خارج المسجد؟
الشيخ: فهمت منك، أنت الآن ذكرت الإمام
السائل: غرفة الإمام تكون من المسجد.
الشيخ: أنت الآن ذكرت الإمام.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
السائل: نعم.
الشيخ: وذكرت غرفة الإمام.
السائل: نعم.
الشيخ: هل هذا له علاقة بسؤالك السابق.
السائل: نعم، عفوًا.
الشيخ: في سؤالك السابق لم تذكر الإمام ولا ذكرت غرفة الإمام كل ما في الأمر ذكرت أن القبر في غرفة وأنا أعطيتك الجواب.
السائل: عفوًا الغرفة هذه تكون داخل باحة المسجد.
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك: حسن السؤال نصف العلم.
السائل: نعم.
الشيخ: الغرفة التي فيها القبر قلنا إن كان باب الغرفة إلى المسجد، والدخول إلى الغرفة من المسجد فهذه الغرفة بما فيها من القبر ملحقة بالمسجد.
السائل: نعم فهمتُ.
الشيخ: وإن كان الباب إلى الطريق فهي ليست ملحقة بالمسجد، الآن شو الذي جَدَّ معك حين ذكرت الإمام وذكرت الباحة.
السائل: الأرض الوقفية، يعني مسألة الأرض الوقفية للمسجد ايش هو اللي يتبعها يعني التابع للوقف للمسجد هل يعتبر من المسجد من السور الخارجي أم يعني الأشياء فقط التي تتصل بالمصلى.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الشيخ: هذا ليس له علاقة بسؤالك في السابق.
السائل: لا هو أنا سألت على هذا المنوال.
الشيخ: يا أخي الدخول إلى هذه الغرفة من المسجد أو من خارج المسجد.
السائل: أنا باعتقادي أن المسجد يشمل السور الخارجي كله يعني ما كان داخل هذا الشيء مسجد.
الشيخ: ولو كان الباب من خارج الغرفة، هو مفصول الغرفة مفصولة عن المسجد إذا كان بابها إلى الشارع فهي مفصولة، هب أنها موقوفة كالمسجد لكن هي مفصولة عن المسجد إذا كان باب الغرفة إلى الطريق.
السائل: نعم.
الشيخ: هذه هي أرض المسجد كلها ولنفترض أن المسجد قسمان قسم مظلل اللي يسموه الحرم والقسم الثاني مكشوف اللي يسموه ساحة المسجد، سواءً كانت الغرفة هنا وين في المظلل في المسقف أو كانت في هذه الزاوية المكشوفة، فإما أن يدخل إلى الغرفة من ساحة المسجد أو من حرم المسجد أو يدخل من الشارع، فإذا كان الدخول إلى الغرفة من الشارع.
السائل: وهي مفصولة.
الشيخ: هي غرفة، الدخول إلى هذه الغرفة من الشارع فليس لها أي-هذه الغرفة- علاقة بالمسجد وان كان الدخول إليها من المسجد فهو من المسجد ولا يجوز الصلاة في هذا المسجد سواءً كان في المقدمة أو في المؤخرة، ومع ذلك فلهذا البحث تفصيل آخر لعلنا يتيسر لنا في مناسبة أخرى إن شاء الله.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
السائل: شيخ حتى وإن كانت الغرفة خارج حدود المسجد لكن الباب من جوة المسجد الحكم حكم المسجد.
الشيخ: أي نعم.
"الهدى والنور" (٥٨٢/ ١٩: ٤٣: ٠٠)
[١٦١] باب حكم الصلاة في مسجد فيه قبر في ساحته الخارجية
سؤال: ما حكم الصلاة في مسجد فيه قبر في الساحة الخارجية؟
الشيخ: الساحة إذا كانت من المسجد، وُيدْخَل إلى ساحة المسجد بباب؛ فهو داخل في حرم المسجد، فسواء كان القبر في الساحة، أو في نفس الحرم فهو في كل من الحالتين في المسجد، والأحاديث التي جاءت في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن بناء المساجد على القبور، هذه النصوص كلها تشمل المسجد الذي فيه قبر، سواء كان داخل الحرم أو خارج الحرم، فلا يجوز.
" الهدى والنور" (٤٠/ ٢٤: ٠٣: ٠١)
[١٦٢] باب حكم الصلاة في المسجد المبني بجوار المقبرة.
سؤال: [هناك] تجمع سكني للمسلمين ولا يوجد به إلا مسجد واحد، وهذا المسجد مبني بجوار مقبرة، بل وجدنا أمام المحراب عددًا من القبور، فهل يصلى به أم يصلي أبناء الحي منفردين؟ باقي المساجد بعيدة عن المنطقة؟
الشيخ: لا يصلون فيه، ولا يصلون منفردين وإنما يصلون مجتمعين ولو في دار أحدهم.
السائل: وإن تعسر ذلك.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
الشيخ: إلى أن يتمكنوا من بناء مسجد، هذا واجب عليهم.
السائل: نعم، لكن إن تعسر هذا الأمر من باب وجود الحرج عند البعض أو قلة الفهم الإسلامي؟
الشيخ: لا يتعسر عند الساكن من المسلمين، وليس المقصود أن يجتمع المسلمون جميعًا؛ لأن المسجد الذي لا إشكال فيه لا يجتمعون فيه جميعًا، ولا تكلَّف إلا نفسك.
السائل: لكن لو تعسر الاجتماع يصلي منفردًا ولا يصلي في المسجد.
الشيخ: نعم، لكن نحن لا نقنع، ما نصلي في المسجد، على أساس نصلي منفردًا، وإنما نعمل دعوة لمن يترجح عندنا أنه يتجاوب معنا ألا يصلي في هذا المسجد، ويصلي في دار أحد هؤلاء المسلمين الطيبين.
السائل: بارك الله فيك.
الشيخ: يعني ما ينبغي أن نقنع بتهريبه فقط من هذا المسجد، وإلا فهي [ذريعة] كل واحد (يصير) يصلي في البيت كسلًا، لأنه والله الصلاة في هذا المسجد لا تصح، وإنما على هؤلاء أن يسعوا وأن يَتَجَمَّعُوا في أي مكان، وبعد ذلك يصلح الله ما لا تعلمون.
" الهدى والنور" (٩/ ٢٥: ٥٢: ٠٠)
[١٦٣] باب حرمة الصلاة في المقبرة سدًا لذريعة الشرك
ومناقشة من خالف ذلك
[قال الإمام]:
ولا تجوز الصلاة في المقبرة، وهي الموضع الذي دفن فيه إنسان واحد
[ ٢ / ٣٠٧ ]
فأكثر لقوله ﵊:
» الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»
وسواء في ذلك أكان القبر قبلته أو عن يمينه أو عن يساره أو خلفه، لكن استقباله بالصلاة أشد لقوله - ﵌ -:
» لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وقوله:
«إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد»
[ثم قال]:
ومن عجائب الفهم المصادم للقصد من حديث النبي - ﵌ - إن لم نقل للنص منه- قول البيضاوي ..:
«وأما من اتخذ مسجدًا بجوار صالح، أو صلى في مقبرة، وقصد به الاستظهار بروحه، أو وصول أثر من آثار عبادته إليه، لا التعظيم له، والتوجه نحوه، فلا حرج عليه».
كذا قال ولا يخفى ما فيه من آثار الوثنية والضلال، والمعصوم من عصمه الله، ولذلك تعقبه العلماء؛ فقال المناوي بعد أن نقل كلامه هذا:
«لكن في خبر الشيخين كراهة بناء المسجد على القبور مطلقًا والمراد قبور المسلمين خشية أن يعبد فيها المقبور لقرينة خبر: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد».
وقد نص الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة على كراهة اتخاذ المسجد عند القبر كما يأتي نصه في ذلك والتعبير بـ (عند) أعم من قوله: «فوق» أو «على» كما لا يخفى، فمن بنى مسجدًا بجوار صالح فقد بنى عنده، وعليه فكلام محمد-رحمه
[ ٢ / ٣٠٨ ]
الله- رد على البيضاوي في رأيه هذا المبتدَع، ورد عليه الصنعاني أيضًا في «سبل السلام» فقال:
«قوله: لا التعظيم له. يقال: اتخاذ المساجد بقربه وقصد التبرك به تعظيم له، ثم أحاديث النهي مطلقة ولا دليل على التعليل بما ذكر، والظاهر أن العلة سد الذريعة والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان الذين يعظمون الجمادات التي لا تنفع
ولا تضر، ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية» قال:
«ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر».
والحديث الأول يفيد تحريم الصلاة في المقبرة على التفصيل المذكور لعموم الحديث، ولأن النهي أصله التحريم، وذهب بعضهم إلى بطلان الصلاة فيها وهو محتمل والله أعلم، وقد ذهب إلى هذا ابن حزم في «المحلى» ورواه عن أحمد أنه قال:
«من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدًا»، ثم قال:
«وكره الصلاة إلى القبر وفي المقبرة وعلى القبر: أبو حنيفة، والأوزاعي، وسفيان، ولم يرَ مالكٌ بذلك بأسًا، واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله - ﵌ - صلى على قبر المسكينة السوداء» قال ابن حزم:
«وهذا عجب ناهيك به أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما جاء فيه، فلا يجيزون أن تصلى صلاة الجنازة على من قد دفن ثم يستبيحون- بما ليس فيه منه أثر ولا إشارة- مخالفة السنن الثابتة».قال:
«وكل هذه الآثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا إلا صلاة الجنازة، فإنها
[ ٢ / ٣٠٩ ]
تصلى في المقبرة، وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه، كما فعل رسول الله - ﵌ -، نحرم ما نهى عنه، ونَعُدُّ من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل، فأمره ونهيه حق، وفعله حق، وما عدا ذلك فباطل، والحمد لله رب العالمين».
وقال الشوكاني بعد أن حكى مذاهب العلماء في المسألة:
«وأحاديث النهي المتواترة كما قال ذلك الإمام «ابن حزم» لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى، الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان؛ لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة».
وقال شيخ الإسلام في «الاختيارات»:
«ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك هو سد لذريعة الشرك، وذكر طائفة من أصحابنا أن المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولًا لحرمة القبر المنفرد، وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد».
وقد اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في المقبرة فقيل: النجاسة، وقيل:
[ ٢ / ٣١٠ ]
التشبه بأهل الكتاب وسدًاّ لذريعة الشرك كما سبق في كلام شيخ الإسلام وغيره، وهو الظاهر من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الباب، وقد مضى البعض، ويأتي بعضها، وعليه جرى علماؤنا المتأخرون من الحنفية فقال ابن عابدين في «حاشيته»:
«واختلف في علته (يعني: الكراهة) فقيل: لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر، وقيل: لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد وقيل: لأنه تشبه باليهود وعليه مشى في الحاشية»
وهذا القيل الأخير هو الذي اعتمده الطحطاوي في «حاشيته على مراقي الفلاح» ونص كلامه:
«قوله: وفي المقبرة بتثليث الباء؛ لأنه تشبه باليهود والنصارى قال - ﵌ -: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وسواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه ويستثنى مقابر الأنبياء ﵈، فلا تكره الصلاة فيها مطلقًا، منبوشة أو لا، بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة؛ لأنهم أحياء في قبورهم، ألا ترى أن مرقد إسماعيل ﵇ في الحجر تحت الميزاب، وأن بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيًا، ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة، بخلاف مقابر غيرهم. أفاده في «شرح المشكاة».
هذا كله كلام الطحطاوي وهو كلام مدخول يناقض بعضه بعضًا؛ فإنه إذا
كان يصرح ويعلل الكراهة بالتشبه باليهود والنصارى- وهم كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم مساجد- فكيف يستثني قبور الأنبياء، وإنما يتحقق التشبه بالكفار بالصلاة فيها؟
[ ٢ / ٣١١ ]
نعم ربما كان يصح هذا الاستثناء فيما لو كانت علة الكراهة هي النجاسة، وذلك لطهارة قبورهم ﵈، ومع ذلك فلا يصح هذا الاستثناء مطلقا بعد لعنه ﵊ من كان يتخذ قبور الأنبياء مساجد، ونهيه أمته عن ذلك كما يأتي.
وأنا أخشى أن يكون الطحطاوي قد أُتي في هذا التناقض الصريح من جهة التقليد، الذي كثيرًا ما لا يدع صاحبه يفكر فيما يكتب أو يقول، فهو فيما يظهر نقل التعليل الصحيح عن بعض العلماء الذين لا يتصور أن يقولوا بالاستثناء، ثم نُقل الاستثناء، عن بعض من يقول بالعلة الأخرى وهي النجاسة، وهو منقول عنهم، ويدل على هذا قوله: «منبوشة أو لا» فإن هذا إنما يصح أن يقال على أساس القول بهذه العلة المرجوحة وعليها يتفرع القول بالفرق بين المقبرة المنبوشة وغير المنبوشة في غير مقابر الأنبياء، فإن لم يكن هذا الذي ذهبنا إليه حقًاّ فما معنى هذا القول ههنا؟ وما معنى الاستثناء المصادم للنص؟
قد يقال: إن النص ليس معناه عند الطحطاوي على العموم، بل معناه الاستقبال، كما سبق ذكره عن البيضاوي، ويدل على ذلك قوله بعد الاستثناء: «بعد أن لا يكون القبر جهة القبلة» فهو بهذا القيد لم يصادم النص حسب فهمه.
فأقول: لكن يشكل عليه قوله: «وسواء كانت فوقه أو خلفه » إلخ
قال ذلك عن الحديث بما يشعر أنه عنده على عمومه، ثم ما هو الفرق المعقول بين المنع من ذلك كله في قبور غير الأنبياء، وإباحته في قبورهم مع القيد المذكور، مع العلم بأن الخطر على العقيدة من الصلاة عندها مطلقًا، أعظم من الصلاة عند غيرها؟.
[ ٢ / ٣١٢ ]
وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى «شرح المشكاة» المسمى: «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» للشيخ علي القاري، فتبين لي أن الطحطاوي نقل جل كلامه، ولكنه أساء في النقل، وقدم وأخر بحيث أخل بالمعنى، ولزم منه ما أشرنا إليه من المحاذير، وتبين منه أيضًا وتحقق أن الاستثناء إنما نقله عن بعض من ذهب إلى التعليل بالنجاسة، وعليها جاء التفصيل الذي ذكره الطحطاوي في قوله: «وسواء » إلخ وهو نقله من كلام ابن حجر- يعني الهيتمي- ونص كلامه
في ذلك:
«أشار الشارح إلى استشكال الصلاة عند قبر إسماعيل ﵇ بأنها تكره في المقبرة، وأجاب بأن محلها مقبرة منبوشة لنجاستها، وكله غفلة عن قولهم: يستثنى مقابر الأنبياء فلا يكره الصلاة فيها مطلقًا؛ لأنهم أحياء في قبورهم، وعلى التنزل فجوابه غير صحيح؛ لتصريحهم بكراهة الصلاة في مقبرة غير الأنبياء وإن لم تنبش؛ لأنه محاذ للنجاسة، ومحاذاتها في الصلاة مكروهة، سواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه» اهـ. ما في «المرقاة».
وأما ما احتج به الطحطاوي تبعا لشرح «المشكاة» من أفضلية الصلاة عند قبر إسماعيل ﵇، وقبر السبعين نبيًاّ، فقد أجاب عنه القاري نفسه في الشرح المذكور بقوله:
«وفيه أن صورة قبر إسماعيل وغيره مندرسة، فلا يصلح للاستدلال به».
ونحن نقول: هب أنها غير مندرسة فذلك لا يدل على أن فضيلة الصلاة إنما هو من أجلها، ألا ترى أن مسجد النبي - ﵌ - الصلاة فيه بألف صلاة مما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام كما صح عنه - ﵌ -؟ ومن المعلوم أنه قال ذلك قبل أن
[ ٢ / ٣١٣ ]
يدفن ﵇ في الحجرة الشريفة، وقبل أن تضم هذه إلى المسجد النبوي، فهل يلزم من وجود القبر الشريف الآن فيه أن يقال: إن فضيلة الصلاة فيه من أجل القبر الشريف؟ كلا لا يقول ذلك إلا الجهال من العوام، فكذلك لا يلزم من فضيلة الصلاة عند قبر إسماعيل وغيره، أن ذلك من أجل القبور، وكيف يكون وقد نهى ﵇ عن اتخاذها مساجد، ولعن من فعل ذلك؟ وهذا كله يقال على تسليم ثبوت تلك القبور في ذلك المكان وليس بثابت عند المحدثين قال الشيخ علي القاري في «الموضوعات»:
«قال العلامة الشيخ محمد بن الجزري: لا يصح تعيين قبر نبي غير نبينا ﵊، نعم سيدنا إبراهيم ﵇ في تلك القرية لا بخصوص تلك البقعة. انتهى»
قلت: وقد حكى شيخ الإسلام في «الاقتضاء» نحوه عن غير واحد من أهل العلم ثم ذكر:
«إن المسلمين قد أجمعوا ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله - ﵌ - من أن الصلاة عند القبر- أي قبر كان- لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلًا بل مزية شر».
وقال قبل ذلك بصفحة:
«واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا لكونها مظنة النجاسة، لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، وبنى على هذا الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل أو لا يكون، ونجاسة الأرض مانعة من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرة أو لم
[ ٢ / ٣١٤ ]
تكن، لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا؛ فإنه قد بين أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا». ثم قال: «وروي عنه أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ثم ذكر حديث عائشة وغيره مما تقدم وحديث جندب الآتي: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» ثم قال:
«فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة، وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانًا كما قال الشافعي ﵁: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس. وقد ذكر هذا المعنى أبو بكر الأثرم في «ناسخ الحديث ومنسوخه» وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء فإن قبر النبي - ﵌ - أو الرجل الصالح لم يكن ينبش، والقبر الواحد لا نجاسة عليه، وقد نبه هو - ﵌ - على العلة بقول: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» وبقوله: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا تتخذوها مساجد» وأولئك إنما كانوا يتخذون قبورًا لا نجاسة عندها، ولأنه قد روى مسلم في «صحيحه» عن أبي مرثد الغنوي أن النبي - ﵌ - قال: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها».ولأنه - ﵌ - قال: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» فجمع بين التماثيل والقبور.
وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك».
وقال فيما بعد وقد ذكر العلة الأولى:
«وهذه العلة في صحتها نزاع لاختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور وهي
[ ٢ / ٣١٥ ]
من مسائل الاستحالة، وأكثر العلماء المسلمين يقولون: إن النجاسة تطهر بالاستحالة، وهو مذهب أبي حنيفة، وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وقد ثبت في «الصحيح» أن مسجد النبي - ﵌ - كان حائطًا لبني النجار، وكان فيه قبور من قبور المشركين، ونخل، وخرب، فأمر النبي - ﵌ - بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت، وجعل النخل في صف القبلة، فلو كان تراب القبور نجسًا، لكان تراب قبور المشركين نجسا ولأمر النبي - ﵌ - بنقل ذلك التراب، فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره».
ثم ذكر العلة الثانية ثم قال:
«وهذه العلة صحيحة باتفاقهم والمعللون بالأولى- كالشافعي وغيره- عللوا بهذه أيضًا، وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد وغيره، علل بهذه الثانية أيضا وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى وقد قال تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا﴾ (نوح:٢٣ - ٢٤) ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، وقد ذكر هذا البخاري في «صحيحه» وأهل التفسير كابن جرير وغيره».
"الثمر المستطاب" (١/ ٣٥٧ - ٣٧٣).
[ ٢ / ٣١٦ ]
[١٦٤] باب شبهات وجوابها حول حكم اتخاذ القبور مساجد
[قال الإمام]:
قد يقول قائل: إذا كان من المقرر شرعًا تحريم بناء المساجد على القبور، فهناك أمور كثيرة تدل على خلاف ذلك وإليك بيانها:
أولًا: قوله تعالى في سورة الكهف ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (١)، ووجه دلالة الآية على ذلك: أن الذين قالوا هذا القول كانوا نصارى على ما هو مذكور في كتب التفسير، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم وشريعة من قبلنا شرعية لنا إذا حكاها الله تعالى ولم يعقبها بما يدل على ردها كما في هذه الآية الكريمة.
ثانيًا: كون قبر النبي - ﵌ - في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه - ﵌ - في مسجده!
ثالثًا: صلاة النبي - ﵌ - في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما
قال - ﵌ -!
رابعًا: ما ذكر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل ﵇ وغيره في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه.
خامسًا: بناء أبي جندل ﵁ مسجدا على قبر أبي بصير ﵁ في عهد النبي - ﵌ - كما جاء في «الاستيعاب» لابن عبد البر
_________________
(١) سورة الكهف الآية ٢١. [منه].
[ ٢ / ٣١٧ ]
سادسًا: زعم بعضهم أن المنع من اتخاذ القبور مساجد إنما كان لعلة خشية الافتتان بالمقبور، ثم زالت برسوخ التوحيد في قلوب المؤمنين، فزال المنع!
فكيف التوفيق بين هذه الأمور والتحريم المذكور؟
وجوابًا على ذلك أقول وبالله تعالى أستعين:
الجواب عن الشبهة الأولى:
أما الشبهة الأولى فالجواب عنها من ثلاثة وجوه:
الأول: أن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة (١) منها قوله - ﵌ -: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحدا من الأنبياء قبلي (فذكرها، وآخرها) وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» (٢).
فإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية لو كانت تدل على أن جواز بناء المسجد على القبر كان شريعة لمن قبلنا!
الثاني: هب أن الصواب قول من قال: «شريعة من قبلنا شريعة لنا» فذلك مشروط عندهم بما إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه وهذا الشرط معدوم هنا لأن الأحاديث تواترت في النهي عن البناء المذكور كما سبق فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا.
الثالث: لا نسلم أن الآية تفيد أن ذلك كان شريعة لمن قبلنا غاية ما فيها أن جماعة من الناس قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فليس فيها التصريح بأنهم كانوا
_________________
(١) انظر إن شئت المطولات من كتب علم الأصول وخاصة «الإحكام» لابن حزم. [منه].
(٢) أخرجه البخاري ومسلم وهو مخرج في «إرواء الغليل» (رقم ٢٨٥). [منه].
[ ٢ / ٣١٨ ]
مؤمنين، وعلى التسليم فليس فيها أنهم كانوا مؤمنين صالحين، متمسكين بشريعة نبي مرسل، بل الظاهر خلاف ذلك، قال الحافظ ابن رجب في «فتح الباري في شرح البخاري» (٦٥/ ٢٨٠) من «الكواكب الدراري» (١) في شرح حديث: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»
«وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بان مستنده القهر والغلبة وإتباع الهوى وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المنتصر لما أنزل الله على رسله من الهدى»
وقال الشيخ علي بن عروة في «مختصر الكوكب» (١٠/ ٢٠٧/٢) تبعا للحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٧٨):
«حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين (٢):
أحدهما: أنهم المسلمون منهم.
والثاني: أهل الشرك منهم.
_________________
(١) مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهو كتاب عظيم جدًا جمع نفائس نادرة من كتب العلماء المتقدمين ورسائلهم التي لم يطبع أكثرها فيما علمت وأنا الآن في صدد إخراج هذه الكتب والرسائل في فهرس خاص أضعه لمجلدات هذا الكتاب الموجودة في المكتبة وفي غيرها إن وفقت لذلك. ثم تم الاستخراج المذكور من مجلدات المكتبة فعسى الله أن يوفق للإطلاع على غيرها واستخراج ما فيها من الكنوز. [منه].
(٢) قلت: وحكاهما أيضا ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير» (٥/ ١٢٣ طبعة المكتب الإسلامي) دون أن يرجح أحدهما على عادته. [منه].
[ ٢ / ٣١٩ ]
فالله أعلم والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هم محمودون أم لا؟ فيه نظر لأن النبي - ﵌ - قال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها»
إذا عرفت هذا، فلا يصح الاحتجاج بالآية على وجه من الوجوه، وقال العلامة المحقق الآلوسي في «روح المعاني» (٥/ ٣١):
«واستدل بالآية على جواز البناء على قبور العلماء واتخاذ مسجد عليها، وجواز الصلاة في ذلك وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي، وهو قول باطل عاطل، فاسد كاسد، فقد روي ».
ثم ذكر بعض الأحاديث المتقدمة وأتبعها بكلام الهيتمي في «الزواجر» مقرا له عليه وقد نقلته فيما سبق (ص. . . .) ثم نقل عنه في كتابه «شرح المنهاج» ما نصه:
«وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة، التي بناها بعض الملوك وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام آخذًا من كلام ابن الرفعة في الصلح. انتهى» ثم قال الإمام الآلوسي:
«لا يقال: إن الآية ظاهرة في كون ما ذكر من شرائع من قبلنا وقد استدل بها فقد روي أنه - ﵌ - قال: «من نام عن صلاة أو نسيها» (١) الحديث ثم تلا قوله تعالى
_________________
(١) قلت: هذا الحديث صحيح مخرج على الصحيحين فلا يحن تصديره بقوله «روي» لأنه يدل على الضعف في اصطلاح العلماء كما بينته في «صلاة التراويح» (ص ٦٣ - ٦٤) فتنبه. ثم إن الحديث مخرج عندي في «صحيح أبي داود» (٤٦١) و«الإرواء» (٢٦٣). [منه].
[ ٢ / ٣٢٠ ]
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١)، وهو مقول لموسى ﵇ وسياقه الاستدلال واحتج أبو يوسف على جري القود بين الذكر والأنثى بآية ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾، والكرخي على جريه بين الحر والعبد والمسلم والذمي (٢) بتلك الآية الواردة في بني إسرائيل إلى غير ذلك لأنا نقول: مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان أنه يلزمنا على أنه شريعتنا لكن لا مطلقا بل إن قص الله تعالى علينا بلا إنكار، وإنكار رسوله - ﵌ - كإنكاره ﷿ (٣).
وقد سمعت أنه ﵊ لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفا احتجاج الأئمة بها، وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك، وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسي بهم فمتى لم يثبت أن فيهم معصوما لا يدل على فعلهم عن عزمهم على مشروعية ما كانوا بصدده.
ومما يقوي قلة الوثوق بفعلهم القول بأن المراد بهم الأمراء والسلاطين كما
_________________
(١) سورة طه الآية ١٤. [منه].
(٢) قلت: إجراء القود بين المسلم والذمي بيس جائزًا، لقوله - ﵌ - «لا يُقتل مسلم بكافر».رواه البخاري وغيره (انظر الأحاديث الضعيفة ١/ ٦٧١) [[حديث رقم ٤٦٠]].فالاحتجاج بالآية المشار إليها في المسألة كالاحتجاج بآية الكهف فيما نحن فيه!. [منه].
(٣) لقوله - ﷺ - « فان ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله».وهو حديث صحيح، وإن رغم أنف صاحب «الأضواء» انظر «المشكاة» بتخرجي (١٦٣). [منه].
[ ٢ / ٣٢١ ]
روي عن قتادة.
وعلى هذا لقائل أن يقول: إن الطائفة الأولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتخاذ المساجد على القبور، فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسده وكف التعرض لأصحابه، فلم يقبل الأمراء منهم، وغاظهم ذلك حتى أقسموا على اتخاذ المسجد.
وإن أبيت إلا حسن الظن بالطائفة الثانية فلك أن تقول: إن اتخاذهم المسجد عليهم ليس على طراز اتخاذ المساجد على القبور المنهي عنه، الملعون فاعله، وإنما هو اتخاذ مسجد عندهم وقريبا من كهفهم وقد جاء التصريح بالعندية في رواية القصة عن السدي ووهب ومثل هذا الاتخاذ ليس محذورًا إذ غاية ما يلزم على ذلك أن يكون نسبة المسجد إلى الكهف الذي هم فيه كنسبة المسجد النبوي إلى المرقد المعظم صلى الله تعالى على من فيه وسلم ويكون قوله ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على هذا لمشاكلة قول الطائفة ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾.
وإن شئت قلت: إن ذلك الاتخاذ كان على كهف فوق الجبل الذي هو فيه، وفيه خبر مجاهد أن الملك تركهم في كهفهم وبنى علي كهفهم مسجدًا، وهذا أقرب لظاهر اللفظ كما لا يخفى وهذا كله إنما يحتاج إليه على القول بأن أصحاب الكهف ماتوا بعد الإعثار عليهم وأما على القول بأنهم ناموا كما ناموا أولا فلا يحتاج إليه على ما قيل (١).
_________________
(١) يشير إلى ما ذكره في أول الصفحة الأولى من الصفحتين المشار إليهما وهو قوله: «وعن الحسن أنه اتخذ (يعني المسجد) ليصلى فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا». قال الآلوسي: «وهذا مبني على أنهم لم يموتوا بل ناموا كما ناموا أولا وإليه ذهب بعضهم بل قيل: إنهم لا يموتون حتى يظهر المهدي ويكونوا من أنصاره. ولا معول على ذلك وهو عندي أشبه شيء بالخرافات.». [منه].
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة، معولًا على الاستدلال بهذه الآية، فإن ذلك في الغواية غاية وفي قلة النهى نهاية ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها، وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها، والصلاة إليها والطواف بها واستلامها، والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلك محتجًا بهذه الآية الكريمة وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل الملك لهم في كل سنة عيدًا، وجعله إياهم في توابيت من ساج، ومقيسًا لبعض على بعض وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله - ﵌ -، وابتداع دين لم يأذن به الله
﷿.
ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسل في قبره ﵊ وهو أفضل قبر على وجه الأرض والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه فتتبع ذاك وتأمل ما هنا وما هناك والله سبحانه يتولى هداك».
قلت: وقد استدل بالآية المذكورة على الجواز المزعوم بل على استحباب بناء المساجد على القبور بعض المعاصرين (١) لكن من وجه آخر مبتدع مغاير
_________________
(١) هو الشيخ أبو الفيض أحمد الصديق الغماري في كتابه المسمى «إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور»! وهذا الكتاب من أغرب ما ابتلى به المسلمون في هذا العصر، وأبعد ما يكون عن البحث العلمي النزيه فان المؤلف يدعي ترك التقليد والعمل بالحديث الشريف! فقد التقيت به منذ بضعة أشهر في المكتبة الظاهرية وظهر لي من الحديث الذي جرى بيني وبينه أنه على معرفة بعلوم الحديث وأنه يدعو للاجتهاد ويحارب التقليد محاربة لا هوادة فيها، وله ذلك بعض المؤلفات كما قال لي ولكن الجلسة كانت قصيرة لم تمكني من أن أعرف اتجاهه في العقيدة وإن كنت شعرت من بعض فقرات حديثه انه خلفي صوفي، ثم تأكد من ذلك بعد أن قرأت له هذا الكتاب وغيره حيث تبين لي أن يحارب أهل التوحيد ويخالفهم في عقيدتهم مخالفة شديدة ويقول البدعة الحسنة، وينتصر للمبتدعة! ولم يستفد من دعواه الاجتهاد إلا الانتصار للأهواء وأهلها ما يفعل مجتهدوا الشيعة تماما وإن شئت دليلا على ما أقول فحسبك برهانا على ذلك هذا الكتاب « المقبور»! فإن قبر كل الأحاديث المتواترة في تحريم البناء المساجد على القبور الذي قال به الأئمة الفحول بلا خلاف يعرف بينهم فهو والحق يقال: جرئ ولكن في محاربة الحق كيف لا وهو يرد كل ما ذكرناه من الأحاديث واتفاق الأئمة دون أي حجة اللهم إلا إتباع المتشابه من النصوص كآية الكهف هذه، شأنه في ذلك شأن المبتدعة في رد النصوص المحكمات بالمتشابه نعوذ بالله من الخذلان وسيأتيك من كلامه بعض الأمثلة الأخرى على ما ذكرنا، والله المستعان. [منه].
[ ٢ / ٣٢٣ ]
بعض الشيء لما سبق حكايته ورده فقال ما نصه:
«والدليل من هذه الآية إقرار الله إياهم على ما قالوا وعدم رده عليهم».
قلت: هذا الاستدلال باطل من وجهين:
الأول: أنه لا يصح أن يعتبر عدم الرد عليهم إقرارا لهم، إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين وصالحين متمسكين بشريعة نبيهم، وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنهم كانوا كذلك بل يحتمل أنهم لم يكونوا كذلك، وهذا هو الأقرب أنهم كانوا كفارًا أو فجارًا، كما سبق من كلام ابن رجب وابن كثير وغيرهما وحينئذ فعدم الرد عليهم لا يعد إقرارًا، بل
إنكارًا، لأن حكاية القول عن الكفار والفجار يكفي في رده عزوه إليهم فلا يعتبر السكوت عليه إقرارًا كما لا يخفى، ويؤيده الوجه الآتي:
الثاني: أن الاستدلال المذكور إنما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين الذين يكتفون بالقرآن فقط دينًا، ولا يقيمون للسنة وزنًا، وأما على طريقة أهل السنة والحديث الذين يؤمنون بالوحيين، مصدقين بقوله - ﵌ -
[ ٢ / ٣٢٤ ]
في الحديث الصحيح المشهور: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه».وفي رواية: «ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» (١).
فهذا الاستدلال عندهم- والمستدل يزعم أنه منهم- باطل ظاهر البطلان، لأن الرد الذي نفاه قد وقع في السنة المتواترة كما سيق فكيف يقول: إن الله أقرهم ولم يرد عليهم مع أن الله لعنهم على لسان نبيه - ﵌ - فأي رد أوضح وأبين من هذا؟!
وما مثل من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث المتقدمة؛ إلا كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام بقوله تعالى في الجن الذين كانوا مذللين لسليمان ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٢) يستدل بها على خلاف الأحاديث الصحيحة التي تحرم التماثيل والتصاوير وما يفعل ذلك مسلم يؤمن بحديثه - ﵌ -.
وبهذا ينتهي الكلام عن الشبهة الأولى وهي الاستدلال بآية الكهف (٣) والجواب عنها وعن ما تفرع منها.
الجواب عن الشبهة الثانية:
وأما الشبهة الثانية وهي أن قبر النبي - ﵌ - في مسجده كما هو مشاهد اليوم، ولو كان ذلك حراما لم يدفن فيه.
_________________
(١) حديث صحيح كما تقدم (ص. . . ..). [منه].
(٢) سورة سبأ الآية ١٣. [منه].
(٣) وانظر (ص١٨٠). [منه].
[ ٢ / ٣٢٥ ]
والجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة ﵃، فإنهم لما مات النبي - ﵌ - دفنوه في حجرته في التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان النبي - ﵌ - يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء، ولا خلاف في ذلك بينهم، والصحابة ﵃ حينما دفنوه - ﵌ - في الحجرة، إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجدًا، كما سبق بيانه في حديث عائشة وغيره (ص ١٦٣).
ولكن وقع بعدهم ما لم يكن في حسبانهم ذلك أن الوليد بن عبد الملك أمر سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله - ﵌ - إليه فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة فصار القبر بذلك في المسجد (١).
ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة حينذاك خلافًا لم توهم بعضهم.
قال العلامة الحافظ محمد ابن عبد الهادي في «الصارم المنكي» (ص١٣٦):
«وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك، بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان آخرهم موتا جابر بن عبد الله، وتوفي في خلافة عبد الملك فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك (٢).
_________________
(١) تاريخ ابن جرير (٥/ ٢٢٢٢٣) وتاريخ ابن كثير (٩/ ٧٤٧٥). [منه].
(٢) قلت: وإنما لم يسم الحافظ ابن عبد الهادي السنة التي وقع فيها ذلك لأنها لم ترد في رواية ثابتة على طريقة المحدثين، وما نقلناه عن ابن جرير هو من رواية الواقدي وهو متهم، ورواية ابن شبة الآتية في كلام الحافظ ابن عبد الهادي مدارها على مجاهيل، وهم عن مجهول كما هو ظاهر فلا حجة في شيء من ذلك وإنما العمدة على اتفاق المؤرخين على أن إدخال الحجرة إلى المسجد كان في ولاية الوليد وهذا القدر كاف في إثبات أن ذلك كان بعد موت الصحابة الذين كانوا في المدينة حسبما بينه الحافظ لكن يعكر عليه ما رواه أبو عبد الله الرازي في مشيخته (٢١٨/ ١) عن محمد بن الربيع الجيزي: «توفي سهل بن سعد بالمدينة هو ابن مائة سنة وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين وهو آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي - ﷺ -.» لكن الجيزي هذا لم اعرفه ثم هو معضل وقد ذكر مثله الحافظ بن حجر في «الإصابة» (٢/ ٨٧) عن الزهري من قوله فهو معضل أيضا أو مرسل ثم عقبه بقوله: «وقيل قبل ذلك وزعم ابن أبي داود أنه مات بالإسكندرية» وجزم في «التقريب» أنه مات سنة ٨٨ فالله أعلم. وخلاصة القول أنه ليس لدينا نص تقوم به الحجة على أن أحدا من الصحابة كان في عهد عملية التغيير هذه، فمن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل فما جاء في «شرح مسلم» (٥/ ١٣١٤) أن ذلك كان في عهد الصحابة لعل مستنده تلك الرواية المعضلة أو المرسلة وبمثلها لا تقوم حجة على أنها أخص من الدعوى فإنها لو صحت إنما تثبت وجود واحد من الصحابة حينذاك لا (الصحابة). وأما قول بعض من كتب في هذه المسألة بغير علم: «فمسجد النبي - ﷺ - منذ وسعه عثمان ﵁ وأدخل في المسجد ما لم يكن منه، فصارت القبور الثلاثة محاطة بالمسجد لم ينكر أحد من السلف ذلك». فمن جهالاتهم التي لا حدود لها! - ولا أريد أن أقول: إنها من افتراءاتهم- فإن أحدا من العلماء لم يقل إن إدخال القبور الثلاثة كان في عهد عثمان ﵁، بل اتفقوا على أن ذلك كان في عهد الوليد بن عبد الملك كما سبق أي بعد عثمان بنحو نصف قرن ولكنهم يهرفون بما لا يعرفون. ذلك لأن عثمان ﵁ فعل خلاف ما نسبوا إليه فإنه لما وسع المسجد النبوي الشريف احترز من الوقوع في مخالفة الأحاديث المشار إليها فلم يوسع المسجد من جهة الحجرات ولم يدخلها فيه وهذا عين ما صنعه سلفه عمر بن الخطاب ﵃ جميعا بل أشار هذا إلى أن التوسيع من الجهة المشار إليها فيه المحذور المذكور في الأحاديث المتقدمة كما سيأتي ذلك عنه قريبا وأما قولهم: «ولم ينكر أحد من السلف ذلك». فنقول: وما أدراكم بذلك؟! فإن من أصعب الأشياء على العقلاء إثبات نفي شيء يمكن أن يقع ولم يعلم كما هو معروف عند العلماء لأن ذلك يستلزم الاستقراء التام والإحاطة بكل ما جرى، وما قيل حول الحادثة التي يتعلق بها الأمر المراد نفيه عنها، وأنى لمثل هذا البعض المشار إليه أن يفعلوا ذلك لو استطاعوا ولو أنهم راجعوا بعض الكتب لهذه المسألة لما وقعوا في تلك الجهالة الفاضحة ولو جدوا ما يحملهم على أن لا ينكروا ما لم يحيطوا بعلمه فقد قال الحافظ ابن كثير في تاريخه (٧٥ ج ٩) بعد أن ساق قصة إدخال القبر النبوي في المسجد: «ويحكي أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدًا». وأنا لا يهمني كثيرا صحة هذه الرواية أو عدم صحتها لأننا لا نبني عليها حكما شرعيا لكن الظن بسعيد بن المسيب وغيره من العلماء الذين أدركوا ذلك التغيير أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار لمنافاته تلك الأحاديث المتقدمة منافاة بينة وخاصة منها رواية عائشة التي تقول: «فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» فما خشي الصحابة ﵃ قد وقع- مع الأسف الشديد- بإدخال القبر في المسجد إذ لا فارق بين أن يكونوا دفنوه - ﷺ - حين مات في المسجد- وحاشاهم عن ذلك- وبين ما فعله الذين بعدهم من إدخال قبره في المسجد بتوسيعه، فالمحذور حاصل على كل حال كما تقدم عن الحافظ العراقي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ويؤيد هذا الظن أن سعيد بن المسيب أحد رواة الحديث الثاني كما سبق، فهل اللائق بمن يعترف بعلمه وفضله وجرأته في الحق أن يظن به أنه أنكر على من خالف الحديث الذي هو أحد رواته أم أن ينسب إليه عدم إنكاره ذلك كما زعم هؤلاء المشار إليهم حين قالوا «لم ينكر أحد من السلف ذلك»! والحقيقة أن قولهم هذا يتضمن طعنا ظاهرًا- لو كانوا يعلمون- في جميع السلف، لأن إدخال القبر إلى المسجد منكر ظاهر عند كل من علم بتلك الأحاديث المتقدمة وبمعانيها ومن المحال أن ننسب إلى جميع السلف جهلهم بذلك، فهم، أو على الأقل بعضهم يعلم ذلك يقينًا، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من القول بأنهم أنكروا ذلك، ولو لم نقف فيه على نص لأن التاريخ لم يحفظ لنا كل ما وقع، فكيف يقال: إنهم لم ينكروا ذلك؟ اللهم غفرًا. ومن جهالتهم قولهم عطفًا على قولهم السابق: «وكذا مسجد بني أمية دخله المسلمون دمشق من الصحابة وغيرهم والقبر ضمن المسجد لمن ينكر أحد ذلك». إن منطق هؤلاء عجيب غريب! إنهم ليتوهمون أن كل ما يشاهدونه الآن في مسجد بني أمية كان موجودًا في عهد منشئه الأول الوليد بن عبد الملك، فهل يقول بهذا عاقل؟ كلا لا يقول ذلك غير هؤلاء! ونحن نقطع ببطلان قولهم وأن أحدا من الصحابة والتابعين لم ير قبرًا ظاهرًا في مسجد بني أمية أو غيره، بل غاية ما جاء فيه بعض الروايات عن زيد بن أرقم بن واقد أنهم في أثناء العمليات وجدوا مغارة فيها صندوق فيه سفط (وعاء كالقفة) وفي السفط رأس يحيى بن زكريا ﵉ مكتوب عليه: هذا رأس يحيى ﵇ فأمر به الوليد فرد إلى المكان وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة فجعل عليه عمود مسبك بسفط الرأس. رواه أبو الحسن الربعي في «فضائل الشام» (٣٣) ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخه» (ج ٢ ق ٩/ ١٠) وإسناده ضعيف جدًا، فيه إبراهيم بن هشام الغساني كذبه أبو حاتم وأبو زرعة وقال الذهبي «متروك».ومع هذا فإننا نقطع أنه لم يكن في المسجد صورة قبر حتى أواخر القرن الثاني لما أخرجه الربعي وبن عساكر عن الوليد بن مسلم أنه سئل أين بلغك رأس يحيى بن زكريا؟ قال: بلغني أنه ثم وأشار بيده إلى العمود المسفط الرابع من الركن الشرقي، فهذا يدل على أنه لم يكن هناك قبر في عهد الوليد بن مسلم وقد توفي سنة أربع وتسعين ومائة. وأما كون ذلك الرأس هو رأس يحيى ﵇ فلا يمكن أن إثباته، ولذلك اختلف المؤرخون اختلافا كثيرًا، وجمهورهم على أن رأس يحيى ﵇ مدفون في مسجد حلب ليس في مسجد دمشق كما حققه شيخنا في الإجازة العلامة محمد راغب الطباخ في بحث له نشره في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (ج ١ ص ٤١ - ١٤٨٢) تحت عنوان «رأس يحيى ورأس زكريا» فليراجعه من شاء. ونحن لا يهمنا من الوجهة الشرعية ثبوت هذا أو ذاك، وسواء عندنا أكان الرأس الكريم في هذا المسجد أو ذاك، بل لو تيقنَّا عدم وجوده في كل من المسجدين فوجود صورة القبر فيهما كاف في المخالفة، لأن أحكام الشريعة المطهرة إنما تبنى عل الظاهر لا الباطن كما هو معروف، وسيأتي ما يشهد لهذا من كلام بعض العلماء، وأشد ما تكون المخالفة إذا كان القبر في قبلة المسجد، كما هو الحال في مسجد حلب ولا منكر لذلك من علمائها! واعلم أنه لا يجدي في رفع المخالفة أن القبر في المسجد ضمن مقصورة كما زعم مؤلفو الرسالة لأنه على كل حال ظاهر ومقصود من العامة وأشباههم من الخاصة بما لا يقصد به إلا الله تعالى؛ من التوجه إليه والاستغاثة به من دون الله ﵎ فظهور القبر هو سبب المحذور كما سيأتي عن النووي ﵀. وخلاصة الكلام أن قول من أشرنا إليهم أن قبر يحيى ﵇ كان ضمن المسجد الأموي منذ دخل دمشق الصحابة وغيرهم لم ينكر ذلك أحد منهم إن هو إلا محض اختلاق!. [منه].
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في «كتاب أخبار المدينة» مدينة الرسول - ﵌ - عن أشياخه عمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبًا
[ ٢ / ٣٢٩ ]
للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي - ﵌ - فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه».
يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وإن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته - ﵌ -، فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضا لصنيع عمر وعثمان حين وسعا المسجد، ولم يدخلا القبر فيه.
ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطرا إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو ﵁ بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة بل قال «إنه لا سبيل إليها» (١) فأشار ﵁ إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد.
ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين،
_________________
(١) انظر «طبقات ابن سعد» (٤/ ٢١) و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (٨/ ٤٧٨/٢)، وقال السيوطي في «الجامع الكبير» (٣/ ٢٧٢/٢): وسنده صحيح إلا أن سالما أبا النضر لم يدرك عمر و«وفاء الوفاء» للسمهودي (١/ ٣٤٣) و«المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية» للعلامة محمد سلطان العصومي رحمه الله تعالى (ص ٤٣) وهو مؤلف رسالة «هداية السلطان إلى بلاد اليابان» التي ادعى أحد الدكاترة أنها ليست له وإنما لبعض إخواننا! مع أنني تناولتها منه هدية مطبوعة حين زرته في مكة في حجتي الأولى سنة ١٣٦٨ هـ. [منه].
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئًا ما فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم قال النووي في «شرح مسلم» (٥/ ١٤):
«ولما احتاجت الصحابة (١) والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله - ﵌ - حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله - ﵌ - وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد (٢)
فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني
_________________
(١) عزو هذا إلى الصحابة لا يثبت كما تقدم (- ﷺ -. . .) فتنبه. [منه].
(٢) في هذا دليل واضح على أن ظهور القبر في المسجد ولو من وراء النوافذ والحديد والأبواب لا يزيل المحذور، كما هو الواقع في قبر يحيى ﵇ في مسجد بني أمية في دمشق وحلب، ولهذا نص أحمد على أن الصلاة لا تجوز في المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين حائط المسجد وبين المقبرة حائل آخر كما سيأتي فكيف إذا كان القبر في قبلة المسجد من الداخل ودون جدار حائل؟ ومن ذلك تعلم أن قول بعضهم: «إن الصلاة في المسجد الذي به قبر كمسجد النبي - ﷺ - ومسجد بني أمية لا يقال إنها صلاة في الجبانة فالقبر ضمن مقصورة مستقل بنفسه عن المسجد فما المانع من الصلاة فيه» فهذا قول لم يصدر عن علم وفقه لأن المانع بالنسبة للمسجد الأموي لا يزال قائما وهو ظهور القبر من وراء المقصورة والدليل على ذلك قصد الناس للقبر والدعاء عنده وبه والاستغاثة به من دون الله، وغير ذلك مما لا يرضاه الله، والشارع الحكيم إنما نهى عن بناء المساجد على القبور سدًا للذريعة ومنعًا لمثل هذه الأمور التي تقع عند هذا القبر كما سيأتي بيانه، فما قيمة هذه المقصورة حينئذ مع وقوع هذه المنكرات وغيرها عند القبر؟! بل إن إحاطة القبر بهذه المقصورة على هذا الشكل المزخرف، إنما هي نوع آخر من المنكر الذي يحمل الناس على معصية الله ورسوله - ﷺ -، وتعظيم صاحب القبر بما لا يجوز شرعًا، مما هو مشاهد معروف، وسبقت الإشارة إلى بعضه. ثم ألا يكفي في إثبات المانع أن الناس يستقبلون القبر عند الصلاة قصدًا وبدون قصد، ولعل أولئك المشار إليهم وأمثالهم يقولون: لا مانع أيضا من هذا الاستقبال لوجود فاصل بين المصلين والقبر ألا وهو نوافذ القبر وشبكته النحاسية فنقول لو كان هذا المانع كافيا في المنع لما أحاطوا القبر النبوي الشريف بجدار مرتفع مستدير ولم يكتفوا بذلك، بل بنو جدارين يمنعون بهما من استقبال القبر. ولو كان وراء الجدار المستدير! وقد صح عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: أتكره أن تصلي في وسط القبور؟ أو في مسجد إلى قبر؟ قال: نعم كان ينهى عن ذلك أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١/ ٤٠٤).فإذا كان هذا التابعي الجليل (عطاء بن أبي رباح) لم يعتبر جدار المسجد فاصلًا بين المصلى وبين القبر وهو خارج المسجد. فهل يعتبر فاصلًا النوافذ والشبكة والقبر في المسجد؟! فهل في هذا ما يقنع أولئك الكاتبين بجهلهم وخطئهم، وهجومهم على القول بما لا علم لهم به؟ لعل وعسى. وأما المسجد النبوي الكريم، فلا كراهة في الصلاة فيه خلافا لما افتروه علينا وسيأتي تفصيل القول فيه في «الفصل السابع» إن شاء الله تعالى. على أني لا أريد أن يفوتني أن أنبه القراء الكرام على أن أولئك الكاتبين يعترفون بكلمتهم السابقة في أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر غير محاط بمقصورة أنها صلاة مكروهة لانتفاء العلة التي من أجلها نفوا الكراهة عن الصلاة في مسجد بني أمية بزعمهم فهل لهم أن يجهروا للناس باعترافهم هذا؟ أم هو شيء اضطرهم إلى القول به التهرب من معارضة الأحاديث السابقة علنًا وإن كانوا لا يدعون الناس إلى العمل به لغاية لا تخفى على العقلاء؟!. [منه].
[ ٢ / ٣٣١ ]
القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر».
ونقل الحافظ ابن رجب في «الفتح» نحوه عن القرطبي كما في «الكواكب» (٦٥/ ٩١/١) وذكر ابن تيمية في «الجواب الباهر» (ق ٩/ ٢):
«أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سد بابها، وبني عليها حائط آخر صيانة له - ﵌ - أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا».
قلت: ومما يؤسف له أن هذا البناء قد بني عليه منذ قرون- إن لم يكن قد أزيل- تلك القبة الخضراء العالية وأحيط القبر الشريف بالنوافذ النحاسية والزخارف والسجف وغير ذلك مما لا يرضاه صاحب القبر نفسه - ﵌ -.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
بل قد رأيت حين زرت المسجد النبوي الكريم وتشرفت بالسلام على رسول الله - ﵌ - سنة ١٣٦٨ هـ رأيت في أسفل حائط القبر الشمالي محرابًا صغيرًا ووراءه سدة مرتفعة عن أرض المسجد قليلا، إشارة إلى أن هذا المكان خاص للصلاة وراء القبر فعجبت حينئذ كيف ضلت هذه الظاهرة الوثنية قائمة حتى في عهد
دولة التوحيد!
أقول هذا مع الاعتراف بأنني لم أر أحدًا يأتي ذلك المكان للصلاة فيه، لشدة المراقبة من قبل الحرس الموكلين على منع الناس من أن يأتوا بما يخالف الشرع عند القبر الشريف فهذا مما تشكر عليه الدولة السعودية، ولكن هذا لا يكفي ولا يشفي وقد كنت قلت منذ ثلاث سنوات في كتابي «أحكام الجنائز وبدعها» (٢٠٨ من أصلي):
«فالواجب الرجوع بالمسجد النبوي إلى عهده السابق، وذلك بالفصل بينه وبين القبر النبوي بحائطٍ، يمتد من الشمال إلى الجنوب بحيث أن الداخل إلى المسجد لا يرى فيه أي محالفة لا ترضى مؤسسه - ﵌ - اعتقد أن هذا من الواجب على الدولة السعودية إذا كانت تريد أن تكون حامية التوحيد حقا وقد سمعنا أنها أمرت بتوسيع المسجد مجددا فلعلها تتبنى اقتراحنا هذا وتجعل الزيادة من الجهة الغربية وغيرها وتسد بذلك النقص الذي سيصيبه سعة المسجد إذا نفذ الاقتراح أرجو أن يحقق الله ذلك على يدها ومن أولى بذلك منها؟».
ولكن المسجد وسع منذ سنتين تقريبا دون إرجاعه إلى ما كان عليه في عهد الصحابة والله المستعان.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الجواب عن الشبهة الثالثة:
وأما الشبهة الثالثة وهي أن النبي - ﵌ - صلى في مسجد الخيف وقد ورد في الحديث أن فيه قبر سبعين نبيًاّ!
فالجواب:
إننا لا نشك في صلاته - ﵌ - في هذا المسجد ولكننا نقول: إن ما ذكر في الشبهة من أنه دفن فيه سبعون نبيا لا حجة فيه من وجهين:
الأول: أننا لا نسلم صحة الحديث المشار إليه، لأنه لم يروه أحد ممن عني بتدوين الحديث الصحيح ولا صححه أحد ممن يوثق بتصحيحه من الأئمة المتقدمين ولا النقد الحديثي يساعد على تصحيحه، فإن في إسناده من يروي الغرائب وذلك مما يجعل القلب لا يطمئن لصحة ما تفرد به.
قال الطبراني في «معجمه الكبير» (٣/ ٢٠٤/٢): «حدثنا عبدان بن أحمد نا عيسى بن شاذان نا أبو همام الدلال نا إبراهيم بن طمهان عن منصور عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: «في مسجد الخيف قبر سبعين نبيًا».
وأورده الهيثمي «المجمع» (٣/ ٢٩٨) بلفظ:
« قبر سبعون نبيا»، وقال: «رواه البزار ورجاله ثقات».
وهذا قصور منه في التخريج فقد أخرجه الطبراني أيضا كما رأيت.
قلت: ورجال الطبراني ثقات أيضا غير عبدان بن أحمد وهو الأهوازي كما ذكر الطبراني في «المعجم الصغير» (ص ١٣٦) ولم أجد له ترجمة وهو غير عبدان بن محمد المروزي وهو من شيوخ الطبراني أيضا في «الصغير» (ص١٣٦)
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وغيره وهو ثقة حافظ له ترجمة في «تاريخ بغداد» (١١/ ١٣٥) و«تذكرة الحفاظ» (٢/ ٢٣٠) وغيرها.
لكن في رجال هذا الإسناد من يروي الغرائب مثل عيسى بن شاذان، قال فيه ابن حبان في «الثقات»: «يغرب».
وإبراهيم بن طهمان، قال فيه ابن عمار الموصلي: «ضعيف الحديث مضطرب الحديث».
وهذا على إطلاقه وإن كان مردودًا على ابن عمار فهو يدل على أن في حديث ابن طهمان شيئًا، ويؤيده قول ابن حبان في «ثقات أتباع التابعين» (٢/ ١٠):
«أمره مشتبه له مدخل في الثقات، ومدخل في الضعفاء وقد روى أحاديث مستقيمة تشبه أحاديث الأثبات، وقد تفرد عن الثقات بأشياء معضلان سنذكره إن شاء الله في كتاب الفصل بين النقلة إن قضى الله سبحانه ذلك وكذلك كل شيءٍ توقفنا في أمره ممن له مدخل في الثقات».
ولذلك قال فيه الحافظ ابن حجر في «التقريب»: «ثقة يغرب» وشيخه منصور - وهو ابن المعتمر- ثقة، وقد روى له ابن طهمان حديثا آخر في مشيخته (٢٤٤/ ٢) (١).
فالحديث من غرائبه أو من غرائب ابن شاذان (٢).
_________________
(١) مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق. [منه].
(٢) ثم رأيته قد توبع فقد وقفت على إسناد البزار للحديث في «زوائده» (ص ١٢٣ مصورة المكتب الإسلامي) فإذا هو يقول: حدثنا إبراهيم عن المستمر العروقي ثنا محمد ثنا إبراهيم بن طهمان به وقال البزار «تفرد به إبراهيم عن منصور ولا نعلمه عن ابن عمر بأحسن من هذا إسنادا». وهذه متابعة لا بأس بها العروقي-بالقاف- صدوق يغرب كما في «التقريب».فالعهدة في الحديث على ابن طهمان، وجرى الهيثمي على ظاهر إسناده فقال في «زوائد البزار»: «قلت: هو إسناد صحيح».ولعل قوله السابق «ورجاله ثقات» أدق لما ذكرنا من الغرابة ذلك لأن مثل هذه الكلمة لا تقتضي الصحة كما لا يخفى على من مارس هذه الصناعة، لأن عدالة الرواة وثقتهم شرط واحد من شروط الصحة الكثيرة، بل إن العالم لا يلجأ إلى هذه الكلمة معرضًا عن التصريح بالصحة، إلا لأنه يعلم أن في السند مع ثقة رجاله علة تمنع من القول بصحته، أو على الأقل لم يعلم تحقق الشروط الأخرى فيه فلذلك لم يصرح بصحته، وهذه مسألة مهمة طالما غفل عنها المبتدئون في هذا العلم الشريف وغيرهم ولذلك نبهت عليها في مقدمة كتابي «تمام المنة على فقه السنة للسيد سابق». هذا ولو كنت محتجًا بما ليس صوابًا عندي لاحتججت على تصحيح بعض المعاصرين المقلدين للحديث بأن السيوطي ضعفه بالرمز إليه بالضعف في «الجامع الصغير» وقع ذلك في النسخة المطبوعة بمطبعة بولاق بمصر، وفي النسخة التي عليها شرح المناوي وفي نسخة خطية في المكتبة الظاهرية (٢٣٢٩ عام) وغيرها ولكن لا أثق برموز (الجامع الصغير) لأسباب ذكرتها في المقدمة المذكورة آنفا ثم في مقدمته كتابي «صحيح الجامع الغير وزياداته» و«وضعيف الجامع الصغير وزياداته»، ولكن على الرغم من ذلك، فالتضعيف وارد عليهم لأنهم لا تحقيق عندهم بل هم مقلدون في كل شيء باعترافهم فغالب الظن أنهم يعتدون بتلك الرموز وعليه فالتضعيف المذكور حجة عليهم إن أنصفوا. [منه].
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وأنا أخشى أن يكون الحديث تحرف على أحدهما فقال: «قُبر» بدل «صلى»، لأن هذا اللفظ الثاني هو المشهور في الحديث فقد أخرج الطبراني في «الكبير» (٣/ ١٥٥١) بإسناد رجاله ثقات عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا: «صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا » الحديث.
وكذلك رواه الطبراني في «الأوسط» (١/ ١١٩/٢ - زوائده) (١) وعنه المقدسي في «المختارة» (٢٤٩/ ٢) والمخلص في «الثالث من السادس من المخلصيات» (٧٠/ ١) وأبو محمد بن شيبان العدل في «الفوائد» (٢/ ٢٢٢/٢)
_________________
(١) مخطوط ناقص الأول والآخر محفوظ في المكتبة الظاهرية ومنه نسخة كاملة في مكتبة الحرم المكي. [منه].
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وقال المنذري (٢/ ١١٦):
«رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن» ولا شك في حسن الحديث عندي، فقد وجدت له طريقًا أخرى عن ابن عباس رواه الأزرقي في «أخبار مكة» (ص ٣٥) عنه موقوفا عليه وإسناده يصلح للاستشهاد به، كما بينته في كتابي الكبير «حجة الوداع» (ولم ينجز بعد).
ثم رواه الأزرقي (ص ٣٨) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن عباس به موقوفا. فهذا هو المعروف في هذا الحديث
والله أعلم.
وجملة القول أن الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لصحته فإن صح فالجواب عنه من الوجه الآتي وهو:
الثاني: أن الحديث ليس فيه أن القبور ظاهرة في مسجد الخيف، وقد عقد الأزرقي في تاريخ مكة (٤٠٦ - ٤١٠) عدة فصول في وصف مسجد الخيف، فلم يذكر أن فيه قبورًا بارزة، ومن المعلوم أن الشريعة إنما تبنى أحكامها على الظاهر، فإذا ليس في المسجد المذكور قبور ظاهرة، فلا محظور في الصلاة فيه البتة، لأن القبور مندرسة ولا يعرفها أحد بل لولا هذا الخبر الذي عرفت ضعفه لم يخطر في بال أحد أن في أرضه سبعين قبرًا! ولذلك لا يقع فيه تلك المفسدة التي تقع عادة في المساجد المبنية على القبور الظاهرة والمشرفة.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
الجواب عن الشبهة الرابعة:
وأما ما ذكر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل ﵇ وغيره في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى فيه فالجواب:
لا شك أن المسجد الحرام أفضل المساجد والصلاة فيه بمائة ألف صلاة (١)، ولكن هذه الفضيلة أصلية فيه منذ رفع قواعده إبراهيم مع ابنه إسماعيل ﵉ ولم تطرأ هذه الفضيلة عليه بدفن إسماعيل ﵇ فيه لو صح أنه دفن فيه، ومن زعم خلاف ذلك فقد ضل ضلالا بعيدا وجاء بما لم يقله أحد من السلف الصالح ﵃، ولا جاء به حديث تقوم الحجة به.
فإن قيل: لا شك فيما ذكرت، ودفن إسماعيل فيه لا يخالف ذلك، ولكن ألا يدل هذا على الأقل على عدم كراهية الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؟
فالجواب: كلا ثم كلا وهاك البيان من وجوه:
الأول: أنه لم يثبت في حديث مرفوع أن إسماعيل ﵇ أو غيره من الأنبياء الكرام دفنوا في المسجد الحرام، ولم يرد شيء من ذلك في كتاب من كتب السنة المعتمدة كالكتب الستة، ومسند أحمد، ومعاجم الطبراني الثلاثة وغيرها من الدواوين المعروفة، وذلك من أعظم علامات كون الحديث ضعيفا بل موضوعا عند بعض المحققين (٢).
_________________
(١) وقد خرجت بعض الأحاديث الواردة في ذلك في «إرواء الغليل» (٩٧١ و١١٢٩). [منه].
(٢) نقل السيوطي في «التدريب» عن ابن الجوزي «قال»: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين العقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع. قال: ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجا من دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة «. كذا في «الباعث الحثيث» (ص ٨٥ من الطبعة الثانية). [منه].
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وغاية ما روي في ذلك من آثار معضلات، بأسانيد واهيات موقوفات أخرجها الأزرقي في «أخبار مكة» (ص ٣٩ و٢١٩ و٢٢٠) فلا يلتفت إليها وإن ساقها بعض المبتدعة مساق المسلمات (١).
ونحو ذلك ما أورد السيوطي في «الجامع» من رواية الحاكم في «الكنى» عن عائشة مرفوعا بلفظ:
«إن قبر إسماعيل في الحجر».
الوجه الثاني: أن القبور المزعوم وجودها في المسجد الحرام غير ظاهرة ولا بارزة، ولذلك لا تقصد من دون الله تعالى، فلا ضرر من وجودها في بطن أرض
_________________
(١) » انظر إحياء المقبور «(٤٧ - ٤٨). ومن عجائب الجهل بالسنة أن بعض المفسرين المتأخرين احتج بهذه الآثار الواهية على جواز الصلاة في المقبرة بقصد الاستظهار بروح الميت أو وصول أثر ما من أثر عبادته إليه (!) لا للتعظيم له والتوجه نحوه وهذا مع أنه لا دليل فيها على ما زعمه من الجواز، فهو مخالف لعموم الأدلة الناهية عن الصلاة في المقبرة وما شابهها من المساجد المبنية على القبور ولهذا رد المناوي احتجاج المفسر المشار إليه بقوله: «لكن خبر الشيخين كراهة (!) بناء المساجد على القبور مطلقا والمراد قبور المسلمين خشية أن يعبد فيها المقبور لقرينة خبر: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٢١٤) متعقبًا عليه أيضًا: «قوله: (لا لتعظيم له) يقال: قصد التبرك به تعظيم له ثم أحاديث النهي مطلقة، ولا دليل على التعليل بما ذكر والظاهر أن العلة سد للذريعة والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان، الذين يعظمون الجمادات التي لا تنفع ولا تضر، ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية، ولأنه سبب لإيقاد السرج عليها الملعون فاعله ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر» قلت: وقوله «الملعون فاعله» يشير إلى حديث ابن عباس الذي بينت ضعفه فيما سبق (ص. . . .) فتنبه. [منه].
[ ٢ / ٣٣٩ ]
المسجد فلا يصح حينئذ الاستدلال بهذه الآثار على جواز اتخاذ المساجد على قبور مرتفعة على وجه الأرض، لظهور الفرق بين الصورتين وبهذا أجاب الشيخ على القاري رحمه الله تعالى فقال في «مرقاة المفاتيح» (١/ ٤٥٦) بعد أن حكى قول المفسر الذي أشرت إليه في التعليق:
«وذكر غيره أن صورة قبر إسماعيل ﵇ في الحجر تحت الميزاب، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا».قال القاري:
«وفيه أن صورة قبر إسماعيل ﵇ وغيره مندرسة، فلا يصلح الاستدلال» وهذا جواب عالم نحرير، وفقيه خريت، وفيه الإشارة إلى ما ذكرناه آنفا، وهو أن العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة، وأن ما في بطن الأرض من القبور فلا يرتبط به حكم شرعي من حيث الظاهر، بل الشريعة تنزه عن مثل هذا الحكم لأننا نعلم بالضرورة والمشاهدة أن الأرض كلها مقبرة الأحياء كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال الشعبي: «بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم» (١).
ومنه قول الشاعر:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد؟
خفف الوطأ ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
سر إن استطعت في الهواء رويدا لا اختيالًا على رفات العباد
ومن البين الواضح أن القبر إذا لم يكن ظاهرًا غير معروف مكانه فلا يترتب
_________________
(١) رواه الدولابي (١/ ١٢٩) عنه ورجاله ثقات. [منه].
[ ٢ / ٣٤٠ ]
من وراء ذلك مفسدة كما هو مشاهد حيث ترى الوثنيات والشركيات إنما تقع عند القبور المشرفة، حتى ولو كانت مزورة! لا عند القبور المندرسة، ولو كانت حقيقية، فالحكمة تقتضي التفريق بين النوعين، وهذا ما جاءت به الشريعة كما بينا سابقًا، فلا يجوز التسوية بينهما، والله المستعان.
الجواب عن الشبهة الخامسة:
أما بناء أبي جندل ﵁ مسجدًا على قبر أبي بصير ﵁ في عهد النبي - ﵌ -، فشبهة لا تساوي حكايتها ولولا أن بعض ذوي الأهواء من المعاصرين اتكأ عليها في رد تلك الأحاديث المحكمة لما سمحت لنفسي أن أسود الصفحات في سبيل الجواب عنها وبيان بطلانها والكلام عليها من وجهين:
الأول: رد ثبوت البناء المزعوم من أصله، لأنه ليس له إسناد تقوم الحجة به، ولم يروه أصحاب «الصحاح» و«السنن» و«المسانيد» وغيرهم وإنما أورده ابن عبد البر في ترجمة أبي بصير من «الاستيعاب» (٤/ ٢١ - ٢٣) مرسلا فقال:
«وله قصة في المغازي عجيبة ذكرها ابن إسحاق وغيره وقد رواها معمر عن ابن شهاب. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب في قصة القضية عام الحديبية، قال:
ثم رجع رسول الله - ﵌ - فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلت قريش في طلبه رجلين، فقالا لرسول الله - ﵌ -:
العهد الذي جعلت لنا أن ترد إلينا كل من جاءك مسلمًا، فدفعه النبي - ﵌ - إلى الرجلين فخرجا حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدًا يا فلان! فاستله الآخر، وقال: أجل
[ ٢ / ٣٤١ ]
والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال له أبو بصير أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الأخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد بعده فقال له النبي - ﵌ - حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى إلى النبي - ﵌ - قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال يا رسول الله قد والله وفى الله ذمتك: قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم فقال النبي - ﵌ -: «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد».فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظًا وأكمل سياقه قال: وكتب رسول الله - ﵌ - إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين فقدم كتاب رسول الله - ﵌ - على أبي جندل وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله - ﵌ - بيده يقرؤه فدفنه أبو جندل مكانه وصلى عليه وبنى على قبرِه مسجدًا».
قلت: فأنت ترى أن هذه القصة مدارها على الزهري فهي مرسلة على اعتبار انه تابعي صغير، سمع من أنس بن مالك ﵁ وإلا فهي معضلة وكيف ما كان الأمر فلا تقوم بها حجة على أن موضع الشاهد منها وهو قوله: «وبنى على قبره مسجدًا» لا يظهر من سياق ابن عبد البر للقصة أنه من مرسل الزهري ولا من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه بل هو من رواية موسى بن عقبة كما صرح به ابن عبد البر لم يجاوزه وابن عقبة لم يسمع أحدا من الصحابة فهذه الزيادة أعني قوله «وبنى على قبره مسجدا» معضلة (١).
_________________
(١) ولا تغتر أيها القارئ بما فعله هنا مؤلف «إحياء المقبور» فإنه ساق (ص ٤٤) القصة التي أوردناها في الأعلى من طريق ابن عبد البر غير أن المؤلف حذف من كلامه «وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر» ووصل رواية عبد الرزاق عن الزهري برواية موسى بن عقبة حتى صارتا كأنهما رواية واحدة وبدا للناظر في سياقه أن القصة بناء المسجد على القبر هي من رواية عبد الرزاق عن الزهري وإنما هي من رواية موسى بن عقبة بدون إسناد! ثم وقفت على رواية موسى بن عقبة في «تاريخ ابن عساكر» (٨/ ٣٣٤/١) رواه بإسنادين عنه عن ابن شهاب مرسلا ومعضلا بلفظ: «وجعل عند قبره مسجدا» وهذا اللفظ- لو صح- أقل مخالفة لأنه ليس نصًا في أن البناء كان على القبر بل عنده وشتان ما بينهما وليس فيه أيضا أن أبا جندل هو الذي بنى المسجد فتأمل. [منه].
[ ٢ / ٣٤٢ ]
بل هي عندي منكرة لأن القصة رواها البخاري في «صحيحة» (٥/ ٣٥١ - ٣٧١) وأحمد في «مسنده» (٤/ ٣٢٨ - ٣٣١) موصولة من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة وكذلك أوردها ابن إسحاق في «السيرة» عن الزهري مرسلا كما في «مختصر السيرة» لابن هشام (٣/ ٣٣١ - ٣٣٩) ووصله أحمد (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٦) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم وليس فيها هذه الزيادة، وكذلك رواه ابن جرير في تاريخه (٣/ ٢٧١ - ٢٨٥) من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة، فدل ذلك كله على أنها زيادة منكرة؛ لإعضالها، وعدم رواية الثقات لها. والله تعالى هو الموفق.
الوجه الثاني: أن ذلك لو صح لم يجز أن ترد به الأحاديث الصريحة، في تحريم بناء المساجد على القبور لأمرين:
أولا: أنه ليس في القصة أن النبي - ﵌ - اطلع على ذلك وأقره.
ثانيا: أنه لو فرضنا أن النبي - ﵌ - علم بذلك وأقره فيجب أن يحمل ذلك على أنه قبل التحريم لأن الأحاديث صريحة في أن النبي - ﵌ - حرم ذلك في آخر حياته كما سبق فلا يجوز أن يترك النص المتأخر من أجل النص المتقدم على فرض صحته عند التعارض وهذا بين لا يخفى نسأل الله تعالى أن يحمينا من إتباع الهوى.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
الجواب عن الشبهة السادسة:
وهي الزعم بأن المنع إنما كان لعلة، وهي خشية الافتتان بالمقبور، وقد زالت، فزال المنع!!
لا أعلم أحدا من العلماء ذهب إلى القول بهذه الشبهة إلا مؤلف «إحياء المقبور» فإنه تمسك بها وجعلها عمدته في رد تلك الأحاديث المتقدمة واتفاق الأمة عليها فقال ما نصه (ص ١٨ - ١٩):
«وأما النهي عن بناء المساجد على القبور فاتفقوا على تعليله بعلتين: إحداهما أن يؤدي إلى تنجيس المسجد (١) وثانيهما وهو قول الأكثرين بل الجميع حتى من نص على العلة السابقة أن ذلك قد يؤدي إلى الضلال والفتنة بالقبر، لأنه إذا وقع بالمسجد وكان قبر ولي مشهور بالخير والصلاح لا يؤمن مع طول المدة أن يزيد اعتقاد الجهلة فيه ويؤدي بهم إلى فرط التعظيم إلى قصد الصلاة إليه، إذا كان في قبلة المسجد، فيؤدي بهم ذلك إلى الكفر والإشراك».
ثم ساق شيئًا من النقول في العلة المذكورة عن بعض العلماء منهم الإمام الشافعي وقد تقدم نصه في ذلك (- ﷺ -. . . ..) ثم قال المؤلف المشار إليه (ص ٢٠ - ٢١):
«فالعلة المذكورة قد انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين، ونشأتهم على التوحيد الخالص، واعتقاد نفي الشريك مع الله تعالى، وأنه سبحانه المنفرد بالخلق والإيجاد والتصريف (!) وبانتفاء العلة ينتفي الحكم المترتب عليها، وهو
_________________
(١) قلت: وهذه العلة باطلة من وجوه لا مجال لبيانها الآن ومن أدلة ذلك بخصوص قبور الأنبياء أن أجسادهم لا تبلى كما صح عن رسول الله - ﷺ - فكيف تنجس الأرض بهم؟!. [منه].
[ ٢ / ٣٤٤ ]
كراهة اتخاذ المساجد والقباب على قبور الأولياء والصالحين»!
قلت: والجواب: أن يقال: أثبت العرش ثم انقش!
أثبت أولًا أن الخشية المذكورة هي وحدها علة النهي، ثم أثبت أنها قد انتفت، ودون ذلك خرط القتاد.
أما الأول، فإن لا دليل مطلقا على أن العلة هي الخشية المذكورة فقط نعم من الممكن أن يقال: انها بعض العلة وأما حصولها بها فباطل، لأن من الممكن أيضا أن يضاف إليها أمور أخرى معقولة كالتشبه بالنصارى، كما تقدم في كلام الفقيه الهيتمي، والمحقق الصنعاني، وكالإسراف في صرف المال فيما لا فائدة فيه شرعًا، وغير ذلك مما قد يبدو للباحث الناقد.
وأما زعمه أن العلة انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين إلخ. فهو زعم باطل أيضًا وبيانه من وجوه:
الأول: أن الزعم بني على أصل باطل، وهو أن الإيمان بأن الله هو المنفرد بالخلق والإيجاد كاف في تحقيق الإيمان المنجي عند الله ﵎، وليس كذلك فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله - ﵌ - كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١).
ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئًا، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة وأنكروه على النبي - ﵌ - أشد الإنكار، بقولهم فيما حكاه الله عنهم
_________________
(١) سورة لقمان الآية ٢٥. [منه].
[ ٢ / ٣٤٥ ]
﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١).
ومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئًا من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به، وجعل له ندًا وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك وهذا مفصل في غير هذا الموضع.
فإذا تبين هذا نعلم أن الإيمان الصحيح غير راسخ في نفوس كثير من المؤمنين بتوحيد الربوبية، ولا أريد أن أبعد بالقارئ الكريم في ضرب الأمثلة فحسبي هنا أن أنقل ما ذكره المؤلف الذي نحن في صدد الرد عليه فإنه قال بعد أسطر من كلامه السابق (ص ٢١ - ٢٢):
«ونراهم (يعني العامة) يحلفون بالأولياء، وينطقون في حقهم بما ظاهره الكفر الصراح بل هو الكفر حقيقة بلا ريب ولا شك فكثير من جهلة العوام بالمغرب ينطق بما هو كفر صراح في حق مولانا عبد القادر الجيلاني ﵁ فإن عندنا بالمغرب من يقول عن القطب الأكبر مولانا عبد السلام بن مشيش ﵁ أنه الذي خلق الدين والدنيا! ومنهم من قال والمطر نازل بشدة: يا مولانا عبد السلام ألطف بعبادك! فهذا كفر! ».
قلت: فهذا الكفر أشد من كفر المشركين، لأن هذا فيه التصريح بالشرك في توحيد الربوبية أيضًا، وهو مما لا نعلم أنه وقع من المشركين أنفسهم! وأما الشرك في الألوهية فهو أكثر في جهَّال هذه الأمة- ولا أقول عوامهم- فإذا كان هذا حال
_________________
(١) سورة ص الآية ٥. [منه].
[ ٢ / ٣٤٦ ]
المسلمين اليوم وقبل اليوم فكيف يقول هذا الرجل:
«وقد انتفت العلة برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين ..»؟!
وإذا كان يريد بـ «المؤمنين» الصحابة ﵃، فلا شك أنهم كانوا مؤمنين حقًا، عالمين بحقيقة التوحيد الذي جاءهم به رسول الله - ﵌ -، ولكن الشريعة الإسلامية شريعة عامة أبدية فلا يلزم من انتفاء العلة- ولو ثبت- بالنسبة إليهم أن ينتفي الحكم بالنسبة لمن بعدهم، لأن العلة لا تزال قائمة، والواقع أصدق شاهد على ذلك.
الوجه الثاني: علمت مما سبق من الأحاديث أن النبي - ﵌ - حذر من اتخاذ المساجد على القبور في آخر حياته، بل في مرض موته فمتى زالت العلة التي ذكرها؟ إن قيل: زالت عقب وفاته - ﵌ - فهذا نقض لما عليه جميع المسلمين أن خير الناس قرنه - ﵌ -، لأن القول بذلك يستلزم- بناء على ما سبق من كلامه- أن الإيمان لم يكن قد رسخ بعد في نفوس الصحابة ﵃ وإنما رسخ بعد وفاته - ﵌ -! ولذلك لم تزل العلة وبقي الحكم وهذا مما لا أتصور أحدًا يقول به لوضوح بطلانه. وإن قيل: زالت قبل وفاته - ﵌ - قلنا: وكيف ذلك وهو - ﵌ - إنما نهى عن ذلك في آخر نفس من حياته؟ ويؤيده:
الوجه الثالث: أن في بعض الأحاديث المتقدمة باستمرار الحكم إلى قيام الساعة كالحديث (١٢).
الوجه الرابع: أن الصحابة ﵃ إنما دفنوه في حجرته - ﵌ - خشية أن يتخذ قبره مسجدا كما تقدم عن عائشة ﵂ في الحديث (٤) [[وكذا الحديث رقم ١]]، فهذه خشية إما أن يقال: إنها كانت منصبة على الصحابة
[ ٢ / ٣٤٧ ]
أنفسهم، أو على من بعدهم، فإن قيل بالأول قلنا فالخشية على من بعدهم أولى وإن قيل بالثاني، وهو الصواب عندنا فهو دليل قاطع على أن الصحابة ﵃ كانوا لا يرون زوال العلة المستلزم زوال الحكم، لا في عصرهم، ولا فيما بعدهم، فالزعم بخلاف رأيهم ضلال بين. ويؤيده:
الوجه الخامس: أن العمل استمر من السلف على هذا الحكم ونحوه مما يستلزم بقاء العلة السابقة وهي خشية الوقوع في الفتنة والضلال فلو أن العلة المشار إليها كانت منتفية لما استمر العمل على معلولها، وهذا بين لا يخفى والحمد لله وإليك بعض الأمثلة على ما ذكرنا:
١ - عن عبد الله بن شرحبيل بن حسنة قال: رأيت عثمان بن عفان يأمر بتسوية القبور فقيل له هذا قبر أم عمرو بنت عثمان! فأمر به فسوي (١).
٢ - عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب:
ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﵌ -؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفًا إلا سويته (٢).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ١٣٨) وأبو زرعة في «تاريخه» (٦٦/ ١٢١، ٢/ ٢) (*) بسند صحيح عن عبد الله هذا وقد أورده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٣/ ٢/٨١٨٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. [منه]. (*) مخطوطان قيمان الأول محفوظ بعض مجلداته في المكتبة الظاهرية، ويوجد منه نسخة تامة في غيرها. والآخر منه نسخة مصورة في المجمع العلمي العربي بدمشق. [منه].
(٢) رواه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٣/ ٧٠) والنسائي (١/ ٢٨٥) والترمذي (٢/ ١٥٣ - ١٥٤) والبيهقي (٤/ ٣) والطيالسي (١/ ١٦٨) وأحمد (رقم ٧٤١، ١٠٦٤) وله طرق عند الطيالسي وأحمد (رقم ٦٥٧ و٦٥٨ و٨٨٩ و١١٧٥ و١١٧٦ و١١٧٧ و١٢٣٨ و١٢٨٣) وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٩) والطبراني في «الصغير» (ص ٢٩): «ولا مخالفة بين هذا الحديث وبين ما ثبت في السنة من مشروعية رفع القبر شبرًا أو شبرين، حتى يتميز فيصان عن أن يهان، لأن المراد به تسوية ما رفع عليه من البناء، وإن قيل بخلافه قال الشيخ علي القارئ في «المرقاة» (٢/ ٣٧٢) في شرح الحديث: «(قبرًا مشرفًا) هو الذي بني عليه حتى ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل والحصباء أو محسومة (!) بالحجارة ليعرف ولا يوطأ، (إلا سويته) في الأزهار: قال العلماء: يستحب أن يرفع القبر قدر شبر ويكره فوق ذلك ويستحب الهدم وفي قدره خلاف قيل إلى الأرض تغليظا، وهذا أقرب إلى اللفظ أي لفظ الحديث من التسوية» وكذا في «تحفة الأحوذي» (٢/ ١٥٤) نقلا عن «المرقاة». [منه].
[ ٢ / ٣٤٨ ]
ولما كان هذا الحديث حجة واضحة على إبطال ما ذهب إليه الشيخ الغماري في كتابه المشار إليه سابقًا حاول التقصي منه من طريقين:
الأول: تأويله، حتى يتفق مع مذهبه.
والآخر: التشكيك في ثبوته فقال (ص ٥٧):
«فلا بد من أحد أمرين: إما أن يكون غير ثابت في نفسه، أو هو محمول على غير ظاهره ولا بد».
قلت: أما ثبوته فلا شك فيه لأن له طرقا كثيرة بعضها في «الصحيح» كما سبق ولكن أصحاب الأهواء لا يلتزمون القواعد العلمية في التصحيح والتضعيف، بل ما كان عليهم ضعفوه ولو كان في نفسه صحيحا كهذا الحديث (١)، وما كان لهم صححوه أو مشوه ولو كان في نفسه ضعيفًا، وسيأتي لذلك بعض الأمثلة الأخرى والله المستعان.
_________________
(١) وكذلك فعل بعض غلاة الشيعة في كتابه «كشف الارتياب» (ص ٣٦٦ فصرح فيه بتضعيف الحديث من طريق مسلم وطعن في رجاله وكلهم ثقات وكذلك غمز من صحته الكوثري الجهمي في «مقالاته» (ص ١٥٩) وهكذا ترى أهل الأهواء على اختلاف مذاهبهم يتتابعون على رد الحديث الصحيح بأوهى الشبه إتباعا لأهوائهم، ونعوذ بالله تعالى من الخذلان!. [منه].
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وأما تأويله فقد ذكر له وجوها واهية أقواها قوله:
«إنه خبرٌ متروك الظاهر بالاتفاق لأن الأئمة متفقون على كراهة تسوية القبر وعلى استحباب رفعه قدر شبر».
قلت: العجب ممن يدعي الاجتهاد ويحرم التقليد كيف يصرف الأحاديث ويتأولها حتى تتفق مع أقوال الأئمة بزعمه، بينما الاجتهاد الصحيح يقتضي عكس ذلك تماما على أن الحديث لا ينافي الاتفاق المذكور، لأنه خاص بالقبر المبني عليه فحينئذ يسوى بالأرض كما سبق عن الأزهار واتفاق الأئمة إنما هو في الأصل الذي ينبغي أن يراعى حين دفن الميت فيرفع قليلًا فهذا لا يعنيه الحديث كما أفاده القارئ رحمه فيما تقدم نقله قريبًا في الحاشية.
ثم نقل الغماري في تأويل الحديث عن الشافعية أنهم قالوا: «لم يرد تسويته بالأرض، وإنما أراد تسطيحه جمعًا بين الأحاديث».
قلت: لو سلم هذا فهو دليل على الغماري لا له لأنه لا يقول بوجوب تسطيحه بل يقول باستحباب رفعه بدون حد، وباستحباب البناء عليه قبة أو مسجدًا!
ثم قال الغماري في الجواب الأخير عن الحديث:
«وهو الصحيح عندنا أنه أراد قبور المشركين التي كانوا يقدسونها في الجاهلية وفي بلاد الكفار التي افتتحها الصحابة ﵃ بدليل ذكر التماثيل معها».
قلت: في بعض طرق الحديث عند أحمد أن بعث علي ﵁ إنما كان إلى بعض نواحي المدينة حين كان رسول الله - ﵌ - فيها، فهذا يبطل ما ادعاه من أن
[ ٢ / ٣٥٠ ]
الإرسال كان إلى بلاد الكفار.
ثم إن موضع الشاهد من الحديث إنما هو بعث علي أبا الهياج إلى تسوية القبور، وكان رئيس الشرطة ففيه دليل واضح على أن عليًا وكذا عثمان ﵄ في الأثر المتقدم كانا يعلمان هذا الحكم بعد وفاته - ﵌ - خلافا لما
زعمه الغماري.
٣ - عن أبي بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا المشي ولا يتبعني مجمر، ولا تجعلوا في لحدي شيئا يحول بيني وبين التراب ولا تجعلوا على قبري بناء وأشهدكم أني بريء من كل حالقة أو سالقة أو خارقة (١) قالوا أو سمعت فيها شيئا؟ قال: نعم من رسول الله - ﵌ - (٢).
٤ - عن أنس: كان يكره أن يبنى مسجد بين القبور (٣).
٥ - عن إبراهيم أنه كان يكره أن يجعل على القبر مسجدًا (٤).
وإبراهيم هذا هو ابن يزيد النخعي الثقة الإمام، وهو تابعي صغير مات سنة (٩٦)، فقد تلقى هذا الحكم بلا شك من بعض كبار التابعين أو ممن أدركهم من الصحابة، ففيه دليل قاطع على أنهم كانوا يرون بقاء هذا الحكم واستمراره بعده
_________________
(١) (الحالقة) هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، و(السالقة): التي ترفع صوتها، و(الخارقة): التي تخرق ثيابها عند المصيبة. [منه].
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٧) وإسناده قوي. [منه].
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥) ورجاله ثقات رجال الشيخين، ورواه أبو بكر ابن الاثرم كما في «فتح الباري» لابن رجب (٦٥/ ٨١/١ من الكواكب). [منه].
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١٣٤) بسند صحيح عنه. [منه].
[ ٢ / ٣٥١ ]
- ﵌ - فمتى نسخ؟!
٦ - عن المعرور بن سويد قال:
«خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (١) و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٢) فلما قضى حجه ورجع والناس يتبدرون، فقال: ما هذا؟ فقال: مسجد صلى فيه رسول الله - ﵌ -، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا! من عرضت له منكم فيها الصلاة، فليصل ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل» (٣).
٧ - عن نافع قال:
«بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت» (٤).
_________________
(١) سورة الفيل الآية ١. [منه].
(٢) سورة قريش الآية ١. [منه].
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٤/١) وسنده صحيح على شرط الشيخين. [منه].
(٤) - قلت: رواه ابن أبي شيبة أيضا (٢/ ٧٣/٢) ورجاله ثقات كلهم لكنه منقطع بين نافع وعمر فلعل الواسطة بينهما عبد الله بن عمر ﵄. ثم استدركت فقلت: يبعد ذلك كله ما أخرجه البخاري فيه «صحيحه الجهاد» من طريق أخرى عن نافع قال: قال ابن عمر ﵄: «رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله» قلت: يعني خفاءها عليهم. فهو نص على أن الشجرة لم تبق معروفة المكان يمكن قطعها من، عمر فدل ذلك على ضعف رواية القطع الدال عليه الانقطاع الظاهر فيها نفسها ومما يزيدها ضعفا ما روى البخاري في «المغازي» من «صحيحه» عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: «لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها». ومن طريق طارق بن عبد الرحمن قال: «انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله - ﷺ - بيعة الرضوان فأتيت سعيد بن المسيب، فضحك فقال: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله - ﷺ - تحت الشجرة فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. وفي رواية: فعميت علينا فقال سعيد: إن أصحاب محمد - ﷺ - لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم! أقول: ولئن كنا خسرنا هذه الرواية المنقطعة كشاهد فيما نحن فيه من البحث بعد التأكد من ضعفها فقد كسبنا ما هو أقوى منها مما يصلح دليلا لما نحن فيه وهو حديث المسيب هذا وحديث ابن عمر: فقد قال الحافظ في شرحه إياه: » والحكمة في ذلك أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم الأمر إلى اعتقاد أن لها قوة نقع أو ضر كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: «كانت رحمة من الله» أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى «. قلت: ومن تلك الأشجار التي أشار إليها الحافظ شجرة كنت رأيتها من أكثر من عشر سنين شرقي مقبرة شهداء أحد خارج سورها وعليها خرق كثيرة، ثم رأيتها في موسم السنة الماضية (١٣٧١ هـ) قد استأصلت من أصلها. والحمد لله وحمى المسلمين من شر غيرها من الشجر وغيره من الطواغيت التي تعبد من دون الله تعالى. [منه].
[ ٢ / ٣٥٢ ]
٨ - عن قزعة قال سألت ابن عمر: آتي الطور؟ فقال: دع الطور ولا تأتها، وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (١).
٩ - عن علي بن حسين:
أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه (كذا الأصل) فيدخل فيها فيدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي رسول الله - ﵌ -؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة أيضا (٢/ ٨٣/٢) والأزرقي في «أخبار مكة» (ص ٣٠٤) وإسناده صحيح وروى أحمد (٦/ ٨) وأبو يعلى وابن منده في «التوحيد» (٢٦/ ١، ٢) مثله عن أبي بصرة الغفاري وهو صحيح أيضا خرجته في «سلسة الأحاديث الصحيحة» أواخر المائة الثالثة وفي «إرواء الغليل» رقم (٩٧٠). [منه].
[ ٢ / ٣٥٣ ]
فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم» (١).
ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا وابن خزيمة في «حديث علي ابن حجر» (ج ٤/رقم ٤٨) وابن عساكر (٤/ ٢١٧/١) (٢) من طريقين عن سهيل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي - ﵌ - فالتزمه ومسح قال: فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، [وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني]» (٣).
١٠ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني (٤) حيثما كنتم» (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة أيضا (٢/ ٨٣/٢) وعنه أبو يعلى في «مسنده» (ق ٣٢/ ٢) وإسماعيل القاضي في كتاب «فضل الصلاة على النبي - ﷺ -» الحديث ٢٠ من طبع المكتب الإسلامي ورواه الضياء في «المختارة» (١/ ١٥٤) من طريق أبي يعلى والخطي في «الموضح» (٢/ ٣٠). وسنده مسلسل بأهل البيت ﵃ إلا أن أحدهم وهو علي بن عمر مستور كما قال الحافظ في «التقريب». [منه].
(٢) هذا والمصادر المذكورة قبله كلها مخطوطات وغالبها في المكتبة الظاهرية، ومكتبة الأوقاف في حلب. [منه].
(٣) قلت: وأخرجه عبد الرزاق أيضا في «مصنفه» (٣/ ٥٧٧/٦٦٩٤) وسهيل هذا أورده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/ ١/٢٤) وذكر له عنه راويين أحدهما محمد بن عجلان وهو الراوي لهذا الحديث عنه عند ابن أبي شيبة، والآخر سفيان الثوري ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وله راو ثالث وهو إسماعيل الراوي لهذا عنه عند ابن خزيمة وهو إسماعيل بن علية وهذه فائدة عزيزة لا تجدها في كتب الرجال فقد روى عنه ثلاثة من الثقات فهو معروف غير مجهول. والله أعلم. [منه].
(٤) قوله «تبلغني» هذا الحديث وغيره مما تقدم صريح في أنه ﵊ لا يسمع صلاة المصلين عليه فمن زعم أن النبيص يسمعها فقد كذب عليه فكيف حال من يزعم أنهص يسمع غيرها؟! [منه].
(٥) رواه أبو داود (٢٠٤٢) وأحمد (٢/ ٣٦٧) بسند حسن ورواه أبو يعلى في «مسنده» (٤/ ١٥٩٧)، مصورة الكتب (أو النسخة الخطية؟) من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب بسند فيه نظر. [منه].
[ ٢ / ٣٥٤ ]
١١ - ورأى ابن عمر فسطاطًا (١) على قبر عبد الرحمن فقال: «انزعه يا غلام فإنما يظله عمله» (٢).
١٢ - عن أبي هريرة أنه أوصى أن لا يضربوا على قبره فسطاطا ً (٣).
١٣ - وروى ابن أبي شيبة وابن عساكر (٧/ ٩٦/٢) مثله عن أبي سعيد الخدري (٤).
١٤ - عن محمد بن كعب قال: هذه الفساطيط التي على القبور محدثة (٥).
١٥ - سعيد بن المسيب أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إذا ما مت فلا تضربوا على قبري فسطاطا (٦).
١٦ - عن سالم مولى عبد الله بن علي بن حسين قال: أوصى محمد بن علي أبو جعفر قال: لا ترفعوا قبري على الأرض (٧).
١٧ - عن عمرو بن شرحبيل قال:
_________________
(١) السفطاط بيت من شعر في «اللسان» وفي «الكواكب الدراري» (ق ٨٧/ ١ تفسير ٥٤٨): «وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط». [منه].
(٢) رواه البخاري تعليقًا (٢/ ٩٨). [منه].
(٣) رواه عبد الرزاق (٣/ ٤١٨/٦١٢٩) وابن أبي شيبة ٤/ ١٣٥، والربعي في «وصايا العلماء» (١٤١/ ٢) وابن سعد (٤/ ٣٣٨) وإسناده صحيح. [منه].
(٤) وإسناده ضعيف، لكن له طرق أخرى عند ابن عساكر فهو بها صحيح. [منه].
(٥) رواه ابن أبي شيبة أيضًا ورجاله ثقات غير ثعلبة وهو ابن الفرات، قال أبو حاتم وأبو زرعة: «لا أعرفه «كما في» الجرح والتعديل» (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥). [منه].
(٦) رواه ابن سعد (٥/ ١٤٢). [منه].
(٧) رواه الدولابي (١/ ١٣٤ـ ١٣٥) ورجاله ثقات غير سالم هذا فهو مجهول كما قال الذهبي في «الميزان» والحلي الشيعي في «خلاصة الأقوال» (ص ١٠٨). [منه].
[ ٢ / ٣٥٥ ]
«لا ترفعوا جدثي- يعني القبر - فإني رأيت المهاجرين يكرهون ذلك» (١).
واعلم أن هذه الآثار وإن اختلفت دلالاتها فهي متفقة على النهي في الجملة عن كل ما ينبئ عن تعظيم القبور تعظيما يخشى منه الوقوع في الفتنة والضلال، مثل بناء المساجد والقباب على القبور وضرب الخيام عليها ورفعها أكثر من الحديث المشروع، والسفر والاختلاف إليها (٢) والتسمح بها، ومثل التبرك بآثار الأنبياء ونحو ذلك.
فهذه الأمور كلها غير مشروعة عند السلف الذين سميناهم من الصحابة وغيرهم، وذلك يدل على أنهم كانوا جميعا يرون بقاء علة النهي عن بناء المساجد على القبور وتعظيمها بما لم يشرع ألا وهي خشية الإضلال والافتتان بالموتى، كما نص عليها الإمام الشافعي ﵀ فيما سبق بدليل استمرارهم على القول بالحكم المعلول بهذه العلة فإن بقاء أحدهم يستلزم بقاء الآخر كما لا يخفى وهذا بالنسبة لمن نص منهم على كراهية بناء المساجد على القبور ظاهرًا، أما الذين صرحوا بالنهي عن غير ذلك مثل رفع القبر وضرب الخيمة عليه ونحوه مما أجملنا الكلام عليه آنفا فهم يقولون ببقاء الحكم المذكور من باب أولى وذلك لوجهين:
الأول: أن بناء المساجد على القبور أشد جرمًا من رفع القبور وضرب الخيام عليها، لما ورد من اللعن على البناء، دون الرفع والضرب المذكور.
الثاني: أن المفروض في أولئك السلف الفهم والعلم، فإذا ثبت عن أحد
_________________
(١) رواه ابن سعد (٦/ ١٠٨) بسند صحيح. [منه].
(٢) الاختلاف إليها أي: إكثار التردد لزيارتها، وهذا مستفاد من قولهص «اللهم لا تجعل قبري عيدًا». [منه].
[ ٢ / ٣٥٦ ]
منهم النهي عن شيء هو دون ما نهى عنه الشارع، ولم ينقل هذا النهي عن أحدهم، فنحن نقطع بأنه ينهى عنه أيضًا، حتى ولو فرض عدم بلوغ النهي إليه لأن نهيه عما هو دون هذا يستلزم النهي عنه من باب أولى، كما لا يخفى.
فثبت أن القول بانتفاء العلة المذكورة وما بني عليه كله باطل، لمخالفته
نهج السلف الصالح ﵃، مع مصادمته للأحاديث الصحيحة، والله المستعان.
"تحذير الساجد" (ص٤٧ - ١٠٠)
[ ٢ / ٣٥٧ ]
جماع أبواب الكلام حول حكم زيارة القبور
وما يشرع عند القبور وما لا يشرع
والمسائل التي تتصل بذلك
[ ٢ / ٣٥٩ ]
[١٦٥] باب أئمة دعوة التوحيد
يجيزون زيارة القبور زيارة شرعية
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات" أن زيارة القبور مشروع عند أئمة الحنفية، فعلق الألباني قائلا]:
وكذلك سائر الأئمة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وإمام دعوة التوحيد محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم، فمن نسب إنكارهم للزيارة فقد اعتدى وظلم، وإنما هم ينكرون الزيارة التي يقترن بها بعض المخالفات الشرعية كالاستغاثة بالمقبور، والنذر له، والحلف به، ونحو ذلك كشد الرحل إليه، ويسمون هذه الزيارة بالزيارة البدعية. وتجد تفصيل الكلام على الزيارة الشرعية وما جاء فيها من الأحاديث في " أحكام الجنائز وبدعها ".
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٧).
[١٦٦] باب ذكر جملة من أحكام زيارة القبور
وتحقيق القول في حكم زيارة النساء للقبور
[قال الإمام]:
-وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكر الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب سبجانه وتعالى كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى، أو تزكيته والقطع له بالجنة، ونحو ذلك، وفيه أحاديث.
الأول: عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، [فإنها تذكركم الآخرة]، [ولتزدكم
[ ٢ / ٣٦١ ]
زيارتها خيرا]، [فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا]» أخرجه مسلم (٥٣/ ٦،٦/ ٨٢) وأبو داود (٢/ ٧٢،١٣١) ومن طريقة البيهقي (٤/ ٧٧) والنسائي (١/ ٢٨٥،٢٨٦،٢/ ٣٢٩،٣٣٠) وأحمد (٥/ ٣٥٠،٣٥٥،٣٥٦،٣٦١) والزيادة الأولى والثانية له، ولأبي داود الأولى بنحوها وللنسائي الثانية والثالثة. قال النووي ﵀ في (المجموع) (٥/ ٣١٠):
والهجر: الكلام الباطل، وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية
فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام، وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة، واحتاط - ﵌ - بقوله: «ولا تقولوا هجرا».
قلت: ولا يخفي أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسؤال الله بحقه. لهو من أكبر الهجر والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبينوا لهم حكم الله في ذلك، ويفهموهم الزيارة المشروعة والغاية منها. وقد قال الصنعاني في (سبل السلام) (٢/ ١٦٢) عقب أحاديث في الزيارة والحكمة منها: (الكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمة فيها، وأنها للاعتبار- ،فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعا).
الثاني: عن أبي سعيد الخدري قا: قال رسول الله - ﵌ -: «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة. [ولا تقولوا ما يسخط الرب]». أخرجه أحمد (٣/ ٣٨،٦٣،٦٦) والحاكم (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥) وعنه البيهقي (٤/ ٧٧) ثم قال: (صحيح على شرط مسلم)،ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ورواه البزار أيضًا والزيادة له كما في (مجمع الهيثمي) (٣/ ٥٨) وقال: (وإسناده رجاله رجال الصحيح).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
قلت: وهي عند أحمد بنحوها من طريق أخرى، وإسنادها لا بأس به في المتابعات، ولها شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ البزار. أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) (ص ١٨٣) ورجاله موثقون.
الثالث: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﵌ -: «كنت نهتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا». أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦) بسند حسن، ثم رواه (١/ ٣٧٥،٣٧٦) وأحمد (٣/ ٢٣٧،٢٥٠) من طريق أخرى عنه بنحوه، وفيه ضعف. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، وسيأتي.
- والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور، لوجوه:
الأول: عموم قوله - ﵌ - «.. فزوروا القبور» فيدخل فيه النساء، وبيانه: أن النبي - ﵌ - لما نهى عن زيارة القبور في أول الأمر. فلا شك أن النهي كان شاملا للرجال والنساء معا، فلما قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين، فإذا كان الأمر كذلك، كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله: «فزوروها» إنما أراد به الجنسين أيضا. ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بريدة المتقدم آنفًا: «ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الاسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا»، أقول: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعا، كما هو الشأن في الخطاب الأول: «كنت: نهيتكم»، فإذا قيل بأن الخطاب في قوله: «فزوروها» خاص بالرجال، اختل نظام
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الكلام وذهبت طراوته، الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم، ومن هو أفصح من نطق بالضاد، - ﵌ -،ويزيده تأييدا الوجوه الآتية:
الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: «فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة».
الثالث: أن النبي - ﵌ - قد رخص لهن في زيارة القبور، في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة ﵂:
١ - عن عبد الله بن أبي مليكة: (أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله - ﵌ - نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمر بزيارتها).وفي رواية عنها (أن رسول الله - ﵌ - رخص في زيارة القبور).أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦) وعنه البيهقي (٤/ ٧٨) من طريق بسطام بن مسلم عن أبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة، والرواية الاخرى لابن ماجه (١/ ٤٧٥).
قلت: سكت عنه الحاكم، وقال الذهبي (صحيح)، وقال البوصيري في (الزوائد) (٩٨٨/ ١): (إسناده صحيح رجاله ثقات).وهو كما قالا. وقال الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء) (٤/ ٤١٨): (رواه ابن أبي الدنيا في (القبور) والحاكم بإسناد جيد) (١).
_________________
(١) قلت: وقد أعله ابن القيم بشئ عجيب، والأحرى بلا شيء! فقال في (تهذيب السنن) (٤/ ٣٥٠): (وأما رواية البيهقي فهي من رواية بسطام بن مسلم، ولو صح، فعائشة تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء)! قلت: وبسطام ثقة بدون خلاف أعلمه، فلا وجه لغمز ابن القيم له، والاسناد صحيج لا شبهة فيه. ولا يعله ما أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٧) من طريق ابن جريج عن عبد الله ابن أبي مليكة قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر ب (الحبشي) (مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلا) فحمل إلى مكة فدفن فيها، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبى بكر فقالت: وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا فلما تفرقتا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك) وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) (٤/ ١٤٠)، واستدركه الهيثمي فأورده في (المجمع) وقال: (٣/ ٦٠): (رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح)، فوهم في الاستدراك لاخراج الترمذي له، ورجاله رجال الشيخين لكن ابن جريح مدلس وقد عنعنه. فهي علة الحديث، ومع ذلك فقد ادعى ابن القيم (٤/ ٣٤٩) أنه (المحفوظ مع ما فيه).كذا قال، بل هو منكر لما ذكرنا ولانه مخالف لرواية يزيد بن حميد وهو ثقة ثبت عن ابن أبي مليكة، ووجه المخالفة ظاهرة من قوله (ولو شهدتك ما زرتك) فانه صريح في أن سبب الزيارة إنما هو عدم شهودها وفاته، فلو شهدت ما زارت، بينما حديث ابن حميد صريح في أنها زارت لان النبيص أمر بزيارة القبور، فحديثه هو المحفوظ خلاف ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى. وأما ما ذكره من تأول عائشة فهو محتمل، ولكن الاحتمال الاخر وهو أنها زارت بتوقيف منهص أقوى بشهادة حديثها الاتي.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
٢ - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله - ﵌ -؟ قلنا: بلى: قالت: (لما كانت ليلتي التي كان النبي - ﵌ - فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب [رويدا]، فخرج، ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت: وتقنعت إزاري (١)،ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت. فهرول فهرولت. فأحضر فأحضرت، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن
_________________
(١) بغير باء التعدية، بمعنى لبست إزاري فلهذا عدي بنفسه.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
أضجعت، فدخل فقال، مالك يا عائش (١) حشيا (٢) رابية؟ قالت: قلت: لا شئ [يا رسول الله]، قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته [الخبر]، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة (٣) أوجعتي، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله!؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، [قال]: نعم قال فان جبريل أتاني حين رأيت فناداني- فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك. وخشيت
أن تستوحشي-فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء
الله بكم للاحقون). أخرجه مسلم (٣/ ١٤) والسياق له والنسائي (١/ ٢٨٦، ٢/ ١٦٠،١٦٠ - ١٦١) وأحمد (٦/ ٢٢١) والزيادات له إلا الأولى والثالثة
فإنها للنسائي (٤).
_________________
(١) يجوز في (عائش) فتح إلشين وضمها، وهما وجهان جاريان في كل المرخمات.
(٢) بفتح المهملة وإسكان المعجمة معناه وقع عليك الحشا وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه من ارتفاع النفس وتواتره. وقول: (رابية) أي مرتفعة البطن.
(٣) اللهز: الضرب بجمع الكف في الصدر.
(٤) والحديث استدل به الحافظ في (التلخيص) (٥/ ٢٤٨) على جواز الزيارة للنساء وهو ظاهر الدلالة عليه، وهو يؤيد أن الرخصة شملتهن مع الرجال، لان هذه القصة إنما كانت في المدينة، لما هو معلوم أنهص بنى بعائشة في المدينة، والنهي إنما كان في أول الامر في مكة، ونحن نجزم بهذا وإن كنا لا نعرف تاريخا يؤيد ذلك، لان الاستنتاج الصحيح يشهد له، وذلك من قوله - ﵌ -: (كنت نهيتكم) إذ لا يعقل في مثل هذا النهي أن يشرع في العهد المدني، دون العهد المكي الذي كان أكثر ما شرع فيه من الاحكام إنما هو فيما يتعلق بالتوحيد والعقيدة، والنهي عن الزيارة من هذا القبيل لانه من باب سد الذرائع، وتشريعه إنما يناسب العهد المكي لان الناس كانوا فيه، حديثي عهد بالاسلام، وعهدهم بالشرك قريبا، فنهاهمص عن إلزيارة لكي لا تكون ذريعة إلى الشرك، حتى إذا استقر التوحيد في قلوبهم، وعرفوا ما ينافيه من أنواع الشرك أذن لهم الزيارة، وأما أن يدعهم طيلة العهد المكي على عادتهم في الزيارة، ثم ينهاهم عنها في المدينة فهو بعيد جدا عن حكمة التشريع، ولهذا جزمنا بأن النهي إنما كان تشريعه في مكة، فإذا كان كذلك فأذنه لعائشة بالزيارة في المدينة دليل واضح على ما ذكرنا، فتأمله فانه شئ انقدح في النفس، ولم أر من شرحه على هذا الوجه، فان أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي. وأما استدلال صاحب رسالة (وصية شرعية) على ذلك بقوله (ص ٢٦): (وقد أقر الرسولص ابنته فاطمة ﵂ على زيارة قبر عمها حمزة ﵁).فهو استدلال باطل، لان الاقرار المذكور لا أصل له في شئ من كتب السنة، وما أظنة إلا وهما من ألمولف، فإن المروي عنها ﵂ إنما هو زيارة فقط ليس في ذكر للاقرار المزعوم أصلا، ومع ذلك فلا يثبت ذلك عنها، فإنه من رواية سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه على بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي صلي الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. هكذا أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٧) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٧٨) وقال: (كذا قال، وقد قيل عن سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه دون ذكر على بن الحسين عن أبيه فيه، فهو منقطع).وقال الحاكم: (رواته عن آخرهم ثقات)! ورده الذهبي بقوله: (قلت: هذا منكر جدا، وسليمان ضعيف).قلت: وأنا أظنه سليمان بن داود بن قيس الفراء المدني، قال أبو حاتم (شيخ لا أفهمه فقط كما ينبغي) وقال الازدي: (تكلم فيه) ولهذا أورده الذهبي في (الضعفاه)، وحكى قول الازدي المذكور، فلا تغتر بسكوت الحافظ على هذا الاثر في (التلخيص) (ص ١٦٧)، وإن تابعه عليه الشوكاني كما هي عادته في (نيل الاوطار) (٤/ ٩٥)!! على أنه وقع عند الاول (على بن الحسين عن على)، فجعله من مسند علي ﵁ وإنما هو من رواية ابنه الحسين ﵄، كما عند الحاكم، أو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه كما في رواية البيهقي المعلقة، فلعل ما في (التلخيص) وهو قوله (عن علي) محرف عن (عن أبيه).وسقط هذا كله عند الصنعاني في (سبل السلام) (٢/ ١٥١) فعزاه للحاكم من حديث علي بن الحسين أن فاطمة ثم قال: (قلت: وهو حديث مرسل، فإن علي بن الحسين لم يدرك فاطمة بنت محمد)! والحديث إنما هو من حديث علي بن الحسين عن أبيه على ما سبق بيانه.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
الرابع: إقرار النبي - ﵌ - المرأة التي رآها عند القبر في حديث أنس ﵁: (مر رسول الله - ﵌ - بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: اتقي الله واصبري ..)
[ ٢ / ٣٦٧ ]
رواه البخاري وغيره، وقد مضى بتمامه في المسألة (١٩) (ص ٢٢)، وترجم له (باب زيارة القبور)، قال الحافظ في (الفتح): (وموضع الدلالة منه أنه - ﵌ - لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة).وقال العيني في (العمدة) (٣/ ٧٦):
(وفيه جواز زيارة القبور مطلقا، سواء كان الزائر رجلا أو امرأة: وسواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الفصل في ذلك).
وذكر نحوه الحافظ أيضا في آخر كلامه على الحديث فقال عقب قوله (لعدم الاستفصال في ذلك):
(قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط (١).انتهى).
وما دل عليه الحديث من جواز زيارة المرأة هو المتبادر من الحديث، ولكن إنما يتم ذلك إذا كانت القصة لم تقع قبل النهي، وهذا هو الظاهر، إذا تذكرنا ما أسلفناه من بيان أن النهي كان في مكة، وأن القصة رواها أنس وهو مدني جاءت به أمه أم سليم إلى النبي - ﵌ - حين قدم المدينة، وأنس ابن عشر سنين، فتكون القصة مدنية، فثبت أنها بعد النهي. فتم الاستدلال بها على الجواز، وأما قول ابن القيم في (تهذيب السنن) (٤/ ٣٥٠): (وتقوى الله، فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن الزيارة).فصحيح لو كان عند المرأة علم بنهي النساء عن الزيارة وأنه استمر ولم ينسخ، فحينئذ يثبت قوله: (ومن جملتها النهي عن الزيارة) أما وهذا غير معروف لدينا فهو استدلال غير صحيح، ويؤيده أنه لو كان النهي لا يزال مستمرا لنهاها رسول الله - ﵌ - عن الزيارة صراحة وبين ذلك لها، ولم يكتف بأمرها
_________________
(١) قلت: والدليل عليه في المسألة الآتية.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
بتقوى الله بصورة عامة، وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى.
- لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور والتردد عليها، لان ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد اليوم في بعض، البلاد الإسلامية، وهذا هو المراد- إن شاء الله- بالحديث المشهور: (لعن رسول الله - ﵌ - (وفي لفظ: لعن الله) زوارات القبور).وقد روي عن جماعة من الصحابة: أبو هريرة، حسان بن ثابت، وعبد الله ابن عباس.
١ - أما حديث أبي هريرة، فهو من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عنه. أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦ - تحفة) وابن ماجه (١/ ٤٧٨) وابن حبان ٧٨٩) والبيهقي (٤/ ٧٨) والطيالسي (١/ ١٧١ - ترتيبه) وأحمد (٢/ ٣٣٧)، واللفظ الآخر للطيالسي والبيهقي، وقال الترمذي:
(حديث حسن صحيح، وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي في زيارة القبور. فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور في النساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن).
قلت: ورجال إسناد الحديث ثقات كلهم، غير أن في عمر بن أبي سلمة كلاما لعل حديثه لا ينزل به عن مرتبة الحسن، لكن حديثه هذا صحيح لما له من الشواهد الآتية.
٢ - وأما حديث حسان بن ثابت، فهو من طريق عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن ثابث عن أبيه به. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤١) وابن ماجه (١/ ٤٧٨) والحاكم (١/ ٣٧٤) والبيهقي وأحمد (٢/ ٢٤٣) وقال البوصيري في
[ ٢ / ٣٦٩ ]
(الزوائد) (ق ٩٨/ ٢): (إسناده صحيح، رجاله ثقات).
كذا قال، وابن بهمان هذا لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وهما معروفان بالتساهل في التوثيق، وقال ابن المديني فيه: (لا نعرفه)، ولذا قال الحافظ في (التقريب): (مقبول) يعني عند المتابعة، ولم أجد له متابعا، لكن الشاهد الذي قبله وبعده في حكم المتابعة، فالحديث مقبول.
٣ - وأما حديث ابن عباس، فهو من طريق أبي صالح عنه باللفظ الأول إلا أنه قال: (زائرات القبور) وفي رواية (زوارات).أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٠) وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان (٧٨٨) والحاكم والبيهقي والطيالسي والرواية الأخرى لهما، وأحمد (رقم٢٠٣٠،٢٦٠٣،٢٩٨٦،٣١١٨) وقال الترمذي: (حديث حسن، وأبو صالح هذا مولى أم هانئ بنت أبي طالب واسمه باذان، ويقال: باذام).
قلت: وهو ضعيف بل اتهمه بعضهم، وقد أوردت حديثه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) لزيادة تفرد بها فيه، وذكرت بعض أقوال الأئمة في حاله فيراجع (٢٢٣).
فقد تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ «زوارات» لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليه وكذا حديث ابن عباس في رواية الأكثرين، على ما فيه من ضعف فهي إن لم تصلح للشهادة فلا تضر، كما لا يضر في الاتفاق المذكور الرواية الأخرى من حديث ابن عباس كما هو ظاهر، وإذا كان الأمر كذلك فهذا اللفظ «زوارات» إنما يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة. بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، فلا يجوز حينئذ أن يعارض بهذا الحديث ما سبق من الأحاديث الدالة على استحباب الزيارة للنساء، لانه خاص وتلك
[ ٢ / ٣٧٠ ]
عامة. فيعمل بكل منهما في محله، فهذا الجمع أولى من دعوى النسخ، وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء، فقال القرطبي: (اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج. وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لان تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء).
قال الشوكاني في (نيل الاوطار) (٤/ ٩٥): (وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر) (١).
- ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط. وفيه حديثان:
الأول: عن أبي هريرة قال: (زار النبي - ﵌ - قبر أمه. فبكى: وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها
_________________
(١) وإلى هذا الجمع ذهب الصنعاني أيضا في: (سبل السلام)، ولكنه استدل للجواز بأدلة فيها نظر فأحببت أن أنبه عليها، أولا: حديث الحسين بن علي ﵄ (أن فاطمة بنت النبيص كانت تزرو قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي).أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٧) وعنه البيهقي (٤/ ٧٨) وقال (وهو منقطع، وسكت عليه الحافظ في (التلخيص) (٥/ ٢٤٨) وتبعه الصنعاني! وسكوت هذين واقتصار البيهقي علي إعلاله بالانقطاع قد يوهم أنه سالم من علة أخرى. وليس كذلك كما سبق بيانه قريبا. ثانيا: حديث البيهقي في (شعب الايمان) مرسلا: (من زار قبر الولدين أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب بارا).سكت عليه الصنعاني أيضا. وهو ضعيف جدا بل هو موضوع، وليس هو مرسل فقط كما ذكر الصنعاني، بل هو معضل لان الذي رفعه إنما هو محمد بن النعمان وليس تابعيا، قال إلعراقي في (تخريج الاحياء) (٤/ ٤١٨): (رواه ابن أبى الدنيا وهو معضل، محمد بن النعمان مجهول).قلت: وهو تلقاه عن يحيى بن العلاء البجلي بسنده عن أبى هريرة أخرجه الطبراني في الصغير (١٩٩) ويحيي كذبه وكيع وأحمد، وقال ابن أبى حاتم (٢/ ٢٠٩) عن أبيه: (الحديث منكرا جدا، كأنه موضوع).
[ ٢ / ٣٧١ ]
فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت).أخرجه مسلم (٣/ ٦٥) وأبو داود (٢/ ٧٢) والنسائي (١/ ٢٨٦) وابن ماجه (١/ ٤٧٦) (١/ ٤٧٦) والطحاوي (٣/ ١٨٩) والحاكم (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) وعنه البيهقي (٤/ ٧٦) وأحمد (٢/ ٤٤١).
الثاني: عن بريدة ﵁ قال: (كنا مع النبي - ﵌ -[في سفر، وفي رواية: في غزوة الفتح].فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، فقداه بالأب والأم، يقول: يا رسول لله مالك؟ قال: إني سألت ربي ﷿ في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، [واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي]، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا).أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٥،٣٥٧،٣٥٩) وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٩) والرواية الأخرى لهما وإسنادها عند ابن أبي شيبة صحيح، والحاكم (١/ ٣٧٦) وكذا ابن حبان (٧٩١) والبيهقي (٤/ ٧٦) والزيادة الأولى لها: والرواية الأخرى فيها لمن سبق ذكره، والزيادة الأخرى للحاكم وقال: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا: ورواه الترمذي مختصرا وصححه، وروى مسلم وغيره منه الإذن بالزيارة فقط كما تقدم في المسألة (١١٨ص١٧٨) الحديث الأول (١).
والمقصود من زيارة القبور شيئان:
١ - انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى، وأن مآلهم إما إلى جنة وإما إلى نار
_________________
(١) قال النووي في شرح حديث أبى هريرة الاول: (فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة، لانه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، ففي الحياة أولى. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال عياض: سبب زيارتهص قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قولهص: فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وهو الغرض الأول من الزيارة، كما يدل عليه ما سبق من الأحاديث.
٢ - نفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه، والدعاء والاستغفار له، وهذا خاص بالمسلم، وفيه أحاديث:
الاول: عن عائشة ﵂: (أن النبي - ﵌ - كان يخرج إلى البقيع، فيدعو لهم، فسألته عائشة عن ذلك؟ فقال: إني أمرت أن أدعو لهم).أخرجه أحمد (٦/ ٢٥٢) بسند صحيح على شرط الشخين. ومعناه عند مسلم وغيره من طريق أخرى مطولا، وقد مضى بتمامه في المسألة (١١٩).
الثاني: عنها أيضا قالت: (كان رسول الله - ﵌ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﵌ - يخرج من آخر الليل فيقول: السلام عليكم [أهل] دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدن غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).أخرجه مسلم (٣/ ٦٣) والنسائي (١/ ٢٨٧) وابن السني (٥٨٥) والبيهقي (٤/ ٧٩) وأحمد (٦/ ١٨٠) وليس عنده الدعاء بالمغفرة (والزيادة له ولابن السني.
الثالث: عنها أيضا في حديثها الطويل المشار إليه قريبا قالت: (كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون).أخرجه مسلم وغيره.
الرابع: عن بريدة قال: (كان رسول الله - ﵌ - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله [بكم] للاحقون، [أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع]، أسأل الله لنا ولكم
[ ٢ / ٣٧٣ ]
العافية).أخرجه مسلم (٣/ ٦٥) والنسائي وابن ماجه (١/ ٤٦٩)، وكذا ابن أبي شيبة) (٤/ ١٣٨) وابن السني في (٥٨٢) والبيهقي وأحمد (٥/ ٣٥٣، ٣٥٩، ٣٦٠»، والزيادتان لهم جميعا حاشا ابن ماجه ومسلما. والزيادة الثانية، أخرجها ابن أبي شيبة من حديث علي وإسناده صحيح، ومن حديث سلمان (وإسناده حسن) وكلاهما موقوف عليهما.
الخامس: عن أبي هريرة: (أن رسول الله - ﵌ - أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله. قال [بل] أنتم أصحابي، وأخواننا الذين يأتون بعد، [وأنا فرطهم على الحوض]، فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله: فقال أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر (١) محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم (٢) ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: فأنهم يأتون [يوم القيامة] غرًا محجلين من الوضوء. [يقولها ثلاثا]، وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال [منكم] عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم [ألا هلم].فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، [ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم]، فأقول: [ألا]، سحقا سحقا).اخرجه مسلم (١/ ١٥٠ - ١٥١) ومالك (١/ ٤٩ - ٥٠) والنسائي (١/ ٣٥) وابن ماجه (٢/ ٥٨٠) والبيهقي (٤/ ٧٨) وأحمد (٢/ ٣٠٠،٤٠٨) والزيادات كلها له إلا الأخيرتين فإنها لابن ماجه، ولمالك الثلاثة الأولى مع السادسة، وللنسائي الأولى والثالثة.
_________________
(١) بضم فتشديد جمع الاغر، وهو الابيض الوجه. (محجلين) اسم مفعول من التحجيل، والمحجلل من الدواب التي قوائمها بيض.
(٢) بضمتين أو بسكون الثاني وهو الاشهر للازدواج، وهو تأكيد (دهم) جمع أدهم وهو الاسود.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وفي الباب عن بشير بن الخصاصية، وقد ذكرت لفظه في التعليق على المسألة (٨٨)، (ص ١٣٥) وعن ابن عباس، وفيه ضعف كما يأتي التنبيه عليه في خاتمة المسألة الآتية بعد مسألة، وعن عمر وغيره، وفيها ضعف كما بينه الحافظ الهيثمي في (المجمع) (٣/ ٦٠).
-وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله - ﵌ - وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة ﵂وهي من أحب الناس إليه - ﵌ - عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء. ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه - ﵌ - علمهم شيئا من ذلك لنقل إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع. ومما يقوي عدم المشروعية قوله - ﵌ -: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة) أخرجه مسلم (٢/ ١٨٨) والترمذي (٤/ ٤٢) وصححه وأحمد (٢/ ٢٨٤،٣٣٧، ٣٧٨،٣٨٨) من حديث أبي هريرة.
وله شاهد من حديث الصلصال بن الدلهمس. رواه البيهقي في (الشعب) كما في (الجامع الصغير).
فقد أشار - ﵌ - إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهي عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا بلصلاة أيضا، وهو قوله: «صلوا في
[ ٢ / ٣٧٥ ]
بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا» أخرجه مسلم (٢/ ١٨٧) وغيره عن ابن عمر، وهو- عند البخاري بنحوه، وترجم له بقوله: بـ (باب كراهية الصلاة في المقابر) فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق (١).ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم (٢)
كراهة للقراءة عند القبور، وهو قول الإمام أحمد
_________________
(١) وقد استدل جماعة من العلماء بالحديث على ما استدل به البخاري، وأيده الحافظ في شرحه، وقد ذكرت كلامه في المسألة الاتية (رقم ١٢٨ فقره ٧)
(٢) ذكره عنهم شيخ الاسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) (ص ١٢٨) وقال: (ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لان ذلك كان عنده بدعة، وقال مالك: ما عملت أحدا يفعل ذلك، فعلم أن الصحابة، والتابعين ما كانوا يفعلونه).وقال في (الاختيارات العملية) (ص ٥٣) (والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب ب (ياسين﴾.قلت: لكن حديث قراءة ياسين ضعيف كما تقدم (ص ١١) والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصناته وغيرها. وأما جاء في (كتاب الروح) لابن القيم (ص ١٣): قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الورّاق: ثنا علي ابن موسى الحداد- وكان صدوقا- قال: كنت مع أحمد بن جنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة! فلما خرجت من المقابر، قال محمد بن قدامة لاحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئا؟ قال: نعم، قال: فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، (الاصل: الحلاج وهو خطأ) عن أبيه أنه أوصي إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل: يقرأ).فالجواب عنه من وجوه: الاول: إن في ثبوت هذه القصة عن أحمد نظر، لان شيخ الحلال الحسن بن أحمد الوراق لم أجد ترجمة فيما عندي الان من كتب الرجال، وكذلك شيخه علي بن موسى الحداد لم أعرفه، وإن قيل في هذا السند أنه كان صدوقا، فإن الظاهر أن القائل هو الوارق هذا، وقد عرفت حاله. الثاني، إنه إن ثبت ذلك عنه فإنه أخص مما رواه أبو داود عنه، وينتج من الجمع بين الروايتين عنه أن مذهبه كراهة القراءة عند القبر إلا عند الدفن. الثالث: أن السند بهذا الاثر لا يصح عن ابن عمر، ولو فرض ثبوته عن أحمد، وذلك لان عبد الرحمن ابن العلاء بن اللجلاج معدود في المجهولين، كما يشعر بذلك قول الذهبي في ترجمته من (الميزان): (ما روي عنه سوى مبشر هذا)، ومن طريقة رواه ابن عساكر (١٣/ ٣٩٩/٢) وأما توثيق ابن حيان إياه فمما لا يعتد به لما اشهر به من التساهل في التوثيق، ولذلك لم يعرج عليه الحافظ في (التقريب) حين قال في المترجم: (مقبول) يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة، ومما يؤيد ما ذكرنا أن الترمذي مع تساهله في التحسين لما أخرج له حديثا آخر (٢/ ١٢٨) وليس له عنده غيره سكت عليه ولم يحسنه! الرابع: أنه لو ثبت سنده كل عن ابن عمر، فهو موقوف لم يرفعه إلى النبيص فلا حجة فيه أصلا. ومثل هذا الاثر ما ذكره ابن القيم أيضا (ص ١٤): (وذكر الحلال عن الشعبي قال: كانت الانصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون القرآن).فنحن في شك من ثبوت ذلك عن الشعبي بهذا اللفظ خاصة، فقد رأيت السيوطي قد أورده في (شرح الصدور) (ص ١٥) بلفظ: (كانت الانصار يقرؤون عند الميت سورة البقرة).قال: (رواه ابن أبي شيبة والمروزي) أورده في (باب ما يقول الانسان في مرض الموت، وما يقرأ عنده).ثم رأيته في (المصنف) لابن أبى شيبة (٤/ ٧٤) وترجم له بقوله: (باب ما يقال عند المريض إذا حضر) ".فتبين أن في سنده مجالدا وهو ابن سعيد قال الحافظ في (التقريب): (ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره).فظهر بهذا أن الاثر ليس في القراءة عند القبر بل عند الاحتضار، ثم هو على ذلك ضعيف الاسناد. وأما حديث (من مر بالمقابر فقرأ (قل هو الله أحد) إحدى عشر مرة ثم وهب أجره للاموأت أعطي من الاجر بعدد الاموات).فهو حديث باطل موضوع، رواه أبو محمد الحلال في (القراءة على القبور) (ق ٢٠١/ ٢) والديلمي عن نسخة عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن علي الرضا عن آبائه، وهي نسخة موضوعة باطلة لا تنفك عن وضع عبد الله هذا أو وضع أبيه، كما قال الذهبي في (الميزان) وتبعه الحافظ ابن حجر في (اللسان) ثم السيوطي في (ذيل الأحاديث الموضوعة)، وذكر له هذا الحديث وتبعه ابن عراق في (تنزيه الشريعة المرفوعة، عن الأحاديث الشيعة الموضوعة).ثم ذهل السيوطي عن ذلك فأورد الحديث في (شرح الصدور) (ص ١٣٠) برواية أبي محمد السمرقندي في (١ فضائل قل هو الله أحد) وسكت عليه! نعم قد أشار قبل ذلك إلى ضعفه، ولكن هذا لا، يكفي فإن الحديث، موضوع باعترافه فلا يجزي الاقتصار على تضعيفه كما لا يجوز السكوت عنه، كما صنع الشيخ إسماعيل العجلوني في (كشف الخفاء) (٢ - ٣٨٢) فإنه عزاه للرافعي في تاريخه وسكت عليه! مع أنه وضع كتابه المذكرر للكشف (عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس)! ثم إن سكوت أهل الاختصاص عن الحديث قد يوهم من لا علم عنده به أن الحديث مما يصلح للاحتجاج به أو العمل به في فضائل الاعمال كما يقولون، وهذا ما وقع لهذا الحديث، فقد رأيت بعض الحنفية قد احتج بهذا الحديث للقراءة عند القبور وهو الشيخ الطهطاوي على (مراقي الفلاح) (ص ١١٧)! وقد عزاه هذا إلى الدارقطني، وأظنة وهما، فإني لم أجد غيره عزاه إليه، ثم إن المعروف عند المشتغلين بهذا العلم أن العزو إلى الدارقطني مطلقا يراد به كتابه (السنن)، وهذا الحديث لم أره فيه. والله أعلم.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
فقال أبو داود في مسائله (ص ١٥٨): (سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا).
- ويجوز رفع اليد في الدعاء لهما، لحديث عائشة ﵂ قالت: (خرج رسول الله - ﵌ - ذات ليلة، فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب! قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه، ثم انصرف، فرجعت إلي بريرة، فأخبرتني، فلما أصبحت سألته، فقلت: يارسول الله أين خرجت الليلة؟ قال: بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم).أخرجه أحمد (٦/ ٩٢)، وهو في (الموطأ) (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠) وعنه النسائي (١/ ٢٨٧) بنحوه، لكن ليس فيه رفع اليدين، وإسناده حسن. وقد ثبت رفع اليدين في قصة أخرى لعائشة ﵂ تقدمت في المسألة (١١٩).
- ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة، لنهيه - ﵌ - عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي، والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها، وقد قال - ﵌ -: (الدعاء هو العبادة، ثم قرأ «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم».أخرجه ابن المبارك في (الزهد) (١٠/ ١٥١) والبخاري في (الأدب المفرد) رقم (٧١٤) وأبو داود (١/ ٥٥١ - بشرح العون) والترمذي (٤/ ١٧٨،٢٢٣) وابن ماجه (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وابن حبان (٢٣٩٦) والحاكم (١/ ٤٩١) وابن منده في (التوحيد) (ق ٦٩/ ١) وأحمد (٤/ ١٦٧،٢٧١،٢٧٦،٢٧٧) وقال الحاكم:
[ ٢ / ٣٧٨ ]
(صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
ورواه أبو يعلى من حديث البراءة بن عازب كما في "الجامع الصغير".وفي الباب عن أنس بن مالك مرفوعا بلفظ: «الدعاء مخ العبادة».أخرجه الترمذي (٢٢٣٤) وقال: (حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، فيستشهد به إلا ما كان من رواية أحد العبادلة عنه فيحتج به حينئذ، وليس هذا منها، لكن معناه صحيح بدليل حديث النعمان. قال الطيبي في شرحه:
(أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام [هو العبادة] ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. وقال غيره: المعنى هو من اعظم العبادة فهو كخبر (الحج عرفة) أي ركنه الاكبر، وذلك لدلالته على أن فاعله يقبل بوجهه إلى الله، معرضا عما سواه، لأنه مأمور به، وفعل المأمور عبادة، وسماه عبادة ليخضع الداعي ويظهر ذلته ومسكنته وافتقاره، إذ العبادة ذل وخضوع ومسكنة).ذكره المناوي في (الفيض).
قلت: فإذا كان الدعاء من أعظم العبادة فكيف يتوجه به إلى غير الجهة التي أمر باستقبالها في الصلاة، ولذلك كان من المقرر عند العلماء المحققين أن (لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة).قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم) (ص ١٧٥):
(وهذا أصل مستمر أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه
[ ٢ / ٣٧٩ ]
ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء. ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين، وشر واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله. وقبر رسول الله - ﵌ -! وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى).
وذكر قبل ذلك بسطور عن الإمام أحمد وأصحاب مالك أن المشروع استقبال القبلة بالدعاء حتى عند قبر النبي - ﵌ - بعد السلام عليه. وهو مذهب الشافعية أيضا، فقال النووي في (المجموع) (٥/ ٣١١ (:
وقال الإمام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني- وكان من الفقهاء المحققين- في كتابه في (الجنائز): (ولا يستلم القبر بيده: ولا يقبله).قال: (وعلى هذا مضت السنة).قال: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعا، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله) قال: (فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه، واستقبل القبلة).وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، فقال شيخ الإسلام في (القاعدة الجليلة، في التوسل والوسيلة) (ص ١٢٥):
(ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي - ﵌ -، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره. فهذا نزاعهم في وقت السلام. وأما في
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة، لا الحجرة).وسبب الاختلاف المذكور إنما هو من قبل أن الحجرة المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد، وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه - ﵌ - ويستدبر القبلة (١)، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد بعد الصحابة، فالمسلم منهم إن استقبل القبلة صارت الحجرة عن يساره، وإن استقبلوا الحجرة، كانت القبلة عن يمينهم وجهة الغرب من خلفهم، قال شيخ الإسلام في (الجواب الباهر) (ص ١٤) بعد أن ذكر هذا المعنى:
(وحينئذ فإن كانوا يستتقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح،
وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي
حنيفة أرجح).
قلت: لقد ترك الشيخ ﵀ المسألة معلقة، فلم يبت في أنهم كانوا يستقبلونها، أو يستقبلون القبر وكأن ذلك لعدم وجود رواية ثابتة عنهم في ذلك، ولكن لو فرض أنهم كانوا يستقبلونه، فقد علمت أنهم في هذه الحالة كانوا يستدبرون الغرب لا القبلة، لعدم إمكان ذلك في زمانهم، وسبق أن الأكثرين يقولون باستقبال وجهه - ﵌ - أيضا عند السلام عليه، وهذا يستلزم استدبار القبلة. الأمر الذي نقطع أنه لم يقع في عهد الصحابة كما سلف، فهذا أمر زائد على استقبال الحجرة، ولا بد له من دليل. لإثباته، فهل له من وجود؟ ذلك مما لا أعرفه، ولا رأيت أحدًا من العلماء تعرض لهذا، سواء في خصوص قبر الرسول - ﵌ - أو في
_________________
(١) وأما ما رواه اسماعيل القاضي في (فضل الصلاة على النبيص) (رقم ١٠١ بتحقيقي وطبع المكتب الاسلامي) عن ابن عمر (أنه كان يأتي النبيص فيضع، يده على قبره ويستدبر القبلة ثم يسلم عليه) فضعيف منكر كما بينه في التعليق عليه.
[ ٢ / ٣٨١ ]
القبور عامة. نعم، استدل بعضهم على ذلك بحديث ابن عباس قال:
(مر رسول الله - ﵌ - بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن على الأثر).أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦) والضياء في (المختارة) (٥٨/ ١٩٢/١) من طريق الطبراني وقال الترمذي: (حسن غريب).
قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان قال النسائي: (ليس بالقوي). وقال ابن حبان: (ردئ الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له).
قلت: وهذا من روايته عن أبيه، فلا يحتج به، ولعل تحسين الترمذي لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت في الأحاديث الصحيحة وقد مضى قريبا ذكر قسم طيب منها، إلا أن قوله: (فأقبل عليهم بوجهه) منكر لتفرد هذا الضعيف به.
إذا عرفت هذا، فقد قال الشيخ علي القاري في (مرقاة المفاتيح) (٢/ ٤٠٧): (فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه في حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء).
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر ظاهر، إذ ليس في الحديث إلا إقباله - ﵌ - بوجهه على القبور، وأما الإقبال على وجوه الموتى، فشئ آخر وهو يحتاج إلى نص آخر غير هذا، وهو مما لا أعرفه.
فالحق أن الحديث لو ثبت سنده لكان دليلا واضحا على أن المار بالقبور
[ ٢ / ٣٨٢ ]
يستقبلها بوجهه حين السلام عليها والدعاء لها، كيفما كان الاستقبال، وحسبما يتفق دون قصد لوجوه الموتى، أما والسند ضعيف كما سبق بيانه فلا يصلح للاستدلال به أصلا.
ولا ينافي ما تقدم (١) عن الإمام مالك من عدم مشروعية استقبال الحجرة عند الدعاء الحكاية التي جاء فيها أن مالكا لما سأله المنصور العباسي عن استقبال الحجرة، أمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، لأنها حكاية باطلة، مكذوبة على مالك، وليس لها إسناد معروف، ثم هي خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل في إسحاق القاضي وغيره.
ومثلها ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لانفسهم فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه فمن البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال (لا يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها) (٢).
-وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يبشره بالنار، كذلك أمر رسول الله - ﵌ - في حديث سعد بن أبي وقاص قال: (جاء أعرابي إلى النبي - ﵌ - فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: في النار، فكأن الأعرابي وجد من ذلك، فقال: يارسول الله! فأين أبوك؟ قال: (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار). قال: فأسلم الأعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله - ﵌ - تعبا! ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار). أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (١/ ١٩١/١) وابن السني في (عمل اليوم والليلة) رقم (٥٨٨) والضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) (١/ ٣٣٣) بسند صحيح، وقال الهيثمي (١/ ١١٧ -
_________________
(١) أي في كتاب الشيخ "أحكام الجنائز".
(٢) انظر (قاعدة جليلة) لابن تيمية (ص ٥٣ - ٦٢).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
١١٨): (رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح).
وقد أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧) من هذا الوجه لكنه جعله من مسند عبد الله ابن عمر، وقال البوصيري في (الزوائد) (ق ٩٨/ ٢): (إسناده صحيح، رجاله ثقات).
قلت: لكنه شاذ، والمحفوظ أنه من مسند سعد كما بينته في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (١٨).
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: (إذا مررتم بقبورنا وقبوركم من أهل الجاهلية، فأخبروهم أنهم من أهل النار).رواه ابن السني في (اليوم والليلة) (رقم ٥٨٧) بسند فيه يحيى بن يمان وهو سيئ الحفظ عن محمد بن عمر، ولم أعرفه عن أبي سلمة عنه. لكن الظاهر انه (ابن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ثم واو بعد الراء، سقط من الطابع حرف الواو. وهو حسن الحديث.
وما ذكرنا في هذه المسألة هو مذهب الحنابلة كما في (كشاف القناع) (٢/ ١٣٤) وغيره من كتبهم.
- ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه، لحديث بشير بن الحنظلية قال: (بينما أماشي رسول الله - ﵌ - أتى على قبور المسلمين فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك، فنظر، فلما عرف الرجل رسول الله - ﵌ - خلع نعليه، فرمى بهما) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وقد مضى بتمامه في المسألة (٨٨) (١).
_________________
(١) قال الحافظ في (الفتح) (٣ - ١٦٠): (والحديث يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال، وأغرب ابن حزم فقال: يحرم المشي بين القبور بالنعال السبتية دون غيرها! وهو جمود شديد. وأما قول الخطابي يشبه أن يكون النهي عنهما لما فيهما من الخيلاء، فإنه متعقب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية، ويقول: إن النبيص كان يلبسها. وهو حديث صحيح. وقال الطحاوي: (يحمل نهي الرجل المذكور على أنه كان في نعليه قذر، فقد كان النبيص يصلي في نعليه ما لم ير فيهما أذى).قلت: وهذا الاحتمال بعيد، بل جزم ابن حزم (٥/ ١٣٧) ببطلانه، وأنه من التقول على الله! والاقرب أن النهي من باب احترام الموتى، فهو كالنهي عن الجلوس على القبر الاتي في المسألة (١٢٨ فقرة ٦)، وعليه فلا فرق بين النعلين السبتيتين وغيرهما من النعال التي عليها شعر، إذ الكل في مثابة واحدة في المشي فيها بين القبور ومنافاتها لاحترامها، وقد شرح ذلك ابن القيم في (تهذيب السنن) (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٥) ونقل عن الامأم أحمد أنه قال: (حديث بشير إسناده جيد، أذهب إليه إلا من علة).وقد ثبت أن الامام أحمد كان يعمل بهذا الحديث، فقال أبو داود في مسائله (ص ١٥٨): (رأيت أحمد إذا تبع الجنازة فقرب من المقابر خلع نعليه).فرحمه الله، ما كان أتبعه للسنة.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
-ولا يشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور، لأنه لم يكن من فعل السلف، ولو كان خيرا لسبقونا إليه "وقد قال ابن عمر ﵄: (كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة) (١).
رواه ابن بطة في (الإبانة عن
_________________
(١) ولا يعارض ما ذكرنا حديث ابن عباس في وضع النبيص شقي جريدة النخل على القبرين وقوله: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).متفق عليه وقد خرجته في (صحيح أبي داود) (١٥).فإنه خاص بهص بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف ولامور أخرى يأتي بيانها. قال الخطابي رحمه الله تعالى في (معالم السنن) (١/ ٢٧) تعليقا على الحديث: (إنه من التبرك بأثر النبيص ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تغرس الحوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه).قال الشيخ أحمد شاكر في تعيلقه على الترمذي (١/ ١٠٣) عقب هذا: (وصدق الحطابي، وقد ازداد العامة إصرارا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصا في بلاد مصر، تقليدا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للاحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه (الجندي المجهول) ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدا للافرنج، واتباعا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك في قبور موتاهم، ولقد علمت أن أكثر الاوقاف التي تسمى أوقافا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع على القبور وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا سند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكررها وأن بطلوا هذه العادات ما استطاعوا) .. قلت: ويؤيد كون وضع الجريد على القبر خاص به، وأن التخفيف لم يكن من أجل نداوة شقها أمور: أ- حديث جابر ﵁ الطويل في (صحيح مسلم) (٨/ ٢٣١ - ٢٣٦) وفية قالص: (إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين).فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما هو بسبب شفاعتهص ودعائه لا بسبب النداوة، وسواء كانت قصة جابر هذه هي عين قصة ابن عباس المتقدمة كما رجحه العيي وغيره، أو غيرها كما رجحه الحافظ في (الفتح)، أما على الاحتمال الأول فظاهر، وأما على الاحتمال الاخر، فلان النظر الصحيح يقتضي أن تكون العلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولان كون النداوة سببا لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعا ولا عقلا، ولو كان الامر كذلك لكان أخف الناس عذابا إنما هم الكفار الذين يدفنون في مقابر أشبه ما تكون بالجنان لكثرة ما يزرع فيها من النباتات والاشجار التي تظل مخضرة صيفان شتاء! يضاف إلى ما سبق أن بعض العلماء كالسيوطي قد ذكروا أن سبب تأثير النداوة في التخفيف كونها تسبح الله تعالى، قالوا: فإذا ذهبت من العود ويبس انقطع، تسبيحه! فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله ﵎: (وإن من شئ إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم). ب- في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة، أو بالاحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله (ثم دعا بعسيب فشقه اثنين) يعني طولا، فإن من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويبسه بسرعة، فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق، فلو كانت هي العلة لابقاهص بدون شق ولوضع عل كل قبر عسيبا أو نصفه على الاقل، فإذا لم يفعل دل على أن النداوة ليست هي السبب، وتعين أنها علامة على مدة التخفيف الذي أذن الله به استجابة لشفاعة نبيهص كما هو مصرح به في حديث جابر، وبذلك يتفق الحديثان في تعيين السبب، وإن احتمل اختلافهما في الواقعة وتعددها. فتأمل هذا، فإنما هو شئ انقدح في نفسي، ولم أجد من نص عليه أو أشار إليه من العلماء، فإن كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فهو مي، واستغفره من كل ما لا يرضيه. ج- لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح ولعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والاس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فعلوا لاشهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا، لانه من الامور التي تلفت النظر، وتستدعي الدواعي نقله، فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع، وأن التقرب به إلى الله بدعة، فثبت المراد. وإذا تبين هذا، سهل حينئذ فهم بطلان ذلك القياس الهزيل الذى نقله السيوطي في (شرح الصدور) عمن لم يسمعه: (فإذا خفف عنهما بتسبيح الجريدة فكيف بقراءة المومن القرآن؟ قال: وهذا الحديث أصل في غرس الاشجار عند القبور) قلت: فيقال له: (أثبت العرش ثم انقش)، (وهل يستقيم الظل واعوج)؟ القياس صحيحا لبادر إليه السلف لانهم أحرص على الخير منا. فدل ما تقدم على أن وضع الجريد على القبر خاص بهص، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعتهص ودعائه لهما، وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقالهص إلى الرفيق الاعلى ولا لغيره من بعدهص، لان الاطلاع على عذاب القبر من خصوصياته ﵊، وهو من الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الرسول كما جاء في نص القرآن (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) واعلم أنه لا ينافى ما بينا ما أورده السيوطي في (شرح الصدور) (١٣١): (وأخرج ابن عساكر من طريق حماد بن سلمة عن قتادة أن أبا برزة الاسلمي ﵁ كان يحدث أن رسول اللهص مر على قبر وصاحبه يعذب، فأخذ جريدة فغرسها في القبر، وقال: عسى أن يرفه عنه ما دامت رطبة. وكان أبو برزة يوصي: إذا مت فضعوا في قبري معي جريدتين. قال: فمات في مفازة بين (كرمان) و(قومس)، فقالوا: كان يوصينا أن تضع في قبره جريدين وهذا مو ضع لا نصيبهها فيه، فينما هم كذلك إذ طلع عليهم ركب من قبل (سجستان)، فأصابوا معهم سعفا، فأخذوا جريدتين، فوضعوهما معه في قبره. وأخرج ابن سعد عن مورق قال: أوصى بريدة أن تجعل في قبره جريدتان).قلت: ووجه عدم المنافاة، أنه ليس في هذين الاثرين- على فرض التسليم بثبوتهما معا- مشروعية وضع الجريد عند زيارة القبور، الذي ادعينا بدعيتة عدم عمل السلف به، وغاية ما فيهما جعل الجريدتين مع الميت في قبره وهي قضية أخرى، وإن كانت كالتي قبلها في عدم المشروعية لان الحديث الذي رواه أبو برزة كغيره من الصحابة لا يدل على ذلك، لا سيما والحديث فيه وضع جريدة واحدة، وهو أوصى بوضع جريدتين في قبره على أن الاثر لا يصح إسناده، فقد أخرجه الخطيب في تاريخ (بغداد) (١/ ١٨٣ ١٨٢) ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) في آخر ترجمة نضلة بن عبيد بن أبي برزة الاسلمي عن الشاه بن عمار قال: ثنا أبو صالح سليمان بن صالح الليثي قال: أنبأنا النضر بن المنذز بن ثعلبة العبهدي عن حماد بن سلمة به. قلت: فهذا إسناد ضعيف، وله علتان: الاولى: جهالة الشاه والنضر فإني لم أجد لهما ترجمة. والاخرى: عنعنة قتادة فإنهم لم يذكروا له رواية عن أبي برزة، ثم هو مذكور بالتدليس فيخشى من عنعنته في مثل إسناده هذا. وأما وصية بريدة، فهي ثابتة عنه، قال ابن سعد في (الطبقات) (ج ٧ ق ١ ص ٤): أخبرنا عفان بن مسلم قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عاصم الاحول قال: قال مورق: أوصى بريدة الاسلمي أن توضع في قبره جريدتان. فكان أن مات بأدنى خراسان فلم توجد إلا في جوالق حمار. وهذا سند صحيح، وعلقه البخاري (٣/ ١٧٣) مجزوما. قال الحافظ في شرحه: (وكان بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم يره خاصا بذينك الرجلين، قال ابن رشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر: إنما يظله عمله).قلت: ولا شك أن ما ذهب إليه البخاري هو الصواب لما سبق بيانه، ورأي بريدة لا حجة فيه، لانه رأى والحديث لا يدل عليه حتى لو كان عاما، فإن النبيص لم يضع الجريدة في القبر، بل عليه كما سبق. و(خير الهدى هدى محمد).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
أصول الديانة) (٢/ ١١٢/٢) واللالكائي في (السنة) (١/ ٢١/١) موقوفا بإسناد صحيح، والهروي في (ذم الكلام) (٢/ ٣٦/ ١) مرفوعا، وما أراه إلا وهما. وإنما يصح منه مرفوعا الشطر الاول منه وقد مضى حديث جابر.
"أحكام الجنائز" (ص٢٢٧ - ٢٥٨)
[١٦٧] باب ما يحرم عند القبور
[قال الإمام]:
يحرم عند القبور ما يأتي:
١ - الذبح والنحر، لقوله - ﵌ -: «لاعقر في الاسلام»، قال عبد الرزاق بن همام: «كانو يعقرون عند القبر بقرة أو شاة».أخرجه أبو داود (٢/ ٧١) وقول عبد الرزاق له وهو في مصنفه (٦٦٩٠)، والبيهقي (٤/ ٥٧) وأحمد (٣/ ١٩٧) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وقال شيخ الإسلام في «الاقتضاء» (ص ١٨٢): «وأما الذبح هناك- يعني عند القبور- فمنهي عنه مطلقًا ذكره أصحابنا وغيرهم لهذا الحديث، قال أحمد
[ ٢ / ٣٨٨ ]
في رواية المروزي-: قال النبي - ﵌ -: لا عقر في الاسلام. كانوا إذا مات لهم الميت تحروا جزورًا على قبره، فنهى النبي - ﵌ - عن ذلك.
وكره أبو عبد الله أكل لحمه.
قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه».
وقال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٢٠): «وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس هذا، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح».
قلت: وهذا إذا كان الذبح هناك لله تعالى وأما إذ كان لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح، وأكله حرام وفسق كما قال تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، أي والحال أنه كذلك بأن ذبح لغير الله، إذ هذا هذا الفسق هنا كما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿أو فسقا أهل لغير الله به﴾، كما في «الزواجر» (١/ ١٧١) للفقيه الهيتمى. وقال: «لعن الله (وفي رواية: ملعون) من ذبح لغير الله».أخرجه أحمد (رقم ٢٨١٧، ٢٩١٥، ٢٩١٧) بسند حسن عن ابن عباس، ومسلم (٦/ ٨٤) عن علي نحوه
٢ - رفعها زيادة على التراب الخارج منها.
٣ - طليها بالكِلْس ونحوه.
٤ - الكتابة عليها.
٥ - البناء عليها.
٦ - القعود عليها.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله - ﵌ - أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبني عليه، [أو يزاد عليه]، [أو يكتب عليه]».أخرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأبو داود (٢/ ٧١) والنسائي (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥،٢٨٦) والترمذي (٢/ ١٥٥) وصححه، والحاكم (١/ ٣٧٠) والبيهقي (٤/ ٤) وأحمد (٣/ ٢٩٥، ٣٣٢، ٣٣٩، ٣٩٩)، والزيادتان لأبي داود والنسائي، وللبيهقي الأولى.
والثانية عند الترمذي والحاكم وصحح إسنادها ووافقه الذهبي.
وأعلها المنذري (٤/ ٣٤١) وغيره بالانقطاع بين سليمان بن موسى وجابر. لكن هذا بالنظر لطريق أبي داود وغيره، وإلا فقد أخرجها الحاكم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. وهذا سند على شرط مسلم، وقد صرح ابن جريج عنده بسماعه من أبي الزبير وهذا من جابر، فزال بذلك شبهة تدليسهما، ومن هذا الوجه جاءت الرواية الأولى عند من ذكرنا، وقال النووي (٥/ ٢٩٦): «وإسنادها صحيح».ثم استدل بها على أنه يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه وقال: «قال الشافعي: فإن زاد فلا بأس، قال أصحابنا: معناه أنه ليس بمكروه».
قلت: وهذا خلاف ظاهر النهي فإن الأصل فيه التحريم، فالحق ما قاله ابن حزم في «المحلى» (٥/ ٣٣):
«ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شئ ويهدم كل ذلك».
وهو ظاهر قول الإمام أحمد، فقال أبو داود في «المسائل» (ص ١٥٨):
[ ٢ / ٣٩٠ ]
«سمعْت أحمد قال: لا يزاد على القبر من تراب غيره، إلا أن يسوى بالأرض فلا يعرف، فكأنه رخص إذ ذاك».
لكن ذكر في «الإنصاف» (٢/ ٥٤٨) عنه الكراهة فقط! وقال الإمام محمد في «الآثار» (ص ٤٥):
«أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كان يقال: ارفعوا القبر حتى يعرف أنه قبر فلا يوطأ. قال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه، ونكره أن يجصص، أو يطين، أو يجعل عنده مسجدًا أو علمًا، أو يكتب عليه، ويكره الآجُرّ أن يبنى به، أو يدخله القبر، ولا نرى برش الماء عليه بأسا، وهو قول أبي حنيفة».
قلت: ويدل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر بقدر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر، فهو موافق للنص المتقدم في المسألة (١٠٧).
وأما التجصيص فهو من «الجص» وهو الكِلس، والمراد الطلي به قال في «القاموس»: «وجصص الإناء: ملأه، والبناء: طلاه بالجص».
ولعل النهي عن التجصيص من أجل أنه نوع زينة كما قال بعض المتقدمين، وعليه فما حكم تطيين القبر؟ للعلماء فيه قولان:
الأول: الكراهة، نص عليه الإمام محمد فيما نقلته آنفا عنه، والكراهة عنده للتحريم إذا أطلقت. وبالكراهة قال أبو حفص من الحنابلة كما في «الإنصاف» (٢/ ٥٤٩)
والآخر: أنه لا بأس به. حكاه أبو داود (١٥٨) عن الإمام أحمد. وجزم به في
[ ٢ / ٣٩١ ]
«الإنصاف».وحكاه الترمذي (٢/ ١٥٥) عن الإمام الشافعي، قال النووي عقبه: «ولم يتعرض جمهور الأصحاب له، فالصحيح أنه لا كراهة فيه كما نص عليه، ولم يرد فيه نهي».
قلت: ولعل الصواب التفصيل على نحو ما يأتي: إن كان المقصود من التطين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعا قدر ما سمح به الشرع، وأن لا تنسفه الرياح ولا تبعثره الأمطار، فهو جائز بدون شك لأنه يحقق غاية مشروعة، ولعل هذا هو وجه من قال من الحنابلة أنه يستحب، وإن كان المقصود الزينة ونحوها مما لا فائدة فيه فلا يجوز لأنه محدث، وأما الكتابة، فظاهر الحديث تحريمها، وهو ظاهر كلام الإمام محمد، وصرح الشافعية والحنابلة بالكراهة فقط! وقال النووي (٥/ ٢٩٨):
«قال أصحابنا: وسواء كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه كما جرت عادة بعض الناس، أم في غيره، فكله مكروه لعموم الحديث».
واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة، بل للتعرف قياسًا على وضع النبي - ﵌ - الحجر على قبر عثمان بن مظعون قال الشوكاني: «وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في «ضوء النهار»، ولكن الشأن في صحة هذا القياس».
والذي أراه والله أعلم أن القول بصحة هذا القياس على إطلاقه بعيد، والصواب تقييده بما إذا كان الحجر لا يحقق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله - ﵌ - الحجر، ألا وهي التعرف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلًا وكثرة الأحجار المعرفة! فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقق به الغاية المذكورة. والله أعلم. وأما قول الحاكم عقب الحديث: «ليس العمل عليه، فإن أئمة
[ ٢ / ٣٩٢ ]
المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف».
فقد رده الذهبي بقوله: «ما قلت طائلًا، ولا نعلم صحابيًاّ فعل ذلك، وإنما هو شئ أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم- ولم يبلغهم النهي».
الثاني: عن أبي سعيد وهو الخدري «أن النبي - ﵌ - نهى أن يبنى على القبر».أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٣ - ٣٧٤) بسند رجاله جميعًا رجال الصحيح، إلا أنه منقطع، فقد قال البوصيري في «الزوائد» (ق٩٧/ ٢): «رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، القاسم بن مخيمرة لم يسمع من أبي سعيد».
قلت: فقول السندي في حاشية ابن ماجه: «وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات»، وَهْمٌ لا أدري ممن هو؟ ورواه أبو يعلى بلفظ: «نهى نبي الله - ﵌ - أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها» قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٦١): «ورجاله ثقات».
الثالث: عن أبي الهياج الأسدي قال: «قال لي على بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﵌ -؛ أن لا تدع تمثالا [رواية: صورة] [في بيت] إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته».أخرجه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (٥١/ ٢٨) والترمذي (٢/ ١٥٣ - ١٥٤) حسنه، والحاكم (١/ ٣٦٩) والبيهقي (٤/ ٣) والطيالسي في (رقم ١٥٥) وأحمد (رقم ٧٤١، ١٠٦٤) من طريق أبي وائل عنه، والطبراني في «المعجم الصغير» (ص ٢٩) من طريق أبي إسحاق عنه. وله في مسند الطيالسي (رقم٩٦) وأحمد (رقم٦٥٧،٦٥٨، ٦٨٣،٦٨٩) طريقان آخران عن علي ﵁.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
قال الشوكاني رحمه الله تعالى (٤/ ٧٢) في شرح هذا الحديث: «فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعًا كبيرًا من غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل، والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة الشافعي ومالك، قال: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوليًا القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي - ﵌ - فاعل ذلك كما سيأتي. وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام؛ منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجا لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا. وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله، ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالمًا ولا متعلمًا، ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبي واعترف بالحق! وهذا من أبين الادلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للاسلام أشد من الكفر، وأي بلاء. لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأى مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك واجبًا؟!
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
[ ٢ / ٣٩٤ ]
ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد
وللشوكاني رحمه الله تعالى رسالة لطيفة نافعة في هذا الباب أسماها «شرح الصدور في تحريم رفع القبور» مطبوعة في «المجموعة المنيرية» (١/ ٦٢ - ٧٦).
الرابع: عن ثمامة بن شفي قال: «خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم، وكان عاملًا لمعاوية على الدرب، (وفي رواية: غزونا أرض الروم، وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الانصاري)، فأصيب ابن عم لنا [بـ] (رودس) (١) فصلى عليه فضالة، وقام على حفرته حتى واراه، فلما سوينا عليه حفرته قال: أخفوا عنه، (وفي الرواية الاخرى: خففوا عنه) (٢) فإن رسول الله - ﵌ - كان يأمرنا بتسوية القبور».أخرجه أحمد (٦/ ١٨) بالروايتين وإسناده حسن، وابن أبي شيبة (٤/ ١٣٥ - ١٣٨) بالرواية الاخرى.
ورواه مسلم (٣/ ٦١) وأبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (١/ ٢٨٥) والبيهقي (٤/ ٢ - ٣) من طريق أخرى عن ثمامة نحوه أخصر منه، وهو رواية لأحمد (٦/ ٢١) ولفظها عنده:
«سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: سووا قبوركم بالأرض».
وفي سنده ابن لهيعة وهو سئ الحفظ.
وأما الحديث المشهور على الالسنة بلفظ: «خير القبور الدوارس» فلا أصل له في شئ من كتب السنة، وهو بظاهره منكر؛ لأن القبر لا ينبغي أن يدرس، بل
_________________
(١) جزيرة معروفة في البحر الابيض المتوسط، جنوب غرب تركيا. [منه]
(٢) هي بمعنى الرواية التي قبلها، إلا أن هذه عديت بالتشديد وتلك بالالف. [منه]
[ ٢ / ٣٩٥ ]
ينبغي أن يظل ظاهرًا مرفوعًا عن الأرض قدر شبر كما سبق، ليعرف فيصان ولا يهان، ويزار ولا يهجر.
ثم إن الظاهر من حديث فضالة «كان يأمرنا بتسوية القبور» تسويتها بالأرض بحيث لا ترفع إطلاقًا، وهذا الظاهر غير مراد قطعًا، بدليل أن السنة الرفع قدر شبر كما مرت الإشارة إليه سابقًا، ويؤيد هذا من الحديث نفسه قول فضالة «خففوا» أي التراب، فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية، وبهذا فسره العلماء انظر «المرقاة» (٢/ ٣٧٢).
الخامس: عن أبي هريرة أن رسول الله - ﵌ - قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس (وفي رواية: يطأ) على قبر».أخرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأبو داود (٢/ ٧١) والنسائي (١/ ٢٨٧) وابن ماجه (١/ ٤٨٤) (١/ ٤٨٤) والبيهقي (٤/ ٧٩) وأحمد (٢/ ٣١١،٣٨٩، ٤٤٤)، والرواية الأخرى إحدى روايتيه (٢/ ٥٢٨).
السادس: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «لأن أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي (١) أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق».أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٣٣) وابن ماجه (١/ ٤٧٤) بإسناد صحيح كما قال البوصيري في «الزوائد» (ق ٩٨/ ١)، وقال المنذري في «الترغيب»: إنه جيد.
السابع: عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «لا تصلوا
_________________
(١) أي وذلك أمر صعب شديد إن أمكن. [منه].
[ ٢ / ٣٩٦ ]
إلى القبور، ولا تجلسوا عليها».أخرجه مسلم (٣/ ٦٢) وأصحاب السنن الثلاثة وغيرهم، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» وقد تكلمت على إسناده في «تخريج صفة صلاة النبي - ﵌ -» ثم في «تحذير الساجد» (ص ٢١).
وفي هذه الأحاديث الثلاثة دليل على تحريم الجلوس والوطأ على قبر المسلم، وهو مذهب جمهور العلماء على ما نقله الشوكاني (٤/ ٥٧) وغيره، لكن حكى النووي والعسقلاني عنهم الكراهة فقط، وهو نص الامام الشافعي في «الأم» (١) وكذلك نص الامام محمد في «الآثار» (ص ٤٥) على الكراهة وقال: «وهو قول أبي حنيفة».
قلت: والكراهة عندهما إذا أطلقت فهي للتحريم، وهذا أقرب إلى الصواب من القول بالكراهة فحسب، والحق القول بالتحريم لأنه الذي ينص عليه حديث أبي هريرة وعقبة؛ لما فيهما من الترهيب الشديد، وبهذا قال جماعة من الشافعية، منهم النووي، وإليه ذهب الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٢١٠)، ومال الفقيه ابن حجر الهيتمى في «الزواجر» (١/ ١٤٣) إلى أنه كبيرة، لما أشرنا إليه من الوعيد الشديد، وليس ذلك عن الصواب ببعيد.
_________________
(١) قال الشافعي ﵀ (١/ ٢٤٦): (وأكره وطأ القبر والجلوس والاتكاء عليه، إلا أن لا يجد الرجل السبيل إلى قبر ميته إلا بأن يطأه فذلك موضع ضرورة، فأرجو حينئذ أن يسعه إن شاء الله تعالى، وقال بعض أصحابنا: لا بأس بالجلوس عليه، وإنما نهي عن الجلوس عليه للتغوط! وليس هذا عندنا كما قال، وإن كان نهي عنه للمذهب فقد نهي عنه مطلقا لغير المذب).وكان الشافعي ﵀ يشير إلى إلامام مالك ﵀ فإنه صرح في (الموطأ) بالتأويل المذكور، ولا شك في بطلانه كما بينه النووي فيما نقله الحافظ (٣/ ١٧٤). [منه].
[ ٢ / ٣٩٧ ]
٧ - الصلاة إلى القبور للحديث المتقدم آنفًا:
«لا تصلوا إلى القبور ..» وفيه دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي، وهو اختيار النووي، فقال المناوي في «فيض القدير» شارحًا للحديث: «أي مستقبلين إليها، لما فيه من التعظيم البالغ، لأنه من مرتبة المعبود، فجمع-يعنى الحديث بتمامه-بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم، والتعظيم البليغ» ثم قال في موضع آخر: «فإن ذلك مكروه، فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، والمراد كراهة التنزيه، قال النووي: كذا قال أصحابنا، ولو قيل بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد. ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة، فهو مكروه كراهة تحريم».
وينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو إذا لم يقصد بالاستقبال تعظيم القبور، وإلا فهو شرك، قال الشيخ علي القاري في «المرقاة» (٢/ ٣٧٢) في شرحه لهذا الحديث: «ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن يكون كراهة تحريم، وفي معناه بل أولى منه: الجنازة الموضوعة، وهو مما ابتلي به أهل مكة، حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها».
٨ - الصلاة عندها ولو بدون استقبال، وفيه أحاديث:
الاول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام».أخرجه أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي وغيرهم بسند صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، وأعل بالإرسال، وليس بشئ، ولو سلم به فقد جاء من طريق أخرى سالمة
[ ٢ / ٣٩٨ ]
من الإرسال وهي على شرط مسلم، وقد فصلت القول في ذلك في «الثمر المستطاب» في المبحث السادس من «الصلاة».
الثاني: عن أنس: «أن النبي - ﵌ - نهى عن الصلاة بين القبور».قال في «المجمع» (٢/ ٢٧) «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح».
قلت: ورواه ابن الأعرابي في «معجمه» (٢٣٥/ ١) والطبراني في (الأوسط) (١/ ٢٨٠) والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٧٩/ ٢) وزادوا: «على الجنائز».
الثالث: عن ابن عمر عن النبي - ﵌ - قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا».أخرجه البخاري (١/ ٤٢٠) ومسلم (٢/ ١٨٧) وأحمد (رقم٤٥١١، ٤٦٥٣، ٦٠٤٥).
الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة».أخرجه مسلم. وقد ترجم البخاري للحديث الثالث بقوله: «باب كراهية الصلاة في المقابر».
وبين وجه ذلك الحافظ في شرحه فقال ما مختصره: «استنبط من قوله في الحديث: «لا تتخذوها قبورًا «أن القبور ليست بمحل للعبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة، وقد نازع الإسماعيلي المصنف في هذه الترجمة فقال: الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر: قلت: قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ» لا تجعلوا بيوتكم مقابر «، وقال ابن التين: تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر: وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا
[ ٢ / ٣٩٩ ]
يصلون في بيوتهم وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك، قلت: إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق فمسلم، وإن أراد نفي ذلك مطلقًا فلا، فقد قدمنا وجه استنباطه، وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة. وكذا قال البغوي في «شرح السنة» والخطابي.
قلت: وهذا هو الأرجح أن الحديث يدل على أن المقبرة ليست موضعًا للصلاة، لا سيما بلفظ أبي هريرة فهو أصرح في الدلالة، وقول الإسماعيلي: يدل على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر، مع مخالفته الصريحة لحديث أبي هريرة، فلا يحسن حمل حديث ابن عمر عليه؛ لأن الصلاة في القبر غير ممكنة عادةً، فكيف يحمل كلام الشارع عليه؟! وقول ابن التين: (هو من شراح «صحيح البخاري» واسمه عبد الواحد) «الموتى لا يصلون».ليس بصحيح، لأنه لم يرد نص في الشرع بنفي ذلك، وهو من الأمور الغيبية التي لا ينبغي البت فيها إلا بنص، وذلك مفقود، بل قد جاء ما يبطل إطلاق القول به، وهو صلاة موسى ﵊ في قبره كما رآه رسول الله - ﵌ - ليلة أسري به على ما رواه مسلم في «صحيحه»، وكذلك صلاة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقتدين به في تلك الليلة كما ثبت في «الصحيح» بل ثبت عنه - ﵌ - أنه قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون».
أخرجه أبو يعلى بإسناد جيد، وقد خرجته في «الأحاديث الصحيحة» (٦٢٢).بل قد جاء عنه - ﵌ - ما هو أعم مما ذكرنا، وذلك في حديث أبي هريرة في سؤال الملكين للمؤمن في القبر: «فيقال له اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد آذنت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا
[ ٢ / ٤٠٠ ]
تشهد عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولان: إنك ستفعل».
أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٧٨١) والحاكم (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠) وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي! وإنما هو حسن فقط، لان فيه محمد بن عمرو ولم يحتج به مسلم وإنما روى له مقرونا أو متابعة.
فهذا الحديث صريح في أن المؤمن أيضا يصلي في قبره، فبطل بذلك القول بأن الموتى لا يصلون، وترجح أن المراد بحديث ابن عمر أن المقبرة ليست موضعًا للصلاة، والله أعلم.
وقد دل الحديث وما ذكر معه على كراهة الصلاة في المقبرة، وهي للتحريم لظاهر النهي في بعضها، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وهو قول ابن حزم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني في «نيل الاوطار» (٢/ ١١٢)، وروى ابن حزم (٤/ ٢٧ - ٢٨) عن الإمام أحمد أنه قال: «من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدًا».ثم قال ابن حزم: «وكره إلصلاة إلى القبر وفي المقبرة وعلى القبر أبو حنيفة والأوزاعي وسفيان ولم ير مالك بذلك بأسًا! واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله - ﵌ - صلى على قبر المسكينة السوداء! قال ابن حزم: «وهذا عجب ناهيك به أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما جاء فيه، فلا يجيزون أن نصلى صلاة الجنازة على من دفن، ثم يستبيحون ما ليس فيه أثر منه ولا إشارة، مخالفة للسنن الثابتة. قال: كل هذه الاثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة، وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه كما فعل رسول الله - ﵌ -، نحرم ما نهى عنه، ونَعُدُّ من التقرب إلى الله تعالى أن نفعل! مثل ما فعل فأمره ونهيه حق، وفعله حق، وما عدا ذلك فباطل «.قلت: وفيما قاله في صلاة الجنازة نظر؛ لأنه لا نص
[ ٢ / ٤٠١ ]
على جوازها في المقبرة ولو كان ابن حزم من القائلين بالقياس لقلنا أنه قاس ذلك على الصلاة على القبر: ولكنه يقول ببطلان القياس من أصله، وصلاة الجنازة في المقبرة خلاف السنة التي لم تأت إلا بصلاتها في المصلى وفي المسجد كما سبق بيانه في محله، بل قد جاء النهي الصريح عن الصلاة عليها بين القبور كما في رواية في حديث أنس المذكور في هذا الفصل، وهو الحديث الثاني منه.
ثم إن كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كل مكان منها سواء كان القبر أمام المصلي أو خلفه أو عن يمينه، أو عن يساره؛ لأن النهي مطلق، ومن المقرر في علم الأصول أن المطلق يجرى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده، ولم يرد هنا شئ من ذلك، وقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الاختبارات العلمية» (ص ٢٥): «ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر. وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولًا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر. وذكر بعضهم: «هذا منصوص أحمد».
وفي كلام الشيخ ﵀ التصريح بأن علة النهي عن الصلاة في المقبرة إنما هي سد الذريعة، وهذا أحد قولي العلماء في ذلك، والقول الآخر أن العلة إنما هي
[ ٢ / ٤٠٢ ]
نجاسة أرض المقبرة! وهما قولان في مذهب الحنفية، وقد نظر ابن عابدين في «الحاشية» (١/ ٣٥٢) في الثاني منهما، وذلك لأن الاستحالة مطهرة عندهم، فكيف تكون هذه العلة صحيحة؟! ولا شك عندنا أن القول الأول هو الصحيح، وقد بين ذلك شيخ الإسلام في كتبه، واستدل له بما لا تجده عند غيره، فراجع مثلا كتابه: «اقتضاء الصراط المستقيم». (١٥٢،١٩٣)، وعليه مشى في «الخانية» من كتب الحنيفة، وأشار إليه الطحطاوي في حاشيته على «مراقي الفلاح» فقال عند قول الشارح: «وتكره الصلاة في المقبرة» (١/ ٢٠٨): «بتثليث الباء، لأنه تشبه باليهود والنصارى، قال - ﵌ -: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وسواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه، ويستثنى مقابر الانبياء ﵈ فلا تكره الصلاة فيها مطلقًا منبوشة أو لا، بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة؛ لأنهم أحياء في قبورهم»!
قلت: وهذا الاستثناء باطل ظاهر البطلان، كيف وهو يناقض العلة التي ذكرها والحديث الذي استدل به عليها، وكيف يصح مثل هذا الاستثناء والأحاديث مستفيضة في لعن أهل الكتاب لا تخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ثم صح أن النبي - ﵌ - نهانا عن ذلك، فالنهي منصب على اتخاذ قبور الأنبياء مباشرة، وغيرهم يلحق بهم، فكيف يعقل استثناؤهم!؟ والحق أن مثل هذا الاستثناء إنما يتمشى مع القول الثاني أن العلة النجاسة، وقبور الانبياء بلا شك طاهرة؛ لأنهم كما قال ﵇: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، ولكن هذه العلة باطلة وما بني على باطل فهو باطل (١).
_________________
(١) وقد فصلت القول في خطأ الطحطاوي وتناقصه في الاستثناء المذكور في كتابي «الثمر المستطاب في تمه السنة والكتاب». [منه].
[ ٢ / ٤٠٣ ]
٩ - بناء المساجد عليها.
وفيه أحاديث:
الاول: عن عائشة وعبد الله بن عباس معا قالا: «لما نزل برسول الله - ﵌ - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال: وهو كذلك:- «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر [مثل] ما صنعوا».
أخرجه البخاري (١/ ٦.٤٢٢/ ٨.٣٨٦/ ١١٦) ومسلم (٢/ ٦٧) والنسائي (١/ ١١٥) والدارمي (١/ ٣٢٦) والبيهقي (٤/ ٨٠) وأحمد (١/ ٦.٢١٨/ ٢٧٥.٢٢٩.٣٤)، والزيادة لمسلم والدارمي وغيرهما.
الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﵌ - في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. أخرجه البخاري (٣/ ١٥٦، ١٩٨، ٨/ ١١٤) وأبو عوانة (٢/ ٣٩٩) وأحمد (٦/ ٢٥٥.١٢١.٨٠).وله عنده (٦/ ٢٥٢.١٤٦) طريق آخر عنها.
الثالث: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «قاتل الله اليهود (وفي رواية: لعن الله اليهود والنصارى) اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».أخرجه البخاري (١/ ٤٢٢) ومسلم وأبو عوانة (٢/ ٤٠٠) وأبو داود (٢/ ٧١) والبيهقي (٤/ ٨٠) وأحمد (٢/ ٢٨٤،٣٦٦،٣٩٦،٤٥٣،٥١٨) والرواية الثانية له ولمسلم وأبي عوانة، وهي من طريق أخرى عن أبي هريرة.
الرابع: عنه عن النبي - ﵌ -: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا
[ ٢ / ٤٠٤ ]
قبور أنبيائهم مساجد».أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦) وابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٣٦٢) وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣١٧) بإسناد صحيح، وأما قول الهيثمي، في «مجمع الزوائد» (٢٣): «رواه أبو يعلى، وفيه إسحاق بن أبي إسرائيل وفيه كلام لوقفه في القرآن، وبقية رجاله ثقات».
فقيه نظر من وجوه:
١ - إنه اقتصر على أبي يعلى في العزو فأوهم أنه ليس في «مسند أحمد» وليس كذلك كما عرفت.
٢ - أن إسحاق المذكور ثقة، ووقفه في القرآن لا يجرحه كما هو مقرر في المصطلح.
٣ - أنه لم يتفرد به، فهو عند أحمد من غير طريقه، فالحديث صحيح لاشك فيه.
وله شاهد مرسل. أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٨٥ - ١٨٦) بسند صحيح. وروي موصولًا عن أبي سعيد الخدري.
الخامس: عن جندب قال: سمعت النبي - ﵌ - قبل أن يموت بخمس يقول: [قد كان لي فيكم أخوة وأصدقاء، و] إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانو يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك «.
أخرجه مسلم (٢/ ٦٧ - ٦٨) دون سائر الستة، ونسبه الشوكاني (٢/ ١١٤) للنسائي أيضًا، فلعله يعني «السنن الكبرى» له، ولم ينسبه في «الذخائر» إلا لمسلم وحده، نعم أخرجه عوانة في «صحيحه» (٢/ ٤٠١) والزيادة له.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
السادس: عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول:
«إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد».أخرجه أحمد (رقم ٤٣٤٢.٤١٤٤.٤١٤٣.٣٨٤٤) بإسنادين في حسنين عنه. ورواه ابن أبي شيبة وابن حبان في «صحيحه»، وقال ابن تيمية: «إسناده جيد».وذهل الهيثمي عن كونه في «المسند» فقال (٢/ ٢٧): «رواه الطبراني في» الكبير «وإسناده حسن».
السابع: عن عائشة قالت: «لما كان مرض النبي - ﵌ -، تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها (مارية) - وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة- فذكرن من حسنها وتصاويرها. قالت: فقال النبي - ﵌ -: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح [فمات] بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله [يوم القيامة]».
أخرجه البخاري (١/ ٤١٦،٤٢٢) ومسلم (٢/ ٦٦ - ٦٧) والنسائي (١/ ١١٥) وكذا أبو عوانة (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١) والبيهقي (٤/ ٨٠) والسياق لهما، وأحمد (٦/ ٥١) وابن أبي شيبة (٤/ ١٤٠)، والزيادتان للشيخين وغيرهما.
وفي الباب أحاديث أخرى عن جماعة آخرين من الصحابة، أوردتها في «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» وهي تدل دلالة قاطعة على أن اتخاذ القبور مساجد حرام لما فيها من لعن المتخذين، ولذلك قال الفقيه الهيتمي في «الزواجر» (١/ ١٢٠ - ١٢١):
«الكبيرة الثالثة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد»، ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها مما ليس على شرطنا ثم قال: «وعد هذه من الكبائر وقع في كلام
[ ٢ / ٤٠٦ ]
بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكره من هذه الأحاديث، ووجهه واضح، لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية «يحذر ما صنعوا»، أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك، فيلعنوا كما لعنوا .. قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا بها عين المحادة لله ورسوله، وابتداع دين لما يأذن به الله للنهي عنها ثم إجماعًا، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي - ﵌ - لعن فاعله، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسول الله - ﵌ -، لأنه نهى عن ذلك، وأمر - ﵌ - بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. انتهى».
هذا والاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل عدة أمور:
الأول: الصلاة إلى القبور مستقبلًا لها.
الثاني: السجود على القبور.
الثالث: بناء المساجد عليها.
والمعنى الثاني ظاهر من الاتخاذ والآخران مع دخولهما فيه؛ فقد جاء النص عليهما في بعض الأحاديث المتقدمة، وفصلت القول في ذلك وأوردت أقوال العلماء مستشهدًا بها في كتابنا الخاص «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» وذكرت فيه تاريخ إدخال القبر النبوي في المسجد الشريف، وما فيه من المخالفة
[ ٢ / ٤٠٧ ]
للأحاديث المتقدمة، وأن الصلاة مع ذلك لا تكره فيه خاصة، فمن شاء بسط القول في ذلك كله فليرجع إليه.
١٠ - اتخاذها عيدًا، تقصد في أوقات معينة، ومواسم معروفة، للتعبد عندها، أو لغيرها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني».أخرجه أبو داود (١/ ٣١٩) وأحمد (٢/ ٣٦٧) بإسناد حسن، وهو على شرط مسلم، وهو صحيح مما له من طرق وشواهد.
فله طريق أخرى عن أبي هريرة، عند أبي نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٨٣)
وله شاهد مرسل بإسناد قوي عن سهيل قال: «رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي - ﵌ -، فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم «ثم قال: إن رسول الله - ﵌ - قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ما أنتم ومن بالاندلس إلا سواء. رواه سعيد بن منصور كما في «الاقتضاء» لابن تيمية، وهو عند الشيخ اسماعيل بن اسحاق القاضي في «فضل الصلاة على النبي - ﵌ -» (رقم٣٠) (١) دون قوله: «لعن الله اليهود » وكذا رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٠) مقتصرًا على المرفوع منه فقط.
وله شاهد آخر بنحو هذا من طريق علي بن الحسين عن أبيه عن جده مرفوعًا.
_________________
(١) قام بنشره لاول مرة المكتب الاسلامي بتحقيقنا، فيطلب منه. [منه].
[ ٢ / ٤٠٨ ]
أخرجه إسماعيل القاضي (رقم ٢٠) وغيره. انظر «تحذير الساجد» (٩٨ - ٩٩) والحديث دليل على تحريم اتخاذ قبور الانبياء والصالحين عيدا. قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الاقتضاء» (ص ١٥٥ - ١٥٦): «ووجه الدلالة أن قبر النبي - ﵌ - أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم قرن ذلك بقوله - ﵌ -: ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم.
قال: فهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵃، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره - ﵌ -، واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي، وهو أعلم بمعناه من غيره، فتبين أن قصده أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من الدعاء ونحوه اتخاذه عيدًا. وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره اتخاذه عيدًا، فانظر هذه السنة كيف أن مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله - ﵌ - قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط.
والعيد إذا جعل اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيدًا مثابةً للناس، يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الاسلام محا الله ذلك كله، وهذا النوع من الامكنة يدخل فيه قبور الانبياء والصالحين».
[ ٢ / ٤٠٩ ]
ثم قال الشيخ (ص ١٧٥ - ١٨١):
«ولهذا كره مالك ﵁ وغيره من أهل العلم لأهل المدينة، كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيئ فيسلم على قبر النبي - ﵌ - وصاحبيه، قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرًا ونحو ذلك، ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدًا رخص به؛ لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدًا .. مع أنه قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» (١) كما نقول ذلك في آخر صلاتنا. قال: فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا وأيضا فإن ذلك بدعة؛ فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يجيئون إلى المسجد كل يوم لعلمهم ﵃ بما كان النبي - ﵌ - يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه، وإنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته، وما أحسن ما قال مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره لهذا كرهت الأمة استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناءً منعوا الناس أن يصلوا إليه، قال:
_________________
(١) قلت: لم أر هذه الصيغة في شئ من الأحاديث الواردة في آداب الدخول إلى المسجد والخروج منه، وأخذها من مطلق قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبيص » الحديث أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (١/ ٤١٤) وأبو داود في «سننه» (رقم ٤٦٥)، فمما لا يخفى بعده، لا سيما وقد جاءت الصيغة في حديت فاطمة ﵂ بلفظ: «السلام على رسول الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» أخرجه القاضي إسماعيل (٨٢ - ٨٤) وغيره. وانظر «نزل الأبرار» (٧٢).و«الكلم الطيب» (رقم ٦٣ بتحقيقي وضع المكتب الاسلامي). [منه].
[ ٢ / ٤١٠ ]
وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلم على النبي وصاحبيه ثم أراد أن يدعو أن ينصرف فيستقبل القبلة، وكذلك أنكر ذلك من العلماء المتقدمين كمالك وغيره، ومن المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج ابن الجوزي، وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شئ من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا عن النبي - ﵌ -.ولا عن أصحابه ولا عن أحد من الأئمة المعروفين، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عندها شئ من القبور حرفًا واحدًا فيما أعلم، فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه وتنهى عنه ولا تأمر به!؟ قال: وقد أوجب اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله أن تنتاب لذلك وتقصد، وربما اجتمع عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معينة. وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي - ﵌ - بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدًا».قال: حتى إن بعض القبور يجتمع عندها في يوم من السنة، ويسافر إليها إما في المحرم أو رجب أو شعبان أو ذي الحجة أو غيرها، وبعضها يجتمع عندها في يوم عاشوراء، وبعضها في يوم عرفة، وبعضها في النصف من شعبان. وبعضها في وقت آخر، بحيث يكون لها يوم من السنة تقصد فيه، ويجتمع عندها فيه، كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى في أيام معلومة من السنة، وكما يقصد مصلى المصر يوم العيدين، بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم وأشد، ومنها ما يسافر إليه من الامصار في وقت معين، أو وقت غير معين لقصد الدعاء عنده والعبادة هناك، كما يقصد بيت الله الحرام لذلك وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه. قال:
ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع، وفي الجملة هذا
[ ٢ / ٤١١ ]
الذي يُفْعَل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله - ﵌ - بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا» فإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد، ثم ينهى عن دق ذلك وجله، وهذا هو الذي تقدم عن الإمام أحمد إنكاره. قال (يعني أحمد): وقد أفرط الناس في هذا جدًاّ وأكثروا. وذكر ما يفعل عند قبر الحسين. ثم قال الشيخ:
ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيرها، وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال: إنه قبر علي ﵁، وقبر الحسين وحذيفة بن اليمان و و وما يفعل عند قبر أبي يزيد البسطامي إلى قبور كثيرة في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها. قال:
واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين، والاجتماع العام عندها في وقت معين هو اتخاذها عيدًا كما تقدم، ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم في ذلك خلافًا، ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين الذي أخبرنا النبي - ﵌ - أنه كائن في هذه الأمة، وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد في القلوب لا نمحى ذلك كله، فإذا كان قصدها يجر هذه المفاسد كان حرامًا كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحًا لباب الشرك، وإغلاقًا لباب الإيمان».
قلت: ومما يدخل في ذلك دخولًا أوليًاّ ما هو مشاهد اليوم في المدينة المنورة، من قصد الناس دبر كل صلاة مكتوبة قبر النبي - ﵌ -: للسلام عليه والدعاء عنده وبه، ويرفعون أصواتهم لديه، حتى ليضج المسجد بهم، ولا سيما في موسم الحج حتى لكأن ذلك من سنن الصلاة! بل إنهم ليحافظون عليه أكثر من محافظتهم على السنن وكل ذلك يقع من مرأى ومسمع من ولاة الأمر، ولا أحد
[ ٢ / ٤١٢ ]
منهم ينكر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ووَأَسَفًا على غربة الدين وأهله، وفي مسجد النبي - ﵌ - الذي ينبغي أن يكون أبعد المساجد بعد المسجد الحرام عما يخالف شريعته ﵊.
هذا، وقد سبق في كلام شيخ الاسلام ابن تيمية أن بعض أهل العلم رخص في إتيان القبر الشريف للسلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وكأن ذلك يفيد عدم الإكثار والتكرار بدليل قوله عقب ذلك: «وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام فما علمت أحدًا رخص فيه».
قلت: وهذا الترخيص الذي نقله الشيخ عن بعض أهل العلم هو الذي نراه ونعتمد عليه بشرط القيد المذكور، فيجوز لمن بالمدينة إتيان القبر الشريف للسلام عليه - ﵌ - أحيانًا؛ لأن ذلك ليس من اتخاذه عيدًا كما هو ظاهر، والسلام عليه وعلى صاحبيه مشروع بالأدلة العامة، فلا يجوز نفي المشروعية مطلقًا لنهيه - ﵌ - عن اتخاذ قبره عيدًا، لإمكان الجمع بملاحظة الشرط الذي ذكرنا، ولا يخرج عليه أننا لا نعلم أن أحدًا من السلف كان يفعل ذلك، لأن عدم العلم بالشئ لا يستلزم العلم بعدمه كما يقول العلماء، ففي مثل هذا يكفي لإثبات مشروعيته الأدلة العامة مادام أنه لا يثبت ما يعارضها فيما نحن فيه. على أن شيخ الإسلام قد ذكر في «القاعدة الجليلة» (ص ٨٠ طبع المنار) عن نافع أنه قال: كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيئ إلى القبر فيقول: السلام على النبي - ﵌ -، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف؛ فإن ظاهره أنه كان يفعل ذلك في حالة الإقامة لا السفر؛ لأن قوله «مائة مرة»، مما يبعد حمل هذا الأثر على حالة السفر.
[ ٢ / ٤١٣ ]
١١ - السفر إليها:
وفيه أحاديث:
الأول: عن أبي هريرة عن النبي - ﵌ - قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﵌ -، ومسجد الأقصى».
وفي رواية عنه بلفظ: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء».أخرجه البخاري باللفظ الأول، ومسلم باللفظ الآخر من طريق ثان عنه، وأخرجه من الطريق الاول أصحاب السنن وغيرهم.
وله طريق ثالث عند أحمد (٢/ ٥٠١) والدارمي (١/ ٣٣٠) وقد خرجت الحديث مبسوطًا في «الثمر المستطاب».
الثاني: عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «لا تشد (وفي لفظ: لا تشدوا) الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاقصى».
أخرجه الشيخان وغيرهما، وله عنه أربعة طرق أوردتها في المصدر السابق واللفظ الآخر لمسلم.
والطريق الرابعة: يرويها شهر بن حوشب، وعنه اثنان:
أحدهما: ليث بن أبي سليم عنه قال: «لقينا أبا سعيد ونحن نريد الطور، فقال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «لا تعمل المطي إلا » الحديث.
والآخر: عبد الحميد بن بهرام عنه قال: «سمعت أبا سعيد الخدري وذكرت عنده صلاة الطور، فقال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى
[ ٢ / ٤١٤ ]
مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام».الحديث. أخرجهما أحمد (٣/ ٩٣،٦٤).
وشهر ضعيف، وقد تفرد بهذه الزيادة «إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة» فهي منكرة لعدم ورودها في الطرق الأخرى عن أبي سعيد، حتى ولا في طريق ليث عن شهر، وكذلك لم ترد في الأحاديث الأخرى، وهي ثمانية وغالبها لها أكثر من طريق واحد، وقد سقتها كلها في «الثمر المستطاب» فعدم ورود هذه الزيادة في شئ من هذه الأحاديث على كثرتها وتعدد مخارجها لأكبر دليل على نكارة الزيادة وبطلانها، فهي من أوهام شهر بن حوشب أو الراوي عنه عبد الحميد، فإن فيه بعض الضعف من قبل حفظه، وقال الحافظ في ترجمة شهر من «التقريب»: «صدوق كثير الاوهام».
الثالث: عن أبي بصرة الغفاري أنه لقي أبا هريرة وهو جاءٍ، فقال: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الطور، صليت فيه، قال: أما إني لو أدركتك لم تذهب، إني سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».أخرجه الطيالسي (١٣٤٨) وأحمد (٦/ ٧) والسياق له، وإسناده صحيح. وله عند أحمد طريقان آخران، إسناد الاول منهما حسن، والآخر صحيح.
وأخرجه مالك والنسائي والترمذي وصححه من الطريق الثالث، إلا أن أحد الرواة أخطأ في سنده فجعله من مسند بصرة بن أبي بصرة. وفي متنه حيث قال: «لاتعمل المطي».
الرابع: عن قزعة قال: «أردت الخروج إلى الطور فسألت ابن عمر، فقال: أما
[ ٢ / ٤١٥ ]
علمت أن النبي - ﵌ - قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي - ﵌ -، والمسجد الأقصى»، ودع عنك الطور فلا تأته».أخرجه الازرقي «في أخبار مكة» (ص ٣٠٤) بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، وأورد المرفوع منه الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٤) وقال: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات».
وفي هذه الأحاديث تحريم السفر إلي موضع من المواضع المباركة، مثل مقابر الانبباء والصالحين، وهي وإن كانت بلفظ النفي «لا تشد»، فالمراد النهي كما قال الحافظ، على وزن قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾، وهو كما قال الطيبي: «هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به».
قلت: ومما يشهد لكون النفي هنا بمعنى النهي رواية لمسلم في الحديث الثاني: «لا تشدوا».ثم قال الحافظ:
«قوله: «إلا إلى ثلاثة مساجد»، الاستثناء مفرغ، والتقدير لا تشد الرحال
إلى موضع، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها، لان المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام، ولكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا المخصوص، وهو المسجد».
قلت: وهذا الاحتمال ضعيف، والصواب التقدير الأول؛ لما تقدم في حديث أبي بصرة وابن عمر من إنكار السفر إلى الطور، ويأتى بيانه، ثم قال الحافظ:
«وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول، قبلة الناس، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم السالفة،
[ ٢ / ٤١٦ ]
والثالث أسس على التقوى. (قال:)
واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياءً وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة، لقصد التبرك بها، والصلاة فيها، فقال الشيخ أبو محمد الجويني (١): «يحرم شد الرحال إلى غيرها عملًا بظاهر الحديث»، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبي بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور، وقال له: «لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت»، واستدل بهذا الحديث، فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة، والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن الحديث بأجوبة:
١ - منها أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز، وقد وقع في رواية لاحمد سيأتي ذكرها بلفظ: «لا ينبغي للمطي أن تعمل» وهو لفظ ظاهر في غير التحريم.
٢ - ومنها أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به، قاله ابن بطال.
٣ - ومنها أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب، أو طلب علم أو تجارة أو نزهة، فلا يدخل في النهي، ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد- وذكرت عنده
_________________
(١) هو عبد الله بن يوسف شيخ الشافعية ووالد إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، كان إماما في التفسير والفقه والادب. مات سنة (٤٣٨). [منه].
[ ٢ / ٤١٧ ]
الصلاة في الطور- فقال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الاقصى، ومسجدي». وشهر حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف».
قلت: لقد تساهل الحافظ رحمه الله تعالى في قوله في شهر أنه حسن الحديث، مع أنه قال فيه في «التقريب»: «كثير الأوهام» كما سبق، ومن المعلوم أن من كان كذلك فحديثه ضعيف لا يحتج به، كما قرره الحافظ نفسه في «شرح النخبة» ثم هب أنه حسن الحديث، فإنما يكون كذلك عند عدم المخالفة، أما وهو قد خالف جميع الرواة الذين رووا الحديث عن أبي سعيد، والآخرين الذين رووه عن غيره من الصحابة كما تقدم بيانه، فكيف يكون حسن الحديث مع هذه المخالفة!؟ بل هو منكر الحديث في مثل هذه الحالة، دون أي شك أو ريب. أضف إلى ذلك أن قوله في الحديث «إلى مسجد» مما لم يثبت عن شهر نفسه؛ فقد ذكرها عنه عبد الحميد ولم يذكرها عنه ليث بن أبي سليم، وهذه الرواية عنه أرجح لموافقتها لروايات الثقات كما عرفت.
وأيضا فإن المتأمل في حديثه يجد فيه دليلًا آخر على بطلان ذكر هذه الزيادة فيه، وهو قوله: أن أبا سعيد الخدري احتج بالحديث على شهر لذهابه إلى الطور، فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخص حكمه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة، لما جاز لأبي سعيد ﵁ أن يحتج به عليه، لأن الطور ليس مسجدا، وإنما هو الجبل المقدس الذي كلم الله تعالى موسى عليه، فلا يشمله الحديث لو كانت الزيادة ثابتة فيه، ولكان استدلال أبي سعيد به والحالة هذه وهمًا، لا يعقل أن يسكت عنه شهر ومن كان معه، فكل هذا يؤكد بطلان هذه الزيادة، وأنها لا أصل لها عن رسول الله - ﵌ - فثبت مما تقدم أنه لا دليل يخصص الحديث بالمساجد،
[ ٢ / ٤١٨ ]
فالواجب البقاء على عمومه الذي ذهب إليه أبو محمد الجويني ومن ذكر معه، وهو الحق.
بقي علينا الجواب على جوابهم الأول والثاني، فأقول:
١ - إن هذا الجواب ساقط من وجهين:
الاول: أن اللفظ الذي احتجوا به «لا ينبغي ..» غير ثابث في الحديث لأنه تفرد به شهر وهو ضعيف كما سبق بيانه.
الثاني: هب أنه لفظ ثابت، فلا نسلم أنه ظاهر في غير التحريم، بل العكس هو الصواب، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، أجتزئ ببعضها:
أ-قوله تعالى: ﴿قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء﴾ (الفرقان: ١٨).
ب-قوله - ﵌ -: «لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار».رواه أبو داود (٢٦٧٥) من حديث ابن مسعود، والدارمي (٢/ ٢٢٢) من حديث أبي هريرة.
ج- «لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا».رواه مسلم.
د- «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد ..».رواه مسلم.
هـ- «لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى».رواه البخاري.
الثالث: هب أنه ظاهر في غير التحريم، فهو يدل على الكراهة، وهم لا يقولون بها، ففي «شرح مسلم» للنووي: «الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره».! فالحديث حجة عليهم على كل حال.
٢ - إن هذا الجواب كالذي قبله ساقط الاعتبار؛ لأنه لا دليل على التخصيص،
[ ٢ / ٤١٩ ]
فالواجب البقاء على العموم لا سيما وقد تأيد بفهم الصحابة الذين رووا الحديث أبي بصرة، وأبي هريرة، وابن عمر، وأبي سعيد إن صح عنه- فقد استدلوا جميعًا به على المنع من السفر إلى الطور، وهم أدرى بالمراد منه من غيرهم، ولذلك قال الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٢٥١):
«وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرم، واستدلوا بما لا ينهض، وتأولوا أحاديث الباب بتآويل بعيدة، ولا ينبغي التأويل إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أولوه الدليل» زاد عقبه «فتح العلام» (١/ ٣١٠):
«ولا دليل، والأحاديث الواردة في الحث على الزيارة النبوية وفضيلتها ليس فيها الأمر بشد الرحل إليها، مع أنها كلها ضعاف أو موضوعات، لا يصلح شئ منها للاستدلال، ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيارة وبين مسألة السفر إليها، فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه».
قلت: وللغفلة المشار إليها اتهم الشيخ السبكي عفا الله عنا وعنه شيخ الاسلام ابن تيمية بأنه ينكر زيارة القبر النبوي ولو بدون شد رحل، مع أنه كان من القائلين بها، والذاكرين لفضلها وآدابها، وقد أورد ذلك في غير ما كتاب من كتبه الطيبة (١) وقد تولى بيان هذه الحقيقة، ورد تهمة السبكي العلامة الحافظ محمد بن عبد الهادي في مؤلف كبير أسماه «الصارم المنكى في الرد على السبكي»: نقل فيه عن ابن تيمية النصوص الكثيرة في جواز الزيارة بدون السفر إليها. وأورد فيه الأحاديث الواردة في فضلها، وتكلم عليها مفصلًا، وبين ما فيها من ضعف ووضع، وفيه فوائد أخرى كثيرة، فقهية وحديثية وتاريخية، حري بكل طالب علم
_________________
(١) مثل كتابه» مناسك الحج «(٣/ ٣٩٠) من «مجموعة الرسائل الكبرى». [منه].
[ ٢ / ٤٢٠ ]
أن يسعى إلى الاطلاع عليها.
ثم إن النظر السليم يحكم بصحة قول من ذهب إلى أن الحديث على عمومه؛ لأنه إذا كان بمنطوقه يمنع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة، مع العلم بأن العبادة في أي مسجد أفضل منها في غير المسجد، وقال - ﵌ -: «أحب البقاع إلى الله المساجد» حتى ولو كان ذلك المسجد هو المسجد الذي أسس على التقوى ألا وهو مسجد قباء الذي قال فيه رسول الله - ﵌ -: «صلاة في مسجد قباء كعمرة»، إذا كان الأمر كذلك فلأن يمنع الحديث من السفر إلى غيرها من المواطن أولى وأحرى، لا سيما إذا كان المقصود إنما هو مسجد بني على قبر نبي أو صالح، من أجل الصلاة فيه والتعبد عنده، وقد علمت لعن من فعل ذلك، فهل يعقل أن يسمح الشارع الحكيم بالسفر إلى مثل ذلك ويمنع من السفر إلى مسجد قباء!؟
والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة، هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله تعالى؛ فإن لهم البحوث والكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة، ومن هؤلاء الافاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في «الحجة البالغة» (١/ ١٩٢):
«كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فَسَدَّ - ﵌ - الفساد، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة
[ ٢ / ٤٢١ ]
ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي».
ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الفتاوي» (٢/ ١٨٦).
١٢ - إيقاد السرج عندها.
والدليل على ذلك عدة أمور:
أولا: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال - ﵌ -: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».رواه النسائي وابن خزيمه في «صحيحه»
بسند صحيح.
ثانيا: أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص كما تقدم في المسألة (٤٢ص ٦٤).
ثالثا: أن فيه تشبها بالمجوس عباد النار، قال ابن حجر الفقيه في «الزواجر» (١/ ١٣٤):
«صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قل، حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة».
قلت: ولم يورد بالإضافة إلى ما ذكر من التعليل دليلنا الأول، مع أنه دليل وارد، بل لعله أقوى الادلة؛ لأن الذين يوقدون السرج على القبور إنما يقصدون بذلك التقرب إلى الله تعالى- زعموا، ولا يقصدون الإنارة على المقيم أو الزائر،
[ ٢ / ٤٢٢ ]
بدليل إيقادهم إياها والشمس طالعة في رابعة النهار! فكان من أجل ذلك
بدعة ضلالة.
فإن قيل: فلماذا لم تستدل بالحديث المشهور الذي رواه أصحاب السنن وغيرهم عن ابن عباس: «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها
المساجد والسرج».
وجوابي عليه: أن هذا الحديث مع شهرته ضعيف الإسناد، لا تقوم به حجة، وإن تساهل كثير من المصنفين فأوردوه في هذا الباب وسكتوا عن علته، كما فعل ابن حجر في «الزواجر»، ومن قبله العلامة ابن القيم في «زاد المعاد»، واغتر به جماهير السلفيين وأهل الحديث فاحتجوا به في كتبهم ورسائلهم ومحاضراتهم، وقد كنت انتقدت ابن القيم من أجل ذلك فيما كنت علقته على كتابه، وبينت علة الحديث مفصلا هناك، ثم في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (رقم ٢٢٣)، ثم رأيث ابن القيم في «تهذيب السنن» (٤/ ٣٤٢) نقل عن عبد الحق الإشبيلي أن في سند الحديث باذام صاحب الكلبي وهو عندهم ضعيف جدًا، وأقره ابن القيم، فالحمد لله على توفيقه.
وأما الجملة الأولى من الحديث فصحيحة لها شاهدان من حديث أبي هريرة وحسان بن ثابت أوردتهما في المسألة (١١٩ ص ١٨٥،١٨٦).
وأما الجملة الثانية فهي صحيحة أيضا متواترة المعنى، وقد ذكرت في هذا الفصل في المسألة السابعة سبعة أحاديث صحيحة تشهد لها.
١٣ - كسر عظامها.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
والدليل عليه قوله - ﵌ -: «إن كسر عظم المؤمن ميتًا، مثل كسره حيًا».أخرجه أبو داود (٢/ ٦٩) وابن ماجه (١/ ٤٩٢) والطحاوي في «المشكل» (٢/ ١٠٨) وابن حبان في «صحيحه» (رقم ٧٧٦ موارد) وابن الجارود في «المنتقى» (ص ٥٥١) والدارقطني في «سننه» (٣٦٧) والبيهقي (٤/ ٥٨) وأحمد (٦/ ٥٨، ١٠٥، ١٨٤، ٢٠٠، ٢٦٤» واللفظ له، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٩٥) والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٠٦،١٣: ١٢٠) من طرق عن عمرة عنها.
قلت: وبعض طرقه صحيح على شرط مسلم، وقواه النووي في «المجموع» (٥/ ٣٠٠)، وقال ابن القطان: «سنده حسن» كما في «المرقاة» (٢/ ٣٨٠).
وله طريقان آخران عن عائشة ﵂.
الأول: عند أحمد (٦/ ١٠٠):
والآخر: عند الدارقطني (٣٦٧).
وله شاهد من حديث أم سلمة، أخرجه ابن ماجه (١) وزاد في آخره:
«في الاثم».
لكن إسناده ضعيف، وهي عند الدارقطني في الحديث الأول في بعض طرقه من الوجه الاول. لكن الظاهر أنها مدرجة في الحديث، فإن في رواية أخرى
له بلفظ: «يعني في الاثم».
فهذا ظاهر في أن هذه الزياذة ليست من الحديث بل هي من تفسير بعض
_________________
(١) وعزاه في «الإمام» لمسلم ورد عليه كما في «فيض القدير» و«الإمام» كتاب عظيم جدا في الأحكام لابن دقيق العيد، قال الذهبي: «ولو كمل تصنيفه وتبييضه لجاء في خمسة عشر مجلدا» [منه].
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الرواة، ويؤيده رواية لأحمد بلفظ:
«قال: يرون أنه في الاثم. قال عبد الرزاق أظنه قول داود».
قلت: يعني داود بن قيس، وهو شيخ عبد الرزاق فيه. ومن الظاهر أن هذا التفسير هو المراد من الحديث، وبه جزم الطحاوي وعقد له بابًا خاصًاّ في «مشكله»، فليراجعه من شاء.
والحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن، ولهذا جاء في كتب الحنابلة: «ويحرم قطع شئ من أطراف الميت، وإتلاف ذاته، وإحراقه، ولو
أوصى به».
كذا في «كشاف القناع» (٢/ ١٢٧)، ونحو ذلك في سائر المذاهب بل جزم ابن حجر الفقيه في «الزواجر» (١/ ١٣٤) بأنه من الكبائر، قال:
«لما علمت من الحديث أنه ككسر عظم الحي».
وبالغت الحنابلة في ذلك حتى قالوا كما في «الكشاف» (٢/ ١٣٠): «وإن ماتت حامل بمن يرجى حياته حرم شق بطنها من أجل الحمل، مسلمة كانت أو ذمية، لما فيه من هتك حرمة متيقنة، لابقاء حياة موهومة، لأن الغالب والظاهر أن الولد لا يعيش، واحتج أحمد على ذلك في رواية أبي داود بما روت عائشة ».قلت.: ثم ذكر الحديث ونص أبي داود في «المسائل» (ص ١٥٠): «سمعت أحمد سئل عن المرأة تموت والولد يتحرك في بطنها أيشق عنها؟ قال: لا، كسر عظم الميت ككسره حيا».وعلق عليه السيد محمد رشيد رضا فقال: «والاستدلال به على ترك الجنين الحي في بطن أمه يموت مطلقًا فيه غرابة من وجهين: أحدهما: أن شق البطن ليس فيه كسر عظم للميت. وثانيهما: أن الجنين إذا
[ ٢ / ٤٢٥ ]
كان تام الخلق، وأخرج من بطن أمه بشقه فإنه قد يعيش كما وقع مرارا، فههنا يتعارض إنقاذه، وحفط حياته، مع حفظ كرامة أمه بناء على أن شق البطن ككسر العظم. ولا شك أن الأول أرجح، على أن شق البطن بمثل هذا السبب لا يعد إهانة للميت كما هو ظاهر في عرف الناس كلهم. فالصواب قول من يوجب شق البطن وإخراجه إذا رجح الطبيب حياته بعد خروجه، وقد صرح بهذا بعضهم».وقال في «منار السبيل» (١/ ١٧٨): وإن خرج بعضه حيًا شق للباقي لتيقن حياته بعد أن كانت متوهمة. قلت: وما اختاره السيد رحمه الله تعالى هو الأصح عند الشافعية كما قال النووي (٥/ ٣٠١) وعزاه لقول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء، وهو مذهب ابن حزم (٥/ ١٦٦ - ١٦٧) وهو الحق إن شاء الله تعالى.
ويستفاد من الحديث:
١ - حرمة نبش قبر المسلم لما فيه من تعريض عظامه للكسر، ولذلك كان بعض السلف يتحرج من أن يحفر له في مقبرة يكثر الدفن فيها، قال الإمام الشافعي في «الأم» (١/ ٢٤٥):
«أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما أحب أن أدفن بالبقيع! لأن أدفن في غيره أحب ألي، إنما هو أحد رجلين، إما ظالم، فلا أحب أن أكون في جواره، وإما صالح فلا أحب أن ينبش في عظامه، قال: وإن أخرجت عظام ميت أحببت أن تعاد فتدفن».وقال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٠٣) ما مختصره:
«ولا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب، ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق (في المسألة ١٠٩)، ومختصره: أنه يجوز نبش القبر إذا بلى الميت وصار ترابًا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب، وهذا كله إذا لم يبق للميت
[ ٢ / ٤٢٦ ]
أثر من عظم وغيره، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض. ويعتمد فيه قول أهل الخبرة بها»:
قلت: ومنه تعلم تحريم ما ترتكبه بعض الحكومات الإسلامية من درس بعض المقابر الإسلامية ونبشها من أجل التنظيم العمراني، دون أي مبالاة بحرمتها، أو اهتمام بالنهي عن وطئها وكسر عظامها ونحو ذلك. ولا يتوهمن من أحد، أن التنظيم المشار إليه يبرر مثل هذه المخالفات، كلا، فإنه ليس من الضروريات، وإنما هي من الكماليات التي لا يجوز بمثلها الاعتداء على الأموات، فعلى الأحياء أن ينظموا أمورهم، دون أن يؤذوا موتاهم.
ومن العجائب التي تلفت النظر، أن ترى هذه الحكومات تحترم الأحجار والأبنية القائمة على بعض الموتى أكثر من احترامها للأموات أنفسهم، فإنه لو وقف في طريق التنظيم المزعوم بعض هذه الأبنية من القباب أو الكنائس ونحوها تركتها على حالها، وعدلت من أجلها خارطة التنظيم إبقاء عليها؛ لأنهم يعتبرونها من الآثار القديمة! وأما قبور الموتى أنفسهم فلا تستحق عندهم ذلك التعديل! بل إن بعض تلك الحكومات لتسعى فيما علمنا-إلى جعل القبور خارج البلدة، والمنع من الدفن في القبور القديمة- وهذه مخالفة أخرى في نظري؛ لأنها تفوت على المسلمين سنة زيارة القبور؛ لأنه ليس من السهل على عامة الناس أن يقطع المسافات الطويلة حتى يتمكن من الوصول إليها، ويقوم بزيارتها والدعاء لها! والحامل على هذه المخالفات- فيما أعتقد- إنما هو التقليد الأعمى لأوروبا المادية الكافرة، التي تريد أن تقضي على كل مظهر من مظاهر الإيمان بالآخرة، وكل ما يذكر بها، وليس هو مراعاة القواعد الصحية كما يزعمون، ولو كان ذلك صحيحا لبادروا إلى محاربة الأسباب التي لا يشك عاقل في ضررها مثل بيع الخمور وشربها، والفسق والفجور على اختلاف أشكاله وأسمائه، فعدم اهتمامهم
[ ٢ / ٤٢٧ ]
بالقضاء على هذه المفاسد الظاهرة، وسعيهم إلى إزالة كل ما يذكر بالآخرة وإبعادها عن أعينهم أكبر دليل على أن القصد خلاف ما يزعمون ويعلنون، وما تكنه صدورهم أكبر.
٢ - أنه لا حرمة لعظام غير المؤمنين، لإضافة العظم إلى المؤمن في قوله: «عظم المؤمن»، فأفاد أن عظم الكافر ليس كذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ في «الفتح» بقوله:
«يستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته» (١).
ومن ذلك يعرف الجواب عن السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من الطلاب في كليات الطب، وهو: هل يجوز كسر العظام لفحصها وإجراء التحريات الطبية فيها؟ والجواب: لا يجوز ذلك في عظام المؤمن، ويجوز في غيرها، ويؤيده ما يأتي في المسألة التالية:
١٢٩ - ويجوز نبش قبور الكفار؛ لأنه لا حرمة لها كما دل عليه مفهوم الحديث السابق، ويشهد له حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «قدم النبي - ﵌ - المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي - ﵌ - على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ من بني النجار حوله، حتى أتى بفناء أبي أيوب، كان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وكان أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بنى النجار، فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال: فكان فيه
_________________
(١) ذكره في «الفيض» (٤/ ٥٥١) [منه].
[ ٢ / ٤٢٨ ]
قبور المشركين، وخرب ونخل، فأمر النبي - ﵌ - بقبور المشركين فنبشت، ثم بالحزب فسويت، وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعل عضاديته الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي - ﵌ - معهم، وهو يقول، [وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال (١) لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر]
اللهم لا خير إلا خير الاخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.
وفي رواية من حديث عائشة ﵂:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة).
أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس، والسياق له، والبخاري من حديث عائشة، وما بين القوسين من حديثها، وقد أخرجت الحديثين في
«الثمر المستطاب».
قال الحافظ في «الفتح»:
«وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها».
«أحكام الجنائز» (ص٢٥٩ - ٣٠١) وانظره ملخصًا في «تلخيص أحكام الجنائز» (ص٨٤ - ٩٤).
_________________
(١) بالكسر من الحمل، والذي يحمل من خيبر التمر، أي أن هذا في الآخرة أفضل من ذاك وأحمد عاقبة، كأنه جمع حَمِل «بكسر الميم» أو حَمَل «بفتح الميم»، ويجوز أن يكون مصدر حمل أو حامل، كما في «النهاية». [منه].
[ ٢ / ٤٢٩ ]
[١٦٨] باب بدع زيارة القبور
[قال الإمام]: بدع زيارة القبور (١):
١ - زيارة القبور بعد الموت ثالث يوم ويسمونه الفرق، وزيارتها على رأس أسبوع، ثم في الخامس عشر، ثم في الاربعين، ويسمونها الطلعات، ومنهم من يقتصر على الأخيرتين. «نور البيان في الكشف عن بدع آخر الزمان» (ص ٥٣ - ٥٤) (٢).
٢ - زيارة قبر الأبوين كل جمعة. والحديث الوارد فيه موضوع.
٣ - قولهم إن الميت إذا لم يخرج إلى زيارته ليلة الجمعة بقي خاطره مكسورا بين الموتي ويزعمون أنه يراهم إذا خرجوا من سور البلد. (المدخل ٣/ ٢٧٧).
٤ - قصد النساء الجامع الأموي غلس السبت إلى الضحى لزيارة المقام اليحيوي وزعمهم أن الدأب على هذا العمل أربعين سبتا لما ينوى له! «إصلاح المساجد» (٢٣٠).
٥ - قصد قبر الشيخ ابن عربي أربعين جمعة بزعم قضاء الحاجة!
٦ - زيارة القبور يوم عاشوراء. «المدخل» (١/ ٢٩٠).
٧ - زيارتها ليلة النصف من شعبان وايقاد النار عندها. «تلبيس ابليس» (٤٢٩) «المدخل» (١/ ٣١٠).
٨ - ذهابهم إلى المقابر في يومي العيدين ورجب وشعبان ورمضان. «السنن» (١٠٤).
_________________
(١) ترقيم المسائل من عملي.
(٢) هذا عزو من الشيخ إلى مرجع المسألة.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
٩ - زيارتها يوم العيد. «المدخل» ١/ (٢٨٦)، «الإبداع» (١٣٥)، «السنن» (٧١).
١٠ - زيارتها يوم الاثنين والخميس.
١١ - وقوف بعض الزائرين قليلا بغاية الخشوع عند الباب كأنهم يستأذنون! ثم يدخلون «الإبداع» (٩٩).
١٢ - الوقوف أمام القبر واضعًا يديه كالمصلي ثم يجلس. (منه).
١٣ - التيمم لزيارة القبر.
١٤ - صلاة ركعتين عند الزيارة يقرأ في كل ركعة الفاتحة وآية الكرسي مرة، وسورة الإخلاص ثلاثًا، ويجعل ثوابها للميت! (١).
١٥ - قراءة الفاتحة للموتى. «تفسير المنار» (٨/ ٢٦٨).
١٦ - قراءة (يس) على المقابر (٢).
١٧ - قراءة [قل هو الله أحد] إحدى عشرة مرة
١٨ - الدعاء بقوله: اللهم إني أسألك بحرمة محمد - ﵌ -! أن لاتعذب هذا الميت (٣).
_________________
(١) ذكره في (شرح الشرعة) (ص ٥٧٠) بقوله: (والسنة في الزيارة أن يبدأ فيتوضأ ويصلي ركعيتن يقرأ في كل ركعة الخ)! وليس في السنة شيء من هذا بل فيها تحريم قصد الصلاة عند القبور [منه].
(٢) وحديث: «من دخل المقابر فقرأ سورة (يس) خفف الله عنهم وكان لهم بعدد ما فيها حسنات» لا أصل في شئ من كتب السنة، والسيوطي لما أورده في «شرح الصدور» (ص ١٣٠) لم يزد في تخريجه على قوله: «أخرجه عبد العزيز صاحب الخلال بسنده عن أنس»! ثم وقفت على سنده فإذا هو إسناد هالك كما حققته في «الأحاديث الضعيفة» (١٢٩١). [منه].
(٣) أورده البركوي في «أحوال أطفال المسلمين» (ص ٢٢٩) فقال: «وفي الخبر: من زار قبر مؤمن وقال: اللهم اني أسألك الخ رفع الله عنه العذاب إلى يوم ينفخ في الصور»! وهذا حديث باطل لا أصل له في شئ من كتب السنة ولا أدري كيف استجاز البركوي ﵀ نقله دون عزوه لأحد من المحدثين مع ما فيه من التوسل المبتدع والمحرم والمكروه تحريمًا عنده كما قرر ذلك في رسالته المذكورة (ص ٣٥٢). [منه].
[ ٢ / ٤٣١ ]
١٩ - السلام عليها بلفظ: «عليكم السلام» بتقديم «عليكم» على «السلام» (والسنة عكس ذلك كما في جميع الأحاديث الواردة في الباب (١).
٢٠ - القراءة على مقابر أهل الكتاب: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل: بلى وربي لتبعثن﴾ الآية (٢).
٢١ - الوعظ على المنابر والكراسي في المقابر في الليالي المقمرة. «المدخل» (١/ ٢٦٨).
٢٢ - الصياح بالتهليل بين القبور (٣).
٢٣ - تسمية من يزور بعض القبور حاجا! (٤).
_________________
(١) وشبهة القائل بهذه البدعة ومنهم شارح «الشرعة» (ص ٧٥٠): حديث جابر بن سليم قال: لقيت رسول اللهص فقلت عليك السلام، فقال: عليك السلام تحية الميت .. ! الحديث. أخرجه أبو داود (٢/ ١٧٩) والترمذي (٢/ ١٢٠ طبع بولاق) والحاكم (٤/ ١٨٦) وصححه ووافقة الذهبي وهو كما قالا. قال الخطابي: (وإنما قال ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الاموات- يعني في الجاهلية-- إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء وهو مذكور في أشعارهم كقول الشاعر: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما فالسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات. وأيده ابن القيم في «التهذيب» وعلي القارئ في «المرقاة» (٢/ ٤٠٦ و٤٧٩) فراجعهما. [منه].
(٢) استحبه في «شرح الشرعة» (ص ٥٦٨) ولا أصل له في السنة، بل فيها خلافه فراجع (المسألة ١٢٥). [منه].
(٣) لقد رأيت ذلك من أحدهم غير مرة يقف صباح كل يوم قبيل طلوع الشمس قائما على قبر. فجمع بين محرم وبدعة!! [منه].
(٤) قال شيخ الإسلام في «الاختيارات» (١٨١): «ويعزر من يسمي من زار القبور والمشاهد حاجا إلا أن يسمى حاجا بقيد كحج الكفار والضالين، ومن سمى زيارة ذلك حجا أو جعل له مناسك فانه ضال مضل وليس لأحد أن يفعل في ذلك ما هو من خصائص حج البيت». [منه].
[ ٢ / ٤٣٢ ]
٢٤ - إرسال السلام إلى الأنبياء ﵈ بواسطة من يزورهم!
٢٥ - انصراف النساء يوم الجمعة لمزارات في الصالحية (بدمشق) وشاركهن في ذلك الرجال على طبقاتهم. «إصلاح المساجد» (٢٣١).
٢٦ - زيارة آثار الأنبياء التي بالشام مثل مغارة الخليل ﵇، والآثار الثلاثة التي بجبل قاسيون في غربي الربوة. «تفسير الإخلاص» (١٦٩).
٢٧ - زيارة قبر الجندي المجهول أو الشهيد المجهول!
٢٨ - إهداء ثواب العبادات كالصلاة وقراءة القرآن إلى أموات المسلمين. (راجع التعليق على المسألة ١١٧ (ص ١٧٣).
٢٩ - إهداء ثواب الأعمال إليه - ﵌ -. «القاعدة الجليلة (٣٢،١١١)،» الاختيارات العلمية» (٥٤)، «شرح عقيدة الطحاوي» (٣٨٦ - ٣٨٧) «تفسير المنار» (٨/ ٢٤٩، ٢٥٤، ٢٧٠، ٣٠٤ - ٣٠٨).
٣٠ - إعطاء أجرة لمن يقرأ القرآن ويهديه للميت. «فتاوى شيخ الإسلام» (٣٥٤).
٣١ - قول القائل: إن الدعاء يستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين (الفتاوى).
٣٢ - قصد القبر للدعاء عنده رجاء الاجابة. «الاختيارات العلمية» (٥٠).
٣٣ - تغشية قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم (١). (منه ٥٥)، «المدخل» (٣/ ٢٧٨)، «الإبداع» (٩٥ - ٩٦).
_________________
(١) وفي حاشية ابن عابدين (١/ ٨٣٩) أن ذلك مكروه. يعني كراهة تحريم. [منه].
[ ٢ / ٤٣٣ ]
٣٤ - اعتقاد بعضهم أن القبر الصالح إذا كان في قرية أنهم ببركته يرزقون وينصرون، ويقولون: إنه خفير البلد، كما يقولون: السيدة نفيسة خفيرة القاهرة، والشيخ رسلان خفير دمشق وفلان وفلان خفراء بغداد وغيرها. «الرد على الاخنائي» (٨٢).
٣٥ - اعتقادهم في كثير من أضرحة الأولياء اختصاصات كاختصاصات الاطباء، فمنهم من ينفع في مرض العيون، ومنهم من يشفي من مرض الحمى .. «الإبداع» (٢٦٦).
٣٦ - قول بعضهم: قبر معروف الترياق المجرب، «الرد على البكري» (٢٣٢ - ٢٣٣).
٣٧ - قول بعض الشيوخ لمريده: إذا كانت لك إلى الله حاجة فاستغث بي أو قال: استغث عند قبري. (منه).
٣٨ - تقديس ما حول قبر الولي من شجر وحجر واعتقاد أن من قطع شيئًا من ذلك يصاب بأذى.
٣٩ - قول بعضهم: من قرأ آية الكرسي واستقبل جهة الشيخ عبد القادر الجيلاني وسلم عليه سبع مرات يخطو مع كل تسليمة خطوة إلى قبره قضيت حاجته! «الفتاوى (٤/ ٣٠٩).
٤٠ - رش الماء على قبر الزوجة المتوفاة عن زوجها الذي تزوج بعدها زاعمين أن ذلك يطفئ حرارة الغيرة! «الإبداع» (٢٦٥).
٤١ - السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. «الفتاوى» (١/ ١١٨،١٢٢، ٤/ ٣١٥)، «مجموعة الرسائل الكبرى» (٣٩٥٢)، «الرد على البكري» (٢٣٣) «الإبداع» (١٠٠ - ١٠١)، «الرد على الاخنائي» (٤٥،١٢٣،
[ ٢ / ٤٣٤ ]
١٢٤،١٢٤،٢١٩،٣٨٤) (وراجع المسألة ١٢٨/ ١١).
٤٢ - الضرب بالطبل والأبواق والمزامير والرقص عند قبر الخليل ﵇ تقربا إلى الله. «المدخل» (٤/ ٢٤٦).
٤٣ - زيارة الخليل ﵇ من داخل البناء. (منه ٤/ ٢٤٥).
٤٤ - بناء الدور في القبور والسكن فيها. (منه ١/ ٢٥١ - ٢٥٢).
٤٥ - جعل الرخام أو ألواحًا من الخشب عليها. (منه ٣/ ٢٧٢، ٢٧٣).
٤٦ - جعل الدرابزين على القبر. (منه ٣/ ٢٧٢).
٤٧ - تزيين القبر. «شرح الطريقة المحمدية» (١/ ١١٤، ١١٥).
٤٨ - حمل المصحف إلى المقبرة والقراءة منه على الميت. «تفسير المنار» (عن أحمد٨/ ٢٦٧).
٤٩ - جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك. «الفتاوى» (١/ ١٧٤)، «الاختيارات» (٥٣).
٥٠ - تخليق حيطان القبر وعمده. «الباعث لأبي شامة» (١٤).
٥١ - تقديم عرائض الشكاوى وإلقاؤها داخل الضريح زاعمين أن صاحب الضريح يفصل فيها «الإبداع» (٩٨)، «القاعدة الجليلة» (١٤).
٥٢ - ربط الخرق على نوافذ قبور الأولياء ليذكروهم ويقضوا حاجتهم.
٥٣ - دق زوار الأولياء توابيتهم وتعلقهم بها. «الإبداع» (١٠٠).
٥٤ - إلقاء المناديل والثياب على القبر بقصد التبرك. (المدخل ١/ ٢٦٣).
٥٥ - امتطاء بعض النسوة على أحد القبور واحتكاكها بفرجها عليه لتحبل!
٥٦ - استلام القبر وتقبيله. «الاقتضاء» (١٧٦)، «الاعتصام» (٢/ ١٣٤، ١٤٠)، «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ١٩٤)، «البركوى في أطفال
[ ٢ / ٤٣٥ ]
المسلمين» (٢٣٤)، «الباعث» (٧٠)، «الإبداع» (٩٠) (١).
٥٧ - إلصاق البطن والظهر بجدار القبر. «الباعث» (٧٠).
٥٨ - إلصاق بدنه أو شئ من بدنه بالقبر، أو بما يجاور القبر من عود ونحوه. «الفتاوى» (٤/ ٣١٠).
٥٩ - تعفير الخدود عليها. «الإغاثة» (١/ ١٩٤ - ١٩٨).
٦٠ - الطواف بقبور الانبياء والصالحين. «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٧٢)، «الإبداع» (٩٠).
٦١ - التعريف عند القبر، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة والاجتماع العظيم عند قبره كما في عرفات. «الاقتضاء» (١٤٨).
٦٢ - الذبح والتضحية عنده. (منه ١٨٢)، «الاختيارات» (٥٣)، «نور البيان» (٧٢).
٦٣ - تحري استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح وقت الدعاء. «الاقتضاء» (١٧٥) «الرد على البكري» (٢٦٦).
٦٤ - الامتناع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين (منه).
٦٥ - قصد قبور الانبياء والصالحين للدعاء عندهم رجاء الاجابة (٢) «القاعدة الجليلة» (١٧، ١٢٦ - ١٢٧) «الرد على البكري» (٢٧ - ٥٧) «الرد على
_________________
(١) وقد أنكر ذلك الغزالي في «الإحياء» (١/ ٢٤٤) وقال: «إنه عادة النصارى واليهود».وراجع المسألة (١٢٤ ص ١٩٥). [منه].
(٢) قال في «الإغاثة» (١/ ٢١٨) وغيرها: «والحكاية المنقولة عن الشافعي: أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر».وقال شيخ الإسلام في الفتاوى (٤/ ٣١٠، ٣١١، ٣١٨): «ويقرب من ذلك تحري الصلاة والدعاء قبلي شرقي جامع دمشق عند الموضع الذي يقال أنه قبر هود، والذي عليه العلماء أنه قبر معاوية بن أبي سفيان. أو عند المثال الخشب الذى تحته رأس يحيي بن زكريا».
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الأخنائي» (٢٤) «الاختيارات العلمية» (٥٠) «الإغاثة» (٢٠١١ - ٢٠٢ - ٢١٧).
٦٦ - قصدها للصلاة عندها. (الرد على الاخنائي ١٢٤، الاقتضاء ١٣٩).
٦٧ - قصدها للصلاة إليها. (الرد على البكري٧١ القاعدة الجليلة ١٢٥ - ١٢٦، الاغاثة١/ ١٩٤ - ١٩٨ الخادمي على الطريقة ٤/ ٣٢٢).
٦٨ - قصدها للذكر والقراءة والصيام والذبح. (الاقتضاء١٨١،١٥٤).
٦٩ - التوسل إلى الله تعالى بالمقبور. (الإغاثة ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، ٢١٧، السنن ١٠).
٧٠ - الإقسام به على الله. (تفسير سورة الإخلاص لابن تيمية ١٧٤).
٧١ - أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله أو أسأل الله تعالى (القاعدة ١٢٤،زيارة القبور له١٠٨، ١٠٩،الرد على البكري٥٧).
٧٢ - الاستغاثة بالميت منهم كقولهم: يا سيدي فلان أغثني أو انصرني على عدوي (القاعدة ١٤، ١٧، ١٢٤، الرد على البكري ٣٠ - ٣١، ٣٨، ٥٦، ١٤٤، السنن ١٢٤).
٧٣ - اعتقاد أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى! (السنن ١١٨).
٧٤ - العكوف عند القبر والمجاورة عنده. (الاقتضاء ١٨٣، ٢١٠).
٧٥ - الخروج من زيارة المقابر التي يعظمونها على القهقرى! (المدخل ٤/ ٢٣٨، السنن٦٩).
٧٦ - قول بعض المدروشين الوافدين إلى المدن لخصوص زيارة قبور من بها من الأولياء والأموات عند إرادة الأوبة إلى بلادهم: الفاتحة لجميع سكان هذه البلدة سيدي فلان وسيدي فلان، ويسميهم ويتوجه إليهم ويشير ويمسح وجهه! (منه ٦٩).
[ ٢ / ٤٣٧ ]
٧٧ - قولهم: السلام عليك يا ولي الله، الفاتحة زيادة في شرف النبي - ﵌ - والأربعة الأقطاب والأنجاب والأوتاد وحملة الكتاب والأغواث! وأصحاب السلسلة وأصحاب التعريف والمدركين بالكون وسائر أولياء الله على العموم كافة جمعًا يا حي يا قيوم، ويقرأ الفاتحة ويمسح وجهه بيديه وينصرف بظهره! (منه).
٧٨ - رفع القبر والبناء عليه. (الاقتضاء ٦٣ تفسير سورة الإخلاص ١٧٠ سفر السعادة ٥٧.شرح الصدور للشوكاني ٦٦ شرح الطريقة المحمدية ١/ ١١٤، ١١٥).
٧٩ - التوصية بأن يبنى على قبره بناء. (الخادمي على الطريقة المحمدية ٤/ ٣٢٦).
٨٠ - تجصيص القبور. (الاغاثة ١/ ١٩٦ - ١٩٨، الخادمي على الطريقة ٤/ ٣٢٤).
٨١ - نقش اسم الميت وتاريخ موته على القبر. (المدخل ٣/ ٢٧٢،الذهبي في تلخيص المستدرك، الإغاثة (١/ ١٩٨ ١٩٦)، الخادمي على الطريقة ٤/ ٣٢٢، الإبداع ٩٥، المسألة ١٢٨ فقرة ١ - ٦).
٨٢ - بناء المساجد والمشاهد على القبور والآثار. (تفسير سورة الإخلاص ١٩٢، الاقتضاء ٦، ١٥٨، الرد على البكري ٢٣٣، الإبداع ٩٩).
٨٣ - اتخاذ المقابر مساجد بالصلاة عليها وعندها. (الإبداع ٩، الفتاوى٢/ ١٨٦، ١٧٨، ٤/ ٣١١، الاقتضاء ٥٢، راجع المسألة ١٢٨ فقرة ٨ و٩).
٨٤ - دفن الميت في المسجد، أو بناء مسجد عليه. (إصلاح المساجد ١٨١،المسألة ١٢٨فقرة٩).
٨٥ - استقبال القبر في الصلاة مع استدبار الكعبة! (الاقتضاء ٢١٨).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
٨٦ - اتخاذ القبور عيدًا. (منه ١٤٨،الإغاثة ١/ ١٩٠ - ١٩٣، الإبداع ٨٥ - ٩٠ وراجع الفقرة١٠ من المسألة ١٢٨).
٨٧ - تعليق قنديل على القبر ليأتوه فيزورونه. (المدخل ٣/ ٢٧٣، ٢٧٨، الاغاثة ١٩٤ - ١٩٨، الطريقة المحمدية ٤/ ٢٣٦، الإبداع ٨٨، المسألة المشار إليها آنفا فقرة) (ل).
٨٨ - نذر الزيت والشمع لإسراج قبر أو جبل أو شجرة. (الاصلاح٢٣٢ - ٢٣٣والاقتضاء ١٥١).
٨٩ - قصد أهل المدينة زيارة القبر النبوي كلما دخلوا المسجد أو خرجوا منه. (الرد على الاخنائي٢٤،١٥٠ - ١٥١،١٥٦،٢١٧،٢١٨، الشفافي حقوق المصطفى للقاضي عياض (٢/ ٧٩)،المسألة المتقدمة فقرة١٠) (١).
٩٠ - السفر لزيارة قبره - ﵌ -. (انظر البدعة رقم ١٧٢) العلامة.
٩١ - زيارته - ﵌ - في شهر رجب.
٩٢ - التوجه إلى جهة القبر الشريف عند دخول المسجد والقيام فيه بعيدًا عن القبر بغاية الخشوع واضعا يمينه على يساره كأنه في الصلاة! (٢) (انظر البدعة ١٩٤).
٩٣ - سؤاله - ﵌ - الاستغفار وقراءة آية [ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم] الاية. (الرد على الاخنائي ١٦٤، ١٦٥، ٢١٦، السنن ٦٨).
٩٤ - التوسل به - ﵌ -.انظر البدع ٢٠٠ - ٢٠٣.
_________________
(١) وقد كره مالك ذلك فقال: «لم يبلغني عن أول هذه الامة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده».كذا نقله القاضي عياض. [منه].
(٢) وقد رأيت ذلك سنة ٦٨ فقف شعري لكثرة من يفعل ذلك سيما من الغرباء. [منه].
[ ٢ / ٤٣٩ ]
٩٥ - الإقسام به على الله تعالى.
٩٦ - الاستغاثة به من دون الله تعالى.
٩٧ - قطعهم شعورهم ورميها في القنديل الكبير القريب من التربة النبوية. (الإبداع في مضار الابتداع ١٦٦، الباعث ٧٠).
٩٨ - التمسح بالقبر الشريف. (المدخل ١/ ٢٦٣ السنن ٦٩، الإبداع ١٦٦).
٩٩ - تقبيله. (منهما).
١٠٠ - الطواف به (مجموعة الرسائل الكبرى٢/ ١٠،١٣، المدخل١/ ٢٦٣، الإبداع ١٦٦،السنن ٦٩، الباعث ٧٠ (١).
١٠١ - إلصاق البطن والظهر بجدار القبر الشريف (الإبداع١٦٦،الباعث٧٠).
١٠٢ - وضع اليد على شباك حجرة القبر الشريف وحلف أحدهم بذلك بقوله: وحق الذي وضعت يدك على شباكه وقلت: الشفاعة يا رسول الله!
١٠٣ - إطالة القيام عند القبر النبوي للدعاء لنفسه مستقبلًا، الحجرة. (القاعدة الجليلة ١٢٥ الرد على البكري ١٢٥، ٢٣٢، ٢٨٢، مجموعة الرسائل الكبرى ٢/ ٣٩١).
١٠٤ - تقربهم إلى الله بأكل التمر الصيحاني في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر. (الباعث٧٠ الإبداع ١٦٦).
١٠٥ - الاجتماع عند قبر النبي - ﵌ - لقراءة ختمة وإنشاد قصائد. (مجموعة الرسائل الكبرى ٢/ ٣٩٨).
١٠٦ - الاستسقاء بالكشف عن قبر النبي - ﵌ - أو غيره من الانبياء والصالحين (٢). (الرد على البكري ٢٩).
_________________
(١) ونقل عن ابن الصلاح أنه قال: «ولا يجوز أن يطاف بالقبر الشريف». [منه].
(٢) قلت: وأما ما روى أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا فشكوا إلى عائشة فقالت: أنظروا قبر النبيص فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا فمطرنا مطرًا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق «فلا يصح، أخرجه الدارمي في» سننه «(١/ ٤٣ - ٤٤) وفيه أبو النعمان وهو محمد بن الفضل المعروف بعارم وقد كان اختلط في آخر عمره كما قال العقيلي وغيره من أهل الحديث. وقال شيخ الاسلام في الرد على البكري (ص ٦٨):» وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر؛ فليس بصحيح ولا يثبت إسناده. قال: ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا كما كان على عهد النبيص، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين عنها أن النبيص كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد «.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
١٠٧ - إرسال الرقاع فيها الحوائج إلى النبي - ﵌ -.
١٠٨ - قول بعضهم: انه ينبغي أن لا يذكر حوائجه ومغفرة ذنوبه بلسانه عند زيارة قبره - ﵌ -؛ لأنه أعلم منه بحوائجه ومصالحه! (١).
١٠٩ - قوله: لا فرق بين موته - ﵌ - وحياته في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وتحسراتهم وخواطرهم! (٢).
«أحكام الجنائز» (٣٢٤ - ٣٣٦)، وانظره ملخصًا في «تلخيص أحكام الجنائز» (ص١٠٥ - ١١١).
_________________
(١) ومما يؤسف له أن هذه البدعة واللتين بعدها قد نقلتها من «كتاب المدخل» لابن الحاج (١/ ٢٥٩، ٢٦٤) حيث أوردها مسلما بها كأنها من الأمور المنصوص عليها في الشريعة! وله من هذا النحو أمثلة كثيرة سبق بعضها دون التنبيه على أنها منه، وسنذكر قسمًا كبيرًا منها في الكتاب الخاص بالبدع إن شاء الله تعالى، وقد تعجب من ذلك لما عرف أن كتابه هذا مصدر عظيم في التنصيص على مفردات البدع وهذا الفصل الذي ختمت به الكتاب شاهد عدل على ذلك، ولكنك إذا علمت أنه كان في علمه مقلدا لغيره، ومتأثرا إلى حد كبير بمذاهب الصوفية وخزعبلاتها يزول عنك العجب وتزداد يقينًا على صحة قول مالك: «ما منا من أحد إلا رد ورد عليه الاصاحب هذا القبر» - ﵌ -.
(٢) قال شيخ الاسلام في «الرد على البكري» (ص ٣١)، «ومنهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه ويقدر على ما يقدر الله، ويعلم ما يعلم الله، وهؤلاء قد رأيتهم وسمعت هذا منهم وعنهم شيوخ يقتدى بهم، ومفتين وقضاة ومدرسين! «والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٢ / ٤٤١ ]
[١٦٩] باب حد الزيارة الشرعية للقبور، وكيفية السلام على الموتى؟
سؤال: يا شيخ! ما هو القول الفصل في زيادة النساء للقبور؟
الشيخ: هن شقائق الرجال، هذا هو القول الفصل.
مداخلة: فما هي الزيارة الشرعية للرجال أنفسهم؟
الشيخ: معروف: هو السلام على الموتى بالسلام المشروع، والاعتبار بهم، وكفى الله المؤمنين القتال.
مداخلة: ما حكم يعني من يقف عند قبر معين ويقول: هذا فلان وفلان ويكون مع مجموعة من الناس، ويقول السلام عليك يا سيدنا فلان .. السلام عليك يا سيدنا فلان .. السلام عليك
الشيخ: لا، هذا ليس وارد.
"لقاءات المدينة" (١/ ٠٠:٣٤:٠٤)
[١٧٠] باب هل يصح شيء في النهي
عن زيارة القبور ليلًا للرجال؟
سؤال: هل يصح شيء في النهي عن لزيارة القبور ليلًا للرجال؟
الشيخ: لا، لا يصح أي شيء، زيارة القبور يجوز ليلًا نهارًا، في أي وقت شاء الزائر، دون تخصيص وقت للزيارة، كما يفعل بعض الناس ببعض المواسم والأعياد، هذا لا أصل له في السُّنة، والرسول ﵇ قد ثبتت زيارته للبقيع ليلًا، فلا فرق في النهار أو في الليل كانت الزيارة.
"الهدى والنور" (١٢/ ١٩:٩٠: ٠٠)
[ ٢ / ٤٤٢ ]
[١٧١] باب هل زيارة الرسول - ﵌ - للمقبرة ليلًا خاص به؟
سؤال: هل زيارة الرسول - ﵌ - المقبرة ليلًا خاص به ﵊؟
الشيخ: لا ليس خاصًا به.
"الهدى والنور" (٢/ ٥٦: ١٠: ٠٠)
[١٧٢] باب الرد على القول بتحريم زيارة النساء للقبور
سؤال: حديث: «لعن الله زائرات القبور» هو هذا الحديث شيخنا له طريقان: طريق عن أبي هريرة وعن ابن عباس فيهما ضعف، بعض أهل العلم نزع منزعًا في مبنى الكلام، مبنى الحديث إلى تصحيحه، بحديث: «لعن الله زوارات القبور».
الشيخ: كيف ذلك؟
مداخلة: أقرأ لك ما قال؟
الشيخ: تفضل.
مداخلة: يقول: مع أن رواية: «لعن رسول الله - ﵌ - زوارات القبور» هي بمعنى زائرات؛ لأن زوارات بضم الزاي المعجمة زُوارات كما قاله الجلال المحلي في شرح المنهاج والسيوطي، وأقره السندي والمناوي وصاحب «تنقيح الرواة شرح المشكاة»، قال هؤلاء: المشهور على الألسنة ضم الزاي من زُوارات، جمع زوار، جمع زائرة سماعًا، وزائر قياسًا، وقيل: زُوارات للمبالغة، فلا يقتضي وقوع اللعن على وقوع الزيارة إلا نادرًا.
ونوزع بأنه إنما قابل المقابلة بجميع القبور، ومن ثم جاء في رواية أبي داود زائرات بلا مبالغة، فعلى هذا الضبط فهي بمعنى: زائرات، لا للمبالغة كما ظنه كثير
[ ٢ / ٤٤٣ ]
من طلبة العلم، فصيغة المبالغة بفتح الزاي لا بضمها، كما أن الصيغة الدالة على النسب بالفتح كقوله ﷿: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦)، وذلك معلوم عند أهل التصريف، قال ابن مالك في ألفيته:
فعال فعال أو مفعال أو فعول بكسرة عن فاعل بديل
وقال في النسب:
ومع فاعل وفعال فعل في نسب أغنى عن الياء فقبل.
فيقول معنى زوارات القبور ذوات زيارة القبور على أن الصيغة للنسب، فاتفقت الروايتان على منع النساء من زيارة القبور مطلقًا .. إلى آخره.
الشيخ: الجواب الذي يبدو لي من ناحيتين:
الأولى: قوله المشهور على الألسنة ليس يعني المشهور والصحيح في الرواية، ولذلك فالذي ينبغي هنا هو التثبت من رواية الحديث عن أهل الحديث، هل هو (زَوارات) أم هو (زُوارات) كونه المشهور على الألسنة (زُوارات) هذا ليس حجة، وفي ظني لو كانت الرواية (زُوارات) لما قال مشهورة على الألسنة، وكلمة المشهور على الألسنة مقتبسة من مثل كتاب «المقاصد الحسنة في بيان ما اشتهر على الألسنة»، هذا الاشتهار على الألسنة ليس له قيمة علمية يبنى عليها حكم شرعي. هذا الجواب رقم (واحد) فيما بدا لي.
الثانية: هب أنه ثبت أن كل من الروايتين (زائرات) و(زُوارات) و(زَوارات) بمعنى واحد، بمعنى الرواية المشهورة تمامًا، ونحن نعني ما نقول.
الرواية المشهورة (زَائرات) لكنها ضعيفة السند، هب أن الروايات كلها تلتقي
[ ٢ / ٤٤٤ ]
بعد التمحيص والتحقيق على أنها بمعنى زائرات القبور، حينئذ نقول: هذا النص بلا شك يكون نصًا محرمًا لزيارة النساء للقبور، والقاعدة التي نحن نركن إليها في كثير من مثل هذا التعارض ودفعه، هو أنه إذا تعارض حاظر ومبيح، قدم الحاضر على المبيح، لكن هنا يوجد ما يمنع من تطبيق هذا القاعدة ويحملنا على قلبها رأسًا على عقب، لنقول أن هذا النهي أو هذا التحريم على النساء لزيارة القبور هو أخو التحريم العام الذي كان في أول الإسلام، نهاهم عن زيارة القبور، ثم رخص لهم بها، فقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها».
وسمعتم ولا شك منا مرارًا أننا نقول للذين يحتجون بهذا الحديث لتحريم زيارة القبور للنساء، نحن نقول: قوله ﵇: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» لا شك ولا ريب أن الخطاب موجه في هذا الحديث للجنسين الذكر والأنثى، لا يستطيع أحد أبدًا أن يقول: كنت نهيتكم معشر الرجال عن زيارة القبور، هذا أمر بائن ظاهر خطؤه.
إذا الأمر كذلك وهو من المسلمات التي لا تقبل الجدل أبدًا، ننتقل إلى الخطوة الثانية: «ألا فزوروها» المخاطب هو عين المخاطب هناك في النهي.
كنت نهيتكم معشر الرجال والنساء عن زيارة القبور، ألا فزوروها معشر الرجال والنساء.
إذًا: لعن الله زائرات القبور مقترن مع النهي العام، فهذا جزء من أجزاء
النهي العام.
هذا الجواب رقم واحد.
والجواب رقم اثنين: الحديث الذي نستشهد به على خلاف ما يذهبون إليه
[ ٢ / ٤٤٥ ]
من قصة السيدة عائشة في نوبة الرسول ﵇ في البيات عندها، وأن الرسول ﵇ كان نائمًا بجانبها، فانسل من فراشها انسلالًا، وفتح الباب برفق، وخرج، فهي كامرأة غيرة وبشر، حدثتها نفسها أين سيذهب في هذا الليل، فهو يمشي ﵇ وهي تمشي خلفه، حتى وصل إلى البقيع، وهناك وقف الرسول ﵇ يدعو لأهل البقيع، ثم أدبر، قالت: فأدبرت، وأسرع فأسرعت، حتى دخلت الحجرة وامتدت على فراشها، وسرعان ما دخل خلفها الرسول ﵇ كأنه رأى خيالًا أمامه في الطريق، فوجدها تتنهد، الإنسان لما يركض ركضة غير طبيعية لا بد ما يحتاج يعوض الهواء قال: «يا عائشة! مالك حشيًا رابية؟ قالت: لا شيء يا رسول الله! قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ إن جبريل أتاني آنفًا، وقال: إن ربك يقرئك السلام، ويأمرك أن تذهب إلى البقيع وتستغفر لهم».
هنا اهتبلتها فرصة، فقالت: يا رسول الله! إذا أنا زرت القبور، ماذا أقول؟ قال: «قولي: السلام عليكم دار قوم مؤمنين » إلى آخر الدعاء المعروف.
فأنا ألاحظ أن هذه الحادثة كانت حتمًا في المدينة المنورة، والنهي عن زيارة القبور لا يعقل أن يتأخر إلى وقت المدينة المنورة، وإنما هذا يكون في أول الإسلام من باب سد الذريعة، نهاهم عن زيارة القبور، كما تعلمون؛ لأن القبور وزيارتها كانت سببًا لوقوع قوم نوح وأمثالهم في عبادة غير الله ﷿ من المقبورين.
ففي هذا النظر السليم نقول أن قوله ﵇: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» كان في العهد المكي، فقد يستمر هذا النهي ما شاء الله من سنين، لكن ليس معقولًا أن يستمر إلى ما بعد إذن الرسول للسيدة عائشة أن تزور القبور.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، السيدة عائشة تمتعت بهذه الرخصة بعد وفاة الرسول ﵇، فلو تكلف متكلف ما، وادعى بأن هذا النهي: «لعن الله زوارات القبور» كان بعد، لكانت السيدة عائشة ستنتهي على افتراض أنه إذنه ﵇ لها بالزيارة كان قبل قوله: «لعن الله زائرات -أو زوارات- القبور» لكن استمرارها على التمتع بهذه الرخصة التي رخص الرسول ﵇ لها بها، أوضح دليل على أن النهي الخاص بالنساء هو كان في زمن النهي العام للنساء والرجال.
هذا وأخيرًا، يقال: إن النساء شقائق الرجال كما جاء في الحديث الصحيح، وذلك يعني أن الفائدة والمصلحة التي يجنيها الرجال من زيارة القبور، النساء أيضًا بحاجة إلى تحصيلها، فكما رخص للرجال بالزيارة بعد النهي، كذلك رخص للنساء بعد النهي.
إذًا: ليس هناك أي دلالة في هذا الحديث مع تسليمنا بصحة رواية: «لعن الله زائرات » والتسليم جدلًا بأن الرواية الصحيحة في الحديث الثابت: «زُورات» لأنه هذا كان في وقت النهي، ووقت النهي تلاه وقت الإذن.
هذا ما عندي.
"الهدى والنور" (١٦٤/ ٣٦: ٠٨: ٠٠)
[١٧٣] باب حكم زيارة النساء للقبور
سؤال: ما حكم زيارة النساء للمقابر وخاصة في العيد؟
الشيخ: لا فرق عندنا بين النساء والرجال في شرعية زيارة المقابر بالشرط المعروف للرجال فضلًا عن النساء، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقسم الزيارة
[ ٢ / ٤٤٧ ]
إلى قسمين: زيارة شرعية وزيارة بدعية، الزيارة الشرعية: هي التي يقصدها الزائر لقصد إلقاء السلام عليهم والاعتبار بموتهم ليس إلا، أما الذهاب إلى المقبرة من أجل الجلوس إلى القبر وقراءة القرآن أوقات القرآن هناك، فضلًا عن الجلوس على الكراسي واتخاذ القبر هناك كأنه مقهى ونحو ذلك، فهذا طبعًا لا يجوز لا للرجال ولا للنساء، فالزيارة قسمان شرعية وبدعية، الزيارة الشرعية كما تشرع للرجال تشرع للنساء، الزيارة البدعية كما لا تشرع للرجال لا تشرع أيضًا للنساء، المناط في الشرعية في الزيارة هو الشرعية فمن زار من النساء أو الرجال المقابر لأجل فقط يعتبر هو ويلقي السلام على الميت لعله يستفيد هو؛ فهذه هي الزيارة الشرعية وإلا فلا (١).
"الهدى والنور" (٥٤٢/ ١٧: ٤٥: ٠٠)
[١٧٤] باب معنى قوله - ﵌ -: «لعن الله زوارات القبور»
سؤال: طيب في بيقولوا: «لعن الله زوارات القبور» أيش هذا؟
الشيخ: حديث صحيح.
الملقي: حديث صحيح، طبعًا هذا المقصود فيه زوارات، يعني المخالفات؟
الشيخ: لا المقصود فيه أكثر من ذلك، وهن اللآتي يكثرن التردد على القبور.
الملقي: ايوه.
الشيخ: ويكثرن زيارة القبور؛ لأن هذا الإكثار ما بيكون المقصود فيه العبرة.
_________________
(١) وعلى هذا فيلحق حكم تخصيص زيارة القبور للنساء في العيد بحكم ذلك للرجل.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
الملقي: أيوه، ولو كانوا محتشمات في اللباس.
الشيخ: ولو كانوا.
"الهدى والنور" (٦٧٩/ ٢٩: ٢٠: ٠٠)
[١٧٥] باب هل يجوز زيارة النساء للقبور للاتعاظ؟
سؤال: هل يجوز للنساء زيارة القبور إذا كانت للاتعاظ فقط؟
الشيخ: نعم، هذا شرط، والشرط الآخر وهو شرط عام أن يكن متحجبات متجلببات بالجلباب الشرعي، يلقين السلام ويذكرن العبرة بالأموات، ثم يعدن أدراجهن، فلا فرق والحالة هذه بين النساء وبين الرجال؛ ذلك لأن النهي عن زيارة القبور في أول الإسلام كان نهيًا عامًا يشمل الرجال والنساء، ثم لما تمكن التوحيد من هؤلاء المسلمين رجالًا ونساءً جاءهم الإذن عامة رجالًا ونساءً، وقد جمع النبي - ﵌ - الإشارة إلى هذين الأمرين في حديث واحد، أي: أشار إلى أن النهي كان موجهًا توجيهًا عامًا للنساء والرجال، وأشار أيضًا إلى أن الإذن كان موجهًا للنساء والرجال؛ ذلك قوله ﵊ كما في صحيح مسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور»، الخطاب لمن؟ للمسلمين عامة نساء ورجال: «ألا فزوروها»، الخطاب لمن؟ لأولئك الذين نهوا من قبل، أي: نساء ورجالًا، ويؤكد ذلك العلة التي علل بها الرسول ﵇ الإذن بالزيارة بعد النهي عنها: «فزوروها فإنها تذكركم الآخرة»، إذًا: كما أن الرجال بحاجة إلى أن يتعاطوا سببًا شرعيًا لتذكر الآخرة، فالنساء كالرجال في ذلك إن لم يكن أولى بأن يتخذن مثل هذا السبب الذي يذكرهن بالآخرة.
أما الحديث المعروف: «لعن الله زائرات القبور» فالحديث مروي بلفظين
[ ٢ / ٤٤٩ ]
اثنين: اللفظ الأول هو هذا: «زائرات»، وهو ضعيف، أما اللفظ الآخر، فهو بلفظ: «زوارات»، أي: اللاتي يكثرن الزيارة، وهذا الإكثار عادة لا يكون لتحقيق الغاية التي من أجلها أذن النبي - ﵌ - بالزيارة للجنسين تذكر الآخرة، هذا الإكثار كما نراه نحن مشاهدًا في كثير من المناسبات كالأعياد ونصف شعبان ونحو ذلك؛ يجلسن حول القبر ويتخذن ذلك المكان مقهى، يتحدثون في جلسوهم هذا شتى الأحاديث، فإذًا: الحديث يصح، بلفظ: «زوارات القبور»، والمعنى هذا لا ينافي الإذن العام وإنما يخصصه ويبين أن الزيارة التي يراد بها تذكر الآخرة فهي مشروعة، لكن الإكثار والمبالغة فهذا منهي عنه، هذا جواب ما سألت.
مداخلة: طيب، في حَدّ للإكثار؟
الشيخ: لا ما في. نعم.
مداخلة: شيخنا مثلًا: أنت قلت: لزيارة النساء شرطان، هما: أن تكون متجلببة والثانية للعظة والعبرة، لكن امرأة تذهب لزيارة قبر والدها أو زوجها مع وجود مقبرة قرب بيتهم، وهي تشد الرحل لهذا، فهل هذا يجوز مع وجود مقبرة عند بيتهم؟
الشيخ: الله يهديك اصبر، هو قضية يجوز يجوز، لكن تخصيصها بزيارة أبيها أو قريبها دون زيارة المقابر حينئذ هذا التخصيص مع أنه دون مخصص فهو يشعر أن الزيارة هذه ليست لتذكر الآخرة، وإنما أحسن ما يقال فيها: هي بباعث العاطفة فقط، وليس بباعث العلم والدين، ولذلك نحن نقول لهؤلاء الذين يشدون الرحال إلى زيارة بعض القبور التي يقال إنها قبور أولياء وصالحين، سواء كان هذا القول صحيحًا أو غير صحيح، لماذا هذه الزيارة؟ إن كان المقصود هو تحقيق الغاية والحكمة التي سبق وأن أشرنا إليها من حديث الرسول ﵇، فنقول لهم:
[ ٢ / ٤٥٠ ]
هاهي المقبرة أمامكم والعظة بهذه القبور التي يكفي أن يتخيل الإنسان ويراها في المنام ليقوم فزعًا، العظة من هذه القبور أكثر بكثير من زيارة قبر ولي أو نبي خاصة إذا كان مزخرفًا ومزينًا وعليه أبهة، فحينئذ يخضعون خضوعًا لا ينبغي أن يكون إلا لله ﷿، فلهذا نحن نقول: إن شد الرحال إلى هذه القبور أكبر دليل أنهم لا يقصدون بها تحقيق الغاية المذكورة في الحديث الصحيح.
"الهدى والنور" (٦٠٣/ ١٤: ٤٠: ٠٠) و(٦٠٣/ ١٥: ٤٤: ٠٠)
[١٧٦] حكم تخصيص زيارة الأحياء للأموات، أو للأحياء يوم العيد
الملقي: بارك الله فيك. أيضًا يسأل حول قضية زيارات يوم العيد كما يفعل كثير من الناس وتخصيصها، فالبعض امتنع هذه الزيارة بحجة أن هذا شيء لم يرد في السنة أو كذا، فما هو القول هذا؟
الشيخ: نقول: بارك الله في هذا البعض، ونسأل الله أن يجعلنا من ذاك البعض؛ لأننا نقول دائمًا وأبدًا واليوم كنا مع بعض إخواننا في هذا الحديث، قلت له: يبدو لك يا فلان أنك لم تسمع الدعوة الجديدة التي كانت تذكر من قديم فتقول أن من البدع الفاشية في هذا الزمان هو زيارة الأحياء للأموات، ألم تسمع الدعوة الجديدة التي هي في أصلها دعوة قديمة وهي أن زيارة الأحياء للأحياء يوم العيد بدعة، ومن أجل ذلك قلت لأبي أوفى أول الجلوس، لكني لاحظت أنه ما انتبه أي نعم. أنا قلت: ما جئتك عائدًا، ما جئتك زائرًا.
فزيارة الأحياء للأموات في العيد بدعة، هو من البدع.
مداخلة: هذا القياس مع فارق
[ ٢ / ٤٥١ ]
الشيخ: هذا ليس قياسًا.
الملقي: لأنه هناك لا يشعر الميت ولا يستفيد من هذه الزيارة، أما هنا الأحياء للأحياء فهي صلة وتواس وتحاب.
الشيخ: يعني أنت لما بتزور الأموات من أجل يحسوا بزيارتك.
الملقي: مو لكن من أجل الدعاء، لكن هنا هذا يوم عيد وفرح.
الشيخ: لا أنا سؤالي مختصر يا أبو أوفى، لما تزور الأموات يوم العيد بتزورهم من شان يحسوا بك.
الملقي: لا .. للدعاء لهم.
الشيخ: هاه، وغير أيام العيد، وغير أيام العيد، لما بتزورهم من شان
يحسوا بك؟
الملقي: للدعاء والاعتبار.
الشيخ: عم اسألك الله يرضى عليك، من شان يحسوا بك؟
الملقي: لا.
الشيخ: طيب، فإذًا لماذا لا تزورهم من أجل الغاية اللي أنت تزورهم في غير العيد، ما دام أنها غاية حسنة، فلماذا لا تزورهم في يوم العيد من أجل هذه
الغاية الحسنة.
الملقي: غاية حسنة هنا لأنها تتنافى مع بهجة العيد وسرور العيد يذهب إلى الأموات.
الشيخ: هذا هو القياس.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
مداخلة: هههه.
الشيخ: وهل هذا هو الجواب؟ الجواب بارك الله فيك الجواب في موضوع زيارة الأحياء للأموات ليس من أجل هذا التعليل المنطقي، بل الفلسفي، الذي ربما يجيء واحد متفلسف أكثر منك فيقضي على فلسفتك، لكن الجواب هو: لو كان خيرًا لسبقونا إليه، شو رأيك بهذا الجواب. فيه فلسفة.
الملقي: جيد .. جيد.
الشيخ: طيب، لو كان خيرًا لسبقونا إليه، نحن الآن لما نقول: زيارة الأحياء للأموات بدعة ما في عندنا نص في السنة، فضلًا عن القرآن الكريم أنه زيارة الأحياء للأموات بدعة، ما في عندنا شيء من هذا، وهذا القول يقال في كل البدع، وهي مع الأسف الشديد بالألوف المؤلفة، كل بدعة يقول فيها الرسول ﵇: «كل بدعة ضلالة»، لا يوجد نص في أي بدعة عن الرسول أنه هذه بدعة، مع ذلك فالعلماء مجمعون على بدعية الألوف المؤلفة من الأمور الحادثة بعد الرسول ﵇، طيب كيف بنقول هذه بدعة وما في عندنا نص ببدعيتها، أو بإنكارها، بهذه الجملة المختصرة التي تدل عليها أدلة من الكتاب والسنة كثيرة وهي: لو كان خيرًا لسبقونا إليه، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥)، إذًا هذا غير سبيل المؤمنين، إنه الناس يروحوا يزوروا القبور يوم العيد لم يكن هذا من سبيل المؤمنين، إذًا نحن بنلخص هذا وما شابهه من أدلة بكلمة لكي نبعد الناس عن أي محدثة بقولنا: لو كان خيرًا لسبقونا إليه.
فالآن زيارة القبور كمبدأ عام خير ولا شك، لكن هذا المبدأ العام لما خصصه
[ ٢ / ٤٥٣ ]
العرف الخلفي بيوم العيد ولا بد، وأطلقوه في أيام السنة الأخرى صار بدعة في الدين، ودفعناها بتلك الكلمة الطيبة المباركة: لو كان خيرًا لسبقونا إليه، فإذًا زيارة الأحياء للأموات الأصل فيها أنها شرع، ولا حاجة إلى الأدلة، كذلك نقول: زيارة الأحياء للأحياء شرع ما في خلاف في هذا، فحينما يأتي من يذكر الناس الغافلين عن هديه ﵇، وعن هدي السلف الذين اتبعوه ﵇ بإحسان، ويقول لهم: زيارة الأحياء في العيد للأحياء كزيارة الأحياء في العيد للأموات، لا فرق بين هذا وهذا إطلاقًا، إن طلبت الدليل على هذا نذكرك بالدليل على ذاك الذي اتفقنا عليه، وهو: زيارة الأحياء في العيد للأموات بدعة، نحن والحمد لله فيما أظن الآن، هالجمع القليل الطيب المبارك إن شاء الله متفقون على أنه زيارة الأحياء في العيد للأموات بدعة، ومقتنعين بها تمامًا منطلقين من ذاك المنطق الذي لخصناه آنفًا، هذا المنطق ما ينبغي أن نخل به، وأن نعرض عنه؛ لأننا نحن مغلوبون على أمرنا، ومعتادون عادة تشبه تلك العادة التي اجتمعنا على إنكارها، وهي أننا اعتدنا أن نزور المسلمين بمناسبة العيد، فنقول جازمين قانعين تمامًا بأن زيارة الأحياء في العيد للأحياء كزيارة الأحياء في العيد للأموات ولا فرق إطلاقًا، فأي إنسان بده يقول بقى: يا أخي شو فيها، زيارة الأحياء للأحياء في العيد أمر مشروع، وكما قيل اليوم: لزيارة الأرحام وصار له سنة أو سنتين إلى آخره ما زارهم، إيه هذا وحده يكفي لينبه على فساد هذه الزيارة، لأنهم يتواكلون فيتكاسلون عن القيام بواجبهم، سواءً كان بواجب زيارة الأحياء للأموات التي ترقق القلوب، وتذكر الآخرة ما بيفعلوها إلا يوم العيد، كمان واحد له رحم بده يوصله، بيقول: هاه [متى] ليجي العيد، الزيارة في العيد أفضل، لأنه الزيارة في الأصل مشروعة، والعيد كمان أيامه فاضلة، لا: لو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ فكل ما يثبت به البدعة
[ ٢ / ٤٥٤ ]
الأولى، يثبت به البدعة الأخرى، وكل من يعترض على البدعة الأولى يلزمه أن يعترض على البدعة الأخرى، وكل من يشك في البدعة الأخرى يجب ويلزمه أن يشك في البدعة الأولى، وإلا كان فكره متناقضًا متناقضًا، ونسأل الله ﷿ أن يهدينا سواء السبيل.
"الهدى والنور" (٥٣٠/ ٢١: ٠٢: ٠١) (٥٣١/ ٤٦: ٠٠: ٠٠ (
[١٧٧] باب حكم زيارة القبور يوم العيد
سؤال: يقول: ما حكم زيارة القبور يوم العيد؟
الشيخ: حكم زيارة القبور يوم العيد كحكم زيارتها يوم عيد الجمعة، هل من قائل: بأنه يستحب زيارة القبور يوم الجمعة؟ الجواب: لا، كل ما في الأمر أن الناس اعتادوا عادةً وتوهموها سنةً وهي البدعة بعينها؛ ذلك لأن من القواعد الشرعية التي يستفيدها طالب العلم من عموم أدلة الكتاب والسنة أن هذه الأدلة ما كان منها مطلقًا وجب إجراؤها على إطلاقها ولا يجوز تخصيصها إلا بدليل مخصص ولا يجوز تقييد ما جاء مطلقًا من النصوص إلا إذا جاء ما يقيده، وعلى العكس من ذلك: إذا جاء نص مقيد لصفة أو بكيفية أو بعدد فلا يجوز فك هذا القيد عنه وإطلاقه؛ كلُّ هذا مخالفة للنصوص، ولما كانت أدلة الأمر بزيارة القبور مطلقةً كمثل الحديث المشهور من قوله ﵊: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور أَلَا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» قوله ﵇: «ألا فزوروها» في هذا الحديث وفي غيره أيضًا مطلق فينبغي إجراؤه على إطلاقه ولا يجوز تقييده بزمن لم يأت تقييده به في الشرع لا بصفة ولا بكيفية، فإذا كان الأمر كذلك كان تخصيص العيدين بزيارة القبور يكون من باب تقييد المطلق بغير نص شرعي،
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وهذا اعتداء على الشارع الحكيم ويخشى على من يفعل ذلك أن يدخل في إنكار ربنا ﵎ على المشركين بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١) فإذًا: لا يجوز زيارة القبور يوم العيد خاصةً.
"الهدى والنور" (٣١٩/ ٤٧: ١٧: ٠٠)
[١٧٨] باب حكم تخصيص زيارة القبور في العيد
سؤال: سمعنا أن زيارة الناس بعضهم بعضًا يوم العيد بدعة، فالرجاء بيان الحكم فما سبق مما يتعلق بزيارة الإخوان وما يقوم به الناس في الأعياد؟
الشيخ: نحن قلنا مرارًا وتكرارًا ولسنا الآن بحاجة إلى تفصيل ما تكرر، فنقول بإيجاز: زيارة الأحياء للأموات يوم العيد من محدثات الأمور؛ لأنه يعني تقييد ما أطلقه الشارع، الشارع الحكيم قال في الحديث الصحيح: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» فقوله: ألا فزوروها. أمر عام لا يجوز تقييده بزمن أو بمكان خاص؛ لأن تقييد النص أو إطلاقه ليس من وظيفة الناس، وإنما هو من وظيفة رب العالمين الذي كلف رسوله الكريم فقال له: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤). فما كان من نص مطلق وهو مقيد بينه، وما كان من نص عام وهو مخصص خصصه، وما لا فلا.
فحينما قال: «ألا فزوروها».مطلقًا في كل أيام السنة، لا فرق بين يوم
ويوم، ولا فرق بين زمن في يوم واحد: صباحًا، أو مساءً، أو ظهرًا، أو نهارًا،
أو ليلًا إلخ.
كذلك نقول: كما أن زيارة الأحياء للأموات يوم العيد [بدعة]، كذلك زيارة الأحياء للأحياء يوم العيد كزيارة الأحياء للأموات.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
الزيارة المشروعة يوم العيد هو ما ألغي مع الأسف الشديد بسبب تهافت الناس على إقامة صلاة العيد في المساجد التي يتفرقون فيها، والواجب عليهم جميعًا أن يجتمعوا في المصلى، المصلى هو خارج البلد، يتسع لكل أهل البلد، فهناك يلتقون، ويصلون صلاة العيد، ويتعارفون بطبيعة الحال، عطلت هذه السنة التي واظب عليها النبي - ﵌ - طيلة حياته.
وهنا ملاحظة مهمة جدًا يجب أن ننتبه لها، فإننا نعلم جميعًا قول النبي - ﵌ -: «صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام».
فمع أن الصلاة في مسجده بألف صلاة ما كان يصلي صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى إلا خارج هذا المسجد، وهو في المصلى، لماذا؟ لأنه يريد، يجمع المسلمين في المدينة من كل مكان، من القرى التي حولها في مكان واحد تسع لهم جميعًا.
هذا المصليات مع الزمن، ومع ابتعاد الناس عن أولا: التعرف على سنة الرسول ﵇ وابتعادهم عما بقي عندهم من العلم بسنة الرسول ﵇ ابتعادهم عن تطبيقها، وعن العمل بها، قنعوا بأن يقيموا صلاة العيد في المساجد، كما يفعلون بصلاة الجمعة، والصلوات الخمس.
أما السنة فاستمر الرسول ﵇ طيلة حياته لا يصلي صلاة العيد في المسجد ولو مرةً واحدة، وإنما دائمًا يصليها في المصلى.
الآن منذ بضع سنين بدأ بعض المسلمين في مثل هذه البلاد يفيؤون إلى هذه السنة، سنة صلاة العيد في المصلى.
فلا بد أنكم تسمعون الآن بأن هناك مصليات عديدة يصلى فيها الناس بدل ما
[ ٢ / ٤٥٧ ]
يصلوا صلاة العيد في المساجد، ولكن بقى عليهم شيء واحد، ولعل هذه الظاهرة، التي أشرت إليها: من خروج الناس من المساجد في صلاة العيد إلى المصليات لعل هذه الظاهرة بشارة إلى أنه سيأتي يوم يجتمع المسلمون في مكان واحد في البلد الواحد في مصلى واحد، كما يفعل المسلمون من جميع أقطار الدنيا، يجتمعون في بلدة واحدة وهي مكة وما حولها من منى ومزدلفة وعرفة ونحو ذلك، ليس لهم بديل عنها، مع أنهم يعدون الملايين، وفيها كثر الناس في البلدة الواحدة فلن يعجزوا أبدا أن يجتمعوا في أرض في مصلى واحد، لعل خروجهم الآن من المساجد إلى المصليات هو بصيص خير إلا أنهم فيما بعد إن شاء الله حينما يفهمون حقيقة معنى قوله ﵇: «يد الله على الجماعة» (١)، وأنها هي الجماعة التي جمعهم الرسول ﵇ بوسائله المشروعة، ومن تلك الوسائل: المصلى الواحد وليس المساجد بل ولا المصليات العديدة في البلدة الواحدة.
فإذن، الزيارة هذه أو تلك هي مخالفة للسنة.
الزيارة تكون مشروعة يوم العيد هو أن يفد الناس بجماهيرهم المتكاثرة إلى صلاة العيد في المصلى، ولا شك أن الناس هناك سيتزاورون وسيتعارفون أكثر من هذه الزيارة التقليدية، لأنه حينما يزور بعضهم بعضًا في العيد، في الغالب يزور بعض من يعرفون، لكن ما أبيحت لهم الزيارة في أثناء السنة، فخصصوا هذه الزيارة في يوم العيد بذلك وقلنا: زيارة الأحياء للأموات ليس من السنة في شيء، بل هو من البدع، وكذلك زيارة الأحياء للأحياء.
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم١٨٤٨).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وما معنى هذا؟ يجب أن تكون الزيارة سواء من الأحياء للأموات ليست في السنة مرة، وكذلك زيارة الأحياء للأحياء ليست في السنة مرة، وإنما يجب أن يستمر، لأن في هذه الزيارة تحقيق زيارة الأحياء للأحياء، تحقيق المودة، والتعارف بين المسلمين كما قال رب العالمين: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ١٣).
أما زيارة الأحياء للأموات فيجب أيضًا أن تستمر لتحقيق الغاية التي من أجلها أمر الرسول - ﵌ - بزيارة القبور بعد أن كان نهى عنا ألا وهي قوله ﵇ «ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة».
"الهدى والنور" (٥٢٧/ ٠٩: ٥٠: ٠٠ (
[١٧٩] باب هل هناك دليل نقلى
على عدم جواز تخصيص العيد بزيارة القبور؟
سؤال: واحد بيسألني سؤالًا بيقول: انتوا بتقولوا: لا يجوز تخصيص زيارة القبور بيوم العيد.
الشيخ: أي نعم.
الملقي: السائل .. قال: [هل هناك] دليل نقلي يفيد في هذا، هل يحضركم.
الشيخ: دليل نقلي؟
الملقي: نعم.
الشيخ: من حيث أنه يدخل يعني في منعه ..
الملقي: أيوه هكذا.
الشيخ: الأدلة الشرعية ما كل الناس بيفهموها.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
الملقي: أيوه.
الشيخ: أي نعم، لذلك قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣) الدليل النقلي إن الرسول﵇- والصحابة والسلف والأئمة ما كانت هذه الظاهرة، موجودة عندهم، والرسول يقول: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».هذا هو دليل.
الملقي: أيوه. هذا هو.
الشيخ: أي نعم.
"الهدى والنور" (٦٧٩/ ٣٦: ٢١: ٠٠)
[١٨٠] باب هل ما يقع فيه القبوريون يُعَد من الكفر العملي؟
سؤال: فضيلة الشيخ هل يعتبر ما يحمله غالب صوفية اليوم من المغالين في القبور والمقبورين والصالحين من مظاهر شركية وأحوال فاسدة مخالفة للشرع؛ هل يعتبر هذا من الكفر العملي؟
الشيخ: ليس هذا فقط، قد يكون كفر اعتقادي.
الملقي: يعني أنه القصد بشكل عام يعني لما نرى عليه الجمهرة هو قد يكون كما لعلكم ترون يعني والله أعلم، فأخشى أن أكون متسرعًا يعني في هذا أنكم ترون أن البعض يكون فيه هذا الأمر اعتقاديًا.
الشيخ: وهذا الذي قلته الآن.
الملقي: فالقصد أنه بشكل عام لما نرى عليه من أهلنا وعشريتنا يعني ممن حولنا من أهل بلدنا.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
الملقي: لما يأتونه من طواف أو تقبيل أو استغاثة بالمقبورين والصالحين.
الشيخ: ما أستطيع أن أعطي قاعدة عامة، قد يكون من هذا وقد يكون من هذا، قد يكون كفرًا اعتقاديًا، وقد يكون كفرًا عمليًا، وأنا أقول شيئًا قد يكون غريبًا أنا لا أتجرأ على القول بتكفير الشيعة قوم يسمونهم بالرافضة؛ إلا إذا عرفنا عقيدة كل واحد منهم، مثلًا الخميني أعلن عن عقيدته بما سماه بـ أيش؟
مداخلة: «الحكومة الإسلامية».
الشيخ: «الحكومة الإسلامية»، إيه هذا كُفْرٌ بلا شك يعني، لكن أنا مش ضروري أتصور كل
مداخلة: شيعي.
الشيخ: كل عالم شيعي هو يحمل نفس الفكرة هذه، فأقول: من كان يحمل هذه الفكرة، من كان يعتقد أنه هذا القرآن الذي بين أيدينا هو ربع القرآن الحقيقي اللي هو في مصحف فاطمة، لا شك في كفر من يقول هذا، لكن أقول: الشيعة كفار؛ لأنه كثير منهم، أو لأنه كتابهم الكافي يقول كذا وكذا! هذا غير كافي لتعميم إطلاق لفظة الكفر على الشيعة وعلى الرافضة؛ لأنه هنا في سبيين مانعين من هذا الإطلاق: الأول: أننا لا نستطيع أن نقول: كل عالم شيعي يحمل هذه العقيدة المكفرة. ثانيًا: ينبغي أن يتحقق الشرط الثاني: وهو إقامة الحجة. فهذا وهذا مفقود يكفينا إذًا أن نقول: هؤلاء ضالون، أما بدقة متناهية، فينبغي أن نعرف عقيدتهم إما من لسانهم أو من قلمهم.
الملقي: جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ.
" الهدى والنور" (٧٥٤/ ٥٠: ٢٧: ٠٠)
[ ٢ / ٤٦١ ]
[١٨١] باب حرمة استقبال القبر بالصلاة
قال رسول الله - ﵌ - «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها».
[قال الإمام]: حديث صحيح.
[وعلق على قوله: «لا تصلوا إليها» قائلًا]:
أي مستقبلين إليها. لما فيه من التعظيم البالغ؛ لأنه من مرتبة المعبود، فجمع بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم، والتعظيم البليغ. كذا في «الفيض» للمناوي.
ثم قال في موضع آخر: فإن ذلك مكروه فإن قصد إنسان التبرك في الصلاة في تلك البقعة؛ فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، والمراد كراهة التنزيه.
قال النووي:
كذا قال أصحابنا. ولو قيل بتحريمه-لظاهره-لم يبعد، ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة؛ فهي مكروهة كراهة تحريم. اهـ.
وفي «الأم» (١/ ٢٤٦):
وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يُسَوَّى، أو يصلى عليه وهو غير مسوى، أو يصلى إليه. قال:
وإن صلى إليه؛ أجزأه، وقد أساء، أخبرنا مالك: أن رسول الله - ﵌ - قال:
«قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد».
قال:
وأكره هذا للسُّنة والآثار، وأنه كره-والله تعالى أعلم- أن يعظم أحد من
[ ٢ / ٤٦٢ ]
المسلمين-يعني: يتخذ-قبره مسجدًا، ولم تُؤْمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي من بعد. انتهى.
والحديث الذي ذكره عن مالك مُعضَلًا حديث صحيح جدًا؛ جاء في «الصحيحين» وغيرهما عن جمع من الصحابة؛ منهم: عائشة، وابن عباس، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسامة بن زيد.
وفي الباب: عائشة أيضًا، وجندب بن عبد الله البجلي، وابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعطاء بن يسار مرسلًا.
وقد خرجتُ أحاديثهم وسقت ألفاظهم في «التعليقات الجياد» وبينت فيه ما يستفاد منها من المسائل المهمة التي غفل عنها أكثر المسلمين؛ فوقعوا في الغلو في الأولياء والصالحين، وتعظيمهم تعظيمًا خارجًا عن حدود الشرع والدين، وقد قال ابن حجر الهيتمي الفقيه في «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (ص ١٢١):
قال بعض الحنابلة: قَصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا بها عَيْنُ المحاداة لله ولرسوله، وإبداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها، ثم إجماعًا؛ فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظَنُّ بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي - ﵌ - لَعْنُ فاعِلِهِ، ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أُسست على معصية رسول الله - ﵌ -؛ لأنه نهى عن ذلك، وأمر - ﵌ - بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. انتهى ما في «الزواجر».
فأفاد كلام المناوي والحنبلي أن قصد الصلاة إلى القبر وعنده محرم، وأنه
[ ٢ / ٤٦٣ ]
تشريع لم يأذن به الله، ومع ذلك ترى كثيرًا من الناس-حتى بعض المشايخ-يقصدون مقامات الأولياء والصالحين للصلاة عندها، والتبرك بها، وإذا قيل لهم في ذلك؛ قالوا: إنما الأعمال بالنيات، ونياتنا طيبة، وعقائدنا سليمة! ولئن صدقوا في ذلك؛ فما هو بمنجيهم من المؤاخذة عند الشارع الحكيم؛ لأنه إنما بنى الأحكام على الظواهر، والله يتولى السرائر.
ولقد أنكر رسول الله - ﵌ - على من خاطبه بقوله: ما شاء الله وشئت يا
رسول الله!
فقال ﵊:
«جعلتني لله ندًا؟! قل: ما شاء الله وحده».
ولقد كان رسول الله - ﵌ - يعلم أن ذلك الرجل ما قصد أن يجعله شريكًا مع الله، وهو﵁ما آمن به - ﵌ - إلا فرارًا من الشرك؛ فكيف يجعله شريكًا لله؟! كان - ﵌ - يعلم ذلك منه، وإنما أنكر عليه ما سمعه من لسانه حتى يُقَوِّمَهُ مرة؛ فلا يتكلم مرة أخرى بما يوهم الشرك والضلال.
فمال هؤلاء الناس يأتون أعمالًا منكرة، ظاهرها شرك وضلال، ثم يبررون ذلك بقصدهم الحسن في زعمهم؟! والله يعلم أن كثيرًا من هؤلاء قد فسدت عقائدهم، وداخَلَها الشرك من حيث يشعرون أو لا يشعرون؛ ذلك جزاؤهم بما كسبوا، وجعلوا أحاديثه ﵊ وراءهم ظهريًا.
"أصل صفة الصلاة" (١/ ١٤٠ - ١٤٤).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
[١٨٢] باب التمسح بالقبور من الشرك
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٢) والحاكم (٤/ ٥١٥) من طريق عبد الملك بن عمرو العقدي عن كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعًا وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟! فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم جئت رسول الله - ﵌ - ولم آت الحجر، سمعت رسول الله - ﵌ - " فذكره، وقد شاع عند المتأخرين الاستدلال بهذا الحديث على جواز التمسح بالقبر لوضع أبي أيوب وجهه على القبر، وهذا مع أنه ليس صريحًا في الدلالة على أن تمسحه كان للتبرك- كما يفعل الجهال- فالسند إليه بذلك ضعيف كما علمت فلا حجة فيه، وقد أنكر المحققون من العلماء كالنووى وغيره، التمسح بالقبور وقالوا: إنه من عمل النصارى وقد ذكرت بعض النقول في ذلك في " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " وهي الرسالة الخامسة من رسائل كتابنا " تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " وهي مطبوعة والحمد لله فانظر (ص ١٠٨) منه.
"الضعيفة" (١/ ٥٥٢ - ٥٥٤).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
[١٨٣] باب هل في حديث: «الله الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفي سقيمنا بإذن ربنا» دليل على جواز التمسح بالقبور؟
السائل: حديث في البخاري: «الله الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفي سقيمنا بإذن ربنا» بعض الصوفية يستدل [به على] جواز التسمح ..
الشيخ: هذا مع وضوح بطلان هذا الاستدلال؛ لأن التسمح المذكور في هذا الحديث كما ترون دائرته ضيقة جدًا، ومناسبته الاستشفاء بالريق وبالدعاء وبالتراب البسيط الذي يتعلق بالإبهام أو بالإصبع، فأين هذا من التسمح بقبور الأموات وعدم قراءة ذكر وارد عن الرسول ﵇، وأنا أقول وقد قلت قريبًا: لو كان هناك حديث عام، وهذا حديث خاص، وله قيوده كما تسمع ونسمع .. لو كان هناك حديث عام وطبق على صورة خاصة ولم يطبق بالصورة العامة لا يجوز لنا أن نطبقه في الصورة العامة؛ لأن الذي تحدث بالحديث، والذين تلقوا الحديث عن الرسول ﵇ مباشرةً لم يطبقوه بالصورة التي تدخل في النص العام، وضربت على ذلك مثلًا أذكره الآن ليتضح المراد من هذا الكلام، فقوله - ﵌ -: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين» إلى آخر الحديث، فلو صلى جماعة السنة القبلية قبل الظهر جماعةً واحتج بهذا الحديث كان مردودًا عليه احتجاجه، لماذا؟ لأن الذي قال هذا الحديث، والذين سمعوا هذا الحديث من فم الرسول ﵇ غضًا طريًا لم يطبقوه بهذا المعنى العام حيث أدخلوا فيه الجماعة في السنن الرواتب، فكيف يستدل بحديث خاص على موضوع عام ونحن نرد الاستدلال بالحديث العام على موضوع خاص لم يجر العمل عليه في العهد الأول؟ وهذا من الفقه الذي
[ ٢ / ٤٦٦ ]
ينبغي على طلاب العلم أن يعضوا عليه بالنواجذ؛ لأنه يفتح لهم بابًا من العلم قد لا يتنبه له كبار العلماء خاصة إذا كانوا من أهل الجمود والتقليد.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٦/ ٠٠:٥٤:٤٣)
[١٨٤] باب حكم قراءة القرآن عند القبور
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«من زار قبر والديه كل جمعة، فقرأ عندهما أو عنده «يس» غفر له بعدد كل آية أو حرف».
(موضوع).
[قال الإمام]:
والحديث يدل على استحباب قراءة القرآن عند القبور، وليس في السنة الصحيحة ما يشهد لذلك، بل هي تدل على أن المشروع عند زيارة القبور إنما هو السلام عليهم وتذكر الآخرة فقط، وعلى ذلك جرى عمل السلف الصالح ﵃، فقراءة القرآن عندها بدعة مكروهة كما صرح به جماعة من العلماء المتقدمين، منهم أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية كما في " شرح الإحياء " للزبيدي (٢/ ٢٨٥) قال: لأنه لم ترد به سنة، وقال محمد بن الحسن وأحمد في رواية: لا تكره، لما روى عن ابن عمر أنه أو صى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها.
قلت: هذا الأثر عن ابن عمر لا يصح سنده إليه، ولوصح فلا يدل إلا على القراءة عند الدفن لا مطلقًا كما هو ظاهر.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
فعليك أيها المسلم بالسنة، وإياك والبدعة، وإن رآها الناس حسنة، فإن " كل بدعة ضلالة " كما قال - ﵌ -.
"الضعيفة" (١/ ١٢٦ - ١٢٨).
[١٨٥] باب حكم القراءة على القبر
[نقل الآلوسي في الآيات البينات عن الغزالي قوله]:
إن مسألة القراءة على القبر ذات خلاف؛ قال الإمام [يعني أبا حنيفة]: تكره لأن أهلها جيفة، ولم يصح فيها شيء عنده عنه - ﵌ -.
[فعلق الألباني قائلًا]:
قلت: وهذا التعليل الثاني هو المعتمد، بخلاف الأول فإنه مما لا دليل عليه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣٠).
[١٨٦] باب حكم زراعة أشجار على القبور
سؤال: الموضوع يا شيخنا بعض الناس يا شيخنا يزرعون شجرة على القبر، ويترددون على هذا القبر بحجة أنهم يسقون هذه الشجرة، فما رأيكم في هذا، هل تقطع هذه الشجرة، وممكن يكون نساء أيضًا يفعلن هذا الفعل، حتى كثرت أشجار الزيتون والتين والفواكه على المقابر؟
الشيخ: نعم، هذا أسلوب لا شك ليس إسلاميًا من جهات عديدة، أهمها أنه أسلوب الكفار الذين ينزعجون من زيارة القبور، ولذلك فمن سافر إلى بلاد الكفر يجد المقابر أشبه ما تكون بالحدائق الغناء، مزروعة بالأشجار الكثيرة والورود والزهور ونحو ذلك، حتى إذا مر المار من تلك المنطقة لا ينزعج بذكر
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الموت، فالمسلمون الآن يسلكون سنن من قبلهم كما تنبأ بذلك النبي ﵊ في الحديث الصحيح: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» .. إلى آخر الحديث، فهذه الظاهرة هو
تقليد للكفار.
ومن تمام التقليد ما ابتلي به بعض البلاد الإسلامية وبلدنا هذا مع الأسف منها وهو إخراج المقابر خارج البلد، وبذلك يقطعون الصلة بين الأحياء والأموات، أي: يعطلون زيارة القبور؛ لأنه ليس من الممكن عادة أن المسلم الذي مات أبوه أنه يشد الرحل ويخرج خارج البلد من أجل أن يرى أباه، لا والله لن يسأل عن أبيه ولا عن أمه ولا عن أخته، هذا هدف لقطع الصلة بين الأحياء والأموات بطريق تحقيق الغاية الشرعية التي سبق ذكرها آنفًا، ولذلك فلو أن هناك دولة إسلامية حقًا فهذه المسألة مع أنها-كما يقول بعضهم: ثانوية- ولا نقول من باب القشور، لكنها ثانوية، لكن مع ذلك سوف تضع المخطط البلد أو المدينة أو العاصمة لا تكون القبور فيها إلا في داخلها، لكيلا يقطعوا الصلة بين المسلمين وبين قوله ﵇: «ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة».
مداخلة: .. يا شيخنا يعني: يستدل بعض المسلمين بأن الرسول - ﵌ - مر على قبر فأخذ غصنًا رطبًا أو كذا ما أذكر النص، فوضعه على القبر، فيستدلون بهذا الحديث أنهم يجوز لهم أن يضعوا شجر أو غيره، فما أدري إذا كان هذا الحديث يكون ..
الشيخ: هذا الحديث بلا شك هو حديث صحيح، ولكن لا يدل الحديث على الغاية التي يستند إليها هؤلاء الذين يضعون الورود والزهور ويزرعون
[ ٢ / ٤٦٩ ]
الأشجار على مقابرهم أو قبورهم بزعم أنها تخفف العذاب عن أولئك الأموات بسبب أن هذا الشجر الأخضر يسبح الله ﷿، وبهذا التسبيح يخفف العذاب عن أهل القبور، هذا الحديث الصحيح لا يدل على هذا التعليل الذي لا أصل له في الشرع أولًا، بل الحديث الذي سألت عنه يدل على أن هذا الغصن الرطب الذي وضعه الرسول ﵇ لم يكن سببًا لتخفيف العذاب حتى يصح أن يتخذ هذا السبب نظامًا ويطبق في مقابر المسلمين، وإنما يدل على أن رطابة هذا الغصن إنما كان علامة وتحديدًا لزمن تخفيف العذاب عن أولئك المقبورين؛ ذلك لأن النبي - ﵌ - لما سئل عما فعل من وضع الغصنين على القبرين، قال: «لعل الله أن يخفف عنهما ماداما رطبين»، هذا حديث البخاري ومسلم، وهناك رواية من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أن النبي - ﵌ - لما سئل أجاب: بأن الله ﷿ قبل شفاعته ﵇ أن يخفف العذاب مادام الغصن رطبًا، إذًا ما هو السبب في التخفيف؟ شفاعة الرسول أي: دعاء الرسول، إذًا: الرطابة هذه ليست هي السبب، إنما هي علامة، ماداما رطبين فالعذاب مخفف، هذا صريح في الحديث، لكن هناك أشياء استنباطية نظرية سليمة تؤكد هذا المنصوص في الحديث، أول ذلك: لو كان مجرد وضع الغصن الأخضر على القبر سببًا لتخفيف العذاب لجرى السلف الأول على اتخاذ هذه الوسيلة تخفيفًا للعذاب، وإذ لم يفعلوا، فهذا دليل أنهم لم يفهموا ذلك الفهم الخلفي أن سبب التخفيف هو رطابة الغصن هذا شيء، وشيء ثانٍ: لو أن ذلك يكون سببًا شرعيًا لتخفيف العذاب فهنيئًا للكفار الذين أصبحت مقابرهم حدائق غناء، فإذًا يخفف عنهم العذاب بسبب هذه العلة المبتدعة المختلقة التي لا أصل لها في السنة، وثالثًا وأخيرًا: ربنا ﷿ يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ
[ ٢ / ٤٧٠ ]
تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: ٤٤)، كل شيء حول الميت، بل الميت نفسه سواء كان لا يزال لحمًا على عظم، أو ذاب اللحم وبقي العظم، أو صار العظم رميمًا، كل هذا وهذا وهذا، داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: ٤٤)، إذًا: لا فرق بين الأخضر وبين اليابس، لا فرق بين الشجر وبين الحجر، بين الحجر وبين المدر، كله داخل في عموم الآية الكريمة، لذلك: إن هذا الذي يقولونه إلا اختلاق.
"الهدى والنور" (٦٠٣/ ٣١: ٤٦: ٠٠) و(٦٠٣/ ٣٣: ٤٩: ٠٠)
[١٨٧] باب لا حج إلا لبيت الله الحرام
أما الحج إلى القبور فمن الشرك
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«يا أبا هريرة، علم الناس القرآن وتعلمه، فإنك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، وعلِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك».
(موضوع).
[قال الإمام]:
أخرجه الخطيب (٤/ ٣٨٠) وأبو الفرج بن المسلمة في "مجلس من الأمالي" (١٢٠/ ٢) من طريق عبد الله بن صالح اليماني، حدثني أبوهمام القرشي، عن سليمان ابن المغيرة، عن قيس بن مسلم عن طاووس عن أبي هريرة
[ ٢ / ٤٧١ ]
مرفوعًا، ومن هذا الوجه ذكره ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٦٤) وقال: لا يصح، وأبوهمام: محمد بن مجيب (الأصل محبب وهو تصحيف).
قال يحيى: كذاب، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، وتعقبه السيوطي في " اللآليء " (١/ ٢٢٢) بقوله: قلت له طريق آخر قال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن شبيب عن محمد بن قدامة المصيصي عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا.
قلت: فذكره نحوه إلا أنه قال: «فإن أتاك الموت وأنت كذلك حجت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الله الحرام».
وسكت عليه السيوطي، وهو بهذا اللفظ أشد نكارة عندي من الأول لما فيه من ذكر الحج إلى القبر فإنه تعبير مبتدع لا أصل له في الشرع ولم يرد فيه إطلاق الحج إلى شيء مما يزار إلا إلى بيت الله الحرام، وإنما يطلق الحج إلى القبور، المبتدعة الذين يغالون في تعظيم القبور مثل شد الرحال إليها والبيات عندها والطواف حولها، والدعاء والتضرع لديها ونحوذلك مما هو من شعائر الحج حتى لقد ألف بعضهم كتابًا سماه " مناسك حج المشاهد والقبور "! على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وهذا ضلال كبير لا يشك مسلم شم رائحة التوحيد الخالص في كونه أكره شيء إليه - ﵌ -، فكيف يعقل إذن أن ينطق ﵇ بهذه الكلمة: " حجت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الله الحرام "؟! اللهم إن القلب يشهد أن النبي - ﵌ - ما صدر منه حرف من هذا، فقبح الله من وضعه.
"الضعيفة" (١/ ٤٣٠ - ٤٣١).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
[١٨٨] باب حكم الطواف بالقبور وهل يعذر بالجهل في مثل ذلك وهل أخذ الميثاق يكفي كحجة؟ وحكم أهل الفترة
السؤال: ما حكم الطواف بالقبور؟
الشيخ: الطواف في القبور شرك لا شك في ذلك ولا ريب، إذا كان النبي - ﵌ - قد قال كما في صحيح مسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» وهذا نص صريح أنه لا يجوز اتخاذ القبر قبلة؛ لأن قبلة المسلم إنما هي بيت الله الحرام أو الكعبة المشرفة، فإذا طاف الطائف حول القبر فمعنى ذلك أنه نقل عبادة هي لله وحده لا شريك له إلى ذاك المقبور الذي يعتقد بأنه من الأنبياء أو الاولياء أو الصالحين، ولا شك أن مثل هذا الارتكاب هو إخلال بحق لا إله إلا الله؛ لأن معنى هذه الكلمة الطيبة: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، فربنا ﷿ يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥) فأي عبادة توجه لغير الله ﷿ فهو شرك بالله في توحيد العبادة لأنكم تعلمون فيما أعتقد أن العلماء المحققين قسموا التوحيد الذي ينجي يوم القيامة .. يوم رب العالمين ينقسم إلى ثلاثة أقسام فإذا أخل المسلم بواحد منها لم يكن موحدًا حقًا:
القسم الأول: توحيد الربوبية.
والقسم الثاني: توحيد الألوهية، أي: توحيد العبادة.
والقسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
فمن وجه عبادة من العبادات التي تعبد الله ﷿ بها عباده إلى غيره ﷿ فقد اتخذه معه إلهًا؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم أن النبي - ﵌ - لما كان يدعو المشركين من قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له بالكلمة الطيبة: ﴿إِذَا قِيلَ
[ ٢ / ٤٧٣ ]
لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥) وأيضًا حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) المشركون لم يكونوا ينكرون التوحيد الأول وهو توحيد الربوبية وتوحيد الخالقية وإنما كانوا يعترفون بذلك تمامًا وإنما أنكروا توحيد العبادة لذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) فأنكروا على النبي - ﵌ - حينما أمرهم بأن لا يذبحوا إلا لله، وأن لا يحلفوا إلا بالله، وأن لا ينذروا إلا لله .. أنكروا ذلك عليه وجعلوا ذلك علامة منهم على كفرهم وشركهم للألوهية وتوحيد الله ﷿ في العبادة، فقول المسلم أي مسلم كان: لا إله إلا الله محمد رسول الله هذا بلا شك ينجيه من عذاب الدنيا ألا وهو القتل كما قال ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا قالواها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» فمن قال: لا إله إلا الله نجا بنفسه من الموت لكن لا ينجو أمام الله ﷿ من الخلود في النار إلا إذا قام بحق هذه الكلمة وأول حقها هو عبادة الله ﷿ وحده لا شريك له.
من طاف إذًا حول القبور فمعنى هذا أن ما عظمه بعبادة جعلها الله ﷿ عبادة له فنقلها هذا الضال من عبادته لله إلى عبادة مقبور وهو شرك لا شك ولا ريب فيه.
الشيخ: هل هناك شيء آخر؟
مداخلة: [متى يقام الحد على مثل هذا؟]
الشيخ: نعم، هذا السؤال حينما يراد إقامة الحد عليه؛ لأن هذا بهذا العمل يرتد، فإذا كان هناك من يقيم الحد، أي: القتل على المرتد حينذاك هذا الإنسان يؤتى به فيستتاب، لا يسأل: تعتقد أو لا تعتقد؛ لأن عمله برهان عن عقيدته، إنما
[ ٢ / ٤٧٤ ]
يستتاب بعد أن تقام عليه الحجة، أن هذا الطواف هو لبيت الله فقط عبادة وخضوع لله كالسجود لا فرق، فلو أن إنسانًا سجد لشيخ له أو أمير له فهذا لا يسأل لماذا أنت تسجد، وهل تعتقد أن هذا يستحق التعظيم؛ لأن عمله يدل على التعظيم لكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فالرسول ﵇ قال كما على العموم: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» (١) فالسجود بعد هذا التعظيم ليس من حاجة أن يسأل: لماذا أنت تسجد؟ لكن نحن بحاجة أن نفهمه أن هذا السجود إشراك مع الله لمن تعظمه بنفس الوسيلة التي تعظم بها ربك، فإما أن ترتدع وإما أمامك لا سمح الله القتل.
وسبب هذا الحديث الأخير أن معاذًا ﵁ أتى الشام في زمن النبي عليه الصلاة السلام وغاب ما غاب عنه - ﵌ -، ثم لما جاء إلى المدينة ووقع بصره على النبي - ﵌ - أراد أن يسجد له، فقال له: «مه يا معاذ! قال: يا رسول الله!
إني أتيت الشام فوجدت النصارى يسجدون لقسيسيهم وعلمائهم فرأيتك أنت أحق بالسجود منهم، فقال ﵇: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» لكن لا يصلح السجود إلا لله ﵎.
إذًا: سواء من سجد لغير الله أو طاف بغير بيت الله لا حاجة بنا أن نسأله ماذا تعني .. أتعتقد أن هذا يستحق العبادة؟ سيقول لك: لا، ما أعتقد؛ لأنه لا يفهم ما هي العبادة، لكن نحن نقيم الحجة عليه ونفهمه أن هذا إشراك في قسم من التوحيد، الأول: قلنا الربوبية، والثاني: العبادة أو الألوهية، فإن استجاب وذلك
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٩٣٧٠).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
ما نبغي فبها ونعمت وإلا قتل كفرًا ولا يدفن في مقابر المسلمين.
مداخلة: هل يعذر الجاهل في أمور العقيدة مثل هذه الأمور؟
الشيخ: هذه أيضًا لنا فيها أكثر من شريط فيما أعتقد، والسؤال يحتاج إلى تفصيل، فالشاهد: يختلف الجاهل باختلاف المجتمع الذي يعيش فيه، فإذا كان مجتمعًا جاهليًا فهو يعذر؛ لأن ما في من يقيم الحجة عليه ويبين له التوحيد، وإذا كان مجتمعًا إسلاميًا محضًا موحدًا فلا يعذر، وبين هذا وهذا طبعًا وجوه كثيرة وربنا ﷿ هو الذي يعلم ما في الصدور، فمن علم الله منه أنه لم تبلغه حجة الله فيما كان جاهلًا به فهذا معذور عند الله لقوله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) ولقوله - ﵌ -: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» (١) يسمع بي، يعني: يسمع بدعوتي على حقيقتها ثم هو مع ذلك لا يؤمن فهو خالد في النار أبدًا.
هذا هو مجمل القول في هذه المسألة: المحيط والبيئة له أثر كبير جدًا في تقويم الإنسان أو إفساده؛ ولذلك نهى عليه الصلاة السلام أن يسافر المسلم إلى بلاد الكفر ويساكنهم ويعاشرهم.
مداخلة: ذهب القائلون يا شيخ بارك الله فيك: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (الأعراف: ١٧٢) ذهب القائلون في هذا إلى أنه لا يعذر الإنسان بجهله وقد أخذ الله ﷿ العهد عليه من ظهور .. فما رأيكم في هذا الدليل يا شيخ جزاك الله خيرًا؟
الشيخ: هذا بارك الله فيك استدلال هزيل جدًا، وإنما معنى الآية السابقة:
_________________
(١) السلسلة الصحيحة (٧/ ١/٢٤٥ - ٢٥١).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) هذا الاستدلال معناه: تعطيل حكمة بعث الرسل وإنزال الكتب، فلو كان ما وقع في عالم الأرواح كما يقولون يكفي لإقامة الحجة كان لم يقل ربنا ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) ولم يكن هناك حاجة قصوى لإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهذا استدلال خاطئ اعتزالي؛ لأن المعتزلة يفسرون الآية التي ذكرتها آنفًا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) أي: العقل، وهذا انحراف طبعًا عن السنة؛ لأن السنة توضح أن أربعة أجناس يوم القيامة يدلون بحجتهم:
الطفل الذي لم يبلغ سن التكليف، والمجنون، والشيخ ، والرابع لا أذكره الآن .. المهم هؤلاء يحاسبون يوم القيامة حسابًا غير حساب الناس .. يرسل الله ﵎ إليهم رسولًا فمن أطاع هذا الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فلذلك الآية السابقة وهذا الحديث وما جاء في كتب التفاسير من السلف تبطل الاستدلال بالآية التي ذكرتها آنفًا.
فضلًا عن الحديث الذي ذكرته أيضًا آنفًا وهو من الحجج: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل» فلو كانت الحجة السابقة صحيحة لم يكن لهذا الحديث معنى أبدًا؛ لأن الحجة السابقة تسوي بين من سمع عن الرسول وبين من لم يسمع به إطلاقًا، وهذا لا يقول به
عالم أبدًا.
مداخلة: معنى سمع بي؟
الشيخ: شرحته آنفًا .. سمع بدعوتي وعلى حقيقتها، وبأوصافه وشمائله المعروفة، وهذا أيضًا لنا بعض تسجيلات في هذه الفترة عندكم، نعم.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
مداخلة: أهل الفترة يا شيخ [ما حكمهم]؟
الشيخ: إذا كان المقصود باهل الفترة جماعة بخصوصهم فينبغي تعيينهم، وإذا كان المقصود بأهل الفترة ليس جماعة بخصوصهم وإنما هم أقوام لم تبلغهم دعوة نبي ورسول فقد سبق الجواب، فيا ترى! ما هو المقصود بأهل الفترة في سؤالك؟
مداخلة: يقول: هم الذين ما بلغتهم رسالة نبي
الشيخ: سبق البحث: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥).
رحلة النور" (٢ب/١٠: ٠٥: ٠٠)
[١٨٩] باب الطواف حول القبور وثنية لا يرضاها الإسلام
[ذكر المعلمي في ترجمة أحمد بن عبد الله أبوعبد الرحمن العكي من «التنكيل» أن الرجل كان له شهرة وصيت ..،فعلق الإمام قائلًا]:
ولذلك كان زوار قبره يدورون حوله، وهذه وثنية لا يرضاها الإسلام،
والله المستعان.
"التعليق على التنكيل" (١/ ١٢٣).
[١٩٠] باب لا تستقبل القبور حين الدعاء
[قال الإمام]:
لا (تُستقبل) القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة؛ لنهيه - ﵌ - عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي، والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها، وقد قال - ﵌ -: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾
[ ٢ / ٤٧٨ ]
أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٠/ ١٥١) والبخاري في «الادب المفرد» رقم (٧١٤) وأبو داود (١/ ٥٥١ - بشرح العون) والترمذي (٤/ ١٧٨،٢٢٣) وابن ماجه (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وابن حبان (٢٣٩٦) والحاكم (١/ ٤٩١) وابن منده في «التوحيد» (ق ٦٩/ ١) وأحمد (٤/ ١٦٧،٢٧١،٢٧٦،٢٧٧) وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
ورواه أبو يعلى من حديث البراءة بن عازب كما في «الجامع الصغير»،
وفي الباب عن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: «الدعاء مخ العبادة»، أخرجه
الترمذي (٢٢٣٤) وقال: «حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة».
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، فيستشهد به إلا ما كان من رواية أحد العبادلة عنه فيحتج به حينئذ، وليس هذا منها، لكن معناه صحيح بدليل حديث النعمان، قال الطيبي في شرحه:
«أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام «هو العبادة» ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء.
وقال غيره: «المعنى هو من أعظم العبادة فهو كخبر «الحج عرفة» أي ركنه الأكبر، وذلك لدلالته على أن فاعله يقبل بوجهه إلى الله، مُعْرضًا عما سواه؛ لأنه مأمور به، وفعل المأمور عبادة، وسماه عبادة ليخضع الداعي، ويظهر ذلته، ومسكنته، وافتفاره؛ إذ العبادة ذل وخضوع ومسكنة» ذكره المناوي في «الفيض».
قلت: فإذا كان الدعاء من أعظم العبادة، فكيف يتوجه به إلى غير الجهة التي
[ ٢ / ٤٧٩ ]
أمر باستقبالها في الصلاة، ولذلك كان من المقرر عند العلماء المحققين أن «لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم» (ص ١٧٥):
«وهذا أصل مستمر أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين، وشر واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله، وقبر رسول الله - ﵌ -! وكل هذه الاشياء من البدع التي تضارع دين النصارى».
وذكر قبل ذلك بسطور عن الإمام أحمد وأصحاب مالك أن المشروع استقبال القبلة بالدعاء حتى عند قبر النبي - ﵌ - بعد السلام عليه، وهو مذهب الشافعية أيضًا، فقال النووي في «المجموع» (٥/ ٣١١):
وقال الإمام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني- وكان من الفقهاء المحققين- في كتابه في «الجنائز»: «ولا يستلم القبر بيده: ولا يقبله»، قال: «وعلى هذا مضت السنة».قال: «واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعًا، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله» قال: «فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه، واستقبل القبلة»، وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا، فقال شيخ الاسلام في «القاعدة
[ ٢ / ٤٨٠ ]
الجليلة في التوسل والوسيلة» (ص ١٢٥):
«ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الاسلام أن الرجل إذا سلم على النبي - ﵌ -، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره، فهذا نزاعهم في وقت السلام.
وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة، لا الحجرة، وسبب الاختلاف المذكور إنما هو من قبل أن الحجرة المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد، وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحدًا أن يستقبل وجهه - ﵌ - ويستدبر القبلة (١)، كما صار ذلك ممكنًا بعد دخولها في المسجد بعد الصحابة، فالمسلم منهم إن استقبل القبلة صارت الحجرة عن يساره، وإن استقبلوا الحجرة، كانت القبلة عن يمينهم وجهة الغرب من خلفهم، قال شيخ الاسلام في «الجواب الباهر» (ص ١٤) بعد أن ذكر هذا المعنى:
«وحينئذ فإن كانوا يستتقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح،
وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي
حنيفة أرجح».
_________________
(١) - وأما ما رواه اسماعيل القاضي في «فضل الصلاة على النبيص» (رقم ١٠١ بتحقيقي وطبع المكتب الاسلامي) عن ابن عمر» أنه كان يأتي النبيص فيضع، يده على قبره ويستدبر القبلة ثم يسلم عليه» فضعيف منكر كما بينته في التعليق عليه. [منه].
[ ٢ / ٤٨١ ]
قلت: لقد ترك الشيخ ﵀ المسألة معلقة، فلم يبت في أنهم كانوا يستقبلونها، أو يستقبلون القبر، وكأن ذلك لعدم وجود رواية ثابتة عنهم في ذلك، ولكن لو فرض أنهم كانوا يستقبلونه، فقد علمت أنهم في هذه الحالة كانوا يستدبرون الغرب لا القبلة، لعدم إمكان ذلك في زمانهم، وسبق أن الاكثرين يقولون باستقبال وجهه - ﵌ - أيضا عند السلام عليه، وهذا يستلزم استدبار القبلة، الأمر الذي نقطع أنه لم يقع في عهد الصحابة كما سلف، فهذا أمر زائد على استقبال الحجرة، ولا بد له من دليل لإثباته، فهل له من وجود؟ ذلك مما لا أعرفه، ولا رأيت أحدًا من العلماء تعرض لهذا، سواء في خصوص قبر الرسول - ﵌ - أو في القبور عامة. نعم، استدل بعضهم على ذلك بحديث ابن عباس قال:
«مر رسول الله - ﵌ - بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن على الأثر».أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦) والضياء في «المختارة» (٥٨/ ١٩٢/١) من طريق الطبراني وقال الترمذي: «حسن غريب».
قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان قال النسائي: «ليس بالقوي».وقال ابن حبان: «ردئ الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له».
قلت: وهذا من روايته عن أبيه، فلا يحتج به، ولعل تحسين الترمذي لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت في الأحاديث الصحيحة وقد مضى قريبًا ذكر قسم طيب منها، إلا أن قوله: «فأقبل عليهم بوجهه» منكر لتفرد هذا الضعيف به.
إذا عرفت هذا، فقد قال الشيخ علي القاري في «مرقاة المفاتيح» (٢/ ٤٠٧):
«فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه
[ ٢ / ٤٨٢ ]
لوجه الميت، وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضًا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافًا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه في حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء».
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر ظاهر، إذ ليس في الحديث إلا إقباله - ﵌ - بوجهه على القبور، وأما الاقبال على وجوه الموتى، فشئ آخر وهو يحتاج إلى نص آخر غير هذا، وهو مما لا أعرفه.
فالحق أن الحديث لو ثبت سنده لكان دليلًا واضحًا على أن المار بالقبور يستقبلها بوجهه حين السلام عليها والدعاء لها، كيفما كان الاستقبال، وحسبما يتفق دون قصد لوجوه الموتى، أما والسند ضعيف كما سبق بيانه فلا يصلح للاستدلال به أصلًا.
ولا ينافي ما تقدم عن الإمام مالك من عدم مشروعية استقبال الحجرة عند الدعاء الحكاية التي جاء فيها أن مالكًا لما سأله المنصور العباسي عن استقبال الحجرة، أمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم؛ لأنها حكاية باطلة، مكذوبة على مالك، وليس لها إسناد معروف، ثم هي خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره.
ومثلها ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم، فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه فمن البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال: «لا يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها» (١).
"أحكام الجنائز" (ص٢٤٦ - ٢٥١)
_________________
(١) انظر «قاعدة جليلة» لابن تيمية (ص ٥٣ - ٦٢). [منه]
[ ٢ / ٤٨٣ ]
[١٩١] باب حكم قصد القبر للدعاء عنده تبركًا
[قال الإمام]:
(قصد) القبر للدعاء عنده تبركًا به لا يشرع، بل هو من الشركيات والوثنيات التي ابتلي بها كثير من المسلمين، كما شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٢٨).
[١٩٢] باب منه
[قال الإمام]:
[جاء] في " حاشية الباجوري على ابن قاسم " [ما] نصه (١/ ٢٧٧): " ويكره تقبيل القبر واستلامه، ومثله التابوت الذي يجعل فوقه وكذلك الأعتاب عند الدخول لزيارة الأولياء ".ثم استثنى مخرِّبًا بيده لما بنى فقال: " إلا إن قصد به التبرك بهم فلا يكره "
قلت [القائل الألباني]: وهل البلاء كله إلا من مثل هذا التبرك الموصل إلى الشرك؟.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٢٩).
[١٩٣] باب حكم استقبال القبور بالدعاء
[قال الإمام]:
يستقبل كثير من الناس الهلال عند الدعاء، كما يستقبلون بمثله القبور، وكل ذلك لا يجوز؛ لما تقرر في الشرع أنه «لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة» وما أحسن ما روى ابن أبي شيبة (١٢/ ٨/١١) عن علي قال: «إذا رأى الهلال فلا
[ ٢ / ٤٨٤ ]
يرفع إليه رأسه، إنما يكفي من أحدكم أن يقول: ربي وربك الله».وعن ابن عباس: أنه كره أن ينتصب للهلال، ولكن يعترض ويقول: «الله أكبر ».
"تحقيق الكلم الطيب" (ص ١٣٩).
[١٩٤] باب هل يشرع تقصد القبر بالسلام والدعاء؟
سؤال: بالنسبة لبعض الناس الذين يصلون في الحرم، الملاحظ بعض الناس يقفون في مكانهم بعد التسليم، ثم بعد ذلك يتجه باتجاه القبر .. الذي يقول: أنا أصلي وأسلم على قبر ..
الشيخ: هذا لا يجوز في الإسلام، لا يجوز استقبال القبور في أثناء السلام والدعاء إلا ما يتيسر، أما أن يتقصد من بعيد أن يتوجه إلى قبر النبي ﵇ أو الولي أو الصالح فهذا ليس من الإسلام في شيء.
"لقاءات المدينة" (١/ ٠٠: ٣٩: ٠٣)
[١٩٥] باب وضع المال عند القبر غير مشروع
[قال صديق حسن في «الروضة الندية» (٢/ ٥١٦):
«ومن وضع مالا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد؛ جاز صرفه في أهل الحاجات ومصالح المسلمين».
[فعلق الإمام قائلًا]:
«ليس يريد المؤلف به [أي بالمشهد] المعنى المتعارف عليه؛ وهو المكان الذي دُفن فيه أحد الصالحين؛ فإن هذا غير مشروع».
«التعليقات الرضية» (٢/ ٥١٦).
[ ٢ / ٤٨٥ ]
[١٩٦] باب هل يجوز تعليم القبر وزيارته بعينه؟
سؤال: بالنسبة لزيارة القبور: هل يجوز تعريف قبر معين والذهاب إليه لزيارته خصيصًا قبر صديق، يعني: صديق دفن في البقيع هل يجوز تعريف قبره والذهاب إليه الوقوف عليه والدعاء له فيه.
الشيخ: يجوز؛ لأن الرسول قال: «وعلموا به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» لكن لا ينبغي أن يترتب من وراء ذلك شيء من الغلو.
"الهدى والنور" (٨٠/ ٤٢: ٣٩: ٠٠ (
[١٩٧] باب حكم البناء على القبر للضرورة والكتابة عليه
[سئل الإمام سؤالًا مفاده أنه إذا كان الحجر الذي يوضع على القبر كعلامة له يضيع بسبب كثرة الزائرين وكثرة من يمشي على القبور، فهل يجوز في هذه الحالة إقامة بناء صغير على القبر يقوم بالغرض؟]
الشيخ: عرفت الحكم الشرعي، يعني الأصل هو تحريم البناء على القبر، لكن إذا الله ﷿ يقول بعدما حرم اللحوم المحرمة كلحم الخنزير يقول: «إلا ما اضطررتم إليه»، فمعناها الضرورات تبيح المحظورات، لكن مش على كيفنا، الضرورة تقدر بقدرها في حدود القاعدة هذه تقدر تتصرف بالإضافة إلى القبر بغرض صيانتة وعدم إهانته، أما نقعد نشتغل بالبنى والتزيين والزخرفة فإذًا عرفت فالزم.
مداخلة: عندما دفنا الميت جبنا حجر وضعناه كشاهد لأجل التراب
والهواء والغبرة لو أجينا صبينا صبة باطون على نفس الأرض ووضعنا الشاهد بدون كتابة.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
الشيخ: هذا نفس البحث في حدود الحاجة بس.
مداخلة: أما يعمل حجرة حجرة هذا مكروه.
الشيخ: نعم.
مداخلة: قبل سنتين تقريبا [قرأت] فتوى في الجريدة ذكروا بالنسبة للكتابة على الشاهد جواز ذلك واستشفوا ذلك من حديث: « قبر أخي»، قال الآن الكتابة من وسائل التعلم أو من وسائل معرفة القبر هذا لمن صاحبه فما رأيكم؟
-رأيي يعرف بالجواب السابق الضرورة تقدر بقدرها، فأنا أقول إذا كان ليس هناك وسيلة لتعليم القبر إلا بالكتابة فيجوز بحكم الضرورة إذا كان لا يوجد هناك وسيلة أخرى، أنا الآن راح أضرب لك مثل، أدخل المقبرة هذه التي ممكن تكون أوسع مقبرة في هذا البلد ستجد شواهد كثيرة وكل شاهد مكتوب عليها اسم صاحب القبر، أولًا ستجد الكتابات ما هي واقفة في حدود الحاجة مش مكتوب فقط الاسم مكتوب سنة وفاته ﵀ والفاتحة وإلخ هذا نحن بحاجة له؟
مداخلة: لا.
الشيخ: الذين أعطوا هذه الفتوى ما أعطوا هذه القيود.
هذه واحدة، ثاني واحدة إذا مثل أبو عزت الله يرحمه وضعنا شاهدين وخطينا خط هيك أسود صار علامة ولّا لا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب من شان إيش الكتابه.
هذا مثال لتحديد الكلام الذي قلناه آنفا أن الضرورات تبيح المحظورات،
[ ٢ / ٤٨٧ ]
لكن أيش؟ تقدر بقدرها، ما دام في نهي عن الكتابة نبتعد عن الكتابة النهي، إذا كان في بديل عنها وهاي أنا جبتلك بديل، هلا عندك إشكال شو إشكالك
حول الخط؟
مداخلة: الإشكال على الخط أنه هذه العلامة التي أراها لا يعرفها إلا واضعها.
الشيخ: وهذا المقصود.
مداخلة: لكن مثلًا بعض الأقارب.
الشيخ: شو المقصود بالكتابة التي أبيحت وهي منهي عنها أليس أن أصحابه يعرفون القبر.
مداخلة: نعم لكن في مثلًا أقارب مثلا بدهم يجوا يزوروا القبر ما بيعرفوا هذه العلامة.
الشيخ: يعرفوا من الأقارب، يعرفوا من الأقارب.
"الهدى والنور" (١٧٤/ ٠٦: ١٧: ٠٠ (
[١٩٨] باب حكم إحياء قبور الصحابة والعناية بها
سؤال: شيخنا قلت أن عائشة ﵂ بعد وفاة النبي - ﵌ - زارت القبور، هل هناك نص في هذا؟
الشيخ: أي نعم، جاء في سنن الترمذي أن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق أخاها، مات بعيدًا عن المدينة.
زارت قبره، وأظن بهذه المناسبة ذكرت بيتين من الشعر وقالت:
[ ٢ / ٤٨٨ ]
من يذكر منكم البيتين؟ هم بيتين حلوين، المهم أنها زارت قبر أخيها
عبد الرحمن.
مداخلة: يعني الأثر هذا في سنن الترمذي.
الشيخ: أي نعم، وفي هذا الأثر فائدة بالنسبة لنا نحن الدمشقيين؛ لأن هناك في منتصف شارع بغداد مسجد يسمى بمسجد عبد الرحمن، ويعنون به مكتوب لوحة هناك: مسجد عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وفيه قبر بالداخل، وأنا بطبيعة الحال عمري ما صليت هناك، نريد أن نقول لهم: يا جماعة! ما الذي أتى بعبد الرحمن بن أبي بكر هنا في دمشق، وهو مات قريب من المدينة، وذهبت أخته السيدة عائشة وزارته، وقالت هذا الشعر الذي يحزن ويذكر، كيف كانت عائشة في هناء وسرور، ثم جاء الموت الذي لا نجاة منه ففرق بينهما.
وهكذا تساعد الروايات الصحيحة بإبطال كثير من الأفكار والآراء القائمة على التقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وبهذه المناسبة جاءني منذ ليلتين أظن على موعد سابق بيني وبين الأخ عبد الفتاح عمر، قال في مهندس ما أذكر إيش قال بالجامعة له علاقة بالأوقاف، نسيت
المهم، كان يريد موعد لأجل مناسبة سمعتم أنه هناك مشروع لإحياء قبور الصحابة والعناية بها، و إلى آخره من هذا الكلام، فهو يريد أن يعرف رأيك بالموضوع.
المهم، حصل اللقاء، جاؤوا هم الثلاثة، عبد الفتاح وهذا المهندس ومهندس آخر، فهو نقل الفكرة التي يتذرعون بها لتجديد مقامات الصحابة، وبعض الأنبياء
[ ٢ / ٤٨٩ ]
الذين يزعمون أن لهم قبور هنا، مثل شعيب وغيره ويوشع
[وذكروا] أن هذا الغرض منه إبقاء وتخليد ذكراهم وتذكير الناس؛ من هذه الفلسفة المادية التي لا قيمة لها إطلاقًا.
وكانت جلسة مفيدة في اعتقادي، لأن هذا المهندس لأول مرة يسمع رأي الشرع الصحيح في مسألة مقامات، لأنه هو سأل السؤال، وأنا استلمت الجواب من بعد صلاة المغرب إلى أذان العشاء على سؤال واحد، وقلنا له: يا أخي الشرع .. لخصنا له الموضوع
وأنا ذكرت له المصدرين كمرجع له: «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، «وأحكام الجنائز وبدعها».
الشيخ: أي نعم، فقلت له: يا أخي! هذه النغمة التي تذاع الآن وتشاع، أن هذا لأجل التذكير بأعمال هؤلاء الصالحين .. وإلى آخره. هذه أولًا وَهْمٌ لا حقيقة لها.
ثانيًا: يترتب على المفاسد المتعلقة بالتوحيد ما لا قيمة تذكر لذلك الوهم لو كان حقيقة، تجاه هذه المفاسد.
وذكرت له حكمة التشريع، وكيف أن الرسول نهى في أول الأمر الحديث السابق، ثم أذن لما تمكن الناس من معرفة حق الله على عباده، وأنه يجب عليهم ألا يشركوا به شيئًا إطلاقًا، فقال لهم: «ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة».
وفي نهاية الجلسة قلت: إذا كان الأخ أخذ الجواب بتمامه فالحمد لله، وإلا نتواعد بجلسة أخرى إن شاء الله، ننظر فيما إذا كان هناك بعض الأسئلة.
"الهدى والنور" (١٦٤/ ٥٤: ٤٣: ٠٠).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
جماع أبواب الكلام
حول حكم شد الرحال للقبور والمواطن الفاضلة
وحكم تتبع آثار الأنبياء والصالحين وتَقَصُّدَها
[ ٢ / ٤٩١ ]
[١٩٩] باب بدعية تتبع آثار الأنبياء والصالحين
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
«قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، مثل المواضع التي يقال: إن فيها أثر النبي - ﵌ - كما يقال في صخرة بيت المقدس، ومسجد القدم قبلي دمشق، وكذلك مشاهد الأنبياء والصالحين».
[ثم علق في الحاشية قائلًا]:
وقد صح عن عمر ﵁ انه رأى الناس في حجته يبتدرون إلى مكان، فقالوا: ما هذا، فقال مسجد صلى فيه رسول الله - ﵌ -، فقال: «هكذا هلك أصحاب الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا من عرضت له منكم فيها الصلاة فليصل وإلا فلا يصل». انظر كتابنا «تحذير الساجد» (ص ٩٧) ثم قابل ذلك بما في «الإحياء» (١/ ٢٣٥ طبع الحلبي) تر عجبًا.
"حجة النبي - ﵌ - " (ص١٠٩ - ١١٠).
[٢٠٠] باب حكم تتبع آثار الأنبياء؟
مداخلة: هناك أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه رأى أناسًا يتبادرون إلى مكان، فسأل عن هذا المكان فقالوا: ورسول الله - ﵌ - صلى فيه، فنهاهم عنه فقال: «ما أدركتم فصلوا ولم تدركوا فليمض» فما هو وجه التناقض مع عبد الله بن عمر وكان يتابع النبي - ﵌ - في جميع أفعاله، فكيف نوفق بين القولين؟
الشيخ: لا شك أن عمر بن الخطاب ﵁ كان أفقه من ابنه عبد الله، وإن كان ابنه عبد الله كان فيما يبدو أعبد من كثير من الصحابة، فعمر بن الخطاب
[ ٢ / ٤٩٣ ]
في القصة التي أنت أشرت إليها، قال: ما أدركته الصلاة في موطن من هذه المواطن التي كان قد صلى فيها النبي - ﵌ - فليصل، ومن لا فلا تفعلوا، فإنما أهلك من كان قبلكم اتباعهم آثار أنبيائهم، فهو ﵁ نهى الناس عن تتبع آثار الرسول ﵇ خشية أن يقعوا في نوع من الغلو الذي نهى عنه الرسول - ﵌ - في مثل قوله: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم» (١) فعمر خشي على الناس خاصة الناس الذين يأتون من بعد أن يقعوا في شيء من هذا الغلو فنهاهم عن تتبع الآثار.
أما ابن عمر عبد الله فهو كان يتتع آثار الرسول ﵇، وهذا من حبه لنبيه كان يغالي في التتبع غلوًا لا يراه والده عمر ولا غيره من الصحابة، فكان موقف عمر أقرب إلى باب سد الذريعة من موقف ابنه عبد الله بن عمر، فالصواب الذي ينبغي أن يكون عليه سائر الناس: هو ما نصح به عمر الناس يومئٍذ وليس ما كان عليه ابنه عبد الله بن عمر؛ لأن هذا يحتاج إلى إنسان فقيه دقيق الفقه حتى يقف عند الحدود ولا يغالي في محبة الرسول ﵇، هذه المحبة التي قد تدفع بعض المحبين إلى أن يغالوا في محبوبهم كما فعلت النصارى في عيسى ﵊، فما فعله عمر هو الصواب في هذه المسألة، فلا يجوز تتبع آثار الأنبياء وكأن من أدلة ذلك قوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا
إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» فلم يحض الرسول ﵇ على أن يتتبع المسلم شيئًا من آثار الأنبياء إلا هذه المساجد الثلاثة.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢٤/ ٠١: ٠٨: ٠٦)
_________________
(١) السلسلة الصحيحة (٣/ ٢٧٨).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
[٢٠١] باب تَقَصًد آثار الأنبياء للصلاة عندها وسيلة للشرك
[قال الإمام]:
بالغ ابن حزم فقال:
«ولا تجزئ الصلاة في مسجد أحدث مباهاة أو ضرارًا على مسجد آخر إذا كان أهله يسمعون نداء المسجد الأول، ولا حرج عليهم في قصده، والواجب هدمه، وهدم كل مسجد أحدث لينفرد فيه الناس كالرهبان أو يقصدها أهل الجهل طلبًا لفضلها، وليست عندها آثار لنبي من الأنبياء ﵈».
وفي كلامه الأخير إشارة إلى جواز قصد آثار الأنبياء للصلاة عندها، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء قديمًا، والذي يترجح عندنا المنع من قصدها؛ لأنه لا دليل من الكتاب والسنة على جوازه، ولأنه قد يؤدي إلى الغلو وهو منهي عنه، ولنهي عمر ﵁، فقد روى سعيد بن منصور في (سننه): ثنا أبو معاوية: ثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر ﵁ قال:
خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ (الفيل: ١) و﴿لإيلاف قريش﴾ (قريش: ١) في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى رسول الله - ﵌ - فيه، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض» وهذا إسناد صحيح على شرط الستة.
فقد كره ﵁ اتخاذ مصلًّى النبي عيدًا، وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا، وهذا مذهب مالك وغيره من أهل المدينة، فقد كانوا يكرهون
[ ٢ / ٤٩٥ ]
إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي في المدينة ما عدا قباء وأُحدًا.
وتفصيل القول في هذا المقام راجعه في «اقتضاء الصراط المستقيم».
وما رجحناه من المنع إنما هو في المواضع التي صلى فيها رسول الله - ﵌ - اتفاقًا، وأما الأماكن التي كان ﵊ يقصدها للصلاة والدعاء عندها فقصدها من أجل ذلك سنة اقتداءً به ﵇، ثم إن ذلك المنع إذ لم يقترن به شد رحل، وأما إذا اقترن به ذلك فهو ممنوع قطعًا لقوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » الحديث.
"الثمر المستطاب" (١/ ٤٧١ - ٤٧٢).
[٢٠٢] باب من وسائل الشرك: تتبع آثار الأنبياء والصاحين
عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «اجتمع الكفار يتشاورون في أمري فقال النبي - ﵌ -: «ياليتني بالغوطة بمدينة يقال لها دمشق، حتى آتي الموضع مستغاث الأنبياء حيث قَتَلَ ابن آدم أخاه، فأسال الله أن يهلك قومي فإنهم ظالمون، فأتاه جبريل فقال يا محمد ائت بعض جبال مكة فأوإلى بعض غاراتها، فإنها معقلك من قومك، قال: فخرج النبي - ﵌ - وأبو بكر ﵁ معه حتى أتيا الجبل، فوجدا غارًا كثير الدواب، فجعل أبو بكر
﵁ يمزق رداءه، وسد الثغور، والثقب، والنبي - ﵌ - يقول اللهم لاتنساها
لأبي بكر».
[قال الإمام]:
حديث منكر وحديث هجرة النبي - ﵌ - مشهور مستفيض من وجوه شتى، وليس في شيء منهما ما في هذا الحديث من تمنية - ﵌ - أن يكون بالغوطة ليأتي
[ ٢ / ٤٩٦ ]
مستغاث الأنبياء فيدعو على قومه! ولست أشك أن هذا القدر منه مكذوب موضوع على رسول الله - ﵌ -، فقد علم كل مطلع على السنّة أن لم يكن من هديه ﵇ تتبع آثار الأنبياء والدعاء عندها، بل هذا مما نهى عنه الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ وغيره، وقد ورد عنه في ذلك ثلاث قصص:
القصة الأولى:
عن ابن سويد قال: خرجت مع أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهبًا فقال: «أين يذهب هؤلاء؟» قيل: «يا أمير المؤمنين مسجد صلّى فيه رسول الله - ﵌ - هم يأتون يصلّون فيه».فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصلّ، ومن لا فليمضِ ولا يتعمدها».
رواه سعيد بن منصور في «سننه»، وابن وضاح القرطبي في «البدع والنهي عنها» (ص٤١ و٤٢) بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
القصة الثانية:
عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة. فقطعها عمر. (رواه ابن وضاح ص: ٤٢ - ٤٣، ورجال إسناده ثقات، وروى عن شيخه عيسى بن يونس مفتي أهل طرطوس: «قطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحت فخاف عليهم الفتنة».وراجع لي كتابي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد».
القصة الثالثة:
ما وقع في عهده ﵁ من تعمية قبر دانيال، فيما رواه أبو خلدة خالد
[ ٢ / ٤٩٧ ]
بن دينار، قال ما مختصره: حدثنا أبو العالية قال: «لما فتحنا تستر، وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قالت: من كنت تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال» (رواه ابن إسحاق في مغازيه، ورواه غيره على وجوه أخر وفي بعضها أن الدفن كان بأمر عمر).
ومن هذا الباب ما ورد عن علي بن الحسين ﵂ أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - ﵌ - فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، فقال: «ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله - ﵌ - قال: «لا تتخذوا عند قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم».
(رواه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة»، ورواه أبو يعلي في مسنده، وفي إسناده رجل من أهل البيت مستور، وبقية رجاله ثقات).
ففي هذه الآثار النهي عن قصد قبور الأنبياء وتتبع آثارهم للصلاة والدعاء عندها، وذلك سدًا للذريعة وخشية الغلو فيهم المؤدي إلى الشرك بالله تعالى.
ولذا لم يكن ذلك من فعل السلف الصالح ﵃، بل قال شيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» ما ملخصه (ص١٨٦ - ١٨٧):
كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمَّارًا ومسافرين ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرَّى الصلاة في مصليات النبي - ﵌ -، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته، وأتبع لها من غيرهم، وأيضًا
[ ٢ / ٤٩٨ ]
فإن تحرَّي الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد.
فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سدًا للذريعة فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه أو صلاتهم فيه من غير أن يكون قصدوه للصلاة فيه؟.ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، وقصد الأماكن التي يقال أن الأنبياء قاموا فيها كالمقامين اللذين بجبل قاسيون بدمشق اللذين يقال أنهما مقام إبراهيم ﵇، والمقام الذي يقال إنه مغارة دم قابيل، وأمثال ذلك من البقع التي بالحجاز والشام وغيرها. ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: أن هذا مقام نبي أو قبر نبي أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو نمام لا تعرف حقيقته!.
ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدًا فيصير وثنًا يعبد من دون الله تعالى؛ شرك مبني على إفك، والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص. ولهذا قال النبي - ﵌ - في الحديث الصحيح: «عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله (مرتين)».
ثم قرأ: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين﴾ (١).
ثم قال مثل هذا القول في الكتاب المذكور (ص٢٠٣ - ٢٠٤) ثم قال:
_________________
(١) سورة الحج، الآية ٣٠. [منه].
[ ٢ / ٤٩٩ ]
(ص٢٠٨ - ٢٠٩): وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم، وأمثل من ينقل عنه تلك الإسرائيليات كعب الأحبار. وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرًا من الإسرائيليات، وقد قال معاوية ﵁:
وما رأينا في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحيانًا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﵌ - أنه قال:
«إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم باطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه».
ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة مع هذه الأمة المعصومة التي لا تجتمع على ضلالة، إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي - ﵌ - بحديث كعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبي العالية ونحوهم، وهم من خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين، توقف أهل العلم في مراسيلهم وليس بين أحدهم وبين النبي - ﵌ - إلا رجل أو رجلان أو ثلاثة مثلًا، فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء، وبين كعب وبين النبي الذي ينقل عنه ألف سنة أو أكثر أو أقل، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود، وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئًا بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك ولا يكذبه إلا بدليل يدل على كذبه، وهكذا أمرنا النبي - ﵌ -، وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء أو منسوخ في شريعتنا ما لا يعلمه إلا الله، ومعلوم أن أصحاب النبي - ﵌ - من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلاد بعد موت النبي
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وسكنوا بالشام والعراق ومصر، وغير هذه الامصار، وهم كانوا أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم وليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه، فما كان من هذه البقاع لم يعظموه أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك. وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك لأن اتّباع سبيلهم أولى من أتباع سبيل من خالف سبيلهم، وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم وأفضل انه خالف سبيل هذا المخالف، وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها. وقد ثبت في الصحيح أن النبي - ﵌ - «لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين، ولم يصل بمكان غيره ولا زار».
"تخريج أحاديث فضائل الشام" (ص ٤٨ - ٥٦).
[٢٠٣] باب هل شد الرحال يحرم لغير
المساجد الثلاثة من المساجد فقط أم أن ذلك عام؟
سؤال: [قوله - ﵌ -]: تشد الرحال هذا يا شيخ: يقصد في المساجد أو عام لكل .. لكل الأسفار. لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد يعني: لا تشد إلا إلى هذه من بين المساجد؟
الشيخ: هذه مسألة كما لا يخفاك خلافية منذ القديم، لكن الصحيح أن النص عام والمستثنى خاص لا تشد الرحال إلى الموضع من المواضع لقصد تفضيل ذلك المكان إلا هذه المساجد الثلاثة، وأذكر أنني كنت عالجت هذه المسألة بالذات في كتاب: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، وذكرت هناك أقوال العلماء في تأويل الحديث ودعمت هذا القول الذي ذكرته آنفًا بخبر صحيح
[ ٢ / ٥٠١ ]
الإسناد في مسند الإمام أحمد أن أبا بصرة الغفاري ﵁ لقي أبا هريرة قادمًا من سفر، فلما سأله من أين؟ قال: من الطور، قال: لو علمت لما ذهبت سمعت رسول الله - ﵌ - وذكر الحديث في لفظ آخر لا تعمل المطي إلى مسجد من المساجد إلا المساجد الثلاثة.
فاستفدنا من هذه الرواية أن الصحابي راوي الحديث الذي سمعه من النبي - ﵌ - يفهم أن الحديث على عمومه، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد من يعارض هذا الفهم العام.
"الهدى والنور" (٧٢٣/ ٥٨: ٤٧: ٠٠) و(٧٢٣/ ٠٠: ٤٩: ٠٠)
[٢٠٤] باب حديث: «لا تشد الرِّحال» يشمل المواطن الفاضلة
عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال: لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاء من الطور فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور صليت فيه قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت؛ إنى سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الاقصى.
(صحيح).
[قال الإمام]:
الحديث عام يشمل المساجد وغيرها من المواطن التي تقصد لذاتها أو لفضل يدعى فيها، ألا ترى أن أبا بصرة ﵁ قد أنكر على أبى هريرة سفره إلى الطور وليس هو مسجدًا يصلى فيه، وإنما هو جبل كلم الله فيه موسى عليه
[ ٢ / ٥٠٢ ]
السلام فهو جبل مبارك ومع ذلك أنكر أبو بصرة السفر إليه وقد ثبت مثله عن عبد الله بن عمر ﵁ كما بينته في غير هذا الموضع.
"إرواء الغليل" (٤/ ١٤٣).
[٢٠٥] باب بدعية شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين
[ذكر الإمام مِن بدع ما قبل الإحرام في الحج]:
«السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين»
[ثم علق في الحاشية قائلًا]:
وأما الزيارة التي ليس معها سفر فهي مشروعة باتفاق العلماء ومنهم أبن تيمية، وكل من يتهمه بانكارها فهو جاهل أو مغرض.
"حجة النبي - ﵌ - " (ص١٠٨).
[٢٠٦] باب ما هو الحكم الشرعي في شد الرحال إلى القبور؟
سؤال: ما هو الحكم الشرعي في شد الرحال إلى القبور؟
الشيخ: (إذا) كان النبي - ﵌ - نهى عن شد الرحال إلى مسجد من المساجد الثلاثة، فمن باب أولى ينهى عن السفر إلى قبر من القبور الذي لا فضيلة له ولا مزية من حيث أنه لا شبه له بالمساجد التي هي خير البقاع لعموم قوله ﵊، فإذا نهى عن شد الرحال إلى المساجد وهي خير البقاع، إلا ما سوى المساجد الثلاثة، فلأن ينهى عن شد الرحال إلى أي مزار أو قبر هذا من باب أولى، وهنا نستطيع أن نقول: يلتقي صحة النظر مع صحة الأثر وليس بعد ذلك لأحد من أمر.
" الهدى والنور" (٦/ ٤٦: ٢٤: ٠٠)
[ ٢ / ٥٠٣ ]
[٢٠٧] باب حكم شد الرحال إلى القبور
وإلى المواطن الفاضلة
[قال رسول - ﵌ -]:
«إنما تضرب أكباد المطي إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى».
[قال الإمام]:
«عن سعيد بن أبي سعيد المقبري: أن أبابصرة جميل بن بصرة لقى أبا هريرة وهو مقبل من الطور فقال لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تاته، إني سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: فذكره»
والحديث في " الصحيحين " وغيرهما من طرق عن أبي هريرة بلفظ " لا تشد الرحال " وقد خرجتها في " إرواء الغليل " (رقم ٩٥١)، وإنما خرجته هنا لهذه الزيادة التي فيها إنكار أبي بصرة على أبي هريرة ﵄ سفره إلى الطور، ولها طرق أخرى أوردتها هناك، فلما وقفت على هذه الطريق أحببت أن أقيدها هنا، وقد فاتتني ثم. وفي هذه الزيادة فائدة هامة، وهي أن راوي الحديث وهو الصحابي الجليل أبو بصرة ﵁ قد فهم من النبي - ﵌ - أن النهي يشمل غير المساجد الثلاثة من المواطن الفاضلة كالطور وهو جبل كلم الله عليه موسى تكليما ولذلك أنكر على أبي هريرة سفره إليه، وقال: " لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته " وأقره على ذلك أبو هريرة ولم يقل له كما يقول بعض المتأخرين: " الاستثناء مفرغ، والمعنى: لا تسافر لمسجد للصلاة فيه إلا لهذه الثلاثة "! بل المراد: لا يسافر إلى موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء بركتها وفضل العبادة فيها إلا إلى ثلاثة مساجد.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر ﵁ كما بينته في كتابي " أحكام الجنائز وبدعها " وهو الذي اختاره جماعة من العلماء كالقاضي عياض، والإمام الجويني والقاضي حسين، فقالوا: "يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة كقبور الصالحين والمواضع الفاضلة".ذكره المناوي في " الفيض ".
فليس هو رأي ابن تيمية وحده كما يظن بعض الجهلة وإن كان له فضل الدعوة إليه، والانتصار له بالسنة وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجزاه الله عنا خير الجزاء.
فهل آن للغافلين أن يعودوا إلى رشدهم ويتبعوا السلف في عبادتهم وأن ينتهوا عن اتهام الأبرياء بما ليس فيهم؟.
"الصحيحة" (٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨).
[٢٠٨] باب بدعية قصد المساجد التي بمكة غير المسجد الحرام
[ذكر الإمام: مِن بدع الحج]:
«قصد المساجد التي بمكة، وما حولها، غير المسجد الحرام، كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس، ومسجد المولد، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي - ﵌ -».
«مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩) و«تفسير سورة الإخلاص» لابن تيمية (١٧٩).
"حجة النبي - ﵌ - " (ص١١٢ - ١١٣).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
[٢٠٩] باب بدعية قصد الجبال والبقاع التي حول مكة
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
«قصد الجبال والبقاع التي حول مكة، مثل جبل حراء، والجبل الذي عند منى، الذي يقال: إنه كان فيه الفداء، ونحو ذلك».
«مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٢٨٩).
"حجة النبي - ﵌ - "" (ص١١٢ - ١١٣).
[٢١٠] باب بدعية قصد الصلاة في مسجد عائشة
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
«قصد الصلاة في مساجد عائشة بـ (التنعيم)».
«مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
"حجة النبي - ﵌ - " (ص١١٣).
[٢١١] باب بدعية قصد شيء من المساجد والمزارات التي بالمدينة غير المسجد النبوي ومسجد قباء
[ذكر الإمام من بدع زيارة المدينة النبوية]:
«قصد شيء من المساجد والمزارات التي بالمدينة وما حولها بعد مسجد النبي - ﵌ - إلا مسجد قباء».
«تفسير سورة الإخلاص» (١٧٣ - ١٧٧).
حجة النبي - ﵌ - " (ص١٤٤)
[ ٢ / ٥٠٦ ]
[٢١٢] باب لا يجوز شد الرحل إلى مسجد قباء مع فضيلته
[تَكلَّم الإمام على فضل المساجد الثلاثة ثم قال]:
ثم مسجد قباء وهو المراد من قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ (التوبة/١٠٨) فإنه لما نزلت «أتاهم ﵊ في مسجد قباء فقال: «إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا [قال: وهو ذاك فعلكيم به]»
وللصلاة فيه أجر عظيم فقد قال - ﵌ -: «من خرج حتى يأتي هذا المسجد- يعني مسجد قباء (وفي لفظ: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء) فيصلي فيه كان كعدل عمرة (وفي اللفظ الآخر: كان له كأجر عمرة»
ولذلك «كان - ﵌ - يأتي قباء [كل سبت] راكبًا وماشيًا [فيصلي فيه ركعتين]».
قال الحافظ:
«وفي هذا الحديث- على اختلاف طرقه- دلالة على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك، وفيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم؛ لكون النبي - ﵌ - كان يأتي مسجد قباء راكبًا، وتعقب بأن مجيئه - ﵌ - إلى قباء إنما كان لمواصلة الأنصار، وتفقد حالهم، وحال من تأخر منهم، عن حضور الجمعة معه، وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت».
[ ٢ / ٥٠٧ ]
قلت: فعلى هذا فذهابه ﵊ يوم السبت لم يكن مقصودًا بالذات، بل مراعاة لمصلحة التفقد المذكور، وعليه فالأيام كلها سواء في الفضيلة في زيارة قباء لعدم وجود قصد التخصيص، فما ذكره القاري في «المرقاة» (١/ ٤٤٨) عن الطيبي أن: «الزيارة يوم السبت سُنة»
ليس كما ينبغي (١) قط. ثم وقفت على من ذكر ذلك وهو الإمام أبو شامة الشافعي في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» وقد ذكر فيه ما يوافق ما ذهبنا إله من عدم جواز التخصيص وإليك كلامه في ذلك كله قال ﵀ (ص٣٤):
«ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصها بها الشرع، بل يكون جميع أنواع البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل، إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك؛ اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلًا فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر، فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة النبي - ﵌ -».
ثم ساق حديث «الصحيحين» عن عائشة أنها قالت: «كان رسول الله - ﵌ - يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وحديث علقمة قال:
_________________
(١) وأذكر أنني قرأت عن بعض العلماء أنه ذهب إلى أن المراد من قوله في الحديث: «كل سبت» أي كل أسبوع، وأنه ليس المراد يوم السبت نفسه، وقد احتج لذلك من اللغة بما لا أستحضره، ولا أذكر الآن في أي كتاب قرأت ذلك، فمن وجده فليكتب، فإذا صح ذلك فلا دلالة حينئذ في الحديث على التخصيص. [منه].
[ ٢ / ٥٠٨ ]
قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله - ﵌ - يخص من الأيام شيئًا؟ قالت: لا كان عمله ديمة».ثم قال:
«قال محمد بن سلمة: ولا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد المساجد الثلاثة إلا مسجد قباء، قال: وكره أن يعد له يومًا بعينه فيؤتى فيه خوفًا من البدعة، وأن يطول بالناس زمان فيجعل ذلك عيدًا يعتمد، أو فريضة تؤخذ، ولا بأس أن يؤتى كل حين ما لم تجئ فيه بدعة.
قلت: وقد صح أن النبي - ﵌ - كان يأتي قباء كل سبت، ولكن معنى هذا أنه كان يزوره في كل أسبوع، وعبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عنه بالجمعة ونظيره ما في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك ﵁ في استسقاء النبي - ﵌ - يوم الجمعة قال فيه: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا. والله أعلم.
وكذلك الاستدلال بالحديث على جواز التخصيص المذكور ليس بجيد أيضًا، إلا أن يكون المراد به التخصيص مراعاة للمصلحة لا ترجيحًا ليوم على آخر بدون نص من النبي - ﵌ -، مثال ذلك تخصيص يوم للتدريس أو إلقاء محاضرة ليجتمع الناس لسماع ذلك، فهذا لا مانع منه لأن اليوم ليس مقصودًا بالذات، ولذلك ينتقل منه إلى غيره مرارًا ملاحقة للمصلحة، وهذا بخلاف تخصيص بعض الأيام ببعض العبادات بزعم أنها فيها أفضل منها في غيرها، كتخصيص ليلة العيدين بالقيام والعبادة، وتخصيص يومهما بالزيارة- أعني زيارة القبور-، وتخصيص شهر ربيع الأول بقراءة قصة مولد الرسول ﵊، فكل هذا وأمثاله بدع ومنكرات يجب نبذها والنهي عنها، ولذلك لما استدل النووي في «شرح مسلم» بالحديث على جواز التخصيص قال:
«وكره ابن مسلمة المالكي ذلك، ولعله لم تبلغه هذه الأحاديث».
[ ٢ / ٥٠٩ ]
قلت: هذا بعيد والأقرب أنها بلغته ولكنه لم يفهم منها ما ذهب إليه النووي وغيره، وقد بينا ما هو الحق عندنا في المسألة. والله أعلم
(فائدة): قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢/ ١٨٦):
«ذكر بعض المتأخرين من العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد، واحتجوا بأن النبي - ﵌ - كان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، ولا حجة لهم فيه؛ لأن قباء ليس مشهدًا، بل مسجد، وهي منهي عن السفر إليها باتفاق الأئمة؛ لأن ذلك ليس بسفر مشروع، بل لو سافر إلى قباء من دويرة أهله لم يجز، ولكن لو سافر إلى المسجد النبوي ثم ذهب منه إلى قباء فهذا يستحب، كما يستحب زيارة قبور أهل البقيع، وشهداء أحد».
قلت: ولهذا قلنا:
«ولكن لا يجوز أن يشد الرحل إليه للحديث السابق»
وهو قوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الحديث» وليس هذا منها.
"الثمر المستطاب" (٢/ ٥٦٧ - ٥٧٨).
[٢١٣] باب بدعية الصلاة عند قبر إبراهيم الخليل ﵇
[ذكر الإمام من بدع زيارة بيت المقدس]:
- «الصلاة عند قبر إبراهيم الخليل ﵇» «مجموعة الرسائل» (٢/ ٥٦).
حجة النبي - ﵌ - " (ص١٤٦ - ١٤٧)
[ ٢ / ٥١٠ ]
[٢١٤] باب فتوى الشيخ في النُصُب المزعوم للخضر
الذي كان موجودًا في جزيرة فيلكا وعلى دعوى المبتدعة
وعَبدَةِ القبور في حياة الخضر
[قال الإمام]:
إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات العمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد، أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فقد رغب مني بعض الأساتذة الفضلاء، أن أكتب كلمة موجزة حول الخضر ﵊، والأثر المنسوب إليه في جزيرة (فيلكا) في (الكويت)، بمناسبة طبع الكتاب الذي ألفه في ذلك الأخ الفاضل أحمد بن عبد العزيز الحصين، وفتاوى السادة العلماء التي ألحقها به، نفع الله بها المسلمين آمين. وبناء عليه فقد رأيت أن أدير الكلام في ذلك حول مسألتين اثنتين:
الأولى: التبرك بأثره المزعوم في الكويت وغيرها من البلاد الإسلامية، وقصد التقرب إلى الله تعالى بزيارته والتعبد بالصلاة والدعاء لديه.
والأخرى: النظر في قول من رجح أن الخضر ﵊ ليس نبيًا.
والله تعالى أسأل أن يلهمني التوفيق في القول والعمل فأقول:
١ - اعلم أيها القارئ الكريم أنه إذا كان الراجح بل الصحيح من أقوال العلماء أن الخضر ﵊ قد مات في جملة من خلا من الرسل والأنبياء ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فليس من الممكن عادة، أو فمن البعيد جدًا، أن يظل مقام من مقاماته ﵇ معروفًا حتى اليوم، وقد
[ ٢ / ٥١١ ]
مضى عليه آلاف السنين، ولذلك صرح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من المحققين أنه لا يعرف قبر نبي من الأنبياء على التعيين واليقين، إلا قبر نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، هذا مع حرص أتباعهم من اليهود والنصارى على اتخاذ قبورهم مساجد كما أشارت الآية الكريمة إلى شيء من ذلك: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، وكما أخبرنا بذلك رسول الله - ﵌ - في أحاديث كثيرة متواترة وأنهم لعنوا بسبب ذلك (١)، فإذا كان الأمر كذلك في قبورهم التي كانت ظاهرة على الأرض بل مرفوعة البنيان، ومع ذلك لم يبق لها أثر تعرف به، فأولى ثم أولى أن يضيع مقام من مقاماته التي قام فيه الخضر وصلى، والذي ليس عليه دليل مادي متوارث خلفًا عن سلف مثلا، ولئن فرض أنه ظل مقامه معروفًا، فذلك مما يمكن التسليم به إلى ما قبل الإسلام وظهوره، وأما بعد ذلك، وتمكين الله ﵎ له في الأرض، وقضاؤه على كل آثار الشرك والوثنية، مما هو في قدرته، وتحت سلطانه، فلو كان مقام الخضر المزعوم في الجزيرة (فيلكا) أو غيره موجودًا أو مقصودًا للتبرك به كما هو الواقع اليوم لقضى عليه المسلمون الأولون وقطعوا دابره، منعًا لافتتان الناس به والتعبد لديه.
ألا ترى أن شجرة الرضوان التي بويع تحتها النبي ﵊، من أصحابه الكرام، قد عميت على الصحابة أنفسهم ثم على الذين جاؤوا من بعدهم، حتى صار مكانها نسيا منسيًا، كما جاء في صحيح البخاري، وغيره مما هو مفصل في موضع آخر (٢)، وما ذلك إلا سدًا للذريعة، وقطعًا لدابر الفتنة، ولا سيما بالنسبة للذين يأتون من بعدهم، ممن لا معرفة لديهم بالكتاب والسنة، وأصول الشريعة
_________________
(١) راجع كتابي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». [منه]
(٢) انظر كتابي: «تحذير الساجد» (ص١٣٧ - ١٣٩) [منه].
[ ٢ / ٥١٢ ]
وقواعدها المحكمة، وقد قيل إن عمر ﵁ هو الذي قطعها، وفي ذلك نظر ذكرته في غير هذا الزمان (١).
وأيضا فلو ادعى مدع مكابر، أن مقام (فيلكا) أو غيره من المقامات المنسوبة للخضر في غيرها من البلاد الإسلامية كمسجد دمشق، وحلب وغيرها أنه هو مقام الخضر ﵇ حقيقة وأنه بقي معروفًا حتى اليوم، فليس ذلك بالذي يبرر قصده للصلاة فيه، والتعبد لله عنده، بله طلبه لشيء من البدع والشركيات التي وصف المؤلف حفظه الله بعضها مما يقع لديه، لأن ذلك القصد ليس من سنة المسلمين الأولين، بل هو من سنن اليهود المغضوب عليهم، والنصارى الضالين، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أن ذلك كان من أسباب هلاكهم، فقد رأى في حجة له في خلافته الراشدة أناسًا يبتدرون مكانًا يقصدونه للصلاة والعبادة فقال: ما هذا؟ فقالوا:
مسجد صلى فيه رسول الله - ﵌ -، فهم يقصدون الصلاة فيه، فقال ﵁: هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيها الصلاة فليصل، ومن لم يعرض له منكم فيها الصلاة فلا يصل (٢).
وهذا من فقه عمر ﵁ وحكمته، وقد يخفى ذلك على كثير من الخاصة فضلا عن غيرهم، وبيانه: أنه إذا كان من المعلوم عند الفقهاء أنه يجب التزام السنة في أفعال النبي - ﵌ - وعبادته الظاهرة، وأنه لا يجوز بوجه من الوجوه قصد مخالفته في هذه السنة ن فأولى ثم أولى أن لا يجوز قصد مخالفته في نيته
_________________
(١) انظر كتابي: «تحذير الساجد» (ص١٣٧ - ١٣٩) [منه].
(٢) انظر: المصدر السابق (١٣٦) [منه].
[ ٢ / ٥١٣ ]
التي نواها فيها، لأنه مخالف للأدلة الكثيرة الموجبة للاقتداء به - ﵌ - (١).
فإذا كان من المعلوم مثلا أنه كان يصلي صلاة الضحى بنية التطوع، فلا يجوز لأحد أن يخالفه فيها فيصليها بنية الفرض، والعكس بالعكس تمامًا، فكذلك ما نحن فيه: إذا صلى النبي - ﵌ - في مكانٍ ما، ولم يظهر لنا أنه كان قاصدًا له متقربًا إلى الله بقصده إياه وإنما وقع له ذلك اتفاقًا، فلا شك حينئذ أن الذي يقصد ذلك المكان بالصلاة فيه متقربًا إلى الله بقصده إياه- أنه يكون مخالفًا لسنة رسول الله - ﵌ - من جهة أنه قصد مالم يقصد، ونوى مالم ينو ﵊، ومن كان كذلك، فهو مبتدع مردودة عليه بدعته، لقوله - ﵌ - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢)، ولا ريب أن قصد مخالفة النبي - ﵌ - سواء كانت في أفعاله أو نواياه من أعظم أسباب الفتنة والهلاك، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فاحفظ هذا البيان لفقه عمر المذكور يساعدك في كثير من المسائل التي هي من مواطن النزاع، تكن مهتديًا بإذن الله تعالى، فإنه على ذلك جرى السلف الصالح ﵃، ولذلك لم يكن لهذه المقامات المزورة عندهم ذكر، بل ولا كانوا يقصدون المقامات التي صلى فيها الرسول نفسه - ﵌ -، بله مقام غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، على ندرة المقامات الثابتة نسبتها إليهم.
فهذا جبل الطور مثلا، وهو الجبل الذي قام عليه نبي الله موسى لمنا جاة ربه عليه [وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا] ومع ذلك فلا يجوز قصده للصلاة فيه والدعاء عنده، وغير ذلك من العبادات، ولذلك لم يكن السلف يقصدونه، وتوارث الخلف
_________________
(١) انظر مقدمة رسالتي «الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام». [منه].
(٢) أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في كتابي «تخريج الحلال والحرام» رقم ٥. [منه].
[ ٢ / ٥١٤ ]
ذلك عن السلف فهو لا يقصد-فيما أعلم-حتى اليوم، بل ثبت النهي عنه من بعض الصحابة ﵃ حينما توهم أحدهم جواز قصده، فقد قال قزعة بن يحيى البصري:
«سألت ابن عمر ﵁: آتي الطور؟ فقال: دع الطور ولا تأته [أما علمت أن النبي - ﵌ -] قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (١)؟
وهذا الحديث الذي استدل ابن عمر ﵁، هو حديث مرفوع، قد صح عن جمع من الصحابة مرفوعًا (٢) ومنهم أبو بصرة الفباري (٣)، وفي بعض الطرق الصحيحة عنه أنه أنكر أيضًا إتيان الطور (٤).
فإذا كان هذا شأن هذا المقام الحق ومقامات الرسول التي كان صلى فيها كما سبق، وهي لا يفعل فيها إلا الصلاة ونحوها من العبادات فماذا يقال عن مقام جزيرة «فيلكا» وغيره من المقامات المزورة المضللة، وهي بؤرة للفساد، والشركيات والوثنيات؟ لا شك أنها بالنهي عنها أولى، وباستئصال شأفتها أحرى ولكن يجب أن يتولى ذلك في هذا الزمان ولاة الأمور والحكام الذين يحكمون بما أنزل الله من كانوا وأينما كانوا، فهم المسؤولون عن استمرار هذه البدع والشركيات وبقائها بين ظهراني المسلمين أكثر من العلماء، فإذا لم يُدعم هؤلاء من أولئك ذهبت أصواتهم وجهودهم أدراج الرياح كما هو المشاهد اليوم، وقديمًا
_________________
(١) أنظر «تحذير الساجد» (ص ٣٣٨ - ٣٣٩)، و«أحكام الجنائز» (ص ٢٢٦). [منه]
(٢) قد خرجت أحاديثهم في «أحكام الجنائز» (٢٢٤ - ٢٢٦)، و«إرواء الغليل» (٤٥٢)، «والروض النضير» (٧١٣). [منه]
(٣) كذا وهو خطأ مطبعي صوابه: الغفاري. [أبوحفص]
(٤) وهو مخرج في «تحذير الساجد» (ص ١٣٩ - ١٤٠) وغيره. [منه]
[ ٢ / ٥١٥ ]
قيل: «إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن»، وأسوتهم في ذلك-إن فعلوا-رسول الله - ﵌ - الذي هدم مسجد الضرار وحرقه على أهله كما جاء في تفاسير القرآن الكريم ن عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الآية، فقد استدل بها العلماء على النهي عن الصلاة فيمن بني المساجد مباهاة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله ﷿، فهذه المقامات أولى بالهدم والحرق لأنها لا تقصد إلا لوجه الشيطان نسأل الله السلامة من أوليائه!
٢ - لقد أشار المؤلف الفاضل في أول كتابه إلى اختلاف العلماء في نبوة الخضر ﵊ فقال «والراجح من أقوالهم أنه ليس نبيًا».
ولما كان هذا القول مرجوحًا عند العلماء المحققين، فقد رأيت أن أذكر شيئًا من أقوالهم وأدلتهم، تنبيهًا وتذكيرًا، فأقول:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في أول رسالته «الزهر النضر»:
«باب ما ورد في كونه نبيًا، قال الله تعالى في خبره عن موسى حكاية
عنه: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، وهذه ظاهرة أنه فعله بأمر من الله، والأصل
عدم الوساطة، ويحتمل أن يكون بوساطة نبي آخر لم يذكره، وهو بعيد، ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام، لأن ذلك لا يكون من غير نبي وحيًا حتى يعمل به ما
عمل؛ من قتل النفس، وتعريض الأنفس للغرق. فإن قلنا: إنه نبي، فلا إنكار
في ذلك.
وأيضًا، كيف يكون غير النبي أعلم من النبي، وقد أخبر النبي - ﵌ - في
[ ٢ / ٥١٦ ]
الحديث الصحيح (١): «أن الله تعالى قال لموسى: بلى عبدنا خضر»؟!.
وأيضا فكيف يكون النبي تابعًا لغير نبي؟! وقال الثعلبي: هو نبي في جميع الأقوال.
وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبيًا، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي! كما قال قائلهم (٢):
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
قلت: وهناك آية أخرى تدل على نبوته ﵊، وهي قوله تعالى في: ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾، فقد ذكر العلامة الآلوسي في تفسيرها ثلاثة أقوال، أشار إلى تضعيفها كلها، ثم قال:
«والجمهور على أنها الوحي والنبوة، وقد أطلقت على ذلك في مواضع من القرآن، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس، والمنصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين» (٣).
قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن المتأمل في قصته مع موسى عليهما الصلاة والسلام يجد أن الخضر كان مظهرًا على الغيب وليس ذلك لأحد من الأولياء، بدليل قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحدًا إلا من ارتضى من
_________________
(١) (*) أخرجه الشيخان، وهو في كتابي «مختصر صحيح البخاري» برقم (٥٧)، وفي لفظ لهما «هو أعلم منك»، وهو في «المختصر» برقم (١١٢) يسر الله إتمام طبعه، بمنه وكرمه وقد تم طبع المجلد الأول منه يسر الله تعالى طبع الأجزاء التالية. [منه]
(٢) قلت: هو ابن عربي صاحب «الفصوص» و«الفتوحات المكية» [منه]
(٣) روح المعاني (٥/ ٩٢ - ٩٣). [منه]
[ ٢ / ٥١٧ ]
رسول﴾، وذلك ظاهر في مواطن عدة من القصة، أذكر ما تيسر منها:
١ - قوله لموسى عندما طلب منه الصحبة ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ فهذا الجزم منه ﵇ لدليل واضح على أنه كان على علم بذلك، ولم يكن من باب الظن والتخرص منه، حاشاه، ويؤيده زيادة جاءت في بعض طرق الحديث عقب هذه الآية بلفظ:
«وكان رجلًا يعلم علم الغيب، قد علم ذلك» (١).
٢ - ومثله قوله في تأويله قتل الغلام:
«وأما الغلام فطبع يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك، أرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا».
زاد في رواية: «ووقع أبوه على أمه فعلقت فولدت منه خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا» (٢).
وإخباره ﵇ أن الغلام طبع كافرًا، وأن أباه وقع على أمه فحملت وولدت خيرًا منه، لهو من الأمور الغيبية المحضة التي لا مجال للاطلاع عليها
إلا من طريق النبوة والوحي، فذلك من أقوى الأدلة على أنه كان نبيًا، إن لم
يكن رسولا.
٣ - ومن ذلك قول - ﵌ -: «لما لقي موسى الخضر ﵉، جاء طير، فألقى منقاره في الماء فقال الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطير؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول:
_________________
(١) الدر المنثور (٤/ ٢٣١). [منه].
(٢) أخرجه مسلم، والزيادة لعبد الله بن أحمد (٥/ ١١٨ - ١١٩). [منه].
[ ٢ / ٥١٨ ]
ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذا منقاري من الماء» (١).
فهذا صريح في أن الخضر، قد علم منطق الطير، وهو من الغيب الذي لا يعلمه البشر، فهو في هذا على نحو النبي سليمان ﵊ الذي حكى الله عنه في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (النمل: ١٦).
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الأدلة المتقدمة إذا تأملها المسلم ووعاها بقلبه، تيقن أن الصواب القول بنبوة الخضر كما ذهب إليه جمهور العلماء ولذلك فعل ما فعل من العجائب التي لم يصبر لها موسى ﵊، وهو كليم الله تعالى، وبه نستطيع أن نحل تلك العقدة من الزندقة التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما سبق، ونحوها مما يعتقده كثير من الصوفية من الاعتقاد بالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة التي أفسد عقيدة كثير من الخاصة فضلًا عن العامة، فاعتقدوا الصلاح بل الولاية في كثير من الفساق الذين لا يصلون ولا يشهدون جماعات المسلمين ولا أعيادهم بدعوى الظاهر، وأنهم في الباطن من كبار أولياء الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وما قصة شيخ الإسلام ابن تيمية مع البطائحية الذين كانوا يتظاهرون في دمشق بالولاية والكرامة في زمانه حتى نصره الله عليهم، وقضى على باطنهم وباطلهم عن القارئ يعيد.
﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: ٣٧).
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
دمشق ٩ ربيع الأول سنة ١٣٩٤
محمد ناصر الدين الألباني
"حياة الألباني" (١/ ٤٢٠ - ٤٢٩).
_________________
(١) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والسيوطي وهو مخرج في «الصحيحة» (٢٤٦٧) [منه].
[ ٢ / ٥١٩ ]
جماع أبواب الكلام
حول مسألة زيارة قبر النبي ﵌
[ ٢ / ٥٢١ ]
[٢١٥] باب تحرير القول في مسألة زيارة قبر النبي - ﵌ - مع سرد جملة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في هذا الباب
[قال الإمام في معرض كلامه على أخطاء البوطي في كتاب فقه السيرة]:
قال [أي البوطي في "فقه السيرة"] (ص ٥٢١) وهو يسرد الوجوه الدالة على مشروعية زيارة قبره - ﵌ -.
«الوجه الثاني ما يثبت من إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على زيارة قبره - ﵌ - والسلام عليه كلما مروا على الروضة الشريفة. روى ذلك الأئمة الأعلام وجماهير العلماء بما فيهم ابن تيمية ﵀».
أقول: هذا كذب على الأئمة الأعلام، وبخاصة ابن تيمية شيخ الإسلام، فإن أحدًا منهم لم يرو عن المذكورين زيارتهم للقبر الشريف كلما مروا على الروضة فضلًا عن أن ينقلوا الإجماع عليه!! بل نص الإمام مالك على كراهة ذلك. وأقوال العلماء الشاهدة لما أقول كثيرة، اجتزئ منها على قولين اثنين: أحدهما لابن تيمية المفُترى عليه، والآخر للإمام النووي باعتباره من أئمة الشافعية الذين يقلدهم الدكتور البوطي!
١ـ أما ابن تيمية فأقواله كثيرة جدًا في هذا الصدد وإليك نصين منها:
الأول قوله: «ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر، ولا يقفون عنده خارجًا، مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلًا ونهارًا، وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه ولا يأتون القبر، إذ كان هذا عندهم مما
[ ٢ / ٥٢٣ ]
لم يأمرهم به ولم يسنه لهم، وإنما أمرهم وسن لهم الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند دخولهم المساجد، وغير ذلك، ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضًا، فلهذا رأى من رأى من العلماء هذا جائزًا اقتداء بالصحابة رضوان الله عليهم. وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف ولا يقف، يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف. ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر، بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون للحج وغيره، ويرجعون، ولا يفعلون ذلك، إذ لم يكن هذا عندهم سنة سنّها لهم، وكذلك أزواجه كن على عهد الخلفاء وبعدهم يسافرن إلى الحج، ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصاهن بذلك. وكانت أمداد اليمن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ على عهد أبي بكر وعمر يأتون أفواجًا من اليمن للجهاد في سبيل الله، ويصلون خلف أبي بكر وعمر في مسجده، ولا يدخل أحد منهم إلى داخل الحجرة، ولا يقف في المسجد خارجًا منها، لا لدعاء ولا لصلاة ولا لسلام ولا لغير ذلك، وكانوا عالمين بسنته كما علمتهم الصحابة والتابعون».
كذا في كتابه «الجواب الباهر في زوار المقابر». (ص٦٠ - الطبعة السلفية)
الثاني: قوله في رده على الأخنائي (ص٤٥):
«وأما ما يظن أنه زيارة لقبره - ﵌ - مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام والدعاء فهذا لا يستحب لأهل المدينة، بل ينهون عنه. لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان- الخلفاء الراشدين وغيرهم-كانوا يدخلون إلى مسجده للصلوات الخمس وغير ذلك، والقبر عند جدار المسجد، ولم يكونوا يذهبون إليه، ولا يقفون عنده، وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء ذكروا أنه لا
[ ٢ / ٥٢٤ ]
يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فإنهم كانوا يصلون بالناس في المسجد، وكان الناس يقدمون من الأمصار يصلون معهم، ومعلوم أنه لو كان مستحبًا لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلموا أو يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك، ولو فعلو لكثر وظهر واشتهر. لكن مالك وغيره خصوا من ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر، قال القاضي عياض: قال مالك: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج على سفر أن يقف على قبر النبي - ﵌ - فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة وفي الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر يسلمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده».
٢ - قال النووي «في كتابه» مناسك الحج» (٢٩/ ٢ - مخطوط):
«كره مالك ﵀ لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج الوقوف على القبر. قال وإنما ذلك للغرباء. قال ولا بأس لمن قدم من سفر وخرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي^ فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر ﵄ قال الباجي: فرق مالك بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا ذلك، وأهل المدينة مقيمون بها، وقد قال - ﵌ - اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد».
قلت: وهذه الأقوال من الإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية، صريحة في
[ ٢ / ٥٢٥ ]
إبطال الإجماع الذي نقله البوطي، بل هي ناطقة بعدم مشروعية ما ذكره، وأنه كذب على العلماء عامة، وابن تيمية خاصة فيما عزاه إليهم من الرواية.
فماذا يقول المنصف المتجرد في مثل هذا الإنسان الذي لا يبالي بما يخرج من فيه. فإلى الله المشتكي.
ثم قال الدكتور: «الوجه الثالث: ما ثبت من زيارة كثير من الصحابة قبره - ﵌ - منهم بلال ﵁ رواه ابن عساكر بإسناد جيد».
قلت فيه أمور:
أولًا: أنه أبهم على القراء نص رواية ابن عساكر واكتفى بالإشارة إليها، لأنه لو ساقها بتمامها لتبين للناس بطلانها، ولو لم يقفوا على ضعف إسنادها، فكان لابد لي من أن أسوق الرواية ليتيقن القراء الكرام معنا أن الدكتور لا يجري فيما يكتب على منهج علمي محقق، وانما هو الهوى والغرض وعلى القاعدة المزعومة «الغاية تبرر الوسيلة»! فروى الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» في ترجمة إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء الأنصاري (ج٢ق٢٥٤/ ١) بإسناده عنه قال: حدثني أبي محمد بن سليمان عن أبيه سليمان ابن بلال عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال (فذكر قصة قدوم بلال إلى الشام في عهد عمر ثم قال):
«ثم إن بلالًا رأى في منامه النبي - ﵌ - وهو يقول له، ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزينًا وجلًا خائفًا، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتي قبر النبي - ﵌ - فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، وأقبل الحسن والحسين، فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي
[ ٢ / ٥٢٦ ]
كنت تؤذنه لرسول - ﵌ - في السحر، ففعل فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: «الله أكبر» عجت المدينة فلما أن قال: «أشهد أن لا إله إلا الله» زاد عجيجها، فلما أن قال: «أشهد أن محمدًا رسول الله» ^ خرج العواتق من خدورهن، فقالوا: «أبعث رسول الله - ﵌ -؟ فما رؤي يوم أكثر باكيًا ولا باكية بعد رسول الله - ﵌ - من ذلك اليوم».
قلت: فهذه الرواية باطلة موضوعة، ولوائح الوضع عليها ظاهرة من وجوه عديدة أذكر أهمها:
١ - قوله: «فأتي قبر النبي - ﵌ - فجعل يبكي عنده» فإنه يصور لنا أن قبره - ﵌ - كان ظاهرًا كسائر القبور التي في المقابر يمكن لكل أحد أن يأتيه! وهذا باطل بداهة عند كل من يعرف تاريخ دفن النبي - ﵌ - في حجرة عائشة ﵂ وبيتها الذي لا يجوز لأحد أن يدخله ألا بإذن منها، كذلك كان الأمر في عهد عمر ﵁، فقد ثبت أنه لما طُعن ﵁ أمر ابنه عبد الله أن يذهب إلى عائشة ويقول لها: إن عمر يقول لك إن كان لا يضرك ولا يضيق عليك فإني أحب أن أدفن مع صاحبي فقالت: أن ذلك لا يضرني ولا يضيق علي قال: فادفنوني معهما. أخرجه الحاكم (٣/ ٩٣).
ثم أخرج (٣/ ٧) بإسناده الصحيح عنها قالت: «كنت أدخل البيت الذي
دفن معهما عمر والله ما دخلت إلا وأنا مشدود على ثيابي حياء من عمر رضي
الله عنه».
ولقد استمر القبر الشريف في بيت عائشة إلى ما بعد وفاتها بل إلى آخر قرن الصحابة ﵃ ثم أدخلوا البيت ضموه إلى المسجد لتوسعته فصار
[ ٢ / ٥٢٧ ]
بذلك في المسجد على النحو المشاهد اليوم، فيظن من لا علم عنده بحقيقة الأمر أن النبي - ﵌ - لما مات دفنه الصحابة في المسجد وحاشاهم من ذلك وإنما دفنوه في البيت ثم حدث بعد ذلك ما ذكرنا، خلافًا لما يظنه كثير من الجهال ومنهم واضع هذه القصة، الذي أعطي صورة للقبر مخالفة للواقع يومئذ وللصحابة ﵃ كما شرحه شيخ الإسلام وغيره من المحققين، وذكرت طرفًا منه في كتابي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، فليراجعه من شاء.
٢ - قوله: «ويمرغ وجهه عليه».قلت: وهذا دليل آخر على وضع هذه القصة وجهل واضعها، فإنه يصور لنا أن بلالًا ﵁ من أولئك الجهلة الذين لا يقفون عند حدود الشرع إذا رأو القبور، فيفعلون عندها ما لا يجوز من الشركيات والوثنيات، كتلمس القبر والتسمح به وتقبيله، وغير ذلك مما هو مذكور في محله وإن كان يجيز ذلك بعض المتفقهة، الذين لا علم عندهم بالكتاب والسنة ينير بصائرهم وقلوبهم ممن يسايرون العامة على أهوائهم، ويبررون لهم كثيرًا من ضلالاتهم.
ولقد أعجبني حقًا أن لا يكون الدكتور البوطي منهم في هذه المرة، فقد رأيته يقول في آداب زيارة قبره - ﵌ - (ص٥٢٣):
«فإياك أن تهجم عليه، أو تلتصق بالشبابيك، أو تتمسح بها كما يفعل كثير من الجهال، فتلك بدعة توشك أن تكون محرمة».
فهذا القول من الدكتور على مافيه من التردد في حكم ما ذكر مما يدل على أنه لم يفقه بعد قوله - ﵌ -: «كل بدعة صلالة وكل ضلالة في النار» يدل دلاله واضحة على أنه لا يمكن أن يعتقد أن بلالًا مرغ وجهه على قبر النبي - ﵌ -، وهو
[ ٢ / ٥٢٨ ]
الحق، وحينئذ فكيف يحتج الدكتور برواية ابن عساكر هذه وفيها هذا المنكر!؛ لأنه لا يملك الوسائل التي تمكنه من ذلك، فهو يأخذ من الرواية الواحدة ما يشتهي ويحتج به، ويعرض عمالا يشتهي بل وينكره!! وإلا فماذا يقول الدكتور لمن قد يحتج عليه من المبتدعة والمتفقهة برواية ابن عشاكر هذه على جواز التمرغ بالقبر الشريف، وهو نفسه قد احتج بها وقواها؟!
قوله «خرج العواتق من خدورهن » الخ كلام شعري خيالي ظاهر الوضع، وإلا فما علاقة خروجهن بسماعهن الشهادة الأخرى وقولهن، أبعث سول الله - ﵌ -»! من أجل ذلك جزم الحافظ ابن حجر بأن هذه القصة موضوعة كما يأتي.
ثانيًا: قول البوطي: «رواه ابن عساكر بإسناد جيد».
فأقول: فيه مؤاخذتان:
الأولى: أن هذا التجويد ليس من علم الدكتور واجتهاده، لأنه لا علم عنده مطلقا يؤهله لإصدار مثل هذا الحكم، كما عرف القراء من المقالات السابقة، وإن كان هذا الحكم خطأ في ذاته كما يأتي، فكان من الواجب عليه أن يعزوه إلى من نقله عنه، لكي لا يتشبع بما ليس له لقوله - ﵌ -، «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» متفق عليه.
الثانية: أن القول المذكور إنما هو للشيخ السبكي الشافعي قال في كتابه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» وقد رده عليه الحافظ المحقق محمد بن
عبد الهادي الحنبلي في كتابه العظيم: «الصارم المنكي في الرد على السبكي» (ص ٢١٠ - ٢١٥) وأطال النفس فيه بما حاصله أن إسناده لا يصلح الاعتماد عليه ولا يرجع عند التنازع إليه عند أحد من أئمة هذا الشأن. وسأبين علته قريبًا إن شاء
[ ٢ / ٥٢٩ ]
الله تعالى، فهل الدكتور على علم بهذا ومع ذلك آثر عليه قول السبكي لا لشيء إلا لأنه شافعي المذهب مثله، أم أنه لم يعلم به مطلقًا؟ الأمر كما قيل: فإن كنت لا تدري
الثالثة: أن إسناد القصة أبعد ما يكون عن الجودة، فانه عند ابن عساكر كما سبق-من رواية إبراهيم بن محمد بن سليمان عن أبيه سليمان بن بلال .. وهذا إسناد مظلم فيه مجهولان:
الأول: سليمان بن بلال، قال الحافظ ابن عبد الهادي «غير معروف، بل هو مجهول الحال (كذا الأصل) قليل الرواية، لم يشتهر بحمل العلم ونقله، ولم يوثقه أحد من الأئمة فيما علمنا، ولم يذكر البخاري ترجمته في كتابه، وكذلك ابن أبي حاتم، ولا يعرف له سماع من أم الدرداء».
قلت فهو مجهول العين، وما في الأصل «مجهول الحال» لعله خطأ مطبعي، أو سبق قلم من المؤلف رحمة الله تعالى. وتبعًا للبخاري وابن أبي حاتم لم يذكره الذهبي في «الميزان» ولا الحافظ في «اللسان».
والآخر: إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال، قال الحافظ ابن عبد الهادي «شيخ لم يعرف بثقة وأمانة ولا ضبط وعدالة، بل هو مجهول غير معروف بالنقل، ولا مشهور بالرواية، ولا مشهور بالرواية، ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض، روى عنه هذا الأثر المنكر».
وأورده الذهبي في «الضعفاء» وقال: «لا يعرف» وقال في «الميزان» «فيه جهالة، حدث عنه محمد بن الفيض الغساني».
وأقره الحافظ ابن حجر في «اللسان» وزاد عليه، فقال:
[ ٢ / ٥٣٠ ]
«ترجمة ابن عساكر ثم ساق من روايته عن أبيه عن جده عن أم الدرداء عن أبي الدرداء في قصة رحيل بلال إلى الشام، وفي قصة مجيئه إلى المدينة وأذانه بها وارتجاج المدينة بالبكاء لأجل ذلك، وهي قصة بينة الوضع».
قلت: وقد أشار إلى ضعف هذه القصة كل من الحافظين المزي، وابن كثير أما الأول ففي ترجمة بلال في كتابه «تهذيب الكمال» والآخر في ترجمته من كتابه «البداية» (٢/ ١٠٢)، فهؤلا خمسة من الحفاظ المشهورين- وكلهم شافعية من حظ البوطي! -إلا ابن عبد الهادي جزموا بعدم صحتها ما بين مصرح بالوضع ومضعف، يقابلهم السبكي وحده الذي جود إسنادها، والنقد العلمي يقطع بوهمه؛ إن لم يقل باتباعه لهواه ومع هذا قلده فضيلة الدكتور دون أولئك! فماذا يقول كل متجرد عن الهوى منصف في هذا الدكتور الذي يؤلف في السيرة، ويقرر أحكامًا شرعية، وهو لا يحسن الاتباع ولا التقليد!! فاللهم هداك.
(تنبيهان):
الأول: محمد بن سليمان بن بلال ترجمه الحافظ ابن عبد الهادي (ص ٢٢٤) بما يؤخذ منه أنه مجهول الحال، لكني وجدت ابن أبي حاتم روى في «الجرح والتعديل» (٣/ ٢/٢٦٧) عن أبيه أنه قال فيه: «ما بحديثه بأس».وبذلك تجنبت إعلال القصة به أيضًا.
والآخر: أورد البوطي رواية ابن عساكر السابقة عن بلال محتجا بها على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله في مخالفته-بزعم البوطي- الإجماع القائل بمشروعية زيارة قبره عليه الصلاة السلام، وهي فرية على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حمل رايتها الشيخ الأخنائ والسبكي وغيرهما قديمًا، وزيني
[ ٢ / ٥٣١ ]
دحلان وأمثاله في محاربته لمجدد دعوة التوحيد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ومن تبعهم عليها من المتقدمين والمتأخرين، ومنهم البوطي المسكين، فقال (ص ٥٢٠):
(واعلم أن زيارة مسجده وقبره - ﵌ - من أعظم القربات إلى الله ﷿ أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كل عصر إلى يومنا هذا. لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية غفر الله له. فقد ذهب إلى أن زيارة قبره - ﵌ - غير مشروعة).
ثم استدل عل الإجماع المذكور بوجوه أربعة منها راوية ابن عساكر، ثم قال: (فاعلم أنه لا وجه لما انفرد به ابن تيمية ﵀ من دفعه هذه الأوجه في غير ما دافع، والقول بأن زيارة قبره - ﵌ - غير مشروع).
قلت: وهذا كذب وافتراء عظيم من هذا الدعي على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فكتبه وفتاويه طافحة مصرحة بمشروعية زيارة قبور المسلمين عامة، وزيارة قبره ﵊ خاصة، كما يعلم ذلك كل من اطلع على شيء من كتب الشيخ ودرسها، ومن ذلك كتابه "الرد على الأخنائي"، وهو من المعاصرين للشيخ الذين ردوا عليه بظلم مقرونًا بالافتراء عليه، ومن ذلك هذه التهمة التي تلقفها البوطي عنه أو عن أمثاله من المفترين الكذابين، دون أن يرجع إلى بعض كتب الشيخ ليتبين حقيقة الأمر، فقد قال الشيخ ﵀ في أول "الرد على الأخنائي" بعد أن ذكر فريته المذكورة عليه:
(والمجيب (يعني نفسه) قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه، يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد، ويذكر زيارة قبر النبي - ﵌ - إذا دخل مسجده والأدب في ذلك).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وقال في أول كتابه "الجواب الباهر في زوار المقابر" (ص١٤):
(وقد ذكرت فيما كتبت من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره كما يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح مستحب، وذكرت السنة في ذلك، وكيف يسلم عليه، فهل يستقبل الحجرة أم القبلة على قولين ).
وقد شرح هذا ابن عبد الهادي في رده على السبكي، فليراجعه من شاء الزيادة، فماذا يقول القائل في الدكتور البوطي وفريته هذه؟ هل لم يطلع على هذه المصادر التي تحول بينه وبينها؟ أم أنه اطلع وعلم أن شيخ الإسلام بريء منها، ثم أصر على اتهامه بها لما في قلبه من الغل والحقد على شيخ الإسلام ابن تيمية بصورة خاصة والسلفيين بصورة عامة غير مبال بمثل قوله تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم﴾، وقوله ﷿: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾.
وسواء كان هذا أم ذاك، فالله سبحانه هو حسيب البوطي وأمثاله، ونحن إنما علينا أن ندافع عن الذين آمنوا نبرئ ساحتهم مما اتهموا به من الأكاذيب والأباطيل التي يكون الدافع عليها تارة الجهل وأخرى الظلم، وقد يجتمعان!
ومن النوع الأول قوله: "لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية".فإن من الواضح أن اسم الإشارة (ذلك) يرجع إلى كل من زيارة مسجده - ﵌ - وزيارة قبره، وهذه فرية جديدة تفرد بها البوطي دون أسلافه المشار إليهم، فإن زيارة مسجده - ﵌ - مما يقول شيخ الإسلام بمشروعيته أيضًا، بل إنه يقول بمشروعية السفر إليه خاصة كما سبق دون السفر لزيارة قبره - ﵌ - خاصة وظاهر كلام البوطي أنه لايفرق بين
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الزيارتين، كأسلافه السابقين، ومن الدليل على ذلك قوله عقب ما سبق نقله
عنه آنفًا.
(وجملة ما اعتمده ابن تيمية في ذلك قول رسول الله - ﵌ -: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )، وهذا إنما استدل به ابن تيمية لإثبات مشروعية السفر إلى المسجد دون القبر، فيرد البوطي استدلاله بأن الحديث كناية عن أولى الأماكن بالاهتمام للتوجه إليها من مسافات بعيدة، هذه المساجد الثلاثة بدليل أن النبي - ﵌ - كان يخص أماكن أخرى غير هذه المساجد بالزيارة (!).
فتأمل كيف يخلط بين الزيارة بسفر، وهو المنفي في الحديث الأول، وبين الزيارة بدون سفر، وهو المثبت في حديث قبا فلا تعارض بينهما، كما هو ظاهر، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى؛ لأنه يقول بمشروعية زيارة مسجد قباء وزيارة قبور البقيع والشهداء وغيرها من القبور، ولكنه لا يجيز السفر إليها كما يدل عليه الحديث الأول، فهو قائل بالحديثين، بينما البوطي -هداه الله- ليس عنده من العلم ما يوفق بينهما لو كانا متعارضين-إلا بتعطيل دلالة الأول منهما بأنه كناية! وهذا خلاف ما فهمه السلف من الصحابة وغيرهم، فقد ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه نهى رجلًا أراد الذهاب إلى الطور فقال له: (دع عنك الطور فلا تأته) واحتج عليه بحديث النهي عن شد الرحال، وثبت نحوه عن غير واحد من الصحابة كما تراه مبسوطًا في كتابي "أحكام الجنائز" (ص٢٢٤ - ٢٣١) فلو كان الحديث يعني ما ذهب إليه البوطي ما استقام نهي ابن عمر عن الذهاب إلى الطور ترى البوطي أصاب أم ابن عمر؟! فاللهم هداك.
وليس غرضي الآن مناقشة البوطي في كل ما جاء في هذه المسألة من تخاليط
[ ٢ / ٥٣٤ ]
لأن لهذا مجالًا آخر وهو الذي سبقت الإشارة إليه في بيان الأخطاء الفقهية-وما أكثرها- وإنما هو التنبيه فقط على افترائه على شيخ الإسلام ابن تيمية وتحذير القراء من أن يغتروا بمثله، والله تعالى المسؤول أن يسدد خطانا، ويخلص نوايانا ويوفقنا للعمل الصالح الموافق للكتاب والسنة.
١٥ - ثم قال الدكتور في حاشية (ص٥٢١):
(هنالك أيضًا طائفة من الأحاديث الواردة عنه - ﵌ - في فضل زيارة قبره لا يخلو معظمها من ضعيف أو لين، وهي وإن كانت ترتقي في مجموعها إلى درجة القوة، فقد آثرنا أن لا نسوقها مع هذه الدلائل التي ذكرناها حتى لا يتعلق المخالفون بما قد يطيب لهم التعلق به من لين أو ضعف فيها، فيجدوا بذلك منفذًا للانتصار لرأي ابن تيمية على ما فيه من شذوذ)!
أقول: لقد ذكرني هذا بالمثل المشهور: أحمق من نعامة! ذلك لأنها إذا رأت الصياد أدخلت رأسها في الرمل لكي لا يراها الصياد لحماقتها، وهكذا صنع الدكتور، فإنه بإيثاره أن لا يسوق تلك الأحاديث، توهم أن ينجو من النقد والكشف عن الخطأ، وما هو بناج، فالأحاديث المشار إليها معروفة الضعف والنكارة-سواء ساقها أم لم يسقها.
ولو أنه أراد النجاة حقًا لاستغنى عن هذه الحاشية ولما سود بها كتابه! ولم يفتح باب الانتقاد عليه ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره، ويظهر للناس الحقيقة الجلية وما ينبغي الاضطلاع بهذا العلم الشريف، حتى لا يغتروا بالمؤلف وبكتابه مرة أخرى، فيضلوا سواء السبيل. ويبدو أن الذي اضطره إلى هذا القول إنما هو شعوره بجهله وعجزه عن إثبات ما زعمه من القوة، فلم يسعه إلا الدعوى التي لا
[ ٢ / ٥٣٥ ]
يعجز عنها أي جاهل ولم يكتفِ بها حتى لجأ إلى تبريرها بما يضحك الثكلى وليس هذا فقط، بل إنه أعرض عن أقوال الأئمة الصريحة في تضعيف جميع طرق الأحاديث المشار إليها، وفيهم جماعة من كبار أئمة الشافعية الذي يتعصب لهم الدكتور عادة، كالإمام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني فضلًا عن غيرهم من الحفاظ المحققين كما سأبينه بإذن الله تعالى، مفصلًا ما في قوله هذا من الجهل والتجاهل والافتراء والتقليد الأعمى واتباع الهوى.
١ - لقد قلد في دعواه ارتفاع حديث فضل زيارة قبره - ﵌ - إلى درجة القوة بعض الفقهاء المتقدمين المقلدين الذين لا علم عندهم بهذا العلم الشريف مثل الأخنائي والسبكي وغيرهما من المتأخرين، وهو يعلم أن الذين ردوا عليهم من أهل المعرفة بهذا العلم قد بينوا بطلان الدعوى المذكورة بما لا يدع شبهة، فهذا هو الأخنائي يقول:
(ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح).
فرد ذلك عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بوجوه يهمنا منها بعضها، فقال ﵀ (ص٨٧) وكأنه يرد على البوطي لتشابه ما بينه وبين الأخنائي!
(الثالث) أنه قول لم يذكر عليه دليلًا، فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب. وهو لم يذكر شيئًا من تلك الأحاديث فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع.
(الوجه الرابع) أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ: زيارة قبره حديث
[ ٢ / ٥٣٦ ]
صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئًا من ذلك، ولا أرباب السنن المعتمدة، كسنن أبي داود والنسائي ونحوهم، ولا أهل المسانيد التي من أهل هذا الجنس كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك، ولا مسند الشافعي ونحو ذلك. ولا احتج إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف يكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن؟
(الوجه الخامس) قوله: وغيرها بما لم يبلغ درجة الصحيح .. فنقول له لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة،
فتقابل بالمنع.
(الوجه السادس) أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة، كما بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث، وذكرت كلام الأئمة عليها حديثًا حديثًا، بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره - ﵌ - البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفًا عندهم، ولهذا كره مالك التكلم به (١) بخلاف لفظ (زيارة) مطلقًا، فإن هذا اللفظ معروف عن النبي - ﵌ - وعن أصحابه ).
أقول: فما الذي صرف الدكتور البوطي عن الاعتماد على هذا الكلام لشيخ الإسلام وهو أعلم من السبكي وغيره ممن يقلده البوطي بما لا يصح المفاضلة
_________________
(١) قلت: وقد يستنكر الدكتور البوطي وأمثاله من ذوي الأهواء ثبوت هذا عن مالك، فماذا يفعل وهو في "المدونة" (٢/ ١٣٢)؟ [منه]
[ ٢ / ٥٣٧ ]
بينهما كما يقول مالك بكراهة التكلم بزيارة قبره - ﵌ - فضلًا عن غيره من أئمة الحديث كما يأتي-لولا الهوى وخوف أن يقال فيه "وهابي"! أم أن الدكتور لضيق عطنه وقلة اطلاعه، لا علم عنده بوجهة نظر ابن تيمية هذه، وأقوال الموافقين له من العلماء، وهذا مما استبعده، وسواء كان هذا وذاك فأحلاهما مر!
وكذلك ما الذي منعه من الانتفاع بنقد الحافظ محمد بن عبد الهادي للشيخ السبكي في كتابه "الصارم المنكي في الرد على السبكي". وقد تتبع فيه أحاديث السبكي في الزيارة حديثًا حديثًا وبين عللها، وأقوال أئمة الحديث فيها من (ص١٠ - ١٧١) وفصل القول فيها تفصيلًا لا يدع أي شك في قلب أحد من المنصفين بضعفها، وعدم ثبوت شيء منها إطلاقًا، وأنه ليس فيها ما يقوي بعضه بعضًا لشدة ضعفها واضطراب أسانيدها، وتضارب ألفاظها، ولذلك فإني أرى لزامًا على أن أوجز الكلام عليها هنا بمقدار ما يكشف عن عللها، وتقوم الحجة به على البوطي وأمثاله من المقلدين والمغترين بها (ليحيى من حيّ عن بينة) محيلًا لمن شاء التفصيل إلى كتاب الحافظ ابن عبد الهادي فإنه جمع فأوعى، وكتاب التلخيص لابن حجر (ج٢/ ٢٦٦و ٣٦٧) وإلى كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" فقد كنت بسطت الكلام فيه على بعضها رقم (٢٥و ٤٧و ٢٠٤).
الحديث الأول عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ:
«من زار قبري وجبت له شفاعتي» وله عنه طرق):
الأولى: من رواية موسى بن هلال العبدي وهو مجهول، وقد اضطرب في إسناده فقال مرة: عن عبد الله بن عمر، وقال: عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه. قال البيهقي:
[ ٢ / ٥٣٨ ]
(وسواء قال عبيد الله، أو عبد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر لم يأت به غيره) وقال فيه العقيلي:
(ولا يصح حديثه ولا يتابع عليه).ثم ساقه بإسناده وقال عقبه:
(والرواية في هذا الباب فيها لين).وفي نقل الحافظ ابن حجر عنه أنه قال:
(ولا يصح في هذا الباب شيء. والمعنى واحد، وهو أن طرقه كلها ضعيفة) وذلك مما صرح به الحافظ في آخر كلامه على الحديث.
وعبيد الله المصغر-ثقة، بخلاف أخيه عبد الله -المكبر- فإنه ضعيف ورجع ابن عدي أنه هو صاحب هذا الحديث، ووافقه الإمام ابن خزيمة وصرح بأن الثقة لا يروي هذا الخبر المنكر كما قال الحافظ ابن حجر: ولذا قال النووي:
(إسناده ضعيف جدًا).
الثانية: من رواية عبد الله بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر.
وعبد الله بن إبراهيم وهو ابن أبي عمرو الغفاري متهم بالكذب والوضع. ونحوه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه ضعيف جدًا، وهو راوي حديث توسل آدم ﵇ بنبينا - ﵌ - وهو موضوع كما بينته في "الأحاديث الضعيفة" رقم (٢٥) وقد قال النووي في هذه الطريق أيضًا:
"إسناده ضعيف جدًا".
الثالثة: من رواية مسلمة بن سالم الجهني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عنه بلفظ: «من جاءني زائرًا لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقًا على أن أكون
[ ٢ / ٥٣٩ ]
له شفيعًا يوم القيامة».
ومسلمة هذا مجهول، ويقال فيه مسلمة بن سالم الجهني، قال أبو داود: ليس بثقة. وقد اضطرب في إسناده فرواه مرة هكذا. وقال مرة: عن عبد الله بن عمر عن نافع. وهذا هو الأشبه أنه من روايته عن عبد الله بن عمر العمري المكبر المضعف، فيكون الجهني هذا متابعًا لموسى بن هلال الذي في الطريق الأولى، إلا أن متابعته له مما لا يفرح بها العلماء، لأنه غير ثقة كما عرفت، ولو نفعت لم يتقوى الحديث بها لأن فوقهما عبد الله بن عمر الضعيف، على أنه ليس فيه زيارة القبر الشريف! فيمكن حمله على زيارته في حياته، وهذا مما لا شك في شرعيته فتنبه ولا تكن من أهل الأهواء الغافلين!
ثم إن المحفوظ في هذا المعنى ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﵌ -: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل أشهد (وفي رواية: أشفع) لمن مات فيها». فهذا هو أصل الحديث ولفظه، فحرفه أولئك المجهولون والضعفاء عمدًا أو سهوًا، واغتر بهم من لا علم عندهم!
الرابعة: من رواية حفص بن سليمان أبي عمر عن الليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه بلفظ: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي زاد بعضهم وصحبني».
وهذا منكر جدًا، حفص بن سليمان وهو الأسدي القارئ الغاضري متروك متهم بالكذب والوضع، وقد تفرد به كما قال البيهقي، وليث بن أبي سليم ضعيف مختلط، وهو مخرج في "الضعيفة" برم (٤٧).
الخامسة: من راوية محمد بن محمد بن النعمان بن شبل: حدثني جدي قال:
[ ٢ / ٥٤٠ ]
حدثني مالك عن نافع عنه بلفظ: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني».
وهذا موضوع، كما قال ابن الجوزي والذهبي والزركشي وغيرهم كما تراه في "الضعيفة" (٤٥)، والآفة من محمد بن محمد، أو من جده النعمان بن شبل، وكلاهما متهم، ورجح ابن عبد الهادي الأول فليراجعه من شاء. وليس فيه أيضًا ذكر زيارة القبر الشريف.
الحديث الثاني: عن عمر مرفوعًا بلفظ: «من زار قبري، أو قال: من زارني كنت له شفيعًا أو شهيدًا». يرويه سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي: حدثني رجل من آل عمر عنه.
وهذا متن مضطرب، وإسناد مظلم، سوار هذا مجهول لا يعرف، وبعض الرواة يقلبه فيقول: ميمون بن سوار. وشيخه رجل لم يسم وهو أسوأ حالًا من المجهول، وقد اضطربوا فيه، فبعضهم يقول: "رجل من آل عمر"، كما في هذه الرواية، وبعضهم يقول: "رجل من ولد حاطب". وبعضهم يدخل بينه وبين سوار هارون أبا قزعة وهو مجهول أيضًا، وبعضهم يقول فيه هارون بن أبي قزعة، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في "الضعفاء"! وقال "البيهقي": "هذا إسناد مجهول".
الحديث: الثالث: عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ:
«من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتب له حجتان مبرورتان».
وهذا موضوع، آفته أسيد بن زيد الجمال الكوفي، قال ابن معين: كذاب، سمعته يحدث بأحاديث كذب ومع ذلك فليس فيه ذكر القبر مطلقًا.
وله عنه طريق آخر بلفظ: «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي،
[ ٢ / ٥٤١ ]
ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدًا أو قال شفيعًا».
وهذا موضوع أيضًا، في إسناده فضالة بن سعيد بن زميل مجهول لا يعرف إلا في هذا الخبر الذي تفرد به ولم يتابع عليه. وقال الذهبي: "هذا موضوع".
الحديث الرابع: عن علي مرفوعًا: «من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن حج ولم يزر قبري فقد جفاني».
وهذا موضوع، آفته أنه من رواية النعمان بن شبل المتقدم، اتهمه الحافظ موسى بن هارون الحمال، وقال ابن حبان: يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات. وهو يرويه عن محمد بن الفضل بن عطية، وكان كذابًا، كما قال ابن معين، وقال أحمد: حديثه حديث أهل الكذب. وهذا يرويه عن جابر الجعفي، وهو رافضي متروك شديد الضعف، قال أبو حنيفة ﵀: ما رأيت أكذب منه.
الحديث الخامس: عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: «» من حج حجة
الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلى في بيت المقدس، لم يسأله الله فيما افترض عليه».
وهذا حديث باطل ظاهر البطلان، ولذلك قال السيوطي وغيره: إنه حديث موضوع، وهو مخرج في "الأحاديث الضعيفة" برقم (٢٠٤).
الحديث السادس: عن أبي هريرة مرفوعًا:
«من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي».
وهذا موضوع، في إسناده خالد بن يزيد العمري، قال ابن معين، وأبو حاتم:
[ ٢ / ٥٤٢ ]
"كذاب". وقال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الأثبات".
قلت: والسند إليه مظلم، فيه من لا يعرف.
الحديث السابع: عن أنس، وله عنه لفظان بطريقين:
الأول بلفظ: «» من زارني محتسبًا كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة».
وفي إسناده سليمان بن يزيد الكعبي، قال أبو حاتم: "منكر الحديث".
ثم هو منقطع، لأن الكعبي هذا لم يسمع من أنس.
والآخر بلفظ: ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر".
وهذا موضوع، في سنده سمعان بن المهدي، قال الذهبي:
"ولا يكاد يعرف، ألصقت به نسخة مكذوبة رأيتها، قبح الله من وضعها".
قلت: وإسناده إليه ظلمات بعضها فوق بعض، وليس فيه ذكر القبر أيضًا.
الحديث الثامن: عن رجل عن بكير بن عبد الله مرفوعًا:
«من أتى المدينة زائرًا وجبت له شفاعتي يوم القيامة».
وهذا باطل كما قال ابن عبد الهادي، وإسناده مرسل أو معضل، وفيه الرجل المبهم، وليس فيه ذكر القبر.
قلت: هذه هي الأحاديث التي أشار إليها الدكتور البوطي، وتلك طرقها التي زعم أن الحديث يرتقي بمجموعها إلى درجة القوة! دون أن يجري أي دراسة حولها -لو كان يستطيعها- ليعلم شدة ضعفها وتنافر متونها، فيحول ذلك بينه وبين الزعم المذكور. ولكن إذا كان لا يستطيع تلك الدراسة، فهل لا يحسن التقليد
[ ٢ / ٥٤٣ ]
أيضًا؟ فهو بدل أن يقلد شيخ الإسلام الذي صرح بتضعيف الحديث من جميع طرقه كما رأيت، يقلد الاخنائي، أو بدل أن يقلد الإمام النووي الذي ضعف جدًا طريقيه المتقدمين -وهما أشهر طرقه- قلد السبكي الذي قوى الحديث خلافًا لكل من تكلم على الحديث من المتقدمين عليه- علمًا وزمنًا- الذين جزموا بأنه حديث منكر كابن خزيمة والبيهقي وغيرهما ممن تكلموا على مفردات طرقه وضعفوها كلها ممن سبق ذكرهم كالعقيلي الذي صرح بضعف جميع طرقه والعسقلاني والذهبي والسيوطي، فضلًا عن ابن تيمية وابن عبد الهادي، فلو أن الدكتور كان يحسن التقليد على الأقل لقلد هؤلاء لاختصاصهم بهذا العلم وكثرة عددهم وتقدمهم، ولكن صدق الله العظيم: «ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور».
واعتقادي أن الدكتور يظن (وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا) أن أي حديث كثرت طرقه تقوى بها! وهذا جهل مخالف لما هو مقرر في علم مصطلح الحديث، قال ابن الصلاح في "المقدمة" (ص٣٦ - ٣٧) بعد أن ذكر الحديث الحسن لغيره وهو الذي جاء من أكثر من وجه ليس فيه مغفل كثير الخطأ.
(لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكومًا بضعفها مع كونها رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل حديث: «الأذنان من الرأس» ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن، لأن بعض ذلك يعضد بعضًا كما قلتم في الحسن على ما سبق آنفًا؟ وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه صنف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه، وكذلك إذا كان ضعفه
[ ٢ / ٥٤٤ ]
من حيث الإرسال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر. ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك، لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي، متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًا. وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة).
أقول: أي والله إنه لمن النفائس العزيزة التي يغفل عنها كثير من المشتغلين بهذا العلم، فضلًا عن غيرهم ممن لا معرفة لهم به مطلقًا، كهذا الذي نحن في صدد الرد عليه، والتحذير من آثار جهله، ولذلك فإنه لما لخص الحافظ ابن كثير كلام ابن الصلاح هذا في "مختصره" (١) (ص٤٣) وأقره عليه. علق عليه الشيخ أحمد شاكر ﵀ بقوله:
(وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين في إطلاقهم أن الحديث الضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن أو الصحيح، فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع ازداد ضعفًا، لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه غيرهم، يرفع الثقة بحديثهم، ويؤيد ضعف روايتهم
وهذا واضح).
قلت: إذا أمعن القارئ النظر في تلك الطرق المتقدمة لحديث الزيارة لم يجد فيها أي صفة من تلك الصفات التي ذكرها ابن الصلاح في الطرق التي يتقوى الحديث بها، فليس فيها مثلًا راوٍ واحد على الأقل هو من أهل الصدق، علمنا أنه
_________________
(١) كذا ولعل صوابها: مختصره.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ضعيف الحفظ، بل هم من المتهمين بالكذب، أو المعروفين بالضعف الشديد، أو من المجهولين، أو المبهمين مع عدم سلامة الحديث من الاضطراب والنكارة في المتن، كما أنه ليس فيها طريق واحدة مرسلة، أرسلها إمام حافظ!!
من أجل ذلك نجد كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، قد جزم العلماء بضعفها مع أن لها طرقًا كثيرة، وقد ضرب ابن الصلاح لذلك مثلًا بحديث: «الأذنان من الرأس»، وفيه عندي نظر من وجوه أهمها أنني وجدت له طريقًا قوية الإسناد، ولذلك خرجته في "صحيح أبي داود" (١٢٣) و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٦) وهذا مطبوع، فليراجعه من شاء.
ولذلك، فالأولى عندي التمثيل بحديث: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من السنة كنت له شفيعًا له يوم القيامة» كما فعل الحافظ السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٧١) وقال عقبة:
"فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه".
والجهل بهذه القاعدة الهامة يؤدي إلى تقوية كثير من الأحاديث الضعيفة من أجل طرقها، بل وقد يؤدي إلى الالتحاق ببعض الفرق الضالة، فهذا مثلًا حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» فقد روي من حديث أبي سعيد، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وسهل بن حنيف، وغيرهم، ومع ذلك فهو معدود في جملة الأحاديث الموضوعة (١).ومثله حديث: «على خير البشر، من أبي فقد كفر» له طرق كثيرة أيضًا (٢). والأمثلة من هذا النوع كثيرة جدًا لا تكاد تحصر، فراجع إن
_________________
(١) انظر "اللآلئ المصنوعة" للسيوطي (١/ ٤٢٥)، و"تنزيه الشريعة"، لابن عراق (٨٢) و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (رقم ١١٩٨) وغيرها. [منه]
(٢) "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٥٣). [منه]
[ ٢ / ٥٤٦ ]
شئت كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ففيها الشيء الكثير منها: (٥٥، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٩ و١٣٤، ٢٢٦، ٢٣٠و ٢٦٦و ٣٣٢و ٣٣٧و ٤٥١و ٥٨٣و ٥٨٥و ٦٤٩).
أقول: فهذه الأمثلة من الأحاديث الموضوعة ينبغي أن تكون عند الدكتور البوطي، صحيحة لأنه يصدق فيها قوله المتقدم: "بعضها يقوي بعضًا "!! ﴿فهل من مدكر﴾؟
"دفاع عن الحديث النبوي" (ص٩٢ - ١١٢).
[٢١٦] باب جواز زيارة قبر النبي - ﵌ -
دون شد الرحل إليه بقصد الزيارة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يا معاذ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، [أ] ولعلك أن تمر بمسجدي [هذا أ] وقبري».
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٥): حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان حدثنا صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكوني، أن معاذًا لما بعثه النبي - ﵌ - خرج إلى اليمن معه النبي - ﵌ - يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله - ﵌ - يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: فذكره.
وزاد: فبكى معاذ بن جبل جشعًا لفراق رسول الله - ﵌ -، فقال النبي - ﵌ -: «لا تبك يا معاذ! لَلبكاء، أو إن البكاء من الشيطان».
[ ٢ / ٥٤٧ ]
(تنبيه): هذا الحديث استدل به الدكتور البوطي في آخر كتابه " فقه السيرة " على شرعية زيارة قبره - ﵌ - التي زعم أن ابن تيمية ينكرها! ونحن وإن كنا لا نخالفه في هذا الاستدلال، فإنه ظاهر، ولكنا ننبه القراء بأن هذا الزعم باطل وافتراء على ابن تيمية ﵀، فإن كتبه طافحة بالتصريح بشرعيتها، بل وتوسع في بيان آدابها، وإنما ينكر ابن تيمية قصدها بالسفر إليها، المعني بحديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » الحديث، كما كنت بينت ذلك وبسطت القول فيه من أقوال ابن تيمية نفسه في ردي على البوطي المسمى: "دفاع عن الحديث النبوي"، فما معنى إصرار الدكتور على هذه الفرية حتى الطبعة الأخيرة من كتابه؟! الجواب عند القراء الألباء.
"الصحيحة" (٥/ ٦٦٥ - ٦٦٧).
[٢١٧] باب بدع زيارة القبر النبوي
[ذكر الإمام من بدع زيارة القبر النبوي]:
- قصد قبره - ﵌ - بالسفر (١).
- ارسال العرائض مع الحجاج والزوار إلى النبي - ﵌ -.
- إبقاء القبر النبوي في مسجده (٢).
- زيارة قبره - ﵌ - قبل الصلاة في مسجد.
_________________
(١) والسنة قصد المسجد لقولهص: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » الحديث، فاذا وصل إليه وصلى التحية زار قبرهص. [منه]
(٢) والواجب فصله عن المسجد بجدار كما كان في عهد الخلفاء الراشدين كما بينته منذ سنوات في «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». [منه]
[ ٢ / ٥٤٨ ]
- وقوف بعضهم أمام القبر بغاية الخشوع واضعًا يمينه على يساره كما يفعل في الصلاة.
- قصد استقبال القبر اثناء الدعاء.
- قصد القبر للدعاء عنده رجاء الإجابة. «الاختيارات العلمية» (٥٠).
- التوسل به - ﵌ - إلى الله في الدعاء.
- طلب الشفاعة وغيرها منه.
- قول ابن الحاج (١) في «المدخل» (١/ ٢٥٩) أن من الأدب: «أن لا يذكر حوائجه ومغفرة ذنوبه بلسانه عند زيارة قبره^ لأنه أعلم منه بحوائجه ومصالحه»!!
- قوله أيضًا (١/ ٢٦٤): «لا فرق بين موته ﵇ وحياته في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وتحسراتهم وخواطرهم»!!
- وضعهم اليد تبركًا على شباك حجرة قبره - ﵌ - وحلف البعض بذلك بقوله: وحق الذي وضعتَ يدك على شباكه وقلت: الشفاعة يا رسول الله!!
- «تقبيل القبر أو استلامه أو ما يجاور القبر من عود ونحوه».
«فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٣١٠) و«الاقتضاء» (١٧٦) و«الاعتصام» (٢/ ١٣٤ - ١٤٠) و«إغاثة اللهفان» (١/ ١٩٤) و«الباعث» لأبي شامة (٧٠) والبركوي في
_________________
(١) وهذا الرجل مع فضله وكون كتابه المذكور مرجعًا حسًا لمعرفة البدع، فانه في نفسه مخرف لا يعتمد عليه في التوحيد والعقيدة. [منه]
[ ٢ / ٥٤٩ ]
«اطفال المسلمين» (٢٣٤) و«الإبداع» (٩٠) (١).
- «قصد الصلاة تجاه قبره» (٢).
«الرد على البكري» لا بن تيمية (٧١) و«القاعدة الجليلة» (١٢٥ - ١٢٦) و«الإغاثة» (١/ ١٩٤ - ١٩٥) والحادمي على «الطريقة المحمدية» (٤/ ٣٢٢).
- «الجلوس عند القبر وحوله للتلاوة والذكر» «الاقتضاء» (١٨٣ - ٢١٠).
- قصد القبر النبوي للسلام عليه دبر كل صلاة (١٨٢).
- «قصد أهل المدينة زيارة القبر النبوي، كلما دخلوا المسجد، أو
خرجوا منه».
«الرد على الاخنائي» (ص ١٥٠ - ١٥١ و١٥٦، ٢١٧، ٢١٨) و«الشفا في
_________________
(١) وقد أحسن الغزالي رحمه الله تعالى حين أنكر التقبيل المذكور وقال (١/ ٢٤٤): «إنه عادة النصارى واليهود».فهل من معتبر؟ [منه]
(٢) لقد رأيت في السنوات الثلاث، الّتي قضيتها في المدينة المنورة (١٣٨١ - ١٣٨٣) أستاذًا في الجامعة الإسلامية، بدعًا كثيرة جدًا تفعل في المسجد النبوي، والمسؤولون فيه عن كل ذلك ساكتون، كما هو الشأن عندنا في سورية تمامًا. ومن هذه البدع ما هو شرك صريح، كهذه البدعة: فإن كثيرًا من الحجاج يتقصدون الصلاة تجاه القبر الشريف، حتى بعد الصلاة العصر في وقت الكراهة! وشجعهم على ذلك أنهم يرون في جدار القبر الذي يستقبلونه محرابًا صغيرًا من آثار الأتراك ينادي بلسان حاله: الجهال وما يأتون من المخالفات، وكان من أبسط ما اقترحته رفع السجاد من ذلك المكان، وليس المحراب! فوعدنا خيرًا، ولكن المسؤول الذي يستطيع ذلك لم يفعل ولن فإلى الله المشتكى، من ضعف الإيمان وغلبة الهوى الذي لم يغد فيه حتى التوحيد لغلبة حب المال على أهله إلا من شاء الله وقليل ما هو، وصدق رسول الله صلى عليه وسلم إذا يقول: «فتنة لأمي المال». [منه]
[ ٢ / ٥٥٠ ]
حقوق المصطفى» للقاضي عياض (٢/ ٧٩) و«المدخل» (١/ ٢٦٢).
- التوجه إلى جهة القبر الشريف عند دخول المسجد أو الخروج منه، والقيام بعيدًا منه بغاية الخشوع.
- تبركهم بما يسقط مع المطر من قطع الدهان الأخضر من قبة القبر النبوي!
- «تقربهم بأكل التمر الصيحاني في الروضة الشريفة بين المنبر والقبر».
«الباعث على إنكار البدع» (ص ٧٠) و«مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٩٦).
«قطعهم من شعور هم ورميها في القنديل الكبير القريب من التربة النبوية».
«المصدران السابقان».
حجة النبي - ﵌ - " (ص١٣٦ - ١٤٢).
[٢١٨] باب من صور الغلو في زيارة قبر الرسول - ﵌ -
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»
(موضوع)
[قال الإمام]:
ومما يدل على وضعه أن جفاء النبي - ﵌ - من الكبائر إن لم يكن كفرًا، وعليه فمن ترك زيارته - ﵌ - يكون مرتكبًا لذنب كبير، وذلك يستلزم أن الزيارة واجبة كالحجٍ، وهذا مما لا يقوله مسلم، ذلك لأن زيارته - ﵌ - وإن كانت من القربات
[ ٢ / ٥٥١ ]
فإنها لا تتجاوز عند العلماء حدود المستحبات، فكيف يكون تاركها مجافيًا للنبي - ﵌ - ومعرضًا عنه؟!
"الضعيفة" (١/ ١١٩).
[٢١٩] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي».
(موضوع).
[قال الإمام]:
واعلم أنه قد جاءت أحاديث أخرى في زيارة قبره - ﵌ - وقد ساقها كلها السبكي في " الشفاء " وكلها واهية وبعضها أو هى من بعض، وهذا أجودها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الآتي ذكره، وقد تولى بيان ذلك الحافظ ابن عبد الهادي في الكتاب المشار إليه آنفًا [كتاب " الصارم المنكي"] بتفصيل وتحقيق لا تراه عند غيره فليرجع إليه من شاء.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " القاعدة الجليلة " (ص ٥٧): "وأحاديث زيارة قبره - ﵌ - كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين، ولهذا لم يروأهل الصحاح والسنن شيئا منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني والبزار وغيرهما.
ثم ذكر هذا الحديث ثم قال: فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره في حياته وكان مؤمنا به كان من أصحابه، لاسيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه، وقد ثبت عنه - ﵌ - أنه قال: «لا تسبوا أصحابي
[ ٢ / ٥٥٢ ]
فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» خرجاه في الصحيحين، والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصلوات الخمس، والصلاة عليه - ﵌ - فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين (يعني زيارة قبره - ﵌ -) بل ولا شرع السفر إليه، بل هو منهي عنه، وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهو مستحب ".
(تنبيه): يظن كثير من الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية ومن نحى نحوه من السلفيين يمنع من زيارة قبره - ﵌ -، وهذا كذب وافتراء وليست أول فرية على ابن تيمية رحمه الله تعالى، وعليهم، وكل من له اطلاع على كتب ابن تيمية يعلم أنه يقول بمشروعية زيارة قبره - ﵌ - واستحبابها إذا لم يقترن بها شيء من المخالفات والبدع، مثل شد الرحل والسفر إليها لعموم قوله - ﵌ -: «لا تشد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد» والمستثنى منه في هذا الحديث ليس هو المساجد فقط كما يظن كثيرون بل هو كل مكان يقصد للتقرب إلى الله فيه سواء كان مسجدا أو قبرا أو غير ذلك، بدليل ما رواه أبوهريرة قال (في حديث له): فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لوأدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت! سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» الحديث أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ٢٢٦).
فهذا دليل صريح على أن الصحابة فهموا الحديث على عمومه، ويؤيده أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل لزيارة قبر ما، فَهُم سلف ابن تيمية في هذه المسألة، فمن طعن فيه فإنما يطعن في السلف الصالح ﵃، ورحم الله من قال:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.
"الضعيفة" (١/ ١٢٠، ١٢٣ - ١٢٥).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
[٢٢٠] باب منه
[روي عن الني - ﵌ - أنه قال]:
«من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي».باطل.
[ثم علل الإمام بطلانه ثم قال]:
ومما سبق تعلم أن ما جاء في بعض كتب التربية الدينية التي تدرس في سورية تحت عنوان: زيارة قبر النبي - ﵌ -: أن هذا الحديث رواه الدارقطني وابن السكن والطبراني وغيرهم بروايات مختلفة تبلغ درجة القبول، لم يصدر عن بحث علمي في إسناده، ولا نظر دقيق في متنه، الذي جعل من زار قبره - ﵌ -، بمنزلة من زاره في حياته، ونال شرف صحبته، التي من فضائلها ما تحدث عنه - ﵌ - بقوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده، لوأنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»!.
فمن كان بينه وبين هؤلاء الصحابة ﵃ هذا البون الشاسع في الفضل والتفاوت، كيف يعقل أن يجعله - ﵌ - مثل واحد منهم، بمجرد زيارة قبره - ﵌ -، وهي لا تعدوأن تكون من المستحبات؟!
"الضعيفة" (٣/ ٨٩،٩١).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
[٢٢١] باب بيان بطلان ما ينسب
إلى أسامة بن زيد من صلاته عند قبر النبي - ﵌ -
عن محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر رسول الله - ﵌ -، فخرج مروان بن الحكم فقال: تصلي إلى قبره؟ فقال: إني أحبه فقال له قولا قبيحًا ثم أدبر، فانصرف أسامة فقال: يا مروان إنك آذيتني وإني سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «إن الله يبغض الفاحش المتفحش» وإنك فاحش متفحش.
[قال الإمام]:
صحيح لغيره المرفوع فقط، والقصة ضعيفة، وقوله: يصلي عند قبر النبي - ﵌ - منكر باطل.
[ثم علق قائلًا]:
ومع ضعف الإسناد؛ فإنَّ في القصة ما لا يخفى بطلانه على طالب علم فقيه، بل ولا على عارف بفضل الصحابة، وبعدهم عن الشركيات؛ من الصلاة عند القبر، والاحتجاج على ذلك بحبِّ النبيّ - ﵌ -، كما تقول جهلة العوام اليوم، هذا لو كانَ من الممكن يومئذ الصلاة إلى القبر الشريف، وهو في بيت عائشة ﵂.
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٢٦٢)
[ ٢ / ٥٥٥ ]
[٢٢٢] باب زيارة قبر النبي - ﵌ -
حكمها حكم زيارة باقي القبور؟
سؤال: .. هل زيارة قبره ﵊ مثل بقية مقابر المسلمين
حيث علمنا وأرشدنا بأن زيارة القبور تذكرنا بالآخرة، فتكون عبرةً لنا، أم هي خصوصية أخرى؟
الشيخ: لا خصوصية هاهنا، فزيارة قبر النبي - ﵌ - مشروعة كسائر قبور المسلمين، ولكن ينبغي أن نذكر من يتذكر بأن هناك فرقًا بين هذه المسألة التي لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان ألا وهي زيارة قبر الرسول ﵊ فهي مشروعة دون خلاف بين لكن هذا شيء وشد الرحال والسفر خاصًة لزيارة قبر النبي - ﵌ - فضلًا عن قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، هذا أمر لا يجوز في الإسلام لقوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» ولذلك فمن يريد أن يزور قبر النبي - ﵌ - زيارًة شرعية فعليه أن ينوي السفر باكتساب فضيلة الصلاة في مسجده ﵊ حيث قال: «صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» عليه أن يقصد بسفره المسجد لينال هذه الفضيلة البالغة، وبطبيعة الحال إذا وصل إلى هناك وزار قبره ﵇، وزار البقيع، زار شهداء أحد، هذا كله جائز لا خلاف فيه، لكن الفرق بين أن يخلص النية في شد الرحل للصلاة في المسجد أو يجعل النية لزيارة قبر الرسول ﵇، وفي هذا مخالفة لذاك الحديث الصحيح: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد».
"فتاوى الإمارات" (٥/ ٠٠: ٤٢: ٥٩)
[ ٢ / ٥٥٦ ]
[٢٢٣] باب هل تشرع زيارة قبر النبي - ﵌ -
السائل: بالنسبة للحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء، أحيانًا يأتي بعبارات تستغرب منه، كقوله في زيارة النبي - ﵌ -: إن زيارة النبي - ﵌ - من أعظم القرب، لا أذكر أين قرأتها في السير ..؟
الشيخ: من أين وجه الاستغراب؟
مداخلة: يعني: زيارة النبي - ﵌ - من أعظم القرب.
الشيخ: أعدت العبارة بدون فائدة.
مداخلة: الحافظ الذهبي يعني معروف من كبار .. يعني: العبارة ما فيها خطأ، يعني: هل ترى أن ما فيها خطأ؟
الشيخ: أعدت كلامك.
مداخلة: أرفق بي جزاك الله خيرًا، يعني: الحافظ الذهبي معروف أنه من السلفيين، يعني: من علماء السلف لا شك إن شاء الله، يعني: هذه العبارة كأنها غريبة، أو ما فهمتها أنا؟
الشيخ: أنا ما فهمت استشكالك، فلأدخل أنا معك الآن لاستكشاف ما وراء الأكمة، هل الاستغراب هو اسم التفضيل بالذات، أم غير ذلك؟
مداخلة: لا، غير ذلك.
الشيخ: جميل! فلو أردنا أن نعبر نيابةً عن الذهبي بعبارة تكون مقبولة عندنا نحن معشر السلفيين، ماذا نقول؟
مداخلة: لا تشرع زيارة قبر النبي - ﵌ -
[ ٢ / ٥٥٧ ]
الشيخ: لماذا؟
مداخلة: لأنه لا تشرع زيارة قبر النبي - ﵌ -
الشيخ: .. الآن قد نصل إلى ما تقصد، لو قال قائل: يجوز شد الرحل إلى مسجد الرسول ﵇، فيه اعتراض؟
مداخلة: فيه اعتراض.
الشيخ: طيب! لو قال قائل: يجوز زيارة قبر الرسول، هناك اعتراض؟
مداخلة: فيه اعتراض.
الشيخ: لِمَ؟
مداخلة: لأنه ما شُرِع هذا، .. لعموم الحديث حديث أبي هريرة: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس» شك أبو هريرة حسب الراوي فيعني: لا يشرع هذا الذي أفهمه.
الشيخ: من هنا أوتيت! كان سؤالي بنًاء على استشكالك، ليس هو: هل يجوز شد الرحل لزيارة قبر الرسول ﵇، وإنما كان بعد أن قلنا وسألنا: هل يجوز شد الرحل إلى مسجد الرسول ﵇؟ كان الجواب حقًّا، ثم تصرفنا في العبارة ورفعنا المسجد ووضعنا الزيارة، فقلنا: هل يجوز زيارة قبر الرسول، ولم نقل: هل يجوز شد الرحل لزيارة قبر الرسول؟ فلا شك أنك تفرق معنا بين العبارتين، فالعبارة الأولى: هل يجوز زيارة قبر الرسول، العبارة الثانية: هل يجوز شد الرحل لزيارة قبر الرسول؟ فأنت كان جوابك ينصب على السؤال الثاني الذي ما كنت وجهته إليك، جوابك يصلح لما لو كان السؤال: هل يجوز شد الرحل
[ ٢ / ٥٥٨ ]
لزيارة قبر الرسول؟ فذكرت حديث أبي هريرة وهذا صواب، لكن لم يكن السؤال هكذا، كان السؤال: هل يجوز زيارة قبر الرسول؟ واضح الآن الفرق؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: طيب! يعود السؤال: هل يجوز زيارة قبر الرسول؟
مداخلة: نعم يجوز.
الشيخ: فإذًا: لا إشكال.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٣/ ٠١: ٠٩: ٠٥)
[٢٢٤] باب الانتصار لشيخ الإسلام
في قوله بحرمة شد الرحال بقصد زيارة قبر النبي
سؤال: باختصار! نقل ابن حجر ﵀ في الفتح في المجلد الثالث أنه قال: من أبشع المسائل التي ذكرت عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه منع شد الرحال إلى قبر النبي ﵊، انتهى كلامه بتصرف، فيفهم من ذلك أن ابن حجر يعتمد على قوله هذا بأحاديث وأقوال ..
مداخلة: فيفهم من كلامك فهمت الآن عن النسبة التي فهمت: أن ابن حجر يعتمد على أحاديث طيب! ويرى بجواز شد الرحال إلى قبر النبي ﵊.
الشيخ: ما هي الأحاديث؟
مداخلة: ما أدري، ما يفهم من هذا الآن؟
الشيخ: لا.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
مداخلة: وإلا ماذا يفهم؟
الشيخ: يفهم باستغراب هذا القول ولا يعني أن هناك أحاديث؛ لأنه يجب أن نستحضر في أذهاننا أن الأحكام الشرعية لا تثبت بأحاديث صريحة كلها، تارةً هكذا وتارةً باستنباط، وتارةً بالقياس، طيب! فإذا كان هناك استنباط وقياس ورأيت إنسانًا ذهب إلى قول ما واستغربته أنت ليس من الضروري أن تتصور أن هذا القول يوجد عليه حديث، ممكن أن يكون بالقياس، طيب! والآن: فسؤالك: هل الأحاديث تجيز شد الرحل إلى قبر الرسول - ﵌ - أم لا، أم أنت تريد أن تسأل ما موقفك من استغراب الحافظ ابن حجر لقول ابن تيمية أنه لا يجوز شد الرحل إلى قبر النبي - ﵌ -؟
مداخلة: نعم يا شيخ.
الشيخ: وهو؟
مداخلة: استغراب الحافظ
الشيخ: أنا أقول: قوله هو المستغرب، قول ابن حجر هو المستغرب، لماذا؟ لأنه يعلم قول النبي - ﵌ -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وذكرها، وفي رواية لمسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فالآن: المسجد النبوي لم يكن القبر فيه، تعرف هذه الحقيقة؟ فهل كان شد الرحل فيه قبل دفنه ﵇ وبعدما قال هذا الحديث مشروعًا أم لا؟ أعيد ما قلته: عندما قال الرسول - ﵌ -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» كان ميتًا أم كان حيًا؟
مداخلة: حيًا.
الشيخ: كان قبره في المسجد؟
[ ٢ / ٥٦٠ ]
مداخلة: لا.
الشيخ: كان شد الرحل إلى المسجد مشروعًا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم، عندما أصبح القبر في المسجد بعد موته ﵇ بزمان، وبعدما أجروا التوسعة، أصبح الآن القبر في المسجد، هل تغير الحكم السابق؟
مداخلة: لا ما تغير.
الشيخ: إذًا: بقي الحكم السابق كما هو، ولذلك يقول ابن تيمية أو غيره: أن الذي يسافر إلى المدينة فيجب أن يخلص النية لشد الرحل إلى مسجده ﵇؛ ذلك لأن الصلاة فيه بألف صلاة، فإذا وصل إلى ذلك المكان أو المقام فأمكن أن يزور قبر الرسول ﵇ كما يزور أي قبر من قبور الأولياء أو الأنبياء أو الصالحين، بينما إذا عكس النية فنوى أن يشد الرحل لزيارة قبره ﵇ هذا أولًا لا حديث فيه إطلاقًا، وثانيًا: قلب الحكم الشرعي، فالحكم الشرعي قال: لا تشد الرحال إلا إلى المسجد، فكيف هو عكس الموضوع وشد الرحل إلى القبر، واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فإذًا: قول ابن حجر هو المستغرب، وأظنكم تعلمون قوله - ﵌ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) وفي حديث الفقراء الذي فيه: «إن لكم في كل تسبيحة صدقة وتحميدة صدقة وأمر بمعروف ونهي عن منكر» ثم
_________________
(١) البخاري (رقم١) ومسلم (رقم٥٠٣٦).
[ ٢ / ٥٦١ ]
ختم الحديث بقوله: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته وله عليها أجر؟ قال: أليس إذا وضعها في حرام يكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال يكون له عليها أجر» (١) كلٌّ ممن أتى الحلال أو الحرام قضى شهوته، لكن والاختلاف بالنية، العمل الواحد يختلف باختلاف النية فمن شد الرحل إلى المسجد النبوي فهذا اتقى الله فأجر، ثم له بعد ذلك أن يزور قبر الرسول وقبر أبي بكر الصديق وأُحُد وقباء وليس كذلك من عكس الحكم فشد الرحل لزيارة قبر الرسول وزيارة قبر أبي بكر وعمر، هذا واضح إن شاء الله.
مداخلة: واضح.
"رحلة النور" (ب٤٠/ ٠٠:٣٥:٥١)
[٢٢٥] باب رد بعض شبهات
المجيزين لشد الرحال إلى قبر النبي - ﵌ -
سؤال: بعض الذين يقولون بجواز قصد السفر لزيارة قبر النبي - ﵌ - يحتجون بحجة يقولون: لو أن شخصًا مقيمًا في مكة ويريد أن يسافر إلى المدينة فماذا ينوي؟ لو قلنا: أنه ينوي زيارة المسجد النبوي فالصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في المسجد النبوي، فيقولون: فنحن إذًا لا بد أنه ينوي زيارة القبر الشريف حتى تكون نيته يعني: للبيت قد تكون لها معنى، فكنا نحب أن نسمع الرد على ذلك؟
الشيخ: الرد واضح، هل زيارة قبر الرسول أفضل من الصلاة في مسجد الرسول؟
_________________
(١) مسلم (رقم٢٣٧٦).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
فإذا كان هو يعيش في مكة والصلاة فيها بمائة ألف، فإذًا لا مبرر له من أن يشد رحلًا للصلاة في المسجد النبوي فإذًا لا مبرر له من أن يشد الرحل من أجل زيارة قبر الرسول ﵇ ..
"الهدى والنور" (٨٠/ ٣٤: ٥٧: ٠٠)
[٢٢٦] باب هل تجوز زيارة قبر النبي - ﵌ - بعد كل صلاة؟
[سئل الإمام سؤالًا مفاده هل يجوز لمن سافر إلى المدينة النبوية أن يزور قبر النبي - ﵌ - بعد كل صلاة؟]
السائل: عفوًا أنت ذكرت من سافر إلى المدينة ثم ثنيت فذكرت أهل المدينة، أكذلك؟
الشيخ:- إذا كنت تعني ما تقول كلما صلى فنقول لا، لكنه يجوز أن يفعل ذلك أحيانًا وكذلك أهل المدينة لا يجوز لهم أن يترددوا دبر كل صلاة كما هو الواقع اليوم، لأنهم بذلك يتخذون قبره ﵇ عيدًا وقد جاءت أحاديث ثابتة في النهي عن اتخاذ قبره عيدًا، لكن من فعل ذلك أحيانًا سواءً كان من سكان المدينة أو من الوافدين إليها فيفعل ذلك أحيانًا ولا يكرر.
مداخلة: [ألم يكن ابن عمر يفعل ذلك].
الشيخ: مش دائمًا كان إذا مثلًا غاب من سفر جاء إلى قبر الرسول ﵇ وسلم عليه وعلى أبي بكر وعلى أبيه، أما أن يجعل ذلك ديدنه كما يفعل المبتدعة في هذا الزمان، فحاشاه من مثل ذلك.
" الهدى والنور" (٩٧/ ١٥: ٠٤: ٠٠)
[ ٢ / ٥٦٣ ]
[٢٢٧] باب الفرق بين السلام على النبي - ﵌ -
من المدينة المنورة ومن خارجها
مداخلة: يسأل السائل فيقول: ما الفرق بين السلام على رسول الله - ﵌ - من بلد آخر غير المدينة المنورة علمًا بأن الملائكة يبلغون السلام بنص الحديث، وبين وقوف الشخص أمام قبره ﵊.
الشيخ: الحقيقة أنه لا فرق، وقد جاءت أحاديث تؤكد هذا، ذكرت شيئًا منها قديمًا في كتابي: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، جاء عن بعض أهل البيت أنه رأى رجلًا جالسًا بجانب قبر النبي - ﵌ - فسأله عن سبب جلوسه بهذا القرب من قبر النبي - ﵌ - فقال: إنه يصلي على النبي - ﵌ -، فأجابه: بأن صلاة المصلي أنت هنا ومن كان في الأندلس سواء؛ ذلك لأن من خصوصيات نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ومما فضله الله ﵎ على من قبله من إخوانه من الأنبياء والرسل أنه كما قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» (١) سياحين: طوافين في الدنيا كلها، يبلغوني عن أمتي السلام، ولا فرق بين من يصلي على النبي - ﵌ - في مسجده وعند قبره وبين من يصلي هنا وهناك في أقاصي البلاد كلها؛ لأن الملائكة الموظفين بتبليغ الصلاة عليه - ﵌ - إليه يقومون بذلك خير قيام.
وهذا في الحقيقة يذكرني بشيء لعل من المفيد أن أذكره: في أول مرة حينما كتب لي أن أسافر إلى السعودية وأن أؤدي فريضة الحج لأول مرة، فلما جئت لآخذ الجواز ويوقع عليه الضابط المسئول رأى أن الأمر في دخول المدينة، قال:
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٢١٧٤).
[ ٢ / ٥٦٤ ]
أريد منك شيئًا، قلت له: تفضل، قال: إذا وصلت إلى هناك بالسلامة أقرئ سلامي إلى رسول الله - ﵌ -، كان الوضع يومئٍذ خير مما هو الآن، مع الأسف تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح، فقلت له: ألا أدلك هو الشاهد على ما هو خير لك مما توصيه، قال: تفضل، قلت: أنا إنسان قد لا أصل بسبب أو أكثر إلى المدينة، وقد أصل فلا أتذكر، فالآن: أفلا أدلك على ما هو خير لك قال: تفضل، قلت: صل عليه الآن يصل الآن بأسرع من طرف البصر، وذكرت له هذا الحديث: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» فهؤلاء موظفون من رب العالمين فقط لتبليغ نبينا صلوات الله وسلامه عليه سلام أمته.
ويحسن التنبيه أيضًا بحديث: «من صلى علي نائيًا أبلغته، ومن صلى علي قريبًا مني سمعته» هذا حديث موضوع لا أصل له، فقد كنت خرجته تخريجًا علميًا في الجزء الأول كما أذكر من "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة".
"فتاوى الإمارات" (٥/ ٠٠: ٣٨: ٥٢)
[ ٢ / ٥٦٥ ]
موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر
محمد ناصر الدين الألباني
«موسوعة تحتوي على أكثر من
(٥٠) عملًا ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»
العمل الأول
سلسلة جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة
«تحتوي على ما يقارب ألفي مسألة
وفائدة عقدية مستخرجة من تراث العلامة الألباني بعناية»
(٢)
(كتاب التوحيد وما يضاده من الشرك)
الجزء الثاني
صَنَعَهُ
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
[ ٣ / ٩٧٦ ]
جماع أبواب
أحكام التوسل
[ ٣ / ٥٧٧ ]
[٢٢٨] باب بيان اضطراب الأقوال
في حكم التوسل مما يوجب تحقيق القول فيه
[قال الإمام]:
اضطرب الناس في مسألة التوسل، وحكمها في الدين اضطرابًا كبيرًا، واختلفوا فيها اختلافًا عظيمًا، بين مُحلِّل ومُحرِّم، ومغال ومتساهل، وقد اعتاد جمهور المسلمين منذ قرون طويلة أن يقولوا في دعائهم مثلًا: «اللهم بحق نبيك أو بجاهه أو بقدره عندك عافني واعف عني" و«اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي" و«اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ومثل فلان وفلان" أو «اللهم بكرامة رجال الله عندك، وبجاه من نحن في حضرته، وتحت مدده فرج الهم عنا وعن المهمومين"و«اللهم إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة، متوسلين إليك بصاحب الوسيلة والشفاعة أن تنصر الإسلام والمسلمين .. " إلخ.
ويسمون هذا توسلًا، ويدَّعون أنه سائغ ومشروع، وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه، بل تأمر به وتحض عليه، وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن، كقبور الأولياء، والحديد المبني على أضرحتهم، والتراب والحجارة والشجر القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه حتى، يصح أن يكون وسيلة إلى الله، بل قد أجاز بعض المتأخرين الاستغاثة بغير الله!
"التوسل" (ص٩ - ١٠)
[ ٣ / ٥٧٩ ]
[٢٢٩] باب التوسل في اللغة والقرآن
[قال الإمام]:
أحب أن ألفت النظر إلى سبب هام من أسباب سوء فهم كثير من الناس لمعنى التوسل، وتوسعهم فيه، وإدخالهم فيه ما ليس منه، وذلك هو عدم فهمهم لمعناه اللغوي، وعدم معرفتهم بدلالته الأصلية، ذلك أن لفظة (التوسل) لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عنى بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة، قال ابن الأثير في «النهاية": (الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل) وقال الفيروز أبادي في «القاموس": (وسل إلى الله تعالى توسيلًا: عمل عملًا تقرب به إليه كتوسل) وقال ابن فارس في «معجم المقاييس": (الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله ﷿، وهو في قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدْرُ أمرهم بلى، كل ذي دين إلى الله واسلُ).
وقال الراغب الأصفاني في «المفردات": (الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى).
وقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضًا وأنشد عليه قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل
هذا وهناك معنى آخر للوسيلة هو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما
[ ٣ / ٥٨٠ ]
ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله - ﵌ -: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة﴾ (١).
وواضح إن هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقا الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.
معنى الوسيلة في القرآن:
إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة (الوسيلة)، وهما قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (المائدة: ٣٥ (، وقوله سبحانه: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا﴾ (الإسراء: ٥٧ (.
فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير ﵀ في تفسيرها: (يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. ﴿اتقوا الله﴾ يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾: يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه).
_________________
(١) رواه مسلم وأصحاب السنن وغيرهم، وهو مخرج في كتابي "إرواء الغليل" يراجع (٢٤٢) طبع المكتب الإسلامي. [منه].
[ ٣ / ٥٨١ ]
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس ﵄ أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: (أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه) ثم قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه .. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود) (١).
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: (نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون) (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٣): (أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية).
قلت: وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال: ﴿يبتغون﴾ أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها،
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" (٢/ ٥٢ - ٥٣). [منه].
(٢) رواه مسلم (٨/ ٢٤٥ نووي) والبخاري بنحوه (٨/ ٣٢٠ - ٣٢١ فتح) وفي رواية له: (فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم). [منه].
(٣) "فتح الباري" (١٠/ ١٢ - ١٣). [منه].
[ ٣ / ٥٨٢ ]
ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، ﵎، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على
كل شيء.
الأعمال الصالحة وحدها هي الوسائل المقربة إلى الله:
ومن الغريب أن بعض مدعي العلم اعتادوا الاستدلال بالآيتين السابقتين على ما يلهج به كثير منهم من التوسل بذوات الأنبياء أو حقهم أو حرمتهم أو جاههم، وهو استدلال خاطئ لا يصح حمل الآيتين عليه، لأنه لم يثبت شرعًا أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك لم يذكر هذا الاستدلال أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا التوسل المذكور، بل الذي فهموه منهما أن الله ﵎ يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة، والتقدم إليه بك قربة، والتوصل إلى رضاه
بكل سبيل.
ولكن الله سبحانه قد علمنا في نصوص أخرى كثيرة أن علينا إذا أردنا التقرب إليه أن نتقدم إليه بالإعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، وهو لم يكل تلك الأعمال إلينا، ولم يترك تحديدها إلى عقولنا وأذواقنا، لأنها حينذاك ستختلف وتتباين، وستضطرب وتتخاصم، بل أمرنا سبحانه أن نرجع إليه في ذلك، ونتبع إرشاده وتعليمه فيه؛ لأنه لا يعلم ما يرضي الله ﷿ إلا الله وحده، فلهذا كان من الواجب علينا حتى نعرف الوسائل المقربة إلى الله أن نرجع في كل مسألة إلى ما شرعه الله سبحانه، وبينه رسول الله - ﵌ -، ويعني ذلك أن نرجع إلى كتاب الله
[ ٣ / ٥٨٣ ]
وسنة رسوله - ﵌ - وهذا هو الذي وصانا به رسولنا محمد صلوات الله عليه وسلامه حيث قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" (١).
متى يكون العمل صالحًا:
وقد تبين من الكتاب والسنة أن العمل حتى يكون صالحًا مقبولًا يقرب إلى الله سبحانه، فلا بد من أن يتوفر فيه أمران هامان عظيمان، أولهما: أن يكون صاحبه قد قصد به وجه الله ﷿، وثانيهما: أن يكون موافقًا لما شرعه الله ﵎ في كتابه، أو بينه رسوله في سنته، فإذا اختل واحد من هذين الشرطين لم يكن العمل صالحًا ولا مقبولًا.
ويدل على هذا قوله ﵎: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ (الكهف: ١١٠) فقد أمر سبحانه أن يكون العمل صالحًا، أي موافقًا للسنة، ثم أمر أن يخلص به صاحبه لله، لا يبتغي به سواه.
قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره": (وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابًا على شريعة رسول الله - ﵌ -) وروي مثل هذا عن القاضي عياض ﵀ وغيره.
"التوسل" (١١ - ١٦)
_________________
(١) رواه مالك مرسلا، والحاكم من حديث ابن عباس، وإسناده حسن. وله شاهد من حديث جابر خرجته في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (١٧٦١). [منه].
[ ٣ / ٥٨٤ ]
[٢٣٠] باب الوسائل الكونية والشرعية وكيفية معرفة مشروعية الوسائل
[قال الإمام]:
إذا عرفنا أن الوسيلة هي السبب الموصل إلى المطلوب برغبة فاعلم أنها تنقسم إلى قسمين، وسيلة كونية، ووسيلة شرعية.
فأما الوسيلة الكونية فهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقه الله بها، ويؤدي إلى المطلوب بفطرته التي فطره الله عليها، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر من غير تفريق، ومن أمثلتها الماء فهو وسيلة إلى ريّ الإنسان، والطعام وسيلة إلى شبعه، واللباس وسيلة إلى حمايته من الحر والقر، والسيارة وسيلة إلى انتقاله من مكان إلى مكان، وهكذا.
وأما الوسيلة الشرعية فهي كل سبب يوصل إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله تعالى، وبينه في كتابه وسنة نبيه، وهي خاصة بالمؤمن المتبع أمر الله ورسوله.
ومن أمثلتها النطق بالشهادتين بإخلاص وفهم وسيلة إلى دخول الجنة والنجاة من الخلود في النار، وإتباع السيئة الحسنة وسيلة إلى محو السيئة، وقول الدعاء المأثور بعد الأذان وسيلة إلى نيل شفاعة النبي - ﵌ -، وصلة الأرحام وسيلة لطول العمر وسعة الرزق، وهكذا.
فهذه الأمور وأمثالها إنما عرفنا أنها وسائل تحقق تلك الغايات والمقاصد عن طريق الشرع وحده، لا عن طريق العلم أو التجربة أو الحواس، فنحن لم نعلم أن صلة الرحم تطيل العمر وتوسع الرزق إلا من قوله صلوات الله وسلامه عليه:
[ ٣ / ٥٨٥ ]
«من أحب أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره فَلْيَصِلْ رحمه " (١).
وهكذا الأمثلة الأخرى.
ويخطئ الكثيرون في فهم هذه الوسائل بنوعيها خطأ كبيرًا، ويهمون وهمًا شنيعًا، فقد يظنون سببًا كونيًا ما يوصل إلى غاية معينة، ويكون الأمر بخلاف ما يظنون، وقد يعتقدون سببًا شرعيًا ما يؤدي إلى مقصد شرعي معين، ويكون الحق بخلاف ما يعتقدون.
فمن أمثلة الوسائل الباطلة شرعًا وكونًا في آن واحد، ما يراه المار في شارع النصر في دمشق في كثير من الأحيان، إذ يجد بعض الناس قد وضعوا أمامهم مناضد صغيرة، وعليها حيوان صغير يشبه الفأر الكبير، وقد وضع بجانبه بطاقات مضمومة كتب فيها عبارات فيها توقعات لحظوظ الناس، كتبها صاحب الحيوان، أو أملاها عليه بعض الناس كما شاء لهم جهلهم وهواهم، فيمر الصديقان الحميمان فيقول أحدهم للأخر: تعال لنرى حظنا ونصيبنا، فيدفعان للرجل بضعة قروش، فيدفع الحوين لسحب بطاقة ما، ويعطيها أحدهما فيقرؤها، ويطالع حظه المزعوم فيها!
ترى ما مبلغ عقل هذا الإنسان الذي يتخذ الحيوان دليلًا ليعلمه ما جهله، وليطلعه على ما غُيّب عنه من قدره؟
إنه إن كان يعتقد فعلًا أن هذا الحيوان يعلم الغيب فلا شك أن الحيوان خير منه، وإن كان لا يعتقد ذلك ففعله هذا عبث وسخف وإضاعة وقت ومال يتنزه عنه العقلاء. كما أن تعاطي هذا العمل تدجيل وتضليل وأكل لأموال الناس بالباطل.
_________________
(١) رواه الشيخان وغيرهما ن وهو مخرج في كتابي "صحيح أبي داود" (١٤٨٦). [منه].
[ ٣ / ٥٨٦ ]
ولا شك أن لجوء الناس إلى هذا الحيوان لمعرفة الغيب وسيلة كونية بزعمهم، ولكنها باطلة تدحضها التجربة، ويهدمها النظر السليم، فهي وسيلة خرافية أدى إليها الجهل والدجل، وهي من الناحية الشرعية باطلة أيضًا تخالف الكتاب والسنة والإجماع، ويكفي في ذلك مخالفتها لقوله سبحانه في الثناء
على نفسه: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول ..﴾ (الجن:٢٦ - ٢٧).
ومن الأسباب الكونية الموهومة ظن بعضهم انه إذا سافر أو تزوج مثلًا يوم الأربعاء أخفق في سفره وخاب في زواجه، واعتقادهم أنه من شرع في عمل هام فرأى أعمى أو ذو عاهة لم يتم عمله ولم ينجح فيه!
ومن هذه الأسباب أيضًا ظن كثير من العرب والمسلمين اليوم أنهم بعددهم الكبير فقط ينتصرون على أعدائهم من الصهاينة والمستعمرين، وأنهم على وضعهم الذي هم عليه سيرمون اليهود في البحر، وقد أثبتت التجارب خطأ هذه الظنون وبطلانها، وأن الأمر أعمق من أن يعالج بهذه الطريقة السطحية.
ومن الأسباب الشرعية الموهومة اتخاذ بعض الناس أسبابًا يظنونها تقربهم إلى الله سبحانه، وهي تبعدهم منه في الحقيقة، وتجلب لهم السخط والغضب، بل واللعنة والعذاب، فمن ذلك استغاثة بعضهم بالموتى المقبورين من الأولياء والصالحين، ليقضوا لهم حوائجهم التي لا يستطيع قضاءها إلا الله ﷾، كطلبهم منهم دفع الضر وشفاء السقم، وجلب الرزق وإزالة العقم، والنصر على العدو وأمثال ذلك، فيتمسحون بحديد الأضرحة وحجارة القبور، ويهزونها أو يلقون إليها أوراقًا كتبوا فيها طلباتهم ورغابتهم، فهذه وسائل شرعية بزعمهم، ولكنها في الحقيقة باطلة، ومخالفة لأساس الإسلام الأكبر الذي هو
[ ٣ / ٥٨٧ ]
العبودية لله تعالى وحده، وإفراده سبحانه بجميع أنواعها وفروعها.
ومن ذلك اعتقاد بعضهم الصدق في خبر يتحدث به إنسان ما إذا عطس هو أو أحد الحاضرين عند تحدثه بذلك (١).
ومنها اعتقادهم بأن أحدًا من أصحابهم أو أقربائهم يذكرهم بخير إذا طنت آذانهم (٢)، وكذلك اعتقادهم بأن بلاء ينزل عليهم إذا قصوا أظافرهم في الليل وفي أيام السبت والأحد (٣) ، أو إذا كنسوا بيوتهم ليلًا ، ومنها اعتقادهم أنهم إذا حسنوا ظنهم بحجر واعتقدوا فيه فإنه ينفهم (٤).
_________________
(١) لعل مستند هذا الاعتقاد حديث: " من حدث حديثًا فعطس عنده فهو حق " وهو حديث باطل، وقد أورده الشوكاني في كتابه "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص٢٢٤).وهذا وما بعده أمثلة جيده لبيان خطر الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأثرها السيئ في نشر العقائد الباطلة، والعادات المسترذلة، مما يوجب على كل مسلم واع معرفتها والتحذير منها، ولا يتم ذلك إلا بالاهتمام بعلوم السنة ودراستها، وهذا مما حدا بي إلى وضع كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة" وقد صدر منه ثلاثة مجلدات، يسر الله نشر المجلدات الباقية، وهذا الحديث تجد الكلام عليه وبيان بطلانه مفصلًا فيه برقم (١٣٦). (طبع المكتب الإسلامي) [منه].
(٢) أصل هذه العقيدة حديث موضوع هو: "إذا طنت أذن أحدكم فليصل علي، وليقل: ذكر الله بخير من ذكرني " وأورده الشوكاني في "الفوائد المجوعة" (ص٢٢٤). [منه].
(٣) وقد تلقى هذه العقيدة الباطلة بعض المتفقهة فنظمها شعرًا يلقن لبعض طلاب المدارس الشرعية، ومنها قوله: قص الأظافر يوم السبت آكلة تبدو وفيما يليه تذهب البركة وعالم فاضل يبدو بتلوهما وإن يكن في الثلاثاء فاحذر الهلاكة. [منه].
(٤) أصل هذه العقيدة الضالة حديث: "لو أحسن أحدكم ظنه في حجر لنفعه الله به " اورده الحافظ العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٥٢) ونقل عن ابن تيمية أنه كذب، وعن ابن حجر أنه لا أصل له، وعن صاحب "المقاصد" أنه لا يصح، ونقل عن ابن القيم قوله: (هو من كلام عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار) وانظر كتابي السابق، رقم (٤٥٠) [منه].
[ ٣ / ٥٨٨ ]
فهذه وأمثالها اعتقادات باطلة، بل خرافات وترهات، وظنون وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، وقد رأيت أن أصلها أحاديث موضوعة مكذوبة، لعن الله واضعها، وقبح ملفقها.
وعلى هذا فإن الوسائل الكونية منها ما هو مباح أذن الله به، ومنها ما هو حرام نهى الله عنه، وقد ذكرت فيما سبق أمثلة من هذه الوسائل بنوعيها مما يَهم الناس فيه، ويظنونه مباحًا وموصلًا إلى القصد مع أنه بعكس ذلك، وأذكر فيما يلي بعض الأمثلة على الوسائل الكونية المشروعة وغير المشروعة.
فمن الوسائل الكونية المشروعة للكسب والحصول على الرزق اتخاذ البيع والشراء والتجارة والزراعة والإجارة، ومن الوسائل الكونية المحرمة الإقراض بالربا وبيع العينة والاحتكار والغش والسرقة، والميسر وبيع الخمور والتماثيل، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (البقرة: ٢٧٥).
فكل من البيع والربا سبب كوني لكسب الرزق، ولكن الله تعالى أحل الأول، وحرم الثاني.
كيف تعرف صحة الوسائل ومشروعيتها:
والطريق الصحيح لمعرفة مشروعية الوسائل الكونية والشرعية هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، والتثبت مما ورد فيهما عنها، والنظر في دلالات نصوصهما، وليس هناك طريق آخر لذلك البتة.
فهناك شرطان لجواز استعمال سبب كوني ما، الأول أن يكون مباحًا في الشرع، والثاني أن يكون قد ثبت تحقيقه للمطلوب، أو غلب ذلك على الظن.
وأما الوسيلة الشرعية فلا يشترط فيها إلا ثبوتها في الشرع ليس غير.
[ ٣ / ٥٨٩ ]
فاتخاذ الحيوان في المثال الأسبق وسيلة مزعومة لمعرفة الغيب هو من الناحية الكونية باطل تدحضه التجربة والنظر، ومن الناحية الشرعية كفر وضلال، بين الله بطلانه وحذر منه.
وكثيرًا ما يخلط الناس في هذه الأمور، فيظنون أنه بمجرد ثبوت النفع بوسيلة ما تكون هذه الوسيلة جائزة ومشروعة، فقد يحدث أن يدعو أحدهم وليًا، أو يستغيث بميت فيتحقق طلبه، وينال رغبته، فيدعي أن هذا دليل على قدرة الموتى والأولياء على إغاثة الناس، وعلى جواز دعائهم والاستغاثة بهم، وما حجته في ذلك غير حصوله على طلبه، وقد قرأنا مع الأسف في بعض الكتب الدينية أشياء كثيرة من هذا القبيل، إذ يقول مسطرها، أو ينقل عن بعضهم قوله مثلًا: إنه وقع في شدة، واستغاث بالولي الفلاني، أو الصالح العلاني، وناداه باسمه، فحضر حالًا، أو جاءه في النوم فأغاثه، وحقق له ما أراد.
وما درى هذا المسكين وأمثاله أن هذا- إن صح وقوعه- استدراج من الله ﷿ للمشركين والمبتدعين، وفتنة منه سبحانه لهم، ومكر منه بهم، جزاءًا وفاقًا على إعراضهم عن الكتاب والسنة، واتباعهم لأهوائهم وشياطينهم.
فهذا الذي يقول ذاك الكلام يجيز الاستغاثة بغير الله تعالى، هذه الاستغاثة التي هي الشرك الأكبر بعينه، بسبب حادثة وقعت له أو لغيره، ويمكن أن تكون هذه الحادثة مختلقة من أصلها، أو محرفة ومضخمة لإضلال بني آدم، كما يمكن أن تكون صحيحة، وراويها صادقًا فيما أخبر، ولكنه أخطأ في حكمه على المنقذ والمغيث، فظنه وليًا صالحًا، وإنما هو شيطان رجيم، فعل ذلك عن قصد خبيث، هو تلبيس الأمور على الناس، وإيقاعهم في حبائل الكفر والضلال من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
وقد تضافرت الأخبار على أن المشركين في الجاهلية كانوا يأتون إلى الصنم، وينادونه فيسمعون صوتًا، فيظنون أن الذي يكلمهم ويجيبهم إنما هو معبودهم الذي قصدوه من دون الله، وليس هو في الحقيقة والواقع غير شيطان لعين يريد إضلالهم، وإغراقهم في العقائد الباطلة.
والمقصود من ذلك كله أن تعرف أن التجارب والأخبار ليست الوسيلة الصحيحة لمعرفة مشروعية الأعمال الدينية، بل الوسيلة الوحيدة المقبولة لذلك هي الاحتكام للشرع المتمثل في الكتاب والسنة وليس غير.
وأهم ما يخلط فيه كثير من الناس في هذا الباب الاتصال بعالم الغيب بطريقة من الطرق، كإتيان الكهان والعرافين، والمنجمين والسحرة والمشعوذين، فتراهم يعتقدون في هؤلاء معرفة الغيب، لأنهم يحدثونهم عن بعض الأمور المغيبة عنهم، ويكون الأمر وفق ما يحدثون أحيانًا، ويظنون ذلك جائزًا مباحًا، بدليل وقوعه كما يخبرون. وهذا خطأ جسيم، وضلال مبين، فإن مجرد حصول منفعة ما بواسطة ما لا يكفي لإثبات مشروعية هذه الواسطة، فبيع الخمر مثلًا قد يؤدي إلى منفعة صاحبه وغناه وثروته، وكذلك الميسر واليانصيب أحيانًا، ولذلك قال ربنا ﵎ فيهما: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير، ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ (البقرة: ٢١٩) ومع ذلك فهما محرمان، وملعون في الخمر عشرة كما ثبت في الحديث (١).
فإتيان الكهان كذلك حرام، لأنه قد ثبت في الدين النهي عنه، والتحذير
منه، قال النبي - ﵌ -:» من أتى كاهنًا، فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل
_________________
(١) وهو مخرج في بعض مصنافتي، فانظر "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (٤٩٦٧). [منه].
[ ٣ / ٥٩١ ]
على محمد" (١).
وقال - ﵌ -: «من أتى عرافًا، فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين
ليلة» (٢).
وقال معاوية بن الحكم السلمي للنبي - ﵌ -: إن منا رجالًا يأتون الكهان؟ فقال - ﵌ -: «فلا تأتهم » (٣).
وقد بين الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه طريقة حصول الكهان والسحرة على بعض المغيبات بقوله - ﵌ -: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسلة على صفوان (٤)، فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر، ووصف سفيان- أحد رواة الحديث- (وهو ابن عيينة كما قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره" (٣/ ٥٣٧) بيده، وفرَّج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض، فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه، وربما لم تدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا، يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًا؟ «للكلمة التي سُمعت من السماء" (٥).
_________________
(١) رواه أحمد وأبو داود، وإسناده صحيح. انظر المصدر السابق (٥٨١٨). [منه].
(٢) رواه مسلم. أنظر المصدر السابق (٥٨١٦). [منه].
(٣) رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٨٦٢). [منه].
(٤) هو الصخر الأملس. [منه].
(٥) رواه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه"، منه كتاب التفسير (٩/ ٤٥٢ فتح) عن أبي هريرة، وصححه الترمذي وابن خزيمة، وهو مخرج في "الصحيحة". (١٢٩٣) وانظر "صحيح الجامع الصغير" (١/ ٢٦٢). [منه].
[ ٣ / ٥٩٢ ]
وورد مثل هذا في حديث آخر عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله - ﵌ - جالسًا في نفر من أصحابه، فاستنار نجم، فقال - ﵌ -: «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ " قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم، فقال رسول الله - ﵌ -: «فإنها لا يُرْمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيُرمَون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون" (١).
فمن هذين الحديثين وغيرهما نعلم أن الاتصال بين الإنس والجن واقع، وأن الجني يخبر الكاهن ببعض الأخبار الصادقة، فيضيف إليها الكاهن أخبارًا أخرى ملفقة من عنده، فيحدث الناس، فيطلعون على صدق بعضها، ومع ذلك فقد نهى الشارع الحكيم عن إتيان هؤلاء الكهان، وحذر من تصديقهم فيما يقولون، كما مر معنا آنفًا.
وبهذه المناسبة فلا يفوتنا أن نذكر أن الكهانة والعرافة والتنجيم ما يزال لها أثر كبير على كثير من الناس، حتى في عصرنا هذا الذي يدعي أهله أنه عصر العلم والتفكير، والتمدن والثقافة، ويظنون أن الكهانة والشعوذة والسحر قد ولّت أيامها
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" (١/ ٢١٨) ومسلم في "صحيحه" (٧/ ٣٦ و٣٧) والترمذي (٩/ ٩١ - ٩٢ - "تحفة") وغيرهم، (يقرفون) يخلطون فيه الكذب، وضبطها بعضهم (يقذفون) بوزنها ومعناها، ورواها الترمذي بلفظ: (يحرفونه). [منه].
[ ٣ / ٥٩٣ ]
وانقضى سلطانها، ولكن الذي يمكن النظر، ويطلع على خفايا ما يحدث هنا وهناك يعلم علم اليقين أنها ما تزال تسيطر على كثيرين، ولكنها لبست لبوسًا جديدًا، وتبدّت بأشكال عصرية، لا يفطن إلى حقيقتها إلا القليل، وما استحضار الأرواح ومخاطبتها، والاتصال بها بأنواعه المختلفة إلا شكل من أشكال هذه الكهانة الحديثة التي تضلل الناس، وتفتنهم عن دينهم، وتربطهم بالأوهام والأباطيل، ويظنونها حقيقة وعلمًا، ودينًا، والحقيقة والعلم والدين منها بُراء.
والخلاصة أن الأسباب الكونية، وما يُظن أنه من الأسباب الشرعية لا يجوز إثباتها، ولا تعاطيها إلا بعد ثبوت جوازها في الشرع، كما يجب في الأسباب الكونية إثبات صحتها وفائدتها بالنظر والتجربة.
ومما يجب التنبه له، أن ما ثبت كونه وسيلة كونية، فإنه يكفي في إباحته والأخذ به، أن لا يكون في الشرع النهي عنه، وفي مثله يقول الفقهاء: الأصل في الأشياء الإباحة. وأما الوسائل الشرعية، فلا يكفي في جواز الأخذ بها، أن الشارع الحكيم لم ينه عنها، كما يتوهمه الكثيرون بل لا بد فيها من ثبوت النص الشرعي المستلزم مشروعيتها واستحبابها؛ لأن الاستحباب شيء زائد على الإباحة، فإنه مما يتقرب إلى الله تعالى، والقربات لا تثبت بمجرد عدم ورود النهي عنها، ومن هنا قال بعض السلف: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - ﵌ -
فلا تتعبدوها)، وهذا مستفاد من أحاديث النهي عن الابتداع في الدين وهي معروفة، ومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الأصل في العبادات المنع إلا لنص، وفي العادات الإباحة إلا لنص".فاحفظ هذا فإنه هام جدًا يساعدك على استبصار الحق فيما اختلف فيه الناس.
"التوسل" (ص١٧ - ٢٨)
[ ٣ / ٥٩٤ ]
[٢٣١] باب التوسل المشروع والتوسل الممنوع وأنواعهما
[قال الإمام]:
إن هناك قضيتين مستقلتين، أولاهما وجوب أن يكون التوسل به مشروعًا، وذلك لا يعرف إلا بدليل صحيح من الكتاب والسنة، وثانيهما أن يكون التوسل بسبب كوني صحيحًا يوصل إلى المطلوب.
ونحن نعلم أن الله ﷿ أمرنا بدعائه سبحانه والاستغاثة به، فقال: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ (غافر: الآية ٦٠ (.وقال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعٍ إذا دعان، فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ (البقرة: ١٧٨ [.
وقد شرع لنا عز شأنه أنواعًا من التوسلات المشروعة المفيدة المحققة للغرض، والتي تكفل الله بإجابة الداعي بها، إذا توفرت شروط الدعاء الأخرى، فلننظر الآن فيم تدل عليه النصوص الشرعية الثابتة من التوسل دون تعصب أو تحيز.
إن الذي ظهر لنا بعد تتبع ما ورد في الكتاب الكريم والسنة المطهرة أن هناك ثلاثة أنواع للتوسل شرعها الله تعالى، وحث عليها، وَرَدَ بعضها في القرآن، واستعملها الرسول - ﵌ - وحض عليها، وليس في هذه الأنواع التوسل بالذوات أو الجاهات أو الحقوق أو المقامات، فدل ذلك على عدم مشروعيته وعدم دخوله في عموم (الوسيلة) المذكورة في الآيتين السالفتين.
أما الأنواع المشار إليها من التوسل المشروع فهي:
١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته
[ ٣ / ٥٩٥ ]
العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير أن تعافيني.
أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي. ومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبك لمحمد - ﵌ -.فإن الحب من صفاته تعالى.
ودليل مشروعية هذا التوسل قوله ﷿: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ (الأعراف: ١٨٠ (. والمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى. ولا شك أن صفاته العليا ﷿ داخلة في هذا الطلب، لأن أسماءه الحسنى سبحانه صفات له، خصت به ﵎.
ومن ذلك ما ذكره الله تعالى من دعاء سليمان ﵇ حيث قال: ﴿قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ (النمل: ١٩ (.
ومن الأدلة أيضًا قول النبي - ﵌ - في أحد أدعيته الثابتة عنه قبل السلام من صلاته: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي .. " (١).
ومنها أنه - ﵌ - سمع رجلًا يقول في تشهده: (اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم)
فقال - ﵌ - «قد غفر له قد غفر له» (٢).
_________________
(١) رواه النسائي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي وهو كما قالا. [منه].
(٢) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم وإسناده صحيح. [منه].
[ ٣ / ٥٩٦ ]
وسمع النبي - ﵌ - رجلًا آخر يقول في تشهده: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار) فقال النبي - ﵌ - لأصحابه: «تدرون بما دعا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم (وفي رواية: الأعظم) الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي" (١).
ومنها قوله - ﵌ -: «من كثر همه فليقل: (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي) إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا " (٢).
ومنها ما ورد في استعاذته - ﵌ - وهي قوله: «اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني .. " (٣).
ومنها ما رواه أنس ﵁ أن النبي - ﵌ -: «كان إذا حزبه- أي أهمه وأحزنه- أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث " (٤).
فهذه الأحاديث وما شابهها تبين مشروعية التوسل إلى الله تعالى باسم من
_________________
(١) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم بإسناد صحيح. [منه].
(٢) رواه أحمد (٣٧١٢) واللفظ له والحاكم (١/ ٥٠٩) وغيرهما، وإسناده صحيح كما بينته في "السلسلة الصحيحة" [منه].
(٣) متفق عليه. [منه].
(٤) رواه الترمذي (١/ ٢٦٧ - "تحفة") والحاكم (١/ ٥٠٩) وهو حديث حسن. [منه].
[ ٣ / ٥٩٧ ]
أسمائه أو صفه من صفاته، وأن ذلك مما يحبه الله سبحانه ويرضاه، ولذلك استعمله رسول الله - ﵌ -، وقد قال الله ﵎: [وما آتاكم الرسول فخذوه]] سورة الحشر: الآية ٨ [.فكان من المشروع لنا أن ندعوه سبحانه بما دعاه به رسوله - ﵌ -، فذلك خير ألف مرة من الدعاء بأدعية ننشئها، وصيغ نخترعها.
٢ - التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي: كأن يقول المسلم: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي .. أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد - ﵌ - وإيماني به أن تفرج عني .. ومنه أن يذكر الداعي
عملًا صالحًا ذا بالٍ، فيه خوفه من الله سبحانه، وتقواه إياه، وإيثاره رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه، ليكون أرجى
لقبوله وإجابته.
وهذا توسل جيد وجميل قد شرعه الله تعالى وارتضاه، ويدل على مشروعيته قوله تعالى: ﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾ (آل عمران: ١٦) وقوله: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت وتبعت الرسول فاكتبا مع الشاهدين﴾ (آل عمران: ٥٣) وقوله: ﴿إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار﴾ (آل عمران: ١٩٣ و١٩٤ [وقوله: ﴿إنه كان فريق من عبادي يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين﴾ (المؤمنون: ١٠٩) وأمثال هذه الآيات الكريمات المباركات. وكذلك يدل على مشروعية هذا النوع من التوسل ما رواه بريدة بن الحٌصَيب ﵁ حيث قال: سمع النبي - ﵌ - رجلًا يقول: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له
كفوًا أحدًا)، فقال: «قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي
[ ٣ / ٥٩٨ ]
به أجاب " (١).
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار، كما يرويها عبد الله ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم (وفي رواية لمسلم: فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله بها، لعل الله يفرجها عنكم).فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبُقُ (٢) قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب شيء (وفي رواية لمسلم: الشجر) يومًا، فلم أرٍحْ عليهما (٣)، حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج.
قال النبي - ﵌ -: قال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني حتى ألمت بها سَنَة (٤) من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٣٤٩ و٣٥٠) وأبو داود (١٤٩٣) وغيرهما وإسناده صحيح. [منه].
(٢) الغبوق: هو الذي يشرب العشي، ومعناه: كنت لا أقدم عليهما في شرب اللبن أهلا ولا غيرهم، عن "الترغيب والترهيب". [منه].
(٣) المراح: موضع مبيت الماشية، والمعنى: لم أرد الماشية من المرعى إلى حظائرها. [منه].
(٤) السنة: العام المقحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئًا، سواء نزل غيث أم لم ينزل، عن "الترغيب والترهيب". [منه].
[ ٣ / ٥٩٩ ]
قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض (وفي رواية لمسلم: يا عبد الله اتق الله، ولا تفتح) الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك
ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
قال النبي - ﵌ -: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره، حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدّ لي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي. فقلت:
إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا. اللهم فإن كنت
فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون " (١).
ويتضح من هذا الحديث أن هؤلاء الرجال المؤمنين الثلاثة حينما اشتد بهم الكرب، وضاق بهم الأمر، ويئسوا من أن يأتيهم الفرج من كل طريق إلا طريق الله ﵎ وحده، فلجأوا إليه، ودعوه بإخلاص واستذكروا أعمالًا لهم صالحة، كانوا تعرفوا فيها إلى الله في أوقات الرخاء، راجين أن يتعرف إليهم ربهم مقابلها في أوقات الشدة، كما ورد في حديث النبي - ﵌ - الذي فيه: «.. تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " (٢) فتوسلوا إليه سبحانه بتلك الأعمال؛ توسل
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الإجارة واللفظ له ومسلم والنسائي وغيرهم. [منه].
(٢) رواه أحمد عن ابن عباس وإسناده صحيح لغيره كما بينته في "ظلال الجنة في تخريج السنة" لابن أبي عاصم يراجع (١٣٨) طبع المكتب الإسلامي. [منه].
[ ٣ / ٦٠٠ ]
الأول ببره والديه، وعطفه عليهما، ورأفته الشديدة بهما حتى كان منه ذلك
الموقف الرائع الفريد، وما أحسب إنسانًا آخر، حاشا الأنبياء - يصل بره بوالديه إلى هذا الحد.
وتوسل الثاني بعفته من الزنا بابنة عمه التي أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء بعدما قدر عليها، واستسلمت له مكروهة بسبب الجوع والحاجة، ولكنها ذكرته بالله ﷿، فتذكر قلبه، وخشعت جوارحه، وتركها والمال الذي أعطاها.
وتوسل الثالث بحفاظه على حق أجيره الذي ترك أجرته التي كانت فَرَقاَ (١) من أرز كما ورد في رواية صحيحة للحديث وذهب، فنماها له صاحب العمل، وثمرها حتى كانت منها الشاه والبقر والإبل والرقيق، فلما احتاج الأجير إلى المال ذكر أجرته الزهيدة عند صاحبه، فجاءه وطالبه بحقه، فأعطاه تلك الأموال كلها، فدهش وظنه يستهزئ به، ولكنه لما تيقن منه الجد، وعرف أنه ثمرّ له أجره حتى تجمعت منه تلك الأموال، استساقها فرحًا مذهولًا، ولم يترك منها شيئًا. وأيْم الله إن صنيع رب العمل هذا بالغ حد الروعة في الإحسان إلى العامل، ومحقق المثل الأعلى الممكن في رعايته وإكرامه، مما لا يصل إلى عشر معشاره موقف كل من يدعي نصرة العمال والكادحين، ويتاجر بدعوى حماية الفقراء والمحتاجين، وإنصافهم وإعطائهم حقوقهم، دعا هؤلاء الثلاثة ربهم سبحانه متوسلين إليه بهذه الأعمال الصالحة أي صلاح، والمواقف الكريمة أي كرم، معلنين أنهم إنما فعلوها ابتغاء رضوان الله تعالى وحده،
لم يردوا بها دنيا قريبة أو مصلحة عاجلة أو مالًا، ورجوا الله جل شأنه أن يفرج
_________________
(١) مكيال تقدر سعته بثلاثة آصع. [منه].
[ ٣ / ٦٠١ ]
عنهم ضائقتهم، ويخلصهم من محنتهم، فاستجاب سبحانه دعاءهم، وكشف كربهم، وكان عند حسن ظنهم به، فخرق لهم العادات وأكرمهم بتلك الكرامة الظاهرة، فأزاح الصخرة بالتدرج على مراحل ثلاث، كلما دعا واحد منهم تنفرج بعض الانفراج حتى انفرجت تمامًا مع آخر دعوة الثالث بعد أن كانوا في موت محقق. ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يروي لنا هذه القصة الرائعة التي كانت في بطون الغيب، لا يعلمها إلا الله ﷾ ليذكرنا بأعمال فاضلة مثالية لأناس فاضلين مثاليين من أتباع الرسل السابقين، لنقتدي بهم، ونتأسى بأعمالهم، ونأخذ من أخبارهم الدروس الثمينة، والعظات البالغة. ولا يقولن قائل: إن هذه الأعمال جرت قبل بعثة نبينا محمد - ﵌ - فلا تنطبق علينا بناء على ما هو الراجح في علم الأصول أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا. لأننا نقول: إن حكاية النبي - ﵌ - لهذه الحادثة إنما جاءت في سياق المدح والثناء، والتعظيم والتبجيل، وهذا إقرار منه - ﵌ - بذلك، بل هو أكثر من إقرار لما قاموا به من التوسل بأعمالهم الصالحة المذكورة، بل إن هذا ليس إلا شرحًا وتطبيقًا عمليًا للآيات المتقدمة، وبذلك تتلاقى الشرائع السماوية في تعاليمها وتوجيهاتها، ومقاصدها وغاياتها، ولا غرابة في ذلك، فهي تنبع من معين واحد، وتخرج من مشكاة واحدة، وخاصة فيما يتعلق بحال الناس مع ربهم سبحانه، فهي لا تكاد تختلف إلا في القليل النادر الذي يقتضي حكمة الله سبحانه تغييره وتبدليه.
٣ - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح:
كأن يكون المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله ﵎، فيجب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب
[ ٣ / ٦٠٢ ]
منه أن يدعوا له ربه، ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه. فهذا نوع آخر من التوسل المشروع، دلت عليه الشريعة المطهرة، وأرشدت إليه، وقد وردت أمثلة منه في السنة الشريفة، كما وقعت نماذج منه من فعل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فمن ذلك ما رواه أنس ابن مالك ﵁ حيث قال: «أصاب الناس سنَة على عهد النبي - ﵌ -، فبينما النبي - ﵌ - يخطب] على المنبر ٢/ ٢٢ [قائمًا في يوم الجمعة، قام] وفي راوية: دخل ٢/ ١٦ [أعرابي] من أهل البدو ٢/ ٢١ [] من باب كان وجَاه المنبر] [نحو دار القضاء ورسول الله قائم، فاستقبل رسول الله - ﵌ - قائمًا ٢/ ١٧ [فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع] وفي رواية: هلك [العيال] ومن طريق أخرى: هلك الكُراع، وهلك الشاء] [وفي أخرى هلكت المواشي، وانقطعت السبل [فادعُ الله لنا] أن يَسْقِيَنا] [وفي أخرى: يُغيثنا [فرفع يديه يدعو] حتى رأيت بياض إبطه]: [اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا]، [ورفع الناس أيديهم معه يدعون، [] ولم يذكر أنه حوَّل رداءه، ولا استقبل القبلة ٢/ ١٨ [و] لا والله [ما نرى في السماء] من سحاب ولا [قزعة] ولا شيئًا، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار] [وفي رواية: قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة] [قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت [فوالذي نفسه بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطرَ يتحادر على لحيته - ﵌ -] وفي رواية: فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماءُ عزاليها] ونزل عن المنبر فصلى ٢/ ١٩] [فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا] [وفي رواية: حتى ما كاد الرجل يصل إلى منزله ٧/ ١٥٤] فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى [ما تقلع] [حتى سالت مثاعب المدينة] [وفي رواية: فلا والله ما رأينا الشمس ستًا].
[ ٣ / ٦٠٣ ]
وقام ذلك الأعرابي أو غيره [وفي رواية: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله - ﵌ - قائم يخطب، فاستقبله قائمًا] فقال: يا رسول الله تهدم البناء [وفي رواية: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي] [وفي طريق: بشَق المسافر، ومُنع الطريق] وغرق المال، فادع الله [يحبُسه] لنا [فتبسم النبي - ﵌ -] فرفع يده، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، [اللهم على رؤوس الجبال والإكام] [والظراب] وبطون الأودية ومنابت الشجر [فما] جعل [يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت مثل الجوْبَة،] وفي رواية: فنظرت إلى السحاب تصدع حول المدينة] يمينًا وشمالًا [كأنه إكليل] [وفي أخرى: فانْجابَتْ] عن المدينة انجياب الثوب] [يمطر ما حولينا ولا يمطر فيها شيء] وفي طريق: قطرة] [وخرجنا نمشي في الشمس] يريهم الله كرامة نبيه - ﵌ - وإجابة دعوته [، وسال الوادي [وادي] قناة شهرًا، ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود".
ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ أيضًا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - ﵌ - فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقَون.
ومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - ﵌ - وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أننا كنا نقصد نبينا - ﵌ - ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل - ﵌ - إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعوَ لنا، وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم: (اللهم بجاه نبيك اسقنا)، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته - ﵌ -: (اللهم بجاه العباس اسقنا)، لأن مثل هذا دعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة،
[ ٣ / ٦٠٤ ]
ولم يفعله أحد من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، كما سيأتي الكلام على ذلك بشيء من البسط قريبًا إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك أيضًا ما رواه الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في «تاريخه" (١٨/ ١٥١/١) بسند صحيح عن التابعي الجليل سليم ابن عامر الخبَائري: (أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم).
وروى ابن عساكر أيضًا بسند صحيح أن الضحاك بن قيس خرج يستسقي بالناس فقال ليزيد بن الأسود أيضًا: قم يا بكاء! زاد في رواية: (فما دعا إلا ثلاثًا حتى أمطروا مطرًا كادوا يغرقون منه).
فهذا معاوية ﵁ أيضًا لا يتوسل بالنبي - ﵌ -، لما سبق بيانه، وإنما يتوسل بهذا الرجل الصالح: يزيد ين الأسود رحمه الله تعالى، فيطلب منه أن يدعو الله تعالى، ليسقيهم ويغيثهم، ويستجيب الله ﵎ طلبه. وحدث مثل هذا في ولاية الضحاك بن قيس أيضًا.
بطلان التوسل بما عدا الأنواع الثلاثة السابقة:
فمما سبق تعلم أن التوسل المشروع الذي دلت عليه نصوص الكتاب
[ ٣ / ٦٠٥ ]
والسنة، وجرى عليه عمل السلف الصالح، وأجمع عليه المسلمون وهو:
١ - التوسل باسم من أسماء الله ﵎ أو صفة من صفاته.
٢ - التوسل بعمل صالح قام به الداعي.
٣ - التوسل بدعاء رجل صالح.
وأما ما عدا هذه الأنواع من التوسلات ففيه خلاف، والذي نعتقده وندين الله تعالى به أنه غير جائز، ولا مشروع، لأنه لم يرد فيه دليل، تقوم به الحجة-وقد أنكره العلماء المحققون في العصور الإسلامية المتعاقبة، مع أنه قد قال ببعضه بعض الأئمة، فأجاز الإمام أحمد التوسل بالرسول - ﵌ - وحده فقط، وأجاز غيره كالإمام الشوكاني التوسل به وبغيره من الأنبياء والصالحين: ولكنا-كشأننا في جميع الأمور الخلافية-ندور مع الدليل حيث دار ولا نتعصب للرجال، ولا ننحاز لأحد إلا للحق كما نراه ونعتقده، وقد رأينا في قضية التوسل التي نحن بصددها الحق مع الذين حظروا التوسل بمخلوق، ولم نر لمجيزيه دليلًا صحيحًا يعتد به، ونحن نطالبهم بأن يأتونا بنص صحيح صريح من الكتاب أو السنة فيه التوسل بمخلوق، وهيهات أن يجدوا شيئًا يؤيد ما يذهبون إليه، أو يسند ما يدعونه، اللهم إلا شبهًا واحتمالات، سنعرض للرد عليها بعد قليل.
فهذه الأدعية الواردة في القرآن الكريم وهي كثيرة، لا نجد في شيء منها التوسل بالجاه أو الحرمة أو الحق أو المكانة لشيء من المخلوقات، وهاك بعض الأدعية الكريمة على سبيل المثال: يقول ربنا جل شأنه معلمًا إيانا ما ندعو به ومرشدًا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تُحمَّلْنا ما لا طاقة لنا به، واعْفُ عنا واغفر لنا
[ ٣ / ٦٠٦ ]
وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين﴾ (البقرة: ٢٨٦) ويقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار]﴾ (البقرة: ٢٠١) ويقول: ﴿فقالوا: على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين﴾ (يونس: ٨٥ - ٨٦) ويقول: ﴿وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد آمنًا واجنبني وبَنيَّ أن نعبد الأصنام﴾، ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء، ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾ (إبراهيم:٣٥ - ٤١) ويقول على لسان موسى ﵇: ﴿قال: رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ..﴾ (طه: ٢٥ - ٢٨) ويقول سبحانه: ﴿والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا ..﴾ (الفرقان: ٦٥ ( إلى آخر ما هنالك من الأدعية القرآنية الكريمة، وبعضها مما يعلمنا الله تعالى أن ندعو به ابتداء، وبعضها مما يحكيه سبحانه عن بعض أنبيائه ورسله، أو بعض عباده وأوليائه، وواضح أنه ليس في شيء منها ذاك التوسل المبتدع الذي يدندن حوله المتعصبون، ويخاصم فيه المخالفون.
وإذا انتقلنا إلى السنة الشريفة لنطلع منها على أدعية النبي - ﵌ - التي ارتضاها الله تعالى له، وعلمه إياها، وأرشدنا إلى فضلها وحسنها، نراها مطابقة لما في أدعية القرآن السالفة من حيث خلوها من التوسل المبتدع المشار إليه، وهاك بعض تلك الأدعية النبوية المختارة:
فمنها دعاء الاستخارة المشهور الذي كان النبي - ﵌ - يعلمه أصحابه إذا هموا بأمر كما كان يعلمهم القرآن، وهو: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة
[ ٣ / ٦٠٧ ]
أمري، وعاجله وآجله، فأقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به).
ومنها: (اللهم أصلح لي ديني، الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر) و: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي ) و: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) و: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك) و: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد نعوذ بك من النار) ومثل هذه الأدعية في السنة كثير، ولا نجد فيها دعاء واحدًا ثابتًا فيه شيء من التوسل المبتدع الذي يستعمله المخالفون.
ومن الغريب حقًا أنك ترى هؤلاء يعرضون عن أنواع التوسل المشروعة السابقة، فلا يكادون يستعلمون شيئًا منها في دعائهم أو تعليمهم الناس مع ثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة عليها، وتراهم بدلًا من ذلك يعمدون إلى أدعية اخترعوها، وتوسلات ابتدعوها لم يشرعها الله ﷿، ولم يستعملها رسوله المصطفى - ﵌ -، ولم ينقل عن سلف هذه الأمة من أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، وأقل ما يقال فيها: إنها مختلف فيها، فما أجدرهم بقوله ﵎: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ (البقرة: ٦١).
ولعل هذه أحد الشواهد العلمية التي تؤكد صدق التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي رحمه حيث قال: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من
[ ٣ / ٦٠٨ ]
سننهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة).
هذا ولم ننفرد نحن بإنكار تلك التوسلات المبتدعة، بل سبقنا إلى إنكارها كبار الأئمة والعلماء، وتقرر ذلك في بعض المذاهب المتبعة، ألا وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، فقد جاء في «الدر المختار" (٢/ ٦٣٠) -وهو من أشهر كتب الحنفية-ما نصه:
(عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾).
ونحوه في «الفتاوى الهندية" (٥/ ٢٨٠).وقال القُدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ «شرح الكرخي" في (باب الكراهة): (قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، قال القُدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا).نقله شيخ الإسلام في «القاعدة الجليلة" وقال الزبيدي في «شرح الإحياء" (٢/ ٢٨٥): (كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام، ونحو ذلك، إذ ليس لأحد على الله حق، وكذلك كره أبو حنيفة ومحمد أن يقول الداعي: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، وأجازه أبو يوسف لما بلغه الأثر فيه).
أقول: لكن الأثر المشار إليه باطل لا يصح، رواه ابن الجوزي في
[ ٣ / ٦٠٩ ]
"الموضوعات" وقال: (هذا حديث موضوع بلا شك)، وأقره الحافظ الزيلعي في «نصب الراية" (٢٧٣) فلا يحتج به، وإن كان قول القائل: (أسألك بمعاقد العز من عرشك) يعود إلى التوسل بصفة من صفات الله ﷿، فهو توسل مشروع بأدلة أخرى كما سبق، تغني عن هذا الحديث الموضوع. قال ابن الاثير ﵀: (أسألك بمعاقد العز من عرشك، أي بالخصال التي استحق بها العرش العز، أو بمواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه: بعز عرشك، وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ من الدعاء).
فعلى الوجه الأول من هذا الشرح، وهو الخصال التي استحق بها العرش العز، يكون توسلًا بصفة من صفات الله تعالى فيكون جائزًا، وأما على الوجه الثاني الذي هو مواضع انعقاد العز من العرش، فهو توسل بمخلوق فيكون غير جائز، وعلى كلٍ فالحديث لا يستحق زيادة في البحث والتأويل لعدم ثبوته، فنكفي بما سبق.
"التوسل" (ص٢٩ - ٤٩)
[٢٣٢] باب بيان بعض أنواع التوسل الشركي، ومناقشة
بعض الأدلة التي يستدل بها المخالفون على جوازه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم»
[قال الإمام]:
(لا أصل له)
[ ٣ / ٦١٠ ]
وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في " القاعدة الجليلة ".ومما لا شك فيه أن جاهه - ﵌ - ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى موسى بقوله: [وكان عند الله وجيها]، ومن المعلوم أن نبينا محمدا - ﵌ - أفضل من موسى، فهو بلا شك أوجه منه عند ربه ﷾، ولكن هذا شيء والتوسل بجاهه - ﵌ - شيء آخر، فلا يليق الخلط بينهما كما يفعل بعضهم، إذ أن التوسل بجاهه - ﵌ -.
يقصد به من يفعله أنه أرجى لقبول دعائه، وهذا أمر لا يمكن معرفته بالعقل إذ أنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل في إدراكها، فلابد فيه من النقل الصحيح الذي تقوم به الحجة، وهذا مما لا سبيل إليه البتة، فإن الأحاديث الواردة في التوسل به - ﵌ - تنقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، أما الصحيح فلا دليل فيه البتة على المدعى مثل توسلهم به - ﵌ - في الاستسقاء، وتوسل الأعمى به - ﵌ - فإنه توسل بدعائه - ﵌ - لا بجاهه ولا بذاته - ﵌ -، ولما كان التوسل بدعائه - ﵌ - بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن كان بالتالي التوسل به - ﵌ - بعد وفاته غير ممكن وغير جائز.
ومما يدلك على هذا أن الصحابة ﵃ لما استسقوا في زمن عمر توسلوا بعمه - ﵌ - العباس، ولم يتوسلوا به - ﵌ -، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه - ﵌ - ولذلك توسلوا بعده - ﵌ - بدعاء عمه لأنه ممكن ومشروع، وكذلك لم ينقل أن أحدًا من العميان توسل بدعاء ذلك الأعمى، ذلك لأن السر ليس في قول الأعمى: " اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة "، وإنما السر الأكبر في دعائه - ﵌ - له كما يقتضيه وعده - ﵌ - إياه بالدعاء له، ويشعر به قوله في دعائه " اللهم فشفعه في " أي اقبل شفاعته - ﵌ - أي دعاءه في " وشفعني فيه " أي اقبل شفاعتي أي دعائي في قبول
[ ٣ / ٦١١ ]
دعائه - ﵌ - في، فموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء كما يتضح للقاريء الكريم بهذا الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذ أنكره الإمام أبو حنيفة فقال: أكره أن يسأل الله إلا بالله، كما في " الدر المختار " وغيره من كتب الحنفية.
وأما قول الكوثري في مقالاته (ص ٣٨١): وتوسُّل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل " تاريخ الخطيب " بسند صحيح فمن مبالغاته بل مغالطاته فإنه يشير بذلك إلى ما أخرجه الخطيب (١/ ١٢٣) من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: "إنى لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم- يعني زائرًا- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني
حتى تقضى".
فهذه رواية ضعيفة بل باطلة فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو عمرو- بفتح العين- بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسى وقد ترجمه الخطيب (١٢/ ٢٢٦) وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجًاّ سنة (٣٤١) ولم يذكر فيه جرحًاّ ولا تعديلًا فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (٢٤٧) على أكثر الأقوال، فبين وفاتيهما نحومائة سنة فيبعد أن يكون قد أدركه.
وعلى كل حال فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل وقد ذكر شيخ الإسلام في " اقتضاء الصراط المستقيم " معنى هذه الرواية ثم أثبت بطلانها فقال (ص ١٦٥): هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فالشافعي
[ ٣ / ٦١٢ ]
لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده؟! ثم (إن) أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره، ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف.
وأما القسم الثاني من أحاديث التوسل فهي أحاديث ضعيفة تدل بظاهرها على التوسل المبتدع، فيحسن بهذه المناسبة التحذير منها والتنبيه عليها، فمنها:
" الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين ". ضعيف.
رواه الطبراني في " الكبير " (٢٤/ ٣٥١ - ٣٥٢) و" الأوسط " (١/ ١٥٢،١٥٣ - الرياض)، ومن طريقه أبو نعيم في " حلية الأولياء " (٣/ ١٢١): حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال روح بن صلاح قال: حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول ومن طريقه أبو نعيم في " حلية الأولياء " (٣/ ١٢١) عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي ﵄ دعا أسامه بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما أسود يحفرون فلما فرغ، دخل رسول الله - ﵌ - فاضطجع فيه فقال فذكره، وقال
[ ٣ / ٦١٣ ]
الطبراني: تفرد به روح بن صلاح.
قلت: قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٩/ ٢٥٧): وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وفي قوله: وبقية رجاله رجال الصحيح نظر رجيح، ذلك لأن زغبة هذا ليس من رجال الصحيح، بل لم يرو له إلا النسائي، أقول هذا مع العلم أنه في نفسه ثقة.
بقي النظر في حال روح بن صلاح وقد تفرد به كما قال الطبراني، فقد وثقه ابن حبان والحاكم كما ذكر الهيثمي، ولكن قد ضعفه من قولهم أرجح من قولهما لأمرين: الأول: أنه جرح والجرح مقدم على التعديل بشرطه.
والآخر: أن ابن حبان متساهل في التوثيق فإنه كثيرًا ما يوثق المجهولين حتى الذين يصرح هو نفسه أنه لا يدري من هو ولا من أبوه؟ كما نقل ذلك ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي "، ومثله في التساهل الحاكم كما لا يخفى على المتضلع بعلم التراجم والرجال، فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى ولوكان الجرح مبهما لم يذكر له سبب، فكيف مع بيانه كما هو الحال في ابن صلاح هذا؟! فقد ضعفه ابن عدي (٣/ ١٠٠٥)، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني: ضعيف في الحديث، وقال ابن ماكولا: ضعفوه، وقال ابن عدي بعد أن خرج له حديثين: وفي بعض حديثه نكارة.
فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيف هذا الرجل، وبينوا أن السبب روايته المناكير، فمثله إذا تفرد بالحديث يكون منكرًا لا يحتج به، فلا يغتر بعد هذا بتوثيق من سبق ذكره إلا جاهل أو مغرض.
ومما تقدم يتبين للمنصف أن الشيخ زاهدا الكوثري ما أنصف العلم حين
[ ٣ / ٦١٤ ]
تكلم على هذا الحديث محاولًا تقويته حيث اقتصر على ذكر التوثيق السابق في روح بن صلاح دون أن يشير أقل إشارة إلى أن هناك تضعيفا له ممن هم أكثر وأو ثق ممن وثقه! انظر (ص ٣٧٩) من " مقالات الكوثرى " نفسه!.
ومن عجيب أمر هذا الرجل أنه مع سعة علمه يغلب عليه الهوى والتعصب للمذهب ضد أنصار السنة وأتباع الحديث الذين يرميهم ظلما بالحشوية، فتراه هنا يميل إلى تقوية هذا الحديث معتمدًا على توثيق ابن حبان ما دام هذا الحديث يعارض ما عليه أنصار السنة!
فإذا كان الحديث عليه لا له، فتراه يرده وإن كان ابن حبان صححه أو
وثق رواته!
فانظر إليه مثلًا يقول في حديث مُضيه - ﵌ - في صلاته بعد خلع النعل النجسة، وقد أخرجه ابن حبان والحاكم في " صحيحيهما " قال: وتساهل الحاكم وابن حبان في التصحيح مشهور!! (انظر ص ١٨٥) من " مقالاته ".
والحديث صحيح كما بينته في " صحيح أبي داود " وإعلاله بتساهل المذكورين تدليس خبيث، لأنه ليس فيه من لم يوثقه غيرهما، بل رجاله كلهم رجال مسلم.
وانظر إليه في كلامه على حديث الأوعال وتضعيفه إياه وهو في ذلك مصيب تراه يعتمد في ذلك على أن راويه عبد الله بن عميرة مجهول، ثم يستدرك في التعليق فيقول (ص ٣٠٩): نعم ذكره ابن حبان في الثقات، لكن طريقته في ذلك أن يذكر في الثقات من لم يطلع على جرح فيه، فلا يخرجه ذلك عن حد الجهالة عند الآخرين، وقد رد ابن حجر شذوذ ابن حبان هذا في " لسان الميزان ".
[ ٣ / ٦١٥ ]
قلت: فقد ثبت بهذه النقول عن الكوثري أن من مذهبه عدم الاعتماد على توثيق ابن حبان والحاكم لتساهلهما في ذلك، فكيف ساغ له أن يصحح الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه لمجرد توثيقهما لراويه روح بن صلاح، ولاسيما أنه قد صرح غيرهما ممن هو أعلم منهما بالرجال بتضعيفه؟! اللهم لولا العصبية المذهبية لم يقع في مثل هذه الخطيئة، فلا تجعل اللهم تعصبنا إلا للحق
حيثما كان.
ومن الأحاديث الضعيفة في التوسل وهي في الوقت نفسه تدل على تعصب الكوثري، الحديث الآتي:
«من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له ألف ملك».
ضعيف.
أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٦١ - ٢٦٢) وأحمد (٣/ ٢١) والبغوي في " حديث علي بن الجعد " (٩/ ٩٣/٣) وابن السني (رقم ٨٣) من طريق فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا به.
وهذا سند ضعيف من وجهين، الأول: فضيل بن مرزوق وثقه جماعة وضعفه آخرون، وقول الكوثري في بعض " مقالاته " (٣٩٣): وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ولم يضعفه سواه وجرحه غير مفسر، بل وثقه البستي. فيه أخطاء مكشوفة:
أولًا: قوله لم يضعفه غير أبي حاتم، فإنه باطل، وما أظن هذا يخفى على
[ ٣ / ٦١٦ ]
مثله، فإن في ترجمته من " التهذيب " بعد أن حكى أقوال الموثقين له ما نصه: وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث صدوق يهم كثيرا يكتب حديثه.
قلت: يحتج به؟ قال: لا.
وقال النسائي: ضعيف قال مسعود عن الحاكم: ليس هو من شرط الصحيح.
وقد عيب على مسلم إخراجه لحديثه، قال ابن حبان في الثقات: يخطئ، وقال في " الضعفاء": كان يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات.
فأنت ترى أنه قد ضعفه مع أبي حاتم النسائي والحاكم وابن حبان مع أنهما من المتساهلين في التوثيق كما تقدم.
ثانيًا: قوله: وجرحه غير مفسر.
فهذا غير مسلم به، بل هو مفسر في نفس كلام أبي حاتم الذي نقلته، وهو قوله: يهم كثيرًا، وقد اعتمد الحافظ ابن حجر هذا القول فقال في ترجمته: "صدوق يهم "، فمن كان يهم في حديثه كثيرًا، فلا شك أنه لا يحتج به كما هو مقرر في محله من علم المصطلح.
ثالثًا: قوله: بل وثقه البستي.
قلت: البستي هو ابن حبان، وإنما عدل الكوثري عن التصريح باسم (ابن حبان) إلى ذكر نسبته (البستي) تدليسًا وتمويهًا، وقد علمت أن ابن حبان كان له فيه قولان، فمرة أورده في " الثقات " (٧/ ٣١٦) وأخرى في " الضعفاء " (٢/ ٢٠٩) والاعتماد على هذا أولى من الأول، لأنه بين فيه سبب ضعفه، فهو جرح مفسر يقدم على التعديل كما تقرر في المصطلح أيضًا.
[ ٣ / ٦١٧ ]
الوجه الثاني في تضعيف الحديث: أنه من رواية عطية العوفي، وهو
ضعيف أيضًا.
قال الحافظ في " التقريب ": صدوق يخطيء كثيرا كان شيعيًا مدلسًا، فهذا جرح مفسر يقدم على قول من وثقه مع أنهم قلة، وقد خالفوا جمهور الأئمة الذين ضعفوه وتجد أقوالهم في " تهذيب التهذيب " وعبارة الحافظ التي نقلتها عن " التقريب " هي خلاصة هذه الأقوال كما لا يخفى على البصير بهذا العلم فلا نطيل الكلام بذكرها، ولهذا جزم الذهبي في " الميزان " بأنه ضعيف.
أما تدليسه فلابد من بيانه هاهنا لأن به تزول شبهة يأتي حكايتها، فقال ابن حبان في " الضعفاء " ما نصه:
سمع من أبي سعيد أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبي يحضر بصفته، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله - ﵌ - كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك هذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبي!
قال: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب.
فهل تدري أيها القارئ الكريم ما كان موقف الشيخ الكوثري تجاه تلك الأقوال المشار إليها في تضعيف الرجل؟ إنه لم يشر إليها أدنى إشارة واكتفى بذكر أقوال القلة الذين وثقوه، الأمر الذي ينكره على خصومه (انظر ص ٣٩٢ من "مقالاته ") وليته وقف عند هذا، بل إنه أو هم أن سبب تضعيفه أمر لا يصلح أن يكون جرحًا فقال (ص ٣٩٤): وعطية جرح بالتشيع، لكن حسن له الترمذي
عدة أحاديث.
[ ٣ / ٦١٨ ]
وقصده من هذا إفساح المجال لتقديم أقوال الموثقين بإيهام أن المضعفين إنما ضعفوه بسبب تشيعه، وهو سبب غير جارح عند المحققين، مع أن السبب في الحقيقة إنما هو خطأه كثيرًا كما تقدم في كلام الحافظ ابن حجر، فانظر كم يبعد التعصب بصاحبه عن الإنصاف والحق!
وأما تحسين الترمذي له فلا حجة فيه بعد قيام المانع من تحسين الحديث، والترمذي متساهل في التصحيح والتحسين، وهذا شيء لا يخفى على الشيخ- عفا الله عنا وعنه- فقد نقل هو نفسه في كلامه على حديث الأوعال الذي سبقت الإشارة إليه عن ابن دحية إنه قال: كم حسن الترمذي من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية؟! وعن الذهبي أنه قال: لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي (انظر ص ٣١١ من " مقالات الكوثرى ").
فانظر كيف يجعل كلام الرجل في موضع حجة، وفي آخر غير حجة!! ثم أجاب عن شبهة التدليس بقوله: وبعد التصريح بالخدري لا يبقى احتمال التدليس ولاسيما مع المتابعة.
يعني أن عطية قد صرح بأن أبا سعيد في هذا الحديث هو الخدري، فاندفعت شبهة كونه هو الكلبي الكذاب.
قلت: وهذا دفع هزيل، فالشبهة لا تزال قائمة، لأن ابن حبان صرح كما تقدم نقله عنه أن عطية لما كان يحدث عن الكلبي ويكنيه بأبي سعيد كان الذين يسمعون الحديث عنه يتوهمون أنه يريد الخدري، فمن أين للشيخ الكوثري أن التصريح بالخدري إنما هو من عطية وليس من توهم الراوي عنه أو من وهمه فقد علمت أنه كان سيء الحفظ؟! هذان احتمالان لا سبيل إلى ردهما وبذلك تبقى
[ ٣ / ٦١٩ ]
شبهة التدليس قائمة.
وأما المتابعة التي أشار إليها فهي ما فسره بقوله قبل: ولم ينفرد عطية عن الخدري، بل تابعه أبو الصديق عنه في رواية عبد الحكم بن ذكوان، وهو ثقة عند ابن حبان، وإن أعله به أبو الفرج في علله.
قلت: لقد عاد الشيخ إلى الاعتداد بتوثيق ابن حبان مع اعترافه بشذوذه في ذلك كما سبق النقل عنه، هذا مع قول ابن معين في ابن ذكوان هذا: لا أعرفه، فإذا لم يعرفه أمام الجرح والتعديل، فأنى لابن حبان أن يعرفه؟!
فتبين أن لا قيمة لهذا المتابع لجهالة الراوي عنه، فإعلال أبي الفرج للحديث به حق لا غبار عليه عند من ينصف!
ثم بدا لي وجه ثالث في تضعيف الحديث وهو اضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته حيث أنه رواه تارة مرفوعا كما تقدم، وأخرى موقوفًا على أبي سعيد كما رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١٢/ ١١٠/١) عن ابن مرزوق به موقوفًا، وفي رواية البغوي من طريق فضيل قال: أحسبه قد رفعه، وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (٢/ ١٨٤): موقوف أشبه.
ثم إن الشيخ حاول أن يشد من عضد الحديث بأن أوجد له طريقا أخرى فقال: وأخرج ابن السني في عمل " اليوم والليلة " بسند فيه الوازع عن بلال، (كذا) وليس فيه عطية ولا ابن مرزوق.
قلت: ولم يزد الشيخ على هذا فلم يبين ما حال هذا الوازع وهل هو ممن يصلح أن يستشهد به، أو هل عنده وازع يمنعه من رواية الكذب؟ ولو أنه بين ذلك لظهر لكل ذي عينين أن روايته لهذا الحديث وعدمها سواء، ذلك لأنه ضعيف بمرة
[ ٣ / ٦٢٠ ]
عند أئمة الحديث بلا خلاف عندهم، حتى قال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدًّا ليس بشىء، وقال لابنه: اضرب على أحاديثه فإنها منكرة.
بل قال الحاكم- على تساهله-: روى أحاديث موضوعة! وكذا قال غيره، وهو الوازع بن نافع العقيلي.
فمن كان هذا حاله في الرواية لا يعتضد بحديثه ولا كرامة حتى عند الشيخ نفسه فاسمع إن شئت كلامه في ذلك (ص ٣٩) من " مقالاته ":
" إن تعدد الطرق إنما يرفع الحديث إلى مرتبة الحسن لغيره إذا كان الضعف في الرواة من جهة الحفظ والضبط فقط، لا من ناحية تهمة الكذب، فإن كثرة الطرق لا تفيد شيئا إذ ذاك ".
ومن هنا يتبين للقارئ اللبيب لم سكت الشيخ عن بيان حال الوازع هذا!
وجملة القول أن هذا الحديث ضعيف من طريقيه وأحدهما أشد ضعفًا من الآخر، وقد ضعفه البوصيرى والمنذري وغيرهما من الأئمة، ومن حسنه فقد وهم أو تساهل، وقد تكلمت على حديث بلال هذا، وكشفت عن تدليس الكوثري فيما سيأتي (٦٢٥٢).
ومن الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة في التوسل:
" لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك،
[ ٣ / ٦٢١ ]
فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك ".
موضوع.
أخرجه الحاكم في " المستدرك " (٢/ ٦١٥) وعنه ابن عساكر (٢/ ٣٢٣/٢) وكذا البيهقي في باب ما جاء فيما تحدث به - ﵌ - بنعمة ربه من " دلائل النبوة " (٥/ ٤٨٨) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل ابن مسلمة، نبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعا، وقال الحاكم:
صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
فتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع، وعبد الرحمن واه، وعبد الله بن مسلم الفهري لا أدري من هو.
قلت: والفهري هذا أورده في " ميزان الاعتدال " لهذا الحديث وقال: خبر باطل رواه البيهقي في " دلائل النبوة " وقال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وهو ضعيف.
وأقره ابن كثير في " تاريخه " (٢/ ٣٢٣) ووافق الحافظ ابن حجر في " اللسان " أصله " الميزان " على قوله: خبر باطل وزاد عليه قوله في هذا الفهري: لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته.
قلت: والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رشيد، ذكره ابن حبان فقال: متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة لا يحل كتب حديثه، وهو
[ ٣ / ٦٢٢ ]
الذي روى عن ابن هدبة نسخة كأنها معمولة.
والحديث أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (٢٠٧) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن زيد ثم قال: لا يروي عن عمر إلا بهذا الإسناد.
وقال الهيثمي في " المجمع " (٨/ ٢٥٣): رواه الطبراني في " الأوسط " و" الصغير " وفيه من لم أعرفهم.
قلت: وهذا إعلال قاصر ما دام فيه عبد الرحمن بن زيد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة " (ص ٦٩): ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب " المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم ": عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.
قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا.
وصدق شيخ الإسلام في نقله اتفاقهم على ضعفه وقد سبقه إلى ذلك ابن الجوزي، فإنك إذا فتشت كتب الرجال، فإنك لن تجد إلا مضعفًا له، بل ضعفه جداّ علي بن المديني وابن سعد، وقال الطحاوى: حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف.
وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحق الترك.
وقال أبو نعيم نحو ما سبق عن الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة.
قلت: ولعل هذا الحديث من الأحاديث التي أصلها موقوف ومن الإسرائيليات، أخطأ عبد الرحمن بن زيد فرفعها إلى النبي - ﵌ -، ويؤيد هذا أن
[ ٣ / ٦٢٣ ]
أبا بكر الآجري أخرجه في " الشريعة " (ص ٤٢٧) من طريق الفهري المتقدم بسند آخر له عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه.
ورواه (ص ٤٢٢ - ٤٢٥) من طريق أبي مروان العثماني قال: حدثني أبي (في الأصل: ابن وهو خطأ) عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: " من الكلمات التي تاب الله ﷿ على آدم ﵇ أنه قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك .. " الحديث نحوه وليس فيه ادعني بحقه إلخ.
وهذا موقوف وعثمان وابنه أبو مروان ضعيفان لا يحتج بهما لو رويا حديثا مرفوعًا، فكيف وقد رويا قولًا موقوفًا على بعض أتباع التابعين، وهو قد أخذه- والله أعلم- من مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم، أو عن كتبهم التي لا ثقة لنا بها، كما بينه شيخ الإسلام في كتبه.
وكذلك رواه ابن عساكر (٢/ ٣١٠/٢) عن شيخ من أهل المدينة من أصحاب ابن مسعود من قوله موقوفا عليه وفيه مجاهيل.
وجملة القول: أن الحديث لا أصل له عنه - ﵌ -، فلا جرم أن حكم عليه بالبطلان الحافظان الجليلان الذهبي والعسقلاني كما تقدم النقل عنهما.
ومما يدل على بطلانه أن الحديث صريح في أن آدم ﵇ عرف النبي - ﵌ - عقب خلقه، وكان ذلك في الجنة، وقبل هبوطه إلى الأرض، وقد جاء في حديث إسناده خير من هذا على ضعفه أنه لم يعرفه إلا بعد نزوله إلى الهند وسماعه باسمه في الأذان! انظر الحديث (٤٠٣).
ومع هذا كله فقد جازف الشيخ الكوثري وصححه مع اعترافه بضعف عبد
[ ٣ / ٦٢٤ ]
الرحمن بن زيد لكنه استدرك (ص ٣٩١) فقال: إلا أنه لم يتهم بالكذب، بل بالوهم، ومثله ينتقى بعض حديثه.
قلت: لقد بلغ به الوهم إلى أنه روى أحاديث موضوعة كما تقدم عن الحاكم وأبي نعيم، فمثله لا يصلح أن ينتقى من حديثه حتى عند الكوثري لولا العصبية والهوى، فاسمع إن شئت ما قاله (ص ٤٢) في صدد حكمه بالوضع على حديث " إياكم وخضراء الدمن " وقد تقدم برقم (١٤).
وإنما مدار الحكم على الخبر بالوضع أو الضعف الشديد من حيث الصناعة الحديثية هو انفراد الكذاب أو المتهم بالكذب أو الفاحش الخطأ به.
وقد علمت مما سبق أن مدار الحديث على عبد الرحمن بن زيد الفاحش الخطأ، فيكون حديثه ضعيفًا جدًاّ على أقل الأحوال عنده لو أنصف!
ومن عجيب أمره أنه يقول عقب عبارته السابقة (ص ٣٩١): وهذا هو الذي فعله الحاكم حيث رأى أن الخبر مما قبله مالك فيما روى ابن حميد عنه حيث قال لأبي جعفر المنصور: وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇.
فمن أين له أن الحاكم رأى أن الخبر مما قبله مالك؟! فهل يلزم من كون الرجل كان حافظًا أنه كان يحفظ كل شيء عن أي إمام، هذا ما لا يقوله إنسان؟! فمثل هذا لابد فيه من نقل يصرح بأن الحاكم رأى وإلا فمن ادعى ذلك فقد قفا ما ليس له به علم.
ثم هب أن مالكا قَبٍلَ الخبر، فهل ذلك يلزم غيره أن يقبله وهو لم يذكر إسناده المتصل منه إلى النبي - ﵌ -، أفلا يجوز أن يكون ذلك من الإسرائيليات التي تساهل العلماء في روايتها عن بعض مسلمة أهل الكتاب مثل كعب الأحبار، فقد
[ ٣ / ٦٢٥ ]
كان يروي عنه بعضها ابن عمر وابن عباس وأبوهريرة باعتراف الكوثري نفسه (ص ٣٤ - " مقالة كعب الأحبار والإسرائيليات ") فإذا جاز هذا لهؤلاء، أفلا يجوز ذلك لمالك؟ بلى ثم بلى.
فثبت أن قول مالك المذكور لا يجوز أن يكون شاهدًا مقويًاّ للحديث المروى عن النبي - ﵌ -.
وهذا كله يقال لوثبت ذلك عن مالك، كيف ودون ثبوته خرط القتاد! فإنه يرويه عنه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي في الراجح عند الكوثري ثم اعتمد هو على توثيق ابن معين إياه وثناء أحمد والذهلي عليه، وتغافل عن تضعيف جمهور الأئمة له، بل وعن تكذيب كثيرين منهم إياه، مثل أبي حاتم والنسائي وأبي زرعة وصرح هذا أنه كان يتعمد الكذب، ومثل ابن خراش فقد حلف بالله أنه كان يكذب، وقال صالح بن محمد الأسدي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه، وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد، وما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه، وقال أيضًا: ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين سليمان الشاذكوني ومحمد ابن حميد، كان يحفظ حديثه كله.
وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لوحدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، ولوعرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلًا.
فهذه النصوص تدل على أن الرجل كان مع حفظه كذابًا، والكذب أقوى أسباب الجرح وأبينها، فكيف ساغ للشيخ تقديم التعديل على الجرح المفسر مع أنه خلاف معتقده؟! علم ذلك عند من يعرف مبلغ تعصبه على أنصار السنة وأهل الحديث، وشدة عداوته إياهم سامحه الله وعفا عنه.
[ ٣ / ٦٢٦ ]
فتبين مما ذكرناه أن هذه القصة المروية عن مالك قصة باطلة موضوعة، وقد حقق القول في ذلك على طريقة أخرى شيخ الإسلام في " القاعدة الجليلة " (١/ ٢٢٧ - ضمن مجموع الفتاوى) وابن عبد الهادي في " الصارم المنكي " فليراجعهما من أراد المزيد من الاطلاع على بطلانها، فإن فيما أوردت كفاية.
وبذلك ثبت وضع حديث توسل آدم بالنبي - ﵌ -، وخطأ من خالف.
ولقد أطلت كثيرًا في تحقيق الكلام عليه وعلى الأحاديث التي قبله، وما كنت أود ذلك لولا أنى وجدت نفسي مضطرًاّ لذلك، لما وقفت على مغالطات الشيخ الكوثري، فرأيت من الواجب الكشف عنها لئلَّا يغتر بها من لا علم له بما هنالك! فمعذرة إلى القراء الكرام.
هذا وإن من الآثار السيئة التي تركتها هذه الأحاديث الضعيفة في التوسل أنها صرفت كثيرًا من الأمة عن التوسل المشروع إلى التوسل المبتدع، ذلك لأن العلماء متفقون- فيما أعلم- على استحباب التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته تعالى، وعلى توسل المتوسل إليه تعالى بعمل صالح قدمه إليه ﷿.
ومهما قيل في التوسل المبتدع فإنه لا يخرج عن كونه أمرًا مختلفًا فيه، فلو أن الناس أنصفوا لانصرفوا عنه احتياطًا وعملًا بقوله - ﵌ - «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» إلى العمل بما أشرنا إليه من التوسل المشروع، ولكنهم مع الأسف أعرضوا عن هذا وتمسكوا بالتوسل المختلف فيه كأنه من الأمور اللازمة التي لابد منها ولازموها ملازمتهم للفرائض! فإنك لا تكاد تسمع شيخًا أو عالمًا يدعو بدعاء يوم الجمعة وغيره إلا ضمنه التوسل المبتدع، وعلى العكس من ذلك فإنك
[ ٣ / ٦٢٧ ]
لا تكاد تسمع أحدهم يتوسل بالتوسل المستحب كأن يقول مثلا: "اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد لا إله ألا أنت، وحدك لا شريك لك، المنان، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك " مع أن فيه الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى كما قال - ﵌ - فيما
صح عنه.
فهل سمعت أيها القارئ الكريم أحدًا يتوسل بهذا أو بغيره مما في معناه؟ أما أنا فأقول آسفًا: إننى لم أسمع ذلك، وأظن أن جوابك سيكون كذلك، فما السبب في هذا؟ ذلك هو من آثار انتشار الأحاديث الضعيفة بين الناس، وجهلهم بالسنة الصحيحة، فعليكم بها أيها المسلمون علمًا وعملًا تهتدوا وتعزُّوا.
وبعد طبع ما تقدم اطلعت على رسالة في جواز التوسل المبتدع لأحد مشايخ الشمال المتهورين، متخمة بالتناقض الدال على الجهل البالغ، وبالضلال والأباطيل والتأويلات الباطلة والافتراء على العلماء بل الإجماع! مثل تجويز الاستغاثة بالموتى والنذر لهم، وزعمه أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان! وغير ذلك مما لا يقول به عالم مسلم، كما أنه حشاها بالأحاديث الضعيفة والواهية كما هي عادته في كل ما له من رسائل- وليته سكت عنها، بل إنه صحح بعض ما هو معروف منها بالضعف كقوله (ص ٤٢) وفي الأحاديث الصحيحة: " إن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده " وغير ذلك مما لا يمكن البحث فيه الآن.
وإنما القصد أن أنبه القراء على ما وقع في كلامه على الأحاديث المتقدمة في التوسل من التدليس بل الكذب المكشوف ليوهمهم صحتها، كي يكونوا في حذر منه ومن أمثاله من الذين لا يتقون الله فيما يكتبون، لأن غرضهم الانتصار
[ ٣ / ٦٢٨ ]
لأهوائهم وما وجدوا عليه آبائهم وأمهاتهم.
فحديث أنس (رقم ٢٣) الذي فيه «اغفر لأمي فاطمة .. بحق نبيك ..» الذي بينا ضعف إسناده، أوهم هو أنه صحيح بتمكسه بتوثيق ابن حبان والحاكم لروح بن صلاح! وقد أثبتنا ضعف هذا الراوي وعدم اعتداد العلماء بتوثيق المذكورين فتذكر، كما أثبتنا عدم أمانة الكوثري في النقل واتباعه للهوى وقد جرى على طريقته هذه مؤلف هذه الرسالة بل زاد عليه! فإنه بعد أن ساق الحديث موهما القارئ أنه صحيح قال عقبه (ص ١٥):
ولهذا طرق منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في " المعرفة " والديلمي في " الفردوس " بإسناد حسن كما قاله الحافظ السيوطي.
فهذا كذب منه على ابن عباس ﵁- وربما على السيوطي أيضا- فليس في حديث ابن عباس موضع الشاهد من حديث أنس وهو قوله " بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي فإنك أرحم الراحمين " وذلك مما يوهن هذه الزيادة ولا يقويها خلافا لمحاولة المؤلف الفاشلة المغرضة!
وأما حديث عمر (رقم ٢٥) فقال في تخريجه (ص ١٥): وأخرج البيهقي في " دلائل النبوة " وقد التزم أن لا يذكر في هذا الكتاب حديثًا موضوعًا.
قلت: والجواب من وجهين:
الأول: أن الالتزام المذكور غير مسلم به، فقد أخرج فيه غيرما حديث موضوع وقد نص على ذلك بعض النقاد، ومن يتتبع مقالاتنا هذه في الأحاديث الضعيفة والموضوعة يجد أمثلة على ذلك وحسبك دليلا الآن هذا الحديث فقد حكم عليه الحافظان الذهبي والعسقلاني بأنه حديث باطل كما سبق، فما
[ ٣ / ٦٢٩ ]
بال المؤلف يتغاضى عن حكمهما وهما المرجع في هذا الشأن ويتعلق بالمتشابه من الكلام؟!.
الآخر: أن البيهقي الذي أخرجه في " الدلائل " قد ضعف الحديث فيه كما سبق نقله عنه، فإن لم يكن الحديث عنده موضوعا فهو على الأقل ضعيف، فهو حجة على الشيخ الذي يحاول بتحريف الكلام أن يجعله صحيحا؟!
ثم نقل المؤلف تخريج الحاكم للحديث وتصحيحه إياه، وتغاضى أيضا عن تعقب الذهبي إياه الذي سبق أن ذكرناه، والذي يصرح فيه أنه حديث موضوع! كما تغاضى عن حال راويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، الذي اتهمه الحاكم نفسه بالوضع!
وعن غيره ممن لا يعرف حاله أو هو متهم، وعن قول الحافظ الهيثمي في الحديث فيه من لم أعرفهم!.
عجبًا من هذا المؤلف وأمثاله إنهم يزعمون أن باب الاجتهاد قد أغلق على الناس فليس لهم أن يجتهدوا لا في الحديث تصحيحًا وتضعيفًا، ولا في الفقه، ترجيحًا وتفريعًا، ثم هم يجتهدون فيما لا علم لهم فيه البتة، وهو علم الحديث، ويضربون بكلام ذوي الاختصاص عرض الحائط! ثم هم إن قلدوا قلدوا دون علمٍ متبعين أهواءهم، وإلا فقل لي بالله عليك: إذا صحح الحاكم حديثًا- وهو معروف بتساهله في ذلك- ورده عليه أمثال الذهبي والهيثمي والعسقلاني أفيجوز والحالة هذه التعلق بتصحيح الحاكم؟! اللهم إن هذا لا يقول به إلا جاهل أو مغرض! اللهم فاحفظنا من اتباع الهوى حتى لا يضلنا عن سبيلك.
ثم زعم المؤلف (ص ١٦) أن الإمام مالكًا قد صح عنده محل الشاهد من
[ ٣ / ٦٣٠ ]
هذا الحديث حيث قال للخليفة العباسى: ولم تصرف وجهك عنه - ﵌ - وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم؟.
وقد بينا فيما سلف بطلان نسبة هذه القصة إلى مالك، وأما المؤلف فلا يهمه التحقق من ذلك، وسيان عنده أثبتت أو لم تثبت، ما دام أنها تؤيد هواه وبدعته إذ الغاية عنده تسوغ الوسيلة!.
ومن تهو ر هذا المؤلف وجهله أنه يصرح (ص ١٢): أن التوسل برسول الله - ﵌ - وسائر الأنبياء والأولياء والصالحين والاستغاثة بهم مما أجمعت عليه الأمة قبل ظهور هذا المبتدع ابن تيمية الذي جاء في القرن الثامن الهجري
وابتدع بدعته!.
فإن إنكار التوسل بغير الله تعالى مما صرح به بعض الأئمة الأولين المعترف بفضلهم وفقههم، وقد نقلنا نص أبي حنيفة في ذلك (ص ٧٧) من الكتب الموثوق بها من كتب الحنفية وفيها عن صاحبيه الإمام محمد وأبي يوسف نحو ذلك مما يعتبر قاصمة الظهر لهؤلاء المبتدعة، فأين الإجماع المزعوم أيها المتهور؟! وإن من أكبر الافتراء على الإجماع أن ينسب إليه هذا المؤلف جواز الاستغاثة بالأموات من الصالحين؟ وهذه ضلالة كبري لم يقل بها- والحمد لله- أحد من سلف الأمة وعلمائها، ونحن نتحدى المؤلف وغيره من أمثاله أن يأتينا ولو بشبه نص عنهم في جواز ذلك، بل المعروف في كتب أتباعهم خلاف ذلك ولولا ضيق المجال لنقلنا بعض النصوص عنهم.
وأما حديث أبي سعيد الخدري (رقم ٢٤) فاكتفى المؤلف (ص ٣٦) بأن نقل تحسينه عن بعض العلماء، وقد بينا خطأ ذلك من وجوه بما لا مرد لها فأغنى عن
[ ٣ / ٦٣١ ]
الإعادة، والمؤلف لا يهمه مطلقا التحقيق العلمي لأنه ليس من أهله، بل هو يتعلق في سبيل تأييد هواه بالأوهام ولو كانت كخيوط القمر أو مدد الأموات!.
وبهذه المناسبة أريد أن أقول كلمة وجيزة من جهة استدلال المؤلف بهذا الحديث وأمثاله على التوسل المبتدع فأقول: إن حق السائلين على الله تعالى هو أن يجيب دعاءهم، فلو صح هذا الحديث وما في معناه فليس فيه توسل مَّا إلى الله بالمخلوق، بل هو توسل إليه بصفة من صفاته وهي الإجابة، وهذا أمر مشروع خارج عن محل النزاع فتأمل منصفًا، وبهذا يسقط قول هذا المؤلف عقب الحديث: فالنبى - ﵌ - توسل بالسائلين الأحياء والأموات، لأننا نقول هذا من تحريف الكلم فإننا نقول- إنما توسل- لو صح الحديث بحق السائلين، وعرفت المعنى الصحيح- وبحق الممشى، وهو الإثابة من الله لعبده، وذلك أيضًا صفة من صفاته تعالى فأين التوسل المبتدع وهو التوسل بالذات؟!
وأنهي هذا الرد السريع بتنبيه القراء الكرام إلى أمرين آخرين وردا في الرسالة المذكورة: الأمر الأول ذكر (ص ١٦) حديث الأعمى وقد سبق بيان معناه، ثم أتبعه بذكر قصة عثمان بن حنيف مع الرجل صاحب الحاجة وكيف أنه شكي إليه أنه يدخل على عثمان بن عفان فلا يلتفت إليه! فأمره ابن حنيف أن يدعو بدعاء الأعمى فدخل على عثمان بن عفان فقضى له حاجته! احتج المؤلف بهذه القصة على التوسل به - ﵌ - بعد وفاته.
وجوابنا من وجهين:
الأول: أنها قصة موقوفة، والصحابة الآخرون لم يتوسلوا مطلقًا به - ﵌ -
بعد وفاته، لأنهم يعلمون أن التوسل به معناه التوسل بدعائه وهذا غير ممكن كما سبق بيانه.
[ ٣ / ٦٣٢ ]
الآخر: أنها قصة لا تثبت عن ابن حنيف، وبيان ذلك في رسالتنا الخاصة " التوسل أنواعه وأحكامه " وقد سبقت الإشارة إليها.
ونحو ذلك أنه: ذكر (ص ٢٥) قصة مجيء بلال بن الحارث المزني الصحابي لما قحط الناس في عهد عمر إلى قبر النبي - ﵌ - ومنادته إياه: "يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا".
فهذه أيضا قصة غير ثابتة وأوهم المؤلف صحتها محرفًا لكلام بعض الأئمة، مقلدًا في ذلك بعض ذوي الأهواء قبله، وتفصيل ذلك في الرسالة المومئ إليها.
"الضعيفة" (١/ ٧٦ - ٩٩).
[٢٣٣] باب من التوسل البدعي
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يا أبا هريرة! إن الله تعالى يحب من خلقه الأصفياء الأَخْفِياء الأبرياء الشَّعِثَةَ رؤوسُهم، المُغْبَرَّة وجوههم، الخَمِصَة بطونهم؛ إلا من كسب الحلال، الذين إذا استأذنوا على الأمراء؛ لم يُؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعِّمات لم يُنكَحوا، وإن غابوا؛ لم يُفتقدوا، وإن حَضَروا؛ لم يُدْعَوا، وإن طلعوا؛ لم يُفرح بطلعتهم، وإن مَرِضوا؛ لم يُعاودوا، وإن ماتوا؛ لم يَشْهَدوا».
قالوا: يا رسول الله! كيف لنا برجل منهم؟ قال: «ذاك أويس القرني»، قالوا: وما أويس القرني؟ قال: «أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة آدم شديد الأدمة، ضارب بذقنه إلى صدره، رام بذقنه إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طِمْرين لا يُؤْبَه له، مُتَّزِرٌ بإزارِ
[ ٣ / ٦٣٣ ]
صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في أهل السماء، لو أقسم على الله؛ لأبر قسمه، ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة؛ قيل للعباد ادخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف فاشفع. فيُشَفِّعُه الله ﷿ في مثل عدد ربيعة ومُضَرَ، يا عمرُ ويا عليُّ، إذا أنتما لقيتماه؛ فاطلبا إليه أن يستغفر لكما يغفر الله تعالى لكما » الحديث بطوله.
(منكر جدًا)
[قال الإمام]:
أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٨٠ - ٨٢)، ومن طريقه الرافعي في "تاريخ قزوين " (١/ ٩١ - ٩٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق، (٣/ ٢٠٠ - ٢٠٢) من طريق سلمة بن شبيب: ثنا الوليد بن إسماعيل الحراني: ثنا محمد ابن إبراهيم بن عبيد؛ حدثني مخلد بن يزيد عن نوفل بن عبد الله عن الضحاك ابن مزاحم عن أبي هريرة قال: بينا رسول الله - ﵌ - في حلقة من أصحابه إذ قال: "ليصلين معكم غدًا رجل من أهل الجنة".قال أبو هريرة: فطمعت أن أكون أنا ذلك الرجل، فغدوت فصليت خلف النبي - ﵌ -، فأقمت في المسجد حتى انصرف الناس وبقيت أنا وهو، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل أسود متزر بخرقة، مرتد برقعة، فجاء حتى وضع يده في يد رسول الله - ﵌ - ثم قال: يا نبي الله ادع الله لي؛ فدعا النبي - ﵌ - له بالشهادة وإنا لنجد منه ريح المسك الأذفر، فقلت: يا رسول الله أهو هو؟ قال: "نعم! إنه لمملوك لبني فلان".قلت: أفلا تشتريه فتعتقه يا نبي الله؟ قال: "وأنى لي ذلك، إن كان الله تعالى يريد أن يجعله من ملوك الجنة يا أبا هريرة، إن لأهل الجنة ملوكًا وسادة، وإن هذا الأسود أصبح من ملوك الجنة وسادتهم. يا أبا هريرة " الحديث. وزاد بعده: قال: فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران
[ ٣ / ٦٣٤ ]
عليه إلى آخر القصة، وفيها طول لا حاجة بنا إلى ذكرها.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم منقطع؛ الضحاك بن مزاحم، قال الحافظ العلائي في "مراسيله " (ص ٢٤٣) وقد ذكر الضحاك هذا: "وقال أبو حاتم: لم يدرك أبا هريرة ولا أبا سعيد ﵃. وقال ابن حبان: أما رواياته عن أبي هريرة، وابن عباس وجميع من روى عنه، ففي ذلك كله نظر".
قلت: والسند إليه لا يصح؛ فيه ثلاثة ليس لهم ذكر في شيء من كتب التراجم التي عندي، وهم: الوليد بن إسماعيل، ومحمد بن إبراهيم، ونوفل بن عبد الله؛ فلم يترجمهم
البخاري ولا ابن أبي حاتم ولا ابن حبان، ولا الذين جاءوا من بعدهم، اللهم! إلا الأول منهم؛ فقد ذكره المزي في شيوخ سلمة بن شبيب. أقول: ومع جهالة هؤلاء والانقطاع المشروح آنفًا، لم يتورع السيوطي أن يقول في "اللآلئ" (١/ ٤٥١): "وسنده لا بأس به "! والعجيب حقًا أن ابن عراق في "التنزيه " (٢/ ٣٦) أقره على ذلك، ولم يتعقبه بشيء! وليتأمل القارئ اللبيب الفرق بين السيوطي وقوله هذا، وبين قول الحافظ الذهبي وقد ساق من هذا الحديث بعضه في كتابه "السير" (٤/ ٢٧ - ٢٨): " وهذا سياق منكر، لعله موضوع ".
وقد أورده ابن الجوزي في موضوعاته " (٢/ ٤٣ - ٤٤) من رواية ابن حبان، وهذا في "الضعفاء" (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨) من طريق محمد بن أيوب عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال:
بينما النبي - ﵌ - بفناء الكعبة إذ نزل عليه جبريل فقال: "يا محمد! إنه سيخرج من أمتك رجل يشفع، فيشفعه الله في عدد ربيعة ومضر، فإن أدركته؛ فسله الشفاعة
[ ٣ / ٦٣٥ ]
لأمتك، قال - ﵌ -: «اجبريل! ما اسمه وما صفته؛ قال: أما اسمه فأويس ».
قال ابن حبان: "فذكر حديثًا طويلًا في ورقتين، وهو باطل لا أصل له عن رسول الله - ﵌ -، ولا ابن عمر أسنده، ولا نافع حدث به، ولا مالك رواه. ومحمد بن أيوب يضع الحديث على مالك ".
وأقره ابن الجوزي؛ ولكنه قال فأفاد: "وقد وضعوا خبرًا طويلًا في قصة أويس من غير هذه الطريق؛ وإنما يصح عن أويس كلمات يسيرة جرت له مع عمر، وأخبره رسول الله - ﵌ - فقال: «يأتي عليكم أويس، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»، فأطال القصاص وأعرضوا (كذا) في حَدِيثِ أويس بما لا فائدة في الإطالة بذكره".
قلت: وحديث ابن عمر هذا قد ساقه بطوله ابن عساكر (ص ٢٠٨ - ٢١٠) من طريق محمد بن أيوب نفسه، وليس فيه حديث الترجمة، ولا في غيره من طرقه الكثيرة المختلفة عند ابن عساكر سندًا ومتنًا، طولًا وقصرًا، لكن فيه-مع الطول البالغ فيه- جملتان استنكرتهما جدًا:
الأولى: قول علي لأويس: "إنا نسألك بحق حرمنا هذا إلا أخبرتنا باسمك" .. فإنه توسل بمخلوق، وهو غير مشروع كما هو معلوم.
"الضعيفة" (١٣/ ١/٥٩٥ - ٥٩٩).
[٢٣٤] باب أقسام التوسل
المشروع وحكم التوسل غير المشروع
سؤال: فضيلة الشيخ! سائل يسأل يقول: ما هو التوسل المشروع، وما قولكم في التوسل بجاه النبي - ﵌ -، وما صحة الأحاديث التي وردت في التوسل بذات النبي - ﵌ - حيًا وميتًا؟
[ ٣ / ٦٣٦ ]
الشيخ: هذا بحث جديد، ولا أظن أنكم تصبرون عليه لا لرغبتكم عن العلم وإنما لشرطكم أن تسمعوا الجواب عما يمكن الجواب عنه وعن بقية الأسئلة، ولذلك فأنا سأوجز الجواب عن هذا السؤال بقدر ما أستطيع، فإن أطلت فلا مؤاخذة، وسلفًا أحيل إلى كتاب لمن كان حديثًا على القراءة والاطلاع إن لم يكن قد اطلع عليه البعض، ألا وهو الذي كنت سميته: "التوسل أنواعه وأحكامه"، وهو كتاب قد طبع مرارًا وتكرارًا.
التوسل نوعان: مشروع، وغير مشروع .. عبادة وغير عبادة.
أما التوسل المشروع: فهو توسل العبد إلى الله ﵎ باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته ﵎، أو بعمله الصالح، أو بدعاء أخيه المسلم، كما جاء في هذا القسم الأخير الاستسقاء بالصالحين كما فعل عمر بن الخطاب حينما أصيبوا في عام الرمادة، خرج يستسقي فقال: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون»، هذا هو الشرط المذكور، باسم من أسماء الله أو بصفة من صفات، أو بعمله الصالح، أو بدعاء الرجل الصالح، وبخاصة إذا كان من أهل البيت كالعباس عم النبي - ﵌ -.
ولعل من المستحسن والمفيد أن نذكركم، وقد لا يكون بعضكم سمع بالحديث الذي فيه مشروعية توسل الداعي إلى الله بعمله الصالح وليس بعمل غيره الطالح، ألا وهو حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال: بينما ثلاثة نفر ممن قبلكم يمشون في فلاة، إذ أصابهم المطر، فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليه، صخرة من الجبل سد عليهم طريق الخروج من الغار، فهم في مشكلة لا مغيث لهم إلا الله
[ ٣ / ٦٣٧ ]
﵎، فلما وجدوا أنفسهم مقبورين في ذلك الغار قال أحدهم: يا هؤلاء! ادعوا الله بأعمالكم الصالحة .. توسلوا إلى الله بعمل لكم صالح لعل الله يفرجها عنكم، فقام أحدهم داعيًا فقال: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وامرأتي، وكان لي صبية صغار أرعى عليهم.
وأظنكم تفهمون بدون شرح هذه الكلمات لأنها عربية أصيلة .. كان لي أبوان شيخان كبيران أرعى عليهم، فإذا أردت حلبت فبدأت بأبوي قبل بنيي، فنأى بي ذات يوم شجر فأرحت وقد أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، وجئت للخيام قد قمت على رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون من الجوع عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر ..
بقي واقفًا حذرًا أن يوقظ أبويه ليبدأ بهما كما هي عادته، يقول لعل هذا الأفضل لكن لا أريد أن أزعجهما أبدأ إذًا بالصبية الصغار وهم يتضاغون يصيحون جوعًا، إذًا: أبدأ بهما قبل أبوي، عاش هكذا مهلة أتى الصباح، وهذا من تمام تبجيله وتقديره لحق الأبوين على أولاده الصغار، لذلك قال: فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، قال: فاللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء، فانزاحت الصخرة شيئًا قليلًا، لكن لا يستطيعون الخروج.
حتى قام الرجل الثاني، فقال: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت منها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار، قال: فتعبت حتى جمعت لها مائة دينار، فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، وقمت عنها وتركت لها مائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا كربة، فانزاحت الصخرة أيضًا شيئًا قليلًا، ولكن لا يستطيعون الخروج.
يرون آيات الله واستجابة الله لدعاء عباده الصالحين ولكن لما تتم المعجزة بعد حتى يقوم الرجل الثالث ليقول: اللهم إن كنت تعلم إني استأجرت أجيرًا على فرق من أرز، يعني: شيء من أرز، فلما قضى عمله عرضت عليه فرقه فلبث عنده.
قال: فلم أزل أزرع هذا الفرق حتى جمعت بقرًا ورعائها، ثم جاءني بعد زمن طويل .. سنين عديدة، والظاهر أن الرجل ألمت به مصيبة أو أصاب قومه جوع، فتذكر أن له عند ذلك الرجل صاحب المزرعة فرق من أرز، فذهب إليه وقال له:
يا عبد الله! أعطني حقي، قال: انظر إلى تلك البقر فاذهب وخذها، قال: يا عبد الله! اتق الله ولا تستهزئ بي، إنما لي عندك فرق من أرز، قال: اذهب وخذها فإنما تلك البقر من ذاك الفرق، فذهب فساقها، فاللهم إن كنت تعلم
[ ٣ / ٦٣٨ ]
أنني فعلت ذلك
ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما بقي، ففرج الله عنهم ما بقي وانزاحت الصخرة فخرجوا يتمشون.
هذا دليل التوسل الثابت وهو توسل المتوسل إلى الله بعمل صالح توفر فيه الشرطان اللذان سبق ذكرهما في كلمتي الأولى وهي صالح وأنكم ترون الرجل الأول يعنى بخدمة أبيه أكثر من أولاده، والرجل الثاني اشتهى الزنا بالمرأة الغريبة عنه، فلما ذكرته بالله تذكر وانتهى، وذاك الرجل الغني لم يطمع بالرغم أنه استغل ذلك الفرق فجمع منه مالًا كثيرًا فلم يستغل هذا المال لصالح نفسه، بل أعاده إلى صاحب الأصل ألا وهو الفرق، فهذه بلا شك أعمال صالحة جليلة، ثم قالوا في توسلهم: إن كنت تعلم أننا فعلنا ذلك ابتغاء مرضاة الله، وهذا هو الإخلاص، ولذلك استجاب الله لهم وأنقذهم من ذلك الضيق الذي ألم بهم لا يقدر على
[ ٣ / ٦٣٩ ]
تفريج كربهم هذا إلا الله ﵎.
أما غير هذه التوسلات الأربعة: التوسل باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفات الله، أو بعمل الداعي الصالح، أو التوسل بدعاء الرجل الصالح، ما سوى ذلك من التوسلات فكلها من محدثات الأمور، وطالما سمعتم قول الرسول ﵊ في بعض خطبه: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» وشر البدع ما كان منها يؤدي إلى إشراك بالله ﵎.
وبعض هذه التوسلات المبتدعة غير مشروعة كثيرًا ما يختلط بها ما هو الشرك الأكبر، كقولهم: اللهم إني أسألك بحق فلان وبحق فلان .. بجاه نبيك أو بنحو ذلك؛ لأن هذا التوسل يُشعر أن هذا المُتوسِل يعتقد أن المتوسَّل به له تأثير على الله ﷿، وأن الله ليس يفعل ما يشاء كما نص القرآن .. إن الله ﷿ يفعل ما يشاء: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان: ٣٠) بل بعض هؤلاء المتوسلين يشعرون أنفسهم بأن لصاحب الجاه تأثيرًا على الخالق للناس أجمعين، والدليل على ذلك كما جربنا كثيرًا وناقشنا فيهم أي: العامة وبعض الخاصة، يقولون في إنكارهم علينا حينما ننكر عليهم التوسل المبتدع بغير هذه التوسلات الأربعة، يقولون يضربون مثلًا وبئس المثل:
أليس إذا كان لأحدنا حاجة عند ملك أو وزير أو أمير أنه لا بد من أن يقدم إليه واسطة لنقضي حاجتنا، نقول: نعم هكذا الناس، ولكن هل هذا مدح لذاك الأمير أو الوزير أو الملك أم هو قدح؟ فكنا نقول: ما رأيك في عمر بن الخطاب الذي ضرب به الكفار مثلًا للحاكم العادل فسموه: بالحاكم الديمقراطي زعموا لعدالته في شعبه، فهل كان عمر أهدى سبيلًا من هؤلاء الأمراء الذين تضرب المثل بهم لله
[ ٣ / ٦٤٠ ]
﵎ فتقولون: كما أننا نتوسل إلى هؤلاء بالواسطة فنحن أيضًا نتوسل إلى الله بالواسطة، ما رأيكم عمر خير أم هؤلاء الذين لا يقضون الحاجة إلا بواسطة، مساكين ضالين تائهين لا يعرفون ما يليق بالله ﷿ وما لا يليق كان، فما يسعهم إلا أن يقولوا: عمر بن الخطاب خير من هؤلاء الأمراء الذين لا يصلون إليهم إلا بالوساطة.
فنقول حينئًذ: اتقوا الله ﷿، لو أنكم شبهتم رب العالمين بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لكفرتم؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) فكيف وأنتم قد أبيتم أن تشبهوا الله بالأمير العادل والتشبيه هذا كفر حتى شبهتموه بالظَلَمة من الحكام والأمراء، أفلا تتقون؟!
إذا اقترن بالتوسل هذا المعنى وهو شرك في الربوبية وليس فقط بالعبادة، أما إذا تعرى التوسل عن هذا التشبيه للخالق بالمخلوقين فهو بدعة وكفى بذلك تحذيرًا كما سمعتم آنفًا من قوله ﵇: «وإياكم ومحدثات الأمور » إلى آخر الحديث.
"رحلة النور" (ب٤٢/ ٠٠:٠٨:٣٢)
[٢٣٥] باب حكم التوسل بالمخلوق
سؤال: فضيلة الوالد حفظكم الله، ما حكم الصلاة خلف بعض الأئمة الذين تقع منهم أعمال شركية، كسؤال الله بجاه النبي، وما شابه ذلك، وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: تكلمنا عن هذه المسألة في بعض المجالس.
أولًا: لا يجوز المبادرة إلى تكفير بعض أهل البدع لمجرد وقوعهم في شيء
[ ٣ / ٦٤١ ]
منها قبل أن تقام حجة العلماء عليهم، لما عُرِف من قواعد الشريعة أن الكفار كفرًا بواحًا لا نحكم لهم بنار إلا بعد أن تقوم حجة الله عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) وكما في قوله ﵊ كما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فإذًا: الذي يدخل النار هو الذي تبلغه الحجة، ورسالة النبي - ﵌ -، ثم لا يُؤمن بها، على هذا علماء المسلمين قاطبة، ولذلك فالسلف الصالح في عقائدهم التي ورثها الخلف عنهم يقولون بصحة الصلاة وراء كل بر وفاجر وبالصلاة على الميت سواء كان برًا أو كان فاجرًا، ولا يكفرون من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله إلا بعد أن تقام حجة الله عليه، إذا
عرفنا هذه الحقيقة ورأينا بعض الطوائف الإسلامية قد وقعوا في بدع شركية محضة لا مجال لأن تفسر بغير الشرك، فلا يجوز المبادرة إلى التكفير إلا بعد
إقامة الحجة.
وأنا أعتقد أن الحجة بالنسبة لكثير من الناس وبخاصة منهم الأعاجم الذين لا يفقهون اللغة العربية، وبخاصة منهم الذين لم يسبق أن هدوا هم أو آباؤهم إلى الإسلام كالأوروبيين والأمريكيين ونحوهم، فهؤلاء ليس من السهل أن يقال: قد أقيمت حجة الله عليهم فهذا هو كلام الله يتلى عليهم ليلًا نهارًا، أنتم تعلمون أن كثيرًا من العرب المسلمين لا يفهمون كلام رب العالمين، فكيف نظن بالأعاجم الكفار، أما هم فهموا القرآن وقامت حجة الله عليهم، هذا أولًا.
وثانيًا: أن بعض البدع ليست شركًا، وإنما يمكن اعتبارها خطئًا أو ضلالًا أو بدعة؛ لأن الشرك أمر عظيم كما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ
[ ٣ / ٦٤٢ ]
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) والمثال السابق الوارد في السؤال وهو: يتوسلون بجاه النبي - ﵌ -، هذا بلا شك خطأ مخالف للسنة، وهذا له بحث طويل [التوسل] بالمخلوق كما كنا نسمع هذا كثيرًا في بلادنا السورية، ولنا مجادلات ومناقشات مع بعض المبتدعة الضالة، فكان أحدهم يعادل القضية بعقله الأعوج المنحرف، فيقول: الإنسان إذا كان له حاجة عند أمير أو وزير، هل يأتيه ويطلب منه حاجته أن يقضيها أم يدخل بينه وبين ذلك الأمير واسطة، فكنا نقول لهم: نعم، لا بد من واسطة، لكن ما رأيك الذي ليس بحاجة للواسطة ويقبل ويفتح بابه لكل الناس أن يخاطبوه وجهًا لوجه، وألا يدخلوا واسطة بينه وبينهم، هل هذا أفضل عندك أم الأمير الذي لا بد من واسطة؟ يفكر قليلًا المسكين ويتبع لضلاله على تردد، لكن لا يسعه أن يقول خاصة حينما أُذَكِّره بعمر بن الخطاب الذي أطلق عليه بعض المعاصرين وكذب: إنه أول ديمقراطي في الإسلام، وهم يعنون بالديمقراطية كما تعرفون: العدالة، عمر بن الخطاب هو أول ديمقراطي بزعمهم، أما أبو بكر وأما الرسول الذي رباهم فلم يكن أول ديمقراطي في
حد تعبيره.
الشاهد: فحينما نُذَكِّر هؤلاء الضالين بأن عمر بن الخطاب كان يأتيه البدوي ويقول له: يا عمر حاجتي كذا وكذا، ماذا ترى؟ هذا أفضل وإلا هذا الأمير الذي ضربتَ به المثل؟ فلا يسعه إلا أن يقول: إن عمر أفضل، فنقول لهم: يا مساكين يا ويلكم لقد شبهتم رب العالمين بالأمراء الضالين وأبيتم أن تشبهوه بعمر العادل الحكيم، ولو أنكم شبهتموه لكنتم في ضلال مبين؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١) فكيف وأبيتم أن تشبهوه بعمر وشبهتموه بالضللة، ألا يكفيكم هذا تنبيهًا في ضلالكم في توسلكم إلى الله بالنبي عليه
[ ٣ / ٦٤٣ ]
الصلاة والسلام، فضلًا عن توسلكم بمن دونه مقامًا ومنزلًة فيسقط في أيديهم
كما يقال.
هذا النوع لا شك فيه أنه شرك أكبر، لكن هناك نوع من التوسل ليس من هذا القبيل إطلاقًا، فقد جاء عن بعض المعروفين بتمسكهم بالكتاب والسنة أنهم جوزوا التوسل بالنبي - ﵌ - فقط دون كل الأنبياء .. دون كل المخلوقات، تمسكوا بحديث الضرير منهم العز بن عبد السلام، منهم الإمام الشوكاني الذي خالف مذهبه مذهب الزيدية وارتمى إلى الكتاب والسنة ولم يرض بديلهما شيئًا آخر، بل قد روي عن الإمام أحمد إمام السنة أنه قال بالتوسل بالنبي - ﵌ - وقوفًا منه عند ظاهر حديث الضرير، فهل نقول في هذا النوع الثاني ممن أجاز التوسل وإن كنا
لا ندين الله به أنهم الشرك أو وقعوا فيه؟ الجواب: لا، إذًا: التوسل بالمخلوقات له حالتان:
من توسل مشبهًا الخالق بالمخلوق فهو الكفر بعينه.
ومن توسل ظانًا منه أن هذا عليه دليل، هو حديث الأعمى فيخطَّأ ولا يُضلل، فكيف يُكفر، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مفتونين ..
"رحلة النور" (٢٩أ/٠٠:٤٠:٢٦) (٢٩ب/٠٠: ٠٠: ٠٠)
[٢٣٦] باب مشروعية التوسل بأسماء الله تعالى، وحرمة التوسل بحق فلان وجاه فلان
[سمع النبي - ﵌ - رجلا يقول في تشهده]:
«اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك
[ ٣ / ٦٤٤ ]
المنان، يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار.
فقال النبي - ﵌ - لأصحابه: «تدرون بما دعا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم (وفي رواية: الأعظم) الذي إذا دعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى».
[صححه الإمام ثم قال]:
فيه مشروعية التوسل إلى الله تعالى بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته، وهو ما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨)؛ ولا سيما الاسم الأعظم. وقد اتفق العلماء على ذلك؛ لهذا الحديث وما في معناه.
وإن ما يؤسف له أن ترى الناس اليوم-وفيهم كثير من الخاصة-لا تكاد تسمع أحدًا منهم يتوسل بأسماء الله تعالى؛ بل إنهم على العكس من ذلك يتوسلون بما لم يأت به كتاب ولا سنة، ولم يعرف عن السالفين من الأئمة؛ كقولهم: أسألك بحق فلان، أو جاه فلان، أو حرمة فلان!
وقد يحتج أولئك على علمهم هذا بأحاديث بعضها صحيح-كحديث الأعمى، وإن تكلم فيه بعض المتأخرين، فالصواب ما قلناه-، ولكنه لا يدل على ما زعموه-كما بين ذلك العلماء المحققون-؛ والبعض الآخر ضعيف لا يصح، وفيها كثير من الموضوعات؛ كحديث:
«لما أذنب آدم ﵊ ، وفيه قال:
أسألك بحق محمد إلا غفرت لي. كما بينت ذلك في تعليقي على «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٨)، [و«السلسلة الضعيفة» (رقم ٢٥)].
[ ٣ / ٦٤٥ ]
ولا أريد التوسع في ذلك الآن، وإنما أردت أن ألفت نظر المسلم البصير في دينه إلى ما يفعله الإحداث في الدين من صرف الناس عن الصحيح الثابت عن سيد المرسلين، وذك مصداق قول بعض الصحابة ﵃:
"ما أُحدث بدعه إلا وأُميتت سنة".
ومما يتعجب منه أن أكثر علماءنا المتأخرين لا يجيزون لأحدهم مخالفة المذهب، ولو كان معه دليل صريح من الكتاب والسنة! ثم هم يخالفون المذهب بتجويزهم لذلك التوسل المبتدع بدون أي دليل صريح من الكتاب والسنة الصحيحة!
أقول: إنهم يخالفون المذهب؛ لأنه قد جاءت نصوص صريحة عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه في المنع مما أجازوا؛ فقال أبو حنيفة ﵁: «أكره أن يسأل الله تعالى إلا به».وكذا قال أبو يوسف، وزاد: «وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك». وكُتب المتون مليئة بهذا المعنى. والكراهة إذا أطلقت؛ فهي للتحريم-كما هو معروف عند علمائنا-وقال القُدُوري: «المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق؛ فلا تجوز وفاقًا».
فإذن المسألة متفق عليها بين علمائنا، فما بال المنتسبين إلى أبي حنيفة اليوم ينبزون بشتى الألقاب مَن ذهب هذا المذهب الصحيح؛ الموافق للكتاب والسنة، وعمل السلف الصالح ﵃؟! وصدق الله العظيم: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ١٠١٩ - ١٠٢١)
[ ٣ / ٦٤٦ ]
[٢٣٧] باب حرمة التوسل بحق الأنبياء وجاههم
وذكر بعض من خالف في ذلك
[وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قررها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام]:
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمنًا حقًا بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد-مع الأسف- ما رميته به من المداراة.
[فذكر ست مسائل ثم قال]:
المسألة السابعة: ذهب شارح الطحاوية (ص ٢٣٦ - ٢٣٩) تبعًا لإمامه أبي حنيفة وصاحبيه إلى كراهة التوسل بحق الأنبياء وجاههم.
وهذا مما خالف فيه الكوثري إمامه أبا حنيفة رحمه الله تعالى، اتباعًا لأهواء العامة، ونكاية بأهل السنة. كما يعلم ذلك من اطلع على رسالة "محق التوسل" وغيرها. وقد كنت بينت شيئًا من تعصبه واتباعه لهواه في محاولته تقويته إسناد حديث في التوسل فيه من هو ضعيف عنده، كما هو مشروح في الجزء الأول من "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٢٤)، فليراجعه من شاء.
قلت: فهذه سبع مسائل هامة، كلها في العقيدة، إلا الأخيرة منها، قد وجهتها إلى أبي غدة الذي تظاهر بالثناء على شارح "الطحاوية" ووصفه بأنه صاحب "إمامة ملموسة مشهورة"، فإذا أجاب بمتابعته له فيها-وهذا ما استبعده على
[ ٣ / ٦٤٧ ]
كوثريته-فالحمد لله. وإن خالفه فيها، وظل على كوثريته. فقد تبين للناس-إن شاء الله تعالى-أن ثناءه على شارح "الطحاوية" (الإمام)، لم يكن عن اعتقاد وثقة به كما زعم، وإنما ليتخذه سلمًا للطعن، بمخرج أحاديثه، وإلا كيف ساغ له أن يسكت عن الشارح في هذه الأخطاء بل الضلالات السبع بزعمه تبعًا لشيخه الكوثري، وعن أخطائه الأخرى الحديثية التي سبقت الإشارة إلى أنواع منها، وينتقدني شاكيًا إلى بعض رؤسائه أو المسؤولين هناك-في أمور-لو صح نقده فيها-لا تكاد تذكر تجاه تلك، كمًا ولا كيفًا؟!
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٩ - ٦٠).
[٢٣٨] باب حرمة التوسل بجاه النبي - ﵌ -
[قال يوسف النبهاني في آخر مقدمة «الفتح الكبير»: «وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم، بجاه نبيه الرؤوف الرحيم » فعلَّق الإمام قائلًا]:
قلت: هذا التوسل غير مشروع، وليس غريبًا صدوره من مثل النبهاني وهو الذي يجيز ما هو شر منه ألا وهو الاستغاثة بالأموات، وقد أفصح بنحو ذلك في قوله الآتي: «وأن يحشرني مع مؤلفه في زمرة المقبولين عنده وعند نبيه»، فلم يكفه المسكين أن يطلب من الله أن يكون عنده وحده من المقبولين حتى قرن معه تعالى نبيه - ﵌ -، وقد قال في مثل هذا المقام «أجعلتني لله ندا؟!» فالله المستعان.
وقد أنكر هذا التوسل الإمام أبو حنفية وغيره من الأئمة، فمن أراد تحقيق القول في ذلك، فعليه بكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة»، فإنه أجمع كتاب في موضوعه، وأكثره علمًا، وفائدةً وتحقيقًا، ولنا بعض تعليقات حول ذلك، في بعض كتبنا، فانظر مثلًا «سلسلة الأحاديث
[ ٣ / ٦٤٨ ]
الضعيفة» (ج١ ص ٣٢ - ٤٧ طبع المكتب الإسلامي) فقد أوردنا هناك قول الإمام أبي حنفية، وبعض الأحاديث الواهية الموضوعية، التي يحتج بها أمثال النبهاني.
"صحيح الجامع الصغير" (١/ ٣٧)
[٢٣٩] باب حكم التوسل بجاه النبي - ﵌ -
السؤال: الجاه، الاستعانة بجاه النبي ﵇ هل يجوز أو لا يجوز؟
الشيخ: يعني أن يقول القائل: يا رب! أسألك بجاه محمد أن تغفر لي مثلًا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا ما يجوز؛ لأن كل شيء يتعلق بالمخلوق فهو مخلوق، والتوسل إلى الله بمخلوق لا يجوز، فالله أكبر من ذلك، لكن يتوسل الإنسان بما ثبت في الشرع ولا يزيد على ذلك أبدًا.
تجد الناس كل الناس وفيهم بعض الخاصة بعض أهل العلم والمشايخ يلهجون في دعواتهم السؤال بجاه محمد، بحق محمد، هل سمعت أحدهم يلهج بالتوسل إلى الله باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته؟ الجواب: لا.
مداخلة: أنا حقيقة سمعت كثير.
الشيخ: الجواب: لا. كيف سمعت كثير، اعطني شيخ يتوسل عندما يدعي لعامة الناس في المسجد يقول: أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد.
مداخلة: أنا بصراحة سمعت هذا الدعاء أكثر من مرة من واحد
[ ٣ / ٦٤٩ ]
الشيخ: لك يا أخي الله يهديك سمعته من واحد، هذا لا يخرق القاعدة الذي نتكلم عنها.
مداخلة: لا، لا يخرق القاعدة صحيح.
الشيخ: سبحان الله، نحن لم نحكم على أهل السنة بالإعدام، نقول هؤلاء قلة، يعني نحن نقول أنهم بدلًا من أن يلهجوا بالشيء المشهور والثابت في السنة، يلهجوا بالشيء المهجور غير الثابت في السنة، يعني يحققوا الآية التي أنزلها
الله في حق اليهود: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٦١)، هذا
هو الاستبدال.
"الهدى والنور" (٢٢٧/ ٠٠٥٦: ٥٠: ٠٠)
[٢٤٠] باب هل يجوز التوسل بأعمال الغير الصالحة؟
سؤال: مثلًا أنا لو قلت: اللهم إني أتوسل إليك مثلًا في محبتي للشيخ ناصر، أو اللهم إني أتوسل إليك مثلًا في أعمال الشيخ ناصر، يجوز هذا؟
الشيخ: لا، لا يجوز؛ لأن الشيخ ناصر هو فرد من أفراد الأمة .. لكن لو قلت: أتوسل إليك بحبي لمحمد - ﵌ - فهذا يجوز؛ لأنه مقطوع به، نعم.
مداخلة: لو قلت: اللهم إني أتوسل إليك بأعمال الشيخ ابن تيمية الصالحة، هل يجوز هذا التوسل؟
الشيخ: أقول لك الآن، كما لو قلت: أتوسل إليك يا رب بأعمال رسول الله هكذا؟
مداخلة: ممكن؟
الشيخ: أقول: سؤالك هكذا؟
[ ٣ / ٦٥٠ ]
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا، لا يمكن.
مداخلة: بالمحبة لله؟
الشيخ: المحبة تتعلق بك فيجوز؛ لأن هذا عمل صالح.
مداخلة: الشيء اللي أعمله أنا أتوسل به.
الشيخ: نعم.
مداخلة: أما الشيخ ابن تيمية لا أعلم أعماله أنا، ظاهره طيب! ولكن باطنه
لا أعلمه.
الشيخ: لا لا، أريد أن أقول: هناك فرق بين أن تتوسل بشيء يتعلق بك تتقرب به إلى الله فهو توسل بعمل صالح، أما أن تتوسل بعمل صالح لفلان هذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ (فاطر: ١٨) هذا العمل الصالح هو لصالح ذاك الذي عمله لنفسه، وأنت لا تستفيد منه شيئًا، لو توسلت بأعمال الأنبياء والرسل والصالحين جمعيًا ما يفيدك هذا شيئًا .. لكن بعملك الصالح .. بمحبتك لله .. بمحبتك لرسوله .. باتباعك إياه هذا هو التوسل بالعمل الصالح أما عمل غيرك فهذا لا يمكن.
مداخلة: وهل يجوز التوسل بمحبة الرسول - ﵌ -؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: وهل يجوز أن يتوسل بمحبة الله والصالحين، سواء أحياء أو أموات؟
الشيخ: إذا كانوا صالحين يجوز، لكن لا تعين شخصًا لأن المسألة فيها دقة، إذا أطلقت كما فعلت أخيرًا فلا بأس.
"الهدى والنور" (٨٧/: ٠٠:٤٧:٢٠)
[ ٣ / ٦٥١ ]
[٢٤١] باب هل يجوز التوسل بقول القائل:
اللهم انصر هذه الأمة إكرامًا لمحمد؟
مداخلة: يقول: بعضهم اللهم انصر هذه الأمة إكرامًا لمحمد. وأنا أعرف أن التوسل المشروع قد يكون بصالح الأعمال، «فهل هذا جائز»؟
الشيخ: هذا وإن كان غير وارد فهو لا يدخل في نوع التوسل بالمخلوق وإنما هو يدخل في موضوع التوسل بصفة من صفات الله ﵎، وهذا المعنى هو الذي قيل في حديث على فرض صحته
«اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا»، فاستدل به بعض المبتدعة على جواز التوسل المبتدع، فكان الرد عليهم من وجهين أو من ناحيتين:
الأولى: أن الحديث ضعيف لا يصح.
والأخرى أنه لو صح فإنما هو توسل باستجابة الله ﷿ ويعود الحديث حينذاك إلى أنه توسل بصفة من صفات الله، فكذلك يقال في هذه الجملة وإن كانت غير مأثورة.
مداخلة: يعني لو قال واحد اللهم انصر هذه الأمة إكرامًا لهذه الأمة لا
ننكر عليه.
الشيخ: لا ننكر عليه، كما لو قلنا بمحبتك لرسول الله - ﵌ - ونحو ذلك، لكن قد يكون الإنكار من جهة أخرى قد لا يفيد إذا كان المتوسل مبطئًا في العمل، من هذه الناحية فقط يمكن إلفات النظر، أما من حيث العبارة نفسها فلا غبار عليها.
" الهدى والنور" (٤٣٧/ ٠١: ٠١: ٠٠)
[ ٣ / ٦٥٢ ]
[٢٤٢] باب ذكر جملة
من شبهات المجوزين للتوسل الممنوع والرد عليها
[قال الإمام]:
يورد المخالفون في هذا الموضوع [أي موضوع التوسل] بعض الاعتراضات والشبهات، ليدعوا رأيهم الخاطئ، ويوهموا العامة بصحته، ويلبسوا الأمر عليهم، وأعرض فيما يلي هذه الشبهات واحدة إثر واحدة، وأرد عليها ردًا علميًا مقنعًا إن شاء الله، بما يقرر ما بينته في الفصل السابق وينسجم معه، ويقنع كل مخلص منصف، ويدحض كل افتراء علينا بالباطل، وبالله تعالى وحده التوفيق، وهو المستعان.
الشبهة الأولى: حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄:
يحتجون على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث انس السابق: (أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون).
فيفهمون من هذا الحديث أن توسل عمر ﵁ إنما كان بجاه العباس ﵁، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كأنه مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدعون.
وأما سبب عدول عمر ﵁ عن التوسل بالرسول - ﵌ - بزعمهم-وتوسله بدلًا منه بالعباس ﵁، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول
[ ٣ / ٦٥٣ ]
مع وجود الفاضل ليس غير.
وفهمهم هذا خاطئ، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة أهمها:
١ - إنّ من القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها، ونحن والمخالفون متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا .. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئًا محذوفًا، لا بد له من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون: (كنا نتوسل بـ (جاه) نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ (جاه) عم نبينا) على رأيهم هم، أو يكون: (كنا نتوسل إليك بـ (دعاء) نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ (دعاء) عم نبينا) على رأينا نحن.
ولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء.
ولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي - ﵌ -.
ترى هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قبع كل منهم في دراه، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله - ﵌ -، ثم دعوا ربهم قائلين: (اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث).مثلًا أم كانوا يأتون النبي - ﵌ - ذاته فعلًا، ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى لهم، فيحقق - ﵌ - طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟
أما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقًا في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل
[ ٣ / ٦٥٤ ]
الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا يستطيع أحد من الخلفيين أو الطُّرُقيين ان يأتي بدليل يثبت أن طريقة توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي - ﵌ -، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده ما يريدون. بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة هو الأمر الثاني، إذ تبين أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي - ﵌ - إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه - ﵌ -، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم - ﵌ - ليس غير.
ويرشد إلى ذلك قوله ﵎: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ (النساء: ٦٤).
ومن أمثلة ذلك ما مر معنا في حديث أنس السابق الذي ذكر فيه مجيء الأعرابي إلى المسجد يوم الجمعة حيث كان رسول الله - ﵌ - يخطب، وعرضه له ضنك حالهم، وجدب أرضهم، وهلاك ماشيتهم، وطلبه منه أن يدعو الله سبحانه لينقذهم مما هم فيه، فاستجاب له - ﵌ -، وهو الذي وصفه ربه بقوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ (التوبة: ١٢٨ (، فدعا - ﵌ - لهم ربه، واستجاب سبحانه دعاء نبيه، ورحم عباده ونشر رحمته، وأحياء بلدهم الميت.
ومن ذلك أيضًا مجيء الأعرابي السابق نفسه أو غيره إلى النبي - ﵌ - وهو يخطب الجمعة الثانية، وشكواه له انقطاع الطرقات وتهدم البنيان، وهلاك المواشي، وطلبه منه أن يدعو لهم ربه، ليمسك عنهم الأمطار، وفعل - ﵌ - فاستجاب له ربه جل شأنه أيضًا.
[ ٣ / ٦٥٥ ]
ومن ذلك ما روته السيدة عائشة ﵂ حيث قالت: شكا الناس إلى رسول الله - ﵌ - قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه. قالت: فخرج رسول الله - ﵌ - حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم " الحديث، وفيه انه - ﵌ - دعا الله سبحانه، وصلى بالناس، فأغاثهم الله تعالى حتى سالت السيول، وانطلقوا إلى بيوتهم مسرعين، فضحك الرسول - ﵌ - حتى بدت نواجذه، وقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله ".
فهذه الأحاديث وأمثالها مما وقع زمن النبي - ﵌ - وزمن أصحابه الكرام رضوان الله عليهم تُبين بما لا يقبل الجدال أو الممارة أن التوسل بالنبي - ﵌ - أو بالصالحين الذي كان عليه السلف الصالح هو مجيء المتوسل إلى المتوسل به، وعرضه حاله له، وطلبه منه أن يدعو له الله سبحانه، ليحقق طلبه، فيستجيب هذا له، ويستجيب من ثم الله ﷾.
٢ - وهذا الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس واستعمالهم، فإنه إذا كانت لإنسان حاجة ما عند مدير أو رئيس أو موظف مثلًا، فإنه يبحث عمن يعرفه ثم يذهب إليه ويكلمه، ويعرض له حاجته فيفعل، وينقل هذا الوسيط رغبته إلى الشخص المسؤول، فيقضيها له غالبًا. فهذا هو التوسل المعروف عند العرب منذ القديم، وما يزال، فإذا قال أحدهم: إني توسلت إلى فلان، فإنما يعني أنه ذهب إلى الثاني وكلمه في حاجته، ليحدث بها الأول، ويطلب منه قضاءها، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ذهب إلى الأول وقال له: بحق فلان (الوسيط) عندك، ومنزلته لديك اقض لي حاجتي.
[ ٣ / ٦٥٦ ]
وهكذا فالتوسل إلى الله ﷿ بالرجل الصالح ليس معناه التوسل بذاته وبجاهه وبحقه، بل هو التوسل بدعائه وتضرعه واستغاثته به ﷾، وهذا هو بالتالي معنى قول عمر ﵁: (اللهم إنا منا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا) أي: كنا إذ قل المطر مثلًا نذهب إلى النبي - ﵌ -، ونطلب منه أن يدعو لنا الله
جل شأنه.
٣ - ويؤكد هذا ويوضحه تمام قول عمر ﵁: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، أي إننا بعد وفاة نبينا جئنا بالعباس عم النبي - ﵌ -، وطلبنا منه أن يدعو لنا ربنا سبحانه ليغيثنا.
تُرى لماذا عدل عمر ﵁ عن التوسل بالنبي - ﵌ - إلى التوسل بالعباس ﵁، مع العلم أن العباس مهما كان شأنه ومقامه فإنه لا يذكر أمام شأن النبي - ﵌ - ومقامه؟
أما الجواب برأينا فهو: لأن التوسل بالنبي - ﵌ - غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه - ﵌ - ويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤمنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأضحى في حال يختلف عن حال الدنيا وظروفها مما لا يعلمه إلا الله ﷾، فأنى لهم أن يحظوا بدعائه - ﵌ - وشفاعته فيهم، وبينهم وبينه كما قال الله عز شأنه: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ (المؤمنون: ١٠٠ (.
ولذلك لجأ عمر ﵁، وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي - ﵌ - ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس ﵁،
[ ٣ / ٦٥٧ ]
لقرابته من النبي - ﵌ - من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية أخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي - ﵌ -، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي - ﵌ - ممكنًا، وما كان من المعقول أن يقر الصحابة رضوان الله عليهم عمر على ذلك أبدًا، لأن الانصراف عن التوسل بالنبي - ﵌ - إلى التوسل بغيره ما هو إلا كالانصراف عن الاقتداء بالنبي - ﵌ - في الصلاة إلى الاقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعرفون قدر نبيهم - ﵌ - ومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد، كما نرى ذلك واضحًا في الحديث الذي رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁: «أن رسول الله - ﵌ - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي بالناس، فأقيم؟ قال: فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله - ﵌ - والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله - ﵌ -، فأشار إليه رسول الله - ﵌ - أن أمكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله ﷿ على ما أمره به رسول الله - ﵌ - من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم النبي - ﵌ - فصلى ثم انصرف، فقال: «يا أبا بكر: ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ «قال أبو بكر: ما كان لان أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - ﵌ - " فأنت ترى أن الصحابة ﵃ لم يستسيغوا الاستمرار على الاقتداء بأبي بكر ﵁ في صلاته عندما حضر الرسول - ﵌ -، كما أن أبا بكر ﵁ لم تطاوعه نفسه على الثبات في مكانه مع أمر النبي - ﵌ - له بذلك، لماذا؟ كل ذلك لتعظيمهم نبيهم - ﵌ -، وتأدبهم معه، ومعرفتهم حقه وفضله، فإذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يرتضوا الاقتداء بغير النبي - ﵌ - عندما أمكن ذلك، مع أنهم كانوا بدأوا
[ ٣ / ٦٥٨ ]
الصلاة في غيابه - ﵌ - عنهم، فكيف يتركون التوسل به - ﵌ - أيضًا بعد وفاته، لو كان ذلك ممكنًا، ويلجئون إلى التوسل بغيره؟ وكما لم يقبل أبو بكر أن يؤم المسلمين فمن البديهي أن لا يقبل العباس أيضًا أن يتوسل الناس به، ويدعوا التوسل بالنبي - ﵌ - لو كان ذلك ممكنًا.
(تنبيه): وهذا يدل من ناحية أخرى على سخافة تفكير من يزعم أنه - ﵌ - في قبره حي كحياتنا، لأنه لو كان ذلك كذلك لما كان ثمة وجه مقبول لانصرافهم عن الصلاة وراءه - ﵌ - إلى الصلاة وراء غيره ممن لا يدانيه أبدًا في منزلته وفضله. ولا يعترض احد على ما قررته بأنه قد ورد أن النبي - ﵌ - قال: «أنا في قبري حي طري، من سلم علي سلمت عليه".وأنه يستفاد منه أنه - ﵌ - حي مثل حياتنا، فإذا توسل به سمعنا واستجاب لنا، فيحصل مقصودنا، وتتحقق رغبتنا، وأنه لا فرق في ذلك بين حاله - ﵌ - في حياته، وبين حاله بعد وفاته أقول:
لا يعترض أحد بما سبق لأنه مردود من وجهين:
الأول حديثي: وخلاصته أن الحديث المذكور لا أصل له بهذا اللفظ، كما أن لفظة (طري) لا وجود لها في شيء من كتب السنة إطلاقًا، ولكن معناه قد ورد في عدة أحاديث صحيحة، منها قوله - ﵌ -: «إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمتَ (قال: يقولون: بَليتَ)، قال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء" ومنها قوله - ﵌ -: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" وقوله - ﵌ -: «مررت ليلة أسري بي على موسى قائمًا يصلي في قبره " وقوله: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن
أمتي السلام ".
[ ٣ / ٦٥٩ ]
الجواب الثاني فقهي: وفحواه أن حياته - ﵌ - بعد وفاته مخالفة لحياته قبل الوفاة، ذلك أن الحياة البرزخية غيب من الغيوب، ولا يدري كنهها إلا الله ﷾، ولكن من الثابت والمعلوم أنها تختلف عن الحياة الدنيوية، ولا تخضع لقوانينها، فالإنسان في الدنيا يأكل ويشرب، ويتنفس ويتزوج، ويتحرك ويتبرز، ويمرض ويتكلم، ولا أحد يستطيع أن يثبت أن أحدًا بعد الموت حتى الأنبياء ﵈، وفي مقدمتهم نبينا محمد - ﵌ - تعرض له هذه الأمور بعد موته.
ومما يؤكد هذا أن الصحابة ﵃ كانوا يختلفون في مسائل كثيرة بعد وفاته - ﵌ -، ولم يخطر في بال أحد منهم الذهاب إليه - ﵌ - في قبره، ومشاورته في ذلك، وسؤاله عن الصواب فيها، لماذا؟ إن الأمر واضح جدًا، وهو أنهم كلهم يعلمون أنه - ﵌ - انقطع عن الحياة الدنيا، ولم تعد تنطبق عليه أحوالها ونواميسها. فرسول الله - ﵌ - بعد موته حي، أكمل حياة يحياها إنسان في البرزخ، ولكنها حياة لا تشبه حياة الدنيا، ولعل مما يشير إلى ذلك قوله - ﵌ -: «ما من احد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ " وعلى كل حال فإن حقيقتها لا يدريها إلا الله ﷾، ولذلك فلا يجوز قياس الحياة البرزخية أو الحياة الأخروية على الحياة الدنيوية، كما لا يجوز أن تعطى واحدة منهما أحكام الأخرى، بل لكل منها شكل خاص وحكم معين، ولا تتشابه إلا في الاسم، أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الله ﵎.
ونعود بعد هذا التنبيه إلى ما كنا فيه من الرد على المخالفين في حديث توسل عمر بالعباس، فنقول: إن تعليلهم لعدول عمر ﵁ عن التوسل بالنبي - ﵌ - إلى التوسل بالعباس ﵁ بأنه لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل هو تعليل مضحك وعجيب. إذ كيف يمكن أن يخطر في بال عمر
[ ٣ / ٦٦٠ ]
﵁، أو في بال غيره من الصحابة الكرام ﵃ تلك الحذلقة الفقهية المتأخرة، وهو يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعًا وعطشًا لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سمي ذاك العام بعام الرمادة، كيف يَرِد في خاطره تلك الفلسفة الفقهية في هذا الظرف العصيب، فيدع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي الأعظم - ﵌ -، لو كان ذلك جائزًا ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل!!
إن الشاهد والمعلوم أن الإنسان إذ حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذ كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله تعالى وحده في اوقات العسر،
كما قال ﵎: ﴿حتى إذا ركبوا في الفُلْك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ (العنكبوت: ٢٦٥).
فنعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الشدائد والفواقر، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر، وقد يخطر في باله حينذاك أن يبين ذلك الحكم الفقهي الذي افترضوه، وهو جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. وأمر آخر نقوله جوابًا على شبهة أولئك، وهو: هب أن عمر ﵁ خطر في باله أن يبين ذلك الحكم الفقهي المزعوم، ترى فهل خطر ذلك في بال معاوية والضحاك بن قيس حين توسلا بالتابعي الجليل: يزيد بن الأسود الجُرَشي أيضًا؟ لا شك أن هذا ضرب من
[ ٣ / ٦٦١ ]
التمحل والتكلف لا يحسدون عليه.
٤ - إننا نلاحظ في حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄ أمرًا جديرًا بالانتباه، وهو قوله: «إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحطوا، استسقى بالعباس بن عبد المطلب، ففي هذا إشارة إلى تكرار استسقاء عمر بدعاء العباس ﵄، ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر ذلك أنه إنما ترك التوسل به - ﵌ - إلى التوسل بعمه ﵁، لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، فإننا نقول: لو كان الأمر كذلك لفعل عمر ذلك مرة واحدة، ولما
استمر عليه كلما استسقى، وهذا بيّن لا يخفى إن شاء الله تعالى على أهل
العلم والإنصاف.
٥ - لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر المذكور وقصده، إذ نقلت دعاء العباس ﵁ استجابة لطلب عمر ﵁، فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني ﵀ في «الفتح" (٣/ ١٥٠) حيث قال: (قد بين الزبير بن بكار في «الأنساب" صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث)، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس".
وفي هذا الحديث: أولًا: التوسل بدعاء العباس ﵁ لا بذاته كما بينه الزبير بن بكار وغيره، وفي هذا رد واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس، فيدعو بعد عمر دعاءً جديدًا.
[ ٣ / ٦٦٢ ]
ثانيًا: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا - ﵌ - في حياته، وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس، ومما لا شك فيه أن التوسليْن من نوع واحد: توسلهم بالرسول - ﵌ - وتوسلهم بالعباس، وإذ تبين للقارئ-مما يأتي-أن توسلهم به - ﵌ - إنما كان توسلًا بدعائه - ﵌ - فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه أيضًا، بضرورة أن التوسليْن من نوع واحد.
أما أن توسلهم به - ﵌ - إنما كان توسلًا بدعائه، فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث بلفظ: (كانوا إذ قحطوا على عهد النبي - ﵌ - استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر ) فذكر الحديث، نقلته من "الفتح" (٢/ ٣٩٩)، فقوله: (فيستسقي لهم) صريح في أنه - ﵌ - كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى ففي "النهاية" لابن الأثير: "الاستسقاء، استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا بالضم، واستقيت فلانًا إذا طلبت منه أن يسقيك".
إذا تبين هذا، فقوله في هذه الرواية (استسقوا به) أي بدعائه، وكذلك قوله في الرواية الأولى: (كنا نتوسل إليك بنبينا)، أي بدعائه، لا يمكن أن يفهم من مجموع رواية الحديث إلا هذا. ويؤيده:
ثالثًا: لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى، لما ترك التوسل به - ﵌ - بهذا المعنى، لأن هذا ممكن لو كان مشروعًا، فعدول عمر عن هذه إلى التوسل بدعاء العباس ﵁ أكبر دليل على أن عمر والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته - ﵌ -، وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم، كما رأيت في توسل معاوية بن أبي سفيان والضحاك ابن
[ ٣ / ٦٦٣ ]
قيس بيزيد بن الأسود الجرشي، وفيهما بيان دعائه بصراحة وجلاء.
فهل يجوز أن يجمع هؤلاء كلهم على ترك التوسل بذاته - ﵌ - لو كان جائزًا، سيّما والمخالفون يزعمون أنه أفضل من التوسل بدعاء العباس وغيره؟! اللهم إن ذلك غير جائز ولا معقول، بل إن هذا الإجماع منهم من أكبر الأدلة على أن التوسل المذكور غير مشروع عندهم، فإنهم أسمى من أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير!
اعتراض ورده:
وأما جواب صاحب "مصباح الزجاجة في فوائد قضاء الحاجة" عن ترك عمر التوسل بذاته - ﵌ - بقوله (ص٢٥): "إن عمر لم يبلغه حديث توسل الضرير، ولو بلغه لتوسل به".
فهو جواب باطل من وجوه:
الأول: أن حديث الضرير إنما يدل على ما دل عليه توسل عمر هذا من التوسل بالدعاء لا بالذات، كما سبق ويأتي بيانه.
الثاني: أن توسل عمر لم يكن سرًا، بل كان جهرًا على رؤوس الأشهاد، وفيهم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فإذا جاز أن يخفى الحديث على عمر، فهل يجوز أن يخفى على جميع الموجودين مع عمر من الصحابة؟!
الثالث: أن عمر-كما سبق-كان يكرر هذا التوسل كلما نزل بأهل المدينة خطر، أو كلما دعي للاستسقاء كما يدل على ذلك لفظ (كان) في حديث أنس السابق (أن عمر كان إذا قحَطوا استسقى بالعباس) وكذلك روى ابن عباس عن عمر كما ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣/ ٩٨)، فإذا جاز أن يخفى ذلك
[ ٣ / ٦٦٤ ]
عليه أول مرة، أفيجوز أن يستمر على الجهل به كلما استسقى بالعباس، وعنده المهاجرون والأنصار، وهم سكوت لا يقدمون اليه ما عندهم من العلم بحديث الضرير؟! اللهم إن هذا الجواب ليتضمن رمي الصحابة جميعهم بالجهل بحديث الضرير مطلقًا، أو على الأقل بدلالته على جواز التوسل بالذات، والأول باطل لا يخفى بطلانه، والثاني حق فإن الصحابة لو كانوا يعلمون أن حديث الضرير يدل على التوسل المزعوم لما عدلوا عن التوسل بذاته - ﵌ - إلى التوسل بدعاء العباس كما سبق.
رابعًا: أن عمر ليس هو وحده الذي عدل عن التوسل بذاته - ﵌ - إلى التوسل بالدعاء، بل تابعه على ذلك معاوية بن أبي سفيان فإنه أيضًا عدل إلى التوسل بدعاء يزيد بن الأسود، ولم يتوسل به - ﵌ - وعنده جماعة من الصحابة وأجلاء التابعين، فهل يقال أيضًا إن معاوية ومن معه لم يكونوا يعلمون بحديث الضرير؟ وقل نحو ذلك في توسل الضحاك بن قيس بيزيد هذا أيضًا.
ثم أجاب صاحب المصباح بجواب آخر، وتبعه من لم يوفق من المتعصبين المخالفين فقال:
"إن عمر أراد بالتوسل بالعباس الاقتداء بالنبي - ﵌ - في إكرام العباس وإجلاله، وقد جاء هذا صريحًا عن عمر، فروى الزبير بن بكار في "الأنساب" من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: "استسقى عمر ابن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، فخطب عمر فقال: إن رسول - ﵌ - كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله - ﵌ -، واتخذوه وسيلة إلى الله " ورواه البلاذري من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه به".
[ ٣ / ٦٦٥ ]
والجواب من وجوه أيضًا:
الأول: عدم التسليم بصحة هذه الرواية، فإنها من طريق داود ابن عطاء وهو المدني، وهو ضعيف كما في "التقريب"، ومن طريق الزبير بن بكار عنه رواه الحاكم (٣/ ٣٣٤) وسكت عنه، وتعقبه الذهبي بقوله: (داود متروك) قلت: والرواي عنه ساعدة بن عبيد الله المزني لم أجد من ترجمه، ثم إن في السند اضطرابًا، فقد رواه-كما رأيت-هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فقال: (عن أبيه) بدل ابن عمر، لكن هشامًا أوثق من داود، إلا أننا لم نقف على سياقه، لننظر هل فيه مخالفة لسياق داود هذا أم لا؟ ولا تغتر بقولهم في "المصباح" عقب هذا الإسناد: (به) المفيد أن السياق واحد، فإن عمدته فيما نقله عن البلاذري إنما هو "فتح الباري" وهو لم يقل: (به).انظر "الفتح" (٢/ ٣٩٩).
الثاني: لو صحت هذه الرواية، فهي إنما تدل على السبب الذي من أجله توسل عمر بالعباس دون غيره من الصحابة الحاضرين حينذاك، وأما أن تدل على جواز الرغبة عن التوسل بذاته - ﵌ - لو كان جائزًا عندهم-إلى التوسل بالعباس أي بذاته فكلا، ثم كلا، لأننا نعلم بالبداهة والضرورة-كما قال بعضهم-أنه لو أصاب جماعة من الناس قحط شديد، وأرادوا أن يتوسلوا بأحدهم لما أمكن أن يعدلوا عمن دعاؤه أقرب إلى الإجابة، وإلى رحمة الله ﷾، ولو أن إنسانًا أصيب بمكروه فادح، وكان أمامه نبي، وآخر غير نبي، وأراد أن يطلب الدعاء من أحدهما لما طلبه إلا من النبي، ولو طلبه من غير النبي، وترك النبي لعد من الآثمين الجاهلين، فكيف يظن بعمر ومن معه من الصحابة أن يعدلوا عن التوسل به - ﵌ - إلى التوسل بغيره، لو كان التوسل بذاته - ﵌ - جائزًا، فكيف وهو أفضل عند المخالفين من التوسل بدعاء العباس وغيره من الصالحين؟! لا سيما
[ ٣ / ٦٦٦ ]
وقد تكرر ذلك منهم مرارًا كما سبق، وهم لا يتوسلون به - ﵌ - ولا مرة واحدة، واستمر الأمر كذلك، فلم ينقل عن أحد منهم خلاف ما صنع عمر، بل صح عن معاوية ومن معه ما يوافق صنيعه حيث توسلوا بدعاء يزيد بن الأسود، وهو تابعي جليل، فهل يصح أن يقال: إن التوسل به كان اقتداء بالنبي - ﵌ -؟!
الحق أقول: إن جريان عمل الصحابة على ترك التوسل بذاته - ﵌ - عند نزول الشدائد بهم -بعد أن كانوا لا يتوسلون بغيره - ﵌ - في حياته-لهو أكبر الأدلة الواضحة على أن التوسل بذاته - ﵌ - غير مشروع، وإلا لنقل ذلك عنهم من طرق كثيرة في حوادث متعددة، ألا ترى إلى هؤلاء المخالفين كيف يلهجون بالتوسل بذاته - ﵌ - لأدنى مناسبة لظنهم أنه مشروع، فلو كان الأمر كذلك لنُقِل مثله عن الصحابة، مع العلم أنهم أشد تعظيمًا ومحبة له - ﵌ - من هؤلاء، فكيف ولم يُنقل عنهم ذلك ولا مرة واحدة، بل صح عنهم الرغبة عنه إلى التوسل بدعاء الصالحين؟!
الشبهة الثانية: حديث الضرير:
بعد أن فرغنا من تحقيق الكلام في حديث توسل عمر بالعباس ﵁، وبينا أنه ليس حجة للمخالفين بل هو عليهم، نشرع الآن في تحقيق القول في حديث الضرير، والنظر في معناه: هل هو حجة لهم أم عليهم أيضًا؟ فنقول:
أخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي - ﵌ -، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: " إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير "، (وفي رواية: " وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك ")، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم
[ ٣ / ٦٦٧ ]
إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ] وشفّعني فيه [.قال: ففعل الرجل فبرأ.
يرى المخالفون: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي - ﵌ - أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي - ﵌ - علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.
وأما نحن فنرى ان هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:
أولًا: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي - ﵌ - ليدعو له، وذلك قوله: (أدعُ الله أن يعافيني) فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه - ﵌ -، لأنه يعلم أن دعاءه - ﵌ - أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي - ﵌ - أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي - ﵌ -، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلًا:
(اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني، وتجعلني بصيرًا). ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم الموسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.
[ ٣ / ٦٦٨ ]
ثانيًا: أن النبي - ﵌ - وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله - ﵌ -: «إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهو خير لك». وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه - ﵌ - في الحديث الذي رواه عن ربه ﵎ أنه قال: " إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه-أي عينيه-فصبر، عوضته منهما الجنة".
ثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول - ﵌ - دعا له، لأنه - ﵌ - خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه - ﵌ - دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي - ﵌ - الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله ﷾ يقدمها بين يدي دعاء النبي - ﵌ - له، وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ كما سبق.
وهكذا فلم يكتف الرسول - ﵌ - بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها طاعة لله ﷾ وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملًا من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله ﷾، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء-كما هو ظاهر-وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
وقد غفل عن هذا الشيخ الغماري أو تغافل، فقال في "المصباح" (٢٤): ("وإن شئتَ دعوتُ ".أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره).
قلت: هذا التأويل باطل لوجوه كثيرة منها: أن الأعمى إنما طلب منه - ﵌ - أن
[ ٣ / ٦٦٩ ]
يدعو له، لا أن يعلمه دعاء، فإذا كان قوله - ﵌ - له: " وإن شئت دعوت " جوابًا على طلبه تعين أنه الدعاء له، ولابد، وهذا المعنى هو الذي يتفق مع آخر الحديث، ولذلك رأينا الغماري لم يتعرض لتفسير قوله في آخره: " اللهم فشفعه في، وشفعني فيه " لأنه صريح في أن التوسل كان بدعائه - ﵌ - كما بيناه فيما سلف.
ثم قال: (ثم لو سلمنا أن النبي - ﵌ - دعا للضرير فذلك لا يمنع من تعميم الحديث في غيره).
قلت: وهذه مغالطة مكشوفة، لأنه لا أحد ينكر تعميم الحديث في غير الأعمى في حالة دعائه - ﵌ - لغيره، ولكن لما كان الدعاء منه - ﵌ - بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير معلوم بالنسبة للمتوسلين في شتى الحوائج والرغبات، وكانوا هم أنفسهم لا يتوسلون بدعائه - ﵌ - بعد وفاته، لذلك اختلف الحكم، وكان هذا التسليم من الغماري حجة عليه.
رابعًا: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله - ﵌ - إياه أن يقول: " اللهم فشفعه في " وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته - ﵌ -، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته - ﵌ - في، أي اقبل دعائه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له - ﵌ - ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره، قال في "لسان العرب": (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال بشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه).
[ ٣ / ٦٧٠ ]
فثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه - ﵌ - لا بذاته.
خامسًا: إن مما علم النبي - ﵌ - الأعمى أن يقوله: " وشفعني فيه " أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته - ﵌ -، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول - ﵌ - في الأعمى مفهمومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول - ﵌ - كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدًا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلًا: اللهم شفع في نبيك، وشفعني فيه.
سادسًا: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي - ﵌ - ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه - ﵌ - لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في "دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على ان السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي - ﵌ -.ويؤيده كل من دعا به من العميان مخلصًا إليه تعالى، منيبًا إليه قد عوفي، بل على الأقل لعوفي واحد منهم، وهذا ما لم يكن ولعله لا يكون أبدًا.
كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي - ﵌ - وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه - ﵌ -، بل ويضمون إليه أحيانًا جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من
[ ٣ / ٦٧١ ]
الملائكة، والإنس والجن أجمعين! ولم نعلم ولا نظن أحدًا قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته - ﵌ - إلى اليوم.
إذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه - ﵌ -، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: "اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد - ﵌ - " إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي اقبلنا فيها﴾ أي أهل القرية وأصحاب العير. ونحن والمخالفون متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (جاه) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (ذات) ك أو (مكانت) ك إلى ربي كما يزعمون، وإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (دعاء) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (دعاء) ك إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح احد التقديرين من دليل يدل عليه. فأما تقديرهم (بجاهه) فليس لهم عليه دليل لا من هذا الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام ولا سباقه تصريح أو إشارة لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقًا، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فيبقى تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الاعتبار، والحمد لله.
أما تقديرنا فيقوم عليه أدلة كثيرة، تقدمت في الوجوه السابقة.
وثمة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: "اللهم فشفعه في، وشفعني فيه"
[ ٣ / ٦٧٢ ]
وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله.
على أنني أقول: لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته - ﵌ -، فيكون حكمًا خاصًا به - ﵌ -، لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح، لأنه - ﵌ - سيدهم وأفضلهم جميعًا، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله، فعليه أن يقف عنده، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى. هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف، والله الموفق للصواب.
دفع توهم:
هذا ولا بد من بيان ناحية هامة تتعلق بهذا الموضوع، وهي أننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي - ﵌ -، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم، كما افترى علينا الدكتور البوطي في كتابه "فقه السيرة" (ص٣٥٤) فقال ما نصه: "فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله - ﵌ -، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته - ﵌ - بعد وفاته " كلا ثم كلا، فنحن ولله الحمد من أشد الناس تقديرًا لرسول الله - ﵌ -، وأكثرهم حبًا له، واعترافًا بفضله - ﵌ -، وإن دل هذا الكلام على شيء فإنما يدل على الحقد الأعمى الذي يملأ قلوب أعداء الدعوة السلفية على هذه الدعوة
[ ٣ / ٦٧٣ ]
وعلى أصحابها، حتى يحملهم على أن يركبوا هذا المركب الخطر الصعب، ويقترفوا هذه الجريمة البشعة النكراء، ويأكلوا لحوم إخوانهم المسلمين، ويكفروهم دونما دليل، اللهم إلا الظن الذي هو أكذب الحديث، كما قال النبي الأكرم - ﵌ -.
ولا أدري كيف سمح هذا المؤلف الظالم لنفسه أن يصدر مثل هذا الحكم الذي لا يستطيع إصداره إلا الله ﷿، المطلع وحده على خفايا القلوب ومكنونات الصدور، ولا تخفى عليه خافية.
أتراه لا يعلم جزاء من يفعل ذلك، أم إنه يعلم، ولكنه أعماه الحقد الأسود والتحامل الدفين على دعاة السنة؟ أي الأمرين كان فإننا نذكره بهذين الحديثين الشريفين لعله ينزجر عن غيه، ويفيق من غفلته، ويتوب من فعلته.
قال رسول الله - ﵌ -: " إيما رجل أكفر رجلًا مسلمًا، فإن كان كافرًا وإلا كان هو الكافر" وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: " إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق ".
كما نقول له أخيرًا: ترى هل دريت يا هذا بأنك حينما تقول ذاك الكلام فإنك ترد على سلف هذه الأمة الصالح، وتكفر أئمتها المجتهدين ممن لا يجيز التوسل بالنبي - ﵌ - وغيره بعد وفاتهم كالإمام أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، وقد قال أبو حنيفة: (أكره أن يتوسل إلى الله إلا بالله) كما تقدم.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
ونعود لنقول: إن كل مخلص منصف ليعلم علم اليقين بأننا والحمد لله من أشد الناس حبًا لرسول الله - ﵌ -، ومن أعرفهم بقدره وحقه وفضله - ﵌ -، وبأنه
[ ٣ / ٦٧٤ ]
أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم، وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. إلى آخر ما هنالك من فضائله - ﵌ - ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف - ﵌ - تسليمًا كثيرًا.
أقول: إننا-والحمد لله-من أول الناس اعترافًا بذلك كله، ولعل منزلته - ﵌ - عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له - ﵌ -، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال ﷾: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم﴾، ونحن بفضل الله من أحرص الناس على طاعة الله ﷿، واتباع نبيه - ﵌ - وهما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة بخلاف الغلو في التعظيم، والإفراط في الوصف اللذين نهى الله تعالى عنهما، فقال سبحانه: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ كما نهى النبي - ﵌ - عنهما فقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ".
ومن الجدير بالذكر أن النبي - ﵌ - جعل من الغلو في الدين أن يختار الحاج إذا أراد رمي الجمرات بمنى الحصوات الكبيرة وأمر أن تكون مثل حصى الخذف، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله - ﵌ - غداة العقبة: "هات ألْقِطْ لي ".قال: فلقطت له نحو حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: "مثل هؤلاء-ثلاث مرات-وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين " ذلك لأنه - ﵌ - يعد مسألة رمي الجمار مسألة رمزية الغرض منها
[ ٣ / ٦٧٥ ]
نبذ الشيطان ومحاربته، وليس حقيقية يراد بها قتله وإماتته، فعلى المسلم تحقيق الأمر، ومنابذة الشيطان عدو الإنسان اللدود بالعداء ليس غير، ومع هذا التحذير الشديد من الغلو في الدين، وقع المسلمون فيه مع الأسف، واتبعوا سنن أهل الكتاب، فقال قائلهم:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
فهذا الشاعر الذي يعظمه كثير من المسلمين، ويترنمون بقصيدته هذه، المشهورة بالبردة، ويتبركون بها، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم، ويعدون ذلك قربة إلى الله ﵎، ودليلًا على محبتهم نبيهم - ﵌ -، أقول: هذا الشاعر قد ظن النهي الوارد في الحديث السابق منصبًا فقط على الادعاء بأن محمدًا - ﵌ - ابن الله، فنهى عن هذه القولة، ودعا إلى القول بأي شيء آخر مهما كان. وهذا غلط بالغ وضلال مبين، ذلك لأن للإطراء المنهي عنه في الحديث معنيين اثنين أولهما مطلق المدح، وثانيهما المدح المجاوز للحد. وعلى هذا فيمكن أن يكون المراد الحديث النهي عن مدحه - ﵌ - مطلقًا، من باب سد الذريعة، واكتفاءً باصطفاء الله تعالى له نبيًا ورسولًا، وحبيبًا وخليلًا، ومما أثنى سبحانه عليه في قوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله ﵎ هذا؟ وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه؟ وإن أعظم مدح له - ﵌ - أن تقول فيه ما قال ربنا ﷿: إنه عبد له ورسوله، فتلك أكبر تزكية له - ﵌ -، وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير. وقد وصفه ربنا ﷾ وهو في أعلى درجاته، وأرفع تكريم من الله تعالى له، وذلك حينما أسرى وعرج به إلى السماوات العلى، حيث أراه من آيات ربه الكبرى، وصفه حينذاك بالعبودية فقال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من
[ ٣ / ٦٧٦ ]
المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى﴾ (الإسراء: ١).
ويمكن أن يكون المراد: لا تبالغوا في مدحي، فتصفوني بأكثر مما أستحقه، وتصبغوا علي بعض خصائص الله ﵎.
ولعل الأرجح في الحديث المعنى الأول لأمرين اثنين: أولهما تمام الحديث، وهو قوله - ﵌ -:
"فقولوا عبد الله ورسوله " أي اكتفوا بما وصفني به الله ﷿ من اختياري عبدًا له ورسولًا، وثانيهما ما عقد بعض أئمة الحديث له من الترجمة، فأورده الإمام الترمذي مثلًا تحت عنوان: "باب تواضع النبي - ﵌ - " فَحَمَل الحديث على النهي عن المدح المطلق وهو الذي ينسجم مع معنى التواضع ويأتلف معه.
تنبيه:
واعلم انه وقع في بعض الطرق الأخرى لحديث الضرير السابق زيادتان لا بد من بيان شذوذهما وضعفهما، حتى يكون القارئ على بينة من أمرهما، فلا يغتر بقول من احتج بهما على خلاف الحق والصواب.
الزيادة الأولى:
زيادة حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي .. فساق إسناده مثل رواية شعبة، وكذلك المتن إلا أنه اختصره بعض الشيء، وزاد في آخره بعد قوله: وشفع نبيي في رد بصري: " وإن كانت لك حاجة فافعل مثل ذلك " رواه أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه، فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا حماد بن سلمه به.
وقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة"
[ ٣ / ٦٧٧ ]
(ص١٠٢) بتفرد حماد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، ولا يخالفها البتة، وقول الغماري في "المصباح" (ص٣٠) بأن حمادًا ثقة من رجال الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، غفلة منه أو تغافل عما تقرر في المصطلح، أن القبول مشروط بما إذا
لم يخالف الراوي من هو أوثق منه، قال الحافظ في "نخبة الفكر": (والزيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح، فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ).
قلت: وهذا الشرط مفقود هنا، فإن حماد بن سلمة، وإن كان من رجال مسلم، فهو بلا شك دون شعبة في الحفظ، ويتبين لك ذلك بمراجعة ترجمة الرجلين في كتب القوم، فالأول أورده الذهبي في "الميزان" وهو إنما يورد فيه من تُكُلَّم فيه، ووصفه بأنه (ثقة له أوهام) بينما لم يورد فيه شعبة مطلقًا، ويظهر لك الفرق بينهما بالتأمل في ترجمة الحافظ لهما، فقد قال في "التقريب": "حماد بن سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره" ثم قال: "شعبة بن الحجاج ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدًا".
قلت: إذا تبين لك هذا عرفت أن مخالفة حماد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة كما يشير إليه كلام الحافظ السابق في "النخبة" ولعل حمادًا روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ، وكأن الإمام أحمد أشار إلى شذوذ هذه الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق مؤمَّل (وهو ابن إسماعيل) عن حماد-عقب رواية شعبة المتقدمة-إلا أنه لم يسق لفظ الحديث، بل أحال به على لفظ حديث شعبة،
[ ٣ / ٦٧٨ ]
فقال: (فذكر الحديث) ويحتمل أن الزيادة لم تقع في رواية مؤمل عن حماد، لذلك لم يشر إليها الإمام أحمد كما هي عادة الحفاظ إذا أحالوا في رواية على أخرى بينوا ما في الرواية المحالة من الزيادة على الأولى.
وخلاصة القول: إن الزيادة لا تصح لشذوذها، ولو صحت لم تكن دليلًا على جواز التوسل بذاته - ﵌ -، لاحتمال أن يكون معنى قوله: "فافعل مثل ذلك " يعني من إتيانه - ﵌ - في حال حياته، وطلب الدعاء منه والتوسل به، والتوضؤ والصلاة، والدعاء الذي علمه رسول الله - ﵌ - أن يدعو به. والله أعلم.
الزيادة الثانية:
قصة الرجل مع عثمان بن عفان، وتوسله به - ﵌ - حتى قضى له حاجته، وأخرجها الطبراني في "المعجم الصغير" (ص١٠٣ - ١٠٤) وفي "الكبير" (٣/ ٢/١/ ١ - ٢) من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان: إئت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد - ﵌ - نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿، فاقضِ لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان ﵁ فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فآتنا، ثم إن الرجل خرج من
[ ٣ / ٦٧٩ ]
عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله - ﵌ - وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي - ﵌ -: فتصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي - ﵌ -: «ائت الميضأة، فتوضأ ثم صلي ركعتين، ثم ادعُ بهذه الدعوات» قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني: "لم يرواه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي-واسمه عمير بن يزيد-وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح".
قلت: لا شك في صحة الحديث، وإنما البحث الآن في هذه القصة التي تفرد بها شبيب بن سعيد كما قال الطبراني، وشبيب هذا متكلم فيه، وخاصة في رواية ابن وهب عنه، لكن تابعه عنه إسماعيل وأحمد ابنا شبيب بن سعيد هذا، أما اسماعيل فلا أعرفه، ولم أجد من ذكره، ولقد أغفلوه حتى لم يذكروه في الرواة عن أبيه، بخلاف أخيه أحمد فإنه صدوق، وأما أبوه شبيب فملخص كلامهم فيه: أنه ثقة في حفظه ضعف، إلا في رواية ابنه أحمد هذا عنه عن يونس خاصة فهو حجة، فقال الذهبي في "الميزان": "صدوق يغرب، ذكره ابن عدي في "كامله" فقال .. له نسخة عن يونس بن يزيد مستقيمة، حدث عنه ابن وهب بمناكير، قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه صحيح قد كتبته عن ابنه أحمد. قال ابن عدي: كان شبيب لعله يغلط ويهم إذ حدث من حفظه، وأرجو أنه لا يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه يونس آخر. يعني يجوَّد".
[ ٣ / ٦٨٠ ]
فهذا الكلام يفيد أن شبيبًا هذا لا بأس بحديثه بشرطين اثنين: الأول: ان يكون من رواية ابنه أحمد عنه، والثاني: أن يكون من رواية شبيب عن يونس، والسبب في ذلك أنه كان عنده كتب يونس بن يزيد، كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن أبيه (٢/ ١/٣٥٩)، فهو إذا حدث من كتبه هذه أجاد، وإذا حدث من حفظه وهو كما قال ابن عدي، وعلى هذا فقول الحافظ في ترجمته من "التقريب": "لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب" فيه نظر، لأنه أوهم أنه لا بأس بحديثه من رواية أحمد مطلقًا، وليس كذلك، بل هذا مقيد بأن يكون من روايته هو عن يونس لما سبق، ويؤيده أن الحافظ نفسه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيبًا هذا في "من طعن فيه من رجال البخاري" من "مقدمة فتح الباري" (ص١٣٣) ثم دفع الطعن عنه-بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه-بقوله: (قلت: أخرج البخاري من رواية ابنه عنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئًا".
فقد أشار ﵀ بهذا الكلام إلى أن الطعن قائم في شبيب إذا كانت روايته عن غير يونس، ولو من رواية ابنه أحمد عنه، وهذا هو الصواب كما بينته آنفًا، وعليه يجب أن يحمل كلامه في "التقريب" توفيقًا بين كلاميه، ورفعًا للتعارض بينهما.
إذا تبين هذا يظهر لك ضعف هذه القصة، وعدم صلاحية الاحتجاج بها. ثم ظهر لي فيها علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها، فقد أخرج الحديث ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص٢٠٢) والحاكم (١/ ٥٢٦) من ثلاثة طرق عن أحمد بن شبيب بدون القصة، وكذلك رواه عون بن عمارة البصري ثنا روح ابن القاسم به، أخرجه الحاكم، وعون هذا وإن كان ضعيفًا، فروايته أولى من رواية شبيب، لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
[ ٣ / ٦٨١ ]
وخلاصة القول: إن هذه القصة ضعيفة منكرة، لأمور ثلاثة:
ضعف حفظ المتفرد بها، والاختلاف عليه فيها، ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث، وأمر واحد من هذه الأمور كاف لإسقاط هذه القصة، فكيف بها مجتمعة؟
ومن عجائب التعصب واتباع الهوى أن الشيخ الغماري أورد روايات هذه القصة في "المصباح" (ص١٢و١٧) من طريق البيهقي في "الدلائل" والطبراني، ثم لم يتكلم عليها مطلقًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا، والسبب واضح، أما التصحيح فغير ممكن صناعة، وأما التضعيف فهو الحق ولكن
ونحو ذلك فعل من لم يوفق في "الإصابة"، فإنهم أوردوا (ص٢١ - ٢٢) الحديث بهذه القصة، ثم قالوا: "وهذا الحديث صححه الطبراني في "الصغير" و"الكبير""!
وفي هذا القول على صغره جهالات:
أولًا: أن الطبراني لم يصحح الحديث في "الكبير" بل في "الصغير" فقط، وأنا نقلت الحديث عنه للقارئين مباشرة، لا بالواسطة كما يفعل أولئك، لقصر باعهم في هذا العلم الشريف (ومن ورد البحر استقل السواقيا).
ثانيًا: أن الطبراني إنما صحح الحديث فقط دون القصة، بدليل قوله وقد سبق: (قد روى الحديث شعبة والحديث صحيح) فهذا نص على أنه أراد حديث شعبة، وشعبة لم يرو هذه القصة، فلم يصححها إذن الطبراني، فلا حجة لهم في كلامه.
[ ٣ / ٦٨٢ ]
ثالثًا: أن عثمان بن حنيف لو ثبتت عنه القصة لم يُعَلَّم ذلك الرجل فيها دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة " اللهم شفعه في وشفعني فيه " لأنه يفهم بسليقته العربية أن هذا القول يستلزم أن يكون النبي - ﵌ - داعيًا لذلك الرجل، كما كان داعيًا للأعمى، ولما كان هذا منفيًا بالنسبة للرجل، لم يذكر هذه الجملة؟ قال شيخ الإسلام (ص١٠٤): (ومعلوم أن الواحد بعد موته - ﵌ - إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه-مع أن النبي - ﵌ - لم يدعُ له-كان هذا كلامًا باطلًا، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره ان يسأل النبي - ﵌ - شيئًا، ولا أن يقول: (فشفعه في)، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي - ﵌ - شفاعة، ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: (فشفعه في) لكان كلامًا لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي - ﵌ - لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثورًا عن النبي - ﵌ -، ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن العبادات أو الإباحات أو الايجابات أو التحريمات، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي - ﵌ - يخالفه ولا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته ان يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول).
ثم ذكر أمثلة كثيرة مما تفرد به بعض الصحابة، ولم يتبع عليه مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، ونحو ذلك فراجعه.
ثم قال: وإذا كان في ذلك كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي - ﵌ - بعد موته من غير أن يكون النبي - ﵌ - داعيًا له، ولا شافعًا فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته
[ ٣ / ٦٨٣ ]
- ﵌ - يتوسلون فلما مات لم يتوسلوا به، بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور، لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر: لا يأكل سمينًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته، فلو كان توسلهم بالنبي - ﵌ - بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما، ونعدل عن التوسل بالنبي - ﵌ - الذي هو أفضل الخلائق، وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره، وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به، لا بذاته).
هذا، وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة وجدها من الأدلة الأخرى على نكارتها وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان ﵁ كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل، ولا يلتفت إليه! فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي - ﵌ - أن الملائكة تستحي من عثمان، ومع ما عرف به ﵁ من رفقه بالناس، وبره بهم، ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه، لأنه ظلم يتنافى مع شمائه ﵁ وأرضاه.
(تنبيه): اطلعنا بعد صف هذه الملزمة على كتاب "التوصل إلى حقيقة التوسل" للشيخ محمد نسيب الرفاعي، الذي ذيل اسمه عليه بلقب "مؤسس الدعوة السلفية وخادمها"، وتقتضينا الأمانة العلمية، والنصيحة الدينية وقول كلمة
[ ٣ / ٦٨٤ ]
الحق أن نبين حكم الله كما نفهمه، وندين الله تعالى به في هذا اللقب فنقول:
إن من نافلة القول أن نبين أن الدعوة إنما هي دعوة الإسلام الحق كما أنزله الله تعالى على خاتم رسله وأنبيائه محمد - ﵌ -، فالله وحده سبحانه هو مؤسسها ومشرعها، وليس لأحد من البشر كائنًا من كان أن يدعي تأسيسها وتشريعها، وحتى النبي الأكرم محمد صلوات الله وسلامه عليه إنما كان دوره فيها التلقي الواعي الأمين، والتبليغ الكامل الدقيق، ولم يكن مسموحًا له التصرف في شيء من شرع الله تعالى ووحيه، ولهذا فادعاءه إنسان مهما علا وسما تأسيس هذه الدعوة الإلهية المباركة إنما هو في الحقيقة خطأ جسيم وجرح بليغ، هذا إن لم يكن شركًا أكبر، والعياذ بالله.
فلا ندري كيف وقع هذا من رجل عاش دهرًا طويلًا مع إخوانه في حلب وغيرها من البلاد الشامية في الدعوة السلفية التي هي أخص خصائصها وأهم اهتماماتها محاربة الشركيات والوثنيات اللفظية، فضلًا عن الشركيات الاعتقادية، ثم اعتزلهم جميعًا، هدانا الله تعالى وإياه، وجنبنا الزلل والفتن ومضلات الأهواء.
ولعل أحدًا يحاول التماس عذر للمؤلف بأنه إنما قصد من ذاك اللقب أنه مجدد الدعوة السلفية، وليس أنه منشئها وصائغ تعاليمها، وقد كان في المسلمين قديمًا وحديثًا مجددون، والمؤلف واحد من هؤلاء في ظنه.
ونقول: نعم، إن هناك مجددين لدعوة الإسلام الحق على تتالي الزمان، ولكن شتان بين المؤلف وأولئك المجددين، وحسبه أن يكون تابعًا لأحدهم، ولو وافقناه جدلًا على حشر نفسه معهم لكان من الواجب عليه أن يحدد دائرة لتجديده المزعوم كبلد أو قطر، أما إطلاقه ذاك اللقب الفضفاض فإنه يوحي إلى القراء بأنه
[ ٣ / ٦٨٥ ]
المجدد للإسلام في العالم الإسلامي كله في هذا العصر، وأين هو من هذا؟
أضف إلى ذلك أن من الأخلاق الأساسية التي يجب أن يتصف بها الداعية المسلم التواضع، والبعد عن حب الظهور والتفاخر والادعاء، فإن هذه أدواء قاتلة تجرد الساعي إليها، والحريص عليها من أهلية الدعوة، وتفقده سلاحًا ماضيًا للنصر على أعدائها، وتجعل عمله هباءً منثورًا، والعياذ بالله، فاللهم عصمتك وهداك.
هذا وقد تصفحنا الكتاب المشار إليه على عجل، فوجدنا فيه بعض الأخطاء، ننبه على بعضها في محله، ومنها أنه قال في (ص٢٣٧) في صدد الحديث عن إسناد القصة السابقة ما نصه: "إن في سند هذا الحديث رجلًا اسمه روح بن صلاح، وقد ضعفه الجمهور وابن عدي وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة".وهذا خطأ محض لا ندري وجهه، وهذا الرجل "أي روح بن صلاح" إنما هو علة الحديث الثالث كما سيأتي.
الشبهة الثالثة: الأحاديث الضعيفة في التوسل:
يحتج مجيزو التوسل المبتدع بأحاديث كثيرة، إذا تأملناها نجدها تندرج تحت نوعين اثنين، الأول ثابت بالنسبة إلى رسول الله - ﵌ -، ولكنه لا يدل على مرادهم، ولا يؤيد رأيهم كحديث الضرير، وقد تقدم الكلام على هذا النوع.
والنوع الثاني غير ثابت النسبة إلى رسول الله - ﵌ -، وبعضه يدل على مرادهم، وبعضه لا يدل، وهذه الأحاديث التي لا تصح كثيرة، فأكتفي بذكر ما اشتهر منها، فأقول:
الحديث الأول:
عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم
[ ٣ / ٦٨٦ ]
إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا أقبل الله عليه بوجهه ".
رواه أحمد (٣/ ٢١) واللفظ له، وابن ماجه، وانظر تخريجه مفصلًا في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (رقم ٢٤).وإسناده ضعيف لأنه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية ضعيف كما قال النووي في "الأذكار" وابن تيمية في "القاعدة الجليلة" والذهبي في "الميزان" بل قال في "الضعفاء" (٨٨/ ١): "مجمع على ضعفه"، والحافظ الهيثمي في غير موضع من "مجمع الزوائد" منها (٥/ ٢٣٦) وأورده أبوبكر بن المحب البعلبكي في "الضعفاء والمتروكين"، والبوصيري كما يأتي، وكذا الحافظ ابن حجر بقوله فيه: "صدوق يخطىء كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا"، وقد أبان فيه عن سبب ضعفه وهو أمران:
الأول: ضعف حفظه بقوله: "يخطىء كثيرًا"، وهذا كقوله فيه "طبقات المدلسين": "ضعيف الحفظ" وأصرح منه قوله في "تلخيص الحبير" (ص٢٤١ طبع الهند) وقد ذكر حديثًا آخر: "وفيه عطية بن سعيد العوفي وهو ضعيف".
الثاني: تدليسه، لكن كان على الحافظ أن يبين نوع تدليسه، فإن التدليس عند المحدثين على أقسام كثيرة من أشهرها ما يلي:
الأول: أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه سمعه منه، كأن يقول: عن فلان، أو قال فلان.
الثاني: أن يأتي الراوي باسم شيخه أو لقبه على خلاف المشهور به تعمية لأمره، وقد صرحوا بتحريم هذا النوع إذا كان شيخه غير ثقة، فدلسه لئلا يعرف حاله، أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته، وهذا يعرف عندهم بتدليس الشيوخ.
[ ٣ / ٦٨٧ ]
قلت: وتدليس عطية من هذا النوع المحرم، كما كنت بينته في كتابي "الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة" (٢٤).
وخلاصة ذلك أن عطية هذا كان يروي عن أبي سعيد الخدري ﵁، فلما مات جالس أحد الكذابين المعروفين، بالكذب في الحديث وهو الكلبي، فكان عطية إذا روى عنه كناه أبا سعيد، فيتوهم السامعون منه أنه يريد أبا سعيد الخدري! وهذا وحده عندي يسقط عدالة عطية هذا، فكيف إذا انضم إلى ذلك سوء حفظه! ولهذا كنت أحب للحافظ ﵀ أن ينبه على أن تدليس عطية من هذا النوع الفاحش، ولو بالإشارة كما فعل في "طبقات المدلسين" إذ قال: "مشهور بالتدليس القبيح" كما سبق.
ثم كأن الحافظ نسي أو وهم-أو غير ذلك من الأسباب التي تعرض للبشر-فقال في تخريجه لهذا الحديث: إن عطية قال في رواية: حدثني أبو سعيد. قال: (فأمن بذلك تدليس عطية) كما نقله ابن علان عنه، وقلده في ذلك بعض المعاصرين.
قلت: والتصريح بالسماع إنما يفيد إذا كان التدليس من النوع الأول، وتدليس عطية من النوع الآخر القبيح، فلا يفيد فيه ذلك، لأنه في هذه الرواية أيضًا قال: (حدثني أبو سعيد) فهذا هو عين التدليس القبيح.
فتبين مما سبق أن عطية ضعيف لسوء حفظه وتدليسه الفاحش، فكان حديثه هذا ضعيفًا، وأما تحسين الحافظ له الذي اغتر به من لا علم عنده فهو بناء على سهوه السابق، فتنبه ولا تكن من الغافلين. وفي الحديث علل أخر تكلمت عليها في الكتاب المشار إليه سابقًا، فلا حاجة للإعادة، فليرجع إليه من شاء الزيادة.
[ ٣ / ٦٨٨ ]
وأما فهم بعض المعاصرين من عبارة الحافظ ابن حجر السابقة في "التقريب" أنها تفيد توثيق عطية هذا ففهم لا يغبطون عليه، وقد سألت الشيخ أحمد بن الصديق حين التقيت به في ظاهرية دمشق عن هذا الفهم فتعجب منه، فإن من كثر خطؤه في الرواية سقطت الثقة به بخلاف من قال ذلك منه، فالأول ضعيف الحديث، والآخر حسن الحديث، ولذلك جعل الحافظ في "شرح النخبة" من كثر غلطه قرين من ساء حفظه، وجعل حديث كل منهما مردودًا فراجعه مع حاشية الشيخ علي القاري عليه (ص١٢١، ١٣٠).
وإنما غرّ هؤلاء ما نقلوه عن الحافظ أنه قال في "تخريج الأذكار": "ضعف عطية إنما جاء من قبل تشيعه، وقيل تدليسه، وإلا فهو صدوق".
وهم لقصر باعهم إن لم نقل لجهلهم في هذا العلم لا جرأة لهم على بيان رأيهم الصريح في أوهام العلماء، بل إنهم يسوقون كلماتهم كأنها في مأمن من الخطأ والزلل، لا سيما إذا كانت موافقة لغرضهم كهذه الجملة، وإلا فهي ظاهرة التعارض مع قول الحافظ المنقول عن "التقريب" إذ أنها تعلل ضعف عطية بسببين:
أحدهما: التشيع، وهذا ليس جرحًا مطلقًا على الراجح.
والثاني: التدليس، وهذا جرح قد يزول كما سيأتي، ومع ذلك فإنه أشار إلى تضعيفه لهذا السبب بقوله: (قيل).بينما جزم في "التقريب" بأنه كان مدلسًا، كما جزم بأنه كان شيعيًا، ولذلك أورده "أعني الحافظ نفسه" في رسالة "طبقات المدلسين" (ص١٨) فقال: "تابعي معروف، ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح" ذكره في "المرتبة الرابعة" وهي التي يورد فيها "من اتفق على أنه لا يحتج
[ ٣ / ٦٨٩ ]
بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد" كما ذكره في المقدمة، فهذان النصان من الحافظ نفسه دليل على وهمه في تضعيفه كون عطية مدلسًا في الجملة المذكورة آنفًا. فهذا وجه من وجوه التعارض بينها وبين عبارة "التقريب".وثمة وجه آخر وهو أنه في هذه الجملة لم يصفه بما هو جرح عنده-كما سبق عن "شرح النخبة"-وهو قوله في "التقريب": "يخطىء كثيرًا" فهذا كله يدلنا على أن الحافظ رحمه الله تعالى لم يكن قد ساعده حفظه حين تخريجه لهذا الحديث، فوقع في هذا القصور الذي يشهد به كلامه المسطور في كتبه الأخرى، وهي أولى بالاعتماد عليها من كتابه "التخريج"، لأنه في تلك ينقل عن الأصول مباشرة، ويلخص منها بخلاف صنيعه في "التخريج".
ولما ذكرنا من حال العوفي ضعف الحديث غير واحد من الحفاظ كالمنذري في "الترغيب" والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" وكذا البوصيري، فقال في "مصباح الزجاجة" (٢/ ٥٢): (هذا إسناد مسلسل بالضعفاء: عطية وفضيل بن مرزوق والفضل بن الموفق كلهم ضعفاء).وقال صديق خان في "نزل الأبرار" (ص٧١) بعد أن أشار لهذا الحديث وحديث بلال الآتي بعده: (وإسنادهم ضعيف، صرح بذلك النووي في"الأذكار").
الحديث الثاني:
وحديث بلال الذي أشار إليه صديق خان هو ما روي عنه أنه قال: "كان رسول الله - ﵌ - إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا .. " الحديث أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة-
[ ٣ / ٦٩٠ ]
رقم٨٢" من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن
جابر بن عبد الله عنه.
قلت: وهذا سند ضعيف جدًا، وآفته الوازع هذا، فإنه لم يكن عنده وازع يمنعه من الكذب، كما بينته في "السلسلة الضعيفة" ولذلك لما قال النووي في "الأذكار": "حديث ضعيف أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث" قال الحافظ بعد تخريجه: "هذا حديث واه جدًا، أخرجه الدارقطني في "الأفراد" من هذا الوجه وقال: تفرد به الوازع، وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث. والقول فيه أشد من ذلك، فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم وجماعة، متروك الحديث، وقال الحاكم: يروي أحاديث موضوعة".
قلت: فلا يجوز الاستشهاد به كما فعل الشيخ الكوثري، والشيخ الغماري في "مصباح الزجاجة" (٥٦) وغيرهما من المبتدعة.
ومع كون هذين الحديثين ضعيفين فهما لا يدلان على التوسل بالمخلوقين أبدًا، وإنما يعودان إلى أحد أنواع التوسل المشروع الذي تقدم الكلام عنه، وهو التوسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته ﷿، لأن فيهما التوسل بحق السائلين على الله وبحق ممشى المصلين. فما هو حق السائلين على الله تعالى؟، لا شك أنه إجابة دعائهم، وإجابة الله دعاء عباده صفة من صفاته ﷿، وكذلك حق ممشى المسلم إلى المسجد هو أن يغفر الله له، ويدخله الجنة ومغفرة الله تعالى ورحمته، وإدخاله بعض خلقه ممن يطيعه الجنة. كل ذلك صفات له ﵎. وبهذا تعلم أن هذا الحديث الذي يحتج به المبتدعون ينقلب عليهم، ويصبح بعد فهمه فهمًا جيدًا حجة لنا عليهم، والحمد لله على توفيقه.
[ ٣ / ٦٩١ ]
الحديث الثالث:
عن أبي أمامة قال: " كان رسول الله - ﵌ - إذا أصبح، وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء: اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد .. أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك ".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١١٧): "رواه الطبراني، وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه".
قلت: بل هو ضعيف جدًا، اتهمه ابن حبان فقال: "شيخ يزعم أنه سمع أبا أمامة، يروي عنه ما ليس منه حديثه".وقال أيضًا: "لا يجوز الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل له".
وقال ابن عدي في "الكامل" (٢٥/ ١٣): "أحاديثه كلها غير محفوظة".
قلت: فالحديث شديد الضعف، فلا يجوز الاستشهاد به أيضًا، كما فعل صاحب "المصباح" (ص٥٦).
الحديث الرابع:
عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي ﵄ دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون
فلما فرغ دخل رسول الله - ﵌ -، فاضطجع فيه فقال: " الله الذي يحيي ويميت، وهو حي
لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بين أسد، ولقنها حجتها، ووسع مدخلها بحق
[ ٣ / ٦٩٢ ]
نبيك، والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين ".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٥٧): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح، وثقة ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٢١) وإسناده عندهما ضعيف، لأن روح بن صلاح الذي في إسناده قد تفرد به، كما قال أبو نعيم نفسه، وروح ضعفه ابن عدي، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني "ضعيف في الحديث" وقال ابن ماكولا: "ضعفوه" وقال ابن عدي بعد أن أخرج له حديثين: "له أحاديث كثيرة، في بعضها نكرة" فقد اتفقوا على تضعيفه فكان حديثه منكرًا لتفرده به.
وقد ذهب بعضهم إلى تقوية هذا الحديث لتوثيق ابن حبان والحاكم لروح هذا، ولكن ذلك لا ينفعهم، لما عرفا به من التساهل في التوثيق، فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى
لو كان الجرح مبهمًا، فكيف مع بيانه كما هي الحال هنا، وقد فصلت الكلام على ضعف هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة" (٢٣) فلا نعيد الكلام عليه في هذه العجالة، ولكن المشار إليهم جاؤوا بما يضحك فقالوا: "حكم عليه الشيخ ناصر بالضعف، فنطالبه بمن ضعف هذا الحديث من المحدثين".
قلت: قد ذكرنا من ضعف رواية روح بن صلاح الذي تفرد به، وهذا يستلزم ضعف حديثه كما لا يخفى إلا عند المتابعة وقد نفاها أبو نعيم، أو عند مجيئه من طريق آخر وهيهات!
[ ٣ / ٦٩٣ ]
ثم قالوا: "ولو فرض تضعيفه، فضعفه خفيف فلا يمنع جواز العمل، لأنه من باب ما جوزه المحدثون والفقهاء من العمل بالضعيف الذي ليس ضعفه بشديد في الترغيب والترهيب".
قلت: ليس في هذا الحديث شيء من الترغيب، ولا هو يبين فضل عمل ثابت في الشرع، إنما هو ينقل أمرًا دائرًا بين أن يكون جائزًا أو غير جائز، فهو إذن يقرر حكمًا شرعيًا لو صح، وأنتم إنما توردونه من الأدلة على جواز هذا التوسل المختلف فيه، فإذا سلمتم بضعفه لم يجز لكم الاستدلال به، وما أتصور عاقلا يوافقكم على إدخال هذا الحديث في باب الترغيب والترهيب، وهذا شأن من يفر من الخضوع للحق، يقول ما لا يقوله جميع العقلاء.
الحديث الخامس:
عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: " كان رسول الله - ﵌ - يستفتح بصعاليك المهاجرين".
فيرى المخالفون أن هذا الحديث يفيد أن النبي - ﵌ - كان يطلب من الله تعالى أن ينصره، ويفتح عليه بالضعفاء المساكين من المهاجرين، وهذا-بزعمهم-هو التوسل المختلف فيه نفسه.
والجواب من وجهين:
الأول: ضعف الحديث، فقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ٨١/٢): حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه حدثنا أبي حدثنا عيسى بن يونس حدثني أبي عن أبيه عن أميه به.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي بن عبيد الله بن عمر
[ ٣ / ٦٩٤ ]
القواريري حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد به. ثم رواه من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة عن أمية بن خالد مرفوعًا بلفظ:
" يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين ".
قلت: مداره على أمية هذا، ولم تثبت صحبته، فالحديث مرسل ضعيف، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١/ ٣٨): "لا تصح عندي صحبته، والحديث مرسل" وقال الحافظ في "الإصابة" (١/ ١٣٣): "ليست له صحبة ولا رواية".
قلت: وفيه علة أخرى، وهي اختلاط أبي اسحاق وعنعنته، فإنه كان مدلسًا، إلا أن سفيان سمع منه قبل الاختلاط، فبقيت العلة الأخرى وهي العنعنة.
فثبت بذلك ضعف الحديث وأنه لا تقوم به حجة. وهذا هو الجواب الأول.
الثاني: أن الحديث لو صح فلا يدل إلا على مثل ما دل عليه حديث عمر، وحديث الأعمى من التوسل بدعاء الصالحين. قال المناوي في "فيض القدير": " كان يستفتح " أي يفتتح القتال، من قوله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ذكره الزمخشري.
" ويستنصر " أي يطلب النصرة " بصعاليك المسلمين " أي بدعاء فقرائهم الذين لا مال لهم.
قلت: وقد جاء هذا التفسير من حديثه، أخرجه النسائي (٢/ ١٥) بلفظ: " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم " وسنده صحيح، وأصله في "صحيح البخاري" (٦/ ٦٧)، فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين، لا بذواتهم وجاههم.
[ ٣ / ٦٩٥ ]
ومما يؤكد ذلك أن الحديث ورد في رواية قيس بن الربيع المتقدمة بلفظ: " كان يستفتح ويستنصر " فقد علمنا بهذا أن الاستنصار بالصالحين يكون بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم، وهكذا الاستفتاح، وبهذا يكون هذا الحديث-إن صح-دليلًا على التوسل المشروع، وحجة على التوسل المبتدع، والحمد لله.
الحديث السادس:
عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: " لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك ".
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦١٥) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل بن مسلمة: أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر. وقال: "صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب".
فتعقبه الذهبي فقال: "قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري من ذا" قلت: ومن تناقض الحاكم في "المستدرك" نفسه أنه أورد فيه (٣/ ٣٣٢) حديثًا آخر لعبد الرحمن هذا ولم يصححه، بل قال: "والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد! ".
قلت: والفهري هذا أورده الذهبي في "الميزان" وساق له هذا الحديث وقال: (خبر باطل)، وكذا قال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٣/ ٣٦٠) وزاد عليه قوله في الفهري هذا: (لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته) قلت:
[ ٣ / ٦٩٦ ]
والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رُشيد، قال الحافظ: ذكره ابن حبان، متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه، وهو الذي روى عن ابن هدية نسخة كأنها معمولة).
قلت: والحديث رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (ص٢٠٧): ثنا محمد بن داود بن أسلم الصدفي المصري: ثنا أحمد ابن سعيد المدني الفهري: ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به. وهذا سند مظلم فإن كل من دون عبد الرحمن لا يعرفون، وقد أشار إلى ذلك الحافظ الهيثمي حيث قال في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٥٣): "رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم".
قلت: وهذا إعلال قاصر، يوهم من لا علم عنده أن ليس فيهم من هو معروف بالطعن فيه، وليس كذلك فإن مداره على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال البيهقي: "إنه تفرد به" وهو متهم بالوضع، رماه بذلك الحاكم نفسه، ولذلك أنكر العلماء عليه تصحيحه لحديثه، ونسبوه إلى الخطأ والتناقض، فقال "وراث علم الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين شيخ الإسلام ابن تيمية" (١) ﵀ في "القاعدة الجليلة" (ص٨٩): (ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب "المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم":
"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه" (٢).قلت: وعبد الرحمن بن
_________________
(١) من كلام العلامة الشيخ محب الدين الخطيب في مقدمته للقاعدة الجليلة. [منه].
(٢) نقل هذا الكلام عن الحاكم وابن حبان أيضًا الحافظ ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" (ص٢٩) والحافظ ابن حجر في "التهذيب". [منه].
[ ٣ / ٦٩٧ ]
زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا (١)، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة
وأبو حاتم والنسائي والدارقطني، وغيرهم. وقال ابن حبان: "كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك".
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث موضوعة مكذوبة عند
أهل المعرفة بالحديث. ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم.
قلت: وقد أورد الحاكم نفسه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه "الضعفاء" كما سماه العلامة ابن عبد الهادي، وقال في آخره: "فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا أستحله تقليدًا، والذي أختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله - ﵌ -: " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن" (٢).
قلت: فمن تأمل في كلام الحاكم هذا والذي قبله يتبن له بوضوح أن حديث عبد الرحمن بن زيد هذا موضوع عند الحاكم نفسه، وأن من يرويه بعد العلم بحاله
_________________
(١) هذا نص من شيخ الإسلام على أن كلمة "يغلط كثيرًا" صيغة جرح لا تعديل، ولا يخفى أنه لا فرق بينها وبين كلمة "يخطئ كثيرًا" التي وصف الحافظ بها عطية العوفي كما سبق. [منه].
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٧) وابن حبان في "صحيحه" (١/ ٢٧) من حديث سمرة بن جندب، ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة، وقال: "هو حديث مشهور". [منه]
[ ٣ / ٦٩٨ ]
فهو أحد الكاذبَيْن.
وقد اتفق عند التحقيق كلام الحفاظ ابن تيمية والذهبي والعسقلاني على بطلان هذا الحديث، وتبعهم على ذلك غير واحد من المحققين كالحافظ ابن عبد الهادي كما سيأتي، فلا يجوز لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصحح الحديث بعد اتفاق هؤلاء على وضعه تقليدًا للحاكم في أحد قوليه، مع اختياره في قوله الآخر لطالب العلم أن لا يكتب حديث عبد الرحمن هذا، وأنه إن فعل كان أحد الكاذبين كما سبق.
(تنبيه): إذا عرفت هذا فقول بعض المشايخ: "إن حكم الشيخ ناصر على الحديث بأنه "كذب وموضوع" باطل لأن مستنده قول الذهبي إنه موضوع" باطل حقًا لأن الذهبي قد وافقه من ذكرنا من الحفاظ الأعلام، ثم قالوا: "ومستند الذهبي ما في إسناد الحاكم من رجل قيل فيه إنه متهم".قلت: "هذا باطل أيضًا، لأن الرجل المشار إليه وهو عبد الله بن مسلم الفهري جهله الذهبي ولم يتهمه كما تقدم نقله عنه، وما أظن هذا يخفى عليهم ولكنهم تجاهلوه لغرض في أنفسهم، وهو أن يتسنى لهم أن يقولوا عقب ذلك: "لكن للحديث إسناد آخر عند الطبراني ليس فيه هذا المتهم، وغاية ما فيه أن فيه من هو غير معروف"، قلت: بل فيه ثلاثة لا يعرفون، وإذا كانوا لا يعلمون ذلك فلماذا عدلوا عن تقليد الهيثمي في قوله: "وفيه من لم أعرفهم" كما سبق، وهم هلكى وراء التقليد، إلى قولهم: "فيه من هو غير معروف"؟! السبب في ذلك أن قول الهيثمي نص على أن "من هو غير معروف" جماعة، وأما قولهم فليس نصًا على ذلك، بل هذا يقال إذا كان في السند شخص لا يعرف أو أكثر، فهو في الحقيقة من تلبيساتهم على القراء. نعوذ بالله من الخذلان. ثم قالوا عطفًا على ما سبق: "وإن فيه عبد الرحمن بن زيد وهو على
[ ٣ / ٦٩٩ ]
الراجح عند الحافظ ابن حجر ممن يقال فيه ضعيف، وهذه الكلمة من أخف مراتب التضعيف" أقول: لكن الراجح عند غير الحافظ أنه أشد ضعفًا من ذلك، فقد قال فيه أبو نعيم: (روى عن أبيه أحاديث موضوعة).وكذا قال الحاكم نفسه كما سبق، وهو وكذا أبو نعيم من المعروفين بتساهلهم في التوثيق، فإذا جرحا فإنما ذلك بعد ان ظهر لهما ان عبد الرحمن مجروح حقًا، ولذلك اتفقوا على تضعيفه كما في نص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بل ضعّفه جدًا علي بن المديني وابن سعد وغيرهما، وقال الطحاوي: "حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف" فهو معروف بالضعف الشديد منذ القديم، فما الذي حمل المخالفين على الإعراض عن هذه الأقوال المتضافرة على أن عبد الرحمن هذا ضعيف جدًا-إن لم يكن كذابًا-إلى التمسك بقول الحافظ فيه "ضعيف"؟! أقول هذا مع احتمال أن يكون سقط من قلم الحافظ أو قلم بعض النساخ عقب قوله "ضعيف" لفظة "جدًا" وعلى كل حال فإن تقليدهم للحافظ في هذه الكلمة لا يفيدهم شيئًا، بعد أن حكم هو على الحديث بأنه "خبر باطل" كما سبق نقله عن "لسانه"! فهذا من الأدلة الكثيرة على أن هؤلاء أتباع هوى، وليسوا طلاب حق، وإلا لأخذوا بقول الحافظ هذا الموافق لقول الذهبي وغيره من المحققين، ولم يعرجوا على تضعيفه فقط لعبد الرحمن، ليعارضوا به الذهبي، ويدلسوا على الناس أمر الحديث، ويظهروه بمظهر الأحاديث التي اختلف فيها العلماء حتى يتسنى لهم ابتداع رأي جديد حول الحديث يتلاءم مع قول أحد الحفاظ في احد رواته! فانظر اليهم كيف قالوا عقب ما سبق: (فما كان حاله هكذا عند المحدثين فليس من الموضوع، ولا من الضعيف الشديد، بل هو من القسم الذي يعمل به في الفضائل)!
[ ٣ / ٧٠٠ ]
أقول: وهذا كلام ساقط من وجهين: الأول: أنه مبني على أن عبد الرحمن ضعيف فقط وليس كذلك بل هو ضعيف جدًا كما سبق، وسيأتي التصريح بذلك عن أحد الحفاظ النقاد. الثاني: أنه معارض لحكم الحافظ بل الحفاظ على الحديث بالبطلان كما سبق، فكيف جاز لهم مخالفتهم لا سيما قد صرح أحدهم في "التعقيب الحثيث" (٢١) "أنه ليس له صفة التصحيح والتضعيف"! فلعله قال ذلك تواضعًا! وإلا فأنت تراه هنا قد أعطى لنفسه منزلة تسوغ له الاستقلال في البحث ولو أدى إلى مخالفة كل أولئك الحفاظ والنقاد! ويؤيد هذا الذي نقوله فيه انه قال عطفًا على ما سبق: "فنحن في هذا الحديث مع من لم ير به ذلك (يعني الوضع) كالحاكم والحافظ السبكي، فليس علينا فيه افتيات على الحافظ الذهبي، لكن رأينا ما عليه الحافظان المذكوران أقرب إلى الصواب".
أقول: ولا يخفى ما في هذا الكلام من التلبيس والتدليس فإن الحاكم إنما ذهب في "المستدرك" إلى تصحيح الحديث كما سبق، والسبكي قلده في ذلك كما بينه الحافظ ابن عبد الهادي فقال في رده عليه في "الصارم المنكي" (ص٣٢): (وإني لاتعجب منه كيف قلد الحاكم في تصحيحه مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد جدًا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح بل مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحًا إلى عبد الرحمن لكان ضعيفًا غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه، وقد أخطأ الحاكم وتناقض تناقضًا فاحشًا كما عرف له ذلك في مواضيع، فإنه قال في كتاب "الضعفاء"، بعد أن ذكر عبد الرحمن متهم) وذكر ما نقلته عنه فيما سبق (ص٨٦ - ٨٧): "فانظر إلى ما وقع للحاكم في هذا الموضع من الخطأ العظيم والتناقض الفاحش، ثم إن هذا المعترض المخذول
[ ٣ / ٧٠١ ]
عمد إلى هذا الذي اخطأ فيه الحاكم وتناقض، فقلده فيه، واعتمد عليه، فقال " ونحن قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم"، وذكر قبل ذلك بقليل أنه مما تبين له صحته. فانظر يرحمك الله إلى هذا الخذلان البين والخطأ الفاحش! كيف جاء هذا المعترض إلى حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث موضوع، فصححه واعتمد عليه، وقلد في ذلك الحاكم مع ظهور خطئه وتناقضه، مع معرفة هذا المعترض بضعف راويه وجرحه واطلاعه على الكلام المشهور فيه".
أقول: هذا شأن السبكي رحمه الله تعالى في هذا الحديث، وتقليد الحاكم في تصحيحه، وهذا مع كونه خطأ في نفسه كما سبق بيانه فهو خلاف رأي المشار إليه سابقًا الذي صرح بأن الحديث ضعيف لا صحيح ولا موضوع، فقد خالف-هو ومن قلده وناصره-الحاكم والسبكي كما خالفوا من سبق ذكرهم من العلماء الفحول الذين قالوا بوضع الحديث أو بطلانه، فليس افتئاتهم على الذهبي فقط، بل وعلى من وافقه وخالفه جميعًا! فليتأمل العاقل ما يفعل الهوى بصاحبه! لقد أرادوا أن ينزهوا أنفسهم عن الافتئات على الذهبي، وإذا بهم يقولون بما هو أدهى وأمر من الافتئات على من ذكرنا من العلماء!
ومن مغالطاتهم المكشوفة عند أهل العلم قولهم في أثناء كلامهم السابق بعد أن أشاروا إلى طريق الطبراني الذي سبق الكلام عليه: "فالذهبي لم يطلع على هذا الطريق، وإلا لو اطلع عليه لم يقل ذلك".
أقول: وهذا كلام باطل، إذ أن الذهبي حكم على الحديث بالوضع والبطلان من طريق الحاكم، وفيه عبد الرحمن بن زيد ورجل آخر لا يعرفه، كما سبق بيانه في أول هذا التنبيه، وطريق الطبراني فيه علاوة على عبد الرحمن هذا ثلاث رجال
[ ٣ / ٧٠٢ ]
آخرون لا يعرفون كما سبق أيضًا، فكيف يصح أن يقال حينئذ: (إن الذهبي لو اطلع على هذا الطريق لم يقل بذلك)؟!
اللهم إن هذه مغالطة ومكابرة مكشوفة أو جهل مركب، فرحمتك اللهم وهداك! لقد تبين للقراء الكرام مما سلف أن للحديث علتين:
الأولى: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأنه ضعيف جدًا.
الثانية: جهالة الإسناد إلى عبد الرحمن.
وللحديث عندي علة أخرى. وهي اضطراب عبد الرحمن أو من دونه في إسناده، فتارة كان يرفعه كما مضى، وتارة كان يرويه موقوفًا على عمر، لا يرفعه إلى النبي - ﵌ -، كما رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" (ص٤٢٧) من طريق عبد الله ابن إسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد به، وعبد الله هذا لم أعرفه أيضًا، فلا يصح عن عمر مرفوعًا ولا موقوفًا، ثم رواه الآجري من طريق آخر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: اللهم أسألك بحق محمد عليك .. الحديث نحوه مختصرًا، وهذا مع إرساله ووقفه، فإن إسناده إلى ابن أبي الزناد ضعيف جدًا، وفيه عثمان بن خالد والد أبي مروان العثماني، قال النسائي: (ليس بثقة).
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون أصل هذا الحديث من الإسرائيليات التي تسربت إلى المسلمين من بعض مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم. أو عن كتبهم التي لا يوثق بها، لما طرأ عليها من التحريف والتبديل كما بينه شيخ الإسلام في كتبه، ثم رفعه بعض هؤلاء الضعفاء إلى النبي - ﵌ - خطأ أو عمدًا.
[ ٣ / ٧٠٣ ]
مخالفة هذا الحديث للقرآن:
ومما يؤيد ما ذهب إليه العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به - ﷺ -، والله ﷿ يقول: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات، فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾.وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ مما يخالف هذا الحديث، فأخرج الحاكم (٣/ ٥٤٥) عنه: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟
قال: بلى. قال: ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قالت: أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
قلت: وقول ابن عباس هذا في حكم المرفوع من وجهين:
الأول: أنه أمر غيبي لا يقال من مجرد الرأي.
الثاني: أنه ورد في تفسير الآية، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع كما تقرر في محله، ولا سيما إذا كان من قول إمام المفسرين عبد الله بن عباس ﵄ الذي دعا له رسول الله - ﵌ - بقوله: " اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل".
وقد قيل في تفسير هذه الكلمات: إنها ما في الآية الأخرى ﴿قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾.وبهذا جزم السيد رشيد رضا في "تفسيره"
[ ٣ / ٧٠٤ ]
(١/ ٢٧٩).لكن أشار ابن كثير (١/ ٨١) إلى تضعيفه، ولا منافاة عندي بين القولين، بل أحدهم يتمم الآخر، فحديث ابن عباس لم يتعرض لبيان ما قاله آدم ﵇ بعد أن تلقى من ربه تلك الكلمات وهذا القول يبين ذلك، فلا منافاة والحمد لله، وثبت مخالفة الحديث للقرآن، فكان باطلًا.
الموضع الثاني: قوله في آخره: " ولولا محمد ما خلقتك " فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب والسنة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله ﵎: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون﴾.والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنًا وسنة، كما قرره ابن حزم في "الإحكام" وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال ﷿: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم - ﵌ - كمخالفة هذا الحديث الباطل. ومثله ما اشتهر على ألسنة الناس: " لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك " فإنه موضوع كما قاله الصنعاني ووافقه الشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص١١٦).ومن الطرائف أن المتنبي ميرزا غلام أحمد القادياني سرق هذا الحديث الموضوع فادعى أن الله خاطبه بقوله: (لولاك لما خلقت الافلاك)!! وهذا شيء يعترف به أتباعه القاديانيون هنا في دمشق وغيرها، لوروده في كتاب متنبئهم "حقيقة الوحي" (ص٩٩).
ثم على افتراض أن هذا الحديث ضعيف فقط كما يزعم بعض المخالفين خلافًا لمن سبق ذكرهم من العلماء والحفاظ، فلا يجوز الاستدلال به على
[ ٣ / ٧٠٥ ]
مشروعية التوسل المختلف فيه، لأن-على قولهم-عبادة مشروعة، وأقل أحوال العبادة أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي من الأحكام الخمسة التي لا تثبت إلا بنص صحيح تقوم به الحجة، فإذا الحديث عنده ضعيف، فلا حجة فيه البتة، وهذا بين لا يخفى إن شاء الله تعالى.
الحديث السابع: "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم":
وبعضهم يرويه بلفظ: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي
عند الله عظيم".
هذا باطل لا أصل له في شيء من كتب الحديث البتة، وإنما يرويه بعض الجهال بالسنة كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "القاعدة الجليلة" (ص١٣٢، ١٥٠) قال: (مع أن جاهه - ﵌ - عند الله أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، ولكن جاه المخلوق عند الخالق ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وما لهم فيهما من شرك، وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ (سبأ: ٢٢ - ٢٣).
فلا يلزم إذن من كون جاهه - ﵌ - عند ربه عظيمًا، أن نتوسل به إلى الله تعالى لعدم ثبوت الأمر به عنه - ﵌ -، ويوضح ذلك أن الركوع والسجود من مظاهر التعظيم فيما اصطلح عليه الناس، فقد كانوا وما يزال بعضهم يقومون ويركعون ويسجدون لمليكهم ورئيسهم والمعظم لديهم، ومن المتفق عليه بين المسلمين أن محمدًا - ﵌ - هو أعظم الناس لديهم، وأرفعهم عندهم. ترى فهل يجوز لهم أن
[ ٣ / ٧٠٦ ]
يقوموا ويركعوا ويسجدوا له في حياته وبعد مماته؟
الجواب: إنه لا بد لمن يجوز ذلك، من أن يثبت وروده في الشرع، وقد نظرنا فوجدنا أن السجود والركوع لا يجوزان إلا له ﷾، وقد نهى النبي - ﵌ - أن يسجد أو يركع أحد لأحد، كما أننا رأينا في السنة كراهية النبي - ﵌ - للقيام، فدل ذلك على عدم مشروعيته.
ترى فهل يستطيع أحد أن يقول عنا حين نمنع السجود لرسول الله - ﵌ -: إننا ننكر جاهه - ﵌ - وقدره؟ كلا ثم كلا.
فظهر من هذا بجلاء إن شاء الله تعالى أنه لا تلازم بين ثبوت جاه النبي - ﵌ - وبين تعظيمه بالتوسل بجاهه ما دام أنه لم يرد في الشرع.
هذا، وإن من جاهه - ﵌ - أنه يجب علينا اتباعه وإطاعته كما يجب إطاعة ربه، وقد ثبت عنه - ﵌ - أنه قال: " ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا أمرتكم به" فإذا لم يأمرنا بهذا التوسل ولو أمرَ استحباب فليس عبادة، فيجب علينا اتباعه في ذلك وأن ندع العواطف جانبًا، ولا نفسح لها المجال حتى ندخل في دين الله ما ليس منه بدعوى حبه - ﵌ -، فالحب الصادق إنما هو بالاتبْاع، وليس بابتداع كما قال ﷿: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ ومنه قول الشاعر:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
أثران ضعيفان:
١ - أثر الاستسقاء بالرسول - ﵌ - بعد وفاته:
[ ٣ / ٧٠٧ ]
وبعد أن فرغنا من إيراد الأحاديث الضعيفة في التوسل، وتحقيق القول فيها يحسن بنا أن نورد أثرًا، كثيرًا ما يورده المجيزون لهذا التوسل المبتدع، لنبين حاله من صحة او ضعف، وهل له علاقة بما نحن فيه أم لا؟
فأقول: قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٩٧) ما نصه: "وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار-وكان خازن عمر-قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي - ﵌ - فقال: يا رسول الله! استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجلُ في المنام، فقيل له: ائت عمر .. الحديث. وقد روى سيف في "الفتوح" أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة".
قلت: والجواب من وجوه:
الأول: عدم التسليم بصحة هذه القصة، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده
ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢١٣) ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه-مع سعة حفظه واطلاعه-لم يحك فيه توثيقًا فبقي على الجهالة، ولا ينافي هذا قول الحافظ: " بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان " لأننا نقول: إنه ليس نصًا في تصحيح جميع السند بل إلى أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسنادَ من عند أبي صالح، ولقال رأسًا: "عن مالك الدار وإسناده صحيح" ولكنه تعمد ذلك، ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئًا ينبغي النظر فيه، والعلماء إنما يفعلون ذلك لأسباب منها: أنهم قد لا يحضرهم ترجمة بعض الرواة، فلا يستجيزون لأنفسهم
[ ٣ / ٧٠٨ ]
حذف السند كله، لما فيه من إيهام صحته لاسيما عند الاستدلال به،
بل يوردون منه ما فيه موضع للنظر فيه، وهذا هو الذي صنعه الحافظ ﵀ هنا، وكأنه يشير إلى تفرد أبي صالح السمان عن مالك الدار كما سبق نقله عن ابن أبي حاتم، وهو يحيل بذلك إلى وجوب التثبت من حال مالك هذا أو يشير إلى جهالته. والله أعلم.
وهذا علم دقيق لا يعرفه إلا من مارس هذه الصناعة، ويؤيد ما ذهبت اليه أن الحافظ المنذري أورد في "الترغيب" (٢/ ٤١ - ٤٢) قصة أخرى من رواية مالك الدار عن عمر ثم قال: (رواه الطبراني في "الكبير"، ورواته إلى مالك الدار ثقات مشهورون، ومالك الدار لا أعرفه).وكذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ١٢٥).
وقد غفل عن هذا التحقيق صاحب كتاب "التوصل" (ص٢٤١) فاغتر بظاهر كلام الحافظ، وصرح بأن الحديث صحيح، وتخلص منه بقوله: "فليس فيه سوى: جاء رجل .. " واعتمد على أن الرواية التي فيها تسمية الرجل ببلال بن الحارث فيها سيف، وقد عرفت حاله.
وهذا لا فائدة كبرى فيه، بل الأثر ضعيف من أصله لجهالة مالك الدار
كما بيناه.
الثاني: أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله تعالى في سورة نوح: ﴿فقلت: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، يرسل السماء عليكم مدرارًا ..﴾ وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما
[ ٣ / ٧٠٩ ]
سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه التجأ إلى قبر النبي - ﵌ -، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذا لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.
الثالث: هب أن القصة صحيحة، فلا حجة فيها، لأن مدارها على رجل لم يسم، فهو مجهول أيضًا، وتسميته بلالًا في رواية سيف لا يساوي شيئًا، لأن سيفًا هذا-وهو ابن عمر التميمي-متفق على ضعفه عند المحدثين، بل قال ابن حبان فيه: "يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث".فمن كان هذا شأنه لا تقبل روايته ولا كرامة، لا سيما عند المخالفة.
(تنبيه): سيف هذا يرد ذكره كثيرًا في تاريخ ابن جرير وابن كثير وغيرهما، فينبغي على المشتغلين بعلم التاريخ أن لا يغفلوا عن حقيقة أمره حتى لا يعطوا الروايات ما لا تستحق من المنزلة.
ومثله لوط بن يحيى أبو مخنف قال الذهبي في "الميزان" "أخباري تالف لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره. وقال الدارقطني: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: شيعي محترق صاحب أخبارهم".
ومثله محمد بن عمر المعروف بالواقدي-شيخ ابن سعد صاحب "الطبقات" الذي يكثر الرواية عنه-وقد اغتر به الدكتور البوطي، فروى أخبارًا كثيرة في "فقه السيرة" من طريقه مع أنه تعهد بأن ينقل عن الصحاح، وما صح من السيرة! والواقدي هذا متروك الحديث أيضًا كما قال علماء الحديث، فتأمل.
الفرق بين التوسل بذات النبي - ﵌ - وبين طلب الدعاء منه:
[ ٣ / ٧١٠ ]
الوجه الرابع: أن هذا الأثر ليس فيه التوسل بالنبي - ﵌ -، بل فيه طلب الدعاء منه بأن يستسقي الله تعالى أمته، وهذه مسألة أخرى لا تشملها الأحاديث المتقدمة، ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف الصالح ﵃، أعني الطلب منه - ﵌ - بعد وفاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" (ص١٩ - ٢٠): لم يكن النبي - ﵌ - بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله يا ولي الله (الأصل: رسول الله) ادع الله لي، سل الله لي، سل الله أن يغفر لي ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلانًا الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك.
ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب احد محضرًا أنه استجار بفلان، ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي - ﵌ - لم يشرع هذا لأمته، وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئًا من ذلك، ولا فعل هذا احد من أصحابه - ﵌ - والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي - ﵌ - عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين، وكان أصحابه
[ ٣ / ٧١١ ]
يبتلون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكوا إليك جدب الزمان أو قوة العدو، أو كثرة الذنوب ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وضلالة باتفاق المسلمين (١).
ومن قال في بعض البدع: إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله - ﵌ - خطًا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: " هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه " ثم قرأ ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (الأنعام: ٥٣).
قلت: إنما وقع بعض المتأخرين في هذا الخطأ المبين بسبب قياسهم حياة
_________________
(١) يحمل كلام شيخ الإسلام هنا على أحد وجهين: أولهما: ان يكون خاطب المخالفين بما يعتقدون من انقسام البدعة بحسب الأحكام الخمسة، ومنها الوجوب والاستحباب. وثانيهما: أن يكون أراد بالبدعة اللغوية منها، وهي ما حدث بعد النبي - ﵌ -، ودل عليها الدليل الشرعي. وإنما قلنا هذا لما هو معروف عنه ﵀ انه يعد البدعة الشرعية كلها ضلالة، وتمام كلامه هنا يدل عليه. [منه].
[ ٣ / ٧١٢ ]
الأنبياء في البرزخ على حياتهم في الدنيا، وهذا قياس باطل مخالف للكتاب والسنة والواقع، وحسبنا الآن مثالًا على ذلك أن أحدًا من المسلمين لا يجيز الصلاة وراء قبورهم، ولا يستطيع أحد مكالمتهم، ولا التحدث إليهم، وغير ذلك من الفوارق التي لا تخفى على عاقل.
الاستغاثة بغير الله تعالى:
ونتج من هذا القياس الفاسد والرأي الكاسد تلك الضلالة الكبرى، والمصيبة العظمى التي وقع فيها كثير من عامة المسلمين وبعض خاصتهم، ألا وهي الاستغاثة بالأنبياء الصالحين من دون الله تعالى في الشدائد والمصائب حتى إنك لتسمع جماعات متعددة عند بعض القبور يستغيثون بأصحابها في أمور مختلفة، كأن هؤلاء الأموات يسمعون ما يقال لهم، ويطلب منهم من الحاجات المختلفة بلغات متباينة، فهم عند المستغيثين بهم يعلمون مختلف لغات
الدنيا، ويميزون كل لغة عن الأخرى، ولو كان الكلام بها في آن واحد! وهذا هو الشرك في صفات الله تعالى الذي جهله كثير من الناس، فوقعوا بسببه في هذه الضلالة الكبرى.
ويبطل هذا يرد عليه آيات كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه، فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا﴾ (الإسراء: ٥٦).والآيات في هذا الصدد كثيرة، بل قد ألف في بيان ذلك كتب ورسائل عديدة (١).فمن كان في شك من ذلك فليرجع إليها يظهر له الحق إن شاء الله، ولكني وقفت على نقول
_________________
(١) منها"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" و"الرد على البكري" لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن أجمعها "مجموعة التوحيد النجدية" فعليك بمطالعتها. [منه].
[ ٣ / ٧١٣ ]
لبعض علماء الحنفية رأيت من المفيد إيرادها هنا حتى لا يظن ظان أن ما قلناه لم يذهب إليه أحد من أصحاب المذاهب المعروفة.
قال الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني على سنن الدارقطني" (ص٥٢٠ - ٥٢١): "ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئًا لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعد، هؤلاء عبدة غير الله ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ ﵀ لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه؟! أليس الله بكاف عبده؟!! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحدًا من خلقك كعظمتك، قال في "البزازية" وغيرها من كتب الفتاوى: "من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر" (١) وقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: "ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في "البحر الرائق"، وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في "التوشيح": "منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون﴾ (الأحقاف:٥ (، وفي "البحر" (٢): لو تزوج بشهادة الله
_________________
(١) "البحر" (٥/ ١٣٤). [منه].
(٢) (ج٣/ص٩٤). [منه].
[ ٣ / ٧١٤ ]
ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي - ﵌ - يعلم الغيب (١)، وهكذا في فتاوى قاضي خان والعيني والدر المختار والعالمكيرية وغيرها من كتب العلماء الحنفية، وأما في الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى،- ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية".
٢ - أثر فتح الكوى فوق قبر الرسول - ﵌ - إلى السماء:
روى الدارمي في "سننه" (١/ ٤٣): حدثنا أبو النعمان ثنا سعيد ابن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحَط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي - ﵌ - فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطرًا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق.
قلت: وهذا سند ضعيف لا تقوم به حجة لأمور ثلاثة:
أولها: أن سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن زيد فيه ضعف. قال فيه الحافظ في "التقريب": صدوق له أوهام. وقال الذهبي في "الميزان": "قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: ليس بحجة، يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد لا يستمرئه".
وثانيهما: أنه موقوف على عائشة وليس بمرفوع إلى النبي - ﵌ -، ولو صح لم تكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون من قبيل الآراء الاجتهادية لبعض الصحابة،
_________________
(١) ومن هذا القبيل ما اعتاده كثير من الناس من الإجابة بقولهم: "الله ورسوله اعلم"! وما ورد من قول بعض الصحابة ذلك فإنما كان في حال حياته - ﵌ -، أما في حال وفاته فلا يجوز هذا بحال. [منه].
[ ٣ / ٧١٥ ]
مما يخطئون فيه ويصيبون، ولسنا ملزمين بالعمل بها.
وثالثها: أن أبا النعمان هذا هو محمد بن الفضل، يعرف بعارم، وهو وإن كان ثقة فقد اختلط في آخر عمره. وقد أورده الحافظ برهان الدين الحلبي حيث أورده في "المختلطين" من كتابه "المقدمة" وقال (ص٣٩١): "والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده".
قلت: وهذا الأثر لا يدرى هل سمعه الدارمي منه قبل الاختلاط أو بعده، فهو إذن غير مقبول، فلا يحتج به (١)، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"الرد على البكري" (ص٦٨ - ٧٤): (وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء، لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان باقيًا كما كان على عهد النبي - ﵌ -، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في "الصحيحين" عن عائشة أن النبي - ﵌ - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء بعد، ولم تزل الحجرة النبوية كذلك في مسجد الرسول - ﵌ - .. ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه بُنيَ حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بين لو صح ذلك لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت، ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على
_________________
(١) وتغافل عن هذه العلة الشيخ الغماري في "المصباح" (٤٣) كما تغافل عنها من لم يوفق للإصابة، ليوهموا الناس صحة هذا الأثر. [منه].
[ ٣ / ٧١٦ ]
القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه، فأين هذا من هذا، والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله، فإن الله تعالى يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه - ﵌ - ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه هي الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه، وإن أريد أن نتوسل إليه بما تُحَبُ ذاته، وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح، فهذا باطل عقلًا وشرعًا، أما عقلًا فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوبًا له ما يوجب كون حاجتي تقضى بالتوسل بذاته إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضى به حاجتي، فإن كان منه دعاء لي أو كان مني إيمان به وطاعة له فلا ريب أن هذه وسيلة، وأما نفس ذاته المحبوبة فأي وسيلة لي منها إذا لم يحصل لي السبب الذي أمرت به فيها.
وأما الشرع فيقال: العبادات كلها مبناها على الاتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فليس لأحد أن يصلي إلى قبره ويقول هو أحق بالصلاة إليه من الكعبة، وقد ثبت عنه - ﵌ - في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة، ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة! وطائفة أخرى يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام [والنبوي] والأقصى. وكثير من الناس يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل منه في المساجد، وهذا كله مما قد علم جميع أهل العلم بديانة الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام. ومن لم يعتصم في هذا الباب وغيره بالكتاب والسنة فقد ضَل وأضل، ووقع في مهواة من التلف. فعلى العبد أن يسلم للشريعة المحمدية الكاملة البيضاء
[ ٣ / ٧١٧ ]
الواضحة، ويسلم أنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا رأى من العبادات والتقشفات وغيرها التي يظنها حسنة ونافعة ما ليس بمشروع علم أن ضررها راجح على نفعها، ومفسدتها راجحة على مصلحتها، إذ الشارع الحكيم لا يهمل المصالح) ثم قال: "والدعاء من أجل العبادات، فينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها معصومة كما يتحرى في سائر عبادته الصور المشروعة، فإن هذا هو الصراط المستقيم. والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين".
"تنبيه": أعلم أن كتاب الدارمي هذا هو على طريقة السنن الأربعة في ترتيب الكتب والأبواب، ولذلك فالصواب إطلاق اسم "السنن" عليه كما فعل فضيلة الشيخ دهمان في طبعته إياه.
وقد اشتهر قديمًا بـ"مسند الدارمي"، وهذا وهم لا وجه له مطلقًا عند أهل العلم، ومثله تسميته بـ"الصحيح" وهذا أبعد ما يكون عن الصواب، لأن فيه أحاديث مرفوعة كثيرة ضعيفة الأسانيد، وبعضها مرسلات ومعضلات، وفيه آثار موقوفة، وكثير منها ضعيفة كهذا الأثر، فأنَّى له الصحة!! ومثل هذا الخطأ إطلاق لفظ "الصحاح" على السنن الأربعة أيضًا، كما يفعل بعض الدكاترة! فإن هذا مع منافاته لأسمائها الحقيقية "السنن" فإنها منافية أيضًا لواقع الأمر، فإن فيها أحاديث ضعيفة كثيرة أيضًا، ومنافية أيضًا لصنيع مؤلفيها، فإنهم ينبهون أحيانًا على بعض الأحاديث الضعيفة التي وقعت فيها، وبخاصة منهم الإمام الترمذي فإنه واسع الباع في بيان الضعيف الذي في كتابه، كما يعرف ذلك أهل العلم بهذه "السنن".وفي "سنن ابن ماجه" غير ما حديث موضوع فضلًا عن الضعيف، فلا يطلق على هذه "السنن" اسم "الصحاح" إلا جاهل أو مغرض.
[ ٣ / ٧١٨ ]
الوجه الرابع:
الشبهة الرابعة: قياس الخالق على المخلوقين:
يقول المخالفون، إن التوسل بذوات الصالحين وأقدارهم أمر مطلوب وجائز، لأنه مبني على منطق الواقع ومتطلباته، ذلك أن أحدنا إذا كانت له حاجة عند ملك أو وزير أو مسؤول كبير فهو لا يذهب إليه مباشرة، لأنه يشعر أنه ربما لا يلتفت إليه، هذا إذا لم يرده أصلًا، ولذلك كان من الطبيعي إذا أردنا حاجة من كبير فإننا نبحث عمن يعرفه، ويكون مقربًا إليه أثيرًا عنده، ونجعله واسطة بيننا وبينه، فإذا فعلنا ذلك استجاب لنا، وقضيت حاجتنا، وهكذا الأمر نفسه في علاقتنا بالله سبحانه-بزعمهم-فالله ﷿ عظيم العظماء، وكبير الكبراء، ونحن مذنبون عصاة، وبعيدون لذلك عن جناب الله، ليس من اللائق بنا أن ندعوه مباشرة، لأننا إن فعلنا ذلك خفنا أن يردنا على أعقابنا خائبين، أو لا يلتفت إلينا فنرجع بخفي حنين، وهناك ناس صالحون كالأنبياء والرسل والشهداء قريبون إليه سبحانه، يستجيب لهم إذا دعوه، ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا لديه، أفلا يكون الأولى بنا والأحرى أن نتوسل إليه بجاههم، ونقدم بين يدي دعائنا ذكرهم، عسى ان ينظر الله تعالى إلينا إكرامًا لهم، ويجيب دعاءنا مراعاة لخاطرهم، فلماذا تمنعون هذا النوع من التوسل، والبشر يستعملونه فيما بينهم، فلم لا يستعملونه مع ربهم ومعبودهم؟
ونقول جوابًا على هذه الشبهة: إنكم يا هؤلاء إذن تقيسون الخالق على المخلوق، وتشبهون قيوم السماوات والأرض، أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، الرؤوف الرحيم بأولئك الحكام الظالمين، والمتسلطين المتجبرين الذين لا يأبهون لمصالح الرعية، ويجعلون بينهم وبين الرعية حجبًا وأستارًا، فلا يمكنها أن تصل
[ ٣ / ٧١٩ ]
إليهم إلا بوسائط ووسائل، ترضي هذه الوسائط بالرشاوي والهبات، وتخضع لها وتتذلل، وتترضاها وتتقرب إليها، فهل خطر ببالكم أيها المساكين أنكم حين تفعلون ذلك تذمون ربكم، وتطعنون به، وتؤذونه، وتصفونه بما يمقته وما يكرهه؟ هل خطر ببالكم إنكم تصفون الله تعالى بأبشع الصفات حين تقيسونه على الحكام الظلمة، والمتسلطين الفجرة، فكيف يسَّوغ هذا لكم دينكم، وكيف يتفق هذا مع ما يجب عليكم من تعظيمكم لربكم، وتمجيدكم لخالقكم؟
ترى لو كان يمكن لأحد الناس أن يخاطب الحاكم وجهًا لوجه، ويكلمه دون واسطة أو حجاب أيكون ذلك أكمل وأمدح له، أم حين لا يتمكن من مخاطبته إلا من خلال وسائط قد تطول وقد تقصر؟
يا هؤلاء إنكم تفخرون في أحاديثكم بعمر بن الخطاب ﵁ وتمجدونه وتشيدون به وتبينون للناس أنه كان متواضعًا لا يتكبر ولا يتجبر، وكان قريبًا من الناس، يتمكن أضعفهم من لقائه ومخاطبته، وأنه كان يأتيه الأعرابي الجاهل الفظ من البادية، فيكلمه دون واسطة أو حجاب، فينظر في حاجته ويقضيها له إن كانت حقًا. ترى هل هذا النوع من الحكام خير وأفضل، أم ذاك النوع الذي تضربون لربكم به الأمثال؟
فما لكم كيف تحكمون؟ وما لعقولكم أين ذهبت، وما لتفكيركم أين غاب، وكيف ساغ لكم تشبيه الله تعالى بالملك الظالم، أم كيف غطى عنكم الشيطان بشاعة قياس الله سبحانه على الأمير الغاشم؟
يا هؤلاء إنكم لو شبهتم الله تعالى بأعدل الناس وأتقى الناس، وأصلح الناس لكفرتم، فكيف وقد شبهتموه بأظلم الناس، وأفجر الناس، وأخبث الناس؟
[ ٣ / ٧٢٠ ]
يا هؤلاء إنكم لو قستم ربكم الجليل على عمر بن الخطاب التقي العادل لوقعتم في الشرك، فكيف تردى بكم الشيطان، فلم ترضوا بذلك حتى أوقعكم في قياس ربكم على أهل الجور والفساد من الملوك والأمراء والوزراء؟
إن تشبيه الله تعالى بخلقه كفر كله حذر منه سبحانه حيث قال: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا من السماوات والأرض شيئًا ولا يستطيعون. فلا تضربوا لله الأمثال. إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (النحل: الآية ٧٤) (١) كما نفى سبحانه أي مشابهة بينه وبين أي خلق من مخلوقاته فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: الآية ١١ (.ولكن شر تشبيه أن يشبهه المرء بالأشرار والفجار والفساق من الولاة، وهو يظن أنه يحسن صنعًا! إن هذا هو الذي يحمل بعض العلماء والمحققين على المبالغة في إنكار التوسل بذوات الأنبياء، واعتباره شركًا، وإن كان هو نفسه ليس شركًا عندنا، بل يخشى أن يؤدي إلى الشرك، وقد أدى فعلًا بأولئك الذين يعتذرون لتوسلهم بذلك التشبيه السابق الذي هو الكفر بعينه لو كانوا يعلمون.
ومن هنا يتبين أن قول بعض الدعاة الإسلاميين اليوم في الأصل الخامس عشر من أصوله العشرين: "والدعاء إذا قُرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء، وليس من مسائل العقيدة" ليس صحيحًا على إطلاقه لما علمت أن في الواقع ما يشهد بأنه خلاف جوهري، إذ فيه شرك صريح كما سبق. ولعل مثل هذا القول الذي يهوّن من أمر هذا الانحراف هو أحد الأسباب التي تدفع الكثيرين إلى عدم البحث فيه، وتحقيق الصواب في أمره، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى استمرار المبتدعين في بدعهم، واستفحال خطرها بينهم، ولذلك
_________________
(١) قال الحافظ ابن كثير: (أي لا تجعلوا لله أندادًا وأشباهًا وأمثالًا). [منه].
[ ٣ / ٧٢١ ]
قال الإمام العز بن عبد السلام في رسالة "الواسطة" (ص٥): "ومن أثبت الأنبياء وسواهم من مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله تعالى حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، ولأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب، فمن أثبتهم وسائط على هذه الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبَّهون لله، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا ".
الشبهة الخامسة: هل هناك مانع من التوسل المبتدع على وجه الإباحة لا استحباب؟
قد يقول القائل: صحيح أنه لم يثبت في السنة ما يدل على استحباب التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، ولكن ما المانع منه إذا فعلناه على طريق الإباحة، لأنه لم يأتِ نهي عنه؟
فأقول: هذه شبهة طالما سمعناها ممن يريد أن يتخذ موقفًا وسطًا بين الفريقين لكي يرضي كلًا منهما، وينجو من حملاتهما عليه! والجواب: يجب أن لا ننسى في هذا المقام معنى الوسيلة إذ هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود كما تقدم بيانه.
ولا يخفى أن الذي يراد التوصل إليه إما أن يكون دينيًا، أو دنيويًا، وعلى الأول لا يمكن معرفة الوسيلة التي توصل إلى الأمر الديني إلا من طريق شرعي، فلو ادعى رجل ان توسله إلى الله تعالى بآية من آياته الكونية العظيمة كالليل
[ ٣ / ٧٢٢ ]
والنهار مثلًا سبب لاستجابة الدعاء لرد عليه ذلك إلا أن يأتي بدليل، ولا يمكن أن يقال حينئذ بإباحة هذا التوسل، لأنه كلام ينقض بعضه بعضًا، إ أنك تسميه توسلًا، وهذا لم يثبت شرعًا، وليس له طريق آخر في إثباته، وهذا بخلاف القسم الثاني من القسمين المذكورين وهو الدنيوي، فإن أسبابه يمكن أن تعرف بالعقل أو بالعلم أو بالتجربة ونحو ذلك، مثل الرجل يتاجر ببيع الخمر، فهذا سبب معروف للحصول على المال، فهو وسيلة لتحقيق المقصود وهو المال، ولكن هذه الوسيلة نهى الله عنها، فلا يجوز اتباعها بخلاف ما لو تاجر بسبب لم يحرمه الله ﷿، فهو مباح، أما السبب المدعى أن يقرب إلى الله وأنه أرجى في قبوله الدعاء، فهذا سبب لا يعرف إلا بطريق الشرع، فحين يقال: بأن الشرع لم يرد بذلك، لم يجز تسميته وسيلة حتى يمكن أن يقال إنه مباح التوسل به، وقد تقدم الكلام في هذا النوع مفصلًا في الفصل الثاني من هذه الرسالة.
وشيء ثان: وهو أن التوسل الذي سلمنا بعدم وروده قد جاء في الشرع ما يغني عنه، وهو التوسلات الثلاثة التي سبق ذكرها في أول البحث، فما الذي يحمل المسلم على اختيار هذا التوسل الذي لم يرد، والإعراض عن التوسل الذي ورد؟ وقد اتفق العلماء على أن البدعة إذا صادمت سنة فهي بدعة ضلالة اتفاقًا، وهذا التوسل من هذا القبيل، فلم يجز التوسل به، ولو على طريق الإباحة دون الاستحباب!.
وأمر ثالث: وهو أن هذا التوسل بالذوات يشبه توسل الناس ببعض المقربين إلى الملوك والحكام، والله ﵎ ليس كمثله شيء باعتراف المتوسلين بذلك، فإذا توسل المسلم إليه تعالى بالأشخاص فقد شبهه عملًا بأولئك الملوك والحكام كما سبق بيانه، وهذا غير جائز.
[ ٣ / ٧٢٣ ]
الشبهة السادسة: قياس التوسل بالذات على التوسل بالعمل الصالح هذه شبهة أخرى يثيرها بعض أولئك المبتدعين (١) زينها لهم الشيطان، ولقنهم إياها حيث يقولون: قد قدمتم أن من التوسل المشروع اتفاقًا التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، فإذا كان التوسل بهذا جائزًا فالتوسل بالرجل الصالح الذي صدر منه هذا العمل أولى بالجواز، وأحرى بالمشروعية، فلا ينبغي إنكاره.
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا قياس، والقياس في العبادات باطل كما تقدم (ص١٣٠)، وما مثل من يقول هذا القول إلا كمثل من يقول: إذا جاز توسل المتوسل بعمله الصالح-وهو بلا شك دون عمل الولي والنبي-جاز أن يتوسل بعمل النبي والولي، وهذا وما لزم منه باطل فهو باطل.
الوجه الثاني: أن هذه مغالطة مكشوفة، لأننا لم نقل-كما لم يقل أحد من السلف قبلنا-أنه يجوز للمسلم أن يتوسل بعمل غيره الصالح، وإنما التوسل المشار إليه إنما هو التوسل بعمل المتوسل الصالح نفسه، فإذا تبين هذا قلبنا عليهم كلامهم السابق فقلنا: إذا كان لا يجوز التوسل بالعمل الصالح الذي صدر من غير الداعي فأولى ثم أولى ألا يجوز التوسل بذاته، وهذا بين لا يخفى والحمد لله.
الشبهة السابعة: قياس التوسل بذات النبي - ﵌ - على التبرك بآثاره:
وهذه شبهة أخرى لم تكن معروفة فيما مضى من القرون، ابتدعها ورَوّجها الدكتور البوطي ذاته، إذ قرر في كتابه "فقه السيرة" (ص٣٤٤ - ٤٥٥) خلال حديثه عن الدروس المستفادة من غزوة الحديبية مشروعية التبرك بآثاره النبي - ﵌ -، ثم
_________________
(١) منهم صاحب كتاب "التاج". [منه].
[ ٣ / ٧٢٤ ]
قاس على ذلك التوسل بذاته بعد وفاته، وأتى نتيجة لذلك برأي غريب وعجيب لم يقل به أحد من المشتغلين بالعلم، حتى من المغرقين في التقليد والجمود والتعصب والابتداع في الدين.
ولكي لا يظن أحد أننا نتقول عليه أو نظلمه ننقل نص كلامه بتمامه، ونعتذر إلى القراء لطوله، قال: " وإذا علمت أن التبرك بالشيء إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته علمت أن التوسل بآثار النبي - ﵌ - أمر مندوب إليه ومشروع، فضلًا عن التوسل بذاته الشريفة، وليس ثمة فرق بين أن يكون ذلك في حياته - ﵌ - أو بعد وفاته، فآثار النبي - ﵌ - وفضلاته لا تتصف بالحياة مطلقًا، سواء تعلق التبرك والتوسل بها في حياته أو بعد وفاته، ولقد توسل الصحابة بشعراته من بعد وفاته كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في باب شيب رسول الله - ﵌ -.
ومع ذلك فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله - ﵌ -، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته - ﵌ - بعد وفاته، بحجة أن تأثير النبي - ﵌ - قد انقطع بوفاته، فالتوسل به إنما هو توسل بشيء تأثير له البتة. وهذه حجة تدل على جهل عجيب جدًا، فهل ثبت لرسول الله - ﵌ - تأثير ذاتي في الأشياء في حال حياته حتى نبحث عن مصير هذا التأثير بعد وفاته؟ إن أحدًا من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد، ومن اعتقد خلاف ذلك يكفر بإجماع المسلمين كلهم فمناط التبرك والتوسل به أو بآثاره - ﵌ - ليس هو إسناد أي تأثير إليه، وإنما المناط كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد، فهو التوسل بقربه - ﵌ - إلى ربه وبرحمته الكبرى للخلق، وبهذا المعنى توسل الأعمى به - ﵌ - في أن يرد عليه بصره، فرده الله عليه، وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره وفضلاته دون أن يجدوا منه أي إنكار. وقد مر بيان
[ ٣ / ٧٢٥ ]
استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النبوة في الاستسقاء وغيره، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني وغيرهم.
والفرق بعد هذا بين حياته وموته - ﵌ - خلط عجيب وغريب في البحث لا مسوغ له".
ولنا على هذا الكلام مؤاخذات كثيرة نورد أهمها فيما يلي:
١ - لقد أشرنا (ص٧٧ - ٧٨) إلى تعريض البوطي بالسلفيين، واتهامه إياهم بأن أفئدتهم لا تشعر بمحبة رسول الله - ﵌ - والاستدلال على ذلك بإنكارهم التوسل به - ﵌ - بعد وفاته.
وهذه فرية باطلة، وبهتان ظالم لا شك أن الله تعالى سيحاسبه عليه أشد الحساب ما لم يتبْ إليه التوبة النصوح. ذلك لأن فيها تكفيرًا لآلاف المسلمين دونما دليل أو برهان إلا الظن والوهم اللذين لا يغنيان من الحق شيئًا.
٢ - إنه قد خلط في كلامه السابق بين الحق والباطل خلطًا عجيبًا، فاستدل بحقه على باطله، فوصل من جرّاء ذلك إلى رأي لم يسبقه إليه أحد من العالمين.
وإذا أردنا أن نميز بين نوعي كلامه فإننا نقول:
إن الحق الذي تضمنه هو:
أ-أن النبي - ﵌ - قريب إلى الله ﵎، وأنه كان رحمة من الله تعالى للخلق.
ب-أنه لا تأثير لأحد حتى للنبي - ﵌ - تأثيرًا ذاتيًا في الأشياء، وإنما التأثير كله لله الواحد الأحد.
[ ٣ / ٧٢٦ ]
ج-أنه يشرع التبرك بآثار النبي - ﵌ -، وأن الصحابة فعلوا ذلك في حياته - ﵌ - وبإقرار منه.
هذه النقاط الثلاثة صحيحة لا خلاف فيها، ولو وقف الكاتب عندها لما كان ثمة حاجة للتعليق عليه.
وأما الباطل الذي تضمنه كلامه وفيه الخلاف العريض فهو:
أ-أن التوسل بآثار النبي - ﵌ - جائز، وأن الصحابة كانوا يتوسلون بآثاره - ﵌ - وفضلاته.
ب-تسويته بين التبرك والتوسل.
ج-أن التوسل بذاته - ﵌ - جائز كجواز التبرك بفضلاته.
د-أن مناط التوسل به - ﵌ - هو كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق.
هـ- جهله بمعنى كلمة الاستشفاع مما حمله على الاستدلال بها على التوسل المبتدع.
وافتراؤه على السلفيين بأنهم يرون أن النبي - ﵌ - كان له تأثير ذاتي في الأشياء خلال حياته، وقد انقطع ذاك التأثير بوفاته، وأن هذا هو سبب إنكارهم التوسل به - ﵌ - بعد وفاته!
ز-ادعاؤه أن الأعمى توسل بقربه - ﵌ - من ربه.
ح-ادعاؤه أن محمدًا - ﵌ - أفضل الخلائق على الإطلاق.
وننتقل بعد هذا الإجمال إلى الشرح والتفصيل فنقول:
[ ٣ / ٧٢٧ ]
١ - تخليط البوطي في التسوية بين التبرك والتوسل:
لقد قال الدكتور البوطي: "ان التوسل بآثار النبي - ﵌ - أمر مندوب إليه ومشروع فضلًا عن التوسل بذاته الشريفة".وظاهر كلامه أن يقيس التوسل بذاته - ﵌ - قياسًا أولويًا على التبرك بآثاره، ويسمى هذا التبرك توسلًا، ويؤكد ما ذكرناه قوله في (ص١٩٦) من كتابه المذكور حيث ذكر بعض الروايات التي فيها تبرك بعض الصحابة بآثاره - ﵌ -، ثم قال: "فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية، فكيف بالتوسل بمنزلته عند الله ﷻ؟ وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين؟ ".
ولكنه سرعان ما تراجع عن كل ذلك زاعمًا أن التبرك والتوسل معناهما واحد، منكرًا أنه يقيس التوسل على التبرك، وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالًا بالقياس، فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد، وهو التماس الخير والبركة عن طريق المتوسل به، وكل من التوسل بجاهه - ﵌ - عند الله والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه أفرادًا وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة، وكل الصور الجزئية له يدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى بتنقيح المناط عند علماء الأصول".
والحقيقة أن ظاهر كلام الدكتور الأول كان أهون بكثير من كلامه الأخير هذا، لأن التوسل يختلف اختلافًا بينًا عن التبرك، ومن يسوي بينهما فإنه يكون قد ارتكب خطأ شنيعًا، ووقع في جهل فظيع بالحقائق الشرعية، مما لا يجوز أن يقع في طالب علم يحترم نفسه.
إن التبرك هو التماس من حاز أثرًا من آثار النبي - ﵌ - حصول خير به خصوصية له - ﵌ -، وأما التوسل فهو إرفاق دعاء الله تعالى بشيء من الوسائل التي
[ ٣ / ٧٢٨ ]
شرعها الله تعالى لعباده، كأن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك - ﵌ - أن تغفر لي، ونحو ذلك. ويتبدى هذا الفرق في أمرين:
أولهما: أن التبرك يرجى به شيء من الخير الدنيوي فحسب، بخلاف التوسل الذي يرجى به أي شيء من الخير الدنيوي والأخروي.
ثانيهما: أن التبرك هو التماس الخير العاجل كما سبق بيانه، بخلاف التوسل الذي هو مصاحب للدعاء ولا يستعمل إلا معه.
وبيانًا لذلك نقول: يشرع للمسلم أن يتوسل في دعائه باسم من أسماء الله ﵎ الحسنى مثلًا، ويطلب بها تحقيق ما شاء من قضاء حاجة دنيوية كالتوسعة في الرزق، أو أخروية كالنجاة من النار، فيقول مثلًا: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بأنك أنت الله الأحد، الصمد، أن تشفيني أو تدخلني الجنة ، ولا أحد يستطيع أن ينكر عليه شيئًا من ذلك، بينما لا يجوز لهذا المسلم أن يفعل ذلك حينما يتبرك بأثر من آثاره - ﵌ -، فهو لا يستطيع ولا يجوز له أن يقول مثلًا: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بثوب نبيك أو بصاقه أو بوله أن تغفر لي وترحمني .. " ومن يفعل ذلك فإنه يعرّض نفسه من غير ريب ليشك الناس في عقله وفهمه فضلًا عن عقيدته ودينه. وظاهر كلام الدكتور أنه يجيز هذا التوسل العجيب، ويعده هو والتبرك بأثر من آثار النبي - ﵌ - شيئًا واحدًا، وهو بهذا يخلط خلطًا قبيحًا، ومع ذلك لا يخجل من اتهام السلفيين بأنهم يخلطون خلطًا عجيبًا لا مسوغ له، فقد علم القراء من الذين يخلط ويخبط خبط عشواء.
إن هذا ليذكرنا حقًا بالمثل العربي القائل: رمتني بدائها وانسلّت. وصدق النبي الكريم - ﵌ - حيث يقول: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم
[ ٣ / ٧٢٩ ]
تسنح فاصنع ما شئت " (١).
وثمة ملاحظة هامة وخطيرة في كلام الدكتور السابق، وهي أنه يدعي ثبوت مطلق التوسل بالأحاديث الصحيحة، وهذا باطل، لأنه ليس أكثر من افتراض ودعوى مجردة لا حقيقة لها إلا في ذهنه، إذ لم يثبت من التوسل المتعلق بالنبي - ﵌ - إلا دعاؤه - ﵌ - كما تقدم في ثنايا هذه الرسالة، وأما التوسل بجاهه - ﵌ - أو آثاره فلم يثبت منه شيء البتة في كتاب أو سنة، ونحن نطالب الدكتور أن يدلنا على حديث واحد ثابت، فيه هذه الدعوى، ونحن على يقين أنه لن يجد شيئًا من ذلك، فقد عوّدنا على تقرير أحكام ضخمة دونما دليل (خبط لزق)! وادعاء دعاوى عريضة لا تقوم على أساس إلا أنها بدت له هكذا، وحسب القارئ له أن يؤمن بما يقول ويسلم له تسليمًا، وإياه ثم إياه أن يسأله عن الدليل، لأن ذلك من قلة الأدب، ورقة الدين، وطريقة السلفيين، والعياذ بالله. فتأمل!
٢ - بطلان التوسل بآثار النبي - ﵌ -:
وبعد إثبات الفرق بين التوسل والتبرك نعلم أن آثار النبي - ﵌ - لا يتوسل بها إلى الله تعالى وإنما يتبرك بها فحسب، أي يرجى بحيازتها حصول بعض الخير الدنيوي كما سبق بيانه.
إننا نرى أن التوسل بآثار النبي - ﵌ - غير مشروع البتة، وأن من الافتراء على الصحابة رضوان الله عليهم الادعاء بأنهم كانوا يتوسلون بتلك الآثار، ومن ادعى خلاف رأينا فعليه الدليل، بأن يثبت أن الصحابة كانوا يقولون في دعائهم مثلًا: اللهم ببصاق نبيك اشفِ مرضانا، أو: اللهم ببول نبيك أو غائطه أجرنا من النار!!
_________________
(١) رواه أحمد والبخاري وغيرهما وهو مخرج في " الصحيحة" برقم (٦٨٤) [منه].
[ ٣ / ٧٣٠ ]
إن أحدًا من العقلاء لا يستسيغ رواية ذلك مجرد رواية فكيف باستعماله، وإذا كان الدكتور البوطي ما يزال في شك من ذلك، وإذا كان يرى جواز ذلك فعليه أن يثبته عمليًا بأن يدعو من على منبره بمثل الدعوات السابقة، وإن لم يفعل-ولن يفعل إن شاء الله ما بقي فيه عقل، وفي قلبه ذرة من إيمان-فذلك دليل على أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد في قلبه.
هذا ولابد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره - ﵌ -، ولا ننكره خلافًا لما يوهمه صنيع خصومنا، ولكن لهذا التبرك شروطًا منها الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا، كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلًا على أثر من آثاره - ﵌ - ويستعمله، ونحن نعلم أن آثاره - ﵌ - من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمرًا غير ذي موضوع في زماننا هذا (١)، ويكون أمرًا نظريًا محضًا، فلا ينبغي إطالة القول فيه، ولكن ثمة أمر يجب تبيانه،
_________________
(١) لقد حاول الدكتور في هامش (ص١٩٧) من كتابه المذكور الرد على ما كنت بينته في رسالتي "نقد نصوص حديثية" للكتاني، ونقل أنني قلت فيها: "أنه لا فائدة ترجى من أحاديث التبرك بآثاره - ﵌ - في هذا العصر .. " ومن المؤسف أن الدكتور قد ارتكب في هذا النقل الصغير خيانة علمية مكشوفة، وحرف كلامي تحريفًا سيئًا، والذي قلته حقًا هو: "لا يتعلق كبير فائدة في تقرير مشروعية التبرك بآثاره - ﵌ - في زماننا الحاضر" فانظر رحمك الله كيف غير الدكتور كلامي وحروفه، وما أرى له بذلك من غرض إلا أن يتاح له المجال للطعن في وإثارة العامة علي، فهل يتفق هذا الصنيع-أخي القارئ-مع تقوى الله ﷿، والإخلاص في الوصول إلى الحق؟ وقد فصلت القول في الرد على هذه الفرية في أحدى مقالاتي التي تنشر في مجلة التمدن الإسلامي بعنوان "تعليق على أحاديث فقه السيرة"،وقد نشرت قريبًا في رسالة خاصة تحت عنوان "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على جهالات الدكتور البوطي في كتاب فقه السيرة". [منه].
[ ٣ / ٧٣١ ]
وهو أن النبي - ﵌ - وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم، وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه، إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي - ﵌ - بعد تلك الغزوة رغّب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله ﷿، وأجدى، وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي:
عن عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁ أن النبي - ﵌ - توضأ بومًا، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي - ﵌ -: "ما يحملكم على هذا؟ " قالوا: حب الله ورسوله. فقال النبي - ﵌ -: "من سره أن يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره " (١).
٣ - افتراء عريض:
والظاهر أن الدكتور لا يطيب له عيش، ولا يهنأ له بال إلا إذا افترى على السلفيين، وكذب عليهم، كذبًا مكشوفًا حينًا ومغطى حينًا آخر. وها هو هنا يفتري علينا حين يزعم أننا نحتج على منع التوسل بالنبي - ﵌ - بعد وفاته بالقول بأن تأثيره - ﵌ - في الحوادث قد انقطع بعد وفاته، ويتطوع بأن يثبت أن النبي - ﵌ - سواء في حياته أو بعد وفاته ليس له تأثير ذاتي في الأشياء في كل ظرف وفي كل حين، وأن
_________________
(١) قلت: وهو حديث ثابت، له طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرهما وقد أشار المنذري في "الترغيب" (٣/ ٢٦) إلى تحسينه، وقد خرجته في "الصحيحة" برقم (٢٩٩٨). [منه].
[ ٣ / ٧٣٢ ]
المؤثر الوحيد فيها هو الله وحده سبحانه.
وواضح من هذا بجلاء أنه يتهم السلفيين بأنهم يعتقدون أن النبي - ﵌ - كان له تأثير ذاتي في الأشياء حال حياته. وهذا كذب صراح، وافتراء مكشوف، لم يقل به سلفي قط، بل ولا خطر في بال أحد من السلفيين البتة، وكيف يقولونه وهم دعاة التوحيد الخالص، والدين الصحيح، والذين جعلوا أكبر همهم دعوة الناس إلى إخلاص عبوديتهم لله تعالى وحده، وتخليص عقائدهم من كل شائبة من شوائب الشرك، والتنديد بكل ما يخدش جناب التوحيد، ولو كان ذلك خطأ لفظيًا. وقد تحملوا في سبيل ذلك الأذى من الناس والتشهير بهم والافتراء عليهم واتهامهم بأقبح التهم، وما نقم الناس-وفيهم الدكتور البوطي-عليهم إلا لدعوتهم الحقة هذه، ومع ذلك فلا يخجل من أن يرميهم بهذه التهمة الباطلة التي يعلم هو-فيما نرجح-قبل غيره أنها باطلة مفتراة، وإلا فليبين لنا-إن استطاع-مصدر هذا القول المزعوم، ومن قاله من السلفيين، وفي أي كتاب ورد من كتبهم أو نشراتهم، فإن لم يفعل-وهيهات أن يفعل-فإنه يكون قد ظهر لكل أحد كذبه وافتراؤه.
وشيء آخر نذكره هنا، وهو أن كلام البوطي السابق "ومن ادعى شيئًا من ذلك يكفر بإجماع المسلمين" يفيد لمن تأمله تكفير السلفيين عمومًا، وهذا كذب آخر واتهام ظالم، لا شك أن الله تعالى سيحاسبه عليه، لأن السلفيين هم مسلمون، بل هم أحق الناس بصفة الإسلام، وهم يعلمون حق العلم أن نسبة التأثير الذاتي للنبي - ﵌ - أو لغيره هو من الشرك في الربوبية المخرج من الملة، وهم من أشد الناس تنبهًا له وتحذيرًا منه، بينما البوطي وأمثاله يلتمسون للواقعين فيه مختلف الأعذار والتبريرات.
ولا يفوتنا هنا أن نذكره وأمثاله بما بيناه في ثنايا هذه الرسالة من أن السبب
[ ٣ / ٧٣٣ ]
الذي يدعونا إلى منع التوسل بذوات الصالحين ومكانتهم وجاههم إنما هو كونه لم يرد في الشريعة الغراء، ولم يستعمله النبي - ﵌ - ولا أصحابه، فهو لذلك محدَث مبتدع، وما ورد من النصوص التي يحتج بها المخالفون بعضها ثابت ولكنه لا يدل على ما يدعون، وبعضها الآخر غير ثابت، وقد مضى تفصيل ذلك.
إن هذا هو السبب الذي يحملنا على إنكار ذلك التوسل، ونقول بصراحة: إنه لو ورد في الشرع لقلنا به، ولم يمنعنا منه مانع، لأننا أسرى في يد الشريعة، فما أجازته أجزناه، وما منعته منعناه، والغريب أن الدكتور تغافل عن هذا السبب الأساسي، واختلق من عنده سببًا تخيله كما شاء له هواه قاصدًا بذلك أن يتمكن من الطعن فينا والتشهير بنا، وإثارة الغوغاء علينا، فانظر-رحمك الله-إلى هذا الأسلوب الغريب المنافي للدين والعلم، واشتكِ معنا إلى الله ﷿ من غربة الحق وأهله في هذا الزمان.
٤ - خطؤه في ادعائه أن مناط التوسل بالنبي - ﵌ - كونه أفضل الخلائق:
وهذا خطأ آخر وقع فيه الدكتور نتيجة لتهوره وعدم تفكيره فيما يكتب، حيث ادعى أن مناط التوسل بالنبي - ﵌ - هو كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد كما تقدم من كلامه.
ونقول له: ان معنى ذلك عندك أن من لم يكن كذلك "أي أفضل الخلائق عند الله .. "
فلا يجوز التوسل به، لأنه لم يتحقق فيه المناط المزعوم، ذلك لأن المناط أصلًا هو علة الحكم التي يوجد بوجودها، وينعدم بعدمها، وعلى هذا فمعنى عبارة الدكتور-لو كان يعقل ما يقول-إنه لا يجوز التوسل بأحد مطلقًا إلا بالنبي
[ ٣ / ٧٣٤ ]
- ﵌ -، ونحن نعلم علم اليقين أنه يعتقد خلاف ذلك، ويرى جواز التوسل بكل نبي أو ولي أو صالح، وبهذا يكون هو نفسه قد قال ما لا يعتقد، وناقض نفسه بنفسه، والسبب في ذلك أحد أمرين، فإما أن يكون غير فاهم لاصطلاح المناط عند العلماء، وإما أن يكون غير متأمل فيما ينتج عنه من كلامه، وهذا هو الأقرب،
والله أعلم.
وأمر آخر نذكره في هذه المناسبة وهو أن من المقرر لدى علماء الأصول أنه لابد لاعتبار المناط في حكم ما من أن يكون قد ورد تعيينه في نص من كتاب أو سنة، ولا يكفي فيه الاعتماد على الظن والاستنباط.
وإذا عدنا إلى ما ذكره الدكتور وجدنا أنه قد ادعى مناطًا ليس عليه شبة دليل من الكتاب والسنة، وإنما عمدته في ذلك مجرد الظن والوهم، فهل هكذا يكون العلم وإثبات الحقائق الشرعية عند الدكتور الذين يُعَنْون لبعض كتبه بأنها "أبحاث في القمة"؟
وأمر ثالث وأخير وهو أن الدكتور قد ادعى أن النبي - ﵌ - أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق. وهذه عقيدة، وهي لا تثبت عنده (١)، إلا بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة (٢)، أي بآية قطعية الدلالة، أو حديث متواتر قطعي الدلالة، فأين هذا النص الذي يثبت كونه - ﵌ - أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق؟
ومن المعلوم أن هذه القضية مختلف فيها بين العلماء، وقد توقف فيها الإمام
_________________
(١) كما قرر ذلك في أكثر من كتاب من كتبه مثل "كبرى اليقينات الكونية" ط٢ (ص٢٦) و"اللامذهبية". [منه].
(٢) انظر بيان خطأ هذا الرأي في رسالتنا "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة". [منه].
[ ٣ / ٧٣٥ ]
أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ومن شاء التفصيل فعليه بشرح عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي ﵀، (ص٣٣٧ - ٣٤٨، طبعة المكتب الإسلامي بتحقيقي).
ولعل مستند الدكتور في تقرير تلك العقيدة ما ورد في قصة المعراج المنسوبة كذبًا وعدوانًا إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄، مع أنه هو نفسه يقول (١) عن هذه القصة: "إنه كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند"!
والحقيقة أن كلامه هذا بهذا الإطلاق هو الباطل، إذ يوجد في الكتاب المذكور كثير من الأحاديث الصحيحة، وبعضها مما رواه الشيخان، ولكن المؤلف خلطها بأحاديث أخرى بعضها موضوع وبعضها لا أصل له، وبعضها ضعيف، وقد بينت ذلك في ردي على الدكتور البوطي الذي نشر في مجلة التمدن الإسلامي أولًا، ثم في كتاب مستقل، كما سبق بيانه قريبًا (ص١٢١).
٥ - جهله بالمعنى اللغوي لكلمة الاستشفاع:
وهذه غلطة شنيعة أخرى وقع فيها الدكتور-اصحله الله وهداه-إذ استدل بالاستشفاع الوارد في أحاديث الاستسقاء على التوسل المبتدع، فقال: "وقد مر بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى، وأهل بيت النبوة الوارد في الاستسقاء وغيره، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني وغيرهم" وما كان للدكتور أن يقع في هذا الخطأ لو كان يفقه معنى الاستشفاع في اللغة، ورغبة في تنوير القراء وإفادتهم نورد بعض
_________________
(١) في كتابه "فقه السيرة" (ص١٥٥). [منه].
[ ٣ / ٧٣٦ ]
ما ذكرته كتب اللغة في بيان معنى الشفاعة والاستشفاع.
قال صاحب "القاموس المحيط": "الشَفْع خلاف الوتر وهو الزوج، والشفعة هي أن تشفع فيما تطلب، فتضمه إلى ما عندك فتشفعه أي تزيده، وشاة شافع: في بطنها ولد يتبعها آخر، سميت شافعًا لأن ولدها شفعها أو شفعته، واستشفعه إلينا: سأله أن يشفع".
وفي "المعجم الوسيط" الذي أصدره مجمع اللغة العربية في مصر: "شفع الشيء شفعًا: ضم مثله إليه وجعله زوجًا، والبصرُ الأشباحً: رآها شيئين، واستشفع: طلب الناصر والشفيع، والشفائع: المزدوجات، والشفاعة: كلام الشفيع، والشفيع: ما شفع غيره، وجعله زوجًا".
وفي "النهاية" لابن الأثير: (الشُفْعة مشتقة من الزيادة، لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه، فيشفعه به، كأنه كان واحدًا وترًا، فصار زوجًا شفعًا، والشافع هو الجاعل الوتر شفعًا .. ".
فمن هذه النقول وأمثالها يظهر معنى الاستشفاع بوضوح، وهو أن يطلب إنسان من آخر أن يشاركه في الطلب، فيزيد به ويكونا شفعًا أي زوجًا، وقد أخذ من هذا الأصل اللغوي المعنى الشرعي للاستشفاع حيث أريد به الطلب من أهل الخير والعلم والصلاح أن يشاركوا المسلمين في الدعاء إلى الله في الملمات، فيشفعوهم بذلك ويزيدوا الداعين، فيكون ذلك أرجى لقبول الدعاء.
وبهذا يمكننا فهم الشفاعة العظمى للنبي - ﵌ - يوم القيامة، فهي باتفاق العلماء دعاء النبي - ﵌ - للناس بعد مجيئهم إليه، وطلبهم منه أن يدعو الله تعالى ليعجّل لهم الحساب، ولم يفهم أحد من أهل العلم من ذلك أن يقول الناس مثلًا:
[ ٣ / ٧٣٧ ]
اللهم بمنزلة محمد - ﵌ - عندك عجّل لنا الحساب.
ومن الغريب حقًا أن يتجرأ الدكتور البوطي فيدعي إجماع الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني على فهمه الشاذ المبني على جهل فظيع بمعاني الألفاظ المستعملة في اللغة والشرع.
ونكتفي للرد عليه بنقل كلام أحد الأئمة الذين نص على أسمائهم، وادعى مشاركتهم إياه في فهمه لمعنى الاستشفاع، ونعني الإمام ابن قدامة المقدسي صاحب أكبر كتاب في الفقه الحنبلي وهو "المغني" إذ قال فيه (٢/ ٢٩٥) ما نصه: "ويستحب بأن يستسقي بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، فإن عمر استسقى بالعباس عم النبي - ﵌ -.قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عم نبيك نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، وروي أن معاوية خرج يستسقي، فلما جلس على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهبَّ لها ريح، فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم، واستسقى به الضحاك مرة أخرى".
وواضح من كلام ابن قدامة هذا أنه يعني بالاستشفاع الوارد في الاستسقاء أن يطلب إمام المسلمين من بعض أهل العلم والصلاح أن يشترك مع المسلمين في التوجه إلى الله ودعائه سبحانه لكشف الشدة عن عبادة المؤمنين. ولم يقصد الإمام ابن قدامة بل ونجزم بأنه لم يخطر في باله ذاك المعنى الخاطىء الذي يحمله عليه البوطي وأمثاله من المبتدعين، ويريدون حمل الألفاظ الشرعية عليه.
[ ٣ / ٧٣٨ ]
ترى كيف يدعي البوطي مثل هذا الإجماع المزيف ويستشهد بابن قدامة وغيره، وها هو كلام ابن قدامة ينسف فهمه من الجذور؟ أم أنه لا يفهم ما في كتب القوم، أم لعله يدعي ما يروق له من الدعاوى الساقطة دون أن يراجع الكتب، أو يقرأ كلام العلماء اعتمادًا منه على أن قارئيه مقلدون تقليدًا أعمى وليسوا ممن يراجع أو يقرأ أو يتثبت مما يقال؟
إنه لأمر مؤسف والله، وبلية من أعظم البلايا التي نشهدها في واقع المسلمين، وهي من غير شك من الأسباب الكبرى في تأخر المسلمين وضعفهم وانحطاطهم، ومحال أن تتغير هذه الحال إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من الجمود والتصوف والفقه المذهبي وعلم الكلام، وعادوا إلى هدي الله الحق المتمثل في الكتاب والسنة، والذي توضحه الدعوة السلفية الغراء.
٦ - خطؤه في ادعائه أن توسل الأعمى كان بمنزلة النبي - ﵌ - عند الله:
ونختم الرد على الدكتور البوطي بالإشارة إلى خطئه في ادعائه أن توسل الأعمى إنما كان بمنزلة النبي - ﵌ -، وبكونه أفضل الخلائق عند الله، لأن ذلك مجرد دعوى لا برهان عليها، ولم يستطع الدكتور أن يأتي بشبه دليل على ذلك، وقد تقدم في هذه الرسالة إثبات أن توسل الأعمى إنما كان بدعاء النبي - ﵌ -، وقد فندنا كل الشبهات فيما علمنا التي يوردها المخالفون، ويحتجون بها على رأيهم الخاطىء، كما بيَّنا (ص٦٥) ضعف الزيادة التي أشار الدكتور إليها، وسكت عنها جهلًا أو تجاهلًا، وهي قوله: (فإن كان لك حاجة فافعل مثل ذلك).ورغبة في عدم الإطالة لا نعيد ذلك.
ومما سبق كله، يتبين لكل منصف مريد للحق بطلان تلك الشبهة البوطية
[ ٣ / ٧٣٩ ]
وسقوطها، وصدق الله ﵎ إذ يقول: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون﴾ ويقول: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾.
والحمد لله أولًا وآخرًا على توفيقه وهداه، وهو وحده المستعان، لا إله غيره، ولا رب سواه.
"التوسل" (ص٥١ - ١٥٤)
[٢٤٣] باب هل يدل الدعاء الذي علَّمه
النبي - ﵌ - للضرير على جواز التوسل بالأشخاص؟
[جاء في حديث الضرير الذي طلب من النبي - ﵌ - أن يدعو له أن النبي - ﵌ - علَّمه هذا الدعاء]:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في».
(صحيح).
[قال الإمام]:
وزاد أحمد وابن خزيمة: "وشفعني فيه"، وهي من الأدلة الكثيرة على أن التوسل والتوجه المذكور في الحديث إنما هو بدعائه - ﵌ -؛ لأن معناها: اقبل شفاعتي، أي في دعائه. وكذلك قوله: فشفعه في أي اقبل شفاعته أي دعاءه في. وهذه الزيادة من الكنوز، من عرفها استطاع بها أن يطيح بشبهات المخالفين.
"صحيح الجامع" (١/ ٢٧٥).
[ ٣ / ٧٤٠ ]
[٢٤٤] باب منه
عن عثمان بن حنيف قال: إن رجلا ضرير البصر أتى النبي - ﵌ - فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: " إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ".قال: فادعه قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلي ربي ليقضي لي في حاجتي هذه اللهم فشفعه في ".
(إسناده صحيح).
[قال الإمام]:
لم يصب من استدل به على التوسل بالأشخاص، وإنما هو دليل على التوسل بدعاء الرجل الصالح، كما شرحه شيخ الإسلام في كتاب "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة".
"تحقيق مشكاة المصابيح" (٢/ ٧٦٩).
[٢٤٥] باب ما حكم سؤال المخلوق للمخلوق أن يقضي حاجته أو يدعو له؟ وما الجواب عن حديث الأعرابي الذي أتى النبي - ﵌ - وطلب منه الدعاء؟
سؤال: شيخنا، هنا شيخ الإسلام ﵀ بيقول: وأما سؤال المخلوقِ المخلوقَ أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يُؤمر به، ويستدل على هذا الكلام
الشيخ مقاطعًا: نُهي عنه؟ لم يؤمر به، نُهي عنه؟ قبل ما تقرأ لي، نُهي عنه؟
[ ٣ / ٧٤١ ]
السائل: لم يذكر نهي، ولا نعلم نهيًا.
الشيخ: طيب، مو هذا كلام صحيح؟ لا تسأل الناس شيئًا، ولو ناولْني السوط، وكان الواحد إذا سقط السوط من يده من الناقة يبرك الناقة وينيخها حتى يأخذ السوط؟ وَّلا يقول لأحد: من فضلك أعطني؟
السائل: هو ذكر هذا الحديث واستدل بهذا، وقال: إن الدعاء-يعني-سؤال.
الشيخ: فعلًا سؤال، لكن مو حرام، هذا الأفضل.
السائل: يعني: الأفضل ما يسأل؟
الشيخ: ما أمكنه، ما أمكنه.
السائل: شيخنا، هناك حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي - ﵌ - وطلب منه أن يدعو له، فَخَيَّرَه النبي - ﵌ - بين أن يدعو له أو أن يصبر، هذا فيه إقرار من النبي - ﵌ - على الدعاء.
الشيخ: طبعًا، لكنه قال: " إنْ صبرت، فهو خير لك ".
" الهدى والنور" (٣/ ٥٧: ٣٦: ٠٠)
[٢٤٦] بيان وهاء استدلال أرباب التوسل المبتدع بحديث «أسألك بحق السائلين عليك»
كان إذا خرج إلى الصلاة؛ قال: «باسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حولَ ولا قوة إلا بالله. اللَّهُمَّ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَخرجي هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا، وَلاَ بَطَرًا، وَلاَ رِيَاءً، وَلاَ سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقَاءَ سُخْطِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ، وتُدخِلَني الجنة».
[ ٣ / ٧٤٢ ]
[قال الإمام]:
ضعيف جدًا.
أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٠/ ٨٢) من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال مؤذن رسول الله - ﵌ - قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ إن لم يكن موضوعًا، فقد قال ابن حبان في الوازع هذا (٣/ ٨٣): "كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته، ويشبه أن يكون
المتعمد لذلك؛ بل وقع ذلك في روايته لكثرة وهمه؛ فبطل الاحتجاج به لما انفرد عن الثقات بما ليس من أحاديثهم".
والحاكم على تساهله المعروف قال فيه: "روى أحاديث موضوعة ".
وأشار إلى ذلك البخاري بقوله في "التاريخ " (٤/ ٢/١٨٣): "منكر الحديث ".وقال أحمد وابن معين وأبو داود: "ليس بثقة".وقال النسائي: "متروك الحديث ".وقال ابن عدي في "الكامل " (٧/ ٩٨): "عامة ما يرويه عن شيوخه غير محفوظة".
قلت: فقد اتفقت أقوال أئمة هذا الشأن على أن الوازع هذا ضعيف جدًا لا يستشهد به، وهذا ما صرح به الحافظ ابن حجر في "تخريج الأذكار"، فقال: "هذا حديث واهٍ جدًا " إلى آخر كلامه الذي كنت نقلته عنه في كتابي "التوسل: أنواعه وأحكامه " (ص ٩٩).
ومع هذه النقول عن هؤلاء الأئمة الفحول، نجد أهل البدع والأهواء الذين
[ ٣ / ٧٤٣ ]
يرمون أهل السنة بما ليس فيهم، يتجاهلون تلك النقول، ويستشهدون بهذا الحديث الواهي؛ ليقووا به آخر مثله، وهو حديث أبي سعيد الخدري- "لمجرد اشتراكهما في التوسل المبتدع-:
«اللهم إني أساثك بحق السائلين عليك» كما كنت بينت ذلك في الكتاب المومي إليه، وفي "الضعيفة" أيضًا برقم (٢٤)، فتجد أولئك المبتدعة يكتمون الحق وهم يعلمون، فخذ مثلًا الشيخ عبد الله الغماري المغربي التي تطفح كتبه بالجهل بهذا العلم الشريف، مقرونًا بالتجاهل في كثير من الأحيان، فها هو في رسالته التي أسماها "مصباح الزجاجة" تجاهل العلل التي كنا شرحناها في الكتابين المذكورين للحديث الآخر المشار إليه- وهو حديث أبي سعيد- فيرد على النووي تضعيفه إياه، ويصرح بأنه حسن- دون أن يسوق إسناده ويتكلم عليه كما يقتضيه هذا العلم الشريف- مع أن فيه ضعفًا في بعض رواته، وتدليسًا خبيثًا واضطرابًا كما هو مبين هناك، فتجاهل ذلك كله، وزاد تجاهلًا آخر؛ فقال (ص ٥٥ - ٥٦): "وله شاهد من حديث بلال عند ابن السني "!! ونحوه؛ بل وشر منه قول الكوثري في "مقالاته " (ص ٢٩٤): "وأخرج ابن السني في "عمل اليوم والليلة" بسند فيه الوازع عن بلال "!!! وقد كنت رددت عليه تجاهله لحال الوازع هذا في "الضعيفة" (ص ٨٧ - الطبعة الجديدة)؛ وإنما أردت هنا- بعد أن عرضت على أعين القراء إسناد ابن السني- لأبين لهم كيف يخاتل الكوثري قُرَّاءَه، ويُدلس عليهم، ويعمي حال الراوي الذي هو علة الحديث، وأنه لا فائدة من ذكره لشدة ضعفه؟! فإنه عند ابن السني-كما رأيت- من رواية الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابرابن عبد الله عن بلال.
فماذا فعل الكوثري- عامله الله بما يستحق-: أولًا: أسقط الواسطتين بين
[ ٣ / ٧٤٤ ]
الوازع وبلال؛ ليوهم القراء أنه تابعي! ثانيًا: لم ينسب الوازع إلى أبيه (نافع) ولا إلى قبيلته (العقيلي)، وذلك كله تعمية لحاله على طلبة العلم من قرائه؛ لأن أحدهم لو أراد أن يتحقق من هويته، ويتعرف على منزلته في الرواية، وليس الإسناد بين يديه؛ فسيرى فيمن يسمى (وازعًا) ثلاثة من الرواة ليس فيهم من روى عن بلال! وهذا هو المقصود من تعميته.
ثالثًا: قد علم الكوثري من إسناد ابن السني أن الوازع هو ابن نافع العقيلي، ومما لا شك فيه أنه يعلم أيضًا سوء حاله في الرواية من أقوال الأئمة المتقدمة فيه، ومع ذلك تجاهل ذلك كله، وأوهم القراء أنه ممن يستشهد به. وكم له ولأمثاله من أهل الأهواء من نحو هذا التدليس والمكر! والله المستعان.
"الضعيفة" (١٣/ ١/٥٤٢ - ٥٤٥).
[٢٤٧] باب الرد على من استدل بحديث «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم» على جواز التوسل بالأشخاص
عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد أن له فضلًا على من دونه، فقال رسول الله - ﵌ -: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟».رواه البخاري
[قال الإمام]:
أي بِدُعائهم وإخلاصهم كما في بعض الروايات الصحيحة، فلا دليل في الحديث على التوسل بالأشخاص كما ظن بعض المبتدعة.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٤٤٢).
[ ٣ / ٧٤٥ ]
[٢٤٨] باب نُصوص
قد يفهم منها جواز التوسل بالصالحين وليس كذلك
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ابغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم».
[قال الإمام]:
اعلم أنه قد جاء تفسير النصر المذكور في الحديث، وأنه ليس نصرًا بذوات الصالحين، وإنما هو بدعائهم وإخلاصهم وذلك في الحديث الآتي: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم».
"الصحيحة" (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩).
[٢٤٩] باب شرح أثر أنس في الاستسقاء بعم الرسول - ﵌ -
والرد على من استدل به على جواز الاستسقاء بالميت
عن أنس: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب. فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.
[قال الإمام]:
في أول الحديث زيادة مفيدة عند الإسماعيلي بإسناد البخاري إلى أنس قال: "كانوا إذا قحطوا على عهد النبي - ﵌ - استسقوا به، فيستسقى لهم فيسقون، فلما كان في إمارة عمر .. " فذكر الحديث.
قلت: فاستسقاؤهم به - ﵌ - إنما هو طلبهم منه - ﵌ - أن يدعو الله لهم أن
[ ٣ / ٧٤٦ ]
يسقيهم، بدليل قولهم: فيستسقي لهم؛ أي يطلب لهم ذلك من الله فيسقيهم، وقصة أنس المتقدمة في (الجمعة) أوضح مثال عملي على الصورة الحقيقية لاستسقائهم وتوسلهم به - ﵌ - في السقيا. وكذلك كان استسقاء عمر بالعباس، لم يكن استسقاؤه بذاته، وإنما بدعائه، ويؤيده حديث ابن عباس: "أن عمر استسقى بالمصلى، فقال للعباس قم استسق، فقام العباس فقال: اللهم إن عندك سحابًا .. " إلخ الدعاء. أخرجه عبد الرزاق (٤٩١٣) بسند واه، سكت عليه الحافظ؛ ولعله لشواهده.
إذا تبين هذا فإن الحديث ليس فيه دليل على جواز التوسل بالميت، لأن مداره على التوسل بدعاء الحي، وهذا لا يمكن بعد وفاته، وهذا هو السبب الذي جعل عمر يتوسل بالعباس دون النبي - ﵌ -، وليس هو من باب التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل كما زعموا، ومما يؤيد ذلك أن أحدًا من السلف لم يستسق بالنبي - ﵌ - بعد وفاته، وإنما استسقوا بالأحياء كما فعل الضحاك بن قيس ﵁ حين استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي في زمن معاوية ﵁.
وأما ما روى ابن أبي شيبة أن رجلًا جاء إلى قبر النبي - ﵌ - في زمن عمر فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر .. الحديث. فلا يصح إسناده، خلافًا لما فهم بعضهم من قول الحافظ في (الفتح): " .. بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمَان عن مالك الدار"، فإن إسناده صحيح إلى أبي صالح، وأما من فوقه فليس كذلك، لأن مالكًا هذا لم يوثقه أحد فيما عَلِمْتُ، وبيض له ابن أبي حاتم (٤/ ١/٢١٣)، والرجل المستسقي لم يسمِّ، فهو مجهول، وتسمية سيف إياه في كتابه "الفتوح" ببلال بن الحارث المزني أحد الصحابة، لا شيء! لأن سيفًا هذا، وهو ابن عمر التميمي الأسدي؛ قال
[ ٣ / ٧٤٧ ]
الذهبي: "تركوه واتهم بالزندقة" ثم رأيت ابن حبان قد وثق مالك الدار هذا (٥/ ٣٨٤)، وتساهله معروف، فإن ثبت توثيقه فالعلة جهالة الرجل. وقد تكلمت على التوثيق المذكور في كتابي "تيسير انتفاع الخلان بثقات ابن حبان".
"مختصر صحيح البخاري" (١/ ٣٠٦).
[٢٥٠] باب بيان أن استسقاء عمر إنما كان بدعاء العباس
عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذ قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا». قال: فيسقون. رواه البخاري
[قال الإمام]:
فيه إشارة إلى تكرر استسقاء عمر بدعاء العباس ﵄، ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر بأنه إنما ترك التوسل به - ﵌ - إلى التوسل بعمه، بيانًا لجواز التوسل بالمفضول مع إمكان التوسل بالفاضل!! فإننا نقول: لو كان الأمر كما يزعمون لفعل ذلك مرة واحدة، ولما استمر عليه كلما استسقى، وهذا بين لا يخفى إن شاء الله تعالى على أهل العلم والإنصاف.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٤٧٨).
[ ٣ / ٧٤٨ ]
جماع أبواب
الكلام حول مسألة سماع الأموات
[ ٣ / ٧٤٩ ]
[٢٥١] باب بيان أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر
[قال الإمام في مقدمة تحقيقه على "الآيات البينات في عدم سماع الأموات"]:
اعلم أن هذه الرسالة وإن كان موضوعها في بيان حكم فقهي كما سترى، فذلك لا يعني-في اعتقادي-أنه لا علاقة لها بما هو أسمَى من ذلك وأعلى، ألا وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ودعاؤه تعالى دون سواه، ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر؛ ألا وهو دعاء الأولياء والصالحين وعبادتهم من دون الله﷿- جهلًا أو عنادًا، ولا ينحصر ذلك في الجهال منهم، بل يشاركهم في ذلك الكثير ممن ينتمي إلى العلم، بل وقد يظن الجماهير أنه من كبار العلماء! فإنهم يبررون لهم ذلك خطابةً وكتابةً بمختلف التبريرات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والأحزاب الإسلامية كلها-مع الأسف-لا تُعير لذلك اهتمامًا يذكر؛ لأنه يؤدِّى بزعم بعضهم إلى الاختلاف والتفرقة! مع أنهم يعلمون أن الأنبياء إنما كان أوَّل دعوتهم ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطاغوت﴾ (النحل: ٣٦). وخيرهم من يسكت عن قيام غيره بهذا الواجب، ومن الظاهر أن ذلك الشيخ الذي ألَّف العلامة الآلوسى هذه الرسالة في الرد عليه كان منهم؛ ولذلك ثارت ثائرته حينما صرَّح المؤلف﵀في درسه بأن الموتى لا يسمعون؛ لأنه يعلم أن ذلك ينافي ما عليه أولئك الجُهَّال من المناداة للأولياء والصالحين، ودعائهم من دون الله﷿وفي ظني أن المؤلف﵀ما ألَّف هذه الرسالة إلا تمهيدًا للقضاء على هذه
[ ٣ / ٧٥١ ]
الضلالة الكبرى، ألا وهي الاستغاثة بغير الله تعالى، على اعتبار أن السبب الأقوى الموجب لها عند من ضلَّ من المسلمين، إنما هو الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، فإذا تبين أن الصواب أن الموتى لا يسمعون، لم يبقَ حينئذٍ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى.
فإني لا أكاد أتصور-ولا غيري يتصور-مسلمًا يعتقد أن الميت لا يسمع دعاء الداعية، ثم هو مع ذلك يدعوه، ومن دون الله يناديه، إلا أن يكون قد تمكنت منه عقيدة باطلة أخرى، هي أضل من هذه وأخزى؛ كاعتقاد بعضهم في الأولياء، أنهم قبل موتهم كانوا عاجزين، وبالأسباب الكونية مقيدين؛ فإذا ماتوا انطلقوا وتفلتوا من تلك الأسباب، وصاروا قادرين على كل شيء كربِّ الأرباب! ولا يستغربن أحد هذا ممن عافاهم الله تعالى من الشرك على اختلاف أنواعه؛ فإن في المسلمين اليوم من يصرِّح بأنَّ في الكون متصرفين من الأولياء دون الله تعالى ممن يسمونهم هنا في الشام بـ "المدَّرِّكين " وبـ"الأقطاب" وغيرهم، وفيهم من يقول: "نظرة مِن الشيخ تقلب الشقي سعيدًا "! ونحوه من الشركيات.
قال العلامة السيد رشيد رضا في "تفسيره" (١١/ ٣٩١) تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ (يونس: ٤٩).
" أي لكن ما شاء الله من ذلك كان متى شاء، لا شأن لي فيه؛ لأنه خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين.
وقد بلغ من جهل الخرافيين من المسلمين بتوحيد الله أن مثل هذه النصوص من آيات التوحيد لم تصدّ الجاهلين به منهم عن دعوى قدرة الأنبياء والصالحين-حتى الميتين منهم-على كل شيء من التَّصَرُّف في نفعهم وضرهم مما يجعله الله
[ ٣ / ٧٥٢ ]
تعالى من الكسب المقدور لهم بمقتضى سننه في الأسباب، بل يعتقدون أن منهم من يتصرفون في الكون كله؛ كالذين يُسَمُّونهم بالأقطاب الأربعة. وإنَّ بعض كبار علماء الأزهر في هذا العصر يكتب هذا حتى في مجلة الأزهر الرسمية (نور الإسلام)! فيفتي بجواز دعاء غير الله من الموتى والاستغاثة بهم في كل ما يعجزون عنه من جلب نفع، ودفع ضر.
وألَّف بعضهم كتابًا في إثبات ذلك (١)، وكونُ الميتين من الصالحين ينفعون ويضرون بأنفسهم، ويخرجون من قبورهم، فيقضون حوائج من يدعونهم ويستغيثون بهم! قال في "فتح البيان" (٢) بعد نقله الأول في الاستثناء عن أئمة المفسرين وترجيحه ما نصه: " وفي هذا أعظم وازع، وأبلغ زاجر، لمن صار دَيْدَنُه وهِجِّيراه المناداة لرسول الله - ﵌ -، أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه؛ وكذلك من صار يطلب من الرسول ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقامُ رب العالمين، الذي خلقَ الأنبياءَ والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب مِن نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه؟ ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي المانع؟! وحسبك بما في الآية من موعظة؛ فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ فكيف
_________________
(١) قلت: كأنه يشير إلى كتاب "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق" للشيخ يوسف النبهاني؛ فإنه أزهري، وكانت وفاته في بيروت سنة ١٣٥٠ هـ- ١٩٣٢م، وقيل: إنه مات ودفن في بلدته إجزم شمالي فلسطين كما في "الأعلام" للأستاذ الزركلي. غير أن أخي الأستاذ زهير يصر على أنه مات في بيروت ودفن بمقبرة الباشورة. [منه].
(٢) (ج٤ ص ٢٢٥ - ٢٢٦). [منه].
[ ٣ / ٧٥٣ ]
يَمْلُكُه غيرُه؟! وكيف يُمَلِّكُه غيرُه- ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته-لنفسه، فضلًا عن أن يُمَلِّكَه لغيره؟!
فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله﷿-! كيف لا يتيقَّظُون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى (لا إله إلا الله)، ومدلول ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؟! وأعجب من هذا اطِّلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها؛ فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومُقرِّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارةً على الاستقلال، وتارةً مع ذي الجلال، وكفاكَ عن شرٍّ سماعُه، واللهُ ناصر دينه، ومُطَهِّر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسَّل الشيطان-أخزاه الله-بهذه الذريعة إلى ما تَقَرُّ به عينُه، وينثلج به صدره؛ مِن كفرِ كثيرٍ من هذه الأمة المباركة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (لكهف: ١٠٤).؛ "إنا لله وإنا إليه راجعون".
وقال السيد رشيد أيضًا تحت قوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (يونس: ٢٢).
" وفي هذه الآية وأمثالها بيانٌ صريح لكون المشركين كانوا لا يَدْعون في أوقات الشدائد وتقطُّع الأسباب بهم إلا اللهَ ربهم، ولكن من لا يُحْصَى عددهم من مسلمي هذا الزمان بزعمهم لا يدعون عند أشد الضيق إلا معبوديهم من الميتين؛ كالبدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني والمتبولي وأبي سريع وغيرهم ممن لا
[ ٣ / ٧٥٤ ]
يُحْصَى عددهم، وتجد من حملة العمائم الأزهريين وغيرهم ولا سيما سَدَنَهُ المشاهد المعبودة الذين يتمتعون بأوقافها ونذورها من يغريهم بشركهم، ويتأوله بتسميته بغير اسمه في اللغة العربية كالتوسُّل وغيره.
وقد سمعت من كثيرين من الناس في مصر وسورية حكاية يتناقلونها، ربما تكررت في القطرين لتشابه أهلهما وأكثر مسلمي هذا العصر خرافاتهم، وملخصها: أن جماعة ركبوا البحر فهاج بهم حتى أشرفوا على الغرق؛ فصاروا يستغيثون معتقديهم، فبعضهم يقول: يا سيد يا بدوي! وبعضهم يصيح: يا رفاعي! وآخر يهتف: يا عبد القادر يا جيلاني! .. الخ، وكان فيهم رجل موحد ضاق بهم ذرعًا؛ فقال: يا ربّ أغرِقْ؛ ما بقى أحدٌ يعرفك! ". (١١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
ثم ذكر في معنى الآية نحو ذلك عن الإمام الآلوسي والد المؤلف في "روح المعاني"، ثم قال الآلوسي:
"وظاهرُ الآية أنَّه ليس المراد تخصيص الدُّعاء فقط به سبحانه، بل تخصيص العبادة به تعالى أيضًا؛ لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين، وأيًّا ما كان فالآية دالةً على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمرٌ خطير، وخطبٌ جسيم، في برٍ أو بحر، دعْوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع؛ فمنهم من يدعوا الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمَّة، ولا ترى أحدًا فيهم يخص مولاه، بتضرُّعِه ودُعاه، ولا يكاد يمرُّ له بال، انه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله عليكَ قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا؟ وأي الدَّاعيين أقومُ قِيلا؟ وإلى الله المشتكَى من زمان عصفَتْ فيه ريحُ الجهالة، وتلاطمت أمواجُ الضَّلالة،
[ ٣ / ٧٥٥ ]
وخُرِقَت سفينة الشَّريعة، واتُّخذت الاستغاثة بغير الله للنجاة ذريعة، وتَعذَّر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف ".
قلتُ: يشير العلاَّمة الآلوسي﵀إلى ما يلقاه الدُّعاة المصلحون في كلِّ زمانٍ ومكان من الشِّدة والمعارضة لدعوتهم الحق؛ بسبب فشوِّ الشِّرك والبدع في الناس مٍن عامتهم، وشيوخ البدع من علمائهم، والمنافقين من حُكَّامهم، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١).
هذا، وليس غرضي الآن أن أُشبع الكلام في توحيد الربوبية والألوهية وما ينافيهما من الشرك والوثنية؛ فذلك أمرٌ لا تتسع له هذه المقدمة، لا سيما وقد قامَ بذلك خيرَ القيام، أئمة التوحيد وشيوخ الإسلام؛ كالإمام ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، ومحمد بن عبد الوهاب، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أولي الألباب، وإنما الغرض بيان ارتباط هذه المسألة-"سماع الموتى"-بنوع من أنواع الشِّرك، وأنَّ القضاء عليه يكون بتحقيق أنَّ الموتى لا يسمعون؛ فإني أعلم علم اليقين أنَّ في المستغيثين بالأولياء والصَّالحين من لم يَقُمْ في نفوسهم ما تَقَدَّم بيانه من الضَّلال الأكبر، ولكنَّهم لما كانوا يعتقدون أنَّهم يسمعون كالأحياء، وكان من المسلَّم لديهم مناداتهم والاستغاثة بهم في حياتهم، استجازوا ذلك بهم بعد موتهم! وقد ردَّ الأئمة عليهم بما هو معروف لدى علماء المسلمين من أن الاستغاثة بهم في حياتهم ليست على إطلاقها وشمولها، وإنما هي بما تدخل تحت قدرتهم التي مكَّنهم الله تعالى منها، وليس من ذلك السَّعادة، والرِّزق والشِّفاء، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، ونحوه مما هو مُتَعَلِّق بربوبَّيته ﷾؛ فطلبُ ذلك من الأولياء في حياتهم شركٌ وضلال أكبر، مُخِلّ بتوحيد الربوبية بَلهَ الألوهية كما هو ظاهر، فكيف بذلك بعد موتهم؟ لا شك أنَّه أدهى وأمرُّ.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٢٤ - ٣١).
[ ٣ / ٧٥٦ ]
[٢٥٢] باب تحقيق أن الموتى لا يسمعون
[قال الإمام في مقدمة تحقيق "الآيات البينات في عدم سماع الأموات "الآلوسي]:
اعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله ﷿، فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء، وإنما يوقف فيه مع النص إثباتًا ونفيًا، وسترى المؤلف - رحمه الله تعالى - ذكر في الفصل الأول كلام الحنفية في أنهم لا يسمعون، وفي الفصل الثاني نقل عن غيرهم مثله، وحكى عن غير هؤلاء أنهم يسمعون، وليس يهمني أن هؤلاء قلة وأولئك الكثرة فالحق لا يعرف بالكثرة ولا بالقلة وإنما بدليله الثابت في الكتاب والسنة مع التفقه فيهما وهذا ما أنا بصدده إن شاء الله تعالى؛ فأقول:
استدل الأولون بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) وقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ (النمل:٨٠ والروم ٥٢) وأجاب الآخرون بأن الآيتين مجاز وأنه ليس المقصود «الموتى» بـ «من في القبور» الموتى حقيقة في قبورهم وإنما المراد بهم الكفار الأحياء شبهوا بالموتى " والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر " كما قال الحافظ ابن حجر على ما يأتي في الرسالة (ص ٧٢).
فأقول: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى هو ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى (١) وعلى ذلك جرى علماء التفسير لا خلاف بينهم في
_________________
(١) وقد بين ذلك بيانا شافيا العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه " أضواء البيان " (٦/ ٤١٦ - ٤٢١). [منه].
[ ٣ / ٧٥٧ ]
ذلك فيما علمت، ولكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على ما سبق؛ لأن الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة وكان ذلك معروفًا عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع فدل هذا التشبيه على أن المشبه بهم- وهم الموتى في قبورهم- لا يسمعون، كما يدل مثلًا تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع بل هو في ذلك أقوى من زيد ولذلك شبه به، وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه وإنما عن زيد، وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون، بل إن كل عربي سليم السليقة لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم كما في المثال السابق، وإذا الأمر كذلك فموتى القبور لا يسمعون.
ولما لاحظ هذا بعض المخالفين لم يسعه إلا أن يسلم بالنفي المذكور ولكنه قيده بقوله: " سماع انتفاع " يعني أنهم يسمعون ولكن سماعا لا انتفاع فيه (١) وهذا في نقدي قلب للتشبيه المذكور في الآيتين حيث جعل المشبه به مشبهًا فإن القيد المذكور يصدق على موتى الأحياء من الكفار فإنهم يسمعون حقيقة ولكن لا ينتفعون من سماعهم كما هو مشاهد فكيف يجوز جعل المشبه بهم من موتى القبور مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم، مع أن المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقًا، ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيتين الكريمتين فبطل القيد المذكور.
ولقد كان من الممكن القول بنحو القيد المذكور في موتى القبور لو كان
_________________
(١) انظر (ص ٤٥ - ٤٦) من كتاب " الروح " المنسوب لابن القيم رحمه الله تعالى فإن فيه غرائب وعجائب من الروايات والآراء كما سنرى شيئا من ذلك فيما يأتي: وانظر (ص ٨٧). [منه].
[ ٣ / ٧٥٨ ]
هناك نص قاطع على أن الموتى يسمعون مطلقًا إذن لوجب الإيمان به والتوفيق بينه وبين ما قد يعارضه من النصوص كالآيتين مثلًا، ولكن مثل هذا النص مما لا وجود له بل الأدلة قائمة على خلافه وإليك البيان:
الدليل الأول: قوله تعالى في تمام الآية الثانية: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ فقد شبههم الله تعالى- أعني موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضًا فهل هذا يقتضي في المشبه بهم " الصم " أنهم يسمعون أيضًا ولكن سماعًا لا انتفاع فيه أيضًا، أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقًا كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه. وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا الذي نقول فقال ابن جرير في " تفسيره" (٢١/ ٣٦) لهذه الآية:
هذا مَثَلٌ معناه: فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء المشركين الذين قد ختم الله على أسماعهم فسلبهم فَهْمَ ما يتلى عليهم من مواعظ تنزيله، كما لا تقدر أن تفهم الموتى الذين سلبهم الله أسماعهم بأن تجعل لهم أسماعًا، وقوله: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ يقول: كما لا تقدر أن تسمع الصم الذين قد سلبوا السمع إذا ولوا عنك مدبرين؛ كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فَهْمَ آيات كتابه لسماع ذلك وفهمه.
ثم روى بإسناده الصحيح عن قتادة قال:
هذا مَثَلٌ ضربه الله للكافر فكما لا يسمع الميت الدعاء كذلك لا يسمع الكافر ﴿ولا تسمع الصم الدعاء ..﴾ يقول: لو أن أصمَّ ولىَّ مدبرًا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما سمع.
وعزاه في " الدرر " (٥/ ١١٤) لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
[ ٣ / ٧٥٩ ]
دون ابن جرير، وقد فسر القرطبي (١٣/ ٢٣٢) هذه الآية بنحو ما سبق عن ابن جرير وكأنه اختصره منه.
فثبت من هذه النقول عن كتب التفسير المعتمدة أن الموتى في قبورهم لا يسمعون كالصم إذا ولوا مدبرين، وهذا هو الذي فهمته السيدة عائشة ﵂ واشتهر ذلك عنها في كتب السنة وغيرها، ونقله المؤلف عنها في عدة مواضع من رسالته فانظر (ص ٥٤، ٥٦، ٥٨، ٦٨، ٦٩، ٧١) وفاته هو وغيره أنه هو الذي فهمه عمر ﵁ وغيره من الصحابة لما نادى النبي - ﵌ - أهل القليب على ما يأتي بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ذلك الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ (فاطر ١٣ و١٤).
قلت: فهذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذي كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى وهم موتى الأولياء والصالحين الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم يعبدونهم فيها وليس لذاتها، كما يدل على ذلك آية سورة (نوح) عن قومه: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ ففي التفسير المأثور عن ابن عباس وغيره من السلف: أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم (أي علم تلك الصور بخصوصها) عبدت. رواه البخاري وغيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر:٣) فإنها صريحة في أن
[ ٣ / ٧٦٠ ]
المشركين كانوا يعبدون الصالحين ولذلك اتخذوهم وسائط بينهم وبين الله تعالى قائلين: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾.
ولاعتقادهم بصلاحهم كانوا ينادونهم ويعبدونهم من دون الله توهما منهم أنهم يسمعون ويضرون وينفعون، ومثل هذا الوهم لا يمكن أن يقع فيه أي مشرك مهما كان سخيف العقل لو كان لا يعتقد فيمن يناديه الصلاح والنفع والضر كالحجر العادي مثلًا، وقد بين هذا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فقال في كتابه " إغاثة اللفهان " (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣):
وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة، تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح ﵇ ولهذا لعن النبي - ﵌ - المتخذين على القبور المساجد، ونهى عن الصلاة إلى القبور (١) .. فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلًا وإما عنادًا لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو لغالب على عوام المشركين.
وأما خواصهم فإنهم اتخذوها- بزعمهم- على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجابًا وحجبًا وقربانًا ولم يزل هذا في الدنيا قديمًا وحديثًا (ثم بين مواطن بيوت هذه الأصنام وذكر عباد الشمس والقمر وأصنامهم وما اتخذوه من الشرائع حولها ثم قال ٢/ ٢٢٤):
فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيئته وصورته ليكون نائبًا منابه وقائمًا مقامه، إلا فمن المعلوم أن
_________________
(١) انظر كتابي: " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " [منه].
[ ٣ / ٧٦١ ]
عاقلًا لا ينحت خشبة أو حجرًا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده ".
قلت: ومما يؤيد أن المقصود بقوله في الآية المتقدمة ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ إنما هم المعبودون من دون الله أنفسهم وليست ذوات الأصنام تمام الآية: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ والأصنام لا تبعث؛ لأنها جمادات غير مكلفة كما هو معلوم، بخلاف العابدين والمعبودين فإنهم جميعا محشورون قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا﴾ (الفرقان:١٧ - ١٨) وقال: ﴿يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا: سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ (سبأ:٤٠ - ٤١) وهذا كقوله تعالى: [وإذا قال الله: يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق] الآية (المائدة/١١٦) وخير ما فسر به القرآن إنما هو القرآن والسنة وليس فيهما- فيما أعلم- ما يدل على أن الله يحشر الجمادات أيضا فوجب الوقوف عند هذه الآية الصريحة فيما ذكرنا.
وقد يقول قائل: إن هذا الذي بينته قوي متين ولكنه يخالف ما جرى عليه كثير من المفسرين في تفسير آية سورة (فاطر) وما في معناها من الآيات الأخرى فقالوا: إن المراد بها الأصنام نفسها وبناء على ذلك عللوا قوله تعالى فيها: ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ بقولهم: " لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع "
فأقول: لا شك أن هذا بظاهره ينافي ما بينت، ولكنه لا ينفي أن يكون لهم قول آخر يتماشى مع ما حققته فقال القرطبي (١٤/ ٣٣٦) عقب التعليل المذكور
[ ٣ / ٧٦٢ ]
آنفا وتبعه الشوكاني (٤/ ٣٣٣) وغيره ما معناه:
ويجوز أن يرجع ﴿والذين تدعون من دونه ﴾ وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين، والمعنى أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقًاّ، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى ﵇ بقوله: ﴿ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾.
وقد ذكرا نحوه في تفسير آية (الزمر) المتقدمة.
قلت: وهو أولى من تفسيرهما السابق؛ لأنه مدعم بالآيات المتقدمة، بخلاف تفسيرهما المشار إليه فإنه يستلزم القول بحشر الأصنام ذاتها، وهذا مع أنه لا دليل عليه فإنه يخالف الآيات المشار إليها ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- رحمهما الله- في كتابه " قرة عيون الموحدين " (ص ١٠٧ - ١٠٨) في تفسير آيتي (فاطر) ما نصه:
ابتدأ تعالى هذه الآيات بقوله: ﴿ذلكم الله ربكم له الملك﴾ يخبر الخبير أن الملك له وحده، والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، ولهذا قال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ فإن من كانت هذه صفته فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع أو دفع ضر إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس بل يجب إخلاص الدعاء- الذي هو أعظم أنواع العبادة- له، وأخبر تعالى أن ما يدعوه أهل الشرك لا يملك شيئًا، وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم أي: ينكرونه، ويتبرؤون ممن فعله معهم، فهذا الذي أخبر به الخبير الذي [لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء] وأخبر أن ذلك الدعاء شرك به وأنه لا يغفره
[ ٣ / ٧٦٣ ]
لمن لقيه فأهل الشرك ما صدقوا الخبير ولا أطاعوه فيما حكم به وشرع بل قالوا: إن الميت يسمع ومع سماعه ينفع، فتركوا الإسلام والإيمان رأسًا كما ترى عليه الأكثرين من جهلة هذه الأمة".
فتبين مما تقدم وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم﴾ على أن الصالحين لا يسمعون بعد موتهم وغيرهم مثلهم بداهة، بل ذلك من باب أولى كما لا يخفى فالموتى كلهم إذن لا يسمعون. والله الموفق
الدليل الثالث: حديث قليب بدر وله روايات مختصرة ومطولة أجتزئ هنا على روايتين منها:
الأولى: حديث ابن عمر قال:
وقف النبي - ﵌ - على قليب بدر فقال: «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول» فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي - ﵌ -: «إنهم الآن يعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق» ثم قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ حتى قرأت الآية.
أخرجه البخاري (٧/ ٢٤٢ - فتح الباري) والنسائي (١/ ٦٩٣) وأحمد (٢/ ٣١) من طريق أخرى عن ابن عمر وسيأتي بعضه في الكتاب (ص ٦٨، ٧١)
والأخرى: حديث أبي طلحة: أن نبي الله - ﵌ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان
[ ٣ / ٧٦٤ ]
ابن فلان: ويا فلان ابن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال رسول الله - ﵌ -: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم».قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا.
أخرجه الشيخان وغيرهما وقد خرجته في التعليق الآتي (ص ٥٤) من الكتاب ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح بملاحظة أمرين:
الأول: ما في الرواية الأولى منه من تقييده - ﵌ - سماع موتى القليب بقوله: «الآن» (١) فإن مفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وهو المطلوب. وهذه فائدة هامة نبه عليها العلامة الآلوسي- والد المؤلف رحمهما الله- في كتابه " روح المعاني " (٦/ ٤٥٥) ففيه تنبيه قوي على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون، ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي - ﵌ - وبإسماع الله تعالى إياهم خرقًا للعادة ومعجزة للنبي - ﵌ - كما سيأتي في الكتاب (ص ٥٦، ٥٩) عن بعض العلماء الحنفية وغيرهم من المحدثين. وفي " تفسير القرطبي " (١٣/ ٢٣٢):
قال ابن عطية (٢): فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد - ﵌ - في أن رد الله
_________________
(١) ولها شاهد صحيح في حديث عائشة الآتي (ص ٧٠) عند المؤلف رحمه الله تعالى " [منه].
(٢) هو عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي مفسر فقيه أندلسي عارف بالأحكام والحديث. توفي سنة (٥٤٢) له المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز " طبع منه جزءان في المغرب" ثم علمت الآن وأنا في زيارة الدوحة- قطر (أوائل ربيع الأول سنة ١٤٠١ هـ) من فضيلة الشيخ عبد الله الأنصاري أنه يقوم بطبع الكتاب طبعة جديدة وقد تم حتى اليوم. طبع أربع مجلدات منه يسر الله تمامه ".
[ ٣ / ٧٦٥ ]
إليهم إدراكا سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله - ﵌ - بسماعهم لحملنا
نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة وعلى معنى شفاء
صدور المؤمنين".
قلت: ولذلك أورده الخطيب التبريزي في " باب المعجزات " من " المشكاة" (ج ٣ رقم ٥٩٣٨ - بتخريجي)
والآمر الآخر: أن النبي - ﵌ - أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون، بعضهم أومأ إلى ذلك إيماءً، وبعضهم ذكر صراحة، لكن الأمر بحاجة إلى توضيح فأقول:
أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه - ﵌ - لموتى القليب بقولهم: " ما تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ " فإن في رواية أخرى عن أنس نحوه بلفظ " قالوا " بدل: "قال عمر " كما سيأتي في الكتاب (ص ٧١ - ٧٣) فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه - ﵌ - ما كان لهم أن يبادروه بذلك، وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يوجب على النبي - ﵌ - أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ، وأنه لا أصل له في الشرع، ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ".وهذا- كما ترى- ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق، وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة، على أنه ليس ذلك على إطلاقه بالنسبة إليهم أيضًا إذا تذكرت رواية ابن عمر التي فيها " إنهم الآن يسمعون " كما تقدم شرحه، فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت، وبما قال لهم النبي - ﵌ - فقط، فهي واقعة عين لا عموم لها؛ فلا تدل على أنهم يسمعون دائمًا وأبدًا، وكل ما يقال لهم، كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقًا، وهذا واضح إن شاء الله تعالى. ويزيده ووضوحا ما يأتي.
[ ٣ / ٧٦٦ ]
وأما الصراحة فهي فيما رواه أحمد (٣/ ٢٨٧) من حديث أنس ﵁ قال: " فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله ﷿: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا ".وسنده صحيح على شرط مسلم (١). فقد صرح عمر ﵁ أن الآية المذكورة هي العمدة
في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه، ولذلك
أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي - ﵌ - بذلك ليزيل إشكالهم؟ وكان ذلك
ببيانه المتقدم.
ومنه يتضح أن النبي - ﵌ - أقر الصحابة- وفي مقدمتهم عمر- على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب؛ وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم، فالآية لا تنفي مطلقا سماع الموتى بل إنه أقرهم على ذلك، ولكن بين لهم ما كان خافيًا من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقًّا، وأن ذلك أمر مستثنى من الآية معجزة له - ﵌ - كما سبق.
هذا وإن مما يحسن التنبيه عليه وإرشاد الأريب إليه أن استدلال عائشة المتقدم بالآية يشبه تمامًا استدلال عمر بها، فلا وجه لتخطئتها اليوم بعد تبين إقرار النبي - ﵌ - لعمر عليه، اللهم إلا في ردها على ابن عمر في روايته لقصة القليب بلفظ السماع، وتوهيمها إياه؛ فقد تبين من اتفاق جماعة من الصحابة على روايتها كروايته هو أنها هي الواهمة، وإن كان من الممكن الجمع بين روايتهم وروايتها
_________________
(١) وأصله عنده (٨/ ١٦٣ - ١٦٤) والزيادة له وهو رواية لأحمد (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠) والحديث عزاه في " الدر " (٥/ ١٥٧) لمسلم وابن مردويه وكأنه يعني أن أصله لمسلم وسياقه لابن مردويه ولا يخفى ما فيه من إيهام وتقصير. [منه].
[ ٣ / ٧٦٧ ]
كما سيأتي بيانه في التعليق على " الرسالة " (ص ٧ - ٨) فخطؤها ليس في الاستدلال بالآية وإنما في خفاء القصة عليها على حقيقتها ولولا ذلك لكان موقفها موقف سائر الصحابة منها، ألا وهو الموقف الجازم بها، على ما أخبر به النبي - ﵌ - واعتبارها مستثناةً من الآية.
فتنبه لهذا، واعلم أن من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي - ﵌ - من الأمور، والاحتجاج به؛ لأن إقراره - ﵌ - حق كما هو معلوم، وإلا فبدون ذلك قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص، ولا نذهب بك بعيدًا فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث- حديث القليب- على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله - ﵌ -: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» غير منتبهين لإقراره - ﵌ - الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون، وأنه لم يرده عليهم إلا باستثناء أهل القليب منه معجزة له - ﵌ -، فعاد الحديث بالتنبه لما ذكرنا حجة على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام. والله تعالى الموفق.
وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثالان:
الأول: حديث جابر عن أم مبشر ﵄ أنها سمعت النبي - ﵌ - يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها». قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فقال النبي - ﵌ -: «قد قال الله ﷿: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾».
[ ٣ / ٧٦٨ ]
رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢١٦٠) و" تخريج السنة " (٨٦٠ - طبع المكتب الإسلامي)
أقول: ففي استدلال السيدة حفصة ﵂ بآية الورود دليل على أنها فهمت (الورود) بمعنى الدخول وأنه عام لجميع الناس الصالح والطالح منهم، ولذلك أشكل عليها نفي النبي - ﵌ - دخول النار في حق أصحاب الشجرة، فأزال - ﵌ - إشكالها بأن ذكرها بتمام الآية: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ ففيه أنه - ﵌ - أقرها على فهمها المذكور، وأنه على ذلك أجابها بما خلاصته أن الدخول المنفي في الحديث هو غير الدخول المثبت في الآية، وأن الأول خاص بالصالحين ومنهم أهل الشجرة، والمراد به نفي العذاب، أي أنهم يدخلونها مرورا إلى الجنة دون أن تمسهم بعذاب، والدخول الآخر عام لجميع الناس ثم هم فريقان: منهم من تمسه بعذاب ومنهم على خلاف ذلك وهذا ما وضحته الآية نفسها في تمامها وراجع لهذا " مبارق الأزهار " (١/ ٢٥٠) و" مرقاة المفاتيح " (٥/ ٦٢١ - ٦٣٢).
قلت: فاستفدنا من الإقرار المذكور حكما لولاه لم نهتد إلى وجه الصواب في الآية، وهو أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنه لجميع الناس، ولكنها بالنسبة للصالحين لا تضرهم بل تكون عليهم بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، وقد روي هذا صراحةً مرفوعًا في حديث آخر لجابر لكن استغربه الحافظ ابن كثير وبينت علته في " الأحاديث الضعيفة " (٤٧٦١)، لكن حديثه هذا عن أم مبشر يدل على صحة معناه، وقد مال إليه العلامة الشوكاني في تفسيره للآية (٣/ ٣٣٣) واستظهره من قبله القرطبي (١١/ ١٣٨ - ١٣٩) وهو المعتمد.
والآخر: حديث " الصحيحين " والسياق للبخاري نقلا من " مختصر
[ ٣ / ٧٦٩ ]
البخاري " بقلمي لأنه أتم جمعت فيه فوائده وزوائده من مختلف مواضعه قالت عائشة: دخل علي رسول الله - ﵌ - وعندي جاريتان [من جواري الأنصار ٣/ ٣] (وفي رواية: قينتان ٤/ ٢٦٦] [في أيام منى تدففان وتضربان ٤/ ١٦١] تغنيان بغناء (وفي رواية: بما تقاولت (وفي أخرى تقاذفت) الأنصار يوم) بعاث (١). "وليستا بمغنيتين" فاضطجع على الفراش وحَوَّل وجهه ودخل أبو بكر "والنبي - ﵌ - متغش بثوبه ٢/ ١١] فانتهرني" وفي رواية: فانتهرهما) وقال: مزمارة (وفي رواية: مزمار) الشيطان عند (وفي رواية: أمزامير الشيطان في بيت) رسول الله - ﵌ -[(مرتين)]؟ فأقبل عليه رسول الله - ﵌ - (وفي رواية: فكشف النبي - ﵌ - عن وجهه) فقال: «دعهما يا أبا
_________________
(١) بالصرف وعدمه وهو اسم حصن وقعت الحرب عنده بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بثلاث سنين. [منه].
[ ٣ / ٧٧٠ ]
بكر [ف] إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا]». فلما غفل غمزتهما فخرجتا ". (رقم ٥٠٨ من المختصر ").
قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي - ﵌ - لم ينكر قول أبي بكر الصديق في الغناء بالدف أنه " مزمار الشيطان " ولا نهره لابنته أو للجاريتين بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر بذلك؟ الجواب: جاء به من تعاليم النبي - ﵌ - وأحاديثه الكثيرة في تحريم الغناء وآلات الطرب، وقد ذكر طائفة منها العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " (١/ ٢٥٨ - ٢٦٧) وخرجت بعضها في " الصحيحة " (٩١) و" المشكاة " (٣٦٥٢) ولولا علم أبي بكر بذلك وكونه على بينة من الأمر ما كان له أن يتقدم بين يدي النبي - ﵌ - وفي بيته بمثل هذا الإنكار الشديد، غير أنه كان خافيًا عليه أن هذا الذي أنكره يجوز في يوم عيد فبينه له النبي - ﵌ - بقوله: " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " فبقي إنكار أبي بكر العام مسلمًا به لإقراره - ﵌ - إياه، ولكنه استثنى منه الغناء في العيد فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث.
فتبين أنه - ﵌ - كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى، كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان، وكما أنه أدخل على الأول تخصيصًا، كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصًا اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد، ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بَيَّنَّا؛ أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم، فإنه استدل به
على الإباحة مطلقا جمودًا منه على الظاهر فإنه قال في رسالته في الملاهي (ص٩٨ - ٩٩):
وقد سمع رسول الله - ﵌ - قول أبي بكر: مزمار الشيطان " فأنكر عليه ولم ينكر على الجاريتين غناءهما "
والواقع أنه ليس في كل روايات الحديث الإنكار المذكور وإنما فيه قوله - ﵌ - لأبي بكر: " دعهما " وفرق كبير بين الأمرين فإن الإنكار الأول لو وقع لشمل الآخر ولا عكس كما هو ظاهر، بل نقول زيادة على ذلك: إن النبي - ﵌ - أقر قول أبي بكر المذكور كما سبق بيانه وقد قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " بعد أن ذكر الحديث (١/ ٢٥٧):
فلم ينكر رسول الله - ﵌ - على أبي بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما؛ لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد.
[ ٣ / ٧٧١ ]
وأما أنه - ﵌ - لم ينكر على الجاريتين فحق، ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره أولا. وثانيًاّ: لما أمر - ﵌ - أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: " دعهما " أتبع ذلك بقوله: " فإن لكل قوم عيدًا " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية إذا صح التعبير، ومن المعلوم أن العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر، ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول بدليل الخطاب، وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من " مجموع الفتاوى " فراجع المجلد الثاني من " فهرسه ".
لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الشاهد منه واضح ومهم، وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي - ﵌ - لأمرٍ ما يفتح عليه بابًا من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها، وهكذا كان الأمر في حديث القليب فقد تبين بما سبق أنه دليل صريح على أن الموتى لا يسمعون، وذلك من ملاحظتنا إقرار النبي - ﵌ - لاستنكار عمر سماعهم واستدلاله عليه بالآية ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فلا يجوز لأحد بعد هذا أن يلتفت إلى
أقوال المخالفين القائلين بأن الموتى يسمعون، فإنه خلاف القرآن الذي بينه
الرسول - ﵌ -.
الدليل الرابع: قول النبي - ﵌ -: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» (١).
_________________
(١) وهو حديث صحيح [منه].
[ ٣ / ٧٧٢ ]
أقول: ووجه الاستدلال به أنه صريح في أن النبي - ﵌ - لا يسمع سلام المسلمين عليه؛ إذ لو كان يسمعه بنفسه لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه كما هو ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك فبالأولى أنه - ﵌ - لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيره من الموتى أولى وأحرى.
ثم إن الحديث مطلق يشمل حتى من سلم عليه - ﵌ - عند قبره، ولا دليل يصرح بالتفريق بينه وبين من صلى عليه بعيدا عنه، والحديث المروي في ذلك موضوع كما سيأتي بيانه في التعليق (ص ٨٠).
وهذا الاستدلال لم أره لأحد قبلي فإذا كان صوابًا- كما أرجو- فهو فضل من الله ونعمة وإن كان خطأ فهو من نفسي، والله تعالى أسأل أن يغفره لي
وسائر ذنوبي.
أدلة المخالفين:
فإن قيل: يظهر من النقول التي ستأتي في الرسالة عن العلماء أن المسألة خلافية فلا بد أن للمخالفين فيها أدلة استندوا إليها.
فأقول: لم أر فيها من صرح بأن الميت يسمع سماعًا مطلقًا عامًا كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالمًا يقول به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعًا لهم في الجملة، وأقوى ما استدلوا به سندا حديثان:
الأول: حديث قليب بدر المتقدم وقد عرفت مما سبق بيانه أنه خاص بأهل القليب من جهة، وأنه دليل على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون من جهة أخرى، وأن سماعهم كان خرقًا للعادة فلا داعي للإعادة.
[ ٣ / ٧٧٣ ]
والآخر: حديث: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا».وفي رواية: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان » الحديث (انظر ص ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٨٢) من " الآيات ".
وهذا كما ترى خاص بوقت وضعه في قبره ومجيء الملكين إليه لسؤاله " فلا عموم فيه، وعلى ذلك حمله العلماء كابن الهمام وغيره كما سيأتي في " الآيات " (ص ٥٦، ٥٩، ٧٣).
ولهم من هذا النوع أدلة أخرى ولكن لا تصح أسانيدها، وفي أحدها التصريح بأن الموتى يسمعون السلام عليهم من الزائر، وسائرها ليس في السماع، وبعضها خاص بشهداء أحد، وكلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفا من بعض كما ستراه في التعليق (ص ٦٩).
وأغرب ما رأيت لهم من الأدلة قول ابن القيم ﵀ في " الروح " (ص٨) تحت المسألة الأولى: هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ فأجاب بكلام طويل جاء فيه ما نصه:
ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرًا، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرًا؛ فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره (!) هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال (!) وقد عَلَّم النبي - ﵌ - أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار.
وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد وإن لم يسمع المسلم الرد ".
[ ٣ / ٧٧٤ ]
أقول وبالله تعالى التوفيق:
رحم الله ابن القيم فما كان أغناه من الدخول في مثل هذا الاستدلال العقلي الذي لا مجال له في أمر غيبي كهذا، فوالله لو أن ناقلًا نقل هذا الكلام عنه ولم أقف أنا بنفسي عليه لما صدقته؛ لغرابته وبعده عن الأصول العلمية والقواعد السلفية التي تعلمناها منه ومن شيخه الإمام ابن تيمية، فهو أشبه شيء بكلام الآرائيين والقياسيين الذين يقيسون الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، وهو قياس باطل فاسد طالما رد ابن القيم أمثاله على أهل الكلام والبدع، ولهذا وغيره فإني في شك كبير من صحة نسبة " الروح " إليه أو لعله ألفه في أول طلبه للعلم. والله أعلم.
ثم إن كلامه مردود في شطريه بأمرين:
الأول: ما ثبت في " الصحيح " أن النبي - ﵌ - كان يزور البيت في الحج وأنه كان وهو في المدينة يزور قباء راكبًا وماشيًا ومن المعلوم تسمية طواف الإفاضة بطواف الزيارة. فهل من أحد يقول: بأن البيت وقباء يشعر كل منهما بزيارة الزائر أو أنه يعلم بزيارته؟
وأما الآخر: فهو مخاطبة الصحابة للنبي - ﵌ - في تشهد الصلاة بقولهم: " السلام عليكم أيها النبي " وهم خلفه قريبًا منه وبعيدًا عنه في مسجده وفي غير مسجده، أفيقال: إنه كان يسمعهم ويشعر بهم حين يخاطبونه به وإلا فالسلام عليه محال؟ اللهم غفرًا. وانظر التعليق الآتي على الصفحة (٩٥ - ٩٦).
وإذا كان لا يسمع هذا الخطاب في قيد حياته أفيسمعه بعد وفاته وهو في الرفيق الأعلى لا سيما وقد ثبت أنه يبلغه ولا يسمعه كما سبق بيانه في الدليل الرابع (ص ٣٦)؟
[ ٣ / ٧٧٥ ]
ويكفي في رد ذلك أن يقال: إنه استدلال مبني على الاستنباط والنظر، فمثله قد يمكن الاعتداد به إذا لم يكن مخالفا للنص والأثر، فكيف وهو مخالف لنصوص عدة، واحد منها فقط فيه كفاية وغنية كما سلف، وبخاصة منها حديث قليب بدر، وفيه إقرار النبي - ﵌ - لعمر أن الموتى لا يسمعون، فلا قيمة إذن للاستنباط المذكور فإن الأمر كما قيل: " إذا جاء الأثر بطل النظر، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ".
وقد يتساءل القارئ- بعد هذا- عن وجه مخاطبة الموتى بالسلام وهم لا يسمعونه؟ وفي الإجابة عنه أحيل القارئ إلى ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما يأتي من الرسالة وما علقته عليها (ص ٩٥ - ٩٦) فإن في ذلك كفاية وغنية
عن الإعادة.
وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم- كما ستراه في الكتاب مبسوطًا- على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في حديث القليب فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلًا فيقال إن الموتى يسمعون كما فعل بعضهم (١) كلا فإنها قضايا جزئية لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثني منه على قاعدة استثناء الأقل من الأثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر في علم أصول الفقه ولذلك قال العلامة الآلوسي في " روح المعاني " بعد بحث مستفيض في هذه المسألة (٦/ ٤٥٥):
_________________
(١) انظر " الأضواء " (٦/ ٤٢٥). [منه].
[ ٣ / ٧٧٦ ]
والحق أن الموتى يسمعون في الجملة فيقتصر على القول بسماع ما ورد السمع بسماعه.
وهذا مذهب طوائف من أهل العلم كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي على ما سيأتي في الرسالة (ص ٧٠) وما أحسن ما قاله ابن التين ﵀:
" إن الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله تعالى إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع لقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ الآية وقوله: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها﴾ الآية. كما نقله المؤلف فيما يأتي (ص ٧٢).
فإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الموتى لا يسمعون فقد تبين أنه لم يبق هناك مجال لمناداتهم من دون الله تعالى ولو بطلب ما كانوا قادرين عليه وهم أحياء كما تقدم بيانه في (ص ١٦ - ٢١) بحكم كونهم لا يسمعون النداء، وأن مناداة من كان كذلك والطلب منه سخافة في العقل وضلال في الدين وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ (الأحقاف: ٥ - ٦).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٣٧ - ٦٣).
[٢٥٣] باب اعتقاد سماع الموتى من وسائل الشرك
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إذا مررت عليهم (يعني أهل القبور) فقل: السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. فقال أبو رزين: يا رسول الله ويسمعون؟ قال: ويسمعون، ولكن
[ ٣ / ٧٧٧ ]
لا يستطيعون أن يجيبوا، أولا ترضى يا أبا رزين أن يرد عليك "بعددهم من" الملائكة». (منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٣٦٩) وعبد الغني المقدسي في " السنن " (ق ٩٢: ٢) عن النجم بن بشير بن عبد الملك بن عثمان القرشي، حدثنا محمد بن الأشعث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: " قال أبو رزين: يا رسول الله: إن طريقي على المقابر، فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: " فذكره. وقال العقيلي والزيادة له: " محمد بن الأشعث مجهول في النسب والرواية، وحديثه هذا غير محفوظ، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد.
وأما " السلام عليكم يا أهل القبور " إلى قوله " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " فيروى بغير هذا الإسناد من طريق صالح، وسائر الحديث غير محفوظ ".
والنجم بن بشير أورده ابن أبي حاتم (٤/ ١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قلت: فهو بهذه الزيادة منكر، لتفرد هذا المجهول بها، وأما بدونها فهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث عائشة وبريدة، وهو مخرج في كتابي " أحكام الجنائز وبدعها ".
وهذه الزيادة منكرة المتن أيضًا، فإنه لا يوجد دليل في الكتاب والسنة على أن الموتى يسمعون، بل ظواهر النصوص تدل على أنهم لا يسمعون. كقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ وقوله - ﵌ - لأصحابه وهم في المسجد: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني » فلم يقل: أسمعها. وإنما تبلغه الملائكة كما في الحديث الآخر: «إن لله ملائكة سياحين
[ ٣ / ٧٧٨ ]
يبلغوني عن أمتي السلام». رواه النسائي وأحمد بسند صحيح.
وأما قوله - ﵌ -: «العبد إذا وضع في قبره، وتولىَّ وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له » الحديث رواه البخاري فليس فيه إلا السماع في حالة إعادة الروح إليه ليجيب على سؤال الملكين كما هو واضح من سياق الحديث.
ونحوه قوله - ﵌ - لعمر حينما سأله عن مناداته لأهل قليب بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» هو خاص أيضًا بأهل القليب، وإلا فالأصل أن الموتى لا يسمعون، وهذا الأصل هو الذي اعتمده عمر ﵁ حين قال للنبي - ﵌ -: إنك لتنادي أجسادًا قد جيفوا، فلم ينكره الرسول - ﵌ - بل أقره، وإنما أعلمه بأن هذه قضية خاصة، ولولا ذلك لصحح له ذلك الأصل الذي اعتمد عليه، وبين له أن الموتى يسمعون خلافا لما يظن عمر، فلما لم يبين له هذا، بل أقره عليه كما ذكرنا، دل ذلك على أن من المقرر شرعا أن الموتى لا يسمعون. وأن هذه قضية خاصة.
وبهذا البيان ينسد طريق من طرق الضلال المبين على المشركين وأمثالهم من الضالين، الذين يستغيثون بالأولياء والصالحين ويدعونهم من دون الله، زاعمين أنهم يسمعونهم، والله ﷿ يقول: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾.
وراجع لتمام هذا البحث الهام مقدمتي لكتاب " الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات " للآلوسي.
"الضعيفة" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦).
[ ٣ / ٧٧٩ ]
[٢٥٤] باب منه
[قال الإمام]:
مِن جماهير المسلمين مَن لا يزال يعيش في أوحال الجاهلية الأولى؛ من الاستغاثة بغير الله، والاستعانة بالأنبياء والصَّالحين الأموات وغيرهم من عباد الله، متوهِّمين أنَّهم يسمعونهم حين ينادون، وأنهم على الاستجابة لهم قادرون، غير آبهين بما في القرآن الكريم والسُّنَّة الصَّحيحة من آياتٍ بينات، ونصوص قاطعات، بأنَّ الأموات لا يسمعون، وأنهم لو فُرٍضَ سماعهم، لا يستجيبون، وصدق الله العظيم إذ يقول:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٧٣ - ٧٤). وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فاطر١٣ - ١٤).
إلى غير ذلك مما شرحناه في مقدمة الكتاب "أي كتاب الآيات البينات للآلوسي" شرحًا استفاد منه الكثير من المسلمين الطَّيِّبين، وهُدوا بذلك إلى صراط المستقيم، بعد أن كانوا في ضلال مبين، فله تعالى وحده الحمد والمنَّة على ما أنعم علينا وهدانا، وهدى بنا.
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ في الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٧١).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص ٣ - ٤).
[ ٣ / ٧٨٠ ]
[٢٥٥] باب هل يسمع الميت؟
سؤال: بالنسبة لموضوع الموتى حديث أن الميت يسمع قرع النعال .. ما
صحة الحديث؟
الشيخ: أولًا: هذا حديث صحيح؛ لأنه مخرج في صحيح البخاري: «إذا وضُع الميت في قبره وانصرف الناس عنه إنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون» هذا الحديث صحيح، لكن هذا كذاك، أي: هذا مستثنى من القاعدة العامة؛ لأنه يقول: "حين" فهو ليس في كل حين يسمع، نفس الحديث يعطيك تخصيص ولا يعطيك العموم، يسمع قرع نعالهم حين .. حين ما معنى حين؟ يعني: وقت، «حين يولون عنه مدبرين» لكن هل يعني الحديث أن الموتى كلما مر المرء من المقابر فهو بسمع قرع النعال؟!
مداخلة: ألا يُحمل على وجه البلاغة يعني: مثلًا في الإعلانات ..
الشيخ: ما هو الذي يحمل يا أخي حدد كلامك.
مداخلة: حتى أنهم يسمعون قرع نعالهم مثلًا في إعلان عن شقة ما هو مقبول؟ شقة ترى البحر، هي لا ترى البحر ولكنها في موضع يسمح لمن فيها برؤية البحر، فهنا المعنى يحمل على أنهم .. أن الصوت يصل إليهم، لو أن حيًا في مكانهم لسمع قرع النعال.
الشيخ: أما قرع النعال ما يسمعون؟
مداخلة: نعم؟
الشيخ: يعني: في النهاية تعني أنهم لا يسمعون قرع النعال؟
[ ٣ / ٧٨١ ]
مداخلة: أنا أتصور والله أعلم ..
الشيخ: أنا أسألك حتى أفهم منك، تعني: أنهم لا يسمعون قرع النعال؟
مداخلة: قد يحمل المعنى على هذا والله أعلم.
الشيخ: وقد لا يحمل، ما الذي تستفيده من القدقدة؟ ثم أنا أُذكِّر السائل وسائر الحاضرين بقاعدة لغوية مهمة جدًا: إذا دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأصل عدم التقدير، بعبارة أخرى: إذا أمكننا أن نفسر العبارة أو الجملة العربية من كلام الله أو من حديث رسول الله - ﵌ - أو أي جملة عربية إذا أمكننا أن نُفسِّرها على الحقيقة، فلا يجوز تفسيرها على المجاز إلا إذا قامت القرينة الشرعية أو العقلية فحينذاك يقال: وجدت القرينة التي تضطرنا إلى تفسير الآية أو الحديث أو الجملة العربية على المجاز وليس على الحقيقة لكن إذا دار الأمر بدون وجود قرينة بين تفسير الجملة على الحقيقة أو على المجاز فالأصل الحقيقة وليس المجاز، وإلا فسدت اللغة وفسدت استعمالها بين الناس، إذا قال قائل: جاء الأمير، فهل يجوز للسامع أن يفهم جاء خادم الأمير؟ وهذا تعبير عربي معروف بتقدير مضاف محذوف، لا يجوز؛ لأنه ليس هناك ما يضطر السامع أن يتأول قول القائل: جاء الأمير يعني: لا ليس الأمير وإنما جاء خادمه، أو جاء نائبه أو أو إلى آخره، لو فتح هذا الباب لفسد التفاهم بين الناس باللغة العربية.
ومن هنا كان من رد العلماء والفقهاء على غلاة الصوفية الذين يقولون من جهة بما يعرف عند العلماء بوحدة الوجود، والذين يتكلمون بعبارات صريحة في الكفر وفي وحدة الوجود فيأتي المدافعون عن أولئك الصوفية بالباطل فيتأولون كلامهم تأويلًا يتفق في نهاية المطاف مع الشريعة، فنحن نقول لهؤلاء بهذه الطريقة: لا يمكن أن نقول أن هذا الكلام كفر، حتى قلت مرة لبعضهم: ائتني بأي
[ ٣ / ٧٨٢ ]
جملة هي كفر في ظاهر العبارة وأنا على طريقتك أجعلها توحيدًا خالصًا؟ طريقته ما هي؟ تأويل النصوص، مثلًا مما قال قائلهم المغرق في الضلال:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة
يتكلفون في تأويل: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، أي: إلا إلى هنا .. إلى هنا إلى: حرف جر، ما هذا التأويل؟! ولذلك مثل هذا التأويل يمكن إجراؤه على أي عبارة، مثلًا أنا أقول: لو قال قائل: "فرعون" خلق السموات والأرض، ما رأيكم في هذا الكلام يجوز أو لا يجوز؟ طبعًا بالإجماع لا يجوز، لكن أنا أجعله توحيدًا بطريقة الصوفية، وهو رب "فرعون"، هذا معروف في اللغة تقدير مضاف محذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف: ٨٢) اسأل القرية ماذا؟ حيطانها .. شجرها؟ لا، إنما أهلها، كذلك العير، لكن هذا المضاف المحذوف، الأسلوب العربي نفسُه يوحي به إلى السامع فإن أحدًا لا يتساءل يا ترى! المقصود هنا القرية؟ لا، ولذلك تسمية هذا التعبير في اللغة العربية أن هذا مجاز مما يدفعه ابن تيمية ﵀ في رسالته الخاصة بالحقيقة والمجاز، يقول: تسمية هذه العبارة خاصة بأنها مجاز من باب حذف المضاف هذا اصطلاح طارئ، وإلا فالعرب ما كانوا يفهمون من هذه العبارة إلا معنًى واحدًا هو الذي يسمونه بالمجاز بحذف المضاف.
كذلك مثلًا في الأسلوب العربي: سال الميزاب، على طريقة المتأخرين في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حقيقة هذه العبارة: سال الميزاب، يعني: الميزاب من شدة الحرارة ذاب وصار سائلًا سال الميزاب، لكن مَن مِن العرب إذا سمع هذه العبارة يتبادر إلى ذهنه المعنى الذي يسمونه حقيقة، فيقولون: لا، هنا المقصود المجاز، هذا المعنى الذي يسمونه مجازًا في هذا المثال هو المعنى
[ ٣ / ٧٨٣ ]
الحقيقة المراد منه، سال الميزاب، يعني: سال ماء الميزاب، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف: ٨٢) تمامًا، وهكذا أمثلة كثيرة يذكرها ابن تيمية.
منها مثلًا: جرى النهر، النهر هو الأخدود الذي يجري فيه الماء فحينما يقول العربي: جرى النهر، لا هو يعني جرى الأخدود نفسه بدون ماء ولا السامع منهم من العرب يفهم إلا الذي أراده، أي: جرى ماء النهر، إذًا: تسمية هذه التعابير بأنها مجاز يقول ابن تيمية: هذا خطأ، المجاز هو الذي يخرج المعنى الظاهر من العبارة إلى معنى آخر لوجود قرينة، لكن هنا لا معنى آخر إلا معنى واحد محدد هو اسأل القرية، يعني: أهلها .. سال الميزاب، أي: ماؤه .. جرى النهر، أي: ماؤه، من هنا يصل ابن تيمية إلى الرد على المتأخرين الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات باللجوء إلى ارتكاب طريق التأويل وهو سلوك طريق المجاز، لكن ما الذي يضطرهم إلى ترك فهم المعاني من هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة كلها بالصفات أن تفسر على حقائقها؟ لا سيما وهم يقولون جميعًا المتقدمون منهم والمتأخرون: الأصل في كل عبارة أن تفسر على حقيقتها.
فمثلًا قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر: ٢٢) لا، جاء ربك لا يجوز هذا الفهم، إذًا: جاءت رحمة ربك، جاء أي مضاف محذوف يقدمونه، وعلى ذلك فقس، نحن نقول: الحق كما نطق الحق في كتابه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر: ٢٢) لكن كيف يجيء؟ ما ندري.
وهذا البحث طرقه العلماء قديمًا وحديثًا، فنحن في مناسبة قريبة تعرضنا لمثله أيضًا، الخلاصة: أن الكلام العربي أول ما ينبغي أن يُفسَّر به هو على الحقيقة، فقوله ﵇: «إذا وضع الميت في قبره فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرين» على الحقيقة يسمع قرع النعال، بل أنا أقول خلاف ما قلت أنت: هو
[ ٣ / ٧٨٤ ]
لا يمكن القول أنه يسمع كل شيء؛ لأنه هو بكل شيء سمع، هذا أمر مستحيل، لكن ما دام أن الأصل أن الموتى لا يسمعون كما شرحنا لكم آنفًا فإذا جاء نص ما، يعطي لميت أو موتى ما سماعًا ما نستثنيه من القاعدة، نقول: أولئك المشركين في القليب سمعوا قول الرسول ﵇، لكن ما كان يجري حولهم من أحاديث الصحابة وحينما قال عمر: يا رسول الله! إنك لتنادي أجسادًا لا أرواح فيها، ما نقول أنهم سمعوا قول عمر؛ لأن سماعهم لقول الرسول معجزة للرسول فيوقف عندها، كذلك في هذا الحديث يسمع الميت قرع نعالهم وفقط، وما نزيد على ذلك لسببين اثنين:
أولًا: أنه خلاف الأصل، أن الموتى لا يسمعون، ثانيًا وأخيرًا: أن الأمور الغيبية، وهذا من الغيب في البرزخ لا يتوسع فيها أبدًا، والحق الوقوف عند النص وعدم التزيد عليه ..
"أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٤٧: ٠٥: ٠٠)
[٢٥٦] باب لا يلزم من السلام
على الأموات أو مخاطبتهم أنهم يسمعون
[قال الآلوسي في "الآيات البينات"]:
فإن قيل: إذا كان مذهب الحنفية وكثير من العلماء المحققين على عدم السماع (أي سماع الأموات) فما فائدة السلام على الأموات وكيف (صحت) مخاطبتهم عند السلام؟
قلت: لم أجد فيما بين يدي الآن من كتبهم جوابهم عن ذلك، ولا بد أن تكون لهم أجوبة عديدة فيما هنالك، والذي يخطر في الذهن، ويتبادر إلى الخاطر
[ ٣ / ٧٨٥ ]
والفهم، أنهم لعلهم أجابوا بأن ذلك أمر تعبدي، وبأنا نُسلِّم سرًاّ في آخر صلاتنا إذا كنا مقتدين، وننوي بسلامنا الحفظة، والإمام، وسائر المقتدين، مع أن هؤلاء القوم لا يسمعونه لعدم الجهر به، فكذا ما نحن فيه.
[فعلق الإمام الألباني قائلًا]:
ومن هذا القبيل قول الضرير في حديثه المشهور: " يا محمد إني توجهت بك إلى ربي " الحديث وهو مخرج في رسالتي " التوسل " (ص ٦٧ - ٦٨).وهذا إذا افترض أن النبي - ﵌ - كان بعيدا أو غائبًا عنه لا يسمعه، وأما إذا كان ذلك في حضوره - ﵌ - فلا إشكال.
[ثم قال الآلوسي]:
على أن السلام هو الرحمة للموتى، وننزلهم منزلة المخاطبين السامعين، وذلك شائع في العربية كما لا يخفى على العارفين، فهذه العرب تُسَلِّمُ على الديار، وتخاطبها على بعد المزار.
[فعلق الألباني قائلا]:
ومن ذلك مخاطبة النبي - ﵌ - الهلال حين يراه بقوله: " ربنا وربك الله " ونحوه مما جاء في عدة أحاديث مخرجة في " المشكاة " (٢٤٢٨ و٢٤٥١) و" الكلم الطيب " (ص ٩١/ ١٦١) و" الصحيحة " (١٨١٦).و" الضعيفة " (١٥٠٦) ومثله ما روي عن ابن عمر مرفوعًا: " كان إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك " الحديث، وقد صححه بعضهم، لكن في إسناده جهالة كما بينته في " الكلم الطيب " (٩٩/ ١٨٠) و" المشكاة " (٣٤٣٩ - التحقيق الثاني).
[ ٣ / ٧٨٦ ]
وفي ذلك كله رد قوي على قول ابن القيم في " الروح " (ص ٨) وقد ذكر السلام على الأموات-:
"فإن السلام على من لا يَشْعُرُ ولا يَعْلَمُ بالمسلم محال"، قال: " وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويرد "وكأنه ﵀ لم يستحضر خطاب الصحابة للنبي - ﵌ - في التشهد: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " خلفه في المدينة، وبعيدًا عنه في سائر البلاد، بحيث لو خاطبوه بذلك جهرًا لم يسمعهم - ﵌ -، فضلًا عن جمهور المسلمين اليوم وقبل اليوم الذي يخاطبونه بذلك، أفيقال: إنه يسمعهم؟ أو أنه من المحال السلام عليه وهو لا يشعر بهم ولا يعلم؟ وكذلك لم يستحضر ﵀ قول شيخ الإسلام ابن تيمية في توجيه هذا السلام ونحوه فقال في " الاقتضاء " (ص ٤١٦) وقد ذكر حديث الأعمى المشار إليه آنفًا:
وقوله:
"يا محمد " هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، فيخاطب لشهوده بالقلب، كما يقول المصلي: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " والإنسان يفعل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من سمع الخطاب ".
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣١ - ١٣٢).
[٢٥٧] باب هل تجوز مخاطبة الميت مع اعتقاد أنه لا يسمع؟
سؤال: ثبت عن بعض الصحابة أنهم خاطبوا الرسول - ﵌ - بعد وفاته مثل قول أبي بكر: طبت حيًا وميتًا يا رسول الله، وقول عبد الله بن عمر، وقول فاطمة: أبتاه أجاب ربًّا دعاه ..
[ ٣ / ٧٨٧ ]
الشيخ: ابن عمر ماذا؟
مداخلة: السلام عليك يا رسول الله اللهم اهدني .. فهل يصح أن يخاطَب الرسول بقول بعض الخطباء: فداك أبي وأمي يا رسول الله بصيغة النداء مع عدم الاعتقاد أنه يسمع يعني الرسول؟
الشيخ: بلا شك الروايات التي ذكرتها هي ثابتة، ومثل هذا النداء من حيث الأسلوب العربي سائغ وجائز، فالعرب ينادون الأبطال مثلًا والبلاد وإلى آخره والليل والنهار والشمس والقمر إلى آخره ولا يترتب من وراء ذلك شيء، لكن يختلف الأمر اليوم عن ذاك الوقت .. [انقطاع صوتي] فضلًا عن عامتهم، ولا يخفاكم أن هذا من الإشراك بالله ﷿ في دعائه، فحينما نتساهل في مثل هذا النداء الذي كان سابقًا قائمًا، لكن سابقًا كانت العقيدة عقيدة التوحيد سالمة من أوضار وأوساخ الشرك الأصغر فضلًا عن الشرك الأكبر، وليس الأمر اليوم كذلك؛ لهذا لا يحسن للخطيب أن يفتح باب الإشكال هذا على عامة الناس لبعدهم عن فهمهم للتوحيد الصحيح.
أنت قلت آنفًا كلمة حق وهو بأن هذا الذي ينادي يعتقد أن المنادى لا يسمع، لكن ما رأيك اليوم في خاصة المسلمين وعلمائهم ماذا يعتقدون بالموتى ؟ هل يعتقدون أنهم لا يسمعون أم أنهم يسمعون؟ الذي أنا أعرفه أنه وجدنا عشرات منهم أنهم يعتقدون أن الموتى يسمعون، لهم في ذلك شبهات كثيرة ولسنا الآن في صدد بيان ذلك، لكن لعلكم رأيتم كتابًا بعنوان: "الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات"، ومقدمتي لهذا الكتاب بنحو خمسين صفحة، فهناك أنا عالجت هذه المسألة بالأدلة وأثبتُّ أن الموتى لا يسمعون.
ولذلك أنتم تعلمون أن من الحكمة أن يُكلِّم المسلم الناس على قدر عقولهم
[ ٣ / ٧٨٨ ]
كما جاء في "صحيح البخاري" من حديث علي موقوفًا عليه ﵁ قال: «كلموا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولهُ» فنحن إذا نادينا وعقيدتنا سالمة، وننادي كما نادى أبو بكر وغيره من الصحابة، لكن الذين حولنا ما يفهمون أن هذا النداء ليس من باب الاستغاثة وليس من باب الاستعانة، فحينئذٍ ينبغي أن ندع هذا وأن نعالج عقيدة الناس حتى تستقيم على الكتاب والسنة، بعد ذلك يمكن استعمال هذا الأمر الذي أحسن أحوالهِ أنه يجوز، ولكن ليس كل ما يجوز؛ يجوز فعله في كل مناسبة.
"الهدى والنور" (٨٧/ ٤٣: ٢٧: ٠٠)
[٢٥٨] باب هل الأموات على علمٍ بحال الأحياء؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله، وتعرض على الأنبياء، وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وإشراقا، فاتقوا الله، ولا تؤذوا أمواتكم».
(موضوع).
[ثم بيّن الإمام وضعه ثم قال]:
ومنه تعلم أن السيوطي قد أساء بإيراده لهذا الحديث في " الجامع الصغير " وباستشهاده به على ما جزم به في " الحاوي " أن الأموات على علم بأحوال الأحياء، وبما هم فيه! وقد ساق في هذه المسألة أحاديث أخرى، لا يحتج بشيء منها مثل حديث: " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات .. "الحديث، وقد مضى (٨٦٧).
"الضعيفة" (٣/ ٦٧٢).
[ ٣ / ٧٨٩ ]
[٢٥٩] باب الجمع بين قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ و﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ وبين قول النبي - ﵌ -: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا»
[ذكر الآلوسي في"الآيات البينات" بعض أدلة من يقول بعدم سماع الأموات فذكر قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) و﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ (النمل: ٨٠)، ثم قال]: لكن يشكل عليهم ما في " مسلم ": «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا» إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمةً للسؤال.
[فعلق الألباني قائلًا]:
والتخصيص المشار إليه أمر لا بد منه للجمع المذكور، ولكن ينبغي أن يعلم أن ذلك كذلك ولو لم يتعارض ظاهره بالآيتين المذكورتين فإن الحديث يدل أنه خاص بأول الوضع فإن لفظه: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان " الحديث متفق عليه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨١).
[٢٦٠] باب منه
[وقال الإمام الألباني حول الجواب بالتخصيص بأول الوضع في القبر في موضع آخر]:
وهذا الجواب هو الأصح لقول قتادة المتقدم في حديث أبي طلحة (ص٧٨) (١) وهو الذي اعتمده الحافظ البيهقي، وغيره، ويأتي في الكتاب (٩٩)
_________________
(١) قال قتادة: «أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة وندمًا».
[ ٣ / ٧٩٠ ]
قول السهيلي في ذلك، ويظهر أن مناداة الكفار بعد هلاكهم سنة قديمة من سنن الأنبياء فقد قال تعالى في قوم صالح ﵇: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين﴾ (الأعراف: ٧٨، ٧٩)، قال ابن كثير (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠):
هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم الحق وإعراضهم عن الهدى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا وهم يسمعون ذلك كما ثبت في "الصحيحين " فذكر حديث القليب. لكن قوله: " وهم يسمعون ذلك " ليس في الآية ما يدل
عليه. ثم ذكر الله تعالى عن شعيب ﵇ وقومه نحو ذلك فانظر " ابن كثير" (٢/ ٢٣٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٤).
[٢٦١] باب كيف سلّم النبي - ﵌ - على القبور فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين » مع أن الموتى لا يسمعون؟
[قال الآلوسي في "الآيات البينات"]:
رأيت في " شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك " في " فصل جامع للوضوء " في الكلام على حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﵌ - خرج إلى المقبرة فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " ما لفظه:
" قال الباجي وعياض: يحتمل أنهم أحيوا له حتى سمعوا كلامه كأهل القليب، ويحتمل أن يسلم عليهم مع كونهم أمواتًا لامتثال أمته ذلك بعده، قال الباجي: وهو الأظهر ".
[ ٣ / ٧٩١ ]
[فعلق الألباني قائلًا]:
قلت: كل من الاحتمالين غير قوي عندي أما الأول فلأن النبي - ﵌ - كان يخاطب الموتى بالسلام المذكور كلما زار القبور كما في حديث عائشة ﵂: " كان - ﵌ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﵌ - يخرج من آخر الليل فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين " الحديث. رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٩) فهل كانوا يجيبونه كلما سلم عليهم؟
وأما الآخر فهو أضعف منه لأنه يعود السؤال السابق: لماذا خاطبهم النبي - ﵌ - بذلك؟ اللهم إلا أن يكون مراده أن الأمر تعبدي محض. والله أعلم.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣٣ - ١٣٤).
[٢٦٢] باب لا يستدل بحديث
أهل القليب على أن الموتى يسمعون
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلاَثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّى قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِى رَبِّى حَقًّا». فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِىِّ - ﵌ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا، قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا».ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ.
[قال الإمام معلقًا على قوله - ﵌ -: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»]:
أي لأن الله أحياهم له كما قال قتادة في «صحيح البخاري»، لا لأن الموتى يسمعون كما يظن البعض. كيف والله ﷿ يقول فيهم ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا
[ ٣ / ٧٩٢ ]
دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾. فمن أكبر الضلال، استدلال بعض الجهال بالحديث على أن الموتى يسمعون، ثم الاستدلال بسماعهم على جواز الاستعانه بهم. والآية صريحة في نفي الأمرين معًا. والله المستعان.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٠٧).
[٢٦٣] باب منه
[قال ابن أبي عاصم في "السنة"]:
ثنا أبو الشعثاء، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن أشعث عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود في بيت المال، قال: قام رسول الل هـ - ﵌ - على القليب قليب بدر فقال: «يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقًاّ»؟ قالوا: يا رسول الله هل يسمعون؟ قال: «ما أنتم لأسمع لما أقول منهم، ولكنهم اليوم لا يجيبون».
[قال الإمام]: حديث صحيح.
قال أبو بكر -هو ابن أبي عاصم- والأخبار التي في قليب بدر، ونداء النبي - ﵌ - إياهم، وما أخبر أنهم يسمعون كلامه؛ أخبار ثابتة توجب العمل والمحاسبة، فيه أخبار كثيرة قد أثبتناها في مواضعها.
[فعلق الإمام قائلًا]:
قلت: لكن ليس فيها أن الموتى عامة يسمعون، وإنما فيها أن أهل القليب سمعوا قوله - ﵌ - إياهم (١)، فهي قضية خاصة لا عموم لها، فلا تعارض بينها وبين
_________________
(١) كذا.
[ ٣ / ٧٩٣ ]
الآيتين اللتين احتجت بهما السيدة عائشة ﵂، فاحتجاجها بهما صحيح كأصل، لكن خفي عليها أن الحادثة وقعت كما رواها ابن عمر، وكذا أنس وعمر كما تقدم. فتمسكت بالأصل الثابت في القرآن، لعدم ثبوت القصة عندها، ولو ثبتت لاستثنتها من هذا الأصل كما هو الواجب للتوفيق بين القرآن والحديث، ويؤيده قول قتادة المتقدم: أحياهم الله له فالقضية خاصة فلا يجوز أن يلحق بها غيرها فيقال: إن الموتى كلهم يسمعون، كما يقول كثير من الناس اليوم!
"ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص ٣٨٤)
[٢٦٤] باب متى كانت مخاطبة النبي - ﵌ - لأهل القليب
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات" عن ابن جحر قولًا لبعضهم بأن مخاطبة النبي لأهل القليب كانت وقت سؤال الملكين في القبر، فعلق الألباني على هذا القول قائلًا]:
قلت: وكذا قال الطحطاوي (ص ٥٤٦).وهذا باطل فقد ثبت في بعض طرق القصة عن أنس أن رسول الله - ﵌ - ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فناداهم وفيه أن عمر قال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ الحديث. أخرجه مسلم (٨/ ١٦٣) وأحمد (٣/ ٢٨٦) من رواية ثابت عنه. ورواه حميد عنه بلفظ "قالوا " بدل " قال عمر " كما تقدم قريبًا، ومعناه في طريق قتادة الذي سبق تخريجه (ص ٥٤)، فالعجب من الحافظ كيف فاته هذا وهو الذي نقل في شرحه لهذا الحديث قول السهيلي .. وفيه قول الصحابة: " أتخاطب أقواما قد جيفوا " بل وذكر قبل ذلك حديث أنس هذا من طريق مسلم؟ إلا أن يقال: إن الروح تبقى مدة في جسدها بعد إعادتها إليه وهو بعيد جدًا لعدم ورود نص بذلك. والله أعلم.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٢).
[ ٣ / ٧٩٤ ]
جماع أبواب
صور من الغلو في ذات النبي - ﵌ - غير ما تقدم
[ ٣ / ٧٩٥ ]
[٢٦٥] باب كيف يكون تعظيم النبي - ﵌ - التعظيم المشروع
[قال الإمام]:
وتعظيم النبي - ﵌ - تعظيمًا مشروعًا، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه - ﵌ - صحيحا ثابتًا، وبذلك يجتمع الإيمان به - ﵌ - عبدًا ورسولًا، دون إفراط ولا تفريط، فهو - ﵌ - بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقًا بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته - ﵌ - وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه - ﵌ -، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٧).
[٢٦٦] باب النهي عن الغلو في تعظيمه - ﵌ -
[قال رسول الله - ﵌ -]: «يا أيها الناس! لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبدًا قبل أن يتخذني نبيًا».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٦).
[٢٦٧] باب من مفاسد الغلو
في تعظيم النبي - ﵌ - رد الأحاديث الصحيحة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ أني اشترطت على ربي فقلت:
[ ٣ / ٧٩٧ ]
إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة».
[قال الإمام]:
اعلم أن قوله - ﵌ - في هذه الأحاديث: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر » إنما هو تفصيل لقول الله ﵎: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إلي ﴾ الآية.
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء، إلى إنكار مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي - ﵌ - وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر ﵄، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم.
انظر " كنز العمال " (٢/ ١٢٤).
وتعظيم النبي - ﵌ - تعظيمًا مشروعًا، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه - ﵌ - صحيحًا ثابتًا، وبذلك يجتمع الإيمان به - ﵌ - عبدًا ورسولًا، دون إفراط ولا تفريط، فهو - ﵌ - بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقًا بنص الأحاديث الصحيحة. وكما يدل عليه تاريخ حياته - ﵌ - وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه - ﵌ -، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٦ - ١٦٧).
[ ٣ / ٧٩٨ ]
[٢٦٨] باب النهي عن إطراء النبي - ﵌ -
عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله».
(صحيح).
[قال الأستاذ الدعاس في تحقيق «الشمائل»: الإطراء هو حسن الثناء، أي لا تبالغوا في مدحي كما بالغت النصارى في مدح سيدنا عيسى فجعلوه إلها أو ابن إله. فتعقبه الإمام قائلًا]:
«قلت: حمل الحديث على المبالغة في مدحه - ﵌ - مما لا يناسب ما ترجم له المؤلف ﵀أي الترمذي في الشمائل-، ألا وهو تواضعه - ﵌ -، ذلك أن المبالغة تقترن عادةً بالكذب والغلو في الدين، وذلك محرم فالنهيُ عن مثله من الأمور التي لا يظهر بها تواضعه كما لا يخفى، فيبعد أن يكون هذا هو مراد المؤلف، فلعل الأولى أن يقال: إن المراد: لا تمدحوني مطلقًا، وهو من معاني الإطراء لغة، وهو وإن كان جائزًا في الأصل، فقد ينهى عن مثله من باب سد الذريعة، كما هو معلوم من علم الأصول، فإن فتح باب المدح قد يؤدي إلى مخالفة الشرع كما هو مشاهد في الواقع، إما جهلًا، وإما علوًا، ألا ترى معي إلى ما قال بعضهم في مدحه - ﵌ -:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحًا فيه وأحتكمِ
كيف أوصله إلى أن قال فيه - ﵌ -:
فإن من جودك الدنيا وضرَّتَها ومن علومك علم اللوح والقلم
[ ٣ / ٧٩٩ ]
وهذا مدح بما هو باطل بداهة، ومثله كثير فيما يسمونه بالأناشيد الدينية، فنهيه - ﵌ - أمته عن مدحه بما هو جائز أصلًا خشية وقوع المادح فيما لا يجوز، لاشك أنه من تواضعه - ﵌ - كما يدل عليه سائر أحاديث الباب وغيرها، بخلاف حمل النهي على المدح المحرم، وهذا بين لا يخفى إن شاء الله. يؤيده قوله في آخر الحديث. «إنما أنا عبد » لأنه كأنه خرج مخرج الجواب عن سؤال مقدر: فماذا نقول في مدحك يا رسول الله؟ فقال: «قولوا عبد الله ورسوله».أي قولوا مالا شك فيه شرعًا مما أنا متصف به ولا تزيدوا عليه. وأين هذا مما يصفه بعض المسلمين اليوم فيما يسمونه بالموالد وغيرها مما لم يكن معروفًا عند السلف الصالح، كقولهم: إنه نور. وإنه أول خلق الله، وأن جبريل كان خادمه ليلة الإسراء، ونحو ذلك من المماديح والأباطيل. ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.
"مختصر الشمائل" (ص ١٧٥)
[٢٦٩] باب من وسائل الشرك: الغلو في مدح النبي - ﵌ -
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم. يعني يوم ذي قار» (ضعيف).
[قال الإمام]:
(تنبيه): بلغ جهل بعض الناس بالتاريخ والسيرة النبوية في هذا العصر أن أحدهم طبع منشورًا يرد فيه على صديقنا الفاضل الأستاذ علي الطنطاوي طلبه من الإذاعة أن تمتنع من إذاعة ما يسمونه بالأناشيد النبوية، لما فيها من وصف جمال النبي - ﵌ - بعبارات لا تليق بمقامه - ﵌ -، بل فيها ما هو أفظع من ذلك من مثل الاستغاثة به - ﵌ - من دون الله ﵎، فكتب المشار إليه في نشرته ما نصه
[ ٣ / ٨٠٠ ]
بالحرف (ص ٤): " وها هي (!) الصحابة الكرام ﵃ كانوا يستصحبون بعض نسائهم لخدمة أنفسهم في الغزوات والحروب، وكانوا يضمدون (!) الجرحى ويهيئون (!) لهم الطعام، وكانوا يوم ذي قار عند اشتداد وطيس الحرب بين الإسلام والفرس كانت النساء تهزج أهازيج وتبعث الحماس في النفوس بقولها: إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق، أو تدبروا نفارق فراق غير وامق، فانظر إلى هذا الجهل ما أبعد مداه!.
فقد جعل المعركة بين الإسلام والفرس، وإنما هي بين المشركين والفرس، ونسب النشيد المذكور لنساء المسلمين في تلك المعركة! وإنما هو لنساء المشركين في غزوة أحد! كن يحمسن المشركين على المسلمين كما هو مروي في كتب السيرة! فقد خلط بين حادثتين متباينتين، وركب منهما ما لا أصل له البتة بجهله أو تجاهله ليتخذ من ذلك دليلا على جواز الأناشيد المزعومة، ولا دليل في ذلك- لوثبت- مطلقًا إذ أن الخلاف بين الطنطاوي ومخالفيه ليس هو مجرد مدح النبي بل إنما هو فيما يقترن بمدحه مما لا يليق شرعا كما سبقت الإشارة إليه وغير ذلك مما لا مجال الآن لبيانه، ولكن صدق من قال: " حبك الشيء يعمي ويصم " فهؤلاء أحبوا الأناشيد النبوية، وقد يكون بعضهم مخلصًا في ذلك غير مغرِض فأعماهم ذلك عما اقترن بها من المخالفات الشرعية.
ثم إن هذا الرجل اشترك مع رجلين آخرين في تأليف رسالة ضدنا أسموها " الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " حشوها بالافتراءات والجهالات التي تنبيء عن هوى وقلة دراية، فحملني ذلك على أن ألفت في الرد عليهم كتابًا أسميته " تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " موزعًا على ست رسائل صدر منها الرسالة الأولى وهي في بيان بعض افتراءاتهم
[ ٣ / ٨٠١ ]
وأخطائهم، والثانية في " صلاة التراويح " والثالثة في أن " صلاة العيدين
في المصلى هي السنة " ثم أصدرنا الخامسة بعنوان " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ".
"الضعيفة" (٢/ ٤٧، ٤٩ - ٥٠).
[٢٧٠] باب اعتقاد سماع النبي - ﵌ - بعد موته من وسائل الشرك
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا وُكل بها ملك يبلغني، وكُفي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدا أو شفيعا».
(موضوع بهذا التمام).
[قال الإمام]:
فائدة: قال الشيخ ابن تيمية عقب كلامه المتقدم على الحديث: وهو لو كان صحيحًا فإنما فيه أنه يبلغه صلاة من صلى عليه نائيًا، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولًا عن هذا المعترض (يريد الأخنائي)، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال: يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه، فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلين (عليه) باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة إنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة.
قلت: ويؤيد بطلان قول أولئك الجهال قوله - ﵌ -: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني » الحديث وهو صحيح كما تقدم (ص ٣٦٤)
[ ٣ / ٨٠٢ ]
فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه ولا يسمعها من المصلي
عليه - ﵌ -.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٦،٣٦٩).
[٢٧١] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا وُكِّلَ بها ملك يبلغني، وكفي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدًا أو شفيعًا».
(موضوع بهذا التمام).
[قال الإمام]:
فائدة: قال الشيخ ابن تيمية عقب كلامه المتقدم على الحديث: "وهو لوكان صحيحًا فإنما فيه أنه يبلغه صلاة من صلى عليه نائيًا، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولًا عن هذا المعترض (يريد الأخنائي)، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يُعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال: يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه، فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلين (عليه) باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة ".
قلت: ويؤيد بطلان قول أولئك الجهال قوله - ﵌ -: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني » الحديث وهو صحيح كما تقدم (ص ٣٦٤) فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه ولا يسمعها من المصلي عليه - ﵌ -.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٦،٣٦٩).
[ ٣ / ٨٠٣ ]
[٢٧٢] باب هل يسمع النبي - ﵌ - بعد موته سلام من سلم عليه؟ وهل يلزم من رده - ﵌ - السلام أن يكون سمعه؟
[قال الإمام]:
لم أجد دليلًا على سماعه - ﵌ - سلام من سلَّم عليه عند قبره، وحديث أبي داود: وهو: " ما من أحد يُسلِّم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ "وإسناده حسن كما بينه الشيخ في " الصحيحة " (٢٢٦٦) ليس صريحًا في ذلك.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١١٣).
[٢٧٣] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا وُكل بها ملك يبلغني، وكفي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدًا أو شفيعًا».
(موضوع بهذا التمام).
[قال الإمام]:
فائدة: قال الشيخ ابن تيمية عقب كلامه المتقدم على الحديث: وهو لو كان صحيحًا فإنما فيه أنه يُبِلغه صلاة من صلى عليه نائيًا، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولا عن هذا المعترض (يريد الأخنائي)، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال: يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه، فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلين (عليه) باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه
[ ٣ / ٨٠٤ ]
يُبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة.
قلت: ويؤيد بطلان قول أولئك الجهال قوله - ﵌ -: " أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني " الحديث وهو صحيح كما تقدم (ص ٣٦٤) فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه ولا يسمعها من المصلي
عليه - ﵌ -.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٦،٣٦٩).
[٢٧٤] باب هل النبي - ﵌ - حي في قبره؟ وهل يسمع بعد موته؟
سؤال: حديث يقول فيما معناه مما من عبدًا يصلي عليّ يوم الجمعة إلى رد الله علي روحي.
الشيخ: ما فيش يوم الجمعة (ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد ﵇).
السائل: نعم فبعض الصوفيين استدل عليه بأن الرسول الصلاة والسلام ما مات بل حي في القبر ويستدلوا بهذا الحديث.
الشيخ: وإش معنى يرد علي روحي، ما مات، أنت روحك هلا في نفسك ولا مردودة إليك، هذا كلام صوفي ويكفي أنه كلامًا صوفيًا؛ لأنه خالف حديث الرسول ﵇ ولذلك أقول هدول الصوفية لبالغ جهلهم ينكرون النصوص القاطعة بشبهات ما أنزل الله بها من سلطان ربنا يقول في صريح القرآن ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ فإذًا هو كسائر البشر ميت، كما هم أيش؟ ميتون، إيش معنى ميت؟ أي: ستموت، أي: ستصبح ميتًا، وكذلك الناس جميعا. أينكرون هذه الحقائق بشبهات مثل هذه الشبه التي ذكرتها عن الحديث، الحديث يعني أن النبي - ﵌ -
[ ٣ / ٨٠٥ ]
يعني مات، وكل حي فإنما سبيله الموت، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، ولذلك لما قال ﵇ في الحديث الآخر الصحيح: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني»، قالوا: «كيف ذاك وقد أَرَمْتَ»، ماذا فهم الصحابة من قوله ﵇ هذا؟ فهموا أنه ميت، ولذلك استغربوا كيف تبلغه صلاته وقد أَرِمَ؟ أي: فني، أي: صار رميمًا، ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ فالصحابة كانوا يتلقوا عن الرسول ﵇ هذه الحقيقة التي لا مناص لأحدٍ من البشر إلا وأن يقع فيها وهي ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ كانوا عرفوا هذه الحقيقة، ولذلك لما جاءهم الرسول ﵇ بشيء ما كانوا يعرفونه من قبل: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني» قالوا كيف ذاك وقد أرمت أي فنيت، طبعًا مت وأكثر من مت أي فنيت وصرت رميمًا، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» فأجساد الأنبياء كل الأنبياء لا تصبح رميمًا كأجساد الآخرين، ولذلك فرسول الله - ﵌ - جسده في قبره كما هو من قبل، هذه معجزة هذه كرامه من الله ﷿ لنبيه ﵇، بل ولِسائر الأنبياء الكرام، ولكن الله كرم نبيه ﵇ بكرامةٍ أخرى لا يشاركه أحد من الأنبياء وهي قوله ﵇: «فإن صلاتكم تبلغني» قالوا: كيف ذاك وقد أرمت، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»،أي: أنا كسائر الأنبياء جسدي في القبر حي طري، ولكن اصطفاني ربي ﷿ بخصلة أخرى أنه كلما سلم علي مسلمون رد الله إلي روحي فأرد ﵇، وهذا الحديث وهو ثابت فيه دلاله على أن الرسول ﵇ خلاف ما يتوهم كثير من العامة، بل وفيهم بعض الخاصة وهي أن النبي - ﵌ - لا يسمع سلام المسلمين عليه، وإنما كما جاء في الحديث الصحيح: «إن لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام»، إن لله ملائكة سياحين: يعني طوافين على المسلمين، فكلما سمعوا مسلمًا يصلي على
[ ٣ / ٨٠٦ ]
النبي - ﵌ - بلغوه بذلك وهو لا يسمع؛ لأن الميت لا يسمع، انفصل عن هذه الحياة الدنيا ومتعلقاتها كلها، ولكن الله ﷿ اصطفى نبيه ﵇ فيما ذكرنا من الحياة ومن تمكينه بإعادة روحه إلى جسده، ورد السلام على المسلمين عليه، ومن ذلك أيضًا أن هناك ملائكةً يبلغونه السلام فكلما سلموا عليه من فلان هو رد ﵈.
" الهدى والنور" (٢٦٨/ ٠٨: ٢٢: ٠٠)
[٢٧٥] باب من وسائل الشرك:
اعتقاد أن رُّوْحَ النبي - ﵌ - مستقرة فيه بعد موته
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحًا حتى ترد إليه روحه، ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة».
[قال الإمام]:
وأنا أرى أن هذا الحديث يعارض قوله - ﵌ -: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇».
رواه أبو داود (١/ ٣١٩) والبيهقي (٥/ ٢٤٥) وأحمد (٢/ ٥٢٧) بإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو مخرج في الكتاب الآخر " الصحيحة " (٢٢٦٦).
ووجه التعارض أنه يدل على أن روحه - ﵌ - ليست مستقرة في جسده الشريف، بل هي تُردُّ إليه ليرد سلام المُسلِّمين عليه - ﵌ -، بينما هذا الحديث الموضوع يقرر صراحة أن روح كل نبي ترد إليه بعد أربعين صباحًا من وفاته،
[ ٣ / ٨٠٧ ]
فلوصح هذا فكيف ترد روحه - ﵌ - إلى جسده ليرد السلام، هذا أمر غير معقول، بل هو ظاهر التناقض، فلابد من رد أحدهما، وليس هو إلا هذا الحديث المنكر حتى يَسْلَم الحديثُ القوي من المعارِض، فتأمل هذا فإنه مما ألهمت به، لا أذكر أني رأيته لأحد قبلي، فإن كان صوابا فمن الله، وإلا فمن نفسي.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٣).
[٢٧٦] باب من صور الغلو
في ذات النبي - ﵌ - إنكار كون أبواه في النار
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أبي وأباك في النار».
[قال الإمام]:
والحديث أخرجه الجورقاني (١) في " الأباطيل والمناكير " (١/ ٢٣٥) من طريق أخرى عن داود بن أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها- كهذا- على أن من مات في الجاهلية مشركًا فهو في النار، وليس من أهل الفترة كما يظن كثير من الناس، وبخاصة الشيعة منهم، ومن تأثر بهم من السنة! ومن تلك الأحاديث، ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفَّى دعاه، فقال: فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف.
أخرجه مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) وأبو عوانة (١/ ٩٩) وأبو داود (٤٧١٨)
_________________
(١) اختلفوا في ضبطه اختلافا كثيرا، هل هو بالراء أم بالزاي؟ وهل هو بفتح الجيم أم بالضم. انظر الحاشية على " السير " (٢٠/ ١٧٨).اهـ.
[ ٣ / ٨٠٨ ]
والجورقاني (١/ ٢٣٣) وصححه، وأحمد (٣/ ٢٦٨) وأبو يعلى (٦/ ٢٢٩/٣٥١٦) وابن حبان (٥٧٨ - الإحسان) والبيهقي (٧/ ١٩٠) من طرق عن حماد بن سلمة به. ومنها سعد بن أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم (١٨) بلفظ: «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار».فراجع سببه هناك، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله.
وإن مما يتصل بهذا الموضوع قوله - ﵌ - لما زار قبر أمه: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي ..» الحديث.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٧ - ١٨٨) من حديث أبي هريرة وبريدة، فليراجعهما من شاء.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا خير كبير وبركة.
واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتبني ما فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول - ﵌ -، بل إن فيهم من يظن أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث ودلالتها الصريحة! وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي - ﵌ - الذي قالها إن صدقوا بها، وهذا- كما هو ظاهر- كفر بواح، أو على الأقل: على الأئمة الذين رووها وصححوها، وهذا فسق أو كفر صراح، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به، إلا من طريق نبيهم - ﵌ - كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم وأذواقهم وأهوائهم- والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف- كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد
[ ٣ / ٨٠٩ ]
الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم كالغزالي والهويدي وبليق وابن عبد المنان وأمثالهم ممن لا ميزان عندهم لتصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا أهواؤهم!
واعلم أيها المسلم- المشفق على دينه أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه- أن هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بكفر أشخاص أو إيمانهم، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول، لقوله تعالى: ﴿ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب﴾ (البقرة: ١ - ٣) وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ..﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فالإعراض عنها وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما- وأحلاهما مر-: إما تكذيب النبي - ﵌ -، وإما تكذيب رواتها الثقات كما تقدم، وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث أو يتأولونها تأويلًا باطلًا كما فعل السيوطي- عفا الله عنا وعنه- في بعض رسائله، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي - ﵌ -، وحبهم إياه، فينكرون أن يكون أبواه - ﵌ - كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أشفق عليهما منه - ﵌ -!!
وقد لا يتورع بعضهم أن يركن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس الذي فيه أن النبي - ﵌ - أحيا الله له أمه، وفي رواية: أبويه، وهو حديث موضوع باطل عند أهل العلم كالدارقطني والجورقاني، وابن عساكر والذهبي والعسقلاني، وغيرهم كما هو مبين في موضعه، وراجع له إن شئت كتاب " الأباطيل والمناكير " للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٩) وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٨٤): " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم
[ ٣ / ٨١٠ ]
لعلم أن من مات كافرًا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾، وقوله - ﵌ - في (الصحيح): «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي».
ولقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ في تعليقه على" الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني، فقال (ص ٣٢٢):" كثيرًا ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك منافٍ للمحبة الشرعية، والله المستعان ".
قلت: وممن جمحت به المحبة السيوطي عفا الله عنه، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما تقدم، وحاول في كتابه " اللآلئ " (١/ ٢٦٥ - ٢٦٨) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه، بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء.
ومن جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث الترجمة إعراضًا مطلقًا، ولم يشر إليه أدنى إشارة، بل إنه قد اشتط به القلم وغلا، فحكم عليه بالضعف متعلقا بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة! وهو يعلم أنه من أئمة المسلمين وثقاتهم، وأن روايته عن ثابت صحيحة، بل قال ابن المديني وأحمد وغيرهما: أثبت أصحاب ثابت حماد، ثم سليمان، ثم حماد بن زيد، وهي صحاح.
وتضعيفه المذكور كنت قرأته قديمًا جدا في رسالة له في حديث الإحياء
[ ٣ / ٨١١ ]
- طبع الهند- ولا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه، وأتتبع عواره، فليراجعها من
شاء التثبت.
ولقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب ودب، مثل " الجامع الصغير " و" زيادته" و"الجامع الكبير "! ولذلك خلا منه " كنز العمال " والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتأمل الفرق بينه وبين الحافظ البيهقي الذي قدم الإيمان والتصديق على العاطفة والهوى، فإنه لما ذكر حديث: «خرجت من نكاح غير سفاح»، قال عقبه: " وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا .. "، ثم ساق حديث أنس هذا وحديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه - ﵌ -.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٧٧ - ١٨٢).
[٢٧٧] باب من صور الغلو في ذات النبي - ﵌ - ادعاء إحياء أمه بعد موتها وإيمانها به وبيان وضع القصة في ذلك
[تَكلَّم الإمام على أن السيوطي ﵀ قد ملأ كتابه "الخصائص الكبرى" بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ثم بدأ بضرب أمثلة على ذلك فقال]:
قصة إحياء أم النبي - ﵌ - وإيمانها به (ج٢ ص ٢٨٠)، وهي قصة موضوعة باطلة عند المحققين من العلماء كابن الجوزي وابن تيمية وغيرهم.
ومما يبطلها قوله - ﵌ - لمن سأله عن أبيه فقال له: «إن أبي وأباك في النار». رواه مسلم وغيره، وهو حديث صحيح، رغم تعنت السيوطي الذي أعله في بعض رسائله بما لا يقدح، ولا سيما وله بعض الشواهد التي تكشف أنه ليس من
[ ٣ / ٨١٢ ]
الممكن تضعيفه لولا الهوى، ولذلك لما غلب ذلك عليه لم يورده في "الجامع الصغير" ولا في "الزيادة عليه" نسأل الله السلامة. وما أحسن ما قاله الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ تعليقًا له على هذا الحديث، وقد أورده الشوكاني في (الأحاديث الموضوعة) ص (١) ٣٢٢:
"كثيرا ما تجمح المحبة ببعض الناس فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك منافٍ للمحبة المشروعة والله المستعان"
"تحقيق بداية السول" (ص١٦ - ١٧).
[٢٧٨] باب من صور الغلو
في النبي - ﵌ -: اعتقاد أنه خُلِقَ قبل الذوات
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«كنت نبيا وآدم بين الماء والطين».
(موضوع).
ومثله:
«كنت نبيا ولا آدم ولا ماء ولا طين».
(موضوع)
[قال الإمام]:
ذكر هذا والذي قبله السيوطي في ذيل " الأحاديث الموضوعة " (ص ٢٠٣) نقلًا عن ابن تيمية، وأقره، وقد قال ابن تيمية في رده على البكري (ص ٩): لا
_________________
(١) من طبع المكتب الإسلامي. [منه].
[ ٣ / ٨١٣ ]
أصل له، لا من نقل ولا من عقل، فإن أحدًا من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل، فإن آدم ﵇ لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد.
ثم هؤلاء الضُلَّال يتوهمون أن النبي - ﵌ - كان حينئذ موجودًا، وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة، مثل حديث فيه أنه كان نورا حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور.
ويدعي أحدهم أن النبي - ﵌ - كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل.
ويشير بقوله: " وإنما كان بين الروح والجسد " إلى أن هذا هو الصحيح في هذا الحديث ولفظه: " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " وهو صحيح الإسناد كما بينته في " الصحيحة " (١٨٥٦).
"الضعيفة" (١/ ٤٧٣ - ٤٧٤).
[٢٧٩] باب هل النبي - ﵌ - أول خلق الله
[قال الإمام]:
[قال] .. - ﵌ -: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد».رواه أحمد في " السنة " (ص ١١١) عن ميسرة الفجر.
وسنده صحيح، ولكن لا دلالة فيه ولا في الذي قبله على أن النبي - ﵌ - أول خلق الله تعالى، خلافًا لما يظن البعض. وهذا ظاهر بأدنى تأمل.
"الضعيفة" (٢/ ١١٥).
[ ٣ / ٨١٤ ]
[٢٨٠] باب هل خلق النبي قبل الذوات؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«كنت نبيا وآدم بين الماء والطين».
(موضوع)
[قال الإمام]:
ومثله:
«كنت نبيا ولا آدم ولا ماء ولا طين».
(موضوع).
[قال الإمام]:
ذكر هذا والذي قبله السيوطي في ذيل " الأحاديث الموضوعة " (ص ٢٠٣) نقلًا عن ابن تيمية، وأقره، وقد قال ابن تيمية في رده على البكري (ص ٩): لا أصل له، لا من نقل ولا من عقل، فإن أحدًا من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل، فإن آدم ﵇ لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد، ثم هؤلاء الضُلَّال يتوهمون أن النبي - ﵌ - كان حينئذ موجودًا، وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة، مثل حديث فيه أنه كان نورا حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور، ويدعي أحدهم أن النبي - ﵌ - كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل.
ويشير بقوله: " وإنما كان بين الروح والجسد " إلى أن هذا هو الصحيح في هذا الحديث ولفظه: " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " وهو صحيح الإسناد كما بينته في " الصحيحة " (١٨٥٦)
"الضعيفة" (١/ ٤٧٣ - ٤٧٤).
[ ٣ / ٨١٥ ]
[٢٨١] باب هل خلق النبي - ﵌ - من نور؟ وهل هو أول الخلق؟
[تكلم الإمام على بعض أخطاء الشيخ الشعراوي﵀- العقدية إلى
أن قال]:
من عقائده يقول: أن محمد ﵇ هو رسول كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٤٤) إلى آخر الآية، يقولون ويمكن هذا سمعته: محمد خلق من نور الله، سمعت هذا الشيء أو لا؟
الشيخ: في سوريا موجود، وفي الأردن موجود يقول: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، ما سمعت هذا الحديث عندك؟
مداخلة: هذا سمعته من الشعراوي.
الشيخ: هه، أتت يقولون:- على رجليها-، رأيت؟! وهذا من أبطل الباطل، كيف خلق الله محمدًا من نوره، وأول ما خلق الله القلم والحديث صحيح كما ذكرته آنفًا: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة» بعد ذلك نحن نعرف الرسول أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهكذا، وبعد ذلك ينقطع السند أو النسب، لكن هو على كل حال جده الأول من هو؟ آدم ﵊؛ لأنه كلكم كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «كلكم من آدم وآدم من تراب» كيف إذًا محمد وبينه وبين آدم، الله أعلم كم جد، ثم هو قبل هؤلاء خلق من نور، هذه تريد إيمان .. تريد مخ كبير لا وجود له في هذا الكون، أنه يؤمن بمثل هذه الخرافات أما عامة المسلمين وبعض الخاصة منهم وأن تشاهد ومنهم الشيخ الشعراوي يؤمن بهذه الخرافة.
هذا حديث لا هو في البخاري ولا في مسلم ولا في السنن الأربعة ولا
[ ٣ / ٨١٦ ]
الأربعين ولا الأربعمائة لا أصل لهذا الحديث إطلاقًا إلا إذا صح التعبير في أمخاخ المُخرِّفين، هذا له وجود هناك فقط، هذا ما هو الإسلام؟
الإسلام قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
إلى آخر ما قال ابن القيم ﵀.
"رحلة النور" (٤٠أ/٠٠: ٠٠: ٠٠)
[٢٨٢] هل الرسول - ﵌ - نور؟!
[قال الإمام]:
[رددنا] قول من قال: بأن الرسول ﵇ نور، وأبطلنا هذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف: ١١٠) فهو ﵇ كالبشر تمامًا، خلق كما خلق البشر، يعني: حملت فيه أمه كما تحمل كل الأمهات تسعة أشهر، ووضعته كما تضع كل أم ولدها، سوى أنها رأت في المنام أنها خرج منها نور أضاءت لها الشام، أو بُصرى الشام، هذا صحيح كرؤيا كمنام، فعليه الصلاة والسلام كان كما تعلمون يأكل ويشرب ويمرض، ويجرح و.. و.. إلى آخره، فهو بشر لا يختلف عنهم إطلاقًا إلا بما اصطفاه الله من الوحي والنبوة والرسالة.
"الهدى والنور" (٣٢٢/ ٢٩: ٠١: ٠٠)
[٢٨٣] باب هل خلق النبي - ﵌ - من النور؟
وهل النور المحمدي أول خلق الله!
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ ٣ / ٨١٧ ]
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎، وليس لذلك أساس من الصحة، وحديث عبد الرزاق غير معروف إسناده، ولعلنا نفرده بالكلام في " الأحاديث الضعيفة " إن شاء الله تعالى.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
[٢٨٤] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار السموم وخلق آدم ﵇ مما قد وصف لكم».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: " أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر "، ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه - ﵌ - خلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه، فتنبه ولا تكن من الغافلين
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٢٠).
[٢٨٥] باب هل إضاءة النبي ﷺ كل شيء
في المدينة لما دخلها إضاءة مادية أو معنوية؟
سؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عندنا الله يسلمك! أتانا شيخ من قريب اسمه عبد الرحيم الطحان، وكانت له محاضرة عنوانها: تعظيم أنبياء الله ومن
[ ٣ / ٨١٨ ]
بعض ما قاله في نفس المحاضرة قوله: ليتنا كنا نساء وحظينا بريق الحسن، من يحظ بالحسن .. ليلة لو نظرَ، وقوله: ووالله لو أدركنا الحسين لمسحنا نعليه بلحانا وفي ذلك شرف لنا وفخر.
وقوله: ثبت عن أنس بإسناد صحيح: إن النبي ﵊ عندما دخل المدينة أضاء فيها كل شيء أما تنورت بالنبي - ﵌ - وأشرقت.
وقوله: ينقل الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الحادي عشر صفحة (٢١١) عن بعض طلبة العلم أنه قال: نظرة إلى الإمام أحمد تعدل عبادة سنة وأكثر، علق الإمام الذهبي على هذه الجملة بقوله: هذا غلو لا ينبغي، وقال: والله ليس بغلو وإنه مما ينبغي.
وقال : كان جعفر الصادق يقول: إذا وجدت في قلبي فتور وقسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع فاجتهدت أسبوع، وقال: النظر إلى أئمتنا يستشفى به .. يتداوى به .. يذكر بالله، ويقولون: من لم ينفعك لحظه لم ينفعك لفظه ووعظه.
وقوله: ذكر أحمد من مجالس الذكر عندما نذكره ذكرنا الله، ذكر الإمام أحمد من مجالس الذكر
وقوله: نظرة إلى وجه النبي - ﵌ - تعدل عبادة آلاف السنين، والنظرة إلى الصحابة الطيبين تعدل عبادة آلاف السنين.
قابل هذا الشيخ بعض الشيوخ يقول: واسمه الشيخ عبد الرحمن زيد العابدين، ويقول: قابلته وقلت له: ووالله ما رأيته إلا قبلت يده، وكان يقول، أي: الشيخ عبد الرحمن زين-يقول للشيخ عبد الرحيم: من مقاصدي إذا ذهبت لأحج
[ ٣ / ٨١٩ ]
رؤية الإمام الشنقيطي، وهذا الشيخ يا شيخنا! معروف على مستوى في دولتنا قطر، وكل طلبة العلم يحضرون له، فما رأيكم وما الرد على هذا؟
الشيخ: بارك الله فيك، ما كان ينبغي أن تطيل علينا بسردك لمثل هذا الهراء، فانتبه لما سأقول: باستثناء حديث أنس الذي حكيته عن الطحان أقول: أولًا: حديث أنس هو فعلًا حديث صحيح ولكن الإضاءة هي إضاءة معنوية يعني: هو كناية عن انتشار نور الإسلام، وإلا فالمدينة كما تعلم إذا أطفئت الأنوار اليوم فسنراها مظلمة كما كان الشأن في عهد الرسول ﵇، وقد جاء في الحديث الصحيح أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها استيقظت ليلة قالت: ولم تكن المصابيح يومئذٍ، لم تجد نبيها بجانبها فأخذت تبحث عنه والليل ظلام فوقعت يدها على النبي - ﵌ - وهو ساجد في صلاته وقدماه منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» فالرسول - ﵌ - بلا شك نور هدى الله به العرب ثم العجم بسبب الهدى والنور الذي أنزله الله ﵎ على قلب الرسول، فلم تكن إضاءة المدينة المذكورة في حديث أنس هي إضاءة مادية وإلا كانت السيدة عائشة ترى نبيها - ﵌ - وهو يصلي في الغرفة .. في البيت، لكنها صرَّحت بأنها لم تره لم؟ لأنه لم تكن عندهم المصابيح يومئذٍ فأقول: باستثناء حديث أنس من ذاك الهراء، فحديث أنس صحيح ومعناه ليس كما يفسِّره الرجل.
أقول بعد تكريري لهذا الاستثناء: الكلام الذي حكيته عنه كله هراء ويجب أن يطحن من الطحانين طحنًا.
سمعت الجواب؟
مداخلة: ماذا تنصحون طلبة العلم جزاكم الله خيرًا؟
[ ٣ / ٨٢٠ ]
الشيخ: أنصحهم ألا يحضروا للرجل درسًا؛ لأنه صوفي مبتدع ويتستر بالسنة وهو جاهل بها، والسلام عليكم ورحمة الله.
مداخلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
مداخلة: هذا عبد الرحيم ما كان يُصْدِرُ هذا في السعودية.
الشيخ: ما كان نعم، هؤلاء يا أخي مصلحية هؤلاء.
"الهدى والنور" (٨٠١/ ٠٨: ٢٠: ٠٠)
[٢٨٦] باب ما هو المقام
المحمود لنبينا - ﵌ - وهل هو جلوسه على العرش؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يجلسني أي الله تعالى على العرش».
(باطل).
[قال الإمام]:
ذكره الذهبي في " العلو" (٥٥ طبع الأنصار) من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا عند رسول الله - ﵌ - أقرأ عليه حتى بلغت ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ قال: فذكره ومما يدل على بطلانه .. أنه ثبت في " الصحاح " أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا - ﵌ -.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٥).
[ ٣ / ٨٢١ ]
[٢٨٧] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؛ قال: يُجْلِسُني معه على السريرِ».
(باطل).
[قال الإمام]:
هذا حديث باطل مخالف لأحاديث جمع من الصحابة بعضها في "البخاري" (٤٧١٨): أن المقام المحمود هي شفاعته - ﵌ - الكبرى يوم القيامة. وراجع إن شئت "ظلال الجنة" (٢/ ٧٨٤ و٧٨٥ و٧٨٩ و٨٠٤ و٨١٣)، و"الصحيحة" (٢٣٦٩ و٢٣٧٠)، و"الدر المنثور" (٤/ ١٩٧).
"الضعيفة" (١٣/ ٢/١٠٤٣ - ١٠٤٤).
[٢٨٨] باب ما أُثْبِتَ للنبي - ﵌ - ولا يصح
[قال الإمام]:
والناس في هذه المسألة -أي مسألة إثبات خصوصيات النبي - ﵌ - على طرفي نقيض، فمنهم من ينكر كثيرًا من خصوصياته الثابتة بالأسانيد الصحيحة، إما لأنها غير متواترة بزعمه، وإما لأنها غير معقولة لديه! ومنهم من يثبت له ﵇ ما لم يثبت، مثل قولهم: إنه أول المخلوقات، وإنه لا ظل له في الأرض وإنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه، بينما إذا داس على الصخر عَلم عليه، وغير ذلك من الأباطيل.
والقول الوسط في ذلك أن يقال: إن النبي - ﵌ - بشر بنص القرآن والسنة
[ ٣ / ٨٢٢ ]
وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يُعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما صح به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له، ولم يجز رده بفلسفة خاصة علمية أو عقلية، زعموا، ومن المؤسف، أنه قد انتشر في العصر الحاضر انتشارا مخيفا رد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس، حتى ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون أحاديثه ﵇ معاملة أحاديث غيره من البشر الذين ليسوا معصومين، فهم يأخذون منها ما شاؤوا، ويدعون ما شاؤوا، ومن أولئك طائفة ينتمون إلى العلم، وبعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله تعالى أن يحفظنا من شر الفريقين المبطلين والغالين.
الصحيحة (١/ ١/٢٩٦).
[ ٣ / ٨٢٣ ]
[٢٨٩] باب هل يعلم نبينا - ﵌ - الغيب؟ ونقض قول البوصيري: وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
سؤال: شيخنا! ورد في أثناء الكلام حديث: ستفتحون قسطنطينية، فذكرتم أن هذا من الغيب وهو من أعلام نبوته - ﵌ -، فما هو رأيكم في ضوء هذا الكلام بقول البوصيري في البردة:
وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
هذا كثير من الناس يمدحون به رسول الله ﵊ ويذكرون أشياء أخرى، فما هو رأيكم؟
الشيخ: هذا صحيح، من كماله ﵇ وعبوديته لله رب الأنام أنه خشي على أمة الإسلام أن يغالوا فيه كما غلت النصارى في عيسى عليهما الصلاة والسلام، وهذا ما صرَّح به في حديث البخاري ومسلم أيضًا المتفق على صحته، حيث قال - ﵌ -: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد لله، فقولوا: عبد الله ورسوله» هذا في الحقيقة مما يدل على أن النبي - ﵌ - كان عبدًا لله مخلصًا تمام الإخلاص، لدرجة أنه نهى أمته أن يرفعوه فوق منزلته التي وضعه الله ﷿ فيها، ولذلك جاء في بعض الأحاديث أن النبي - ﵌ - لما قدَّموا له شيئًا آثروه على الجالسين كلهم، فقال ﵇: «هذه أثرة ولا أحب الأثرة» (١)، هو يريد أن يكون فردًا من أفراد أمته ﵇، فقال: «لا تنزلوني فوق منزلتي التي أنزله الله ﷿ فيها»، وأي منزلة لقد أعطي المقام المحمود يوم القيامة، يوم
_________________
(١) السلسلة الضعيفة (١٢/ ١/٥٦٩ - ٥٧٢).
[ ٣ / ٨٢٤ ]
يشتد الكرب في الناس، كما جاء في الحديث أيضًا المتفق عليه بين البخاري ومسلم، يجتمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد، فتدنوا الشمس من رؤوس الناس، ويشتد العرق بهؤلاء الذين هم في صعيد واحد، مع ذلك ينفذهم البصر، فيشتد بهم الكرب، ويزداد العرق، وكلٌ بحسب أعماله، فمنهم من يصل العرق إلى قدمه، ومنهم من إلى ركبته، ومنهم ومنهم من يكاد أن يلجمه العرق، من يكاد أن يغرق في العرق من هول ذلك اليوم، فيتفق الناس من أهل المحشر فيتداولون بعضهم مع بعض، يا جماعة نذهب إلى آدم ﵇ نستشفع به عند الله، نتوسل به إلى الله ﵎، لعله يدعو الله ﷿ أن يفرج ما بنا من الكرب، فيذهبون إلى آدم، فيقولون له: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك الجنة، ألا ترى ما نحن فيه، ألا تشفع لنا عند الله ﵎؟ فيقول: نفسي نفسي، إني نهيت عن أكل الشجرة فأكلتها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح ﵇، فإنه أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا ﵇ فيقولون نفس الكلام بدون إطالة وتكرار، ويقولون له: أنت أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض، ألا ترى ما نحن فيه ألا تشفع لنا عند الله، يقول: نفسي نفسي، إني دعوت دعوة: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ اذهبوا إلى إبراهيم فإنه خليل الرحمن، يذهبون إلى خليل الرحمن فيقول نفس الجواب: نفسي نفسي إني كذبت ثلاث كذبات، الله أكبر، ليت كذبات البشر كلها تجتمع كلها وتساوي ثلاث كذبات إبراهيم ﵇، الكذبة الأولى لما دعوه إلى عيدهم والاجتماع على معبوداتهم من دون الله قال: إني سقيم، والكذبة الثانية قال: هذا ربي هذا أكبر، معروف هذا في القرآن، الكذبة الثالثة قال عن زوجته لفرعون: هذه أختي، وكل هذه كلمات.
[ ٣ / ٨٢٥ ]
مداخلة: والكذبة الثانية: (بل فعله كبيرهم هذا)؟
الشيخ: أي نعم، هذا في بعض الروايات، قال عن زوجته: أختي، وهذه لها قصة، الشاهد فقال: نفسي نفسي اذهبوا إلى عيسى ﵇ فإنه روح الله، فيذهبون إليه ويقولون نفس الكلام، فيقول: نفسي نفسي، يقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه من تمام حكايته؛ لأن ذلك بوحي من ربه، ولا يذكر ذنبًا، عيسى لا يذكر ذنبًا، ولكن يقول: اذهبوا إلى محمد فإنه رجل قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتونني يقول الرسول ﵇، فيقولون له كما قالوا للأنبياء من قبل، فيقول ﵊: «أنا لها أنا لها، قال: فأذهب وأسجد تحت العرش وأحمده ﵎ بمحامد لا أذكرها الآن»، يعني: في الدنيا، وإنما هي من وحي الساعة، هناك في المحشر، فيقول الله ﵎ مناديًا له: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطى، ذلك هو المقام المحمود الذي نحن نطلبه دائمًا بعد كل أذان فنقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، ويقول الرسول: من دعا بهذا الدعاء حلت له شفاعتي يوم القيامة. كلمة مختصرة جملة معترضة، هذه العقيدة من عقيدة الوهابية زعموا، هذا الحديث مشهور عند من يسمون أو يلقبون بالوهابية، فأنتم ترون إجلال الرسول وتعظيمه، ولكن الفرق بينهم وبين الآخرين الذين لا يهتدون بهدي الرسول ﵇ وسنته كما جاء في البحث السابق أن أهل السنة يقفون ولا يتجاوزون، لا يرفعونه ﵇ فوق منزلته التي أنزله الله فيها، بينما الآخرون يخاطبونه بما سمعتم:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
[ ٣ / ٨٢٦ ]
الله أكبر! رسول الله يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم» كأن قائلًا يقول وهو يجيب ﵇ بحكمته قبل أن يأتي السؤال، كأن قائلًا يقول: إذًا ماذا نقول يا رسول الله، أنت تنهانا عن مدحك فماذا نقول، أو بعبارة أخرى: ما هي العصمة حتى لا نقع فيما وقعت فيه النصارى؟ قولوا: عبد الله ورسوله.
إذًا: معنى هذا ألا نتشبه بالنصارى، لكن هنا قد يجول في نفوس بعض الناس كما سمعنا ذلك مرارًا وتكرارًا: النصارى قالوا: عيسى ابن الله وكفروا وكذبوا، والمسلمون الحمد لله لا يقولون محمد ابن الله، الحمد لله أيضًا أن المسلمين ما وقعوا تمامًا كما وقع النصارى، ولكنهم قد وقعوا فيما يشبه ما وقع فيه النصارى، وليس من الضروري أن يكون خطؤهم كخطأ النصارى مائة بالمائة، هذا من جهة، من جهة أخرى معلوم بواقع التجربة والحياة أن الشر الأكبر لا يأتي عادة إلا من طريق الشر الأصغر، وهذا من وساوس الشيطان لبني الإنسان، أنه لا يخرجه عن دينه مرة واحدة، ولكنه يمكر به، ويخطو به خطوة بعد خطوة، ومن هنا يتمكن الشيطان من إضلال بني الإنسان، العصمة أن يقف المسلم عند ما أمره الله ﷿، من ذلك أن يعتقد في الرسول ما وصفه الله ﷿ في مثل قوله مثلًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) وأن يقف في مدح الرسول على ما ذكره عن نفسه وذكرنا لكم آنفًا أن الله قال له: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء:٧٩) وهذا هو المقام المحمود، حيث يشفع للبشر كلهم، بينما يعتذر عن هذه الشفاعة من قبله من الأنبياء والرسل، فنقف عند هذه الحدود التي فيها تعظيم الرسول ولا نغالي، فحينما يقول المسلم المؤمن بكل هذا الحق الذي نقوله، والذي يقال فيه: لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، من كان كذلك كيف
[ ٣ / ٨٢٧ ]
يخاطب الرسول فيقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
هذا معناه سويناه مع رب العالمين، صحيح ما قلنا والحمد لله أنه محمد ابن الله كما قالت النصارى في نبيهم، لكن قلنا ما يساوي ذلك أو يزيد عليه، حيث قال هذا القائل غفر الله لنا وله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها
لنقف قليلًا في هذا المعنى من الشعر، ما معنى: فإن من جودك الدنيا؟
جاء هناك في الحديث أنه عرضت عليه الجبال أن يقلبها ربنا ﷿ عليه ذهبًا فأبى، وقال جبريل ﵇ له: كن عبدًا نبيًا ورسولًا، ولا تكن ملكًا، فرضي بذلك ولم يقبل أن الله ﷿ يقلب له الجبال ذهبًا، كلام سليم، فإن من جودك الدنيا، لكن ما معنى العطف المذكور: فإن من جودك الدنيا وضرتها؟ ما هي ضرة الدنيا؟ بلا شك هي الآخرة، هل جاد الرسول ﵇ بالآخرة؟ هل يتصور أن يجود بالآخرة وأن يعرض عنها كما أعرض عن الدنيا؟
هذا أمر مستحيل؛ لأن الله ﷿ يقول في القرآن الكريم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: ٢٦) (للذين أحسنوا الحسنى) أي: الجنة، (وزيادة) رؤية الله في الآخرة، هذا النعيم الأكبر، إذا شاهد المؤمنون ربهم يوم القيامة نسوا كل نعيم الجنة، ذلك أشهى لديهم في الآخرة، كيف يقال: إن الرسول أعرض عن الدنيا وضرتها، جاد بها وأعرض عنها؟
إذا وقفنا عند الدنيا كلام معقول، لكن أن نعطف عليها أيضًا الآخرة هذا أمر خطير جدًا جدًا، ولكن مع الأسف هذا أسلوب الشعراء، أسلوب الشعراء أن يغالي
[ ٣ / ٨٢٨ ]
بعضهم ولا ينتبه أن هذا الغلو قد يترتب من ورائه شيء مخالف للشريعة، كذاك الذي قال لبعض الحكام:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
ماذا يعني بهذا؟ أنه الملك الأعلى في الدنيا، لكن وصفه بصفات الله ﷿:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
يصف الرسول فيقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها
يا جماعة قلنا: من جوده الدنيا، نقطة ونقطة حديثية كما أقول أنا أحيانًا، كيف تكون النقطة الحديثية؟
علماء الحديث كانوا إذا كتبوا جملة كاملة أداروا دائرة في آخرها، وتركوا جوفها فارغًا، هذا شيء جميل جدًا ما نعرفه اليوم، فإذا ما أعيد مقابلة هذه الجملة بالأصل، يعني: من قبيل تصحيح التجارب اليوم التي تطبع وضعت النقطة في الدائرة، أي: كل من يرى هذه الجملة في آخرها دائرة ما فيها نقطة هذه غير مقابلة، غير صحيحة، ممكن يكون فيه خطأ، أما إذا كانت الدائرة فيها نقطة هذه مقابلة وهذه صحيحة.
نحن نقول الآن: فإن من جودك الدنيا؛ دائرة ووسطها نقطة، آمنا وسلمنا، لكن وضرتها هذا ما يجوز إطلاقًا أن نقول عن الرسول أنه جاد بالآخرة كما جاد بالدنيا، لأن معناها أنه لا يفكر أبدًا أن يرى الله في الآخرة، وكيف يصح أن يوصف الرسول ﵇ بمثل هذه الصفة، حاشاه من ذلك، لكن هل وقف الشاعر عند
[ ٣ / ٨٢٩ ]
هذا البُطل حيث عطف الآخرة على الدنيا؟ لا، قال:
ومن علومك علم اللوح والقلم
الله أكبر، ما قال: فإن من علمك لأن وزن الشعر يضطرب، لازم الشعر يكون موزونًا، فلازم يقول: من علومك، لكن هذا خطير جدًا، معليش، يغتفر في الشعر يقولون الذين يكتبون الشعر يرتكب فيه أشياء لا يجوز حتى في اللغة العربية، هذا لضرورة يقولون الشعر، لكن ما وقفوا عند هذا؛ حتى في المناهي.
ومن علومك إذًا: الرسول ﵇ له علوم غير علم اللوح والقلم، ما هو علم اللوح والقلم؟ كل شيء، وكل شيء، في القرآن الكريم ماذا؟ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر: ٥٣) يعني: مسطر، كل شيء، والرسول ﵇ بين هذه الحقيقة، أن كل شيء مستطر في اللوح المحفوظ، قال في الحديث الصحيح المشهور الذي رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده بالسند الصحيح: «أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» إذًا: كيف يوصف الرسول ﵇ بأنه علم ما هو مسطور إلى يوم القيامة، وليس هذا فحسب، بل ذلك بعض علومه.
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
هذا غلو لا يرضاه الرسول ﵇ الذي قال في الحديث السابق: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله».
الرسول ﵇ لما ذكر في القرآن نادرًا ما يذكر باسمه، لكنه لما أثنى عليه بتلك المعجزة التي اصطفاه الله ﷿ بها على كل الأنبياء ألا وهي معجزة
[ ٣ / ٨٣٠ ]
المعراج أو الإسراء والمعراج ماذا قال عنه؟ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء:١)؛ لأن هذه الكلمة فيها تشريف ما بعده تشريف لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، ولجهل الناس بهذا المعنى ما يكتفون به، ولا يقفون عنده، بل يضيفون إليه أشياء وأشياء من باب التعظيم، فهنا أنا أقول بكل صراحة: القصد حسن لكن اللفظ سيء، فليكُن المسلم على الخط المستقيم يجب أن يكون لفظه وفعله كقصده حسن، فلا يكفي الإنسان أن يقول كلمه وتكون خطأ ويقول بعد ذلك: والله أنا ما قصدت هذا أنا قصدت كذا وكذا، أنا قصدت تعظيم رسول الله - ﵌ -، فنحن نقول في هؤلاء الناس الذين يتناشدون بعض الأبيات والشعر، ومن ذلك هذا الشعر نقول: إنهم يريدون مدح الرسول ﵇ والثناء عليه، ولكننا نقول:
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل
تريدون [أن] تمدحوا الرسول ﵇ تمدحوه في الحد الذي وضع لكم إياه: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما إنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» لو كنا نهتم بقراءة السنة التي قال الرسول ﵇ عنها: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» لو أن المسلمين تمسكوا بسنة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لما تفرقوا مذاهب شتى وطرائق قددًا، بل لكانوا على هذا الخط المستقيم، لو درسوا السنة.
ماذا نجد في السنة؟ الذي يوجد في السنة ما ذكرته آنفًا وزيادة على ذلك يجد في مسند الإمام أحمد الحديث التالي: جاء ناس إلى النبي - ﵌ - فقالوا له: «أنت
[ ٣ / ٨٣١ ]
سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال ﵇: قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» لا يأتي لكم بهذا الدهليز، دهليز بسيط، أنت سيدنا، هو بلا شك ﵇ سيدنا بلا شك، لماذا؟ لأنه قال في الحديث الصحيح: «أنا سيد الناس يوم القيامة أتدرون مم ذاك؟ -ذكر الحديث السابق تبع الشفاعة- أتدرون مم ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يجتمع الناس في صعيد واحد » إلخ، فهو سيد الناس بحق، وفي الحديث الآخر: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة» فهو بلا شك سيد البشر جميعًا كما في هذين الحديثين وفي غيرهما، لكن مع ذلك ماذا قال لهم: «قولوا بقولكم أو ببعض قولكم» وهم قالوا له: أنت سيدنا، كلام صحيح، ولكن قال: «ولا يستجرينكم الشيطان» يعني: يتسلسل بكم من كلمة إلى أخرى ويوصلكم إلى تلك الكلمة:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وفي حديث آخر في مسند الإمام أحمد أيضًا أن رجلًا قال للرسول ﵇: «أنت سيدنا، قال: السيد الله» لماذا أنكر عليه وهو كما قلنا آنفًا هو سيدنا بحق؟ خشي أن يؤدي بهذا الإنسان في مدحه للرسول ﵇ بكلمة نحن ندين الله بأنه سيدنا أن يرتقي به إلى ما لا يجوز أن يُمتدح ﵇ به، فقطع عليه الطريق وقال: «السيد الحق» هو الله ﵎.
لذلك فنحن ننصح المسلمين، طبعًا ليس لنا كلام مع الزنادقة والملحدين، إنما كلامنا مع المسلمين الصالحين الذين يخافون الله ويرجون يوم الآخرة، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، ننصحهم أن لا يُضيِّعوا جهودهم في هذه الحياة الدنيا وراء أفكار وعقائد وعبادات لم تأت في السنة، فقد سمعتم
[ ٣ / ٨٣٢ ]
آنفًا قوله ﵇ في قصة الرهط: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» هذه نصيحة نوجهها لكل إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لعل الله ﵎ ينفع بها.
"الهدى والنور" (٢٩٢/ ٣٦: ١٧: ٠٠)
[٢٩٠] باب منه
[قال الإمام]:
الأمر عندنا معشر المسلمين أنه ﵇ مميز على البشر بالوحي، ولذلك أمره الله﵎أن يبين هذه الحقيقة للناس فقال في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى هذا كان لكلامه - ﵌ - صفة العصمة من الخطأ لأنه كما وصفه ربه ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وليس هذا الوحي محصورًا بالأحكام الشرعية فقط، بل يشمل نواحي َ أخرى من الشريعة منها الأمور الغيبية، فهو - ﵌ - وإن كان لا يعلم الغيب كما قال فيما حكاه الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) فإن الله تعالى يطلعه على بعض المغيبات وهذا صريح في قول الله ﵎: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
فالذي يجب اعتقاده أن النبي - ﵌ - لا يعلم الغيب بنفسه ولكن الله تعالى يُعْلِمُهُ ببعض الأمور المغيبة عنا، ثم هو - ﵌ - يُظهرنا على ذلك بطريق الكتاب والسنة، وما نعلمه من تفصيلات أمور الآخرة من الحشر والجنة والنار ومن عالم الملائكة والجن وغير ذلك مما وراء المادة، وما كان وما سيكون، ليس هو إلا من
[ ٣ / ٨٣٣ ]
الأمور الغيبية التي أظهر الله تعالى نبيه عليها، ثم بلَّغنا إياها، فكيف يصح بعد هذا أن يرتاب مسلم في حديثه لأنه يخبر عن الغيب؟! ولو جاز هذا للزم منه رد أحاديث كثيرة جدًا قد تبلغ المائة حديثًا أو تزيد، هي كلها من أعلام نبوته - ﵌ - وصدق رسالته، وردُّ مثل هذا ظاهر البطلان، ومن المعلوم أن ما لزم منه باطل فهو باطل، وقد استقصى هذه الأحاديث المشار إليها الحافظ ابن كثير في تاريخه وعقد لها بابًا خاصًا فقال: " باب ما أخبر به - ﵌ - من الكائنات المستقبلة وفي حياته وبعدها فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء " ثم ذكرها في فصول كثيرة فليراجعها [من] .. شاء في "البداية والنهاية" (٦/ ١٨٢ - ٢٥٦) يجد في ذلك هدى ونورًا بإذن الله تعالى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾.
فليقرأ المسلمون كتاب ربهم وليتدبروه بقلوبهم يكن عصمة لهم من الزيغ والضلال، قال - ﵌ -:
«إن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا» (١).
" مقالات الألباني" (ص ١٥٩ - ١٦١)
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن نصر في "قيام الليل" (ص٧٤) وابن حبان في صحيحة (ج ١ رقم ١٢٢) بسند صحيح، وقال المنذري في "الترغيب" (١/ ٤٠): "رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد". [منه].
[ ٣ / ٨٣٤ ]
[٢٩١] باب لا يصح
إطلاق القول بأن النبي - ﵌ - عَلِمَ جميع الكائنات
عن عبد الرحمن بن عائش قال: قال رسول الله - ﵌ -:
" رأيت ربي ﷿ في أحسن صورة قال: فبم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت أعلم قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات والأرض وتلا: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾.
[قال الإمام معلقًا على قوله - ﵌ -: «فعلمت ما في السموات والأرض»]:
يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما، وهو عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله عليه، ولابد من هذا التقييد الذي ذكرناه؛ إذ لا يصح إطلاق القول بأنه علم جميع الكائنات التي في السماوات والأرض، كما قال العلامة الشيخ علي القاري (١/ ٤٦٣) وهو الظاهر.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٢٥).
[ ٣ / ٨٣٥ ]
جماع أبواب الكلام حول اختصاص الرب تعالى بمعرفة الغيب المطلق، وذكر صور من الخَلل العقدي في هذا الباب، والكلام على حكم الخط في الرمل وقراءة الكف، وغير ذلك
[ ٣ / ٨٣٧ ]
[٢٩٢] باب ما هو علم الغيب الذي اختص به الله تعالى؟
سؤال: ما معنى علم الغيب الذي اختص الله ﷿ به، ثم لو أن رجلًا علم أمرًا مغيب بواسطة فنجان أو نحو ذلك من هذه الطرق الذي يستعملونها، فما المحظور أن يقال علم الغيب أو علم المغيب؟
الشيخ: الغيب كما لا يخفى على جميع الحاضرين إذا أُطلق فالمقصود به الغيب الذاتي، أي الذي يعرفه الإنسان بذاته، يعني بعلمه الذاتي دون أن يتخذ وسيلة من الوسائل التي خلقها الله ﷿ ليصل بها إلى معرفة ما غاب عن بعض الناس، هذا الغيب هو الذي اختص الله ﷿ به دون الناس، نحن مثلًا نعلم أن النبي - ﵌ - أخبرنا بكثير من المغيبات، ولكن هذا العلم الذي حدثنا به الرسول ﵇ لم يكن علمًا ذاتيًا به، وإنما أخبره الله ﷿ بواسطة الوحي، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن:٢٧)، فالله ﷿ إذا ارتضى رسولًا فينبئه ببعض المغيبات، هذا الرسول المنبأ لا يوصف بأنه عالم بالغيب، وإنما هو مُنبأ بالغيب كما جاء في صحيح البخاري: «أن النبي - ﵌ - مر ذات يوم بجارية من الأنصار، وهي تغني تضرب على دف وتقول: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال ﵇: لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا وقولي ما كنت تقولين».
دعي قولك: وفينا نبي يعلم ما في غد؛ لأنه هو لا يعلم الغيب بواسطة ذاته، وإنما بواسطة إعلام ربه إياه على بعض المغيبات، إذا عرفنا هذه الحقيقة وخلاصة ذلك أن العلم بالغيب إما أن يكون ذاتيًا، وإما أن يكون بالواسطة، فالذي اختص الله به هو القسم الأول، أما القسم الآخر فقد يتحقق به بعض الناس، وهؤلاء الناس
[ ٣ / ٨٣٩ ]
قسمان: قسم وهم الأقلون بالنسبة لعموم الناس، هم الرسل الذين يصطفيهم الله برسالاته وبكلماته، ويوحي إليهم ما يشاء من وحيه.
والقسم الآخر من الناس الذين يتخذون المعرفة والعلم الكسبي وسيلة لاكتشاف بعض الأمور التي تغيب عادة عن عامة الناس، فهذا لا يقال علم بالغيب، هذا كأي علم، أنا مثلًا أقول لكم: قال رسول الله، وأنت ما سمعت بهذا الحديث إطلاقًا، فهذا بالنسبة لك غيب، لكن أنا ما قلت هذا في غيب من الله؛ لأنه لا واحد بعد رسول الله، لكن أنا بحثت ودرست وفتشت، فوجدت هذا الحديث فأعلمتك به، فهذا علمي بالنسبة إليك كان غيبًا، لكن لما أنبأتك به صار شهودًا، وخرج عن كونه غيبًا.
على هذا المثال البسيط تمامًا قس كل الوسائل العلمية الحديثة، والقديمة منها، الفطرية والتي أخذت جهدًا جهيدًا من العلماء حتى وصلوا إلى اكتشاف أمور دقيقة جدًا بعض عامة الناس، أنا كسائر الناس كنت لا أعلم أن الفلاح في مزرعته يعلم ما لا يعلمه الطبيب المطلع الآن بواسطة الجهاز التلفزيوني هذا على الجنين في بطن الأم، هذا الطبيب الذي وصل بهذا الاكتشاف أن يعرف هوية الجنين هو ذكر أم أنثى، لا يعرف ما يعرفه الفلاح في حقله ومزرعته، مثلًا هو يستطيع أنه إذا قطع الشجر أن يقول لك كم عمرها، لكن اسأل الطبيب الخريت في مهنته لا يعرف، فهذه هي المسألة بسيطة، بالتجربة قرأتها قديمًا من أربعين سنة أو أكثر، أن هناك دوائر في جذع الشجرة كل دائرة تدل على سنة، هذا ليس علم بالغيب، هذا علم تجربي، لكن هو بالنسبة لعامة الناس غيب، لكن ليس هو الغيب الذي اختص الله به.
من هذا القبيل أيضًا مما كنت قرأته وهذا أدق، ويمكن الآن تحاولوا تجربوا
[ ٣ / ٨٤٠ ]
أنتم بأنفسكم، لكن ما أظن ستنجحوا بهذه اللحظة السريعة، قال ممكن معرفة عمر الإنسان من عدد الخطوط الموجودة في أظافره، هناك خطوط لا بد رأيتموها، كل خط يعطي سنة، الآن ترقى هذا العلم، قبل هذا الرقي الذي ربما يلمح السائل إليه، نعرف من قديم الزمان أن علماء الفلك يحكمون قبل سنين، ويضعون لك مخططًا ومنهجًا وروزنامة أنه في السنة الفلانية في شهر كذا، في يوم كذا، في ساعة كذا سيكسف الشمس أو القمر، ويعطيك تفاصيل دقيقة كسوف أو خسوف كلي أو نصفي أو جزئي .. إلى آخره، هذا غيب بالنسبة لعامة الناس، لكن هذا ليس غيبًا إنما هو علم إذا درسه أي إنسان ممكن أن يصبح مثل هؤلاء الفلكيين، أخيرًا الآن وصلوا إلى اكتشاف كما قد يظن أن هذا من خصوصيات الله ﷿، أن ربنا يعلم ما في الأرحام، صاروا الآن بعض الأطباء أو كلهم؛ لأنها وسيلة صارت مبذولة، حتى النساء أصبحوا يعرفون إن كان ذكرًا أو أنثى، هذا بواسطة العلم الذي يسره الله ﷿ للناس، وعلى مدى هذا الزمان الطويل.
إذًا: هو كعلم الفلك، كمعرفة الخسوف والكسوف، فهذا من هذا القبيل تمامًا، فهذا ليس علمًا بالغيب، الغيب هو العلم الذاتي، وهذا من صفة الله ﷿، ولا يشاركه أحد من عباده.
من هنا نستطيع أن نتوصل إلى أن العقيدة الإسلامية وسط بين غلاة الصوفية الذين يزعمون بأن بعض مشائخهم يطلعون على ما في الصدور، وهذا مع الأسف نعرفه من كثير من المريدين المزعومين، وبين بعض المشائخ الجامدين والعلماء المتفقهين الذين ينكرون حقائق علمية لا مجال لإنكارها بسبب توهمهم أن هذا ينافي اعتقادنا أن العلم بالغيب هو مما اختص الله به ﷿، فنحن نقول نعم، العلم بالغيب بدون وسيلة خلقها الله، هذا من خصوصيات الله ﷿ لا يشاركه
[ ٣ / ٨٤١ ]
فيه أحد، أما العلم ببعض المغيبات الخافية على عامة الناس باستعمال الوسائل التي ذكرها الله وذللها الله، فهذا ممكن، وهذا لا ينافي استقلال الله وانفراد الله ﷿ بعلمه بالغيب.
"الهدى والنور" (٤٢٦/ ٥٢: ٠٤: ٠٠)
[٢٩٣] باب هل يعلم النبي - ﵌ - الغيب؟ ونقاش مطول حول ذلك
سؤال: شيخنا في سؤال إذا تفضلت لي، الوارد أنه ﵊ صلى صلاة الفجر يومًا ثم صعد المنبر فخطب الناس إلى صلاة الظهر، ثم صلى وصعد، ثم عاد وهكذا، فأخبرهم بما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، يقول الصحابي: حفظه منا من حفظه، ونسيه من نسيه، وإنه لتمر علي الحاجة فأتذكرها كما يتذكر الرجل وجه الرجل؛ فالإمام البوصيري عندما قال: ومن علومك علم اللوح والقلم، فهو قال: حدثنا بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا يطابق: قال له: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؟
الشيخ: أولًا: والحمد لله هذا الحديث صحيح وفي صحيح مسلم، ثانيًا: كلمة: حدثنا بما هو كائن إلى يوم القيامة يحتمل يا أخي أن يكون تحديثه ﵇ تحديث بالأمور الهامة، وليس بالأمور التفصيلية التي لا يستطيع أي بشر أن يعيها وأن يدركها مهما أوتي علمًا وقوة من الله ﵎، بمعنى: أنا أقول معك فرضًا وجدلًا: من الممكن أن الله ﷿ يصطفي نبيه ﵊ بما يشاء فيحفظه فعلًا ظاهر هذا الحديث الصحيح، أي: ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، لكن كيف ذلك وهو يحدث ناسًا غير أنبياء وغير رسل وطاقتهم محدودة، وليس لهم تلك الصفة التي اصطفاها ربنا ﷿ نبينا ﵊.
[ ٣ / ٨٤٢ ]
ولذلك بارك الله فيك لا يجوز أن نفهم الحديث، وأنا أقول: يمكن جاءت مناسبة آنفًا، يمكن ونحن على الطعام، وأنا أذكر هذا المثال لأن الحقيقة سيساعدنا على فهم هذا الحديث الصحيح، لا يجوز أن نفسر حديثًا من أحاديث الرسول ﵇ وقوفًا عنده فقط، وإنما نوسع دائرة النظر وننظر في الأحاديث الأخرى، وهل تساعدنا على أن نقف في فهمنا لهذا الحديث الصحيح بالمعنى الواسع الشامل العام، كما قال تعالى: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (الكهف: ٤٩)، أم المعنى يكون أضيق من ذلك؟
آنفًا تحدثنا على الطعام سأل سائل عن حديث فيه أن النبي - ﵌ - قال: «من ادان دينًا وفي نيته الوفاء به، ثم لم يف به، وفَّى الله ﷿ عنه يوم القيامة» قلنا: هذا حديث صحيح، وبهذا الحديث يفسر حديث آخر وهنا الشاهد، قال ﵇: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» فهل نفسر هذا الحديث: «إلا الدين» مات الشهيد وعليه دين فلا يغفر هذا الذنب منه ولو كان ناويًا الوفاء؟ نقول: لا، لأن الحديث الأول يفسر ويخصص الحديث الثاني.
حديثك هذا يشبه حديثنا الثاني، إذا نظرنا إليه وحده: «يغفر للشهيد كل ذنب إلى الدين» والله هذا شيء خطير وخطير جدًا، جاهد في سبيل الله ومات في سبيل الله ولا يغفر له ذنبه حيث مات مدينًا لبعض المسلمين؟ لا، هذا ليس على إطلاقه وشموله، وإنما هو مخصص فيما إذا كان ليس في نيته أن يفي الحق لصاحبه، هنا هذا مثاله تمامًا، هذا الحديث الذي تفضلت به لا شك أنه نفهم منه أن الرسول ﵇ علمه الله كل كبير وصغير، وأنه كما قال تعالى: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (الكهف: ٤٩) لكن لا، هذا غير صحيح، وإنما معنى الحديث:
[ ٣ / ٨٤٣ ]
أنه علمه أشياء جوهرية أساسية مثل أشراط الساعة الكبرى ونحو ذلك من الصغرى التي يهم المسلمين أن يتعرفوا عليها، كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦، ٢٧).
هنا نحن نقول: كلمة «غيب» هنا كحديثنا السابق تمامًا، هل ربنا يُطْلِع الأنبياء على غيبه كله؟ لا، قال علماء التفسير: على ما يراه رَبُّنَا ﷿ أن يُعلم من شاء من الرسل يطلعه على بعض المغيبات، وليس على كل المغيبَات، ذلك لأن النبي - ﵌ - كل نبي إذا علمه الله علمًا وجب عليه أن يُبلِّغه المسلمين، تمامًا كما قالت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث طويل ولسنا الآن في صدده، تقول فيه: «ومن حدثكم بأن محمدًا - ﵌ - كتم شيئًا أُمر بتبليغه » ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧)، قالت: «من حدثكم أن محمد - ﵌ - كتم شيئًا أُمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية».
فإذًا: ربنا ﷿ كما قال: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ﴾ (الجن: ٢٦) أي: على بعض غيبه، تقدير مضاف محذوف، لأن النبي ولو كان مصطفى كما قلنا ليس ممكن يكون إلها ثانيًا في علمه في إحاطته بكل شيء سيكون، حينئذٍ صار شريكًا، وهنا نتذكر شيئًا مهمًا جدًا يتعلق بعلم التوحيد، الله ﵎ واحد في ذاته، فليس هناك ما قال الكفار من النصارى أن الله ثالث ثلاثة، لا، إنما هو إله واحد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤) فالله واحد في ذاته، خلاف قول النصارى، وهو واحد في عبادته، فهو إله واحد، أي: وليس كما يقول المشركون العرب ويقولون حتى الآن، ليس الأمر كما قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالله واحد أيضًا في عبادته، فمن اعتقد أن الله
[ ٣ / ٨٤٤ ]
واحد في ذاته لكنه عبد معه غيره فما وحده، والتوحيد الأخير أن نقول بعد أن قلنا: واحد في ذاته، وواحد في عبادته، وواحد في صفاته، فلا يجوز للمسلم أن يعتقد بأن الله ﷿ أطلع نبيه على علم الغيب كله، لأنه صار شريكًا معه في صفة الغيب، ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥) هكذا الآية إن شاء الله؟
مداخلة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (الأنعام: ٥٩).
الشيخ: لا، نحن ما يناسبنا الآية هذه، لأن هذه مفاتيح، رءوس، مجامع، لكن نحن نريد الآن التفصيل، أنا أقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ﴾ (النمل: ٦٥) أي: كل الغيب ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥) ﵎، انظروا يا إخواننا وتعلموا، واعلموا بأن العلم ليس أن الإنسان يسلط عقله في آية يقول: هاه، ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥) إذًا: رسول الله لا يعلم شيئًا من الغيب، هذا خطأ، لماذا؟ لأن الله قال في الآية السابقة: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن:٢٦، ٢٧) تمام، لا تقفوا عند قوله: فلا يظهر على غيبه كل الغيب، لا، لأنه واحد في صفاته كما هو واحد في عبادته، كما هو واحد في ذاته، فلا يجوز للمسلم أن يعتقد أن الله أعلم نبيه ﵇ بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة، لأن هذه صفة الله ﷿.
بقي شيءٌ آخر أشرت إليه أنفًا، لكن أريد أن أدندن حوله قليلًا، وأرجو ألا يكون كثيرًا، وهو: إذا كان الله اصطفى نبيه ﵇ بأن أعلمه بكل الغيب، من هذا الإنسان الذي يحيط بعلم الرسول ﵇، ويدعي أنه حفظه؟ نحن نقول الآن: أستاذ ماهر في أي فن قلته، وله تلميذ من أذكى الناس وأكيس الناس وأحفظ
[ ٣ / ٨٤٥ ]
الناس، ماذا يحفظ من علمه؟ الشيء القليل، إذًا: هذا الأستاذ العاقل هل سيصب العلم كله في صدر هذا الطالب؟ سيكلفه رهقًا وسيكلفه شططًا، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فمن هذه الحيثية التي تنافي الطبيعة البشرية ليس معقولًا أن الرسول ﵇ لو أن الله أعلمه بكل شيء وجعله شريكًا معه في العلم بالغيب ليس معقولًا أنه يحدث الناس بما لا يتحملونه ولا يطيقونه.
فخلاصة القول بارك الله فيك: أن مثل هذا الحديث يجب أن يُفسَّر على ضوء عقيدة المسلمين المستقاة من كتاب الله كله، ومن سنة رسول الله - ﵌ - وحديثه كله، ولا نقف على حديث واحد، ولذلك أنا أقول لك الآن كلمة الختام في هذه المسألة: نحن ندعي بأننا أولًا مسلمون جميعًا والحمد لله.
لكن فيه شيء آخر ندعيه وهو أننا نحترم سلفنا الصالح من صحابة وتابعين وأئمة مجتهدين، تلقينا من طريقهم علم الكتاب والسنة والفقه والعقيدة، فَمَنْ من علماء المسلمين يقول بأن النبي - ﵌ - علمه الله كل شيء كما قال في الحديث القلم: «اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» بناء على حديث مسلم، لا أعلم مسلمًا عالمًا سبقنا إلى مثل هذا، ولذلك لا يجوز لإنسان أن يقول خلاف ما قال علماؤنا من قبل على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
سؤال: المعروف عند فضيلتك سيدنا الشيخ أن الصحابة كانوا أصدق الناس وأدق الناس في الرواية عن النبي ﵊، حتى أن أحدهم كان لا يتحدث حرجًا مخافة أن يقع في شيء من النسيان، فنحن وصلت لنا الرواية على لسان الصحابي بدقة، «حدثنا بما كان وبما هو كائن»، والصحابي يستطيع أن يقول: حدثنا بمفاتيح الأشياء، أو حدثنا بمجملها، أو حدثنا بعظائمها، إنما قوله
[ ٣ / ٨٤٦ ]
﵁: «بما كان وما هو كائن» تعني الشمول، هذا واحد.
الشيء الثاني: أن الصحابي يقول: «حتى ما سرية إلا وعلمنا عنها وعلمنا عن قائدها»، والسرية معروف أنها: المجموعة.
أما قولك أن الله ﷾ إذا أطلعه على علمه أصبح له شريكًا فهذا لا يقال به لسبب واحد، طالما أنا أسندنا الأمر إلى الله ﷿، وقلنا: أطلعه فأصبح مخلوقًا، هذا واحد.
الشيء الثاني معروف عند حضرتك أن الله ﷾ شق له من أسمائه الحسنى ما هو موجود في القرآن الكريم، قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨) وهذه من الأسماء الحسنى، إنما نقول كالتالي: قال في حق سيدنا إسحاق: ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (الحجر: ٥٣) وهذا من الأسماء الحسنى أيضًا، لكن إذا أسند العلم إلى الله ﷿ فهو قديم ولا يشاركه فيه أحد، فإذا خرج عن الله ﷿ فهو حادث بالنسبة للمعلوم للنبي ﵊، فلو أطلعه على الغيب وقول الصحابي الصريح بأنه أطلعه بما كان وبما هو كائن فهو علم حادث بالنسبة للنبي ﵊؛ لأن النبي ﵇ محدَّث، فلا تعني فيه المشاركة بحال، ولا تعني أن رأفة النبي - ﵌ - هي عين الرأفة الإلهية، ولا الرحمة النبوية هي عين الرحمة الإلهية، لأن الرحمة الأولية أزلية ورحمة النبي ﵇ حادثة مخلوقة فيه، كذلك علم سيدنا إسحاق علم حادث، بينما علم الحق ﷻ أزلي.
فإذًا: الإمام البوصيري له وجه عندما قال: ومن علومك علم اللوح والقلم، يعني: أن هذا الحديث مر عليه، والرجل ليس بجاهل ولا مشرك، بل كان في قرن
[ ٣ / ٨٤٧ ]
فيه علماء، وفيه أهل توحيد، ويعلمون الغث من السمين، فلو كان مشركًا لردوا عليه، ثم المعروف أنه إذا كان لنا تسعة وتسعين بابًا نكفر بها مسلمًا ثم باب لم نكفره به؛ نأخذ بالأحوط طالما أن هناك وجهًا.
الشيخ: عفوًا أنت الآن تشرد علن الموضوع ولا مؤأخذة.
السائل: ما شردت أبدًا.
الشيخ: أُثْبِتُ لك أنك شردت.
السائل: إذا شردت أنا أسترجع كلامي.
الشيخ: معليش، لأنه الآن أنت تقول أولًا وثانيًا وثالثًا ورابعًا وخامسًا، والله أنا أعترف لك أنه أنا حافظتي كليلة، لن أقول لك الجواب عن رقم واحد كذا ورقم اثنين كذا .. إلخ، لكن شعرت أنك أخيرًا خرجت عن الموضوع لما قلت أن البوصيري مشرك وما أحد كفره .. إلخ، نحن لم نكن في هذا الوادي.
مداخلة: السائد عند مجموعة الناس .. المجلس هذا مبرأ ونظيف ..
الشيخ: معليش، لكن أنت الآن ما قلت قضية الشرك وما شرك، أنه
ليس بمشرك.
السائل: لأنه في قصة
الشيخ: معليش يا أستاذ، قلت أنه ليس بمشرك أم لا؟
السائل: طبعًا،
الشيخ: هذا ما أذكر أيضًا ففي هذا المجلس حتى يكون نظيفًا، ما دام ما أحد قال أنه مشرك فأنت لا تقل: ليس بمشرك لأنه هنا تبدأ الوساخة في المجلس ولا
[ ٣ / ٨٤٨ ]
مؤآخذة، لأني أضطر أقول لك الآن أنا في هذا المجلس على العكس من ذلك، قلنا: إنه ذلك الشاعر يغلو في القول ما قلنا أنه مشرك حتى تقول أنت: هو ليس بمشرك وما أحد كفره وما أحد شركه .. إلخ، فهذا اسمه خروج عما كنا نحن في صدده، نحن معك في الحديث الذي رواه الإمام مسلم، وقلت من باب كذا وكذا وكذا .. إلخ، والصحابي كان كذا وكذا، بعضه مُسلَّم وبعضه غير مُسَلَّم، لكن مع ذلك فأنت أنا شاعر تمامًا أنك حدت وأقول لك كما قلت بالنسبة للبوصيري وغيره بدون قصد، لكن الحيدة موجودة، والغلو هناك موجود، لكن نحن لا نطلع على ما في القلوب، لأنه لا يعلم ذلك إلا علام الغيوب.
أنت الآن حدت لما قلت لك: نحن مسلمون والحمد لله، ثم نحن نتبع السلف والأئمة وو .. إلخ، ولم يقل أحد منهم بأن النبي - ﵌ - كما تقول أنت الآن: هو مساوٍ لله في العلم، لكنك أنت تفرق أن علم الرسول حادث، لأن الله علَّمه، وهذه حقيقة أيضًا لا يختلف فيها اثنان، ولا ينتطح فيها عنزان، لكن أنا سألتك: مَنْ مِن العلماء الذين نحن ننتمي إليهم سواء كان في الأصول في العقائد كمذهب أهل الحديث ومذهب الماتريدية ومذهب الأشاعرة مَنْ مِنْ هؤلاء العلماء ساوى بين الله وبين رسوله في علم الغيب مع هذا الفارق الذي لابد أن يقوله المسلم كما قلت أنت آنفًا: أن هذا بخلق الله وبتعليم الله للنبي، من الذي قال أن النبي - ﵌ - مشارك لله في الاطلاع على المغيبات التي كانت وستكون إلى يوم القيامة، هذا الذي حدت عنه ولا مؤاخذة فأنا أرجو الجواب منكم بصراحة هل تعلم ذلك؟
السائل: الجواب بصراحة، أنا لا أستشهد على حديث الصحابي بآخر.
الشيخ: هذا ما هو جواب.
[ ٣ / ٨٤٩ ]
السائل: أنا أعدل موقف الصحابي بموقف تابعي.
الشيخ: هذا ليس جوابًا بارك الله فيك.
السائل: كلام الصحابي يُحَدِّثُ، وهو أعدل الناس بعد النبي ﵇.
الشيخ: عفوًا أبو أنت يدعوك أنت.
مداخلة: أبو عبد الرحمن.
الشيخ: أبو عبد الرحمن، التقينا أنا وأبو عبد الرحمن أيضًا، يا أبا عبد الرحمن لو سمحت! أنت تقول: لا أقدم على حديث رسول الله شيئًا، ترى أن عبد الرحمن هذا الذي هو سميك وعبد الرحمن ذاك يخالفونك في هذا القول؟ طبعًا لا، أليس كذلك؟ شايفها ضعيفة منك، لازم تكون بنبرة قوية، لأن ما فيها خلاف هذه،
صح أم لا.
لكن إذًا الخلاف أين هو؟ الخلاف في أن هذا الحديث هل أحد من علماء المسلمين فهمه بهذا الشمول حيث صار مشاركًا لله في هذه الصفة مع الفارق الذي تفضلت به؟ ما أجبتنا عن هذا، أجبت جواب السياسيين ولا مؤآخذة، أعني: كلام السياسي يكون إذا جاءت مناسبة يمد معه ويقول: أنا هكذا أقصد، وإذا اقتضت السياسة يقصره يضيقه يقول: أنا هذا الذي قصدته، أما جواب المسلم الصريح في عقيدته يقول شيئًا واضحًا بينًا، بحيث أن أهل المجلس يخرجوا على فهم واحد، أنه الشيخ أبو عبد الرحمن الذي هو أنا يقول كذا، والشيخ أبو عبد الرحمن الذي هو أنت.
السائل: الفقير أبو عبد الرحمن، أنا فقير، ما صرت شيخ الفقير.
[ ٣ / ٨٥٠ ]
الشيخ: أنا الغني بإيماني بالله. ما لنا يا أستاذ بهذه الألقاب بارك الله فيك، المهم إذا خرج المجلس وانفض يخرج على بينة وبصيرة، يقولون: أن أبو
عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني يقول: أنه لا يجوز لمسلم أن يعتقد
بأن محمدًا - ﵌ - يشارك الله في صفة من صفاته ولو كان ذلك بخلق من ربه، هكذا أنا أقول.
السائل: لا يمكن الحادث يكون مثل القديم.
الشيخ: اسمح لي يا أبا عبد الرحمن! أنا أتكلم خطأ الآن.
السائل: هو محدث فكيف يكون مثل الله ﷿.
الشيخ: ما تجاوبني معليش، لكن ما علاقته بالجواب هو، المهم يا أبا عبد الرحمن فيه خلاف فيه؟ الذي قلته أنا، ليس أنت تعتقد اعتقادي، أنا أقول عن نفسي: الآن أنا أقول أن رب العالمين هو السميع البصير، فلا يشاركه أحد في هذه الصفة، هنا في بعض العلماء يقولون: يمكن أن يكون هناك مشاركة، لكن مشاركة بصورة لا يمكن أن تذكر، بمعنى: كما- الآن استحضرت شيئًا، الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.، تعرف قصة الخضر ﵇، تعرفها طبعًا؟
السائل: نعم.
الشيخ: الحمد لله، قصة الخضر مذكورة في القرآن الكريم بصورة موجزة ومختصرة جاء الحديث الصحيح فوضَّح أشياء كثيرة وكثيرة جدًا، وتذكرت الآن ما له علاقة ببحثنا، وهو يؤكد وجهة نظري أنا على الأقل، وأنا لا أنسى أنه أنا طلبي منك أن يفهم الناس رأيك في الموضوع كجواب عن سؤال وجه إليك.
[ ٣ / ٨٥١ ]
السائل: أنا أتحدث
الشيخ: معليش، فأنا قلت: لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله حقًا، وكما جاء في الكتاب والسنة أن يعتقد بأن الله ﷿ أعطى لنبيه ﵇ علمه الغيبي كله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها عِلمُه، أي: علم الرسول، لأن الله علمه ذلك، هذا لا يجوز لمسلم أن يقول ذلك، بمعنى: لا فرق عندي بين من يقول: إن الله عالم الغيب كما في القرآن الكريم وهذا حق، وبين من يقول: إن الله علمني علم الغيب وهذا اكتساب من النبي من الله، أن الله علمه، فعلم الرسول حادث وعلم الله ﷿ قديم واجب الوجود، لا يكفي هذا التفريق، فلا يجوز أن نقول: إن النبي - ﵌ - تَعلَّم كل شيء مما كان ومما سيكون إلى يوم القيامة بتعليم الله له، لا يجوز أن يقال هذا، لماذا؟ لأن هذه مشاركة أو تشريك للرسول في صفة من صفات الله لا يسوغ هذا التشريك ولا يبرره أنه والله هكذا الله علمه، أنا هذا رأيي، أنت قلت: لا يجوز، لأن هذا بتعليم من الله لرسوله، فخطر ببالي قبل أن أعيد عليك السؤال السابق حديث الخضر ﵇، وجرى ما جرى بينهما قصة السفينة وقصة، وقصة الجدار وقصة الغلام، بعد أن انتهت القصة صعد السفينة فأرسل الله طيرًا وقف على حرف السفينة فنقر بمنقاره من الماء قطر قطرات فقال الخضر ﵇ لموسى: ما علمي وعلمك بالنسبة لعلم الله إلا كهذه القطرة التي التقطها الطير من البحر. فالعلم الإلهي في المثال هنا هو البحر وعلم الأنبياء والرسل هو قطرة من القطرات، فلا يجوز بارك الله فيك أن يقول مسلم: أنه لا، أنا أعتقد بظاهر حديث مسلم أنه الله علَّم الرسول ﵇ كل ما هو كائن إلى يوم القيامة بدون تقييد بالنصوص الأخرى.
[ ٣ / ٨٥٢ ]
فأنا سألتك ولا أزال أسألك: هل تعلم أحدا ًمن علماء المسلمين الذين نقلدهم سواء في العقيدة، أهل الحديث، الأشاعرة، الماتريدية، أو فقهاء .. إلخ، قد قال بهذا القول الواسع الشامل، مع الاستثناء الذي قلته وهو أن الله علمه، فعلم الرسول حادث، هل تعلم من قال ذلك من المسلمين؟
السائل: الصحابي راوي الحديث.
الشيخ: هذا ليس جوابًا بارك الله فيك.
السائل: ولا أحتج بتابعي على صحابي، لقول الصحابي، قال: ما من سرية وهو المجموعة الصغيرة إلا وأخبرنا عنها وعن قائدها، ثم كانت تمر بي الحادثة
الشيخ: إذا سمحت يا أبا عبد الرحمن نحن سمعناه منك، لكن الذي نريده منك ونرجو أن نحظى به ما سمعناه، أنت تفهم من الحديث هذا الفهم.
السائل: أنا أفهم ما قاله الصحابي.
الشيخ: هذا تكرار يا أخي بارك الله فيك، هذا تكرار لثالث مرة أو رابع مرة، هذا أنت تفهمه من الحديث، أنا أفهم من الحديث أن المقصود به أصول ورؤوس الأمور الغيبية وليس كل التفاصيل التي جرى بها الخلق، ما هو كائن وما سيكون إلى يوم القيامة، فأنا الآن مختلف معك في الفهم، معليش أنا أختلف معك وأنت تختلف معي في الفهم، ولكن نريد ما يدعم فهمك أو فهمي، ما هو الدعم؟ قال الصحابي، قال التابعي، قال الإمام المجتهد: أبو حنيفة .. مالك .. الإمام الشافعي .. الإمام أحمد .. إلخ، لا أرجوك ولا أطلب منك أبدًا أن تكرر على مسامعي رأيك، فإني فهمته كما أرى هذا النور.
[ ٣ / ٨٥٣ ]
السائل: أنا أرد عليك؛ يبقى الحديث على ما هو عليه، إلا إذا احتاج شيء يخرجه عما هو عليه، فالحديث يفيد الشمول ويفيد الكلية، فأنا أطالبك بما طالبتني به.
الشيخ: هذه رابع مرة.
السائل: أنا أطالبك بما طالبتني به، هات لي أيضًا صحابي أو تابعي أو إمام أو مجتهد قال بأن الحديث يعني مجملات الأمور ورءوس الأشياء.
الشيخ: أنا قلت آنفًا.
مداخلة: اتق الله يا أخي.
السائل: الشيخ ليس قاصرًا عن الإجابة.
الشيخ: إن شاء الله، أنا أجبت عن هذا السؤال.
السائل: أنت طالبتني وأنا أطالبك.
الشيخ: يا أبا عبد الرحمن الله يرضى عليك.
السائل: الحديث على شموليته يحتاج إلى تخصيص، المُطالَب
بالتخصيص أنت.
الشيخ: يا أبا عبد الرحمن! القضية ليست مبارزة، ولا هي مصارعة، نحن لا نعرف ما في قلبك، نسمع من لفظك، بس أنت لما قلت لك: أنا أجبتك عن هذا، تقابلني أنت: وأنا أجبتك، لا، أنا أريد أن ألفت نظرك إلى ما سبق في تضاعيف كلامي لما قلت لك: قال الله ﷿: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن:٢٦، ٢٧) قلت: الغيب هنا لا يعني كل الغيب وإنما بعض الغيب.
[ ٣ / ٨٥٤ ]
السائل: ما الدليل على ذلك؟
الشيخ: اللغة العربية التي نفهمها، أنت الآن تقول لي هنا: ما هو الدليل؟ الدليل هو تفسير القرآن الذي تلقيناه خلفًا عن سلف، أنت هل تعتقد وهذا يأخذنا إلى موضوع الحقيقة لعله هذا الشيء الذي نحن مختلفون فيه الآن هو فرع من ذاك الموضوع، وأرجو أن أكون متوهمًا أنه نحن وإياك الآن مختلفون في شيء هو أصل من أصول الشريعة، وأرجو أن أكون واهمًا، لأن هذا من مصلحتنا، أنه إذا كنت واهمًا في ذلك الشيء الذي سأدلي به أننا سنتفق أخيرًا أنه لا يجوز نحن نفسر حديث مسلم بهذا التفسير الشامل الواسع، ذلك هو: هل يجوز لمسلم بعد خمسة عشر قرنًا أن يأتي إلى نص في القرآن أو في السنة ويفسره منخلعًا عن كل هذه الجهود العلمية التي ورثناها عن سلفنا وخلفنا ويأتي برأي من عنده ويقول:
هذا رأيي يفسر به كتابًا أو آية أو حديثًا نبويًا ولاَّ الأمر كما قلنا في تضاعيف
كلامنا السابق:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
وكما قال بعضهم ولم نذكره آنفًا، والآن جاءت المناسبة:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذرًا من التعطيل والتشبيه
فالآن ألست مؤمنًا مَعَنا أن كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع
من خلف؟
السائل: [هذا الذي] عليه المسلمون.
[ ٣ / ٨٥٥ ]
الشيخ: الحمد لله، أعود إلى السؤال الأول: هل تعتقد بأنه يجوز للمسلم أن يفسر نصًا من كتاب أو سنة تفسير من عنده؟
السائل: طبعًا لابد من تفسيره إما بالكتاب وإما بالسنة.
الشيخ: لا لا، هذا غلط، جواب خطأ، لأنك تقول: تفسير بالكتاب، أنا أسألك: هل يجوز أن تفسر الكتاب بفهمك الخاص أن تستند كما قلنا إلى السلف الصالح الذين فسروه.
السائل: الذي مثلي قاصر لا يستطيع أن يفسر الكتاب برأيه، لأنه ما فيش صفات الاجتهاد، ولا لغة عربية شاملة.
الشيخ: جميل جدًا، إذًا: لا يجوز لإنسان أن يفسر آية أو حديث إلا وقد دعم رأيه وتفسيره بشيء منقول عن السلف، وإلا وقعنا في الانحراف الذي أشرنا إليه آنفًا في التصوير النبوي الجميل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣).
أنت تعلم أن هناك كتب في العقائد على اختلاف المذاهب كما أشرنا آنفًا، لن تجد من يقول بأن علم النبي مساوي لعلم الله مع التفريق الذي ذكرته.
السائل: الغيب بعض من علوم الله، وليس علم الله
الشيخ: أرجوك ما تعيد علينا، نريد شيئًا جديدًا.
السائل: الغيب هو بعض علوم الله، هو ليست كل علوم الله ﷿ محصورة بالغيب.
الشيخ: كيف؟
[ ٣ / ٨٥٦ ]
السائل: يعني: علم الله ﷿.
الشيخ: علم الله يتعلق بالمعدوم أم بالموجود؟
السائل: الله ﷾
الشيخ: أرجوك يا سيد جاوب عن سؤالي: علم الله يتعلق بالموجود
أم بالمفقود؟
السائل: بالموجود.
الشيخ: ما معنى كلامك إذًا؟ الموجود هو الذي جرى به القلم.
السائل: يعني: كل ما نراه هو بس علم الله ﷿، بس هذا هو علم الله
﷿؟
الشيخ: كل شيء جرى سبق في علم الله أنه سيكون فهو يعلمه، أما الذي لم يجر في علم الله أنه.
السائل: إذا كان علمه هو ما جرى به القلم بس فقط فهذا أطلع الحق ﷻ الصحابي يقول: بما كان وما يكون.
الشيخ: رجعت حليمة إلى عادتها القيمة.
السائل: نفس الشيء، وبعدين الشطرة .. التي سيقت عن الإمام البوصيري: ومن علومك علم اللوح والقلم، القلم كتب بما كان وما هو كائن، والصحابي يقول: حدثنا بما كان وبما هو كائن، فإذًا: البوصيري له سند في هذا.
الشيخ: على كل حال نحن الآن ندعك لتفكر وتدعنا لنفكر، ندعك لتفكر
[ ٣ / ٨٥٧ ]
فيما طرحت من رأي، وتدعنا نفكر فيما سمعنا من رأي لعل الله ﷿ يهدي الضال منا، وأنا ما أقول كما قلت أنت آنفًا غمزًا ولمزًا: أنه ما أحد كفره ولا أحد شركه، لكني أقول بلسان القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤)، لذلك اسمح لي، أنا أقول عن نفسي أنا بارك الله فيك.
السائل: هذه قيلت في حق الكافر.
الشيخ: أنا أقول عن نفسي.
السائل: فلذلك غفر الله لنا جميعًا.
الشيخ: أنا أسألك الآن خاصة على منهجك: الضلال محدود أم
غير محدود؟
السائل: نحن ما وصلنا إلى علم المنطق ولا إلى غيره.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله.
السائل: أقول: نحن وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، أنا أترفع عن
هذا القول.
الشيخ: أنا أقول القرآن، يا شيخ الله يهديك، أتعرف شيء عند العلماء
اسمه اقتباس.
السائل: هذه قيلت في حق المشركين.
الشيخ: في شيء عند العلماء اسمه اقتباس تعرفه؟
مداخلة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الشيخ: ولذلك أسأله: الضلال عندك ..
[ ٣ / ٨٥٨ ]
السائل: يا شيخ هذه الآية وردت في حق الكافر.
مداخلة: اتفاق العلماء كلهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
السائل: ما يصير تقيس مؤمن تستشهد عليه بهذه الآية.
الشيخ: نحن لا نقيس يا شيخ الله يهديك، أنا لو ..
السائل:
الشيخ: معليش معليش، اسمح لي قليلًا، نريد نضع النقطة على طريقة المحدثين، دائرة ووسطها نقطة إن شاء الله.
ما أرجو الحقيقة أنا في الواقع وأنا رجل صريح كما يعلم إخواني هنا أني سمعت من سميي أبو عبد الرحمن ما كنت لا أراه في المنام مسموعًا، وأقول ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن بجانب هذا أقول: أن الجلسة كانت ممتازة من حيث طريقة الأخذ والرد، لأنا نحن اجتمعنا مع كثير من أمثاله ولا مؤآخذة ممن يغالون في الأنبياء بل وفي غير الأنبياء، لكن مع الأسف الشديد كان لا يمكن أبدًا نمشي دقائق معدودات، فأنا أشكره من هذه الحيثية حيث مكننا من أن نفهم منه وأن يفهم منا، ونخرج من المجلس كل على بصيرة فيما قال فلان وقال فلان، هذه مزية يجب ألا تهدر، ويجب أن تحفظ؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) وأنا أرجو منه ألا يأخذ من الآية الشطر الأول، لأنه قصدي أنا الشطر الثاني، وهو (اعدلوا هو أقرب للتقوى) ما يقول أنت تطبق علي الآية، (لا يجرمنكم شنآن قوم) أي بغض قوم فيقول: أنت بغضتني.
[ ٣ / ٨٥٩ ]
السائل: لا لا.
الشيخ: إنما أنا قصدي من الآية: اعدلوا هو أقرب للتقوى.
السائل: العلم دائمًا متزن بالحلم وهذا نعهده فيك
الشيخ: جزاك الله خيرًا، تفضل يا أخي.
مداخلة: للتذكير بس حديث النبي ﵊ عندما سمع الجارية التي كانت تنشد وتغني، وتقول:
وفينا رسول يعلم ما في غد
فقال رسول الله ﵊: دعي هذا، وقولي الذي كنت تقولين: فإنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهل الرسول متناقض.
الشيخ: حاشا لله.
المداخل نفسه: لا يمكن إلا بالفهم الذي ذكره شيخنا حفظه الله.
الشيخ: لكن بارك الله فيك، نحن ما سمعنا رأيه في حديث الخضر، ذلك صريح بأن الله يتفرد بعلم الغيب، وأرجو أن تتذكروا ما قال الرجل، عمم علم الله حتى في الأشياء التي لم تخلق، من أجل يكون علمه غير علم الرسول الذي علمه إياه افترض شيئًا معلومًا عند الله، ما هو هذا الشيء، هو الشيء الذي لم يجر به القلم، ولم يكن إلى يوم القيامة.
مداخلة: استذكر في هذا الموضع من الحديث أنه جاء للنبي - ﵌ - ومعه صحيفتان بأهل الجنة وأهل النار، يمكن هذا يوضح على أنه إحدى صور علم الغيب، يمكن إذا ذكرت الحديث ..
[ ٣ / ٨٦٠ ]
الشيخ: هذا صحيح فعلًا.
مداخلة: آيات يسألونك يسألونك قل يسألونك قل، وعلم آدم الأسماء كلها، علم آدم كل الأسماء هذا من أجزاء الغيب.
مداخلة: بس الفكرة أن هذا الحديث كان عن الفتن، عندما صعد النبي - ﵌ - فتحدث عن الفتن أليس كذلك؟
الشيخ: هو كذلك طبعًا.
المداخل: إذًا معنى ذلك هو محصور حسب فهمي وإذا أنا غلطان يصحح، أن الحديث منسوب إلى ما كان وسيكون من الفتن، ما علم .. ما قال له على الكمبيوتر ماذا يصير فيه.
السائل (أبو عبد الرحمن): النبي ﵊ عندما في الصبحيات تأخر عنهم في صلاة الفجر، ثم قام وأردوا أن يقوموا عن الصلاة بعدما صلوا وخلصوا قال: علام الحديث يرويه الشيخ بلفظه أنا لا أذكر لفظه.
الشيخ: ما عليك، يكفينا المعنى تابع.
السائل: فيم يختصم الملأ الأعلى، فقلت: لا أعلم، قال: فوضع كفيه بين كتفي بلا كيف ولا تشبيه حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت كل شيء، فسألني، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: في الكفارات وكذا وكذا علم كل شيء، وبعدين: أوتيت علم الأولين والآخرين، فنحن مختلفين في الواقع ليس مختلفين، احنا عندنا الفهم في الحديث، هذا الذي كنا مختلفين فيه، أن الصحابي يقول كذا، ويقول: تمر علي الحادثة فأتذكرها كما يتذكر النائم
[ ٣ / ٨٦١ ]
شيئًا يراه في المنام أو شيئًا مثله، معناه حوادث بسيطة وحوادث كبيرة لا يحتاج إلى تذكير، ثم حدثنا بكل سرية ومن هو قائدها، فهذا احنا نقول إذا كان الولي يقول فيه الله ﷾ في الحديث القدسي: حتى أكون سمعه وبصره الذي يسمع به ويبصر به، ويده التي يبطش بها، فهذا لا يعني أنا لما نُكْسِبُ العبد شيئًا من الله ﷿ أن نجعله إله أو شريك، والمعروف أن صفة رؤوف فعول ورحيم فعيل، والثنتين للمبالغة، وهي تعني المبالغة في الحدوث لا بالمبالغة في المشاركة، فالنبي ﵇ رؤوف وهو رحمة وعين الرحمة.
الشيخ: لا، ما تقول عين الرحمة، قل: رحمة وكفى، الله ما قال: عين الرحمة.
السائل: فهو عليه الصلاة .. رحمة فهو عين الرحمة، يقول: أنا رحمة مهداة، فهذا لا يخرج النبي ﵇ من كونه رسول، بينما رؤوف فعول فهو كثير الرأفة، كثير وإلى الأعلى، ثم رحيم كثير وإلى الأعلى، ومنها رحمن رحيم، منها نقول: أن النبي - ﵌ - رحيم والحق رحيم إذًا يشتركان في المعنى، يشتركان في اللفظ، ولكن كل له مدلوله، انحصرت المشاركة في اللفظ لا تعني المشاركة
في المعنى.
الشيخ: هذا رد عليك، الجملة الأخيرة يا أبو عبد الرحمن لو تأملت فيها لوجدت ردًا عليك، مشاركة في الاسم صدقت، لكن ليس مشاركة في الصفة، الآن أنت قف عند صفة الرحيم والرأفة التي وصف ربنا نبيه بهما: هل تستطيع أن تقول أن رحمة النبي في كيفيتها في شمولها كرحمة رب العالمين الرحمن الرحيم، أم تقول؟
السائل: طبعًا لا.
[ ٣ / ٨٦٢ ]
الشيخ: والغيب كذلك.
السائل: الرحمة حادثة مخلوقة.
الشيخ: والغيب كذلك، لا حول ولا قوة إلا بالله، أرجوك ما دام أنت تقول: نحن نريد أن نعرف الحق، لماذا تدير الموضوع حول القضية لا خلاف فيها، نحن ما فيه خلاف أن هذا مخلوق، لكن الخلاف هذا المخلوق يساوي ذاك الذي ليس بمخلوق، أنت قلت الآن في الرحمة طبعًا لا، لماذا لا تقول في العلم طبعًا لا؟
السائل: أنا قلت أنه علم أزلي علم الله ﷿؟ طبعًا لا.
الشيخ: وتقول رحمة الرسول أزلية؟
السائل: طبعًا لا، حادثة، وعلمه حادث.
الشيخ: لكن ليس هذا البحث الله يرضى عليك، ليس هذا البحث، البحث صفة الرحمة في عمومها وشمولها كصفة رحمة الرحمن، تقول: لا.
السائل: طبعًا لا.
الشيخ: وهذا نحن معك، لكن تخالف وتقول: العلم الإلهي الذي هو صفة من صفات الله أن الرسول يشارك الله في هذه الصفة.
السائل: لا لا،
الشيخ: اسمح لي يا أخي، أنا أكمل كلامك، أنا أعيد عليك بضاعتك، أنت تقول: أن علم الرسول بالغيب يساوي علم الله، والفرق أن هذا مخلوق وذاك غير مخلوق، هذا قولك.
مداخلة: يعني يساوي علم الله بالغيب إلا الله ﷾
[ ٣ / ٨٦٣ ]
الشيخ: الآن نريد نرجع للقاعدة التي اتفقنا عليها بارك الله فيك، وهي: أنا ما يجوز لنا نفسر بآرائنا وأفكارنا، أنت الآن تفهم من كلمة حديث معاذ بن جبل الذي ذكرته أخيرًا عندما وضع رب العالمين كفه بين يديه .. إلخ، فعلم كل شيء، هذه الكلية هل هي كلية علم الله ﷿ من حيث الكلية والشمول، أم دون ذلك؟ أرجو جواب يكون واضح.
السائل: يجيبك الحديث الذي ساقه الصحابي.
الشيخ: ما يجاوب.
السائل: بما كتب القلم إلى يوم القيامة.
الشيخ: نقف عند هذا، أنت تجعل هذا الكلام الذي أنت تعتقد [أن] فيه تفسيرًا لكلام البوصيري، هذا التفسير يصح فيما لو كان كما قلنا: فإن من علمك علم اللوح، هو يقول: من علومك، وأنت آنفًا جعلت علم الله علمين: علم موجود وعلم ما نعرفه نحن، فهو جعل هذا العلم الموجود من علم الرسول وهناك علم آخر، فأنت الآن تدافع عن كلام البوصيري، أنت دافع عن البوصيري ما شئت، نحن ما عندنا خلاف، وما فيه عندنا عداء أبدًا بيننا وبين مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن لا تدافع عن خطئه، من أجل ماذا؟ هو خطاء، وخير الخطائين التوابون، هو يقول: ومن علومك، أنت الآن تجعل كلامه: ومن علمك علم اللوح والقلم، أي: الفرق بينك وبين البوصيري واضح جدًا، أنت تجعل
من علم الرسول علم اللوح والقلم، أي: علمه، وليس من أيضًا، لأنه من في العلم
هي تبعيضية.
السائل: وقد تكون بيانية.
[ ٣ / ٨٦٤ ]
الشيخ: اسمح لي، أنت تجعل، فيه فرق بينك وبين البوصيري، أنت تدافع عنه أنت تدافع عن كلامه، أنت تقول: العلم المسطور الذي سطر بالقلم عَلِمَهُ الرسول ﵇.
[نقول ذلك] جدلًا ولا نبارك لك فيه طبعًا، لأن هذا خلاف عقيدة المسلمين جميعًا، لكن أنت تدافع عن البوصيري الذي يقول: من علومك علم اللوح والقلم، وأنت لا تؤمن بهذا، هل تؤمن بكلام البوصيري على ظاهره.
السائل: أنا أقول.
الشيخ: أسألك بارك الله فيك.
السائل: وقد تكون من للتبعيض يا شيخ.
الشيخ: لا لا، علوم لفظة العلوم.
السائل: من قد تكون بيانية.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا أخي قد تكون بيانية والعلوم جمع
أم مفرد؟
السائل: طالما فيه وجه يا شيخ طالما فيه وجه أن لا نحرج الرجل في كلامه
الشيخ: رجعت إلى ما نفيناه، لا تتكلم عن الرجل، نحن لا نتكلم عن الرجل، نتكلم عن كلامه.
السائل: يا شيخ! البوصيري يقول: دع ما ادعته النصارى في نبيهم، هذا موافق لحديث النبي ﵇: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم.
[ ٣ / ٨٦٥ ]
الشيخ: ما جاوبت يا أستاذ، هذه حيدة تتسجل عليك، نحن نسألك: أنت لا تقول بقول البوصيري، هو يقول: من علوم الرسول علم اللوح، أنت تقول: علم الرسول هو ما في اللوح، وشتان بينك وبينه، فإن كنت ما تتكلم به لا يزيد عما في نفسك فإذًا: يجب أن تعترف أن هذا الكلام خطأ، لا تكفره ولا تشركه، وهذا ما يهمنا، لأن مصيره إلى الله، لكن هذا الكلام الذي يتبرك به المسلمون ويضعون الماء في الشربة في المجلس الذي يتلى عليه هذا الكلام المخالف للشرع هذا يجب أن تنكره لأنه خلاف رأيك، خلاف عقيدتك، وإلا فعقيدتك مثل عقيدته، أي: أنت تعتقد إن سَلَّمت بكلام البوصيري أنت تعتقد أنه علم الرسول ﵇ بما كان وما سيكون هو جزء من كل، ليس هو الكل، وإلا ستقول: أخطأ البوصيري في قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم، هذا لو سلمنا لك بقولك أن الرسول ﵇ أحاط بكل ما كان وما سيكون علمًا إلى يوم القيامة، لكن هو البوصيري يزيد عليك، فواحدة من ثنتين: يا تقول البوصيري مخطئ لكن هو لا معنا ولا معك، تقول هكذا نقول لك: أنت أنصفت ولو مرة واحدة، أما تقول أنا أدافع عن البوصيري لأنه الله علم الرسول ما كان وما سيكون ليس هذا قول البوصيري: من علوم، فهل تستطيع أن تقنعنا قبل أن نخرج أنك متفق معنا أن هذا الكلام لا هو قرآن ولا هو حديث عن الرسول ﵇، إنما هو كلام رجل، وقد يخطئ وقد يصيب، إن اجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، فهل عندك من الجرأة الأدبية بل الاعتقادية أن تقول: أخطأ في قوله: من علومه ولو كان مأجورًا في ذلك إذا كان هو قاصد مجتهدًا، فنرجو هذا الاعتراف.
السائل: أنا ما وصلت في الناحية اللغوية حتى [أخطئه] ولا أنا في مستوى علمه ولا أعلمه، أنا طالب علم.
[ ٣ / ٨٦٦ ]
الشيخ: نحن نراك أكثر من هذا، لأنك تقول ما لا يقوله أحد.
السائل: فلذلك أنا لا أنصب نفسي حكمًا.
مداخلة: شيخنا قبل ننتقل، فيه نقطة بنفس الحديث الذي تفضلت في ذكر أنه في مسلم الذي تفضل به أخونا في الحديث نفسه أن الصحابي الراوي قال: حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، إذًا: فيه من الصحابة حفظوا هذا الحديث، والذي نعتقده يقينًا في الصحابة أمناء الشريعة الذين حفظوا لنا الإسلام وما رواه سيد الأنام وكان أحدهم يلتقط لفظ رسول الله ليبثه للناس، هل كانوا يكتمون هذا الذي قاله الرسول من هنا إلى قيام الساعة ما كان وما يكون، إذًا: لابد أنهم قالوا، ولم يقولوا، ها هي الكتب بين أيدينا الصحيحان والكتب الستة والمسند لم يقولوا هذا الذي ذكره من كل هذه التفاصيل، إنما هي عيون الأشياء كما تفضل الشيخ.
الشيخ: أنا أزيد عليك، هات الأحاديث الصحيحة التي تجمع الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة والأحاديث الضعيفة والأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله، فهي لا تساوي قطرة مما في اللوح المحفوظ، يا جماعة أمر رهيب جدًا أن يخرج المسلم في عقيدته عن النقل وعن العقل، العقل لا يتسع أن يقبل أصحاب الرسول طبيعتهم أنهم ينقلوا هذا العلم الذي لا يحيط به البشر كله، البشر كله بما فيهم من أنبياء ورسل وأولياء وصالحين مستحيل أن يحيطوا بما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، هذا أمر مستحيل.
مداخلة أخرى: محاضرة الرسول نصف ساعة أو ساعة ما الذي يمكن أن يقال فيها، ربما رؤوس أقلام، أنه في آخر الزمان.
الشيخ: هو هذا، رؤوس أقلام.
[ ٣ / ٨٦٧ ]
مداخلة أخرى: هل من الجائز أن يحاط علم الله بحديث يوم؟
الشيخ: مستحيل هذا يا جماعة، مستحيل.
مداخلة أخرى: أمتي أمتي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. معناه أنه لا يدري.
الشيخ: طيب جدًا.
السائل: هذا الحديث لابد من تأويله.
الشيخ: الله أكبر، يا شيخ أوِّل بارك الله فيك.
السائل: يا شيخ ما سمعت مني هذا.
الشيخ: سمعت منك كلمة التأويل.
السائل: هل تحكم علي قبل أن أتحدث؟
الشيخ: لا، أنا سمعتك تقول: نؤول، نقول لك: لماذا لا تؤول ما استندت إليه من نصوص تأخذها بأدلتها العامة، أنا الآن لما سألتك أخيرًا بعض الأسئلة قلت: أنا لست بذاك العالم، وأنا لا أنصب نفسي لأكون حكمًا، ولماذا تنصب نفسك للدفاع عن رأي لك أول ما تسمع نصًا وتشعر في أن عندك استعداد للجواب عنه تبرز وتجاوب عنه، وحينما تُسأل سؤالٌ وما عندك جواب قلت: أنا لست عالمًا أنا طالب علم، والله أنا وكل إخواننا طلاب علم، فيكم إنسان يقول [أنا عالم؟!] مهما الإنسان طلب من العلم فهو لا يزال طالبًا للعلم، فإذا قال: علمت فقد جهل، كلنا طلاب علم، لكن ما نتخلص من الحجة بكلمة: أنا طالب علم، أنا ما أنصب نفسي حكمًا، أنا قلت لك مرارًا: اسمح لي أكمل كلامي، وهذا كما تعلم من أدب المجلس أيضًا، فالرجل ذكرنا جزاه الله خيرًا بحديث، رأسًا قلت: هذا الحديث
[ ٣ / ٨٦٨ ]
نؤوله، أنا أخذت هذه الكلمة وكفاني، لماذا تؤول هذا النص ولم ترض بتأويل النصوص التي قلناها لك، تقول: الصحابي أدرى، نقول لك: ما اختلفنا أن الصحابي أدرى، لكن ما معنى كلام الصحابي؟ تقول: العموم والشمول، على هذه المزلقة نأتي لك بآية من القرآن ما رأيك في هذه الآية، يمكن تقول: والله أنا ما أنا عالم، أنا طالب علم.
الآن في آية وأنت يبدو والحمد لله أنك حافظ للقرآن، ما الآية كلها التي تقول: ما تذر من شيء إلا جعلته كالرميم من يحفظها؟
مداخلة: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (الذاريات: ٤١، ٤٢).
الشيخ: أحسنت جزاك الله خير، (ما تذر من شيء) هذا عموم أم خصوص؟
السائل: عموم.
الشيخ: طيب، ما تقول بعمومه أم بِتْخَصِّصُه؟
السائل: لا أعلم.
الشيخ: هذا الذي ظننته، لما تسأله سؤال علمي، يقول لك: لا أعلم، لما تَحتَكُّ القضية برأيك وعقيدتك وأنت فيها على خطر تقول: ندع النص على عمومه، لماذا لا تدع هذا النص على عمومه ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الذاريات: ٤٢) (ما) وبعدها (من شيء) نفي يتبعها الحصر، هذا نص عام، لكن علماء التفسير بارك الله فيك يأتون يقولون لك: «ما تذر من شيء» أراد الله ﷿ أن يمحوه من وجه الأرض، وإلا من هذه الأشياء أرض الله الواسعة، فهل أهلك الأرض كُلَها وجعلها هباء منثورًا كما سيكون شأن هذه الأرض والكواكب الأخرى يوم القيامة؟ طبعًا
[ ٣ / ٨٦٩ ]
لا، فالعلماء هم المصابيح، فيجب أن نعتد برأيهم وتفسيرهم، ما نستقل في فهم ونقول: هكذا الصحابي قال؛ آمنا الصحابي قال هكذا، لكن هل أراد العموم أم الشمول، آمنا بأن الله قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الذاريات: ٤٢) أنه قال، لكن هل المعنى هو العموم والشمول، الجواب هنا: لا، الجواب هناك: لا، لماذا؟ لأن الأدلة الأخرى إذا جمعناها كلها تدلنا على أن علم الله لا يساويه علم عالم في الدنيا، ولا ينجيك من المخالفة أن تقول: علم هذا العالمَ الله أعطاه إياه، وليس من ذاته، وعلم الله من ذاته، هذا لا يجوز أبدًا.
وحسبك ختامًا ولو مللنا إخواننا بطول الكلام أرجوك أن تُفكِّر فيما قلت آنفًا جوابًا عن سؤالنا، أن الرسول رؤوف والرسول رحيم، وصدق الله العظيم، لكن لما سألناك: هل رحمة الرسول كرحمة الله؟ قلت: لا، هل علم الرسول ﵇ كعلم الله؟ ما قلت: لا.
السائل: قلت لا
الشيخ: اسمح لي، يا أخي الله يرضى عليك، أنا أقرأ الآية ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون: ٤) أعوذ بالله، أسمع مني أكمل الكلام، قلت: علم الرسول كعلم الله من حيث الإحاطة والشمول، لكنه حادث، هذا قلته، وكما تقول: كلامك مسجل، أنا أعيد عليك هذا الكلام وأقول: كلامك مسجل، لذلك أرجو أن تفكر في هذا الاعتراف الصريح، رحمة النبي لا تساوي رحمة الله، رأفته لا تساوي رأفة الله، علم الرسول لا يساوي علم الله، ومعنى ذلك أنه لا يعلم بكل شيء كما تحتج بحديث معاذ وغيره، وهذا الدليل المانع من أن تقول: احفظ حديث الخضر ﵇: مثل العلم البشري والعلم الإلهي كقطرة من بحر، والحديث الذي ذكرته حضرتك ما هو.
[ ٣ / ٨٧٠ ]
مداخلة: لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا وقولي
الشيخ: أي نعم لا يعلم الغيب إلا الله.
السائل: الحديث الذي ساقه [حديث الحوض] وهو قول النبي ﵊، فهو النبي يخبر عنه، هو النبي يخبر عنه، فكيف لا يعلمه، هو يخبر.
الشيخ: الله أكبر.
السائل: هو يخبر، فهو طالما يخبر يقول: ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأقول: هلم هلم.
الشيخ: أنا أسمع لك لكن اسمع لي أنت فيما بعد.
السائل: فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا، الآن النبي ﵇ ألا يحدث، يحدث عن شيء سيكون، فهو يخبر عنه؟
الشيخ: لا.
السائل: لا يخبر عنه.
الشيخ: لا، يخبر عنه إجمالًا كما نقول نحن، ولا يخبر عنه تفصيلًا كما تزعم أنت، وهذه حجة قاصمة الظهر في هذا الموضوع إذا كنت صحيح تريد تكون منصفًا، هو يخبر إجمالًا؛ لأن الله ﷿ أعلمه بما يكون مجملًا، وهذا من الأحاديث الذي يؤيد تفسيرنا لحديث حذيفة وغيره مما جاء في مسلم، هو يعلم إجمالًا ولا يعلم تفصيلًا، ولذلك يقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأرجو منك قليلًا من الإنصاف يا أبا عبد الرحمن، اليوم دنيا وغدًا آخرة، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وأنا أراك مثل حكايتي؛ ابيضَّت، وما بيننا وبين القبر إلا شبر،
[ ٣ / ٨٧١ ]
ولذلك يجب أن تراجع نفسك، هذه عقيدة تخالف الكتاب والسنة وإجماع المسلمين خلفًا وسلفًا، وربنا ﷿ يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥)، عائذًا بالله ﷿ أن يكون أحد في هذا المجلس ممن خرج عن سبيل المؤمنين.
مداخلة: أستاذنا على التأويل الذي ذكره الحاج الله يجزيه الخير، أن الرسول ﵇ يحدِّث عن هذا، واستدل من هذا التحديث أنه يعلم، فنحن نقول: هذا الذي حَدّث عنه الرسول ﵊ سيحدث أم لم يحدث؟ سيحدث، فإذا سئل النبي ﵇ وقال: أصحابي أصحابي، ماذا سيقال له؟
السائل: إنك لا تدري ماذا
الشيخ: كذبت كذبت كذبت.
مداخلة: لا تدري، هل كذب رسول الله ﵊، إذًا: إذا قلت بواحدة جانبت الصواب في الأخرى، وإن أصبت في الأخرى أخطأت في الأخرى
الشيخ: الحقيقة يا إخواننا أن أخانا أبا عبد الرحمن إن شاء الله ربنا ﷿ يهدينا وإياه إلى سواء الصراط قال كلمة حق: أنه هو طالب علم وليس بعالم، وأنا أعترف أنه مثلي طالب علم، ولكن يجب عليه أن يدرس اللغة العربية وأساليبها، فأنا إذا قلت له الآن: أن في علم اللغة شيء يقال فيه: هذا من إطلاق الكل وإرادة الجزء، يا ترى تعرف أنت هذا الأسلوب في اللغة العربية؟
السائل: لا.
[ ٣ / ٨٧٢ ]
الشيخ: هذه المشكلة، فلما الرسول ﵇ يقول: (الحج عرفة) الذي لا يعرف اللغة العربية ماذا يقول؟ إذا حجيت [أصعد عرفة] وبس انتهى الموضوع لكن الأسلوب العربي يقول: أَطْلَقَ الكل: الحج، وأراد شيئًا من الحج وهو عرفة، لماذا؟ لأهميته هذا الشيء، فمهم جدًا أن الله يعلم رسوله ﵇ عن بعض أعلام الغيب ويعلم أصحابه بذلك، أما عن كل كبير وصغير، هذا أمر كما قلنا ولا نؤيد ما قلنا وكفى: مشاركًا لله في الصفة، مع الفارق الذي هو يتمسك به ويدندن حوله، كذلك أيضًا إذا قال الله ﷿: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: ٧٨) قرآن الفجر يعني: تلاوته، لكن ما هو هذا المقصود، المقصود صلاة الفجر، سبحان الله! يقول لي: لماذا أنت تؤول القرآن، القرآن يقول: وقرآن الفجر، أنا أقول: هكذا قرآن الفجر، لا، أنا أقول له: صلاة الفجر، هو يقول لي: هكذا اللغة، لا، أنت ما تعرف اللغة، مع الأسف العرب اليوم كثير منهم نسي لغته العربية، وما نحن فيه الآن يكفي ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: ٧٨) الصلوات الأربعة ذكرت في أول الآية، وعطف عليها قرآن الفجر، أي: صلاة الفجر، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: ٧٨) أي: صلاة الفجر ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ٧٨) هذا بارك الله فيك أسلوب في اللغة العربية كما قال ذلك الصحابي أقول اقتباسًا منه: عرفه من عرفه وجهل من جهله، فيطلق العموم ويراد الخصوص، يطلق الكل ويراد الجزء، فهذا أساليب في اللغة العربية نحن إذا جهلناها انحرفنا كثيرًا وخطيرًا.
مداخلة: الله يجزيك خيرًا شيخنا.
"الهدى والنور" (٢٩٢/ ٢١: ٤٧: ٠٠) و(٢٩٣/ ٥٤: ٠١: ٠٠)
[ ٣ / ٨٧٣ ]
[٢٩٤] باب هل يعلم النبي - ﵌ - الغيب؟
[قال الإمام]:
الأمر عندنا معشر المسلمين أنه ﵇ مميز على البشر بالوحي، ولذلك أمره الله﵎أن يبين هذه الحقيقة للناس فقال في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى هذا كان لكلامه - ﵌ - صفة العصمة من الخطأ لأنه كما وصفه ربه ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وليس هذا الوحي محصورًا بالأحكام الشرعية فقط، بل يشمل نواحي َ أخرى من الشريعة منها الأمور الغيبية، فهو - ﵌ - وإن كان لا يعلم الغيب كما قال فيما حكاه الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) فإن الله تعالى يُطلعه على بعض المغيبَات وهذا صريح في قول الله ﵎: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا
بِمَا شَاءَ﴾.
فالذي يجب اعتقاده أن النبي - ﵌ - لا يعلم الغيب بنفسه، ولكن الله تعالى يُعلمه ببعض الأمور المغيبَّة عنا، ثم هو صلى الله تعالى عليه وسلم يظهرنا على ذلك بطريق الكتاب والسنة، وما نعلمه من تفصيلات أمور الآخرة من الحشر والجنة والنار ومن عالم الملائكة والجن وغير ذلك مما وراء المادة، وما كان وما سيكون، ليس هو إلا من الأمور الغيبية التي أظهر الله تعالى نبيه عليها، ثم بلَّغنا إياها، فكيف يصح بعد هذا أن يرتاب مسلم في حديثه لأنه يخبر عن الغيب؟! ولو جاز هذا للزم منه رد أحاديث كثيرة جدًا قد تبلغ المائة حديثًا أو تزيد، هي كلها
[ ٣ / ٨٧٤ ]
من أعلام نبوته - ﵌ - وصدق رسالته، وردُّ مثل هذا ظاهر البطلان، ومن المعلوم
أن ما لزم منه باطل فهو باطل، وقد استقصى هذه الأحاديث المشار إليها الحافظ ابن كثير في تاريخه وعقد لها بابًا خاصًا فقال: «باب ما أخبر به - ﵌ - من الكائنات المستقبلة وفي حياته وبعدها فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء» ثم ذكرها
في فصول كثيرة (فلتراجع) في «البداية والنهاية» (٦/ ١٨٢ - ٢٥٦) يجد في ذلك هدى ونورًا بإذن الله تعالى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ
إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ
عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ
بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي
مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾.
فليقرأ المسلمون كتاب ربهم وليتدبروه بقلوبهم يكن عصمة لهم من الزيغ والضلال، قال - ﵌ -:
«إن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا» (١).
" مقالات الألباني" (ص ١٥٩ - ١٦١)
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن نصر في «قيام الليل» (ص٧٤) وابن حبان في صحيحة (ج ١ رقم ١٢٢) بسند صحيح، وقال المنذري في «الترغيب» (١/ ٤٠): «رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد». [منه].
[ ٣ / ٨٧٥ ]
[٢٩٥] باب هل يعلم الرسول - ﵌ - الغيب؟
وما حكم الصلاة خلف من يعتقد ذلك؟
سؤال: إمام مسجد يدعي بأن رسول الله - ﵌ - يعلم الغيب فهل يجوز
الصلاة خلفه؟
الجواب:
النصوص القرآنية الواردة صريحة بأن الرسول ﵇ لا يعلم الغيب كما في قوله تعالى: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ والأحاديث الواردة أيضًا مؤكِّدةً لهذا المعنى كمثل الحديث الذي في صحيح البخاري أن النبي - ﵌ - مر بجاريةٍ صغيرةٍ وهي تُغنِّي وتقول: «وفينا نبي يعلم ما في غد» فقال ﵊: «دعي هذا؛ لا يعلم الغيب إلا الله وقولي مثل ما كنت تقولين»، يعني: من الكلام المباح، فإذا بُلِّغَ ذلك ثم أصر على ضلاله فحينئذٍ لا يجوز الصلاة خلفه، نعم.
"الهدى والنور" (١٩/ ٢٦: ٥٠: ٠٠)
[٢٩٦] باب لا يصح
إطلاق القول بأن النبي - ﵌ - عَلِمَ جميع الكائنات
عن عبد الرحمن بن عائش قال: قال رسول الله - ﵌ -:
" رأيت ربي ﷿ في أحسن صورة قال: فبم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت أعلم قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات والأرض وتلا: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾.
[ ٣ / ٨٧٦ ]
[قال الإمام معلقًا على قوله - ﵌ -: "فعلمت ما في السموات والأرض"]:
يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما، وهو عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله عليه، ولابد من هذا التقييد الذي ذكرناه؛ إذ لا يصح إطلاق القول بأنه علم جميع الكائنات التي في السماوات والأرض، كما قال العلامة الشيخ علي القاري (١/ ٤٦٣) وهو الظاهر.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٢٥).
[٢٩٧] باب لا كيف في المغيبات
سؤال: في حديث المعراج عندما فرضت الصلاة على الرسول - ﵌ - وراجعه سيدنا موسى .. كيف كانت المسألة هذه؟
الشيخ: لا كيف بارك الله فيك! الأمور غيبية خذوها قاعدة واستريحوا .. لا كيف في المغيبات، وحسبك أن تقصر فتقول كيف، غيرك يلف ويدور ويحكي كلامًا طويلًا لكن ينتهي إلى هذه الكلمة التي أنت قلت عنها: كيف؟ لا كيف في المغيبات، الإيمان المطلق وفقط بدون تكييف؛ لأنه عالم ما وراء المادة
كما يقولون اليوم .. ما وراء العقل ما يقاس عليه حياتنا هذه المادية والعكس بالعكس أيضًا.
"الهدى والنور" (٢٨/ ٥٤: ٥٩: ٠٠)
[٢٩٨] باب لا يُطَّلع على الغيب بطريق الكشف
[قال الإمام]:
مع كون هذه الطريقة [أي طريقة الكشف] غير مشروعة، فهي من المستحيل
[ ٣ / ٨٧٧ ]
أن توصل إلى الإطلاع على المغيبات بعد ختم رسالة بالنبي - ﵌ - ونزول قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يطهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾، نعم هي في الحقيقة إنما توصل إلى أوهام وخيالات يتوهمونها كشوفًا ومغيبات.
"التعليق على التنكيل" (٢/ ١٩٤).
[٢٩٩] باب هل معرفة جنس الجنين في البطن يتنافى
مع تفرد الله سبحانه بمعرفة الغيب، وإذا قلنا بجواز معرفة ذلك فلماذا يُمنع الذهاب للكهان؟
سؤال: يقول السائل: توجد طريقة علمية لاكتشاف الولد من البنت وهو في بطن أمه أثناء الحمل، فهل هذا صحيح؟
الشيخ: أما هل هذا صحيح أو ليس بصحيح فهذا ليس من اختصاصي؛ لأن هذا له علاقة بعلم الطب، ولكن في حدود ما قرأنا أن القضية لا تزال في حدود البحث والتحقق، وأشعر بأن الدافع على مثل هذا السؤال أن السائل أو غيره يخشى من أن يُصبح ذلك حقيقةً علميةً، فيختلف ذلك أو يتضاد مع النصوص الشرعية التي تُصرِّح بأنه لا يعلم ما في الأرحام إلا الله ﵎، هذا التوهم هو الذي يجعل بعض المسلمين يخشون أن يكون هذا النبأ صحيحًا حين ذلك العلم التجريبي مع العلم الديني، والواقع أنه لا خوف على العقيدة الإسلامية بهذه القضية كما هو الشأن في كل قضايا الإسلام فيما لو ثبت علميًا إمكان معرفة كون الجنين ذكرًا أو أنثى بواسطة من الوسائط أو بوسيلة من الوسائل العلمية التي يسخرها الله ﵎ لمن يشاء من عباده، لا خوف من ذلك؛ لأن المقصود من تفرد الله ﷿ بعلمه بما في الأرحام أمران اثنان:
[ ٣ / ٨٧٨ ]
الأمر الأول: أنه يعلم ذلك علمًا ذاتيًا، أما هذا العلم التجريبي فهو يُعلم بوسيلة من هذه الوسائل التي يخلقها الله ﵎ لمن يشاء من عباده كما ذكرنا، ففرق بين العلم الإلهي حيث أنه علم ذاتي: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (الملك:١٤) فهو ليس بحاجة إلى وسيلة، بينما العباد هم بحاجة إلى أن يتعاطوا كل وسيلة من الوسائل التي يسخرها الله لهم فيطلعون بها على ما يكون عادًة خافيًا على سائر الناس الذين لا يتعاطون هذه الوسائل، فالتفريق بين العلم الذاتي بالغيب أمر ضروري جدًا ينبغي أن نستحضره دائمًا في مثل هذه المسائل التي تشكل على بعض الناس.
فإنكم تعلمون حقيقة علمية لا ريب فيها ولا شك وهي أن كثيرًا من الفلكيين يتنبئون على الكسوف والخسوف قبل أن يقع ليس بشهور ولا بسنة ولا بسنين وإنما هي عمليات حسابية دقيقة جدًا لما سخر الله كما ذكرنا للناس بها يتمكنون من أن يتنبئوا وأن يخبروا الناس بالكسوف والخسوف إلى ما بعد سنين طويلة، ثم إن نبئهم يحتوي عادًة على تفاصيل دقيقة بحيث يقولون: أن الخسوف في المنطقة الفلانية يكون خسوفًا كليًا .. في منطقة ثانية يكون نصفيًا .. في منطقة ثالثة يكون جزئيًا، وهكذا يُرى الخسوف في مكان كذا ولا يرى في مكان كذا إلى آخره، هل هذا الذي أصبح أمرًا ملموسًا لا شك فيه ولا ريب وليس هو كالمسألة التي وُجِّه السؤالُ حولها، الكسوف والخسوف هذا دائمًا نقرؤه في الجرائد ويقع ذلك، فهل هذا من العلم الغيب الذي تفرد الله ﵎ به كما في آيات كثيرة منها: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥)؟ الجواب: لا؛
لأن المقصود بالغيب هنا هو ما يتخيله كثيرًا ممن ينتمون إلى التصوف أو إلى الطرق حيث يذكرون في كتب هؤلاء بأن الولي الفلاني كان ينظر هكذا فيطلع
[ ٣ / ٨٧٩ ]
على اللوح المحفوظ ويقول: فلان يموت وفلان يسعد وفلان يشقى إلى آخره، هذا العلم الذاتي ليس إلا لله وحده لا شريك له في كل شيء، ومن ذلك لا شريك له في علم الغيب.
كنت ذكرت لكم في جلسة مضت قول الله ﵎: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦ - ٢٧) انظروا كيف يقول ويُفرِّق بين علمه ﵎ بالغيب فيذكر أنه يعلم الغيب بذاته، أما الرسل المصطفين الأخيار الذين يأتوننا أحيانًا ببعض المغيبات فعلمهم بها ليس من باب العلم بالغيب ذاتية منهم وإنما بإطلاع الله لهم عليه، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ﴾ (الجن:٢٦) فلا يطلع .. فلا يُعلِم أحدًا على ذلك الغيب ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٧) فإذًا: هذه الأحاديث الكثيرة والكثيرة جدًا التي جاءت في كتب الحديث والتي تدخل بصورة خاصة في علامات الساعة سوًاء ما كان منها من العلامات الكبرى أو الصغرى، هذا ليس من علم الرسول بالغيب؛ لأن هذا كما ذكرنا تفرد الله به ﷾، وإنما هذا من إطلاع الله ﷿ لنبيه على ما شاء من الغيب، إذا عرفنا هذه الحقيقة سَهُلَ علينا أن نفهم أن تنبؤ الفلكيين بخسوف الشمس والقمر هذا ليس من باب الاطلاع على الغيب وليس من باب العلم بالغيب وإنما هو استعمال منهم للوسائل التي سخرها الله لهم فيصلِون بها إلى معرفة ما غاب عن سائر الناس، وهؤلاء الناس هم في الحقيقة لو سلكوا نفس السبيل من التعلم للوسائل التي هم تعلموها فتمكنوا بها معرفة متى يقع الخسوف على التفصيل السابق ذكره لكانوا أيضًا عارفين معرفتهم بالكسوف والخسوف.
فإذًا: العلم بشيء غاب عن الناس بوسيلة من الوسائل التي خلقها الله هذا ليس من باب معرفة الغيب فلا إشكال، هناك مثلًا أمر كنت قرأته قديمًا في بعض
[ ٣ / ٨٨٠ ]
الكتب يمكن أن يكون صحيحًا وهو الغالب: أن الفلاح يمكنه أن يعرف عمر الشجرة بعد قطع جذعها من الدوائر التي يراها في نفس الجذع، فيقولون: بأن كل دائرة تعني سنة، فإذا كان هناك في هذا الجذع دائرتان فهو يقول: عمر هذه الشجرة سنتان، ثلاثة ثلاثة وهكذا، بل كنت قرأت ما هو أدق وأغرب من ذلك: بأنه يمكن معرفة عمر الإنسان بالنظر إلى الخطوط التي تُرى بشيء من الدقة في أظافر الإنسان فكل خط أيضًا يعني سنة، فهذا ما يهمني هل صح أم لم يصح، كمسألة الجنين والاكتشاف أنه ذكر أو أنثى، لكن إن صح ذلك فلا إشكال وليس هو من باب مشاركة الله ﷿ في علم الغيب وإنما هو من طريق استغلال هذه الوسائل التي خلقها الله وتعرَّف بها على ما يَخفى على الناس.
إذا عرفنا هذا فلا يهمنا أبدًا صح طبيًا اكتشاف هوية الجنين أذكر هو أم أنثى أو لم يصح؛ لأنه إن صح فليس ذلك من باب العلم بالغيب وإنما هو من باب استغلال الوسائل التي سخرها الله للإنسان لاستكشاف ما ورائها من الأمور التي تغيب عادًة على سائر الناس.
قلت: أن هذا لا يعني مشاركة الله في الغيب من ناحيتين هذه إحداهما، والأخرى: أن الله ﵎ حينما قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا في الأَرْحَامِ﴾ (لقمان: ٣٤) أي: هو وحده فقط يعلم تفصيليًا، فإن استطاع العلم مثلًا أن يكتشف هوية الجنين هل هو ذكر أو أنثى ولكن هو لا يستطيع أن يحيط علمًا بهذا الجنين مثلًا هل هو سيكون كاملًا أم يكون ناقصًا؟ يعني: خلقه يكون تامًا أم ناقصًا، ثم يعلم ما في الأرحام قبل أن تعلق العلقة هناك أو البويضة كما يقولون بمني الرجل، فمجرد أن يقذف الرجل بمائه في رحم المرأة فالله ﷿ يعرف أن هذا الماء سينعقد أو لا، وإذا انعقد سيكون ذكرًا أو أنثى، وإذا كان ذكرًا أو أنثى هل سيكون خلقه تامًا أم لا، هل سيكون سعيدًا أم شقيًا أم أم إلى آخره، هذه التفاصيل مستحيل على العلم
[ ٣ / ٨٨١ ]
مهما علا وسما أن يحيط بها علمًا، كذلك هو مما تفرد الله به ﷿ وهو المعنى بقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا في الأَرْحَامِ﴾ (لقمان: ٣٤).
مداخلة: تقريبًا بالسؤال، أحد الإخوة يقول: فلماذا حُرِّم إتيان الكهان وهم أيضًا يستعملون بعض الوسائل لمعرفة بعض الغيب عن سائر الناس؟.
الشيخ: ثمة فرق كبير بين المسألتين، الكهان يتصلون بالجان، وكما ثبت في الأحاديث الصحيحة ولعلكم تذكرون ذلك جميعًا أن الجن يسترقون السمع، ثم ينزل أحدهم إلى قرينه من الإنس فيلقي في أذنه ما يكون قد سمعه من السماء مما تتحدث به الملائكة، ثم يضيفون إلى ذلك أكاذيب كثيرة وكثيرة جدًا، فيختلط الحق الذي سمعه الجني من حديث الملائكة بالباطل الذي أضافوه إليه، وألقوا ذلك جميعًا في أذن قرينهم من الإنس، ولذلك فكانوا يستغلون ولا يزالون يستغلون هذا إلى اليوم ليوهموا الناس أنهم يعرفون ما يجهله الناس من العلم بالغيب، ولذلك ولأنهم أضلوا بذلك وضلوا نهى الرسول ﵇ عن
إتيان الكهان وقال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل
على محمد».
أما هؤلاء الأطباء فهم مع أنهم في ضلال مبين بسبب أنهم كفروا برب العالمين ولم يؤمنوا بشريعته التي أنزلها على قلب نبينا ﵇ فهم مع هذا الضلال لا يدعون أنهم يعرفون الغيب، بل هم يصرحون بأنهم كلما ازدادوا علمًا ازدادوا معرفة بجهلهم فشتان بين هؤلاء الذين يتعاطون الوسائل العلمية لمنفعة الناس والكشف عما يضرهم وعما ينفعهم ولا يدَّعون شيئًا من الصلة بعالم السماء شتان بين هؤلاء وبين العرَّافين والكهان الذين حذرنا نبينا ﵊ من الإتيان إليهم وتصديقهم.
"فتاوى الإمارات" (٦/ ٠٠٤٠: ٣٨: ٠٠)
[ ٣ / ٨٨٢ ]
[٣٠٠] باب الإخبار بما في نفس الغير من خصوصياته تعالى
وبيان الفرق بين ذلك وبين الإلهام والفراسة
[قال الإمام]:
الإخبار عما في نفس الغير ليس من الجزئيات القريبة، بل هو من خصوصيات الله ﵎: ﴿تعلم ما في نفسي ﴾ فيستحيل أن يصل إلى هذه المرتبة من يتعاطى الرياضة من مؤمن أو كافر، ونحوه الإخبار بموت الغائب، أو بقدومه، نعم هذا الأمران، الأخيران ونحوهما قد يكون من وحي الشيطان الجني الذي يسترق السمع إلى الشيطان الإنسي، أو يمكنه بحكم جبلته أن يطلع على موت فلان، قبل أن يطلع عليه البعيد عنه من بني الإنسان، فيخبر به من يريد أن يضله من الإنس ومثله قدوم الغائب، ومكان الضالة ونحو ذلك، فهذه أمور ميسورة للجن، فيطلِعون بعض الأنس بها لإضلالهم ﴿وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا﴾، وأما الاطلاع على ما في الصدور والإخبار به فليس في طوق أحد منهم إلا بإخبار الله ﷿ من شاء من عباده الذين ارتضاهم للرسالة كما قال: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول ﴾، نعم ليس من هذا القبيل ما يُلِهَمُه الرجل الصالح، ثم يقع كما ألهم، لأنه لو سئل عنه قبل ذاك لم يستطيع الجزم به، فلأنه (١) لا يدري أمن إلهام الرحمن هو، أم من وحي الشيطان؟ بخلاف النبي ﴿قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾.
وليس منه أيضًا ما يتنبأ به الإنسان بفراسته وملاحظته الدقيقة التي لا يتنبه لها غيره، وقد وقع لي شخصيًا من هذا النوع حوادث كثيرة لولا أنني كنت أبادر إلى
_________________
(١) كذا ..
[ ٣ / ٨٨٣ ]
الكشف عن أسبابها الطبيعية لظنها الناس كشفًا صوفيًا! فمن ذلك أنني كنت يومًا في حلقة الدرس أنتظر أن يكتمل الجمع، إذ قلت لمن عن يميني - وهو حي يرزق - بعد قليل يدخل فلان - لشاب سميته، فلم يمض سوى لحظات حتى دخل! فنظر إلى جليسي دهشًا كأنه يقول: أَكَشْفٌ؟ فقلت: لا بل هي الفراسة. ثم شرحت له سر المسألة، وذلك أن الشاب المشار إليه أعرف أن له دراجة عادية يأتي عليها إلى الدرس. وأعرف أيضًا أن الراكب لها إذ أرد النزول عنها أوقف تحريك رجليه إذا اقترب من المكان الذي يريد النزول عنده، وأنه عند ذاك يسمع منها صوت بعض مسنناتها، وكانت دراجة الشاب من النوع المعروف بـ «السباقية»، والصوت الذي يسمع منها عند النزول أنعم من الأخريات، وكان هو الوحيد الذي يركبها من بين الذين يحضرون الدرس عادة، فلما أراد النزول، وأوقف رجليه طرق سمعي ذلك الصوت، فعرفت أنه هو، وأخبرت جليسي به، فكان كذلك!
وقد اتفق لي مرارًا - ويتفق مثله لغيري - أنني وأنا في صدد تقرير مسألة يقوم بعض الحاضرين يريد أن يسال، فأشير إليه بأن تمهل، فإذا فرغت منها قلت له: الآن فسل. فيقول: ما أردت السؤال عنه قد حصل! فأقول: أهذا هو الكشف؟! فمثل هذه الإجابة قد تقع تارة عفوًا، وتارة بقصد من المدرس الذي بحكم مركزه قد ينتبه لما لا ينتبه له الحاضرون فيعرف من علامات خاصة تبدو له مِن الذي يريد السؤال ما هو سؤاله فيجيبه قبل أن يسأل! فيظن كثير من الناس أنه كشف أو إخبار عما يضمر في نفسه، وإنما هو الظن والفراسة، ويستغل ذلك بعض الدجالين فيلقون في نفوس مريديهم أنهم يطلعون على الضمائر، وأنهم يعلمون الغيب، فيتقبلون ذلك منهم ببساطة وسلامة قلب، حتى أن الكثير منهم لا يسافرون، ولا يأتون عملا يهمهم، إلا بعد موافقة شيخهم عليه، فكأنه عندهم (بكل شيء عليم). والله المستعان.
"التعليق على التنكيل" (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩)
[ ٣ / ٨٨٤ ]
[٣٠١] باب لا يعلم الغيب إلا الله
وبيان الفرق بين الوحي والإلهام
عن جابر قال: «لما حَضر أُحُد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي - ﵌ -، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله - ﵌ - فإن علي دينًا فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا، فأصبحنا فكان أول قتيل ودفنته مع آخر في قبر». رواه البخاري.
[قال الإمام]:
ينبغي أن يُعلم أن هذا ليس من قبيل العلم بالغيب، فإنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا من باب إطلاع الله عباده على الغيب، كما يظن كثير من الجهال، فإن الله تعالى يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾، وإنما هو من قبيل الإلهام الصادق، والفرق بينه وبين الوحي، أن الإلهام غير معصوم من الخطأ والتخلف، بخلاف الوحي فإنه معصوم دائمًا، فاحفظ هذا فإنه به تزول مشكلات كثير من الكرامات التي يظن أولئك الجهال أنها من الاطلاع على الغيب، والجزم به كفر، لأنه خلاف القرآن، ولذلك يبادر المتمسكون به إلى إنكار مثل هذه الكرامات بزعم أنها مخالفة للقرآن، فهؤلاء في واد وأولئك في واد والحق ما ذكرنا، والتوفيق من الله تعالى، فعض على هذا التحقيق بالنواجذ، فإنك قد لا تراه في غير هذا المكان.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٦٧٤).
[ ٣ / ٨٨٥ ]
[٣٠٢] باب هل تأويل الرؤى من معرفة الغيب؟
والفرق بين الوحي والإلهام
السائل: هل الرؤية هي من الغيب أم ليست من الغيب؟
الشيخ: الرؤى غيب وقال ﵊: الرؤى جزء من ستة وثلاثين جزءًا من النبوة (١) أو كما قال ﵊.
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: الرؤية الصالحة.
الشيخ: الصالحة نعم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، فهي غيب ..
مداخلة: طيب هل .. هل هناك أحد يعلم بالغيب إلا من علمه الله ﷾ من الأنبياء؟ كما قلت: أن العلماء يعلمون هذه الرؤى هبة.
الشيخ: أنا ما قلت: نعم يعلمون كإلهام من الله ﷿.
مداخلة: يلهمهم غيبًا، يعني: .. يلهمهم بعض الغيب؟
الشيخ: لا. هذا ليس غيبًا بارك الله فيك.
_________________
(١) البخاري (﴿قم٦٥٨٨) ولفظه: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
[ ٣ / ٨٨٦ ]
مداخلة: تفضل ..
الشيخ: الغيب الآن هذا السؤال الحقيقة مهم جدًا .. لنعرف ما هو الفرق بين العلم بالغيب والفراسة التي يصيب بها أحيانًا ويتحدث بها بعض كتب السنة الصحيحة من جهة ويغالي فيها الذين ينتمون إلى التصوف من جهة أخرى، أظنكم جميعًا تعلمون قوله ﵊: «لقد كان في أمتي محدَّثون لقد كان فيمن قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي محدَّث فعمر» (١)، ومعنى محدَّثون: أي: ملهمون الإلهام ليس هو الوحي لكنه يلتقي مع الوحي أحيانًا من حيث اكتشاف ما سيقع ظنًا وليس يقينًا يعني: الذي ألهم بشيء لا يستطيع أن يقول: إن هذا سيكون حتمًا إلا ما ندر جدًا .. جدًا وهو يعترف بأنه ليس معصومًا، أما الوحي فهو يقطع بها كما هو حي تمامًا يقطع بأن هذا الذي أوحاه الله إليه هو من وحي السماء لا يدخله شك ولا لبس ولا ريب، فالآن لقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر ما هو معنى مُحدَّثون؟ أي: ملهمون، فما هو الإلهام؟ أنتم تعرفون أن عمر بن الخطاب تحدث بأمور نزل القرآن على وفق ما تحدث به كقوله مثلًا: لو حجبت نساءك فأنزل الله آية الحجاب (٢)، وقوله مثلًا: لو اتخذنا .. لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى إلى آخره، من هذا القبيل ما رواه الإمام مالك في "الموطأ" بالسند الصحيح أنه عن أبي بكر الصديق أنه قال: لابنته عائشة في أرض تتعلق بإرث أولاد أبي بكر ﵁، قال فيما أذكر الآن: أنه هذه لأختك والأخت هي كانت لا تزال جنينًا في بطن زوج أبي بكر الصديق، قالت: وأين أختي؟ قالت: هي التي في بطن فلانة،
_________________
(١) مسلم (رقم٦٣٥٧).
(٢) البخاري (رقم٤٢١٣).
[ ٣ / ٨٨٧ ]
وفعلًا رزقت بنتًا فكانت ترث مع أختها تلك الأرض بوصية من أبي بكر الصديق .. في هذا الإلهام وهذه القصة في «الموطأ» وبالسند الصحيح الذي لا إشكال فيه؛ لأنه في الموطأ يوجد روايات مقطوعات وبلاغات كثير منها لا يصح وإن كانت موصولة بعضها في كتب أخرى، أما هذه القصة فهي صحيحة.
إذا عرفنا هذه الحقيقة الفرق بين الوحي وبين الإلهام يمكننا نحن الآن أن ندخل في صلب الإجابة إلى رجل عالم مثل ابن سيرين فسر الرؤية التي قص عليه قاصٌّ ما أو رائي ما فهو لا يستطيع أن يقول: أنها ستكون كذلك، فإذًا هذا ليس من باب الاطلاع على الغيب إطلاقًا وإنما هو الظن والظن قد يصيب وقد يخطئ وهذا يقع من العلماء بمناسبات كثيرة وكثيرة جدًا حتى أن بعض مشايخ الطرق يستغلون هذه الوقائع ويوهمون الناس أنها كشوفات وأنهم يطلعون على ما في صدور الناس، والحقيقة أنه ليس شيء من ذلك إنما هي الفراسة، فإذًا وسأقص بعض ما وقع لي أنا شخصيًا مع كشف السر لكي لا تنغشوا ببعض ما قد تسمعون من بعض الناس، إذا تبين أن ابن سيرين وأمثاله ممن قد يوهبون علم تأويل الرؤيا فذلك ليس من باب الاطلاع على الغيب؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله بنص القرآن الكريم ثم كما قال في القرآن الكريم أيضًا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦، ٢٧)، الغيب: هو الأمر الذي يقطع به الرسول - ﵌ - أن الله ﷿ أوحى، أما العالم ذو الفراسة أو مفسر المنام فهذا لم يطلع على الغيب فقد يصيب وقد يخطئ أنا أقص لكم بعض القصص التي وقعت لي وهي أولًا: لا تدل على صلاح ولا تدل على طلاح، وإنما تدل أنه هذا المسؤول في عنده شيء من العلم وفي عنده شيء من اليقظة فأصاب الهدف، فلو أراد أن يغش هؤلاء الناس سيقول لهم: هذه كشوفات وأنتم تنكرونها.
[ ٣ / ٨٨٨ ]
أنا أذكر جيدًا أنني كنت في دكاني أُصَلّح الساعات لما دخل علي أحد إخوانا من الفلسطينيين الذين كانوا فروا من ظلم اليهود إلى دمشق وتعرفوا على الدعوى السلفية والحمد لله.
جاءني يومًا ومعه رجل فلاح وأنا أعلم مسبقًا وهنا يبدأ موضوع الفراسة أعلم مسبقًا أن هذا أستاذ في بعض القرى التي حول بلدة حمص هناك في الطريق إلى حلب، فأطلعني على ساعة اسمها الأجنبي «رِبكو» قال: انظر الساعة هذه تقف نريد نصلحها لأخوانا هذا، ففهمت أن أخوه هذا من تلك القرية، رأسًا قلت له: اشتراها من هنا من دمشق من المحل الفلاني؟ قال: نعم، ولم يهتم بها، لكن أنا لفت نظره؛ لأنه هو معنا سلفي، قلت: ها أنتم تنكرون الكشف هذا كشف، ها أنا عرفت أن هذه الساعة الذي ساكن في قرية بعيدة عن دمشق نحو مائة وخمسين مائتين كيلو متر وقريبة من حمص بأقول: اشترها من أين؟ من دمشق، فأصبت هذه فراسة؛ لأني ربطت بين الماركة هذه ما هي معروف تاجرها إلا في دمشق
وهذا الذي يريد أن يشتريها لا بد ما يأتي إلى هنا؛ لأنه ما هو موجودة في بلد
آخر، فأصاب الهدف تمامًا، فلفت نظره إلى النكتة هذه .. هذا كشف وأنتم
تنكروا الكشف.
لكن بنفس الوقت نكتة أبلغ من هذه بكثير دخل إلي طالب علم .. طالب علم قوي فيما يسمى بعلوم الآلة في النحو والصرف إلى آخره يقول لي يا شيخ! بعدما سلم طبعًا: آية أشكل عليّ مرجع الضمير فيها آية أشكل عليه مرجع الضمير فيها، قلت له: انظر بقى «لعل» ما قلت له: هي كذا؛ لأني محتاط، قلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (الأعراف: ١٩٠)، قال: والله هذه فلما رجعت قلت لهم: ما زلتم تنكرون الكشف هذا الكشف ما صار معي
[ ٣ / ٨٨٩ ]
أنا؟ صار معي إذا صح التعبير كمبيوتر إلهي ما هو رجل طالب علم أقوى مني في علوم الآلة أشكل عليه الضمير في آية إلى أين راجع؟ على حدود ما علمت أنا استحضرت هذه الآية قلت له: لعلها هي، قال: هي .. هي.
فإذًا هذا ما هو كشف هذا عبارة عن فراسة وعن مقدمات تكون في نفس المتفرد فيصيب الهدف أحيانًا ويخطأ أحيانًا، كذلك المفسر أو المؤول للرؤى قد يصيب أحيانًا ويخطئ أحيانًا هذا ليس أن له علاقة إطلاقًا بأنه اطلع على الغيب هذا جواب ما سألته.
"الهدى والنور" (٦٨٨/ ١١: ١١: ٠٠)
[٣٠٣] باب هل التنبؤ بنزول
المطر وما شابه ذلك من علم النجوم المذموم؟
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «من اقتبس علمًا من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد».
(صحيح).
قال [المنذري]: والمنهي عنه من علم النجوم هو ما يدَّعِيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان، كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغيير الأسعار، ونحو ذلك ويزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب، واقترانها وافتراقها، وظهورها في بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به، لا يعلمه
أحد غيره، فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجه القبلة، وكم مضى من الليل والنهار، وكم بقي، فإنه غير داخل في النهي،
والله أعلم.
[ ٣ / ٨٩٠ ]
[قال الإمام معلقًا]:
قلت: ومن ذلك عندي التنبؤ بنزول المطر، وتساقط الثلج، وهبوب الرياح، ونحوها، فإن لمعرفة ذلك اليوم موازين دقيقة سخرها الله للناس في هذا الزمان، مثل الساعات التي يعرف بها الوقت، فلا علاقة لذلك البتة بعلم النجوم المذموم.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٣/ ١١١٣).
[٣٠٤] باب رد الاستدلال
بقصة عمر مع سارية على إمكانية معرفة الغيب
[قال عمر بن الخطاب ﵁]:
«يا سارية الجبل، يا سارية الجبل».
مما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهامًا من الله تعالى لعمر وليس ذلك بغريب عنه، فأنه " محدث " كما ثبت عن النبي - ﵌ - ولكن ليس فيه أن عمر كشف له حال الجيش، وأنه رآهم رأي العين، فاستدلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب من أبطل الباطل، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور.
وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله ﷿ يقول في كتابه: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾ فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل من رسل الله حتى يصح أن يقال إنهم يطلعون على الغيب بإطلاع الله إياهم!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
[ ٣ / ٨٩١ ]
على أنه لو صح تسمية ما وقع لعمر ﵁ كشفًا، فهو من الأمور الخارقة للعادة التي قد تقع من الكافر أيضًا، فليس مجرد صدور مثله بالذي يدل على إيمان الذي صدر منه فضلا على أنه يدل على ولايته ولذلك يقول العلماء إن الخارق للعادة إن صدر من مسلم فهو كرامة وإلا فهو استدراج، ويضربون على هذا مثل الخوارق التي تقع على يد الدجال الأكبر في آخر الزمان كقوله للسماء: أمطري، فتمطر وللأرض: أنبتي نباتك فتنبت، وغير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما قرأته اليوم من عدد " أغسطس " من السنة السادسة من مجلة " المختار " تحت عنوان: " هذا العالم المملوء بالألغاز وراء الحواس الخمس " ص ٢٣ قصة " فتاة شابة ذهبت إلى جنوب أفريقيا للزواج من خطيبها، وبعد معارك مريرة معه فسخت خطبتها بعد ثلاثة أسابيع، وأخذت الفتاة تذرع غرفتها في اضطراب، وهي تصيح في أعماقها بلا انقطاع: " أواه يا أماه ماذا أفعل؟ " ولكنها قررت ألا تزعج أمها بذكر ما حدث لها؟ وبعد أربعة أسابيع تلقت منها رسالة جاء فيها: " ماذا حدث؟ لقد كنت أهبط السلم عندما سمعتك تصيحين قائلة: " أواه يا أماه ماذا أفعل؟ ".وكان تاريخ الرسالة متفقًا مع تاريخ اليوم الذي كانت تصيح فيه من أعماقها ".وفي المقال المشار إليه أمثلة أخرى مما يدخل تحت ما يسمونه اليوم بـ " التخاطر " و" الاستشفاف " ويعرف باسم " البصيرة الثانية " اكتفينا بالذي أوردناه لأنها أقرب الأمثال مشابهة لقصة عمر ﵁، التي طالما سمعت من ينكرها من المسلمين لظنه أنها مما لا يعقل! أو أنها تتضمن نسبة العلم بالغيب إلى عمر، بينما نجد غير هؤلاء ممن أشرنا إليهم من المتصوفة يستغلونها لإثبات إمكان اطلاع الأولياء على الغيب، والكل
[ ٣ / ٨٩٢ ]
مخطئ. فالقصة صحيحة ثابتة وهي كرامة أكرم الله بها عمر، حيث أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو الفتك به ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب، وإنما هو من باب الإلهام (في عرف الشرع) أو (التخاطر) في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوما، فقد يصيب كما في هذه الحادثة وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر، ولذلك كان لابد لكل ولي من التقيد بالشرع في كل ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل فقال: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾.ولقد أحسن من قال: إذا رأيت شخصا قد يطير وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف على حدود الشرع فإنه مستدرج وبدعي
"الصحيحة" (٣/ ١٠١ - ١٠٤).
[٣٠٥] باب هل كُشف لِعُمَر عن حال "سارية"وأصحابه لما نادى: يا سارية الجبل؟
[أشار الآلوسي في "الآيات البينات" إلى قصة سماع سارية لكلام عمر بن الخطاب، فعلَّق الألباني عليها قائلا]:
يشير إلى ما رواه عبد الله بن وهب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر وَجَّه جيشا ورأَّس عليهم رجلا يقال له: (سارية) قال: فبينما عمر يخطب فجعل ينادي: يا سارية الجبل يا سارية الجبل (ثلاثا) ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر؟ فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديا: يا سارية الجبل (ثلاثا) فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. قال: فقيل لعمر: إنك كنت
[ ٣ / ٨٩٣ ]
تصيح بذلك.
وهذا إسناد جيد حسن كما قال ابن كثير في " البداية " (٧/ ١٣١) ومن هذا الوجه رواه البيهقي في " الدلائل " (٣/ ١٨١/١)، وكل ما يروى عن عمر في هذه القصة سوى هذا فلا يثبت مثل ما جاء في " روض الرياحين " (ص ٢٥) أنه كشف لعمر عن حال سارية وأصحابه من المسلمين وحال العدو؛ فإنه لا أصل له، وإنما هو من ترهات الصوفية لدعم كشوفاتهم المزعومة. نسأل الله السلامة.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٣).
[٣٠٦] باب هل يُستدل بقوله - ﵌ -: "كان نبي من الأنبياء يخط" على جواز الخط على الرمل؟
[جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي المعروف بحديث الجارية أنه قال للنبي - ﵌ -]:
قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان. قال: "فلا تأتهم". قلت: ومنا رجال يتطيرون. قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم". قال قلت ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ". رواه مسلم.
[قال الإمام معلقا على قوله - ﵌ -: «فذاك»]:
أي مصيب. وهو كالتعليق بالمحال لأن خط ذاك النبي كان معجزة وقد انقضت، فكيف يمكن أن نعرف الموافقة؟
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٣١١).
[ ٣ / ٨٩٤ ]
[٣٠٧] باب هل يجوز الخط على الرمل لمعرفة الغيب؟
السائل: [هل قول النبي - ﵌ -: «قد كان نبي يخط ..» فيه جواز هذا
الفعل؟]
الشيخ: نعم، المعنى أن الله ﵎ كان قد جعل لبعض الأنبياء وفي بعض الأقوال ولم يرد في الأحاديث أنه يونس ﵇ كان قد جعل له وسيلة يتوصل بها إلى معرفة بعض المغيبات، بواسطة الضرب على الرمل، فالنبي - ﵌ - ربط إصابة الرمال بأن يوافق معجزة ذلك النبي، وهذا كما يقول العلماء من باب التعليق بالمحال، قال ﵇: «فمن وافق خطُه خط ذاك النبي فذاك هو المصيب» ولا شك أن هذه الموافقة لا يمكن الوصول إليها؛ لأن ذلك النبي أولًا كانت هذه المعجزة خاصة به، وثانيًا: هو لم يدع كتابًا يتخذ وسيلة لمعرفة طريقة الضرب بالرمل ليكتشف بهذه الطريقة شيئًا من الغائب فهو من باب التعجيز في المحال، قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه هذا الرمال خط ذلك النبي فذاك هو المصيب، وهذا أمر مستحيل.
مداخلة: [بعضهم يرسم] خطوط كثيرة في الأرض [ثم يمسح] خطين
خطين، فإذا بقي في الأخير خطان فهذا علامة النجاح، وإن بقي الخط فهذا
علامة الفشل.
الشيخ: علامة النجاح في ماذا؟
مداخلة: في الأمر الذي أتى هذا الرجل [من أجله]
الشيخ: لمعرفة الغيب يعني.
مداخلة: فهل هذا مباح للأثر وارد عن النبي بهذه الطريقة أو هذا من
طريقة الكهان؟
[ ٣ / ٨٩٥ ]
الشيخ: لا هذا .. ليس عن الرسول طريقة معينة في هذا، كيف يمكن أن يدع لنا طريقة وهو يعلق إصابة الرمال بأن يوافق خط ذلك النبي ثم .. هذا أسلوب من أساليب الرسول ﵇ وإلا فنحن نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦ - ٢٧) فلا يمكن الوصول إلى الأمور الغيبية باتخاذ وسائل لم يشرعها ربنا ﵎، فسواء كانت هذه الصورة ولأول مرة أنا أسمعها أو صور أخرى مما يتعاطاها الرمالون هؤلاء أو المنجمون فالمهم أنهم يحاولون بذلك الوصول إلى معرفة بعض المغيبات إن لم يكونوا كما أعتقد يدجلون على الناس ويموهون عليهم، أي: أنهم يعلمون أنهم ليس عندهم طريقة متوارثة مثلًا حتى تتصل بذاك النبي، بهذه الطريقة يعرفون بعض المغيبات، هم يعلمون أنهم يدجلون على الناس ويدلسون عليهم ابتغاء مادة عاجلة فعلًا، فلا يجوز هذا التعاطي ولذلك قال ﵇ في بعض الأحاديث الأخرى: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» وكأنه ﵇ يشير في هذا الحديث إلى الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦ - ٢٧) فهذا الكاهن أو العراف أو الرمال ليس رسول يمكن
أن يوحي الله إليه بشيء من علمه بالغيب ﵎؛ لهذا كان تعاطي هذا الضرب بالرمل أو أي وسيلة مما فيه التدجيل على الناس هو [كفر] بمثل هذه
الآية الكريمة.
مداخلة: مخرج من الملة؟
الشيخ: هذا يختلف بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، فإن كان مستحلًا ذلك بقلبه فهو كفر الخروج عن الملة، وإن كان يعتقد بأن ذلك لا يجوز كما يأكل المرابي الربا ويسرق السارق وإلى آخره كل هؤلاء في المنزلة سواء، من استحل
[ ٣ / ٨٩٦ ]
بقلبه شيئًا من المحرمات فهو كافر كفر ردة، ومن اقتصر استحلاله على العلم دون الاستحلال القلبي فهو كفر معصية وليس كفر ردة.
"رحلة النور" (٥أ/١٨: ٠٦: ٠٠)
[٣٠٨] باب هل تجوز قراءة الكف؟
السائل: [بعضهم] يقول: يتكون في الكفين الرقم تسعة وتسعين، يعني: جمع الرقم في خطين في الكف الأيمن بعدد ثمانية عشر، وفي الأيسر بواحد وثمانين، مجموعهما: تسعة وتسعين، وهي يقول: هذه أسماء الله الحسنى، وبعض الناس يقرؤون الكف، فما حكم ذلك؟
الشيخ: هذا مما لا يلتفت إليه؛ لأن أسماء الله الحسنى أكثر من تسعة وتسعين اسمًا، والحديث الذي جاء في صحيح البخاري ومسلم من قوله ﵊: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (١) فهذا الحديث لا يعني: أنه ليس لله ﵎ أسماء أخرى، وإنما يعني: أن هذه التسعة وتسعين اسمًا من أحصاها، أي: من استخرجها من الكتاب والسنة وعمل بمعانيها فكان ذلك بشارة له بدخول الجنة، وإلا فقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﵌ - سأل ربه بكل اسم سمى به نفسه أو علمه بعض خلقه، أو استأثر هو ﵎ بعلمه، فأسماء الله ﷿ ليست محصورة بهذا العدد الذي زعم ..
"فتاوى جدة-الأثر -" (٢٦ب /٥٧: ٢٨: ٠١)
_________________
(١) البخاري (رقم٢٥٨٥) ومسلم (رقم٦٩٨٦).
[ ٣ / ٨٩٧ ]
جماع أبواب أحكام التبرك
[ ٣ / ٨٩٩ ]
[٣٠٩] باب هل كان الصحابة
يتبركون بمخلفات النبي - ﵌ - وهو يعلم ذلك فلا ينكره؟
سؤال: هل كان المسلمون يتبركون بالتفال ومخلفات الوضوء، وهل كان النبي يرضى بذلك؟
الشيخ: هذا سؤال هام، الواقع أن ذلك وقع ووقع على علم من الرسول ﵇ وسكوت منه، ولكن هذا السكوت كان برهة من الزمن، ولم يستمر منه - ﵌ -، ولقد ظهر حكمة ذلك السكوت المؤقت واضحًا بينًا جليًا في صلح الحديبية، حيث أخذ المشركون يرسلون سفيرًا منهم- وما أريد أن أقول: رسولًا منهم، وإن كان هذا سائغًا من حيث العربية-فكلما أرسلوا سفيرًا منهم ليحادث الرسول ﵇ ويفهموا ما يريد، كان يرى هذا السفير تلك المبالغة العجيبة التي لا يعرفونها في ملوك كسرى وقيصر، من تهافت الصحابة على وضوء النبي - ﵌ - الماء الذي كان يتوضأ به وتبركهم به، فكان من آثار ما شاهدوا أو شهدوا أنهم عادوا إلى رؤوس قريش وقالوا لهم: صالحوا محمدًا فوالله لقد رأينا كسرى وقيصر فما رأينا أحدًا يُعظَّمهم كما أرينا أصحاب محمد يُعظِّمون محمدًا - ﵌ -، وعلى هذا جرى الصلح المعروف في صلح الحديبية.
فكان سكوت النبي - ﵌ - على مثل تلك المبالغة في التبرك به ﵇ من السياسية الشرعية الحكيمة، ولكنه لأنه طبع على ما وصف بحق في قوله ﵎: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) وكما قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» وكما قال في حديث آخر: «لا تنزلوني فوق منزلتي التي أنزلني الله فيها» (١) فهو تجاوب في نهاية
_________________
(١) السلسلة الصحيحة (٣/ ٨٨).
[ ٣ / ٩٠١ ]
مع هذا المبدأ الأساسي الذي كان يحياه الرسول ﵇ وذلك حينما شاهدهم مرة يتهافتون أيضًا على التبرك بوضوئه فقال لهم: «ما يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله، قال:- هنا الشاهد-إن كنت تحبون الله ورسوله فاصدقوا في الحديث وأدوا الأمانة» انظر هذا اللطف في النقد من الأمر المفضول إلى الحكم الفاضل، لم يصدهم الرسول ﵇ صدًا، وإنما مهد لهم تمهيدًا بأسلوب عظيم جدًا: «ما الذي يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله» وهم صادقون في ذلك، فقال لهم: هذا لا يدل حبكم لله والرسول، الذي يدلكم على ذلك هو أن تعملوا بما جاء به الرسول عن ربه ﵎.
ولهذا فنحن نرى أن ما ثبت من التبرك هو ثابت وفي صحيح البخاري قصة الحديبية في صحيح البخاري، لا مجال لإنكارها من حيث الرواية أبدًا، لكن بعض الناس يأخذون الأمور بالعجلة ولا يأخذونها بالرَويِّة، فلو أنهم نظروا أولًا إلى الحكمة من ذاك السكون ثم اطلعوا على الحديث الأخير لزال الإشكال ولعرفوا عظمة الرسول ﵇ في ذاك وفي هذا الحديث.
"فتاوى الإمارات" (٧٦: ٣١: ٠٠)
[٣١٠] باب إنما أقر النبي - ﵌ -
على التبرك به يوم الحديبية لحكمة بالغة
[جاء في حديث المسور بن مخرمة الطويل في غزوة الحديبية قوله]:
فوالله ما تنخم رسول الله - ﵌ - نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه
رواه البخاري.
[ ٣ / ٩٠٢ ]
[قال الإمام]:
فعلوا ذلك تبركًا به - ﵌ - وحبًّا له، وقد أقرهم النبي - ﵌ - عليه لحكمةٍ بالغة، ظهرت فيما يأتي من القصة، وقد جاء ما يشعر أن النبي - ﵌ - صرفهم عن ذلك في حادثة أخرى، كما حققته في بعض مؤلفاتي. انظر "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢٩٩٨).
"مختصر صحيح البخاري" (٢/ ٢٣٣).
[٣١١] باب هل يقاس التبرك
بآثار الصالحين على التبرك بآثار النبي - ﵌ -
[قال الإمام منبهًا على بعض أخطاء البوطي في فقه السيرة]:
قال [أي البوطي في "فقه السيرة"] في حاشية (ص ١٩٧) بعد أن نبه إلى معجزة فرس سراقة وغوص قائمتيها في الأرض، ومعجزة خروجه - ﵌ - من بيته وقد أحاط به المشركون، وتبرك أبي أيوب الأنصاري وزوجه، ثم استطرد فذكر تبرك أم سلمه بشعره - ﵌ - وأم سليم بعرقه وغير ذلك ثم علق عليه فقال: «يرى الشيخ ناصر الألباني أن مثل هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا العصر، ذكر ذلك في نقد له على أحاديث كان قد انتقاها الأستاذ محمد المنتصر الكتاني لطلاب كلية الشريعة.
ونحن نر ى أن هذا كلام خطير لا ينبغي أ، يتفوه به مسلم، فجميع أقوال الرسول وأفعاله وإقراراته تشريع، والتشريع باق مستمر إلى يوم القيامة ما
لم ينسخه كتاب أو سنة صحيحة، ومن أهم فوائد التشريع ودليله معرفة الحكم، والاعتقاد بموجبه.
[ ٣ / ٩٠٣ ]
وهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة لم ينسخها كتاب ولا سنة مثلها فمضمونهما التشريعي باق إلى يوم القيامة ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوسل والتبرك بآثار النبي ﵊ فضلًا عن التوسل بذاته وجاهه عند الله تعالى، وأن ذلك ثابت ومشروع مع الزمن، فكيف يقال مع ذلك أنه لا فائدة منها في هذا العصر؟!
أكبر الظن أن السبب الذي ألغى فائدتها بنظر الأستاذ الشيخ ناصر أنها تخالف مذهبه في التوسل غير أن ذلك وحده لا يكفي موجبًا لنسخها وإنهاء فائدتها كما هو معلوم».
هذا كلام البوطي بالحرف الواحد نقلته على طوله وقلة فائدته ليكون القراء على يقين من مبلغ علم هذا الرجل وخوفه من الله تعالى، وعدم مبالاته بتهمة الأبرياء والطعن فيهم بغير حق، ولبيان هذه الحقيقة هنا أقول:
أولًا: إن ما نسبه إليّ من الرأي إن هو إلا اختلاق. وإن مما يدل على جرأة الرجل وقلة خوفه من الله وحيائه من الناس عزوه ذلك إلى نقدي لأحاديث الكتاني، وليس فيه هذا الفرية الباطلة كما سترى ولو كان الدكتور ينتقد بإخلاص وعلم لنقل عبارتي، وانتقدها انتقاد علميًا موضوعيًا، ولكنه يعلم أنه لو فعل ذلك لانكشف عند القراء، ولذلك فهو جرئ على هذه الطريقة من النقد يعزو القول إلى القائل وهو لم يقل ذلك أصلًا، أو قال شيئًا منه ولكن الدكتور يأخذ بعضًا، ويترك بعضا كمثل من يقول "ولا تقربوا الصلاة" ويسكت، فاسمع نص كلامي في نقدي المذكور للكتاني؛ قلت: (ص٥٦) ما نصه: ٦ - إيراده أحاديث لا يترتب على معرفتها اليوم كبير فائدة تحت العناوين الآتية: (ص٢١) «التبرك بآثار رسول الله - ﵌ - بأمره» وذكر فيه حديث علي بن أبي طالب وفيه أمره - ﵌ - له ولغيره أن
[ ٣ / ٩٠٤ ]
يشربا من إناء مج فيه - ﵌ - وأن يفرغاه على وجوههما، ثم قال: «تبرك الصحابة بآثار رسول الله - ﵌ -».ثم أورد فيه حديث طلق بن علي وفيه أنه - ﵌ - توضأ وتمضمض ثم صبه في إداوة لهم. ثم أعاد الترجمة ذاتها وذكر تحتها حديثًا ثالثًا في تبرك أسماء بجبته - ﵌ - ثم أعاد الترجمة للمرة الرابعة وأورد فيه حديثًا في تبرك أم سلمه بشعر رسول الله - ﵌ -.
فما هو الفائدة من تكرار هذه العناوين والتراجم في الوقت الذي لا يمكن اليوم التبرك بآثاره - ﵌ - لعدم وجودها؟ وما يفعلونه اليوم في بعض البلاد من التبرك في بعض المناسبات بشعرة محفوظة في زجاجة فهو شيء لا أصل له في الشرع، ولا يثبت ذلك بطرق صحيحة.
نعم إنما يستفيد من هذه التراجم بعض مشايخ الطرق كما سبق ذكره في المقدمة، ولعل المصنف وضع هذه التراجم مساعدة منه لهم على استعباد مريديهم وإخضاعهم لهم باسم التبرك بهم والله المستعان».
هذا الذي قلته في النقد المذكور نقلته مضطرًا بالحرف الواحد ليقابله القارئ الكريم بما نسبه البوطي إليّ، ليتبين له افتراؤه وغلواءه في قوله: «هذا كلام خطير لا ينبغي أن يتفوه به مسلم،»! فأنت ترى أن الدكتور تعمد حذف لفظة «كبير» المضافة إلى «فائدة» والتي هي نص صريح في أنني لا أنفي الفائدة مطلقًا من معرفتها كما زعم البوطي، وإنما أنفي فائدتها الكبرى وهذا أمر واضح لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى، وقد عللت ذلك بتعليل بين فقلت: «لا يمكن اليوم التبرك بآثاره - ﵌ - لعدم وجودها » فتبقى الفائدة التي ليست بكبيرة إنما هي معرفتها لمجرد العلم بالشيء ولا الجهل به، فكيف ينسب البوطي إليّ تلك الفرية: «هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا العصر»؟!
[ ٣ / ٩٠٥ ]
ثانيًا: هب أنني قلت ذلك، فهلا ذكر السبب الذي قلته في تعليل ذلك بديل أن يكتمه عن الناس فيوقعهم في الولوغ في عرض الألباني وذهابهم مذاهب شتى في تعليل ذلك والطعن فيه، أم أن هذا هو الذي يقصده البوطي بكل ما يكتبه ضد الألباني، وليس هو النصح لهم؟!
ثالثًا: أما كان من الواجب على الدكتور البوطي أن يرد على تعليلي المذكور إن كان عنده رد، بديل أن يأخذ من نقدي المتقدم على الكتاني- على طوله- تلك الجملة المبتورة، «لا فائدة منها» فيكذب علي!
رابعًا: لا أشك أن هناك خلافًا كبيرًا بيننا وبين الدكتور البوطي في تقدير فائدة أحاديث التبرك فهي عندي وعند كل ذي عليم فيما اعتقد غير ذي موضوع اليوم، وهذا لا ينافي فائدة معرفتها كما سبق بيانه، بينما يرى الدكتور أنها ذات موضوع، لأنها تدل على التبرك، وهو والتوسل بمعنى واحد عنده كما يدل عليه قوله المتقدم: «ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوسل والتبرك بآثار النبي ﵊ فضلًا عن التوسل بذاته وجاهه » إلخ. وأصرح منه قوله في صلب الكتاب في الصفحة (١٩٧):
«فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد، وهو التماس الخير والبركة عن طريق التوسل به. وكل من التوسل بجاهه - ﵌ - عند الله والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه، أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة، وكل الصور الجزئية له تدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى بـ (تنقيح المناط) عند علماء الأصول».
وصرح في مكان آخر (ص ٣٥٥) أن المناط إنما هو كونه - ﵌ - أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق.
[ ٣ / ٩٠٦ ]
فأقول: في الكلام خبط وخلط كثير وادعاء ما لا أصل له، وما لا يعقل، كما أنه ليس هناك ولا حديث واحد يثبت به مطلق التوسل الذي زعمه الدكتور (المقلد الذي يقول ما لم يقله أي مجتهد في الدنيا!!) فهلا ذكر شيئًا من تلك الأحاديث التي تثبت مطلق التوسل، وبين وجه دلالتها على ما زعم، وأعرض عن هذا الكلام والجعجعة التي لا طحن فيها.
ثم كيف يجعل التوسل بمعنى التبرك، والتوسل عنده لا يستلزم حضور المتوسل به، كما هو صريح كلامه، وبين التبرك الذي يقتضي حضور الشيء المتبرك به، كما هو ظاهر الأحاديث التي ذكرها الأستاذ البوطي ومن قبله الكتاني وغيرهما؟! وإلا فكيف يمكن التبرك بها؟!
وأيضًا فكلامه صريح في جواز التوسل بقوله في دعائه: اللهم إني أتوسل إليك بفضلات نبيك وعرقه و وغير ذلك مما يستحي من كتابته فضلا عن النطق به كل مسلم عاقل غيور على مقام الإلوهية، ويا خجلتاه إذا قام الدكتور على المنبر يوم الجمعة يدعو بهذا الدعاء تحقيقًا منه لما ذهب إليه من فلسفة التوسل بالفضلات!!
وتالله لقد ازددنا يقينًا بعدم مشروعية التوسل بالذات لما رأينا الدكتور البوطي قد استلزم منه مشروعية التوسل بجزء من أجزاء الذات حتى ولو كان من الجنس الذي كان رسول الله - ﵌ - نفسه يتطهر ويتنزه منه كما هو ثابت في «الصحيحين» وغيرهما من كتب السنة المطهرة.
خامسًا: لقد تبين مما سبق أن ما ظنه الدكتور البوطي في السبب ظن إثم؛ لأني أولًا لم ألغ فائدة أحاديث التبرك بآثاره - ﵌ - كما سبق بيانه. وثانيًا لأنه قائم على
[ ٣ / ٩٠٧ ]
تسويته الباطلة بين التبرك والتوسل من جهة، وعلى مشروعية التوسل بالذات من جهة أخرى، وكلاهما غير صحيح كما قدمنا ولو بإيجاز.
وأما غمزه إياي بالشذوذ في قوله: «أنها تخالف مذهبه في التوسل» فهو ناشئ من عدم مراعاته الأدب مع الأئمة الذين يخالفون رأيه ولا - أقول مذهبه؛ فأنه لا مذهب له على الرغم من لا مذهبيته! وإلا فأين هو من قول الإمام أبي حنيفة: «أكره أن يسأل الله إلا بالله» فلم يجز الإمام السؤال بالذات فضلًا عن الفضلات كما هو رأي المقلد المجتهد الجامع للمتناقضات!! وما ذهب إليه الإمام هو مذهب صاحبيه أيضًا فضلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من المحققين، وهو المذهب المنصور من الأحاديث النبوية والآثار السلفية، كما تراه مفصلًا في رسالتي الخاصة في التوسل، مع الرد على شبهات المخالفين ونقدها روايةً ودرايةً، ومن ذلك الرد مفصلًا على البوطي في خلطه بين التوسل والتبرك، وتجويزه التوسل بالفضلات، وما يصل هذا المقال إلى أيدي القراء الكرام إلا وتكون الرسالة قد تداولتها الأيدي وانتفع بها إن شاء الله كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومعذرة إلى القراء مما اضطررنا إليه من الإطالة في الرد على البوطي في هذه الفقرة التي جرتنا إلى الخروج عما نحن بصدده من الرد عليه من الناحية الحديثية المحضة التي توجهتُ إليها في هذه المقالات دون مناقشة في آرائه الفقهية التي خالف فيها الأدلة الشرعية، ولعلي أتفرغ بعد للكتابة في ذلك بإذن الله تعالى.
"دفاع عن الحديث النبوي" (ص٧٤ - ٧٩)
[ ٣ / ٩٠٨ ]
[٣١٢] باب خطأ نشر أحاديث
التبرك بآثار النبي - ﵌ - بين العوام سدًّا للذريعة
[ذكر الإمام من ضمن مآخذه على كتاب الكتاني «نصوص حديثية في
الثقافة العامة»]:
إيراده "أي الكتاني في كتابه" أحاديث لا يترتب على معرفتها اليوم كبير فائدة، تحت العناوين الآتية: (ص٢٢):
«التبرك بآثار رسول الله - ﵌ - بأمره»:
وذكر فيه حديث على بن أبي طالب وفيه أمره - ﵌ - له ولغيره أن يشربا من إناء مج فيه - ﵌ - وأن يفرغا على وجوههما. ثم قال: «تبرك الصحابة بآثار رسول الله - ﵌ -» ثم أورد فيه حديث طلق بن علي وفيه أنه - ﵌ - توضأ وتمضمض ثم صبه في أداوة لهم. ثم أعاد الترجمة للمرة الرابعة وأورد فيه حديثًا في تبرك أم سلمة بشعر رسول الله - ﵌ -.
فما هو الفائدة من تكرار هذه العناوين والتراجم في الوقت الذي لا يمكن اليوم التبرك في بعض المناسبات بشعرة محفوظة في زجاجة فهو شيء لا أصل له في الشرع، ولا يثبت ذلك بطريق صحيح.
نعم إنما يستفيد من هذه التراجم بعض مشايخ الطرق كما سبق ذكره في المقدمة، ولعل المصنف وضع هذه التراجم مساعدة منه لهم على استعباد مريديهم واخضاعهم لهم باسم التبرك بهم! والله المستعان.
ثم قال: (ص٢٣) تقبيل يد الرسول ورجليه!
[ ٣ / ٩٠٩ ]
ثم ساق حديثًا فيه أن يهوديين قبلا يده - ﵌ - ورجله!
قلت: ومع أن الحديث في ثبوته نظر كما سبق بيانه في موضعه (ص١٤) فهل يريد الشيخ في ذلك أن يشرع للناس أن يًقبِّل المريد رجل شيخه أيضًا اعتمادًا منه على فعل اليهوديين؟! فإن قيل: لكن الرسول - ﵌ - أقرهما على ذلك فيقال: أثبت العرش ثم انقش، فالحديث لم يثبت كما ذكرنا، ولو ثبت، فليس يجوز قياس المسلم على اليهودي، لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فلئن أقر - ﵌ - اليهوديين على تقبيل رجله، فلا يلزم منه إقرار المسلم على مثله لأنه عزيز وذاك ذليل صاغر، فأي قياس أفسد من هذا على وجه الأرض أن يقاس المسلم على الكافر، والعزيز على الذليل؟! ولو جاز فلا يجوز لأي شيخ أن يقيس نفسه على الرسول - ﵌ - فيجيز لها ما جاز له - ﵌ -! لأنه من باب قياس الحدادين على الملائكة! أو هو على الأقل قياس مع الفارق!
"نقد نصوص حديثية" (ص ٧٥)
[٣١٣] باب حكم التبرك بآثار النبي - ﵌ -، وهل ثبت هذا عن بعض الصحابة وعن الإمام أحمد؟
سؤال: سؤال آخر عن مسألة التبرك بآثار الرسول سواء متصلة كشعره أو منفصلة كثيابه أو المنبر، يُروى عن ابن عمر أثر أنه كان يتبرك بمنبر الرسول، كذلك عن الإمام أحمد: ذكر الذهبي هناك في معرض الاحتجاج على الحنابلة بأنه كان يتبرك بشعرات الرسول، كذلك بمنبر الرسول - ﵌ -، فما أدري هل صحت هذه الأسانيد عن ابن عمر أولًا ثم عن الإمام أحمد، ثم ما الموقف الصحيح في هذه؟
الشيخ: أما عن الإمام أحمد فلست أدري؛ لأن ما يذكر في مناقب الأئمة
[ ٣ / ٩١٠ ]
والحفاظ لا شك أن علماء الحديث لا يعنون برواية هذه المناقب كما يعنون برواية الأحاديث عن النبي - ﵌ - بالأسانيد الصحيحة، وهم في الأغلب يذكرون المناقب معلقة دون ذكر إسناد ما مثل هذه المناقب، وعلى ذلك فلا نستطيع أن نثبت أو أن ننكر وندع الأمر هكذا معلقًا حتى يتسنى لنا الوقوف على إسناد يمكن تطبيق قواعد علم الحديث عليه، ثم لا يترتب من وراء ذلك أي فائدة شرعية تذكر، وما هذه المناقب التي تذكر في بعض التراجم عندي إلا كمثل ما يروى عن بني إسرائيل، وقد تعلمون أن النبي - ﵌ - كان يقول: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» وقال في بعض الأحاديث الأخرى: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» (١) لأننا قد نصدق بشيء وهو كذب، أو نكذب بشيء وهو صدق.
وهكذا أنا أقول بالنسبة لبعض المناقب، فضلًا عن المثالب فلا نقف عندها كثيرًا إلا إذا جاء شيء منها بالسند الذي نصحح به الحديث أو نحسنه على الأقل، حينذاك نقول: ثبت هذا أو لم يثبت، أما ما أشرت إلى بعض ما جاء عن بعض الصحابة فلا شك أن بعض ذلك ثابت صحيح عنهم، وما تبرك بعض أزواج النبي - ﵌ - بعرقه - ﵌ - وخلطها إياه بطيبها هذا مما لا شك فيه لوروده في صحيح مسلم، ولذلك فلا يستطيع حديثي عنده إلمام بالروايات وبنقلها تصحيحًا وتضعيفًا أن ينكر وقوع مثل هذا التبرك من بعض الصحابة لبعض آثار النبي - ﵌ - في حياته وبعد وفاته.
لكننا نرى نحن أن هذا الحكم ينبغي سده من باب سد الذرائع؛ لأن الذين
_________________
(١) السلسلة الصحيحة (٦/ ١/٧١٢ - ٧١٤).
[ ٣ / ٩١١ ]
كانوا يفعلون ذلك هم أصحاب النبي - ﵌ - الذين عرفوا التوحيد بمعانيه الصحيحة، ولا يدور في الذهن أنهم يمكن أن يقعوا في شيء من الغلو في النبي - ﵌ - بخلاف هؤلاء المتأخرين الذين جاءوا فقد لرسول الله - ﵌ - غلوًا كثيرًا وفي صور شتى، فلا نستطيع أن نقيس الخلف على السلف فلئن ثبت كما ذكرنا عن بعض الصحابة ذلك فهو حكم ومن أحسن أحواله أن يقال بأنه جائز، والأمر الجائز إذا خشي أن يترتب من ورائه فساد في العقيدة أو القلوب فيجب إيقافه من باب سد الذريعة.
ولعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان ينظر هذه النظرة البعيدة حينما حج في خلافته ونزل منزلًا من تلك المنازل فرأى بعض الناس ينحون منحًى عن الجادة وعن الطريق، فلما سأل إلى أين هؤلاء يذهبون؟ قيل له: بأن هناك مصلًى صلى فيه النبي - ﵌ - فهم يقصدون الصلاة في هذا المصلى، فقال رضي الله تعالى عنه: من أدركته الصلاة من شيء من هذه المصليات التي صلى فيها النبي - ﵌ - فليصلّ ومن لا فلا تفعلوا فإنما أهلك من قبلكم اتباعهم آثار أنبيائهم.
فهذا الاتباع كان سببًا في وقوع الفساد بالنسبة لمن كان قبلنا من اليهود والنصارى، فلا غرابة ولا جرم أن النبي - ﵌ - قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» فعلى الرغم من أن النبي - ﵌ - نصح أمته بهذا الحديث إذا بهذه الأمة من على فيه وقال:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت فيه مدحًا فاحتكم
فهذا في واد، وقوله - ﵌ -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ..» في واد آخر،
[ ٣ / ٩١٢ ]
ومنشأ هذا الغلو ينشأ من فهم هذا الحديث بمعنًى واسع أكثر مما يدل عليه الحديث بتمامه؛ لأن هذا الحديث يمكن تمريره وتفسيره بأحد معنيين:
الأول: لا تطروني: لا تبالغوا في مدحي، وهذا مفهوم عنده، ولكن لا تبالغوا، فهذا هو المعنى الأول.
المعنى الآخر، وهو الذي يبدو لي: أنه ينهى أمته أيضًا من باب سد الذريعة أن يمدحوه ﵊ بشيء من عند أنفسهم خشية أن ينحرف بهم المدح عن العدل وعن كلمة الحق، هذا المعنى هو الذي سيترجح عندي أولًا بالنظر إلى تمام الحديث حيث قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم» وكأن سائلًا سيسأل: فماذا وكيف نقول وكيف نمدح؟ فأجاب الرسول ﵇ كما هي عادته ولا غرابة في ذلك، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ - ٤) «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد-إذًا-فقولوا: عبد الله ورسوله» لا تزيدوا في مدحي على ما مدحني ربي ﵎، وليس المعنى إذًا: لا تبالغوا وإنما لا تمدحوا إلا بما جاء في الكتاب والسنة.
والذي جعلني أميل إلى هذا المعنى الثاني هو أن علماء الحديث ذكروا هذا الحديث في باب: تواضع النبي - ﵌ -، [وإذا أخذنا] الحديث بالمعنى الأول لم يتفق الحديث مع الترجمة ولم يترجم الباب لهذا الحديث؛ لأنه أن يُقال لا تبالغ في مدحي فهذا واجب، بينما الباب تواضع النبي - ﵌ - الذي يليق بهذا التواضع إنما هو أن يقول ﵊: لا تمدحوني ولا تقولوا شيئًا إلا عبد الله ورسوله؛ لأن الله ﷿ هكذا وصفه ﵊.
[ ٣ / ٩١٣ ]
فإذًا من باب سد الذريعة كما جاء هذا الحديث وإن كان قد وقع شيء من التبرك من بعض الصحابة وإن صح ذلك من بعض ما جاء من بعده فهذه قضايا فردية لا يبنى عليها حكم عام يذاع بين المسلمين؛ لأن العاقبة ستكون الغلو في رسول الله - ﵌ - وهذا مما نهى عنه هو مباشرًة وكان ذلك تفسيرًا لمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء: ١٧١).
هذا ما عندي جوابًا عن هذا السؤال.
"رحلة النور" (٣١أ/١٨: ٠٩: ٠٠)
[٣١٤] باب هل يجوز التمسح بمنبر النبي - ﵌ -
مداخلة: هنا يقول السائل: أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية التمسح بقبر النبي - ﵌ - ولكنه لم ينكر التمسح بالمنبر ويستدل بما نقله عن الإمام أحمد عن ابن عمر أنه فعله، فما حكم هذا؟ ذكره شيخ الإسلام في
الشيخ: ذكر الحكم أو ذكر الرواية عن ابن عمر؟
مداخلة: أنه ذكر هذا الكلام الذي نقله هذا السائل.
الشيخ: وما هو أعده.
مداخلة: يقول: أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية التمسح بقبر النبي - ﵌ - ولكنه لم ينكر التمسح بالمنبر ويستدل بما نقله عن الإمام أحمد عن ابن عمر أنه فعل، فما حكم هذا؟
الشيخ: أنا جوابي على هذا أظن أنه سبق في كلمتي في أول هذه الجلسة: أن هذا يمنع من باب سد الذريعة، وإن كنا نشعر بفرق كبير بين التمسح بقبره عليه
[ ٣ / ٩١٤ ]
الصلاة والسلام؛ لأنه يشعر أن المتمسح يطلب منه المدد ونحو ذلك من المعاني التي لا يجوز صرفها إلا الله ﵎، أما التمسح بالمنبر فلا يتبادر المسلم بمثل هذا المعنى الشركي وهو كسائر أنواع التبرك التي جاء ذكرها في أول جلستنا هذه، فأنا أقول بالمنع من كل هذه الأشياء من باب سد الذريعة؛ ولأن الناس ليس عندهم هذه الدقة التي تحملهم على التفريق بين التمسح بالقبر وبين التمسح بالمنبر.
"رحلة النور" (٣١ب/٠٠:٠٧:٠١)
[٣١٥] باب السجود على التربة الحسينية
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات».
[ثم ذكر الإمام شواهده ثم قال]:
[قال رسول الله - ﵌ -]:
فائدة: ليس في شيء من هذه الأحاديث ما يدل على قداسة كربلاء وفضل السجود على أرضها واستحباب اتخاذ قرص منها للسجود عليه عند الصلاة كما عليه الشيعة اليوم ولو كان ذلك مستحبًا لكان أحرى به أن يُتخذ من أرض المسجدين الشريفين المكي والمدني ولكنه من بدع الشيعة وغلوهم في تعظيم أهل البيت وآثارهم، ومن عجائبهم أنهم يرون أن العقل من مصادر التشريع عندهم، ولذلك فهم يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين ومع ذلك فإنهم يروون في فضل السجود على أرض كربلاء من الأحاديث ما يشهد العقل السليم ببطلانه
[ ٣ / ٩١٥ ]
بداهة، فقد وقفت على رسالة لبعضهم وهو المدعو السيد عبد الرضا (!) المرعشي الشهرستاني بعنوان " السجود على التربة الحسينية ".
ومما جاء فيها (ص ١٥): " وورد أن السجود عليها أفضل لشرفها وقداستها وطهارة من دفن فيها، فقد ورد الحديث عن أئمة العترة الطاهرة ﵈ أن السجود عليها ينور إلى الأرض السابعة. وآخر: أنه يخرق الحجب السبعة، وفي (آخر): يقبل الله صلاة من يسجد عليها ما لم يقبله من غيرها، وفي (آخر) أن السجود على طين قبر الحسين ينور الأرضين ".
ومثل هذه الأحاديث ظاهرة البطلان عندنا وأئمة أهل البيت ﵃ براء منها وليس لها أسانيد عندهم ليمكن نقدها على نهج علم الحديث وأصوله وإنما هي مراسيل ومعضلات! ولم يكتف مؤلف الرسالة بتسويدها بمثل هذه النقول المزعومة على أئمة البيت حتى راح يوهم القراء أنها مروية مثلها في كتبنا نحن أهل السنة، فها هو يقول: (ص ١٩): " وليس أحاديث فضل هذه التربة الحسينية وقداستها منحصرة بأحاديث الأئمة ﵈، إذ أن أمثال هذه الأحاديث لها شهرة وافرة في أمهات كتب بقية الفرق الإسلامية عن طريق علمائهم ورواتهم، ومنها ما رواه السيوطي في كتابه " الخصائص الكبرى " في " باب إخبار النبي - ﵌ - بقتل الحسين ﵇، وروى فيه ما يناهز العشرين حديثا عن أكابر ثقاتهم كالحاكم والبيهقي وأبي نعيم والطبراني والهيثمي في " المجمع " (٩/ ١٩١) وأمثالهم من مشاهير رواتهم ".
فاعلم أيها المسلم أنه ليس عند السيوطي ولا الهيثمي ولو حديث واحد يدل على فضل التربة الحسينية وقداستها، وكل ما فيها مما اتفقت عليه مفرداتها إنما هو إخباره - ﵌ - بقتله فيها، وقد سقت لك آنفا نخبة منها، فهل ترى فيها ما ادعاه
[ ٣ / ٩١٦ ]
الشيعي في رسالته على السيوطي والهيثمي؟! اللهم لا، ولكن الشيعة في سبيل تأييد ضلالاتهم وبدعهم يتعلقون بما هو أوهى من بيت العنكبوت!.
ولم يقف أمره عند هذا التدليس على القراء بل تعداه إلى الكذب على رسول الله - ﵌ - فهو يقول (ص ١٣): " وأول من اتخذ لوحة من الأرض للسجود عليها هو نبينا محمد - ﵌ - في السنة الثالثة من الهجرة لما وقعت الحرب الهائلة بين المسلمين وقريش في أحد وانهدم فيها أعظم ركن للإسلام وهو حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله - ﵌ - أمر النبي - ﵌ - نساء المسلمين بالنياحة عليه في كل مأتم، واتسع الأمر في تكريمه إلى أن صاروا يأخذون من تراب قبره فيتبركون به ويسجدون عليه لله تعالى، ويعملون المسبحات منه كما جاء في كتاب " الأرض والتربة الحسينية " وعليه أصحابه، ومنهم الفقيه ".والكتاب المذكور هو من كتب الشيعة، فتأمل أيها القارئ الكريم كيف كذب على رسول الله - ﵌ - فادعى أنه أول من اتخذ قرصًا للسجود عليه، ثم لم يسق لدعم دعواه إلا أكذوبة أخرى وهي أمره - ﵌ - النساء بالنياحة على حمزة في كل مأتم ومع أنه لا ارتباط بين هذا لو صح وبين اتخاذ القرص كما هو ظاهر، فإنه لا يصح ذلك على رسول الله - ﵌ -، كيف وهو قد صح عنه أنه أخذ على النساء في مبايعته إياهن ألا ينحن كما رواه الشيخان وغيرهما عن أم عطية (انظر كتابنا " أحكام الجنائز " ص ٢٨) ويبدو لي أنه بنى الأكذوبتين السابقتين على أكذوبة ثالثة وهي قوله في أصحاب النبي - ﵌ -: " واتسع الأمر في تكريمه إلى أن صاروا يأخذون من تراب قبره فيتبركون به ويسجدون عليه لله تعالى "، فهذا كذب على الصحابة ﵃ وحاشاهم من أن يقارفوا مثل هذه الوثنية، وحسب القارئ دليلًا على افتراء هذا الشيعي على النبي - ﵌ - وأصحابه أنه لم يستطع أن يعزو ذلك لمصدر معروف من مصادر المسلمين،
[ ٣ / ٩١٧ ]
سوى كتاب " الأرض والتربة الحسينية " وهو من كتب بعض متأخريهم ولمؤلف مغمور منهم، ولأمر ما لم يجرؤ الشيعي على تسميته والكشف عن هويته حتى لا يفتضح أمره بذكره إياه مصدرا لأكاذيبه!
ولم يكتف حضرته بما سبق من الكذب على السلف الأول بل تعداه إلى الكذب على من بعدهم، فاسمع إلى تمام كلامه السابق: " ومنهم الفقيه الكبير المتفق عليه مسروق بن الأجدع المتوفى سنة (٦٢) تابعي عظيم من رجال الصحاح الست كان يأخذ في أسفاره لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها (!) كما أخرجه شيخ المشايخ الحافظ إمام السنة أبو بكر ابن أبي شيبة في كتابه " المصنف " في المجلد الثاني في " باب من كان يحمل في السفينة شيئًا يسجد عليه، فأخرجه بإسنادين أن مسروقًا كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها ".
قلت: وفي هذا الكلام عديد من الكذبات: الأولى: قوله: " كان يأخذ في أسفاره " فإنه بإطلاقه يشمل السفر برًا وهو خلاف الأثر الذي ذكره!
الثانية: جزمه بأنه كان يفعل ذلك يعطي أنه ثابت عنه وليس كذلك بل ضعيف منقطع كما يأتي بيانه.
الثالثة: قوله " بإسنادين " كذب وإنما هو إسناد واحد مداره على محمد بن سيرين، اخُتلِف عليه فيه، فرواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٢/ ٤٣/٢) من طريق يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين قال: " نبئت أن مسروقًا كان يحمل معه لبنة في السفينة، يعني يسجد عليها "، ومن طريق ابن عون عن محمد " أن مسروقًا كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها "، فأنت ترى أن الإسناد الأول من
[ ٣ / ٩١٨ ]
طريق ابن سيرين، والآخر من طريق محمد وهو ابن سيرين، فهو في الحقيقة إسناد واحد ولكن يزيد بن إبراهيم قال عنه: نبئت "، فأثبت أن ابن سيرين أخذ ذلك بالواسطة عن مسروق ولم يثبت ذلك ابن عون وكل منهما ثقة فيما روى إلا أن يزيد ابن إبراهيم قد جاء بزيادة في السند، فيجب أن تقبل كما هو مقرر في " المصطلح " لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وبناء عليه فالإسناد بذلك إلى مسروق ضعيف لا تقوم به حجة لأن مداره على راو لم يسم مجهول، فلا يجوز الجزم بنسبة ذلك إلى مسروق ﵁ ورحمه كما صنع الشيعي.
الرابعة: لقد أدخل الشيعي في هذا الأثر زيادة ليس لها أصل في " المصنف " وهي قوله: " من تربة المدينة المنورة "! فليس لها ذكر في كل من الروايتين عنده كما رأيت. فهل تدري لم أفتعل الشيعي هذه الزيادة في هذا الأثر؟ لقد تبين له أنه ليس فيه دليل مطلقا على اتخاذ القرص من الأرض المباركة " المدينة المنورة " للسجود عليه إذا ما تركه على ما رواه ابن أبي شيبة ولذلك ألحق به هذه الزيادة ليوهم القراء أن مسروقا ﵀ اتخذ القرص من المدينة للسجود عليه تبركًا، فإذا ثبت له ذلك ألحق به جواز اتخاذ القرص من أرض كربلاء بجامع
اشتراك الأرضين في القداسة!! وإذا علمت أن المقيس عليه باطل لا أصل له وإنما هو من اختلاق الشيعي عرفت أن المقيس باطل أيضا لأنه كما قيل: وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟!
فتأمل أيها القارئ الكريم مبلغ جرأة الشيعة على الكذب حتى على النبي - ﵌ - في سبيل تأييد ما هم عليه من الضلال، يتبين لك صدق من وصفهم من الأئمة بقوله: " أكذب الطوائف الرافضة "!
ومن أكاذيبه قوله (ص ٩): " ورد في صحيح البخاري صحيفة (!) (٣٣١
[ ٣ / ٩١٩ ]
ج١) أن النبي - ﵌ - كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض "! وهذا كذب من وجهين: الأول: أنه ليس في " صحيح البخاري " هذا النص لا عنه - ﵌ - ولا عن غيره من السلف.
الآخر: أنه إنما ذكره الحافظ ابن حجر في " شرحه على البخاري " (ج١/ص ٣٨٨ - المطبعة البهية) عن عروة فقال: " وقد روى ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير أنه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض ".
قلت: وأكاذيب الشيعة وتدليسهم على الأمة لا يكاد يحصر، وإنما أردت بيان بعضها مما وقع في هذه الرسالة بمناسبة تخريج هذا الحديث على سبيل التمثيل، وإلا فالوقت أعز من أن يضيع في تتبعها.
"الصحيحة" (٣/ ١٥٩، ١٢ - ١٦٧).
[٣١٦] باب بيان بطلان ما قد يُسْتَدل به على جواز التبرك بالأحجار (١)
[السؤال]:
وبعد، قرأنا في باب «إن لبدنك عليك حقًا» ص٨١٦ من المجلد الخامس من مجلتنا العزيزة «المسلمون» في الإجابة على السؤال عن الزوائد في الجلد وطريقة شفائها، ومما ذكر قول: «لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه»، فأرجوكم إجابتنا على صفحات «المسلمون» هل هذا قول الرسول الكريم - ﵌ - أو حكمة من حكم العرب أو غير ذلك؟ وقد قرأت في مجلة (الهدى النبوي) العدد ٢ - ٧، ١٣٧٦، ص٩٩ أن هذا الحديث من وضع المشركين عبَّاد الأوثان.
_________________
(١) مقال نشره الإمام في "مجلة المسلمون" (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، بواسطة «مقالات الألباني».
[ ٣ / ٩٢٠ ]
أرجوكم عرض ذلك على الشيخ ناصر الدين الألباني لإفادتنا مشكورين؟
خالد محمد حسون .. سلمية
[الجواب]:
الحديث المذكور، قال ابن تيمية: إنه كذب، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: إنه لا أصل له، وأقرهما الحافظ السخاوي في «المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة» (١٩٥ - ١٦٠) ولا يمكن أن يكون حكمةً من حكم العرب، إلا أن يكون للعرب المشركين لما فيه من تأييد ظاهر لوثنيتهم المعروفة التي إنما بعث رسول الله - ﵌ - لتحطيمها، وإنقاذ أصحابهم منها إلى نور التوحيد الخالص من أوضارها ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ في السَّمَاوَاتِ وَلَا في الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
محمد ناصر الدين الألباني
دمشق
"مقالات الألباني" (ص ١٦٤ - ١٦٥).
[ ٣ / ٩٢١ ]
[٣١٧] باب في بيان ضعف حديث استدل به بعضهم على جواز التبرك بآثار الصالحين
[روي عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله - ﵌ -]:
«كَانَ يَبْعَثُ إِلَى الْمَطَاهِرِ فَيُؤْتَى بِالْمَاءِ فَيَشْرَبُهُ؛ يَرْجُو بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ».
(منكر).
[ثم حقق الإمام القول في نكارته ثم قال]:
ولقد زاد من قيمة هذا التحقيق وضرورة بيانه أنني سمعت شريطًا مسجلًا في رمضان هذه السنة (١٤١٤) لأحد الدكاترة المدرسين في بعض البلاد العربية، ممن يحسن الوعظ، ولا يحسن العلم بالحديث وفقهه، سمعته يحتج بهذا الحديث على جواز التبرك بآثار الصالحين، ويصححه بطريقة تدل على أنه لا معرفة عنده بهذا العلم الشريف.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/١٠٧٤، ١٠٧٨).
[٣١٨] باب بدعية التمسح بحيطان الكعبة والمقام
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
«التمسح بحيطان الكعبة والمقام».
«تفسير سورة الإخلاص» (١٧٧) وإغاثة اللهفان (١/ ٢١٢) و«السنن والمبتدعات» (١١٣).
"حجة النبي - ﵌ - " (ص١١٧).
[ ٣ / ٩٢٢ ]
[٣١٩] باب بدعية التبرك بالمطر النازل من ميزاب الكعبة
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
التبرك بالمطر النازل من ميزاب الرحمة من الكعبة.
"حجة النبي - ﵌ - " (ص١١٨).
[٣٢٠] باب بدعية الاغتسال
في البِركة التي بجانب قبور الشهداء بالمدينة
[ذكر الإمام من بدع زيارة المدينة النبوية]:
- التبرك بالاغتسال في البركة التي بجانب قبورهم.
"حجة النبي - ﵌ - " (ص١٤٦).
[٣٢١] باب بدعية التمسح
بالنخلتين النحاسيتين الموضوعتين في المسجد النبوي
[ذكر الإمام من بدع زيارة المسجد النبوي]:
- مسح البعض بأيديهم النخلتين النحاسيتين الموضوعتين في المسجد
غربي المنبر (١).
"حجة النبي - ﵌ - " (ص١٤٢).
_________________
(١) ولا فائدة مطلقًا من هاتين النخلتين، وإنما وضعتا للزينة، ولفتنة النار، وقد وعدنا حين كنا هناك برفعهما، ولكن عبثًا!
[ ٣ / ٩٢٣ ]
[٣٢٢] باب بدعية
ربط الخرق بالنافذة المطلة على أرض الشهداء بالمدينة
[ذكر الإمام من بدع زيارة المدينة النبوية]:
- ربط الخرق بالنافذة المطلة على أرض الشهداء (١).
حجة النبي - ﵌ - " (ص١٤٥).
[٣٢٣] باب بدعية ربط الخرق
بالمقام والمنبر لقضاء الحاجات
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
ربط الخرق بالمقام والمنبر لقضاء الحاجات
[وعلق في الحاشية قائلًا]:
هذه الظاهرة قد تضخمت في الآونة الأخيرة تضخمًا لم يكن فيما سبق مما
_________________
(١) كانت الأرض التي فيها قبر حمزة وغيره من شهداء أحد لا بناء عليها إلى السنة الماضية (١٣٨٣)، ولكن الحكومة السعودية في هذه السنة أقامت على أرضهم حائطًا مبنيًا بالاسمنت، وجعلت له بابًا كبيرًا من الحديد. الجهة القبلية، ونافذة من الحديد في آخر الجدار الشرقي، فلما رأينا ذلك استبشرنا شرًا، وقلنا هذا نذير شر، ولا يبعد أن يكون توطئه لإعادة المسجد والقيت على قبورهم كما كان الأمر قبل الحكم السعودي الأول حين كان القوم متحمسين الدين عاملين بأحكامه، والله غالب على أمره. وهذا أول الشر، فقد رأيت الحرق على النافذة تتكاثر، ولما يتكامل بناء الحائط، وقيل لي: أن بعضهم صاروا يصلون في داخل البناء تبركًا، وإذا استمر الأمر على هذا المنوال من التساهل في تطبيق الشرع والتجرأ على مخالفته، فلا استبعد يومًا تعود مظاهر الوثنية إلى أرض دولة التوحيد كما كان الشأن من قبل حكمها، ثبت الله خطاها، ووجهها إلى العمل بالشرع كاملا، لا تأخذها في الله لومه لائم. وهو المستعان.
[ ٣ / ٩٢٤ ]
يدل على أن «دولة التوحيد بدأت تتهاون بالقضاء على ما ينافي توحيدها الذي هو رأس مالها! والمشايخ وجماعة الأمر بالمعروف هيئة! إلا من شاء الله».
حجة النبي - ﵌ - " (ص١٣٤).
[٣٢٤] باب حكم تقبيل أيدي الصالحين
السؤال: حكم تقبيل الأيدي للصالحين
الجواب: أما أفعال الصوفية فهي غير مرضية، أما تقبيل يد العالم الصالح وليس الصالح غير العالم فكما أقول: تقبيل يد العالم الصالح، وليس يد الصالح فقط غير العالم، فهذا يجوز أحيانًا وليس عادة بمعنى كما يفعل الصوفية.
"الهدى والنور" (١٨٨/ ٢١: ٥٢: ٠٠)
[ ٣ / ٩٢٥ ]
جماع أبواب الكلام على صخرة القدس
[ ٣ / ٩٢٧ ]
[٣٢٥] باب هل لصخرة القدس فضيلة؟
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«الصخرة صخرة بيت المقدس على نخلة، والنخلة على نهر من أنهار الجنة، وتحت النخلة آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران ينظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة».
(موضوع).
[قال الإمام]:
ولقد شددت الرحل إلى بيت المقدس لأول مرة بتاريخ (٢٣/ ٥/١٣٨٥ هـ) حين اتفقت حكومتا الأردن وسوريا على السماح لرعاياهما بدخول أفراد كل منهما إلى الأقصى، وزرت الصخرة للاطلاع فقط؛ فإنه لا فضيلة لها شرعًا، خلافًا لزعم الجماهير من الناس ومشايعة الحكومات لها، ورأيت مكتوبًا على بابها من الداخل حديثًا فيه أن الصخرة من الجنة، ولم يخطر في بالي آنئذ أن أسجله عندي لدراسته، وإن كان يغلب على الظن أنه موضوع كهذا.
وأما حديث " العجوة والصخرة من الجنة ".فهو ضعيف لاضطرابه كما بينته في " إرواء الغليل " رقم (٢٧٦٣) طبع المكتب الإسلامي.
"الضعيفة" (٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
[٣٢٦] باب هل صخرة القدس مقدسة؟
الشيخ: [مخاطبًا صاحب البيت الذي عقدت فيه الجلسة وكان قد علق صورة المسجد الأقصى على الحائط]:- يا أخي هذه الصورة يجب أن ترفع من هنا هذه الصورة التي لا أكبر منها عندك.
[ ٣ / ٩٢٩ ]
-مداخلة: إن شاء الله.
-الشيخ: تدري لما السبب؟ هذه الصورة الآن ظللت العلم الإسلامي وجعلت الصخرة صخرة مقدسة، وهي صخرة من الصخور لا قيمة لها سواء كانت هناك أو كانت في بريطانيا لا قيمة لها إطلاقًا، والمسؤلون عنها مباشرة هم الملوك الذين ينفقون أمولًا طائلة في سبيل زخرفتها وتزيينها وفي ذلك تضليل للشعوب الإسلامية فصارت هذه الصخرة صخرة مقدسة ،ثم استغلت سياسيًا لا يكفيهم أن يستغلوا الواقع المسجد الأقصى الذي هو من المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال يكفينا هذا إذا كانوا يريدون أن يستغلوا الوضع سياسيًا ويثيروا حماس المسلمين وإن كانوا كما قيل:
ولئن ناديت أسمعت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارًا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد
فإذا أرادوا أن يثيروا عواطف المسلمين إن كان هذا يثير فالمسجد الأقصى باعتباره من المساجد الثلاثة يكفي فهي مضلة ومضللة ومن جملة تأييدها نصبها ووضعها في صدور المجالس ونحن معشر السلفيين صاننا الله ﷿ من أن نقدس حجارة لا قيمة لها إسلاميًا واضح.
"الهدى والنور" (٥٤١/ ٢٢: ٤٨: ٠٠)
[٣٢٧] باب التنبيه على عدم قداسة صخرة الأقصى
وحرمة التبرك بها
[قال الإمام]:
نريد نذكر بصورة الصخرة المنتشرة بين أخواننا الفلسطينيين بخاصة؛ لأن
[ ٣ / ٩٣٠ ]
الشائع في كثير من البلاد العربية بخاصة أن الصخرة التي تذكر في المسجد الأقصى لها قداسة ولها مزية خاصة، وهذا مما لا حقيقة له في الشرع إطلاقًا، ومن المؤسف أن هذه القداسة المزعومة للصخرة المسجد الأقصى تستغل سياسيًا ويتظاهر الحكام ويتسابقون في القيام بترميمها وتجديد بناءها وما شبه ذلك، وكأن هذه الصخرة هي المسجد الحرام.
فمن واجبنا أن نذكر والذكرى تنفع المؤمنين أن هذه الصخرة لا قيمة لها إلا ما لكل جبل خلقه الله في الأرض من قيمة وهذا طبعًا أمر عادي وعام، والقداسة إنما تنحصر فقط في المسجد الأقصى حيث أنه قد جاء فيه فضيلتان اثنتان الأولى: أن النبي - ﵌ - قرن المسجد الأقصى مع الحرمين مكة والمدينة في الحديث المعروف صحته ألا وهو قوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، هذه هي القضية الأولى التي جاء ذكرها في الشرع وصح ذلك كما سمعتم عن النبي - ﵌ -.
أما القضية الأخرى: فكأنها فرع للقضية الأولى ذلك؛ لأن شد الرحل إلى مكان ما إذا ما أذن به الشارع الحكيم فما يكون ذلك إلا لفضل قائم في ذلك المكان، ولكن هذا الفضل قد يكون عامًا كما في هذا الحديث الأول وقد يكون خاصًا وهو الفضل الثاني الذي أنا الآن في صدد بيانه ألا وهو مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى، فكل مسجد من مساجد الدنيا الجماعة فيه بخمس أو بسبع وعشرين درجة، لكن فضيلة هذه المساجد الثلاثة التي أجاز الشارع الحكيم شد الرحل وتخصيصها بالسفر قد جاء فيها تضعيف فضيلة الصلاة فيها فقال ﵇: «صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة مما سواه من المساجد إلا المسجد
[ ٣ / ٩٣١ ]
الحرام»، هكذا جاء الحديث في صحيح البخاري ومسلم، لم يقرن مع الحرمين الشريفين هنا في الفضيلة المذكورة له بخلاف الحديث الأول، ولكن قد جاءت فضيلة الصلاة في المسجد الأقصى في بعض الأحاديث الأخرى خارج الصحيحين بعضها مما يصح إسناده وبعض آخر مما لا يصح إسناده، المشهور من هذه الأحاديث في الكتب وعلى ألسنة الناس أن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، لكن في سند هذا الحديث ضعف وبخاصة أنه قد جاء في حديث آخر وهو بإسناد قوي أن الصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة. إذًا الفضيلة ليست للصخرة وإنما للمسجد نفسه، وما يقال في بعض الكتب التي تروي ما هب ودب من أن نبينا - ﵌ - عرج به من الصخرة، وأنها حينما رفع نبينا - ﵌ - وعرج به لحقت به الصخرة ولذلك بقيت معلقة في الهواء، فهذا كلام هراء لا قيمة له إطلاقًا من الناحية العلمية.
هذا ما أردت التذكير به وخلاصة ذلك: أنه لا ينبغي تقديس ما لم يقدسه الشرع وتعظيم ما لم يعظمه الشرع، فوضع هذه الصورة التي انتشرت اليوم ينبغي التنبيه على ذلك.
مداخلة: .. أقول: بالنسبة للصلاة يعني: في الحرم يعني: لو زار الإنسان هذا المكان يعني: الحرم طبعًا يصلي فيه الصلاة كانت راتبة أو نافلة، لكن في المكان الذي فيه الصخرة هل يعني: في هناك صلاة معينة أو ..
الشيخ: إذا كانت الزيارة لمجرد الاستطلاع والمعرفة ما في مانع من ذلك، أما الذهاب إليها بقصد التبرك كما يفعل الجمهور مع الأسف ما ينبغي هذا.
"الهدى والنور" (٧٢٣/ ٥٧: ٣٩: ٠٠)
[ ٣ / ٩٣٢ ]
[٣٢٨] باب حكم تعظيم صخرة القدس
[قال القاسمي في "إصلاح المساجد"]:
وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين فلم يكونوا يعظِّمون الصخرة.
[فعلق الإمام قائلًا]:
قلت: وهذا على خلاف ما عليه الناس اليوم من تعظيمها وقصد الصلاة عندها، والله تعالى أعلم بما صرف من الأموال في تجديدها أو ترميمها بعد ضرب اليهود لها بالقنابل، وهي اليوم تحت أيديهم، بظلم المسلمين لأنفسهم، ومخالفتهم لشريعة نبيهم، أمراء ومأمورين، حكامًا ومحكومين، ألهمهم الله العودة إلى العمل بدينهم ليتمكنوا من طرد العدو من بلادهم، والله المستعان.
"التعليق على إصلاح المساجد" (ص ١٦٧).
[٣٢٩] باب بدعية الطواف
بقبة الصخرة أو التمسح بها وما شابه ذلك
[ذكر الإمام مِنْ بدع زيارة بيت المقدس]:
- «الطواف بقبة الصخرة تشبهًا بالطواف بالكعبة». «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٧٢، ٣٨٠ - ٣٨١).
- «تعظيم الصخرة بأي نوع من أنواع التعظيم كالتمسح بها وتقبيلها، وسوق الغنم إليها لذبحها هناك والتعريف بها عشية عرفة، والبناء عليها، وغير ذلك». «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢ ٥٦ - ٥٧)
حجة النبي - ﵌ - " (ص١٤٦ - ١٤٧)
[ ٣ / ٩٣٣ ]
جماع أبواب الكلام حول الكرامات والخوارق
والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
[ ٣ / ٩٣٥ ]
[٣٣٠] باب إثبات كرامات الأولياء
[قال الإمام]:
الكرامة في الجملة ما يجوز إنكارها، فهي ثابتة للمؤمنين الصالحين في كل زمان وفي كل عصر، ولذلك قال قائلهم من أهل العلم:
وأثبتن للأوليا الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه
إلا أنه مع الأسف الذي وقع أن الناس غلو في حكاية الكرامات عن الأولياء والصالحين بحيث أنهم أصبحوا يروون كرامات هي لو تأملنا فيها إيهانات وليست كرامات، هذا مبثوث في بطون الكتب عرفها من درسها، لكن أصل الكرامة ثابتة في الكتاب والسنة، ففي القرآن مثلًا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ (آل عمران: ٣٧) فهذه كرامة من الله ﷿ للسيدة مريم، كانت تجد الطعام أو الثمار الطازجة الجديدة في بيتها دون يدٍ منها.
كذلك: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (مريم: ٢٥) هذه أيضًا كرامة، ثم لم تزل الكرامات تترا وتُروى وبالأحاديث الصحيحة بحيث أنه لا يمكن الإنسان أن ينكر شيئًا منها لا فيما قبل ولا فيما بعد الرسالة، ففي زمن النبي - ﵌ - وقعت كرامات متعددة لبعض الصحابة، كذلك وقعت لمن قبلهم.
فلعلكم تذكرون معي قصة الغار: الثلاثة الذين أووا في الغار، قال ﵊: بينما ثلاثة نفر ممن قبلكم يتمشون، إذا أصابهم المطر فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم، فقال
[ ٣ / ٩٣٧ ]
بعضهم: يا هؤلاء! انظروا أعمالًا عملتموها صالحةً لله فادعوا الله بها لعل الله يفرجها عنكم.
فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وامرأتي، وكان لي صبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت حلبت فبدأت بأبوي قبل بنيّ، فنأى بي ذات يوم الشجر، فلما أرحت حلبت كما كنت أحلب فجئتهما فوجدتهما قد ناما، فكنت على رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومها وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون من الجوع عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر.
أي: ظل قائمًا على رؤوس أبويه متحريًا أيوقظهما ليسقيهما قبل الأولاد؟ لا، في هذا إزعاج لهما، أيسقي الأولاد وهم يتضاغون .. يصيحون جوعًا؟ لا، هذا فيه تقديم لحق الولد على الوالدين فهو حيران، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، قال في تمام دعائه وتضرعه إلى ربه: فاللهم إن كنت تعلم أني فعلت
ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا منها فرجةً نرى منها السماء، فانزاحت الصخرة
شيئًا قليلًا.
صخرة، معناها: جبل .. جبل انحط على فم غار، ما تحركها لو كان هناك آلات كالآلات التي ترونها اليوم ما تستطيع أن تحركها، لكن الله ﷿ القادر على كل شيء استجاب دعاء هذا المتضرع وحرك الصخرة شيئًا قليلًا حتى رأوا النور، لكن ما يستطيعون الخروج، حتى قام الرجل الثاني فقال:
اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت منها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبت حتى جمعت لها مائة دينار،
[ ٣ / ٩٣٨ ]
فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه،
فقمت عنها وتركت لها المائة دينار، فإن كنت اللهم تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا منها فرجة، فتحركت الصخرة أيضًا شيئًا قليلًا، لكنهم لا يستطيعون الخروج.
حتى قام الرجل الثالث، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني كنت استأجرت أجيرًا على فرق من أرز، فلما قضى عمله عرضت عليه فرقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرًا ورعًاء، ثم جاءني فقال: يا عبد الله! أعطني حقي، الفرق من الأرز ؟ فقلت له: انظر إلى تلك البقر فاذهب وخذها، قال: يا عبد الله! اتق الله ولا تستهزئ بي، إنما لي عندك فرق من أرز، قال: اذهب وخذها فإنما تلك البقر من ذاك الفرق، فذهب واستاقها، إن كنت اللهم تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما بقي، ففرج الله عنهم ما بقي فخرجوا يتمشون.
هذه كرامة ومثلها الشيء الكثير والكثير جدًا.
في عهد الصحابة جاء بعضهم شغلوا عند النبي - ﵌ - إلى هزيع متأخر من الليل والليل ظلمة فكانت مع أحدهم عصا، فكانت تضيء الطريق أمامه عشرة أذرع كأن هناك قنديل مصباح منير حتى وصلوا إلى الدار، فالكرامات الصحيحة لا يمكن إنكارها إطلاقًا، ولكن كما أشرت آنفًا توسع الناس في رواية الكرامات حتى صارت إهانات.
والمذكور في الكتب وبخاصة كتاب مع الأسف الشديد طبع عشرات المرات في القاهرة، اسمه: الطبقات الكبرى للإمام الشعراني، هذا الرجل يترجم لعلماء أفاضل يكفي أنه ترجم للعشرة المبشرين بالجنة ولكبار العلماء الذين
[ ٣ / ٩٣٩ ]
جاءوا من بعدهم، ثم أسَفَّ وانحط في التراجم حتى وصل إلى ترجمة البدوي وأمثال هؤلاء من المعروفين من الصوفية، فيروي عنهم أشياء هي كما قلنا: إهانات، بل هي كفريات، وهذا الكتاب مطبوع عشرات الطبعات.
يذكر في ترجمة أحدهم أنه قال: تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدبًا مع الله! هو بعينه يعني: وصل إلى مرتبة الألوهية، بل إلى مرتبة الربوبية، تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدبًا مع الله! أما قبل ذلك وبعد ذلك لم يكن متأدبًا مع الله فكان يقول للشيء: كن فيكون، هذا كفر وشرك في الربوبية، هذا ما كان المشركون يشركون به: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥) هذا يذكر أن هذا من الواصلين من كبار الأولياء.
كذلك يذكر قصة ذلك الرجل الذي رئي أنه يفعل الفاحشة في الحمارة
على قارعة الطريق، فأنكروا ذلك عليه فقال: هناك سفينة في البحر تغرق فأنا سددتها، هذا مذكور في الكرامات يا جماعة! أشياء كثيرة وكثيرة جدًا، نعرض نضرب صفحًا عما في هذا الكتاب من سخافات بل كفريات باسم الكرامات كرامات الأولياء.
وأذكر لكم قصة وقعت في حلب: جاء رجل من إخواننا أهل السنة قدم طلبًا ليكون إمامًا في مسجد من المساجد هناك، فمشت المعاملة كما هي المعتاد من دائرة إلى دائرة، وصلت إلى المفتي، المفتي أرسل خلفه ليمتحنه؛ لأن هناك كانت الدعوة التي نحن نسميها بالدعوة السلفية وهم يسمونها بالدعوة الوهابية، كانت سائرة والحمد لله في سوريا خاصة في دمشق ثم في حلب، وكان هذا المفتي بلغه عن هذا الرجل اسمه أظن: أحمد المصري، كان بلغه عنه شيء من الوهابية في زمنهم، فأخذ يسأله، قال له: ما رأيك بالكرامات؟ فأجاب بجواب مختصر: أن
[ ٣ / ٩٤٠ ]
لها أصل في الكتاب والسنة، قال له: ما رأيك بالكرامة التالية-هنا الشاهد-:
حكى القصة .. سبحان الله! كيف وصل عقل بعض المشايخ إلى الانحطاط في الدرك الأسفل .. حكى له قصة خلاصتها: أن أحد الخطباء عندما يخطب يوم الجمعة كُشِفَ؛-لأن هذا من كبار الأولياء- كشف له أن أحد الحاضرين حاقن، تقولون: حاقن؟ طيب! لكن ماذا يفعل؟! المسجد غاص بالناس، وكيف يقوم هكذا بينهم، فالخطيب كل هؤلاء يعرفهم؛ لأن ربنا كَشَف، فذهب إليه إذا بالخطيب يمد جبته يقول هكذا، والرجل الحاقن انفتح أمامه طريق إلى حديقة .. دخل من كُمِّ الشيخ يعني: يوصل إلى حديقة، فقضى حاجته في الحديقة وتوضأ وعاد إلى مكانه ولا أحد يشعر بهذا؛ لأن الشيخ حواه بكرامته.
المفتي سأل صاحبنا: تصدق بهذه الحكاية أو الكرامة؟ قال له: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، هذه إهانة وليست كرامة، قال له: أنت لا تصلح أن تكون إمامًا، ومثل هذا كثير وكثير جدًا.
الآن يروى عن كرامات تقع في الجهاد في بلاد الأفغان، الكرامات التي تذكر الآن ما فيها غرابة .. ما فيها استنكار، لكن كل ما في الأمر أننا بحاجة إلى التثبت من صحتها كرواية، فكون الشهيد يشم منه رائحة المسك ما في ذلك غرابة إطلاقًا، وكون ربنا ﷿ يعنى ببعض المجاهدين فتقع القنبلة بجانبهم ولا تنفجر فالله يدافع عن الذين آمنوا، كل هذا ممكن يعني، لكن تبقى القضية يخشى أن يكون فيه زيادة تساهل أنه لمجرد أن واحد يقص قصة نحن نلتقفها ونصدق بها.
فالذي أعتقده وأدين الله به أنه يجب على كل مسلم أن يؤمن بأن الله ﷿ يكرم بعض أوليائه الصالحين الصادقين في بعض كراماته الخارقة للعادة، ولكن
[ ٣ / ٩٤١ ]
ذلك لا يشترط أن يعلن كل مسلم كرامة، نحن نعلم مثلًا أن أفضل الناس بعد النبي - ﵌ - هم العشرة المبشرين بالجنة، وأفضلهم الخلفاء الراشدون، ما أدري عن أحد منهم شيء من هذه الكرامات فليس من الضروري أن يروى عن كل مسلم صادق أنه رئيت منه كرامة، لكن أنه قد يمكن أن يقع يمكن هذا أن يقع، والمستند حينذاك إلى صحة الرواية، كما يذاع الآن من الكرامات التي تقع في أفغانستان ما اأستبعد أن صحتها؛ لأنها مقبولة وفعلًا هي كرامة من الله ﷿ لبعض هؤلاء الشهداء أو المجاهدين، ولكن ترى هل صحت أم لا؟ تبقى القضية داخلة في علم الرواية، أما من حيث الإمكان فكما قلنا في أول الكلام:
وأثبتن للأولياء الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه
السائل: طيب، يبقى العاصي في بعض الأوقات يدعون أنهم يشوفون ما يحدث له في القبر.
الشيخ: هذا ممكن، لعلكم سمعتم الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن العباس ﵄: أن النبي - ﵌ - مر بقبرين فقال ﵊: «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستنزه-وفي رواية-: لا يستتر من البول، ثم أمر بأن يؤتى له بغصن فشقه شقين ووضع كل شق منهما على القبر، فسألوه عن ذلك ﵊ فقال: لعل الله ﷿ يخفف عنهما ما داما رطبين».
فالرسول - ﵌ - سمع عذاب هذين المعذبين، وكانا مسلمين لكن أحدهما يسعى بالنميمة والآخر: لا يستتر، أي: يتساهل في الكشف عن عورته أمام الناس،
[ ٣ / ٩٤٢ ]
أو لا يستنزه من البول، أي: لا يتحاشى أن يصيبه رشاش البول، ولذلك عذبا، وقال ﵊: «استنزهوا من البول فإن أكثر عذاب القبر من البول».
كذلك جاء في الصحيح: «أن النبي - ﵌ - مر ذات يوم راكبًا دابته فشمست به، فنزل فرأى قبرين فسأل أصحابه الذين كانوا معه: متى مات هذان؟ قال: في الجاهلية، فقال ﵊: لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» أي: إن الدابة لما شمست به ﵇ سمعت صوت عذاب المقبورين، فلا يستبعد أن يرى بعض الناس بعض العصاة في قبورهم يعذبون؛ لأن عذاب القبر حق، ولذلك أمر النبي - ﵌ - من قوله: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» فعذاب القبر حق يمكن أن يرى بالأعين العادية أفعى تنهش منه ونحو ذلك، لكن يبقى كل شيء خاضع لعلم الرواية صحت الرواية أم لا؟ الذي يحدث صادق أو مهول، كل هذا ممكن أن يقال، أما الأصل فثابت.
مداخلة: طيب يا شيخ في قصة أويس القرني، وقصة أبي مسلم الخولاني، مدى صحتها؟
الشيخ: أما قصة أبو مسلم الخولاني فصحيحة، ألست تعني لما ألقي
في النار؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فهي صحيحة، وفيه قال عمر بن الخطاب ﵁: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من جعل النار بردًا وسلامًا عليه كما جعلها على إبراهيم،
[ ٣ / ٩٤٣ ]
أما قصة أويس القرني ماذا تعني؟
مداخلة: التي قال - ﵌ - لعلي وعمر: «إذا رأيتم أويس القرني فاطلبا منه أن يستغفر لكما» أو كما قال - ﵌ -.
الشيخ: صحيح هذا.
"فتاوى جدة-الأثر -" (٢٩/ ٠٠:٤٩:٤٨)
[٣٣١] باب خطر التوسع في رواية الكرامات
-[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية «ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم»]:
قلت: لقد أحسن المؤلف صنعًا بتقييد ذلك بما صح من الروايات، ذلك لأن الناس وبخاصة المتأخرين منهم قد توسعوا في رواية الكرامات إلى درجة أنهم رووا باسمها الأباطيل، التي لا يشك في بطلانها من له أدنى ذرة من عقل، بل إن فيها أحيانا ما هو الشرك الأكبر وفي الربوبية، وكتاب «طبقات الأولياء» للشعراني من أوسع الكتب ذكرًا لمثل تلك الأباطيل، التي منها قول أحد أوليائه: تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدبًا مع الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًاّ كبيرًا.
وتجد طائفة لا بأس بها من الكرامات الصحيحة عن بعض الصحابة في كتاب «رياض الصالحين» للإمام النووي (باب ٢٥٣ الأحاديث ١٥١٦ - ١٥٢٣ بتحقيقي).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٦ - ١٠٧).
[ ٣ / ٩٤٤ ]
[٣٣٢] باب النبوة أخص من الولاية
[قال الإمام]:
النبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٦).
[٣٣٣] باب هل ما جاز
أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي؟
سؤال: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:
يقول السائل: سمعنا من أحد المشايخ يقول: ما جاز أن يكون معجزةً لنبي جاز أن يكون كرامةً لولي.
الشيخ: يكفي أن نقول: أن هذا الكلام كلام لبعض المشايخ وانتهى أمره، ليس كلامًا لله ولا حديثًا عن رسول الله - ﵌ -، لكي نهتم بمعالجته أو ببيان تزييفه، وهو من جهة أخرى كلام باطل من أصله؛ ذلك لأن من معجزات النبي - ﵌ - هذا القرآن الكريم الذي هو معجزة المعجزات كلها، كما الإشارة كذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، فإذا أخذنا تلك الكلمة على إطلاقها: ما كان معجزةً لنبي جاز أن يكون كرامةً لولي، فقد كان القرآن معجزةً لنبينا أفيجوز أن يكون ذلك كرامةً لولي من أتباع النبي - ﵌ -؟! هذا مستحيل.
نعم! على طريقة غلاة الصوفية يمكن أن يكون ذلك، لكن ما بني على فاسد فهو فاسد، لقد جاء مع الأسف في كتاب ربما أعيدت طباعته أكثر من طباعة
[ ٣ / ٩٤٥ ]
صحيح البخاري ومسلم، وهو الكتاب المعروف بطبقات الأولياء لعبد الوهاب الشعراني، لقد ذكر في هذا الكتاب طامات وبلايا كثيرة وكثيرة جدًا تتنافى مع أصول وقواعد الشريعة الإسلامية، وأنا أعجب كيف يطبع هذا الكتاب عشرات المرات، ويروج بين المسلمين ولا رواج الصحيحين، لقد جاء فيه ما يناسب جواب الكلمة السابقة أنه زار شيخًا له، فوقف عند الباب تحت نافذة وإذا به يسمع صوتًا يشبه كأن صاحبه يتلو من القرآن الكريم لكنه حينما أنصت وفهم ما يقرأ إذا به ليس شيئًا من القرآن؛ لأنه كان يعرف الآيات القرآنية، فيتميز مثله الكلام القرآني من الكلام البشري، قال: فلما انتهى الرجل من قراءته تأكدت أنه كان يتلو كلامًا إلهيًا غير القرآن الكريم لأنه قال: اللهم أوهب ثواب ما تلوته من كلامك إلى شيخي فلان وفلان كما هي عادته، هذا مذكور في طبقات الأولياء للشعراني.
فإذًا: يمكن أن يكون هذا الكلام نشأ من تلك الضلالة التي صارت عندهم قاعدة، ونبطلها بعقيدتنا الصحيحة أن هذه القاعدة قاعدة باطلة؛ لأنها تستلزم أن يكون كلام كالقرآن الكريم من رب العالمين أن يأتي به من ليس بنبي؛ لأنهم قالوا: ما كان معجزًة لنبي جاز أن يكون كرامًة لولي، وإذا هذا نجده منصوصًا عليه في كتاب الطبقات للشعراني هذا، لذلك لا يجوز أن يغتر مسلم بمثل هذا الكلام وحسبه أن يعلم أنه كلام ما أنزل به من سلطان.
"فتاوى الإمارات" (٦/ ٠٠:١٠:١٠)
[ ٣ / ٩٤٦ ]
[٣٣٤] باب التفاضل بين النبوة والولاية وذكر بعض ضلالات أولياء الشيطان
[قال الإمام مُعلِّقًا على قول صاحب الطحاوية «ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈ ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء»]:
قال في الشرح: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع. فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (النساء: ٦٤).
وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم، ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء، ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء، ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع مباين له، ولكن هذا يقول: هو الله، وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم؛ فإنه كان مثبتًا للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق كابن عربي وأمثاله، وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره، قال:
«النبوة ختمت، ولكن الولاية لم تختم، وادعى في الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها كما قال:
[ ٣ / ٩٤٧ ]
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
وهذا قلب للشريعة فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين كما قال تعالى:
﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ (يونس: ٦٢ - ٦٣): والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة كما تقدم التنبيه على ذلك.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٤ - ١٠٦)
[٣٣٥] باب الولاية ليست بادعاء الكرامة
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: «والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن» قائلًا]:
وهم الموصوفون في قوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ (يونس: ٦٢ - ٦٣) وليست الكرامة بادعاء الكرامات وخوارق العادات كما يتوهم كثير من الناس، بل ذلك من الإهانات التي تُشَوِّه جمال الإسلام.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٠).
[٣٣٦] باب ذكر بعض أحوال أولياء الشيطان
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«حد الساحر ضربة بالسيف».
(ضعيف).
[ ٣ / ٩٤٨ ]
[قال الإمام]:
أخرجه الترمذي (١/ ٢٧٦) والدارقطني (ص ٣٣٦) والحاكم (٤/ ٣٦٠) والطبراني في " المعجم الكبير " (رقم- ١٦٦٥) والرامهرمزي في " الفاصل " (ص ١٤١) وابن عدي في " الكامل " (٨/ ٢) وعنه البيهقي (٨/ ١٣٦) من
طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن جندب قال: قال رسول الله
- ﵌ -: فذكره.
وقال الترمذي: " لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، والصحيح عن جندب موقوف ".
وأما الحاكم فقال: " صحيح الإسناد؛ وإن كان الشيخان تركا حديث إسماعيل بن مسلم؛ فإنه غريب صحيح "!.
قلت: ووافقه الذهبي! وهذا هو الغريب حقا، فإن الذهبي نفسه قد أورد إسماعيل هذا في " الضعفاء والمتروكين " وقال: " متفق على ضعفه ".وقال في " الكاشف ": " ضعفوه، وتركه النسائي ".
وقد وجدت له متابعًا، يرويه محمد بن الحسن بن سيار أبو عبد الله: حدثنا خالد العبدي عن الحسن به.
أخرجه الطبراني (١٦٦٦) وأبو سهل القطان في " حديثه " (٤/ ٢٤٥/٢).
لكنها متابعة واهية، فإن خالدًا هذا، لم أجد من ترجمة، وكذلك الراوي عنه،
فلا يعضد بها، على أن مدار الطريقين على الحسن، وهو مدلس وقد عنعن.
ولذلك فمن رام تحسين الحديث فما أحسن، لا سيما والصحيح عن جندب
[ ٣ / ٩٤٩ ]
موقوف كما تقدم عن الترمذي، وقد أخرجه الحاكم (٤/ ٣٦١) من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن:
" أن أميرا من أمراء الكوفة دعا ساحرا يلعب بين يدي الناس فبلغ جندب، فأقبل بسيفه، واشتمل عليه، فلما رآه ضربه بسيفه، فتفرق الناس عنه، فقال: أيها الناس لن تراعوا، إنما أردت الساحر- فأخذه الأمير فحبسه. فبلغ ذلك سلمان، فقال: بئس ما صنعا! لم يكن ينبغي لهذا وهو إمام يؤتم به يدعو ساحرا يلعب بين يديه، ولا ينبغي لهذا أن يعاتب أميره بالسيف ".
قلت: وهذا إسناد موقوف صحيح إلى الحسن. وقد توبع، فقال هشيم: أنبأنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي: " أن ساحرًا كان يلعب عند الوليد بن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه، ولا يضره، فقام جندب إلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: ﴿أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾.
أخرجه الدارقطني وعنه البيهقي وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٤/ ١٩/١ و٢) والسياق له من طرق عن هشيم به.
وهذا إسناد صحيح موقوف، صرح فيه هشيم بالتحديث.
وله طريق أخرى عند البيهقي عن ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود:
" أن الوليد بن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر، وكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به، فيقوم خارجا، فيرتد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله، يحيى الموتى! ورآه رجل من صالح المهاجرين، فنظر إليه، فلما كان من الغد، اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه،
[ ٣ / ٩٥٠ ]
فقال: إن كان صادقا فليحي نفسه! وأمر به الوليد دينارًا صاحب السجن- وكان رجلًا صالحًا- فسجنه، فأعجبه نحو الرجل، فقال: أتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم، قال: فاخرج لا يسألني الله عنك أبدًا ".
قلت: وهذا إسناد صحيح إن كان أبو الأسود أدرك القصة فإنه تابعي صغير، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة.
قلت: ومثل هذا الساحر المقتول، هؤلاء الطرقية الذين يتظاهرون بأنهم من أولياء الله، فيضربون أنفسهم بالسيف والشيش، وبعضه سحر وتخييل لا حقيقة له، وبعضه تجارب وتمارين، يستطيعه كل إنسان من مؤمن أو كافر إذا تمرس عليه وكان قوي القلب، ومن ذلك مسهم النار بأفواههم وأيديهم، ودخولهم التنور، ولي مع أحدهم في حلب موقف تظاهر فيه أنه من هؤلاء، وأنه يطعن نفسه بالشيش، ويقبض على الجمر فنصحته، وكشفت له عن الحقيقة، وهددته بالحرق إن لم يرجع عن هذه الدعوى الفارغة! فلم يتراجع، فقمت إليه وقربت النار من عمامته مهددا ً، فلما أصر أحرقتها عليه، وهو ينظر! ثم أطفأتها خشية أن يحترق هو من تحتها معاندًا. وظني أن جندبًا ﵁، لو رأى هؤلاء لقتلهم بسيفه كما فعل بذلك الساحر " ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ".
"الضعيفة" (٣/ ٦٤١ - ٦٤٣).
[٣٣٧] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«لو عرفتم الله حق معرفته؛ لعلمتم العلم الذي ليس معه به جهل، ولو عرفتم الله حق معرفته؛ لزالت الجبال بدعائكم، وما أوتي أحد من اليقين شيئًا إلا ما لم
[ ٣ / ٩٥١ ]
يؤت منه أكثر مما أوتي»، فقال معاذ ابن جبل: ولا أنت يا رسول الله! فقال: ولا أنا. قال معاذ: فقد بلغنا أن عيسى ابن مريم ﵇ كان يمشي على الماء، فقال رسول الله - ﵌ -: «ولو ازداد يقينًا لمشى على الهواء».
منكر، ضعيف الإسناد.
قلت: وهو عندي منكر المتن بهذا السياق؛ فإن فيه أن عيسى لم يكن يقينه من القوة بحيث يمكنه أن يمشي على الهواء، بينما حكوا أن هذا كان لبعض الأولياء، فينتج من ذلك أن هذا البعض كان أقوى يقينًا من عيسى ﵇!! ولا يخفى ما في هذا من الضلال البين، ويلزم من ذلك أحد أمرين ولا بد: إن كان هذا الذي حكوا صحيحًا، فالحديث غير صحيح، وإن كان هذا الحديث صحيحًا؛ فالذي حكوا غير صحيح ولا بد. فتأمل.
"الضعيفة" (٩/ ٣٤٧ - ٣٤٨).
[٣٣٨] باب لا يجوز طاعة أحد في معصية الله
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف».
[قال الإمام]:
وفي الحديث فوائد كثيرة أهمها أنه لا يجوز إطاعة أحد في معصية الله ﵎، سواء في ذلك الأمراء والعلماء والمشايخ. ومنه يعلم ضلال طوائف
من الناس:
الأولى: بعض المتصوفة الذين يطيعون شيوخهم ولو أمرهم بمعصية ظاهرة
[ ٣ / ٩٥٢ ]
بحجة أنها في الحقيقة ليست بمعصية، وأن الشيخ يرى ما لا يرى المريد، وأعرف شيخًا من هؤلاء نصب نفسه مرشدًا قص على أتباعه في بعض دروسه في المسجد قصة خلاصتها أن أحد مشايخ الصوفية أمر ليلة أحد مريديه بأن يذهب إلى أبيه فيقتله على فراشه بجانب زوجته، فلما قتله، عاد إلى شيخه مسرورا لتنفيذ أمر الشيخ! فنظر إليه الشيخ وقال: أتظن أنك قتلت أباك حقيقة؟ إنما هو صاحب أمك! وأما أبوك فهو غائب! ثم بنى على هذه القصة حكما شرعيا بزعمه فقال لهم: إن الشيخ إذا أمر مريده بحكم مخالف للشرع في الظاهر أن على المريد أن يطيعه في ذلك، قال: ألا ترون إلى هذا الشيخ أنه في الظاهر أمر الولد بقتل والده، ولكنه في الحقيقة إنما أمره بقتل الزاني بوالدة الولد، وهو يستحق القتل شرعا! ولا يخفى بطلان هذه القصة شرعا من وجوه كثيرة.
أولًا: أن تنفيذ الحد ليس من حق الشيخ مهما كان شأنه، وإنما هو من الأمير أو الوالي.
ثانيًا: أنه لو كان له ذلك فلماذا نفذ الحد بالرجل دون المرأة وهما في
ذلك سواء؟
ثالثًا: إن الزاني المحصن حكمه شرعا القتل رجما، وليس القتل بغير الرجم.
ومن ذلك يتبين أن ذلك الشيخ قد خالف الشرع من وجوه، وكذلك شأن ذلك المرشد الذي بنى على القصة ما بنى من وجوب إطاعة الشيخ ولو خالف الشرع ظاهرا، حتى لقد قال لهم: إذا رأيتم الشيخ على عنقه الصليب فلا يجوز لكم أن تنكروا عليه! ومع وضوح بطلان مثل هذا الكلام، ومخالفته للشرع والعقل معا نجد في الناس من ينطلي عليه كلامه وفيهم بعض الشباب المثقف. ولقد جرت
[ ٣ / ٩٥٣ ]
بيني وبين أحدهم مناقشة حول تلك القصة وكان قد سمعها من ذلك المرشد وما بنى عليها من حكم، ولكن لم تجد المناقشة معه شيئا وظل مؤمنا بالقصة لأنها من باب الكرامات في زعمه، قال: وأنتم تنكرون الكرامة ولما قلت له: لو أمرك شيخك بقتل والدك فهل تفعل؟ فقال: إنني لم أصل بعد إلى هذه المنزلة!! فتبا لإرشاد يؤدي إلى تعطيل العقول والاستسلام للمضلين إلى هذه المنزلة، فهل مِنْ عَتْب بعد ذلك على من يصف دين هؤلاء بأنه أفيون الشعب؟
"الصحيحة" (١/ ١/٣٥١ - ٣٥٣).
[٣٣٩] باب الفرق بين الكرامة والاستدراج
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يا سارية الجبل، يا سارية الجبل».
مما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهامًا من الله تعالى لعمر وليس ذلك بغريب عنه، فإنه " محدث " كما ثبت عن النبي - ﵌ - ولكن ليس فيه أن عمر كشف له حال الجيش، وأنه رآهم رأي العين، فاستدلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب من أبطل الباطل، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور.
وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله ﷿ يقول في كتابه: ﴿عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾. فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل من رسل الله حتى يصح أن يقال إنهم يطلعون على الغيب بإطلاع الله إياهم!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
[ ٣ / ٩٥٤ ]
على أنه لو صح تسمية ما وقع لعمر ﵁ كشفًا، فهو من الأمور الخارقة للعادة التي قد تقع من الكافر أيضًا، فليس مجرد صدور مثله بالذي يدل على إيمان الذي صدر منه فضلا على أنه يدل على ولايته ولذلك يقول العلماء
إن الخارق للعادة إن صدر من مسلم فهو كرامة وإلا فهو استدراج، ويضربون
على هذا مثل الخوارق التي تقع على يد الدجال الأكبر في آخر الزمان كقوله للسماء: أمطري، فتمطر وللأرض: أنبتي نباتك فتنبت، وغير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما قرأته اليوم من عدد " أغسطس " من السنة السادسة من مجلة " المختار " تحت عنوان: " هذا العالم المملوء بالألغاز وراء الحواس الخمس " ص ٢٣ قصة " فتاة شابة ذهبت إلى جنوب أفريقيا للزواج من خطيبها، وبعد معارك مريرة معه فسخت خطبتها بعد ثلاثة أسابيع، وأخذت الفتاة تذرع غرفتها في اضطراب، وهي تصيح في أعماقها بلا انقطاع: " أواه يا أماه ماذا أفعل؟ " ولكنها قررت ألا تزعج أمها بذكر ما حدث لها؟ وبعد أربعة أسابيع تلقت منها رسالة جاء فيها: " ماذا حدث؟ لقد كنت أهبط السلم عندما سمعتك تصيحين قائلة: " أواه يا أماه ماذا أفعل؟ ".وكان تاريخ الرسالة متفقًا مع تاريخ اليوم الذي كانت تصيح فيه من أعماقها ".وفي المقال المشار إليه أمثلة أخرى مما يدخل تحت ما يسمونه اليوم بـ " التخاطر " و" الاستشفاف " ويعرف باسم " البصيرة الثانية " اكتفينا بالذي أوردناه لأنها أقرب الأمثال مشابهة لقصة عمر ﵁، التي طالما سمعت من ينكرها من المسلمين لظنه أنها مما لا يعقل! أو أنها تتضمن نسبة العلم بالغيب إلى عمر، بينما نجد غير هؤلاء ممن أشرنا إليهم من المتصوفة يستغلونها لإثبات إمكان اطلاع الأولياء على الغيب، والكل
[ ٣ / ٩٥٥ ]
مخطئ. فالقصة صحيحة ثابتة وهي كرامة أكرم الله بها عمر، حيث أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو الفتك به ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب، وإنما هو من باب الإلهام (في عرف الشرع) أو (التخاطر) في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوما، فقد يصيب كما في هذه الحادثة وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر، ولذلك كان لابد لكل ولي من التقيد بالشرع في كل ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل فقال: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ ولقد أحسن من قال: إذا رأيت
شخصًا قد يطير وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف على حدود الشرع فإنه مستدرج وبدعي
"الصحيحة" (٣/ ١٠١ - ١٠٤).
[٣٤٠] باب من بدع
أولياء الشيطان التصحيح للأحاديث بطريق الكشف
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم».
(موضوع).
[قال الإمام]:
وأما قول الشعراني في " الميزان " (١/ ٢٨): "وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين، فهو صحيح عند أهل الكشف "، فباطل وهراء لا يتلفت إليه! ذلك لأن تصحيح الأحاديث من طريق الكشف بدعة صوفية مقيتة، والاعتماد
[ ٣ / ٩٥٦ ]
عليها يؤدي إلى تصحيح أحاديث باطلة لا أصل لها، كهذا الحديث لأن الكشف أحسن أحواله- إن صح- أن يكون كالرأي، وهو يخطيء ويصيب، وهذا إن لم يداخله الهوى، نسأل الله السلامة منه، ومن كل ما لا يرضيه.
"الضعيفة" (١/ ١٤٤ - ١٤٥).
[٣٤١] باب استنكار مقولة: فلان جمع بين علم الظاهر والباطن
[قال الإمام]:
وعلي بن محمد الفقيه يعرف بـ (ماذشاه)، قال أبو نعيم (٢/ ٢٤): "كان من شيوخ الفقهاء أحد أعلام الصوفية .. جمع بين علم الظاهر والباطن (!)
[والإمام ﵀ يكثر من استخدام علامة التعجب للاستنكار]
"الضعيفة" (٧/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
[٣٤٢] باب لقاء الألباني بالولي الحشاش!
سؤال: سؤالي في مجال الحديث الذي ذكره الأخ الشيخ محمد بالنسبة للقصص والأحاديث التي ترد على ألسنة بعض الشيوخ، على سبيل المثال: القصة التي سمعتها والتي وردت على لسان الشيخ عبد الحميد كشك والتي أرى يعني فيها من التناقض الكبير من حيث أنه لا أستطيع أصدق أنها نسبت أو ذكرت حتى في التاريخ، يعني القصة يقولها كما ذكر هو: إنه بعض الناس كان يشرب من قِربة كان فيها خمر، فمر عليه عمر بن الخطاب أول مرة وعندما رآه هدده بأنه سوف يجلد إن رآه يشرب الخمر مرة ثانية، فمر عنه مرة ثانية مر عنه وهو عن مسافة فرآه الرجل رأى عمر بن الخطاب فدعا الله أن يحول الخمر إلى خل، نعم فعندما سأله
[ ٣ / ٩٥٧ ]
عمر بن الخطاب ما الذي في القربة قال: إنه خل، فشمه عمر بن الخطاب فكان خلًا فهذا في رأيي فيه نوع من التناقض ومخالفة الفقه قصدي إنه كان على معصية، ويدعو الله أن ينجيه من المعصية وهو يفعلها، وأيضًا يذكر عن عبد الحميد كشك أيضًا أنه يروي أو يقول بعض الأحاديث الضعيفة والتي سندها يعني غير صحيح، وسؤالي بالنسبة للمجال هذا لأنه أعلم أن عبد الحميد كشك له تأثير كبير على الشباب اليوم ويذكر الأحاديث والقصص الضعيفة، فبدنا تعليقك على المسألة هذه؟
الشيخ: الحقيقة أن هذه القصة التي نقلتها عن الرجل أنا ما مرت علي لا في الأحاديث الصحيحة ولا في الحسنة ولا في الضعيفة ولا في الموضوعة ولا في التي لا أصل لها، وحقيقة أخرى مؤسفة أن الشيخ كشك هذا لا ينكر أن أسلوبه في التأثير على عامة الناس أسلوب عجيب لكن لا أعني أن هذا الأسلوب هو أسلوب مشروع لأنه يستعمل العاطفة وإثارة عواطف الحاضرين بمثل الأمر بالصلاة على الرسول زيدوه صلاة وأسمعوني إلى أخره، لكن في النهاية أسلوبه مؤثر، لكنه مع الأسف الشديد أنه قصاص وليس بالعالم وخاصة فيما يتعلق في مجال الحديث النبوي، فهو حواش مع كونه قصاصًا، فهو يجمع ما هب ودب من الأحاديث ويعظ الناس بها ويذكرهم فيها، وهنا تدخل كسبب يحمل مثل هذا الواعظ على الانحراف قاعدةٌ مزعومة تذكر في بعض كتب مصطلح الحديث على أنه قاعدة مسلمة لا شية فيها، وأنه يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، هذه الجملة مع أنها من المختلف فيها عند علماء الحديث هل هي مسلمة أم هي مرفوضة، والذي نتبناه نحن وذكرنا ذلك في أكثر من كتاب واحد أو رسالة واحدة أن المسلم لا يجوز له أن يتقرب إلى الله ﵎ بحديث يعرف ضعفه، هذا
[ ٣ / ٩٥٨ ]
الذي نتبناه، لكن مع أن الذين تبنوا هذه القاعدة وضعوا للعمل بها شروطًا فلما أخل جماهير المتبنين من المتأخرين لهذه القاعدة انتشرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
لكن نحن لنا تجارب كثيرة وكثيرة جدًا مع الذين ينتمون إلى العلم إذا حدث أحدهم بالحديث وهو نعلم يقينًا لا يدري من أين جاء هذا الحديث ولا يدري أنه صحيح أو ضعيف لكنه إذا فوجئ بالإنكار عليه وقيل له: يا أخي أنت تروي هذا الحديث وهذا الحديث ضعيف رأسًا أجاب بالقاعدة المزعومة: لكن يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها هل أنت تعلم أن هذا الحديث الذي رويته آنفًا هو حديث ضعيف؟ ما يعلم شيئًا من ذلك؟ إذًا قد أخل بالقاعدة لأنها وضعت لها شروط منها أن يعلم أن هذا الحديث حديث ضعيف حتى لا يختلط عليه الضعيف بالصحيح هذه القاعدة تساعد الوعاظ والقصاص والخطباء وو أن لا يتحفظوا في رواية الحديث عن الرسول - ﵌ -؛ لأنه إن كان الحديث صحيحًا فالحمد لله، وإن كان الحديث ضعيفًا يعمل به في فضائل الأعمال.
فالشيخ المذكور ليس عنده معرفة بالحديث ولذلك يروي في قصصه وفي مواعظه ما هب ودب من أحاديث، فلا تستغرب أن يروي ما لا أصل له إطلاقًا من الآثار التي ليست لها صلة بحديث الرسول - ﵌ -.
قصة الخمر والخل وهذه مصيبة الدهر والبحث في هذا الحقيقة يطول وبخاصة أن بعض العلماء يستجيزون رواية ما هو أخطر من مثل هذه الرواية أنه هذا دعى الله أن يتحول الخمر المحرم إلى خل محلل، لكن ما بالك والقصص
[ ٣ / ٩٥٩ ]
كثيرة وكثيرة جدًا بأن الشخص يشرب الخمر فينكر عليه بيقول هذا بيشرب من خمر الجنة ليس من خمركم بشيء، آخر يبيع الحشيش فيقول حينما ينكر عليه أنت تظن أنا أبيع حشيش مخدر أنا أبيع ضد الحشيش المخدر، وأن كل إنسان يشتري من عندي هذا الحشيش؟ فهو يقلع عن عادته في استعمال الحشيش المخدر، وبهذا عطلوا العقل وعطلوا الشريعة، وحسبكم في ذلك قولهم: هناك شريعة وهناك حقيقة، والحقيقة تخالف الشريعة، ولهم كلمات خطيرة وخطيرة جدًا.
ولعله يعني يحسن أن أذكر لكم قصة وقعت لي شخصيًا: خرجت كعادتي في طريقي إلى إخواننا إلى حلب واتخذنا في الطريق منزلًا بتنا فيه ليلة في قرية تبعد عن دمشق نحو ٦٠ كيلو متر اسمه دير عطية، ونحن سامرون فيها ساهرون بدل أن يطرق الباب- الدار على الجادة طبقة دنيا- فبدل أن يطرق الباب تطرق النافذة فيخرج رب الدار للنظر من هذا الطارق الغريب في طرقه، بدل أن يطرق الباب يطرق النافذة، ففوجئنا بصياح صاحب الدار مرحبًا بالطارق أهلًا وسهلًا بفلان، نحن بقى اشرأبت أعيننا إلى هذا الضيف الكريم االذي احتفى به صاحب الدار هذا الاحتفاء العظيم، دخل هذا الضيف المزعوم ففوجئت به كما فوجئ هو بي، وأعني: الرجل حشاش، تارك صلاة، لا يصوم في رمضان، يشرب الدخان في رمضان، وهو ساند ظهره لزاوية من زوايا المسجد خارج المسجد وعيناه شاخصتان مصفرتان من تأثير الحشيش فيهما، فأنا فوجئت به من جهة أن هذا رب الدار الذي نحن ضيوف عنده عم بيرحب بحشاش بفاسق فاجر إن لم يكن كافرًا، فوجئ هو بي لأنه جارنا أنا دكانتي هناك كانت بجنب هذا المسجد فكل ما خرجت للصلاة وهو يحشش يشرب دخان طبعًا فيه الحشيش، كلما رآني جلس بعيدًا عني وأخذ يتظاهر بأنه مأخوذ يعني مجذوب أخذه الحال يعني يأخذ يركع
[ ٣ / ٩٦٠ ]
ويسجد هكذا ويقول كلام بيقولوا عنه في الشام كلام مقطع يعني كلام شو بيقولوا في اللغة العربية جملة غير تامة شو بندورة حشيش بيض باذنجان ما في جملة
غير تامة.
حينئذٍ عرفت بأن رب الدار يعتقد بهذا الإنسان أنه من كبار الأولياء فارتجلت كلمة افتتحتها بالآية الكريمة ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ-الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ -لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (يونس: ٦٤) ما هي التقوى؟ ما هو الإيمان؟ تكلمنا في هذا الصدد ثم عرجنا على أمثال هذا الدجال؛ إن هذا ليس من الإسلام في شيء، وكرامة المسلم إنما هو إيمانه بالله وتقواه لله، هذا هو فقط سواء صدر منه كرامة حقيقية أو لا قال أحد المشايخ
عندنا في دمشق.
إذا رأيت شخصًا قد يطيرُ وفوق ما البحر قد يسيرُ
ولم يقف على حدود الشرع فإنه مستدرج وبدعي
وما أذكر يعني شو تكلمنا بهذا الصدد لكن ضربنا هذا الاتجاه أن يؤمن بأن الرجل الفاسق الفاجر المتظاهر بأنه مسلوب هذا من كبار الأولياء، وإذا بصاحب الدار بيقول يا أستاذ والله نحن في هذه البلدة-وهنا العبرة- في هذه البلدة كنا كما تقول إن الإيمان والتقوى هذا هو الإسلام، لكن جاءنا الشيخ فلان وقد درس في الأزهر الشريف عشرين سنة غاب عن القرية عشرين سنة ثم جاء يعظ الناس ويعلمهم في المسجد في السهرات إلخ، فكنا نسمع منه أكثر من مرة إن لله خواص في الأمكنة والأزمنة والأشخاص كلام مرجع، والحجر الذي ما بيعجبك بيفجك بيجرحك، الحجر الذي ما بيعجبك بيفجك، إذا شفت إنسان بيشرب خمر بيحشش بيجوز هذا يكون من كبار الأولياء الصالحين بس إياك ثم إياك أن تنتقد
[ ٣ / ٩٦١ ]
فتقع في مشكلة مع هذا الولي الصالح ثم روى لهم القصة التالية؛ قال: كان هناك شيخ محتسب يعني يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يخرج إلى الأسواق ومعه بعض الطلبة الحريصين على مصاحبة الشيخ، كلما رأى منكرا في السوق عند بائع عند بقال عند عطار ينصح ويذكر، حتى وقف عند بقال عندنا يقولون عن البقال عطار فرآه يبيع الحشيش لشخص فأنكر عليه وبالغ في الإنكار يا فاسق يا فاجر أنت تبيع ما يضر وما لا ينفع ووإلى آخره، بيقولهم الشيخ الأزهري فما أتم هذا العالم الفاضل الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ما أتم كلامه إلا أصبح كالبهيمة لا يعقل شيئًا، الشيخ البقال تعرفونه من كبار الأولياء والصالحين ولذلك لما أنكر عليه هذا العالم الفاضل كان الشيخ سلبه وأخذ عقله ولبه، احتار أتباعه في حقه فأخذوا يسألوني معالجة المشكلة التي لا يعرفون لها دواء، من شخص إلى شخص من مكان إلى مكان حتى جاؤوا إلى شخص فقال لهم هذا الرجل ما يدلكم على مشكلته إلا فلان اذهبوا عليه فإنه ذو الجناحين؛ يعني: جمع بين شريعة وبين الحقيقة اذهبوا إليه، ذهبوا إليه، قالوا له القصة كذا وكذا، قال هذا البقال- وأنا باسميه الولي الحشاش- هذا من كبار الأولياء والصالحين علاج شيخكم تأخذونه تسترضون هذا الولي الحشاش يرضى عن الشيخ يرجع الشيخ كما كان، ذهبوا إليه ذهبوا إليه وقالوا له يا سيدنا ما تآخذ الشيخ الشيخ مش عارف مقامك- يعني كما أرشدهم ذو الجناحين المزعوم الجامع بين الحقيقة وبين الشريعة- هكذا ما زالوا يسترضونه حتى رضي الولي الحشاش عن الشيخ العالم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ومثل واحد كان نائم صحي وأحسوا الجماعة إنه فعلًا كلام ذو الجناحين صحيح؛ أي: رجع الشيخ كما كان، الشيخ بدوره أخذ يعتذر للولي الحشاش إنه ما تآخذنا نحن ما عرفنا مقامك ومنزلتك عند الله ﷿.
أين العبرة: قال الولي الحشاش لهذا العالم: أنت يا شيخ بتظن إن أنا أبيع
[ ٣ / ٩٦٢ ]
الحشيش المخدر، أنا أبيع حشيش صورته صورة حشيش لكن أثره ضد الحشيش، فما أحد بيشتري من عندي إلا ويشفى من شرب الحشيش، هكذا يعطلون أحكام الله ﷿ وعقول الناس حتى يستعبدوهم ويخضعوهم.
ونحن نعرف مشايخ في دمشق في الشام ورجل في حلب يصرحون في دروسهم العامة في المساجد الكبيرة إذا رأيت شيخًا قد علق الصليب على رقبته فلا تنكر عليه؛ لأنه يرى ما لا ترى ويعلم ما لا تعلم، والدليل على ذلك اسمعوا القصة التالية:
كان هناك شيخ له أتباع مريدين، قال لأحدهم: تعال يا ابني اذهب إئتني برأس والدك، سمعًا وطاعًا، هكذا مُعَلَّم الولد إن الشيخ إذا أمر يجب إطاعته ولو بمخالفة شرع الله، راح الولد للبيت ففصل رأس أبيه عن بدنه وهو نائم بجانب زوجته وجاء إلى شيخه فرحًا مسرورًا، لماذا؟ لأنه نفذ أمر الشيخ، فتبسم الشيخ ضاحكا قال له كليشة قال له تظن أنت أنك قتلت والدك لا، يا ابني والدك مسافر، أما هذا صاحب أمك، أنا بآمرك تقتل أبوك؟! حاشا لله لكن هذا صاحب أمك يزني بها ولذلك أنا أمرتك أن تقتله، الناس المساكين المخدرين بهذا النوع من الأفيون الذين لا يعرفون أصحاب الأفيونات فلما بيحدث الشيخ بهذه القصة هذه وبالنتيجة هذه بتلاقي المسجد ضج بماذا بالتكبير والتعظيم والله أكبر.
هذه القصة وقعت في رمضان من رمضانات السنين قبل عشر سنوات تقريبًا، وأنا هناك جاءني أحد إخواننا بعد ما صلينا التراويح في بعض المساجد المهجورة على السنة، وكنا يومئذ نجتمع في ابتداء الدعوة في دكاني وأنا أصلح الساعات، قال لي أتعرف ماذا حدث الشيخ فلان اليوم قلت له: لا، ماذا حدث؟ ذكر لي هذه القصة ونحن في هذا الحديث يمر شخص قريب صاحبي هذا ابن خالته بالضبط
[ ٣ / ٩٦٣ ]
ويعرف بأبو يوسف هذا من مريدي الشيخ الذي حدث بهذه القصة.
الحقيقة يا إخواننا يجب أن نحمد الله ﷿ الذي عافانا من هذا النوع من الأفيون؛ لأنه هذا أخطر من الأفيون المادي؛ الأفيون المادي صحيح بيغيب بالإنسان ولكن مش كل الزمان، أما هذا الأفيون المعنوي ضايع مسلوب رايح، والدليل في تمام القصة مر أبو يوسف أمام الدكان فناداه صاحبي وهو ابن خالته يا أبو يوسف تعال؛ دخل، قال له ما رأيك في الدرس في الليلة درس الشيخ، قال له: ما شاء الله تجليات تجليات، أنا عندنا نكتة في الشام أوفي دمشق بصورة خاصة، في دمشق في محلة خاص بالنصارى اسمها باب تومة هناك صاحب دكانة واجهتين يبيع الخمر وفي اللافتة كاتب عليها: «تجليات بقلة»، بقلة هو النصراني صاحب الدكان ومسميها بغير اسمها كما هي العادة «تجليات بقلة» فلما هؤلاء الصوفية بيسموها ما شاء الله يقولوا تجليات نحن ِبُنِتْبعَها «تجليات بقلة».
الشاهد ما شاء الله بيقول أبو يوسف تجليات بقلة، قال ما رأيك بالقصة هذه قال صحيح أنتم جماعة وهابية تنكرون كرامات الأولياء، هو ذاكر في مخه أن هذه كرامة، دخل صاحبنا وهو على قد حالة في العلم مثل ابن خالته أبو يوسف دخل معه في نقاش أنا جالس وراء الطاولة أصلح الساعات، شعرت بأنه ما في فائدة من الاثنين ما في نتيجة ما في ثمرة، قلت لا بد ما أنا أدخل في الموضوع قمت وجلست بجانبهما وأخذت أتكلم مع أبو يوسف وأقول له يا أبو يوسف، بارك الله فيك انتبه؛ القصة بتدلك أنها مركبة تركيبة عندنا بيقولوا على المصيبة تركيبة، أنت ما ترى كيف الشيخ بيقول هذه أمك وهذا الرجل ما هو أبوك فهو لأنه عم يزني بها أنا أمرتك أن تذبحه تقتله وهل أنا سآمرك تذبح أبوك؟! طيب هنا مبين إنه في جهل من ناحيتين: الناحية الأولى: أن هل لغير الحاكم المسلم أن ينفذ الحدود؟ لأنه يقع
[ ٣ / ٩٦٤ ]
فتنة بين الناس، ثانيًا هل حد الزاني المحصن أن يفصل رأسه عن بدنه ولّا أن يرجم بالحجارة حتى يموت، وشيء ثالث وأخير: ولماذا أقام الحد على الزاني هذا الرجل ويمكن يكون غير محصن وترك الأم المزني بها كما هي، فمبينه أن القصة تركيبة وما تحتاج إلى نقاش يعني ما في فائدة ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أخيرا قلت لا يوجد عندنا سلاح غير سلاح العاطفة ولا حول ولا قوة إلا بالله، قلت له: يا أبو يوسف الآن باختصار الآن لو أنه الشيخ شيخك اللي روى لكم القصة هذه أمرك بأنك تذبح أبوك تفعل؟ سؤال محرج جدًا، ما هو المفروض بالنسبة لواحد من عامة المسلمين إذا سُئل هذا السائل يقول: أعوذ بالله أنا أقتل أبي؟ عارف ماذا قال؟!، قال: أنا ما وصلت هذا المقام ونفر وخرج وأنا خاطبته بلغتنا السورية قولتله: عمرك إن شاء الله ما تصل، هو يعتبر أن وصوله للمقام إذا أُمِرَ من قبل الشيخ اقتل أبوك اذبحه ما شاء الله وصل، هلّا هو لم يصل فنحن قلنا له عمرك إن شاء الله ما تصل، فلذلك العلاج هو الرجوع للكتاب والسنة وليس ما قال وقيل وحكاية وإلخ.
"الهدى والنور" (١٩٦/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)
[٣٤٣] باب ضرب الصوفيين أنفسهم بالشيش هل هو كرامة؟
سؤال: بالنسبة لبعض الزوايا للصوفيين، يضربون على الدف ويستعملون الشيش، أي نعم، شو في هذا الحكم في هذه المسألة؟
الشيخ: .. الضرب على الدف كلهو من الملاهي حرام، لكن أشد من هذا الحرام إدخال هذا الحرام في العبادة، في الذكر لله ﷿، فهذا حرام لا يجوز؛ لأن الإتيان بالمعصية معصية، لكن أشد من هذه المعصية التقرب إلى الله تبارك
[ ٣ / ٩٦٥ ]
وتعالى بها.
فهؤلاء الصوفيون أو الطرقيون الذين يرقصون في الذكر ويضربون عليه بالدف، بل بالطبل، هذا يصدق فيهم قول بعض أهل العلم:
متى علم الناس في ديننا بأن الغناء سنة تتبع
وأن يأكل المرء أكل الحمار ويرقص في الجمع حتى يقع
وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القِصَع
كذلك البهائم يرقصها ريها والشبع
فيا أولى للعقول ويا أولى للنهى ألا منكر منكم للبدع
تهان مساجدنا بالسماع وتكرم مثل ذاك البيع
وكما قال آخر:
أيا جيل ابتداعٍ شر جيل لقد جئتموا بأمر مستحيل
أفي القرآن قال لكم إلهي كلوا مثل البهائم وارقصوا لي
حاشاه.
فإذًا: الضرب على الدف أو الطبل في الذكر، هذا أشد تحريمًا من الضرب على الدف في اللهو؛ لأنهم يصدق فيهم قول الله ربنا ﷿ في كتابه: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (الأعراف: ٥١).
وقال ﵎ في حق المشركين: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (الأنفال: ٣٥).
﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ﴾ عبادتهم لله.
[ ٣ / ٩٦٦ ]
﴿عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ الحرام.
﴿إِلَّا مُكَاءً)﴾ صفيرًا، وأنتم ترون الشباب الآن كيف يصفرون، هذا إرث ورثه الكفار بعضهم من بعض، وكان المشركون في عهد الجاهلية في بيت الله الحرام يتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق.
﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ هكذا اليوم يفعل بعض المسلمين ممن عرفتم ذم فقهاء المسلمين لهم، وإنكارهم عليهم أشد الإنكار، حتى أفتى بعضهم بأن المكان الذي يذكر فيه هؤلاء الرقصة الأكلة، يجب أن يحرث؛ لأنه تلوث؛ أتي فيه بمعصية الله ﷿، ذلك الذكر الذي زعموا أنه ذكر وإنما هو لهوٌ.
" الهدى والنور" (٢٠/ ٢٦: ٠١: ٠١).
أما الضرب بالشيش، هذه مصيبة المصائب، أن يكون هناك مئات الألوف من المسلمين يتوهمون أيضًا هذا الإيذاء للنفس هو معجزة، هو كرامة لهؤلاء الناس الذين يزعمون أنهم على شي من الدين، وليسوا على شيء؛ لأن الدين هو اتباع
ما كان عليه الرسول ﵇، ولم يكن رسول الله - ﵌ - ولا أصحابه
الكرام يذكرون الله بهذه الصفة، التي عرفتم شيئًا منها من تلك الأشعار التي أسمعتكم إياها.
فهنا حرامان اجتمعا عند هؤلاء، الضرب على الدف في الذكر، وضرب هؤلاء الناس لأنفسهم بالشيش، وهذا إيذاء للنفس يقترن به تضليل للمسلمين، وإيهامهم أن هذه كرامة، والحقيقة هي ليست أولًا بكرامة، بل هي إهانة، ثم هي
[ ٣ / ٩٦٧ ]
تمرين يستطيع أفجر الفاجرين أن يفعل فعلهم، يستطيع ذلك أن يفعل ذلك الكافر، الكافر الذي لا يؤمن بالله ورسوله، لماذا؟ لأنه تمرين، رياضة، وأنتم لعلكم جميعًا سمعتم بعض غرائب الهندوس الوثنيين الذين يدفن أحدهم على مرأى من شهود، بل وأطباء فحاصين، حضروا خصيصًا كيف يدفن هذا في الأرض، ثم يخرج حيًا، من أين يتنفس؟ هل معنى هذا الوثني؛ لأنه عاش تحت التراب أيامًا مش ساعات، ثم خرج حيًا، هذا من أولياء الله الكبار، حاشا لله ﷿.
هذه تمارين ورياضة، والرياضة تأتي بعجائب الأمور، أنتم مثلًا ترون حوادث كثيرة وكثيرة جدًا، حبل ممدود على البحر، نحن لو مشينا [نمشي] على جسر ضيق، أما هو يمشي على الحبل، أيش هذه كرامة؟! مالها علاقة بالكرامة أبدًا، هذا هو تمرن، ويشترك فيه الصالح والطالح والمؤمن والكافر، وعلماء المسلمين قديمًا وحديثًا لهم تجارب مع هؤلاء الناس الذين لا يعرفون من دينهم سوى هذه التمارين التي اعتادوها ثم يُضلِّلون الناس بها، مع أن العلماء يقولون:
إذا رأيت شخصًا قد يطير وفوق ماء البحر قد يسير
ولم يقف على حدود الشرع فإنه مُسْتَدْرَجٌ وبدعي
لماذا قالوا؟ قالوا: لأن .. خوارق العادات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - معجزة.
٢ - كرامة.
٣ - استدراج.
المعجزة: من النبي، والكرامة: من الولي، والاستدراج: من الكافر والمنافق.
لستم بحاجة لنتحدث عن المعجزات، فهي في الكتاب والسنة ما شاء الله كثيرة، والكرامات أيضًا .. كرامات الأولياء الصادقين الصالحين، فهذه والحمد لله
[ ٣ / ٩٦٨ ]
أيضًا كثيرة، يقول تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ (آل عمران: ٣٧)، هذه كرامة لمريم ﵍، وهناك كتب مؤلفة في هذا الصدد، ومن أحسنها كتاب ابن تيمية ﵀ .. شو اسمه؟
مداخلة:
الشيخ: نعم؟
مداخلة: القاعدة في كرامات الأولياء
الشيخ: لا، لا ذكرونا باسمه يا جماعة.
مداخلة: الكرامة ومعجزات الأنبياء والرسل.
الشيخ: لا.
مداخلة: القاعدة في كرامات الأولياء (١).
الشيخ: الخلاصة، أما الحديث الذي ينبغي أن نتحدث عنه هو الاستدراج، لقد جاء في أحاديث كثيرة وصحيحة، بل ومتواترة أن الدجال الأكبر في آخر الزمان يقول للسماء: أمطري، فتمطر. يقول للأرض: أنبتي نباتك، فتنبت، يقول للخرابة -أرض خربة-: أخرجي كنوزك، فتخرج وتتبعه، يقطع الرجل قسمين بالسيف، ثم يعيده حيًا، هل هذه كرامات؟ هذه خوارق عادات، يجريها الله على [يد] هذا الدجال الأكبر الذي حدثنا عنه الرسول ﵇، فقال: «ما بين خلق آدم والساعة فتنة أكبر من فتنة المسيح الدجال» فها هو هذا المسيح الدجال يأتي بهذه الخوارق والعادات.
_________________
(١) يظهر لي أن الشيخ﵀إنما أراد كتاب: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان".
[ ٣ / ٩٦٩ ]
فإذًا: الخارق للعادة ما يدل على صلاح أبدًا، الصلاح هو العمل الصالح؛ لذلك قال الشاعر السابق:
إذا رأيت شخصًا قد يطير أي: يطير بدون أجنحة، مش بالطائرة، فالكفار يطيرون وسبقونا بالطيران.
إذا رأيت شخصًا قد يطير وفوق ماء البحر قد يسير
ولم يقف عند حدود الشرع فإنه مُسْتَدْرَجٌ وبدعي
فهؤلاء الذين يضربون أنفسهم بالشيش، هذه تمارين، ومن أكبر الأدلة على ذلك: أنك إذا قلت لأحدهم، هات أنا بضربك بدبوس صغير، بيقول لك: لا، ليه إذا كان هو صاحب كرامة فعلًا، خليه يأتي كرامته لأي شخص بيريد يضربه في أي مكان، يقول لك: لا، ليه؛ لأن هو مش متمرن يضرب حاله هون في الصدر، في القلب، ولا هون .. ولا هون، وإنما هون، حيث العضل، حيث اللحم، ليس حيث الأعصاب وحيث العظام.
قلتُ آنفًا: لعلماء المسلمين على مر الزمان تجارب مع هؤلاء الدجالين، من أشهرهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي تحدى شيخ الرفاعيين في زمانه، والمعروفين بالبطائحيين الذي كان يتظاهر بأنه يدخل النار ولا يحترق، فتحداهم، ووصل خبر التحدي إلى أمير دمشق يومئذ، فاستدعى شيخ الطريق، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ليشوف كيف يتجادلان وماذا يفعلان في النهاية، فتكلم شيخ الإسلام بما عنده من علم، وأن هؤلاء من أشرار الخلق، من شرار الخلق، وأنهم لا علم ولا تقوى ولا صلاح، وإنما يدجلون الناس بأمور يشترك في فعلها الصالح والطالح، والمؤمن والكافر، وقال في جملة ما قال: إن هؤلاء يدهنون
[ ٣ / ٩٧٠ ]
أبدانهم بمادة خاصة، وثيابهم كذلك، فيدخلون التنور ولا تحرقهم النار، وأنا أتحداهم بشرط واحد، تأمر يا حضرة الأمير أن يخلعوا هذه الثياب وتأتيهم ثياب غسيل من عندك، وتأمرهم أن يغسلوا بالماء والخل أبدانهم، ثم يلبسون هذه الثياب البياض، وأدخل أنا حينذاك معه التنور، فمن احترق منا فهو الكاذب، فلما انكشف الأمر لذاك الدجال، نكث على عقبيه.
حوادث كثيرة وكثيرة، لعله من المفيد أن أذكر لكم قصة بسيطة جدًا وقعت بي أنا، وأنا العبد الفقير، كنت سافرت إلى حلب من دمشق في سبيل الدعوة، ألقينا الدرس وانفض الناس، ويبقى عادة أربع خمس هيك من إخواننا الأصدقاء، تأخر معهم شخص ما رأيته البتة قبل تلك الساعة، جالس هناك بعيد عني، وبطنه هيك، ما هو بالبدين، نحيل، مع ذلك كرشه هيك، قلت له: (ما) هذا يا رجل؟ قال: هذه الرحمانية، أنا لأول مرة أسمع كلمة الرحمانية هناك في حلب، قلت: إيش يعني الرحمانية؟ قال: يعني الشيش، قلت: يعني أنت جئت بي لماذا، أنا أعرف، قال: نوريكم كراماتنا، قلت له: الأمر سهل، كنت أحمل يومئذ موسى ذي نصلين، كل نصل هيك طوله صغير، منشان بَرَّاية القلم، قلت له: إذًا أنا أضربك بهذه الموسى بيدي، فقال: بيدي. يعني: هو بيضرب حاله بها الموس اللي بعطيه إياه بإيده، قلت له: لا بيدي، قال: بيدي. فالناس بدءوا يتفرجوا على هالكلمة التي تتكرر من الفريقين، أنا بقول: بيدي، وهو بيقول: بيدي، بيدي .. بيدي .. بيدي .. بيدي، وأنا بطبيعة الحال أَصْبَر منه، أولًا: محق، وثانيًا مضى علي ما شاء الله من سنين وأنا أدعو الناس أشكالًا وألوانًا إلى دين الله الحق، فَكَلَّ ومَلَّ، ولذلك طلع منه آخر كلمة: شو الفرق، أنا بقول له: بيدي، وهو بيقول لي: بيدي بيدي، وبعدين مَلَّ
[ ٣ / ٩٧١ ]
وكَلَّ، وقال: إيش الفرق، قلت له: ما دام ما في فرق، فبيدي .. حول الموضوع رأسًا، وهذا من تجهيلهم، نادى صاحب الدار واسمه كمان أبو أحمد، قال له: يا أبو أحمد، هات المنقل، بتقولوا المنقل أنتم تبع الفحم، فهمت أنا ماذا يريد، قلت له: يا أبو أحمد، لا تجيب المنقل، هات الكبريتة. سبحان الله، كان هو من الصوفية بيعتادوا يحطوا حطة بيضاء بدون العقال، فجاء بالكبريت، شعلت كبريتة وقمت إليه، قلت له: ترجع عن دعواك هذه الباطلة، ولا بحرقك، مسكين، وجم، يعني خرس، ما يحكي ولا كلمة، وأنا أتقدم إليه خطوة خطوة حتى اقتربت منه فعلًا حطيت الكبريت في في الحطة تبعه، وبدأت تلتهب، ثم أخذتها هيك فركتها، خشية إنه يزداد الشرر، عملتها هيك، قلت: روح بقى لعند الشيوخ تبعكم، قلهم هاي كرامات السلفيين.
"الهدى والنور" (٢٠/ ١٦: ٠٩: ٠١)
[٣٤٤] باب ما هي الطريقة السلفية
للإنكار على المشعوذين؟
سؤال: نريد الطريقة السلفية للإنكار على المشعوذين؟
الشيخ: الطريقة السلفية معروفة: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف، فيقال لهؤلاء: من سلفكم في هذا؟ سلفهم أمثالهم من الدجالين، أنا قلت لبعض إخواننا أن هؤلاء لا يفهمون الأدلة ولو فهموها ما رجعوا إليها، لأن ما هم عليه هو ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، هم بلا شك من الناحية الفقهية يدَّعون المذهبية، فكل منهم ينتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة المتبعة اليوم، لكن هذا في الحقيقة اسمًا وشكلًا، أما حقيقةً وواقعًا فلا أحد منهم يتقيد
[ ٣ / ٩٧٢ ]
بالأحكام الشرعية، لكن لو سألتهم: ما مذهبك؟ سيقول: أنا حنفي أو شافعي حينئذٍ يقال له: هل إمامك الشافعي قال بجواز هذا العمل؟ هناك خطتنا نرجع إلى السنة وإلى السلف، لكن هؤلاء ما يفقهون هذه الخطة المثلى، لكن هم إذا ما أعوزهم الأمر رجعوا للاحتجاج عليه بالأئمة، وقالوا لنا: أنتم خامسية وأنتم وهابية وأنتم .. فإذًا: نحن نخاطبهم بلغتهم، أولًا نقول لهم: من سلفكم في هذه الأعمال التي تأتون بها؟ ثم القضية تحتاج إلى نوع من الاختبار والامتحان العملي بعضهم رأى من يضرب نفسه بالشيش، هذه القضية معروفة منذ مئات السنين عن هؤلاء وأنهم جريئين جدًا في أن يطعنوا أنفسهم بأيديهم، لكنهم هم في الواقع كما يقال أحدهم يعرف كيف تؤكل الكتف، هو يعرف [كيف يضرب] نفسه بنفسه ولذلك تعود القضية إلى أمرين رياضة وممارسة فتقلب عليهم القضية ويطلب منهم أن يُطعن من أحدكم مثلا ً وليس بالشيش وإنما بالموس الصغير، فهؤلاء يجب أن ينبهوا بخطوة عملية تبين للناس أنهم يدجلون فعلًا؛ لأن الحجة العلمية ما تفيدهم.
ولوالدي سابقة وتجربة مع بعض هؤلاء الطرقيين ثم جرت لي أيضًا حادثة: كان هناك في بلدنا الأصيلة ألبانيا .. كان هناك شيخ نقشبندي كان يأتي بمثل هذه الدعاوى الباطلة مما يدعونه بأنهم .. وأنه يفعل ويفعل ويطعن حاله بالشيش فأبي تحداه ﵀ وقال له: أنا رجل فقير لا أملك إلا هذه الدار فمع ذلك فهي لك إن بقيت في قيد الحياة إذا ما مكنتني من أن أطعنك بهذه الموسى الصغيرة بدل الشيش الكبيرة فأبى، والسر في هذا معروف أنهم يُطعنون من أبدانهم في أماكن يعرفون أنها غير قاتلة.
[ ٣ / ٩٧٣ ]
وكذلك وقعت لي حادثة منذ عشر سنوات في حلب التي هي في شمال دمشق، وكان من عادتي أن أسافر إليها في سبيل الدعوة كل شهر أيامًا، فبعد أن ألقيت الكلمة أو المحاضرة وانفض الناس عادةً يتخلف ويتأخر بعض الإخوان المقربين، ثلاثة أربعة لكن بقي أحدهم ما رأيته حتى في الجلسة ما تنبهت له، لأن الجلسة تكون عامرة لكن لما انصرفوا بقي ثلاثة أربعة ممن نعرفهم فهو برز أمامي بشخصه المجهول عندي، ثم لفت نظري شيء ناتئ هكذا، وهو نحيف وليس بدين مثلي .. مع كونه نحيل بطنه خارج، ما هذا يا أخي؟ قال: هذه الرحمانية ولأول مرة أسمع بها، قلت له: ما معنى الرحمانية؟ قال: يعني: الشيش، فهمت حينئذ أنه صوفي، قلت له: تريد تورينا بشيشك كرامة؟ قال: نعم، وسبحان الله! يومئذٍ كنت أحمل موسى كموسى والدي موس صغير له طرفين، قلت له: لا تحتاج إلى شيش لكن ما رأيك أن أضربك بهذه الموسى بيدي؟ قال الخبيث: لا، بيدي، قلت له: لا، بيدي، وما يسمع الحاضرون إلا هذه الكلمة تتكرر من كلينا، هو يقول: بيدي، وأنا أقول: بيدي، بيدي بيدي حتى أزعجته وأمللته، قال: ما الفرق؟ قلت له: ما دام ما في فرق فبيدي، بهت الرجل ولف ودار في الكلام ونادى صاحب البيت، قال: يا أبو أحمد! هات المنقل،- تبع الفحم- فهمت أنا ما يريد، قلت له: تريد أن ترينا كيف النار لا يؤثر فيك؟ قال: نعم، قلت له: يا أبو أحمد! لا تأتي بالمنقل ائت فقط بكبريت، سبحان الله! ما أسرع ظهور الباطل!
أتى بكبريت الرجل فهو واضع حطة هكذا .. هو بعيد قليلًا عني فقمت إليه، هو جالس في مقعده ، أشعلت الكبريت وقلت له: سترجع عن ادعاء الباطل أو أحرقك، مسكين وجهه وجم فما نطق ولا بكلمة، كيف؟ أبدًا ما يتكلم، فبدأت أحرق الحطة تبعه فعلًا، التهبت "ففركتها" عملت لها هكذا وأصبحت هكذا فجوة
[ ٣ / ٩٧٤ ]
وقلت له: اذهب إلى شيخك وأريه كراماتنا نحن.
هؤلاء الجماعة يريدون هكذا؛ لأن القضية قضية تمرين ليس قضية فيها أولًا كرامة حتى قد يكون سحر أحيانًا لكن هذه ليست [سحرًا] هذه كلها تمارين، ربنا ﷿ كان ألهم أحد مشايخ الطرق في حلب .. ما ندري هو بإخلاص .. هو بهدف ما ندري ماذا كان هو؟! أصبح سلفي [انقطاع] أنه تحمله الملائكة .. خفيف تحمله الملائكة بأن يلقي في الطبل الذي يدق عليه من أجل أن يجمعوا الناس والحقيقية يريدون أن يجمعوا الشياطين التي تعينهم على المنكر، فيرموا هذا الطبل على الأرض ثم يقف هو على الطبل فلا ينبعج الطبل؛ لأنه تحمله الملائكة هكذا يوهمون الناس.
يقول هذا الرجل ولا أزال أحفظ اسمه .. اسمه حسن ويقول الأرنؤوط يعني من بلادنا حسن الأرنؤوط شيخ طريقة يتظاهر أنه سلفي قال: أتى مرة شيخ طريقة شاب إلى حلب وأصبح يجمع الناس في الساحات في حلب ويعملوا ذكر، حلقة الذكر على طريقتهم فالحلقة تستدعي إذًا أنه يرمي هذا الطبل ويقف عليه ويشوفه الناس كيف أنه ما هوى به الطبل، أراد هذا لكن ربنا خذله ما كاد يقف إلا انبعج الطبل وهبط .. صاحبنا موجود وفي إبان مشيخته، قال له: اذهب أنت لم تَصِلْ بعد، أتى وقلب الطبل على الوجه الثاني ووقف فصفقوا له الناس، يعني: هذا ابن طريق وابن شيخ وهكذا، قال لي: ما الحيلة في هذا؟ القضية ما فيها شيء إلا نوع من التمرين هذا الشيخ الصغير ليس متمرن بعد .. الحيلة في ذلك أنه الذي يريد أن يعمل العملية يضع الكعب تبع القدم يضعه على حرف الإطار تبع الطبل وبقية القدم [على] الجلد وبذلك لا يصير شيء .. هذا الرجل باعتبار أنه غير متمرن
[ ٣ / ٩٧٥ ]
أتى بالكعب تبع القدم على الجلد فهوى به، وهكذا حكى لنا أشياء كثيرة وكثيرة جدًا كلها تدور حول أمور عادية تمامًا لكن تحتاج إلى تمرين وإلى نوع من الرشاقة والخفة.
أتى مرة ونحن في دمشق من ألبانيا بعض الشباب، ليس بالشباب الصالح، أرادوا أن يذهبوا للحياة في سوريا لعله أحسن من هناك وإذا به يفعل بعض هذه الأفاعيل التي يرتكبها الطرقيون، من جملتها يأكل الزجاج ويومئذ لم تكن الكهرباء هذه انتشرت في البلاد، كانت القناديل هذه تبع الزيت والفتيلة، واللمبة صنع البلد، فيأخذ اللمبة هذه [أمام] الناس ويعض عليها، نحن عندما نسمع جسمنا ماذا؟ يتقزز، يقرطها هكذا بالأسنان ويبلعها، أخي أكبر مني بسنتين توفي إلى رحمة الله، اسمه أبو أحمد يمكن بعض إخواننا أبو أحمد يعرفه، تمرن وأصبح هو الآخر يأكل زجاج لكن ليس بنفس الدعوى التي يدعيها الطرقيون.
يعني في قضايا تحتاج إلى نوع من الجرأة والممارسة، وهؤلاء الجماعة هكذا لا يغلبون إلا بأن يُؤتون على عكس ما يدعون هم، أما قضية حجة .. كتاب .. سنة .. أئمة .. علماء، لا يفهمون شيئًاَ من هذا إطلاقًا، لذلك فلازم نعرف كيف نجابههم ونعارضهم.
مداخلة: نقول لهم: ما دمتم أولياء .. الولي ما يحتاج إلى مقدمات من الطبل والأناشيد .. فجربوا .. أثبتوا كرماتكم بدون الطبل مثلًا ..
مداخلة: يقول لك: هذه الحضرة، لا تصبح كرامة إلا بعد الحضرة حتى يتقربوا ويصلوا
[كلام غير واضح يحكي فيه الحضور بعض ما يفعله الدجالون].
[ ٣ / ٩٧٦ ]
الشيخ: هذه من المصريين قضايا، ناس عندنا في دمشق يعمل حلقة هكذا يأخذ له ورق سورية خمسين ليرة على مشهد من الناس وبعد ذلك يرجعه، لا شك أن هذا من أنواع السحر، كما قال تعالى بالنسبة لسحرة فرعون: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: ١١٦) نعم، كذلك يأخذ الخاتم من يد إنسان وإذا به أصبح في يد إنسان آخر، أشياء غريبة جدًا مع أنه رجل لا خلاق له، يمكن أنه لا يصلي ولا يصوم وإلى آخره، ولكن الفارق بين هذا أنه يتخذها مهنة .. أولئك يتخذونها كرامة وولاية.
" الهدى والنور" (٢٨/ ٤٧: ٢٣: ٠٠)
[ ٣ / ٩٧٧ ]
جماع أبواب الكلام حول الاستغاثة وأحكامها
[ ٣ / ٩٧٩ ]
[٣٤٥] باب من الشرك: الاستغاثة بالأموات
وبيان جواز الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبيناهم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست صاحب ذلك، ثم بموسى، فيقول كذلك، ثم محمد - ﵌ -، فيشفع بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم».
[قال الإمام]:
(فائدة): قوله - ﵌ -: " استغاثوا بآدم "، أي: طلبوا منه ﵇ أن يدعو لهم، ويشفع لهم عند الله ﵎، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة معروفة في " الصحيحين "، وغيرهما، وليس فيه جواز الاستغاثة بالأموات، كما يتوهم كثير من المبتدعة الأموات! بل هو من باب الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ..﴾ الآية.
ومن الواضح البَيَّن أنه لا يجوز- مثلًا- أن يقول الحي القادر للمقيد العاجز: أَعِنيِّ! فالميت الذي يستغاث به من دونه تعالى أعجز منه، فمن خالف، فهو إما أحمق مهبول، أو مشرك مخذول لأنه يعتقد في ميته أنه سميع بصير، وعلى كل شيء قدير، وهنا تكمن الخطورة لأن الشرك الأكبر، وهو الذي يخشاه أهل التوحيد على هؤلاء المستغيثين بالأموات من دون الله ﵎، وهو القائل: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم
[ ٣ / ٩٨١ ]
آذان يسمعون بها﴾ وقال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾.
"الصحيحة" (٥/ ٥٩٠ - ٥٩٢).
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا علي، يا عباد الله احبسوا علي، فإن لله في الأرض حاضرًا سيحبسه عليكم».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
وقال الحافظ السخاوي في " الابتهاج بأذكار المسافر والحاج " (ص ٣٩): " وسنده ضعيف، لكن قال النووي: إنه جرَّبه هو وبعضُ أكابر شيوخه ".قلت: العبادات لا تؤخذ من التجارب، سيما ما كان منها في أمر غيبي كهذا الحديث، فلا يجوز الميل إلى تصحيحه بالتجربة! كيف وقد تمسك به بعضهم في جواز الاستغاثة بالموتى عند الشدائد وهو شرك خالص. والله المستعان.
"الضعيفة" (٢/ ١٠٨ - ١٠٩).
[٣٤٧] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«إذا أضل أحدُكم شيئًا، أو أراد أحدكم غوثًا، وهو بأرض ليس بها أنيس
[ ٣ / ٩٨٢ ]
فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادا لا نراهم».
(ضعيف)
[قال الإمام]:
ومع أن هذا الحديث ضعيف كالذي قبله، فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ " عباد الله " فيهما خلق من غير البشر، بدليل قوله في الحديث الأول: " فإن لله
في الأرض حاضرا سيحبسه عليهم ".وقوله في هذا الحديث: " فإن لله عبادًا
لا نراهم".
وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن، لأنهم الذين لا نراهم عادة، وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة. أخرجه البزار عن ابن عباس بلفظ: «إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني».
قال الحافظ كما في " شرح ابن علان " (٥/ ١٥١): " هذا حديث حسن الإسناد غريب جدًا، أخرجه البزار وقال: لا نعلم يروى عن النبي - ﵌ - بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ".
وحسنه السخاوي أيضا في " الابتهاج " وقال الهيثمي: "رجاله ثقات". قلت: ورواه البيهقي في " الشعب " موقوفا كما يأتي.
فهذا الحديث- إذا صح- يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول "يا عباد الله" إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب من الأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، فإن
[ ٣ / ٩٨٣ ]
الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بين لأنهم لا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا لما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة، وهذا صريح في آيات كثيرة، منها قوله ﵎: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير﴾ (فاطر ١٣ - ١٤).
"الضعيفة" (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
[قال الإمام]:
وأما الركن الأول من هذه الأركان الخمسة " شهادة أن لا إله إلا الله " فبدونها لا ينفع شيء من الأعمال الصالحة، وكذلك إذا قالها ولم يفهم حقيقة معناها،
أو فهم، ولكنه أخل به عمليًاّ كالاستغاثة بغير الله تعالى عند الشدائد ونحوها
من الشركيات.
"الضعيفة" (١/ ٢١٣).
[٣٤٩] باب منه
[قال الإمام]:
الشرك: كالاستغاثة بغير الله، والاستغاثة بالأموات من الأنبياء والصالحين، ودعائهم من دون الله، والحلف بهم تعظيمًا لهم.
"مناسك الحج والعمرة" (ص٧)
[ ٣ / ٩٨٤ ]
[٣٥٠] باب من الشرك الاستغاثة بالنبي - ﵌ - بعد موته
[قال الإمام]:
(تنبيه): أورد البيهقي في " الشعب " (٢/ ١/٨٢/ ٢) بإسناده عن أبي يزيد الرقاشي عن محمد بن روح بن يزيد البصري: حدثني أيوب الهلالي قال: " حج أعرابي، فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله - ﵌ - أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر ووقف بحذاء وجه رسول الله - ﵌ - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! جئتك مثقلا بالذنوب والخطايا، أستشفع بك على ربك لأنه قال في محكم كتابه: [ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما] .. ثم أقبل في عرض الناس وهو يقول: يا خير من دفنت في الترب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم، لم أعرف أيوب الهلالي ولا من دونه.
وأبو يزيد الرقاشي، أورده الذهبي في " المقتنى في سرد الكنى " (٢/ ١٥٥) ولم يسمه، وأشار إلى أنه لا يعرف بقوله: " حكى شيئًا "، وأرى أنه يشير إلى هذه الحكاية، وهي منكرة ظاهرة النكارة، وحسبك أنها تعود إلى أعرابي مجهول الهوية! وقد ذكرها- مع الأسف- الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ..﴾ وتلقفها منه كثير من أهل الأهواء والمبتدعة، مثل الشيخ الصابوني، فذكرها برمتها في " مختصره "! (١/ ٤١٠) وفيها زيادة في آخرها: " ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النبي - ﵌ - في النوم، فقال: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له " وهي في " ابن كثير " غير معزوة لأحد من
[ ٣ / ٩٨٥ ]
المعروفين من أهل الحديث، بل علقها على " العتبي "، وهو غير معروف إلا في هذه الحكاية، ويمكن أن يكون هو أيوب الهلالي في إسناد البيهقي.
وهي حكاية مستنكرة، بل باطلة، لمخالفتها الكتاب والسنة، ولذلك يلهج بها المبتدعة، لأنها تجيز الاستغاثة بالنبي - ﵌ -، وطلب الشفاعة منه بعد وفاته، وهذا من أبطل الباطل، كما هو معلوم، وقد تولى بيان ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه وبخاصة في " التوسل والوسيلة "، وقد تعرض لحكاية العتبي هذه بالإنكار، فليراجعه من شاء المزيد من المعرفة والعلم.
"الصحيحة" (٦/ ٢/١٠٣٤ - ١٠٣٥).
[٣٥١] باب الرد على شبه المستغيثين
[قال الإمام في مقدمة تحقيقه على "الآيات البينات في عدم سماع الأموات بعد أن رد أهم شبه المستغيثين بغير الله]:
وإني لأشعر-وقد بلغت في تسلسل هذا البحث العلمي إلى هذه النقطة الهامة-أنه لم يبق عند المستغيثين بغير ربِّ العالمين شبهة تُذْكَر إلا أن يقولوا:
سلَّمْنَا بكلِّ ما ذَكَرْتُم، ولكن هل من مانع يمنع أن نطلب منهم ما كان بمقدورهم في الحياة الدنيا؛ كالدعاء مثلًا، فبدل أن نقول مثلا: يا رسول الله أغِثْنَا، أو اشفع لنا، نقول: ادعُ الله لنا أنْ يغيثنا، أو أنْ يشفِّعك فينا، ولا نقول: يا رسول الله اغفر لنا ذنوبنا، وإنما نقول: استغفر لنا ذنوبنا، بل إن هذا بعينه هو قصدنا نحن وإن أسأنا التعبير! فقد جاء في الحديث: " تعرض على أعمالكم؛ فإن رأيتُ خيرًا حمدت الله، وإن رأيتُ شرًا استغفرت لكم" (١).
_________________
(١) قلت: وهو حديث ضعيف كما حققته في "الأحاديث الضعيفة" (٩٧١ - المجلد الثاني). [منه]
[ ٣ / ٩٨٦ ]
وجوابًا عليه أقول:
إنْ سلَّمنا بأنَّ ذلك هو القصد، فالطَّلَب من أصله خطأ وضلال لا يجوز، بل يجب الامتناع منه فورًا، وبيانه من وجهين:
الأول: أنه ينافي الإخلاص لله تعالى في دعائه وعبادته وحده، وفي ذلك آيات كثيرة صريحة في النهي عن دعاء غير الله تعالى من الأولياء والصالحين كما سيأتي، وقد مضى بعضها، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ في السَّمَاوَاتِ وَلَا في الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ: ٢٢ - ٢٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (١/ ١٩٧ - ٢٨١) بعد ذكر هذه الآية وغيرها:
"ومثل هذا في القرآن كثير: ينهى أن يُدْعَى غير الله؛ لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا غَيْرهم؛ فإنَّ هذا شرك، أو ذريعة إلى الشِّرك، بخلاف ما يُطْلَبُ من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة؛ فإن لا يُفضِى إلى ذلك؛ فإنَّ أحدًا من الأنبياء والصالحين لم يُعْبِد في حياته بحضرته؛ فإنه ينهى من يفعل ذلك بخلاف دعائهم بعد موتهم؛ فإن ذلك ذريعة إلى الشِّرك بهم، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم هو ذريعة إلى الشٍّرك.
فمن رأى نبيًّا أو مَلَكًا من الملائكة، وقال له: "ادعُ لي " لم يُفْضِ ذلك إلى الشرك به، بخلاف مَن دعاه في مغيبه؛ فإنَّ ذلك يفضي إلى الشرك به كما قد وقع؛ فإنَّ الغائب والميت لا ينهى من يشرك به، بل إذا تعلَّقت القلوب بدعائه وشفاعته أَفْضَى ذلك إلى الشرك به، فدُعِي، وقُصِد مكان قبرِه أو تمثاله أو غير ذلك، كما قد
[ ٣ / ٩٨٧ ]
وقع فيه المشركون ومَن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين.
ومعلومٌ أن الملائكة تدعو للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ (غافر: ٧).
فالملائكة يستغفرون للمؤمنين مِن غير أن يسألهم أحد، وكذلك ما رُوِى أنَّ النبي - ﵌ - أو غيره من الأنبياء والصالحين- يدعو ويشفع للأخيار من أمته هو من هذا الجنس، هم يفعلون ما أَذِنَ الله لهم فيه بدون سؤال أحد.
وإذا لم يُشرع دعاء الملائكة لم يُشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين، ولا أن نطلب منهم الدُّعاء والشَّفَاعَة، وإنْ كانوا يدعون ويشفعون؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ ما أمَرهم اللهُ به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يُطْلَبْ منهم، وما لم يُؤمروا به لا يفعلونه ولو طُلِبَ منهم؛ فلا فائدة في الطلب منهم.
الثاني: أن دعاءهم وطلبَ الشفاعة منهم في هذه الحال يُفْضِى إلى الشِّرك بهم؛ ففيه هذه المفسدة، فلو قُدِّر أنَّ فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة، فكيف ولا مصلحة فيه، بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم؛ فإنه لا مفسدة فيه؛ فإنهم ينهون عن الشِّرك بهم، بل فيه منفعة؛ وهو أنهم يُثَابُون ويُؤجَرُون على ما يفعلونه حينئذٍ من نفع الخلق كلهم؛ فإنَّهم في دارِ العمل والتكليف، وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة".
وقال في موضع آخر (١/ ٣٣٠ - ٣٣١):
"وكذلك الأنبياء والصَّالحون، وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإنْ قُدِّر أنَّهم
[ ٣ / ٩٨٨ ]
يدعون للأحياء، وإنْ وردت به آثار (١)، فليس لأحدٍ أن يطلبَ منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحدٌ من السَّلف؛ لأنَّ ذلك ذريعةٌ إلى الشِّرك بهم، وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يُفْضِى إلى الشرك، ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون هو بالأمر الكوني؛ فلا يؤثِّرُ فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته؛ فإنه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم".
والخلاصة: أن طلب الدعاء والشفاعة ونحو ذلك من الأنبياء والصالحين بعد موتهم لا يجوز؛ لأنَّه شِرك، أو ذريعةٌ إلى الشِّرك، وهذا هو الوجه الأول من الوجهين الدَّالَّين على ذلك.
والوجه الآخر: أن ذلك يعني عند الطالبين أن الأنبياء والصالحين يسمعون طلبتهم، وإلا كان دعاؤهم ومناداتهم بذلك سخفا جليًّا، وضلالًا بيِّنًا، وهذا مما يترفع عنه العاقل، بله المؤمن؛ لأنه باطل بداهةً وفطرة، وبذلك احتج الله على المشركين في مواطن كثيرة من القرآن، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ
بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾؟! (الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥)؛ ولذلك كانت حجة إبراهيم على أبيه وقومه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مريم: ٤٢) وقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾
_________________
(١) كأنه يشير إلى الحديث السابق. [منه]
[ ٣ / ٩٨٩ ]
(الشعراء:٧٠ - ٧٤). فقد اعترفوا بهذه الحجة القاطعة وخضعوا لها في قلوبهم، ولكنهم عاندوا وعدلوا عنها إلى قولهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: ٧٤).
إذا عَرَفت هذا؛ فتنبَّه أيُّها المسلم المبتلَى بدعاء الأولياء والصالحين من دون الله تعالى، هل أنت تعتقد أنهم حين تناديهم لا يسمعونك؟ إذن فأنت مع مخالفتك للعقل والفطرة السليمة مثل أولئك المشركين من قوم إبراهيم وغيرهم، ولا فرق، فلا ينفعك والحالة هذه ما تدِّعيه من إسلام وإيمان؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (الزُّمر: ٦٥) وإن كنت تزعم أنهم يسمعونك؛ ولذلك تناديهم وتستغيث بهم وتطلب منهم، فهي ضلالةٌ أخرى فُقْتَ بها المشركين! وإني لأعيذك بالله أن تكون منهم في شيء.
فأعلم أخي المسلم أنَّ كلَّ ما أعطاه الله تعالى للبشر-وفيهم الأنبياء والأولياء-من قدرات وصفات، أن كلَّ ذلك يذهب بالموت؛ كالسَّمع والبصر، والبطش، والمشي، ونحو ذلك، فما يبقى منها شيءٌ كما هو مُشَاهَد، اللهم إلا الرّوح باتفاق المسلمين، وأجساد الأنبياء كما في الحديث الصحيح، فمن زعم أنَّ الموتى يسمعون، فهو كالذي يزعم أنهم يبصرون ويبطشون ويتصرفون، فكل هذا-مع كونه خلاف المشَاهَد-إنما هو تحدُّثٌ عما وراء العقل والمادة، وذلك مما لا يجوز شرعًا؛ لأنه من الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك-وهو كذلك يقينًا لا شكَّ فيه-فلا يجوز نسبة شيء مما ذُكِرَ إلى الموتى جميعًا إلا بنصٍّ من الشارع الحكيم، فهل جاء نص يثبت للموتى صفة السمع؛ أي أنَّ من طبيعة الميت أن يسمع الكلام كما كان قبل موته، وأن ذلك صفة له كما كانت له قبل ذلك، أم الأمر على النقيض من ذلك، كما شرحه المؤلف﵀
[ ٣ / ٩٩٠ ]
تعالى-وبسط القول فيه معتمدًا على أقوال المذهب والأئمة؟ هذا ما أردتُ تحقيقه وتأييده بما وقفتُ عليه من الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة، راجيًا ممن وقف عليه أنْ يصيخ بسمعه، ويصغي بقلبه، ويتبع آيات ربه القائل في كتابه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (النمل:٨٠ - ٨١).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص ٣١ - ٣٧).
[٣٥٢] باب هل تجوز الاستغاثة بكلام الله؟
سؤال: أمس واحد يسألني يا شيخنا، يقول لي: هل يجوز أن نستغيث بكلام الله نقول: يا كلام الله؟! قلت له: يغنيك الاستغاثات الواردة عن السلف وعن النبي - ﵌ - وعن الأنبياء وكذا .. أن تأتي بهذه الاستغاثة التي لم ترد.
الشيخ: الحقيقة أن الوقوف مع النصوص الشرعية خاصة في العبادات تريح النفس، ويطمئن القلب.
"الهدى والنور" (٦٥٣/ ٠٧: ١٣: ٠٠)
[٣٥٣] باب هل تجوز الاستغاثة بنداء النبي - ﵌ - أو ذكر اسمه؟
[أورد ابن تيميه في "الكلم الطيب"]:
عن الهيثم بن حنش، قال: كنا عند عبد الله بن عمر ﵄، فخدرت رجله، فقال له رجل: «اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد - ﵌ -. قال: فقام فكأنما نشط من عقال.
(ضعيف).
[ ٣ / ٩٩١ ]
[و] عن مجاهد، قال: خدرت رِجْل رَجُل عند ابن عباس، فقال ابن عباس: «اذكر أحب الناس إليك. فقال: محمد - ﵌ -.فذهب خدره».
[قال الإمام معلقًا على الأثر الثاني]:
موضوع، أخرجه ابن السني (١٦٥) فيه غياث بن إبراهيم، قال ابن معين: كذاب خبيث، ولذلك فإني استقبحت إيراد المؤلف إياه، ثم تتابع المؤلفون على ذلك كابن القيم وابن الجزري وصديق حسن خان وغيرهم، بل لم أستحسن إيرادهم للأثر الذي قبله، وإن كان سنده أحسن حالًا من هذا، لأنه موقوف، ولا هو في حكم المرفوع لما يأتي، فلا يحتج به لو صح، ولا سيما وبعض المبتدعة يستدلون به على جواز الاستغاثة بغير الله ﵎! ولقد قارب الصواب الإِمام الشوكاني حين قال في «تحفة الذاكرين» (ص٢٠٦): «ليس في هذا ما يفيد أن لذلك حكم الرفع، فقد يكون مرجع مثل هذا التجريبَ».ثم قال:
(والمحبوب الأعظم لكل مسلم هو رسول الله - ﵌ -، فينبغي ذكره كما ورد ما يفيد ذلك في كتاب الله سبحانه مثل قوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، وكما في حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين»).
قلت: لا ريب أن رسول الله - ﵌ - هو المحبوب الأعظم لكل مسلم، لكن هل شرع الله لنا أن نذكره أو نناديه عند الخدر حتى يكون فعل ذلك دليلًا على حبه تعالى؟! إن قيل: نعم، فأين الدليل؟! وإن قيل لا، فما ذكره الشوكاني من الآية والحديث حجة عليه لا له. والله المستعان.
"تحقيق الكلم الطيب" (ص ١٧٤)
[ ٣ / ٩٩٢ ]
جماع أبواب حكم الذبح لغير الله تعالى
والكلام على حكم الفرع والعتيرة والبحيرة
[ ٣ / ٩٩٣ ]
[٣٥٤] باب من الشرك: الذبح لغير الله
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«في الإبل فرع، وفي الغنم فرع».
[قال الإمام]:
(الفرع): أول ما تلده الناقة، كانوا يذبحونه لآلهتهم، فأبطله الإسلام، وجعله الله لمن شاء على التخيير لا الإيجاب، وهو المراد بقوله - ﵌ -: «لا فرع ». كما ترى بيانه في " الإرواء " (٤/ ٤٠٩ - ٤١٣).
"الصحيحة" (٤/ ٦٥١ - ٦٥٣).
[٣٥٥] باب ذبائح الجن من الشرك
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«نهى عن ذبائح الجن».
(موضوع).
[قال الإمام]:
والحديث في " سنن البيهقي " (٩/ ٣١٤) من الوجه الذي ذكره السيوطي وعنده عقب الحديث ما نصه: قال: (لعله يعني الزهري) وأما ذبائح الجن: أن تشتري الدار وتستخرج العين وما أشبه ذلك فتذبح لها ذبيحة للطيرة، وقال أبو عبيد: وهذا التفسير في الحديث معناه: أنهم يتطيرون إلى هذا الفعل مخافة أنهم إن لم يذبحوا فيطمعوا أن يصيبهم فيها شيء من الجن يؤذيهم، فأبطل النبي - ﵌ - هذا
[ ٣ / ٩٩٥ ]
ونهى عنه.
قلت: لقد علمت أن الحديث غير صحيح، فالعمدة في النهي عن هذه الذبائح الأحاديث الصحيحة في النهي عن الطيرة، والله أعلم.
"الضعيفة" (١/ ٤١٣).
[٣٥٦] باب حكم الفرع والعتيرة
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ».زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ.
[قال الإمام]:
ولفظ البخاري: «كانوا يذبحونه لطواغيتهم» وزاد: «والعتيرة في رجب» وفي رواية لأحمد: « ذبيحة في رجب».وصرح أن هذا التفسير من قول الزهري. وهو من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
واعلم أنه قد جاءت أحاديث تدل على جواز الفرع والعتيرة، فيحمل
حديث الباب على تحريم ذلك إذا كانت لغير الله كما كانوا يفعلون في
الجاهلية. والأحاديث المبيحة على ما إذا كانت لله، وقد خرجت بعضها في
«الإرواء» (١١٦٧).
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٣٦).
[ ٣ / ٩٩٦ ]
[٣٥٧] باب ذكر ما يجوز من الفرع
[خرج الإمام في "الإرواء" حديث] أبي هريرة مرفوعًا «لا فرع ولا عتيره». متفق عليه
[ثم خرج] حديث الحارث بن عمرو أنه (لقي رسول الله - ﵌ - في حجة الوداع قال: فقال رجل: يا رسول الله الفرائع والعتائر؟ قال: من شاء فَرَع ومن شاء لم يَفْرَع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم الأضحية).رواه أحمد والنسائي) [وحكم عليه بأنه] ضعيف.
[ثم قال]:
لكن يشهد لمعنى الحديث أحاديث أخرى.
الأول: عن داود بن قيس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (وسئل عن الفرع؟ قال: والفرع حق وأن تتركوه حتى يكون بكرًا شفزيًّا (أي غليظا) ابن مخاض أو ابن لبون فنعطيه أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وتوله ناقتك) زاد في رواية: (قال: وسئل عن العتيرة؟ فقال: العتيرة حق. قال بعض القوم لعمرو ابن شعيب: ما العتيرة؟ قال: كانوا يذبحون في رجب شاة فيطبخون ويأكلون ويطعمون)
الثاني: عن نَبيشة الهذلي قال: (قالوا: يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية فما تأمرنا؟ قال: "اذبحوا لله ﷿ في أي شهر ما كان، وبروا الله ﵎، وأطعموا" قالوا: يا رسول الله إنا كنا نفرع في الجاهلية فرعا فما تأمرنا؟
[ ٣ / ٩٩٧ ]
قال: «في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك، حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه- قال خالد: أراه قال: على ابن السبيل- فإن ذلك هو خير».
[إلى أن قال]:
هذا وقد أفادت هذه الأحاديث مشروعية الفرع وهو الذبح أول النتاج على أن يكون لله تعالى ومشروعية الذبح في رجب وغيره بدون تمييز وتخصيص لرجب على ما سواه من الأشهر، فلا تعارض بينها وبين الحديث المتقدم (لا فرع ولا عتيرة)؛ لأنه إنما أبطل - ﵌ - به الفرع الذي كان أهل الجاهلية [يفعلونه] لأصنامهم، والعتيرة وهى الذبيحة التى يخصون بها رجبًا. والله أعلم
"إرواء الغليل" (٤/ ٤٠٩ - ٤١٣).
[٣٥٨] باب حكم أكل ما ذبح للأولياء والأضرحة
سؤال: هل يجوز أكل ما ذبح للأولياء والأضرحة، علمًا بأن الذابح يذكر اسم الله عند الذبح؟
الشيخ: هذا مما أهل لغير الله فلا يحل أكله.
"فتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠:٠٣:٢١)
[٣٥٩] باب البحيرة وحكمها
عن مالك بن نضلة ﵁ قال: أتيت النبي - ﵌ - فقال:
«هل تنتج إبل قومك صحاحًا [آذانها] فتعمد إلى الموسى فتقطع آذانها، وتشق جلودها، وتقول هذه صرم، فتحرمها عليك، وعلى أهلك قلت: نعم.
[ ٣ / ٩٩٨ ]
قال: «فكل ما آتاك الله حل، ساعد الله أشد من ساعدك، وموسى الله أشد
من موساك».
(صحيح).
[قال الإمام]:
كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية يوقفونها لأصنامهم ويُحرِّمونها على أنفسهم، يسيبونها ليس لها راع، وهي «البحيرة» المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٤٦٩).
[ ٣ / ٩٩٩ ]
جماع أبواب
الرقى والتمائم والتولة والأوتار وأحكامها
[ ٣ / ١٠٠١ ]
[٣٦٠] باب جواز الرقى المشروعة وكراهة الاسترقاء
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».
[قال الإمام]:
أخرجه مسلم (٧/ ١٨ - ١٩) وأحمد (٣/ ٣٨٢) والخرائطي في " مكارم الأخلاق " (ص ٩٠) من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: " أرخص النبي - ﵌ - في رقية الحية لبني عمرو.
قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: " لدغت رجلًا منا عقربٌ ونحن جلوس مع رسول الله - ﵌ - فقال رجل: يا رسول الله أرقي؟ قال "فذكره.
وفي الحديث استحباب رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس به من
الرقى، وذلك ما كان معناه مفهومًا مشروعًا، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز.
قال المناوي: " وقد تمسك ناس بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جُرّبت منفعتها، وإن لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف الماضي أن ما يؤدي إلى شرك يمنع، وما لا يعرف معناه لا يؤمن أن يؤدي إليه، فيمنع احتياطًا ".
قلت: ويؤيد ذلك أن النبي - ﵌ - لم يسمح لآل عمرو بن حزم بأن يرقي إلا بعد أن اطلع على صفة الرقية، ورآها مما لا بأس به، بل إن الحديث بروايته الثانية من طريق أبي سفيان نص في المنع مما لا يعرف من الرقى، لأنه - ﵌ - نهى نهيًا عامًاّ أول الأمر، ثم رخص فيما تبين أنه لا بأس به من الرقى، وما لا يعقل معناه
[ ٣ / ١٠٠٣ ]
منها لا سبيل إلى الحكم عليها بأنه لا بأس بها، فتبقى في عموم المنع. فتأمل.
وأما الاسترقاء، وهو طلب الرقية من الغير، فهو وإن كان جائزًا، فهو مكروه كما يدل عليه حديث " هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون " متفق عليه.
وأما ما وقع من الزيادة في رواية لمسلم: " هم الذين لا يرقون ولا يسترقون " فهي زيادة شاذة، ولا مجال لتفصيل القول في ذلك الآن من الناحية الحديثية، وحسبك أنها تنافي ما دل عليه هذا الحديث من استحباب الترقية.
وبالله التوفيق.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٤٣ - ٨٤٤)
[٣٦١] باب مشروعية ترقية المرء غيره بما لا شرك فيه من الرقى
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ارقيه، وعلميها حفصة، كما علمتيها الكتاب، وفي رواية الكتابة».
[قال الإمام]:
وفي الحديث فوائد كثيرة [منها] :
مشروعية ترقية المرء لغيره بما لا شرك فيه من الرقى، بخلاف طلب الرقية من غيره فهو مكروه لحديث " سبقك بها عكاشة " وهو معروف مشهور.
"الصحيحة" (١/ ١/٣٤٠، ٣٤٥).
[ ٣ / ١٠٠٤ ]
[٣٦٢] باب من الرقى غير المشروعة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«عالجيها بكتاب الله».
[قال الإمام]:
أخرجه ابن حبان (١٤١٩) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة: " أن رسول الله - ﵌ - دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها، فقال: " فذكره.
قلت: وإسناده صحيح، وفي الحديث مشروعية الترقية بكتاب الله تعالى ونحوه مما ثبت عن النبي - ﵌ - من الرقى كما تقدم في الحديث (١٧٨) عن الشفاء قالت: دخل علينا النبي - ﵌ - وأنا عند حفصة فقال لي: «ألا تُعَلِّمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟».وأما غير ذلك من الرقى فلا تشرع، لاسيما ما كان منها مكتوبًا بالحروف المقطعة والرموز المغلقة التي ليس لها معنى سليم ظاهر، كما ترى أنواعا كثيرة منها في الكتاب المسمى بـ " شمس المعارف الكبرى " ونحوه.
"الصحيحة" (٤/ ٥٦٥ - ٥٦٦).
[٣٦٣] باب الرقى- غير الشرعية- والتمائم والتولة من الشرك
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن الرقى، والتمائم، والتِوُلة شرك».
[قال الإمام]:
" الرقى " هي هنا ما كان فيه الاستعاذة بالجن، أو لا يفهم معناها، مثل كتابة
[ ٣ / ١٠٠٥ ]
بعض المشايخ من العجم على كتبهم لفظة " يا كبيج " لحفظ الكتب من الأرضة زعموا. و" التمائم " جمع تميمة، وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع العين، ثم توسعوا فيها فسموا بها كل عوذة. قلت: ومن ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان!
وتعليق بعض السائقين نعلا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل، كل ذلك من أجل العين زعموا. وهل يدخل في "التمائم " الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي - ﵌ -، للسلف في ذلك قولان، أرجحهما عندي المنع كما بينته فيما علقته على " الكلم الطيب " لشيخ الإسلام ابن تيمية (رقم التعليق ٣٤) طبع المكتب الإسلامي.
و" التولة " بكسر التاء وفتح الواو، ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره قال ابن الأثير: " جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر، ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى ".
"الصحيحة" (١/ ٢/٦٤٨ - ٦٥٠).
[٣٦٤] باب كراهة الاكتواء والاسترقاء
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من اكتوى أو استرقى، فقد برئ من التوكل».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه كراهة الاكتواء، والاسترقاء. أما الأول فلِمَا فيه من التعذيب بالنار، وأما الآخر، فلما فيه من الاحتياج إلى الغير فيما الفائدة فيه مظنونة غير راجحة،
[ ٣ / ١٠٠٦ ]
ولذلك كان من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. كما في حديث ابن عباس عند الشيخين. وزاد مسلم في روايته فقال: «لا يرقون ولا يسترقون» وهي زيادة شاذة كما بينته فيما علقته على كتابي " مختصر صحيح مسلم " (رقم ٢٥٤).
"الصحيحة" (١/ ١/٤٨٩ - ٤٩٠).
[٣٦٥] باب هل الاسترقاء للطفل محرم؟
سؤال: امرأة طلبت من الزوج أن يرقى ابن الابن هل هذا من الاسترقاء؟
الشيخ: ستأخذ الجواب ما جزاء الذين يسترقون؟ الجزاء أنه ليس من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، طيب! إذا كان الأمر كذلك فهل الطفل الصغير يمكن أن يدخل في هذا؟
مداخلة: لو قلنا مثلًا: لها بَنِيَّة واسترقت لهم.
الشيخ: نعم، ليس فيها شيء هذه.
"الهدى والنور" (١٧٢/ ٢٠: ٠١: ٠١)
[٣٦٦] باب هل السبعون
ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب كلهم من أهل البقيع
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«يا أم قيس! ترين هذه المقبرة؛ يبعث الله منها سبعين ألفًا يوم القيامة على صورة القمر ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب، [كأن وجوههم القمر ليلة البدر]. فقام عكاشة فقال: وأنا يا رسول الله؟! قال: وأنت. فقام آخر فقال: وأنا يا
[ ٣ / ١٠٠٧ ]
رسول الله؟! قال: سبقك بها عكاشة»
(منكر)
[قال الإمام]:
والحديث منكر؛ لأن المحفوظ أن النبي - ﵌ - قال في السبعين ألفًا أنهم: "الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون".أخرجه الشيخان.
والظاهر: أنه في عامة أمته - ﵌ -؛ وليس في الذين يدفنون في البقيع.
والله أعلم.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٨٤٩ - ٨٥٠).
[٣٦٧] باب هل الأفضل رقية الإنسان نفسه بنفسه، أم الذهاب إلى القراء وطلب الرقية منهم؟
سؤال: بالنسبة لقراءة القرآن هل يجوز قراءة القرآن للعامة أو للخاصة، يعني خاصة مثلًا بالنسبة للشيخ هنا أنه يقرأ، يذهبوا إليه الناس فيقرأ القرآن عليهم، يعني يجوز نفس للشخص المصاب يقرأ القرآن، يعني يكفيه ذلك أو يجوز له أن يذهب إلى الشيخ ؟
الشيخ: أن يقرأ المصاب القرآن بنفسه على نفسه، خير له من أن يذهب إلى غيره ويطلب الرقية منه؛ لأن في الحقيقة انكباب كثير من الناس على الذهاب إلى بعض المشائخ لطلب المعالجة منهم، الأمر عندي ليس مشروعًا بمثل هذا التوسع حتى الذهاب عند إخواننا الأطباء الدكتور عصام، ولا مؤاخذة لا نريد أن نفسد
[ ٣ / ١٠٠٨ ]
عليك المهنة ولكن نعدّل الموقف
المعروف اليوم في المعالجة الطبية المادية المعروفة، أن الإنسان الذي يشعر بأي نوع من المرض يسرع إلى الطبيب، بل وأكثر من ذلك، فكنا نتكلم فلا يشرع، وأرجو الانتباه .. أقول لا يشرع ولا أقول لا يجوز أن يُسارِع المسلم إلى الطبيب لأقل مرض يشعر به، فضلًا عن أنه لا يشرع أن يفحص نفسه احتياطًا، فالسبب في هذا .. أن واحد مريض مثلًا يذهب يطلب قراءة القرآن من غيره أم أنه يرقي نفسه؟ كان الجواب يرقي نفسه بنفسه أولى من أن يذهب إلى غيره، السبب الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «يدخل الجنة من أمتي يوم القيامة سبعون ألفًا وجوههم كالقمر ليلة البدر بغير حساب ولا عذاب» ثم دخل ﵇ حجرته، فأخذ أصحابه يتظننون من يكون هؤلاء السبعون ألف، منهم من يقول: نحن المهاجرون الذين هاجرنا في سبيل الله، منهم من يقول: نحن الأنصار الذين ناصرنا رسول الله، منهم من يقول: هم هؤلاء أبناؤنا الذين يأتون من بعدنا يؤمنون بنبينا ولم يروه .. طلع عليهم الرسول ﵇ قائلًا وهنا الشاهد: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» فقال أحدهم قال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، قام آخر قال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «سبقك بها عكاشة»، الشاهد أن هذا الحديث يقول أن من صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ووجوههم كالقمر ليلة البدر أنهم لا يطلبون الرقية من غيرهم.
فذهاب الرجل إلى غيره يقول له: ارقني، ينافي هذه الفضيلة، وهذا الذي
[ ٣ / ١٠٠٩ ]
نعنيه بأنه غير مشروع أي غير مستحب.
كذلك هناك بعض المعالجات الطبية المادية، والناجحة، والمفيدة، والثابت نفعها بالتجربة ألا وهو الكي وأيد الرسول ﵇ ذلك في بعض الأحاديث الصحيحة حيث قال: «خير ما تداويتم به» وذكر «وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي» فإذًا ليست كل معالجة ولو كانت ناجحة هي مشروعة شرعًا، منها الكي بالنار، منها الاسترقاء طلب الرقية بالقرآن وبالتعاويذ المشروعة الواردة عن الرسول ﵊، لكن من فقه الحديث الآن لماذا كان غير مشروع، بل كان مكروهًا أن يطلب المسلم من أخيه المسلم الرقية بالقرآن أو بالتعاويذ عن الرسول ﵇ لماذا؟ قال أهل العلم: لأن طلبك الرقية من غيرك علاج غير ناجح غالبًا، قد ينجح وقد لا ينجح، إذًا في هذه الحالة يحسن للمسلم أن يتوكل على الله ﷿، ولذلك أنهى الحديث بالذين وصفهم بقوله: «لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون».
فإذًا في الأمراض نستطيع أن نقسمها الآن ثلاثة أقسام، وأظن أن هذا أمر لا نقاش فيه: أمراض لها معالجات حاسمة وقاطعة، فهذه المعالجات الواجبة فرض، إذا تركها المريض يكون آثمًا ويكون مذنبًا، أمراض أخرى لها معالجات يترجح نفعها فهنا يأتي قوله ﵇: «تداووا عباد الله فإن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله» فيشرع هنا الأخذ بهذا العلاج الذي يترجح فائدته ولكن لا يجب إلا إذا كان من النوع الأول القاطع الحاسم.
يأتي العلاج الثالث مرجوح نفعه، فهنا يأتي التوكل، من هذه المرجوحية قضية طلبك من أخيك المسلم أن يرقيك، أو يدعي لك أو ما شابه لك، فهذا وإن
[ ٣ / ١٠١٠ ]
كان جائزًا لكنه جائز مرجوح، هذا ما أردت لفت النظر إليه.
مداخلة: الحديث عن الجارية التي فيها السعفة أو السفعة الرسول
- ﵌ - أمر ..
الشيخ: نعم هلا استرقيتم لها؟
مداخلة: فأمرهم بالاسترقاء وليس برقيها مباشرة، يعني لم يُعَلِّمْهُم رقيةً هم يرقوا الجارية بها ..
الشيخ: هلا استرقيتم لها؟ فيه فرق يا أخي .. في الأمس القريب وقع بيني وبين زوجتي كانت تشكو من أيام وجع في رأسها ملازم لها، المهم على قلة ما أفعل لأسباب كثيرة، وضعت يدي على رأسها ورقيتها ببعض ما جاء في السنة ..، المهم بارحة الأمس في الليل أقول لها: هل لا زلت متألمة؟ فتبسمت قالت: لا، الحمد لله، من يومها ما عد رأيتها، وهنا انفتح الموضوع هذا وهنا الشاهد، قالت لي: أنه إذا أحسست بهذا الشيء أطلب منك؟ قلت لها: لا، وذكرنا هذا الموضوع، قالت: لكن أنت من نفسك، قلت: هو كذلك، وهنا الشاهد الآن يقول الرسول ﵇: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» هذا قاله في الرقية فالآن هنا يقول ألا استرقيتم لها؟ أي ألا طلبتم الرقية لها وليس لكم، واضح؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: هذا هو جواب السؤال.
مداخلة: هل الرقية من الراجح نفعها؟
الشيخ: الرقية لها جانبتان، الرقية عبادة سواء نفعت أو ما نفعت هي عبادة
[ ٣ / ١٠١١ ]
وهي دعاء، كالرجل يدعو الله ﷿ فقد يستجاب له وقد لا يستجاب له، فكونه مشكوك الاستجابة لا نقول نحن نلحقها بطلب الرقية لا، لأن طلب الرقية طلب من العبد، لكن أنت عندما تدعو الله برقية أو بدعاء مطلق مثلًا هذه عبودية كما قال ﵇: «الدعاء هو العبادة» الرقية هي العبادة، فسواء تحقق أثرها أو لم يتحقق فهما سواء لأنها عبادة.
"الهدى والنور" (٦٢٨/ ٥١: ٠٦: ٠٠) و(٦٢٨/ ٢٣: ١٩: ٠٠)
[٣٦٨] باب هل رَقَى النبي - ﵌ -؟ وما هي الآيات
التي يُرقى بها الإنسان؟ والكلام على لفظة «لا يرقون»
في حديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب
سؤال: بالنسبة للرقية من الجن .. عملية الرقية من الجن، فيه حديث للرسول ﵊ في عملية الرقية أنه رقى أعرابيًا وما هي الآيات التي يُرقى فيها الإنسان؟
الشيخ: أما أن النبي - ﵌ - رقى فهذا صحيح، رقى بآيات من القرآن، أما ما هي الرقية؟ فلم نقف على نص للرقية التي رقى الرسول ﵇ بها، ولكن القرآن كما وصفه الله ﷿ في القرآن نفسِه هو شفاء لما في الصدور، فأي شيء وبخاصة مما هو معروف بأن النبي - ﵌ - رقى أو رُقي به مثل المعوذتين و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١) و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الكافرون: ١) فهذه معوذات معروفة، فبها يرقي الراقي وبغيرها من الآيات الكريمات التي لها صلة بالاستعانة بالله ﷿ على إخراج ذلك الجني من الإنسي المصروع.
إذًا باختصار صح أن النبي - ﵌ - قرأ على بعض الناس واستخرج الجن منهم،
[ ٣ / ١٠١٢ ]
أما ما هو الذي قرأ ورقى به فالله أعلم، لكن معلوم في السنة الصحيحة أن النبي - ﵌ - عندما سحره لبيد اليهودي وبقي في فراشه شهورًا مريضًا، حتى جاءه في مرضه شخصان ولنقل بصراحة الواقعة ملكان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجله فقال أحدهما وهما يسمعان النبي - ﵌ - وهو في فراشه قال أحدهما للآخر: ما بالرجل؟ قال: مطبوب، أي مسحور، قال: من طبّه، من سحره؟ قال: لبيد هذا اليهودي، بم سحره؟ بمشط ومشاط في بئر أظن جاء ذكرها في الحديث وأنا أُنسيته، فالمقصود أنه ﵇ فهم هذه المخاطبة التي جرت بين الملكين فقال لعائشة: هل علمت بأن الله ﷿ أرسل إلي ملكين؟ وذكر القصة هذه، فأمر عليًا بأن يذهب إلى تلك البئر فاستخرج الشيء ملفوف بشعر للرسول ﵇ ومشط مجرد ما فك هذا، وكان الرسول ﵇ قرأ على نفسه المعوذات التي ذكرناها آنفًا هو ﵇ كأنما نُشط من عقال، فُك عنه بهذه المعوذتين
بفك السحر، فالمعوذات هذه الشاهد منها أنها معروفة وأنها خير ما يُرقى بها المريض كذلك الفاتحة وفي ذلك قصة معروفة في صحيح البخاري، هذا
جواب ما سألته.
مداخلة: حكيت أن الرسول ﵊ قرأ على نفسه المعوذات، يعني نستطيع أن نقول أنه رقى نفسه؟
الشيخ: نعم نستطيع.
مداخلة: طيب والسبعين ألف الذين يدخلون الجنة الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون.
الشيخ: هذا فيه وهم، فيه وهم في الرواية وهذا أمر يجب التنبيه عليه،
[ ٣ / ١٠١٣ ]
الحديث في الصحيحين بلفظ هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وليس فيهما ولا يرقون، لا يسترقون أما رواية لا يرقون ولا يسترقون فهذه رواية تفرد بها مسلم بإحدى روايتيه، مسلم شارك الإمام البخاري في رواية وفارقه في رواية، شاركه في الرواية الصحيحة المحفوظة وهي قوله ﵊: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» فارق مسلم البخاري في رواية أخرى في صحيح مسلم فزاد فيها وقال: «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون» فزيادة «لا يرقون» في الاصطلاح الحديثي زيادة شاذة، الحديث الشاذ في تعريفهم هو: الراوي الثقة يأتي بزيادة في متن ما أو في سند ما وبحثنا الآن في المتن، يأتي بزيادة في متن يخالف الثقات، وهنا تكون هذه الزيادة ضعيفة مرفوضة ويفرّقون بين الحديث الشاذ وبين الحديث المنكر، وهذا كله اصطلاح بين أهل الاختصاص بهذا العلم وهم علماء الحديث جزاهم الله خيرًا، إذا كان الذي خالف الثقات ثقة فحديثه شاذ، وإذا كان الذي خالف الثقات ضعيفًا فحديثه منكر، لكن في النتيجة كلاهما ضعيف، واقع هذه الزيادة «لا يرقون» أنه تفرد به ثقة، وهو بالضبط حافظ من حفاظ الحديث ومن شيوخ الشيخين، واسمه سعيد بن منصور وله كتاب يُعرف بالسنن وهو كتاب مفقود منذ قديم، لكن منذ عشر سنين تقريبًا طبع منه جزءان، فهذا الرجل سعيد بن منصور تفرد برواية «لا يرقون» عن سائر الثقات الذين اشتركوا في رواية الحديث دون هذه الزيادة، هذا من جهة، والحديث في الصحيحين المحفوظ منه وغير المحفوظ أي الشاذ هو من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجاء الحديث في خارج الصحيحين وبالضبط في مستدرك الإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري رواه بالسند القوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه كما رواه ابن عباس في رواية الشيخين أي بدون الزيادة الشاذة، فهذا أكد أيضًا الشذوذ، ثم يزداد تأكيدًا على تأكيد أن كلمة "لا يرقون"
[ ٣ / ١٠١٤ ]
تعطّل أحاديث كثيرة وكثيرة جدًا صريحة في الحض على تعاطي الإرقاء للآخرين من ذلك ما رواه مسلم نفسه في صحيحه عن النبي - ﵌ - أنه قال: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» قال هذا بمناسبة الرقية.
هناك حديث آخر وله صلة وثقى بما نحن فيه أن النبي - ﵌ - دخل يومًا على زوجته حفصة ﵂ فوجد عندها امرأة فقال لها: «ألا تعلمينها الكتابة كما علمتيها رقية النملة؟» (١) فهذا فيه حض أن يتعلم المسلم الرقية لينفع أخاه المسلم، ولذلك جاءت أحاديث أخرى كما أشرت آنفًا فيها الأمر بالإرقاء، من ذلك مثلًا أنه ﵊ رأى أظن في وجه امرأة أو شخص لا أذكر الآن علامات مرض، فقال: «ارقوها» أمر بالإرقاء، ولذلك فلا بد هنا من شيئين اثنين ألا وهما: التفريق في الحديث بين الرواية من جهة، والشيء الآخر التفريق بينهما في الدراية، أي في الفقه؛ ففقهًا يستحب للمسلم أن يرقي غيره، ولكن لا يستحب للمسلم أن يطلب الرقية من غيره جمعًا بين هذه النصوص؛ لأن من صفات المتوكلين على الله حقًا والذين يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر من صفاتهم أنهم لا يسترقون، ولكن قد علمتم أن النبي - ﵌ - قد أمر بالإرقاء فإذًا لا بد من التفريق فقهًا أيضًا بين الإرقاء للغير فهذا مستحب، وبين طلبك الرقية من الغير فهذا مكروه، وفي النهاية إذا ربطنا هذا البحث بسؤالك الآنف ذكره أن الرسول رقى نفسه نعم، لكن هو لم يسترق من غيره، فإذًا ما فيه خلاف.
مداخلة: هناك سؤال يا شيخ: عائشة رقت الرسول ﵊؟
الشيخ: كانت ترقيه؟
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٢٦٠).
[ ٣ / ١٠١٥ ]
مداخلة: نعم.
الشيخ: إي نعم، لكن بدون طلب.
مداخلة: يعني من دون ما يطلب هو الرقية نعم.
الشيخ: هو هذا السر بدون طلب غيره.
مداخلة: الرواية الشاذة في صحيح مسلم؟
الشيخ: إيش؟
مداخلة: الرواية الشاذة كلمة «لا يرقون» الرواية الشاذة موجودة في
الصحيح أيضًا؟
الشيخ: قد قلت اشترك الإمام مسلم مع البخاري في رواية الرواية المحفوظة «هم الذين لا يسترقون»، وانفرد مسلم عن البخاري في رواية الرواية الشاذة، فروى الحديث بلفظ «لا يرقون ولا يسترقون» هذا ذكرناه.
مداخلة: الشاذة موجودة في الصحيح.
الشيخ: وأين الصحيح؟
مداخلة: صحيح مسلم يعني.
الشيخ: وأنا أقول عن مَن الله يهديك.
" الهدى والنور" (٦١٦/ ٢٩: ٣٧: ٠٠)
[٣٦٩] باب النبي - ﵌ - كان يرقي
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«سبعون ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، قالوا: ومن هم؟ قال: هم الذين لا يكتوون، ولا يرقون، ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون».
[ ٣ / ١٠١٦ ]
(منكر بذكر «ولا يرقون»).
وقد صح عندهما [أي عند البخاري ومسلم] أن النبي - ﵌ - كان يرقي ويكوي، في غير ما حديث صحيح.
"الضعيفة" (٨/ ١٦٨ - ١٦٩).
[٣٧٠] باب هل رقى جبريل النبيَّ - ﵌ -؟
سؤال: بالنسبة لرقية جبريل لرسول الله - ﵌ - في أخ قعد يحكي عاوز يستفسر عن مدى صحة الرقية وهي موجودة في زاد المعاد وبيحكي إذا كان بده يأخذها مهنة ويأخذ عليها أجر أو لا والدليل على ذلك؟
الشيخ: أولًا ما الرقية الجبريلية التي أنت تشير إليها
السائل: الرقية معروفة اللى تبدأ بالآذان الشرعي وخمس آيات أو أربع آيات من البقرة وكذلك من أواخر البقرة والآية أحد عشر من آل عمران وهكذا يعني
الشيخ: نحن ما نعرف هذه الرقية علمها جبريل أو رقى بها جبريل رسول
الله - ﵌ - لا نعلم هذا، والإرقاء لا بد أن يكون بما ثبت عن النبي - ﵌ - وليس بما
لم يثبت.
السائل: طب يعني حضرتك مقرأتش بالنسبة لهذه الفتوى يمكن الشيخ أبو بكر جابر الجزائري متكلم فيها.
الشيخ: أنت قرأت؟
السائل: قرأت وعالجتَ بيها كمان.
الشيخ: عالجت بها.
[ ٣ / ١٠١٧ ]
السائل: يعني للجان والسحر.
الشيخ: طيب أبو بكر الجزائري هل صححها
السائل: أبو بكر الجزائري صححها
الشيخ: كيف قال؟ وأين صححها؟
السائل: قال هذه الرقية صحيحة ويمكن أخيرًا في كتاب لم اذكر اسمه صدر حديثًا له، وفي للكاتب احمد عاشور أعتقد له كتاب
الشيخ: لا تبعد قل لي في أي كتاب حتى نشوف الذي نقلته عن أبي بكر أنه صح كما تقول ولَّا لا.
السائل: نعم نعم.
الشيخ: ما هو الكتاب؟
السائل: والله ..
الشيخ: فالآن أنت أرح نفسك في اتصال آخر تتصل معي وتذكر لي أولًا: نص كلامه الذي نسبت إليه التصحيح، وثانيًا: اسم الكتاب الذي فيه ما تقول.
"الهدى والنور" (٥٦٤/ ٥٠: ١٥: ٠٠)
[٣٧١] باب هل نثبت الرقية بالتجربة إذا كانت خالية من الشرك
السائل: سؤال عن الرقية: هل عمل الرقية أمر توقيفي أو اجتهادي، يعني: هل إذا جربنا طريقة معينة خالية من الشرك: «ارقوا ما لم يكن شركًا» من هذا النص، يجوز هذا أم لا يجوز؟
[ ٣ / ١٠١٨ ]
الشيخ: أرى في حدود ما قَيَّدْتَ أنه يجوز إذا لم يكن هناك يعني: أي شيء مما يخالف الشريعة كأن يتوهم أن هناك أسرارًا خفيةً، أو يتوهم أن يكون هناك أضرار أيضًا غير ملموسة، فبالشرط وبالقيد الذي ذكرته ما أرى بذلك بأسًا.
"الهدى والنور" (٢٣٢/ ٤٠: ٣٢: ٠٠)
[٣٧٢] باب هل تثبت الرقية بالتجربة؟
سؤال: إذا كان قد ثبت بالتجربة أن الأشياء [أي الرقى] تنجح، ولم [نعرف] .. أنه ثبت عن نبي أو ثبت عن حديث؟ ..
الشيخ: .. بقيد أنه لا يخالف الشرع.
مداخلة: أن تكون قد سبق بمثلها.
الشيخ: ما دام فقط تلاوة القرآن ليس فيها جس ليس فيها مس. ليس
هناك مانع.
مداخلة: ربما إنسان آخر يقرأ عليهم أشياء غير القرآن وينجح.
الشيخ: لا يجوز.
مداخلة: التحديد بقراءة القرآن؟
الشيخ: هو بس، أو الأدعية الوارد في السنة طبعًا، مثل التعويذات ..
مداخلة: عندما يأكل الزيت ويدِّهِن به ربما يراجع هذا وهذا حاصل بالتجربة.
الشيخ: وربما ..
[ ٣ / ١٠١٩ ]
مداخلة: وربما لا يراجع ولكن بالتجربة.
الشيخ: حسنًا، لكن هو يسأل أبو عبد الله ما علاقة الزيت في موضوع معالجة الممسوس، فلما يراجع يطلع الجني مع المراجعة أو ماذا؟
مداخلة: يعني من خلال تجربتي أنا، عندما أقرأ على الزيت أو أنفث على الزيت، عندما نأخذ زيت الزيتون ونقربه من الفم ونقرأ آيات الرقية ويدهن به المصروع يصيح الجني به ويتأذى، وهذا أمر جربناه كثيرًا.
الشيخ: وإذا لم تستعمل الزيت، يعود السؤال السابق ..
مداخلة: هو جزء من العلاج.
الشيخ: يعود الجواب السابق أو هناك تقييد، آنفًا سئلنا أنه لو رفعنا يدنا عن الضرب ولو مع الرفق بالقوارير كما قلت، ألا تنجح تلاوة الآيات؟ قلت: نعم. فنقول نفس السؤال وأظن أنه سيكون نفس الجواب، لو لم نستعمل الزيت، ألا تكفي الآيات القرآنية؟
مداخلة: والله يا شيخنا القرآن يكفي.
الشيخ: فظني كان حسنًا فيك، أنه سيكون الجواب هو نفس الجواب.
مداخلة: تتمة هذا للعلاج بس وليس هو علاجًا أساسيًا.
الشيخ: هذا كلام ينقض آخرهُ أولَه، وأولُه آخرَه ..
مداخلة: .. في آخر كتاب «النبوات» يذكر تجربته مع الجن بالتفصيل، ثم قال إن صنفًا من الجن لا يصلح معه إلا الضرب، وإن صنفًا آخر لا يصلح معه إلا الوعظ والزجر، وصنفًا ثالثًا لا يصلح معه إلا قراءة القرآن، وصنف رابع قد يتأذى بالأذان، فيظهر من خلال ما تفضلتم به، وعلى هذا الكلام أن بعض أنواع أو بعض
[ ٣ / ١٠٢٠ ]
أصناف الجن قد لا ينفع معه إلا الضرب أو مثلًا إلا الوعظ والزجر وما شابه ذلك.
الشيخ: نعم.
أولًا هو ذكر القرآن في بعض الأنواع والأذان، هذا ليس فيه إشكال.
نأخذ قسمين آخرين الزجر والضرب، الزجر أنا لا أفهم مجرد كلام غير مقرون بتلاوة القرآن، لا بد أن يكون هناك شيء من ذلك، يبقى الشيء الرابع والأخير وهو الضرب، هذا يستعمله كثيرون في الواقع، لكن أنا لا أعتقد لأنه ليس عندي سند ولا يكفيني هنا التجربة كما قلنا آنفًا؛ لأنه ليس كل تجربة ناجحة تدل على شرعية هذه الوسيلة، وإلا فتحنا بابًا واسعًا من الدجل والبدعة والخرافة، بل ومن الشرك أيضًا، الذين يتوسلون بالأنبياء والأولياء والصالحين، ويتضرعون عند قبورهم ويطلبون منهم قضاء حوائجهم، يقولون جربنا مرارًا وتكرارًا؛ حتى أنه سطر في الكتب كما أظنك تذكر معي "قبر معروف" الترياق المجرب، هذا أمر مسجل تاريخيًا، والآن مهضوم عند الناس عمليًا ومعترف به، لكن أنا لا أعتقد لأنه ليس عندي سند، ولا يكفيني هنا التجربة كما قلنا آنفًا، فيقول قائلهم: نحن يا أخي جربنا ورأينا البركة والفائدة .. وإلى آخره، فأنا أقول نجاح التجربة لا يكفي للدلالة على شرعيتها، لا بد أن يكون هناك دليل يؤيد الشرعية وإلا فلا.
مداخلة: شيخنا التوقيف وبذلك نربط بين الأمرين.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: فالتوسل أمر يعني عبادة محضة تحتاج لدليل.
الشيخ: نعم.
مداخلة: بينما التداوي الأصل فيه: المشروعية والجواز، فما دام هذا
[ ٣ / ١٠٢١ ]
للمشروعية والجواز، والأصل فيه عدم التقييد، فما أدري يعني ما جوابكم على هذا التقرير؟
الشيخ: هذا الكلام أراه صحيحًا فيما لو كان الأمر متعلقًا بمعالجة أمور لا تتعلق بالغيب، لا تتعلق بما يقال اليوم: فيما وراء المادة، وهم الجن من هذا القبيل، فما أرى هذا من هذا حتى نقول بالموافقة، احفظ سؤالك ونشوف أخونا.
مداخلة: يا شيخنا ابن باز ينقل عن أبي داود في سننه في كتاب الطب أن النبي ﵊ نفث على ماء، هل صح عندكم هذا؟
الشيخ: لا، إسناده ضعيف لا يصح.
مداخلة: طيب، الشيخ عمر الأشقر ذكر في كتابه أن النبي - ﵌ - عالج طفلًا أو رجلًا وضربه وخرج من فمه قط أسود، قال: أخرج عدو الله أنا عبد الله، في حديث في كتابه عالم الجن والشياطين؟
الشيخ: تحسن إلينا إذا رجعت إلى دارك أن تعطيني مصدر هذا الحديث.
مداخلة: كأنه في المسند شيخنا.
الشيخ: مش مهم، في المسند ست مجلدات، يعني من أحالك على غائب فما أنصفك أراجع لك ست مجلدات سيقول مثلًا من حديث فلان الصحابي، أو في جزء.
مداخلة: فإن صح يا شيخنا.
الشيخ: لا نحن ما نرى نحن جماعة سلفيين، لا نناقش الفرضيات، لكني أقول: إذا صح عندك فاعمل به، أما إذا لم يصح عندك فلا يجوز أن تعمل به إلا بعد أن يصح.
"الهدى والنور" (٦٢٧/ ٣٣: ٢٢: ٠٠) و(٦٢٧/ ٥٢: ٣٢: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
[٣٧٣] باب الرقية التي وردت مرة واحدة
هل يجوز التزام تكرارها وكيفية رقية الجمع؟
سؤال: أعيذكما بكلمات الله التامة لكل شيطان وهامة إلى آخره، هل يقال ثلاث مرات متتالية أم مرة واحدة؟
الشيخ: لا. هو ورد مرة ولكن إذا بدا للراقي أن يكرر دون التزام فلا بأس.
مداخلة: جماعة يعني: أطفال مجموعة كيف يضع يده عليهم؟
الشيخ: يضع اليدين على طفلين، ثم يكرر ذلك بالنسبة للآخرين.
مداخلة: يضع يديه الاثنتين
الشيخ: إيه نعم.
"الهدى والنور" (٣٢٣/ ٠٣: ٤٢: ٠٠)
[٣٧٤] باب هل تشرع الرقية بقراءة
خواتم سورة المؤمنين في أذن المصروع اليمنى؟
سؤال: يوجد أثر عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه وجد رجلًا مصروعًا فقرأ في أذنيه اليمنى سبع مرات خواتم المؤمنين، فأفاق الرجل المصروع، فإن صح هذا الأمر، هل هو دليل في العلاج بآيات القرآن حول الصرع؟
الشيخ: طبعًا إذا صح فهو يعني دليل واضح، لكن هل صح ذلك؟ الله أعلم.
السائل: [الأدلة] التي مضت، أو دليلين نسميهم؛ الدليل الأول حديث النبي - ﵌ -: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه بشيء فليفعل»؟
الشيخ: واحدة واحدة، «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»، ينفعه بما يُشرع أم بما لا يشرع؟
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
السائل: بما يشرع.
الشيخ: طيب، إذًا هذا ما فيه دليل، حتى تُثْبِت أن ما سبق يشرع، فإذا أَثْبَتَّ ما نفينا شرعيته، انتهت المشكلة وما (أنت) بحاجة إلى الحديث.
" الهدى والنور" (١٢/ ٢٠: ١٤: ٠٠)
[٣٧٥] باب حكم الرقية بقولهم: يا كبير
[سئل الإمام عن حكم الرقية بقولهم: يا كبير، فأجاب]
الشيخ: ما يجوز الترقية بكلام غير مفهوم بإمكان أن يكون الكلام فيه شرك، فأول شيء هنا يتبادر إلى الذهن: يا حرف نداء كبير يمكن يكون اسم شيطان رجيم، فهو يستغيث به، وفعلًا الشيطان هذا وظيفته يضلل المستغيثين به، فيمنع الأرضة، وبالتجربة ثابت هذا الشيء، فأضلهم بهذا الاسم الذي ليس معروفًا ما قصده بل هو مجهول، كأن يقول: هكذا نحن توارثنا، الأتراك يعني توارثوا الكتابة هذه أنه ضد الأرضة، وكتب الفقه تقول: أن هذا الاستعمال لا يجوز، وهذا هو الحق، لكن الناس عادات وتقاليد ماشيين عليها، وأهل العلم ماشيين عليها فماذا تقول عنهم.
علي حسن: أنا رأيت في المخطوطات التركية لما ذهبت تركيا، يعني: قلَّ
أن كتابًا وقع تحت يدي إلا عليه هذه «يا كبير»، يخطوها وتكون كبيرة وبصورة عجيبة جدًا.
الشيخ: أي نعم، هو كذلك.
مداخلة: ومن هو كبير؟
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
الشيخ: الله يبعده عنك.
مداخلة: يعني: الشيطان باللغة التركية؟
الشيخ: يمكن.
"الهدى والنور" (٢٥٧/ ٤٥: ٤٥: ٠٠)
[٣٧٦] باب هل تجوز الرقية
بوضع آيات من القرآن على موضع الألم؟
السؤال: يقول: ما حكم من وضع بعض آيات من القرآن أو قرآن على مكان فيه وجع من جسمه، مستشهدًا بجواز الرقية على مكان الوجع في القرآن الكريم؟
الشيخ: لا، هذا ليس مشروعًا، الرقية هي أن يتلو القرآن على نفسه أو على موضع مرضه ما جاء في القرآن أو في بعض الأدعية الصحيحة عن الرسول ﵇، أما أن يستعمل حجابًا فهذا من المحدثات، وبعض العلماء المتقدمين يعتبرونه تميمة، ولو كان من كلام الله ﷿، فكل ما يعلق فهو تميمة، لكن فرق بين أن يكون هذا المعلق كلام لله ﷿ أو دعاء من رسول الله - ﵌ -، وبين أن يكون من الكلام الغير مفهوم الذي قد يكون شركًا وقد يكون ضلالًا، فهذا هو الفرق، لكن في النتيجة كله تميمة، إلا أنه بعض الشر أهون من بعض، فلا يجوز إلا الرقية، أما تعليق آية أو حديث في مكان ما من الإنسان أو من الدار أو ما شابه ذلك فهذا من محدثات الأمور.
السائل: أثر ابن عمرو في تعليق آيات على ابنه صح.
الشيخ: لا ما صح.
"الهدى والنور" (٤٨٥/ ٤٧: ٢٥: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
[٣٧٧] باب هل تجوز الرقية
بكتابة آيات ثم بلّها والاستحمام بمائها؟
سؤال: .. هل [تجوز] الرقية بكتابة آيات من القرآن مما فيها (ذكر) السحر بِبَلِّ هذه الآيات كتابتها ثم بلها في الماء حتى تبوش ثم الاستحمام بالماء؟
الشيخ: لا، لا يوجد رقية إلا بالتلاوة .. السنة: لا رقية إلا بالتلاوة، أما الكتابة ومحو الكتابة بالماء فهذا قول لبعض العلماء ولكن لم نجد له أثرًا في السنة.
" الهدى والنور" (٢٨/ ٥٤: ٥٩: ٠٠)
[٣٧٨] باب لا كيف في المغيبات
سؤال: في حديث المعراج عندما فرضت الصلاة على الرسول - ﵌ - وراجعه سيدنا موسى .. كيف كانت المسألة هذه؟
الشيخ: لا كيف بارك الله فيك! الأمور غيبية خذوها قاعدة واستريحوا .. لا كيف في المغيبات، وحسبك أن تقصر فتقول كيف، غيرك يلف ويدور ويحكي كلامًا طويلًا لكن ينتهي إلى هذه الكلمة التي أنت قلت عنها: كيف؟ لا كيف في المغيبات، الإيمان المطلق وفقط بدون تكييف؛ لأنه عالم ما وراء المادة كما يقولون اليوم .. ما وراء العقل ما يقاس عليه حياتنا هذه المادية والعكس بالعكس أيضًا.
"الهدى والنور" (٢٨/ ٥٤: ٥٩: ٠٠)
[٣٧٩] باب هل يقتصر النفث على ما عُلِّمنا من القرآن؟
وهل يلحق المسح بنفس الحكم؟
سؤال: شيخنا! ورد النفث فيما علمت في المعوذات والفاتحة.
الشيخ: ورد ماذا؟
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
مداخلة: النفث.
الشيخ: النفث.
مداخلة: يعني فيما علمت في المعوذات والفاتحة، فهل يقتصر على هذا أم يعمم في كل القرآن؟ يعني: ليس على سبيل الحصر.
الشيخ: ذلك ما لا نعلمه عن الرسول ﵇ فنقف عند ما علمنا.
سؤال: كذلك شيخنا! بالنسبة لقضية الدعاء للمريض، يعني: لا أعلم ورود قضية المسح إلا في دعاء اللهم رب الناس أذهب البأس .. حين كان يمسح بيده، فهل ما قيل هناك يقال هنا أم لديك إجابة أخرى؟
الشيخ: هي نفس القاعدة.
"الهدى والنور" (٨٠٤/ ٠٢: ١٢: ٠٠)
[٣٨٠] باب هل تجوز الرقية بشريط كاسيت؟
سؤال: هل يجوز الرقية بشريط الكاست؟
الشيخ: هل يجوز الرقية إيش؟
مداخلة: عن طريق شريط كاست؟
الشيخ: طريق كاست؟
مداخلة: شريط.
الشيخ: كشريط يعني.
مداخلة: نعم.
الشيخ: هل يجوز الأذان؟ هل يجوز الإقامة؟ إن كنت في شك حتى
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
أجاوبك، وإن كنت تعلم أنه لا يجوز فالجواب هو هو، لا يجوز، ولذلك أنا قلت في بعض المناسبات نظن والله أعلم إن كان الخبر صحيحًا أن الأذان الموحَّد أحيانًا على الأقل يذاع من شريط، فإن كان هذا خبرًا صحيحًا فأنا أقول أخشى أن يأتي يوم يصلي الناس وراء الكاست تفضل.
"الهدى والنور" (٦١٦/ ٢٩: ٣٧: ٠٠)
[٣٨١] باب ضرورة اهتمام الإنسان بالمعوذات دائمًا
الشيخ: يجب على كل مسلم أولًا تعبدًا، وثانيًا تطببًا أن يستعيذ بالله ﷿ بالكلمة المنقولة عن الرسول ﵇ بالنقل الصحيح أن يقول إما: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم»، وإما أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق» فإنه لن يضره شيء في ذلك اليوم، هذا الحديث يرويه الإمام أحمد في مسنده، وأصحاب "السنن" في سننهم من طريق أبان بن عثمان بن عفان، عثمان بن عفان معروف أشهر من نار على علم أحد الخلفاء الراشدين، الخليفة الثالث، ابنه أبان من ثقات التابعين وحفاظهم كان في مجلس لما حدَّث بهذا الحديث فنظر إليه أحد الجالسين نظرة لها معنى فهمها المحدث أبان، المحدث أبان مصاب بيده بالفالج، فالجالس الذي نظر تلك النظرة التي لها معنى خاص، وفهمها أبان، قال له: يا بني- ذكر معنى ما يأتي وهو-:
إذا نزل القدر عمي البصر، أنا أنسيت أن أتعوذ هذا التعوذ في ذلك اليوم،
فأصبت بالفالج.
مداخلة: لا إله إلا الله.
الشيخ: ولذلك ينبغي للمسلم أن يجعل ديدنه وقاعدته التي لا يمكن أن تنسى إلا إذا نسي الطعام والشراب وهو أحوج ما يكون إليه، هذا لا يمكن، وعلى
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
هذا ينبغي أن يكون حريصًا على مثل هذه التعاويذ. أما إذا وقعت الواقعة، فليس لها من دون الله كاشفة.
"الهدى والنور" (٧٤٦/ ٢٢: ٣١: ٠٠)
[٣٨٢] باب هل من المشروع كتابة
القرآن بالمداد ثم شربه أو كتابته على أوراق واستنشاقها؟
سؤال: علماء في السودان يكتبون القرآن بالمداد ويشربوه .. كذلك .. يعني: يكتبون آيات قرآنية في أوراق صغيرة ويعطوها للمريض لكي يستنشقها، فالأدلة التي تمنع ذلك.
الشيخ: لم يصح نقلها عن السلف فلا نراه مشروعًا.
"فتاوى جدة" (٤/ ٠٠:٥١:٠٧)
[٣٨٣] باب التميمة من الشرك
[قال رسول الله - ﵌ -]:
" من علَّق تميمة فقد أشرك ".
[قال الإمام]:
(فائدة)
التميمة: خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم فأبطلها الإسلام كما في " النهاية " لابن الأثير.
قلت: ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو والفلاحين وبعض المدنيين
[ ٣ / ١٠٢٩ ]
ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة يعلقونها على المرآة! وبعضهم يعلق نعلا في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها! وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان! كل ذلك لدفع العين زعموا، وغير ذلك مما عم وطم بسبب الجهل بالتوحيد، وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بعثت الرسل وأنُزلت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها، فإلى الله المشتكى من جهل المسلمين اليوم، وبُعدِهم عن الدين.
ولم يقف الأمر ببعضهم عند مجرد المخالفة، بل تعداه إلى التقرب بها إلى الله تعالى! فهذا الشيخ الجزولي صاحب " دلائل الخيرات " يقول في الحزب السابع في يوم الأحد (ص ١١١ طبع بولاق): " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ما سجعت الحمائم، وحمت الحوائم وسرحت البهائم، ونفعت التمائم "!.
وتأويل الشارح لـ " الدلائل " بأن " التمائم جمع تميمة وهي الورقة التي يكتب فيها شيء من الأسماء أو الآيات وتُعلَّق على الرأس مثلا للتبرك "، فمما لا يصح لأن التمائم عند الإطلاق إنما هي الخرزات كما سبق عن ابن الأثير، على أنه لو سلم بهذا التأويل فلا دليل في الشرع على أن التميمة بهذا المعنى تنفع، ولذلك جاء عن بعض السلف كراهة ذلك كما بينته في تعليقي على " الكلم الطيب " (ص٤٤ - ٤٥ طبع المكتب الإسلامي).
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٨٩ - ٨٩١).
[٣٨٤] باب هل يجوز تعليق التمائم القرآنية؟
وهل ثبت ذلك عن ابن عمرو
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﵌ - كان يُعلِّمهم من الفزع كلمات:
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
«أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون». قال: «وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل فَأَعْلَقَهُ عليه».
[قال الإمام]:
لم يصح إسناده إلى ابن عمرو، لأن فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس
وقد عنعنه، فلا يجوز الاحتجاج به على جواز تعليق التمائم من القرآن، لعدم ثبوت ذلك عن ابن عمرو. ولا سيما وهو موقوف عليه، فلا حجة فيه، قال الشوكاني: «وقد ورد ما يدل على عدم جواز تعليق التمائم، فلا يقوم بقول عبد الله بن عمرو حجة».
والسلف من التابعين وغيرهم مختلفون في ذلك، فأجازه بعضهم وكرهه آخرون، وهذا الذي نختاره، لعدم ثبوت ذلك عن النبي - ﵌ -، ولأن القول بجوازه يعطل سُنة الترقية بالمعوذات وغيرها.
وقد روى أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ق ١١١/ ١) بسند صحيح عن إبراهيم-وهو النخعي التابعي الجليل-قال: كانوا يكرهون-يعني الصحابة-التمائم من القرآن وغيره. وقال المغيرة-وهو ابن مقسم الضبي الفقيه الثقة-: وسألت إبراهيم، فقالت: أعلق في عضدي هذه الآية: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ من حمّى كانت بي؟ فكره ذلك.
ثم روى أبو عبيدة عن الحسن البصري أنه كان يكره أن يغسل القرآن ويسقاه المريض، أو يعلَّق القرآن.
[ ٣ / ١٠٣١ ]
وإسناده صحيح لولا أن فيه عثمان بن وكيع، قال أبو حاتم: لا أعرفه.
قلت: لكن قد ذكر هو أنه روى عنه ثلاثة من الثقات أحدهم عبد الرحمن بن مهدي، وروى عنه رابع، وهو السكن بن أبي السكن كما في «التاريخ الكبير» للبخاري، و«ثقات» لابن حبان (٥/ ١٥٥)، فاطمأنت النفس لروايته والله أعلم.
"تحقيق الكلم الطيب" (ص٨٤).
[٣٨٥] باب حكم تعليق التمائم القرآنية
السائل: [بالنسبة للتمائم التي تحتوي على آيات من كتاب الله] ما
حكم تعليقها؟
الشيخ: للعلماء في ذلك قولان: الجواز والكراهة، والراجح عندي الكراهة؛ لأنها تمائم ولو كانت من كتاب الله أو من أدعية رسول الله - ﵌ -، والسبب الذي يحملني على ترجيح هذا القول يعود إلى شيئين اثنين:
الشيء الأول: أنه لم يكن من عمل السلف.
والشيء الآخر وهو مهم: أن فيه الاتكال على مثل هذه التعاويذ، أو على مثل هذه التمائم دون استعمال الرقى التي هي من السنة، أن يرقي الإنسان نفسه أو أن يرقي غيره، فحينما يضع الرقية في تميمة أو تعويذة فهو تواكل عليها، ولا يعود يستعمل الرقى التي أمرنا باستعمالها عند كل مناسبة، فلهذا وذاك يترجح عندي كراهة التعليق ولو بالصورة المذكورة آنفًا.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢٨/ ٠٠:٣٩:٥٢)
[ ٣ / ١٠٣٢ ]
[٣٨٦] باب من شرك الجاهلية: تقليد الأوتار
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، فامسحوا بنواصيها، وادعوا لها بالبركة، وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار.
(صحيح لغيره).
[قال الإمام]:
أي: قلدوها طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية التي كانت بينكم.
و«الأوتار» جمع «وتر» وهو الدم وطلب الثأر، يريد: اجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق، كما في «النهاية» قال: «وقيل: أراد بـ «الأوتار» جمع وتر: القوس. أي لا تجعلوا في أعنقاقها الأوتار فتختنق وقيل: إنما نهاهم عنها لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون العوذة لها، فنهاهم».
قلت: وهذا هو الذي رجحه أبو عبيدة وتبعه الطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ١٣٢) ولعله الصواب.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٥٣٣).
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
[٣٨٧] باب التولة وحكمها
سؤال: التِوَلة، يقول عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: شيء يصنعونه يحبب المرأة إلى زوجها. ويقول الشيخ ابن باز جزاه الله خيرًا يقول بأن هذه التمائم التي تعلق على الصغار.
فما ضابط التِوَله الله يكرمك؟
الشيخ: هي الكتابة التي يقصد بها تحقيق شيء بطريقة غير مشروعة، ومن هذا الطرق المشروعة: الحجب التي تعلق على العنق، أو تحت الإبط، أو على الصدر، أو أو .. الخ.
لكن هنا قولان للعلماء قديمًا وحديثًا.
يختلف الأمر بين أن يكون هذا الحجاب الذي هو التِوَلة، أن يكون قاصرًا على كتابة آية تعويذة من آية، أو تعويذة من حديث نبوي، فيجوز عند بعضهم، ولا يجوز عند الآخرين، لأن هذه لم تكن من عمل السلف.
أما إذا كانت الكتابة ليست من الآية أومن حديث نبوي، فهذا متفق عليه على أنه لا يجوز تعليقه، إنما الخلاف: إذا كانت كتابة شرعية، فهل يجوز التعليق؟ منهم من يقول نعم، ومنهم من يقول لا، وأنا شخصيًا أميل إلى هذا الأخير، أي لا يجوز تعليق شيء من هذه الحجب ولو كانت مقتصرة فقط على آية من القرآن الكريم، أو تعويذة من أحاديث الرسول - ﵌ - وبلا شك: المقاصد تختلف إذا كان المقصد مثلًا إصابة من العين فهي تعويذة مطلقه، وإذا كان المقصود: تحصيل المودة بين الزوجين فهذا خصص بلفظة: التولة.
"الهدى والنور" (٥٢٧/ ٥٢: ٤٣: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
[٣٨٨] باب هل يستشهد بحديث الواهنة؟
سؤال: حديث الواهنة قرأته ضعيفًا في كتب محمد بن عبد الوهاب يستشهد به، هل يجوز الاستشهاد به بصيغة التمريض؟
الشيخ: يستشهد به مع بيان ضعفه.
مداخلة: جزاك الله خير.
"الهدى والنور" (٣٣٧/ ٥٦: ٣٨: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
جماع أبواب الكلام على العلاج الشرعي للمس والصرع، والكلام حول حكم الاستعانة والتعامل مع الجن، والتنويم المغناطيسي، واستحضار الأرواح، والكلام على حكم السحر، والشعوذة، والكهانة، وغير ذلك
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
[٣٨٩] باب تلبس الجن في الإنس
السائل: سؤال .. بالنسبة للجن وهو تلبس الجن في الإنس .. كثير من الإخوان يقرؤون على الجن ثم يحضر الجني ثم يتكلم على لسان الرجل أو المرأة فإذا تكلم هل يجوز لهذا القارئ الشيخ أن يسأل الجني الذي تلبس الرجل أو المرأة .. هل يسأله: ما بال فلان وابن فلان الفلاني هل متلبس بالجني أو كذا أو كذا
الشيخ: هذا لا يجوز يا أخي؛ لأنه فيه استعانة بالجن ..
مداخلة: ولو كان الجن مثلًا يا شيخ كيف الاستعانة أولًا .. ثم إن الجن يعني: لن نخدمهم في شيء ..
الشيخ: أنا لا أقول الخدمة .. فيه استعانة أم ليس فيه استعانة؟ عندما أنت تسأل هذا الجني المتلبس بالإنسي عن مسألة غائبة عنك باعتبارك من الإنس أليس معنى ذلك أنك تستعين به؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! ولذلك قلنا: لا يجوز؛ لأن الاستعانة بالجن هي من أسباب وقوع الإنس في الشرك والضلال ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦) وقلنا لأخونا السائل وهو الظاهر كان ناقلًا عنك السؤال، قلنا: بأنه لا يجوز لهؤلاء الذين يعنون بإخراج الجني المتلبس بالإنسي إلا بتلاوة قرآن فقط كما جاء عن الرسول ﵇ أو كما جاء عن ابن تيمية نفسه وكان يحكي ذلك عن نفسه، وأما أكثر من ذلك كما نسمع اليوم ومنه هذا السؤال هذا لا يجوز في دين الإسلام؛ ولذلك علينا أن نتقي الله ﷿ في كل شيء.
"الهدى والنور" (٣٣٦/ ١٨: ٠٨: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٣٩ ]
[٣٩٠] باب الطرق الشرعية
لإخراج الجني من الإنسي وبيان خطأ التوسع في هذا الباب؟
السائل: ما هي الطرق الشرعية لمحاولة إخراج هذا الجن؟
الشيخ: هي الطريقة الوحيدة .. وهي تلاوة القرآن.
مداخلة: ثم كيف يعرف أن هذا الشخص قد تلبسه جني؟
الشيخ: ربما قد يكون لها ظواهر ويكفي منها أن يكون المريض الممسوس قد عالج نفسه مرارًا وتكرارً عن الأطباء الماديين فما نجح طبهم فيه، فيصبح عنده قناعة أنه لعله ممسوس، يذهب إلى بعض من [عُرِف] بأنه يقرأ على أمثال هؤلاء، لكن هناك ظاهرة مريبة الآن، وهي أن الناس ..
أردت أن أقول أن مس الجن للإنس هذه حقيقة شرعية لا سبيل لإنكارها، وفي القرآن الكريم آية يُشبِّه ربنا ﷿ فيها: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥)، فهذه الآية تشير إلى أن الشيطان يمس الإنسان ويتلبسه بحيث يجعله يصطرع، وانصراع الإنس حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها؛ لأننا نراه يرتمي أرضًا ويخرج الزبد من فمه وتتطور مظاهر بدنه ويعترف الطب إلى أنه لا معالجة لديه لهذه الظاهرة، بينما النبي - ﵌ - قد عالج بعض الناس في زمانه بتلاوته بعض الآيات الكريمة ومخاطبته ﵇ للشيطان الذي كان متلبسًا بذاك الإنسان، ثم جرى على هذا بعض العلماء الأفاضل الذين نعتقد بأنهم أبعد العلماء عن الخرافة وعن الدجل وأن يمشي من تحتهم الزغل ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد كان مشهورًا بمعالجته لأمثال هؤلاء المصابين، فهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن أردت أن أقول بأن الناس اليوم داخلتهم كثير من الأوهام؛ بحيث أنه بمجرد أن يصاب
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
أحدهم بشيء ولو كان أمرًا طبيعيًا إلا ويتوهم أن هناك سحرًا، أو يكون هناك جني متلبس يحول بين المسلم أو المسلمة وما يريدون، هذا كثيرًا ما يقع وفي الأمس القريب .. ليلة أمس اتصلت بي امرأتان الأولى أم لثلاث بنات تقول في المقدمة أريد أن أعرض مشكلتي عليك. فقلت لها: تفضلي، فقالت: عندي ثلاث بنات يأتيهم الخُطَّاب ولا يحدث نصيب، فالأم كأم متضجرة من هذه الحالة، فربما يكون هناك سحر أو يكون هناك كتابة أو كذا .. تسأل عن معالجة بالطريقة التي تَخصَّص فيها بعض الناس اليوم من الكتابة أو من مخاطبة من يظن أنه متلبس بجني ونحو ذلك.
الحقيقة أني أطلت النفس معها وأفهمتها بأن هذه ظاهرة طبيعية يا بنت الحلال، وسألتها عن عمر ابنتها الكبيرة فقالت سبع وعشرين سنة، والصغيرة سبعة عشر تقريبًا، قلت هذا الوضع وضع طبيعي خاصة شباب اليوم مشغولين بالدراسة وبالشغل وبايعين التعجيل بالزواج بمثل هذه الدراسة التي ما أنزل الله بها
من سلطان.
الخلاصة اقتنعت مني أخيرًا أن الوضع طبيعي وليس له علاقة بموضوع السحر والجن .. إلى آخره.
بعد قليل اتصلت بنت تسألني أظن تسألني عن الدكتور عادل في الزرقاء، تسألني ما رأيك هناك شخص يعالج بعض الناس الذي يظن أنهم مصابون بشيء من المس، قلت لها رأسًا: أنت بنت المرأة التي كانت تحكي معي قبل دقائق؟ فوجِئَت، طبعًا هي أنكرت، أخذت الخلاصة أتكلم معها أيضًا، والخلاصة أنني تعمقت معها في السؤال وسألتها ماذا يفعل هذا الرجل وهنا الشاهد الآن، هل عندما تذهب إليه المرأة يمد يده إليها، قالت: يضع يده على جبينها، قلت: هذا لا
[ ٣ / ١٠٤١ ]
يجوز. وبعد ذلك رَقَّعَت الجواب بأنه من فوق الثوب أو الغطاء أو ما شابه ذلك، قلت على كل حال أنا لا أستطيع أن أجيبك بجواب سلبي أو إيجابي إلا إذا عرفت حقيقة حال هذا الرجل، هل تعرفيه أو لا تعرفيه؟ قالت: أنا لا أعرفه. قلت لها: ليس عندي جواب. والسلام عليكم.
الشاهد الآن هناك وسوسة حول هذه الناحية مع أن هذه حقيقة فتوسَّعوا فيها، واستُغلت هذه الوسوسة من كثير من الناس الذين يريدون أن يصطادوا في الماء العكر حتى بعض النساء يتعاطون هذه المهنة ويتعاطون مع قراءة بعض الآيات وقد لا يحسنون تلاوتها أمور هي عين الدجل، ولذلك الذي ينبغي أن يكون موقف المسلم من هذه الظاهرة هو الإيمان بما سبق ذكره آنفًا أن الجني قد يتلبس بالإنسي، وأن معالجة هذه المشكلة إنما يكون بتلاوة القرآن فقط، فمن أصيب بشيء من هذا فعليه أن يسأل عن المشايخ الذين يتعاطون التلاوة في حدود الأحكام الشرعية ولا يتوسعون في ذلك، بعضهم يستعملون الزيت، وبعضهم يستعملون الماء الذي ألقي على إناء مقروءًا مكتوبًا عليه بعض الآيات، وهذه
مع الأسف يفتي به بعض القدامى والمحدثين من العلماء، ولكن لا أجد لهم في ذلك سلفًا.
"الهدى والنور" (٦٢٧/ ١٧: ١٤: ٠٠)
[٣٩١] باب حكم الاستعانة بالجني المتلبس بالإنسي للعلاج
سؤال: أنا يعني أقرأ على المصابين بالجن.
الشيخ: حفظك الله.
مداخلة: بارك الله فيك، وعندي بعض الأسئلة في هذا الموضوع.
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
الشيخ: نعم.
مداخلة: أحيانًا عندما أقرأ أدعوا الجني للإسلام ويسلم والحمد لله ومرات أساله عن موضع السحر ليس فقط للمريض وإنما لمرض آخر، هل سؤالي له جائز، وأحيانًا هو يساعد في إخراج السحر، يساعد ويخبرك عن مكان الصفة ويساعد كذلك في إخراجه وفك السحر عن هذا المريض بهذه الطريقة، هو نفسه يأخذ السحر ويفكه، ويعود المريض معافى سليمًا خاليًا من المرض، هل
هذا جائز؟
الشيخ: أنا أعتقد أنك سلفي معنا أليس كذلك؟
مداخلة: نسأل الله أن نكون عند حسن الظن.
الشيخ: إن شاء الله.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فهل لك سلف في ذلك؟
مداخلة: لا أعلم.
الشيخ: وأنا مثلك لا أعلم، فماذا يكون الجواب؟
مداخلة: في العلاج أم في المرض في العلاج أم في السؤال؟
الشيخ: أنت عن ايش عم تسأل؟
مداخلة: أنا بسأل عن العلاج وعن السؤال.
الشيخ: وأنا أجيب عن السؤال والعلاج.
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
مداخلة: أما في العلاج في أثر في هذا
الشيخ: لأن العلاج ناتج عن سؤال.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ولَّا ليس كذلك؟
مداخلة: لا، هناك نوعين
الشيخ: آه.
مداخلة: النوع الأول: أنني أعالج بالكتاب والسنة، أقرأ على المريض بعض الآيات التي وردت يعني قرأها رسول الله مثل الفاتحة، مثل آية الكرسي، المعوذات.
الشيخ: معليش نحن ما هذا موضوعنا
مداخلة: لكن أحيانًا يحصل هذا مثلًا أقرأ مع هذا الجني وما يطلع، فأقرأ على مريض آخر ويكون الجني قد أسلم و..
الشيخ: يكون ما فيه حاجة لهذا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما لك فيه سلف فأنت سلفي، وما ليس لك فيه سلف فأنت خلفي.
مداخلة: نعم.
الشيخ: المسألة واضحة.
مداخلة: طيب يعني إن ملخص الكلام لا يجوز؟
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
الشيخ: لا يجوز طبعًا، هذا استعانة بالجن.
مداخلة: وقد حصل هذا ماذا أعمل؟
الشيخ: هذا استعانة بالجن.
مداخلة: حصل هذا.
الشيخ: تب إلى الله.
مداخلة: أستغفر الله.
الشيخ: أي نعم ، لا يجوز سؤال الجن أن هذا مرضه كذا ما هو علاجه ما هو كذا؟ قال إنه أسلم ما دراك أنه أسلم، يجوز أن هذا تورية من شان يجرك إلى قضية أخرى كما كانت تفعل الشياطين مع العرب في الجاهلية، حيث ينطقون من أصناهم فيضلونهم سواء السبيل.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا يجوز التعاون مع عالم الغيب إطلاقًا، ولا يجوز مناداتهم ولا يجوز الطلب منهم.
مداخلة: أما العلاج فجائز
الشيخ: انتهينا لما ذكرت أن علاجك نوعين: سلفي وخلفي فقلنا: علاجك السلفي فنعما هو، أما علاجك الخلفي [فلا].
مداخلة: طيب إذا أخبرك وأنت يعني بدون أن تطلب منه بشيء.
الشيخ: لا أسمع منه.
[ ٣ / ١٠٤٥ ]
مداخلة: لا أسمع منه.
الشيخ: إلا إن عرفت أنه صدق فيه قوله ﵇: -وأنَّى لك ذلك-: «صدقك وهو كذوب».
"الهدى والنور" (٣٥٥/ ٠٦: ٢٣: ٠٠)
[٣٩٢] باب حكم الاستعانة بالجن لعلاج المصروع
السائل: هل يجوز للرجل الذي يقرأ على الإنسان المريض بمسة من الجن بعد حضور الجن على الإنسان المريض، هل يجوز أن يأمر الجن ببعض أمور مثل الاستعانة به على معرفة مكان كنز مثلًا، أو استخراج الكنز، أو معرفة إنسان آخر إذا كان مريضًا بلمسة الجن أم لا، ما حكم الدين في هذا جزاكم الله خيرًا؟
الجواب: لا يجوز إلا ما جاء في أول السؤال من قراءة القرآن على الممسوس بالجن، أما الاستعانة بالجن على ما ذُكر أو غير ذلك فهذا أولًا خلاف السنة العملية التي جرى عليها الرسول ﵇، ومن اهتدى بهداه، وثانيًا إنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦)، فالاستعاذة والاستعانة بمعنى واحد، فلا يجوز لمن ابتلي في هذا العصر الحاضر ونصَّب نفسه لإخراج الجن من المصابين بمس منهم، بأن يتلو عليهم بعض الآيات، وبعض الاستعاذات المشروعة في السنة الصحيحة، هذا جائز وما سواه فضلال.
والشيطان إذا صح التعبير أشطن من الأمريكان والبريطان وغيرهم، لأنهم يطلبون المعونة من شياطين الجن، لذلك أعني أن شياطين الإنس حينما يريدون أن يصلوا إلى بعض أهدافهم غير المشروعة، يقدمون بين يدي ذلك طُعمًا، يعني
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
مصيدة يصطادون بها الفريسة بتقديم شيء تشتهيه نفوسهم وتطمئن إليه قلوبهم، هكذا يفعل شياطين الإنس، فما بالكم بشياطين الجن الذين لا نعرف عنهم شيئًا سوى أنهم قد يقدمون بعض العلاجات وهي كما قلت آنفًا يعتبر مصيدة تعمل لاستدراج هذا المستعين بالجن، ولذلك فنحن لا نجيز استعانة مسلم بالجن الذي يوهم الإنسي بأنه مسلم مؤمن بالله ورسوله، ويظهر أنه صالح وأنه يريد أن يعين إخوانه المسلمين من الإنس، هذا أمر غيب لا يمكن للمسلم الإنسي أن يطمئن إليه، ونحن نعلم بالتجربة أحدنا يعاشر مثيله من الإنس سنين طويلة، وإذا هو بعد ذلك تبين له بأنه عدو مبين، وهو إنسي مثل حكايته، ويركن إليه ويطمئن ويعتمد عليه، لكن بعد زمن طويل يتبين أن هذا التظاهر كله كان في سبيل الوصول إلى هدف له، هذا الهدف كان مجهولًا بالنسبة للآخر، وهذا بين إنسي وإنسي طبيعتهما واحدة، تفكيرهما واحد .. إلى آخره، فما بالكم بإنسي يستعين بجني، وأنا أراني على الرغم من ضيق الوقت، سأضرب لكم مثلًا:
جرى لي مع أحد الذين يزعمون بأنهم يستحضرون الأرواح، أرواح ابن سيرين مثلًا، روح الطبيب ابن سينا، ابن عربي النكرة .. إلى آخره، في قصة طويلة نروي لكم خلاصتها، حضرت جلسة، أطفئت الأنوار وبقي هناك نور خافت، يعني بصعوبة أن تميز من بجانبك، ثم بدأت الجلسة وتبين لي فيما بعد زعم هذا المستحضر أنها جلسة طبية، وفعلًا لما دخلت وجدت الصالة ممتلئة أربعة جدرانها بالزباين، شيخ كبير، امرأة كبيرة، امرأة في يدها طفل صغير .. إلى آخره، كل هؤلاء حضروا للاستشفاء والتطبب على يد روح الطبيب الذي سيحتضره حقي بك، هذا مستحضر هناك في دمشق، أطفئت الأنوار كما قلنا، وابتدأ الجلسة
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
حقي بيك أفندي، فسمعنا بكلمة استغربنا، قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، والجلسة كما يقال لو ألقي فيها إبرة لسمع صوتها، صمت، لمن يقول؟! فيما بعد ستعرفون ..
أهلًا وسهلًا دكتور، واحد يسمون عندنا بالشام بجانبوه، يسموه (مكولك) ما بعرف شو بتسموه إنتم، يعني مداهن، قال له: مرحبًا دكتور، يلقي كلمة الطبيب هذا، لأنه جزاك الله خير، احنا .. على أفضالك، وزباينا الحمد لله بيكثروا بسبب الوصفات الطبية الناجحة، من هذا الكلام، والآن عندنا طفل صغير اسمه كذا ابن كذا ساكن في منطقة كذا .. إلى آخره، وعمره -هنا في نكتة- سبعة شهور، أمه الغلام حاملته تقول: لا يا دكتور هذا عمره تسعة مو سبعة، المكولك هذا اللي بجانب الطبيب يقول لها: اسكتي أنتي أعرف من الدكتور؟!
الشاهد هذا رجل جالس حول طاولة مستديرة عليها أرقام وفنجان مقلوب على وجهه، وحاطط هو إصبع هكذا وزوجته تجاهه، والحق يقال الزوجة هناك مستورة حتى في وجهها لا يرى منها شيء، رأينا هذا الفنجان يلعب بيروح وبيجي، يمين ويسار وهيك إلى آخره، فهمنا أن هذا الفنجان يمر على أرقام، يمشي دورة ودورتين يوقف وهو معه ورقة يكتب رموز مطلع هو عليها، ويشغل الفنجان مرتين وثلاث وهكذا، بيعطي هذه الراشيتة للموظف المختص للمرأة ومع السلامة، وهكذا مقدار ساعة يدخل مريض ويخرج مريض ساعة تمام زمنية انتهت الجلسة، أوقدت الأنوار، الناس الحضور وأنا منهم مع الأسف كلهم بيقولوا له: الله يعطيك العافية يا دكتور، الله يجزيك الخير، لكن أنا أكاد أتفجر غيظًا، وخاصة أنه يومئذ أنا شاب وأشقر، وتظهر علي آثار الحرارة والغضب، فلمح الرجل، شو رأي الأستاذ، والله يا أستاذ، يا دكتور يا كذا، عندي سؤالين إذا بتسمح، قال: تفضل، قلت له:
[ ٣ / ١٠٤٨ ]
الجلسة افتتحتها بقولك: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لمن كنت تقول: وعليكم السلام، والناس جالسين، واحد يتكلم، واحد قال: أنا رديت السلام على الدكتور. أنو دكتور؟ قال: روح الدكتور الذي استحضرناه، قلت له: هو سلم عليك؟ قال: نعم، قلنا له: كيف أنت سمعت هذا السلام ونحن ما سمعنا؟ هل صماخ أذنك يعني تركيب غير تركيب البشر عامة. قال: لا، هاي سر المهنة، هذا شيء ما بإمكانك تعرفه حتى تدخل فيه، هاي كلام الصوفيين تمامًا، طيب وصاحبك ما بقدر أقول له طبعًا، هذا اللي عم يكولك معك، كمان الثاني سمع معك، لما قال له: مرحبا دكتور، المهم دخلت معه في نقاش من الناحية الذي يسمونها فسيولوجية نفسية، لكن انتقلت معه سريعًا إلى السؤال الثاني وهو الناحية الشرعية، يا دكتور هذا الروح اللي حضرته إنسان ميت ولا حي؟ قال: لا، ميت. قلنا له: ميت، كيف تستحضر روحه وهو بين روحين لا ثالث لهما. إما سعيدة وإما شقية، فإن كانت سعيدة فوالله ما راح تدخل الدنيا مرة أخرى إطلاقًا؛ لأنها مشغولة بنعيمها في قبرها، وذكرنا بعض الأحاديث التي تدل على أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وإن كانت روح شقية فأولى وأولى أن لا تستطيع الخروج من سجنها المحيط بها، كيف أنت تستطيع أن تستحضر هذه الروح، هذا شرعًا غير ممكن.
ثانيًا وأخيرًا وهنا الشاهد: هب أن هذه الروح باستطاعتك أن تستحضرها، كيف تعرف أن هذه روح الطبيب ابن سينا مثلًا المسلم على عجره وبجره كما يقول العلماء العارفون به، بأنه كان فيلسوفًا وكان منحرفًا عن كثير من العقائد الإسلامية أو كان الدكتور الطبيب الرازي مثلًا قديم، شو عرفك إن هذا كافر مشرك بالله، مجرد ما يقول لك أنا روح فلان، تقول أنت آمين، اليوم المعاملات بين
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
البشر، بين دولة ودولة، لما الدولة تريد أن ترسل سفير لها إلى دولة أخرى تبعث مع السفير شهادات وقيود واعتمادات وختوم وتواقيع .. وغير ذلك من هذه المصطلحات، حتى تكون الدولة المرسل إليها هذا السفير مطمئنة إن هذا فعلًا سفير دولة إسلامية، وليس دجال جاء ليلعب على هذه الدولة، وهؤلاء بشر مع بعضهم البعض، فهذا عالم من وراء الغيب، من أين لك أن تعرف أن هذا فعلًا الدكتور الفلاني، ما وسعه إلا أن يقول وقد أفحم وأقيمت الحجة عليه، قال: الحقيقة يا أستاذ أن هذه جلسة طبية، وعندنا جلسة علمية إذا تريد أن تناقش فيها فأهلًا وسهلًا، أنا ما صدقت أن هناك جلسة علمية ، قلت له: متى؟ قال لي: يوم الأحد، قلنا له إن شاء الله موعدنا يوم الأحد، يشاء الله جاء يوم الأحد فاضطررت أن أتعاون وأحد إخواننا هناك كان موظفًا في المعارف، وكان هناك محاولة لإصلاح بعض الكتب التي تسمى بالتربية الإسلامية، كتب التربية الإسلامية، فيها أحاديث ضعيفة وموضوعة وفيها أفكار حنفية مخالفة للسنة، فدعاني أحدهم أن أتعاون معه، هو موظف في المعارف وأنا لست موظفًا والحمد لله، لكن عندي شوية علم كما تعلمون، فرأيت الاجتماع مع هذا الشخص أولى من الوفاء بالوعد، لكن صاحبي الذي أخذني إليه جاءني في اليوم الموعود يوم الأحد صباحًا إلى مكتب الظاهرية على أساس نتو اعد ونذهب، قلت له: أنا قصتي كذا وكذا ولن أستطيع أن أذهب معك، فأنت جزاك الله خير اذهب إليه واعتذر له إن شاء الله في جلسة أخرى، ذهب الرجل وإذا به يفاجئ أن البيت ليس به أحد إطلاقًا في اليوم الموعود، ومظلوم ليس فيه نور وليس فيه شيء، جاء اليوم الثاني يقول لي القصة كذا وكذا، قلت له: هذا نصر من الله لنا، روح لعنده الأحد الثاني، طبعًا الأحد الثاني بيلاقيه كالعادة، قلت له أنا لا تقول له أن الشيخ لم يأتِ، خليها معماية، أجينا حسب الموعد ما وجدناك، خير إن شاء الله يا دكتور يا حقي بيك، قال له هذا
[ ٣ / ١٠٥٠ ]
الكلام فعلًا وهنا الشاهد يا إخواننا، وهنا فاعتبروا يا أولي الأبصار، قال له: روح أنت جبت لنا واحد وهابي كبير خطير، ما بيحب الرسول. قاتله الله! قال له: شو عرفك، هذا الرجل صاحبنا نحضر دروسه دائمًا قال الله، قال رسول الله - ﵌ - ..
إلى آخره، قال له: عرفني أنا بعدما راح،-يعني: أنا رحت من عنده- قال استحضر روح مدري مين نسيت أنا، وسأله عني وأعطاه هذه البيانات، أن هذا رجل وهابي لا يحب الرسول - ﵌ -، فقلت: يا جماعة هذا دليل أن هؤلاء يستعينوا بالشياطين، ليس هناك استحضار أرواح هذا أمر مستحيل، لكن فعلًا يحضرهم الشياطين ويوحون إليهم كما قال رب العالمين: و﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: ١١٢)، لذلك أقول: إن كان هناك أحد من إخواننا الذين ابتلوا، وأقول ابتلوا، لأنه حقيقة كما تبلغنا الأخبار أن هذا موضع امتحان واختبار، فقد تأتيه امرأة وهي مصروعة وممسوسة، فقد يرى أنه من الفائدة أن يمسها وأن يجسها في عضدها في عنقها في في إلى آخره، فالشيطان يأتي من هذه الأبواب الهينة اللينة في أول الأمر، ثم لا يزال الأمر يكبر ويكبر حتى تقع الفتنة الكبرى، فإذا كان هناك أحد من إخواننا ابتلي أقول فقط، بتلاوة آيات من كتاب الله أو من الاستعاذات الثابتة عن رسول الله - ﵌ - لإخراج الجني الصارع لهذا الإنسي فهذا كما قال ﵇: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» أما أن يسأله ما اسمك، ما دينك، ما عملك، وأين ساكن، وأين كذا، وكيف ينفع المرض الفلاني .. إلى آخره، هذا داخل في عموم قوله تعالى الذي ذكرته آنفًا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦)، أسأل الله العافية والسلامة.
"الهدى والنور" (٤٥٥/ ١٧: ٢٨: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٥١ ]
[٣٩٣] باب منه
السؤال: عندنا ظاهرة استخراج الجني من الإنسي، ويقول الإخوة الذين يستخرجون الجن من الإنس، أن هذا نوع من أعمال الدعوة، وهي ظاهرة انتشرت كثيرًا عندنا في اليمن فما تعليقكم على هذا؟
الجواب: هذا أيضًا هنا وفي كل مكان، وأعتقد هذا من البلاء الجديد الذي ابتلي به المسلمون في بلاد الإسلام في هذا الزمان. الأصل في هذا قوله تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن:٦)، فالاتصال بالجن على الطريقة التي ذكرت شيئًا منها لا يجوز شرعًا؛ لأن هذا من الكهانة، كل ما يجوز هو ما ثبت عن الرسول ﵇ من تلاوة بعض الآيات القرآنية على المصاب بمس من الجن، أما مخاطبة الجن وسؤالهم والاستعانة بهم زعموا على اكتشاف السحر وأين موضوع، ومن الذي سحر .. إلى آخره، فهذا من الكهانة التي لا يجوز تعاطيها، والتي قال عنها الرسول ﵇ في كثير من الأحاديث الصحيحة أنه: «من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، فهذا القرين الإنسي بالجني حينما يسأله عن شيء ويجيبه فيصدقه، فقد شمله هذا الوعيد، كذلك الذي يذهب إليه ويستعين به فقد شمله هذا الوعيد، فلا يجوز تعاطي هذه المهنة إطلاقًا إلا في هذه الحدود الضيقة جدًا جدًا، وهي تلاوة بعض الآيات على المصروع لعل الصارع له الجني يخرج منه، أما سين وجيم .. إلى آخر ما هنالك من تفاصيل، فهذا لا يجوز في الإسلام. وليكن هذا آخر سؤال منك.
"الهدى والنور" (٥٩٠/ ٠٠:٣١:٠٢)
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
[٣٩٤] باب منه
سؤال: في بالنسبة للجن .. هناك مسألتان في أمر الجن في منهم أسأل الأول وهو الاستعانة بالجن، من المعلوم أن الجن لدينا أن الجني هناك كافر
وفاسق ومسلم.
الشيخ: أي والله.
مداخلة: فهل يجوز للمسلم إذا كان باستطاعته أو وقع بعض الأمور وظهر له الجني مثلًا مسلم، فاستعان به في بعض الأمور الدنيوية، فهل يجوز للمسلم استعمال هذا الجن ..، كما استعين أنا بالأخ المسلم الإنسي.
الشيخ: .. أنت حينما ذكرت الاستعانة بالجني المسلم ما يدريك أنه مسلم.
مداخلة: هو يقول!
الشيخ: هو يقول؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وهو عندك مجهول.
مداخلة: نعم.
الشيخ: وهو عندك مجهول.
مداخلة: نعم. مجهول لأني لا أعرفه.
الشيخ: فكيف تحكم بشهادة مجهول.
مداخلة: هو يعني في الحقيقة كأن بعض الإخوة.
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
الشيخ: لا أنا أسألك أنا أخ كان بجانبك ما يدريك؟
مداخلة: لا أدري.
الشيخ: إذًا: السؤال من أصله خطأ.
فيبقى السؤال في منطلقه الأول العام، هل يجوز الاستعانة بالجن أم لا؟ الجواب: لا.
أما تقسيم الجن فله اعتباران تقسيم الجن من حيث فيهم الصالح والطالح والمؤمن والكافر هذا صحيح، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (الجن: ١١).
هذا من حيث الواقع الغيبي غير مشهود عندنا، أما تقسيم الجن بالنسبة إلينا نحن البشر، فهذا التقسيم ضائع بالنسبة إلينا، لا نستطيع أن نقول: فلان الذي يتكلم معنا هو جني مسلم، أو كافر، أو مسلم جني مسلم صالح، أو مسلم جني مسلم صالح، لا ما نستطيع أن نظهر هذه الأحكام؛ لأن هذا حكم عما وراء-كما يقولون اليوم-: الطبيعة يعني: بالتعبير الشرعي الغيب. نحن ما نعرف الغيب، وتصديق المجهول مما هو وراء الغيب، هذه في الوقت الذي ليس شرعًا فهو حماقة؛ لأنك لو جاءك إنسان لا تعرفه مطلقًا، وقال لك: أنا رجل مسلم أمين، وأريد أن أُشارِكَك، لا توافق على هذا؛ لأنك لا تعرفه، فمن باب أولى ألا تقبل شهادة شخص من وراء الجدار يقول لك: أنا مسلم صالح طيب. وسأتعامل معك على مقتضى الدين النصيحة من وراء الجدار.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فهل يقبل الإنسان هذه المعاملة؟
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
مداخلة: لا.
الشيخ: فما بالك وراء جدر، وراء المادة كلها إذًا: السؤال الصحيح هل يجوز التعامل مع الجن مطلقًا؟ الجواب: لا يجوز مطلقًا، كلا هو جائز فيما يتعلق بالجن والإنس إنما هو إذا غلب على الظن أن هناك إنسي صريع بسبب تسلط الجني عليه، فليتلى عليه بعض الآيات، وينذر بها وله أكثر من ذلك، فهذا الذي ثبت في السنة، أما القرآن فهو يحذرنا من الاستعانة بالجن على لسان الجن المؤمنين الذين جاءوا إلى الرسول ﵇ مؤمنين به، وتحدثوا عن واقعهم بمثل قولهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦) أي: تعبًا وضلالًا. لذلك لا يجوز الاستعانة بالجن، وهذا هو الجواب عن السؤال.
"الهدى والنور" (٧٠٤/ ٥٠: ٠٣: ٠٠)
[٣٩٥] باب حكم التعامل مع الجن
وحكم استحضار الأرواح والتنويم المغناطيسي
سؤال: ما حكم التعامل مع الجن؟
الشيخ: أقول التعامل مع الجن ضلالة عصرية، لم نكن نسمع من قبل قبل هذا الزمان تعامل الإنس مع الجن، ذلك أمر طبيعي جدًا أن ألَّا يمكن تعامل الإنس مع الجن لاختلاف الطبيعتين، قال﵊- تأكيدًا لما جاء في القرآن: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (الرحمن: ١٥)، وزيادة على ما جاء في القرآن قال
-﵇-: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»، فإذًا البشر خُلِقوا من طين، والجان خلقوا من نار، فأنا أعتقد أن من يقول بإمكان التعامل مع الجن مع هذا التفاوت في أصل الخلقة، مثله عندي كمثل
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
من قد يقول وما سمعنا بعد من يقول ماذا؟ تعامل الإنس مع الملائكة، هل يمكن أن نقول بأن الإنس بإمكانهم أن يتعاملوا مع الملائكة، الجواب: لا، لماذا؟ نفس الجواب، خلقت الملائكة من نور، وخلق آدم مما وصف لكم أي من تراب، فهذا الذي خلق من تراب، لا يمكنه أن يتعامل مع الذي خلق من نور، كذلك أنا أقول: لا يمكن للإنسي أن يتعامل مع الجني بمعنى التعامل الذي هو معروف بيننا نحن البشر، نعم يمكن أن يكون هناك نوع من التعامل بين الإنسي والجني كما أنه يمكن أن يكون هناك نوع من التعامل بين الإنس والملائكة-أيضًا-، لكن هذا نادر نادر جدًا جدًا، ولا يمكن ذلك مع الندرة إلا إذا شاء الملَك، وشاء الجان، أما أن يشاء الإنس أن يتعامل معاملة ما مع ملك ما فهذا مستحيل، وأما أن يشاء الإنس أن يتعامل مع الجن رغم أنف الجن هذا مستحيل، لأن هذا كان معجزة لسليمان﵊-، ولذلك جاء في الحديث الصحيح في البخاري أو مسلم أو في كليهما معًا أن النبي - ﵌ - قام يصلي يومًا بالناس إمامًا، وإذا بهم يرونه كأنه يهجم على شيء ويقبض عليه، ولما سَلّم، قالوا له: يا رسول الله، رأيناك فعلت كذا وكذا، قال: «نعم، إن الشيطان هجم» أو كما قال﵇- هذا المعنى «علي وفي يده شعلة من نار، يريد أن يقطع علي صلاتي، فأخذت بعنقه حتى وجدت برد لعابه في يدي، ولولا دعوة أخي سليمان﵇-: رب ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: ٣٥) لربطته بسارية من سواري المسجد حتى يصبح أطفال المسلمين يلعبون به»، لكن﵊- تذكر دعاء أخيه سليمان﵇-: رب ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: ٣٥)، لولا هذه الدعوة كان الرسول ربطه، لكنه لم يفعل؛ لأنه أطلق سبيله بالرغم أنه أراد أن يقطع عليه صلاته.
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
فالآن ما يشاع في هذا الزمان من تخاطب الإنس مع الجن، أو الإنسي المتخصص في هذه المهنة-زَعَمَ- أن يتخاطب مع الجني وأن يتفاهم معه وأن يسأله عن داء هذا المصاب أو هذا المريض وعن علاجه هذا إلى حدود معينة يمكن لكن يمكن واقعيًا ولا يمكن شرعًا؛ لأن ليس كل ما هو ممكن واقعًا يمكن أن يجوز شرعًا، يمكن للمسلم أن ينال رزقه بالحرام كما ابتلي اليوم بالتعامل بالربا، معاملات كثيرة وكثيرة جدًا، لكن هذا لا يمكن شرعًا هذا لا يجوز شرعًا فما كل ما يجوز واقعًا يجوز شرعًا.
لذلك نحن ننصح الذين ابتلوا بإرقاء المصروعين من الإنس بالجن أن لا يحيدوا أو أن لا يزيدوا على تلاوة القرآن على هذا المصروع أو ذاك في سبيل تخليص هذا الإنسي الصريع من ذاك الجني الصريع، صريع اسم مفعول واسم فاعل، ففي هذه الحدود فقط يجوز وما سوى ذلك في تنبيه لنا في القرآن الكريم على أنه لا يجوز بشهادة الجن الذين آمنوا بالله ورسوله وقالوا كما حكى ربنا﷿- في قرآنه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦)، وكانت الاستعانة على أنواع، الآن ما في حاجة للتعرض لها، المهم أن الاستعانة بالجن سبب من الأسباب لإضلال الإنس؛ لأن الجني ما يخدم الإنسي لوجه الله، وإنما ليتمكن منه لقضاء وطره منه بطريقة أو بأخرى.
لقد كنا في زمن مضى ابتلينا بضلالة لم تكن معروفة من قبل، وهي ضلالة استحضار؛ عفوًا أولًا التنويم المغناطيسي، فكانوا يضللون بشيء سموه بالتنويم المغناطيسي يسلطون بصر شخص معين على شخص عنده استعداد لينام ثم يتكلم -زعم- بأمور غيبية، ومضى على هذه الضلالة ما شاء الله﷿- من السنين تقديرًا ثم حل محلها ضلالة جديدة وهي استحضار الأرواح، ولا نزال إلى الآن
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
نسمع شيئًا عنها، ولكن كما كنا نسمع من قبل؛ ذلك لأنه حل محلها الآن الاتصال بالجن مباشرة، لكن من طائفة معينين وهم الذين دخلوا في باب الاتصال بالجن باسم الدين، وهذا أخطر من ذي قبل: التنويم المغناطيسي لم يكن باسم الدين وإنما كان باسم العلم، استحضار الأرواح لم يكن باسم الدين إنما كان باسم العلم-أيضًا-، أما الآن فبعض المسلمين وقعوا في ضلالة الاستعانة بالجن باسم الدين، أنه الرسول﵇- ثبت عنه أنه قرأ بعض الآيات على بعض الناس الذين كانوا يصرعون من الجن فشفاهم الله؛ هذا صحيح، لكن هؤلاء بدأوا من هذه النقطة ثم وسعوا هذه الدائرة إلى الكلام: هل أنت مسلم؟ لا ماني مسلم، شو دينك؟ نصراني يهودي بوذي، وبعدين بيتكلموا معه: أسلم تسلم، وكلام .. إه بيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، آمنوا الإنس بكلام الجني وهم لا يرونه ولا يحسون به إطلاقًا، نحنا اليوم سنين طويلة نتعامل مع بني جنسنا إنس مع إنس سنين بعد كل هذه السنين بيتبين معك إنه هذا والله كان غاش إلك، كيف بدك تتعامل مع رجل من الجن لا تعرف حقيقته، هو بيقول لك: أسلمت، أو بيقول لك سلفًا: أنا مؤمن أنا ترى في خدمتك، شو بدك مني أنا حاضر، هذا نسمعه كثيرًا، سبحان الله، من هنا يدخل الضلال على المسلمين، كما يقال: وما معظم النار إلا من مستصغر الشرر.
بدأنا مهنة نتعاطاها في استخراج الجن من الإنس وتوسعنا فيها حتى صارت بقى في علاقات، أخيرًا جاء هذا السؤال: هل يمكن التعامل مع الجن؟ الجواب: لا يمكن، إلا بما ذكرته آنفًا من التفصيل، والنصيحة كما قلت آنفًا أنه لا يجوز لمسلم أن يزيد على الرقية في معالجة الإنسي الذي صرعه الجني، يقرأ عليه ما شاء من كتاب الله، ومن أدعية رسول الله - ﵌ - الصحيحة وكفى، أما الزيادة على
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
ذلك، بعضهم بيستعملوا البخور، وبعضهم يستعملون الزيت، ما أدري أشياء عجيبة جدًا، هذا كله تمويه على الناس، ومحاولة الانفراد بهذه المهنة عن كل الناس؛ لأنه لو بقيت القضية على تلاوة آيات كل واحد بيحسن أنه يقرأ بعض الآيات، وإذا بالجني يخرج، لا بدنا بقى الحيطة بشيء من التمويه والسرية-زعموا- حتى مخصصة في طائفة دون طائفة، أُذكِّر بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦)، نسأل الله﷿- أن يحفظنا عن أن يصرفنا إلى الاستعانة بالجن.
"الهدى والنور" (٦٧٨/ ٥٢: ١٧: ٠٠)
[٣٩٦] باب حكم التنويم المغناطيسي وحكم الاستعانة بالجن
سؤال: سئل الشيخ عن حكم ما يدعيه البعض من القدرة على معرفة «السارق» مثلًا بطريقة التنويم المغناطيسي]
فأجاب: هذه وسائل غير شرعية، ولا يمكن الاطلاع على الغيب بهذه الطرق المبتدعة، ومن الثابت بالأحاديث الصحيحة عن النبي - ﵌ - النهي الجازم القاطع عن إتيان الذين يَدَّعون اكتشاف المغيبات، من ذلك قوله ﵊: «من أتى كاهنًا فصدَّقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد - ﵌ -» وفي حديث آخر: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم يقبل له صلاة أربعين يومًا» وهذا الحديث الثاني وبلفظ: «من أتى عرافًا» يَصدُق على كل هؤلاء العرافين الذين يتعاطون وسائل غير معروفة عند الجماهير يزعمون أنهم يكتشفون بها، ويتعرفون بها على أمور غيبية عند جماهير الناس، وبذلك يقع فتنة بين الناس، فقد يُتهم البريء، وقد يُبرَّأ المتهم، فقوله ﵇: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء
[ ٣ / ١٠٥٩ ]
فصدقه لم يقبل له صلاة أربعين يومًا»، ولذلك فلا يجوز للمسلم أن يأتي مثل هذا العراف، مهما كانت وسيلته، وفي الحديث الآخر مما يؤكد الأحاديث السابقة، وبعضها في صحيح مسلم، قال ﵇: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» أنا أعتقد أن التنويم هذا هو من هذه الوسائل الغيبية عن الناس، والتي لا يستطاع أن يثبت صحتها أو بطلانها، وما كان كذلك فلا ينبغي أن يُتخذ وسيلةً شرعية لاتهام الأبرياء، هذا ما عندي جوابًا عن سؤالك.
السائل: شيخي موجود عندنا الآن الأخ علي عبد الفتاح الشيشاني، فيه عنده ملاحظة ممكن.
علي عبد الفتاح: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته.
علي عبد الفتاح: سؤال تعقيب على نفس السؤال يا شيخ.
الشيخ: ما عاد طلع الصوت.
علي عبد الفتاح: ودي أعقب على نفس السؤال بسؤال آخر.
الشيخ: تفضل.
علي عبد الفتاح: إن شاء الله تكون بخير.
الشيخ: الله يحفظك.
علي عبد الفتاح: هذه الأمور الغيبية هي غائبة عن الناس يا شيخ، بالنسبة لهذا الشخص الذي ينوم بواسطة الدكتور عادل أو غيره يأتيه جني فيتكلم هذا الشخص بلسان الجني.
[ ٣ / ١٠٦٠ ]
الشيخ: لا تصف لي، الاستحضار أعرفه، إنما قل ما تريد أن تبني عليه.
علي عبد الفتاح: أريد أن أبني على [هذا] أن هذا شيء لا يعرف الجني إلا ما حصل، فالأمور إذًا رآها الجن بواسطة الجن الذي ينتشر حيث لا نراهم وهم يروننا، فهم رأوا من سرق هذا المال، فإذا تمكن هذا الشخص الذي يستحكم
في الجن أن يستنطق الجني فهو يخبرنا صاغرًا بذلك، صاغرًا كما يقولون، فما رأيك بذلك؟
الجواب: سامحك الله يا شيخ علي.
علي عبد الفتاح: آمين وأنت كذلك.
الشيخ: لو جاءك إنسي تعرفه، وقال: السارق لهذا المال هو فلان، ما
هو موقفك؟
علي عبد الفتاح: موقفي أسأله الدليل كيف تعرف.
الشيخ: شو دليل، هو يدعي دعوى أين الدليل.
علي عبد الفتاح: أقول له كيف شفته كيف عرفت، فأنت هنا تقول: أن احنا لا نرى الجني،
الشيخ: ما قدم لك دليلًا، قدم لك دعوى، ماذا تقول؟
علي عبد الفتاح: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: كيف؟
علي عبد الفتاح: أقول: جزاك الله خير، يعني: آخذ بالجواب الأول معك.
[ ٣ / ١٠٦١ ]
الشيخ: الموضوع: ماذا تقول إذا جاءك إنسي وادعى أن المتهم هو فلان، تقبل دعواه؟
علي عبد الفتاح: لا يجوز.
الشيخ: وهو إنسي مثلك.
علي عبد الفتاح: لا يجوز.
الشيخ: فكيف تقبل دعوى جني مزعوم أنه جني لا تعرف إسلامه من كفره، لا تعرف صدقه من كذبه، بمجرد الدعوى؟ ما يجوز هذا بارك الله فيك.
علي عبد الفتاح: بالنسبة للحديث الذي ذكرته يا شيخ، إن شاء الله ما تعتبره جهل مني أو غباء ..، أنت ذكرت من جاء عرافًا فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، أليس «فلم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»؟
الشيخ: كيف؟
علي عبد الفتاح: أليس الحديث: «فلم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»؟
الشيخ: كيف فلم يصدقه؟
علي عبد الفتاح: أنا كنت (أظن).
الشيخ: فصدقه فصدقه، ليس فلم يصدقه.
علي عبد الفتاح: أنا كنت أعتقد أنه صنفين الحديث، الذي لا يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوم، والذي يصدقه كفر بما أنزل على محمد - ﵌ -.
الشيخ: الحديث هنا في صحيح مسلم هذا اللفظ، أما حديثك فبحاجة إلى
أن يُسند
[ ٣ / ١٠٦٢ ]
علي عبد الفتاح: بعضهم أستاذي يستدل بقول شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد التاسع عشر فهل هذه حجة.
الشيخ: ماذا يقول ابن تيمية في المجلد التاسع عشر ما الذي يدريني؟
علي عبد الفتاح: يجوز الاستعانة يا شيخ.
الشيخ: يعني بمن؟
علي عبد الفتاح: بالجن.
الشيخ: يا حبيبي الاستعانة بالجن للشفاء (١)، أن يفعل هو ويفعل بعض الناس اليوم مش لاتهام الأبرياء، لا يجوز أن يؤخذ كلام ابن تيمية.
علي عبد الفتاح: أستاذنا الآن بالشفاء يجوز؟
الشيخ: هذا نقوله إذا كان في آيات وأحاديث وبس، وليس هناك شريخة وبطيخة وكتابة أحرف مقطعة واستعانة بالشياطين، يجوز، كل شيء له مجاله.
علي عبد الفتاح: جزاك الله خير يا شيخي.
الشيخ: وإياك.
مداخلة: شيخنا! ألا يقال في هذه الحالة وحالة أيضًا الشفاء من المرض أو كذا يسد هذا الباب لأنه يؤدي إلى الشرك والبدع والترهات والخزعبلات في دين الله ﷿؟
_________________
(١) يظهر لي من مجموع كلام الشيخ في هذه المسألة أنه يريد جواز التعامل مع الجن بإنذاره بآيات القرآن وإرهابه بها من خلال قراءة القرآن على المصروع كما صرح بهذا في غير ما موضع.
[ ٣ / ١٠٦٣ ]
الشيخ: يمكن أن يقال هذا، لكن ما نستطيع أن نفرضه على أناس يقومون بطرد الجن الذي يصرع الإنسي بآيات، يعني: المجال هنا غير المجال هناك، المجال هنا إخراج الجني الصارع من المصروع بآيات أو أحاديث أو أدعية نبوية، فهذه قضية محدودة النطاق جدًا، أما الاتصال بالجن لاكتشاف المغيبات فهذه يصدق عليها الأحاديث السابقة.
السؤال: طيب شيخي أيضًا المصروع بالجن هل يجوز لمن يريد أن يعالجه أن يستعين مثلًا حتى يعرف كيف يعالجه أو كذا؟
الشيخ: لا، ما يجوز، لأنه يعود الأمر إلى الاستعانة بمجهولين، لا تعرف صدقهم من كذبهم.
" الهدى والنور" (٢٧/ ٠٩: ٤٤: ٠٠)
[٣٩٧] باب حكم التنويم المغناطيسي
سؤال: حكم التنويم المغناطيسي ما حكمه؟
الشيخ: بكلمة مختصرة في اعتقادي "تدجيل عصري" .. تدجيل: دجل عصري، دجل يتناسب مع الزمن والرقي المزعوم، فهمتني؟
مداخلة: نعم، يعني: نستطيع أن نقول أنه لا يجوز.
الشيخ: طبعًا لا يجوز.
مداخلة: سبب الحرمة شيخنا؟
الشيخ: لأنه إذا كان الأمر يقف فقط عند التنويم فلأن فيه تعاطي أسباب لا يدركها الناس كلهم، وهي تستغل في سبيل ما أشرتُ إليه آنفًا من التدجيل
[ ٣ / ١٠٦٤ ]
والتضرير، ومثل ذلك ما يسمى اليوم باستحضار الأرواح، فكل ذلك تدجيل عصري، والمسلم لا يعتمد إلا على الأسباب الميسرة المذلَّلة التي تدخل في نطاق العلم والتجربة.
مداخلة: شيخنا إذا سمحت يعني: كان سأل السؤال أحد الأصدقاء لي الآن وكما تعلم الامتحانات التوجيهي على الأبواب، وهو غير مستعد تمامًا للامتحانات، فعرض عليه أحد أصدقائه أو أقربائه، عرض عليه أنه ينومه تنويمًا مغناطيسي ويُحَفِّظُهُ المواد بحيث يكون حافظها تمامًا، فما رأيك؟
الشيخ: أولًا هذه بالنسبة لهذا الطالب خيانة من عنده للمعلمين والمدرسين؛ لأنه المفروض في مثله أن يكد وأن يتعب وأن يجتهد لينجح، وهذا المثال الذي تسأل عنه الآن هو من جملة الأمثلة التي تصلح لتأييد ما قلته آنفًا، ما رأيك فيما لو أن الطلبة كلهم لجؤوا إلى مثل هذه الوسيلة من احتيال على أساتذة ليستحضروا كما لو فتحوا الكتاب ونقلوا منه وزوروا، فهل يكون صلاح الأمة في العلم وفي الدراسة على هذا الأسلوب؟
مداخلة: طبعًا لا.
الشيخ: فإذا عرفت فالزم.
مداخلة: جزاك الله خير شيخنا هل من نص شرعي للدلالة على
الحرمة هذه؟
الشيخ: يا أخي ما يكفيك هذا المثال بارك الله فيك.
مداخلة: الله يبارك فيك شيخنا.
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
الشيخ: «من غشنا فليس منا» (١).
مداخلة: جزاك الله خيرًا شيخنا.
الشيخ: وإياك إن شاء الله.
"الهدى والنور" (٣٢٤/ ٢٥: ٠٧: ٠٠)
[٣٩٨] باب منه
السؤال: هل يجوز استعمال التنويم المغناطيسي لاستخراج شيء ما
من الأرض؟
الجواب: هذه كانت قديمة بطرق باخت وبارت، الآن طلعوا لنا بطرق تنويم مغناطيسي، وهذا التدجيل عصري لا يجوز الاعتماد عليه.
"الهدى والنور" (١٤١/ ٣٥: ٤٥: ٠٠)
[٣٩٩] باب تلبس الجن بالإنس، وهل تجوز الاستعانة بالجن؟
السؤال: يدور كثير من الأمر حول موضوع تلبس الجني بالإنسي، فكثير من الأدبيات صدرت تُحذِّر من الجان ومن التلبس وحول مسألة إخراج الجني بهذه الطرق التي نسمعها، يعني: حبينا نسمع رأيك في هذا الموضوع؟
الشيخ: نحن كثيرًا ما نُسأل عن هذا، واليوم بالذات سألني سائل من الضفة الغربية، يقول: أنه هو نسب هذا إلى غيره-،لكن كأني شعرت أنه هو المعنيّ، بأنه هناك شخص من الإخوان الطيبين له أخ جني صالح وأنه يستقي منه الأخبار، فأنا
_________________
(١) مسلم (رقم٢٩٤).
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
تكلمت معه طويلًا في هذا الصدد، وقال لي: إذا شئت أنا آتيك على موعد تحدده لكي نعطيك بعض التفاصيل، قلت له: أنا آسف لأني أعتقد أن الاستعانة بالجن أو المؤاخاة مع الجن كما يقولون اليوم هذا سبيل ضلال، وأنه لا يجوز للمسلم أن يستعين بمن يظن أنه من الجن لقوله ﵎: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦) وبالإضافة إلى ذلك أن المسلم يخالط أخاه المسلم الإنسي سنين طويلة وهو واثق به وإذا به بعد هذه السنين كلها يتبين أنه ليس كذلك، وهو مثله يعامله ويفهم منه ويأخذ ويعطي وو .. إلخ، فكيف بإمكان الإنسي أن يعرف هذا الشخص الذي هو من عالَم ما يسمى اليوم بما وراء المادة، كيف بإمكانه أن يعرف أنه مسلم أو كافر أو يعرف أنه صالح أو طالح، ونحن الإنس ما نقدر نتمكن من الوثوق بعضنا في بعض.
ولذلك فنحن نرى سد هذا الباب إطلاقًا إلا فقط مما ثبت في السنة عن النبي - ﵌ - أولًا، وعن بعض علماء المسلمين ثانيًا، وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، من تلاوة بعض الآيات القرآنية على الممسوس من الجن، هذا يمكن أن يقال بجوازه، وفائدته ملموسة قديمًا وحديثًا، أما التوسع بأكثر من هذا القدر فهذا لا يجوز شرعًا، لأنه من مزالق الأقدام، ولأنه من الممكن أن يُضلَّل هذا الإنسي بهذا الجني بما قد يقدمه إليه من أخبار أو معلومات يتوهم الإنسي أنها معلومات صحيحة وصادقة، هذا ما نعتقده وندين الله به.
السائل: طيب، عملية دخول الجني في الإنسي.
الشيخ: هذا لا يمكن إنكاره أولًا؛ لظاهر الآية المعروفة: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥)، وثانيًا لمجيء بعض الأحاديث وكما تعلم أن
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
السنة دائمًا تُوضِّح القرآن وتفسره وتزيده بيانًا على بيان، ففي بعض الأحاديث بأن النبي - ﵌ - مر بأمرأة عجوز وعندها صبي لها يُصْرَع، فقرأ النبي - ﵌ - عليه بعض الآيات وخاطب الجني المتلبس بذلك الغلام، وأمره بالخروج فخرج وكأنه خرج من بدن ذلك الصبي شيء من الدخان، ثم تابع النبي - ﵌ - طريقه فيما كان في صدده، ولما رجع مر أيضًا بالمرأة العجوز فسأله عن صبيها وغلاماها فأجابت بأنه والحمد لله بخير، فمثل هذا يؤكد أن معنى الآية هو على ظاهرها، وأنه لا مجال لتأويلها كما يفعل اليوم بعض الإسلاميين المعاصرين الذين يحاولون أن يُقرِّبوا كثيرًا من الأمور الغيبية إلى العقول البشرية وبخاصة إذا كانت هذه العقول من العقول المادية التي لم تتشرب بشرف الإيمان، وأول شرط من شروط الإيمان هو كما قال الله ﵎ في القرآن الكريم في أول سورة البقرة: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ،﴾ (البقرة: ١، ٢) من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ٣) فنحن معشر المسلمين وربما يُشاركنا في هذا بعض المتدينين ببعض الأديان الأخرى المنحرفة نؤمن بشيء اسمه جن، كما نؤمن بعالم ثالث ألا وهم الملائكة، وهذا الإيمان وذاك هو من الإيمان بالغيب الذي لا يدخل في عالم المحسوسات والماديات، فلهذا يجب الإيمان أولًا بالجن كخلق من خلق الله ﷿، وأن لهم طبائع ولهم عادات جاء ذكرها في بعض الأحاديث الصحيحة، ومنها مما يتعلق بسؤالك ما ذكرت لك آنفًا
السائل: طيب، بالنسبة لتشكل الجن على شكل بعض المخلوقات.
الشيخ: هذا أيضًا وارد، ويحضرني بهذه المناسبة قصة أبي هريرة حينما كان حارسًا على بيت المال، حيث كان ليلة حينما رأى شخصًا لا يدري من أين دخل يحثو في ثوبه من التمر بيت المال، فهجم عليه وقبض عليه ويريد أن يسلمه للنبي
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
- ﵌ -، فاستعطفه وقال: إني رب عيال وفقير ومن هذا الكلام اللين، فترجاه أن يطلق سبيله فحن قلب أبي هريرة وأطلقه، فلما أصبح الصباح ذكر للرسول ﵇ ما وقع له، فقال له ﵇: «ذاك شيطان وسيعود إليك» وفعلًا عاد إليه في الليلة الثانية، وعاد الشيطان إلى استعطافه المذكور آنفًا، فأيضًا أطلق سبيله، ثم ذكر ثاني يوم ما وقع له مع الشيطان فأكد له قوله السابق: «ذاك شيطان وسيعود إليك».وهكذا جاء الشيطان في المرة الثالثة، فلما ألقى القبض عليه وأراد أن يأخذه إلى الرسول ﵇، قال: أطلقني وأنا أنصحك بنصيحة، إذا قرأت آية الكرسي حينما تأخذ مضجعك فإنه لا يمسك في تلك الليلة إنس ولا جان، فكأنه دخل في قلبه صدق هذا الكلام فأطلق سبيله، وفي الصباح ذكر أبو هريرة للرسول ﵇ ما فعل مع الشيطان، قال كلمته المشهورة: «صدقك وهو كذوب».
فهذا حديث في صحيح البخاري، فهو يؤكد أن للشيطان حق التمثل وقدرة التمثل بالصور التي يريدها، وفي صحيح مسلم أن النبي - ﵌ - كان يصلي ذات ليلة أو ذات يوم بأصحابه، فرأوه وهو يؤمهم كأنه مد يده ويقبض على شيء، وبعد الصلاة قالوا له: رأيناك يا رسول الله فعلت كذا وكذا، قال: نعم، «لقد هجم علي شيطان بشعلة من النار يريد أن يقطع علي صلاتي، فأخذت بيدي وشددت على عنقه حتى وجدت برد لعابه في يدي، ولولا دعوة أخي سليمان ﵊ لربطته بسارية من سواري المسجد حتى يصبح أولاد المدينة يلعبون به»، فهذه أمور يعني لا يمكن للمسلم الذي يؤمن بعالم الغيب أولًا ثم يؤمن بما
صح من الأخبار ثانيًا إلا أن يؤمن بهذه الحقيقة. هذا هو الجواب أيضًا عن هذا السؤال الأخير.
"الهدى والنور" (٤٨٥/ ٤٤: ٠٠: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
[٤٠٠] باب حكم الكهانة
واستحضار الأرواح والتنويم المغناطيسي
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من أتى كاهنًا، فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد».
[قال الإمام]:
(فائدة): قال ابن الأثير في "النهاية":
"الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورَئيًّا يُلقي إليه الأخبار، ومنهم من يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله، أو من فعله، أو حاله، وهذا يخصّونه بالعراف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوهما. والحديث الذي فيه: "من أتى كاهنا " قد يشتمل على إتيان الكاهن، والعراف، والمنجِّم ".
قلت: فإذا عرفت هذا؛ فمن (الكهانة) ما كان يعرف بـ "التنويم المغناطيسي"، ثم بـ "استحضار الأرواح"، وما عليه اليوم كثير من الناس- وفيهم بعض المسلمين الطيبين- ممن اتخذوا ذلك مهنة يعتاشون منها، ألا وهو القراءة على الممسوس من الجني، ومكالمتهم إياه، وأنه يحدثهم عن سبب تلبسه بالإنسي؛ حبًّا به أو بغضًا! وقد يزعمون أنهم يسألونه عن دينه، فإذا أخبرهم بأنه مسلم؛ صدقوه في كل ما ينبئهم به! وذلك منتهى الغفلة والضلال؛ أن يصدقه وهو لا يعرفه ولا يراه، فكن
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
حذرًا منهم أيها الأخ المسلم! ولا تأتهم ولا تصدقهم، وإلا صدق فيك هذا الحديث الصحيح وما في معناه.
"الصحيحة" (٧/ ٢/١١٥٥ - ١١٥٧).
[٤٠١] باب من صور الشعوذة
سؤال: اسمح لنا يا شيخ أنا رأيت أحدَهم يضع مفتاح مثل هذا كتاب فيمسك يد الملبوس يحطه على أصبعه وهذا يحط أصبعه سيقرأ هذا الإنسان، فيقول إذا كان جن هذا مسلم يلف على اليمين.
الشيخ: هذا تدجيل.
مداخلة: شيخنا طبعًا اكتشفتُ أن هذا تدجيل لأني رأيت إصبعه وهو يحرك المفتاح.
الشيخ: هذه كانت تستعمل عندنا في دمشق مش من شان التضليل هذا وإنما من شان الاستخارة.
مداخلة: يجوز هذا يعني شيخنا؟
الشيخ: رجل هناك كان زَجَّاجًا وكان من زبائني كان يصلح الساعات وهو كان زبون عندي جاءني شاب متخرج من الأزهر ومن رؤوس الإخوان المسلمين سألني عن هذه العملية، قال لي ماذا رأيك فيها، قلت له هذا أولًا استخاره غير شرعية لأنها تنافي الاستخارة التي جاءت في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال كان رسول الله - ﵌ -، يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يُعلِّمنا السورة من القرآن، يقول ﵇ «إذا همَّ أحدَكم الأمرُ فليصلي لله
[ ٣ / ١٠٧١ ]
ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم أني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فقدره لي، ويسره لي، ثم بارك فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبت أمري عاجله وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم قدر لي الخير حيث كان، ورضني به» فهذه الاستخارة مخالفة لهذه الاستخارة الشرعية كالاستخارة بالمصحف يفتح حظه ونصيبه وإذا يطلع له آية وعيد في جهنم.
فحدثني: يا أخي بس هذه القضية مجربه، كيف مجربه؟ قال يحط مفتاح بين أصبعه وإصبع هذا الذي بده يستخير ويعلق على المفتاح مفتاح كبير من المفاتيح القديمة، يسموها عنا سقاطه المهم وبيعلق المصحف في منديل، ألي أنا شفت بعيني هذا الأزهري بيقول، اسمه عبد الرزاق ما ادري حي أو ميت.
المهم قال لي أنا شفت بعيني بيقرأ هذا الشخص وإذ المصحف يميل يمينًا أو يسارا، ويبني على ذلك أنه إذا مال يمينا استخارة كويسة، وإذا مال المصحف يسارًا ما هي كويسه، قلت له: والله أنت صادق، لكن أنا ما أنا ماني منشرح لهذا الكلام أريد أشوف بعيني، خذلي معه [موعد] مع الرجل، وهو كما قلنا صاحبي، فعلًا حط هذا المفتاح الطويل على أنملته والطرف الثاني على أنملتي وعلَّق المصحف، ليس صغير مصحف كبير وإذ القضية طبيعية جدًا، أنا شعرت أنه في حركة بسيطة، لأنه ما وضعها بالكف وضعها بأيش بالأنملة ومقابل الأنملة ثانية، واليد في الهواء، لا بد ما يصير ابتعاد لا يرى بالعين المجردة.
مداخلة: أعصاب.
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
الشيخ: أعصاب، لا بد ما المصحف يتحرك يمينًا أو يسارًا أمر طبيعي تمامًا، فانكشف السر عندي، لكني أنا احتلت على الزلمه، وهو مسكين درويش يعني وإلا كان ينتبه، فأنا كل ما اشعر أن المصحف سيميل هيك ولا هيك مش أعمل مثل أبو أحمد، حركة لا ينتبه لها أي إنسان، اعمل هكذا بسيط جدًا، خلاصة تَمَّ المصحف [ثابتًا] لا مال يمينًا ولا يسارًا، الزلمة لا زال يقرأ، يقرأ، يقرأ شفته فعلًا تصبب عرقًا، وصاحبنا موجود، الوسيط يعني، فماذا قال هذا المسكين الدجال، قال: والله أنا عمري ما صارت معي هذه القضية لأنة ما عرف ايش السر، السر مثلما قلت لكم تمامًا أن هذا لا بد ما يتحرك المصحف يمينًا ويسارًا.
"الهدى والنور" (٥٧٣/ ٥٩: ٢٩: ٠٠)
[٤٠٢] باب النشرة من عمل الشيطان
وحكم استحضار الأرواح
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«النشرة من عمل الشيطان».
[قال الإمام]:
و" النشرة ": الرقية. قال الخطابي: " النشرة: ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يظن به مس الجن ".
قلت: يعني الرقى غير المشروعة، وهي ما ليس من القرآن والسنة الصحيحة وهي التي جاء إطلاق لفظ الشرك عليها في غير ما حديث، وقد يكون الشرك مضمرًا في بعض الكلمات المجهولة المعنى، أو مرموزًا له بأحرف مقطعة، كما
[ ٣ / ١٠٧٣ ]
يرى في بعض الحجب الصادرة من بعض الدجاجلة، وعلى الرقى المشروعة يحمل ما علقه البخاري عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب (أي سحر) أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه.
ووصله الحافظ في " الفتح " (١٠/ ٢٣٣) من رواية الأثرم وغيره من
طرق عن قتادة عنه. ورواية قتادة أخرجها ابن أبي شيبة (٨/ ٢٨) بسند صحيح
عنه مختصرًا.
هذا ولا خلاف عندي بين الأثرين، فأثر الحسن يحمل على الاستعانة بالجن والشياطين والوسائل المرضية لهم كالذبح لهم ونحوه، وهو المراد بالحديث، وأثر سعيد على الاستعانة بالرقى والتعاويذ المشروعة بالكتاب والسنة، وإلى هذا مال البيهقي في " السنن "، وهو المراد بما ذكره الحافظ عن الإمام أحمد أنه سئل عمن يطلق السحر عن المسحور؟ فقال: " لا بأس به ".وأما قول الحافظ: " ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا، وإلا فهو شر ".
قلت: هذا لا يكفي في التفريق، لأنه قد يجتمع قصد الخير مع كون الوسيلة إليه شر، كما قيل في المرأة الفاجرة:
ككفالة الأيتام من كسب فرجها لكِ الويل لا تزني ولا تتصدقي
ومن هذا القبيل معالجة بعض المتظاهرين بالصلاح للناس بما يسمونه بـ "الطب الروحاني " سواء كان ذلك على الطريقة القديمة من اتصاله بقرينة من الجن كما كانوا عليه في الجاهلية، أو بطريقة ما يسمى اليوم باستحضار الأرواح، ونحوه عندي التنويم المغناطيسي، فإن ذلك كله من الوسائل التي لا تشرع لأن
[ ٣ / ١٠٧٤ ]
مرجعها إلى الاستعانة بالجن التي كانت من أسباب ضلال المشركين كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا﴾ أي خوفا وإثمًا.
وادعاء بعض المبتلين بالاستعانة بهم أنهم إنما يستعينون بالصالحين منهم، دعوى كاذبة لأنهم مما لا يمكن- عادة- مخالطتهم ومعاشرتهم، التي تكشف عن صلاحهم أو طلاحهم، ونحن نعلم بالتجربة أن كثيرًا ممن تصاحبهم أشد المصاحبة من الإنس، يتبين لك أنهم لا يصلحون، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم﴾ هذا في الإنس الظاهر،
فما بالك بالجن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث
لا ترونهم﴾.
"الصحيحة" (٦/ ١/٦١١، ٦١٣ - ٦١٥).
[٤٠٣] باب حكم استحضار الأرواح
سؤال: بالنسبة للروح، بعد وفاة الشخص هل تعود إليه ثانية عندما ينزل إلى القبر وهل يُعذب حسب أعماله في القبر؟
الشيخ: لا شك أن الميت حينما يوضع في قبره فتعود الروح إليه ساعة مجيء الملكين: منكر ونكير لسؤاله، فإذا ما أجاب بالجواب عاد ميتًا كما كان من قبل، وأنا أعني بهذا أن الميت حين يوضع في قبره تعود إليه الروح وتتلبسه بحيث أنه
لما بيكون ضجيع القبر يجلس حتى يوجه إليه السؤال فيجيب، فالروح تتلبس قسمه الأعلى فإذا ما انتهى من الجواب عاد كما كان ميتًا، هنا الآن سؤال: أين مصير روحه؟
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
الجواب: يعذب أو ينعم بروحه لأن جسده ميت، طريقة التنعيم والتعذيب طبعًا هذه الأمور الغيبية التي لا يجوز لمسلم أن يتعمق فيها، لأنه من باب الغيب وما نعلم الغيب ولا يعلمه إلا الله ﵎، ولكن في عندنا بعض التفاصيل التي عرفناهما من السنة الصحيحة، من ذلك مثلًا إذا كانت روح الميت مؤمنة يفتح له طاقة من القبر يطل منها على منزله في الجنة، من روحها، ونعيمها ولا يزال هكذا يتنعم إلى قيام الساعة.
في حديث آخر أن هنا الميت المؤمن إما أن يكون من عامة المؤمنين، وإما أن يكون شهيدًا، فإذا كان من عامة المؤمنين فتتنقل روحه منه إلى بطن طير من طيور الجنة فيتنعم يأكل هذا الطير من شجر الجنة، إذا كان هذا الميت شهيدا فتكون روحه في حوصلة طير من طيور الجنة.
روح المؤمن العادي في بطن الطير، روح المؤمن الشهيد في حوصلة الطير.
فإذن روح المؤمن نعيمه إما في قبره وقد ينتقل في الجنة بروحه وليس بجسده، أما إذا كان لا سمح الله فاسقا أو كافرًا فيفتح له طاقة ويرى منزله في النار، في جهنم، يفتح له منها طاقة فيأتيه من ريحها ولهيبها ودخانها فلا يزال يعذب حتى تقوم الساعة.
ومن هنا نصل إلى نقطة هامة جدًا لها علاقة ببعض مشاكل العصر الحاضر، فلا بد أنكم تسمعون بناس يزعمون أنهم يستحضرون الأرواح، تسمعون الشيء هذا ولا لا؟
يعني استحضار الأرواح اليوم من بدع العصر الحاضر، وضلالات الكفار الأوربيين وأمثالهم.
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
هؤلاء لا يؤمنون بشيء اسمه بعث ونشور والخ. فيزعمون أن بإمكانهم أن يستحضروا روح من شاؤوا من الأطباء، من العلماء، من الصالحين، من الطالحين الخ. واغتر بهم كثر من المسلمين في مصر، في سوريا الخ. نحن نعرف بعضهم، فإذا استحضرنا هذه العقيدة الإسلامية وهي أن روح الميت في القبر: ينعم أو يعذب أن ينتقل إذا كان مؤمنًا إلى الجنة، كيف يمكن استعادة هذا الأرواح إلى عالم الدنيا، واستنطاقها، واستجوابها؟ هذا من تدجيل الشيطان على هؤلاء الناس اليوم إذا تذكرتم هذا الحقيقة فاذكروا معها عملية استحضار الأرواح هو دجل عصري، دجل عصري يخالف الشريعة الإسلامية.
"الهدى والنور" (٥٢٨/ ١٥: ٤٩: ٠٠)
[٤٠٤] باب هل ضرب الرسول - ﵌ - جنيًّا بالعصى؟
سؤال: ورد عن النبي ﵇ أنه عالج شخصًا فرآه الجن فضربه الرسول بالعصا، هل صح هذا؟
الشيخ: لا.
"الهدى والنور" (٣٣٩/ ٤٠: ٠٥: ٠٠)
[٤٠٥] باب حكم علاج المس وكيفيته، وكلمة حول استحضار الأرواح والتنويم المغناطيسي، وحكم تسجيل شريط مع جني وتوزيعه!!
سؤال: انتشرت عندنا بين الشباب مؤخرًا علاج المس من الجن، فما رأيكم بهذا وبما تنصح الشباب في هذه الأمور؟
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
الشيخ: بالنسبة لمس الجن نحن لا نرى أكثر من تلاوة آيات من القرآن الكريم إتباعًا لسنته ﵊، فقد جاء في أكثر من حديث أنه ﵊ كان يُخرج الجان من بني الإنسان بقراءة بعض الآيات من القرآن، أما ما يشاع في كثير من البلاد الإسلامية أن بعض هؤلاء يفعلون ويأتون بأعمال أكثر من تلاوة القرآن، فهذا ليس من الإسلام إطلاقًا مثلًا بعضهم يكلم الجني المتلبس بالإنسي، وقد يسأله ما بال هذا الصريع، بيقول الجني مثلًا: هذا مسحور، وين السحر تبعه؟، والله في الفلاة أو الصحراء الفلانية أو البئر الفلانية، هذا كله محرم لأنة استعانة بالجني وليس استعانة بالله ﷿ وباختصار كما قلت آنفًا لا يجوز أكثر من تلاوة القرآن الكريم، وأنا أخشى ما أخشى أن يكون هناك نوع من التدجيل الحديث اليوم، كما كان قبل بضع سنين المسمى باستحضار الأرواح أو التنويم المغناطيسي، فهذه كلها كانت عبارة عن بهلوانيات يتعاطاها بعض الدجالين بأسماء حديثه، تنويم مغناطيسي، استحضار أرواح، الآن استحضار الجان، هذا ما يجوز أبدا، وربنا ﷿ ذكر في القرآن الكريم في حق العرب في الجاهلية الذين كان من عادتهم أنهم إذا سافروا ونزلوا واديًا ليباتوا فيه ينادي رئيس القبيلة من الإنس يا رئيس هذا الوادي من الجان نحن الآن في أمانك في ضيافتك، وما شابة ذلك، فأشار الله ﷿ إلى هذه الضلالة بقولة ﴿وَأنه كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦)، هذه الزيادة الآن المذكورة في القرآن هي التي تقع من أكثر هؤلاء الذين يدعون أنهم يستخرجون الجان من إنسان، فلا يجوز، وذلك من الكهانة التي قال الرسول ﵊، «من أتى كاهنًا، وفي رواية عَرَّافًا، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، ذلك لأنة يستعين به وستنبئه عن أمور غيبيه لا يعلمها الناس عادةً فَيَضِلُّوْنَ
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
ويُضِلُّوْنَ، هذا جوابي عن هذا السؤال.
مداخلة: جزاك الله خيرًا يا شيخ بس في بعض الأمور مثلًا هؤلاء الشباب يعالجون بالقرآن، ولكن يعني في بعض الطرق مثلًا يعني يمسك أحدهم برأس المريض ويقرأ آية من القرآن، ويمسك الثاني بيديه ويقرأ آية من القرآن، ويمسك الثالث برجليه مثلًا ويقرأ آية من القرآن، كلهم يقرؤون في آن واحد وجهرًا، وهناك من يكتبون في ورق أو في منديل ورقي، يكتبون القرآن ثم يحرقون هذا المنديل بالنار ليخرج البخار يقولون في واحد من العلماء لا أعلم باسمه يمكن الدمرداش في مصر أخرج كتابًا لعلاج المس من الجن، نعم الدمرداش تقريبًا هذا يقول أن هذه الطريقة، هم يقولون هذا لم نقرأها في الكتاب ولم نجدها، الله أعلم يعني أن هذه الطريقة تحرق الجن الموجود في الإنسي.
الشيخ: ولماذا يحرقوه؟
مداخلة: لأنة لا يريد أن يخرج.
الشيخ: لكن هو يخرج بتلاوة القرآن كما فعل الرسول عليه الصلات والسلام، على كل حال الصورة التي تصورها الآن، هي من بدع آخر الزمان، ولذلك نحن نعود إلى ما ذكرناه في أول الجواب، ليس هناك لمعالجة مس الجن إلا تلاوة القرآن ومن شخص، أما واحد بيأخذ بيد والثاني بيأخذ بيد والثالث بالرجل والرابع بالرجل، فهذه تمثيليات فعلًا.
مداخلة: في آيات مخصوصة في هذا؟
الشيخ: لا.
مداخلة: ما ورد يعني؟
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
الشيخ: لا ما في شيء مُعيَّن.
مداخلة: مثل آية الكرسي أو أواخر البقرة أو المعوذات؟
الشيخ: ما في آية معينة لهذا الخصوص، آية الكرسي معروف أن الجني الذي قبض عليه أبو هريرة ولما رآه يريد أن يسرق من تمر بيت المال أول ليلة وثاني ليلة وثالث ليلة وكل مرة يحكي للرسول ويقول أنه الجن، وسيعود إليك، في ثالث مرة ألقى القبض عليه فتدخل وأشفق عليه أبو هريرة قال له لما أصر أن يأخذه إلى الرسول ﵊، قال: دعني، وأعلمك آية من القرآن الكريم، إذا أنت قرأتها حينما تضع جنبك للنوم لا يقربك في تلك الليلة إنسٌ ولا جان، فكأنه اطمأن لهذا الجواب فأطلقه، ولما أصبح به الصباح ذكر ذلك للرسول قال
﵇ «صدقك وهو كذوب»، لا شك أن هذه الصورة أو هذه الآية تفيد لبعض الجن.
مداخلة: بلفظ إنس ولا جان، ذكرتُ ولا ولا يقربك شيطان؟
الشيخ: لا في روايات متعددة في هذا الخصوص، حتى بعض المعاصرين اليوم مع الأسف حاولوا تضعيف هذا الحديث مع كونه في البخاري، وتجاهل الروايات الآخرى التي يزيد بعضها على بعض.
مداخلة: هل يُمكن أن نُشير مثلًا لبعض آيات نتيجة التجربة من أهل العلم، مثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية كان أحيانًا يقرأ على المصروع يقول أنها، أو أن ابن القيم بالذات يقول أن آية ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (المؤمنون: ١١٥)، تؤثر كثيرًا في أذن المصروع فهل ممكن أن نشير إلى هذه الآيات؟
الشيخ: ما في مانع.
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
علي حسن: شيخنا أذكر إني قرأت في «اللآلئ المصنوعة» للسيوطي في تعليقه على بعض الحديث كما لا يخفاكم شيخنا هو يورد من الأسانيد الكثيرة أحيانًا ليشد عضد حديث أو كذا فكأني رأيت بعض الأسانيد تكاد تقوى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا جاءه المصروع الذي لبسه الجني قرأ في أذنه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٥)، قال فكأنما نشط من عقال.
الشيخ: هذا السيوطي وين؟
مداخلة: اللآلئ للمصنوعة.
الشيخ: طيب يعني وين.
مداخلة: لكن كاتبها عندي على الصفحة.
الشيخ: على كل حال يحتاج إلى مراجعة، إن شاء الله غيره.
مداخلة: بالنسبة الذين يُسجِّلون على الأشرطة حوار مع جني صراع مع جني وتوزع للأسواق.
الشيخ: يا أخي إذا كان ما سبق نفيناه وهذا من باب أولى، نعم.
مداخلة: ما رأيكم بالتداوي بالقرآن بطريقة القراءة مثلًا في كأس من الماء وتقريب الفم
الشيخ: هذا كالكتابة على الورقة ثم شعلها، كما ذكرت آنفًا كل هذا ليس له أصل وكل خيرٍ في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.
مداخلة: ذُكِر عن ابن تيميه أنه كان يضرب المصروع فهل هذا كذلك يعني من
[ ٣ / ١٠٨١ ]
الأمور المنهية أم يجوز فعلها؟
الشيخ: إذا كان ضربه أولًا لا يؤذي المصروع ويفيد في إخراج الجن فجائز.
مداخلة: الماء
الشيخ: هذا ليس له أصل.
"الهدى والنور" (٥٧٣/ ٣٥: ١٧: ٠٠)
[٤٠٦] باب هل يجوز التعامل مع الجن والتحدث معهم؟
سؤال: صحة الحديث الذي هو حديث أبي بن كعب: جاء رجل إلى النبي - ﵌ - وقال: إن أخي به لمم فأجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقرأ بهذه الآيات: التي هي الفاتحة أو البقرة .. وإلهكم إله واحد .. آية الكرسي .. آخر البقرة .. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (آل عمران: ١٨) وآية (٥٤) في سورة الأعراف وأواخر المؤمنون، وأول عشر آيات من الصافات، وآيتين من سورة الرحمن، وآية من سورة الجن، وأواخر الحشر، والإخلاص والمعوذتين، فيقول: فقام الرجل كأن لم يشكو قط.
فمنذ فترة طويلة أرقي بهذه الرقية وفي يوم من الأيام أرقي أحد الشباب فنطق على لسانه جني وقال: أنا لا دخل لي .. لا دخل لي .. المهم: اختصار الموضوع لأن الأمر ظل عدة أيام، حوالي أربعة أيام .. المهم: تكلم على الطريقة المعتادة التي كنت أعملها سابقًا: حادثته وما اسمك ومن أنت ولماذا دخلت وهل تعمل مع ساحر أم لا إلى آخره، فقال: أعمل مع ساحر والساحر فلان وفلانة التي ذهبت إلى الساحر إلى آخر ما قال، فنهايتها قال: أنا أسلمت منذ الأمس عندما أتيت إليك أول مرة فأريد أن أخدم، قلت: ما هي الخدمة التي تريد أن تقدمها؟ قال: أخدم
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
المسلمين فقط ادعوني آتيك على حسب ما سمى نفسه، قلت له: نعم والله! بدل أن أقول: يا الله أقول: يا عبد الله، فقال: لا أقصد .. قلت له: لا، هذه هي، اذهب عني من أتى بك سيأتي بغيرك وغير غيرك إلى آخره.
الشيخ: جميل.
مداخلة: نعم، المهم قال: لا تنادي إذا كان في ذلك شرك، امسك بالسواك واستاك به خمس مرات أكون حاضرًا عندك، قلت له: نعم والله! الرسول - ﵌ - وضح أن السواك سنة غير محدودة العدد، آتي أنا أشرك بهذا الفعل .. أنا لا أقبل ذلك، إذا أردت أن تخدم اذهب عني فاخدم بالطريقة التي تراها.
خلاصة الحديث: قال: أريد أن أجلس عندك أتعلم أحكام التجويد.
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: نعم، قلت أنا: لا أقبل هذا كله ولكن انصرف واخرج أنا لا آمرك إلا بالخروج، آمرك بتقوى الله ثم أن تخرج من هذا الرجل؛ لأنه وجودك في جسده ظلم إلى آخره، فقال: أنا لا أقدر على الخروج إلا بعد استخراج السحر، وكان هذا الوقت متأخر من الليل وكانت ليلة مثلجة فانتظرنا حتى الصباح يعني: بالخبرة المدة الطويلة أعرف أن السحر .. طبعًا هو لو صدق في إسلامه لخرج، لكنه لم يصدق في إسلامه وهذا ما عرفت.
الشاهد في الموضوع: انتظر حتى الصباح حتى ذهبنا إلى مكان السحر الذي دل عليه فقاموا الشباب بحفر المكان ولم يجدوا شيئًا ..
نهاية الحديث، قلت: لا بد أن تخرج، قال: لا أقدر على الخروج، قلت له: اخرج وإلا قتلتك أو حرقتك وأقسمت عليه بالله ﷿ أن يخرج منه وإلا
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
حرقته، قال: لا أقدر على الخروج، وحاول على الخروج حوالي من عشر مرات تقريبًا أقرأ عليه سورة يس حتى يجمع نفسه.
الشاهد: في النهاية ما وجدت حل وهذه طريقة لا أدري مدى صحتها، علمنا إياها أحد المشايخ سابقًا قلت إذًا: جمع نفسك في رجله، أين تسكن؟ قال: أسكن باليمين، قلت له: جمع نفسك في الشمال .. جمع نفسه، طبعًا: له جرم تحت يدي ..
الشيخ: له ماذا؟
مداخلة: له منتفخ المكان تحت يدي .. له حجم مبين .. ضربته بالسكين صرخ، قلت له: جمع نفسك وقل: أشهد أن لا إله إلا الله .. وهذا الذي كان معي، قال: أشهد أن لا إله إلا اله وأن محمد رسول الله .. جمع نفسك! جمع نفسه مرة أخرى فضربته بالسكين مرة أخرى، المهم: انتهى ..
الشيخ: ماذا تعني: ضربته بالسكين يعني: جرحته؟
مداخلة: نعم، جرحت الشاب نفس الشاب ضربته في نفس المكان الذي هو مجمع فيه ..
الشيخ: نعم.
مداخلة: طبعًا هذا بناءً على رغبته هو، يعني: انتقلت للحديث للسرعة الذي هو بناءً على رغبته، قال: ما في أمامك أي حل إلا أنك .. اقتلني بالصورة التي تراها، فهذا ما فعلت، المهم: ليس هذا هو الأمر فقط ولكن بعد يوم قال .. قبلها بفترة قال: له أخوه مع أخت الشاب الذي قرأت عليه، وذهبت وقرأت على الشاب .. أيضًا تكلم على لسانها ما اسمك .. الأول هذا الذي مع صاحبنا اسمه مروان والثاني اسمه مراد ..
[ ٣ / ١٠٨٤ ]
الشاهد .. خلاصة الحديث: أنه لما قتل هذا بعد يوم أو يومين من هذه الحادثة جاءني نفس الشاب ويقول: أنا اسمع صوت حولي يقول: إس .. إس .. ما أدري، المهم: قرأت عليه .. وأنا في أول الفاتحة تكلم على لسانه، من أنت؟ قال: مراد، طيب! ما الذي أتى بك؟ قال: والله أنا أخي أوصاني أن آتي على نفس الشاب وأُشهر إسلامي أمامك وهكذا بسم الله، قلت له: طيب! قل: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، قال: أوصاني أخي أن أسمي نفسي سليمان .. طبعًا وهذا استدراج آخر؛ لأن لي ابني الأكبر اسمه عبد الله وذاك سمى نفسه عبد الله عليه والابن الثاني اسمه سليمان فهذا يعني ..
الشاهد في الموضوع أنه قال: أجلس معك؟ قلت له: اخرج إلى بلاد الله ﷾ .. اخرج إلى مكة المكرمة إلى آخره، وظل فترة .. قال: أخدم، قلت له: نحن في غنى عن هذه الخدمة.
الشاهد في الموضوع أنه بعد يومين خرج طبعًا .. وبعد يومين نفسه سليمان، قال: لي زوجتي ولي ابني .. ابني اسمه برديس وزوجتي اسمها مايسة فأريد أدعوهم للإسلام ويأتي يسلمون، قلت له:- هذا الذي كان معي-قلت له: لا بأس، فقال: يا برديس يا برديس تعال على فلان .. ليس نفس الشاب على إنسان آخر.
طبعًا هذا بصوت واضح أمامنا .. في نفس الليلة التي خرج فيها سليمان ..
الشيخ: فهل يكون معك أحد أو وحدك؟
مداخلة: طبعًا عندي جماهير ..
الشيخ: جماهير، طيب!
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
مداخلة: ليس واحد أو اثنين عشرة خمسة عشر .. المهم: فترة .. في نفس الليلة طبعًا لم يأت على الشاب الذي قال له: يا برديس تعال عليه .. أتى على نفس الشاب الذي أنا أعالجه، لحظات ما رأيت إلا صار رجله تهتز الهزة المعروفة هذه، المهم: من أنت؟ قال: برديس، لماذا أتيت؟ أتيت أنتقم، لماذا ممن تنتقم؟ قال: منك ومن هذا الشاب الذي أنا فيه، قلت: أبوك وصاك أن تأتي على فلان، قال: لا أرد عليك ولا أرد على أبي .. أنت خربت العائلة .. أنت صنعت وصنعت .. إلى آخره .. قلت له: لا تقدر أن تنتقم وإلى آخره حذرته .. لم أجد حلًا ضربته، أصبح يصرخ والمهم قلت له: أنت أتيت تنتقم أخرج قال: أنا مجنون لن تستفيد مني ولا أنا سأسكن في غيره أنت خربت العائلة، فقلت له: أنا خربت العائلة أو الساحر الذي خرب لكم العائلة؟ قال: صحيح ولكن أنا .. قلت له: إذًا تخرج.
الشاهد: في الموضوع إلا أنه .. اخرج! لن أخرج .. اخرج! لن أخرج، خرج بقسوة وشدة لحظات نسمع على نفس الشاب صوت امرأة .. ابني ابني ابني صوت امرأة عادي، من أنتي؟ مايسة، ما الذي أتى بك؟ قالت: أتيت أبحث عن ابني وكذا .. طيب! اخرجي! ما أخرج .. طيب! اخرج الحقي بزوجك وأسلمي وهكذا إلى آخره، قالت: لا أخرج إلا عندما أنام مع هذا الرجل الليلة، تنامي مع الرجل! هذا زنا حرام، قالت: هذا عندكم أما عندنا ليس حرام .. يهديك .. يرضيك ما
في فائدة.
اختصار الموضوع في اللحظة التي أنا .. أتتني بعض الأفكار أريد كيف أتعامل الآن مع هذا الموج الذي فتح .. في لحظة تقول: أن رجلًا دخل الجسم، قلت: من الرجل؟ قالت: رجل لا أعرفه .. أصبحت الرجل الثانية تهتز .. من أنت؟ إذ هو يقول لي: عبد الله بن أحمد .. من عبد الله بن أحمد؟ الذي قتل .. الذي قتل أول مرة ..
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
مداخلة: الذي ضربته بالسكين.
مداخلة: نعم الذي ضربته بالسكين .. طيب! كيف أتيت، يقول لي:- من أجل أن يقطع علي الخط-يقول: روحي عندك وجسدي في مكة ..
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: قلت له: كيف هذا؟ قال: هكذا .. قلت له: طيب! كيف أتيت و.. إلى آخره، قال: وجدتك متضايف مع هذه المرأة الفاسقة فأردت مساعدتك، قلت له: طيب! كيف وأنت مت؟ قال: لا تسألني عن شيء، أنا أعرف شيء .. قلت له: طيب! كيف نقتلها هذه أو كيف نخرجها؟ قال: أمرها أن تخرج وهي لن تخرج، قلت له: كيف؟ قال: هذه فاسقة .. المهم: اخرجي! لن أخرج .. اخرجي! لن أخرج .. قال: ليس هناك حل إلا أنك تقتلها، قلت: له كيف أقتلها إذا أنا قتلتك وأتيت؟ قال: أنا سأحشرها في رجله .. إصبع رجله وأنت انقض عليه، قلت له: أي رجل؟ قال: رجله اليمين، بالفعل أصبح أصبعه يتحرك حركة غير شكل وتقول له: اتركني صوتين في نفس الوقت يعني لا يمكن فيها التصنع أنا خطر في بالي
أن هناك تصنع .. أنه مثلًا ممكن واحد يقوم بصوتين، ولكن في نفس الوقت
يكون الصوت ..
نعم، المهم: ضغطت .. عندما قال لي: اخنقها، يعني: حشرها .. ضغطت أنا على إصبع رجله اليمين بالفعل أصبعه ازرق أصبح أزرق وبعدها قال: انتهت الحمد لله، قلت له: إذًا أنت كيف أتيت؟ قال: لا تسألني عن شيء أنا الآن لا بد أخرج، قلت له: اخرج فخرج ..
فاق الرجل وقال: ليس بي شيء ..
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
المشكلة طبعًا الأرواح معروف أنا بالنسبة إلي لا .. يعني: إن كان ممكن الروح تعود .. ما قرأت ولا علم لي في ذلك .. هذه المشكلة لا أدري مدى ما ترى فضيلتكم بالنسبة لهذا الموضوع أو رأيكم في الموضوع باختصار؟
الشيخ: أنا أرى أنك تترك العمل هذا كله ولا تكن موضعًا لتلاعب الشيطان بك .. هؤلاء كلهم من شياطين الجن، وقد يكون هناك شيطان من شياطين الإنس، لكن القصة التي ترويها أنت قصة بالنسبة لما هو معلوم من وسائل البشر هي قصة خيالية ..
مداخلة: أنا لولا أنها حصلت معي لن أصدقها ..
الشيخ: طول بالك! لكن عندما كان المسلم يؤمن بأن هناك حياة غير حياة البشرية هي حياة الملائكة وحياة الجن وأنهم لهم من القدرات والطاقات والمكنات ما لا يطيقها ولا يستطيعها البشر عادة، ومن ذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف: ٢٧) فمن هذا المنطلق ممكن هذه الصورة أو هذه القصة الخيالية بالنسبة إلينا ممكن أن تكون حقيقة واقعية لكن من شياطين من هذا النوع الذين يروننا ولا نراهم.
فأنت الآن تحكي كأنك مشاهد للموضوع بينما تسمع صوتًا ولا ترى شخصًا، وتقول: أنه أسلم .. وتقول: أنه مات .. وتقول: أنه رجع من مكة وتسأله كيف رجعت؟ يقول: هذا ليس من عملك .. أو لا تسأل هذا السؤال ..
مداخلة: هو يقول: لا أدري.
الشيخ: فاهم .. لكن أنت الآن موقفك بالنسبة لكل هذه التمثيلية التي قد تكون حقيقة واقعية بالنسبة للجن، لكن بالنسبة إلينا خيال في خيال، مع ذلك أنت
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
آخذها وتنظر إليها بنظرة الصحة وأنه الواقع وفلان قال كذا واسمه كذا وأسلم ومات وما أدراك أنه مات؟ وماذا .. يعني: قضية في الوقت الذي أنت تظن أنه يكون فيها غش .. يكون فيها سحر .. أنت الآن يلعب بعقلك وتوهم بأمور تتبناها، فتقول: أسلم، ما أدراك أنه أسلم؟ هو قال ..
مداخلة: هكذا ادعى ..
الشيخ: من هذا الذي قال؟! تعرفه هل هو صادق أو كاذب؟
مداخلة: لا أدري.
الشيخ: فإذًا ..
مداخلة: فيهم الكذب ولكن هو هكذا قال ..
الشيخ: إذًا بارك الله فيك أبعد عن الشر وغني له، ولا تضيع وقتك في هذه الأمور إطلاقًا ولا تنس أن الحديث أو الرقية التي سألت عنها في أول القصة هذه، هذا حديث ليس له أصل في كتب السنة المعروفة اليوم، وإن كنت ولا بد راقيًا مصروعًا بصرع الجن فاقرأ ما تيسر من القرآن ولا تتعمق .. وكما أشرت أنك كنت من قبل تتكلم وتسأل وما أنت مسلم .. إلى آخره .. كل هذا لا يجوز أن تدخل فيه إطلاقًا إما أن تنصرف إلى عملك .. إلى وظيفتك .. إلى دراستك .. إلى إماميتك وإما أن تقتصر فقط على قراءة قرآن على من يكون فعلًا مصروعًا، أما أن تدخل في مثل هذه التفاصيل فأنا أخشى عليك أن تضل ضلالًا بعيدًا ..
لأن الآن الجاهلية من أسباب ضلالهم أنه كان الشيطان يدخل في الصنم ويتكلم ويأمرهم وينهاهم ويقول: هكذا الرب قال وهكذا الإله قال وإلى آخره،
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
وهم يسمعون صوتًا فعلًا الآن! فالآن أصبحنا نحن نسمع أصوات ونصدق فيها وأن هذا يهودي وأسلم .. نصراني وأسلم .. أو مسلم ارتد أو ما شابه ذلك .. أو هذا عاشق أو هي معشوقة .. ونأخذها ونسلم بها تسليمًا، وهذا لا يجوز في الأمور الغيبية التي ورائنا .. وراء عقولنا أن نأخذها ونسوقها مساق المُسَلَّمات من الأمور كأنها أمور غيبية ..
جاءنا كتاب .. جاءنا حديث صحيح عن رسول الله فوجب [الأخذ به وإلا] فلا، لذلك دعك من هذا الأمر إطلاقًا أو اقتصر فقط على قراءة آيات من القرآن، فإن نفع فبها وإلا فلست عليهم بوكيل والسلام عليكم.
"الهدى والنور" (٦٤٣/ ٥٧: ٣٦: ٠٠)
[٤٠٧] باب هل يجوز
إخراج الجني المتلبس بالإنس بكلامٍ غير مفهوم؟
سؤال: هل يأثم شخص مصاب بصرع من الجن فذهب لأحدهم متخصص في علم الجن وفكه بخير يعني؟
الشيخ: كيف؟
مداخلة: اختصاص يعني التلبس من الجن.
الشيخ: نعم.
مداخلة: يعني مصروع.
الشيخ: فهمت.
مداخلة: ذهب عند شخص مشعوذ احتمال أو ليس مبين الشخص الذي
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
ذهب إليه، لكن تم بنجاح استطاع أن يفكه بمثله يعني، هل فيه إثم على عقيدة الذي ذهب: المريض؟
الشيخ: فكه بمثله ماذا تعني بمثله؟
مداخلة: يعني بأسلوب مثلما دخل خرج [بنفس] الأسلوب يعني، أو استطاع أن يعالجه بخير ولا يعود إليه، يعني الشخص هذا هل يقع تحت قول: «من ذهب إلى عرافًا فقد كفر على محمد»، هو من العراف قد يكون هذا الرجل.
الشيخ: يا أخي أنت تقول بأسلوب ولا توضح ما هو الأسلوب، ولذلك أنا لا أعرف كيف سأجيبك، إن كان الأسلوب أنه تلا عليه بعض الآيات القرآنية فهذا بطبيعة الحال لا شيء عليه.
مداخلة: ما فيه شيء أما إذا ..
الشيخ: لكن ماذا فعل هو أنت لا توضح ماذا فعل.
مداخلة: الإيضاح بأسلوب قرأه خرج منه.
الشيخ: ماذا قرأ؟ هل قرأ شمشريخة بطيخة؟
مداخلة: نعم يجب أن نعرف ماذا قرأ يعني.
الشيخ: نعم.
مداخلة: أحسنت، أما إذا كان قرأ قرآن، طَيِّب هذا الشيء.
الشيخ: ما فيها شيء.
مداخلة: أما إذا مثلما قلت خرابيش، يأثم؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: ولو خرج منه هذا الجني.
[ ٣ / ١٠٩١ ]
الشيخ: ولو.
مداخلة: سبحان الله.
الجواب: لأن هذا معالجة على طريقة أبي نواس.
السؤال: نعم.
الجواب: أتعرف طريقة أبي نواس؟ هذا كان مدمنًا للخمر فكان يقول لندمائه وجلاسه: وداوني بالتي كانت هي الداء.
"الهدى والنور" (٢٠٥/ ٤٤: ١٩: ٠٠)
[٤٠٨] باب هل تشرع
قراءة القرآن على الماء والسدر لإخراج الجن؟
سؤال: بعض الشباب [يجعلون] أوقاتًا مُعيَّنة للقراءة ويجعلون مثلًا ماء وسدر يُقرأ عليه فهل هذا جائز؟
الشيخ: ما في عندنا طريقة وردت عندنا في الشرع إلا تلاوة القرآن الكريم، ليس عندنا مما ورد إلا هذا، وإن كنا نعلم أن ابن القيم وغيره من العلماء يأتون بأشياء أخرى ما أدري ثبتت لهم بالتجربة، أما في السنة فما علمنا لذلك أصلًا، فنحن نقول: من كان يخرج الجآن من الصرعى بتلاوة كتاب الله ﷿ فهذا لا يجوز إنكاره؛ لأنه أمر ثابت ونافع دون أن يكون هناك شرك أو أن يكون فيه بدعة، هذا الذي نعلمه ولا نزيد عليه
"لقاءات المدينة" (٢/ ٠٠:٤١:٥٠)
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
[٤٠٩] باب هل القرآن يُحْرِقُ الجن؟
السائل: جزاكم الله عن الإسلام خير الجزاء ورزقنا وإياكم والحاضرين مرافقة الرسول - ﵌ - في الجنة وغفر لوالديك. هل ثبت في السنة الصحيحة أن القرآن يحرق الجن؟ وكذلك الجني الذي يصرع الإنسان إذا أُمر بالخروج فلم يخرج هل يحرقه القرآن؟ أفيدونا أفادكم الله.
الشيخ: لا أعلم شيئا من هذا في السنة: أن تلاوة القرآن تحرق الجني المتلبس بإنسان.
لكن الذي نعلمه أن القرآن الكريم كما قال رب العالمين ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (النحل: [٦٩). وهو ﴿شِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ﴾ (يونس: ٥٧). وقد جاء في بعض الأحاديث في مسند الإمام أحمد وفي غيره أن النبي - ﵌ - مر بامرأة ولها ولد مصاب باللمم أي: بالجنون فقرأ عليه النبي - ﵌ - بعض الآيات القرآنية فكأنما نُشط من عقال، وسافر النبي - ﵌ - وتابع طريقه ثم لما رجع ومر بالمرأة فسألها عن ولدها فقالت: والحمد لله لا يزال كما تركته بعد أن شفي، فهذا ثابت في السنة أن القرآن يُفيد في إخراج الجني المتلبس بالإنسان، وهذا حديث شاهد على ذلك ثم إن بعض الأئمة الصادقين في اتباعهم لسنة النبي صلى الله عليه وآله سلم كانوا يستنون به في محاولتهم لإخراج الجني المتلبس بالإنسان وعلى رأس هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد كان معروفًا في زمانه بأنه إذا قرأ على المصروع شيئًا من آيات الله ﵎ قام في الحال وكأنما لم يمسه الشيطان، فقراءة القرآن تفيد إلى هذا المجال.
أما أن القرآن يُحرق الجني فهذا شيء ما سمعت به ولا عرفتُه ولا أظنه أنه يمكن أن يصح.
"فتاوى جدة- الأثر" (١٦أ/٥٠: ٤٤: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
[٤١٠] باب هل قراءة القرآن على الماء والنفث فيه ورش المنزل به مشروع لإخراج الجن من البيت؟
سؤال: بارك الله فيك يا شيخ! هل قراءة القرآن والنفث في الماء ورش به المنزل الذي تسكنه الجن فيه بأس؟
الشيخ: لا يوجد في السنة شيء من ذلك، وإنما السنة أن المسلم يقرأ القرآن في بيته وبخاصة سورة البقرة فإن الشيطان لا يقرب بيتًا تُقرأ فيه سورة البقرة، هذا هو العلاج بديل ذاك الذي سألت عنه.
"فتاوى جدة" (٦/ ٠٠:١١:٥٧)
[٤١١] باب هل يجوز الاستعانة بالعرافين لإخراج الجن؟
السؤال: يقول السائل: إنسان أُصيب بمس من الجن، ولم ينفع الطب في علاجه، ولا يوجد من يخرج هذا الجن من المصاب، فإذا لجأ إلى عرَّاف من أجل أن يُخرج الجن من بدنه، فهل هذا يجوز له أم لا، وماذا يفعل؟
الشيخ: إذا كان السائل يعني ما يقول حينما يقول: عرافًا، فالجواب: أن النبي - ﵌ - قال: «من أتى عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» إن كان يعني ما يقول، أما إن كان يعني أنه يأتي إنسانًا يخرج الجن بطريقة مشروعة وهي محدودة جدًا، وهي أن يتلوَ آيات من القرآن الكريم أو رُقي ثابتة عن النبي ﵊ وتعويذات يقرؤها على هذا الممسوس أو هذا المصروع، فقد يشفى بإذن الله ﵎، أما إن كان يستعمل أشياء أخرى كما يبلغنا عن كثير من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم لمعالجة هذا الجنس من الناس ألا وهم الممسوسون فيزعمون أنهم مؤاخون لجني، وأنهم يتصلون معهم أو معه كلما
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
أراد، وأنه يتكلم معهم، وأنه يسمع كلامهم، وأنهم ينصحونه ويدلون على مرض هذا الممسوس وعلى العلاج وما شابه ذلك فهذا هو العراف الذي نهى الرسول ﵇ عن إتيانه، وهو من الاستعانة بالجن المنهي عنها بمثل قوله تعالى حكاية عن لسان الجن الذين آمنوا بالنبي - ﵌ -، قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦) أي: تعبًا وضلالًا ومقتًا، فحينئذٍ لا يجوز الذهاب إلى مثل هذا الكاهن أو العراف، لأنه من باب أو لأن ذلك يكون على مذهب أبي نواس:
وداوني بالتي كانت هي الداء
يعني: يطلب شرب الخمر، هكذا يكون شأن هذا الإنسان المصاب بالمس من بعض الجان حينما يأتي بعض الناس للاستشفاء على يده وهو يستعين بالجن، وليس فقط يتلو على الجني المتلبس بالإنسي آيات من القرآن كما ذكرنا أو من التعاويذ الثابتة عن رسول الله - ﵌ -، فإخراج الجن بهذه الطريقة القرآنية أمر جائز ومفيد؛ لأنه من باب قوله ﵇: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» أما ما سوى ذلك غير التلاوة القرآن والأدعية الواردة عن الرسول ﵇ فهو تدجيل في تدجيل، فلا يجوز الإتيان، وحينئذٍ نقول لمن كان مبتلى أن يقصد إلى مثل إنسان صالح معروف أنه يقرأ على الجني، ويمكن أن ربنا ﷿ يفيد الممسوس بمثل هذه القراءة، فإن لم يستفد فحسبه الله، لأن الله ﷿ يَبتلي عباده بما يشاء، وكثير من الأمراض يُصاب بها بعض الناس وتستعصي هذه الأمراض على الأطباء جميعًا، ويعيش ويعيش ويعيش، ثم يأتيه اليقين بهذا المرض، يموت به، لكن يسعى إلا أن سعيه يجب أن يكون سعيًا مشكورًا.
"الهدى والنور" (٢٩٠/ ٤٦: ٢٥: ٠٠)
[ ٣ / ١٠٩٥ ]
[٤١٢] باب حكم سؤال الجن عن أمور الغيب النسبي
السؤال: ما حكم سؤال الجن عن أمور الغيب النسبي؟
الجواب: لا نرى التوجه إلى الجن في أسئلة تتعلق بأمور غيبية؛ لأن ذلك من بواعث ضلال البشر، والله ﷿ ذكر في القرآن الكريم شيئًا من ضلال المشركين السابقين حيث قال رب العالمين ﵎ حكاية عن أهل الجن الذين جاءوا إلى النبي - ﵌ - وآمنوا به، فقد كان من قولهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦) فالاستعانة بالجن في معرفة الغيب هو كما يقول بعض المتقدمين حينما يستنكر استغاثة المخلوق بالمخلوق، إنه كاستغاثة السجين بالسجين، فاستعانة البشر بالجن على معرفة الغيب، هذا كاستعانة البشر بالبشر، فإن الجنسين من الإنس والجن يشتركان في عدم معرفة الغيب، أما حينما يكون المقصود بالغيب هو أمر واقع ولكنه غائب عن البشر بسبب أن طاقاتهم وقدراتهم محدودة، وطاقات الجن أوسع، فكذلك نقول لا ينبغي؛ لأن الأمر مع الاستمرار في الاستعانة بهم سيتوسع ويتسع الخرق على الراقع، فيقع الناس في الإشراك بالله ﷿ في شرك الصفات؛ لأنكم تعلمون جميعًا أن الله ﷿ واحد في ذاته، واحد في عبادته، واحد في صفاته، فلا يشاركه أحد من المخلوقات مطلقًا في معرفة الغيب كما قال ﵎: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٧) فالأنبياء والرسل أنفسهم لا يعلمون الغيب، ولكن الله ﷿ بطريق الإيحاء إليهم يُعلِّمهم عن بعض المغيبات، ولا نبي بعد نبينا - ﵌ -، لذلك فطريق معرفة الغيب هذا طريق مسدود سواء كان من الغيب الذي لم يقع، أو من الغيب الذي وقع، وهو غير داخل في طوق البشر، فالاستعانة بالجن في هذا النوع وهو بلا شك مزلة
[ ٣ / ١٠٩٦ ]
وضلالة وقد يؤدي كما قلت آنفًا إلى الإشراك بالله ﷿
الشاهد أن فتح باب الاتصال بالجن يورث البشر في الوقوع في الضلال المنهي عنه. نعم.
"الهدى والنور" (١٨٨/ ٠٠:٥٥:٥١)
[٤١٣] باب اعتقاد أهل الجاهلية في الغول
[قال الإمام]:
«الغول»: جنس من الجن والشياطين، كانوا يعتقدون في الجاهلية أنها تتلون في البراري لتضل الناس وتهلكهم، فأبطل ذلك النبي - ﵌ - بقوله: «لا غول» [و] قال ابن الأثير: «الغول أحد الغيلان» وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولًا، أي: تتلون تلونًا في صور شتى، وتغولهم أي: تضلهم عن الطريق، وتهلكهم فنفاه النبي - ﵌ - وأبطله.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٦٠٢ - ٦٠٣).
[٤١٤] باب كيف يعالَج المصاب بالعين؟
سؤال: هل يا ترى هناك علاج لمن أصيب بالعين، يعني بمعنى آخر أنه يقرأ عليه شيء فيخفف عليه.
الشيخ: إيه هذا موجود في السنة.
الملقي: وبالتالي تأثيرها ما نعرفه، بس اللي في العلاج موجود شيخنا.
الشيخ: إيه موجود، لكن يشترط معرفة العائن.
[ ٣ / ١٠٩٧ ]
مداخلة: الذي ما حضرني أنه شافوا من هو العائن وبالتالي.
الشيخ: إيه نعم، العائن يؤخذ ويتوضأ من المصاب بالعين من الصائب بالعين وتمسك أطراف ثياب المعان المصاب بالعين.
مداخلة: معليش سيدي مرة أخرى.
الشيخ: أقول: يكلف العائن بأن يتوضأ.
مداخلة: العائن الذي أصاب بالعين.
الشيخ: أي نعم، ثم هذا الماء لا يكب وإنما يحفظ أي الوضوء الماء الذي توضأ به العائن المصيب بالعين هذا الماء لا يراق يحتفظ في وعاء، ثم يؤخذ ويمسح به بطانة الثوب هاللي لابسه المصاب بالعين.
أي نعم، وهذا وقع في عهد الرسول ﵇.
الملقي: مع أذكار معينة أو رقية معينة؟
الشيخ: لا، الأذكار تنفع قبل الإصابة،
مداخلة: أين هذا النص
الشيخ: في "موطأ" مالك.
مداخلة: في الموطأ.
الشيخ: أي نعم.
الملقي: طيب يا سيدي إذا كان الآن اشترطت تحقيق كما يجب أن يكون العائن معروف، يعني لنفرض أن العائن مشكوك في أمره، وتم هذا الأمر، أعتقد
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
أنه والله أعلم أنه لا ضير، يعني هو لن يكون هناك شفاء، ولكن لو حصل أن أنت شككت في إنسان معين، وهو ليس بالعائن، فهل هناك ضير، ولا لا بد من ..
الشيخ: ما في ضير، هنا في ناحيتين، إحداهما تتعلق بأهل المُعان، والأخرى تتعلق بالعائن، ولا أقول بآله إلا إذا كان صغيرًا. أما ما يتعلق بالمعان أو أهل المعان لأنه هو بيكون غائب عن رشده، ولا يعرف معالجة نفسه، فيحسن بالنسبة لهم البحث الآن في المعان وأهله، يحسن والآن في السيارة كنا نجيب عن سؤال: هل يعني كل دواء يجب تعاطيه، وهل من التوكل على الله الإعراض عن التداوي، فكان الجواب بشيء من التفصيل ألخصه الآن فأقول: الأدوية من حيث قوة تأثيرها في المريض ثلاثة أقسام: قسم مقطوع علاجه وأثره فهذا واجب تعاطيه، وقسم يغلب على الظن إما ظن الطبيب المسلم أو ظن المريض نفسه أنه النوع الفلاني من العلاج هو يعني له أثره الشافي، القسم الثالث والأخير ..
مداخلة: هذا شو حكمه؟ الأول واجب
الشيخ: واجب، هذا مستحب أحسنت؟ القسم الثاني لا يشرع وهو الذي ظن شفائه به مرجوح؛ لأنه من باب الأخذ بالظن الذي لا يجوز الأخذ به شرعًا، إذا عرفنا هذا وهذه الخلاصة وكما قلت آنفًا كان الكلام في السيارة بشيء من التفصيل، نعود الآن إلى أهل المعان، فإذا كان يعني من المقطوع عندهم أنه فلان العائن فهذا يجب الأخذ به، وإذا كان عندهن ظن راجح فيستحب الأخذ به، وإذا كان عندهم ظن مرجوح فلا يجوز الأخذ به، هذا فيما يتعلق بالمعان أو أهله، نجي بقى بالنسبة للعائن، بالنسبة للسؤال هذه مشكلة تتعلق بالعائن، قد يكون أهل المعان في المرتبة الأولى يقطعون بأنه هذا هو العائن، لكن هو راح يترفع راح
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
يقول: أنا! أعوذ بالله، أنا كذا، ما رح يخضع للحكم الشرعي، فلذلك المسألة ما بنقدر نحن نقول إنه يجب ولا يستحب ولا يكره، لأنه هذا أمر يتعلق برجل متدين، فإذا كان متدينًا، وكان أهل المعان يقطعون فيجب عليه هو أن يخضع لهذا العلاج الشرعي، وإن كان الظن راجحًا فيستحب في حقه، وإلا فلا يجوز له أن يخضع لمثل هذا الظن المرجوح.
أنا كمثال حدثني به أخ لي شقيق لا يزال في قيد الحياة اسمه فخري، بيقول: في أيام شبابه كان له صديق، هذا طبعًا في ألبانيا، صديقه كأنه صياد بالعين شيء شيء رهيب جدًا، لكن الظاهر يعني كيف مثلًا في صياد هواه إنه يصطاد نوعًا من الطيور أو نوعًا من الوحوش، هذا والحمد لله شره في عينه محصور في اصطياد العنب، لكن عجيب شيء، الآن هذا ذكرني كان يقول له صاحبه: خلينا نخرج يا فلان نصطاد العنب، في عز إيش، قطافه، عندنا في ألبانيا كانت الدور دور إسلامية عربية يعني مش دور إفرنجية كما بلينا الآن، كل دار لا بد ما يكون فيه فسحة داخلية، ولا يمكن أنه يكون فيه نافذة تطل على الطريق، لا ترى المرأة منها الذاهب والجاي أبدًا، محصور البيت، لكن مقابل الحصر أمام السَّكَن في فسحة في أشجار في عنب في تين إلى آخره، فهذه العرائس كانت أحيانًا أغصانها تتدلى على السور العالي على الشارع فيقول هذا صاحبه لأخي: هيا بنا نصطاد العنب، يمر يشوف عنب ناضج ومستوي وفحل إلى آخره، الله أكبر، مجرد ما يوجه بصره كأنه قطعه بالسكين.
"الهدى والنور" (٧٤٦/ ٢١: ٢٠: ٠٠)
[ ٣ / ١١٠٠ ]
[٤١٥] باب حكم جلوس المرأة جلسة معينة لتكون سببًا في الولادة، وهل يجوز فك السحر بكتابة آيات ثم بلها بالماء ثم يؤمر المسحور بالشرب منه؟
[سُئل الإمام عن امرأة لا تلد فنصحت أن تجلس جلسة معينة ستكون سببًا
في الولادة].
ثم قال السائل: وسؤال آخر عن السحر: شيخٌ أفتاهم يقولوا: يكتبوا آية من القرآن لأن الولد مسحور ثم يشرب الماء فهل هذا جائز أو لا يجوز؟
الشيخ: نعم، بالنسبة للمسألة الأولى هذه لا شك من خرافات عجائز النساء فلا يجوز العمل بمثل ذلك؛ لأن الأسباب التي يتوصل بها المسلم إلى المسببات تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أسباب شرعية، والقسم الآخر: أسباب كونية كالطب التجربة المعروف اليوم؛ هذه أسباب علمية كونية ..، هناك أسباب دينية كالدعاء مثلًا، كاستعمال العسل واستعمال الحبة السوداء التي إلى الآن لا يعرف الأطباء الشفاء الذي في الحبة السوداء كما قال ﵇: «الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» (١) فإذا تعاطى المسلم سببًا من هذين النوعين فهو على الجادة وعلى الاستقامة، وهناك أسباب أخرى هي أسباب وهمية خرافية كالطِيَرة مثلًا ونحو ذلك فلا يجوز للمسلم أن يتعاطى شيئًا من ذلك.
فمثل هذا الخبر التي لا تحبل تذهب وتجلس كما سمعتم هذا الجلوس
_________________
(١) البخاري (رقم٥٣٦٣) ومسلم (رقم٥٨٩٦).
[ ٣ / ١١٠١ ]
العجيب الغريب هذا خرافة لم تأت لا في الشريعة ولا في الطب التجربي فلذلك فلا يجوز العمل به.
أما كتابة القرآن وغسل هذه الكتابة وشربه بالماء هذا يقول به بعض العلماء لكن لا نعلم لذلك أصلًا في السنة الصحيحة التي وردت عن النبي - ﵌ -، فعندنا التعوذ قراءة قرآن، الترقية بالقرآن وبما جاء عن الرسول ﵇ هذا ثابت،
أما أن يقرأ ويكتب في صحيفة ثم يُمحى بالماء ويشرب فهذا لا نعلم له أصلٌ
في السنة.
"الهدى والنور" (٨١/ ٣٣: ٤٩: ٠٠)
[٤١٦] باب ما هو الجائز في فك السحر؟
وما هي الأمراض التي تُعالج بالقرآن؟
سؤال: يقول: بارك الله فيك يا شيخ! هل السنة تمنع علاج المرضى بالقرآن بدون تخصيص لِسُوَر السحر فيه بأس؟
الشيخ: فيه ماذا؟
مداخلة: يعني: بدون تخصيص على جميع الأمراض العلاج بالقرآن فيه بأس .. السحر .. إيذاء الجن للشخص، بالقراءة في الماء مثلًا النفث أو القراءة ..
الشيخ: إذا وقف العلاج على تلاوة التالي للقرآن على المريض فذلك طبعًا جائز ومشروع، أما إذا انضاف إلى تلاوة القرآن أشياء أخرى لم تَرِد في السنة فليس ذلك مشروعًا، مع ملاحظة واحدة وهي: أن النبي - ﵌ - قد قال: «إن الله ﵎ ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله» فإذا كان الإنسان أصيب بمرض ما مرض مادي بدني ظاهر، فعليه أن يعالج ذلك بالأدوية
[ ٣ / ١١٠٢ ]
المادية الطبية المعروفة سواء ما كان منها من الطب النبوي أو ما كان من الطب التجربي، فإذا كان المرض لا يعالج بمثل هذه الأدوية المادية والتي أرادها الرسول ﵇ بحديثه السابق: «ما أنزل الله دًاء إلا وأنزل له دواء» حينئذٍ لا بد أن يلجأ إلى التلاوة بالقرآن؛ لأنه شفاء للناس، ولكن لو ضربنا مثلًا الآن أن إنسانًا ارتفعت حرارته فلا يشرع هنا ليلجأ لمعالجته بالقرآن وإنما يعالج بالأدوية المسكنة والمخفضة للحرارة، وأوضح من هذا المثال: إذا انقطع عرق وريده مثلًا فهذا يجب رأسًا أن يبادر إلى ربطه وتعصيبه ولا يشرع هنا أن يلجأ إلى تلاوة القرآن.
أما الأمراض النفسية التي عجز الطب المادي بقسميه عن معالجته فحينذاك يرجع بالمعالجة إلى تلاوة القرآن الكريم، بالشرط الذي ذكرته آنفًا وهو: ألا يقترن معه شيء لم يرد في السنة.
"فتاوى جدة" (٦/ ٠٠:٤٢:٢١)
[٤١٧] باب هل يشرع فك السحر
بدق سبع أوراق من السدر وقراءة بعض الآيات؟
سؤال: في كتاب التوحيد ذكر .. علاج السحر: دق سبع أوراق من السدر وقراءة بعض الآيات.
الشيخ: جوابنا السابق يشمل هذا السؤال؛ لأنني سأقول: هذه الأوراق وهذا الدق هل جاء في السنة؟ ما علمنا ذلك، فمن يدعي ذلك فعليه أن يبرز: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١) وأنا في حدود علمي ما علمت شيئًا من ذلك أبدًا.
"فتاوى جدة" (٦/ ٠٠:٤٥:١٩)
[ ٣ / ١١٠٣ ]
[٤١٨] باب كيف
يكون العلاج من السحر والعين والصرع؟
[قال الإمام]:
لا أعلم علاجًا للسحر سوى الرقية المشروعة وتلاوة قرآن واللجأ إلى الله ﷿ والتضرع إليه لمعافاة هذا المسحور من السحر، أما إتيان الكُهان وإتيان العرَّافين لاستكشاف من الذي سحر؟ وما نوع السحر؟ من أجل فكه ونحو ذلك؛ فهذا مع أنه لا ينفع فهو تعاطٍ لأسباب غير شرعية؛ بل قد تكون من الأسباب الشركية لما في بعضها من الرقى التي لا يُعرف معانيها، وقد يكون فيها استعاذة بالشياطين الذين لا نعرف ما هي أسماؤهم، وإنما يعرف ذلك هؤلاء الدجالون الذين يستعينون بقرنائهم من الجن كما قال رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (الجن: ٦)، أما ما يتعلق بالمصاب بالعين والمصروع؛ فالمصاب بالعين له علاج مذكور في كتاب الموطأ وغيره؛ أن يُظنَّ بالعائن فإذا عُرف؛ فيؤمر بأن يتوضأ وأن يؤخذ وضوءه- ماءه الذي توضأ به- ويمسح بذلك أطراف المُعان فيكون ذلك سببًا شرعيًا لشفائه، وفي الحديث شيء من التفصيل الآخر ربما لا يحضرني الآن، فهذا موجود في كتاب الموطأ وفي غيره من كتب السنن. أما المصروع الذي تلبَّس به الجني فهذا علاجه تلاوة آيات من القرآن الكريم من مسلم صالح معروف بالصلاح؛ فهذا يفيد في كثير من الأحيان هذا ما عندي من الجواب على
هذا السؤال.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢١/ ٠٠:٣٧:٤١)
[ ٣ / ١١٠٤ ]
[٤١٩] باب حكم إزالة السحر بسحر
سؤال: الرجل المسحور هل يجوز إزالة السحر عنه بسحر؟
الشيخ: لا، إلا على مذهب واحد، وهو مذهب الخِمِّيْر السكير أبو نواس الذي قال: وداوني بالتي كانت هي الداء.
"الهدى والنور" (١٣٣/ ٥٩: ٥٩: ٠٠)
[٤٢٠] باب نوع سحر سحرة فرعون
السائل: سحر سحرة فرعون، كان سحرًا بتسخير الشياطين أم كان سحرًا من النوع الآخر؟
الشيخ: هو الظاهر الأول ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: ١١٦)، تخييل ولهذا يقول المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ (البقرة: ١٠٢) هذان الملكين ربُنا أنزلهم في زمن كان انتشر السحر عند الملوك، ويستخدمون السحرة كما جاء في قصة الغلام مع الساحر، معروفة هذه القصة في صحيح مسلم، كان هناك ملك مستعبد لشعبه وشعر بأنه الساحر الذي كان يستعين به على استرقاق شعبه أسن وشاخ، فهو يريد بديله، فأمره بأن يختار له غلامًا من الشعب ذكيًا لكي يكون خليفته من بعده، فاختار غلامًا، فكان هذا الغلام يخرج كل يوم صباحًا من بيته إلى الساحر يتعلم منه السحر.
ذات يوم وقع بصره في الطريق على راهب في صومعة منزوية عن الطريق، فحوَّل إليه، فكلمه الراهب فأعجبه كلامه، ووجد له حلاوة في قلبه، فصار كل يوم
[ ٣ / ١١٠٥ ]
يتردد على هذا الراهب صباح مساء، فإذا خرج من دار أبيه صباحًا حول عليه وتأخر بمجيئه إلى معلمه الساحر، فعاقبه وضربه لماذا تتأخر، وحينما ينصرف من الساحر ليعود إلى دار أبيه حول على الراهب فتأخر عن الدار فضربه الوالد، وهكذا هو بين ضاربين.
ذات يوم خرج كعادته من بيته ويمشي في الطريق وإذا الطريق واقف والناس واقفين هنا وهنا، نظر وإذا أفعى قطعت الطريق على الناس، ولا أحد يتجرأ للسير، فرفع الغلام يديه ودعا وقال: اللهم إن كان الراهب على حق فاصرف عنا هذه الآفة، فما كاد يتم كلامه إلا انصرفت الآفة، وانتبه الناس الذين حوله واعتقدوا، تعرف يومئذ الناس يعتقدون بهذه الأشياء كثيرًا، صاروا يتبركون به.
وشاع خبر هذا الغلام، عند الملك وزير أعمى، بلغه خبر هذا الغلام المبارك، فأرسل إليه أو جاء إليه وقال له: عافني أو اشفني، قال: ربك هو الذي يعافيك، لكني أدعو لك ربي أن يعافيك، فدعا له فشفاه، ورجع بصيرًا، لكن هذا الشفاء العاجل كان مرِّبيًا للوزير ومُذكِّرًا له بضلال ملكه الذي كان مستعبدًا له ولمن دونه، فصار يعبد الله لا شريك له.
فلما دخل على الملك ورآه بصيرًا سأله عن السبب، قال: ربِّ عافاني، فعرف الملك أنه كفر به، فسأله: فدله على الغلام، وهنا كان الراهب أوعز إلى الغلام بأنك ستبتلى بي، فإذا سئلت عني فلا تخبر، الملك لما رأى الوزير كفر به وآمن بربه بعد أن عاد بصيرًا فقتله لكن بعد أن سأله من أين هذا؟ قال: من الغلام، أرسل وراء الغلام، واستجوبه واستنطقه فصارحه بأن الله ﷿ هو الذي شفاه، فعرف الملك أن الغلام هو سبب إضلال وزيره، فأمر بقتله بطريقة غريبة جدًا، وهي: أمر الجند أن يأخذوه إلى أعلى قمة في جبل ويرموه من أعلى الجبل إلى الأسفل
[ ٣ / ١١٠٦ ]
فيموت شر ميتة.
فصعدوا ولما هموا بقذفه قال: اللهم اكفنيهم كيف شئت، فاضطرب الجبل من تحتهم فوقعوا جميعًا هلكى موتى، وهو مشى وكأنه يمشي في سهل حتى وصل إلى الملك، استغرب الملك، قال له: ربي كفاني شرهم.
فأمر جندًا بأن يركبوه في قرقور سفينة صغيرة وأن يتوسطوا به البحر ثم يقذفوه في البحر، فأخذوه ولما هموا بقذفه قال: اللهم اكفنيهم كيف شئت، فاطَّرب المركب أو القرقور ووقعوا جميعًا في البحر ورجع هو يمشي إلى الملك، فاغتاظ الملك جدًا وعرف أنه ليس له سبيل إلى قتله، وصارحه الغلام بذلك فقال له: لن تستطيع الوصول إلي إلى قتلي إلا إذا فعلت ما آمرك به، الغلام الآن بيحكي من فوق، يتعالى على الملك إلا إذا فعلت ما آمرك به، قال له: ماذا؟ قال: تدعو الناس لميعاد يوم عظيم، وتضعني على الخشبة، ثم تأخذ سهمًا من كنانتي وتقف بعيدًا عني وترميني به، وتقول: باسم الله رب الغلام، فإذا فعلت ذلك قتلتني وإلا لا سبيل لك إلي، فعل الملك ذلك واجتمعت الأمة في ساحة كبيرة جدًا، ونصبوا الغلام على خشبة ووقف الملك أمامه، واستل سهمًا من كنانته، ثم وقف بعيدًا عنه ورماه بسهم قائلًا: بسم الله رب الغلام، فأصابه في صدره، فوضع يده هكذا ومات، لكن الشعب لما سمعوا الملك يقول: بسم الله رب الغلام كفروا به، وآمنوا بالرب ﷾.
وهنا أدرك الملك مكر الغلام به، وأنه بفدائه بنفسه فدى شعبه من الإيمان به إلى الإيمان بربه ﵎، هنا جاءت قصة الأخدود، فحفر الأخدود وأوقد النار وجاء دور امرأة تحمل صبيًا لها، فلما أوقفت بجانب النار ضعفت طبيعتها كأم، فقال لها الغلام: اصبري يا أماه! فقذفت نفسها، وهنا جاء قوله تعالى: ﴿قُتِلَ
[ ٣ / ١١٠٧ ]
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (البروج:٤ - ٧) فالشاهد في قصة هاروت وماروت كان الملوك يومئذ يستعينون بالسحرة، فربنا ﷿ أنزل الملكين ليجعلوا علم السحر علمًا عامًا يعرفه الشعب برمته، حتى يعرفوا أن هؤلاء السحرة ما يأتون بشيء فوق طاقة بشر، إنما يختصون بعلم دون سائر البشر، فلما عرفوا بطريق تعليم الملائكة أو الملكين لهم طريق السحر صاروا ما عاد ينغشوا بسحر السحرة، فنجوا من كيدهم ومن ضلالهم، فهذا هو السحر في الغالب يعني عبارة عن تخييل، لكن إذا تعاون شيطان الإنس مع شيطان الجن كان تأثيره أشد وضرره أكبر، أي نعم.
السؤال: هذا الطفل الثاني بعد سيدنا عيسى ﵇ الذي تكلم وهو
في المهد؟
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: والثالث من يا شيخ.
الشيخ: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ﵇، وهذا، وغلام جريج، جريج الراهب الذي اتهم بامرأة بغي.
"الهدى والنور" (٢٥٧/ ٤٩: ١٩: ٠٠)
[٤٢١] باب كلمة حول علم الجفر، وأنه لا تنسب معرفة الغيب لبشر حتى ولا الرسول - ﵌ -.
سؤال: يقول السائل: بعض من يتسمون بالمشايخ يتعاملون بما يسمى الجَفْر ومفاتيح الرموز والأعداد وغير ذلك، ويعدُّون هذه الأمور من الدين، فالمرجو هو توضيح الأمر في ذلك؟
[ ٣ / ١١٠٨ ]
الشيخ: يقول بعض الظرفاء أو الأدباء من أصعب الأمور التحدث عن البدهيات والتدليل عليها
نحن نقول: هذا العلم لا هو في الكتاب ولا هو في السنة، ولا هو مدروس ومعلوم عند السلف الصالح، بل نقول: ولا أحد من علماء المسلمين لا المجتهدين ولا المتبعين ولا المقلدين يقولون بهذا العلم، إنما يقول به ويدعيه من يريد أن يأكل أموال الناس بالباطل، ولذلك الجفر المنسوب إلى علي ﵁ وكدت أن أقع في خطأ مشهور يقع فيه غيري، كدت أن أقول: الجفر المنسوب إلى الإمام علي، فحبست نفسي وحفظت لساني فلم أقل الإمام علي لأنه ليس إمامًا، لا. هو من أئمة المسلمين بلا شك، ولكن العرف خصه بهذه اللفظة الإمام، أيُّ عرفٍ؟ العرف السني أم العرف البدعي؟ نعم. هو العرف الشيعي، هم الذين سحبوا هذا اللقب وخصوه بعلي ﵁ تعصبًا منهم له وعلى الخلفاء الراشدين الأولين: أبي بكر وعمر وعثمان، ولذلك فمن الخطأ أن نذكر عليًا بلفظة الإمام دون بقية الخلفاء الراشدين، فإذا قلنا: الإمام أبو بكر حينئذ جاز لنا أن نقول: الإمام علي، لكن أنا أذكركم: هل سمعتم يومًا ما عالمًا من أهل السنة، أما الشيعة فلا نسأل عنهم لأنهم أعداء الإمامين الشيخين أبي بكر وعمر، لكن هل سمعتم يومًا ما عالمًا من علماء المسلمين أهل السنة والجماعة يقولون: قال الإمام أبو بكر؟ الجواب: لا، لكن سمعتم مثلي وكدتم أن تسمعوا مني الإمام علي، لماذا؟ هذه الغفلة التي تسيطر على الناس، والتقليد الذي ران على قلوب كثير من الناس المسلمين فضلًا عن غيرهم، يقولون: قال الإمام علي ﵁، على الرأس والعين هو إمامنا بلا شك، ولكن لماذا خصصتم عليًا بالإمامة؟ لأنه الإمام عند
[ ٣ / ١١٠٩ ]
الشيعة، ولأنهم يزعمون ضغثًا على إبالة أن الخلافة كانت له بوصية الرسول زعموا له، ثم صادرها منه أبو بكر وعمر وعثمان طيلة هذه القرون الفاضلة، وهو لم يستطع أن يأتي ساكنًا، لماذا؟ لأنهم زعموا أنه رأى المصلحة في ذلك، ما يطالب بحقه الذي أعطاه الرسول ﵇ وفي حجة الوداع زعموا.
إذًا: هذا تعبير شيعي، فيجب أن تحفظوا ألسنتكم منه.
ومثله أيضًا قولهم: علي كرم الله وجهه، أيضًا خصَّصوا عليًا بهذا التكريم، نحن نقول: عليٌ كرم الله وجهه لا شك، لكن لماذا خصصنا عليًا دون أبي بكر وعمر وعثمان؟ نقول لكم كما قلنا آنفًا: لقد سمعتم الشيعة يقولون: الإمام علي كرم الله وجهه، لكن ما سمعتم منهم من يقول في أبي بكر والبقية: الإمام أبو بكر.
كذلك ما قالوا ولن يقولوا: أبو بكر كرم الله وجهه إلى آخره، لكن ألم تسمعوا كثيرًا من مشايخ المسلمين يقولون: قال علي كرَّم الله وجهه؟ نعم. الأخرى كالأولى تمامًا، والأخرى كالأولى تمامًا. أعني: الأخرى كالأولى تمامًا من حيث استعمالهم، والأخرى كالأولى من حيث عدم جواز تخصيص الأولى كالأخرى بعلي دون الأولين من الخلفاء الراشدين، لذلك ينبغي أن نحفظ ألسنتنا من أن نقول: قال علي كرم الله وجهه وحده، أو قال الإمام علي وحده، إن كان ولا بد أعطينا لبقية الخلفاء ما نعطيه لهم من الوصف ووصف يصدق عليهم جميعًا لكي لا نفرق بين أحد منهم.
لا شك أن هذه آية جاءت في الأنبياء والرسل: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥) ولكن أتباع الرسل ينبغي أن نسلك فيهم سبيل الذي نسلكه مع الرسل، فهؤلاء جمعهم الرسول ﵇ في ملتقى واحد كما يقولون في عبارة
[ ٣ / ١١١٠ ]
واحدة في جملة واحدة حيث قال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
وقال: «النبي في الجنة وأبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة» إلى آخر العشرة المبشرين بالجنة. فإذًا: لا نفرق بين أحد منهم. غيره.
مداخلة: الجفر يا شيخ.
الشيخ: أحسنت. كنا نتكلم، وسبحان الله! في ذهني يعني شردت فجزاك
الله خيرًا.
يقولون: أن الجفر هذا ينسب لمن؟ للإمام علي. علي ما عنده خبر لا بهذه اللفظة ولا عنده خبر بهذا الجفر المزعوم، ثم هذا الجفر باطل شرعًا ذلك؛ لأن الله ﷿ يقول منبهًا عباده معرفًا لهم به تعالى ببعض صفاته: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (الجن: ٢٧).
فالجفر يزعمون أنهم- الذين يدرسونه ويتعاطونه ويعتمدون عليه- يزعمون أنهم به يتحدثون عن أمور غيبية، لا سبيل لأحد أبدًا بأي طريق [من الطرق] التي ليست طرقًا ميسرة إما كونًا أي بقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة: ١١٧) أو شرعًا أي: بما جاءنا به رسول الله - ﵌ - من التحدث عن الأمور الغيبية، لا نستطيع أن نقول: سيكون كذا إلا إذا كان هناك نص في كتاب الله أو في حديث رسول الله - ﵌ - صحيح.
الجفر ليس فيه شيء من هذا وذاك، ولذلك فهم يتنبؤون ويضلون أنفسهم
[ ٣ / ١١١١ ]
ويضلون غيرهم لأنه لا أحد يستطيع أن يطلع على الغيب، كما قال ﷿: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥) ﵎.
وإذا كان النبي - ﵌ - سمع يومًا جارية تُغنِّي وتقول في غنائها: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال لها ﵇ وهي جارية، قال لها ﵇: «لا يعلم الغيب إلا الله، -دعي هذا، دعي هذا، لا تقولي: وفينا نبي يعلم ما في غد لا يعلم الغيب إلا الله-، وقولي ما كنت تقولين» يعني من وصف الرسول ﵇ وليس كما يفعل النشادون الذين ينشدون الأناشيد ويسمونها بأنها أناشيد إسلامية وهي بدعة اسمية وذاتية، ليست بدعة اسمية فقط بل وذاتية، لأن الإسلام في كل هذه القرون التي مضت-ولست أعني فقط القرون التي نحن نحتج بها دائمًا أبدًا هي القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية-بل كل هذه القرون-ما عدا هذا القرن الذي نعيشه أو كنا نعيشه القرن الرابع عشر-ما يعرف المجتمع الإسلامي في كل هذه القرون أناشيد تسمى بالأناشيد الدينية، لكن ضعفاء الإيمان وضعفاء العلم معًا لما ارتاحت نفوسهم إلى بعض الأغاني المائعة التي لا يجوز النطق بها إسلاميًا، لا يجوز النطق بها لما فيها من الفسق والمجون والكلام الفاحش فمن باب أولى أنه لا يجوز التغني والتطريب بها.
لما وجدوا ذلك حرامًا بَيِّنَ التحريم أرادوا أن يجدوا مخرجًا لهم للتنفيس والترويح عن النفوس فجاءوا بأناشيد يسمونها أناشيد إسلامية، ولقد كانوا من قبل ما نجوا حتى من التحريم الظاهر الموجود في الأغاني الماجنة، فقد وجدت أغاني يسمونها أناشيد إسلامية وفيها من الكفر ما لا يوجد في الأغاني المائعة. أي نعم.
نحن مثلًا نقرأ فيما يسمونه بالبردة:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
[ ٣ / ١١١٢ ]
رسول الله يقول للجارية كما سمعتم آنفًا: «لا يعلم الغيب إلا الله» ماذا قالت؟ ما قالت: يعلم الرسول كل شيء، وإنما قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد. فرد عليها الرسول ﵇: «لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا» إلى آخر الحديث.
أما هذا الشاعر البوصيري يقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
مش يدري ما يكون غدًا وما مضى ما كان وما سيكون إلى يوم يبعثون، هذا أكبر من تلك الكلمة التي صدرت من تلك الجارية الطيبة القلب مع ذلك لم يرض بها رسول الله وقال لها: «دعي هذا، لا يعلم الغيب إلا الله» إلى آخر الحديث.
أيضًا: مضى دور على هذه الأناشيد الدينية وبسبب دندنة الدعاة السلفيين فقط، برهة نصف قرن من الزمان في هذا القرن الماضي يدندنون حول إنكار مثل هذه الألفاظ دون سائر الجماعات الموجودة في الساحة قديمًا وحديثًا كان لدعوتهم ذلك التأثير المرجو والحمد لله، فتنبه كثير من الشباب المسلم أنه لا ينبغي نحن أن ننشد أناشيد ونروح عن نفوسنا ونُذْهِبُ الكلل عن أبداننا بالتطريب بأناشيد يكون فيها ما حرم الله ﷿ من مثل قول البوصيري.
إذًا يجب أن نأتي بأشعار جديدة تكون وسطًا بين أشعار المجون وأشعار المديح المغالي في الرسول ﵇ أو في الأنبياء والصالحين، وفعلًا ظهرت مثل هذه الأناشيد في الزمن الأخير قد تكون يعني أنزه وأقرب إلى الشرع من سابقاتها من أناشيد، ولكن مع ذلك لا يخلو الكثير منها من شيء من الانحراف والغلو والتقرب إلى التصوف المقيت.
كنت أحفظ وأنا في دمشق بعض الأبيات من الشعر. أيش يقول. ساعدونا،
[ ٣ / ١١١٣ ]
أيش يقول ياسين.
مداخلة: أيش أولها.
الشيخ: لا، راح أقول كل شيء باقي أولها وآخرها، باقي في ذهني: الدنيا فيء
مداخلة: فالدنيا فيء.
الشيخ: فالدنيا فيء.
مداخلة: الكل يفني والباقي حي.
الشيخ: أيش معنى الدنيا فيء؟ هذه وحدة الوجود، الدنيا خيال، ظلٌّ لمن؟ لرب العالمين، من هو رب العالمين؟ هنا بقى بدنا ندخل في كفريات ولكن ناقل الكفر ليس بكافر، يقولون: كل ما تراه بعينك فهو الله، وهذه المخلوقات هي ظل الله وهي وهم ولا حقيقة لها، هذا الشاعر يرمي إلى هذه العقيدة الباطلة.
المهم قد أيضًا تحسنت الألفاظ ولكن دخل فيها شيئان اثنان:
أول شيء دخل فيها: أن هذه الأناشيد إذا سلمنا بصحة معانيها وعدم تعارضها مع الشريعة-كما ذكرنا بعض الأمثلة آنفًا من التعارض-إذا سلمنا بسلامتها سلامة معانيها فقد دخل فيها أولًا شيء ثم لحقه شيء آخر.
الشيء الأول هو: أنهم يوزنوها بالأوزان الأغاني المائعة هذا لا بد منه لكل هذه الأناشيد والمنشدين.
الشيء الثاني وهو الأفظع: أدخلوا فيه الضرب على الدف، فتسمع الآن أناشيد يسمونها بأناشيد دينية وقيض لي على قلة ما أبتلى بالنظر إلى التلفزيون
[ ٣ / ١١١٤ ]
بأنهم أحضروا شخصًا هنا ومع الأسف هو سوري من بلدي، وإذا به يضرب على الدف ومكيف تمامًا وشايف حاله بالتعبير السوري: قاضي غرض يعني.
فهذا يضرب على الدف ويغني أغاني وأناشيد دينية، حتى وصل الدف إلى المساجد بحيلة ماذا؟ أناشيد دينية وفي المساجد إسلامية، فكله متجانس. قلت متناجس، معليش لغو لكن له معنى فمتجانس كله بعضه مع بعض.
المساجد اليوم مع الأسف لو دخلتها دخلتها كأنك تدخل كنائس، هذه مع الأسف ظاهرة تأخذ بألباب غير المسلمين من جهة وبألباب المسلمين المنحرفين.
نحن لما كنا في دمشق كنا نرى-مع الأسف الشديد-أصبح المسجد الأموي كعبة الأوربيين والأمريكيين نساءً ورجالًا، لماذا؟ ليصلوا، ليهتدوا؟ لا، لم يكن شيء من هذا، وإنما يتفرجوا على الفسيفساء وعلى النقوش التي نقشت في
زمن بني أمية وإلى آخره، آثار قديمة هذه، وتدخل النساء كاسيات متبرجات، وأكثر من ذلك نرى الذل المجسد المجسم واستعلاء الكافر على المسلم وربنا
﷿ يقول في القرآن الكريم: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء:١٤١).
نرى ماذا؟ نرى بعض خدم المسجد وعلى رؤوسهم العمائم الصفراء ما تعرفونها هنا، هذه تدل على أن المتعمم بهذه العمامة ما هو عالم لكن هو متمسك بدينه، فبعض هؤلاء الخدم يأتي بنعال يكسيها على أقدام النساء الأوربيات اللي هن متبرجات كاسيات عاريات وهو جالس القرفصاء وهي فوقه فوق رأسه وهو يخدمها، لماذا؟ لتدخل المسجد، وفي اعتقادي أنا، لو دخلت هذه الكافرة أو ذاك الكافر بنعالهم أشرف للمسلمين من هذا الذل الذي كنا نراه آسفين.
[ ٣ / ١١١٥ ]
المقصود: فالمساجد كما قال عمر ﵁ لما جدد المسجد النبوي، قال للبَنَّاء المهندس: «أكِنَّ الناس من الحر والقر ولا تحمر ولا تصفر».رضي الله عن عمر، لو جاء اليوم ورأى مسجد «الفيحاء» مسجدنا هذا لكن ما هو مسجدنا، مسجد يعني سوريين لرأى العجب العجاب، لرأى أن خبر عبد الله بن عباس تحقق فعلًا مما يدل على أنه كان تلقى ما قاله لفظًا من نبيه معنىً أو لفظًا، حيث جاء في سنن أبي داود بالسند القوي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «ما أمرت بتشييد المساجد» أي: رفع بنيانها، كما قال في القرآن: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (الحج: ٤٥) قال ابن عباس معقبًا على الحديث: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى».
زخرفة اليهود والنصارى دخلت مساجد المسلمين اليوم، لا أقول: كما دخلت صور اليهود والنصارى إلى بيوت المسلمين، هذا واقع أيضًا، لكن هناك فرقًا كبيرًا جدًا بين دخول الزخارف إلى المساجد وبين دخول الصور إلى البيوت، صحيح كلٌ منهما منكرٌ مخالف للشرع، لكن دخول الزخارف إلى المساجد أغرق في الإنكار من دخول الصور إلى البيوت، ذلك لأننا اتخذنا المعصية عبادة وتقربًا إلى الله.
إلى اليوم-والحمد لله-لم نسمع ونرجو ألا نسمع ونرجو أخيرًا أن لن نسمع أن أحدًا من المسلمين يتقرب إلى الله بإدخال الصور إلى البيوت، لكننا الآن نعيش في ناس يتقربون إلى الله بإدخال الزخارف إلى بيوت الله ﵎، فصدق فيهم قول ابن عباس هو في اللفظ وفي الرواية موقوف، لأنه فرق بين ما سمعه من الرسول أو بين ما قاله الرسول وبين ما قاله هو.
قال عن الرسول ﵇ أنه قال: «ما أُمرت بتشييد المساجد». قال ابن عباس: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى) فمن الممكن أن يكون ابن
[ ٣ / ١١١٦ ]
عباس سمع معنى هذا الكلام الذي قاله من عند نفسه من الرسول ﵇، لكن هو عبر عنه بلفظ من عنده، وممكن أن يكون هذا كما يقوله علماء الحديث في كثير من الأحاديث: إنه موقوف في حكم المرفوع.
«لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» هذا اليوم واقع، فدخلت الأناشيد التي يسمونها بغيًا وظلمًا وعدوانًا بالأناشيد الدينية دخلت مع الدف إلى المساجد يتقربون بها إلى الله ﵎. فنسأل الله ﷿ أن يُعرِّفنا بهدي نبينا - ﵌ -، وأن يمسكنا به حتى نلقاه ﵎. نعم.
"الهدى والنور" (٣١٣/ ٣٤: ٢٨: ٠٠)
[٤٢٢] باب ما هو الجفر؟
السائل: الجفر هذا يقال أنه علم قائم بذاته، فيه معلومات تعطينا عنه؟
الشيخ: مثل شمس المعارف الموصوف بشمس المعارف الكبرى، الجفر لا أصل له إطلاقًا، إنما روايات لا خطام لها ولا سنام تنسب لعلي ﵁ ولا أصل لها إطلاقًا، وفيها أخبار تتعلق بأمور غيبية لا يمكن للبشر أن يعرفوها إلا بطريق الوحي، وهي ليست من الوحي الذي أنزله الله على قلب محمد ﵇، فالجفر يمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى عبارة عن أحاديث موضوعة مجموعة باسم كتاب الجفر، ثم أين هذا الكتاب؟ لا وجود له إلا مفرقًا في بعض الروايات في بعض الكتب، فليس له ..
مداخلة: هو كتاب أستاذ، أم علم أنا فهمت أنه علم.
الشيخ: إيه كتاب، كتاب الجفر منسوب لعلي.
[ ٣ / ١١١٧ ]
مداخلة: لعله من هذا الكتاب مثل ما قال الأخ وجعلوه علمًا، لذلك صديق حسن خان في كتاب «أبجد العلوم» وقد جعله للعلوم كما لا يخفى وضع
علم الجفر.
الشيخ: لكن هو كتاب الجفر.
مداخلة: لكن طبعًا مصبه من كتاب الجفر.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: لكن يدَّعوا أنه تفسير ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (الفتح: ١) لابن عباس أن هذا الجزء من العلم القائم هذا الذي يتكلمون عنه.
الشيخ: أي تفسير هذا.
مداخلة: الذي هو موت الرسول ﵊ ..
الشيخ: إذا كان المقصود لما نزل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النصر: ١) بكى أبو بكر الصديق، فسألوه، قال: هذا نعي وفاة الرسول ﵇، فهذا موجود في صحيح البخاري، لكن ليس فيه التفاصيل المدعاة، وبعدين أي شيء مُدعى نقول: "هاتوا برهانكم"، ما يتعلق بوفاة الرسول فيه صحيح وفيه ضعيف، وهذه القصة يمكن سمعتوها، أنه ملك الموت جاء بصورة سائل طرق الباب بيت فاطمة أو ما أدري، قصة مركبة يقصد إثارة الأحزان والأشجان، هذه القصة موضوعة بلا شك لها علاقة بوفاة الرسول ﵇، فهل هذا يقال عنه علم الجفر؟
والإنسان ليس من اللازم أن يتعلق بالأسماء بقدر ما ينبغي أن يتعلق
[ ٣ / ١١١٨ ]
بالمسميات، فعلم الجفر ما فيه عندنا علم الجفر كعلم مقنن معروف علم الحديث، علم التفسير، علم الفقه، علم النحو، علم الصرف إلخ، ما فيه شيء من هذا إطلاقًا، لكن هو كتاب الجفر.
مداخلة: فيه مؤلفات تقول: حقيقة علم الجفر.
مداخلة: الشيخ رشيد رضا له تحقيق بديع في مسألة الجفر، كتاب طبع في المكتب الإسلامي بعنوان: الوحدة الإسلامية
الشيخ: موجودة طبعة المنار القديمة.
مداخلة: يناقش فيها قضية الجفر ويثبت الكلام بتوسع لكن الخلاصة كما ذكرتم شيخنا حول قضية الجفر وأنه خرافات وأشياء ما لها خطام.
الشيخ: هذا مثل حساب الأحرف، حساب الأحرف نعم، [انقطاع] هو يذكر في هذا الكتاب قصة طريفة، ما أدري وقعت لشخص من هؤلاء أم يحكيها عن بعض السابقين السالفين، اجتمع معه وناقشه أن هذه حسابات الأحرف ما هي منضبطة يا أخي، فقال له: أنت ما اسمك، قال له: حمد، قال له: حمد مجموع هذه الأحرف مجموع كلب، قال له: لا أنا أصل اسمي أحمد، قال له: أنت إذًا أكلب، فما هذا الحساب الذي يطلع منه من حمد إلى كلب، ومن أحمد إلى أكلب.
مداخلة: كنت أظنه علمًا.
الشيخ: هي علم عند الشمشريخة وبطيخة مثل ما نقول بالشام.
"الهدى والنور" (٢٥٧/ ٤٧: ٠٥: ٠٠)
[ ٣ / ١١١٩ ]
[٤٢٣] باب حكم ما يسمى بخفة اليد وهل هو من السحر؟
سؤال: ما هو حكم الحيل، التي تسمى خفة اليد، ويقوم بها بعض الناس
مثلًا أن يخرج المال من جيبك دون أن تشعر، ثم يخرجه من وراء أذنه بطريقة [معينة]، فهل هذا من السحر؟ وبالتالي هل يكفر صاحبه؟
الشيخ: لا هذا ليس من السحر، لكنه من الدجل، الذي يَنهى عنه الشارع الحكيم. نعم.
"الهدى والنور" (٤٣٩/ ٠٨: ٣٠: ٠٠)
[٤٢٤] باب ما حكم التوسع في القراءة على المرضى دون التأكد من أمرهم، وهل تجوز الرقية بالماء والزيت، وهل تجوز بالصدمات الكهربائية؟
سؤال: السؤال الأول: يقول السائل: من المعلوم أن القراءة على المصروع جائزة، ولكن انتشر عندنا جلوس بعض الشباب لهذا الأمر، مع العلم أنهم يقرؤون على كل من يأتيهم زاعمًا أنه مريض بدون التأكد منهم، وما زال هذا في تزايد بين الشباب حتى انتشرت الوسوسة بين كثير من الناس، وقد أقدم بعض الشباب في عقد مجالس خاصة في أماكن معينة في الرقية لمن يأته، وينفثون في الماء والزيت ويبيعونه بأكثر مما اشتروه به، وقد تكالب الناس عليهم بين موسوس وطالب للبركة ومريض حقًا، وهم يقرؤون على كل من يزعم أنه مريض، ما رأي الشيخ؟
الشيخ: هذا السؤال سبق بالأمس القريب، وأيضًا ذكرنا الجواب وقلنا: إن الذي نعلمه في هذه المسألة ليس إلا قراءة شيء من القرآن على المصروع، أما ما
[ ٣ / ١١٢٠ ]
سوى ذلك فلا نعلم له أصلًا في السنة، أما بيع الزيت والنفث فيه والتبرك فيه فهذا كذلك مما لا نعرف له أصلًا ولا نستطيع أن نقر أمرًا أولًا: لم نجد له أصلًا في الكتاب والسنة، وثانيًا: لم نعرف ذلك من عمل سلفنا الصالح، أما أن هناك ناس يفعلون ذلك أو لا يفعلون فهذا كما قلت أيضًا في الأمس القريب: العهدة فيه على الراوي فنحن عندنا ما نعرف شيئًا من ذلك أبدًا.
أما قضية التلاوة على المصروع فأمر معهود على مر العصور الإسلامية، فقط التلاوة أما ما سوى ذلك فلا علم لنا به ولا نُقِرُّه فيما سبق بيانه.
مداخلة: والصعق بالكهرباء.
الشيخ: أيضًا يوجد صعق بالكهرباء؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما أدري صعقة الكهرباء نحن نعرفها عند الأطباء، الحقيقة أن هناك أمور تتعلق بالتجربة، يعني: هذا السؤال الأخير يلفت نظري إلى أن نقول شيئًا: هناك أمور تتعلق بالتجربة ولا تتعلق بالديانة، فالصعق بالكهرباء أظنكم تعلمون أن هذا أمر معهود عند الأطباء الماديين، فهم حينما يأتيهم بعض المصابين بنوع من الصرع يستعملون كل العلاجات المعهودة لديهم وثم يلجؤون إلى هذه التيارات الكهربائية على قاعدة: آخر الدواء الكي، فلا نستطيع أن نقول-بحثي الآن بالنسبة للأطباء الماديين-لا نستطيع أن نقول: ما حكم تصليط هذه التيارات الكهربائية على بعض المرضى المصابين بالصرع أو بغيره؟ لأن الأمر لا يتعلق أولًا بالدين وإنما يتعلق بالطب ولست طبيبًا، أما الدين فلم يتعرض لهذا لا سلبًا ولا إيجابًا.
وبالمناسبة يحسن أن أذكر لكم أن أحد إخواننا في دمشق كان قد أصيب بنوع
[ ٣ / ١١٢١ ]
من الصرع يشتد عليه أحيانًا حتى لا يقف أمامه شيء في الدار حيث يكسره ويحطمه شر تحطيم، وتَعالَج في المستشفيات التي تُعالِج هذا النوع من المرض حتى ذهب إلى بيروت إلى الجامعة الأمريكية وتعالج هناك بهذه الطريق، أي: بالصدمات الكهربائية ولم يشفى بقي كذلك لكن كان على نوبات ليس دائمًا هو مصروع، وبعد ذلك قَدَّمت أنا إليه اقتراحًا وهو ما يسمى حديثًا بالتطبيب بالصوم، والمقصود بالصوم ليس هو بطبيعة الحال الصوم الشرعي وإنما قد يسميه بالتجويع، التطبيب بالجوع! هذا التطبيب بالجوع ليس له علاقة الشرع فلا نقول بدعة ولا نقول سنة، إن نجحت هذه الوسيلة كوسيلة لمعالجة بعض الأمراض فهو خير، وإن لم ينجح فلا شيء في ذلك إطلاقًا، وأنا شخصيًا لعل بعضكم يعلم أنني بلغت هذا النوع من التطبيب بالجوع فصمت أربعين يومًا، ومعنى هذا الصوم ألا يأكل هذا الصائم شيئًا إطلاقًا ولا يشرب شيئًا مطلقًا سوى هذا الماء أربعين يومًا، وبعد هذه الأيام كلها يبدأ يتمرن رويدًا رويدًا على الطعام الذي هو معتادًا له، فيجد أثر الشفاء في كثير مما كان يشكوه من الأمراض، أنا بلوت هذا بنفسي ولا
أطيل الشرح.
إنما الشاهد هذا الذي يعود إلى هذه الصدمات الكهربائية وأنفق الأموال الطائلة في المستشفيات العديدة في سوريا وفي لبنان ما عوفي إلا في هذا الصوم، صام أو ستة أيام ثم بعد ذلك أكثر وأكثر حتى وصل به الأمر أنه صام أربعًا وثلاثين يومًا، ثم لم ير لهذا المرض أثرًا، فمثل هذه العلاج الذي لم يكن معهود وإن كان بعض الوعاظ اليوم يشجعون به لمثل قوله ﵇ فيما يقولون: "صوموا تصحوا"، لا شك أن الصوم الشرعي فيه كل الفوائد، لكن هذا الحديث وبهذا اللفظ لم يصح كما كنا بينا ذلك في سلسلة الأحاديث الضعيفة، لكن هذا الصوم
[ ٣ / ١١٢٢ ]
الطبي الذي يباح فيه لهذا الصائم أن يشرب من الماء ما يشاء ومتى ما شاء حصل منه فوائد كثيرة وكثيرة جدًا في شخصي وفي شخص ذلك الطالب من إخواننا هناك، وفي غيرهم كثير وكثير.
وعلى سبيل أيضًا المثال الأخير مع شيء من الطرافة والنكتة: هذا الذي كان يصرع مما لمس من هذا النوع من الصوم من الفائدة صار كلما جاء إليه إنسان يشكو مرضًا ألم به وعي الأطباء علاجه يقول له: عليك بالصوم .. جاءه شخص شاب وسيم يشكو إليه أمه وهي عجوز وأصبحت طريحة الفراش ولا تستطيع أن تنطلق لقضاء حاجتها، ومع أن لها ابنتين ممرضتين في بعض المستشفيات ملتا وكلتا من خدمتهما لأمهما العجوز؛ لأنه تصورون معي أصبحت بحالة من القذارة بحيث وحتى الأولاد يعافون هذه الأم، فلما شكا ابن هذه العجوز أمرها قال له: صَوِّمها .. وهو شرح له ماذا يعني بالصوم أي: امنعها من كل الطعام وضع أمامها على الطاولة مثل هذه إبريق الماء والكأس ومتى شاءت تشرب، قال: يا أخي! هذه تصيح وهذه عجوز وربما تموت وإلى آخره .. تموت جوعًا في زعمه، ويقول له مازحًا: هذا الكلام بيننا! أنت ما أنت مصدق أنه تموت العجوز وتستريح أنت وأختك منها، صَوِّمها، فالرجل كأنه اقتنع وفعلًا وضع الماء أمام العجوز ومنعوا عنها الطعام بكل أشكاله والشراب بكل أنواعه .. هي تصيح وهم لا يردون عليها طعام طعام أكل .. ما أحد يرد عليها، تضطر أن تشرب الماء حينما تشعر بالحاجة، يقول ابنها الذي أخذ هذه الوصفة من صاحبنا: ما مضى إلا نحو ست أيام إلا جاء يبشر صاحبنا بأن أمه قامت من فراشها وبدأت تخدم نفسها بنفسها وهكذا ظلت هي بعد أن رأت أثر هذا الشعور صارت هي تمنع نفسها من الطعام حتى شفاها الله ﵎.
[ ٣ / ١١٢٣ ]
أريد من هذا أن أقول: سواء استعمل الصدمات الكهربائية، الأطباء الماديون أو هؤلاء المحدثون اليوم الذين سيسألون عنهم، فهذه الوسيلة لا يجوز لنا أن نبادر إلى إنكارها إلا في حالة ظهور آثارها السيئة في الذين تستعمل فيهم هذه الوسيلة الحديثة، لذلك فما ينبغي لنا أن نخلط بين ما هو من الوسائل المادية التي لا تدخل في البدعة الدينية، وبمعنى آخر: يجب أن نفرق بين المصالح المرسلة وبين البدع الدينية، فالمصالح المرسلة هي الوسائل الحديثة التي تحدث ويتبين للمسلمين أنهم بحاجة إليها فلا مانع من استعمالها ما دام أنها لا تصادم نصًا شرعيًا، أما كونه أمرٌ حدث فهذا ليس إشكالًا الآن نحن نعيش في محدثات كثيرة ولكنها ليست من المحدثات في الدين وأنتم تعلمون جميعًا إن شاء الله أن النبي - ﵌ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا-أي: في ديننا هذا-ما ليس منه فهو رد» إذًا: يجب أن نُفرِّق بين هذا وبين وسائل أخرى تدخل في الدين باسم البركة والتبرك وما شابه ذلك، فهذا ما دام أنه لم يرد فنحن لا نقره أما ذاك النوع كالصدمات الكهربائية فلا ننكره ما دام أنها وسيلة من وسائل المعالجة، هذا ما عندي.
مداخلة:
الشيخ: لا يختلف جوابي عن ذلك؛ لأن القضية قائمة على شيئين: ترى! الأطباء الماديون حينما وصلت تجاربهم إلى استعمال هذه الوسيلة هم وصلوا إلى هذه الوسيلة بالتجارب دون أن يعرفوا السر، هل هناك أدلة تتأثر بمثل هذه الوسيلة أم لا، لكنهم عرفوا، يعني: كما قيل عن بعض الأعراب: كيف عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، فهم استنبطوا من هذا الاستعمال بعد التجربة أن هذه التجربة مفيدة، لكن مثلًا هل هناك جراثيم يقتلونها بواسطة هذه الوسيلة؟ ما
[ ٣ / ١١٢٤ ]
يستطيعون أن يعللوا، لكنهم وجدوا أن هذه الصدمات هي صدمات نافعة لنوع من أنواع هذه الأمراض، هؤلاء الآن كما تنقلون ونحن عندنا في الشام لا نعرف شيئًا من ذلك يعللون أن الجن الذي صرع ذاك الإنسي يتأثر بهذه الصدمات الكهربائية، ممكن أن يكون الأمر كذلك، وممكن ألا يكون كذلك لكن المهم نحن نريد أن ننظر إلى آثار هذه الصدمات: هي نفعت؟ نعم نفعت كالضرب الذي ينقل أيضًا عن بعضهم من المحدثين اليوم أو من القدامى، هذا الضرب كما نعلم هو بالنسبة للأحياء بعادته مضر، لكن هم يقولون بالتجربة أن هذا المصروع مهما ضربته بالعصا الغليظة مثلًا بحيث لو كان غير صريع لأوجعته ولربما كسرته، بينما في هذه الحالة لا يتأثر وإنما يتأثر الصارع من الجني إذا صح التعبير، فإذًا: نحن لا نستطيع أن نقول أن هذا التعليل هو صحيح، لكن المهم أن ننظر إلى الأثر، إذا كان الأثر مفيدًا للمصروعين فبها ما دام أن هذه الوسيلة أولًا: لا تخالف الطبيعة وثانيًا: لا تضر بالمصروع.
هذا ما عندي والله أعلم.
"لقاءات المدينة" (٤/ ٠٠:٠٢:٠٢)
[٤٢٥] باب هل يجوز الذهاب للكهنة والمشعوذين من أجل الحمْل؟
«سُئل الإمام عن رجل يلجأ إلى وسائل غير مشروعة من الذهاب للكهنة والمشعوذين في سبيل أن تحمل زوجته، فأجاب الإمام»:
-أنا بقول للأخ الفاضل ولأمثاله من المسلمين المؤمنين حقًّا بالله ورسوله
[ ٣ / ١١٢٥ ]
وبكلمات الله وبأحاديث نبيه ﵇، بأنه لا يجوز له أن يتعاطى الأسباب غير المشروعة في سبيل أن تحمل زوجته التي مضى على زواجه بها سنين وما حملت، ما في مانع أن يتعاطى الأسباب الجائزة المشروعة، أما يتعاطى الأسباب التي لا تجوز فذلك حرام، ولا يليق بالمسلم أن يؤمن حقا بالله ورسوله أن يتعاطى مثل هذه الوسائل المحرمة أن يأتي العرافين والمنجمين والمستحضرين للجن ونحو ذلك؛ لقوله ﵊: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، وفي الحديث الآخر: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول لن تقبل صلاته أربعين يومًا» فلذلك يجب على هذا الأخ بما كتب له أن يرضى بقضاء الله وقدره، فإذا كان رزق من الزوجة الأولى ولدًا أو أكثر فذلك بقضاء الله وقدره، وإذا لم يرزق من الزوجة الثانية شيئًا فذلك أيضا بقضاء الله وقدره، وإذا اعتبر هذه مصيبة إذا اعتبر عدم مجيء أولاد من الزوجة الثانية مصيبة فيتذكر قول الرسول ﵇: «عجبًا لأمر المؤمن خير كله إن أصابته سراء فشكر الله فكان خير له وإن أصابته ضراء يعني شيء بيضرر منه ما بيعجبوا فصبر كان خير له» (١) فأمر المؤمن كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن، ثم يتذكر مع هذه الحقيقة الشرعية وهي وجوب الرضا من المسلم بقضاء الله وقدره سواء كان سلبًا أو إيجابًا يتذكر بعض الحوادث الواقعية، وهنا قصة يرويها والدي رحمة الله خلاصتها:
أنه كان له صديق غني وله زوجة جميلة ورضية وكل شيء فيها طيب، ولكنها عقيم، فكان هذا الصديق كلما جلس مع والدي يتحسر ويقول يا ريت ربي رزقني ولد يقوله أبي يا حبيبي ارضى بقضاء الله وقدره شو بيدريك هذا الولد لو أجاك بيصير نقمه عليك، هذا الولد لو رزقته ربما يسلطه الله عليك،
_________________
(١) مسلم (رقم٧٦٩٢).
[ ٣ / ١١٢٦ ]
يقول: مش مهم بس يجيلي ولد، وراحت أيام وجاءت أيام والله بعث له ولد، وكان الرجل غني وزوجته كذلك يعني متجاوبة معه تمامًا، فربى الولد تربية نادرًا ما يقوم الزوجان بتربيته هيك، إلى أن بلغ مبلغ من الرجال، لما بلغ مبلغ الرجال هنا انقلب الولد والدًا والوالد ولدًا فصار الولد يضرب الوالد ويهينه هيك، كما يقولون عندنا في سوريا: حتى أراه نجوم السماء في وضح النهار، فكان يقول: يا ليتني بقيت مثل ما كنت عقيمًا وما رزقت مثل هذا الولد، كان أبي يقول له: الله يرحمه شفت لما كنت أقول لك ارضي بقضاء الله وقدره فذلك خير لك، فلعل الأخ هذا يعتبر أولًا بما ذكرنا من أمر شرع الديني وهو الرضا بما كتب الله له والأمر الثاني أنه «يتأمل» هل أكثر الأولاد سواء كانوا ذكورًا أم إناثًا طائعين مرضيين الوالدين أم أكثرهم عاقين ناشزين ونحو ذلك هذا ما عندي وسلام الله عليك وعليه.
السائل: -عليك وعليه سلام الله ورحمة الله وبركاته شيخنا.
" الهدى والنور" (١٨٦/ ٥٢: ٤٧: ٠٠ طريق الإسلام)
[٤٢٦] باب بيان سبب موافقة كلام الكهان للحق أحيانًا
عن عائشة زوج النبي - ﵌ -: سأل ناس النبي - ﵌ -: عن الكهان؟ فقال لهم: «ليسوا بشيء».فقالوا: يا رسول الله! فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقًا؟ فقال النبي - ﵌ -: «تلك الكلمة [من الحق] يخطفها الشيطان، فيقرقره بأذني وليه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيه بأكثر من مائة كذبة».
(صحيح).
[ ٣ / ١١٢٧ ]
[قال الإمام]:
(فائدة) في رواية أخرى صحيحة بيان كيفية خطف الشيطان للكلمة، وهي بلفظ: «إن الملائكة تنزل في العنان (وهو السحاب)، فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيذكرون معها مائة كذبة من عند أنفسهم».
أخرجه المؤلف [أي البخاري] في «الصحيح» (٢٢١٠) والطبري في «التفسير» (٢٣/ ٢٦).
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢٣٧).
[ ٣ / ١١٢٨ ]
جماع أبواب الكلام حول العدوى وثبوتها شرعًا، والجمع بين حديث: «لا عدوى ..» وحديث: «فر من المجذوم ..» والكلام على التطير والشؤم، والاعتقاد في الأنواء، وما شابه ذلك
[ ٣ / ١١٢٩ ]
[٤٢٧] باب ثبوت العدوى شرعًا
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن كان شيء من الداء يعدي فهو هذا».
(موضوع)
[قال الإمام]:
وظاهر الحديث ينفي العدوى، وهي ثابتة في أحاديث كثيرة منها حديث «اتقوا المجذوم كما يُتقى الأسد»، وهو مخرج في " الصحيحة " (٧٨١) "الضعيفة" (٦/ ٥٠٦ - ٥٠٧).
[٤٢٨] باب منه
عَنْ الشريد قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ - ﵌ -: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ».
[قال الإمام]:
هذا دليل واضح على أن النبي - ﵌ - كان يرى أن الجذام مرض معد، ولذلك اتخذ السبب في عدم انتقال المرض إليه من المجذوم، وليس ينافي هذا التوكل على الله تعالى كما أشار عمر ﵁، وقد عزم على أن لا يدخل الأرض الموبوءة: «نفر من قدر الله، إلى قدر الله»، وقد تأول بعضهم هذا الحديث تأويلًا بعيدًا فلا يلتفت إليه فإنما حملهم عليه حديث جابر أن النبي - ﵌ - أكل مع مجذوم وقال: «كل بسم الله ثقةً بالله وتوكلًا عليه» وهو حديث ضعيف كما قد بينته في «السلسلة» (١١٤٤).
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٨٧).
[ ٣ / ١١٣١ ]
[٤٢٩] باب هل حديث
«لا عدوى ولا طِيَرة» ينفي العدوى من أساسها؟
مداخلة: ثبت عن النبي - ﵌ - يقول: «لا عدوى ولا طيرة» فهو يعني كما في الحديث يبين أنه ليس هناك عدوى وكثير من الأطباء يقولون: أن العدوى ثابتة، فنود منكم أن توجهوا هذا الحديث هل ينفي العدوى من أساسها أم لا؟
الشيخ: لا، الحديث لا ينفي، ودعنا والأطباء؛ لأن فيما جاء عن الرسول ﵇ من إثبات العدوى ما يغنينا عن آراء الأطباء، حديث: «لا عدوى»
في الحقيقة إذا فُهِم فهمًا صحيحًا دقيقًا فيه نفي عدوى، وفيه إثبات عدوى، والمثبت في الحديث غير المنفي فيه، والمثبت في الحديث يلتقي مع أحاديث أثبتت العدوى، وبالتالي ما يقوله الأطباء في بعض الأمراض المعدية لا ينافي حينذاك الحديث.
بيان ذلك: لما قال الرسول ﵇: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» فهم أحد الحاضرين من الأعراب البدو أن قوله ﵇: «لا عدوى» هو نفي للعدوى على الإطلاق، وهذا فهم توارثه بعض أهل العلم، فنفوا العدوى إطلاقًا بناء على الطرف الأولى من الحديث، لكننا إذا تابعنا رواية الحديث ووجدنا ذلك الرجل البدوي الأعرابي فهم نفس الفهم: «لا عدوى» أي: مطلقًا، بناء على هذا الفهم ورد عليه إشكال، فطرحه على الرسول ﵇ فجاءه الجواب بما يثبت العدوى، ذلك الرجل قال: «يا رسول الله! إنا نرى الجمل الأجرب يدخل بين الجمال السليمة فيعديها» (١) ما قال له الرسول ﵇:
_________________
(١) البخاري (رقم٥٣٨٧) ومسلم (رقم٥٩١٩).
[ ٣ / ١١٣٢ ]
هذا خطأ، وهذا وهم، وهذا من عقائد الجاهلية، لكنه قال مقرًا له وملفتًا نظره إلى ما يسمى ببعض التعابير إلى مسبب الأسباب وهو الله ﷿، قال له: «فمن أعدى الأول؟» إذًا: هنا عدوى، لكن يا أعرابي يا بدوي ارجع إلى الوراء، هذا الجمل الذي رأيته دخل في الأول الذي خلق الله فيه العدوى.
فإذًا: فالرسول ﵇ الحقيقة بهذا الحديث يبطل عادة الجاهلية ويبطل أيضًا عدوى الطبية في هذا الزمان؛ لأن الأطباء خاصة الكفار منهم حينما يثبتون العدوى لا يربطونها بإرادة الله ومشيئته، لا، يعني هم يجعلون الأسباب هي كل شيء، أما أن هذه الأسباب قد تتخلف وقد تتأخر بمشيئة الله ﷿ خالق الأسباب والمسببات، فهذا ما لا يفكرون فيه.
إذًا: الأطباء اليوم خاصة الكفار منهم وقعوا في نفس الوهم الذي وقع فيه أهل الجاهلية الأولى، من هنا قال ﵇ لإبطال هذا الوهم: «لا عدوى» فلما عارض هذا النفي ما كان قائمًا في ذهن العرب في الجاهلية، وأورد ما يشاهده بعينه، ما قال له الرسول - ﵌ - أنت واهم أنت مخطئ، لكنه لفت نظره إلى أن هذه العدوى التي تراها هي بخلق الله وتقديره، وليس أن هذا الجمل الحيوان المصاب بداء الجرب مثلًا وبقدرته وبإرادته ومشيئته يعدي الجمال السليمة، لا، ليس
الأمر كذلك.
إذًا: فالحديث هذا كما قلنا آنفًا ينفي عدوى ويثبت عدوى، ينفي عدوى الجاهلية، ويثبت العدوى الشرعية.
من هنا جاءت أحاديث تؤكد هذا المعنى الثاني، أي: هناك عدوى يعني بإرادة الله ومشيئته، وذلك لا ينافي أن يتحاشاها المسلم أخذًا بالأسباب كما جاء في
[ ٣ / ١١٣٣ ]
صحيح مسلم أن رجلًا مجذومًا جاء ليبايع الرسول ﵇، فقال له: «ارجع فإنا قد بايعناك» وأبى أن يصافحه كما كان يصافح الناس الآخرين، هذا من باب الأخذ بالأسباب، لكن العدوى هي من مشيئة الله.
"الهدى والنور" (٦٢٢/ ٥٣: ٤٤: ٠٠)
[٤٣٠] باب معنى قوله - ﵌ -: «لا عدوى .. ولا هامة»
عن أَبُى سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «لاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ».فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِىءُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا، قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ».
[قال الإمام]:
[هامة] بالتخفيف: دابة تخرج من رأس القتيل أو تولد من دمه، فلا تزال تصيح حتى يؤخذ بثأره، كذا زعمه العرب فكذبهم الشرع.
[وقوله: لا عدوى] أي بطبعها، كما يدل عليه سياق الحديث، فلا ينفي عدوى بإرادة الله تعالى وتقديره، فإنها ثابتة شرعًا وقدرًا، ومما يدل عليه حديث الطاعون المتقدم والحديثان الآتيان بعد هذا، بل يدل على ذلك الحديث نفسه فإن الأعرابي لما أخبر الرسول - ﵌ - بما يشاهده من إجراب البعير الأجرب الإبلَ السليمة، لم ينكر ذلك عليه، بل أقره على قوله، لأنه أمر مُشاهد وثابت بالتجربة، وإنما لفت نظره إلى أن ذلك بفعل الله وإرادته لا بعدوى تعدي بنفسها، لأنه لو كان كذلك لم يَجربِ الجملُ الأول لعدم العدوى.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٨٦).
[ ٣ / ١١٣٤ ]
[٤٣١] باب نفي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية
[قال رسول الله - ﵌ -]:
" لا يورد الممرض على المصح "
[قال الإمام]:
وفي معناه قوله - ﵌ - للمجذوم: «إنا قد بايعناك فارجع» "الممرض": هو الذي له إبل مرضى و" المصح "، من له إبل صحاح.
واعلم أنه لا تعارض بين هذين الحديثين وبين أحاديث " لا عدوى " المتقدمة برقم (٧٨١ - ٧٨٩) لأن المقصود بهما إثبات العدوى وأنها تنتقل بإذن الله تعالى من المريض إلى السليم والمراد بتلك الأحاديث نفي العدوى التي كان أهل الجاهلية يعتقدونها، وهي انتقالها بنفسها دون النظر إلى مشيئة الله في ذلك كما يرشد إليه قوله - ﵌ - للأعرابي: " فمن أعدى الأول؟ ".
فقد لفت النبي - ﵌ - نظر الأعرابي بهذا القول الكريم إلى المسبب الأول ألا وهو الله ﷿ ولم يُنكر عليه قوله " ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها الأجرب فيجربها "، بل إنه - ﵌ - أقره على هذا الذي كان يشاهده، وإنما أنكر عليه وقوفه عند هذا الظاهر فقط بقوله له: " فمن أعدى الأول؟ ".
وجملة القول: أن الحديثين يثبتان العدوى وهي ثابتة تجربةً ومشاهدةً.
والأحاديث الأخرى لا تنفيها وإنما تنفي عدوى مقرونة بالغفلة عن الله تعالى الخالق لها. وما أشبه اليوم بالبارحة، فإن الأطباء الأوربيين في أشد الغفلة عنه تعالى لشركهم وضلالهم وإيمانهم بالعدوى على الطريقة الجاهلية، فلهؤلاء يقال:
[ ٣ / ١١٣٥ ]
" فمن أعدى الأول؟ " فأما المؤمن الغافل عن الأخذ بالأسباب، فهو يذكر بها، ويقال له كما في حديث الترجمة " لا يورد الممرض على المصح " أخذًا بالأسباب التي خلقها الله تعالى، وكما في بعض الأحاديث المتقدمة: " وفر من المجذوم فرارك من الأسد ".هذا هو الذي يظهر لي من الجمع بين هذه الأخبار وقد قيل غير ذلك مما هو مذكور في " الفتح " وغيره. والله أعلم.
"الصحيحة" (٢/ ٦٥٩ - ٦٦٠).
[٤٣٢] باب الجمع بين حديث: «لاعدوى ولا طيرة»
وحديث: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»
سؤال: الجمع بين حديث: «لا عدوى ولا طِيَرة ولا هامة ولا صفر»، وحديث: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، لأنه كثير من الناس يسألوا عن هذا؟
الشيخ: من مزايا القرآن الكريم وكذلك كلام الرسول الأمين: بأنه يخرج من مشكاة واحدة، وهو كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ١ - ٤)، فرسول الله - ﵌ - كلامه يوحى إليه من السماء كالقرآن، والفرق بين القرآن الكريم أنه لفظه ومعناه من رب العالمين، أما أحاديث الرسول ﵊ فهي معانيه من وحي السماء، من هذا الجانب الحديث يلتقي مع القرآن، لكن يفترق عن القرآن من حيث أن اللفظ لهذه المعاني هو من ألفاظ الرسول ﵊، أما القرآن فهو كلام الله، فهو كلامه ومعناه، أما حديث الرسول ﵇ فاللفظ منه والمعنى من ربه ﵎؛ ولذلك فهو من حيث الحيثية معصوم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا
[ ٣ / ١١٣٦ ]
مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت: ٤٢).
بناء على ذلك: كما أن الله ﷿ شهد لكلامه وهو القرآن تلك الشهادة المسطورة في القرآن ألا وهي قوله ﵎: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢)، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، ولكن لما كان من عند الله فلن تجدوا فيه اختلافًا قليلًا فضلًا عن أنكم سوف لا تجدون فيه اختلافًا كثيرًا.
كذلك ينبغي لكل مسلم أن يعتقد في حديث الرسول - ﵌ - أنه لا تناقض فيه ولا تضارب ولا اختلاف؛ لأنه كما ذكرت آنفًا هو من الله معناه ولفظه ﵊ منه، ثم هو في لفظه معصوم، يؤكد لكم هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر، الشك الآن مني (١)، المهم أن الحديث يدور على أحد عبادلة الصحابة، فهو إما عبد الله بن عمرو بن العاص وإما عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: «كنت في مجلس فيه المشركون، وكنت أكتب عن رسول الله - ﵌ - الحديث، فقالوا له في ذلك المجلس: إنك لتكتب عن محمد ما يتكلم به في ساعة الرضا والغضب»، صار في نفسه شيء، فجاء إلى النبي - ﵌ - وذكر له هذه الشبهة الشركية، فما كان منه ﵊ إلا أن قال له وقد وضع إصبعه على فمه الكريم وقال له: «اكتب فوالذي نفس محمد بيده لا يخرج منه إلا حق» (٢).
ولكن حينما ترد بعض الأحاديث تبدو لبعض الناس خاصة إذا كان من الذين
_________________
(١) هو عبد الله بن عمرو.
(٢) صحيح الجامع (رقم١١٩٦).
[ ٣ / ١١٣٧ ]
لم يؤتوا حظًا كبيرًا من العلم، فيتوهمون التعارض بينهما، ثم يكون عاقبة ذلك بالنسبة إليهم أن يَشَكُّوا في كل من الحديثين، أي: في ثبوتهما، وبالتالي أن يضربوا أحدهما بالآخر، فيقعون في الضلال الكبير؛ حيث أعرضوا عن حديث الرسول ﵇ وهو صحيح.
وهناك علم في علم الحديث يعرف بعنوان: اختلاف الحديث، هذا فصل من فصول علم الحديث، ولكن بعض العلماء الأقوياء ألفوا كتبًا في اختلاف الحديث، من هذه الكتب مثلًا: كتاب: «مختلف الحديث» لابن قتيبة وهو مطبوع أكثر من طبعة واحدة، ومن ذلك أيضًا «كتاب: مشكل» الآثار لأبي جعفر الطحاوي، وهما كتابان مهمان جدًا؛ لأنهما يدربان طالب العلم على معرفة طريق التوفيق بين الأحاديث التي يبدو منها التعارض، يبدو ولا تعارض بينهما، والأمثلة في هذا النوع كثيرة وكثيرة جدًا، حسبكم أن تعلموا ما سبق ذكره أن العلماء ألَّفوا كتبًا في هذا المجال، وإنما يهمنا الآن الإجابة عن ذاك السؤال.
هناك الحديث المشهور: «لا عدوى»، وهناك حديث آخر يبدو أنه معارض لهذا الحديث الأول وهو: «ارجع فإنا قد بايعناك»، ولا بد من ذكر كل من الحديثين؛ حتى أولًا يتقوى في الظاهر التعارض بينهما، لكن في الحقيقة سنتمكن من القضاء على التعارض قضاء مبرمًا، وأن نتفهم الصواب من المعنى المراد من كل من الحديثين معًا.
أما الحديث الأول: «لا عدوى»، وهو فقرة وقطعة من حديث له تتمة: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا غول»، فلما تحدث النبي - ﵌ - بهذا الحديث كان في المجلس بدوي صاحب مال، فعرض عليه شبهة في قوله ﵇ الذي فيه: «لا عدوى»، قال: «يا رسول الله! إنا نرى الجمل الأجرب يدخل
[ ٣ / ١١٣٨ ]
بين الجمال السليمة فيعديها، فقال ﵇: فمن أعدى الأول؟»، انتهى الحديث الأول.
الحديث الثاني: «جاء رجل إلى النبي - ﵌ - ليبايعه على الإسلام، وفي يده داء الجذام»، وداء الجذام مرض معدي معروف، «فقال له ﵇: ارجع فإنا قد بايعناك»، يعني: لم يرد الرسول ﵇ أن يصافحه وبايعه خلاف مبايعته لعامة الصحابة، حيث كان يبايعهم بالمصافحة، فجاء الرجل أيضًا يريد أن يبايع الرسول ﵇ بالمصافحة، فاعتذر له وقال له: «ارجع فإنا قد بايعناك»، من هنا جاء التعارض.
ولكن الحقيقة أن الحديث الأول لا ينفي العدوى، لكنه ينفي عدوى معينة موصوفة بصفة خاصة، ولا ينفي العدوى بصورة عامة، كيف؟
لما قال ﵇: «لا عدوى» تبادر إلى ذهن الأعرابي البدوي أنه ما يتبادر إلى أذهان كثير من الناس: إنه .. ينفي العدوى، ولذلك أورد الإشكال الذي هو يلمسه بيده ويراه بعينه، جماله السليمة التي كما جاء في بعض الأحاديث: «وبرها كالذهب»، فإذا دخل فيها الجمل الأجرب سرى الجرب إلى بدنها وصار يعني رؤية مكربة جدًا، فعرض على الرسول هذه الشبهة، فالنبي - ﵌ - سلك معه سبيلًا حكيمًا جدًا، لم يقل له: أنت لم تفهم الحديث، لن تفهم قصدي ومرادي، وإنما قال له كلمة واحدة ليفهم مقصود الرسول ﵇، من باب: الإشارة تغني عن صريح العبارة، قال له: «فمن أعدى الأول؟».
بهذا الجواب يمكننا أن نقول: وضع الرسول ﵇ النقاط على الحروف كما يقال في هذا الزمان، فهو حينما قال: «لا عدوى» نفى العدوى التي
[ ٣ / ١١٣٩ ]
يعتقدها أهل الجاهلية، وهي: أنها تنتقل بذاتها، بمجرد مخالطة الجمل الأجرب الجمل السليم لا بد أن يعديه بجربه، فالرسول ﵇ نفى هذا العقيدة الجاهلية، وهي عقيدة يمكن أن نقول: إنها رجعت اليوم في جاهلية القرن العشرين؛ ذلك لأن الأطباء لا أقول الأطباء الكفار فقط، بل وبعض الأطباء المسلمين الذين ليس عندهم الفقه الإسلامي الصحيح-،أصبحوا قد وقر في نفوسهم أن هيك طبيعة الداء أنه يعدي بذاته بطبيعته، والأمر ليس كذلك، هناك فرق كبير جدًا بين العدوى وبين أسباب أخرى جعلها الله ﷿ أسبابًا مطردة لا تختل إلا بصورة خارقة للعادة كالمعجرات والكرامات .. ونحو ذلك.
مثلًا: شخص جوعان يأكل يشبع، ما نقدر نقول: ما يشبع، هكذا سنة الله في خلقه، إنسان عطشان يشرب ماء يرتوي، انتهى الأمر، لكن ليس كذلك مجرد ما إنسان سليم يخالط شخصًا آخر مريضًا بمرض يعدي، إنه لا بد هذا المرض أن ينتقل إلى هذا السليم، قد وقد، فحينما يقع المسلم في افتراض أمر في شيء خلقه الله لحكمة بالغة فيبالغ في هذا المخلوق ويصفه بما يخالف الواقع، حينئذ يكون قد وقع في الخطأ، وهذا ما كان عليه أهل الجاهلية الأولى وما عليه كثير من الأطباء في هذا العصر كما ذكرت آنفًا، فالنبي - ﵌ - حينما قال: «لا عدوى»، أبطل عدوى الجاهلية، أي: التي تنتقل بذاتها، والدليل على هذا: أن النبي - ﵌ - قال لذات الأعرابي: أنت تقول كذا وكذا وقولك لا نرده؛ لأنه أمر مشاهد، ولكن من أعدى الجمل الأول؟ اللي هو بدأ يعدي في نظركم؟ الجواب: هو الله، إذن الأمر كله بيد الله ﵎، فإذا فهم المسلم أن هناك عدوى في بعض الأمراض، وهذه حقيقة علمية، بل وشرعية لا يمكن إنكارها، أي: العدوى حقيقة شرعية قبل أن تكون حقيقة علمية؛ ولذلك لا يمكن إنكارها، فالذي ينصب عليه إنكار النبي
[ ٣ / ١١٤٠ ]
- ﵌ - بقوله: «لا عدوى» إنما هي عدوى الجاهلية التي كانوا يغفلون عن الله ﷿، وأنه هو إن شاء أذن بذلك الداء بأن ينتقل إلى السليم من الداء أو لم يأذن.
هذا هو مقصود الحديث وهو قوله ﵇: «لا عدوى»، فهو لا ينكر العدوى مطلقًا، ولا ينفيها مطلقًا، العدوى ثابتة كما قلت آنفًا شرعًا وعلمًا، أما شرعًا فالحديث الثاني: «ارجع فإنا قد بايعناك»، وعندكم حديث يعتبر من المعجزات العلمية الطبية النبوية، وهو ما يسمى اليوم بالحجر الصحي، حيث قال ﵊ واضعًا الأصل للحجر الصحي الذي جاءنا من أوروبا وأوروبا أخذوه من ديننا، ألا وهو قوله ﵊: «إذا وقع الطاعون بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع الطاعون في أرض لستم فيها فلا تدخلوا إليها» (١)، إذًا لماذا نهى من كان في أرض الطاعون أن يخرج إلى أرض لا طاعون فيها؟ خشية أن ينقل داء الطاعون، هذا يسمى بالكوليرا مثلًا، وأمر من كان الطاعون في أرض غير أرضه ألا يدخل عليها خشية ماذا؟ أن يصيبه الطاعون، فإذًا هناك عدوى لا يمكن إنكارها شرعًا فضلًا عن تجربٍة وعلم.
ثم العدوى هذه يمكن أن تشاهدوها في غير الحيوان، وأعني بالحيوان الجنسين: الحيوان الناطق أو الإنسان، والحيوان الصامت وهو الدواب والحيوانات التي سخرها الله لنا، يمكن أن نرى العدوى في غير الحيوان، في بعض النباتات مثلًا، أو في بعض النتائج من بعض الحيوانات، مثلًا: البصل إذا بصلة واحدة فسدت تعدي من حولها، البيضة العفنة إذا وضعتها بين بيض سليم طازج اليوم، بعد أيام ثلاثة يسري إليها الفساد، هذه العدوى، هذه حقيقة لا يمكن
_________________
(١) مسلم (رقم٥٩٠٥).
[ ٣ / ١١٤١ ]
إنكارها، لكن هذا بمشيئة الله ﷿ وبتقديره، فهذه النقطة هي التي أراد الرسول ﵇ أن يلفت إليها نظر العرب يومئذ؛ لأنهم كانوا يعيشون في جاهلية جهلاء، كانوا لا يعرفون الله ﷿؛ ولذلك كانت أفكارهم تنصب على المظاهر في الحياة الدنيوية وهم عن الآخرة هم غافلون.
إذًا: لا عدوى باختصار بذاتها، لا عدوى بذاتها، أما بمشيئة الله وإرادته فهذا يقع، وهنا يأتي حديث: «ارجع فإنا قد بايعناك» حديث الحجر الصحي كما ذكرنا وهكذا، وهناك أحاديث كثيرة جدًا من هذا النوع، فمن أراد التوسع فعليه بالكتابين المذكورين آنفًا: «مختلف الحديث» لابن قتيبة، «ومشكل الآثار» لأبي جعفر الطحاوي.
"الهدى والنور" (٦٩٦/ ٣٥: ٠٠: ٠٠)
[٤٣٣] باب منه
سؤال: أخ يسأل ويقول: كيف نوفق بين حديث: «لا عدوى ولا طيرة»، وحديث: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»؟
الشيخ: أي نعم، إذا أَحْسَنَّا فهم الحديث الأول، زال الإشكال ولم يبق هناك داعي للجمع، إذا فهمنا أن المقصود من قوله ﵇: «لا عدوى»: بنفسها، ومفهوم ذلك أن هناك عدوى بإذن ربها، فلا إشكال.
الحديث يُوضِّح أن العقيدة الجاهلية قبل النبوة والرسالة، والتي يشببها تمامًا عقيدة الأطباء غير الإسلاميين اليوم وبعض الإسلاميين، هم يتوهمون أن العدوى تنتقل بطبيع الحال، والنبي ﵊ أراد أن يبطل هذه العقيدة التي كانت مقترنة بالعدوى، وأن يلفت نظر هؤلاء العرب الذين هداهم الله على يدي
[ ٣ / ١١٤٢ ]
نبيه - ﵌ - أن يعرفوا أن هذه العدوى صحيحة، لكن هذه مشيئة الله، ولله ﷿ أن يؤخر المسَبَّب عن السبب، أي أن يَبطل السبب فلا يظهر ولا يتَحقق المسبَّب، كما هو معروف في قصة النار مع إبراهيم ﵇، فالنار هي تحرق ولكن تحرق بإذن الله ﷿، الله ﵎ هو الذي جعل لها هذه الخصوصية، لكن ما هو ملزم بها بحيث أنه يكون هو مترتبط معها ارتباطًا ، هذه خصوصية أنها تحرق إلا أن يشاء [الله] فلا تحرق.
هكذا العدوى أو في بعض الأمراض طبيعة وضعها الله ﷿ فيها أن تنتقل إلى السليم من المخلوقات، لكن ذلك كله بمشيئة الله ﵎، وهذا واضح في تمام الحديث لما ذكر الرسول ﵇: «لا عدوى ولا طيرة»، قال رجل أعرابي: «نرى الجمال السليمة يدخل بينها الجمل الأجرب فيعيدها،» فقال له
﵇: .. ما قال له: أنت ما فهمت عليّ، أنه أنا أقول ما في عدوى، لا، هو أراد أن يثبت له العدوى بإذن الله، فقال له: «فمن أعدى الأول؟»، طبعًا جواب
المؤمن: الله.
إذًا العدوى موجودة لكن بإذن الله ﵎، وحينئذٍ إذا كان معنى الحديث لا عدوى إلا بمشيئة الله ﷿، فما في منافاة أن يتخذ مسلم السبب المشروع بألاَّ يصاب بذاك المرض الذي معروف عند الناس بأنه يعدي، وعلى هذا يحمل قوله ﵇ كما في "صحيح مسلم": أن رجلًا جاء ليبايع النبي - ﵌ - وفي يده مرض جذام، فأراد أن يبايعه فقال له ﵇: «ارجع فإنا قد بايعناك»، إما أنه فعل هذا ﵇ من باب الأخذ بالأسباب، وإما أنه فعل ذلك تعليمًا، وإما أخيرًا للأمرين معًا، يعني تعليمًا وأخذًا بالأسباب.
[ ٣ / ١١٤٣ ]
فإذًا؛ لا منافاة بين قوله ﵇: «لا عدوى»؛ لأنه لا يعني إبطال العدوى كلها، وإنما يعني إبطال العدوى القائمة في أذهان الجاهلية الأولى وجاهلية القرن العشرين، وهي أنها تعدي بنفسها، هذا الذي نفاه ﵇، وإلا فالأحاديث الأخرى فيها إثبات العدوى، وعلى هذا جاء ما يُسَمَّى اليوم بالحجر الصحي، والذي وضع نواته نبينا ﵇ في قوله: «إذا وقع الطاعون بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها» إلى آخر الحديث، هذا معناه الأخذ [بالأسباب] بالابتعاد عن المرض المعدي.
" الهدى والنور" (١٢/ ٤٨: ٢٩: ٠٠)
[٤٣٤] باب منه
سؤال: كيف نجمع بين قوله - ﵌ - في الصحيح: «لا عدوى ولا طيرة» وقوله: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»؟!
الشيخ: هذا أيضًا تعرضنا لبيانه في المجلد الثاني أو الثالث الله أعلم، من سلسلة الأحاديث الصحيحة.
قوله ﵇: «لا عدوى» المعنى: بنفسها وذاتها، وإذا أنت عرفت هذه المعنى فحينئذ لا يتنافى مع قوله ﵇ في الحديث الآخر في الصحيح: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» كما أنه لا يتنافى مع قوله ﵇: «إذا سمعتم بالطاعون وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع الطاعون في أرض فلا تدخلوها» فهذا كقوله: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» فيه الأخذ بأسباب: الوقاية والابتعاد عن العدوى، لكن العدوى لا تعني بنفسها وإنما بإرادة الله ﷿ ومشيئته
[ ٣ / ١١٤٤ ]
ويدل على هذا يعني لهذه الجملة، «لا عدوى»: أن النبي - ﵌ - لما تحدث بهذا الحديث كان هناك أعرابي يعيش مع الإبل، قال: «يا رسول الله! إنا نرى الإبل السليمة يدخل فيها الجمل الأجرب فيعديها» كأنه يقول: إن الذي تقوله يا رسول الله يخالف الواقع، أنت تقول: لا عدوى، نحن نرى العدوى بأعيننا، نرى الجمال السليمة الفارهة الجميلة تدخل بين الجمل الأجرب فيعديها مع الزمن، تسري العدوى منه إلى غيرها قال ﵇: «فمن أعدى الأول؟».
طبعًاَ جواب المؤمن: الله، إذًا: على حد تعبير بعضهم: السبب الأول هو الله ﵎ فإذا دخل الجمل الأجرب بين الجمال السليمة إن شاء ربنا أن ينقل هذه العدوى من الأجرب إلى السليم عدى وإلا فلا.
فإذًا: العدوى سبب لمرضٍ ما، لكن السبب قد لا يؤثر أي: أن يتأخر المسبب عن السبب بمشيئة الله ﷿ كما هو مثلًا في قصة إبراهيم ﵇: النار تُحرق لكن الله ﷿ أبطل تأثير النار التي أودع فيها ذاك التأثير كرامة لنبيه وخليله إبراهيم ﵊.
" الهدى والنور" (١٨٨/ ١٠: ٢٢: ٠٠ طريق الإسلام)
[٤٣٥] باب هل الفرار من أرض الطاعون طعن في التوكل؟ وهل الأخذ بأسباب منع العدوى طعن في التوكل؟
السائل: سمعت لك شريطًا تقول فيه أن النبي - ﵌ - وضع أصل الحِجْرِ الطبي المعروف الآن.
الشيخ: نعم.
[ ٣ / ١١٤٥ ]
مداخلة: واستشهدت بحديث.
الشيخ: الطاعون .. حديث الطاعون.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما هو سؤالك؟
مداخلة: حديث ابن عباس.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: أقول استشهدت بحديث ابن عباس.
الشيخ: حديث الطاعون.
مداخلة: حديث الطاعون نعم.
الشيخ: نعم ما سؤالك؟
مداخلة: سؤالي يا شيخ: هل الأمر بعدم القدوم وعدم الخروج من الأرض هو من أجل ماذا؟
الشيخ: من أجل المحافظة على سلامة الإنسان وسلامة المجتمع من عدوى الطاعون، ولعلك من الناس الذين لا يؤمنون بالعدوى؟
مداخلة: لا [أنا] أؤمن بالعدوى.
الشيخ: نعم .. إذًا ما إشكالك في الموضوع؟
مداخلة: أن الحديث معلل يا شيخ.
الشيخ: معلل بماذا؟
[ ٣ / ١١٤٦ ]
مداخلة: قال عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «وأنت إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه»، أي أن العلة معلقة بالفرار، يعني الذي يخرج غير فار من الطاعون ليس مخالفًا لهذا الحديث.
الشيخ: لكن بارك الله فيك أولًا قلت أن عبد الرحمن بن عوف يقول، وهذا ليس من قوله وإنما هو من قول نبيه.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنت معي؟
مداخلة: معك .. معك.
الشيخ: هذا أولًا، وثانيًا فرارًا منه هذا لماذا يفر منه؟ لأنه يخشى أن يصاب.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب.
مداخلة: يعني طعن في التوكل.
الشيخ: اسمع.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فإذا خرج وكان مصابًا وانتقل إلى البلدة الأخرى، ماذا يفعل؟ أو ماذا تكون نتيجة فراره؟
مداخلة: نقل المرض معه.
الشيخ: وهل هذا يجوز؟ والرسول يقول: «فر من مجذوم فرارك من
[ ٣ / ١١٤٧ ]
الأسد» واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: واضح؟
مداخلة: نعم واضح.
الشيخ: طيب أتم الحديث.
مداخلة: انتهى الحديث فقال: الحمد لله فقال عمر: الحمد لله.
الشيخ: لا الحديث أخي له جملة أخرى قد تكون في أوله في بعض الروايات، وقد تكون في آخره.
مداخلة: نعم في رواية أخرى يقول عن عائشة زوج النبي - ﵌ - أنها أخبرته أنها سألت الرسول - ﵌ - عن الطاعون؟ فأخبرها النبي الله - ﵌ -: «أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد».
الشيخ: نعم هذا حديث صحيح لكن ما هذا الذي عنيته، ألا تعلم أن هناك جملة أخرى تقابل الجملة التي تلوتها وأسمعتنا إياها وهي: ومن كان في أرض ليس فيها طاعون فلا يدخل إلى الأرض التي فيها الطاعون، ألا تذكر هذا؟
مداخلة: نعم موجود في نص الحديث.
الشيخ: وهذا الذي نقوله لك فلماذا لا تقرؤه؟
[ ٣ / ١١٤٨ ]
مداخلة: «إذا سمعتم به بأرض لا تقدموا عليها».
الشيخ: لماذا؟
مداخلة: هذا حتى ما تصابوا بالمرض.
الشيخ: فإذًا لا يجوز الدخول إلى الأرض المصابة خشية أن يُصاب الداخل، ولا يُجوز لمن كان في الأرض المصابة أن يخرج خشية أن ينقل الداء إلى الأرض التي ليس فيها الداء.
مداخلة: طيب يا شيخ الآن قول من يقول أن العلة هي التوكل، هل هذا
قوله صحيح؟
الشيخ: هذا صحيح ولكن لا ينافي ما قلناه بارك الله فيك.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا ينافي؛ لأنه حينما يرى المقيم في الأرض التي فيها الطاعون يرى الناس يتساقطون بين يديه أفرادًا وجماعات بلا شك لا يصبر على هذا المنظر الذي يهدده بالموت القريب إلا من كان متوكلًا على الله حق التوكل، هذا ما ينافي التوكل ولا ينافي أيضًا أن النهي عن الخروج من أرض الطاعون لحكمة طبية كما أشعرتنا بذلك الزيادة التي لفت النظر إليها.
مداخلة: طيب يا شيخ الآن لو كان هذا غير مصاب في أرض انتشر فيها الطاعون ..
الشيخ: ما يدريه أنه غير مصاب؟
مداخلة: فلنفرض أنه مصاب.
[ ٣ / ١١٤٩ ]
الشيخ: الله يهديك، أنت تتكلم عن الذي لم يصب.
مداخلة: نعم يا شيخ لكن أنا قصدي أخذ العلاج بغض النضر هل هو مصاب أم لا؟ لكن القصد في أرض انتشر فيها الطاعون هل هذا ينافي التوكل؟
الشيخ: ما هو الذي ينافي أو لا؟ أخذ الدواء؟
مداخلة: ما سمعتك.
الشيخ: أسألك أنت أولًا قلت إذا فرضنا أنه غير مصاب بالداء.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ثم لما لفت نظرك بقولي: وما يدرينا أنه لم يصب؟ عدلت عن ذلك الكلام إلى القول إنه مصاب.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب فأنت الآن تريد أن تقول عن هذا المصاب هل يأخذ الدواء
أم لا.
مداخلة: أنا أريد أن أقول يا شيخ ..
الشيخ: يا شيخ الله يهديك لا تضيع وقتي أنا أسألك قل نعم أو لا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: إيه، وماذا تريد أن تفصل عليّ؟ أنت تريد أن تقول هذا المصاب يجوز له أن يتعالج ويأخذ الدواء أم لا؟
مداخلة: نعم.
[ ٣ / ١١٥٠ ]
الشيخ: تريد هذا؟
مداخلة: أريد هذا.
الشيخ: فلماذا تريد أن تقول كلامًا غير أن تقول نعم أريد هذا؟ هذا لا ينافي التوكل، لأن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب فإذا كان يغلب على الظن أن أخذ العلاج لمنع ضرر الطاعون أنه يشفى فهذا لا ينافي التوكل على الله أبدًا كما لا ينافي أخذ أي علاج لأي مرض أو لأي داء، طيب بقي شيء عندك؟
مداخلة: بقي إشكال واحد بس.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: الآن يا شيخ نحن اليوم كنا نقرأ في هذا الحديث فقال لنا شيخنا أن علة أمر النبي - ﵌ - بعدم الخروج هي التوكل على الله ﷿، فلو أن إنسانًا خرج من أرضه غير فار منها .. من أرضه التي انتشر فيها الطاعون غير فار منها فلا ينطبق عليه النهي، فورد علينا إشكال لو أنه على هذا التعليل على قولهم هذا العلة هي التوكل، لو أنه ابتلع شيئًا تناول دواءًا في درء الطاعون، هل يعد فارًا أم لا؟ فأريدك أن تجيبني على هذا بهذا الفهم؟
الشيخ: وقد فعلت، وهذا الذي نصحتك أن لا تتكلم كثيرًا، قد فعلت وأجبت بأن أخذ العلاج الذي يغلب على الظن أن فيه الشفاء لا ينافي التوكل هنا ولا في أي داء يصاب به المسلم يأخذ عليه دواءه، قد أجبتك فماذا تريد مني؟
مداخلة: أريد منك أن تحل لي قضية الفرار يا شيخ.
الشيخ: يا شيخ بارك الله فيك قد بيّنت لك أن الفرار تعليله في الحديث بأنه ينافي التوكل لا ينافي أن يكون هناك علة أخرى، أي لا ينافي أن يكون الشرع
[ ٣ / ١١٥١ ]
الحكيم أمر من كان في الأرض الموبوئة بالطاعون أمره بالتوكل على الله لا ينفي أن يكون هذا الأمر بالتوكل على الله شيء آخر يدل عليه دليلًا آخر ألا وهو تمام الحديث الذي سجّلنا حوله آنفًا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: وضح لك الجواب أم لا؟
مداخلة: وضح وجزاك الله خيرًا.
الشيخ: وإياك يا أخي.
مداخلة: الطاعون يا شيخ هو وباء عام أم أنه وباء خاص؟
الشيخ: لا .. لا يمكن أن يكون وباءًا عامًا كما يقال في بعض روايات المفسرين أن طوفان نوح ﵇ كان عامًا، لا يمكن أن يكون الطاعون كذلك وإلا لما بقي على وجه الأرض حي، وإنما قد يستشري أحيانًا فيعم ويسيطر على دولة وأخرى وأخرى، لكن ستبقى هناك بمشيئة الله ﵎ وتصرفه في تكثير الطاعون كما يشاء ستبقى هناك بلاد أخرى نظيفة منه، أو نظيفة منه؛ لأن الله ﷿ لم يأذن بعد بالقضاء على سكان الأرض، وإنما يكون ذلك كما تعلم في آخر الساعة حينما يُرسل الريح الطيبة فتقبض أرواح كل المؤمنين ثم لا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة، إذًا فلا منافاة بين التعليل المذكور في الحديث وبين أن يكون هذا التعليل ضمن تعليل طبي كما دل على ذلك أمر الرسول ﵇ أو نهيه بعدم الدخول إلى الأرض التي فيها الطاعون، لماذا لا يقال هنا أيضًا فليدخل وليتوكل على الله؟ كما جاء في حديث الترمذي أن مجذومًا، أي رجل مصاب بداء الجذام جلس يأكل مع الرسول ﵇ فقال له: «كُلْ ثقة بالله وتوكلًا عليه» هذا لو صح لجاز أن نقول أنه يجوز للسليم أن يُخالط المريض المصاب بداء يعدي بأمر الله ﷿ يمكن أن يخالطه توكلًا
[ ٣ / ١١٥٢ ]
على الله بهذا الحديث لو صح؛ ولكن الحديث أولًا ضعيف، ثم هو بظاهره ينافي حديث مسلم في صحيحه الذي فيه أن النبي - ﵌ - جاءه رجل مصاب بداء الجذام ليبايعه على الإسلام فقال له: «ارجع فإنا قد بايعناك» ولم يبايعه باليد كما هي السنة، وضح لك إن شاء الله.
"الهدى والنور" (٢١٢/ ٢٨: ٢٣: ٠٠)
[٤٣٦] باب هل التطعيم طعن في التوكل
سؤال: قول النبي - ﵌ -: «من استرقى أو اكتوى فقد برئ من التوكل»، قال بعض العلماء: أنه المقصود به الكي للصحيح قبل المرض، هل يدخل في هذا التطعيم الآن يا شيخ الذي يحدث من أجل الوقاية من الأمراض، التطعيم؟
الشيخ: أولًا: (فقد برئ من التوكل) التوكل نوعان: واجب ومستحب، فإذا عرفت أن التوكل المذكور هنا من نوع المستحب هان الأمر واضح؟
مداخلة: أي نعم.
"الهدى والنور" (٧١٩/ ١٤: ٤٨: ٠٠)
[٤٣٧] باب هل يجوز استخدام لفظ التوكل بدل الاعتماد؟
السؤال: «هل يجوز استخدام لفظ التوكل بدل الاعتماد؟»
الشيخ: يعني: توكلت عليك؟
مداخلة: هل يجوز يقول ليس لها توكل إلا على أخيها؟
الشيخ: لا، بس التوكل له معنى شرعي غير لفظة الاعتماد.
مداخلة: آه.
[ ٣ / ١١٥٣ ]
الشيخ: نعم، فلا يجوز.
" الهدى والنور" (٣٢٦/ ٠٥: ١٩: ٠٠ طريق الإسلام)
[٤٣٨] باب لا طيرة ولا شؤم ولا هامة في الإسلام
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن يك من الشؤم شيء حق ففي المرأة والفرس والدار».
[قال الإمام]:
والحديث يعطي بمفهومه أن لا شؤم في شيء، لأن معناه: لو كان الشؤم ثابتًا في شيء ما، لكان في هذه الثلاثة، لكنه ليس ثابتا في شيء أصلًا.
وعليه فما في بعض الروايات بلفظ " الشؤم في ثلاثة ".أو " إنما الشؤم في ثلاثة " فهو اختصار، وتصرف من بعض الرواة. والله أعلم.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٠٤).
[٤٣٩] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار».
[قال الإمام]:
قوله: "وإنما الشؤم .. " بظاهره يثبت الشؤم، فكأنه رواية بالمعنى؛ فإنه لا شؤم في الإسلام.
"الصحيحة" (٢/ ٤١٦).
[ ٣ / ١١٥٤ ]
[٤٤٠] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن لكل يومٍ نحسًا؛ فادفعوا نحسً ذلك اليوم بالصدقة».
(منكر)
[قال الإمام]:
وإني لأشم منه رائحة التشاؤم والتطير، ولا شيء من ذلك في الإسلام- كما هو معلوم-، ونحوه حديث: " آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر ".وهو موضوع- كما تقدم بيانه برقم (١٥٨١) -.
"الضعيفة" (١٤/ ١/٤٣٦ - ٤٣٧).
[٤٤١] باب توجيه حديث: الشؤم في المرأة والدار والفرس
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«كان أهل الجاهلية يقولون: الطِيَرة من الدار والمرأة والفرس».
[قال الإمام]:
وجملة القول أن الحديث اختلف الرواة في لفظه، فمنهم من رواه كما في الترجمة، ومنهم من زاد عليه في أوله ما يدل على أنه لا طيرة أو شؤم "وهما بمعنى واحد كما قال العلماء"، وعليه الأكثرون، فروايتهم هي الراجحة، لأن معهم زيادة علم، فيجب قبولها، وقد تأيد ذلك بحديث عائشة الذي فيه أن أهل الجاهلية هم الذين كانوا يقولون ذلك، وقد قال الزركشي في " الإجابة " (ص١٢٨):
[ ٣ / ١١٥٥ ]
" قال بعض الأئمة: ورواية عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاء الله تعالى (يعنى من حديث أبي هريرة) لموافقته نهيه ﵊ عن الطيرة نهيا عاما، وكراهتها وترغيبه في تركها بقوله: " يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، وهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ".
قلت: وقد أشار بقوله: " بعض الأئمة " إلى الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، فقد ذهب إلى ترجيح حديث عائشة المذكور في " مشكل الآثار "، ونحوه في " شرح المعاني " وبه ختم بحثه في هذا الموضوع، وقال في حديث سعد وما في معناه: " ففي هذا الحديث ما يدل على غير ما دل عليه ما قبله من الحديث، (يعني حديث ابن عمر برواية عتبة بن مسلم وما في معناه عن ابن عمر)، وذلك أن سعدًا انتهر سعيدًا حين ذكر له الطيرة، وأخبره عن النبي - ﵌ - أنه قال: لا طيرة، ثم قال: إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار، فلم يخبر أنها فيهن، وإنما قال: إن تكن في شيء ففيهن، أي: لو كانت تكون في شيء
لكانت في هؤلاء، فإذ لم تكن في هؤلاء الثلاث فليست في شيء ".
"الصحيحة" (٢/ ٦٨٩، ٦٩٢ - ٦٩٣).
[٤٤٢] باب منه
سؤال: حديث ابن عمر في الصحيحين، يقول الرسول - ﵌ -: «الشؤم في المرأة والدار والفرس» فما فقه هذا الحديث؟
الشيخ: هذا الحديث جاء بلفظين هذا أحدهما: الشؤم، وجاء بلفظ بهذا المعنى: إنما الشؤم، لكن اللفظ الصحيح هو: لو كان الشؤم في شيء لكان في هذه الأنواع الثلاثة، لو كان الشؤم هذا الذي عليه الاعتماد في رواية هذا الحديث
[ ٣ / ١١٥٦ ]
عن النبي - ﵌ -؛ لأن الألفاظ الأخرى مع كونها مرجوحةً روايةً فهي مخالفة للنصوص الصريحة التي تقول: لا شؤم في الإسلام .. لا طيرة في الإسلام، فقد نهى الرسول ﵇ عن التطير فكيف يقره ويجزم بوجوده في الدار والمرأة والفرس، لا هذا من حيث الرواية شاذ والرواية المحفوظة الصحيحة: لو كان الشؤم في شيء لكان في المرأة والدار والفرس، هذا هو الجواب عن هذا السؤال.
(فتاوى جدة (١٤أ) /٠١:٠٨:١١)
[٤٤٣] باب ذكر الهامة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«لا شيء في الهام، والعين حق، وأصدق الطير الفأل».
[قال الإمام]:
اعلم أن (هام) هو جمع (هامة)، قال ابن الأثير في " النهاية ": " الهامة: الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت .. ".
"الصحيحة" (٦/ ٢/١٠٨٨، ١٠٩٠).
[٤٤٤] باب في عدم المؤاخذة بما قد يجده المرء في قلبه من التطير
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﵌ -: «الطيرة شرك وما منا إلا .. ولكن يذهبه الله بالتوكل».
[ ٣ / ١١٥٧ ]
[قال الهيثمي في الموارد]: قلت: قول: «وما منا ..» الخ من قول ابن مسعود [فعلق الإمام قائلًا]:
قلت: يعني: أنه مدرج والمؤلف تبع في ذلك «سليمان بن حرب» من شيوخ البخاري، وهذا هو الذي نقله عنه، فيما حكاه الترمذي، وهو من الغرائب عندي؛ لأنه يستلزم تخطئة الثقة من رواته-وكلهم ثقات لا مغمز فيهم-بمجرد الدعوى، وهذا خلاف الأصول، ولم أزل مستنكرًا لها، حتى وجدت-والحمد لله-من سبقني إلى ذلك تلويحًا أو تصريحًا، فهذا هو البيهقي يشير في «شُعَبِه» إلى تمريض الدعوى بقوله (٢/ ٦٢): يقال: هذا من قول عبد الله بن مسعود.
وتبعه في هذا التمريض عبد الحق الأشبيلي، فأورد الحديث في «الأحكام الصغرى»، وهي خاصة بما صح من الحديث عنده، كما نص عليه في «المقدمة»، ثم أكد بذلك بقوله (٢/ ٥٢١) عقبه مثل قول البيهقي المذكور، وكذا قال في الإحكام الوسطى (٣/ ٣٠).
ثم صرح برد الدعوى الحافظ ابن القطان الفاسي في كتابه القيم «بيان الوهم والإيهام» عقب قول عبد الحق المذكور (٥/ ٣٨٧)؛ فقال:
كل كلام مسوق في السياق لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج؛ إلا أن يجيء بحجة، وهذا الباب معروف عند المحدثين، وقد وضعت فيه كتب.
قلت: ومن المعروف عند أهل العلم: أن أبا حاتم الرازي من المتشددين في هذا المجال، ومن أوسع الحفاظ خطوًا في استنكار الأحاديث، ومع ذلك فقد خلا كتاب ابنه «العلل» من هذا الحديث.
ولعل الحامل على تلك الدعوى إنما هو الوقوف عند لفظه «شرك» الذي لا
[ ٣ / ١١٥٨ ]
يليق بالنبي - ﵌ - فأقول: المراد بها شرك الجاهلية؛ فإنها كانت تصدهم عن حاجاتهم، وهذا ليس مرادًا من قوله - ﵌ -: «وما منا إلا »، وإنما قد يجده الشخص في نفسه، ثم يصرفه بالتوكل على الله، فهذا التوكل مما كلف به العبد بخلاف ما يجده فإنه لا يملكه، وهذا صريح في حديث معاوية بن الحكم السلمي؛ أنه قال للنبي - ﵌ - ومنا رجال يتطيرون؟ قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم؛ فلا يصدنهم» رواه مسلم (٢/ ٧٠).
فلم ينكر عليهم ما يجدون من الطيرة، فضلًا أن يصفه بالشرك، وقد صح عنه - ﵌ - أنه قال: «من ردته الطيرة فقد قارف الشرك»، وهو مخرج في «الصحيحة» (١٠٦٥)،فهذا يوضح تمام التوضيح حديث الباب، ويبطل الإدراج المدعى، فتأمل!
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٣٧ - ٣٨).
[٤٤٥] باب منع التسمي بيسار لأنه مفضاة للتطير
السائل: فيه حديث يا شيخ «لأنهين أن يُسمَّى بنافع وبركة ويسار»، يسار يا شيخ لو ذكرت شيء لماذا المنع مثلًا، ما صلته مثلًا هل فيه تزكية في شيء؟
الجواب: يسار من اليسر.
السؤال: نعم.
الجواب: [فإذا سألت] هل هنا يسار؟ يعني كما لو قلت هل هنا يسر؟ تقول: لا، هذا مدعاة للتطير وليس تزكية.
السؤال: الاسم يسار يا شيخ ألا يقارب اسم سهل؟
الجواب: لا يوجد قياس في الموضوع.
[ ٣ / ١١٥٩ ]
السؤال: أي نعم.
الجواب: ما دام جاء النص فنحن نوجه النص ولا نقيس عليه إلا إذا كان هناك قياس كما يقال أولوي ممكن أن نقيس.
"الهدى والنور" (٢٠٩/ ١٢: ٤٥: ٠٠)
[٤٤٦] باب معنى قول النبي - ﵌ -: لا صفر
قال رسول الله - ﵌ -: «لا عدوى ولا هامة ولا صفر».رواه البخاري
[قال الإمام]:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في شرح «ولا صفر» في كتابه «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ٣٠٨ ما يلي: «روى أبو عبيدة في غريب الحديث عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عن العرب، وعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه
من العدوى.
وممن قال بهذا سفيان بن عينة، والإمام أحمد، والبخاري، وابن جرير، وقال آخرون: المراد به شهر صفر، والنفي لِمَا كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلّون المحرم، ويحرمون صفر مكانه، وهو قول مالك. روى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر ويقولون: إنه شهر مشؤوم، فأبطل النبي صلى اله عليه وسلم ذلك.
قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال» وهذا الشرح ذكره أبو داود في باب الطيرة رقم (٣٩١٥).
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٢/ ١٢٨٩).
[ ٣ / ١١٦٠ ]
[٤٤٧] باب معنى قوله - ﵌ -: «الشؤم في ثلاثة ..»
سؤال: بارك الله فيك يا شيخ حديث أبي هريرة الذي يقول فيه النبي - ﵌ -: «إنما الشؤم في ثلاث: المرأة والدار والفرس» يعني قال بعض العلماء فيما استدركته عائشة على الصحابة أنها قالت: رحم الله أبا هريرة إنما دخل على الشطر الأخير من هذا الحديث، فقول النبي - ﵌ -، فأول الحديث إنما يقول النبي - ﵌ -: «قاتل الله اليهود، تقول إنما الشؤم في ثلاث ..» ثم ذكرت تكملة الحديث، فما أدري ما صحة هذه الزيادة يا شيخ، وهل هذه هي مناسبة الحديث أم لا؟
الشيخ: تعني بالزيادة ما يتعلق بحديث عائشة؟
مداخلة: بحديث عائشة لما استدركته على أبي هريرة.
الشيخ: استدراك السيدة عائشة ﵂ صحيح، لكن هذه الصحة لا تنفي أن يكون لحديث أبي هريرة أصل صحيح، ولكن بغير هذا اللفظ، وأنا عالجت هذه المشكلة لأن الحديث في الواقع روي في الصحاح، فضلًا عما دونها، بألفاظ ثلاثة، أحدها ما ذكرت عن أبي هريرة: «إنما الشؤم»، الثاني: «الشؤم». الثالث: وهو الصحيح: «لو كان الشؤم في شيء لكان في هذا»، هذا اللفظ الأخير هو الصحيح من حيث اعتماد صاحبي الصحيحين عليه، ومجيء أيضًا هذا اللفظ من طرق كثيرة وعديدة ترجحه على اللفظين الأولين من حيث أولًا الرواية ثم من حيث الدراية؛ لأن الأحاديث متتابعة إن لم نقل متواترة عن النبي - ﵌ - في إنكار التطير، فأن يقال الشؤم في ثلاثة، أو إنما الشؤم في ثلاثة، فهذا يتنافى مع نفي الشارع الحكيم في تلك الأحاديث الكثيرة المشار إليها: «لا طيرة» وفي لفظ: «لا طيرة في الإسلام» هذا يجعلنا نُقوِّي موقفنا من حيث الرواية أن اللفظ الثالث والأخير لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاثة، وبذلك نخلص من المشكلة التي تتبادر إلى الذهن من اللفظ الأول أو الثاني، ونقول هذا جاء من
[ ٣ / ١١٦١ ]
اختصار بعض الرواة وليس من الضروري أن يكون هذا الاختصار من بعض الرواة حادثًا فيما بعد، وإنما يمكن أن يكون وقع فيه بعض الرواة أيضًا الذي أوصلوا الحديث إلى السيدة عائشة، فهي روت ما سمعت، والرسول ﵇ رد عليهم بلا شك، إنما الشؤم، هذه ليست عقيدة إسلامية.
إذًا: نحن نثبت الروايتين، رواية ودراية، نثبت رواية عائشة لأنه سند صحيح، ونثبت رواية عائشة على الترجيح وهي باللفظ الأخير الثالث ..؟ وهذا أنا ذكرته في السلسلة الصحيحة، في أكثر من موضع. نعم.
"الهدى والنور" (٦٦٨/ ٠٣: ٣٨: ٠٠)
[٤٤٨] باب الأنواء من عادات الجاهلية
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ثلاث لن تزال في أمتي: التفاخر في الأحساب، والنياحة والأنواء».
[ترجم له الإمام بقوله: "من عادات الجاهلية" ثم قال]:
[قال الإمام]:
" الأنواء ": جمع نوء، وهو النجم إذا سقط في المغرب مع الفجر، مع طلوع آخر يقابله في المشرق، والمراد الاستسقاء بها كما يأتي في الحديث المشار إليه، أي طلب السقيا.
قال في " النهاية ": " وإنما غَلَّظ النبي - ﵌ - في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى، وأراد بقوله: " مطرنا بنوء كذا ": في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز، أي أن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات ".
"الصحيحة" (٤/ ٤٠٩ - ٤١٠).
[ ٣ / ١١٦٢ ]
جماع أبواب مناهي لفظية عقدية
لها تعلق بأبواب الشرك
[ ٣ / ١١٦٣ ]
[٤٤٩] باب الحلف بغير الله شرك لفظي أو قلبي
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«كل يمين يحلف بها دون الله شرك».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به ثم قال]:
(فائدة): قال أبو جعفر الطحاوي: " لم يُرد به الشرك الذي يخرج من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجًا عن الإسلام، ولكنه أراد أنه لا ينبغي أن يُحلف بغير الله تعالى لأن من حلف بغير الله تعالى، فقد جعل ما حلف به محلوفًا به كما جعل الله تعالى محلوفا به، وبذلك جعل من حلف به أو ما حلف به شريكًا فيما يحلف به وذلك أعظم، فجعله مشركا بذلك شركا غير الشرك الذي يكون به كافرًا بالله تعالى خارجا عن الإسلام ".
يعني- والله أعلم- أنه شرك لفظي، وليس شركًا اعتقاديًا، والأول تحريمه من باب سد الذرائع، والآخر محرم لذاته، وهو كلام وجيه متين، ولكن ينبغي أن يستثني منه من يحلف بولي؛ لأن الحالف يخشى إذا حنث في حلفه به أن يصاب بمصيبة، ولا يخشى مثل ذلك إذا حلف بالله كاذبًا، فإن بعض الجهلة الذين لم يعرفوا حقيقة التوحيد بعد إذا أنكر حقًا لرجل عليه وطلب أن يحلف بالله فعل، وهو يعلم أنه كاذب في يمينه، فإذا طلب منه أن يحلف بالولي الفلاني امتنع واعترف بالذي عليه، وصدق الله العظيم: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ (١).
"الصحيحة" (٥/ ٦٩ - ٧١).
_________________
(١) يوسف: الآية: ١٠٦. اهـ[منه].
[ ٣ / ١١٦٥ ]
[٤٥٠] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«وأَبِيْكَ! لو سَكَتَّ، ما زلتُ أُناوَلُ منها ذراعًا ما دعوتُ به».
(منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (٢/ ٤٨): ثنا إسماعيل: ثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي إسحاق حدثني رجل من بني غفار في مجلس سالم بن عبد الله: حدثني فلان: أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﵌ - أُتِيَ بِطَعَامٍ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ فَقَالَ: «نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ».فَنُووِلَ ذِرَاعًا فَأَكَلَهَا- قَالَ يَحْيَى لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا هَكَذَا- ثم قال: «نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ».فَنُووِلَ ذِرَاعًا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَالَ: «نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ».فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا هُمَا ذِرَاعَانِ فَقَالَ: فذكره. فَقَالَ سَالِمٌ: أَمَّا هَذِهِ فَلَا، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ».
قلت: وهذا إسناد ضعيف، لجهالة الغفاري الذي لم يسم. وأبو إسحاق الراوي عنه لم أعرفه. ويحتمل أن يكون سليمان بن أبي سليمان الشيباني المخرج له في "الصحيحين"، وسائر رجاله ثقات من رجالهما.
والحديث قال الهيثمي (٨/ ٣١٢): "رواه أحمد، وفيه راو لم يسم".
قلت: وفي متن الحديث نكارة ظاهرة، وهو قوله: "وأبيك"، فإنه من الحلف بغير الله المنهي عنه، ولذلك أنكره سالم بن عبد الله بن عمر، للحديث الذي رواه عن أبيه. وهو حديث متفق عليه من حديث ابن عمر ﵁، وهو مخرّج في "الإرواء" (٨/ ١٨٧/٢٥٦٠) من طريق نافع عنه، ومن طريق الزهري عن سالم .. به.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٦٨١ - ٦٨٢).
[ ٣ / ١١٦٦ ]
[قال الإمام]:
الحلف بغير الله ﷿ شرك.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٥٦٧).
[٤٥٢] باب منه
[قال الإمام]:
الذي يؤثر الحلف بغير الله على الحلف بالله فقد جعله شريكا مع الله، وهذا النوع من الشرك مع الأسف أكثر المسلمين لا يعرفونه.
الهدى والنور " (٥٢/ ٠٠: ١٨: ٠٠)
[٤٥٣] باب الإقسام بغير الله لا يجوز
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«إن الله لو شاء لأطلعكم عليها، التمسوها في السبع الأواخر».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٢٢١/ ١ - ٢)، وابن حبان (٩٢٦)، والبزار في "مسنده" (ص١١٠)، والحاكم (١/ ٤٣٧) من طريق مالك بن مرثد عن أبيه قال: سألت أبا ذر، فقلت: سألت رسول الله - ﵌ - عن ليلة القدر؟ فقال: أنبأنا كنت اسأل الناس عنها، قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني عن ليلة القدر، في
[ ٣ / ١١٦٧ ]
رمضان أو غيره؟ قال: «بل هي في رمضان».قال: قلت: يا رسول الله! تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبض الأنبياء رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة»؟.قال: فقلت: يا رسول الله! في رمضان هي؟ قال: "التمسوها في العشر الأول والعشر الأواخر".قال: ثم حدث رسول الله - ﵌ - وحدث، فاهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله في أي العشرين؟ قال: «التمسوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها».ثم حدث رسول الله - ﵌ - وحدث، فاهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله! أقسمت عليك! لتخبرني- أو لما أخبرتني- في أي العشر هي؟ قال: «فغضب علي غضبًا ما غضب علي مثله قبله ولا بعده فقال: » فذكره.
وأنكر ما فيه قوله: "إن الله لو شاء لأطلعكم عليها".
وقد أخرجه أحمد (٥/ ١٧١) من هذا الوجه دون قوله هذا، وزاد فقال:
"أقسمت عليك بحقي عليك".والإقسام بغير الله تعالى منكر آخر لا يجوز.
"الضعيفة" (٧/ ٩٩ - ١٠٠).
[٤٥٤] باب جواز الحلف بصفات الله تعالى
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا من أهل الجنة، فيقول أصبغوه صبغة الجنة، فيصبغونه فيها صبغة، فيقول الله ﷿: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط أو شيئا تكرهه؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت شيئًا أكرهه قط، ثم يُؤتى بأنعم الناس كان في الدنيا من أهل النار فيقول: أصبغوه فيها صبغة، فيقول: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط قرة عين قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت خيرا قط ولا قرة عين قط).
[ ٣ / ١١٦٨ ]
[قال الإمام]:
(فائدة) في الحديث جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى ومن أبواب البيهقي في " السنن الكبرى " (١٠/ ٤١) " باب ما جاء في الحلف بصفات الله تعالى كالعزة والقدرة والجلال والكبرياء والعظمة والكلام والسمع ونحو ذلك ".ثم ساق تحته أحاديث وأشار إلى هذا الحديث واستشهد ببعض الآثار عن ابن مسعود وغيره وقال: " فيه دليل على أن الحلف بالقرآن كان يمينا ".ثم روي بإسناد الصحيح عن التابعي الثقة عمرو بن دينار قال: " أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله ﷿ ".
"الصحيحة" (٣/ ١٥٥ - ١٥٦).
[٤٥٥] باب هل يجوز الحلف بالقرآن؟
سؤال: هل يجوز الحلف بالقرآن؟
الشيخ: القرآن كما اتفق عليه أهل السنة والجماعة أنه كلام الله ﵎ وكلام الله أيضًا صفة من صفاته فالتالي يجوز الحلف بكلامه ﵎
وقرآنه، نعم.
مداخلة: وهل يجوز السجود للقرآن؟
الشيخ: إذا توهمت السجود للقرآن بكلامه فنعم، أما للمصحف فالمصحف فيه شيء ليس من صفة الله ﷿.
"فتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠: ٢٩: ٤٢)
[ ٣ / ١١٦٩ ]
[٤٥٦] هل يجوز الحلف بـ «لعمر الحق»؟
السائل: القسم بـ (ولعمر الحق) هل هو قسم بغير الله؟
الشيخ: (لعمر الحق) على حسب قاصد القاسم، إذا قصد الحق يعني الحق ﷾، فليس فيه شيء إطلاقًا؛ لأنه حلف بالله، وإذا قصد بالحق شيء معنوي؛ هو: الصواب مثلًا جاز أيضًا؛ لأنه يرجع إلى المعنى الأول، أما إذا قصد شيء مادي فلا يجوز؛ لأنه حلف بغير الله، فهنا يقال: «إنما الأعمال بالنيات».
"الهدى والنور" (٢٤٥/ ٤٤: ٤٧: ٠٠)
[٤٥٧] باب كفارة الحلف بالكعبة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
" من حلف فليحلف برب الكعبة ".
[ترجم له الإمام بقوله الحلف بالكعبة].
"الصحيحة" (٣/ ١٥٤)
[٤٥٨] باب هل السؤال بوجه الله لغير الجنة حرام؟
عن جابر قال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة».
[قال الإمام]:
إِسناده ضعيف وفي الاستدلال بهذا الحديث على عدم الجواز نظر من وجوه: الأول: أنه ضعيف لا يصح إسناده، فإن فيه سليمان بن قرم بن معاذ، وقد تفرد به كما قال ابن عدي في «الكامل»، (ق ١٥٥/ ١) ثم الذهبي، وهو ضعيف لسوء حفظه، فلا يحتج به، ولذلك لما أورد السيوطي هذا الحديث من رواية أبي
[ ٣ / ١١٧٠ ]
داود والضياء في «المختارة» تعقبه المحقق عبد الرؤوف المناوي بقوله: «قال في «المهذب»: فيه سليمان بن معاذ، قال ابن معين: ليس بشيء. اهـ. وقال عبد الحق وابن القطان: ضعيف» قلت: وقال الحافظ في «التقريب»: سيء الحفظ.
الثاني: لو صح الحديث لم يدل على ما ذهب إليه من رأى عدم الجواز، لأن المتبادر منه النهي عن السؤال به تعالى شيئًا من حطام الدنيا، أما أن يسأل به الهداية إلى الحق الذي يوصل به إلى الجنة، فلا يبدوا لي أن الحديث يتناوله بالنهي، ويؤيدني في هذا ما قاله الحافظ العراقي: «وذكر الجنة إنما هو للتنبيه به على الأمور العظام لا للتخصيص؛ فلا يسأل الله بوجهه في الأمور الدنيئة، بخلاف الأمور العظام تحصيلًا أو دفعًا كما يشير إليه استعاذة النبي - ﵌ - به» نقله المناوي وأقره.
الثالث: إنما بوّب النووي للحديث بالكراهة لا بعدم الجواز فقال: «باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله غير الجنة» والكراهة عند الشافعية للتنزيه».
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٦٠٥).
[٤٥٩] باب منه
[قال تعالى]:
﴿يا أيها الناس اتَّقوا ربكم الذي خَلَقَكُم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجَها وبَثَّ منهُما رِجالًا كثيرًا ونساءً واتَّقوا الله الذي تساءَلونَ به والأرْحامَ إِنَّ الله كانَ عليكم رَقيبًا﴾.
[قال الإمام معلقًا على قوله تعالى: «تساءَلون به»].
فيه جواز السؤال بالله تعالى، وأما حديث: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة".
[ ٣ / ١١٧١ ]
فضعيف. وعلى فرض صحته؟ فهو محمول على سؤال الأمور الحقيرة. كما بينت ذلك في مجلة " المسلمون ".
"الضعيفة" (١/ ٣٩).
[٤٦٠] باب من شرك الألفاظ قول القائل: ما شاء الله وشئت
[عن ابن عباس قال]:
" جاء رجل إلى النبي - ﵌ - فراجعه في بعض الكلام، فقال: ما شاء الله وشئت! فقال رسول الله - ﵌ -: «أجعلتني مع الله عدلًا (وفي لفظ: ندا؟!)، لا بل ما شاء الله وحده».
[قال الإمام]
فقه الحديث:
قلت: وفي هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره: " ما شاء الله وشئت " يعتبر شركا في نظر الشارع، وهو من شرك الألفاظ، لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب ﷾، وسببه القرن بين المشيئتين، ومثل ذلك قول بعض العامة وأشباههم ممن يدعى العلم: ما لي غير الله وأنت، وتوكلنا على الله وعليك، ومثله قول بعض المحاضرين: «باسم الله والوطن»، أو «باسم الله والشعب» ونحو ذلك من الألفاظ الشركية، التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها، أدبًا مع الله ﵎.
ولقد غفل عن هذا الأدب الكريم كثير من العامة، وغير قليل من الخاصة الذين يبررون النطق بمثل هذه الشركيات كمناداتهم غير الله في الشدائد، والاستنجاد بالأموات من الصالحين، والحلف بهم من دون الله تعالى، والإقسام
[ ٣ / ١١٧٢ ]
بهم على الله ﷿، فإذا ما أنكر ذلك عليهم عالم بالكتاب والسنة، فإنهم بدل أن يكونوا معه عونا على إنكار المنكر عادوا بالإنكار عليه، وقالوا: إن نية أولئك المنادين غير الله طيبة! وإنما الأعمال بالنيات كما جاء في الحديث!
فيجهلون أو يتجاهلون- إرضاء للعامة- أن النية الطيبة إن وجدت عند المذكورين، فهي لا تجعل العمل السيئ صالحًا، وأن معنى الحديث المذكور إنما الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، لا أن الأعمال المخالفة للشريعة تنقلب إلى أعمال صالحة مشروعة بسبب اقتران النية الصالحة بها، ذلك ما لا يقوله إلا جاهل أومغرض! ألا ترى أن رجلًا لو صلى تجاه القبر لكان ذلك منكَرًا من العمل لمخالفته للأحاديث والآثار الواردة في النهي عن استقبال القبر بالصلاة، فهل يقول عاقل أن الذي يعود إلى الاستقبال بعد علمه بنهي الشرع عنه أن نيته طيبة وعمله مشروع؟ كلا ثم كلا، فكذلك هؤلاء الذين يستغيثون بغير الله تعالى، وينسونه تعالى في حالة هم أحوج ما يكونون فيها إلى عونه ومدده، لا يعقل أن تكون نياتهم طيبة، فضلًا عن أن يكون عملهم صالحًا، وهم يصرون على هذا المنكر وهم يعلمون.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٦٦).
[٤٦١] باب سبب تأخير بيان النبي - ﵌ -
لخطأ قولهم: ما شاء الله وشاء محمد
فهؤلاء الشباب المتحمسين لإقامة حكم الله في الأرض ما بين آونة وأخرى ونسمع أنهم خرجوا، وأنهم قتلوا ثم نسمع أنه قتل مقابل عشرة من هؤلاء الجنود أو الشرطة قتل منهم مائة، حبس منهم ألوف مؤلفة هذا لجهلهم بالقاعدة: إذا وقع المسلم بين مفسدتين اختار أيسرهما، لذلك نحن نقول: لا ينافي السعي في تحقيق
[ ٣ / ١١٧٣ ]
قوله تعالى المذكور آنفًا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠) السعي في هذا بغض النظر الآن عن هذا الخروج الذي لا فائدة منه إلا الضرر إلا ضغثًا على إباَّله كما يقال حين ذاك نقول: الاحتجاج بقوله ﵇: «من رأى منكم منكرًا» هذا غفلة عن كون الرسول رأى بعض المنكرات وسكت عنها خشية أن يترتب من وراء هذا المنكر مفسدة أكبر من تغيير المنكر، وأنا أذكر لكم الآن مثالًا أهون من هذا التغيير.
رأى رجل من أصحاب الرسول ﵇ رؤيا فجاء إليه وقص عليه - ﵌ - قال: «يا رسول الله رأيت نفسي وأنا أمشي في طريقي من طرق المدينة فلقيت رجلًا من اليهود فقلت: نِعمَ القوم أنتم معشر اليهود لولا أنكم تشركون بالله فتقولون: عزير ابن الله».
الصحابي يقول هذا الكلام لليهود في المنام، نعم القوم أنتم معشر اليهود لولا أنكم تشركون بالله فتقولون: عزير ابن الله فأجابه اليهودي في المنام، «ونعم القوم أنتم معشر المسلمين لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد».
الآن يقولون الناس هذا الكلام لجهلهم بالإسلام، نعم القوم أنتم معشر المسلمين لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد قال: ثم مضيت فلقيت رجلًا من النصارى فقلت له: نعم القوم أنتم معشر النصارى لولا أنكم تشركون بالله فتقولون: ما شاء الله وشاء محمد، هذا نصراني بيقابل ..
مداخلة: المسيح.
الشيخ: نعم.
مداخلة: المسيح.
[ ٣ / ١١٧٤ ]
الشيخ: آه المسيح عفوًا المسلم يقول للنصراني: نِعْمَ القوم أنتم معشر النصارى لولا أنتم تشركون بالله فتقولون: عيسى ابن الله فقابله النصراني بقوله: ونِعْمَ القوم أنتم معشر المسلمين لولا أنكم تشركون بالله فتقولون: ما شاء الله
وشاء محمد.
لما قص القصة على الرسول ﵇ قال له - ﵌ -: «هل قصصت على أحد؟» قال: لا. فخطب الرسول الصحابة قال: «طالما سمعت منكم كلمة تقولونها فأستحيي منكم» انظروا أين الشاهد: يسمع منهم هذه الكلمة فيستحيي منهم أن يبادرهم بالإنكار؛ لأنه ﵇ يعلم أنهم يقولونها خطأً بألسنتهم، وليس عقيدة منحرفة عن التوحيد في قلوبهم، فيقول لهم: طالما سمعتها منكم، ثم قص عليهم الرؤيا هذه فقال ﵇ بناءً على ذلك: «لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ليقل: ما شاء الله وحده».
إذًا: بارك الله فيكم تغيير المنكر مش رأسًا ترى منكرًا تبادر إنكاره بدك تعمل ماذا يقولون اليوم في العملية الحسابية؟ معادلة تقابل الحسنات بالسيئات وتوازن .. بين الحسنات والسيئات، فإذا غلب على ظنك أنه في تغييرك لهذا المنكر ستكون الحسنات أكثر من السيئات، وأنت مأجور وأنت منفذ لهذا الحديث، أما إذا بدا لك أن السيئات والمفاسد ستكون أكثر من المصالح التي تبتغي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأمسك كما أمسك رسول الله - ﵌ - عن هدم الكعبة، بل كما أمسك أيامًا عن أن يقول لأصحابه: «لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ليقل: ما شاء الله وحده».
" الهدى والنور" (٧٠٦/ ١٠: ٢١: ٠٠)
[ ٣ / ١١٧٥ ]
[٤٦٢] باب خطأ قول بعضهم: الله ورسوله أعلم
[قال الإمام]:
جرت عادة كثيرة من الناس أنهم إذا سئل أحدهم عما لا علم له به، سواء كان باستطاعة البشر عادةً معرفته أم لا؛ أجاب بقوله: الله ورسوله أعلم.
وهذا جهل بالشرع؛ فإنه - ﵌ - ما كان يعلم الغيب وهو في قيد الحياة-كما حكى الله تعالى عنه في القرآن: [وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ]-؛ فكيف يعلم - ﵌ - ذلك بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؟! فالصواب اليوم أن يقتصر في الجواب على قوله: الله أعلم.
وإنما كان الصحابة ﵃ يجيبونه - ﵌ - بقولهم: الله ورسوله أعلم. لعلمهم بأنه - ﵌ - ما سألهم إلا وعنده علم ذلك، وإلا؛ ليُنَبِّئَهُم به.
فتنبه لهذا، ولا تكن من الغافلين.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ١٠١٩).
[٤٦٣] باب منه
[قال الإمام]:
إياكم أن تقولوا في مثل هذه المناسبة: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا شرك لفظي، وأنا أُذكِّركم بشيء مهم جدًا، الواحد يقول للثاني: تعرف البارح ماذا تعشينا؟ فيقول: الله ورسوله أعلم.
فهذا لا يجوز أن يقال؛ لأن رسول الله ليس يعلم كل ما يقع وما يحدث، هذا علم اختص الله به، لكن الشبه من أين تأتي؟ أن هناك أحاديث كثيرة، أن الرسول
[ ٣ / ١١٧٦ ]
﵇ سأله أصحابه في بعض المناسبات مثل هذا السؤال، فكان جوابهم: الله ورسوله أعلم، في هذا الشيء وبعد انتقال الرسول ﵇ من هذه الحياة الدنيا الفانية إلى حياة البرزخية التي هو فيها يرقى يلقى نوعًا أو بعض جزائه من ربه ﵎ على قيامه بواجب الدعوة والتبليغ لها، وهو كان في قيد حياته متصلًا بسبب قوي بالسماء بوحي السماء، هذا من جهة.
من جهة أخرى: حينما كان يسأل أصحابه كأن الصحابة ينتبهون إلى أنه ﵇ يسألهم عن شيء هو على علم به؛ ولذلك كان يكون جوابهم: الله ورسوله أعلم، وفعلًا الذي انتبهوا له تحققوا منه حينما يخبرهم الرسول ﵇ عن الشيء الذي توجه به يسألهم عنه.
والأمثلة التي تمر بالقارئ للسُنَّةِ والباحث فيها كثيرة وكثيرة جدًا، لعل من أشهرها مما لا يخفى على كل الحاضرين إن شاء الله قصة جبريل ﵇ التي رواها عبد الله بن عمر ورواها أبوه أيضًا عمر بن الخطاب التي فيها: «بينما نحن جلوس عند رسول الله - ﵌ - إذ جاء رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى دنا من النبي - ﵌ -، فأسند ركبتيه بركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، أخبرني عن الإيمان، أخبرني عن الإحسان، أخبرني عن الساعة ..» وإلى آخر الحديث، ثم ولى الرجل، قال لهم ﵇وهنا الشاهد-: «أتدرون من السائل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذاك جبريل جاءكم يعلمكم دينكم»، ففي مثل هذا السؤال من الرسول ﵇ للأصحاب فيه إشعار لهؤلاء المسئولين أن الرسول على علم؛ لذلك قالوا له في مثل هذا السؤال: الله ورسوله أعلم، أما اليوم تعرف أنا ماذا
[ ٣ / ١١٧٧ ]
أريد أنا أسألك الآن؟ الله ورسوله أعلم، لا الرسول ما يعرف الغيب، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن:٢٦، ٢٧)، من رسول حي مبلغ رسالات ربه، أما بعد وفاته فهو الآن في طريق لقائه لجزائه من ربه، فلا تقولوا اليوم في أي شيء: الله ورسوله أعلم، إلا إذا كانت المسألة منصوص عليها في الكتاب والسنة، ونحن على يقين أن الرسول كان على علم بها.
"الهدى والنور" (٧٢٩/ ٢٤: ٢٩: ٠٠)
[٤٦٤] باب حكم مخاطبة الرسول - ﵌ - بقولهم سيدنا، وهل يجوز إطلاق ذلك على آحاد الناس؟
-[انقطاع] قاله ﵊ بمناسبة قول بعضهم في خطابهم إياه ﵊ بمثل هذا اللفظ ألا وهو السيادة، فخشي ﵊ على هؤلاء أمرين؛ الأمر الأول أن يوصلهم مدحهم للرسول ﵇ إلى الغلوّ وهذا يكاد يكون صريحًا بالحديث الآخر الذي جاء في «مسند
الإمام أحمد»
«أن ناسا جاءوا إلى النبي - ﵌ - فقالوا له أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال ﵊: قولوا بقولكم أو بنحو قولكم هذا، ولا يستجرينكم الشيطان» فقوله: لا يستجرينكم الشيطان، هو صريح؛ لأنه ﵊ خشي من هؤلاء الذين خاطبوه بقولهم المذكور «أنت سيدنا وابن سيدنا» إلى آخره أن يمهد الشيطان لهؤلاء بمثل هذه الكلمات فيصلوا إلى الغلوِّ بمدحه ﵊ فلذلك جاء الحديث المتفق عليه بين الشيخين وهو قوله ﵇: «إنما أنا عبد» أيش أول الحديث؟! «لا تطروني كما أطرت
[ ٣ / ١١٧٨ ]
النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».هذا هو السبب الأول: وهو أنه ﵇ خشي من الذين مدحوا الرسول بذلك المدح الجائز أصلًا أن يُوصِلَهم الشيطان إلى أن يقولوا فيه ما قالته النصارى.
والأمر الثاني: هو أن يلفت نظرهم إلى أن السيد الحقيقي هو الله لذلك قال لهم السيد الله، ومن هذا البيان نفهم أنه لا منافاة بين هذا الحديث وبين الحديث الآخر وهو قوله ﵊: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» وفي الحديث الآخر: «أنا سيد الناس يوم القيامة، أتدرون مما ذاك» ثم ذكر ﵇ حديث الشفاعة الطويل هذا ما عندي جوابا عن سؤالك هذا
مداخلة: وقوموا إلى سيدكم أيضا يأخذ هذا المجرى؟
-سيدكم بمعناه اللغوي؛ أي: ذا رئيسكم، وليس معنى السيادة هنا من باب التعظيم الذي يستحقه مثل الرسول ﵇، وإنما كما لو قال لهم: قوموا إلى أميركم، فهو سيدهم، يعني: أميرهم، نعم.
"الهدى والنور" (٣٣/ ٠٤: ٢٢: ٠٠)
[٤٦٥] باب لا يقال فلان خليفة الله
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قَبِلِ المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئا لا أحفظه فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي- وفي رواية- إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها ولو حبوا .. إلخ».
[ ٣ / ١١٧٩ ]
[قال الإمام]:
الحديث صحيح المعنى، دون قوله: فإن فيها خليفة الله المهدي فقد أخرجه ابن ماجه (٢/ ٥١٧ - ٥١٨) من طريق علقمة عن ابن مسعود مرفوعا نحورواية ثوبان الثانية، وإسناده حسن بما قبله، فإن فيه يزيد بن أبي زياد وهو مختلف فيه فيصلح للاستشهاد به، وليس فيه أيضا ذكر خليفة الله ولا خراسان، وهذه الزيادة خليفة الله ليس لها طريق ثابت، ولا ما يصلح أن يكون شاهدا لها، فهي منكرة كما يفيده كلام الذهبي السابق، ومن نكارتها أنه لا يجوز في الشرع أن يقال: فلان خليفة الله، لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال في " الفتاوى " (٢/ ٤٦١): وقد ظن بعض القائلين الغالطين كابن عربي، أن الخليفة هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله، والله تعالى لا يجوز له خليفة، ولهذا قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله! فقال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله - ﵌ -، حسبي ذلك بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي - ﵌ -: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا»، وذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين، ليس له شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف، وسمي خليفة، لأنه خلف عن الغزو وهو قائم خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى، وهو منزه عنها، فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب ولا يجوز أن يكون أحد خلفًا منه ولا يقوم مقامه، إنه لا سمي له ولا كٌفء، فمن جعل له خليفة فهو مشرك به.
"الضعيفة" (١/ ١٩٥، ١٩٧ - ١٩٨).
[ ٣ / ١١٨٠ ]
[٤٦٦] باب في خطأ التلقيب
بـ «قاضي القضاة» وشاهنشاه» و«ملك الأملاك»
[قال الإمام]:
لا نرى جواز استعمال مثل هذا اللقب [أي قاضي القضاة]؛ لأنه يشبه لقب (شاهنشاه) المنهي عنه في قوله - ﵌ -: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك «، قال ابن عيينة: «ملك الأملاك، مثل شاهنشاه» رواه الشيخان.
«تحقيق مشكاة المصابيح» (٣/ ١٧٧٤).
[٤٦٧] باب منه
[قال الإمام]:
لقب قاضي القضاة مما يُكره استعماله، قياسًا على ملك الملوك، كما ذكر ذلك العلامة الإمام ابن القيم في «زاد المعاد»: وقد كره رسول الله - ﵌ -: أن يقال للسلطان ملك الملوك، أخرج ذلك البخاري من حديث أبي هريرة. وإيراد شيخ الإسلام ذلك في مسودته [أي مسودة كتابه «مناقب الشام وأهله»] على الحكاية لما كان مصطلحًا عليه بينهم، ولا يعني ذلك إقراره له.
"التعليق على مناقب الشام وأهله (ص ٨٦)
[٤٦٨] باب حكم قول القائل: يا رضا الله ورضا الوالدين
سؤال: هل ينطبق بالقول لما شاء الله ثم شئت على قول كثير ما نردده يا رضا الله ورضا الوالدين؟
الشيخ: هذا سؤال طيب، هو رضا الوالدين الحقيقة يحتاج إلى تقييم إذا كان
[ ٣ / ١١٨١ ]
المتكلم بهذا القول يا رضا الله ورضا الوالدين يقصد رضاءهم المشروع، فيكون هذا من رضا الله كما قال تعالى في القران الكريم ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا- وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٤) هذا من قام بهذه النصيحة فقد أرضى الله أولًا ثم الوالدين ثانيًا هذا الإرضاء هو عبادة، أما إذا أرضى الوالد أو الوالدة بمعصية الله حينئذ هذا ليس بعبادة ولا يجوز أن تقال حين ذاك هذه الكلمة إطلاقا فهذا الفرق لا بد من ملاحظته إذا قيلت هذه الكلمة على أننا لا نستحسن أن تقال من هذا الباب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ لأنه لما يقول: الإنسان يا رضا الوالدين ما بيلاحظ هذا التفصيل الذي أذكره الآن لأن أكثر الناس لا يعلمون كما قال الله في القرآن الكريم ونحن نعرف من واقع من حياة المسلمين أن كثيرا من الآباء مع الأبناء والأبناء مع الآباء لا يلاحظون الرضا المشروع وإنما رضا بدون هذا القيد مثلا إذا فرضنا أبًا فقيرًا أو متوسط الحال وأنه غني .. فهو يحسن على أبيه ويكرمه ويغذيه بالمال وكل شئ لإرضائه، لكن هذا الابن لا يصلي وأبواه راضيان عنه، ليش؟ لأنه عم ينفعه، لكن ربك مو راضيان عن هذا الولد، فهنا لا يقال يا رضا الله ورضا الوالدين، صحيح الوالدان راضيانين عنه لكن رب العالمين مش راضيان، وهنا أذكر عادةً نكتة لأحد أصحابنا الظرفاء في دمشق مع أنه كان شبه عامي كان يأتي ببعض أصحابه يحضر المجلس لعله يستفيد فائدة علمية أو يسمع موعظة حسنة، فينكت ويقول بعرفك بفلان: هذا فلان ابن فلان مرضي الوالدين مغضوب من رب العالمين، ونلاحظ نحن كيف يرضي الأبناء عادةً وغالبًا آباءهم فيصبحوا بتقبيل اليد، ولما بدهم يروحوا يناموا كمان بدهم يودعوهم بتقبيل اليد، لكن هم لا بيصلوا ربما لا بيصوموا، ولذلك قال صاحبنا هذا: هذا مرضي الوالدين مغضوب
[ ٣ / ١١٨٢ ]
من رب العالمين.
فشو فائدة هذا الرضا من الوالدين ما دام هذا الرضا لا يرضاه الله عزوجل، من هنا نعرف الفرق بين رضا الوالدين المشروع ورضا الوالدين غير المشروع.
مع ذلك أعود فأقول ما ينبغي توجيه مثل هذا النداء ولو كان قاصدًا الرضا المشروع لأنه يتعلق بالمخلوق فهو صفة للمخلوق وليس صفة للخالق إلا الطرف الأول من العبارة: يا رضا الله، فنقف إلى هنا.
"الهدى والنور" (٥٣٤/ ٢٨: ٣٤: ٠٠)
[٤٦٩] باب حكم قول القائل: أسوق الله عليك وما شابه ذلك
السائل: في كلمة تدور كثيرًا على ألسنة الناس، يقول: أسوق الله عليك أو سائق الله عليك أو شيء من هذا؟
الشيخ: هذا مثال يدخل في الصميم اليوم من غفلة الناس؛ بأسوق الله عليك! مسكين هذا الإنسان، هذا لا يفكر فيما يقول إطلاقًا؛ لأن قول القائل: بأسوق الله عليك، من السائق هنا ومن المسوق؟!
مداخلة: الله السائق.
الشيخ: لا، العبارة عكس ذلك تمامًا؛ بأسوق الله عليك، أنا بأسوق الله! هذا كفر، فالمسوق هو الله والسائق عبد الله، هذا قلب لعظمة الله ولعجز عباد الله، لكن هيك اللفظة ماشية، مثل هذا اللي قال: ما شاء الله وشئت، شو مشيئة محمد ﵇ مع كونه أفضل البشر بالنسبة لمشيئة الله اللي خلق الملائكة والرسل والأنبياء والصالحين جميعًا مع ذلك قال له: أجعلتني لله ندًّا، هذا أفظع لما يقول
[ ٣ / ١١٨٣ ]
القائل في هذه البلاد: أنا بأسوق الله عليك، الله أكبر، جعل القادر عاجزًا والعاجز قادرًا ولذلك لا ينبغي أن نتكلم إلا بما نفكر.
الهدى والنور" (٥٣٤/ ٠٠:٤٠:٠٣)
[٤٧٠] باب حكم قول القائل أدامك الله
[قال الإمام]:
قول القائل: أدامك الله هذا كلام ظاهر؛ لأنه لا يدوم إلا الله ﷿، هذه عقيدة يعرفها المسلمون جميعًا، لكن ممكن تأويلها أدامك الله يعني حياةً قررها ربنا لهؤلاء البشر مثلما قال الرسول ﵇: «أعمار أمتي ما بين ستين وسبعين وقل من يجوز ذلك» أدامك الله يعني هذه المدة، ليس معنى أدامك الله يعني أبقاك الله إلى الأبد؛ لأن هذه خصلة مزية تفرد بها ربنا ﷿ دون خلقه فهو الأول والظاهر والباطن ﷾ هذا الذي أردنا بيانه حول هذه الكلمة.
"الهدى والنور" (٥٣٤/ ٥٢: ٠٠: ٠٠)
[٤٧١] باب حكم التعبيد لغير الله كعبد الحسين وعبد علي وعبد الرسول ..
[قال الإمام]:
فائدة: نقل ابن حزم الاتفاق على تحريم كل اسم مُعَّبد لغير الله كعبد العزى وعبد الكعبة، وأقره العلامة ابن القيم في " تحفة المودود " (ص ٣٧) وعليه فلا تحل التسمية بـ: عبد على، وعبد الحسين، كما هو مشهور عند الشيعة، ولا بـ: عبد النبي أو عبد الرسول كما يفعله بعض الجهلة من أهل السنة.
"الضعيفة" (١/ ٥٩٦).
[ ٣ / ١١٨٤ ]
[٤٧٢] باب كيف الجمع بين نهي النبي - ﵌ - عن التعبيد لغير الله مع قوله: « أنا ابن عبد المطلب؟»
السؤال: ما الفهم الصحيح لقول النبي - ﵌ -: «أنا النبي لا كذب .. أنا ابن عبد المطلب» مع نهي النبي - ﵌ - عن التعبيد لغير الله ﷿.
الشيخ: ليس في هذا الكلام الذي صح عن الرسول ﵇، ليس فيه أي تعارض بينه وبين نهيه أو أمره المستفاد منه النهي عن التعبيد لغير الله، ذلك لأنه هو ينتسب إلى جده عبد المطلب حيث أن هذا هو اسمه، علم المعروف به عند الناس، فهو لم ينشأ اسمًا عبَّد فيه شخصًا إلى غير الله ﷿، وإنما عرف الناس بأنه ابن عبد المطلب، فهو لا يستطيع أن يعرف الناس بانتسابه إلى عبد المطلب بتغيير اسمه، يعني أنا أضرب لكم مثلًا:
كثير من الشيعة كما تعلمون يسمون بعبد الحسين، وعبد الحسن .. ونحو ذلك، فنحن نقول: قال عبد الحسين في كتاب المراجعات كذا وكذا، ونحن الذين نقرر في كتبنا بأنه لا يجوز التعبيد لغير الله ﵎، فلا يتبادر لذهن من يقرأ قولي: قال عبد الحسين في كتاب كذا .. أنني عبَّدت إنسانًا لغير الله ﷿؛ لأنه كما يقول العلماء: ناقل الكفر -أو حاكي الكفر- ليس بكافر.
فإذًا هذا الحديث: «أنا النبي لا كذب .. أنا ابن عبد المطلب» لا يتعارض مطلقًا مع المعروف عن النبي - ﵌ - أنه يحرم التعبيد لغير الله ﷿، فهو ناقل وليس بمؤسس.
"الهدى والنور" (١٨٨/ ٠١:٠٢:٠٩)
[ ٣ / ١١٨٥ ]
[٤٧٣] باب السؤال عن بعض الألفاظ المتعلقة بالعقيدة
السائل: هناك بعض الجمل وبعض الكلمات وقع فيها كثير من الناس [نرجو بيان] جوازها من عدمه .. قول قائل: يا فاسق، أو يا فتال، ، ويقال: أنا عند الله ثم عندك أو إذا قال: تفضل معنا قال يأكل معك الرحمن، أو قال: عندك الرحمن، من هذه الكلمات ..
الشيخ: هذه .. عندكم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: عجيب! نحن عندنا كلمات تضاهي هذه، وكلها لا تجوز .. عندنا في سوريا يقولون: توكلنا على الله وعليك
بعض هذه العبارات التي جاء السؤال عنها لا شك أنها خطأ، فكما قلت لكم آنفًا عندنا في بعض البلاد السورية ما يشابهها كمثل قولهم: توكلنا على الله وعليك، هذا شرك، وما شاء الله وشئت شرك، لكن العبارة الصحيحة ما شاء الله ثم شئت، فأكثر العرب اليوم ما يفرقون بين ثم وبين واو العاطفة.
كلمة: توكلنا على الله وعليك كفر لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: ١٢) أي: على الله وحده، فهو يقول بغير مبالاة: توكلنا على الله وعليك، متى نقول له؛ لأنه ليس فاهم القضية أو نقدم له شكوى ويريد أنه يسعى له في حلها، نقول له: على عيننا توكلنا على الله وعليك، هذا شرك.
كذلك يقولون عندنا: يد الله ويدك
مداخلة: أو مثلًا يقول هذه العبارة الثانية: تفضل معنا يا شيخ، يقول: أكلت
[ ٣ / ١١٨٦ ]
معك أكل معك الرحمن .. اسأل عن هذا .. هذه هي [ما فيها شيء]
الشيخ: ماذا اللفظة الثانية؟
مداخلة: قال: يأكل معك الرحمن يأكل عندك الرحمن ..
الشيخ: ليس فيها شيء هذه؟!
مداخلة: هذه العبارة ما أقول لك أن فيها شيء.
الشيخ: فيها شيء أو ما في؟
مداخلة: ما أعرف.
الشيخ: يأكل؛ الله يأكل؟!
مداخلة: نحن نعم .. يأكل معك الرحمن.
الشيخ: يأكل ربنا ﷿؟ لا هذا كفر .. هذا تشبيه الخالق بالمخلوق لا يجوز، غيره؟
مداخلة: بعضهم يقول .. عندك الرحمن.
الشيخ: عندك الرحمن؟
مداخلة: تفضل عندنا .. يقول: عندك الرحمن ..
الشيخ: لا بأس! دعنا نسمع تأويلها ..
مداخلة: يقول: يا شيخ تفضل عندنا معنا، قال: عندك الرحمن يعني: يعتذر ما .. ما تقول: لا، لست آتي .. يأتي بها بلغة لطيفة ..
الشيخ: لا بأس! لكن ما معنى: عندك الرحمن؟
[ ٣ / ١١٨٧ ]
مداخلة: يعني: الرحمن البركة .. الخير .. لست أجلس معك .. عندك الرحمن ..
الشيخ: لكن إذا لم يكن يريد أن يقدم كلمة قاسية يقول كلمة ما تليق شرعًا؟
مداخلة: لأجل خاطره لأنها طيبة.
الشيخ: لأجل خاطره، لكن نحن نريد أن نصحح خاطره.
مداخلة: لا بأس! إذا كان فيها ذم ينهى عنها.
الشيخ: ما يجوز أن يقال: عندك الرحمن؛ لأنه انظر الآن: أهل البدع أهل الحديث والذين يتمسكون بما عليه السلف الصالح والذين يؤمنون بآيات الصفات وأحاديث الصفات يسمون هؤلاء مشبهة .. يقولوا عنهم: مشبهة .. مجمسة، يعني: يقولون عنا أننا مجسمة لماذا؟ لأننا نقول: الرحمن على العرش استوى، أي: استعلى استعلاءً يليق بكماله، فإذا قلت أنت بتفسير هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) استعلى، أي: جلس على العرش فتحت باب الطعن فيك وتأييد قولهم بأنك مجسم، هذا القول: عندك الرحمن، هم ينكرون معنى أن يكون الرحمن على العرش استوى وهي آية نفسرها بما فسرها السلف، أي: استعلى ينكرون المعنى لأنهم يتوهمون أن هذا فيه تشبيه لله ﷿ كأنه جالس على المجلس وهو غني عن العالمين، كيف لو سمعوا بهذا القول: عندك الرحمن، يعني: عندك الرحمن ضيف .. عندك الرحمن جالس .. هذه معاني قبيحة جدًا .. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) ممكن تأويل هذا بمعنى جميل لكن من تأديب الرسول ﵇ لأتباعه المؤمنين قوله: «لا تكلمن بكلام يعتذر به عند الله» كما لم أقصد أن الرحمن هو بذاته تعالى عندك، لكن أنا أقصد خيره ومعونته وبركته إلى آخره فهذا تأويل، التأويل هذا ما فيه خير، في الحديث
[ ٣ / ١١٨٨ ]
الآخر: «إياك وما يعتذر منه» (١) يعني: لا تتكلم بكلام أنت تحتاج إلى أن تقول: والله أنا قصدت كذا ..
مداخلة: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
الشيخ: أحسنت، هذا هو.
"رحلة النور" (٣أ/٢٩: ٠٣: ٠٠).
_________________
(١) صحيح الجامع (٢٦٧١).
[ ٣ / ١١٨٩ ]
موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر
محمد ناصر الدين الألباني
«موسوعة تحتوي على أكثر من
(٥٠) عملًا ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»
العمل الأول
سلسلة جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة
«تحتوي على ما يقارب ألفي مسألة
وفائدة عقدية مستخرجة من تراث العلامة الألباني بعناية»
(٣)
(الإسلام والإيمان والكفر - أهل الأعذار في العقيدة)
الجزء الأول
صَنَعَهُ
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
[ ٤ / ١ ]
كتاب