[ ٩ / ٥ ]
[١٤٤٨] باب حكم من أنكر اليوم الآخر
سؤال: بخصوص في مثل هذه المجالس أحيانًا يتطرق البعض في بعض الأسئلة عن الدنيا والجنة والنار؟ من الجالسين أو من عامة الناس البعض منهم ينكرون الآخرة، وينكرون الجنة، يعني يقولون: أنه إذا مات الميت خلاص راح، مات كالكلب، فمثل هذا الرجل أو هذا القائل يعني ما الحكم في ذلك؟
الشيخ: هذا ليس مسلمًا ولا يهوديًا ولا نصرانيًا، واليهود والنصارى خير منه، يعني هذا زنديق ملحد، لا يؤمن بالله ولا برسوله، وفي القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس:٧٨، ٧٩).
" الهدى والنور" (/٩/ ٢٣: ٤٢: ٠٠)
[ ٩ / ٧ ]
جماع أبواب القيامة الصغرى
(الموت)
[ ٩ / ٩ ]
(تمني الموت)
[١٤٤٩] باب جواز تمني الموت تدينًا، وأن من علامات الساعة تمني الرجل الموت للبلاء والمحن
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه ما به حب لقاء الله ﷿».
[قال الإمام]:
ومعنى الحديث أنه لا يتمنى الموت تدينًا وتقربًا إلى الله وحبًّا في لقائه وإنما لما نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه. ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تدينًا. ولا ينافيه قوله - ﵌ -: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به " لأنه خاص بما إذا كان التمني لأمر دنيوي كما هو ظاهر.
قال الحافظ: " ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف.
قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر ابن الخطاب و ".
"الصحيحة" (٢/ ١٢١).
[ ٩ / ١١ ]
(جماع أبواب تلقين المحتضر وحكم تلقين الميت بعد موته)
[ ٩ / ١٣ ]
[١٤٥٠] باب تلقين المحتضر شهادة التوحيد
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوها موتاكم».
[قال الإمام]:
فيه مشروعية تلقين المحتضر شهادة التوحيد، رجاء أن يقولها فيفلح.
والمراد بـ (موتاكم) من حضره الموت؛ لأنه لا يزال في دار التكليف، ومن الممكن أن يستفيد من تلقينه فيتذكر الشهادة ويقولها، فيكون من أهل الجنة.
وأما تلقينه بعد الموت، فمع أنه بدعة لم ترد في السنة فلا فائدة منه لأنه خرج من دار التكليف إلى دار الجزاء، ولأنه غير قابل للتذكر، ﴿لتنذر من كان حيًّا﴾.
وصورة التلقين أن يؤمر بالشهادة، وما يذكر في بعض الكتب أنها تذكر عنده ولا يؤمر بها خلاف سنه النبي - ﵌ -
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٣٦ - ٨٣٨).
[١٤٥١] باب هل يزاد في تلقين الميت على شهادة أن لا إله إلا الله؟
سؤال: الميت يلقن بشهادة ألا إله إلا الله، فهل يزاد على ذلك أن محمدًا رسول الله، وهل ورد حديث صحيح في هذا؟
الشيخ: لا، الوارد ما تعرفونه: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» يعني: هنا التلقين
[ ٩ / ١٥ ]
بِأُسّ الإسلام الذي يدخل تحته الإيمان بمحمد رسول الله بالأركان الإيمانية كلها وو .. إلخ، فليس الموضع الآن موضع تعليم، وإنما هو موضع تلقين وتذكير بِأُسِّ الإسلام ألا وهو التوحيد، ويكفي -بلاش ما يمكن أن نسميه فلسفة وكثرة كلام- نقول: الرسول قال هكذا: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» بينما في مثل حديث: «أمرت أن أقاتل حتى يشهدوا لا إله إلا الله قال: وأن محمدًا رسول الله» فإذًا: نقف عِنْدَ ما علمنا الرسول ﵇ ولا نزيد على شهادة لا إله إلا الله شيئًا آخر.
"الهدى والنور" (٢٩٩/ ٢٠: ٤٣: ٠٠)
[١٤٥٢] باب أهمية تلقين المحتضر الشهادة وبدعية قراءة يس عنده وجواز حضور المسلم موت الكافر لدعوته
[قال الإمام]:
- فإذا حضره [أي المريض] الموت، فعلى من عنده أمور:
أ - أن يلقنوه الشهادة، لقوله - ﵌ -: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه» وكان يقول: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وفي حديث آخر: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة».أخرجها مسلم في صحيحه.
ب، ج - أن يدعوا له، ولا يقولوا في حضوره إلا خيرًا، لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﵌ -: «إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» أخرجه مسلم والبيهقي (٣/ ٣٨٤) وغيرهما.
[ ٩ / ١٦ ]
- وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه، بل هو أمره بأن يقولها خلافًا لما يظن البعض، والدليل حديث أنس ﵁: «أن رسول الله - ﵌ - عاد رجلًا من الأنصار، فقال: يا خال! قل: لا إله إلا الله، فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي - ﵌ -: نعم». أخرجه الإمام أحمد (٣/ ١٥٢، ١٥٤، ٢٦٨) بإسناد صحيح على شرط مسلم.
- وأما قراءة سورة (يس) عنده، وتو جيهه نحو القبلة فلم يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها، وقال: " أليس الميت امرأ مسلمًا!؟ "وعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن فغشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة. فأفاق، فقال: حولتم فراشي!؟ فقالوا نعم، فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه بعلمك؟ فقال: أنا أمرتهم! فأمر سعيد أن يعاد فراشه. أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/ ٧٦) بسند صحيح عن زرعة.
- ولا بأس في أن يحضر المسلم وفاة الكافر ليعرض الإسلام عليه، رجاء أن يسلم، لحديث أنس ﵁ قال: "كان غلام يهودي يخدم النبي - ﵌ - فمرض، فأتاه النبي - ﵌ - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال له: أطع أبا القاسم - ﵌ - فأسلم، فخرج النبي - ﵌ - وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار»، (فلما مات، قال: صلوا على صاحبكم) ".أخرجه البخاري والحاكم والبيهقي وأحمد (٣/ ١٧٥،٢٢٧، ٢٨٠،٢٦٠) والزيادة له في رواية.
"أحكام الجنائز" (ص١٩ - ٢١).
[ ٩ / ١٧ ]
[١٤٥٣] باب حكم تلقين الميت الشهادة بعد موته
سؤال: فضيلة الشيخ حفظكم الله! ما حكم تلقين الميت للشهادة بعد قبره؟
الشيخ: هذا التلقين الذي يفعل في بعض البلاد الإسلامية عمدته حديث لا يصح بوجه من الوجوه، وكم دَفَنَ النبي - ﵌ - من أصحابه من الشهداء وغيرهم ولم ينقل عنه ولا في حديث واحد من فعله ﵇ ولو كان حديثًا ضعيفًا أنه بعد أن دفن الميت أخذ ﵇ يلقنه هذا التلقين: إذا جاءاك فسألاك من ربك فقل: ربي الله إلى آخره، هذا لم يرد من فعله ﵇ مطلقًا وإنما جاء في حديث من حديث أبي أمامة أو ثوبان الآن أنا أشك في معجم الطبراني الكبير وفي إسناده ضعف مذكور في محله.
فهذا التلقين لا يجوز اتخاذه سنةً؛ لأن عمل الرسول ﵇ لم يكن عليه ومن عجب أن التلقين المشروع لا يأخذ اهتمامهم كما يهتمون بهذا التلقين غير المشروع، أعني بالتقلين المشروع: ما جاء به الحديث الصحيح من غير ما طريق واحد ألا وهو قوله ﵊: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» لقنوا موتاكم، أي: الذين حضرهم الموت وأشرفوا على الموت وهم لا يزالون في قيد الحياة؛ لأن هذا التلقين قد ينفعهم؛ لأن الرسول ﵇ ثبت عنه أنه قال: «إن الله ﵎ يقبل توبة عبده ما لم يغرغر» (١).
فإذا كان فضل الله ﷿ واسعًا إلى درجة أنه يقبل توبة عباده أو عبده قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم فحينئذٍ يؤمل ويرجى أن المحتضر إذا قيل له: قل: لا إله إلا الله، أن يستجيب لهذا القول ولهذا الأمر فيكون آخر قوله شهادة أن لا إله إلا
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم ١٩٠٣).
[ ٩ / ١٨ ]
الله، ويكون ذلك بشرى له بحسن خاتمته، فهذا التلقين هو المشروع، .. «لقنوا موتاكم» أي: الذين حضرهم الموت لا إله إلا الله، أما تلقين الميت الذي وضع في قبره فلا يفيده شيئًا؛ لأنه انتهى أجله إن صالحًا فصالح وإن طالحًا فطالح ولا يفيده هذا التلقين المبتدع، بل أنا أقول: هذا التلقين يشبه نوعًا من التلقين معروف بين الناس في هذا الزمان وهم الطلبة في المدارس، إذا أحدهم لقن جاره في أثناء الامتحان قد يكون سببًا لسقوطه؛ لأنه تلقن ما لا ينبغي أن يتلقنه؛ لأنه هذا الذي كان قد لقنه كان ينبغي عليه أن يصل إليه بجهده وتعبه ونصبه، أما أن يستفيد من جهود غيره فسوف لا يستفيد، كذلك هذا الميت الذي دفن في قبره فتلقينه لا يفيده شيئًا مطلقًا.
«من مات وكان آخر ما قال: لا إله إلا الله» أو كما قال ﵊.
بهذه المناسبة تلقين المحتضر: هناك بعض العلماء يقولون، وفي زعمي قولهم هذا يشبه الفلسفة التي لا أصل لها في الشرع بل ولا في العقل، يقولون: لا ينبغي للملقن لمن حضره الموت أن يقول له: قل لا إله إلا الله، وإنما هو يذكر الله ويقول: لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله تسميعًا للمحتضر لعله يتنبه من غفلته في تلك الساعة الخطيرة ويقول: لا إله إلا الله، لماذا يقول هذا البعض، أنه لا ينبغي أن يأمره بلا إله إلا الله؟ خشية أن يرفض الأمر فيكون عاقبة أمره الموت على كفر والعياذ بالله، هكذا زعموا.
لكني أقول: قد جاء في السنة الصحيحة ما يبين أن قوله ﵇: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» إنما يعني أمر المحتضر بأن يقول: لا إله إلا الله، جاء هذا في صحيح البخاري حينما مرض غلام من اليهود كان يخدم النبي - ﵌ -، فعاده النبي - ﵌ - فوجده في حضرة الموت، فقال له ﵊: «قل: لا إله إلا الله»
[ ٩ / ١٩ ]
هذا هو التلقين.
وبهذا ينبغي أن نأخذ فائدة وهي: أن أقوال النبي - ﵌ - يجب تفسيرها بأفعاله ﵊ فالسنة القولية تبين بالسنة الفعلية، «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» قيل كما سمعتم آنفًا أنه يقول في حضرة المحتضر: لا إله إلا الله، ولا يخاطبه بقوله: قل: لا إله إلا الله، فجاءت السنة الفعلية مبينة أن المقصود من: «لقنوا موتاكم» هو أن يؤمر بأن يقول: لا إله إلا الله، هذا ما فعله الرسول ﵊ حينما عاد هذا الغلام اليهودي الذي كان يخدم النبي - ﵌ - وهو يهودي ابن يهودي، ولكن الرسول ﵊ هو من أكرم الناس خلقًا ولو كان هذا الغلام يهوديًا فقد عاده، ولكنه ﵊ يهتبل كل فرصة ليبلغ الناس العلم والدين فاغتنمها فرصة وقال له: «» يا غلام! قل: لا إله إلا الله» وعلى رأس الغلام والده اليهودي فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يقول له ما رأيك .. هاأنت تسمع محمدًا ﵊ يقول لي: قل: لا إله إلا الله، فالخبيث وهذا شأن الكفار كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦) هو يعرف أن دعوة الرسول حق ولكن كما قال أيضًا في الآية الأخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) لما رأى اليهودي ابنه في طريق الموت وأنه لا حياة له بعد ذلك قال له: أطع أبا القاسم، أبا القاسم يقول لابن اليهودي، قل: لا إله إلا الله، واليهودي الوالد يكفر بلا إله إلا الله، ولكن لما رأى ولده أنه في طريق الموت ولا نجاة له إذا مات يهوديًا قال له: أطع أبا القاسم، أما هو فلا يزال عاصيًا لأبي القاسم عنادًا وكفرًا وضلالًا.
الشاهد، قال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وخرجت روحه، فقال ﵊: «الحمد لله الذي نجاه بي من النار» فهذا هو التلقين المشروع أن يقال للمحتضر: قل: لا إله إلا الله، أما تلقينه وهو في قبره فلا يفيده شيئًا سواء عند
[ ٩ / ٢٠ ]
دفنه أو بعد دفنه وهو ميت لا حراك له ولا يسمع ما يلقن ولو سمع لما استجاب؛ لأنه خرج بما حصله في الدنيا من إيمان وعمل صالح، أو كفر وعمل طالح.
أسأل الله ﵎ أن يوفقنا لفهم الإسلام فهمًا صحيحًا وأن يرزقنا العلم الصالح، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
"رحلة النور" (٨أ/٠٠:٤٤:٠٣) و(٨ب/٠٠:٠٠:٠٠)
[١٤٥٤] باب التلقين بعد الموت من محدثات الأمور
[ذكر الآلوسي في"الآيات البينات" عن ابن الهمام أنه قال: وأما التلقين من بعد الموت وهو في القبر: فقيل: يفعل .. ونسب لأهل السنة والجماعة وخلافه إلى المعتزلة وقيل: لا يؤمر به ولا ينهى عنه.
فعلق الألباني قائلًا]:
هذا مردود؛ لأن التلقين تذكير ليس أمرًا دنيويًا أو عاديًاّ حتى يصح فيه ما ذكره، وإنما هو أمر تعبدي محض، فإما أن يكون مشروعًا فيؤمر به حينئذ ولو أمر استحباب، وإما أن يكون غير مشروع فينهى عنه؛ لأنه يكون والحالة هذه من محدثات الأمور، وهي منهي عنها. فتنبه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٢).
[١٤٥٥] باب منه
[قال الإمام]:
التلقين بعد الدفن .. لم يرد فيه حديث تقوم به حجة.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٥).
[ ٩ / ٢١ ]
[١٤٥٦] باب منه
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات " عن ابن حجر الهيتمي رد قول العز ابن عبد السلام أن التلقين بعد الدفن بدعة، فعلق الألباني قائلًا]:
قلت: بل قوله [أي قول العز] هو الصواب لأن التلقين مع ضعف حديثه مخالف لهديه - ﷺ -؛ فإنه ثبت أنه كان إذا دفن الميت وقف على قبره يدعو له بالتثبيت ويستغفر له ويأمر الحاضرين بذلك، فما خالفه فهو بدعة دون شك، وقد جزم بذلك الإمام الصنعاني وقد فصلت هذا بعض الشيء في " أحكام الجنائز " (ص ١٥٥ - ١٥٦) فراجعه إن شئت.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٩).
[ ٩ / ٢٢ ]
(مبشرات حسن الخاتمة)
[١٤٥٧] باب علامات حسن الخاتمة
[قال الإمام]:
إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة - كتبها الله تعالى لنا بفضله ومَنِّه - فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له، ويا لها من بشارة.
الأولى: نطقه بالشهادة عند الموت وفيه أحاديث.
١ - " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ".أخرجه الحاكم وغيره بسند حسن عن معاذ.
٢ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: " رأى عمر طلحة بن عبيد الله ثقيلًا، فقال: مالك يا أبا فلان؟ لعلك ساءتك امرأة عمك يا أبا فلان؟ قال: لا -[وأثنى على أبي بكر] إلا أني سمعت من رسول الله ﷺ حديثا ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات، سمعته يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونَفَّس الله عنه كربته، قال: فقال عمر: إني لأعلم ما هي! قال: وما هي؟ قال: تعلم كلمة أعظم من كلمة أمر بها عمه عند الموت: لا إله الله؟ قال طلحة: صدقت، هي والله هي ". أخرجه الإمام أحمد (رقم ١٣٨٤) وإسناده صحيح، وابن حبان بنحوه، والحاكم (١/ ٣٥٠،
[ ٩ / ٢٣ ]
٣٥١) والزيادة له، وقال " صحيح على شرطهما " ووافقه الذهبي.
الثانية: الموت برشح الجبين، لحديث بريدة بن الحصيب ﵁: " أنه كان بخراسان، فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: موت المؤمن بعرق الجبين ".
أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٧،٣٦٠) والسياق له، والنسائي (١/ ٢٥٩) والترمذي (٢/ ١٢٨) وحسنه، وابن ماجه (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤) وابن حبان (٧٣٠) والحاكم (١/ ٧٦١) والطيالسي (٨٠٨) وقال الحاكم: " صحيح عل شرط مسلم " ووافقه الذهبي! وفيه نظر لا مجال لذكره هنا، لا سيما وأن أحد إسنادي النسائي صحيح على شرط البخاري.
وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. رواه الطبراني في " الاوسط " و" الكبير " ورجاله ثقات رجال الصحيح، كما في " المجمع " (٢/ ٣٢٥).
الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها، لقوله ﷺ:" ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أي ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر ".
أخرجه أحمد (٦٥٨٢ - ٦٦٤٦) من طريقين عن عبد الله بن عمرو، والترمذي من أحد الوجهين، وله شواهد عن أنس وجابر بن عبد الله، وغيرهما، فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح.
الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال، قال الله تعالى: [ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله،
[ ٩ / ٢٤ ]
ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾] (آل عمران: ١٦٩).
وفي ذلك أحاديث:
١ - " للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه ".
أخرجه الترمذي (٣/ ١٧) وصححه، وابن ماجه (٢/ ١٨٤) وأحمد (١٣١) وإسناده صحيح، ثم أخرجه (٤/ ٢٠٠) من حديث عبادة بن الصامت ومن حديث قيس الجذامي (٤/ ٢٠٠) وإسنادهما صحيح أيضا.
٢ - عن رجل من أصحاب النبي - ﵌ -: " أن رجلا قال: يا رسول الله ما
بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على
رأسه فتنة".
رواه النسائي (١/ ٢٨٩) وعنه القاسم السرقسطي في " الحديث " (٢/ ١٦٥/١) وسنده صحيح.
(تنبيه): ترجى هذه الشهادة لمن سألها مخلصا من قلبه ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة، بدليل قوله ﷺ: " من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ".
أخرجه مسلم (٢/ ٤٩) والبيهقي (٩/ ١٦٩) عن أبي هريرة. وله في "المستدرك " (٢/ ٧٧) شواهد.
[ ٩ / ٢٥ ]
الخامسة: الموت غازيًا في سبيل الله، وفيه حديثان:
١ - " ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يارسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل، قالوا: فمن هم يارسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن (١) فهو شهيد، والغريق شهيد ".
أخرجه مسلم (٦/ ٥١) وأحمد (٢/ ٥٢٢) عن أبي هريرة. وفي الباب عن عمر عند الحاكم (٢/ ١٠٩) والبيهقي.
٢ - " من فصل (أي خرج) في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو وَقَصَه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وإن له الجنة ".
أخرجه أبو داود (١/ ٣٩١) والحاكم (٢/ ٧٨) والبيهقي (٩/ ١٦٦) من حديث أبي مالك الاشعري، وصححه الحاكم، وإنما هو حسن فقط.
السادسة: الموت بالطاعون، وفيه أحاديث:
١ - عن حفصة بنت سيرين: قال لي أنس بن مالك: بم مات يحيى بن أبي عمرة؟ قلت: بالطاعون، فقال: قال رسول الله ﷺ: " الطاعون شهادة لكل مسلم ". أخرجه البخاري (١٠/ ١٥٦ - ١٥٧) والطيالسي (٢١١٣) وأحمد (٣/ ١٥٠، ٢ ٢٠، ٢٢٣، ٢٥٨ - ٢٦٥).
_________________
(١) أي بداء البطن وهو الاستسقاء وانتفاخ البطن. وقيل: هو الإسهال، وقيل: الذي يشتكي بطنه. [منه].
[ ٩ / ٢٦ ]
٢ - عن عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون؟ فأخبرها نبي الله ﷺ: "أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ماكتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد.
أحرجه البخاري (١٠/ ١٥٧ - ١٥٨) والبيهقي (٣/ ٣٧٦) وأحمد (٦/ ٦٤،١٤٥،٢٥٢).
٣ - " يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دما ريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك ".
أخرجه الامام أحمد (٤/ ١٨٥) والطبراني في " الكبير " (مجموع ٦/ ٥٥ / ٢) بسند حسن كما قال الحافظ (١٠/ ١٥٩) عن عتبة بن عبد السلمي ﵁.
وله شاهد من حديث العرباض بن سارية ﵁ أخرجه النسائي (٢/ ٦٣) وأحمد (٤/ ١٢٨، ١٢٩) والطبراني وحسنه الحافظ أيضا، وهو حسن في الشواهد.
السابعة: الموت بداء البطن، وفيه حديثان:
١ - " ومن مات في البطن فهو شهيد ".رواه مسلم وغيره.
٢ - عن عبد الله بن يسار قال: " كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذ كروا رجلا توفي، مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته فقال أحمد هما للاخر: ألم يقل رسول الله ﷺ: " من يقتله بطنه
[ ٩ / ٢٧ ]
فلن يعذب في قبره "؟ فقال الآخر: بلى وفي رواية " صدقت ".
أخرجه النسائي (١/ ٢٨٩) والترمذي (٢/ ١٦٠) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (رقم ٧٢٨ - موارد) والطيالسي (١٢٨٨) وأحمد (٤/ ٢٦٢) وسنده صحيح.
الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم، لقوله ﷺ: " الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله". أخرجه البخاري (٦/ ٣٣ - ٣٤) ومسلم (٦/ ٥١) والترمذي (٢/ ١٥٩) وأحمد (٢/ ٣٢٥، ٥٣٣) من حديث أبي هريرة.
العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، لحديث عبادة بن الصامت: " إن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة قال: فما تحوز (١) له عن فراشه، فقال: أتدري مَن شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل! قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء (٢) شهادة، (يجرها ولدها بسرره (٣) إلى الجنة) ".
أخرجه أحمد (٤/ ٢٠١ - ٥/ ٣٢٣) والدارمي (٢/ ٢٠٨) والطيالسي (٥٨٢) وإسناده صحيح.
وله في " المسند " (٤/ ٣١٥، ٣١٧، ٣٢٨) طرق أخرى.
وفي الباب عن صفوان بن إمية عند الدارمي والنسائي (١/ ٢٨٩) وأحمد
_________________
(١) بالحاء المهملة والواو المشددة، أي: تنحى. [منه]
(٢) هي التي تموت، وفي بطنها ولد. انظر كلام " النهاية " في التعليق الاتي قريبا. [منه]
(٣) السرة ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة، والسرر ما تقطعه، وهو السر بالضم أيضا. [منه]
[ ٩ / ٢٨ ]
(٦/ ٤٦٥) -٤٦٦).
وعن عقبه بن عامر، عند النسائي (٢/ ٦٢ - ٦٣).
وعن راشد بن حبيش عند أحمد (٣/ ٢٨٩)، ورجاله ثقات، وقال المنذري في " الترغيب " (٢/ ٢٠١): " إسناده حسن" وفيه الزيادة وهي في حديث عبادة عند الطيالسي وأحمد.
الحادية عشر، والثانية عشر: الموت بالحرق، وذات الجنب (١) وفيه أحاديث، أشهرها عن جابر بن عتيك مرفوعًا: " الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع (٢) شهيدة ".
أخرجه مالك (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣) وأبو داود (٢/ ٢٦) والنسائي (١/ ٢٦١) وابن ماجه (٢/ ١٨٥ - ١٨٦) وابن حبان في صحيحه (١٦١٦ - موارد) والحاكم (١/ ٣٥٢) وأحمد (٥/ ٤٤٦) وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "! ووافقه الذهبي! ولست أشك في صحة متنه، لأن له شواهد كثيرة، تقدم أكثرها وروي الطبراني من حديث ربيع الأنصاري مرفوعا به نحوه دون ذكر الهدم. قال المنذري وتبعه الهيثمي (٥/ ٣٠٠): " ورواته محتج بهم في الصحيح ".
_________________
(١) هي ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع. [منه]
(٢) في " النهاية ": " أي تموت وفي بطنها ولد، وقيل التي تموت بكرًا، والجمع بالضم بمعنى المجموع، كذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعنى أنها ماتت مع شئ مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة " قلت: والمراد هنا الحمل قطعا بدليل الحديث المتقدم في " العاشرة " بلفظ " يقتلها ولدها جمعاء ". [منه]
[ ٩ / ٢٩ ]
وروى أحمد (٤/ ١٥ ٧) من حديث عقبة بن عامر مرفوعا بلفظ: " الميت من ذات الجنب شهيد ".
وسنده حسن في الشواهد، وقا جاءت هذه الجملد في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدم في " الخامسة " أخرجه أحمد (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢) وفيه محمد بن اسحاق وهو مدلس وقد عنعنه.
الثالثة عشر: الموت بداء السل لقوله - ﵌ -: «القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة، والحرق (١) شهادة والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة». قال في "مجمع الزوائد " (٢/ ٣١٧ - ٣٠١):"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مندل بن علي، وفيه كلام كثير وقد وثق ".فقد زاد فيه أحمد في رواية له: "والسل ".
ورجاله موثقون، وحسنه المنذري كما سبق، وله شاهد آخر في"المجمع".
الرابعة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه، وفيه أحاديث:
١ - "من قتل دون ماله، [وفي رواية: من أريد ماله بغير حق فقاتل، فقتلٍ] فهو شهيد". أخرجه البخاري (٥/ ٩٣) ومسلم (١/ ٨٧) وأبو داود (٢/ ٢٨٥) والنسائي (٢/ ١٧٣) والترمذي (٢/ ٣١٥) وصححه وابن ماجه (٢/ ١٢٣) وأحمد (١٦ ٦٨، ٦٨٢٣، ٦٨٢٩) كلهم بالرواية الثانية إلا البخاري ومسلم فبالأولى، وهي رواية للنسائي والترمذي وأحمد (٦٨٢٢) عن عبد الله
بن عمرو.
_________________
(١) بفتحتين، وكذا (الغرق)، كما في " حاشية المسند " (ق ٣٠١/ ١) مكتبة شيخ الاسلام في المدينة.
[ ٩ / ٣٠ ]
وفي الباب عن سعيد بن زيد، ويأتي في الخامسة عشرة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﵌ -، فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قاتله، قال: أرأيت إن قتلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار».
أخرجه مسلم (١/ ٨٧)،وأخرجه النسائي (٢/ ١٧٣) وأحمد (١/ ٣٣٩ - ٣٦٠) من طريق أخرى عنه.
عن مخارق ﵁: " جاء رجل إلى النبي - ﵌ - فقال: «الرجل يأتي فيريد مالي؟ قال: ذكره بالله، قال فإن لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإن نأى السلطان عني [وعجل علي]؟ قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك».
أخرجه النسائي وأحمد (٥/ ٢٩٤،٢٩٤،٢٩٥) والزيادة له وسنده صحيح على شرط مسلم.
الخامسة عشر، والسادسة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس، وفيه حديثان:
١ - " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٢٧٥) والنسائي والترمذي (٢/ ٣١٦) وصححه، وأحمد (١٦٥٢) ١٦٥٣) عن سعيد بن زيد، وسنده صحيح.
[ ٩ / ٣١ ]
٢ - " من قتل دون مظلمته فهو شهيد " (١).
أخرجه النسائي (٢/ ١٧٣ - ١٧٤) من حديث سويد بن مقرن، وأحمد (٢٧٨٠) من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح إن سلم من الانقطاع بين سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس، لكن أحد الطريقين يقوى الأخرى، وفي الأولى من لم يوثقه غير ابن حبان.
السابعة عشرة: الموت مرابطًا في سبيل الله، ونذكر فيه حديثين:
"رباط يومٍ وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان ".
رواه مسلم (٦/ ٥١) والنسائي (٢/ ٦٢) والترمذي (٣/ ١٨) والحاكم (٢/ ٨٠) وأحمد (٥/ ٤٤٠، ٤٤١) من حديث سلمان الفارسي، ورواه الطبراني وزاد:" وبعث يوم القيامة شهيدا ".لكن في سنده من لم يعرفهم الهيثمي في " مجمعه " (٥/ ٢٩٠)، وسكت عليه المنذري في" ترغيبه " (٢/ ١٥٠).
" كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر ".
أخرجه أبو داود (١/ ٣٩١) والترمذي (٣/) وصححه، والحاكم (٢/ ١٤٤) وأحمد (٦/ ٢٠) من حديث فضالة بن عبيد، وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين"!
الثامنة عشر: الموت على عملٍ صالحٍ لقوله - ﵌ -: «من قال: لا إله إلا الله
_________________
(١) قلت: وهذا بإطلاقه يشمل الانواع الاربعة المذكورة في الحديث الاول وغيرها. [منه]
[ ٩ / ٣٢ ]
ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة».
أخرجه أحمد (٥/ ٣٩١) عن حذيفة قال:" أسندتُ: النبي - ﵌ - وإلى صدري فقال " فذكره.
وإسناده صحيح، وقال المنذري (٢/ ٦١) " لا بأس به".
"أحكام الجنائز" (ص٤٨ - ٥٩) بتصرف.
[١٤٥٨] باب من المبشرات بحسن الخاتمة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من ختم له بإطعام مسكين محتسبا على الله ﷿ دخل الجنة، من ختم له بصوم يوم محتسبا على الله ﷿ دخل الجنة، من ختم له بقول لا إله إلا الله محتسبا على الله ﷿ دخل الجنة».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٢٠٠).
[ ٩ / ٣٣ ]
[١٤٥٩] باب هل بياض جلد الميت أو ابتسامه أو شم رائحة طيبة منه من علامات حسن الخاتمة؟
مداخلة: هل من علامات حسن الخاتمة رؤية المغسل بياض جلد الميت، أو يرى أنه يبتسم، وكذا بالنسبة لما نسمعه عن المجاهدين في أفغانستان بعد موت أحدهم من شم رائحة المسك؟
الشيخ: أما ما ذكر قبل رائحة المسك فلا يوجد شيء يستلزم أن يكون ذلك من البشائر، أما رائحة المسك فككرامة يمكن أن يكون ذلك، ولكن القضية تحتاج إلى تَرَوِّي وتَبَصُّر في رواية هذه القصص التي تنقل عن بعض المجاهدين من فوحان رائحة المسك بالنسبة لبعضهم فقد تناقضت الأقوال في هذه المسألة فبعضهم أنكرها أشد الإنكار، وبعضهم أقرها مؤكدًا بصحتها، ومنهم الشيخ عبد الله عزام ﵀ أكد ذلك في غير ما حديث له، بل لعلكم اطلعتم على رسالة له في ذلك، ثم أشيع عنه لما قتل ﵀ أيضًا أنه شموا منه الرائحة الطيبة، فأنا أقول: هذا ممكن لأن ربنا ﷿ يكرم بعض عباده بما يشاء، أما هل هذا وقع أو لا فأنا لست شاهدًا ولست مصدقًا ولا مكذبًا.
"رحلة النور" (٢٩ب/٠٠:٣٨:٣٦)
[ ٩ / ٣٤ ]
جماع أبواب
الكلام على انتفاع الميت بعمل غيره من عدمه
[ ٩ / ٣٥ ]
[١٤٦٠] باب ما ينتفع به الميت بعد موته
[قال الإمام]:
ينتفع الميت من عمل غيره بأمور:
أولًا: دعاء المسلم له، إذا توفرت فيه شروط القبول، لقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ (سورة الحشر:١٠).
وأما الأحاديث فهي كثيرة جدًا ومنها قوله - ﵌ -: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» أخرجه مسلم (٨/ ٨٦،٨٧) والسياق له، وأبو داود (١/ ٢٤٠) وأحمد (٦/ ٤٥٢) من حديث أبي الدرداء بل، إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك، لأن غالبها دعاء للميت واستغفار له
ثانيًا: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه، وفيه أحاديث:
الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﵌ - قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه».أخرجه البخاري (٤/ ١٥٦) ومسلم (٣/ ١٥٥) وأبو داود (١/ ٣٧٦)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٧٩) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١٤٠،١٤١) وأحمد (٦/ ٦٩).
الثاني: عن ابن عباس ﵁: " أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرا، فأنجاها الله ﷿، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها [إما أختها أو ابنتها] إلى النبي - ﵌ -، فذكرت ذلك له، فقال:
[ ٩ / ٣٧ ]
[أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى]، [فـ] اقض [عن أمك]). أخرجه أبو داود (٢/ ٨١) والنسائي (٢/ ١٤٣) والطحاوي (٣/ ١٤٠) والبيهقي (٤/ ٢٥٥،٢٥٦،١٠/ ٨٥) والطيالسي (٢٦٣٠) وأحمد (١٨٦١،١٩٧٠،٣١٣٧،٣٢٢٤،٣٤٢٠) والسياق مع الزيادة الثانية له، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والزيادة الأولى لأبي داود والبيهقي.
وأخرجه البخاري (٤/ ١٥٨ - ١٥٩) ومسلم (٣/ ١٥٦) والترمذي (٢/ ٤٢ - ٤٣) وصححه، وابن ماجه (١/ ٥٣٥) بنحوه، وفيه عندهم جميعًا الزيادة الثانية، وعند مسلم الأخيرة.
الثالث: عنه أيضا: "أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله - ﵌ - فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: اقضه عنها ".أخرجه البخاري (٥/ ٤٠٠، ٤٩٤) ومسلم (٦/ ٧٦) وأبو داود (٢/ ٨١) والنسائي (٢/ ١٣٠،١٤٤) والترمذي (٢/ ٣٧٥) وصححه البيهقي (٤/ ٢٥٦،٦/ ٢٧٨،١٠/ ٨٥) والطيالسي (٢٧١٧) وأحمد (١٨٩٣،٣٠٤٩، ٦/ ٤٧)
ثالثًا: قضاء الدين عنه من أي شخص وليًاّ كان أو غيره، وفيه أحاديث كثيرة
رابعًا: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجره شيء، لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله ﷿ يقول: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، وقال رسول الله - ﵌ -: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه».أخرجه أبو داود (٢/ ١٠٨) والنسائي (٢/ ٢١١) والترمذي (٢/ ٢٨٧) وحسنه، والدارمي (٢/ ٢٤٧) وابن ماجه (٢/ ٢ - ٤٣٠) والحاكم (٢/ ٤٦) والطيالسي (١٥٨٠) وأحمد (٦/ ٤١،١٢٦،١٢٧،١٦٢،١٧٣،١٩٣،٢٠١،٢٠٢)
[ ٩ / ٣٨ ]
وقال الحاكم: " صحيج على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وهو خطأ من وجوه لا يتسع المجال لبيانها، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو.
رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد (٢/ ١٧٩،٢٠٤،٢١٤) بسند حسن.
ويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث، أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه، وهي هذه:
الأول: عن عائشة ﵂:" أن رجلا قال: إن أمي افتلتت (١) نفسها [ولم توص]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها [ولي أجر]؟ قال: نعم، [فتصدق عنها] " أخرجه البخاري (٣/ ١٩٨،٥/ ٣٩٩ - ٤٠٠) ومسلم (٣/ ٨١،٥/ ٧٣) ومالك في (الموطأ) (٢/ ٢٢٨) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٢٩) وابن ماجه (٢/ ١٦٠) والبيهقي (٤/ ٦٢،٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨) وأحمد (٦/ ٥١).
والسياق للبخاري في إحدى روايتيه، والزيادة الأخيرة له في الرواية الأخرى، وابن ماجه، وله الزيادة الثانية، ولمسلم الأولى.
الثاني: عن ابن عباس ﵁:" أن سعد بن عبادة-أخا بني ساعدة-توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائط المخراف (٢) صدقة عليها".أخرجه البخاري (٥/ ٢٩٧،٣٠١،٣٠٧) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٣٠) والترمذي (٢/ ٢٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد
_________________
(١) بضم المثناة وكسر اللام، أي سلبت، على ما لم يسم فاعله، أي ماتت فجأة. [منه]
(٢) أي المثمر، سمي بذلك لما يخرف منه أي يجي من الثمرة. [منه]
[ ٩ / ٣٩ ]
(٣٠٨٠ - ٣٥٠٤ - ٣٥٠٨) والسياق له.
الثالث: عن أبي هريرة ﵁: " أن رجلا قال للنبي - ﵌ -: إن أبي مات وترك مالًا ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم ". أخرجه مسلم (٥/ ٧٣) والنسائي (٢/ ١٢٩) وابن ماجه (٢/ ١٦٠) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد (٢/ ٣٧١).
الرابع: عن عبد الله بن عمرو: «أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول الله - ﵌ -، فأتى النبي - ﵌ - فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، وإن هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله - ﵌ -: «إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك، (وفي رواية): فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك». أخرجه أبو داود في آخر"الوصايا" (٢/ ١٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٩) والسياق له، وأحمد (رقم ٦٧٠٤) والرواية الأخرى له، وإسنادهم حسن.
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/ ٧٩): "وأحاديث الباب تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾. ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العموميات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها، حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها".
[ ٩ / ٤٠ ]
قلت: وهذا هو الحق الذي تقتضيه القواعد العلمية، أن الآية على عمومها وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إلى الوالد لأنه من سعيه بخلاف غير الولد، لكن قد نقل النووي وغيره الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت ويصله ثوابها، هكذا قالوا (الميت) فأطلقوه ولم يقيدوه بالوالد، فإن صح هذا الإجماع كان مخصصًا للعمومات التي أشار إليها الشوكاني فيها يتعلق بالصدقة، ويظل ما عداها داخلا في العموم كالصيام وقراءة القرآن ونحوهما من العبادات، ولكنني في شك كبير من صحة الإجماع المذكور، وذلك لأمرين: الأول: أن الإجماع بالمعنى الأصولي لا يمكن تحققه في غير المسائل التي علمت من الدين بالضرورة، كما حقق ذلك العلماء الفحول، كابن حزم في "أصول الأحكام" والشوكاني في "إرشاد الفحول" والأستاذ عبد الوهاب خلاف في كتابه "أصول الفقه" وغيرهم، وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد في كلمته المشهورة في الرد على من ادعى الإجماع - ورواها عنه ابنه عبد الله بن أحمد في "المسائل".
الثاني: أنني سبرت كثيرا من المسائل التي نقلوا الإجماع فيها، فوجدت الخلاف فيها معروفًا! بل رأيت مذهب الجمهور على خلاف دعوى الإجماع فيها، ولو شئت أن أورد الأمثلة على ذلك لطال الكلام وخرجنا به عما نحن بصدده. فحسبنا الآن أن نذكر بمثال واحد، وهو نقل النووي الإجماع على أن صلاة الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة! مع أن الخلاف فيها قديم معروف، وأكثر أهل العلم على خلاف الإجماع المزعوم، كما سبق تحقيقه في المسألة (٨٧)، ويأتي لك مثال آخر قريب إن شاء الله تعالى.
وذهب بعضهم إلى قياس غير الوالد على الوالد، وهو قياس باطل من وجوه:
[ ٩ / ٤١ ]
الأول: أنه مخالف العموميات القرآنية كقوله تعالى ﴿ومن تزكى فإنما يتزكي لنفسه﴾ وغيرها من الآيات التي علقت الفلاح ودخول الجنة بالأعمال الصالحة، ولا شك أن الوالد يزكي نفسه بتربيته لولده وقيامه عليه فكان له أجره بخلاف غيره.
الثاني: أنه قياس مع الفارق إذا تذكرت أن الشرع جعل الولد من كسب الوالد كما سبق في حديث عائشة فليس هو كسبا لغيره، والله ﷿ يقول: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ ويقول: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾. وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله عز وحل: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾: " أي كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله - ﵌ - أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء " وقال العز بن عبد السلام في "الفتاوى" (٢٤/ ٢ - عام ١٦٩٢): "ومن فعل طاعة الله تعالى، ثم أهدى ثوابها إلى حي أو ميت، لم ينتقل ثوابها إليه، إذ ﴿ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، فإن شرع في الطاعة ناويًا أن يقع عن الميت لم يقع عنه، إلا فيما استثناه الشرع كالصدقة والصوم والحج".
وما ذكره ابن كثير عن الشافعي رحمه الله تعالى هو قول أكثر العلماء وجماعة من، الحنفية كما نقله الزبيدي في "شرح الإحياء" (١٠/ ٣٦٩).
[ ٩ / ٤٢ ]
قلت: ومما سبق تعلم بطلان الإجماع الذي ذكره ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٥٦٩) على وصول ثواب القراءة إلى الموتى، وكيف لا يكون باطلًا، وفي مقدمة المخالفين الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وهذا مثال آخر من أمثلة ما ادعى فيه الإجماع وهو غير صحيح، وقد سبق التنبيه على هذا قريبًا.
الثالث: أن هذا القياس لو كان صحيحًا، لكان من مقتضاه استحباب إهداء الثواب إلى الموتى ولو كان كذلك لفعله السلف، لأنهم أحرص على الثواب منا بلا ريب، ولم يفعلوا ذلك كما سبق في كلام ابن كثير، فدل هذا على أن القياس المذكور غير صحيح، وهو المراد.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في " الاختيارات العلمية " (ص ٥٤): "ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعًا أو صاموا تطوعًا أو حجوا تطوعا، أو قرؤوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل".
وللشيخ رحمه الله تعالى قول آخر في المسألة، خالف فيه ما ذكره آنفا عن السلف، فذهب إلى أن الميت ينتفع بجميع العبادات من غيره!. وتبنى هذا القول وانتصر له ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الروح" بما لا ينهض من القياس الذي سبق بيان بطلانه قريبًا، وذلك على خلاف ما عهدناه منه ﵀ من ترك التوسع في القياس في الأمور التعبدية المحضة لاسيما ما كان عنه على خلاف ما جرى عليه السلف الصالح ﵃ وقد أورد خلاصة كلامه العلامة السيد محمد رشيد رضا في "تفسير المنار" (٨/ ٢٥٤ - ٢٧٠) ثم رد عليه ردًّا قويًّا، فليراجعه من شاء أن يتوسع في المسألة ..
[ ٩ / ٤٣ ]
وقد استغل هذا القول كثير من المبتدعة، واتخذوه ذريعة في محاربة السنة، واحتجوا بالشيخ وتلميذه على أنصار السنة وأتباعها، وجهل أولئك المبتدعة أو تجاهلوا أن أنصار السنة، لا يقلدون في دين الله تعالى رجلا بعينة كما يفعل أولئك! ولا يؤثرون على الحق الذي تبين لهم قول أحد من العلماء مهما كان اعتقادهم حسنًا في علمه وصلاحه، وأنهم إنما ينظرون إلى القول لا إلى القائل، وإلى الدليل، وليس إلى التقليد، جاعلين نصب أعينهم قول إمام دار الهجرة "ما منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر"! وقال: "كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر".
وإذا كان من المسلَّم به عند أهل العلم أن لكل عقيدة أو رأى يتبناه في هذه الحياة أثرًا في سلوكه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فإن من المسلَّم به أيضًا، أن الأثر يدل على المؤثر، وأن أحدهما مرتبط بالآخر، خيرًا أو شرًّا كما ذكرنا، وعلى هذا فلسنا نشك أن لهذا القول أثرًا سيئًا في من يحمله أو يتبناه، من ذلك مثلًا أن صاحبه يتكل في تحصيل الثواب والدرجات العاليات على غيره، لعلمه أن الناس يهدون الحسنات مئات المرات في اليوم الواحد إلى جميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، وهو واحد منهم، فلماذا لا يستغني حينئذ بعمل غيره عن سعيه وكسبه.! ألست ترى مثلًا أن بعض المشايخ الذين يعيشون على كسب بعض تلامذتهم، لا يسعون بأنفسهم ليحصلوا على قوت يومهم بعرق جبينهم وكد يمينهم! وما السبب في ذلك إلا أنهم استغنوا عن ذلك بكسب غيرهم! فاعتمدوا عليه وتركوا العمل، هذا أمر مشاهد في الماديات، معقول في المعنويات كما هو الشأن في هذه المسألة. وليت أن ذلك وقف عندها، ولم يتعدها إلى ما هو أخطر منها، فهناك قول بجواز الحج عن الغير ولو كان غير معذور كأكثر الأغنياء التاركين للواجبات فهذا القول يحملهم على التساهل في الحج والتقاعس عنه، لأنه يتعلل به ويقول في
[ ٩ / ٤٤ ]
باطنه: يحجون عني بعد موتي! بل إن ثمة ما هو أضر من ذلك، وهو القول بوجوب إسقاط الصلاة عن الميت التارك لها! فإنه من العوامل الكبيرة على ترك بعض المسلمين للصلاة، لأنه يتعلل بأن الناس يسقطونها عنه بعد وفاته! إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سوء أثرها علي المجتمع، فمن الواجب على العالم الذي يريد الإصلاح أن ينبذ هذه الأقوال لمخالفتها نصوص الشريعة ومقاصدها الحسنة.
وقابل أثر هذه الأقوال بأثر قول الواقفين عند النصوص لا يخرجون عنها بتأويل أو قياس تجد الفرق كالشمس؛ فإن من لم يأخذ بمثل الأقوال المشار إليها لا يعقل أن يتكل على غيره في العمل والثواب، لأنه يرى أنه لا ينجيه إلا عمله، ولا ثواب له إلا ما سعى إليه هو بنفسه، بل المفروض فيه أن يسعى ما أمكنه إلى أن يخلف من بعده أثرًا حسنا يأتيه أجره، وهو وحيد في قبره، بدل تلك الحسنات الموهومة، وهذا من الأسباب الكثيرة في تقدم السلف وتأخرنا، ونصر الله إياهم، وخذلانه إيانا، نسأل الله تعالى أن يهدينا كما هداهم، وينصرنا كما نصرهم.
خامسًا: ما خلَّفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية، لقوله ﵎: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾، وفيه أحاديث:
الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﵌ - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله (١) إلا من ثلاثة [أشياء]،إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو
_________________
(١) أي فائدة عمله وتجديد ثوابه، قال الخطابى في "المعالم": "فيه دليل على أن الصوم والصلاة وما دخل في معناهما من عمل الأبدان لا تجري فيها النيابة وقد يستدل به من يذهب إلى أن من حج عن ميت فإن الحج في الحقيقة للحاج دون المحجوج عنه، وإنما يلحقه الدعاء، ويكون له الأجر في المال الذي أعطى إن كان حج عنه بمال ". [منه]
[ ٩ / ٤٥ ]
ولد صالح (١) يدعو له».أخرجه مسلم (٥/ ٧٣) والسياق له والبخاري في (الأدب المفرد) (ص ٨) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٢٩) والطحاوي في (المشكل) (١/ ٨٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد (٢/ ٣٧٢)، والزيادة لأبي داود والبيهقي.
الثاني: عن أبي قتادة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده» أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠٦) وابن حبان في "صحيحة " (رقم ٨٤،٨٥) والطبراني في "المعجم الصغير" (ص٧٩) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ١٥) وإسناده صحيح كما قال المنذري في "الترغيب" (١/ ٥٨)
الثالث: عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته» أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠٦) بإسناد حسن، ورواه ابن خزيمة في "صحيحة" أيضا والبيهقي كما قال المنذري.
الرابع: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنا عند رسول الله - ﵌ - في صدر النهار، فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي
_________________
(١) قيد بالصالح لأن الأجر لا يحصل من غيره، وأما الوزر فلا يلحق بالوالد من سيئة ولده إذا كان نيته في تحصيل الخير، وإنما ذكر الدعاء له تحريضًا على الدعاء لأبيه، لا لأنه قيد، لأن الاجر يحصل للوالد من ولده الصالح، كلما عمل عملًا صالحًا، سواء أدعا لأبيه أم لا، كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء أدعا له من أكلَها أم لم يدع، وكذلك الأم. كذا في " مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار " لا بن الملك. [منه]
[ ٩ / ٤٦ ]
السيوف، [وليس عليهم أزر ولا شئ غيرها] عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر (وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد) وجه رسول الله - ﵌ - لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وصلى [الظهر، ثم صعد منبرًا صغيرًا]، ثم خطب [فحمد الله وأثنى عليه] فقال: [أما بعد فإن الله أنزل في كتابه]: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا﴾، والآية التي في (الحشر): ﴿ويا أيها الذين آمنوا] اتقوا الله ولتنظر ننسى ما قدمت لغد واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون. ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة]، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، [من شعيره]، من صاع تمره، حتى قال: [ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة]،ولو بشق تمرة، [فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب]،قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة [من ورق (وفي رواية: من ذهب)] كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت [فناولها رسول الله - ﵌ - وهو على منبره] [فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله]، [فقبضها رسول الله - ﵌ -]، [قام أبو بكر فأعطى، ثم قام عمر فأعطى، ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا]، ثم تتابع الناس [في الصدقات]، [فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي] حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله - ﵌ - يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ص: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، و[مثل] أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن سنة في الاسلام سيئة كان عليه وزرها و[مثل] وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص
[ ٩ / ٤٧ ]
من أوزارهم شئ، [ثم تلى هذه الآية: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾، [قال: فقسمه بينهم]».أخرجه مسلم (٣/ ٨٨، ٨٩/ ٦١، ٦٢) والنسائي (١/ ٣٥٥، ٣٥٦) والدارمي (١/ ١٢٦، ١٢٧) والطحاوي في "المشكل" (١/ ٩٣، ٩٧) والبيهقي (٤/ ١٧٥، ١٧٦) والطيالسي (٦٧٠) وأحمد (٤/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢) وابن أبي حاتم أيضا في " تفسيره "، كما في ابن كثير (٣/ ٥٦٥) والزيادة التي قبل الأخيرة له، وإسنادها صحيح، وللترمذي (٣/ ٣٧٧) وصححه وابن ماجه (١/ ٩٠) الجملتان اللتان قبل الزيادة المشار إليها مع الزيادتين فيهما.
وأما الزيادة الأولى فهي للبيهقي، وما بعدها إلى الرابعة له ولمسلم، والخامسة حتى الثامنة للبيهقي، وعند الطيالسي الخامسة، والتاسعة للدارمي وأحمد، ولمسلم نحوها وكذا الطيالسي وأحمد أيضًا، والعاشرة والثانية عشر والخامسة عشر والتاسعة عشر للبيهقي، والحادية عشر والسابعة عشر للطحاوي وأحمد، والرابعة عشر للطيالسي، والسادسة عشر والسابعة عشر لمسلم والترمذي وأحمد وغيرهم. والرواية الثانية للنسائي والبيهقي: والثالثة للطحاوي وأحمد.
"أحكام الجنائز" (ص٢١٣ - ٢٢٦).
[١٤٦١] باب هل ينتفع الميت بعمل غيره؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد، فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك».
[قال الإمام]:
أخرجه الإمام أحمد (٢/ ١٨٢) حدثنا هشيم أخبرنا حجاج حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
[ ٩ / ٤٨ ]
" أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام ابن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عمرًا سأل النبي - ﵌ - عن ذلك؟ فقال " فذكره.
والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد ومثله الوالدة بعد موتهما إذا كانا مسلمين ويصل إليهما ثوابها، بدون وصية منهما. ولما كان الولد من سعي الوالدين، فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ فلا داعي إلى تخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب، مما أورده المجد ابن تيمية في " المنتقى " كما فعل البعض.
واعلم أن كل الأحاديث التي ساقها في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد، فالاستدلال بها على وصول ثواب القرب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله " باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى " غير صحيح لأن الدعوى أعم من الدليل، ولم يأت دليل يدل دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء، اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في " نيل الأوطار " (٤/ ٧٨ - ٨٠)، ثم الكاتب في كتابه " أحكام الجنائز وبدعها " ..، من ذلك الدعاء للموتى فإنه ينفعهم إذا استجابه الله ﵎. فاحفظ هذا تنج من الإفراط والتفريط في هذه المسألة، وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه لأنه من سعيهما، وليس له ذلك عن غيرهما إلا ما خصه الدليل مما سبقت الإشارة إليه. والله أعلم.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٧٣ - ٨٧٤).
[ ٩ / ٤٩ ]
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال [:
«أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضومنه، عضوا منه من النار».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
هذا وقد يستدل بالحديث من يقول بوصول ثواب العمل إلى غير عامله إذا وهبه له، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وما في معناه من الأحاديث ولو صح هذا الحديث لكان من جملة المخصصات للآية، وقد حقق الإمام الشوكاني القول في هذا الموضوع وذكر ما وقف عليه من المخصصات المشار إليها، فراجعه في " نيل الأوطار " (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٦)، مع فصل " ما ينتفع به الميت " من كتابي " أحكام الجنائز " (ص ١٦٨ - ١٧٨).
"الضعيفة" (٢/ ٣٠٧، ٣٠٩).
[١٤٦٣] باب منه
[سئل الشيخ عن مسألة انتفاع الميت بعمل غيره، فأجاب]:
-أنا تعرضت لهذه المسألة في أحكام الجنائز بشيء من التفصيل تعرفه، ثم لخصته في جزء نحو ربع من الأصل، بالنسبة للوالدين فكل ما يفعله الولد يستفيد منه الوالدان على اعتبار أنهما السبب في هذا الخير كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وقد جاء في الحديث الصحيح: «أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده، وإن أولادكم من كسبكم»
[ ٩ / ٥٠ ]
[من خلال] الوصف النبوي نخرج بالنتيجة السابقة الذكر وهي: أن كل الأعمال الصالحة التي تصدر من الولد فهي تصل إلى الوالد أما سائر الناس فلا ، الأعمال الصالحة (ليس) ينتفع بها إلا صاحبها مع شرط القبول، وإلا من كان سببًاَ لهذا العمل الصالح بمعنى ما ذكره الرسول ﵇ في الحديث الصحيح: «إذا مات الإنسان» وفي روايات أخرى: «ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له» الشاهد من الحديث هي الفقرة الوسطى: «أو علم ينتفع به» فرجل مثلًا توفي وخلف من بعده تلامذة ينشرون العلم فما دام هؤلاء التلامذة ينشرون هذا العلم فأجر هذا النشر يصل إلى هذا العالم المتوفى في قبره لأنه كان سبب لهذا العلم، أو مثلًا ألف كتابًا والناس ينتفعون منه بعد وفاته لأن هذا من آثاره، وقد قال تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ فهذه هي القاعدة: الأبوان يصل إليهما أجر عمل الولد
مداخلة: هل يشترط في هذا القصد؟
الشيخ: لا يشترط، ولكن هنا شيء من التفصيل؛ في شيء يصل كما يقال اليوم أوتوماتيكيًا لكن الأفضل إذا أراد الولد أن ينفع والده أو والديه وهما في قبريهما أن يخصهما بالنية؛ أن يقول مثلًا: هذه الصدقة عن أبي، هذه الحجة، هذه العمرة عن والدي أو والدتي، لكن لو لم يفعل ذلك وصلهما
" الهدى والنور" (٨٣/ ١٩: ٤٤: ٠٠)
[١٤٦٤] باب هل ينفع الميت صيام غيره عنه مطلقًا؟
[قال الإمام]:
قوله [أي: صاحب فقه السنة] في مذهب الشافعية المختار: أنه يستحب لولي
[ ٩ / ٥١ ]
الميت أن يصوم عنه: " واستدلوا بما رواه أحمد والشيخان عن عائشة أن النبي - ﵌ - قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» زاد البزار لفظ: «إن شاء» وقال في التعليق:" سندها حسن "
قلت: كلا بل هذه الزيادة ضعيفة منكرة فإن مدارها على ابن لهيعة وهو ضعيف وقد تفرد بها كما قال الحافظ في " الفتح " وقال في " التلخيص ": " وهي ضعيفة لأنها من طريق ابن لهيعة "
والمؤلف كأنه تبع في تحسينها صديق خان في " الروضة " وهو تبع الهيثمي في " المجمع " وهو خطأ أو تساهل منهم جميعًا.
ثم إن هذا الحديث حمله الحنابلة على صوم النذر فهو الذي يصومه الولي عنه، وأما صوم الفرض فلا يصومه أحد عن أحد وهو مذهب راوية الحديث عائشة، وكذا ابن عباس راوي الحديث الآتي بعده، وقد ذكرت أقوالهما في ذلك في " أحكام الجنائز " في المبحث (١٠٦)، وهو الذي تقتضيه أصول الشريعة وحكمتها، وقد انتصر لهذا ابن القيم في " تهذيب السنن " وكذا في " إعلام الموقعين " ونقلت كلامه منه في الكتاب المشار إليه وهو نفيس فليراجع.
[ثم قال الإمام]:
قوله [أي صاحب " فقه السنة"]: " وروى أحمد وأصحاب السنن عن ابن عباس: أن رجلا جاء إلى النبي - ﵌ - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟. . قال: نعم. . "
قلت: هذا يوهم أنه لم يخرجه من هو أرقي في الصحة من المذكورين وليس كذلك فقد أخرجه الشيخان في " الصوم " عن ابن عباس وفي رواية لهما: " ماتت
[ ٩ / ٥٢ ]
وعليها صوم نذر ".
فهذا الحديث إذن وارد في صوم النذر فلا يجوز الاستدلال به على صوم الفرض كما فعل المؤلف وبعبارة أخرى الحديث دليل للحنابلة لا للشافعية فتنبه.
"تمام المنة" (ص٤٢٥ - ٤٢٦).
[١٤٦٥] باب هل ينتفع الأموات بدعوة الأحياء وصدقاتهم؟
-[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية:"وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات"]:
نقل الشارح [أي: أبن أبي العز] رحمه الله تعالى اتفاق أهل السنة على ذلك، ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة عليه، ولكنه فيما يتعلق بالصدقة لم يذكر إلا ما يدل على انتفاع الوالد بصدقة ولده، وهذا أخص من الدعوى كما لا يخفى.
وقد شرحت هذا ونظرت في الاتفاق المذكور في أحكام الجنائز " (ص ١٧٣) فراجعه.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٩٩ - ١٠٠).
[١٤٦٦] باب هل ينتفع الميت بصدقة الحي؟
[قال الإمام:]
ليس في السنة - فضلًا عن القرآن - دليل يدل على انتفاع كل ميت بصدقة الحي، وإنما فيها انتفاع الوالد بصدقة الولد، وذلك لأنه من سعى الوالد، ولا يصح إلحاق غيره به كما حققته في " أحكام الجنائز" (ص١٧٣ - ١٧٨).
"التعليق على إصلاح المساجد" (ص ٢١٨).
[ ٩ / ٥٣ ]
[١٤٦٧] باب الميت ينتفع بقضاء الدين عنه
ولو من غير ولده، بخلاف التصدق عنه
[ذكر الإمام بعض ما يجب على الحاضرين فعله بعد موت الميت فأورد أمورًا ثم قال]:
أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله، ولو أتى عليه كله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه، فإن لم تفعل، وتطوع بذلك بعضهم جاز، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن سعد بن الأطول ﵁:" أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي النبي - ﵌ -: «إن أخاك محبوس بدينه (فاذهب) فاقض عنه (فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت) قلت: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليست لها بينة، قال: «أعطها فإنها محقة، (وفي رواية: صادقة)». أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٢) وأحمد (٤/ ١٣٦، ٥/ ٧) والبيهقي (١٠/ ١٤٢) وأحد إسناديه صحيح، والآخر مثل إسناد ابن ماجه، وصححه البوصيري في " الزوائد "! وسياق الحديث والرواية الثانية للبيهقي وهي والزيادات لأحمد في رواية.
الثاني: عن سمرة بن جندب. " أن النبي - ﵌ - صلى على جنازة (وفي رواية: صلى الصبح) فلما انصرف قال: «أههنا من آل فلان أحد»؟ (فقال رجل: هو ذا)، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس (ثلاثا لا يجيبه أحد)، (فقال له النبي - ﵌ -: ما منعك في المرتين الأولين أن تكون أجبتني؟) أما إني لم أفوه باسمك إلا لخير، إن فلانًا - لرجل منهم - مأسور بدينه (عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن
[ ٩ / ٥٤ ]
شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)، فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه، (حتى ما أحد يطلبه بشيء) " (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٤) والنسائي (٢/ ٢٣٣) والحاكم (٢/ ٢٥،٢٦) والبيهقي (٦/ ٤/٧٦) والطيالسي في مسنده (رقم ٨٩١،٨٩٢) وكذا أحمد (٥/ ١١، ١٣،٢٠) بعضهم عن الشعبي عن سمرة، وبعضهم أدخل بينهما سمعان بن مشنج، وعلى الوجه الثاني صحيح فقط.
والرواية الأخرى للمسندين، والزيادة الأولى والثانية للحاكم، وكذا الثالثة والخامسة، وللبيهقي الثانية، ولأحمد الثالثة والرابعة، وللطيالسي الخامسة، وله ولأحمد وأبي داود السادسة.
الثالث: عن جابر بن عبد الله قال:
"مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله - ﵌ - حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله - ﵌ - بالصلاة عليه، فجاء معنا، (فتخطى) خطى، ثم قال: لعل على صاحبكم دينًا؟» قالوا: نعم ديناران، فتخلف، (قال: صلوا على صاحبكم)، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله هما علي، فجعل رسول الله - ﵌ - يقول: «هما عليك وفي مالك، والميت منهما برئ»؟ فقال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله - ﵌ - إذا لقي أبا قتادة يقول: (وفي رواية ثم لقيه من الغد فقال:) ما صنعت الديناران؟ (قال: يا رسول الله إنما مات أمس) حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما
_________________
(١) وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (ق ١٥٦/ ٥) بسند ضعيف. [منه]
[ ٩ / ٥٥ ]
فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بردت عليه جلده" (١).أخرجه الحاكم (٢/ ٥٨) والسياق له والبيهقي (٦/ ٧٤ - ٧٥) والطيالسي (١٦٧٣) وأحمد (٣/ ٣٣٠) بإسناد حسن كما قال الهيثمي (٣/ ٣٩) وأما الحاكم فقال: " صحيح الإسناد "! ووافقه الذهبي!
والرواية الأخرى مع الزيادات عندهم جميعا إلا الحاكم، إلا الزيادة الثانية فهي للطيالسي وحده
[تنبيه]:
[١]- أفادت هذه الأحاديث أن الميت ينتفع بقضاء الدين عنه، ولو كان من غير ولده، وأن القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المخصصات لعموم قوله ﵎: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ ولقوله - ﵌ -: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث » الحديث رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وأحمد، ولكن القضاء عنه شيء والتصدق عنه شيء آخر؛ فإنه أخص من التصدق، وإلا فالأحاديث التي وردت في التصدق عنه، إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو من كسبهما بنص الحديث، فلا يحوز قياس الغريب عليهما؛ لأنه قياس مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء؛ لأنها أعم منه كما ذكرنا.
"أحكام الجنائز" (ص٢٥ - ٢٨).
_________________
(١) أي بسبب رفع العذاب عنه بعد وفاء دينه. [منه].
[ ٩ / ٥٦ ]
[١٤٦٨] باب هل تصل صدقة الفاسق لأبيه المتوفي؟
سؤال: دعاء الولد الغير صالح ونفقته عن أبيه المتوفى؟
الشيخ: غير صالح.
مداخلة: وتصدقه عن أبيه المتوفى، هل يصل لوالده؟
الشيخ: إذا كانت الصدقة لوجه الله ﷿ فالله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة:٧، ٨).
وقولك: أن الولد غير صالح، فهل كونه غير صالح ثم يريد أن يتصدق، فالصدقة أمر صالح أو ليس بصالح؟
مداخلة: صالح.
الشيخ: صالح، فقولك: أنه غير صالح، يعني ماذا تعني؟
مداخلة: يعني: ما يصلي.
الشيخ: ما يصلي، طيب، فاسق مش كافر يعني؟
مداخلة: لا مش كافر.
الشيخ: الحمد لله، الجواب سبق في الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ (الزلزلة:٧)، ومن تصدق عن أبيه ويبتغي من وراء ذلك مرضات ربه وصلة أبيه ولو بعد وفاته، هذا بلا شك يصدق عليه قوله ﵇: «أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده، وإن أولادكم من كسبكم»، كما لو فعل الرجل نفسه هذا الرجل الصالح لو تصدق على مسكين ماذا نقول؟ هل تقبل صدقته؟ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
[ ٩ / ٥٧ ]
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ (الزلزلة:٧) ..، هذه الصورة العادية، يعني في ناس نعرفهم لا يصلون فعلًا لكنهم يتصدقون، هاه، هذا يتصدق للفقراء والمساكين لكنه لا يصلي مثلًا ولا يحج، فنحن ما نقول: إن صدقته مقبولة مطلقًا أو مردودة مطلقًا، وإنما نقول: ماذا قصد بالصدقة؟ فإن كان قصد بها وجه الله ﷿ فهي بلا شك حسنة، والله ﷿ يقبل الحسنات، أما إن قصد بذلك غير وجه الله ﷿، حتى من الصالح، لا تقبل منه، وهذه حقائق معروفة شرعًا، نعم. تفضل.
"الهدى والنور" (٧٢٩/ ٤٧: ٣٥: ٠٠)
[١٤٦٩] باب هل ينتفع الميت بثواب الصدقة أو قراءة القرآن عنه؟
سؤال: «.. إذا تُصُدِّق عن الميت على من يقرأ القرآن أو غيرهم؛ ينفعه ذلك باتفاق المسلمين، وكذلك من قرأ القرآن محتسبًا وأهداه إلى الميت نفعه ذلك، والله أعلم» ما رأيك يا شيخنا في هذه العبارة؟
الشيخ: من قال هيك؟
مداخلة: هذه في الفتاوى الجزء الأربع والعشرين (١).
الشيخ: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية؟
مداخلة: أي نعم فتاوى ابن تيمية.
الشيخ: ابن تيمية له فتويان.
مداخلة: نعم.
_________________
(١) "مجموع فتاوى ابن تيمية" (٢٤/ص ٣٠٠).
[ ٩ / ٥٨ ]
الشيخ: واحد يقول فيها وهو الصواب: إنه هذا لم يكن من عمل السلف.
مداخلة: نعم.
الشيخ: والأخرى: كما قرأت، .. وهذا المقروء غير سليم ولا صحيح، لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم:٣٩)، وهذا نص قرآني معصوم، وعام شامل، فلا يخرج منه إلا ما جاء الدليل القاطع باستثنائه منه، ولم يأت الدليل إلا في مواطن معدودة ومحصورة، وأنا كنت تعرضت لهذه المسألة بشيء من التفصيل، والبيان في كتابي أحكام الجنائز وبدعها، فإذا ما كنت رجعت إليه فارجع إليه ليتبين لك إن شاء الله الأمر.
مداخلة: إن شاء الله. يا شيخنا؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: الموضع الثاني، هو في الفتاوى لابن تيمية كذلك؟
الشيخ: الموضع الثاني وهو؟
مداخلة: الذي ذكرته أنت يا شيخنا الآخر.
الشيخ: لا ما أذكر إن كان في نفس هذه الفتاوى أو في كتبه الأخرى.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ولعل المرجع تبعي الذي دللتك عليه يعينك على هذا.
مداخلة: إن شاء الله تعالى يا شيخنا.
الشيخ: إن شاء الله.
" الهدى والنور" (/٢٠٢/ ٤٠: ٥٤: ٠٠).
[ ٩ / ٥٩ ]
[١٤٧٠] باب هل يصل ثواب قراءة القرآن للميت؟
سؤال: يا شيخ هل يجوز إيصال الثواب بقراءة القرآن؟ ..، لقد استدل البعض بتعليقكم على شرح العقيدة الطحاوية في هذا الموضوع؛ بأنكم ترون جوازه
الشيخ: .. أنا ما أقول يا أخي بالجواز مطلقًا، أنا أقول: بأن كسب الولد .. كما قال ﵇: «أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده، وإن أولادكم من كسبكم» وقال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس:١٢).
وقال ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا مات الإنسان» وفي رواية: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» فهذا الولد الصالح فعله الصالح ينفع والديه؛ لأنه أثر من آثار الوالدين، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس:١٢)، ولا أقول بأن القراءة هذه تفيد غير الوالدين أو أي يعني: فعل صالح يفيد غير الوالدين، ولعلكم تذكرون أن بعض العلماء المتقدمين يقولون: بأن صدقة المتصدق عن بعض المسلمين تصلهم هذه الصدقة ولو كانوا غير الوالدين، نحن في هذا الموقف نحدد الوصول للوالدين، فصدقة الولد تصل إلى الوالدين، وكل عمل صالح كعتق الرقاب والعبادات بصورة عامة تصل إلى الوالدين لما ذكرنا آنفًا من عموم الأدلة.
أما أن ينتفع من هذه المبرات أو هذه العبادات غير الوالدين ومنها تلاوة قرآن نحن ما نقول بهذا العموم؛ ولذلك فينبغي إعادة النظر في ذالك الكلام حتى لا ينسب إلينا ما لا نقول به، نحن نقول فقط بهذا التحديد الضيق.
"الهدى والنور" (٣٦٦/ ٠٠:٠٤:٥٦ طريق الإسلام)
[ ٩ / ٦٠ ]
[١٤٧١] باب هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت
سؤال: قراءة القرآن تصل إلى الميت؟
الشيخ: إذا كان الذي يقرأ القرآن هو ولد للمتوفى سواء كان أبًا أو أمًا فهذه القراءة تنفع، أما من سوى الأولاد فلا تنفع قراءتهم غير الأبوين كما ذكرت آنفًا، فالزوجة إذًا طلعت خارج، لكن بلا شك أنتِ كزوجة مصابة بوفاة زوجك فباستطاعك أنك تدعي له أنه إن كان محسنًا فربنا ﷿ يزيد في حسناته، وإن كان مسيئًا فربنا يتجاوز عن سيئاته، دائمًا تذكريه بالخير وتدعي له بالخير، أما أنك تقرأي وتهدي ثواب القراءة للزوج خلاص انقطع عمله كما ذكرت في الحديث السابق وتمام هذا الحديث قوله ﵊: «إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
" الهدى والنور" (/٢٩٠/ ١٠: ٥٣: ٠٠).
[١٤٧٢] باب هل يجزى حج الأولاد أو الورثة عن أبيهم المتوفي؟
سؤال: رجل كان مستطيعًا الحج ولم يحج ومات، أيحج عنه الورثة أو
أبناؤه مثلًا؟
الشيخ: إذا كان وجب عليه الحج فإن استطاع الحج ولم يفعل فلا يستطيع أحد أن يحج عنه، وهذا فيه أثر صحيح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «لا يحج أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد» رواه الإمام مالك في الموطأ بالسند الصحيح.
بدأت بهذا الأثر الصحيح لصراحته في الموضوع وهو مأخوذ من نصوص من الكتاب والسنة، من ذلك قوله ﵎: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا
[ ٩ / ٦١ ]
سَعَى﴾ (النجم:٣٩) فإنسان أمر بأداء فريضة ما .. فريضة الحج أو الصيام أو الصلاة أو ما شابه ذلك، وكان مستطيعًا لكل ذلك ثم لم يفعل فمعنى ذلك أنه لم يتزك بالقيام بهذه الفرائض، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ (فاطر:١٨) فحينئذٍ من يزكيه بعد أن جاءه اليقين؟! وانتقل إلى رحمة رب العالمين أو إلى عذابه الأليم حسب ما يشاء الله ﷿ أن يعامله به.
من الذي يزكيه؟ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم:٣٩) ولذلك قال ذلك الصحابي الجليل: "لا يحج أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد" أي: هذا في الفرائض؛ ولذلك فرجل مات ولم يؤد فريضة الحج التي كانت فرضت عليه فلا يستطيع أحد أولاده أن يحج بدلًا عنه فضلًا عما جاء في السؤال مما هو أعم مما قلت، أي: لا يستطيع أن يحج أحد من أفراد ذريته، فهذا قد يكون في الذرية أخ، وقد يكون في الذرية زوجة وإلى آخره، فإذا كان الولد لا يستطيع أن يحج عن أبيه فمن باب أولى أن لا يستطيع من هو أبعد عن هذا الأب من ابنه.
وهنا قد يرد في البال كيف يقال: «لا يصوم أحد عن أحد» ورسول الله - ﵌ - يقول في الحديث الصحيح: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»؟ إذًا: هذا كأنه يعارض ذاك الذي قلته آنفًا.
الجواب: الحديث إنما يراد به من مات وعليه صيام نذر وليس صيام فريضة، أي: هو نذر على نفسه نذرًا ما كان الله ﷿ فرضه عليه إلا بفرضه هو بهذا الصيام على نفسه .. هذا الذي لولي الميت أن يصوم عنه؟ من أين أخذنا هذا القيد؟ هنا مسألة تتعلق بقاعدة فقهية أصولية وهي: الراوي أدرى بمرويه من غيره، الراوي - أي: في الحديث - أدرى بمرويه من غيره .. هذه القاعدة معشر طلاب العلم! إذا فهمتموها ورسخت في أذهانكم ساعدتكم على فهم بعض المسائل الخلافية بين العلماء فمهًا صحيحًا.
[ ٩ / ٦٢ ]
الراوي للحديث عن رسول الله ﵌، بل والراوي عن صحابي رسول الله - ﵌ - وهكذا وأنت نازل إلى إن يصنف هذا الحديث من الراوي الأول هو الصحابي، ثم التابعي، ثم تابع التابعي، ثم أتباع هذا التابعي وهكذا إلى أن يصنف، هذه القاعدة تشمل كل هذه الأصناف: الراوي أدرى بمرويه من غيره.
فهنا نبدأ بالراوي الأول: هذا الحديث رواه صحابيان جليلان أحدهما عائشة رضي الله تعالى عنها، والآخر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما .. هذان الراويان حملا الحديث على صوم النذر، إذًا: الراوي أدرى بمرويه من غيره، ولا أريد أن أطيل أيضًا في الإجابة.
لكن أيضًا أريد أن أضرب مثلًا لراوٍ نازل ليس صاحبي تابعي .. فأنتم ولا شك تسمعون حديثًا تجدون عامة علماء العلم اليوم بعيدين عن فهم الحديث .. لا أقول: فهمًا صحيحًا وهو صحيح، إنما أقول: إنهم فهموا الحديث على خلاف فهم الراوي عن الصحابي .. عفوًا: هذا الفهم من هذا الصحابي .. من هذا الراوي عن الصحابي هو الصحيح، ما هو الحديث؟ حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله - ﵌ - عن بيعتين في بيعة» (١) تجار آخر الزمان يقعون في مخالفة هذا الحديث وما في معناه، فلعل إخواننا الذين جمعتنا معهم دعوة الحق الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح .. اسمعوا الآن السلف الصالح: ابن مسعود يقول: «نهى رسول الله - ﵌ - عن بيعتين في بيعة».
الراوي لهذا الحديث عن ابن مسعود سئل: ما بيعتين في بيعة؟ قال: أن تقول
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٦٩٤٣).
[ ٩ / ٦٣ ]
أبيعك هذا بكذا نقدًا وبكذا وكذا نسيئة، هذا هو بيع التقسيط اليوم! لكن الأسماء تختلف، أنا في علمي والله أعلم بيع التقسيط جاءنا من بلاد الكفر والضلال عندما استعمرت هذه البلاد .. بيع فيه بيع بالدين قديمًا، أما بيع بالتقسيط منظم بما يسمى بالشيكات وإلى آخره هذه بضاعة أوروبية كافرة.
«نهى عن بيعتين في بيعة» قال سماك بن حرب: الراوي لهذا الحديث عن ابن مسعود: ما بيعتين في بيعة؟ قال: أن تقول: أبيعك هذا بكذا نقدًا بمائة مثلًا نقدًا .. بمائة وخمسة دنانير تقسيطًا .. نسيئةً .. قال الرسول ﵇ نهى عن هذا، إذا أردنا أن نفسر هذا الحديث بغير هذا التفسير وهذا معروف من بعض المتأخرين بخاصة، نقول لهم: أولًا: راوي الحديث أدرى بمرويه من غيره، كيف هذا؟
هل يدخل في عقل طالب علم .. طالب علم بحق أن أصحاب النبي - ﵌ - حينما كانوا يسمعون الحديث من رسول الله - ﵌ - وافترض في احدهم أنه سمع الحديث وما فهم معناه ودلالته وفقهه ألا يتوجه بالسؤال إلى رسول الله - ﵌ -؟ أم يكتم ذلك الجهل في نفسه ويروي الحديث دون أن يستوضح منه؟ أظن أنا أول الظانين ظن المؤمن هذا مستحيل على الصحابي أن يسمع الحديث لرسول الله - ﵌ - ولم يفهم دلالته الظاهرة، ثم هو لا يسأل الرسول عليه؟! هذا مستحيل.
إذًا: يقال هذا الذي قلنا في الصحابي للذي تلقى هذا الحديث عن الصحابي، هو هنا سماك بن حرب، سمع الحديث من ابن مسعود .. نفس السؤال السابق: أتظنون أن سماك بن حرب التابعي لما سمع الحديث من ابن مسعود: «نهى عن بيعتين في بيعة» لم يفهمه، هو أحد رجلين: إما أنه فهمه وإما أنه لم يفهمه، فإذا فهمه ما في داعي للسؤال، وإذا لم يفهمه سيسأل أيضًا كما يفعل الصحابي وهكذا.
فإذا سمعنا التابعي إذًا يروي هذا الحديث عن الصحابي ويسأل التابعي: ما
[ ٩ / ٦٤ ]
معنى هذا الحديث؟ يقول: أنت تبيع هذا الشيء بكذا نقدًا وكذا وكذا نسيئةً، هكذا الحديث ينبغي أن يفهم .. الراوي أدرى بمرويه من غيره، إذا كان الأمر كذلك .. أشعر بأني افتلت، أين كان الموضوع؟
مداخلة: في الحج.
الشيخ: أيحج أحد عن أحد؟ قال ابن عمر: لا، يصوم أحد عن أحد؟ قال: لا، هناك حديث قد يشكل على البعض وهو: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» قلنا: هذا رواه عائشة وابن عباس وفسروا هذا الصيام الذي أمر به الرسول ﵇ ولي الميت أن يصوم عنه بأنه صيام النذر .. لا تتساءلوا ولا تقولوا: من أين هذا؟ الحديث مطلق، فنقول: الراوي أدرى بمرويه من غيره، وعلى ذلك فقيسوا تستريحوا في فهم كثير من النصوص إذًا استحضر .. قيسوا تستريحوا.
"الهدى والنور" (٧٣٢/ ٤٨: ٣٢: ٠٠).
[١٤٧٣] باب هل الحج عن الميت ينفعه؟
سؤال: [سئل الشيخ سؤالًا مفاده هل الحج عن الميت ينفعه؟ فأجاب]:
إيه، هذا فيه تفصيل، إن كان المتوفى لم يتمكن من الحج في قيد حياته إما بسبب فقره أو مرضه فحينئذٍ يجوز أنه أحد الأولاد يحج عنه، أما غيره كما ذكرنا فيما يتعلق بالقراءة فما أحد يستطيع أن يحج عنه، إلا إذا كان موصي وصية، موصي هو بشيء؟
المتصلة: لا، والله ما وصى، بس لأنه توفى.
الشيخ: خلاص ما أحد يستطيع أن يحج عنه.
" الهدى والنور" (٢٩٠/ ٣٤: ٥٥: ٠٠).
[ ٩ / ٦٥ ]
جماع أبواب الكلام على سماع الأموات
[ ٩ / ٦٧ ]
[١٤٧٤] باب تحقيق أن الموتى لا يسمعون
[قال الإمام في مقدمة تحقيق "الآيات البينات في عدم سماع الأموات "الآلوسي]:
اعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله ﷿، فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء، وإنما يوقف فيه مع النص إثباتًا ونفيًا، وسترى المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في الفصل الأول كلام الحنفية في أنهم لا يسمعون، وفي الفصل الثاني نقل عن غيرهم مثله، وحكى عن غير هؤلاء أنهم يسمعون، وليس يهمني أن هؤلاء قلة وأولئك الكثرة فالحق لا يعرف بالكثرة ولا بالقلة وإنما بدليله الثابت في الكتاب والسنة مع التفقه فيهما وهذا ما أنا بصدده إن شاء الله تعالى؛ فأقول:
استدل الأولون بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) وقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ (النمل:٨٠ والروم ٥٢) وأجاب الآخرون بأن الآيتين مجاز وأنه ليس المقصود «الموتى» بـ «من في القبور» الموتى حقيقة في قبورهم وإنما المراد بهم الكفار الأحياء شبهوا بالموتى " والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر " كما قال الحافظ ابن حجر على ما يأتي في الرسالة (ص ٧٢).
فأقول: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى هو ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى (١) وعلى ذلك جرى علماء التفسير لا خلاف بينهم في
_________________
(١) وقد بين ذلك بيانًا شافيًا العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه " أضواء البيان " (٦/ ٤١٦ - ٤٢١). [منه].
[ ٩ / ٦٩ ]
ذلك فيما علمت، ولكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على ما سبق؛ لأن الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة وكان ذلك معروفًا عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع فدل هذا التشبيه على أن المشبه بهم - وهم الموتى في قبورهم - لا يسمعون، كما يدل مثلًا تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع بل هو في ذلك أقوى من زيد ولذلك شبه به، وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه وإنما عن زيد، وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون، بل إن كل عربي سليم السليقة لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم كما في المثال السابق، وإذا الأمر كذلك فموتى القبور لا يسمعون.
ولما لاحظ هذا بعض المخالفين لم يسعه إلا أن يسلم بالنفي المذكور ولكنه قيده بقوله: " سماع انتفاع " يعني أنهم يسمعون ولكن سماعا لا انتفاع فيه (١) وهذا في نقدي قلب للتشبيه المذكور في الآيتين حيث جعل المشبه به مشبهًا فإن القيد المذكور يصدق على موتى الأحياء من الكفار فإنهم يسمعون حقيقة ولكن لا ينتفعون من سماعهم كما هو مشاهد فكيف يجوز جعل المشبه بهم من موتى القبور مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم، مع أن المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقًا، ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيتين الكريمتين فبطل القيد المذكور.
ولقد كان من الممكن القول بنحو القيد المذكور في موتى القبور لو كان
_________________
(١) انظر (ص ٤٥ - ٤٦) من كتاب " الروح " المنسوب لابن القيم رحمه الله تعالى فإن فيه غرائب وعجائب من الروايات والآراء كما سنرى شيئا من ذلك فيما يأتي: وانظر (ص ٨٧). [منه].
[ ٩ / ٧٠ ]
هناك نص قاطع على أن الموتى يسمعون مطلقًا إذن لوجب الإيمان به والتوفيق بينه وبين ما قد يعارضه من النصوص كالآيتين مثلًا، ولكن مثل هذا النص مما لا وجود له بل الأدلة قائمة على خلافه وإليك البيان:
الدليل الأول: قوله تعالى في تمام الآية الثانية: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ فقد شبههم الله تعالى - أعني موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضًا فهل هذا يقتضي في المشبه بهم " الصم" أنهم يسمعون أيضًا ولكن سماعًا لا انتفاع فيه أيضًا، أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقًا كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه. وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا الذي نقول فقال ابن جرير في "تفسيره" (٢١/ ٣٦) لهذه الآية:
هذا مَثَلٌ معناه: فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء المشركين الذين قد ختم الله على أسماعهم فسلبهم فَهْمَ ما يتلى عليهم من مواعظ تنزيله، كما لا تقدر أن تفهم الموتى الذين سلبهم الله أسماعهم بأن تجعل لهم أسماعًا، وقوله: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ يقول: كما لا تقدر أن تسمع الصم الذين قد سلبوا السمع إذا ولوا عنك مدبرين؛ كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فَهْمَ آيات كتابه لسماع ذلك وفهمه.
ثم روى بإسناد الصحيح عن قتادة قال:
هذا مَثَلٌ ضربه الله للكافر فكما لا يسمع الميت الدعاء كذلك لا يسمع الكافر ﴿ولا تسمع الصم الدعاء. ..﴾ يقول: لو أن أصم ولى مدبرًا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما سمع.
وعزاه في " الدرر " (٥/ ١١٤) لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
[ ٩ / ٧١ ]
دون ابن جرير، وقد فسر القرطبي (١٣/ ٢٣٢) هذه الآية بنحو ما سبق عن ابن جرير وكأنه اختصره منه.
فثبت من هذه النقول عن كتب التفسير المعتمدة أن الموتى في قبورهم لا يسمعون كالصم إذا ولوا مدبرين، وهذا هو الذي فهمته السيدة عائشة ﵂ واشتهر ذلك عنها في كتب السنة وغيرها، ونقله المؤلف عنها في عدة مواضع من رسالته فانظر (ص ٥٤، ٥٦، ٥٨، ٦٨، ٦٩، ٧١) وفاته هو وغيره أنه هو الذي فهمه عمر ﵁ وغيره من الصحابة لما نادى النبي - ﵌ - أهل القليب على ما يأتي بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ذلك الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ (فاطر ١٣ و١٤).
قلت: فهذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذي كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى وهم موتى الأولياء والصالحين الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم يعبدونهم فيها وليس لذاتها، كما يدل على ذلك آية سورة (نوح) عن قومه: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ولا يعوق ونسرا﴾ ففي التفسير المأثور عن ابن عباس وغيره من السلف: أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم (أي علم تلك الصور بخصوصها) عبدت. رواه البخاري وغيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر:٣) فإنها صريحة في أن
[ ٩ / ٧٢ ]
المشركين كانوا يعبدون الصالحين ولذلك اتخذوهم وسائط بينهم وبين الله تعالى قائلين: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾.
ولاعتقادهم بصلاحهم كانوا ينادونهم ويعبدونهم من دون الله توهما منهم أنهم يسمعون ويضرون وينفعون، ومثل هذا الوهم لا يمكن أن يقع فيه أي مشرك مهما كان سخيف العقل لو كان لا يعتقد فيمن يناديه الصلاح والنفع والضر كالحجر العادي مثلًا، وقد بين هذا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فقال في كتابه " إغاثة اللفهان " (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣):
وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة، تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح ﵇ ولهذا لعن النبي - ﵌ - المتخذين على القبور المساجد، ونهى عن الصلاة إلى القبور (١) - ﵌ -. . فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلًا وإما عنادًا لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو لغالب على عوام المشركين.
وأما خواصهم فإنهم اتخذوها - بزعمهم - على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجابًا وحجبًا وقربانًا ولم يزل هذا في الدنيا قديمًا وحديثًا (ثم بين مواطن بيوت هذه الأصنام وذكر عباد الشمس والقمر وأصنامهم وما اتخذوه من الشرائع حولها ثم قال ٢/ ٢٢٤): فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبًا منابه وقائمًا مقامه، إلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة
_________________
(١) انظر كتابي: " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " [منه].
[ ٩ / ٧٣ ]
أو حجرًا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده ".
قلت: ومما يؤيد أن المقصود بقوله في الآية المتقدمة ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ إنما هم المعبودون من دون الله أنفسهم وليست ذوات الأصنام تمام الآية: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ والأصنام لا تبعث؛ لأنها جمادات غير مكلفة كما هو معلوم، بخلاف العابدين والمعبودين فإنهم جميعا محشورون قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل، قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ (الفرقان:١٧ - ١٨) وقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُون﴾ (سبأ:٤٠ - ٤١) وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآية (المائدة:١١٦) وخير ما فسر به القرآن إنما هو القرآن والسنة وليس فيهما - فيما أعلم - ما يدل على أن الله يحشر الجمادات أيضا فوجب الوقوف عند هذه الآية الصريحة فيما ذكرنا.
وقد يقول قائل: إن هذا الذي بينته قوي متين ولكنه يخالف ما جرى عليه كثير من المفسرين في تفسير آية سورة (فاطر) وما في معناها من الآيات الأخرى فقالوا: إن المراد بها الأصنام نفسها وبناء على ذلك عللوا قوله تعالى فيها: ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ بقولهم: "لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع" فأقول: لا شك أن هذا بظاهره ينافي ما بينت، ولكنه لا ينفي أن يكون لهم قول آخر يتماشى مع ما حققته فقال القرطبي (١٤/ ٣٣٦) عقب التعليل المذكور آنفا وتبعه الشوكاني
[ ٩ / ٧٤ ]
(٤/ ٣٣٣) وغيره ما معناه: ويجوز أن يرجع ﴿والذين تدعون من دونه. . .﴾ وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين، والمعنى أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقًاّ، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى ﵇ بقوله: ﴿ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ وقد ذكرا نحوه في تفسير آية (الزمر) المتقدمة.
قلت: وهو أولى من تفسيرهما السابق؛ لأنه مدعم بالآيات المتقدمة، بخلاف تفسيرهما المشار إليه فإنه يستلزم القول بحشر الأصنام ذاتها، وهذا مع أنه لا دليل عليه فإنه يخالف الآيات المشار إليها ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - في كتابه " قرة عيون الموحدين " (ص ١٠٧ - ١٠٨) في تفسير آيتي (فاطر) ما نصه:
ابتدأ تعالى هذه الآيات بقوله: ﴿ذلكم الله ربكم له الملك﴾ يخبر الخبير أن الملك له وحده، والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، ولهذا قال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ فإن من كانت هذه صفته فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع أو دفع ضر إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس بل يجب إخلاص الدعاء - الذي هو أعظم أنواع العبادة - له، وأخبر تعالى أن ما يدعوه أهل الشرك لا يملك شيئًا، وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم أي: ينكرونه، ويتبرؤون ممن فعله معهم، فهذا الذي أخبر به الخبير الذي ﴿لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ وأخبر أن ذلك الدعاء شرك به وأنه لا يغفره لمن لقيه فأهل الشرك ما صدقوا الخبير ولا أطاعوه فيما حكم به وشرع بل قالوا: إن الميت يسمع ومع سماعه ينفع، فتركوا الإسلام والإيمان رأسًا كما ترى عليه
[ ٩ / ٧٥ ]
الأكثرين من جهلة هذه الأمة".
فتبين مما تقدم وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم﴾ على أن الصالحين لا يسمعون بعد موتهم وغيرهم مثلهم بداهة، بل ذلك من باب أولى كما لا يخفى فالموتى كلهم إذن لا يسمعون. والله الموفق.
الدليل الثالث: حديث قليب بدر وله روايات مختصرة ومطولة أجتزئ هنا على روايتين منها:
الأولى: حديث ابن عمر قال: وقف النبي - ﵌ - على قليب بدر فقال: «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول» فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي - ﵌ -: «إنهم الآن يعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق» ثم قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ حتى قرأت الآية.
أخرجه البخاري (٧/ ٢٤٢ - فتح الباري) والنسائي (١/ ٦٩٣) وأحمد (٢/ ٣١) من طريق أخرى عن ابن عمر وسيأتي بعضه في الكتاب (ص ٦٨، ٧١).
والأخرى: حديث أبي طلحة: أن نبي الله - ﵌ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان: ويا فلان ابن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال رسول الله - ﵌ -: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا
[ ٩ / ٧٦ ]
وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا.
أخرجه الشيخان وغيرهما وقد خرجته في التعليق الآتي (ص ٥٤) من الكتاب.
ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح بملاحظة أمرين:
الأول: ما في الرواية الأولى منه من تقييده - ﵌ - سماع موتى القليب بقوله: «الآن» (١) فإن مفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وهو المطلوب. وهذه فائدة هامة نبه عليها العلامة الآلوسي - والد المؤلف رحمهما الله - في كتابه " روح المعاني " (٦/ ٤٥٥) ففيه تنبيه قوي على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون، ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي - ﵌ - وبإسماع الله تعالى إياهم خرقًا للعادة ومعجزة للنبي - ﵌ - كما سيأتي في الكتاب (ص ٥٦، ٥٩) عن بعض العلماء الحنفية وغيرهم من المحدثين. وفي " تفسير القرطبي " (١٣/ ٢٣٢):
قال ابن عطية (٢): فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد - ﵌ - في أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله - ﵌ - بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين".
_________________
(١) ولها شاهد صحيح في حديث عائشة الآتي (ص ٧٠) عند المؤلف رحمه الله تعالى " [منه].
(٢) هو عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي مفسر فقيه أندلسي عارف بالأحكام والحديث. توفي سنة (٥٤٢) له المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز " طبع منه جزءان في المغرب ثم علمت الآن وأنا في زيارة الدوحة - قطر (أوائل ربيع الأول سنة ١٤٠١ هـ) من فضيلة الشيخ عبد الله الأنصاري أنه يقوم بطبع الكتاب طبعة جديدة وقد تم حتى اليوم. طبع أربع مجلدات منه يسر الله تمامه ". [منه].
[ ٩ / ٧٧ ]
قلت: ولذلك أورده الخطيب التبريزي في " باب المعجزات " من " المشكاة " (ج ٣ رقم ٥٩٣٨ - بتخريجي).
والآمر الآخر: أن النبي - ﵌ - أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون، بعضهم أومأ إلى ذلك إيماءً، وبعضهم ذكر صراحة، لكن الأمر بحاجة إلى توضيح فأقول:
أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه - ﵌ - لموتى القليب بقولهم: " ما تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ " فإن في رواية أخرى عن أنس نحوه بلفظ " قالوا " بدل: "قال عمر " كما سيأتي في الكتاب (ص ٧١ - ٧٣) فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه - ﵌ - ما كان لهم أن يبادروه بذلك، وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يوجب على النبي - ﵌ - أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ، وأنه لا أصل له في الشرع، ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". وهذا - كما ترى - ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق، وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة، على أنه ليس ذلك على إطلاقه بالنسبة إليهم أيضًا إذا تذكرت رواية ابن عمر التي فيها " إنهم الآن يسمعون " كما تقدم شرحه، فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت، وبما قال لهم النبي - ﵌ - فقط، فهي واقعة عين لا عموم لها؛ فلا تدل على أنهم يسمعون دائمًا وأبدًا، وكل ما يقال لهم، كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقًا، وهذا واضح إن شاء الله تعالى. ويزيده ووضوحا ما يأتي.
وأما الصراحة فهي فيما رواه أحمد (٣/ ٢٨٧) من حديث أنس ﵁ قال: ". . . . فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل
[ ٩ / ٧٨ ]
يسمعون؟ يقول الله ﷿: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا ". وسنده صحيح على شرط مسلم (١). فقد صرح عمر ﵁ أن الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه، ولذلك أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي - ﵌ - بذلك ليزيل إشكالهم؟ وكان ذلك ببيانه المتقدم.
ومنه يتضح أن النبي - ﵌ - أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب؛ وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم، فالآية لا تنفي مطلقًا سماع الموتى بل إنه أقرهم على ذلك، ولكن بين لهم ما كان خافيًا من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقًّا، وأن ذلك أمر مستثنى من الآية معجزة له - ﵌ - كما سبق.
هذا وإن مما يحسن التنبيه عليه وإرشاد الأريب إليه أن استدلال عائشة المتقدم بالآية يشبه تمامًا استدلال عمر بها، فلا وجه لتخطئتها اليوم بعد تبين إقرار النبي - ﵌ - لعمر عليه، اللهم إلا في ردها على ابن عمر في روايته لقصة القليب بلفظ السماع، وتوهيمها إياه؛ فقد تبين من اتفاق جماعة من الصحابة على روايتها كروايته هو أنها هي الواهمة، وإن كان من الممكن الجمع بين روايتهم وروايتها كما سيأتي بيانه في التعليق على " الرسالة " (ص ٧ - ٨) فخطؤها ليس في الاستدلال بالآية وإنما في خفاء القصة عليها على حقيقتها ولولا ذلك لكان
_________________
(١) وأصله عنده (٨/ ١٦٣ - ١٦٤) والزيادة له وهو رواية لأحمد (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠) والحديث عزاه في " الدر " (٥/ ١٥٧) لمسلم وابن مردويه وكأنه يعني أن أصله لمسلم وسياقه لابن مردويه ولا يخفى ما فيه من إيهام وتقصير. [منه].
[ ٩ / ٧٩ ]
موقفها موقف سائر الصحابة منها، ألا وهو الموقف الجازم بها، على ما أخبر به النبي - ﵌ - واعتبارها مستثناةً من الآية.
فتنبه لهذا، واعلم أن من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي - ﵌ - من الأمور، والاحتجاج به؛ لأن إقراره - ﵌ - حق كما هو معلوم، وإلا فبدون ذلك قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص، ولا نذهب بك بعيدًا فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث - حديث القليب - على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله - ﵌ -: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» غير منتبهين لإقراره - ﵌ - الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون، وأنه لم يرده عليهم إلا باستثناء أهل القليب منه معجزة له - ﵌ -، فعاد الحديث بالتنبه لما ذكرنا حجة على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام. والله تعالى الموفق.
وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثالان:
الأول: حديث جابر عن أم مبشر ﵄ أنها سمعت النبي - ﵌ - يقول عن حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها». قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فقال النبي - ﵌ -: " قد قال الله ﷿: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ ".
رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢١٦٠) و"تخريج السنة" (٨٦٠ - طبع المكتب الإسلامي).
[ ٩ / ٨٠ ]
أقول: ففي استدلال السيدة حفصة ﵂ بآية الورود دليل على أنها فهمت (الورود) بمعنى الدخول وأنه عام لجميع الناس الصالح والطالح منهم، ولذلك أشكل عليها نفي النبي - ﵌ - دخول النار في حق أصحاب الشجرة، فأزال - ﵌ - إشكالها بأن ذكرها بتمام الآية: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ ففيه أنه - ﵌ - أقرها على فهمها المذكور، وأنه على ذلك أجابها بما خلاصته أن الدخول المنفي في الحديث هو غير الدخول المثبت في الآية، وأن الأول خاص بالصالحين ومنهم أهل الشجرة، والمراد به نفي العذاب، أي أنهم يدخلونها مرورا إلى الجنة دون أن تمسهم بعذاب، والدخول الآخر عام لجميع الناس ثم هم فريقان: منهم من تمسه بعذاب ومنهم على خلاف ذلك وهذا ما وضحته الآية نفسها في تمامها وراجع لهذا " مبارق الأزهار " (١/ ٢٥٠) و" مرقاة المفاتيح " (٥/ ٦٢١ - ٦٣٢)
قلت: فاستفدنا من الإقرار المذكور حكما لولاه لم نهتد إلى وجه الصواب في الآية، وهو أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنه لجميع الناس، ولكنها بالنسبة للصالحين لا تضرهم بل تكون عليهم بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، وقد روي هذا صراحةً مرفوعًا في حديث آخر لجابر لكن استغربه الحافظ ابن كثير وبينت علته في " الأحاديث الضعيفة " (٤٧٦١)، لكن حديثه هذا عن أم مبشر يدل على صحة معناه، وقد مال إليه العلامة الشوكاني في تفسيره للآية (٣/ ٣٣٣) واستظهره من قبله القرطبي (١١/ ١٣٨ - ١٣٩) وهو المعتمد.
والآخر: حديث " الصحيحين " والسياق للبخاري نقلا من " مختصر البخاري " بقلمي لأنه أتم جمعت فيه فوائده وزوائده من مختلف مواضعه قالت عائشة:
دخل علي رسول الله - ﵌ - وعندي جاريتان [من جواري الأنصار ٣/ ٣]
[ ٩ / ٨١ ]
(وفي رواية: قينتان ٤/ ٢٦٦] [في أيام منى تدففان وتضربان ٤/ ١٦١] تغنيان بغناء (وفي رواية: بما تقاولت (وفي أخرى تقاذفت) الأنصار يوم) بعاث (١). [وليستا بمغنيتين] فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر [والنبي - ﵌ - متغش بثوبه ٢/ ١١] فانتهرني) وفي رواية: فانتهرهما) وقال: مزمارة (وفي رواية: مزمار) الشيطان عند (وفي رواية: أمزامير الشيطان في بيت) رسول الله - ﵌ -[(مرتين)]؟ فأقبل عليه رسول الله - ﵌ - (وفي رواية: فكشف النبي - ﵌ - عن وجهه) فقال:
دعهما [يا أبا بكر [ف] إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا] ". فلما غفل غمزتهما فخرجتا ". (رقم ٥٠٨ من المختصر ").
قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي - ﵌ - لم ينكر قول أبي بكر الصديق في الغناء بالدف أنه " مزمار الشيطان " ولا نهره لابنته أو للجاريتين بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر بذلك؟ الجواب: جاء به من تعاليم النبي - ﵌ - وأحاديثه الكثيرة في تحريم الغناء وآلات الطرب، وقد ذكر طائفة منها العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " (١/ ٢٥٨ - ٢٦٧) وخرجت بعضها في " الصحيحة " (٩١) و" المشكاة " (٣٦٥٢) ولولا علم أبي بكر بذلك وكونه على بينة من الأمر ما كان له أن يتقدم بين يدي النبي - ﵌ - وفي بيته بمثل هذا الإنكار الشديد، غير أنه كان خافيًا عليه أن هذا الذي أنكره يجوز في يوم عيد فبينه له النبي - ﵌ - بقوله: " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " فبقي إنكار أبي بكر العام مسلمًا به
_________________
(١) بالصرف وعدمه وهو اسم حصن وقعت الحرب عنده بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بثلاث سنين. [منه].
[ ٩ / ٨٢ ]
لإقراره - ﵌ - إياه، ولكنه استثنى منه الغناء في العيد فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث.
فتبين أنه - ﵌ - كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى، كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان، وكما أنه أدخل على الأول تخصيصًا، كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصًا اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد، ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بَيَّنَّا؛ أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم، فإنه استدل به على الإباحة مطلقا جمودًا منه على الظاهر فإنه قال في رسالته في الملاهي (ص ٩٨ - ٩٩): وقد سمع رسول الله - ﵌ - قول أبي بكر: مزمار الشيطان " فأنكر عليه ولم ينكر على الجاريتين غناءهما ".
والواقع أنه ليس في كل روايات الحديث الإنكار المذكور وإنما فيه قوله - ﵌ - لأبي بكر: " دعهما. . . " وفرق كبير بين الأمرين فإن الإنكار الأول لو وقع لشمل الآخر ولا عكس كما هو ظاهر، بل نقول زيادة على ذلك: إن النبي - ﵌ - أقر قول أبي بكر المذكور كما سبق بيانه وقد قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " بعد أن ذكر الحديث (١/ ٢٥٧):
فلم ينكر رسول الله - ﵌ - على أبي بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما؛ لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد.
وأما أنه - ﵌ - لم ينكر على الجاريتين فحق، ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره أولا. وثانيًاّ: لما أمر - ﵌ - أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: " دعهما "
[ ٩ / ٨٣ ]
أتبع ذلك بقوله: " فإن لكل قوم عيدًا. . . " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية إذا صح التعبير، ومن المعلوم أن العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر، ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول بدليل الخطاب، وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من " مجموع الفتاوى " فراجع المجلد الثاني من " فهرسه ".
لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الشاهد منه واضح ومهم، وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي - ﵌ - لأمرٍ ما يفتح عليه بابًا من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها، وهكذا كان الأمر في حديث القليب فقد تبين بما سبق أنه دليل صريح على أن الموتى لا يسمعون، وذلك من ملاحظتنا إقرار النبي - ﵌ - لاستنكار عمر سماعهم واستدلاله عليه بالآية ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فلا يجوز لأحد بعد هذا أن يلتفت إلى أقوال المخالفين القائلين بأن الموتى يسمعون، فإنه خلاف القرآن الذي بينه الرسول - ﵌ -.
الدليل الرابع:
قول النبي - ﵌ -: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» (١).
أقول: ووجه الاستدلال به أنه صريح في أن النبي - ﵌ - لا يسمع سلام المسلمين عليه؛ إذ لو كان يسمعه بنفسه لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه كما هو
_________________
(١) وهو حديث صحيح. [منه].
[ ٩ / ٨٤ ]
ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك فبالأولى أنه - ﵌ - لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيره من الموتى أولى وأحرى.
ثم إن الحديث مطلق يشمل حتى من سلم عليه - ﵌ - عند قبره، ولا دليل يصرح بالتفريق بينه وبين من صلى عليه بعيدا عنه، والحديث المروي في ذلك موضوع كما سيأتي بيانه في التعليق (ص ٨٠).
وهذا الاستدلال لم أره لأحد قبلي فإذا كان صوابًا - كما أرجو - فهو فضل من الله ونعمة وإن كان خطأ فهو من نفسي، والله تعالى أسأل أن يغفره لي وسائر ذنوبي.
أدلة المخالفين:
فإن قيل: يظهر من النقول التي ستأتي في الرسالة عن العلماء أن المسألة خلافية فلا بد أن المخالفين فيها أدلة استندوا إليها.
فأقول: لم أر فيها من صرح بأن الميت يسمع سماعًا مطلقًا عامًا كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالمًا يقول به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعًا لهم في الجملة، وأقوى ما استدلوا به سندا حديثان:
الأول: حديث قليب بدر المتقدم وقد عرفت مما سبق بيانه أنه خاص بأهل القليب من جهة، وأنه دليل على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون من جهة أخرى، وأن سماعهم كان خرقًا للعادة فلا داعي للإعادة.
والآخر: حديث: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا». وفي رواية: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه
[ ٩ / ٨٥ ]
ملكان » الحديث (انظر ص ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٨٢) من " الآيات".
وهذا كما ترى خاص بوقت وضعه في قبره ومجيء الملكين إليه لسؤاله " فلا عموم فيه، وعلى ذلك حمله العلماء كابن الهمام وغيره كما سيأتي في " الآيات " (ص ٥٦، ٥٩، ٧٣).
ولهم من هذا النوع أدلة أخرى ولكن لا تصح أسانيدها، وفي أحدها التصريح بأن الموتى يسمعون السلام عليهم من الزائر، وسائرها ليس في السماع، وبعضها خاص بشهداء أحد، وكلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفا من بعض كما ستراه في التعليق (ص ٦٩).
وأغرب ما رأيت لهم من الأدلة قول ابن القيم ﵀ في " الروح " (ص٨) تحت المسألة الأولى: هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ فأجاب بكلام طويل جاء فيه ما نصه:
ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرًا، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرًا؛ فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره (!) هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال (!) وقد عَلَّم النبي - ﵌ - أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار.
وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد وإن لم يسمع المسلم الرد ".
أقول وبالله تعالى التوفيق:
رحم الله ابن القيم فما كان أغناه من الدخول في مثل هذا الاستدلال العقلي
[ ٩ / ٨٦ ]
الذي لا مجال له في أمر غيبي كهذا، فوالله لو أن ناقلًا نقل هذا الكلام عنه ولم أقف أنا بنفسي عليه لما صدقته؛ لغرابته وبعده عن الأصول العلمية والقواعد السلفية التي تعلمناها منه ومن شيخه الإمام ابن تيمية، فهو أشبه شيء بكلام الآرائيين والقياسيين الذين يقيسون الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، وهو قياس باطل فاسد طالما رد ابن القيم أمثاله على أهل الكلام والبدع، ولهذا وغيره فإني في شك كبير من صحة نسبة " الروح " إليه أو لعله ألفه في أول طلبه للعلم. والله أعلم.
ثم إن كلامه مردود في شطريه بأمرين:
الأول: ما ثبت في " الصحيح " أن النبي - ﷺ - كان يزور البيت في الحج وأنه كان وهو في المدينة يزور قباء راكبًا وماشيًا ومن المعلوم تسمية طواف الإفاضة بطواف الزيارة. فهل من أحد يقول: بأن البيت وقباء يشعر كل منهما بزيارة الزائر أو أنه يعلم بزيارته؟
وأما الآخر: فهو مخاطبة الصحابة للنبي - ﷺ - في تشهد الصلاة بقولهم: " السلام عليكم أيها النبي. . . . " وهم خلفه قريبًا منه وبعيدًا عنه في مسجده وفي غير مسجده، أفيقال: إنه كان يسمعهم ويشعر بهم حين يخاطبونه به وإلا فالسلام عليه محال؟ اللهم غفرًا. وانظر التعليق الآتي على الصفحة (٩٥ - ٩٦).
وإذا كان لا يسمع هذا الخطاب في قيد حياته أفيسمعه بعد وفاته وهو في الرفيق الأعلى لا سيما وقد ثبت أنه يبلغه ولا يسمعه كما سبق بيانه في الدليل الرابع (ص ٣٦)؟
ويكفي في رد ذلك أن يقال: إنه استدلال مبني على الاستنباط والنظر، فمثله
[ ٩ / ٨٧ ]
قد يمكن الاعتداد به إذا لم يكن مخالفا للنص والأثر، فكيف وهو مخالف لنصوص عدة، واحد منها فقط فيه كفاية وغنية كما سلف، وبخاصة منها حديث قليب بدر، وفيه إقرار النبي - ﷺ - لعمر أن الموتى لا يسمعون، فلا قيمة إذن للاستنباط المذكور فإن الأمر كما قيل: " إذا جاء الأثر بطل النظر، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ".
وقد يتساءل القارئ - بعد هذا - عن وجه مخاطبة الموتى بالسلام وهم لا يسمعونه؟ وفي الإجابة عنه أحيل القارئ إلى ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما يأتي من الرسالة وما علقته عليها (ص ٩٥ - ٩٦) فإن في ذلك كفاية وغنية عن الإعادة.
وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم - كما ستراه في الكتاب مبسوطًا - على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في حديث القليب فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلًا فيقال إن الموتى يسمعون كما فعل بعضهم (١) كلا فإنها قضايا جزئية لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثني منه على قاعدة استثناء الأقل من الأثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر في علم أصول الفقه ولذلك قال العلامة الآلوسي في " روح المعاني " بعد بحث مستفيض في هذه المسألة (٦/ ٤٥٥):
والحق أن الموتى يسمعون في الجملة فيقتصر على القول بسماع ما ورد
_________________
(١) انظر " الأضواء " (٦/ ٤٢٥). [منه].
[ ٩ / ٨٨ ]
السمع بسماعه.
وهذا مذهب طوائف من أهل العلم كما قال الحافظ ابن جرب الحنبلي على ما سيأتي في الرسالة (ص ٧٠) وما أحسن ما قاله ابن التين ﵀:
"إن الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله تعالى إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع لقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة ﴾ الآية وقوله: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ﴾ الآية. كما نقله المؤلف فيما يأتي (ص ٧٢).
فإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الموتى لا يسمعون فقد تبين أنه لم يبق هناك مجال لمناداتهم من دون الله تعالى ولو بطلب ما كانوا قادرين عليه وهم أحياء كما تقدم بيانه في (ص ١٦ - ٢١) بحكم كونهم لا يسمعون النداء، وأن مناداة من كان كذلك والطلب منه سخافة في العقل وضلال في الدين وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ (الأحقاف ٥ - ٦).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٣٧ - ٦٣).
[١٤٧٥] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إذا مررت عليهم (يعني أهل القبور) فقل: السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. فقال أبو رزين: يا رسول الله ويسمعون؟ قال: ويسمعون، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا، أولا ترضى يا أبا رزين أن يرد عليك [بعددهم من]
[ ٩ / ٨٩ ]
الملائكة».
(منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٣٦٩) وعبد الغني المقدسي في " السنن " (ق ٩٢: ٢) عن النجم بن بشير بن عبد الملك بن عثمان القرشي حدثنا محمد بن الأشعث عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: " قال أبو رزين: يا رسول الله: إن طريقي على المقابر، فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: " فذكره. وقال العقيلي والزيادة له:" محمد بن الأشعث مجهول في النسب والرواية، وحديثه هذا غير محفوظ، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد. وأما " السلام عليكم يا أهل القبور " إلى قوله " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " فيروى بغير هذا الإسناد من طريق صالح، وسائر الحديث غير محفوظ ".
والنجم بن بشير أورده ابن أبي حاتم (٤/ ١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قلت: فهو بهذه الزيادة منكر، لتفرد هذا المجهول بها، وأما بدونها فهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث عائشة وبريدة، وهو مخرج في كتابي " أحكام الجنائز وبدعها ".
وهذه الزيادة منكرة المتن أيضًا، فإنه لا يوجد دليل في الكتاب والسنة على أن الموتى يسمعون، بل ظواهر النصوص تدل على أنهم لا يسمعون. كقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ وقوله - ﵌ - لأصحابه وهم في المسجد: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني » فلم يقل: أسمعها. وإنما تبلغه الملائكة كما في الحديث الآخر: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن
[ ٩ / ٩٠ ]
أمتي السلام». رواه النسائي وأحمد بسند صحيح.
وأما قوله - ﵌ -: «العبد إذا وضع في قبره، وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له ..» الحديث رواه البخاري فليس فيه إلا السماع في حالة إعادة الروح إليه ليجيب على سؤال الملكين كما هو واضح من سياق الحديث. ونحوه قوله - ﵌ - لعمر حينما سأله عن مناداته لأهل قليب بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» هو خاص أيضًا بأهل القليب، وإلا فالأصل أن الموتى لا يسمعون، وهذا الأصل هو الذي اعتمده عمر ﵁ حين قال للنبي - ﵌ -: إنك لتنادي أجسادا قد جيفوا، فلم ينكره الرسول - ﵌ - بل أقره، وإنما أعلمه بأن هذه قضية خاصة، ولولا ذلك لصحح له ذلك الأصل الذي اعتمد عليه، وبين له أن الموتى يسمعون خلافا لما يظن عمر، فلما لم يبين له هذا، بل أقره عليه كما ذكرنا، دل ذلك على أن من المقرر شرعا أن الموتى لا يسمعون. وأن هذه قضية خاصة.
وبهذا البيان ينسد طريق من طرق الضلال المبين على المشركين وأمثالهم من الضالين، الذين يستغيثون بالأولياء والصالحين ويدعونهم من دون الله، زاعمين أنهم يسمعونهم، والله ﷿ يقول: " إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ".
وراجع لتمام هذا البحث الهام مقدمتي لكتاب " الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات " للآلوسي.
"الضعيفة" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦).
[ ٩ / ٩١ ]
[١٤٧٦] باب منه
سؤال: بالنسبة لموضوع الموتى حديث أن الميت يسمع قرع النعال .. ما صحة الحديث؟
الشيخ: أولًا: هذا حديث صحيح؛ لأنه مخرج في صحيح البخاري: «إذا وضع الميت في قبره وانصرف الناس عنه إنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون» هذا الحديث صحيح، لكن هذا كذاك، أي: هذا مستثنى من القاعدة العامة؛ لأنه يقول: "حين" فهو ليس في كل حين يسمع، نفس الحديث يعطيك تخصيص ولا يعطيك العموم، يسمع قرع نعالهم حين .. حين ما معنى حين؟ يعني: وقت، ﴿حين يولون عنه مدبرين﴾ لكن هل يعني الحديث أن الموتى كلما مر المرء من المقابر فهو بسمع قرع النعال؟!
مداخلة: ألا يحمل على وجه البلاغة يعني: مثلًا في الإعلانات ..
الشيخ: ما هو الذي يحمل يا أخي حدد كلامك.
مداخلة: حتى أنهم يسمعون قرع نعالهم مثلًا في إعلان عن شقة ما هو مقبول؟ شقة ترى البحر، هي لا ترى البحر ولكنها في موضع يسمح لمن فيها برؤية البحر، فهنا المعنى يحمل على أنهم .. أن الصوت يصل إليهم، لو أن حيًا في مكانهم لسمع قرع النعال.
الشيخ: أما قرع النعال ما يسمعون؟
مداخلة: نعم؟
الشيخ: يعني: في النهاية تعني أنهم لا يسمعون قرع النعال؟
[ ٩ / ٩٢ ]
مداخلة: أنا أتصور والله أعلم ..
الشيخ: أنا أسألك حتى أفهم منك، تعني: أنهم لا يسمعون قرع النعال؟
مداخلة: قد يحمل المعنى على هذا والله أعلم.
الشيخ: وقد لا يحمل، ما الذي تستفيده من القدقدة؟ ثم أنا أذكر السائل وسائر الحاضرين بقاعدة لغوية مهمة جدًا: إذا دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأصل عدم التقدير، بعبارة أخرى: إذا أمكننا أن نفسر العبارة أو الجملة العربية من كلام الله أو من حديث رسول الله - ﵌ - أو أي جملة عربية إذا أمكننا أن نفسرها على الحقيقة، فلا يجوز تفسيرها على المجاز إلا إذا قامت القرينة الشرعية أو العقلية فحينذاك يقال: وجدت القرينة التي تضطرنا إلى تفسير الآية أو الحديث أو الجملة العربية على المجاز وليس على الحقيقة لكن إذا دار الأمر بدون وجود قرينة بين تفسير الجملة على الحقيقة أو على المجاز فالأصل الحقيقة وليس المجاز، وإلا فسدت اللغة وفسدت استعمالها بين الناس، إذا قال قائل: جاء الأمير، فهل يجوز للسامع أن يفهم جاء خادم الأمير؟ وهذا تعبير عربي معروف بتقدير مضاف محذوف، لا يجوز؛ لأنه ليس هناك ما يضطر السامع أن يتأول قول القائل: جاء الأمير يعني: لا ليس الأمير وإنما جاء خادمه، أو جاء نائبه أو أو إلى آخره، لو فتح هذا الباب لفسد التفاهم بين الناس باللغة العربية.
ومن هنا كان من رد العلماء والفقهاء على غلاة الصوفية الذين يقولون من جهة بما يعرف عند العلماء بوحدة الوجود، والذين يتكلمون بعبارات صريحة في الكفر وفي وحدة الوجود فيأتي المدافعون عن أولئك الصوفية بالباطل فيتأولون كلامهم تأويلًا يتفق في نهاية المطاف مع الشريعة، فنحن نقول لهؤلاء بهذه
[ ٩ / ٩٣ ]
الطريقة: لا يمكن أن نقول أن هذا الكلام كفر، حتى قلت مرة لبعضهم: ائتني بأي جملة هي كفر في ظاهر العبارة وأنا على طريقتك أجعلها توحيدًا خالصًا؟ طريقته ما هي؟ تأويل النصوص، مثلًا مما قال قائلهم المغرق في الضلال:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة
يتكلفون في تأويل: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، أي: إلا إلى هنا .. إلى هنا .. إلى: حرف جر، ما هذا التأويل؟! ولذلك مثل هذا التأويل يمكن إجراؤه على أي عبارة، مثلًا أنا أقول: لو قال قائل: [فرعون] خلق السموات والأرض، ما رأيكم في هذا الكلام يجوز أو لا يجوز؟ طبعًا بالإجماع لا يجوز، لكن أنا أجعله توحيدًا بطريقة الصوفية، وهو رب [فرعون]، هذا معروف في اللغة تقدير مضاف محذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف:٨٢) اسأل القرية ماذا؟ حيطانها .. شجرها؟ لا، إنما أهلها، كذلك العير، لكن هذا المضاف المحذوف، الأسلوب العربي نفسه يوحي به إلى السامع فإن أحدًا لا يتساءل يا ترى! المقصود هنا القرية؟ لا، ولذلك تسمية هذا التعبير في اللغة العربية أن هذا مجاز مما يدفعه ابن تيمية ﵀ في رسالته الخاصة بالحقيقة والمجاز، يقول: تسمية هذه العبارة خاصة بأنها مجاز من باب حذف المضاف هذا اصطلاح طارئ، وإلا فالعرب ما كانوا يفهمون من هذه العبارة إلا معنًى واحدًا هو الذي يسمونه بالمجاز بحذف المضاف.
كذلك مثلًا في الأسلوب العربي: سال الميزاب، على طريقة المتأخرين في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حقيقة هذه العبارة: سال الميزاب، يعني: الميزاب من شدة الحرارة ذاب وصار سائلًا سال الميزاب، لكن مَن مِن العرب إذا سمع هذه العبارة يتبادر إلى ذهنه المعنى الذي يسمونه حقيقة، فيقولون: لا، هنا
[ ٩ / ٩٤ ]
المقصود المجاز، هذا المعنى الذي يسمونه مجازًا في هذا المثال هو المعنى الحقيقة المراد منه، سال الميزاب، يعني: سال ماء الميزاب، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف:٨٢) تمامًا، وهكذا أمثلة كثيرة يذكرها ابن تيمية.
منها مثلًا: جرى النهر، النهر هو الأخدود الذي يجري فيه الماء فحينما يقول العربي: جرى النهر، لا هو يعني جرى الأخدود نفسه بدون ماء ولا السامع منهم من العرب يفهم إلا الذي أراده، أي: جرى ماء النهر، إذًا: تسمية هذه التعابير بأنها مجاز يقول ابن تيمية: هذا خطأ، المجاز هو الذي يخرج المعنى الظاهر من العبارة إلى معنى آخر لوجود قرينة، لكن هنا لا معنى آخر إلا معنى واحد محدد هو اسأل القرية، يعني: أهلها .. سال الميزاب، أي: ماؤه .. جرى النهر، أي: ماؤه، من هنا يصل ابن تيمية إلى الرد على المتأخرين الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات باللجوء إلى ارتكاب طريق التأويل وهو سلوك طريق المجاز، لكن ما الذي يضطرهم إلى ترك فهم المعاني من هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة كلها بالصفات أن تفسر على حقائقها؟ لا سيما وهم يقولون جميعًا المتقدمون منهم والمتأخرون: الأصل في كل عبارة أن تفسر على حقيقتها.
فمثلًا قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) لا، جاء ربك لا يجوز هذا الفهم، إذًا: جاءت رحمة ربك، جاء أي مضاف محذوف يقدمونه، وعلى ذلك فقس، نحن نقول: الحق كما نطق الحق في كتابه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر:٢٢) لكن كيف يجيء؟ ما ندري.
وهذا البحث طرقه العلماء قديمًا وحديثًا، فنحن في مناسبة قريبة تعرضنا لمثله أيضًا، الخلاصة: أن الكلام العربي أول ما ينبغي أن يفسر به هو على الحقيقة، فقوله ﵇: «إذا وضع الميت في قبره فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم
[ ٩ / ٩٥ ]
عنه مدبرين» على الحقيقة يسمع قرع النعال، بل أنا أقول خلاف ما قلت أنت: هو لا يمكن القول أنه يسمع كل شيء؛ لأنه هو بكل شيء سمع، هذا أمر مستحيل، لكن ما دام أن الأصل أن الموتى لا يسمعون كما شرحنا لكم آنفًا فإذا جاء نص ما يعطي لميت أو موتى ما سماعًا ما نستثنيه من القاعدة، نقول: أولئك المشركين في القليب سمعوا قول الرسول ﵇، لكن ما كان يجري حولهم من أحاديث الصحابة وحينما قال عمر: يا رسول الله! إنك لتنادي أجسادًا لا أرواح فيها، ما نقول أنهم سمعوا قول عمر؛ لأن سماعهم لقول الرسول معجزة للرسول فيوقف عندها، كذلك في هذا الحديث يسمع الميت قرع نعالهم وفقط، وما نزيد على ذلك لسببين اثنين:
أولًا: أنه خلاف الأصل، أن الموتى لا يسمعون، ثانيًا وأخيرًا: أن الأمور الغيبية، وهذا من الغيب في البرزخ لا يتوسع فيها أبدًا، والحق الوقوف عند النص وعدم التَزَيُّد عليه ..
"أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٤٧: ٥٠: ٠٠).
[١٤٧٧] باب هل الأموات على علمٍ بحال الأحياء؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله، وتعرض على الأنبياء، وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وإشراقا، فاتقوا الله، ولا تؤذوا أمواتكم».
(موضوع)
[ثم بين الإمام وضعه ثم قال]:
[ ٩ / ٩٦ ]
[١٤٧٨] باب هل يسمع النبي - ﵌ - بعد موته سلام من سلم عليه؟ وهل يلزم من رده ص السلام أن يكون سمعه؟
ومنه تعلم أن السيوطي قد أساء بإيراده لهذا الحديث في " الجامع الصغير " وباستشهاده به على ما جزم به في " الحاوي " أن الأموات على علم بأحوال الأحياء، وبما هم فيه! وقد ساق في هذه المسألة أحاديث أخرى، لا يحتج بشيء منها مثل حديث:" إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات .. " الحديث، وقد مضى (٨٦٧).
"الضعيفة" (٣/ ٦٧٢).
[١٤٧٨] باب هل يسمع النبي - ﵌ - بعد موته سلام من سلم عليه؟ وهل يلزم من رده - ﷺ - السلام أن يكون سمعه؟
[قال الإمام]:
لم أجد دليلًا على سماعه - ﷺ - سلام من سلَّم عليه عند قبره، وحديث أبي داود: [وهو: " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ "وإسناده حسن كما بينه الشيخ في " الصحيحة " (٢٢٦٦)] ليس صريحًا
في ذلك.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١١٣٠٠).
[١٤٧٩] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا وكل بها ملك يبلغني، وكفي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدًا أو شفيعًا».
(موضوع بهذا التمام).
[ ٩ / ٩٧ ]
[قال الإمام]:
فائدة: قال الشيخ ابن تيمية عقب كلامه المتقدم على الحديث: وهو لوكان صحيحًا فإنما فيه أنه يبلغه صلاة من صلى عليه نائيًا، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولا عن هذا المعترض (يريد الأخنائي)، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال: يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه، فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلين (عليه) باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة إنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة.
قلت: ويؤيد بطلان قول أولئك الجهال قوله - ﵌ -:" أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني " الحديث وهو صحيح كما تقدم (ص ٣٦٤) فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه ولا يسمعها من المصلي عليه - ﵌ -.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٦، ٣٦٩).
[١٤٨٠] باب الجمع بين قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ و﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ وبين قول النبي - ﵌ -: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا»
[ذكر الآلوسي في"الآيات البينات" بعض أدلة من يقول بعدم سماع الأموات فذكر قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر:٢٢) و﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ (النمل:٨٠)، ثم قال: لكن يشكل عليهم ما في "مسلم": «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا» إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمةً للسؤال.
[ ٩ / ٩٨ ]
[فعلق الألباني قائلًا]:
والتخصيص المشار إليه أمر لا بد منه للجمع المذكور، ولكن ينبغي أن يعلم أن ذلك كذلك ولو لم يتعارض ظاهره بالآيتين المذكورتين فإن الحديث يدل أنه خاص بأول الوضع فإن لفظه: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان. . . " الحديث متفق عليه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨١).
[١٤٨١] باب منه
[وقال الألباني حول الجواب بالتخصيص بأول الوضع في القبر في موضع آخر]:
وهذا الجواب هو الأصح لقول قتادة المتقدم في حديث أبي طلحة (ص٧٨) (١) وهو الذي اعتمده الحافظ البيهقي، وغيره، ويأتي في الكتاب (٩٩) قول السهيلي في ذلك، ويظهر أن مناداة الكفار بعد هلاكهم سنة قديمة من سنن الأنبياء فقد قال تعالى في قوم صالح ﵇: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ في دَارِهِمْ جَاثِمِين، فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِين﴾ (الأعراف: ٧٨، ٧٩)، قال ابن كثير (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠):
هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم الحق وإعراضهم عن الهدى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا وهم يسمعون ذلك كما ثبت في "الصحيحين ". . . فذكر
_________________
(١) قال قتادة: «أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة وندمًا».
[ ٩ / ٩٩ ]
حديث القليب. لكن قوله: " وهم يسمعون ذلك " ليس في الآية ما يدل عليه. ثم ذكر الله تعالى عن شعيب ﵇ وقومه نحو ذلك فانظر " ابن كثير " (٢/ ٢٣٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٤).
[١٤٨٢] باب لا يلزم من السلام
على الأموات أو مخاطبتهم أنهم يسمعون
[قال الآلوسي في "الآيات البينات"]:
فإن قيل: إذا كان مذهب الحنفية وكثير من العلماء المحققين على عدم السماع [أي سماع الأموات] فما فائدة السلام على الأموات وكيف (صحت) مخاطبتهم عند السلام؟
قلت: لم أجد فيما بين يدي الآن من كتبهم جوابهم عن ذلك، ولا بد أن تكون لهم أجوبة عديدة فيما هنالك، والذي يخطر في الذهن، ويتبادر إلى الخاطر والفهم، أنهم لعلهم أجابوا بأن ذلك أمر تعبدي، وبأنا نسلم سرًاّ في آخر صلاتنا إذا كنا مقتدين، وننوي بسلامنا الحفظة، والإمام، وسائر المقتدين، مع أن هؤلاء القوم لا يسمعونه لعدم الجهر به، فكذا ما نحن فيه.
[فعلق الألباني قائلًا:]
ومن هذا القبيل قول الضرير في حديثه المشهور: " يا محمد إني توجهت بك إلى ربي. . . " الحديث وهو مخرج في رسالتي " التوسل " (ص ٦٧ - ٦٨). وهذا إذا افترض أن النبي - ﵌ - كان بعيدا أو غائبًا عنه لا يسمعه، وأما إذا كان ذلك في حضوره - ﷺ - فلا إشكال.
[ ٩ / ١٠٠ ]
[ثم قال الآلوسي:]
على أن السلام هو الرحمة للموتى، وننزلهم منزلة المخاطبين السامعين، وذلك شائع في العربية كما لا يخفى على العارفين، فهذه العرب تُسَلِّمُ على الديار، وتخاطبها على بعد المزار.
[فعلق الألباني قائلًا]:
ومن ذلك مخاطبة النبي - ﵌ - الهلال حين يراه بقوله: ". . . ربنا وربك الله " ونحوه مما جاء في عدة أحاديث مخرجة في " المشكاة " (٢٤٢٨ و٢٤٥١) و"الكلم الطيب " (ص ٩١/ ١٦١) و" الصحيحة " (١٨١٦). و" الضعيفة " (١٥٠٦).
ومثله ما روي عن ابن عمر مرفوعًا: " كان إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك. . . " الحديث، وقد صححه بعضهم، لكن في إسناده جهالة كما بينته في " الكلم الطيب " (٩٩/ ١٨٠) و" المشكاة " (٣٤٣٩ - التحقيق الثاني).
وفي ذلك كله رد قوي على قول ابن القيم في " الروح " (ص ٨) وقد ذكر السلام على الأموات -: "فإن السلام على من لا يَشْعُرُ ولا يَعْلَمُ بالمسلم محال"، قال: "وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويرد" وكأنه ﵀ لم يستحضر خطاب الصحابة للنبي - ﵌ - في التشهد: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " خلفه في المدينة، وبعيدًا عنه في سائر البلاد، بحيث لو خاطبوه بذلك جهرًا لم يسمعهم - ﵌ -، فضلًا عن جمهور المسلمين اليوم وقبل اليوم الذي يخاطبونه بذلك، أفيقال: إنه يسمعهم؟ أو أنه من المحال السلام عليه
[ ٩ / ١٠١ ]
وهو لا يشعر بهم ولا يعلم؟ وكذلك لم يستحضر ﵀ قول شيخ الإسلام ابن تيمية في توجيه هذا السلام ونحوه فقال في " الاقتضاء " (ص ٤١٦) وقد ذكر حديث الأعمى المشار إليه آنفًا:
وقوله: "يا محمد " هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، فيخاطب لشهوده بالقلب، كما يقول المصلي: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " والإنسان يفعل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من سمع الخطاب ".
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣١ - ١٣٢).
[١٤٨٣] باب كيف سلم النبي - ﵌ - على القبور فقال:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين "مع أن الموتى لا يسمعون؟
[قال الآلوسي في "الآيات البينات"]:
رأيت في " شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك " في " فصل جامع للوضوء " في الكلام على حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﵌ - خرج إلى المقبرة فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " ما لفظه:
" قال الباجي وعياض: يحتمل أنهم أحيوا له حتى سمعوا كلامه كأهل القليب، ويحتمل أن يسلم عليهم مع كونهم أمواتًا لامتثال أمته ذلك بعده، قال الباجي: وهو الأظهر ".
[فعلق الألباني قائلًا:]
قلت: كل من الاحتمالين غير قوي عندي أما الأول فلأن النبي - ﵌ - كان
[ ٩ / ١٠٢ ]
يخاطب الموتى بالسلام المذكور كلما زار القبور كما في حديث عائشة ﵂: " كان - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﵌ - يخرج من آخر الليل فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. . . " الحديث. رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٩) فهل كانوا يجيبونه كلما سلم عليهم؟
وأما الآخر فهو أضعف منه لأنه يعود السؤال السابق: لماذا خاطبهم النبي - ﵌ - بذلك؟ اللهم إلا أن يكون مراده أن الأمر تعبدي محض. والله أعلم.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣٣ - ١٣٤).
[١٤٨٤] باب لا يستدل بحديث أهل القليب على أن الموتى يسمعون
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلاَثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ، خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّى قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِى رَبِّى حَقًّا». فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِىِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا؟ وَقَدْ جَيَّفُوا قَالَ «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا». ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ.
[قال الإمام معلقًا على قوله - ﵌ -: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»]:
أي لأن الله أحياهم له كما قال قتادة في "صحيح البخاري"، لا لأن الموتى يسمعون كما يظن البعض. كيف والله ﷿ يقول فيهم ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾. فمن أكبر الضلال، استدلال
[ ٩ / ١٠٣ ]
بعض الجهال بالحديث على أن الموتى يسمعون، ثم الاستدلال بسماعهم على جواز الاستعانه بهم. والآية صريحة في نفي الأمرين معًا. والله المستعان.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٠٧).
[١٤٨٥] باب منه
[قال ابن أبي عاصم في "السنة"]:
ثنا أبو الشعثاء، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن أشعث عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود في بيت المال، قال: قام رسول الله - ﵌ - على القليب قليب بدر فقال: «يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقًاّ»؟ قالوا: يا رسول الله هل يسمعون؟ قال: «ما أنتم لأسمع لما أقول منهم، ولكنهم اليوم لا يجيبون».
[قال الإمام]:حديث صحيح.
قال أبو بكر [هو ابن أبي عاصم] والأخبار التي في قليب بدر، ونداء النبي - ﵌ - إياهم، وما أخبر أنهم يسمعون كلامه؛ أخبار ثابتة توجب العمل والمحاسبة، فيه أخبار كثيرة قد أثبتناها في مواضعها.
[فعلق الإمام قائلًا]:
قلت: لكن ليس فيها أن الموتى عامة يسمعون، وإنما فيها أن أهل القليب سمعوا قوله - ﵌ - إياهم (١)، فهي قضية خاصة لا عموم لها، فلا تعارض بينها وبين الآيتين اللتين احتجت بهما السيدة عائشة ﵂، فاحتجاجها بهما صحيح
_________________
(١) كذا.
[ ٩ / ١٠٤ ]
كأصل، لكن خفي عليها أن الحادثة وقعت كما رواها ابن عمر، وكذا أنس وعمر كما تقدم. فتمسكت بالأصل الثابت في القرآن، لعدم ثبوت القصة عندها، ولو ثبتت لاستثنتها من هذا الأصل كما هو الواجب للتوفيق بين القرآن والحديث، ويؤيده قول قتادة المتقدم: أحياهم الله له فالقضية خاصة فلا يجوز أن يلحق بها غيرها فيقال: إن الموتى كلهم يسمعون، كما يقول كثير من الناس اليوم!
"ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص ٣٨٤)
[١٤٨٦] باب متى كانت مخاطبة النبي - ﵌ - لأهل القليب
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات" عن ابن جحر قولًا لبعضهم بأن مخاطبة النبي لأهل القليب كانت وقت سؤال الملكين في القبر، فعلق الألباني على هذا القول قائلًا]:
قلت: وكذا قال الطحطاوي (ص ٥٤٦). وهذا باطل فقد ثبت في بعض طرق القصة عن أنس أن رسول الله - ﵌ - ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فناداهم. . . وفيه أن عمر قال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ الحديث. أخرجه مسلم (٨/ ١٦٣) وأحمد (٣/ ٢٨٦) من رواية ثابت عنه. ورواه حميد عنه بلفظ "قالوا " بدل " قال عمر " كما تقدم قريبًا، ومعناه في طريق قتادة الذي سبق تخريجه (ص ٥٤)، فالعجب من الحافظ كيف فاته هذا وهو الذي نقل في شرحه لهذا الحديث قول السهيلي .. وفيه قول الصحابة: " أتخاطب أقواما قد جيفوا " بل وذكر قبل ذلك حديث أنس هذا من طريق مسلم؟ إلا أن يقال: إن الروح تبقى مدة في جسدها بعد إعادتها إليه وهو بعيد جدًا لعدم ورود نص بذلك. والله أعلم.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٢).
[ ٩ / ١٠٥ ]
(متفرقات)
[ ٩ / ١٠٧ ]
[١٤٨٧] باب هل علة الموت هي فساد الأعضاء بحيث تصبح غير قادرة على قبول الآثار الفائضة عليها من الروح
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات "قول ابن القيم في كتابه"الروح" عن ماهية الروح]:
الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وأدلة العقل والفطرة، أنه جسم حادث مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، والدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإدارة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول الآثار، فارق الروح البدن وانفصل بأمر الله تعالى إلى عالم الأرواح قال الله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي﴾.
[فعلق الألباني قائلًا]:
(إن) تعليل الموت بهذا السبب يشبه الفلسفة عندي؛ لأنه لا دليل عليه من نقل، أو عقل بل كم من شخص مات فجأة وأعضاؤه سليمة قوية في عز المنعة والقوة.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٢).
[ ٩ / ١٠٩ ]
[١٤٨٨] باب هل الأموات على علم بحال الأحياء؟
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله، وتعرض على الأنبياء،
وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا
وإشراقا، فاتقوا الله، ولا تؤذوا أمواتكم».
[قال الإمام]:
(موضوع)
[ثم بين الإمام وضعه ثم قال:] ومنه تعلم أن السيوطي قد أساء بإيراده لهذا الحديث في " الجامع الصغير " وباستشهاده به على ما جزم به في " الحاوي " أن الأموات على علم بأحوال الأحياء، وبما هم فيه! وقد ساق في هذه المسألة أحاديث أخرى، لا يحتج بشيء منها مثل حديث " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات .. " الحديث، وقد مضى (٨٦٧).
"الضعيفة" (٣/ ٦٧٢).
[١٤٨٩] باب صفة حياة الأنبياء بعد الموت
[قال الإمام]:
(حياة) الأنبياء بعد الموت حياة برزخية، ولنبينا - ﵌ - فيها من الخصائص ما ليس لغيره كهذه الخصوصية [وهي رد السلام على من سلم عليه] وغيرها ، ولكن لا يجوز التوسع في ذلك بالأقيسة والأهواء كما جاء في آخر " مراقي الفلاح " تحت " فصل زيارة النبي - ﵌ - " ما نصه:
[ ٩ / ١١٠ ]
"ومما هو مقرر عند المحققين أنه - ﷺ - حي يرزق بجميع الملاذ والعبادات، غير أنه حجب عن أبصار القاصرين"!
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١١١).
[١٤٩٠] باب في صفة حياة الشهداء
سؤال: يا أستاذ! هل هناك أناس الآن دخلوا الجنة أو أناس دخلوا النار، مثل الآية التي في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ (يس:٢٦) ..؟
الشيخ: هذا فيما سيكون ..، أما الآن ما هو إلا الحياة البرزخية فدخول الجنة والنار مؤقت للحساب، البعث يوم القيامة ..
مداخلة: حتى الشهداء والأنبياء ..
الشيخ: كلهم، لكن أرواحهم لها نعيم خاص كما قال ﵇: «أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تعلق من ثمر الجنة» وكذلك: «أرواح المؤمنين في بطون طير خضر تعلق من ثمر الجنة» فهذا نعيم روحي، أما النعيم البدني والروحي معًا وكذلك الجحيم فذلك لا يكون إلا بعد البعث والنشور.
مداخلة: طيب يا أستاذ! نحن الذي نفهمه على قدر عقولنا، أن الشخص عندما يكون حي يكون جسده وروحه مرتبطان ببعض ، الله ﷿ عندما يقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (آل عمران:١٦٩) أقصد أنا: بل أحياء تكون الحياة مربوطة الجسد في الروح.
الشيخ: هذا شيء معروف لا يحتاج إلى سؤال، شرحه لك الرسول وأعطاك الجواب وأنا قدمته سلفًا .. أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر، ما معنى هذا؟
[ ٩ / ١١١ ]
معناه أنه يتنعم في بدنه؟! يتنعم في بدن مستعار، وهو الطير الأخضر، فحياة الشهداء حياة تتناسب مع مقامه عند الله أولًا وبقاؤهم في البرزخ ثانيًا، الحياة تختلف حياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، والحياة الأخروية غير الحياتين كلتيهما، الحياة الأخروية غير الحياة البرزخية وغير الحياة الدنيوية أيضًا؛ ولذلك لا يجوز أن يستعمل الإنسان القياس .. قياس الغائب على الشاهد، فتقول أنت: نحن لا نعرف الحياة إلا هكذا! طيب! هذه الحياة التي تعرفها لا تقيس عليها الحياة التي لا تعرفها، وبخاصة وقد جاءت بعض النصوص توضح لك تمامًا أن حياة الشهداء التي ربنا ﷿ أثبتها في نص القرآن: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:١٦٩) ما هو رزقهم؟ ليس طبق ونفق مثل الذي عندنا، رزقهم يأكلون بطريق أكل هذا الطير الأخضر، هذا هو الرزق، الحديث يبين القرآن.
مداخلة: عندما رأى الرسول ﵊ الجنة والنار ووجد الذين يتعذبون فيها والذين يتنعمون فكيف هذا؟
الشيخ: نعم، كشف له عما سيكون عليه أوضاع أهل الجنة وأهل النار، هذا الكشف الحقيقي الذي سرقه الصوفية ونسبوه إلى أنفسهم، هذا للأنبياء والرسل وفقط.
"الهدى والنور" (٢٨/ ١٨: ٥٥: ٠٠)
[١٤٩١] باب لبعض الأعمال الصالحة
فضائل خاصة بعد الموت مع رد حديث طويل في الباب
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إني رأيت البارحة عجبًا:
[ ٩ / ١١٢ ]
١ - رأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءه وضوءه، فاستنقذه من ذلك.
٢ - ورأيت رجلًا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءته صلاته، فاستنقذته من ذلك.
٣ - ورأيت رجلًا من أمتي احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله، فخلصه منهم.
٤ - ورأيت رجلًا من أمتي يلهث عطشًا، فجاءه صيام رمضان، فسقاه.
٥ - ورأيت رجلًا من أمتي من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة، فجاءته حجته وعمرته، فاستخرجاه من الظلمة.
٦ - ورأيت رجلًا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره لوالديه فرده عنه.
٧ - ورأيت رجلًا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلة الرحم، فقالت: إن هذا كان واصلًا لرحمه. فكلمهم وكلموه وصار معهم.
٨ - ورأيت رجلًا من أمتي يأتي النبيين وهم حلق حلق، كلما مر على حلقة طرد، فجاءه اغتساله من الجنابة، فأخذ بيده فأجلسه إلى جنبي.
٩ - ورأيت رجلًا من أمتي يتقي وهج النار بيديه عن وجهه فجاءته صدقته فصارت ظّلًا على رأسه وسترًا عن وجهه.
١٠ - ورأيت رجلًا من أمتي جاءته زبانية العذاب، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فاستنقذه من ذلك.
١١ - ورأيت رجلًا من أمتي هوى في النار، فجاءته دموعه اللاتي بكى بها في الدنيا من خشية الله، فأخرجته من النار.
[ ٩ / ١١٣ ]
١٢ - ورأيت رجلًا من أمتي قد هوت صحيفته إلى شماله، فجاءه خوفه من الله تعالى، فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه.
١٣ - ورأيت رجلًا من أمتي قد خف ميزانه، فجاءه أفراطه، فثقلوا ميزانه.
١٤ - ورأيت رجلًا من أمتي على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله تعالى، فاستنقذه من ذلك.
١٥ - ورأيت رجلًا من أمتي يرعد كما ترعد السعفة، فجاءه حسن ظنه بالله تعالى، فسكن رعدته.
١٦ - ورأيت رجلًا من أمتي يزحف على الصراط مرة، ويحبو مرة فجاءته صلاته علي، فأخذت بيده فأقامته على الصراط حتى جاز.
١٧ - ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله فأخذت بيده، فأدخلته الجنة».
[قال الإمام]:
قلت: منكر جدًا.
نعم، أنا لا أنكر أن لبعض الأعمال الصالحة فضائل خاصة بعد الموت مثل
قوله - ﵌ -: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوة؛ فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل؛ فشفعني فيه. قال: فيشفعان».
وهو مخرج في " تمام المنة " (ص ٣٩٤).
وقوله - ﵌ -: «إن سورة في القرآن ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له؛ وهي: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾».
[ ٩ / ١١٤ ]
وهو مخرج في "التعليق الرغيب" (٢/ ٢٢٢/ ١)، وفي رواية فيه برقم (٤) بلفظ: «من قرأ ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ كل ليلة؛ منعه الله عزوجل بها من عذاب القبر».
فهذان أصلان يشهدان لما ذكرت من الفضائل الخاصة. فأين الأصول التي تشهد لما جاء في هذا الحديث المنكر؟!.
"الضعيفة" (١٤/ ٣/١٢٢٨ - ١٢٣٠،١٢٣٩ - ١٢٤٠).
[١٤٩٢] باب جزاء من مات له ولد وصبر
[قال الإمام]:
قد يصاب المسلم -كما هو الواقع المشاهد- بوفاة ولد له أو أكثر، فتأتيه أجور أخرى غير تلك الأجور التي أشرنا إليها آنفًا مما لو أحياهم الله ﷿ له وعاشوا بعد وفاته، فجاءه من حسناتهم دون أن يكون هو قد فعل هذه الحسنات، فالآن في الصور الأخرى إذا أصيب المسلم بوفاة بعض أولاده، ثم صبر على ذلك، ورضي بقضاء الله وقدره ضمنت له الجنة؛ قال ﵊: «ما من مسلمين -أي: زوجين- يموت لهما ثلاثة من الولد، إلا لن تمسه النار؛ إلا تحلة القسم. قالوا: واثنان يا رسول الله! قال: واثنان. قال أصحابه ﵇: حتى ظننا أننا لو قلنا: وواحد، لقال: وواحد».
إذًا: المسلم المتزوج يعيش بين حسنتين لا بد من إحداهما: إن عاش أولاده من بعده جاءته أجورهم، وهو في قبره.
وإن مات شيء من ولده في .. حياته، فقد ضمن الله له ﵎ الجنة، وأنه لن تمسه النار إلا تحلة القسم.
" الهدى والنور" (٢٠/ ٠٠:٩٠:٣٢)
[ ٩ / ١١٥ ]
[١٤٩٣] باب جزاء من مات له ولدان
[قال رسول الله - ﵌ -﴾:
«ما من امرأة تقدم ثلاثا من الولد تحتسبهن إلا دخلت الجنة. فقالت امرأة منهن: أو اثنان؟ قال: أو اثنان».
[قال الإمام]:
فيه فوائد كثيرة، [منها]:
أن من مات له ولدان دخل الجنة وحجباه من النار، وليس ذلك خاصًّا بالإناث آباء وأولادا، لأحاديث أخرى كثيرة تعم الجنسين، وتجد جملة طيبة منها في " الترغيب والترهيب " (٣/ ٨٩ - ٩١) ويأتي بعد هذا أحدها [ثم أورده:] " من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله ﷿ الجنة برحمته إياهم [فساقه بطوله]
"الصحيحة" (٦/ ١/٣٩٩ - ٤٠٢،٤٠٠)
[١٤٩٤] باب هل تقبل توبة من هو على وشك الإعدام؟
مداخلة: من المعلوم أنها لا تقبل التوبة عند الغرغرة، فرجل حُكم عليه بالإعدام، عند التنفيذ عندما يدخل إلى الغرفة حتى ينفذوا وهو متحقق من موته الآن.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فقبل أن يصعد إلى المشنقة يقول: لا إله إلا الله ويستغفر ويتوب، فهل هذا يدخل في باب تحت الغرغرة؟
[ ٩ / ١١٦ ]
الشيخ: لا، لا يدخل لأنه ما غرغر، ما حشرجت الروح، لكن هو غلب على ظنه أن الموت آتيه، فالتوبة مقبولة ما لم يغرغر، هذا نص صريح في الموضوع.
" الهدى والنور" (٤٢٠/ ٥٨: ٥٥: ٠٠).
[١٤٩٥] باب حكم قولهم:"انتقل إلى مثواه الأخير"
[قال الإمام]:
وأما قولهم في الإذاعات وغيرها: " .. مثواه الأخير " فكفر لفظي على الأقل، وأنا أتعجب كل العجب من استعمال المذيعين المسلمين لهذه الكلمة، فإنهم يعلمون أن القبر ليس هو المثوى الأخير، بل هو برزخ بين الدنيا والآخرة، فهناك البعث والنشور ثم إلى المثوى الأخير، كما قال تعالى ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾، وقال في الأخير: ﴿فالنار مثوى لهم﴾، وما ألقى هذه الكلمة بين الناس إلا كافر ملحد، ثم تقلدت من المسلمين في غفلة شديدة غريبة! ﴿فهل من مدكر﴾؟ اهـ.
"الصحيحة" (٦/ ١/٤١٦).
[١٤٩٦] باب حكم تشريح جسد من مات موتًا دماغيًا فقط
سؤال: يقول الأخ: نسمع في هذه الآونة عن عملية تحويل القلب لرجل فقد الحياة إلى رجل آخر يريد قلب صحيح؟ فهل هذه العملية جائزة؟ بإذنه وبغير إذنه؟ نقل القلب.
الشيخ: يعني تشريح جثة الميت، واستخراج القلب منها، ووضعه في الحي الذي هو بحاجة لقلب جديد، هذا جواب يفهم مما سبق، لا يجوز التشريح.
[ ٩ / ١١٧ ]
السائل: تعليق، هم ما يأخذوا قلب ميت مثلًا، يأخذوا قلب كان ميت بالتحليل، موت الدماغ يسموه؟ قبل أن يموت، يأخذوا قلبه قبل أن يموت؟
الشيخ: هذا أنكى وأمر. نعم.
السائل: حتى لو أوصى بذلك؟ ألا يدخل في باب: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؟
الشيخ: لا، ما يدخل، كيف يدخل، واحد يوصي بأن يقتل في سبيل آخر، وقد لا ينجح حتى هذا الآخر كما هو معلوم طبيًا.
السائل: نقل قلب كافر لمسلم؟
الشيخ: هذا من الحيثية ما يضر؛ لأنه القلب الذي هو مقر الإيمان والصلاح والتقوى كما جاء في الأحاديث وبعض الآيات القرآنية ليس هو بمجرد هذه المضغة، وإنما هو أثر حياة هذا الإنسان كله، بجسده وروحه، فقد يتوفر هذا في هذه المضغة التي قال الرسول عنها: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١)، الشاهد: أنه لا يجوز.
السائل: وإذا فُعل؟ إذا تمت هذه العملية؟ ونقل القلب من رجل صالح إلى رجل ضال مضل والعياذ بالله؟ كيف يكون؟
الشيخ: ما يختلف شيء من حياة المنقول إليه القلب، سواء كان يعني قلب كافر إلى مؤمن، أو العكس، هذا قلت عنه آنفًا ما قلت.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (رقم٥٢) و"صحيح مسلم" (رقم٤١٧٨).
[ ٩ / ١١٨ ]
السائل: هل هذا خاص بالقلب أم لو أوصى ببصره أو لو أوصى؟
الشيخ: كله، عام.
السائل: هناك قضية يا أستاذ: أن بعض الناس ينقل كلية وهو ما زال حي؟ تبرع لقريبه أو؟
الشيخ: نفس الكلام.
السائل: ما يموت إذا نزعها؟
الشيخ: قد يموت، هذه قضية مش مضمونة، وربنا خلق كلتين بدل كلية واحدة، ما خلق ذلك عبثًا، وإنما أقل ما يقال احتياطًا، ولذلك تسمعون أن بعض الناس يعيشون على كلية واحدة.
"الهدى والنور" (١٢/ ٤٣: ١٠: ٠٠).
[ ٩ / ١١٩ ]
(جماع أبواب الروح)
[ ٩ / ١٢١ ]
(خَلْقُ الروح)
[١٤٩٧] باب هل الأرواح مخلوقة قبل الأجساد أم بعدها؟
[قال الإمام]:
أما مسألة تقدم خلق الأرواح على الأجساد وتأخرها عنها، فللعلماء فيها قولان معروفان، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم وحكاه إجماعًا و[من] أدلتهم قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا، ولم تكن الأبدان حينئذ موجودة، وقوله - ﵌ -: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».
رواه ابن منده بإسناده عن عمرو بن عنبسة مرفوعا كما في " الروح " (ص١٦٠) ثم قال (ص ١٧٢) " لا يصح إسناده فيه عتبة بن السكن قال الدارقطني: متروك. وأرطأة ابن المنذر قال ابن عدي: بعض أحاديثه غلط ".
قلت: وهو البصري، وأما أرطأة بن المنذر الحمصي فثقة، لكن فوقهما عطاء بن عجلان وهو متروك أيضا فهو حديث ضعيف جدًاّ إن لم يكن موضوعا، اللهم إلا قوله: " فما تعارف. . . . " فهو طرف من حديث صحيح معروف.
[ ٩ / ١٢٣ ]
لكن في المسألة أحاديث أخرى كثيرة تغني عن هذا الحديث من أصرحها حديث ابن عباس مرفوعًا: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بـ (نعمان) يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿ألست بربكم قالوا: بلى﴾ " وهو حديث صحيح بل هو متواتر المعنى كما بينته في " الصحيحة " (١٦٢٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٠).
[ ٩ / ١٢٤ ]
(نفخ الروح)
[١٤٩٨] باب متى تنفخ الروح في الجنين؟
سؤال: يا شيخ بالنسبة لنفخ الروح في الجنين متى يكون، خصوصًا أن هناك من يقول: ان هناك دلالة علمية تثبت أن النفخ في بداية الأربعين الأولى من نفخ الجنين، وأن هناك حديث في مسلم يثبت أن فيه زيادة: أنه يكون علقة مثل ذلك في الأربعين يومًا، يستدلون بهذا الحديث على أنه الروح تنفخ النفخ بالأربعين اليوم الأولى؟
الشيخ: في سؤالك ناحيتان: إحداهما شرعية، والأخرى طبية، من الناحية الشرعية ثبت في حديث ابن مسعود المتفق عليه بين الشيخين أن الروح إنما تنفخ في الجنين بعد أربعة أشهر.
أما القول: أنه ثبت علميًا طبيًا: أن الروح تنفخ قبل ذلك، فأنا في اعتقادي أن هذا مع أنه مخالف للحديث السابق فهو أيضًا ليس بثابت طبيًا؛ لأنني أنا أعلم أن هذا ليس من اختصاصي ولكنه من معلوماتي التي يشاركني فيها كل مثقف له مشاركة في الاطلاع على ما يجري اليوم من بحوث علمية وغيرها، نحن نعلم أن الحوين الصغير هذا الذي يوجد منه الملايين المملينة في مني الرجل كلها حوينات ليست ميتة وإنما هي فيها الحياة، أليس كذلك؟
مداخلة: بلى.
[ ٩ / ١٢٥ ]
الشيخ: طيب، فهذا الحوين حينما ينمو حينما يلقح البويضة في رحم المرأة ينمو وينمو معه هذه الحياة التي فطرها الله ﷿ في هذا الحوين وهو في صلب الرجل قبل أن ينتقل إلى رحم المرأة، فإذًا هنا حياتان، ولنتسامح في التعبير ولا بأس من ذلك قليلًا، هنا روحان: الروح الأولى وجدت مع الحوين وهو في صلب الرجل، الحياة أو الروح الأخرى نفخت بنص الحديث بعد أربعة أشهر، يوم يأتي وينفخ فيه الروح ويسأل: سعيد أم شقي، ذكر أم أنثى .. إلى آخر التفاصيل المعروفة في الصحيح.
فهنا إذًا روحان، الروح الثالث هذه ما هي؟ فقهيًا لا يوجد روح ثالث إطلاقًا، بمعنى: غير الروح التي بها يحيا هذا الحوين ويكبر وينمو وينمو، حتى يصبح يتحرك في بطن الأم، والروح التي تنفخ في الجنين، هذه بلا شك روح جديدة غير تلك الروح الكبيرة في ذلك الحوين، هذه دعوى، مجرد دعوى أنه هناك ثابت في علم الطب أن الروح التي أخبر الله عنها أو أخبرنا نبينا أن الله يأمر الملك بأن ينفخ فيه الروح لا في الشرع ولا في علم الطب أن هذا ينفخ بعد أربعين يومًا، أو على الأقل قبل مضي الأربعة الأشهر، هذا لا وجود فيه إطلاقًا.
ثم أخيرًا أنا أريد أن أذكر: لا ينبغي أن نخلط بين العلم التجريبي البشري وبين العلم الإلهي الذي مصدره من كتاب ربنا ومن حديث نبينا ﵌؛ لأن كلًا من العلمين لهما لكل منهما سبيله، فسبيل العلم الشرعي هو القرآن والسنة، سبيل العلم الكسبي هو البشر، فقد يخطئ وقد يصيب.
كثيرًا ما نسمع ونسأل، كثير مع الأسف: أن امرأة في بطنها جنين واكتشفوا الآن بواسطة الجهاز الذي يشبه التلفاز بأن هذا الجنين مشوه، وأنه إذا لم تجهض المرأة وولدت ولادة طبيعية سيكون هذا الولد معوقًا.
[ ٩ / ١٢٦ ]
هكذا السؤال، سئلت بأنه بعض الأطباء قالوا للحامل: بأن هذا مشوه تشويه فظيع جدًا، ربما له أكثر من يدين وأكثر من رجلين، يعني: صورة مخيفة جدًا خاصة للأم الوالدة، وكان في المجلس حينما سئلت هذا السؤال امرأة حدثتنا وهي صادقة: بأن قريبة لها حدثوها بأنه الجنين في بطنها إذا ما ولد فسيولد له أربعة أرجل وما عاد أذكر كم يد، فمسكينة هي خافت جدًا، ولكن قالت: أمري إلى الله ﷿، فلما ولدت فإذا بهذا الجنين بشرًا سويًا، سبحان الله! رجعت بعد ذلك عللوا لها: أنه والله التلفاز يمكن كان شوية مشوش إلى آخره، وهذه حقيقة، كثيرًا ما يقع مثل هذا.
فغرضي أن أقول: ما نربط هذا بهذا؛ لأنه الحقيقة راح نقع في تناقض مع الحكم الشرعي، كلنا يعلم أن إسقاط الجنين بعد نفخ الروح لا أقول على الزعم الطبي؛ لأن هذا معناه إسقاطه بعد أربعين يوم يعني يكون محرمًا، بينما نحن شرعًا ما نقول إلا بعد أربعة أشهر هذا الإسقاط يكون محرمًا؛ لأنه يسقطه حيًا.
أما إذا كان الإسقاط أو الإجهاض قبل ذلك فهنا لنا تفصيل مذكور أكثر من مرة: هو كالعزل، العزل وهو إسقاط الماء خارج الرحم حينما يجامع الرجل زوجته، هذا اسمه عزل، وهو شرعًا مكروه والكراهة تنزيهية؛ لما فيه من تقليل نسل الأمة المحمدية، ولكن إذا اقترن مع هذا العزل وهو قبل أن يتكون قبل أن يدخل الماء إلى فرج المرأة هذا مكروه فإذا ما دخل إلى كنه وأوى إلى مأواه فهناك يمكن أن يتكون وأن يتخلق ويصبح جنينًا ثم يولد ويصبح بشرًا سويًا .. إلى آخره، فتتضاعف الكراهة، لكن ما تصل إلى حد التحريم إلا بشرطين اثنين:
الشرط الأول الذي ذكرته آنفًا: أن يكون قد نفخت الروح فيه.
والشرط الآخر ولو قبل نفخ الروح: أن يكون الدافع على الإجهاض قبل نفخ
[ ٩ / ١٢٧ ]
الروح فكر غير شرعي، مثلًا: في القرآن الكريم النهي عن قتل الأطفال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ (الأنعام:١٥١)، فإذا كان الدافع على إسقاط الجنين قبل تكونه هو خشية الإملاق فيكون هذا محرمًا، صحيح ليس فيه قتل لنفس نفخت فيه الروح، لكن الدافع عليه تلك العقيدة الجاهلية الأولى، كما جاء في بعض الأحاديث لما سئل ﵇ عن العزل، قال: «أأنت ترزقه؟» (١) فلماذا أنت خائف؟! فإذا كان العزل ليس لهذا السبب فهو مكروه، أما إذا كان اقترن معه هذا السبب فيكون محرمًا؛ لذلك لما هذا الطبيب يقول: والله جنينك في بطنك مشوه، وإذا كمل وضعه جاء معوقًا، يالاَّ يجري عملية الإجهاض واستريح منه، وإذا الولد ليس فيه أي شيء، وإنما الخطأ من الطبيب.
خلاصة القول: نحن ننصح المسلمين جميعًا أن يبتعدوا عن العزل بكل إشكاله وأنواعه؛ لأن أدناه الكراهة؛ لما فيه من مخالفة بغية الرسول ﵇ حينما قال: «تزوجوا الولود الودود فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة» (٢)، فهذا أدناه تقليل نسل أمة الرسول ﵇، وأعلاه وأسوأه هو إسقاط الجنين بعد أن نفخت فيه الروح.
نسأل الله ﷿ أن ينفخ في المسلمين روحًا طيبة تحضهم على فهمهم أولًا لإسلامهم فهمًا صحيحًا، وأن يطبقوه في أنفسهم وبين الإخوة المتحابين في الله ﷿، ثم لا تزال تتسع دائرتهم حتى تشمل البعيدين عنهم.
"الهدى والنور" (٧٢٩/ ٤٤: ٤٦: ٠٠).
_________________
(١) وجدت مثل هذا اللفظ في سياق آخر غير الكلام على العزل فانظره في "الصحيحة" (٢/ ١١٥).
(٢) "صحيح الجامع" (رقم٥٢٥١)
[ ٩ / ١٢٨ ]
(قبض الروح)
[١٤٩٩] باب هل للمسلم الذي يرتكب الكبائر ملائكة مخصصون يقبضون روحه غير ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؟
سؤال: لما تأتي ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب اللي وردت في الحديث في قبض الروح، بالنسبة للمسلم العاصي اللي ارتكب كبائر، هل هناك أحاديث واردة في المنطقة الوسط (١) هنا؟
الشيخ: لا، لا أحاديث.
"الهدى والنور" (/٣٥٥/ ٢٨: ٣٠: ٠٠)
[١٥٠٠] باب هل يصحب ملك الموت
خمسمائة من الملائكة عند قبض الروح؟
سؤال: هل ورد أن ملك الموت ﵇ يصطحب معه أو يكون معه من الملائكة عند قبض الروح خمسمائة؟
الشيخ: ما نعلم هذا في كتب السنة.
مداخلة: ما ورد عدد يعني؟
الشيخ: لا.
"الهدى والنور" (٣٤٧/ ٥٧: ٢٢: ٠٠).
_________________
(١) يريد السائل: أن مرتكب الكبيرة في منطقة وسط بين الصلاح والطلاح فهل له ملائكة وسط بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؟
[ ٩ / ١٢٩ ]
[١٥٠١] باب كيف يجمع بين الأحاديث التي فيها أن روح المؤمن تخرج مقرونة بالريح الطيبة وبين كونه يعذب في القبر؟
سؤال: يسأل السائل يقول: كيف يوفق بين الثواب الذي يعرف للمؤمن من طلوع روحه والريح الطيبة لها وما إلى ذلك ويوسع له قبره، ثم إنه يعذب لبعض أفعاله في القبر، أو لا يكون ذلك الثواب إلا للمؤمن المغفور له كل ذنوبه؟
الشيخ: لا يوجد في الأحاديث الجمع بين النقيضين المذكورين في السؤال، أنه من جهة تخرج روحه مقرونة بالريح الطيبة وملفوفة بالحرير الناعم، كما هو مذكور في بعض الأحاديث الصحيحة، ثم من جهة أنه يعذب، لا يوجد مثل هذا الجمع بين النقيضين في الأحاديث، فالذي يعذب كمثل ما سبق في الحديثين السابقين: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (١) هذا لم يأت في مثله أن روحه تلف في حرير، فالظاهر: أن الجمع بين النقيضين غير واقع.
وهذا بلا شك كما لا يخفى على الجميع هو من أمور الغيب التي أشرنا إليها في الأمس القريب، بمناسبة ذكر إذا وضع الميت في قبره وانصرف الناس عنه مدبرين فإنه يسمع قرع نعالهم، قلنا: أنه لا ينبغي التوسع في الأمور الغيبية ولا استعمال أقيسة نظرية؛ لأن هذا أمر يتعلق بالإيمان فقط وليس بالأحكام الشرعية، ولذلك فلا نجد في السنة الجمع بين هذين النقيضين.
"فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٢١:٣٠).
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٣٠٠٢).
[ ٩ / ١٣٠ ]
(مصير الأرواح بعد الموت)
[١٥٠٢] باب أين مستقر أرواح المؤمنين بعد الموت
[قال الآلوسي في آخر"الآيات البينات"]:
الخاتمة؛ - ونسأل الله تعالى حسنها إذا بلغت الروح المنتهى - في بيان الخلاف في مستقر الأرواح بعد مفارقتها البدن إلى يوم القيامة والبعث [ونتبعها بمسائل].
قال الحافظ ابن القيم في كتاب الروح ":
هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس واختلفوا فيها وهي إنما تتلقى من السمع فقط، واختلف في ذلك فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة، ولا دين، ويلقاهم ربهم بالعفو عنهم، وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
[فعلق الألباني قائلًا]:
وهو الصحيح من الأقوال الآتية لأن غيره مما لا دليل عليه في السنة أو في أثر صحيح تقوم به الحجة كما سترى وهو الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى " (٢٤/ ٣٦٥) وقال: " ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله، وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك، وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم "
[ ٩ / ١٣١ ]
وللحافظ ابن رجب تفصيل جيد في ذلك في كتابه " الأهوال " (ق ٩٥ - ١١٣/ ٣) ولولا خشية الإطالة لنقلته برمته فاكتفيت بالإشارة.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣٧).
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر (زمزم)، وأرواح الكفار ببئر
(برهوت).
[فعلق الألباني قائلًا]:
هذا رده ابن القيم بنفسه بقوله (ص ١٠٨): بأنه لا دليل عليه في الكتاب والسنة ولا في قول صاحب يوثق به.
وأما فقرة أرواح الكفار فلم ترد في حديث مرفوع وإنما هي آثار موقوفة ساقها ابن القيم (١٠٦ - ١٠٧٩ وكلها ضعيفة الإسناد، نعم وقع مرفوعًا في مؤلف لأبي سعيد الخراز كما في " مجموع الفتاوى " لابن تيمية (٤/ ٢٢١) لكن الخراز هذا صوفي مشهور، بيد أنه في الرواية غير معروف. انظر " الضعيفة " (٢/ ٢٠٩).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٠).
[١٥٠٤] باب منه
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله
[ ٩ / ١٣٢ ]
[فعلق الألباني قائلًا]:
هذا معنى طرف من حديث أبي ذر الطويل في الإسراء عند الشيخين، ولكن لا يدل ذلك على تعادلهم في اليمين والشمال، بل يكون هؤلاء عن يمينه في العلو والسمعة، وهؤلاء عن يساره في السفل والسجن كما قال ابن القيم (ص ١٠٨)
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٠ - ١٤١).
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها
[فعلق الألباني قائلًا]:
قلت: وهذا مما لا دليل عليه، وقد رده ابن القيم في فصل خاص عقده لذلك (ص ١٠٩ - ١١٠) وتبعه الحافظ ابن رجب (ق ١٢٧/ ١) باختصار.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤١).
[١٥٠٦] باب منه
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المؤمنين على أفنية القبور.
[فعلق الألباني قائلًا]:
وهذا على إطلاقه خطأ؛ فإن أرواح المؤمنين أيضًا في الجنة كما في حديث
[ ٩ / ١٣٣ ]
مالك الآتي، فإذا بأن (١) ذلك في بعض الأوقات، أو بأن لها إشرافًا على القبور استقام الكلام. راجع " الروح " (ص ١٠٠).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤١).
[١٥٠٧] باب منه ومعنى قول النبي - ﵌ -:
«إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة»
[ساق الآلوسي في الآيات البينات حديث]:
«إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه».
[فعلق الألباني على الحديث قائلًا]:
أي روحه، " طير " أي كطير، "يعلق" أي يأكل. وكان الأصل (معلق) فصححته من " الموطأ " (١/ ٢٣٨) وغيره. قال ابن القيم في شرح الحديث (ص١١٢):
يحتمل أن يكون هذا الطائر مركبا للروح كالبدن لها، ويكون لبعض المؤمنين والشهداء، ويحتمل أن يكون الروح في صورة طائر، وهذا اختيار ابن حزم وابن عبد البر.
قلت: ومن الملاحظ أن لفظ الحديث هنا " المؤمن طير " وفي الشهداء " في أجواف طير " كما تقدم قريبًا، فمن العلماء من جعلهما حديثًا واحدًا وحمل حديث مالك على هذا، ومنهم من جعلهما حديثين كابن القيم وغيره، فقال ابن
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل العبارة فإذا [قيد] بأن ذلك
[ ٩ / ١٣٤ ]
كثير في " تفسيره " (١/ ٤٢٧): " وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة " وأما أرواح الشهداء فكما تقدم " في حواصل طير خضر" فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بأنفسها ".
ونحوه في " شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز (ص ٤٥٥ - ٤٥٦).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٣).
[قال الآلوسي تتميما للبحث السابق]:
وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض. وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه فتعدم بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته، وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين.
[فعلق الألباني قائلًا]:
وقد بين ذلك وشرحه شرحا مبسطًا في " مجموع الفتاوى " (٤/ ٢٦٢ - ٢٧٠)، وصرح في مكان آخر (٤/ ٢٩٢): " أن الروح تبقى بعد مفارقة البدن، خلافًا لضلال المتكلمين، وأنها تصعد وتنزل خلافا لضلال الفلاسفة "
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٤).
[١٥٠٩] باب منه
سؤال: بالنسبة للروح، بعد وفاة الشخص هل تعود إليه ثانية عندما ينزل إلى القبر وهل يعذب حسب أعماله في القبر؟
[ ٩ / ١٣٥ ]
الشيخ: لا شك أن الميت حينما يوضع في قبره فتعود الروح إليه ساعة مجيء الملكين: منكر ونكير لسؤاله، فإذا ما أجاب بالجواب عاد ميتًا كما كان من قبل، وأنا أعني بهذا أن الروح حين يوضع في قبره تعود إليه الروح وتتلبسه بحيث أنه لما بيكون ضجيع القبر يجلس حتى يوجه إليه السؤال فيجيب، فالروح تتلبس قسمه الأعلى فإذا ما انتهى من الجواب عاد كما كان ميتًا، هنا الآن سؤال: أين مصير روحه؟
الجواب: يعذب أو ينعم بروحه لأن جسده ميت، طريقة التنعيم والتعذيب طبعًا هذه الأمور الغيبية التي لا يجوز لمسلم أن يتعمق فيها، لأنه من باب الغيب وما نعلم الغيب ولا يعلمه إلا الله ﵎، ولكن في عندنا بعض التفاصيل التي عرفناهما من السنة الصحيحة، من ذلك مثلًا إذا كانت روح الميت مؤمنة يفتح له طاقة من القبر يطل منها على منزله في الجنة، من روحها، ونعيمها ولا يزال هكذا يتنعم إلى قيام الساعة.
في حديث آخر أن هنا الميت المؤمن إما أن يكون من عامة المؤمنين، وإما أن يكون شهيدًا، فإذا كان من عامة المؤمنين فتتنقل روحه منه إلى بطن طير من طيور الجنة فيتنعم يأكل هذا الطير من شجر الجنة، إذا كان هذا الميت شهيدا فتكون روحه في حوصلة طير من طيور الجنة.
روح المؤمن العادي في بطن الطير، روح المؤمن الشهيد في حوصلة الطير.
فإذن روح المؤمن نعيمه إما في قبره وقد ينتقل في الجنة بروحه وليس بجسده، أما إذا كان لا سمح الله فاسقا أو كافرًا فيفتح له طاقة ويرى منزله في النار، في جهنم، يفتح له منها طاقة فيأتيه من ريحها ولهيبها ودخانها فلا يزال يعذب حتى
[ ٩ / ١٣٦ ]
تقوم الساعة.
ومن هنا نصل إلى نقطة هامة جدًا لها علاقة ببعض مشاكل العصر الحاضر، فلا بد أنكم تسمعون بناس يزعمون أنهم يستحضرون الأرواح، تسمعون الشيء هذا ولا لا؟
يعني استحضار الأرواح اليوم من بدع العصر الحاضر، وضلالات الكفار الأوربيين وأمثالهم.
هؤلاء لا يؤمنون بشيء اسمه بعث ونشور إلخ. فيزعمون أن بإمكانهم أن يستحضروا روح من شاؤوا من الأطباء، من العلماء، من الصالحين، من الطالحين الخ. واغتر بهم كثر من المسلمين في مصر، في سوريا الخ. نحن نعرف بعضهم، فإذا استحضرنا هذه العقيدة الإسلامية وهي أن روح الميت في القبر: ينعم أو يعذب أن ينتقل إذا كان مؤمنًا إلى الجنة، كيف يمكن استعادة هذا الأرواح إلى عالم الدنيا، واستنطاقها، واستجوابها؟ هذا من تدجيل الشيطان على هؤلاء الناس اليوم
إذا تذكرتم هذا الحقيقة فاذكروا معها عملية استحضار الأرواح هو دجل عصري، دجل عصري يخالف الشريعة الإسلامية.
"الهدى والنور" (٥٢٨/ ١٥: ٤٩: ٠٠).
[١٥١٠] باب هل روح النبي - ﵌ - تستقر في جسده بعد موته؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه،
[ ٩ / ١٣٧ ]
ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة».
(موضوع).
[قال الإمام]:
وأنا أرى أن هذا الحديث يعارض قوله - ﵌ -: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇».
رواه أبو داود (١/ ٣١٩) والبيهقي (٥/ ٢٤٥) وأحمد (٢/ ٥٢٧) بإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو مخرج في الكتاب الآخر " الصحيحة " (٢٢٦٦).
ووجه التعارض أنه يدل على أن روحه - ﵌ - ليست مستقرة في جسده الشريف، بل هي ترد إليه ليرد سلام المسلمين عليه - ﵌ -، بينما هذا الحديث الموضوع يقرر صراحة أن روح كل نبي ترد إليه بعد أربعين صباحا من وفاته، فلوصح هذا فكيف ترد روحه - ﵌ - إلى جسده ليرد السلام، هذا أمر غير معقول، بل هو ظاهر التناقض، فلابد من رد أحدهما، وليس هو إلا هذا الحديث المنكر حتى يسلم الحديث القوي من المعارض، فتأمل هذا فإنه مما ألهمت به، لا أذكر أني رأيته لأحد قبلي، فإن كان صوابا فمن الله، وإلا فمن نفسي.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٣).
[ ٩ / ١٣٨ ]
(تلاقي الأرواح بعد الموت)
[١٥١١] باب هل تعود أراوح الأموات إلى الدنيا؟
سؤال: روح الميت هل تأتي ويعرف ماذا نفعل هنا في بيته مثلًا؟
الشيخ: أبدًا، هذه خرافات تدور في أذهان بعض الناس، الميت إذا مات انقطعت علاقته بالدنيا بالكلية، يعني: لو نزلت القنابل الذرية التي سمعتي عن واحدة منها لما أنزلوها الأمريكان على اليابان، لو نزلت مئات القنابل الذرية على هذه الأرض الكروية ما يحس الأموات بها إطلاقًا: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، وربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ في الْقُبُورِ﴾ (فاطر:٢٢) - ﵌ -، فالموتى لا يسمعون، فلا تصدقي هذه الأخبار كلها.
" الهدى والنور" (٢٩٠/ ٠٢: ٥٢: ٠٠)
[١٥١٢] باب هل أرواح الأموات تتلاقى وتتزاور وتتذاكر
[قال الآلوسي في "الآيات البينات" ضمن مسائل ذكرها حول الروح]:
الأولى [أي المسألة الأولى]: هل أرواح الموتى تتلاقى وتتزاور وتتذاكر أم لا؟ وجوابها على ما في " كتاب الروح ":
" إن الأرواح قسمان: أرواح معذبة وأرواح منعمة، فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا، وما يكون من أهل الدنيا فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها.
[ ٩ / ١٣٩ ]
[فعلق الألباني قائلًا]:
وقد ساق لها [أي ساق ابن القيم للمسألة] أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والتابعية، لكن الأحاديث التي أوردها ليس فيها ما يحتج به من قبل إسناده، وقد فاته حديث أبي هريرة وفيه: «. . . وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض. . .» الحديث. وسنده حسن، وصححه السيوطي وقد خرجته في "الصحيحة" (٢٦٢٨).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٥).
[١٥١٣] باب هل تجتمع أرواح الموتى فتتذاكر في أحول الدنيا؟
سؤال: أرواح الأحياء إذا قبضت [تجتمع بأرواح الموتى قائمةً عليهم] من عالم الأحياء فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: فلان تزوج، فلان على حال حسنة، ويقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية؛ هل في ذلك نصوص عن رسول الله - ﵌ -؟
الشيخ: نعم. يوجد حديث بهذا المعنى الذي ذكرته لكني في الواقع الآن غير مستحضر إن كان صحيحًا أو ضعيفًا (١)، وعسى أن يتاح لنا المراجعة، إن شاء الله تعالى يا شيخنا.
الشيخ: إن شاء الله.
مداخلة: نراجعك بعد فترة في هذه المسألة يا شيخنا؟
_________________
(١) صحيح الشيخ في "صحيح الجامع" (رقم٤٩٠) و"الصحيحة" (٣/ ٢٩٣).
[ ٩ / ١٤٠ ]
الشيخ: ما في مانع.
مداخلة: إن شاء الله.
مداخلة: هنا الأخ مصطفى ﵀ الذي علمت عن وفاته.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: كان أخ يعني: من أحبابنا وكان عزيز علينا يعني؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: كان يا شيخنا يعني صديق لي يعني: دائم الصداقة، فأنا بعد موته أشعر في كآبه وفي ضيق.
الشيخ: أمر طبيعي.
مداخلة: أمر طبيعي.
الشيخ: ومعلوم، لكن عليك أن تتدرع بالصبر.
مداخلة: بالصبر؟
الشيخ: أي نعم. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر:١٠).
مداخلة: جزاك الله خير يا شيخنا.
الشيخ: وإياك.
مداخلة: بارك الله فيك يا شيخنا.
الشيخ: وفيك بارك إن شاء الله.
[ ٩ / ١٤١ ]
"الهدى والنور" (٢٠٢/ ٠١: ٥٧: ٠٠).
[١٥١٤] باب هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟
[قال الآلوسي في "الآيات البينات" ضمن مسائل ذكرها حول الروح]:
الثانية [أي المسألة الثانية]: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟
وجوابها: نعم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ روى أبو عبد الله بن منده بسنده إلى ابن عباس في هذه الآية قال: "بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم، فيمسك الله تعالى أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها ".
والقول الثاني في الآية: أن الممسك والمرسل في الآية كلاهما توفي وفاة النوم، فمن استكملت أجلها أمسكها عنده فلا يردها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلها ردها إلى جسدها لتستكمله.
[فعلق الألباني قائلًا]:
وقد واجه ابن القيم (ص ٢٠ - ٢١) كلًاّ من القولين: وذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية اختار القول الثاني. . ثم رجح هو القول الأول ثم أفاد من التحقيق أن الآية تتناول النوعين: الوفاة الكبرى وهي الموت، والوفاة الصغرى وهي النوم، فراجع كلامه إن شئت التفصيل، وبذلك فسر الآية ابن كثير ثم قال (٤/ ٥٥):
فيه دلالة على أنها تتجمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٥).
[ ٩ / ١٤٢ ]
(فناء الأرواح)
[١٥١٥] باب هل تفنى الأرواح
[علق الإمام على قوله تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ وقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ قائلًا]:
والمراد بالفناء والهلاك المذكورين في الآيتين بالنسبة للأرواح إنما هو خروجها من أبدانها، وليس عدمها مطلقا فإنها لا تفنى كالجنة والنار ونحوهما، وقد جمعها ابن القيم فقال في " الكافية الشافية " (١/ ٩٧ - شرح).
ثمانية حُكْمُ البقاء يعمها من الخلق والباقون في حيز العدم هي العرض والكرسي ونار وجنة وشجب وأرواح كذا اللوح والقلم وذكره النار فيها وأنها باقية لا تفنى هو الصواب من قوله كما بينته في مقدمتي لكتاب " رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار " للعلامة الصنعاني.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٤٧).
[ ٩ / ١٤٣ ]
[١٥١٦] باب منه
[عن ابن مسعود مرفوعًا]:
«كان إذا دخل الجبانة قال: السلام عليكم أيتها الأرواح الفانية، والأجداث البالية، والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بالله مؤمنة، اللهم! أدخل عليهم روحًا منك، وسلامًا منا».
ضعيف.
[قال الإمام]:
والحديث ظاهر النكارة، لوصفه الأرواح بأنها فانية، وهذا خلاف ما عليه المسلمون جميعًا.
"الضعيفة" (٩/ ٢٠١).
[ ٩ / ١٤٤ ]
[١٥١٧] باب ما قيمة كتاب «الروح» لابن القيم العلمية؟
مداخلة: كتاب الروح لابن القيم الجوزية هل يعتمد عليه يا شيخنا هذا الكتاب؟
الشيخ: لا يعتمد عليه، ولو كان ابن القيم هو عندنا قيم، لكن كتابه إن صح نسبته إليه فهو من الكتب التي تشبه ما يؤلفها الناشئون اليوم في العلم، والذين يتسرعون فيخبطون الخبط العشواء في الليلة الظلماء، فالظاهر إن صحت نسبة كتاب ابن القيم كان هذا الكتاب من أوائل ما ألفه، يعني: قبل أن يتحرر من التقليد والجمود الفكري والمذهبي والخرافي.
"الهدى والنور" (٣٢٨/ ٤٢: ٤٦: ٠٠).
[١٥١٨] باب هل تصح نسبة كتاب الروح لابن القيم؟
سؤال: كتاب الروح الذي ينسب لابن القيم، هل تصح نسبته إليه فعلًا ولاَّ لا؟
الشيخ: هو ينسب له فعلًا، لكن ما ندري هل هو ألفه في أول حياته، أم هو منسوب إليه، ولا علم عنده به الله أعلم.
" الهدى والنور" (٢٢٩/ ٥٨: ٥٢: ٠٠).
[ ٩ / ١٤٥ ]
جماع أبواب
ذكر عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين وغير ذلك
[ ٩ / ١٤٧ ]
[١٥١٩] باب إثبات عذاب القبر من الكتاب والسنة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذا بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها ما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال».
[قال الإمام]:
من فوائد الحديث
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة [منها]:
- إثبات عذاب القبر، والأحاديث في ذلك متواترة، فلا مجال للشك فيه بزعم أنها آحاد! ولو سلمنا أنها آحاد فيجب الأخذ بها لأن القرآن يشهد لها، قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ (غافر:٤٥، ٤٦).
ولو سلمنا أنه لا يوجد في القرآن ما يشهد لها، فهي وحدها كافية لإثبات هذه العقيدة، والزعم بأن العقيدة لا تثبت بما صح من أحاديث الآحاد زعم باطل دخيل في الإسلام، لم يقل به أحد من الأئمة الأعلام كالأربعة وغيرهم، بل هو مما جاء به بعض علماء الكلام، بدون برهان من الله ولا سلطان، وقد كتبنا فصلًا خاصا في
[ ٩ / ١٤٩ ]
هذا الموضوع الخطير في كتاب لنا، أرجو أن أوفق لتبييضه ونشره على الناس.
- إن سؤال الملكين في القبر حق ثابت، فيجب اعتقاده أيضًا، والأحاديث فيه أيضًا متواترة.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٤ - ٢٩٧).
[١٥٢٠] باب أدلة عذاب القبر
[قال الإمام]:
عذاب القبر" (ثابت) كتابًا وسنة وبإجماع أهل السنة والجماعة والسلف الصالح.
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٨٤)
[١٥٢١] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن أنكر عذاب القبر
[ترجم الإمام لضرار بن عمرو قائلًا]:
هو القاضي. قال الذهبي: " معتزلي جلد له مقالات خبيثة قال ابن حزم: " كان ضرار ينكر عذاب القبر ".
قلت: ومثله اليوم كثير ممن يشككون في الأحاديث الصحيحة الصريحة في عذاب القبر ويدفعونها بزعمهم أنها أحاديث آحاد، وأن القاعدة أنه لا تثبت بها عقيدة، وقد بينت بطلان هذه القاعدة في رسالتين مطبوعتين: " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام " و" وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة ".
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٢٤).
[ ٩ / ١٥٠ ]
[١٥٢٢] باب منه
[قال الإمام]:
الطبيب البيطري إسماعيل منصور المصري [في] كتابه الذي اسماه "شفاء الصدر (ينفي) عذاب القبر" (١).
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٨٣ - ٨٨٤).
[١٥٢٣] باب هل تعود الروح للإنسان في قبره؟ والتنبيه على عدم التوسع في الكلام على عذاب القبر ونعيمه إلا بما ثبت
سؤال: بالنسبة للروح، بعد وفاة الشخص هل تعود إليه ثانية عندما ينزل إلى القبر وهل يعذب حسب أعماله في القبر؟
الشيخ: لا شك أن الميت حينما يوضع في قبره فتعود الروح إليه ساعة مجيء الملكين: منكر ونكير لسؤاله، فإذا ما أجاب بالجواب عاد ميتًا كما كان من قبل، وأنا أعني بهذا أن الروح حين يوضع في قبره تعود إليه الروح وتتلبسه بحيث أنه لما بيكون ضجيع القبر يجلس حتى يوجه إليه السؤال فيجيب، فالروح تتلبس قسمه الأعلى فإذا ما انتهى من الجواب عاد كما كان ميتًا، هنا الآن سؤال: أين مصير روحه؟
الجواب: يعذب أو ينعم بروحه لأن جسده ميت، طريقة التنعيم والتعذيب طبعًا هذه الأمور الغيبية التي لا يجوز لمسلم أن يتعمق فيها، لأنه من باب الغيب وما نعلم الغيب ولا يعلمه إلا الله ﵎، ولكن في عندنا بعض التفاصيل
_________________
(١) تأتي ردود العلامة الألباني عليه في "جامع التعقبات والردود" من هذه الموسوعة، يسر الله إتمامها بخير.
[ ٩ / ١٥١ ]
التي عرفناهما من السنة الصحيحة، من ذلك مثلًا إذا كانت روح الميت مؤمنة يفتح له طاقة من القبر يطل منها على منزله في الجنة، من روحها، ونعيمها ولا يزال هكذا يتنعم إلى قيام الساعة.
في حديث آخر أن هذا الميت المؤمن إما أن يكون من عامة المؤمنين، وإما أن يكون شهيدًا، فإذا كان من عامة المؤمنين فتتنقل روحه منه إلى بطن طير من طيور الجنة فيتنعم يأكل هذا الطير من شجر الجنة، إذا كان هذا الميت شهيدا فتكون روحه في حوصلة طير من طيور الجنة.
روح المؤمن العادي في بطن الطير، روح المؤمن الشهيد في حوصلة الطير.
فإذن روح المؤمن نعيمه إما في قبره وقد ينتقل في الجنة بروحه وليس بجسده، أما إذا كان لا سمح الله فاسقا أو كافرًا فيفتح له طاقة ويرى منزله في النار، في جهنم، يفتح له منها طاقة فيأتيه من ريحها ولهيبها ودخانها فلا يزال يعذب حتى تقوم الساعة.
ومن هنا نصل إلى نقطة هامة جدًا لها علاقة ببعض مشاكل العصر الحاضر، فلا بد أنكم تسمعون بناس يزعمون أنهم يستحضرون الأرواح، تسمعون الشيء هذا ولا لا؟
يعني استحضار الأرواح اليوم من بدع العصر الحاضر، وضلالات الكفار الأوربيين وأمثالهم.
هؤلاء لا يؤمنون بشيء اسمه بعث ونشور الخ. فيزعمون أن بإمكانهم أن يستحضروا روح من شاؤوا من الأطباء، من العلماء، من الصالحين، من الطالحين الخ. واغتر بهم كثر من المسلمين في مصر، في سوريا الخ. نحن نعرف بعضهم،
[ ٩ / ١٥٢ ]
فإذا استحضرنا هذه العقيدة الإسلامية وهي أن روح الميت في القبر: ينعم أو يعذب أن ينتقل إذا كان مؤمنًا إلى الجنة، كيف يمكن استعادة هذا الأرواح إلى عالم الدنيا، واستنطاقها، واستجوابها؟ هذا من تدجيل الشيطان على هؤلاء الناس اليوم إذا تذكرتم هذا الحقيقة فاذكروا معها عملية استحضار الأرواح هو دجل عصري، دجل عصري يخالف الشريعة الإسلامية.
"الهدى والنور" (٥٢٨/ ١٥: ٤٩: ٠٠)
[١٥٢٤] باب السؤال في القبر حق وأحاديثه متواترة
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: "ونؤمن بعذاب القبر لمن كان له أهلا وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه، ودينه، ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله - ﵌ - وعن الصحابة رضوان الله عليهم " قائلًا]:
وهي [أي أخبار السؤال في القبر] متواترة، إلا تسمية الملكين بمنكر ونكير ففيه حديث بإسناد حسن مخرج في " الصحيحة " (١٣٩١).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٨٥).
[١٥٢٥] باب منه
[قال الإمام]:
- إن سؤال الملكين في القبر حق ثابت، فيجب اعتقاده أيضًا، والأحاديث فيه أيضا متواترة.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٧).
[ ٩ / ١٥٣ ]
[١٥٢٦] باب ما جاء أن إبليس وأعوانه يأتون الميت في القبر
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«احضروا موتاكم، ولقنوهم لا إله إلا الله، وبشروهم بالجنة، فإن الحليم من
الرجال والنساء يتحيرون عند ذلك المصرع، وإن الشيطان لأقرب ما يكون عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يألم كل عرق منه على حياله».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
(فائدة): وأما ما نقله الغزالي في " الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة " من
فتنة الموت، وأن إبليس لعنه الله وكل أعوانه يأتون الميت على صفة أبويه على
صفة اليهودية، فيقولان له: مت يهوديًّا، فإن انصرف عنهم جاء أقوام آخرون على
صفة النصارى حتى يعرض عليه عقائد كل ملة، فمن أراد الله هدايته أرسل إليه
جبريل فيطرد الشيطان وجنده، فيبتسم الميت إلخ، فقال السيوطي: " لم أقف عليه في الحديث ".
"الضعيفة" (٣/ ٦٤٥ - ٦٤٦).
[١٥٢٧] باب عذاب القبر يكون للكفار والفساق
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: "ونؤمن بعذاب القبر لمن كان له أهلًا" قائلًا]:
يعني من الكفار وفساق المسلمين، والأول مقطوع به منصوص عليه في
[ ٩ / ١٥٤ ]
القرآن، والآخر كذلك، وهو منصوص عليه في أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر، كما ذكر الشارح وغيره.
فيجب الاعتقاد به ولكن لا يجوز الخوض في تكييفه؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فيجب التسليم به، وتجد بعض الأحاديث المشار إليها في " الشرح " وفي " السنة " لابن أبي عاصم (رقم ٨٦٣ - ٨٧٧ بتحقيقي وتخريجي).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٨٤ - ٨٥).
[١٥٢٨] باب هل يعذب المسلم العاصي في
القبر بأصناف عذاب الكافر؟
سؤال: يسأل السائل فيقول: هل حديث تعذيب الرجل الكافر في القبر وضرب الملائكة له يطبق على المسلم العاصي؟
الشيخ: ذلك مما لا نعرفه، ومن المحتمل أن يشارك المنافق أو الفاسق من المسلمين الكافر في التعذيب بنوع من العذاب، وهذا مما جاء التصريح به في مثل قوله ﵊: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» فهذا يدل على أن المسلم يعذب في القبر ولكن ما نوعية هذا العذاب هذا مما لا نعلمه، وكذلك يؤيد معنى هذا الحديث حديث ابن عباس ﵁ الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما أن النبي - ﵌ - مر بقبرين فقال ﵇: «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه - وفي رواية: لا يستتر - من البول، وأما الآخر فكان يسعى بالنميمة» ثم أمر ﵊ بأن يؤتى بغصن النخيل فشقه نصفين ووضع أحدهما على قبر والآخر على الآخر، فسألوه
[ ٩ / ١٥٥ ]
عن ﵇ فقال: «لعل الله أن يخفف عنهما ما داما رطبين» فهذا أيضًا فيه تصريح بأن المسلم يعذب في قبره بسبب معصية كان اقترفها في حياته، وذكر هنا في الحديث معصيتين إحداهما: إهماله التنزه وعدم الاحتياط في أن يصاب برشاش البول والآخر أنه كان يسعى بالنميمة.
وقوله ﵇ حينما وضع على كل قبر شقًا من ذلك الغصن: «لعل الله أن يخفف عنهما ما داما رطبين» إشعار بأنهما كأنا مسلمين، ويؤكد ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي - ﵌ - لما سئل عن الوضع المذكور وعن السبب الحامل له على ذلك قال: «لعل الله ﷿ أن يخفف عنهما بشفاعتي» أي: بدعائي، ومعنى هذا: أن النبي - ﵌ - دعا لهما أن يخفف الله عنهما من العذاب الذي أصابهما ما دام الغصنان رطبين.
"فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٠٠:٣٨).
[١٥٢٩] باب هل عذاب القبر مستمر أم منقطع؟
سؤال: أستاذنا، عذاب القبر هو عذاب حتى يوم القيامة، أم متقطع؟ وما الدليل على ذلك؟
الشيخ: ربنا قال في القرآن الكريم في حق فرعون وجماعته: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (غافر:٤٦)، هذا بالنسبة لأكثر الناس، فرعون وجماعته، الذي اتخذوه إلهًا من دون الله، أما الآخرين لا شك أن من الفساق من المسلمين، بيكون عذابهم دون ذلك، أما تفصيل بين كم وكم، فهذا ليس له ذكر في السنة.
"الهدى والنور" (٩/ ٠٤: ٤٦: ٠٠)
[ ٩ / ١٥٦ ]
[١٥٣٠] باب هل يمكن أن يرى بعض الناس ما يحدث في القبر من عذاب؟
السائل: العاصي؛ في بعض الأوقات يدعون أنهم يشوفون ما يحدث له
في القبر.
الشيخ: هذا ممكن، لعلكم سمعتم الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن العباس ﵄: أن النبي - ﵌ - مر بقبرين فقال ﵊: «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستنزه - وفي رواية -: لا يستتر من البول، ثم أمر بأن يؤتى له بغصن فشقه شقين ووضع كل شق منهما على القبر، فسألوه عن ذلك ﵊ فقال: لعل الله ﷿ يخفف عنهما ما داما رطبين».
فالرسول - ﵌ - سمع عذاب هذين المعذبين، وكانا مسلمين لكن
أحدهما يسعى بالنميمة والآخر: لا يستتر، أي: يتساهل في الكشف عن عورته
أمام الناس، أو لا يستنزه من البول، أي: لا يتحاشى أن يصيبه رشاش البول، ولذلك عذبا، وقال ﵊: «استنزهوا من البول فإن أكثر عذاب القبر من البول».
كذلك جاء في الصحيح: «أن النبي - ﵌ - مر ذات يوم راكبًا دابته فشمست به، فنزل فرأى قبرين فسأل أصحابه الذين كانوا معه: متى مات هذان؟ قالوا: في الجاهلية، فقال ﵊: لولا أن لا تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» (١) أي: إن
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم٥٣٢٥).
[ ٩ / ١٥٧ ]
الدابة لما شمست به ﵇ سمعت صوت عذاب المقبورين، فلا يستبعد أن يرى بعض الناس بعض العصاة في قبورهم يعذبون؛ لأن عذاب القبر حق، ولذلك أمر النبي - ﵌ - من قوله: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (١) فعذاب القبر حق يمكن أن يرى بالأعين العادية أفعى تنهش منه ونحو ذلك، لكن يبقى كل شيء خاضع لعلم الرواية صحت الرواية أم لا؟ الذي يُحَدِّث صادق أو مُهَوِّل، كل هذا ممكن أن يقال، أما الأصل فثابت.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢٩/ ٠١:٠٦:٤٨).
[١٥٣١] باب ضمة القبر غير عذاب القبر
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«الضمة في القبر كفارة لكل مؤمن؛ لكل ذنب بقي عليه لم يغفر له، وذلك أن يحيى بن زكريا ﵉ ضمه القبر ضمة في أكلته الشعير».
(موضوع)
[قال الإمام]:
وبيض له المناوي في "شرحيه" فلم يتكلم على إسناده بشيء؛ إلا أنه نقده من حيث متنه فقال:"وهذا يعارض خبر: «أكثر عذاب القبر من البول» و«عامة عذاب القبر من البول».
_________________
(١) البخاري (رقم٢٣٤٤) ومسلم (رقم٧٥).
[ ٩ / ١٥٨ ]
وهذه معارضة غير صحيحة؛ لأن ضمة القبر غير عذاب القبر، كما يدل عليه أحاديث ضم القبر لسعد بن معاذ، وللصبي، وانظر "الصحيحة" (١٦٩٥و٢١٦٤).
والحديث الذي ذكره المناوي صحيح، ورد عن جمع من الصحابة باللفظين اللذين ذكرهما، وهو مخرج في "إرواء الغليل" (١/ ٣١٠/ ٢٨٠). ويشهد له حديث "الصحيحين": «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، وأما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة».
رواه الشيخان وهو مخرج في المصدر السابق (٢٨٣).
"الضعيفة" (٧/ ٢٨١).
[١٥٣٢] باب في ضغطة القبر
سؤال: قال في المسند ..: حديث حذيفة قال: «كنا مع رسول الله - ﵌ - في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر قعد على ساقيه فجعل يردد بصره فيه، ثم قال: يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله، ويُملأ على الكافر نارًا» قال: والحمال: عروق الأنثيين ما معنى تزول الحمائل؟
الشيخ: كناية عن شدة العذاب ..
مداخلة: يعني: المؤمن يضغط ضغطة لهذه الدرجة؟
الشيخ: وتتداخل أضلاعه لا ينجو منها حتى سعد بن معاذ كما قال ﵇ في بعض الأحاديث الصحيحة.
مداخلة: يعني: الضغطة يتألم منها؟
[ ٩ / ١٥٩ ]
الشيخ: بلا شك، هذا إذا تداخلت الأضلاع فهذا ألم شديد لكن لا يستمر، ضغطة واحدة ثم يعود كل شيء إلى طبيعته إن صالحًا فصالح وإن طالح فطالح كما شرحنا آنفًا من حيث أنه يفتح للميت طاقة في القبر.
مداخلة: يعني: الضغطة لا بد منها.
الشيخ: لا بد منها.
"فتاوى رابغ" (٢/ ٣٦: ٢٢: ٠٠).
[١٥٣٣] باب مِن عذاب القبر ونعيمه
سؤال: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، هذا حديث؟
الشيخ: حديث ضعيف (١)، لكن معناه مأخوذ من أحاديث صحيحة لعلكم تذكرون أن الميت إذا وضع في قبره وكان صالحًا فتحت له طاقة نافذة يطل منها على منزله في الجنة، فيأتيه من روحها وريحها ونعيمها ولا يزال كذلك ينعم حتى تقوم الساعة، وإذا كان والعياذ بالله غير صالح فتحت له طاقة إلى النار ويرى منزله من النار فيأتيه من ريحها ودخانها ولهيبها فلا يزال كذلك يعذب حتى تقوم الساعة، هذا بمعنى حديث: روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار تقريبًا أو يؤدي هذا المعنى وإن كان الحديث الضعيف هذا فيه شيء من المبالغة في الوصف، روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، لا لكن يأتيه من روحها ونعيمها إن كان صالحًا، والعكس بالعكس كما ذكرنا.
"فتاوى رابغ" (١/ ٠٠:٠٦:١٧).
_________________
(١) "ضعيف الجامع" (رقم١٢٣١).
[ ٩ / ١٦٠ ]
[١٥٣٤] باب رزق الشهداء في قوله تعالى:
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ يكون في القبر أم في الجنة؟
[قال الألباني معلقا على كلمة "عند"في الآية الكريمة]:
فيه إشارة إلى أن رزقهم المذكور ليس في القبر وإنما عند ربهم، وذلك صريح في حديث مسروق قال: سألنا عبد الله (ابن مسعود) عن هذه الآية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾؟ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل. . . " الحديث. رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في " الصحيحة " (٢٦٣٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٩).
[١٥٣٥] باب عدم التنزه من البول
والنميمة من أسباب عذاب القبر
سؤال: في كل بلاد المسلمين نحن أحوج ما نكون للتعلم على الأشياء الصغيرة في ديننا، فالأشياء الصغيرة في ديننا نحن نجهلها تمامًا حتى الناس المتعلمين منا، نرى الشيوخ عندنا في المساجد يقف الواحد يخطب خطبة كاملة عن مشكلة اقتصادية، أو مشكلة سياسية أو مشكلة كذا، ولا نرى أن أحدًا منهم يعلم الناس كيف يتبرأ الإنسان من البول هذه الأشياء المهمة جدًا بالنسبة لنا.
الشيخ: على كل حال يعني الأمر كما تقول مع ملاحظة شيء وهو: إنه هذه في الواقع قد تكون صغيرة بمعنى هينة، ولكنها عند الله كبيرة، انظر الآن بمناسبة ما
[ ٩ / ١٦١ ]
قلت قوله ﵇: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» إذًا تنزهوا من البول هذا شيء صغير رشاش من البول يصيب البدن أو الثياب، وهذا يقع فيه كثير من الناس وخاصة الذين ابتلوا بلباس البنطلون يا أبا عبد الله هذه مصيبة الدهر؛ لأنه هذا البنطلون لا يساعد على التنزه من البول هذه حقيقة، ولذلك كما قال أيضًا في الحديث الآخر وهو أصح من الأول رواه البخاري ومسلم في صيحيحهما من حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي - ﵌ - مر بقبرين فقال: أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» هنا الشاهد «بلى إنه كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول» وفي رواية: «لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يسعى بالنميمة» ثم أمر ﵊ أن يؤتى إليه بعذق من نخيل فشقه شقين ووضع على كل قبر شقًا فسألوه عن هذا فقال: «لعل الله أن يخفف عنهما ما داما رطبين».
"الهدى والنور" (٣٣١/ ٠٣: ١٦: ٠٠).
[١٥٣٦] باب هل وضع أغصان رطبة على
القبر يخفف عن الميت في القبر؟
[قال الإمام]:
يظن كثير من الناس وقد تسمعون هذا الظن من بعض الخاصة من الناس، العادة الجاهلية اليوم وبخاصة في الأعياد من وضع الأغصان الرطبة على القبور زعمًا منهم إنه هذا ينفع الميت، هيهات هيهات؛ لا ينفع الميت إلا ما قدم من عملٍ صالح، أو ما خلَّف من بعده من آثاره الصالحة، كما قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس:١٢)، وشرح ذلك الرسول ﵇ في قوله: «إذا مات الإنسان» وفي رواية: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع
[ ٩ / ١٦٢ ]
به أو ولد صالح يدعو له»، فإذا مات الميت ما أحد يستطيع أن يفيده إطلاقًا إلا عمله الصالح وإلا كما قلنا ما خلَّف من بعده من آثار لعمل له صالح كما تدل الآية والحديث، وإلا بإمكاننا أن نستثني استثناء آخر ويجب أن يظل هذا قائمًا في أذهاننا وإلا دعاء يدعو به المسلم لمسلم ميت فيستجيب الله لهذا الدعاء فينتفع به ذلك الميت، ولكن هذا أمر غيبي لا يجوز لنا أن نتكل عليه لا في حياتنا ولا بعد وفاتنا بمعنى: أن نؤمل أننا إذا متنا أن يمر بنا رجل صالح فيدعو لنا فيغفر الله لنا هذا في عالم الغيب، ولذلك المثل يقول: عصفور في اليد ولا عشرة في الشجرة، فإذًا: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:٩٤)، فهذا الغصن الرطب الندي لا يفيد الميت إطلاقًا، أما ما فعله الرسول ﵇ فهذه معجزة وكرامة من الله كما جاء في رواية في صحيح مسلم من حديث جابر أن الله ﷿ قبل شفاعة النبي - ﵌ - في المقبور ما دام الغصن رطبًا.
فإذًا: علة انتفاع الميت الذي وضع الرسول ﵊ الغصن على قبره ليس هو الرطوبة والنداوة الموجودة بالغصن، وإنما العلة هو أن النبي - ﵌ - دعا وقبل الله منه دعاءه بحق الميت، ولكن ليس إلى يوم يبعثون، وإنما ما دام الغصن رطبًا فإذًا هذا هو معنى الحديث ونستفيد منه أن الشيء الذي لا يهتم به المسلم مثل استغابة أخيه المسلم في المجلس، أو عدم الاهتمام بالتنزه من رشاش البول فذلك من الأسباب الموجبة لعذاب القبر، ونسأل الله ﷿ أن يعيذنا وإياكم من عذاب القبر.
"الهدى والنور" (٣٣١/ ٠٣: ١٦: ٠٠).
[ ٩ / ١٦٣ ]
[١٥٣٧] باب هل زراعة الأشجار
على القبور تخفف من عذاب القبر؟
عن ابن عباس قال مر النبي - ﵌ - بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول - وفي رواية لمسلم: لا يستنزه من البول - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة» قالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا».متفق عليه.
[قال الإمام]:
لقد توهم كثير من الناس أن التخفيف إنما كان من أجل رطابة الشقين، وهذا ليس بصحيح ولو كان كذلك لما شق الغصن شقين لأن ذلك مما يسرع اليبوسة إلى الشقين كما لا يخفى، والصحيح أن سبب التخفيف إِنما هو شفاعته - ﵌ - ودعاؤه لهما، وأن الله استجاب له ذلك إلى أن ييبسًا، فالرطابة علامة لا سبب، ويشهد لهذا حديث جابر الطويل في مسلم (٨/ ٢٣٥): "إني مررت بقبرين يُعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما مادام الغصنان رطبين". ولهذا لم يعرف عن النبي - ﵌ - أنه كان يفعل ذلك عند زيارة القبور ولا عن الصحابة ولا عن أحد السلف، بل قد أنكر الإمام الخطابي ما يفعله الناس اليوم من وضع الأخضر على القبور، وقال: إنه لا أصل له، وقد تكلمت على هذه المسألة بتفصيل في كتابي "أحكام الجنائز وبدعها" وراجح أيضًا تعليق أحمد شاكر على "الترمذي" (١/ ١٠٣).
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ١١٠).
[ ٩ / ١٦٤ ]
[١٥٣٨] باب أن التخفيف من عذاب القبرين كان بسبب دعائه - ﵌ - لا بسبب الغصنين وأن ذلك خاص به - ﵌ -
عن جابر: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﵌ - حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ فَذَهَبَ رَسُولُ الله - ﵌ - يَقْضِى حَاجَتَهُ فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَنَظَرَ رَسُولُ الله - ﵌ - فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِى فَانْطَلَقَ رَسُولُ الله - ﵌ - إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: «انْقَادِى عَلَىَّ بِإِذْنِ الله». فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: «انْقَادِى عَلَىَّ بِإِذْنِ الله». فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا لأَمَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِى جَمَعَهُمَا - فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَىَّ بِإِذْنِ الله». فَالْتَأَمَتَا قَالَ جَابِرٌ فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ الله - ﵌ - بِقُرْبِى فَيَبْتَعِدَ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ فَيَتَبَعَّدَ - فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِى فَحَانَتْ مِنِّى لَفْتَةٌ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ الله - ﵌ - مُقْبِلًا وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﵌ - وَقَفَ وَقْفَةً فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا - وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا - ثُمَّ أَقْبَلَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَىَّ قَالَ «يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي». قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا فَأَقْبِلْ بِهِمَا حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ». قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ فَانْذَلَقَ لِي فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ الله - ﵌ - أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ».
[ ٩ / ١٦٥ ]
[قال: الإمام معلقًا على قوله - ﵌ -: "بشفاعتي"]:
أي بدعائي. قلت: وهذا نص في أن التخفيف عن عذاب القبرين إنما كان بسبب دعائه - ﵌ -، وليس ذلك بسبب الغصنين كما يظن كثير من الناس، وإنما الغصنان علامة لمدة التخفيف ما داما رطبين. ليس إلا، وهذا مما يؤكد أن ذلك خاص به - ﵌ -، ولذلك لم يجر العمل به في العهد الأول عند زيارة القبور، وما عليه الناس اليوم بدعة ينبغي نبذها، لا سيما وقد تطورت إلى أشكال أخرى مثل تزيين القبور بالأكاليل والزهور، حتى لقد حدثني بعض الثقات أنه رأى إكليلًا منها في صورة صليب ظاهر جدًا موضوعًاُ على قبر مسلم. فإلى الله المشتكى.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٤٠٤).
[ ٩ / ١٦٦ ]
جماع أبواب شرح حديث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» وحديث: «من نيح عليه يعذب بما نيح عليه»
[ ٩ / ١٦٧ ]
[١٥٣٩] باب معنى قول النبي - ﵌ -: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»
[سئل الإمام]:
هناك من يقول: إذا عارض الحديث آية من القران، فهو مردود مهما كانت درجة صحته، وضرب مثالًا لذلك بحديث: «إن الميت ليُعذب ببكاء أهله عليه» (١)، واحتج بقول عائشة في ردها الحديث بقول الله ﷿: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر١٨)، فكيف يُرد على من يقول ذلك؟
[فأجاب الإمام] رد هذا الحديث هو من مشاكل رد السنة بالقرآن، وهو يدل على انحراف ذلك الخط.
أما الجواب عن هذا الحديث - وأخص به من تمسك بحديث عائشة ﵂ فهو:
أولًا: من الناحية الحديثية: فإن هذا الحديث لا سبيل لرده من الناحية الحديثية لسببين اثنين:
أ - أنه قد جاء بسند صحيح عن ابن عمر ﵄.
ب - أن ابن عمر ﵁ لم يتفرد به، بل تابعه على ذلك عمر بن الخطاب وهو وابنه لم يتفردا به، فقد تابعهما المغيرة ين شُعبة، وهذا مما يحضرني في هذه الساعة بأن هذه الروايات عن هؤلاء الصحابة الثلاثة ﵃ في الصحيحين.
_________________
(١) "صحيح الجامع" (١٩٧٠). [منه].
[ ٩ / ١٦٩ ]
أما لو أن الباحث بحث بحثًا خاصًا في هذا الحديث فيسجد له طرقًا أخرى، وهذه الأحاديث الثلاثة كلها أحاديث صحيحة الأسانيد فلا تُرد بمجرد دعوى التعارض مع القران الكريم.
ثانيًا: من الناحية التفسيرية: فإن هذا الحديث قد فسره العلماء بوجهين اثنين:
الوجه الأول:
أن هذا الحديث إنما ينطبق على الميت الذي كان يعلم في قيد حياته أن أهله بعد موته سيرتكبون مخالفات شرعية، ثم لم ينصحهم ولم يوصهم أن لا يبكوا عليه؛ لأن هذا البكاء يكون سببًا لتعذيب الميت.
و" ال " التعريف في لفظ " الميت " هنا ليست للاستغراق والشمول، أي: ليس الحديث بمعنى أن كل ميت يُعذب ببكاء أهله عليه، وإنما " ال " هنا للعهد، أي: الميت الذي لا ينصح بألا يرتكبوا بعد وفاته ما يخالف الشرع، فهذا الذي يعذب ببكاء أهله عليه، أما من قام بواجب النصيحة، وواجب الوصية الشرعية بألا ينوحوا عليه، وألا يأتوا بالمنكرات التي تُفعل خاصة في هذا الزمان، فإنه لا يُعذب وإذا لم يُوص ولم يَنصح عُذب.
هذا التفصيل هو الذي يجب أن نفهمه من التفسير الأول لكثير من العلماء المعروفين والمشهورين؛ كالنووي وغيره، وإذا عرفنا هذا التفصيل، وضح ألا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر١٨)، إنما يظهر التعارض فيما لو فُهم أن " ال " في لفظ " الميت " إنما هي للاستغراق والشمول، أي: كل ميت يُعذب، حينئذٍ يُشكل الحديث ويتعارض مع الآية الكريمة، أما إذا عرفنا المعنى الذي ذكرناه آنفا، فلا تعارض ولا إشكال، لأن الذي
[ ٩ / ١٧٠ ]
يُعذب إنما يُعذب بسبب عدم قيامه بواجب النصح والوصية، هذا الوجه الأول مما قيل في تفسير هذا الحديث لدفع التعارض.
أما الوجه الثاني: فهو الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض مصنفاته، أن العذاب هنا ليس عذاباُ في القبر، أو عذابًا في الآخرة، وإنما هو بمعنى التألم وبمعنى الحزن، أي: إن الميت إذا سمع بكاء أهله عليه، أسف وحزن لحزنهم هم عليه.
هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا لو صح لاستأصل شأفة الشبهة.
لكني أقول: أن هذا التفسير يتعارض مع حقيقتين اثنتين لذلك لا يسعنا إلا أن نعتمد على التفسير الأول للحديث:
الحقيقة الأولى: أن في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ الذي أشرت إليه آنفًا زيادة تبين أن العذاب ليس بمعنى التألم، وإنما هو بمعنى العذاب المتبادر، أي: عذاب النار، إلا أن يعفو الله ﵎، كما هو صريح قوله عزوجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء٤٨)، ففي رواية المغيرة قال: «إن الميت ليُعذب ببكاء أهله يوم القيامة»، فهذا صريح بأن الميت يُعذب بسبب بكاء أهله عليه يوم القيامة، وليس في القبر، وهو الذي فسره ابن تيمية بالألم والحزن.
الحقيقة الأخرى: هي أن الميت إذا مات لا يحس بشيء يجري من حوله، سواء أكان هذا الشيء خيرًا أو شرًا - كما تدل عليه أدلة الكتاب والسنة - اللهم إلا في بعض المناسبات التي جاء ذكرها في بعض الأحاديث، إما كقاعدة لكل ميت، أو لبعض الأموات، حيث أسمعهم الله عزوجل بعض الشيء الذي يتألمون به.
[ ٩ / ١٧١ ]
فمن الأول: الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه -حتى إنه سمع قرع نعالهم - أتاه ملكان» (١)، ففي هذا الحديث الصحيح إثبات سمع خاص للميت في وقت دفنه، وحين ينصرف الناس عنه، أي: في الوقت الذي يُجلسه الملكان أُعيدت الروح إليه، فهو في هذه الحالة يسمع قرع النعال، فلا يعني الحديث بداهةً أن هذا الميت وكل الأموات تُعاد إليهم أرواحهم، وأنهم يظلون يسمعون قرع نعال المارة بين القبور إلى يوم يبعثون! لا.
إنما هذا وضعٌ خاص وسماع خاص من الميت، لأنه أُعيدت روحه إليه، وحينئذٍ لو أخذنا بتفسير ابن تيمية ﵀، وسعنا دائرة إحساس الميت بما يجري حوله، سواءً عند نعشه قبل دفنه، أو بعد وضعه في قبره، ومعنى ذلك: أن يسمع بكاء الأحياء عليه وهذا يحتاج إلى نص، وهو مفقود. هذا أولًا.
وثانيًا: بعض نصوص الكتاب والسنة الصحيحة تدل على أن الموتى لا يسمعون، وهذا بحث طويل، ولكني سأذكر حديثًا واحدًا، وأنهي الجواب عن السؤال وهو قول النبي - ﵌ -: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» (٢)، وقوله " سياحين " أي: طوافين على المجالس، فكلما صلى مسلم على النبي - ﵌ -، فهناك ملك موكَّلٌ يُوْصِلُ السلام من ذاك المسلم إلى النبي - ﵌ -، فلو كان الأموات يسمعون، لكان أحق هؤلاء الأموات أن يسمع هو نبينا - ﵌ -، لما فضله الله ﵎، وخصه بخصائص على كل الأنبياء والرسل والعالمين، فلو كان أحدٌ يسمع لكان النبي - ﵌ -، ثم لو كان النبي - ﵌ - يسمع شيئا بعد موته،
_________________
(١) "صحيح الجامع" (١٦٧٥) [منه].
(٢) "صحيح الجامع" (٢١٧٤). [منه].
[ ٩ / ١٧٢ ]
لسمع صلاة أمته عليه.
ومن هنا تفهمون خطأ - بل ضلال - الذين يستغيثون ليس بالنبي - ﵌ - بل وبمن دونه، سواء كانوا رسلًا أو أنبياء أو صالحين؛ لأنه لو استغاثوا بالرسول ﵊ لما سمعهم، كما هو صريح القران ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف١٩٤)، و﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ (فاطر١٤) إلى آخر الآية.
إذًا فالموتى من بعد موتهم لا يسمعون، إلا ما جاء النص في قضية خاصة - كما ذكرت آنفًا - من سماع الميت قرع النعال، وبهذا ينتهي الجواب عن هذا السؤال.
"كيف يجب علينا أن نفسر القرآن" (ص١١ - ١٧).
[١٥٤٠] باب منه
عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵄ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ يَقُولُ إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَغْفِرُ الله لأَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِىَ أَوْ أَخْطَأَ إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ الله - ﵌ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا».
[قال الإمام]:
قد جاء هذا عن ابن عمر عن النبي - ﵌ -، وعن ابن عمر، والمغيرة بن شعبة، ﵃، في "الصحيحين " وغيرهما، ولهذا فلا مجال إلى تخطئة ابن عمر، بل الصواب أن ما رواه هو صحيح، وما روته السيدة عائشة صحيح أيضًا، ولا منافاة بين الروايتين كما ظاهر.
[ ٩ / ١٧٣ ]
ثم أن المراد بـ "البكاء" فيه: النياحة، بدليل حديث المغيرة بلفظ: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة» رواه مسلم. واختصره المؤلف
رحمة الله، وهذا اللفظ يرجح قول الجمهور في تفسير «يعذب» أنه بمعنى
«يعاقب» وليس بمعنى «يتألم ويحزن» كما قال ابن جرير الطبري ونصره ابن تيمية، والله أعلم.
"مختصر صحيح مسلم" (ص١٢٦).
[١٥٤١] باب منه
[ذكر الإمام في" أحكام الجنائز" أن النياحة مما يحرم على أقارب الميت، ثم أورد أدلة ذلك فذكر منها]:
عن أنس بن مالك:
" أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ عولت عليه حفصة، فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: المعول عليه يعذب؟! وعول عليه وفي أخرى: (في قبره) بما نيح عليه".
أخرجه البخاري ومسلم والسياق له والبيهقي (٤/ ٧٢ - ٧٣) وأحمد (رقم ٢٦٨، ٢٨٨، ٢٩٠، ٣١٥، ٣٣٤، ٢٥٤، ٣٨٦) من طرق عن عمر مطولا ومختصرًا، وروى ابن حبان في " صحيحه " (٧٤١) قصة حفصة فقط.
- " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ".
أخرجه الشيخان وأحمد من حديث ابن عمر، والرواية الأخرى لمسلم
[ ٩ / ١٧٤ ]
وأحمد ورواه ابن حبان في "صحيحة" (٧٤٢) من حديث عمران بن حصين نحو الرواية الأولى.
- " من ينح عليه يعذب بما نيح عليه (يوم القيامة) "
أخرجه البخاري (٣/ ١٢٦) ومسلم (٣/ ٤٥) والبيهقي (٤/ ٧٢) وأحمد (٤/ ٢٤٥، ٢٥٢، ٢٥٥).
[ثم قال الإمام]:
في هذا الحديث بيان أن البكاء المذكور في الحديث الذي قبله، ليس المراد به مطلق البكاء، بل بكاء خاص وهو النياحة، وقد أشار إلى هذا حديث عمر المتقدم في الرواية الثانية وهو قوله: " ببعض بكاء ".
[ثم علق على هذه الأحاديث قائلًا]:
ثم إن ظاهر هذا الحديث واللذين قبله مشكل، لأنه يتعارض مع بعض أصول الشريعة وقواعدها المقررة في مثل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾،
وقد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك على ثمانية أقوال، وأقربها إلى
الصواب قولان:
الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يوص بتركه مع علمه بأن الناس يفعلونه عادة.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك: " إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئا من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شيء ".
والعذاب عندهم بمعنى العقاب.
[ ٩ / ١٧٥ ]
والآخر: أن معنى" يعذب" أي: يتألم بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة.
وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، ونصره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
قالوا: " ليس المراد أن الله يعاقبه ببكاء الحي عليه، والعذاب أعم من العقاب كما في قوله: " السفر قطعة من العذاب "، وليس هذا عقابًا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألم ".
وقد يؤيد هذا قوله في الحديث (٥، ٦): " في قبره ".
وكنت أميل إلى هذا المذهب برهة من الزمن، ثم بدا لي أنه ضعيف لمخالفته للحديث [السابق] الذي قيد العذاب بأنه " يوم القيامة "، ومن الواضح أن هذا لا يمكن تأويله بما ذكروا، ولذلك فالراجح عندنا مذهب الجمهور، ولا منافاة عندهم بين هذا القيد والقيد الآخر في قوله " في قبره "، بل يضم أحدهما إلى الآخر، وينتج أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة، وهذا بين إن شاء الله تعالى.
"أحكام الجنائز" (ص٤٠ - ٤٢).
[١٥٤٢] باب منه
سؤال: الحديث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله ..» كيف شرحه؟
الشيخ: هذا قد جرى خلاف بين عائشة وبين ابن عمر وغيره من الصحابة، فالسيدة عائشة ﵂ أنكرت هذا الحديث، وقالت: إنما قال ﵇ هذا الحديث بالنسبة لبعض اليهود كانوا يبكون على ميتهم، لكن علماء الحديث ما وافقوها على الإنكار؛ ذلك لأن الحديث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»
[ ٩ / ١٧٦ ]
رواه جماعة من الصحابة، غير ابن عمر رواه أبوه عمر، وغير عمر وابنه عبد الله رواه أيضًا المغيرة بن شعبة، ولذلك فلا مجال لتوهيم ابن عمر كما فعلت السيدة عائشة، كان يمكن هذا التوهيم لو كان ابن عمر وحده قد روى هذا الحديث، لكن ما دام أن معه أبوه ومعه المغيرة بن شعبة فالثلاثة أحفظ من واحد وهي عائشة.
لو كان ابن عمر لوحده كان يمكن حينئذٍ أن يغلب رأي عائشة وقولها على قول ابن عمر؛ ذلك بأن السيدة عائشة ﵂ كما تعلمون هي زوجة النبي - ﵌ - وهي تصاحبه ما شاء الله في أكثر الأوقات بخلاف عبد الله بن عمر، فلو كان ابن عمر هو وحده روى هذا الحديث وخطأته عائشة ﵂ كان يمكن أن نقبل تخطئتها ونتبنى حديثها دون حديث ابن عمر، كما وقع لها في قضية أخرى: وهي أن ابن عمر حدث بأن النبي - ﵌ - اعتمر في شهر رجب فقيل لعائشة: اسمعي عبد الله بن عمر ماذا يقول؟ قالت: ماذا يقول؟ قالوا: يقول: إن النبي - ﵌ - اعتمر في شهر رجب، فقالت: لقد غفل عبد الله بن عمر يرحمه الله، ما اعتمر رسول الله - ﵌ - عمرةً إلا في ذي القعدة.
جاء في بعض الروايات أن عائشة لما ذكرت هذا سمع كلامها ابن عمر
ما تكلم بكلمة مما يُشْعِرُ أنه كأنه شعر بأنه فعلًا هو واهم، لكن حديثنا: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» لا سبيل إلى تبني رأي عائشة وتخطئة عبد الله بن عمر كما فعلنا في حديث العمرة لما ذكرته آنفًا أن مع ابن عمر نفسه والمغيرة بن شعبة
[و] للعلماء قولان في تفسير: يعذب ببكاء أهله عليه:
منهم من يقول: أن العذاب المذكور في الحديث هو عذاب الآخرة، ومنهم
[ ٩ / ١٧٧ ]
من يقول: المقصود بالعذاب هو التألم والحزن، والذي يقول هذا القول يعني: أن الميت يسمع بكاء الأحياء عليه فيأسف لأسفهم ويحزن لحزنهم، هذا هو العذاب الذي عناه الرسول في الحديث في قول هذا البعض، أما الأولون وهم الجمهور يقولون: يعذب فعلًا، وهنا يرد قول السيدة عائشة المذكور والمشار إليه آنفًا، أنها لماذا أنكرت هذا الحديث؟ لأنها فهمت أن العذاب هنا هو العذاب بمعنى التألم إما بالنار أو بالزمهرير أو ما شابه ذلك مما هو معروف، فقالت: لماذا يعذب هذا والله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام:١٦٤)؟ أجاب العلماء عن هذه الشبهة: بأن المقصود من الحديث على المعنى الذي ذهب إليه الجمهور وهو العذاب المعروف أنه إنما يعني به الميت الذي يموت ولا يوصي ولا ينصح أهله بألاَّ يبكوا عليه، أما إذا قاموا بواجب التذكير والنصيحة ثم بكوا عليه فلا يضره ذلك؛ لأنه قد أدى الواجب.
هذا مع ملاحظة أن المقصود بالبكاء ليس هو مطلق البكاء، وإنما المقصود به النياحة وهو رفع الصوت، فبرفع الصوت إذا كان الميت لم ينصح ولم يذكر أهله قبل وفاته بأنه إذا جاءتني الوفاة فلا تصيحوا ولا تنوحوا لأن هذا يكون سببًا ليس لعذابكم فقط بل سببًا لعذابي أنا، على هذا يفسر الحديث.
وخلاصة ذلك: أن الميت الذي لم يذكر أهله بما يجب عليه من النصح إذا مات ألا يبكوا عليه فهذا الذي هو يعذب، والعذاب ليس هو بمعنى الألم والحزن وإنما هو بمعنى العذاب الذي يستحقه العاصي يوم القيامة أو في القبر، ويؤيد هذا المعنى من السنة ومن النظر أيضًا، أما السنة ففي رواية للمغيرة بن شعبة قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه يوم القيامة"، بينما التفسير الثاني الذي فسر العذاب بالألم فهو يعني وهو في القبر، إنما حديث المغيرة يقول: يعذب يوم القيامة.
[ ٩ / ١٧٨ ]
أما النظر فسأذكره قريبًا إن شاء الله .. فالتفسير الثاني أنه يتألم فمعنى ذلك: أن الميت إذا مات ما انقطعت علاقته مع الناس فهو يحس بهم ويتألم بألمهم، وهذا الكلام ليس صحيحًا؛ لأن الميت إذا مات انقطعت علاقته بهذه الحياة الدنيا فهو لا يسمع ولا يحس بشيء كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ في الْقُبُورِ﴾ (فاطر:٢٢) .. ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ (النمل:٨٠).
فإذًا: الأموات لا يسمعون فكيف يقال: إن الميت إذا بكى أو ناح أهله عليه هو يحس ببكائهم ويتألم لألمهم، هذا المعنى مع مخالفته للحديث يعذب يوم القيامة فهو يخالف نصوص أخرى في الكتاب وفي السنة التي تدل على أن الميت لا يسمع ولا يحس، فإذًا: المعنى الأول هو المعنى الصحيح
"فتاوى رابغ" (١/ ٠٠:٠٧:٤٨)
[١٥٤٣] باب منه
السائل: شيخنا على ذكر موضوع أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ حديث الميت، وهو الحديث الذي قد كثر الكلام فيه (١) وخاصة من أولئك العقلانيين الذين يجعلون النصوص حكمًا على الشرع وما شابه ذلك.
الشيخ: يجعلون عقولهم.
مداخلة: عفوًا، يجعلون عقولهم حكمًا على الشرع، أقول هؤلاء شيخنا يلمزون من طرف خفي بأبي هريرة ﵁ وروايته بسبب إنكار السيدة عائشة وردها.
_________________
(١) يريد حديث: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه».
[ ٩ / ١٧٩ ]
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: مع أن الحديث مروي عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فحينئذ هل نقول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أخطأت في التأويل أو في الرد أم نقول كما قلت في الحديث الأول أنها اعترضت على لفظ وردها وإلا فالألفاظ الأخرى جاءت تبين النياحة وما شابه ذلك.
الشيخ: ما في شك.
مداخلة: هو هذا.
الشيخ: أي نعم، يعني الحديث الذي أنكرته السيدة عائشة هنا غير الحديث الذي أنكرته هنا، الحديث الذي أنكرته صحيح بلا شك، «الميت يعذب ببكاء أهله عليه»، وكون الرسول ﵇ قال في بعض المناسبات أو الحوادث بالنسبة ليهودي مات فبكى أهله عليه، فهذا من باب أولى أن يطبق هذا الحديث عليه، لكن هذا لا ينفي ما رواه أولًا ابن عمر ثم ما رواه أبو ابن عمر ثم ما رواه المغيرة بن شعبة، كل هؤلاء الثلاثة من الصحابة اتفقوا على رواية الحديث الذي أنكرته السيدة عائشة، ولذلك فلا مجال للاعتماد عليها بالإنكار هنا، وبهذه المناسبة لا بد من أن نذكر شيئًا يفيد طالب العلم، ألا وهو:
ظاهر الحديث يتبادر منه أنه يخالف القاعدة الإسلامية المصرح بها في القرآن الكريم وغيره، أن لا تزر وازرة وزر أخرى، لماذا يعذب الميت ببكاء أهله عليه؟ هذا ليس من عمله وليس من صنعه، وليس أيضًا من سعيه، فاختلفت آراء العلماء في الإجابة على هذه المشكلة، جمهورهم قال هذا الحديث في ظاهره عام، لكن لا بد من تقييده أو تخصيصه بمن يعلم أنه إذا مات يبكي أهله عليه بكاء نياحة
[ ٩ / ١٨٠ ]
وليس بكاء دمع، فمن كان بهذه المثابة ممن سيبكى عليهم فعليهم أن ينصحوا وأن يذكروا، فإن فعلوا ذلك لم يشملهم الحديث؛ لأنهم قاموا بالواجب، هذا هو التأويل الذي ذهب إليه الجماهير من العلماء، وهو الذي لا نرى له بديلًا، أما شيخ الإسلام ﵀ فذهب إلى تأويل آخر، فقال: العذاب هنا ليس من عذاب النكال الذي يعذبه الإنسان في الآخرة أو في القبر، وإنما هو من باب السفر قطعة من العذب، فهذا مسافر لا يعذب بشيء يأتيه من غيره، وإنما هو بشيء نابع من نفسه، أي أن هذا الميت حينما يبكي أهله عليه يأسف على بكائهم عليه ويأسى، فإذًا العذاب هنا بمعنى الحزن، ليس بمعنى العذاب النكال، كان يمكن أن يقبل
من شيخ الإسلام هذا التأويل الناعم الجميل لولا زيادة استفدناها من حديث المغيرة بن شعبة حيث قال: الميت يعذب ببكاء أهله عليه يوم القيامة، فهذه الزيادة اضطرتنا أن نرجع إلى التأويل الأول.
هذا الذي أحببت أن أذكر به .. الميت لا يعلم بحال أهله.
الشيخ: هو هذا صحيح.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: أنا قلت هذا في بعض الكتابات، أن يقال أن الميت بالمعنى الذي ذكره ابن تيمية، معناه أن الميت عنده إحساس وعنده شعور من قريب ومن بعيد، الميت دفن مثلًا كما يقع اليوم مع الأسف كان مستوطنًا في بلاد الكفر فدفن هناك، وأهله يبكون هنا، شو عرفه، بل شو عرفه لو بكوا حول قبره، انقطعت العلاقة بينه وبين الدنيا إطلاقًا، فهذا التأويل وهذا ليس بعيدًا حقيقة عن مذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم؛ لأنهم يتوسعون في هذه الناحية، وهذا من توسعهم جاءهم، وهم يصرحون بأن الميت يحس بما قد يقع من حوله أو من أهله أو نحو ذلك،
[ ٩ / ١٨١ ]
فمثلًا مثلما قال الأستاذ ما يرد عليه هذا أيضًا.
مداخلة: شيخنا ورد في كلامكم شرح الحديث الذي هو تفسير البكاء ببكاء النياحة، وهذا شيخنا نبهتم أنتم أن هناك رواية صريحة بهذا.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: إن الميت ليعذب بما نيح عليه.
الشيخ: أي نعم.
الأحاديث تفسر بعضها بعضًا أو أن يكون قد أوصى بأن يبكى عليه.
مداخلة: كالذي يوصي مثلًا بأن يصنع له كذا وكذا بعد موته، أو أن تحيى ذكراه في الأربعين، أو أن يبنى عليه القبر.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: وهذا من هذا الباب أيضًا.
الشيخ: الله أكبر. نعم.
"الهدى والنور" (٦٦٨/ ٣٣: ٤٢: ٠٠).
[١٥٤٤] باب معنى قوله - ﵌ -: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة»
عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة».
(صحيح).
[ ٩ / ١٨٢ ]
[قال الإمام]:
فيه إشعار بأن العذاب المذكور هو في يوم القيامة، فتفسيره بتألم الميت في قبره مع أنه يستلزم علمه بنوح أهله عليه، فهذا مع كونه مما لا دليل عليه، فإنه لا يساعد عليه القيد المذكور (يوم القيامة) فتنبه لهذا ولا تكن للرجال مقلدًا، فالحق أن العذاب فيه وفي غيره على ظاهره، إلا أنه مقيد بمن لم ينكر ذلك في حياته، توفيقًا بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٣/ ١٢٦٨).
[١٥٤٥] باب منه
[قال صديق حسن خان في "الروضة الندية":ويحرم النعي والنياحة [أي على الميت] لحديث": من نيح عليه يعذب بما نيح عليه" وهو في الصحيحين].
[فقال الإمام معلقًا]:
أي يتألم ويتوجع، قال شيخ الإسلام بعد أن قرر أن ليس على أحد من وزر غيره شيء، وأنه لا يستحق إلا ما سعاه-، قال (٢/ ٢٠٩ - من المجموعة المنيرية):
"وإن ظن بعض الناس أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ينافي الأول! فليس كذلك؛ إذ ذلك النائح يعذب بنوحه، لا يحمل الميت وزره، ولكن الميت يناله ألم من فعل هذا كما يتألم الإنسان من أمور خارجه عن كسبه، وإن لم يكن جزاء الكسب والعذاب أعم من العقاب، كما قال - ﵌ -:"السفر قطعة من العذاب".
وانظر تفصيل هذا البحث في "تهذيب السنن"لابن القيم (٤/ ٢٩٠)، وقد صرح فيه بخطإ تفسير الحديث علي هذا الوجه، فراجعه؛ فإنه مفيد.
"التعليقات الرضية" (١/ ٤٦٠).
[ ٩ / ١٨٣ ]
جماع أبواب الكلام حول الحياة في القبور
[ ٩ / ١٨٥ ]
[١٥٤٦] باب هل النبي - ﵌ - حيٌّ في قبره؟
سؤال: حديث يقول فيما معناه: «ما من عبدٍ يصلي عليّ يوم الجمعة إلا رد الله علي روحي» (١).
الشيخ: ما فيش يوم الجمعة «ما من مسلمٍ يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد ﵇».
مداخلة: نعم فبعض الصوفيين استدل عليه بأن الرسول الصلاة والسلام ما مات بل حي في القبر، ويستدلوا بهذا الحديث.
الشيخ: أيش معنى يرد علي روحي؟ ما مات؛ أنت روحك هلا في نفسك ولا مردودة إليك هذا كلام صوفي ويكفي أنه كلامًا صوفيًا؛ لأنه خالف حديث الرسول ﵇ ولذلك أقول هذول الصوفية لبالغ جهلهم ينكرون النصوص القاطعة بشبهات ما أنزل الله بها من سلطان؛ ربنا يقول في صريح القرآن ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزُّمر:٣٠) فإذًا هو كسائر البشر ميت كما هم أيش؟ ميتون، إيش معنى ميت؟ أي: ستموت أي ستصبح ميتًا، وكذلك الناس جميعًا.
أينكرون هذه الحقائق بشبهات مثل هذه الشبهة التي ذكرتها عن الحديث، الحديث يعني أن النبي - ﵌ - مات، وكل حي فإنما سبيله الموت، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، ولذلك لما قال ﵇ في الحديث الآخر الصحيح: «أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني» قالوا: كيف ذاك وقد أَرَمْتَ؟ ماذا فهم الصحابة من قوله ﵇ هذا؟ فهموا أنه ميت، ولذلك استغربوا كيف تبلغه صلاته، وقد أَرِمَ أي: فني، أي: صار رميمًا، قال ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس:٧٨) فالصحابة كانوا يتلقون عن الرسول ﵇ هذه
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٥٦٧٩). [منه].
[ ٩ / ١٨٧ ]
الحقيقة التي لا مناص لأحدٍ من البشر إلا وأن يقع فيها، وهي ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزُّمر:٣٠) كانوا عرفوا هذه الحقيقة ولذلك لما جاءهم الرسول ﵇ بشيء ما كانوا يعرفونه من قبل: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني» قالوا كيف ذاك وقد أرمت، أي فنيت، طبعًا مت، وأكثر من مت، أي: فنيت وصرت رميمًا، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» فأجساد الأنبياء كل الأنبياء لا تصبح رميمًا كأجساد الآخرين، ولذلك فرسول الله - ﵌ - جسده في قبره كما هو من قبل هذه معجزة هذه كرامه من الله ﷿ لنبيه ﵇، بل ولِسائر الأنبياء الكرام ولكن الله كرم نبيه ﵇ بكرامةٍ أخرى لا يشاركه فيها أحد من الأنبياء؛ وهي قوله ﵇: «فإن صلاتكم تبلغني» قالوا: كيف ذاك وقد أرمت؟ قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أي أنا كسائر الأنبياء جسدي في القبر حي طري ولكن اصطفاني ربي ﷿ بخصلةٍ أخرى؛ أنه كلما سلَّم علي مسلمٌ رد الله إليًَّ روحي فأردُّ ﵇.
وهذا الحديث وهو ثابت فيه دلاله على أن الرسول ﵇ خلاف ما يتوهم كثير من العامة بل وفيهم بعض الخاصة وهي أن النبي لا يسمع سلام المسلمين عليه، وإنما كما جاء في الحديث الصحيح: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» «إن لله ملائكة سياحين» يعني: طوافين على المسلمين، فكلما سمعوا مسلمًا يصلي على النبي - ﵌ - بلغوه بذلك، وهو لا يسمع؛ لأن الميت لا يسمع انفصل عن هذه الحياة الدنيا ومتعلقاتها كلها، ولكن الله ﷿ اصطفى نبيه ﵇ فيما ذكرنا من الحياة، ومن تمكينه بإعادة روحه إلى جسده ورد السلام على المسلمين عليه، ومن ذلك أيضًا أن هناك ملائكة يبلغونه السلام، فكلما سلموا عليه من فلان هو رد ﵈.
" الهدى والنور" (٢٦٨/ ٠٨: ٢٢: ٠٠).
[ ٩ / ١٨٨ ]
[١٥٤٧] باب حياة الأنبياء في قبورهم
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«الأنبياء - صلوات الله عليهم - أحياء في قبورهم يصلون».
[قال الإمام]:
اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إنما هي حياة برزخية، ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها، ومحاولة تكييفها، وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا، هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء، كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته - ﵌ - في قبره حياة حقيقية!
قال: يأكل ويشرب ويجامع نساءه!!. وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله ﷾.
"الصحيحة" (٢/ ١٩٠،١٧٨).
[١٥٤٨] باب في صلاة الأنبياء في قبورهم
سؤال: فضيلة الشيخ حفظك الله ذكرتم في أحد مؤلفاتكم حديث أن الأنبياء يصلون في قبورهم أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: هذا الحديث من أنباء الغيب التي لا يجوز للمسلم أن يعمل عقله فيها بل من الواجب عليه أن يسلم بها تسليمًا، وهذا الحديث وإن كان وقع فيه خلاف من بعض العلماء علماء الحديث تصحيحًا وتضعيفًا فالراجح عندي أنه صحيح
[ ٩ / ١٨٩ ]
ومذكور في سلسلة الأحاديث صحيحة ومخرج تخريجًا علميًا، لكن إن كان يشك بعضهم في صحة هذا الحديث فهناك حديث لا شك في صحته؛ لأن الإمام مسلمًا قد أخرجه في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «مررت ليلة أسري بي بموسى قائمًا يصلي في قبره» (١) فإذًا صلاة الأنبياء في قبورهم عقيدة صحيحة يجب على المسلم أن يؤمن بها لكن لا يتوسع في محاولة تكييف هذه الصلاة فلا يقول مثلًا: كيف يصلي موسى في قبره والقبر لا يتسع لقيام موسى في القبر؟ لأننا نقول عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة .. عالم البرزخ لا يقاس على عالم الآخرة فلكل طبائعه وخواصه فإذا أخبرنا الصادق المصدوق أنه رأى موسى ﵊ قائمًا يصلي في قبره صدقناه وأمنا به ووكلنا معرفة حقيقة هذه الصلاة إلى الله ﵎.
وعلى هذا الميزان قوله ﵊: «إن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» فليست هذه الحياة بالحياة المادية بحيث أننا إذا خاطبناهم يردون علينا ويسمعون كلامنا كما كانوا يسمعون كلام الناس في الدنيا حينما كانوا أحياء لا نتوسع في مثل هذه التفاصيل؛ لأنه كما قلت آنفًا عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة على عالم المادة.
"رحلة النور" (ب٣٣/ ٠٠:٢٩:٤٧).
_________________
(١) "صحيح مسلم" (رقم٦٣٠٦). [منه].
[ ٩ / ١٩٠ ]
[١٥٤٩] باب يفهم من صلاة المؤمنين في قبورهم أنهم مكلفون في القبور؟
سؤال: صلاة المؤمنين في قبورهم صح الحديث عن ابن ماجه فهل هذا من تكليف المؤمنين في القبور؟
الشيخ: هل يوجد تكليف في الجنة؟
مداخلة: لا يوجد.
الشيخ: في تسبيح في الجنة، في حمد، في تسبيح في الجنة،
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذه مثل هذه ..، ليس تكليف، هذا شكر لله ﷿.
مداخلة: ولكن لا نعرف كيفية هذه الصلاة.
الشيخ: كل أمور الغيب لا تعرف.
مداخلة: فيه فرق بينهم وبين صلاة الأنبياء أم لا نعلم؟
الشيخ: لا نعلم، هل علمت صلاة الأنبياء؟ لا، تلك بأولى.
" الهدى والنور" (٥٦/ ١٢: ٤١: ٠٠).
[ ٩ / ١٩١ ]
[١٥٥٠] باب هل يشعر المقبور بزيارة أهله؟
سؤال: زيارة القبور يا شيخ، هل المقبور يشعر بزيارة أهله مثلًا؟
الشيخ: أبدًا ليس عنده هذا الشعور، ولا ذاك العلم بالزائر للمزور.
مداخلة: يعني الدعاء لا يصل في الحال في نفس الوقت.
الشيخ: الدعاء إذا كان مقبولًا يصل إلى الله فيستجيبه أما الميت فلا يشعر به، لكن لو فرضنا مثلًا أن الميت كان يعذب فرُفع العذاب عنه كلًاّ أو جزءًا بسبب دعاء الرجل الصالح، فهو يشعر بالفرق بين العذاب الذي كان فيه، وبين انتفاء العذاب كلًا أو جزءًا.
" الهدى والنور" (٢٢٩/ ٢١: ٥١: ٠٠).
[ ٩ / ١٩٢ ]
القيامة الكبرى
[ ٩ / ١٩٣ ]
[١٥٥١] باب حكم من أنكر شيئًا من أشراط الساعة
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى بن مريم فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجال فقد كفر، ومن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، فإن جبريل ﵇ أخبرني بأن الله تعالى يقول: من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فليتخذ ربا غيري».
(باطل).
[قال الإمام]:
واعلم أن الإيمان بكل ما ذكر في هذا الحديث من خروج المهدي، ونزول عيسى، وبالقدر خيره وشره، كل ذلك واجب الإيمان به، لثبوته في الكتاب والسنة، ولكن ليس هناك نص في أن " من أنكر ذلك فقد كفر "، ومن أجل هذا أوردت الحديث وبينت وضعه، وهو ظاهر الوضع، وكأنه من وضع بعض المحدثين أو غيره من الجهلة، وضعه ليقيم به الحجة على منكري ذلك من ذوي الأهواء والمعتزلة، ولن تقوم الحجة على أحد بالكذب على رسول الله - ﵌ - والافتراء على الله تعالى، فقاتل الله الوضاعين ما أجرأهم على الله ﷿.
والتكفير ليس بالأمر السهل، نعم من أنكر ما ثبت من الدين بالضرورة بعدما قامت الحجة عليه، فهو الكافر الذي يتحقق فيه حقيقة معنى كفر، وأما من أنكر شيئا لعدم ثبوته عنده، أو لشبهة من حيث المعنى، فهو ضال، وليس بكافر مرتد عن الدين شأنه في ذلك شأن من ينكر أي حديث صحيح عند أهل العلم، والله أعلم.
"الضعيفة" (٣/ ٢٠١ - ٢٠٢).
[ ٩ / ١٩٥ ]
(جماع أبواب علامات الساعة الصغرى)
[ ٩ / ١٩٧ ]
[١٥٥٢] باب المستقبل للإسلام في آخر الزمان
قال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾.
[قال الإمام]:
تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على الأديان كلها، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده - ﵌ - وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين، وليس كذلك، فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا الوعد الصادق، كما أشار إلى ذلك النبي - ﵌ - بقوله: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، فقالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ أن ذلك تامًّا، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله » الحديث.
وقد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام ومدى انتشاره، بحيث لا يدع مجالا للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله وتوفيقه.
وها أنا أسوق ما تيسر من هذه الأحاديث عسى أن تكون سببا لشحذ همم العاملين للإسلام، وحجة على اليائسين المتواكلين:
- «إن الله زوى (أي جمع وضم) لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». الحديث
- «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزًّا يعز الله به الإسلام وذلًّا يذل به الكفر».
[ ٩ / ١٩٩ ]
- عن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله - ﵌ - نكتب، إذ سئل رسول الله - ﵌ -: أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله - ﵌ -: " مدينة هرقل تفتح أولا. يعني قسطنطينية ".
- «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريًّا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت».
"الصحيحة" (١/ ١/٣١ - ٣٤)
[١٥٥٣] باب من المبشرات بأن المستقبل للإسلام
تقدم العرب اقتصاديًّا وزراعيًّا
[قال الإمام]:
إن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين واستثمارهم الأرض استثمارًا يساعدهم على تحقيق الغرض، وتنبئ عن أن لهم مستقبلًا باهرًا حتى من الناحية الاقتصادية والزراعية قوله - ﵌ -: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا».
[حتى قال الإمام]: قد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب بما أفاض الله عليها من خيرات وبركات وآلات ناضحات
[ ٩ / ٢٠٠ ]
تستنبط الماء الغزير من بطن أرض الصحراء وهناك فكرة بجر نهر الفرات إلى الجزيرة كنا قرأناها في بعض الجرائد المحلية فلعلها تخرج إلى حيز الوجود، وإن غدًا لناظره قريب.
"الصحيحة" (١/ ١/٣٦).
[١٥٥٤] باب الجمع بين هذه الأحاديث وبين قوله - ﵌ -: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه»
[قال الإمام]:
مما يجب أن يعلم أن قوله - ﵌ -: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم».
رواه البخاري في " الفتن " من حديث أنس مرفوعًا.
فهذا الحديث ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث المتقدمة وغيرها مثل أحاديث المهدي ونزول عيسى ﵇ فإنها تدل على أن هذا الحديث ليس على عمومه بل هو من العام المخصوص، فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه فيقعوا في اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون﴾ أسأل الله أن يجعلنا مؤمنين به حقًّا.
"الصحيحة (١/ ١/٣٦).
[١٥٥٥] باب رفع القرآن في آخر الزمان
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة
[ ٩ / ٢٠١ ]
ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: " لا إله إلا الله " فنحن نقولها».
[قال الإمام]:
من فوائد الحديث:
وفي هذا الحديث نبأ خطير، وهو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يمحى أثره، وعلى القرآن فيرفع فلا يبقى منه ولا آية واحدة، وذلك لا يكون قطعًا إلا بعد أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعها، وتكون كلمته فيها هي العليا.
كما هو نص قول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وكما شرح رسول الله - ﵌ - ذلك في أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها في المقال الأول من هذه المقالات (الأحاديث الصحيحة).
وما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيدا لإقامة الساعة على شرار الخلق الذين لا يعرفون شيئا من الإسلام البتة، حتى ولا توحيده!
"الصحيحة" (١/ ١/١٧٣،١٧١).
[١٥٥٦] باب معنى قول النبي - ﵌ -
في حديث جبريل في علامات الساعة «أن تلد الأمَةُ ربَّتها»
سؤال: في حديث جبريل من علامات الساعة «أن تلد الأمة ربتها» (١)، كيف هذا يا شيخ؟
_________________
(١) "صحيح البخاري" (رقم٤٨)، و"صحيح مسلم" (رقم١٠٢).
[ ٩ / ٢٠٢ ]
الشيخ: هذا بارك الله فيك كان في بعض العصور الزاهرة حينما كان تنتشر الجيوش الإسلامية في بلاد الكفر تدعوها إلى الإسلام، فمنهم من يستجيب ومنهم من لا يستجيب، فحينئذٍ ما يكون من الجيش المسلم إلا أن يحارب كما جاء في قوله ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» وكما جاء في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب: «أن النبي - ﵌ - كان إذا أمر أميرًا على سرية أو جيش أوصاه، وكان من وصيته: إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث: إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن أبو فأن يعطوا الجزية عند يد وهم صاغرون، فإن أبوا فالقتال» (١) فحينما كان يجري هذا القتال بين المسلمين وبين الكافرين يقع في أغلب الأحيان كثير من الأسرى في أيدي المسلمين من النساء ومن الرجال، ثم تجري قسمة هذه المغانم وفيها أولئك الأسرى، فيقسمها قائد الجيش المسلم على الغانمين.
فكان يقع كثيرًا وكثيرًا جدًّا أن يكون حصة بعض الغانمين سبية من السبايا التي وقعت في أيدي المسلمين، فيجوز للمسلم كما أظنكم تعلمون أن يتمتع بمثل هذه السبية الأسيرة كما يتمتع الرجل بحلاله بزوجته، كما قال تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون:٥ - ٦) إلى آخر الآيات، فملك اليمين هي السرية هذه التي كان أصلها غنيمة من الكفار، والذي وقع في التاريخ الإسلامي الأول وسنين طويلة وعصور مديدة فيما بعد أن هذا السيد ينكح هذه الأمة أو هذه
_________________
(١) "صحيح مسلم" (رقم٤٦١٩).
[ ٩ / ٢٠٣ ]
الجارية وهي مملوكة فيرزق منها ولدًا قد يكون ذكرًا وقد يكون أنثى، والشرع يحكم بأن هذه الأمة أو الجارية إذا رزقت من سيدها ولدًا فهذا الولد يعتقها، فإذا كان المولود منها من سيدها بنتًا فهذه البنت هي تلحق بأبيها فهي سيدة، فقوله ﵇: «وأن تلد الأمة ربتها» فهي كانت أمة ثم ولدت هذه البنت من سيدها فهي ربتها، أي: سيدتها، هذا من معاني التي ذكرها شراح الحديث في هذا الحديث.
وبعضهم قال معنًى آخر، معنى مجازي يمكن أن يكون صوابًا لكن المعنى الأول هو المتبادر، قالوا: هذا إشارة إلى فساد التربية وفساد الزمان، بحيث أن السيدة الحرة حينما ترزق من سيدها من زوجها الحر أيضًا .. حينما ترزق منه بنتًا، فبسبب سوء تربية هذه البنت - وهذا مشاهد اليوم - تصبح هذه البنت متعالية على أمها، فكأن أمها هي عبدة مملوكة وهي سيدتها، هذا من معاني قوله ﵇: «وأن تلد الأمة ربتها» هي ليست أمةً حقيقةً كما هو في التفسير الأول، لكن بالنسبة لسوء التربية تصبح ابنتها سيدة عليها وهي كأنها عبدة لها ومملوكة لها، والواقع أنها حرة بنت حرة، لكن سوء التربية قلب الأمر فجعل الأم التي هي سيدة أمة، وجعل البنت التي هي بنت هذه كأنها هي السيدة تستعلي عليها وتتأمر عليها ولا تسمع كلامًا، والأم تضطر أن تخضع لأوامرها وهذا هو المشاهد في هذا الزمان.
"فتاوى رابغ" (٢/ ٠٠:٥٢:١٤).
[١٥٥٧] باب منه
[قال الإمام]:
وقد اختلفوا في المراد [أي بهذا الحديث] على أقوال حكاها الحافظ، ومال إلى أن المعنى: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة الولد أمه
[ ٩ / ٢٠٤ ]
معاملة أمته من الإهانة والسب والضرب والاستخدام. فأطلق عليه (ربها) مجازًا لذلك، أو المراد بـ (الرب): المربي، فيكون حقيقة.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٧٥١).
[١٥٥٨] ظهور السيارات في آخر الزمان
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «يكون في آخر أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم خدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم».
[قال الإمام]: حسن.
[ثم علق قائلًا]:
الحديث معجزة علمية غيبية للنبي - ﵌ -؛ فإنه يشير إلى السيارات الفاخرة التي يركبها أشباه الرجال الذين يأتون عليها إلى المساجد مشيعين للجنازة، فإذا أدخلت المسجد للصلاة عليها؛ ظل أولئك في سياراتهم أو واقفين بجانبها بالانتظار.
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٤٧).
[١٥٥٩] باب من أشراط الساعة ظهور التعصب المذهبي
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «من اقتراب (وفي رواية: أشراط) الساعة أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار ويفتح القول ويخزن العمل ويقرأ بالقوم المثناة، ليس فيهم أحد ينكرها. قيل: وما
[ ٩ / ٢٠٥ ]
المثناة؟ قال: ما استكتب سوى كتاب الله ﷿».
[قال الإمام]:
(فائدة):هذا الحديث من أعلام نبوته - ﵌ -، فقد تحقق كل ما فيه من الأنباء، وبخاصة منها ما يتعلق بـ (المثناة) وهي كل ما كتب سوى كتاب الله كما فسره الراوي، وما يتعلق به من الأحاديث النبوية والآثار السلفية، فكأن المقصود بـ (المثناة) الكتب المذهبية المفروضة على المقلدين. التي صرفتهم مع تطاول الزمن عن كتاب الله، وسنة رسوله - ﵌ - كما هو مشاهد اليوم مع الأسف من جماهير المتمذهبين، وفيهم كثير من الدكاترة والمتخرجين من كليات الشريعة، فإنهم جميعًا يتدينون بالتمذهب، ويوجبونه على الناس حتى العلماء منهم، فهذا كبيرهم أبو الحسن الكرخي الحنفي يقول كلمته المشهورة: " كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ". فقد جعلوا المذهب أصلًا، والقرآن الكريم تبعًا، فذلك هو (المثناة) دون ما شك
أو ريب.
وأما ما جاء في " النهاية " عقب الحديث وفيه تفسير (المثناة): " وقيل: إن المثناة هي أخبار بني إسرائيل بعد موسى ﵇ وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله، فهو (المثناة)،فكأن ابن عمرو كره الأخذ عن أهل الكتاب، وقد كان عنده كتب وقعت إليه يوم اليرموك منهم. فقال هذا لمعرفته بما فيها ".
قلت: وهذا التفسير بعيد كل البعد عن ظاهر الحديث، وأن (المثناة) من علامات اقتراب الساعة، فلا علاقة لها بما فعل اليهود قبل بعثته - ﵌ -، فلا جرم أن
[ ٩ / ٢٠٦ ]
ابن الأثير أشار إلى تضعيف هذا التفسير بتصديره إياه بصيغة " قيل " وأشد ضعفا منه ما ذكره عقبه: " قال الجوهري: (المثناة) هي التي تسمى بالفارسية (دوبيتي). وهو الغناء "!
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٧٤ - ٧٧٦).
[١٥٦٠] باب الفتنة من المشرق
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ألا إن الفتنة ههنا، ألا إن الفتنة ههنا [قالها مرتين أو ثلاثا]، من حيث يطلع قرن الشيطان، [يشير [بيده] إلى المشرق، وفي رواية: العراق]».
[قال الإمام]:
وطرق الحديث متضافرة على أن الجهة التي أشار إليها النبي - ﵌ - إنما هي المشرق، وهي على التحديد العراق كما رأيت في بعض الروايات الصريحة، فالحديث علم من أعلام نبوته - ﵌ -، فإن أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة كبدعة التشيع والخروج ونحوها. وقد روى البخاري (٧/ ٧٧) وأحمد (٢/ ٨٥، ١٥٣) عن ابن أبي نعم قال: "شهدت ابن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن محرم قتل ذبابا فقال: يا أهل العراق! تسألوني عن محرم قتل ذبابا، وقد قتلتم ابن بنت رسول الله - ﵌ -، وقد قال رسول الله - ﵌ -: «هما ريحانتي في الدنيا».
وإن من تلك الفتن طعن الشيعة في كبار الصحابة ﵃، كالسيدة عائشة الصديقة بنت الصديق التي نزلت براءتها من السماء.
"الصحيحة" (٥/ ٦٥٣، ٦٥٥، ٦٥٦).
[ ٩ / ٢٠٧ ]
[١٥٦١] باب الجمع بين قوله - ﵌ -: «لا تنتهي البعوث عن غزو هذا البيت، حتى يخسف بجيش منهم» وبين قوله: «لا تغزى مكة بعد إلى يوم القيامة»
[قال الإمام]:
اعلم أنه لا منافاة بين هذا الحديث و(حديث) : " لا تغزى مكة بعد إلى يوم القيامة " لأن المثبت من الغزو في هذا غير المنفي في ذاك، ألا ترى إلى تفسير سفيان إياه بقوله: " إنهم لا يكفرون أبدا ولا يغزون على الكفر ". ويؤيده قوله في هذا الحديث: " يخسف بجيش منهم ". فهو صريح في أن هذا الجيش من الكفار، أو البغاة، وإن كان فيهم مؤمنون مكرهون، فهم يؤمون البيت ليغزوا من فيه من المسلمين، فلا تعارض، والحمد لله.
"الصحيحة" (٥/ ٥٥٨ - ٥٦٠).
[١٥٦٢] باب القحط في آخر الزمان وبيان خطأ من حدد وقته
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يُوشِكُ أن تطلبُوا في قُراكُم هذه طَسْتًا من ماءٍ فلا تَجدونَهُ، يَنْزَوِي كلُّ ماءٍ إلى عُنْصُرِهِ؛ فيكون في الشام بَقِيَّةُ المؤمنين والماءُ».
[قال الإمام]:
والحديث حمله مؤلف كتاب "المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى" (ص ٢١٤) على أنه يكون بعد القحط الذي قال: إنه يأتي بعده الدجال!
[ ٩ / ٢٠٨ ]
وليس فيه ولا في غيره- فيما أعلم- ما يدل على هذا التحديد، فيمكن أن يكون قبل ذلك أو بعده، وهذا لعله هو الأقرب أن يكون بين يدي القيامة.
ومن المفيد هنا أن أنقل إلى القراء ما جاء في الكتاب المذكور (ص ٢١٠) فيما يتعلق بنضوب المياه:
"أصدر معهد (وواردوانش) الأ مريكي دراسة تشير إلى أن العالم استخرج كميات كبيرة من المياه الجوفية، وفي (تكساس) و(نيومكسيكو) أصبح هناك احتمال بنضوب المياه الجوفية تمامًا في هذه المنطقة؛ وفي الأقاليم الشمالية يهبط مستوى المياه الجوفية بمقدار ١٢ قدمًا كل عام. (الأهرام١/ ١٠/١٩٨٥).
وأشارت دراسة في الولايات الأمريكية أن العالم سوف يتعرض لنقص في موارد المياه التي لا علاج لها، ولن تفيد الطرق التقليدية في توفير المياه، مثل السدود والخزانات والقنوات. (أهرام ٢/ ١٠/١٩٨٥). كما أعلن مركز تحليل المناخ الفيدرالي في الولايات المتحدة في بيان له أن درجة حرارة مياه المحيط الهادي آخذة في الارتفاع. وهذه الظاهرة تؤثر على الأحوال المناخية في جميع أنحاء العالم، وتؤدي إلى تفاقم حالة الجفاف في إفريقيا واستراليا، وفيضانات في الصين، وسيول رعدية في (بيرو) و(أكوادور)، وعواصف وأعاصير على الولايات المتحدة وكندا وجنوب إفريقيا. (أهرام ١٦/ ١٠/١٩٨٦) ".
"الصحيحة" (٧/ ١/٢١٠ - ٢١١).
[ ٩ / ٢٠٩ ]
[١٥٦٣] باب شرطة آخر الزمان
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يكون في هذه الأمة في آخر الزمان رجال معهم سياط كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٥١٧).
[١٥٦٤] باب من أشراط الساعة زخرفة المساجد
[قال الإمام]:
[من أحكام المساجد] أن لا يزخرفه ويزينه؛ لأنه تضييع للمال فيما لا فائدة فيه لما فيه من إلهاء المصلي عن الخشوع الذي هو روح الصلاة ولبها.
[ثم ساق الإمام الأدلة على ذلك ثم قال]:
وبالجملة فمجموع هذه الأحاديث يدل على ثبوت نهيه ﵊ عن زخرفة المساجد وقد أشار إلى ذلك في الحديث الآتي:
«لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد» الحديث أخرجه النسائي، والدارمي، وابن ماجه، والبيهقي، وأحمد من طرق عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس مرفوعًا به.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم ولفظ النسائي: «من أشراط الساعة أن يتباهى. . .» الحديث.
[ ٩ / ٢١٠ ]
وفي هذا الحديث والذي قبله كراهة تزويق المساجد، وتزيينها بالنقوش والحمرة والصفرة، وكل ما يلهي المصلي ويشغله عن الخشوع الذي هو روح جسم العبادة، كما قال الصنعاني، وفوق هذا ففيه إضاعة المال بدون أية فائدة للمسجد، وقد نهى رسول الله - ﵌ - عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، وذلك أنه ليس المقصود من بناء المساجد إلا أن تَكِنّ الناس من الحر والقر كما سبق عن عمر ﵁، وزخرفتها ليس من ذلك في شيء، ولذلك نهى عنه عمر ﵁ بقوله: "وإياك أن تحمر أو تصفر". قال ابن بطال:
" كأن عمر فهم ذلك من رد الشارع الخميصة إلى أبي جهم من أجل الأعلام التي فيها، وقال: " إنها ألهتني عن صلاتي».
قال الحافظ: «ويحتمل أن يكون عند عمر من ذلك علم خاص بهذه المسألة». ثم ذكر الحديث المتقدم قريبا عن عمر مرفوعا بلفظ: «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم».
وقد روى البخاري، وأبو داود، وأحمد، وعنه البيهقي، عن ابن عمر ﵁: أن المسجد كان على عهد رسول الله - ﵌ - مبنيًّا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله - ﵌ - باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة (الجص) وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج.
قال الحافظ: "و(الساج): نوع من الخشب معروف يؤتى به من الهند، وقال ابن بطال وغيره:" هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد، وترك الغلو في
[ ٩ / ٢١١ ]
تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده؛ لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم كان عثمان - والمال في زمانه أكثر - فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه كما سيأتي بعد قليل.
وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة. . . وقال ابن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونًا لها عن الاستهانة، وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف
في ترك الرفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشيته شغل بال المصلي بالزخرفة فلا لبقاء العلة، وفي حديث أنس علم من أعلام النبوة لإخباره - ﵌ - بما سيقع فوقع كما قال".
قال الشوكاني:
"ومن جملة ما عول عليه المجوزون للتزيين بأن السلف لم يحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك، وبأنه بدعة مستسحسنة، وبأنه مرغب إلى المسجد، وهذه حجج لا يعول عليها من له حظ في التوفيق، لا سيما مع مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله - ﵌ -، وأنه نوع من المباهاة المحرمة، وأنه من علامات الساعة كما روي عن علي ﵇، وأنه من صنع اليهود والنصارى، وقد كان - ﵌ - يحب مخالفتهم ويرشد إليها عمومًا وخصوصًا، ودعوى ترك إنكار السلف ممنوعة؟ لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الدول الجائرة من غير مؤاذنة لأهل العلم والفضل، وأحدثوا من البدع ما لا يأتي عليه الحصر، ولا ينكره أحد، وسكت العلماء عنهم تقية لا رضا، بل قام في وجه باطلهم جماعة
[ ٩ / ٢١٢ ]
من علماء الآخرة، وصرخوا بين أظهرهم بنعي ذلك عليهم، ودعوى أنه بدعة مستحسنة باطلة وقد عرفناك وجه بطلانها في شرح حديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» في باب الصلاة في ثوب الحرير والغصب، ودعوى أنه مرغب إلى المسجد فاسدة؛ لأن كونه داعيًا إلى المسجد ومرغبًا إليه لا يكون إلا لمن غرضه وغاية قصده النظر إلى تلك النقوش والزخرفة، فأما من كان غرضه قصد المساجد لعبادة الله - التي لا تكون عبادة على الحقيقة إلا مع خشوع وإلا كانت كجسم بلا روح - فليست إلا شاغلة عن ذلك كما فعله - ﵌ - في الأنبجانية التي بعث بها إلى أبي جهم، وكما تقدم من هتكه للستور التي فيها نقوش، وكما سيأتي في " باب تنزيه قبلة المصلي عما يلهي " وتقديم البدع المعوجة التي يحدثها الملوك توقع أهل العلم في المسالك الضيقة فيتكلفون لذلك من الحجج الواهية ما لا ينفق إلا على بهيمة ".
ومما يدلك على أن دعوى كون السلف لم يقع منهم الإنكار على من فعل التزيين به دعوى باطلة في الجملة: ما روى سعيد بن منور: ثنا سفيان عن [ابن] أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال: دخلت مع ابن عمر مسجدًا بالجحفة فنظر إلى شرفاته فخرج إلى موضع فصلى فيه ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا - يعني الشرفات - شبهتها بأنصاب الجاهلية فأمر أن تكسر.
نقلته من "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم " لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الستة غير إسماعيل هذا وهو ثقة كما في " التقريب".
وفي " المدونة " لابن القاسم: قال: سمعت مالكًا، وذكر مسجد المدينة وما
[ ٩ / ٢١٣ ]
عمل في قبلته من التزويق وغيره قال: كره ذلك الناس حين فعلوه، وذلك يشغل الناس في صلاتهم ينظرون إليه فيلهيهم.
من أجل ذلك كره كثير من العلماء الصلاة في المساجد المزخرفة والمزينة فقال المناوي في " الفيض ": " قالت الشافعية: وتكره الصلاة في مسجد مشرف لما في "سنن البيهقي " عن ابن عمر: نهانا - أو نهينا - أن نصلي في مسجد مشرف. وأخذ منه كراهتها في المزوق والمنقوش بالأولى؛ لما فيه من شغل قلب المصلي، ويحرم نقشه، واتخاذ شرفات له من غلة ما وقف على عمارته أو مصالحه.
"الثمر المستطاب" (١/ ٤٦٢، ٤٦٥ - ٤٧١).
[١٥٦٥] باب تمنع الجزية عن أهل العراق في آخر الزمان
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يكونُ في آخرِ أمتي خليفةٌ يَحْثُو المالَ حَثْوًا؛ لا يَعُدُّهُ عَدًّا».
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (٣/ ٣١٧): ثنا إسماعيل- هو ابن عُلَيَّة- عن الجُرَيري عن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله قال: يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم قَفِيز ولا درهم.
قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل العجم يمنعون ذاك.
ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينارًا ولا مُدَّ قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل الروم يمنعون ذاك.
[ ٩ / ٢١٤ ]
قال: ثم أمسك هُنَيَّةً، ثم قال: قال رسول الله - ﵌ - فذكره.
(فائدة): قال النووي ﵀ في "شرح مسلم ": "وفي معنى " منعت العراق " وغيرها قولان مشهوران: أحدهما: لإسلامهم، فتسقط عنهم الجزية، وهذا قد وُجد.
والثاني: أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان؛ فيمنعون حصول ذلك للمسلمين. وقد روى مسلم عن جابر: " يوشك أن لا يجبى إليهم قفيز " فذكر الحديث، قال النووي: " وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وهو الآن موجود.
وقيل: لأنهم يرتدون في آخر الزمان؛ فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها.
وقيل: معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان؛ فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج وغير ذلك ".
قلت: وهذا المعنى هو الظاهر المتبادر من لفظ "المنع "؛ بخلاف المعنى الأول، فهو عنه بعيد جدًا؛ لأن من أسلم وسقطت عنه الجزية لا يصح أن يقال فيه: امتنع من أداء ما عليه؛ كما هو ظاهر بين.
ولقد كان الداعي إلى تخريج هذا الحديث؛ وبيان أن الموقوف منه في حكم المرفوع؛ وبيان معناه؛ أن بعض الناس اليوم ظنوا أن لهذا الحديث علاقة بالفتنة العمياء التي حلت على المسلمين بسبب اجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت، ما فرض على العراق من الحصار البري والبحري والجوي؛ لمنع وصول المؤن والأرزاق إليها من البلاد المسالمة لها!
[ ٩ / ٢١٥ ]
فكثر السؤال عن هذا الحديث بهذه المناسبة، وهل له علاقة أو ارتباط بهذا الحصار للعراق؟
فأجبت بالنفي، وبينت لهم معناه بنحو ما تقدم نقله عن الإمام النووي
- ﵀ -.
كتبت هذا نهار الأربعاء: ١ صفر سنة ١٤١١هـ. كفى الله المسلمين شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
"الصحيحة" (٧/ ١/١٩٦، ١٩٨ - ١٩٩)
[١٥٦٦] باب كيف الجمع بين أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل وبين قوله (- ﵌ -): «إن من أشراط الساعة أن يفيض المال ويكثر الجهل وتظهر الفتن وتفشو التجارة [ويظهر العلم]»
[قال الإمام]:
ولا يخالف ذلك [أي حديث ظهور العلم]- كما قد يتوهم البعض - ما صح عنه - ﵌ - في غير ما حديث أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل؛ لأن المقصود به العلم الشرعي الذي به يعرف الناس ربهم ويعبدونه حق عبادته، وليس بالكتابة ومحو الأمية كما يدل على ذلك المشاهدة اليوم، فإن كثيرا من الشعوب الإسلامية فضلا عن غيرها، لم تستفد من تعلمها القراءة والكتابة على المناهج العصرية إلا الجهل والبعد عن الشريعة الإسلامية، إلا ما قل وندر، وذلك مما لا حكم له. وإن مما يدل على ما ذكرنا قوله - ﵌ -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا
[ ٩ / ٢١٦ ]
ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمرو وصدقته عائشة، وهو مخرج في " الروض النضير " (رقم ٥٧٩).
"الصحيحة" (٦/ ١/٦٣٥).
[١٥٦٧] باب تنبيه هام حول
فهم بعض الأحاديث التي تتكلم عما سيكون آخر الزمان
سؤال: هل بعض الأحاديث الواردة في المدينة تنفي خبثها، والأحاديث الواردة في الصبر على لأوائها، ما أدري، بعض العلماء يقول .. يخصصها في عهد النبي - ﵌ -، وبعضهم يجعلها في آخر الزمان مثل المدينة تنفي خبثها عندما يأتي الدجال، وبعضهم يجعلها عامة في كل زمان؟
الشيخ: أما العموم فلا مجال للقول به لمصادمته الواقع، أما التخصيص بزمن الرسول ﵇ فهذا تخصيص بغير مخصص، لكن ينبغي أن نبقي الحديث على عمومه ولا نستثني منه إلا ما دل الدليل القاطع على ذاك الاستثناء الذي قلته آنفًا، وأعني بإيجاز أنه ليس خاصًا بزمنه ولا مضطردًا في كل زمن، وهذا له أمثلة في نصوص كثيرة مثلًا: «ذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم» (١) هذا من البداهة في مكان بأنه لا يمكن أن يقال فيه أنه خاص بزمن الرسول أو بزمن آخر، لكن لا مجال للقول بأنه يشمل كل الأزمان، وهكذا الأمثلة تتكرر، مثلًا في الحديث
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٧٠٢).
[ ٩ / ٢١٧ ]
المعروف المشهور بل المتواتر: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» (١) إلى آخره جاء في صحيح البخاري في رواية معاوية لهذا الحديث المرفوع، يقول هذا معاوية يقول وهو الذي روى الحديث مرفوعًا، يقول: وهذا معاذ يقول: هم في الشام.
مداخلة: معاوية يحكي عن معاذ؟
الشيخ: يحكي عن معاذ نعم، معاذ هو الذي يقول هذا الكلام: هم في الشام، فليس من الضروري أن يكونوا في الشام في كل لحظة في كل دقيقة في كل ساعة في كل يوم في كل أسبوع وهكذا تطرد، على ما يشاء الله ﷿ لكن بلا شك الغالب أنهم في الشام مع استحضار أن معنى الشام أوسع مما يدور في أذهان كثير من الناس اليوم بسبب حياتهم وغفلتهم عن التقسيمات السياسية فالشام سوريا والأردن وفلسطين ولبنان نعم، فبهذا المعنى الواسع يكون الحديث ماشيًا، لكن ليس بهذا المعنى الضيق في اللحظة، ممكن مثلًا أن يأتي زمن كما هو الزمن الحاضر الآن كما كان في زمن بعض الفتن المغول مثلًا حينما هجموا على هذه البلاد فيفر المسلمون بدينهم إلى بلاد أخرى، فلا يقال: أن الحديث كيف تطبيقه، إنما نقول: هذا لا يعني الاطراد الدقيق الذي ذكرته آنفًا في اللحظة في الدقيقة إلى آخره، وعلى هذا النوع من المعنى الواسع من جهة والضيق من جهة أخرى يمكن أن نفسر الحديث الذي ذكرت آنفًا، والله أعلم.
"لقاءات المدينة" (٦/ ٠٠:٣٨:٠٦).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (رقم١٩٢٠) و"صحيح مسلم" (رقم٥٣).
[ ٩ / ٢١٨ ]
[١٥٦٨] باب هل ورد عن سلمان الفارسي حديث في أشراط الساعة؟
سؤال: هل ورد عن سلمان الفارس ﵁ يروي عن النبي ﵊ حديثًا في أشراط الساعة، فإني سمعت من أحد الإخوان يقول: في حديث عن سلمان ﵁ يرويه عن النبي ﵊ في أشراط الساعة، فيسأل أين أجده وكذا .. إن كان ينصح ..
الشيخ: أنا لا استحضر حديثًا في أشراط الساعة لسلمان، لكن لو أنك تعرف جملة من هذا الحديث ممكن أن نتذكر شيئًا من ذلك، الآن لا أستحضر.
"فتاوى جدة" (٦/ ٠٠:٤١:٤٣).
[١٥٦٩] باب ما قيمة كتابي «الإشاعة في أخبار الساعة» و«الإذاعة » العلمية.
[سئل الشيخ عن كتاب «الإشاعة في أخبار الساعة»، فأجاب:]
الشيخ: الإشاعة أو الإذاعة في اثنين، في كتابين: في إشاعة وفي إذاعة؛ الإشاعة للحسيني والإذاعة لصديق حسن خان. لا شك أن الكتاب الثاني الإذاعة خير من الإشاعة، لأن صديق حسن خان من أهل الحديث، أما الحسيني هذا فمن الفقهاء المتأخرين وله مع الأسف يعني حملات على من كانوا يسمون قديمًا وأحيانًا حديثًا بالوهابية، فله حملات عليهم لأنه كان مفتيًا في مكة.
المهم أن كتاب الإشاعة جمع فأوعى، ولم يهتم بتمييز الصحيح من الضعيف عند الروايات التي حشرها وجمعها، بخلاف صديق حسن خان في الإذاعة فإن له
[ ٩ / ٢١٩ ]
شيئًا من هذه العناية في التصحيح والتضعيف وإن كان أنه لم يبلغ في ذلك الغاية، لكنه خير من الإشاعة. نعم.
"الهدى والنور" (٣١٦/ ٥٠: ٣٤: ٠٠).
[١٥٧٠] باب منه
السائل: .. هل عرفتم هذا مؤلف الكتاب واسمه محمد بن رسول الحسيني البرفنجي ثم المدني، صاحب كتاب الإشاعة في أشراط الساعة؟
الشيخ: نعم معروف هذا.
مداخلة: ماذا تقولون فيه وبعلمه واتجاهه؟
الشيخ: لا هو ليس محققًا هو جماع حطاب .. واضح؟
مداخلة: واضح.
"الهدى والنور" (٦٦٤/ ٣٢: ٤١: ٠٠).
[ ٩ / ٢٢٠ ]
(علامات الساعة الكبرى)
جماع أبواب
ظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى ﵇
[ ٩ / ٢٢١ ]
(تواتر أحاديث ظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى ﵇)
[١٥٧١] باب إثبات تواتر الأحاديث الواردة في خروج الدجال ونزول عيسى ﵇
[قال الإمام]:
(اتفق) أهل العلم بالحديث وحفاظه على تواتر حديث الدجال ونزول عيسى ﵇ من السماء؛ كالحافظ ابن كثير (١) وابن حجر وغيرهما؛ بل إن الإمام الشوكاني ألف رسالة سماها: "التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح".
وقد تيقَّنت - أنا شخصيًّا - بتواتر أحاديث الدجال وعيسى حينما كتبت الرسالة المشار إليها آنفًا، وقد بلغت الطرق التي تجمعت عندي - يومئذٍ - أكثر من أربعين طريقًا عن نحو أربعين صحابيًّا، بعضها على شرط الصحة، وسائرها أكثر شواهدها معتبرة، ومن المؤسف أنني لا أدري أين بقيت الآن بسبب النقلة من دار إلى أخرى؟!
ثم تَجَدَّد يقيني بذلك في دراستي لحديث أبي أمامة المشار إليها في المقدمة [أي مقدمة كتاب: قصة المسيح الدجال].
_________________
(١) "النهاية" لابن كثير (١/ ١٤٨). [منه].
[ ٩ / ٢٢٣ ]
وإليك تسمية الصحابة الذين رووا أحاديث الدجال -الذين خرَّجت أحاديثهم في هذه الدراسة؛ علمًا بأنها لم تستقصِ كل ما ورد في ذلك لعدم مناسبته للدراسة المذكورة-:
هشام بن عامر.
عبد الله بن مغفل.
حذيفة بن اليمان.
جابر بن عبد الله.
عبد الله بن عمر.
أنس بن مالك.
أبو هريرة.
النواس بن سمعان.
نفير بن مالك.
عائشة.
أم سلمة.
بعض أصحاب النبي - ﵌ -.
عبادة بن الصامت.
عبد الله بن عباس.
أبو بكرة الثقفي.
رجل من أصحاب النبي - ﵌ -.
سفينة مولى رسول الله - ﵌ -.
أبو سعيد الخدري.
فاطمة بنت قيس.
[ ٩ / ٢٢٤ ]
أم شريك.
عبد الله بن مسعود.
عبد الله بن عمرو.
وهناك صحب آخرون روي عنهم أحاديث في الدجال بأسانيد لا بأس بها في الشواهد؛ وهم:
أبو أمامة.
سعد بن أبي وقاص.
عبد الله بن مغنم.
أسماء بنت يزيد الأنصارية.
محجن بن الأردع.
عثمان بن أبي العاص.
سمرة بن جندب.
مجمَّع بن جارية.
أسماء بنت عميس.
ثم إليك أسماء الصحابة الذي رووا حديث نزول عيسى ﵇:
عبد الله بن مغفل.
أبو هريرة.
النواس بن سمعان.
نفير بن مالك.
عائشة.
جابر بن عبد الله.
[ ٩ / ٢٢٥ ]
أبو هريرة.
حذيفة بن أسيد.
عبد الله بن عمرو.
وهذه أسماء الصحابة الآخرين الذين روي عنهم أحاديث نزول عيسى ﵇ بأسانيد لا بأس بها في الشواهد:
أبو أمامة الباهلي.
بعض أصحاب محمد - ﵌ -.
سمرة.
حذيفة بن اليمان.
مجمَّع بن جارية الأنصاري.
إن هذا العرض السريع لطرق حديث الدجال، وحديث عيسى ﵊، ورواتهما من الصحابة الكرام الصادقين؛ ليتبين لكل ذي عينين أن الحديث متواتر بذلك، وأن كل من يشك في ذلك فهو من المرتابين في الدين كله، أو هو - على الأقل - معرَّض لذلك أشد التعريض؛ لأن ما كان منه تواترًا - كالقرآن وبعض الأحاديث - فهي معرَّضة عنده لجحدها بطريق التأويل؛ بل التعطيل، وما كان منها لم يبلغ مبلغ التواتر؛ فهي معرَّضة لديه لإنكارها بطريق الشك في ثبوت نسبتها إلى النبي - ﵌ -.
ومن هنا يظهر أن كل المؤمنين بالدين الإسلامي؛ فهم على خطر في إيمانهم إذا لم يعتمدوا على مذهب أهل الحديث في تلقيهم للدين؛ فإنهم أعلم الناس بما هو منه ثبوتًا، وما ليس منه روايةً، وأعرف الناس بمعانيها ومقاصدها؛ لأنهم تلقوا
[ ٩ / ٢٢٦ ]
كل ذلك عن رسول الله - ﵌ - بالطرق العلمية الصحيحة التي لا سبيل إلى معرفة الدين إلا بها، وبدونها يصير الدِّين هوىً متَّبعًا، وهذا هو الداء العضال الذي أصاب العالم الإسلامي اليوم، ولم ينج منه إلا الطائفة المنصورة التي بشر بها رسول الله - ﵌ - في أحاديث كثيرة متواترة؛ منها قوله - ﵌ -:
«لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم؛ حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» (١).
أقول: ولعل ذلك الذي ذكرنا من طريق المرتابين هو السبب في تشديد عمر على المكذبين بالدجال - وغيره مما ثبت في السنة الصحيحة - فقد روى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر وهو يقول: "سيكون فيكم قوم من هذه الأمة يكذّبون بالرجم، ويكذّبون بالدجال، ويكذّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذّبون بعذاب القبر، ويكذّبون بالشفاعة، ويكذّبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا، فلئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود".
أخرجه الداني في "الفتن" (ق٢٣/ ٢)، وأحمد (١/ ٢٣)، مختصرًا، وإسناده حسن.
"قصة المسيح الدجال " (ص٢٤ - ٣٠).
_________________
(١) خرَّجته في "الصحيحة" برقم (١٩٥٩). [منه].
[ ٩ / ٢٢٧ ]
[١٥٧٢] باب أحاديث الدجال ونزول عيسى متواترة، وذكر بعض أهل الضلال ممن أنكر ذلك
[قال الإمام]:
اعلم أن أحاديث الدجال ونزول عيسى ﵇ متواترة يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد، فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها، ولو فعل لوجدها متواترة كما شهد بذلك أئمة هذا العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، ومن المؤسف حقًا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دين وعقيدة!
وإن من هؤلاء أخيرًا المدعو عز الدين بليق في كتابه "موازين القرآن والسنة" الذي زعم فيه تقليدًا لغيره ممن لا معرفة عنده بهذا العلم - أن روايات نزول عيسى بعد الدجال إنما هي من رواية وهب بن منبة وكعب الأحبار وهذا اختلاق محض، فلا وجود لهما في شيء منها مطلقًا، وقد كنت قديمًا خرجت نحو أربعين حديثًا ليس لهما فيها ذكر!
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٠١).
[١٥٧٣] باب أحاديث خروج الدجال ونزول عيسى متواترة
-[قال الإمام معلِّقًا على قول صاحب الطحاوية: "ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء"]:
والأحاديث في ذلك متواترة كما شهد بذلك كثير من الحفاظ المهرة، ولي رسالة في ذلك أسميتها: " قصة المسيح الدجال ونزول عيسى ﵊".
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٧).
[ ٩ / ٢٢٨ ]
[١٥٧٤] باب أحاديث الدجال، والمهدي، وعيسى متواترة، والرد على من أنكر ذلك
[قال الإمام]:
قرأت منذ بضعة أيام كتاب " الإسلام المصفى "
[ثم علق في الحاشية قائلًا]:
تأليف محمد عبد الله السمان وهو - والحق يقال كتاب قيم قد عالج فيه كثيرًا من المسائل والقواعد التي تهم المسلم في العصر الحاضر، ولكنه عفا الله عنه قد اشتط كثيرًا في بعض ما تحدث عنه، ولم يكن الصواب فيه حليفه، مثل مسالة إعفاء اللحية .. ومثل إنكاره شفاعته - ﵌ - لأهل الذنوب، وإنكاره نزول عيسى، وخروج الدجال، والمهدي.
قد أنكر كل ذلك وزعم أنها " ضلالات مصنوعة " وأن الأحاديث التي وردت فيها أحاديث آحاد لم تبلغ حد التواتر.
ونحن نقول للأستاذ كلمتين مختصرتين:
١ - دعواك أن الأحاديث المشار إليها غير متواترة غير مقبولة منك، ولا ممن سبقك إليها، مثل الشيخ شلتوت وغيره؛ لأنها لم تصدر من ذوي الاختصاص في علم الحديث، ولا سيما وقد خالفت شهادة المتخصصين فيه كالحافظ ابن كثير، وابن حجر، والشوكاني، وغيرهم حيث صرحوا بأن حديث النزول متواتر، وذلك يتضمن تواتر حديث خروج الدجال من باب أولى؛ لأن طرقه أكثر؟ كما لا يخفى على المشتغلين بهذا العلم الشريف، وقد كنت جمعت في بعض المناسبات الطرق الصحيحة فقط لحديث النزول فجازوت العشرين
[ ٩ / ٢٢٩ ]
طريقًا عن تسعة عشر صحابيًاّ فهل التواتر غير هذا؟!
٢ - تقسيمك أنت وغيرك - أيا كان - الأحاديث الصحيحة إلى قسمين:
قسم يجب على المسلم قبولها ويلزمه العمل بها وهى أحاديث الأحكام ونحوها.
وقسم لا يجب عليه قبولها والاعتقاد بها وهي أحاديث العقائد وما يتعلق منها بالأمور الغيبية.
أقول: إن هذا تقسيم مبتدع لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله - ﵌ -، ولا يعرفه السلف الصالح، بل عموم الأدلة الموجبة للعمل بالحديث تقتضي وجوب العمل بالقسمين كليهما ولا فرق، فمن ادعى التخصيص فليتفضل بالبيان مشكورًا وهيهات هيهات. ثم ألفت رسالتين هامتين جدًاّ في بيان بطلان التقسيم المذكور الأولى: " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة " والأخرى: " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام ".
"تمام المنة" (ص٧٨ - ٧٩).
[١٥٧٥] باب أحاديث الدجال ونزول عيسى متواترة
[قال الإمام]:
(أحاديث) الدجال ونزول عيسى ﵇ وهي متواترة عندهم، ونحوها أحاديث خروج المهدي - مهدي السنة لا الشيعة - فإنها صحيحة أيضا بل متواترة عند أهل العلم.
"حياة الألباني" (١/ ٢٣٤).
[ ٩ / ٢٣٠ ]
[١٥٧٦] باب نزول عيسى متواتر
[أورد شيخ الإسلام في كتاب "الإيمان" قول النبي - ﵌ -: "والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا عدلا وإماما قسطًا"].
[فعلق الإمام قائلًا]:
متفق عليه.
ونزول عيسى ﵇ متواتر يجب الإيمان به، ولا يغتر بمن يزعم أنه حديث آحاد، فإنه ليس من أهل العلم بهذا الشأن، كيف ذلك وقد استخرجت له أنا بنفسي عشرين طريقًا عن عشرين صحابيًا بأكثر من عشرين سندًا صحيحًا؟!.
"تخريج الإيمان لابن تيمية" (ص٣٥٧).
[ ٩ / ٢٣١ ]
(المهدي)
[١٥٧٧] باب خروج المهدي حقيقة عند العلماء
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «لتملأن الأرض جورًا وظلمًا، فإذا ملئت جورًا وظلمًا، بعث الله رجلا مني، اسمه اسمي، فيملؤها قسطًا وعدلًا، كما ملئت جورًا وظلمًا».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٣٨).
[١٥٧٨] باب من علامات المهدي
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به ثم قال]:
وفي الباب أحاديث أخرى فيها التصريح بأن الإمام الذي يصلي خلفه عيسى ﵇ إنما هو المهدي، تراها في "العرف الوردي" للسيوطي (ص ٨١، ٨٣، ٨٤)، وقد مضى منها حديث جابر قريبًا (٢٢٣٦).وختم السيوطي ذلك بما نقله عن أبي الحسن السحري (!): "قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - ﵌ - بمجيء المهدي وأنه من أهل بيته، وأنه يخرج مع عيسى بن مريم، فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة، وعيسى يصلي خلفه .. ".
"الصحيحة" (٥/ ٣٧١ - ٣٧٢).
[ ٩ / ٢٣٢ ]
[١٥٧٩] باب في علامات قرب خروج المهدي
سؤال: يقول: ما رأي فضيلتكم في الأحاديث الواردة في كتاب: الإشاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة، وكتاب: الإذاعة، وذلك حول الأمارات الدالة على قرب خروج الإمام المهدي، وعلامات خروجه وهي كما ذكرها: جفاف بحيرة طبرية .. انحسار نهر الفرات .. وجفاف مياهه عن جبل من ذهب .. عدم إثمار نخل بيسان .. انكساف الشمس في أول رمضان وانخساف القمر في ليلة النصف منه، وهل قطع مياه الفرات الآن عن سوريا والعراق في الوقت الحاضر، أفيدونا أثابكم الله بإسهاب عن هذا الموضوع.
الشيخ: أما القطع المذكور فليس له علاقة بأشراط الساعة، فإنه خلاف سياسي قد يزول إن شاء الله، أما كسوف الشمس والقمر فليس فيه حديث صحيح، أما سائر العلامات التي ذكرت في السؤال فهي ثابتة، وأخيرًا: فليس هناك تحديد لوقت خروج المهدي ونزول عيسى ﵉، ولا أعتقد أن هذا الوقت فيه نذر وعلامات تمكننا من تحديد وقت خروج المهدي أو نزول عيسى ﵇، لا سبيل إلى ادعاء شيء من ذلك إلا على سبيل التظنن والتخرص وهذا لا يجوز في دين الله.
وأنا أقول بمثل هذه المناسبة: أن كثيرًا ممن ينتمي إلى العلم وإلى الدعوة إلى الإسلام قد ينكر أحاديث نزول عيسى ﵇ وخروج المهدي ﵇؛ لأنها كواقع مع الأسف الشديد كانت سببًا .. بسبب سوء فهم الأمة لهذه الأحاديث كانت سببًا لتواكل المسلمين وتقاعسهم عن القيام بواجب العمل لإعادة الحكم الإسلامي حكمًا قائمًا في أرض الإسلام، والواقع أن هذه الأحاديث لا تعني هذا المعنى المنحرف، ومن المؤسف أن بعض الدعاة بديل أن يقوموا بواجب نشر هذه
[ ٩ / ٢٣٣ ]
العقيدة لثبوتها في كتب السنة ثبوتًا متواترًا من جهة، ومن جهة أخرى: بديل أن يفهموا الأمة المقصد الأسنى من تبشير الرسول ﵊ لهذه الأمة بخروج المهدي ونزول عيسى ﵇، بدل النشر والتبشير والتقييم ماذا فعلوا؟ لقد أنكروا هذه الأحاديث الصحيحة وأوجدوا بلبلةً بين المسلمين الذين ليس عندهم من الوعي والتوعية ما تمكنهم من تمييز الأقوال الصحيحة من الأقوال الضعيفة.
يجب على كل مسلم أن يدرس الأحاديث على منهج علماء الحديث، وليس على منهج علماء الرأي والفلسفة العقلية المحضة، فالفلسفة لا حدود لها وكل يرى ما يناسب هواه، وما يناسب ثقافته، وإنما الطريق لمعرفة ما صح عن الرسول، وما لم يصح إنما هو طريق علماء الحديث منذ أن كانوا على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، وهو الرجوع إلى أسانيد الأحاديث وإلى تراجم رواتها.
وقد تبين لكل عالم بالحديث أن هذه الأحاديث أحاديث نزول عيسى وخروج المهدي أحاديث صحيحة لا يجوز إنكارها، وإنكارها يعرض منكرها ولا شك لمفسدتين أحلاهما مر: إما الكفر؛ لأنه جحد ما ثبت عن النبي - ﵌ - بالتواتر، أو الفسق إذا كان لم يقم بواجب البحث والتحقيق وهو عالم يستطيع القيام بذلك.
هذا هو الواجب الأول: أن نثبت هذه الأحاديث لأنها صحيحة لا شك ولا ريب فيها.
الواجب الثاني: أن نفهم الأمة أن هذه الأحاديث لا تعني أن الأمة ينبغي أن تتواكل وأن تنتظر خروج المهدي ونزول عيسى، بل عليها كلها أن تعمل لعزة الإسلام ولتطبيق الإسلام، وحينذاك سيشعرون بأن الأمة بحاجة إلى وحدة الكلمة
[ ٩ / ٢٣٤ ]
قبل كل شيء، ثم إلى رجل يقودهم إلى العز والمجد الغابر، هذا الرجل قد يكون المهدي ﵇ وقد يكون رجلًا مصلحًا قبل خروجه هو؛ لأن النبي - ﵌ - قد بشر هذه الأمة بقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» فالمجددون والحمد لله موجودون وهم متتابعون على رأس كل مائة سنة، فقد يكون المهدي على رأس المائة سنة القابلة، وقد يكون بعد مائتي سنة وقد وقد؛ لأن هذا غيب لا يعلمه إلا الله ﵎، لكن المسلمين عليهم أن يعملوا واجبهم، ثم قد ربنا ﷿ يرسل إليهم مصلحًا ليجمع كلمتهم ويقيموا دولتهم وما ذلك على الله بعزيز.
"فتاوى جدة" (٤/ ٠٠:٤١:٥٠)
[١٥٨٠] باب هل سيخرج المهدي في هذا الزمان؟
سؤال: قيل إنك قلت [أن المهدي] يخرج ليس في هذا الزمان سيخرج في زمان .. الحرب تكون بالسيوف والرماح؟
الشيخ: لا، أنا ما أقول هذا، بس أقول ما بيخرج بهذا الزمان؛ لأنه المهدي سوف لا يستطيع أن يعمل أكثر من الرسول ﵇، الذي ظل بقومه عشرين سنة حتى استطاع أن يوجد من حوله أمة يقاتلون في سبيل الله، فلو خرج [المهدي و] وجد التسعمائة مليون مسلم متفرقين شذر مدر حتى يجمعهم على فكرة واحدة، على تصفية وعلى تربية، يحتاج إلى كذا سنين هو، ونص الحديث يمكث في الأرض سبع سنين، ثمان سنين، شو بده يسوي في سبع سنين
"الهدى والنور" (١٤٩/ ٢١: ٠٢: ٠١).
[ ٩ / ٢٣٥ ]
[١٥٨١] باب من هو المهدي المنتظر؟ وهل هو مهدي الشيعة؟
سؤال: بالنسبة للمهدي، المهدي هل هو المهدي المنتظر اللي بيتكلموا عنه الشيعة أو المهدي اللي بيقولوا عنه بيطلع بعد كذا عام؟
الشيخ: المهدي يا أخي تبع الشيعة خيال، مهدي الشيعة خيال لا وجود له، إلا في أدمغتهم. تسمع بالعنقاء؟
مداخلة: لا.
الشيخ: العنقاء: اسم بدون جسم، ومثله الخل الوفي، تعرفوه؟ الخل الوفي، المهم: مهدي الشيعي خيال، لأنو بيقولوا هو داخل في السرداب من كذا سنين، وكل يوم بيهيؤوا ثلة من الجيش، من العسكر، من الفرسان، وبيروحوا باب المغارة من شان يستقبلوه، وهكذا لا يزالون في ضلالهم يعمهون، أما المهدي المبشر به في الأحاديث الصحيحة، ومنها قوله ﵊: «لا تنقضي الدنيا حتى يبعث الله رجلًا يوافق اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي -أي محمد بن عبد الله- يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا»، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، «يمكث في الأرض سبع سنوات أو ثمان سنوات».
فإذن المهدي محمد بن عبد الله هو رجل من المجددين، الذين أخبر الرسول ﵇ عنهم بقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها على رأس كل مائة سنة». فالمهدي ما هو إلا إنسان عادي عالم مصلح، الناس يتبعونه لعلمه ولصلاحه؛ ولذلك ففي زمانه يرى الناس العدل، ولا يعودون يرون الجور والظلم [كما هو] حال المسلمين اليوم يعيشونه في كل بلاد الإسلام مع الأسف الشديد.
«لا تنقضي الدنيا حتى يبعث الله رجلًا يوافق اسمه اسمي، واسم أبيه اسم
[ ٩ / ٢٣٦ ]
أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا». هذا المهدي إنسان من العلماء المصلحين لم تلد النساء مثله بعد الصحابة والخلفاء الراشدين.
مداخلة: قبل نزول عيسى ﵇.
الشيخ: هو قبل لكن يلتقى به كما سمعت آنفًا، ذكرنا أنه بينزل عيسى شرقي دمشق، وبتكون الصلاة أقيمت للمهدي، فحينما يرى عيسى بيقدمه يصلي، يقول: لا، أي أنا لا أتقدمكم معشر أمة محمد تكرمة هذه الأمة. نعم.
مداخلة: شيخنا: في شاهد لما تفضلت به وهو قول الله ﷾: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء:١٥٩).
الشيخ: نعم، صدق الله.
"الهدى والنور" (٥٢٩/ ٠٩: ٠٦: ٠٠).
[١٥٨٢] باب بيان حال حديث حول المهدي
سؤال: [نسأل] عن صحة حديث: «لا يخرج المهدي حتى يحكم رجل من جزيرة العرب وهو من العرب المتنصرة»؟
الشيخ: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
"الهدى والنور" (٣١٦/ ٣٠: ٣٤: ٠٠).
[ ٩ / ٢٣٧ ]
قصة المسيح الدجال
ونزول عيسى ﵊ وقتله إياه
على سياق رواية أبي أمامة ﵁
مضافا إليه ما صح عن غيره من الصحابة ﵃ (١)
١ - يا أيها الناس إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم [ولا تكون حتى تقوم الساعة] أعظم من فتنة الدجال [ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها] [وإنه لا يضر مسلمًا].
٢ - وإن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته [الأعور] الدجال [إني لأنذركموه].
٣ - وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم.
٤ - وهو خارج فيكم لا محالة، [إنه لحق وأما إنه قريب فكل ما هو آت قريب]، [إنما يخرج لغضبة يغضبها] و[لا يخرج حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة].
٥ - فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، (وفي حديث أم سلمة:
_________________
(١) وقد أبقيت على ما وضعه الألباني من معقوفات تميز الزوائد على سياق أبي أمامة دون عزو لمواضع الزيادات، فعلى من أراد الوقوف على مواضعها الرجوع إلى الأصل.
[ ٩ / ٢٣٨ ]
وإن يخرج بعد أن أموت يكفيكموه الله بالصالحين).
٦ - وإنه يخرج [من [أرض] قبل المشرق] [يقال لها: (خراسان)] [في يهودية أصبهان] [كأن وجوههم المجان المطرقة] من خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا [وعاث] شمالا يا عباد الله فاثبتوا. [ثلاثًا].
٧ - فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، (وفي حديث عبادة: إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت ألا تعقلوا).
٨ - إنه يبدأ فيقول: أنا نبي ولا نبي بعدي.
٩ - ثم يثني فيقول: أنا ربكم. ولا ترون ربكم حتى تموتوا.
١٠ - وإنه أعور [ممسوح] [العين اليسرى] [عليها ظفرة غليظة] [خضراء كأنها كوكب دري] [عينه اليمنى كأنها عنبة طافية] [ليست بناتئة ولا حجراء] [جفال الشعر] [ألا ما خفي عليكم من شأنه فلا يخفين عليكم] إن ربكم ليس بأعور [ألا ما خفي عليكم من شأنه فلا يخفين عليكم أن ربكم ليس بأعور] [ثلاثا] [وأشار بيده إلى عينيه] [وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا].
١١ - [إنه يمشي في الأرض وإن الأرض والسماء لله].
١٢ - [إنه شاب قطط كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن] [قصير أفحج دعج] [هجان].
١٣ - [وإنه آدم جعد] [جفال الشعر].
١٤ - وإنه مكتوب بين عينيه: كافر يقرؤه [من كره عمله أو يقرؤه] كل مؤمن كاتب أو غير كاتب.
١٥ - وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا [ونهرا وماء] [وجبل خبز] [وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار] فناره جنة وجنته نار.
[ ٩ / ٢٣٩ ]
-[وسأله المغيرة بن شعبة عنه؟ فقال: قلت: إنهم يقولون: معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء؟ قال: هو أهون على الله من ذلك].
(وفي حديث آخر: [معه نهران يجريان أحدهما - رأي العين - ماء أبيض والآخر - رأي العين - نار تأجج] [فمن أدرك ذلك منكم فأراد الماء فليشرب من الذي يراه أنه نار] [وليغمض [عينيه] ثم ليطأطئ [رأسه] فإنه يجده ماء [باردًا عذبًا] [طيبًا] [فلا تهللوا]. وفي أخرى: فمن دخل نهره حط أجره ووجب وزره ومن دخل ناره وجب أجره وحط وزره).
١٦ - فمن ابتلي بناره فليستغث بالله وليقرأ [عليه] فواتح سورة (الكهف) [فإنها جواركم من فتنته].
١٧ - وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك.
١٨ - وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين.
١٩ - وإن من فتنته أن يمر بالحي [فيدعوهم] فيكذبونه [فينصرف عنهم] فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت.
٢٠ - وإن من فتنته أن يمر بالحي [فيدعوهم] فيصدقونه [ويستجيبون له] فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعًا.
٢١ - ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل.
٢٢ - [يخرج في [زمان اختلاف من الناس وفرقة] (و) بغض من الناس وخفة من
[ ٩ / ٢٤٠ ]
الدين وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، فتطوى له الأرض طي فروة الكبش].
٢٣ - [ولا يخرج حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق [يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام]. فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ. فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا. والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم [وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون، حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام] فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا ويقتل ثلثهم -[هم] أفضل الشهداء عند الله - ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدًا [فيجعل الله الدبرة عليهم (أي الروم) فيقتتلون مقتلة إما قال: لا يرى مثلها وإما قال: لم ير مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتًا فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم؟] فيبلغون قسطنطينية فيفتحونها (وفي رواية: سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط أحد جوانبها الذي في البحر ثم يقولوا الثانية:
[ ٩ / ٢٤١ ]
لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا) فبينما هم يقتسمون الغنائم - قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح [الدجال] قد خلفكم في أهليكم. [فيرفضون ما بأيديهم] فيخرجون وذلك باطل [فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول الله - ﵌ -: «إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ] فإذا جاؤوا الشام خرج»].
٢٤ - وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا [أربع مساجد: مسجد] مكة و[مسجد] المدينة [والطور ومسجد الأقصى].
٢٥ - وإن أيامه أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم.
قالوا: فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره.
قالوا: وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح].
٢٦ - وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله.
قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام.
[ ٩ / ٢٤٢ ]
٢٧ - لا يأتي مكة والمدينة من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة.
٢٨ - [وإنه ليس من بلدة إلا يبلغها رعب المسيح [الدجال] إلا المدينة [لها يومئذ سبعة أبواب] على كل نقب من نقابها ملكان يذبان عنها رعب المسيح].
٢٩ - حتى ينزل عند السبخة [سبخة الجرف] [دبر أحد] [فيضرب رواقه].
٣٠ - فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص [وأكثر من يخرج إليه النساء].
٣١ - [فيتوجه قبله رجل من المؤمنين [ممتلئ شبابًا] [هو يومئذ خير الناس أو من خيرهم] فتلقاه المسالح - مسالح الدجال - فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج. قال: فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ فينطلقون به إلى الدجال فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس [أشهد أن] هذا الدجال الذي ذكر (وفي طريق: الذي حدثنا) رسول الله - ﵌ -[حديثه] قال: فيأمر الدجال به فيشبح فيقول: خذوه وشبحوه. فيوسع ظهره وبطنه ضربًا قال: فيقول: أو ما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب [فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا]. قال: فيؤمر به فيؤشر المئشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه [فيقتله] (وفي حديث النواس: فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض). قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم. فيستوي قائما قال: [ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك] ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: [والله] ما ازددت فيك إلا بصيرة. قال: ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي
[ ٩ / ٢٤٣ ]
بأحد من الناس. قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا فلا يستطيع إليه سبيلا قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به. فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة، فقال رسول الله - ﵌ -: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين].
٣٢ - [ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام] [ثم يأتي جبل إيليا فيحاصر عصابة من المسلمين] [فيلقى المؤمنون شدة شديدة] [ويفر الناس من الدجال في الجبال] فقالت أم شريك بنت أبي العكر يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل.
٣٣ - وإمامهم رجل صالح [وقال - ﵌ -: المهدي منا آل البيت [من أولاد فاطمة] يصلحه الله في ليلة] [يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي] [أجلى الجبهة أقنى الأنف] [يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا] [يملك سبع سنين].
- وقال - ﵌ -: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم ﵇» - وقال: «من أدركه منكم فليقرئه مني السلام».
٣٤ - [فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم [من السماء] عيسى بن مريم الصبح] [عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه].
٣٥ - [ليس بيني وبينه نبي (يعني: عيسى)، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل،
[ ٩ / ٢٤٤ ]
فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام).
- وقال: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم (وفي رواية: وأمكم) منكم؟). قال: ابن أبي ذئب: تدري ما (أمكم منكم)؟ قلت: تخبرني. قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎، وسنة نبيكم - ﵌ -)].
٣٦ - فرجع ذلك الإمام ينكص - يمشي القهقرى - ليتقدم عيسى [فيقول: تعال صل لنا]. فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: [لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة] تقدم فصل. فيصلي بهم إمامهم.
٣٧ - [ثم يأتي الدجال جبل (إيلياء) فيحاصر عصابة من المسلمين] [فيقول لهم الذين عليهم: ما تنتظرون بهذا الطاغية [إلا] أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله، أو يفتح لكم، فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا].
٣٨ - [فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة] [صلاة الصبح] [فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم] [فيؤم الناس فإذا رفع رأسه من ركعته قال: سمع الله لمن حمده قتل الله المسيح الدجال، وظهر المسلمون]. فإذا انصرف قال: افتحوا الباب. فيفتح وراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج [فيطلبه عيسى ﵊].
٣٩ - [فيذهب عيسى بحربته نحو الدجال] فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء [فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريه دمه في حربته] فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله [فيهلكه الله ﷿ عند عقبة أفيق].
٤٠ - فيهزم الله اليهود [ويسلط عليهم المسلمون] [ويقتلونهم] فلا يبقى شيء مما
[ ٩ / ٢٤٥ ]
خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابة - إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي [ورائي] فتعال فاقتله.
٤١ - [ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة].
٤٢ - فيكون عيسى ابن مريم ﵊ في أمتي [مصدقا بمحمد - ﵌ - على ملته] حكما عدلًا وإمامًا [مهديًاّ] مقسطًا [فيقاتل الناس على الإسلام ف] يدق الصليب، ويذبح الخنزير [وتجمع له الصلاة] ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض [والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد]، [حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها]، [وتكون الدعوة واحدة لرب العالمين]، -[والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج (الروحاء) حاجًاّ أو معتمرًا أو ليثنينهما].
٤٣ - ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذا أوحي الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. [ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس - فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا] ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى
[ ٩ / ٢٤٦ ]
كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا، لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة.
ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك.
فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس] ويكون الثور بكذا وكذا من المال وتكون الفرس بالدريهمات.
-[وقال - ﵌ -: (طوبى لعيش بعد المسيح طوبى لعيش بعد المسيح يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات، فلو بذرت حبك على الصفا لنبت، ولا تشاح، ولا تحاسد، ولا تباغض)].
٤٤ - وتنزع حمة كل ذات حمة، [وتقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم]، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها [ثم يقال: تكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم].
٤٥ - [فيمكث عيسى ﵊ في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى
[ ٩ / ٢٤٧ ]
فيصلي عليه المسلمون].
٤٦ - فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا [باردة من قبل الشام] فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم (وفي حديث ابن عمرو: لا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه) ويبقى شرار الناس [في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دارة أرزاقهم حسن عيشهم] يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة.
٤٧ - [ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا، أول من يسمع رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس. ثم يرسل الله - أو قال: ينزل الله - مطرًا كأنه الطل أو الظل - شك من الراوي - فتنبت منه أجساد الناس [ثم نفخ فيه أخرى فإذا قيام هم ينظرون]؟ (الزمر: ٦٨) ثم يقال: يا أيها الناس هلم إلى ربكم؟ وقفوهم إنهم مسؤولون؟ [الصافات: ٢٤]. ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. فذاك يوم [يجعل الولدان شيبا] (المزمل: ١٧) وذلك [يوم يكشف عن ساق] (القلم: ٤٢).
"قصة المسيح الدجال .. " (ص١٢٩ - ١٤٩).
[ ٩ / ٢٤٨ ]