[ ٨ / ٣٤٥ ]
جماع أبواب مقدمات
وقواعد هامة حول عقيدة أهل السنة في الصحابة
[ ٨ / ٣٤٧ ]
[١٣٩٩] باب الشهادة بالجنة لمن شهد الله ورسوله له من الصحابة
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية]:"ولا ننزل أحدًا منهم [أي من أهل القبلة] جنة"قائلًا:
إلا العشرة المبشرين بالجنة وعبد الله بن سلام وغيرهم فإنا نشهد لهم بالجنة على شهادة الرسول - ﵌ -، وقد صرح المصنف ﵀ بذلك في الفقرة (٩٥)، ومن ضلال بعض الكتاب اليوم وجهلهم غمزهم لعبد الله بن سلام بيهوديته قبل إسلامه مع شهادة النبي - ﵌ - له بالجنة كما في " صحيح البخاري " وليت شعري أي فرق بين من كان يهوديًاّ فأسلم وبين من كان وثنيًاّ وأسلم لولا العصبية القومية الجاهلية. بلى هناك فرق فقد جاء في " الصحيحين " قوله - ﵌ -: «ثلاث لهم أجرهم مرتين. . .» فذكر منهم «ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي - ﵌ - فآمن به واتبعه وصدقه». فهذا له أجران دون الوثني إذا أسلم فله أجر واحد.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٦).
[١٤٠٠] باب عدم الإفراط في حب الصحابة
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية:] "ونحب أصحاب رسول الله - ﵌ - ولا نفرط في حب أحد منهم":
أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم فندعي لهم العصمة كما تقول الشيعة في علي ﵁ وغيره من أئمتهم.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠١).
[ ٨ / ٣٤٩ ]
[١٤٠١] باب الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة
[أكثر الشيخ من ذكر هذه القاعدة في كتبه فانظر على سبيل المثال "الصحيحة" (٣/ ٣٦٠)، (٥/ ٣٩٩)، (٦/ ٢/١٢٦٠)، (٧/ ١/٢٩١)، (٧/ ٢/١١٨٩)].
[١٤٠٢] باب أصحاب الرسول كلهم عدول في الرواية
[قال الإمام]:
المحدثون يقولون أصحاب الرسول كلهم عدول فيما يتعلق بالرواية عن الرسول ﵇.
"الهدى والنور" (١٥/:٠٠:٤١:٥١)
[١٤٠٣] باب أهل السنة يوالون الصحابة وآل البيت
[قال الإمام معلقا على قول صاحب الطحاوية:] " ونحب أصحاب رسول الله - ﵌ - ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم":
أي: كما فعلت الرافضة فعندهم لا ولاء إلا ببراء. أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄. وأهل السنة يوالونهم جميعًا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعصب.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٢).
[١٤٠٤] باب حكم سب الصحابة
سؤال: نفترض أن واحدًا وقع في سب الصحابة، ما الحكم المترتب عليه على هذا السب؟
الشيخ: طبعًا خالف النهي يعني حين قال ﵇: «لا تسبوا أصحابي،
[ ٨ / ٣٥٠ ]
فوالذي نفس محمد بيده لو أنفق أحد مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» إذا سب فمعنى ذلك أنه خالف النهي، ولم يأتمر بأمر الرسول ﵇ الذي يلزم منه الانتهاء عما نهى عنه، وهو ألا يسب أصحابه، وقد قال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٣).
وبهذه المناسبة لا بد لي من لفت النظر إلى أن الأمر في هذا الحديث أعني في نهيه - ﵌ - المسلمين كافة أن يسبوا أحدًا من أصحابه، ذلك لا يعني من الباب الذي يسمى عند فقهاء الأصول مفهوم المخالفة، ليس لهذا الحديث مفهوم مخالفة؛ لأنه لا يجوز سب أي مسلم لا يجوز سب أي مسلم على وجه الأرض؛ لأنه مسلم يشارك الساب، والمفروض أنه أيضا مسلم مثله لا يجوز له أن يسب مسلمًا؛ لأن النبي - ﵌ - الذي قال: «لا تسبوا أصحابي» قد قال أيضًا: «لا تسبوا تُبَّعًا فإنه كان قد أسلم»، تُبَّع كان قد أسلم، إذن الإسلام وحده يكفي في ردع المسلم الملتزم بأحكام دينه عن أن يتوجه بسبابه إلى مسلم مثله، فمن باب أولى أنه لا يجوز أن يسب مسلمًا من أصحاب النبي - ﵌ -، ولو كان كما قال بعض التابعين أعرابيًّا بوالًا على عقبيه؛ لأنكم تعلمون أن الذين آمنوا بالنبي الأمي واتبعوه وكانوا من الرعيل الأول أي من القرن الأول الذي قال فيه الرسول - ﵌ -: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» لا شك أن أهل القرن الأول وهم أصحاب النبي - ﵌ -، وغيرهم أيضًا ممن شاركوا النبي - ﵌ - في حياته، ولكنهم لم يتسنى لهم المجيء إليه لكنهم آمنوا به غيبيًّا، هؤلاء كلهم من أهل القرن الأول فإذا كان النبي - ﵌ - قد نهى المسلم أن يسب تبعًا بعلة شرعية وهي أنه كان قد أسلم، فمن باب أولى أن ينهى الرسول - ﵌ - أن يُسب أحد من أهل القرن الأول؛ لأنه أفضل الناس،
[ ٨ / ٣٥١ ]
ثم أُعْلُ؛ فمن باب أولى أن ينهى النبي - ﵌ - أن يسب أحد من أهل القرن الأول الذين أتوا أو وفدوا إلى النبي - ﵌ -، وآمنوا به ثم رجعوا إلى قريتهم إلى بلدتهم إلى باديتهم وأخيرا أولى وأولى وأولى ألَّا يسب أحد من الصحابة الذين لهم سابقة في الإسلام، أو لهم جهود في الجهاد في سبيل الله ونحو ذلك، فهذه كلها درجات وإن كانت متفاوتة لكنها تدخل في النهي عن أن يسب أحد مسلمًا ولو كان تبعًا لم يدرك الرسول ﵇ لكنه أسلم إسلام الأولين، فكيف وقد جاء في "سنن أبي داود" و"مسند الإمام أحمد" وغيره أن النبي - ﵌ - وعظ أظن أبا تميم الجهيني أو ما يشبه هذه هو الجهيني.
مداخلة: أبو تميمة.
الشيخ: أبو تميمة الجهيني الأيش.
مداخلة: الهجيمي.
الشيخ: الهجيمي أحسنت قال له واعظًا: «لا تسبن أحدًا» (١) لا تسبن مسلمًا فإذن انتهى الموضوع فإذا كان الرسول يقول لا تسبوا أصحابي، أنا أقول هذا التفصيل لأنني أدري أن من أقوال بعض الشراح أن هذا الحديث وجه النهي إلى بعض الصحابة الذين تأخروا في إسلامهم حينما بَدَرَ منهم شتم لبعض المتقدمين السابقين في الإسلام، هذا له وجاهة من القول لكنكم إذا تذكرتم هذا التسلسل في الاعتماد على أحاديث أخرى آخرها النهي عن سب أي مسلم حينئذ نعرف ضلال كثير من الشيعة الذين يصدعون ويجهرون بسب ليس فقط بعض أصحاب النبي - ﵌ - الذين يقال عنهم أنهم من الذين أسلموا عام الفتح، بل يتعدون إلى سب نخبة أصحاب الرسول -﵇- كأبي بكر وعمر وعائشة ونحو ذلك، المهم أن
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم ٩٨)، "الصحيحة" (٣/ ٩٩).
[ ٨ / ٣٥٢ ]
التوجه إلى سب أحد من أصحاب النبي - ﵌ - مهما كانت مراتبهم فهي ضلالة شيعية، إن لم نقل أنها رافضية، إن لم نقل غير ذلك مما نسمعه اليوم في العالم الإسلامي حتى من هذا الخبيث السقاف حيث أعلن وسمعت أحد الأمريكان الذين أسلموا وكان المذكور جالسًا يقول هذا يقول: إن معاوية في النار فسبه سبًّا قبيحًا، فأنا رددت عليه في حضوره، ولم يحر جوابًا كما يقال، لذلك فينبغي على كل مسلم أن يحفظ لسانه من أن ينال عرضًا من أصحاب النبي - ﵌ -، وأن يتذكر معي: احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان، وأحسن من هذا قول النبي - ﵌ -: «وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» (١) وبهذا القدر كفاية.
" الهدى والنور" (٧٦٨/ ٠٤١: ٠٩: ٠٠ طريق الإسلام)
[١٤٠٥] باب الترضي خاص بالصحابي عرفًا
[قال الإمام]:
الترضي خاص بالصحابة عرفًا. وأما أتباعهم فيترحم عليهم.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٧٧٠).
[١٤٠٦] باب القاعدة أن الصحابة كانوا
متأولين في الحروب إلا ما استثني
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«قاتل عمار وسالبه في النار»
[قال الإمام]:
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم ٥١٣٦)، "الصحيحة" (٣/ ١١٤).
[ ٨ / ٣٥٣ ]
[و] عن أبي غادية قال: " سمعت عمار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة، قال: فتوعدته بالقتل، قلت: لئن أمكنني الله منك لأفعلن، فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس، فقيل: هذا عمار، فرأيت فرجة بين الرئتين وبين الساقين، قال: فحملت عليه فطعنته في ركبته، قال، فوقع فقتلته، فقيل: قتلت عمار بن ياسر؟! وأخبر عمرو بن العاص، فقال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: (فذكره)، فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تقاتله؟ فقال: إنما قال: قاتله وسالبه".
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، وأبو الغادية هو الجهني وهو صحابي كما أثبت ذلك جمع، وقد قال الحافظ في آخر ترجمته من " الإصابة " بعد أن ساق الحديث، وجزم ابن معين بأنه قاتل عمار: " والظن بالصحابة في تلك الحروب أنهم كانوا فيها متأولين، وللمجتهد المخطىء أجر، وإذا ثبت هذا في حق آحاد الناس، فثبوته للصحابة بالطريق الأولى ".
وأقول: هذا حق، لكن تطبيقه على كل فرد من أفرادهم مشكل لأنه يلزم تناقض القاعدة المذكورة بمثل حديث الترجمة، إذ لا يمكن القول بأن أبا غادية القاتل لعمار مأجور لأنه قتله مجتهدًا، ورسول الله - ﵌ - يقول: " قاتل عمار في النار "! فالصواب أن يقال: إن القاعدة صحيحة إلا ما دل الدليل القاطع على خلافها، فيستثنى ذلك منها كما هو الشأن هنا وهذا خير من ضرب الحديث الصحيح بها. والله أعلم.
"الصحيحة" (٥/ ١٨ - ١٩).
[ ٨ / ٣٥٤ ]
[١٤٠٧] باب عدم عصمة آل البيت وزوجات النبي - ﵌ -
عن علي بن أبي طالب قال: " أُكْثِرَ على مارية أم إبراهيم ابن النبي - ﵌ - في قبطي - ابن عم لها - كان يزورها ويختلف إليها، فقال رسول الله - ﵌ - لي: «خذ هذا السيف فانطلق إليه، فإن وجدته عندها فاقتله». فقلت: يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة لا يثنيني شيء حتى أمضى لما أرسلتني به، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ قال: [الشاهد يرى ما لا يرى الغائب]، فأقبلت متوشحا السيف فوجدته عندها فاخترطت السيف، فلما أقبلت نحوه عرف أني أريده، فأتى نخلة فرقى فيها، ثم رمى بنفسه على قفاه، وشفر برجليه، فإذا هو أجب أمسح، ما له ما للرجال قليل ولا أكثر، فأغمدت سيفي، ثم أتيت النبي - ﵌ - فأخبرته، فقال: الحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت».
[قال الإمام]:
قلت: والحديث نص صريح في أن أهل البيت ﵃ يجوز فيهم ما يجوز في غيرهم من المعاصي إلا من عصم الله تعالى، فهو كقوله - ﵌ - لعائشة في قصة الإفك: «يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه » أخرجه مسلم.
ففيهما رد قاطع على من ابتدع القول بعصمة زوجاته - ﵌ - محتجًّا بمثل قوله تعالى فيهن: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ جاهلًا أو متجاهلًا أن الإرادة في الآية ليست الإرادة الكونية التي تستلزم وقوع المراد وإنما هي الإرادة الشرعية المتضمنة للمحبة والرضا وإلا لكانت الآية حجة للشيعة في استدلالهم بها على عصمة أئمة أهل البيت وعلى رأسهم علي ﵁، وهذا مما غفل عنه ذلك المبتدع مع أنه يدعي أنه سلفي!
[ ٨ / ٣٥٥ ]
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الشيعي الرافضي (٢/ ١١٧): " وأما آية التطهير فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم، وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهب الرجس عنهم، ومما يبين أن هذا مما أمروا به لا مما أخبر بوقوعه ما ثبت في " الصحيح " أن النبي - ﵌ - أدرك الكساء على فاطمة وعلي وحسن وحسين ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا». رواه مسلم. ففيه دليل على أنه لم يخبر بوقوع ذلك، فإنه لو كان وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك لا يقتصر على مجرد الدعاء ".
"الصحيحة" (٤/ ٥٢٧، ٥٢٩ - ٥٣٠).
[١٤٠٨] باب عدم عصمة زوجات النبي - ﵌ -
[قال رسول الله - ﵌ - مخاطبًا عائشة]:
- «إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن التوبة من الذنب: الندم والاستغفار».
[قال الإمام]:
وفيه دليل على عدم عصمة نسائه - ﵌ -، خلافًا لبعض أهل الأهواء!
"الصحيحة" (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠).
[١٤٠٩] باب الوصية بالعترة وبيان المراد بهم
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «يا أيها الناس! إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
[ ٨ / ٣٥٦ ]
[قال الإمام]:
واعلم أيها القارئ الكريم، أن من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة، ويلهجون بذلك كثيرًا، حتى يتوهم أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعًا واهمون في ذلك، وبيانه من وجهين:
الأول: أن المراد من الحديث في قوله - ﵌ -: " عترتي " أكثر مما يريده الشيعة، ولا يرده أهل السنة بل هم مستمسكون به، ألا وهو أن العترة فيهم هم أهل بيته - ﵌ -، وقد جاء ذلك موضحًا في بعض طرقه كحديث الترجمة: " عترتي أهل بيتي " وأهل بيته في الأصل هم " نساؤه - ﵌ - وفيهن الصديقة عائشة ﵅ جميعًا كما هو صريح قوله تعالى في (الأحزاب): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا، وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (الأحزاب:٣٢ - ٣٤)، وتخصيص الشيعة (أهل البيت) في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ دون نسائه - ﵌ - من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصارًا لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه، وحديث الكساء وما في معناه غاية ما فيه توسيع دلالة الآية ودخول علي وأهله فيها كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره، وكذلك حديث " العترة " قد بين النبي - ﵌ - أن المقصود أهل بيته - ﵌ - بالمعنى الشامل لزوجاته وعلي وأهله.
ولذلك قال التوربشتي - كما في " المرقاة " (٥/ ٦٠٠): " عترة الرجل: أهل
[ ٨ / ٣٥٧ ]
بيته ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم " العترة " على أنحاء كثيرة بينها رسول الله - ﵌ - بقوله: " أهل بيتي " ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه ". والوجه الآخر: أن المقصود من " أهل البيت " إنما هم العلماء الصالحون منهم والمتمسكون بالكتاب والسنة، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: " (العترة) هم أهل بيته - ﵌ - الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره ". وذكر نحوه الشيخ علي القاريء في الموضع المشار إليه آنفا. ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: " إن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته الواقفون على طريقته العارفون بحكمه وحكمته. وبهذا يصلح أن يكون مقابلا لكتاب الله سبحانه كما قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ".
قلت: ومثله قوله تعالى في خطاب أزواجه - ﵌ - في آية التطهير المتقدمة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. فتبين أن المراد بـ (أهل البيت) المتمسكين منهم بسنته - ﵌ -، فتكون هي المقصود بالذات في الحديث، ولذلك جعلها أحد (الثقلين) في حديث زيد بن أرقم المقابل للثقل الأول وهو القرآن، وهو ما يشير إليه قول ابن الأثير في " النهاية ": " سماهما (ثقلين) لأن الآخذ بهما (يعني الكتاب والسنة) والعمل بهما ثقيل، ويقال لكل خطير نفيس (ثقل)، فسماهما (ثقلين) إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما ".
قلت: والحاصل أن ذكر أهل البيت في مقابل القرآن في هذا الحديث كذكر سنة الخلفاء الراشدين مع سنته - ﵌ - في قوله: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ». قال الشيخ القاري (١/ ١٩٩): " فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي، فالإضافة إليهم، إما لعملهم بها، أو لاستنباطهم واختيارهم إياها ". إذا عرفت ما تقدم فالحديث شاهد قوي لحديث " الموطأ " بلفظ: " تركت فيكم أمرين لن
[ ٨ / ٣٥٨ ]
تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله ". وهو في " المشكاة" (١٨٦).
وقد خفي وجه هذا الشاهد على بعض من سود صفحات من إخواننا الناشئين اليوم في تضعيف حديث الموطأ. والله المستعان.
"الصحيحة" (٤/ ٣٥٥ - ٣٦١).
[١٤١٠] باب ظهور بدعة التشيع والطعن في الصحابة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ألا إن الفتنة ههنا، ألا إن الفتنة ههنا [قالها مرتين أو ثلاثا]، من حيث يطلع قرن الشيطان، [يشير [بيده] إلى المشرق، وفي رواية: العراق]».
[قال الإمام]:
قلت: وطرق الحديث متضافرة على أن الجهة التي أشار إليها النبي - ﵌ - إنما هي المشرق، وهي على التحديد العراق كما رأيت في بعض الروايات الصريحة، فالحديث عَلَمٌ من أعلام نبوته - ﵌ -، فإن أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة كبدعة التشيع والخروج ونحوها. وقد روى البخاري (٧/ ٧٧) وأحمد (٢/ ٨٥، ١٥٣) عن ابن أبي نعم قال: " شهدت ابن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن محرم قتل ذبابا فقال: يا أهل العراق! تسألوني عن محرم قتل ذبابًا، وقد قتلتم ابن بنت رسول الله - ﵌ -، وقد قال رسول الله - ﵌ -: " هما ريحانتي في الدنيا. وإن من تلك الفتن طعن الشيعة في كبار الصحابة ﵃، كالسيدة عائشة الصديقة بنت الصديق التي نزلت براءتها من السماء، فقد عقد عبد الحسين الشيعي المتعصب في كتابه " المراجعات " (ص ٢٣٧) فصولًا عدة في الطعن فيها وتكذيبها في حديثها،
[ ٨ / ٣٥٩ ]
ورميها بكل واقعة، بكل جرأة وقلة حياء، مستندًا في ذلك إلى الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد بينت قسما منها في " الضعيفة " (٤٩٦٣ - ٤٩٧٠) مع تحريفه للأحاديث الصحيحة، وتحميلها من المعاني ما لا تتحمل كهذا الحديث الصحيح، فإنه حمله - فض فوه وشلت يداه - على السيدة عائشة ﵂ زاعما أنها هي الفتنة المذكورة في الحديث - ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ (١) معتمدا في ذلك على الروايتين المتقدمتين:
الأولى: رواية البخاري: فأشار نحو مسكن عائشة والأخرى: رواية مسلم: خرج رسول الله - ﵌ - من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من ههنا.
فأوهم الخبيث القراء الكرام بأن الإشارة الكريمة إنما هي إلى مسكن عائشة ذاته، وأن المقصود بالفتنة هي عائشة نفسها! والجواب، أن هذا هو صنيع اليهود الذين يحرفون الكلم من بعد مواضعه، فإن قوله في الرواية الأولى: " فأشار نحو مسكن عائشة "، قد فهمه الشيعي كما لو كان النص بلفظ: " فأشار إلى مسكن عائشة "! فقوله: " نحو " دون " إلى " نص قاطع في إبطال مقصوده الباطل، ولاسيما أن أكثر الروايات صرحت بأنه أشار إلى المشرق. وفي بعضها العراق. والواقع التاريخي يشهد لذلك. وأما رواية عكرمة فهي شاذة كما سبق، ولو قيل بصحتها، فهي مختصرة جدًّا اختصارًا مخلًاّ، استغله الشيعي استغلالًا مرًّا، كما يدل عليه مجموع روايات الحديث، فالمعنى: خرج رسول الله - ﵌ - من بيت عائشة ﵂، فصلى الفجر، ثم قام خطيبًا إلى جنب المنبر (وفي رواية: عند باب عائشة) فاستقبل مطلع الشمس، فأشار بيده، نحو المشرق. (وفي رواية للبخاري: نحو مسكن عائشة) وفي أخرى لأحمد: يشير بيده يؤم العراق.
_________________
(١) الكهف: الآية:٥. اهـ. [منه].
[ ٨ / ٣٦٠ ]
فإذا أمعن المنصف المتجرد عن الهوى في هذا المجموع قطع ببطلان ما رمى إليه الشيعي من الطعن في السيدة عائشة ﵂. عامله الله بما يستحق.
"الصحيحة" (٥/ ٦٥٣ - ٦٥٧).
[١٤١١] باب لا يلزم من التشيع في المتقدمين بغض الشيخين
[قال الإمام في الأجلح بن عبد الله الكندي وهو من رجال "تقريب التهذيب"]: لا ريب فيه أنه شيعي لإجماعهم على ذلك، ولا يلزم من التشيع بغض الشيخين ﵄، وإنما مجرد التفضيل.
"الصحيحة" (٥/ ٢٦٢).
[١٤١٢] باب هل مِن الصحابة مَن يعذب قبل دخول الجنة؟
السائل: شيخنا في من الصحابة أناس يعني يحاسبون ويعذبون ثم يدخلون الجنة. في منهم له الدرجات هذه؟
الشيخ: ماذا يهمك من هذا السؤال؟
الملقي: والله هو سؤال خطر في بالي.
الشيخ: ما أظن أنه خطر في بالك ههه
مداخلة: ههه هه
الشيخ: ههه هذه وسوسة من بعض الجهات .. شو بيهمك شو بيهمك له علاقة هذا بعقيدتك شيء من شان تصحح [عقيدتك] اسأل عما يهمك يا أخي، لأنه هذا باب يدخل منه الشيطان.
"الهدى والنور" (٥٤٧/ ٢٠: ٢١: ٠٠).
[ ٨ / ٣٦١ ]
جماع أبواب فضائل الخلفاء الأربعة
والكلام حول التفاضل بين عثمان وعلي
[ ٨ / ٣٦٣ ]
[١٤١٣] باب ترتيب الخلفاء الأربعة من ناحية الأفضلية
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب».
(موضوع).
[قال الإمام]:
ثم إن روح التشيع واضح من الحديث، فإن من الثابت عند أهل السنة
أن فضل الخلفاء الأربعة على ترتيبهم المعروف، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر،
ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين، وهذا التفضيل، ثابت عن علي نفسه، بل وفي زمن النبي - ﵌ - كانوا لا يعدلون بأبي بكر أحدًا كما في البخاري
وغيره، فكيف يمكن أن يقول: "وعلي سيد العرب "، فلا شك أن هذا من وضع الشيعة.
"تحقيق بداية السول" (ص ٢٨)
[١٤١٤] باب حكم من طعن في خلافة الثلاثة
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية]:
"ونثبت الخلافة بعد رسول الله - ﵌ - أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان ﵁ ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون".
[ ٨ / ٣٦٥ ]
[قال]:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله. " مجموع الفتاوى " (٣/ ١٥٣).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٢).
[١٤١٥] باب أبو بكر الصديق
خير من طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر».
(موضوع).
[قال الإمام]:
ثم إن الحديث ظاهر البطلان، لمخالفته لما هو مقطوع به: أن خير من طلعت عليه الشمس إنما هو نبينا محمد - ﵌ -، ثم الرسل والأنبياء، ثم أبو بكر، وقد جاء من طرق عن ابن جريج عن عطاء عن أبي الدرداء مرفوعا بلفظ: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر».
أخرجه جمع من المحدثين منهم عبد بن حميد والخطيب وغيرهما، وهو أصح من الأول سندًا ومتنًا كما ترى، وقد حسنه بعضهم، ولكن الطرق المشار إليها بحاجة إلى دراسة دقيقة، وهذا مما لم يتيسر لي بعد. والله الموفق.
"الضعيفة" (٣/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
[ ٨ / ٣٦٦ ]
[١٤١٦] باب أبو بكر أحب الناس إلى رسول الله وأفضل الخلفاء الراشدين
«كان أحب النساء إلى رسول الله - ﵌ - فاطمة، ومن الرجال علي».
(باطل).
[قال الإمام]:
[وقد] صح عن النبي - ﵌ - خلافه، من رواية عمرو بن العاص قال: " أتيت رسول الله - ﵌ - فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، ثم من؟ قال: عمر. فعد رجالًا ".
أخرجه الشيخان وأحمد (٤/ ٢٠٣).
وله شاهد من حديث أنس قال: " قيل: يا رسول الله، أي الناس " دون قوله: " ثم من ".
أخرجه ابن ماجه (١٠١) والحاكم (٤/ ١٢) وقال:
"صحيح على شرط الشيخين ". وهو كما قال: " وشاهد آخر، فقال الطيالسي (١٦١٣): حدثنا زمعة قال: سمعت أم سلمة الصرخة على عائشة، فأرسلت جاريتها: انظري ما صنعت، فجاءت فقالت: قد قضت، فقالت: يرحمها الله، والذي نفسي بيده، قد كانت أحب الناس كلهم إلى رسول الله - ﵌ -، إلا أباها".
قلت: وهذا الإسناد لا بأس به في الشواهد. قلت: وكون أبي بكر رضي الله
[ ٨ / ٣٦٧ ]
عنه أحب الناس إليه - ﵌ - هو الموافق لكونه أفضل الخلفاء الراشدين عند أهل السنة، بل هو الذي شهد به علي نفسه ﵁، برواية أعرف الناس به ألا وهو ابنه محمد بن الحنفيه قال: "قلت لأبي: أي الناس خير بعد النبي - ﵌ -؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر .. " الحديث.
أخرجه البخاري (٢/ ٤٢٢).
فثبت بما قدمنا من النصوص بطلان هذا الحديث. والله المستعان.
"الضعيفة" (٣/ ٢٥٣، ٢٥٥).
[١٤١٧] باب من فضائل أبي بكر الصديق
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «من أصبح منكم اليوم صائمًا»؟ قال أبو بكر: أنا، قال: «من عاد منكم اليوم مريضًا»؟ قال أبو بكر أنا، قال: «من شهد منكم اليوم جنازة»؟ قال أبو بكر: أنا، قال: «من أطعم اليوم مسكينًا»؟ قال أبو بكر: أنا، قال مروان: بلغني أن النبي - ﵌ - قال: «ما اجتمع هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة».
[قال الإمام]:
فيه فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ والبشارة له بالجنة، والأحاديث في ذلك كثيرة طيبة.
"الصحيحة" (١/ ١/١٧٨ - ١٧٩).
[١٤١٨] باب أبو بكر وعمر أفضل الصحابة
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
[ ٨ / ٣٦٨ ]
«اللهم! ائتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا الطير. فجاء أبو بكر فردَّه، وجاء عمر فردَّه، وجاء علي فأذن له».
(منكر).
[قال الإمام]:
ولقد كان من هؤلاء الذين ضعفوه ولم يلتفتوا إلى طرقه الحاكم نفسه، فيما ذكره الذهبي في ترجمته من "السير" (١٧/ ١٦٨): أنهم كانوا في مجلس، فسئل أبو عبد الله الحاكم عن حديث الطير؟ فقال: "لا يصح، ولو صح، لما كان أحد أفضل من علي بعد النبي - ﵌ - ".
قال الذهبي عقبه:"فهذه حكاية قوية، فما باله أخرج حديث الطير في "المستدرك"؟! فكأنه اختلف اجتهاده، وقد جمعت طرق حديث الطير في جزء".
قلت: وقد أشار الحاكم بجوابه المذكور إلى حقيقة علمية مقطوع بها عند أهل السنة، ولا يرتاب فيها إلا الرافضة وأمثالهم من فرق الضلالة، وهي أن أفضل الصحابة بعد النبي - ﵌ - على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر ﵄، كما جاء من طرق عن ابن عمر ﵁ وبعضها في "صحيح البخاري"، وهي مخرجة في آخر المجلد الثاني من "ظلال الجنة في تخريج كتاب السنة".
وكذلك، فحديث الطير يخالف حديث عمرو بن العاص: أنه سأل النبي - ﵌ - عن أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة". قال: قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها".
متفق عليه. (انظر مقدمة المجلد الثالث من "المشكاة"). ولذلك قال شيخ
[ ٨ / ٣٦٩ ]
الإسلام ابن تيمية في رده على الشيعي في "منهاج السنة" (٤/ ٩٩): "إن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل "؟ في بحث له قيم، فراجعه.
"الضعيفة" (١٤/ ١/١٧٣،١٨٢).
[١٤١٩] باب خلافة أبي بكر
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن جِئْتِ ولم تجديني؛ فأتي أبا بكر؛ فهو الخليفة بعدي».
[قال الإمام]:
منكر. أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في (الحجة) (ق١٤٥/ ١) عن الفضل بن جبير الوراق: حدثنا يحيى بن كثير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﵌ - تسأله شيئًا، فقال لها: (تعودين). فقالت: يا رسول الله! إن جئتُ ولم أجدكَ - كأنها تعرض بالموت -؟ قال:. . . فذكره. وقال: (واللفظة الأخيرة تفرد بها الفضل بن جبير من هذا الوجه).
قلت: وهو غير معروف؛ أورده الذهبي في (الميزان) وقال: "قال العقيلي: لا يتابع على حديثه".
ثم ساق له من رواية سلم بن سلام عنه عن خلف عن علقمة بن مرثد عن
أبيه عن عائشة مرفوعا؛ قال لرجل: «انطلق؛ فقل لأبي بكر: أنتَ خليفتي، فَصَلِّ بالناس. . .» الحديث.
قلت: والحديث صحيح بدون ذكر: (فهو الخليفة بعدي)؛ ورواه جبير بن مطعم قال: أتت امرأةٌ النبي - ﵌ -، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيتَ إن جئت ولم
[ ٨ / ٣٧٠ ]
أجدك. -كأنها تقول: الموت-؟ قال - ﵌ -: «إن لم تجديني؛ فأتي أبا بكر». أخرجه البخاري (٣٦٥٩، ٧٢٢٠، ٧٣٦٠)، ومسلم (٧/ ١١٠)، والترمذي (٣٦٧٧) - وصححه-، والطيالسي (٩٤٤)، وأحمد (٤/ ٨٢، ٨٣)، وابن سعد في (الطبقات) (٣/ ١٧٨).
وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث الصحيح على أن أبا بكر هو الخليفة بعد النبي - ﵌ -، وقال الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٣٣٣): " وهذا صحيح؛ لكن بطريق الإشارة لا التصريح، فلا يعارض جَزْمَ عمرَ بأن النبي - ﵌ - لم يستخلف (يعني كما في البخاري ٧٢١٨)؛ لأن مراده نفي النص على ذلك صريحًا والله أعلم ".
هذا؛ وقد روى الأصبهاني أحاديث أخرى فيها التصريح بخلافة أبي بكر، ولا يصح شيء من أسانيدها، ومتونها منكرة؛ بل باطلة؛ كما يدل على ذلك جزم عمر المذكور. والله ولي التوفيق.
"الضعيفة" (١٢/ ١/١١٩ - ١٢١).
[١٤٢٠] باب سبب تسمية أبي بكر بالصديق
[عن عائشة ﵂ قالت]:
"لما أسري بالنبي - ﵌ - إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال:
أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد
[ ٨ / ٣٧١ ]
من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر الصديق".
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به ثم قال]:
قد جزم الإمام أبو جعفر الطحاوي في " مشكل الآثار " (٢/ ١٤٥) بأن سبب تسمية أبي بكر ﵁ بـ "الصديق" إنما هو سبقه الناس إلى تصديقه رسول الله - ﵌ - على إتيانه بيت المقدس من مكة، ورجوعه منه إلى منزله بمكة في تلك الليلة، وإن كان المؤمنون يشهدون لرسول الله - ﵌ - بمثل ذلك إذا وقفوا عليه.
"الصحيحة" (١/ ٢/٦١٥، ٦١٧).
[١٤٢١] باب أبو بكر ليس بمعصوم
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن الله يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر».
(موضوع).
[قال الإمام]:
فإنه مع ضعف إسناده علامات الوضع عليه ظاهرة؛ فإن أبا بكر ﵁ ليس معصومًا، وإذا كان كذلك فلماذا يكره الله أن يخطأ؟ كيف وقد يكون بيان خطئه واجبًا في بعض الأحيان! وقد خطأه النبي - ﵌ - نفسه في قصة مخرجة في "الصحيح" فانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" وقوله - ﵌ - له: "أصبت بعضًا، أخطأت بعضًا".
"الضعيفة" (٧/ ١٣٢ - ١٣٣).
[ ٨ / ٣٧٢ ]
[١٤٢٢] باب من فضل عثمان وحيائه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٢٥٨).
[١٤٢٣] باب علي في الجنة
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«هذا في الجنة - يعني: عليًا - وإن من شيعته قومًا يعلمون الإسلام ثم يرفضونه، لهم نبز يسمون: الرافضة، من لقيهم فليقتلهم، فإنهم مشركون».
(منكر).
[قال الإمام]:
(تنبيه): قوله في علي ﵁: "هذا في الجنة" ثابت عن النبي - ﵌ -
من طرق، وهي عقيدة أهل السنة، وأنه من العشرة المبشرين بالجنة، كما جاء
في غير ما حديث مرفوع عن النبي - ﵌ -. فانظر "تخريج العقيدة الطحاوية" (ص٤٨٨ - ٤٨٩).
"الضعيفة" (١٤/ ١/٩٥، ٩٧).
[ ٨ / ٣٧٣ ]
[١٤٢٤] باب الدعاء بالبغض لمن أبغض عليًّا
[قال الإمام]:
حريز بن عثمان: هو الرَّحبي الحمصي، وهو ثقة من رجال البخاري؛ ولكنه كان يبغض عليًا أبغضه الله!
"الصحيحة" (٧/ ٢/٦٩٣).
[١٤٢٥] باب من فضل جعفر، وعلي، وزيد
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أما أنت يا جعفر فأشبه خلقك خلقي، وأشبه خلقي خلقك، وأنت مني وشجرتي، وأما أنت يا علي فختني، وأبو ولدي، وأنا منك وأنت مني، وأما أنت يا زيد فمولاي ومني وإلي، وأحب القوم إلي».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٦٦).
[١٤٢٦] باب فضل عليٍّ أشهر من أن يستدل له بالموضوعات
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليًّا من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهمًا وعلمًا، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي».
(موضوع).
[ ٨ / ٣٧٤ ]
[قال الإمام]:
وفضل علي ﵁ أشهر من أن يستدل عليه بمثل هذه الموضوعات، التي يتشبث الشيعة بها، ويسودون كتبهم بالعشرات من أمثالها، مجادلين بها في إثبات حقيقة لم يبق اليوم أحد يجحدها، وهي فضيلة علي ﵁.
"الضعيفة" (٢/ ٢٩٨).
[١٤٢٧] باب هل يجوز تخصيص علي ﵁ بالإمامة وبقولنا: كرم الله وجهه؟
سؤال: يقول السائل: بعض من يتسمون بالمشايخ يتعاملون بما يسمى الجَفْر ومفاتيح الرموز والأعداد وغير ذلك، ويعدون هذه الأمور من الدين، فالمرجو هو توضيح الأمر في ذلك؟
الشيخ: يقول بعض الظرفاء أو الأدباء من أصعب الأمور التحدث عن البدهيات والتدليل عليها
نحن نقول: هذا العلم لا هو في الكتاب ولا هو في السنة، ولا هو مدروس ومعلوم عند السلف الصالح، بل نقول: ولا أحد من علماء المسلمين لا المجتهدين ولا المتبعين ولا المقلدين يقولون بهذا العلم، إنما يقول به ويدعيه من يريد أن يأكل أموال الناس بالباطل، ولذلك الجفر المنسوب إلى علي ﵁ وكدت أن أقع في خطأ مشهور يقع فيه غيري، كدت أن أقول: الجفر المنسوب إلى الإمام علي، فحبست نفسي وحفظت لساني فلم أقل الإمام علي لأنه ليس إمامًا، لا. هو من أئمة المسلمين بلا شك، ولكن العرف خصه بهذه اللفظة الإمام، أيُّ عرفٍ؟ العرف السني أم العرف البدعي؟ نعم. هو العرف الشيعي، هم الذين
[ ٨ / ٣٧٥ ]
سحبوا هذا اللقب وخصوه بعلي ﵁ تعصبًا منهم له وعلى الخلفاء الراشدين الأولين: أبي بكر وعمر وعثمان، ولذلك فمن الخطأ أن نذكر عليًا بلفظة الإمام دون بقية الخلفاء الراشدين، فإذا قلنا: الإمام أبو بكر حينئذ جاز لنا أن نقول: الإمام علي، لكن أنا أذكركم: هل سمعتم يومًا ما عالمًا من أهل السنة، أما الشيعة فلا نسأل عنهم لأنهم أعداء الإمامين الشيخين أبي بكر وعمر، لكن هل سمعتم يومًا ما عالمًا من علماء المسلمين أهل السنة والجماعة يقولون: قال الإمام أبو بكر؟ الجواب: لا، لكن سمعتم مثلي وكدتم أن تسمعوا مني الإمام علي، لماذا؟ هذه الغفلة التي تسيطر على الناس، والتقليد الذي ران على قلوب كثير من الناس المسلمين فضلًا عن غيرهم، يقولون: قال الإمام علي ﵁، على الرأس والعين هو إمامنا بلا شك، ولكن لماذا خصصتم عليًا بالإمامة؟ لأنه الإمام عند الشيعة، ولأنهم يزعمون ضغثًا على إبالة أن الخلافة كانت له بوصية الرسول زعموا له، ثم صادرها منه أبو بكر وعمر وعثمان طيلة هذه القرون الفاضلة، وهو لم يستطع أن يحرك ساكنًا، لماذا؟ لأنهم زعموا أنه رأى المصلحة في ذلك، ما يطالب بحقه الذي أعطاه الرسول ﵇ وفي حجة الوداع زعموا.
إذًا: هذا تعبير شيعي، فيجب أن تحفظوا ألسنتكم منه.
ومثله أيضًا قولهم: علي كرم الله وجهه، أيضًا خصصوا عليًا بهذا التكريم، نحن نقول: عليٌ كرم الله وجهه لا شك، لكن لماذا خصصنا عليًا دون أبي
بكر وعمر وعثمان؟ نقول لكم كما قلنا آنفًا: لقد سمعتم الشيعة يقولون: الإمام علي كرم الله وجهه، لكن ما سمعتم منهم من يقول في أبي بكر والبقية: الإمام
أبو بكر.
كذلك ما قالوا ولن يقولوا: أبو بكر كرم الله وجهه إلى آخره، لكن ألم تسمعوا
[ ٨ / ٣٧٦ ]
كثيرًا من مشايخ المسلمين يقولون: قال علي كرم الله وجهه؟ نعم. الأخرى كالأولى تمامًا، والأخرى كالأولى تمامًا. أعني: الأخرى كالأولى تمامًا من حيث استعمالهم، والأخرى كالأولى من حيث عدم جواز تخصيص الأولى كالأخرى بعلي دون الأولين من الخلفاء الراشدين، لذلك ينبغي أن نحفظ ألسنتنا من أن نقول: قال علي كرم الله وجهه وحده، أو قال الإمام علي وحده، إن كان ولا بد أعطينا لبقية الخلفاء ما نعطيه لهم من الوصف ووصف يصدق عليهم جميعًا لكي لا نفرق بين أحد منهم.
لا شك أن هذه آية جاءت في الأنبياء والرسل: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة:٢٨٥) ولكن أتباع الرسل ينبغي أن نسلك فيهم سبيل الذي نسلكه مع الرسل، فهؤلاء جمعهم الرسول ﵇ في ملتقى واحد كما يقولون في عبارة واحدة في جملة واحدة حيث قال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
وقال: «النبي في الجنة وأبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة » (١) إلى آخر العشرة المبشرين بالجنة. فإذًا: لا نفرق بين أحد منهم. غيره.
[ثم تكلم الشيخ على الجفر وقد تقدم].
"الهدى والنور" (٣١٣/ ٣٤: ٢٨: ٠٠)
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم ٤٠١٠).
[ ٨ / ٣٧٧ ]
[١٤٢٨] باب منه
[وصف أحد السائلين عليًا -﵁ - في ثنايا سؤاله بالإمام، فقال له الشيخ]:
لا تقل الإمام علي.
"الهدى والنور" (٢٧٦/ ٠٧: ٢٥: ٠٠)
[١٤٢٩] باب مذهب أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي ﵄
سؤال: نرى بعض المحدثين أنهم يقدمون عليًّا على عثمان، فماذا قول أهل السنة والجماعة في هذه ..
الشيخ: أهل السنة والجماعة على ما وقع عليه اختيار الجماعة، حينما آثروا عثمان على علي خليفة لهم بعد عمر، فهذا هو الجواب الحاسم في الموضوع.
"فتاوى جدة" (٣/ ٠٠:٥٤:٤١)
[١٤٣٠] باب هل علي ﵁ أحق بالخلافة من الشيخين؟
[قال الإمام]:
ما يذكره الشيعة أن النبي - ﵌ - قال في علي ﵁: «إنه خليفتي من بعدي». (لا) يصح بوجه من الوجوه، بل هو من أباطيلهم الكثيرة التي دل الواقع التاريخي على كذبها؛ لأنه لو فرض أن النبي - ﵌ - قاله، لوقع كما قال لأنه [وحي يوحى] والله سبحانه لا يخلف وعده.
"الصحيحة" (٤/ ٣٤٤).
[ ٨ / ٣٧٨ ]
[١٤٣١] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ما تريدون من علي؟ إن عليًّا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي».
[قال الإمام]:
الحديث ليس فيه دليل البتة على أن عليًّا ﵁ هو الأحق بالخلافة من الشيخين كما تزعم الشيعة؛ لأن الموالاة غير الولاية التي هي بمعنى الإمارة، فإنما يقال فيها: والي كل مؤمن.
"الصحيحة" (٥/ ٢٦٤).
[١٤٣٢] باب رد ما قد يستدل به الشيعة
على تفضيل علي على الخلفاء الثلاثة
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَعَلِيٌّ سَيِّدُ العَرَبِ».
(موضوع).
[قال الإمام]:
والخلاصة: أن الحديث ضعيف من جميع طرقه، لا يصلح شيء منها لتقويته، فقول الغماري (ص ٦): " فالحديث بطريق أنس وطريق عائشة لا يبعد أن يكون من قبيل الحسن لغيره "! محاولة فاشلة؛ لأن مدار الطريقين المشار إليهما على مجهولين لا يعرف حالهما، ومن المحتمل كونهما من الشيعة؛ فإن الحديث لو صح كان دليلًا على تفضيل علي ﵁ على الخلفاء الثلاثة! وهذا باطل؛
[ ٨ / ٣٧٩ ]
لمخالفته للأحاديث الصحيحة، وقد كنت أشرت إلى بعضها في مقدمة تعليقي على رسالة " بداية السول " (ص ٢٨)، وهو وَجْهُ حُكْم الذهبي والعسقلاني بالبطلان على الحديث، وقد أشار إلى ذلك الشيخ الغماري ولم يستطع الجواب عنه مطلقًا إلا مراوغة، فإنه قال: ". . . فمعنى قوله: " علي سيد العرب " أنه ذو الشرف والمجد فيهم "! فتجاهل الشطر الأول من الحديث: " أنا سيد ولد آدم. . . "! فإنه صريح في تفضيله - ﵌ - على ولد آدم جميعهم، وهو الوجه الأول الذي استدل به العز بن عبد السلام ﵀ على تفضيله - ﵌ - على الأنبياء في رسالته المذكورة آنفًا؛ فقال عقب الحديث: " والسيد: من اتصف بالصفات العلية، والأخلاق السّنية. وهذا مشعر بأنه أفضل منهم في الدارين. . . " إلخ.
فلو صح الشطر الثاني من الحديث؛ كان دليلًا واضحًا على تفضيل علي على العرب جميعهم، ومنهم أبو بكر وعمر! وذلك باطل بداهة، لا يخفى على الغماري لولا غلبة الهوى، والتعصب للشيعة!
"الضعيفة" (١٢/ ١/٤٠٥، ٤١٤ - ٤١٥).
[١٤٣٣] باب كذب الشيعة في ادعائهم أن آية ﴿والله يعصمك من الناس﴾ نزلت يوم غدير خم
[عن عائشة قالت]:
- «كان يُحْرَسُ حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، فأخرج رسول الله - ﵌ - رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس!
«انصرفوا فقد عصمني الله».
[ ٨ / ٣٨٠ ]
[قال الإمام]:
واعلم أن الشيعة يزعمون - خلافا للأحاديث المتقدمة - أن الآية المذكورة نزلت يوم غدير (خم) في علي ﵁، ويذكرون في ذلك روايات عديدة مراسيل ومعاضيل أكثرها، ومنها عن أبي سعيد الخدري، ولا يصح عنه كما حققته في " الضعيفة " (٤٩٢٢)، والروايات الأخرى أشار إليها عبد الحسين الشيعي في " مراجعاته " (ص ٣٨) دون أي تحقيق في أسانيدها كما هي عادته في كل أحاديث كتابه، لأن غايته حشد كل ما يشهد لمذهبه، سواء صح أو لم يصح على قاعدتهم: " الغاية تبرر الوسيلة "! فكن منه ومن رواياته على حذر، وليس هذا فقط، بل هو يدلس على القراء - إن لم أقل يكذب عليهم - فإنه قال في المكان المشار إليه في تخريج أبي سعيد هذا المنكر، بل الباطل: " أخرجه غير واحد من أصحاب السنن، كالإمام الواحدي "! ووجه كذبه أن المبتدئين في هذا العلم يعلمون أن الواحدي ليس من أصحاب السنن الأربعة، وإنما هو مفسر، يروي بأسانيده ما صح وما لم يصح، وحديث أبي سعيد هذا مما لا يصح، فقد أخرجه من طريق فيه متروك شديد الضعف، كما هو مبين في المكان المشار إليه من " الضعيفة ".
وهذه من عادة الشيعة قديمًا وحديثًا: أنهم يستحلون الكذب على أهل السنة، عملا في كتبهم وخطبهم، بعد أن صرحوا باستحلالهم للتقية، كما صرح بذلك الخميني في كتابه " كشف الأسرار " (ص ١٤٧ - ١٤٨)، وليس يخفى على أحد أن التقية أخت الكذب، ولذلك قال أعرف الناس بهم، شيخ الإسلام ابن تيمية: " الشيعة أكذب الطوائف ".
[ ٨ / ٣٨١ ]
وأنا شخصيًّا قد لمست كذبهم لمس اليد في بعض مؤلفيهم وبخاصة عبد الحسين هذا والشاهد بين يديك، فإنه فوق كذبته المذكورة، أوهم القراء أن الحديث عند أهل السنة من المسلمات بسكوته عن علته وادعائه كثرة طرقه، فقد كان أصرح منه في الكذب الخميني، فإنه صرح في الكتاب المذكور (ص ١٤٩) أن آية العصمة نزلت يوم غدير خم بشأن إمامة علي بن أبي طالب باعتراف أهل السنة واتفاق الشيعة، كذا قال عامله الله بما يستحق، وسأزيد هذا الأمر بيانا في " الضعيفة " إن شاء الله تعالى.
"الصحيحة" (٥/ ٦٤٤ - ٦٤٦).
[١٤٣٤] باب ذكر ما صح في فتنة مقتل عثمان (١)
الشيخ: ما يهمني (٢) أن تقول أنه ليس هناك رواية صحيحة تثبت أن أحدًا من الصحابة شارك، هذا طيب، لكن هذا سلبي، الإيجابي: من الذي شارك؟ من سبب هذه الفتنة؟
مداخلة: من ضمن النتائج التي توصلت إليها أو توصل إليها البحث أن قاتل عثمان رضي الله تعالى عنه في الإسناد الصحيح السليم من العلل أنه رجل أسود من أهل مصر يقال له جبلة، وجبلة هذا لقب له، ويعني كما ذكرت الرواية
_________________
(١) هذا المجلس وإن كان الشيخ فيه سائلًا ومستمعًا في الغالب، إلا أني رأيت إثباته لأهميته، ولوجود بعض الملاحظات المهمة الدقيقة من الشيخ، وقد ظهر لي من النقاش أن المجلس عُقد مع الشيخ ذياب بن سعد الغامدي يعرض فيه على الشيخ بعض ما جاء في كتابه القيم"تسديد الإصابة فيما شجر بين الصحابة"
(٢) كذا بدأت المادة المسجلة.
[ ٨ / ٣٨٢ ]
الرجل الأسود.
فهنا ذكرت كلام محب الدين الخطيب أنه يحتمل أنه يكون عبد الله بن سبأ هو؛ لأن الصفات التي وردت عن عبد الله بن سبأ مشابهة وقريبة من صفات هذا الرجل الأسود الذي هو من أهل مصر، هذا من ضمن الذي ..
الشيخ: والرواية التي تقول بأن ابن أبي بكر الصديق دخل عليه ما قيمتها؟
مداخلة: الروايات التي وردت في اتهام محمد بن أبي بكر الصديق في قتل عثمان رضي الله تعالى عنه لم يصح منها إلا أنه دخل عليه فوعظه عثمان رضي الله تعالى عنه، فخرج وتركه. هذه التي رواها ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب بإسناد حسن.
الشيخ: سند ابن عبد البر من أوله إلى آخره وجدت لرجاله تراجم؟
مداخلة: لا، هو نقل هذه الرواية عن أسد بن موسى.
الشيخ: وأسد بن موسى عن من؟
مداخلة: أسد بن موسى عن زهير بن معاوية عن كنانة مولى صفية ثم ذكر كنانة شهد يوم الدار وأنا ذكرت الكلام في كنانة.
الشيخ: رحم الله السؤال، أنا سألتك رجال هذه الرواية كلهم مترجمون وكلهم ثقات، قلت: هو نقل عن أسد بن موسى، هذا ليس الجواب للسؤال، واضح؟
مداخلة: يعني الإسناد من أسد بن موسى إلى منتهاه أو من ابن عبد البر إلى أسد بن موسى؟
[ ٨ / ٣٨٣ ]
الشيخ: عبد البر.
مداخلة: أسد بن موسى مصنف وهو ينقل عنه مباشرة بدون إسناد، ابن عبد البر نقل عن أسد بن موسى بدون إسناد ..
الشيخ: إذًا: لا يصح أن يقال بإسناد حسن.
مداخلة: لأنه نقل عنه نقلًا.
الشيخ: أنت تقول لأنه، تعلل ماذا؟ هذه جملة تعليلة تعلل بها ماذا؟
أنا أقول لا يصح أن تقول والحالة كما شرحت آنفًا أنه إسناد حسن؛ لا يجوز أن تقول إسناد حسن؛ لأن هذا إسناد معلق عند ابن عبد البر أليس كذلك؟
مداخلة: بلى. لكن أقول إسناد حسن باعتبار من [عند] أسد بن موسى، الشيخ: لا يقال حينذاك إسناد ابن عبد البر حسن.
مداخلة: لا يقال إسناد ابن عبد البر، لكن بإسناد حسن مطلقًا، والمصدر هو من أسد بن موسى.
الشيخ: أنت تقول بحق ولك أن تقول بارك الله فيك، روى أسد بن موسى، لكن سيأتيك السؤال: وأين السند إلى أسد؟
مداخلة: لا أدري.
الشيخ: إذًا: ما صح السند؛ لأن هذا حكمه حكم الأحاديث المعلقة، وإن شئت قلت الحديث منقطع، فبين ابن عبد البر وبين أسد بن موسى مفاوز.
إذًا: ينبغي أن نعرف .. نعم؟
[ ٨ / ٣٨٤ ]
مداخلة: هذه النقطة أنا اتصلت فيك يا شيخ في شأنها؛ لأن عندي تاريخ دمشق لابن عساكر يروي عن طريق كتب مفقودة كثيرة، فهل أدرس الإسناد من ابن عساكر نفسه إلى منتهاه، أو أني أقف عند المصنف الذي اشتهر أن له كتاب، وابن عساكر يروي عنه من كتابه هذا، وأدرس [السند] من مصنف هذا الكتاب؟
فهذه النقطة كنت أنا في تاريخ دمشق ابن عساكر أرجع إلى الإسناد من أوله، ولو كان كتاب مصنف، إلا في روايتين أو ثلاث فهذه منها، اعتمادًا على أن ابن عبد البر ينقل من كتاب ابن موسى مباشرة، فحصلت الثقة في نفسي أن هذا موجود في كتاب أسد ابن موسى، ثم تركت البحث عن إسناده من ابن عبد البر إلى أسد بن موسى، فصرت أدرس أسد بن موسى إلى منتهاه.
الشيخ: هذا كلام أخي غير مسلم، هل تعتقد أن كل رواية تروى عن أسد بن موسى أو غيره من الضروري أن تكون هذه الروايات كلها في كتاب أسد بن موسى؟
مداخلة: كل ما ينسب إلى أسد بن موسى ما نستطيع نجزم أنه في كتابات ابن موسى، ولكن حصل فيه من الثقة في نفسي بنقل ابن عبد البر وهو ثقة عن كتاب أسد ابن موسى ..
الشيخ: طيب حول الكتاب الذي يذكر في قصة فتنة عثمان ﵁ أنه أرسل إلى والي مصر: إذا جاءكم فلان فاقتلوه. بدل فاقبلوه، ما قيمة هذه الرواية؟ مرت بك؟
مداخلة: فاقتلوه ما مرت علي.
الشيخ: فاقتلوه.
[ ٨ / ٣٨٥ ]
مداخلة: جاء متضمن هذا، أما بهذه اللفظة: فاقتلوه.
الشيخ: في التاريخ يذكر أنه أصل الرواية فاقبلوه حرفت لإيقاع الفتنة، فاقتلوه.
مداخلة: يا شيخ الذي بدا لي في البحث أنه لا كتاب مكتوب من عثمان أبدًا ..
الشيخ: عفوا صار معك قفز الآن، قلت: فاقبلوه ما عرفته، فاقتلوه عرفته.
مداخلة: أنا الآن ما فهمت السؤال هل هو
الشيخ: عثمان أرسل خطابًا إلى والي مصر مع شخص يريد قتله، فهذا حسب ما جاء في التاريخ الذي يحتاج إلى تفلية وتنقية كما فعلت جزاك الله خيرًا، فحرف كلمة: فاقبلوه إلى فاقتلوه، هذا مذكور في بعض كتب التاريخ التي كنا قرأناها قديمًا قبل التوجه إلى خدمة السنة، فلما سألتك قلت: لم تقف على رواية: فاقبلوه، وإنما على رواية: فاقتلوه، لكن أخيرًا كأنك نفيت أيضًا الرواية الثانية، أكذلك؟
مداخلة: قلت على معناها وقفت، أما على نفس اللفظة: فاقتلوه، لا .. الذي ورد أنه اتهم عثمان ..
الشيخ: .. سؤال هناك خطاب أم لا؟ هل هناك خطاب مرسل من عثمان إلى والي مصر أم لا؟ ثم بعد ذلك يصح أن تقول أما المعنى فَبَلَى، أما اللفظ فلا.
مداخلة: لم يكتب عثمان بن عفان خطابًا قط.
الشيخ: هذا هو الجواب.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ليس هناك فاقبلوه ولا فاقتلوه؟
[ ٨ / ٣٨٦ ]
مداخلة: نعم.
مداخلة: هل وقفت على شيء في هذا؟
مداخلة: اتهم بذلك، اتهم أنه لما جاء وفد المصريين والعراقيين إلى عثمان واصطلحوا معه على خمس: أنه المنفي يُرَدُّ، والمحروم يُعْطَى .. إلى آخره، ثم رجعوا إلى ديارهم، وفي الطريق اكتشفوا رجلًا يعرض لهم ثم يهرب، يعرض لهم كأنه يقول خذوني كما في الرواية، هنا توقفوا وقبضوا عليه، وفور قبضهم عليه سألوه: ما خبرك؟ قال: معي خطاب من عثمان إلى والي مصر مختوم، فطلبوا منه كشفه حتى كشفوه، فوجدوا فيه أن يقتل محمد بن أبي بكر وفلان وفلان، ويحلق لحاهم، كما في بعض الروايات، ويفعل .. ويفعل ..
هنا رجع الوفد إلى المدينة، وجاؤوا يحاجون عثمان ﵁ بذلك، فحلف لهم عثمان بأنه لم يكتب كتابًا قط، فاتهموا مروان؛ لأنهم وجدوا عليه خاتمًا، كما يقولون ويزعمون، ولأنهم وجدوا مع هذا الرجل أيضًا بعير لعثمان، فهنا قالوا: إما أن تكون أنت كتبته أو أن واليك الذي يحمل خاتمك قد كتبه، ثم ثارت الفتنة ..
هذا مجمل الروايات التي وردت في ذلك، ولكن أنا شككت في صحة أن يكون هذا مرسل من مروان أو من عثمان أو غيره، والذي ترجح لدي أو ملت إليه ووضعت احتمال، احتملت أنهم يكونوا في الطريق دبروا هذه المؤامرة وكتبوا هذا الخطاب، وأوعزوا إلى هذا الرجل أن يأتي ويعرض لهم كأنه يقول خذوني .. هناك طريق إلى مصر غير الطريق التي سلكها هؤلاء، ولو كان يريد الوصول إلى مصر فعلًا، لسلك طريق أخرى، لما جاء يتعرض لهم.
[ ٨ / ٣٨٧ ]
الشيخ: طيب ممكن تلخيص ما صح في فتنة عثمان؟
ما موقف علي؟ ما موقف الحسن؟ ما موقف الحسين؟ .. إلى آخره.
مداخلة: أنا أخذت ما صح فقط، أخذت الروايات الصحيحة والتي بدا لي أنها حسنة، مؤلفة من بعض الروايات وصورت منها صورة أرجو أن تكون متكاملة، بلغت مائتين وثلاثين صفحة هي التي بيد الأخ علي الآن. نعم، ولكن من أهم ما فيها؛ لأنها كثيرة، أهم ما فيها موقف الصحابة من الدفاع عن عثمان ﵁، وعقدت له فصلًا خاصًا، مبحث خاص في فصل يوم الدار، دفاع الصحابة عن عثمان ﵁، ويتلخص ذلك بأن الأنصار جاءته كما صح ذلك، جاءته الأنصار وعرضوا عليه الدفاع، وقالوا له: إن شئت أن نكون أنصار الله مرتين، أي: ننصر الرسول - ﵌ - في الهجرة، وننصرك الآن.
وأيضًا جاء ابن عمر وأيضًا جاء الحسن بن علي ﵁، وجاؤوا عدد كبير ذكرتهم مع عزو المعلومات إلى مصادرها، وذكر حكمها، والإحالة إلى الملحق؛ لأني قسمت البحث إلى قسمين، ملحق وخلاصة.
في الملحق تكون الرواية بإسنادها من المؤلف إلى منتهاه إلى المتن، ثم الكلام على الرجال والعلل والأسانيد، والخلاصة هي خلاصة هذه الروايات، فكنت أذكر موقف الصحابة ثم أذكر حكم الرواية وأعزو إلى الملحق.
الشيخ: طيب ما ينسب إلى عثمان من تولية أقاربه من بني أمية، فيه شيء صحيح؟
مداخلة: هذا يعتبر من مبررات الخروج التي برر بها الخارجون عليه الخروج عليه.
[ ٨ / ٣٨٨ ]
الشيخ: حيدة عن الجواب.
مداخلة: لا، سأذكر الجواب.
الشيخ: .. الكلام ما قل ودل، قل: يوجد أو لا يوجد، وبعد ذلك يتطلب الأمر التفصيل
مداخلة: لا يوجد.
(حصل هنا انقطاع صوتي)
مداخلة: [بالنسبة] للخاتمة [لو] تفيدوني إذا هناك ملاحظات، إذا تحب أقرأها
مداخلة: اقرأ حسب ما تيسر لك من الوقت اقرأ قراءة.
مداخلة: الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد:
فإن أهم النتائج التي ظهرت لي من خلال ..
الشيخ: أما كلمة وبعد، فهذه خلاف السنة، والسنة: أما بعد.
مداخلة: فإن أهم النتائج التي ظهرت لي من خلال هذا البحث هي كما يلي:
أولًا: أنه قد صح عن رسول الله - ﵌ - إخبارَه بوقوع فتنة يقتل فيها عثمان ..
الشيخ: قد صح إخبارَه؟
مداخلة: نعم.
[ ٨ / ٣٨٩ ]
الشيخ: كيف هذا؟
مداخلة: صح إخبارُه.
مداخلة: أنه قد صح عن رسول الله - ﵌ - إخباره بوقوع فتنة يقتل فيها عثمان ﵁، وأنه دعا الناس إلى أن يكونوا معه عند اشتعالها، وأنه حدد زمن وقوعها، وأن عثمان وأصحابه على الحق والهدى فيها.
الشيخ: حدد زمن وقوعها، ماذا تعني؟
مداخلة: زمن وقوعها في الحديث الذي يقول فيه ﵊: «تدور رحى الإسلام لخمس أو ثلاث أو ست وثلاث أو سبع وثلاثين».
الشيخ: جيد.
مداخلة: نعم، وأنا كنت نقلت عن السلسلة تعليقكم على هذا الحديث وكلامك فيه.
الشيخ: هو قتل عثمان كان في السنة الخامسة والثلاثين؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: طيب.
مداخلة: ثانيًا: أنه أشار إلى عظم هذه الفتنة حتى قرنها بموته - ﵌ -، وبفتنة الدجال وأن من نجا منها فقد نجا، وأنه سيستشهد فيها عثمان ﵁ وهو على الحق صابرًا على القتل معطيًا له، شهيدًا ينتقل بعد شهادته هذه إلى جنة الخلد.
الشيخ: ما الذي نصب صابرًا؟
[ ٨ / ٣٩٠ ]
مداخلة: وهو على الحق، على أنها حال يا شيخ.
الشيخ: والخبر أين؟
مداخلة: وهو على الحق، صابرًا على القتل، يعني حال كونه صابرًا.
الشيخ: والخبر؟
مداخلة: خبر أن؟
الشيخ: وهو؟
مداخلة: وأنه سيستشهد فيها عثمان ﵁، وهو على الحق ..
مداخلة: وهو على الحق صابرًا على
مداخلة: وهو على الحق .. صابرًا على كذا معطيًا لكذا ..
مداخلة: حال يعني.
الشيخ: ممكن يكون له وجه.
مداخلة: ثالثًا: أنه أخبر عثمان ﵁ بوقوع هذه الفتنة، وأنه سيطلب منه خلع الخلافة، وأمره بأن لا يفعل.
رابعًا: أن النبي - ﵌ - بَيَّنَ عظم هذه الفتنة، وأن من نجا منها فقد نجا، وأن ذلك يشمل من عاصرها ومن لم يعاصرها، ونجاة من لم يعاصرها تكون بعدم الخوض فيها بالباطل.
خامسًا: أن ما تناقلته المصادر من معايب ألصقت بعثمان ﵁، منها ما صح صدوره من الخارجين عليه، ومنها ما لم يصح، ومنها ما اشتهر ولم أقف
[ ٨ / ٣٩١ ]
على إسناده له.
وأن هذه المعايب بأقسامها الثلاثة، إنما هي في الحقيقة إما مناقب له، وإما مفتراة عليه، وإما اجتهاد منه مأجور عليه.
سادسًا: أن شخصية ابن سبأ شخصية حقيقة دلت على وجودها الروايات الصحيحة، ولم تنفرد بإثباتها روايات قيس بن عمر التميمي، بل رواها غيره بأسانيد صحيحة وضعيفة.
سابعًا: وجوب الحذر عند الحديث عن مواقف عثمان ﵁ في الفتنة؛ لأن النبي - ﵌ - أرشده إلى مواقف يقفها عند حدوث هذه الفتنة لم يصلنا منها إلا اليسير.
ثامنًا: أن عقيدة السلف في الصحابة هي عدم الخوض فيما شجر بينهم إلا عند ظهور مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فيجب عندئذ الدفاع عنهم بالحق والعدل.
تاسعًا: أن الله لا يرضى عن أحد من خلقه إلا وهو يعلم سبحانه أنه سيوافيه على مرضاته، وبما أن الصحابة قد ﵃، فإن خاتمتهم حتمًا ستكون على خير، وهذا ما وقع فعلًا.
عاشرًا: أن عثمان ﵁ بذل ما بوسعه في سبيل إخماد الفتنة منذ قدوم أهل الأنصار، وإلى فتحه الباب ودخول القاتل عليه وقتله له.
الحادي عشر: أن الصحابة رضوان الله عليهم بذلوا ما بوسعهم للدفاع عن عثمان يوم الدار، إلا أنه منعهم بل شدد في منعهم من ذلك، فحال بينهم وبين ما يريدون من الدفاع عنه، وبما أنه أميرهم وتجب عليهم طاعته، نفذوا أمره ولم يقاتلوا الخارجين عليه بعد يأسهم من سماحه لهم بالدفاع.
[ ٨ / ٣٩٢ ]
الشيخ: مَن مِن هؤلاء الصحابة أو غير الصحابة الذين عرضوا عليه أن يدافعوا عنه، ثم هو أبى ﵁، تذكر؟
مداخلة: نعم، زيد بن ثابت كان مندوب الأنصار وعرض عليه طلب الأنصار كلهم للدفاع عنه، وابن عمر، عبد الله بن عمر.
الشيخ: الرواية أين؟
مداخلة: الرواية في خليفة، رواها خليفة بن خياط في كتابه التاريخ.
الشيخ: بسند؟
مداخلة: بسند إما صحيح أو حسن.
الشيخ: طيب غير زيد بن ثابت؟
مداخلة: عبد الله بن عمر ﵁، وفي روايات كثيرة جدًا عنه، والحسن بن علي في روايات كثيرة منها ما روى علي بن الجعد بإسناد حسن أيضًا، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
الشيخ: علي ماذا كان موقفه؟
مداخلة: أراد الدفاع عنه.
الشيخ: فيه أن الرواية هكذا؟
مداخلة: في رواية في عدة روايات ضعيفة يصح منها أشياء نقاط، ذكرتها أنه أرسل عثمان إلى علي يخلفه، فقام علي ﵁ واتجه إلى الدار، ثم لما قرب من الدار قال له أحد أهله، في بعض الروايات أنه محمد بن الحنفية، وحذره من الدخول إلى الدار؛ لأنه رأى العدو محيط بها ومعهم السلاح، فخاف عليه،
[ ٨ / ٣٩٣ ]
فألقى علي ﵁ عمامته إلى الدار ليشير بها أنه لبى النداء، ثم ذهب عند أحجار البيت فجاءه خبر قتل عثمان، فتألم من قتله ﵁.
الشيخ: حسبنا الله ونعم الوكيل. نعم.
مداخلة: الثاني عشر: أن من أسباب رفض عثمان القتال ما يلي:
أ-علمه بأن هذه الفتنة ستنتهي بقتله؛ لإخبار النبي - ﵌ - بذلك.
ب-عدم رغبته بأن يكون أول من خلف رسول الله - ﵌ - .. بسفك الدماء.
جـ - علمه بأن البغاة لا يريدون غيره، فكره أن يتوقى بالمؤمنين، وأحب أن يقيهم بنفسه.
د- عملًا بمشورة عبد الله بن سلام ﵁ له بالكف عن القتال.
الثالث عشر: أنه لم يقع يوم الدار قتال عنيف، بل وقع اشتباك خفيف أدى إلى جرح الحسن بن علي ﵄، وحمله من الدار على إثر هذا الجرح.
الرابع عشر: أن عثمان ﵁ رأى في النوم في آخر يوم من أيامه النبي - ﵌ - ومعه أبا بكر وعمر ﵄، يقولون له: يا عثمان! أفطر عندنا، فأصبح صائمًا، وأخرج من كان معه في الدار ممن كانوا يريدون الدفاع عنه، ثم وضع المصحف بين يديه، وأمر بفتح الباب وأخذ يقرأ القرآن، فدخل عليه أسود من أهل مصر يلقب بجبلة لسواد بشرته، ولا يستبعد أن يكون هو عبد الله بن سبأ اليهودي.
الشيخ: عبد الله بن سبأ مصري؟
مداخلة: أنا ذكرت أنه قد يكون الراوي ذكر بحكم أنه قدم مع أهل مصر،
[ ٨ / ٣٩٤ ]
ولأنه كان في مصر مدة من الزمان، وتغلغلت أفكاره فيهم
الشيخ: العبارة توهم أنه من أهل مصر .. فإذا كان عبد الله بن سبأ هذا المنافق، إذا كان لا يعرف بأنه سكن في مصر، ومثلما قال الشيخ أبو يحيى، تأهل منها مثلًا، فيكون هذا تأويل لتلك.
مداخلة: يا شيخ أنا أذكر لك كلامي ملاحظة عليه.
الشيخ: نعم.
في داخل الرسالة أنا قلت أنه يعتبر من أهل مصر لتغلغل أفكاره في بعض أهلها، ولمكثه فيها آخر أمره.
الشيخ: هذا التعبير غير سليم.
مداخلة: ولمكثه فيها آخر أمره، ولقدومه مع أهله، هذه ثلاثة أشياء.
الشيخ: أولًا: تغلغل أفكاره في أهل مصر.
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذه ليست علة، يعني رجل تغلغلت أفكاره في أمريكا، يعني يقال عنه أنه أمريكي؟
مداخلة: لا.
الشيخ: ثانيًا ما هو.
مداخلة: إذا قرنت بمكثه فيها آخر أمره.
الشيخ: مكث آخر عمره.
[ ٨ / ٣٩٥ ]
مداخلة: ولقدومه مع أهله.
الشيخ: عفوًا هنا لا بد لك أن تلاحظ شيئًا، هل كان آخر أمره حين فتنة عثمان.
مداخلة: آخر أمره.
الشيخ: كله واحد، إذا قلبنا الهمزة إلى عين فالمعنى واحد.
مداخلة: أي نعم.
مداخلة: ولقدومه مع أهلها.
الشيخ: لاحظت الملاحظة هذه آخر أمره أليس هكذا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: .. أثر أن عثمان ﵁ رأى في النوم في آخر يوم من أيامه النبي - ﵌ - ومعه أبا بكر وعمر ﵄ يقول له ..
الشيخ: معه أبا بكر ما نصبها؟
مداخلة: رأى في النوم النبي - ﵌ - ومعه أبا بكر.
علي حسن: لو بدون معه كان معقول، أما معه خلاص جملة ثانية مستقلة.
مداخلة: يعني أبو بكر.
مداخلة: نعم.
مداخلة: وعمر ﵄ يقول له: يا عثمان أفطر عندنا، فأصبح صائمًا وأخرج من كان معه في الدار ممن كانوا يريدون الدفاع عنه، وأمر بفتح الباب
[ ٨ / ٣٩٦ ]
وأخذ القرآن، فدخل عليه رجل أسود من أهل مصر يلقب بجبلة لسواد بشرته، ولا يستبعد أنه يكون هو عبد الله بن سبأ اليهودي.
الخامس عشر: أنه لم يشترك في التحريض على عثمان ﵁ فضلًا عن قتله أحد من الصحابة.
الشيخ: .. رواية سقوط دمه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة:١٣٧)، مرت معك؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: صحيحة؟
مداخلة: ليست ثابتة، الثابت أنه سقط الدم على المصحف، لما قطعت يده.
الشيخ: طيب.
مداخلة: الخامس عشر: أنه لم يشترك في التحريض على عثمان ﵁ فضلًا عن قتله أحد من الصحابة ﵃، وأن كل ما روي في ذلك ضعيف الإسناد.
السادس عشر: أن محمد بن أبي بكر لم يشترك في التحريض ولا في قتل عثمان ﵁، وكل ما روي في اتهامه بذلك باطل لا صحة له.
السابع عشر: أن قتله كان في صبيحة يوم الجمعة الموافق لأوسط أيام التشريق الثاني عشر من شهر ذي الحجة للهجرة.
الثامن عشر: أن سنه عند قتله كان في اثنتين وثمانين سنة على الراجح.
التاسع عشر: أنه قد ترتب على قتله ﵁ فتن ومحن كثيرة لا زالت
[ ٨ / ٣٩٧ ]
الأمة الإسلامية تعاني منها إلى اليوم.
عشرون: أنه لا يوثق بمعظم كتابات المعاصرين عن فتنة مقتل عثمان ﵁، لعدم تحري مصنفيها الروايات الصحيحة في بناء الصورة التاريخية للفتنة، واعتمادها في الغالب على الروايات الواهية التي يرويها الضعفة أو الرافضة، ولعدم عزو المعلومات إلى مصادرها.
إحدى وعشرون: أن روايات محمد بن عمر الواقدي عن فتنة مقتل عثمان ﵁ فيها دس كثير وتخالف الرويات الصحيحة في أكثر الحقائق، وأنها تعكس صورة مشوهة عن الفتنة، وتبرز مواقف غير صحيحة للصحابة، وتظهر فيها ملامح التشيع.
الشيخ: ولماذا أنت لم تظهر حقيقة الواقدي؟
مداخلة: ضمن الرسالة ذكرت يا شيخ
مداخلة: اثنتان وعشرون: أن روايات سيف بن عمر التميمي عن فتنة مقتل عثمان ﵁ عبارة عن مجموعة روايات مسندة يحذف سيف أسانيدها، ثم يرويها من طريق عدد من شيوخه يصلون أحيانًا إلى أربعة شيوخ، وأن روايات سيف هذه لا تخلو من القدح في بعض الصحابة واتهامهم بما هم منه براء، فتعتدل أحيانًا، فتظهر الصورة الصحيحة لمواقفهم.
"الهدى والنور" (٤٠٤/ ٥٩: ٠٠: ٠٠).
[ ٨ / ٣٩٨ ]
جماع أبواب فضائل جمع من الصحابة
[ ٨ / ٣٩٩ ]
[١٤٣٥] باب الرد على الطاعنين في أبي هريرة - ﵁ - والصحابة
[قال] أبو خيثمة [في كتاب "العلم"]: ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - ﵌ - والله الموعد: كنت رجلا مسكينًا أخدم رسول الله - ﵌ - على ملء بطني وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم فقال رسول الله - ﵌ -: «من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني» فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه، ثم ضممتها إليّ فما نسيت شيئا سمعته بعد.
[قال الإمام]:
اعلم أنه ليس في هذا الوصف للمهاجرين وكذا وصفه للأنصار بما يأتي شيء من الإزراء عليهم والازدراء بهم، كما زعم ذلك بعض الكتاب المعاصرين الطاعنين في أبي هريرة ﵁ بغير حق، والمتأولين لكلامه على غير وجهه، فإن العمل وراء الكسب الحلال من سبيل الله، كما جاء ذلك صريحًا في بعض الأحاديث، وأبو هريرة على علم بذلك، لأنه أحد رواتها، فهو ﵃ جميعًا يعتذر عنهم بذلك عن حفظ الحديث كما حفظ هو، وقد روى الحاكم (٣/ ٥١١ - ٥١٢) عن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن المهاجرين والسابقين الأول أنه قال في المهاجرين وأبي هريرة نحو هذا الحديث، وقال:
"والله ما أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله - ﵌ - ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله - ﵌ - طرفي النهار، ثم نرجع، وكان أبو هريرة مسكينًا لا مال له، ولا أهل ولا ولد، إنما كانت يده مع يد النبي - ﵌ -، وكان يدور معه حين ما دار، ولا نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا ".
"تحقيق العلم لابن أبي خيثمة" (ص ٤٠)
[ ٨ / ٤٠١ ]
[١٤٣٦] باب لماذا يكره الرافضة أبا هريرة؟
سؤال: بالنسبة للرافضة يكرهون أبا هريرة لماذا يا شيخ؟
الشيخ: لأنه قصم ظهورهم بكثرة حديثه ﵁.
"الهدى والنور" (٤٤٥/ ٥٣: ٢٥: ٠١)
[١٤٣٧] باب من فضل جعفر، وعلي، وزيد
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أما أنت يا جعفر فأشبه خلقك خلقي، وأشبه خلقي خلقك، وأنت مني وشجرتي، وأما أنت يا علي فختني، وأبو ولدي، وأنا منك وأنت مني، وأما أنت يا زيد فمولاي ومني وإلي، وأحب القوم إلي».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٦٦).
[١٤٣٨] باب فضل أبي عبيدة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«هذا أمين هذه الأمة. يعني أبا عبيدة».
[ترجم له الإمام بقوله فضل أبي عبيدة ]
"الصحيحة" (٤/ ٦٠٥).
[١٤٣٩] باب من فضائل طلحة بن عبيد الله الأنصاري
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن
[ ٨ / ٤٠٢ ]
عبيد الله» [قال الإمام]: وفي الحديث إشارة إلى قول الله ﵎: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
وفيه منقبة عظيمة لطلحة بن عبيد الله ﵁، حيث أخبر - ﵌ - أنه ممن قضى نحبه مع أنه لا يزال حيًّا ينتظر الوفاء بما عاهد الله عليه، قال ابن الأثير في " النهاية ":" النحب النذر، كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب، فوفى به، وقيل: النحب الموت، كأنه يلزم نفسه أن يقاتل حتى يموت ".
وقد قُتِل ﵁ يوم الجمل. فويل لمن قتله.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٤٨ - ٢٤٩).
[١٤٤٠] باب من فضائل عمرو بن العاص
وبيان حرمة الطعن فيه ﵁
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص».
[ترجم له الإمام بقوله]: عمرو بن العاص مؤمن.
[ثم قال]:
وفي الحديث منقبة عظيمة لعمرو بن العاص ﵁؛ إذ شهد له النبي - ﵌ - بأنه مؤمن، فإن هذا يستلزم الشهادة له بالجنة، لقوله - ﵌ - في الحديث الصحيح المشهور: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» متفق عليه. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾.
[ ٨ / ٤٠٣ ]
وعلى هذا فلا يجوز الطعن في عمرو ﵁ - كما يفعل بعض الكتاب المعاصرين، وغيرهم من المخالفين - بسبب ما وقع له من الخلاف
بل القتال مع علي ﵁؛ لأن ذلك لا ينافي الإيمان، فإنه لا يستلزم العصمة كما لا يخفى، لاسيما إذا قيل: إن ذلك وقع منه بنوع من الاجتهاد، وليس اتباعا للهوى.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٨٨ - ٢٩٠).
[١٤٤١] باب فضل معاوية ﵁ ورد طعن الطاعن فيه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«لا أشبع الله بطنه. يعني معاوية».
[قال الإمام]:
رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " (٢٧٤٦): حدثنا هشام وأبو عوانة عن أبي حمزة القصاب عن ابن عباس: " أن رسول الله - ﵌ - بعث إلى معاوية ليكتب له: فقال: إنه يأكل ثم بعث إليه، فقال: إنه يأكل، فقال رسول الله - ﵌ - " فذكره وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه مطعنًا في معاوية ﵁، وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبي - ﵌ -؟!
ولذلك قال الحافظ ابن عساكر (١٦/ ٣٤٩/٢) " إنه أصح ما ورد في فضل معاوية " فالظاهر أن هذا الدعاء منه - ﵌ - غير مقصود، بل هو ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله - ﵌ - في بعض نسائه " عقرى حلقى " و" تربت يمينك".
ويمكن أن يكون ذلك منه - ﵌ - بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عليه
[ ٨ / ٤٠٤ ]
السلام في أحاديث كثيرة متواترة.
منها حديث عائشة ﵂ قالت:
«دخل على رسول الله - ﵌ - رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان؟ قال: وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، قال: «أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا»
رواه مسلم مع الحديث الذي قبله في باب واحد هو " باب من لعنه النبي - ﵌ - أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة ".
ثم ساق فيه من حديث أنس بن مالك قال: " كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس، فرأى رسول الله - ﵌ - اليتيمة، فقال: آنت هي؟ لقد كبرت لا كبر سنك، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم: ما لك يا بنية؟ فقالت الجارية: دعا علي نبي الله - ﵌ - أن لا يكبر سني أبدًا، أو قالت: قرني، فخرجت أم سليم مستعجله تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله - ﵌ - فقال لها رسول الله - ﵌ -: ما لك يا أم سليم؟ فقالت يا نبي الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها قال: فضحك رسول الله - ﵌ -، ثم قال: «يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة».
[ ٨ / ٤٠٥ ]
ثم أتبع الإمام مسلم هذا الحديث بحديث معاوية وبه ختم الباب، إشارة منه ﵀ إلى أنها من باب واحد، وفي معنى واحد، فكما لا يضر اليتيمة دعاؤه - ﵌ - عليه بل هو لها زكاة وقربة، فكذلك دعاؤه - ﵌ - على معاوية.
وقد قال الإمام النووي في " شرحه على مسلم " (٢/ ٣٢٥ طبع الهند): " وأما دعاؤه - ﵌ - على معاوية ففيه جوابان:
أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد.
والثاني: أنه عقوبة له لتأخره، وقد فهم مسلم ﵀ من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا الدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له ".
وقد أشار الذهبي إلى هذا المعنى الثاني فقال في " سير أعلام النبلاء ":
"قلت: لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية لقوله - ﵌ -: اللهم من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ".
واعلم أن قوله - ﵌ - في هذه الأحاديث: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى
البشر » إنما هو تفصيل لقول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ الآية.
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء، إلى إنكار مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي - ﵌ - وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر ﵄، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم.
[ ٨ / ٤٠٦ ]
انظر " كنز العمال " (٢/ ١٢٤).
وتعظيم النبي - ﵌ - تعظيمًا مشروعًا، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه - ﵌ - صحيحًا ثابتًا، وبذلك يجتمع الإيمان به - ﵌ - عبدا ورسولا، دون إفراط ولا تفريط، فهو - ﵌ - بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقًا بنص الأحاديث الصحيحة. وكما يدل عليه تاريخ حياته - ﵌ - وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه - ﵌ -، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٤ - ١٦٧).
[١٤٤٢] باب الرد على من طعن في معاوية ﵁
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ليست بشجرة نبات، إنما هم بنوفلان، إذا ملكوا جاروا، وإذا ائتمنوا خانوا، ثم ضرب بيده على ظهر العباس، قال: فيخرج الله من ظهرك يا عم! رجلا يكون هلاككم على يديه».
(موضوع)
[قال الإمام]:
ومثل هذا الحديث في البطلان؛ ما روى ابن جرير الطبري قال:
حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة: حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد: حدثني أبي عن جدي قال: " رأى رسول الله - ﵌ - بني فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك فما استجمع ضاحكًا حتى مات، قال: وأنزل الله
[ ٨ / ٤٠٧ ]
في ذلك ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ﴾ الآية ".
هذا حال هذين الحديثين في الضعف بل البطلان، ومع ذلك، فإننا لا نزال نرى بعض الشيعة في العصر الحاضر يروون مثل هذه الأحاديث، ويحتجون بها على تكفير معاوية ﵁ مثل المعلق على كتاب " أصول الكافي " للكليني المتعبد لغير الله، المسمى بعبد الحسين المظفر، فإنه كتب؛ بل سود صفحتين كاملتين في لعن معاوية وتكفيره، وأن النبي - ﵌ - أخبر بموته على غير السنة، وأنه أمر بقتله، ساق (ص ٢٣ - ٢٤) في تأييد ذلك ما شاء له هواه من الآثار الموضوعة والأحاديث الباطلة، منها هذان الحديثان الباطلان، ولذلك بادرت إلى بيان حالهما نصحا للناس، وغالب الظن أن عبد الحسين هذا لا يعلم حال إسنادهما، ولئن علم فما يمنعه ذلك من الاحتجاج بهما مع بطلانهما لأن الغاية عند أمثاله تبرر الوسيلة، والغاية لعن معاوية وتكفيره ولو بالاعتماد على الأحاديث الموضوعة، والشيعة قد عرفوا بذلك منذ زمن بعيد كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه.
"الضعيفة" (٣/ ١٩٤ - ١٩٦).
[ ٨ / ٤٠٨ ]
جماع أبواب فضائل عائشة وجمع من نساء الصحابة
[ ٨ / ٤٠٩ ]
[١٤٤٣] باب هل عائشة أفضل من جميع النساء؟
سؤال: يا شيخ والله تفسير الحديث: فضل عائشة على النساء. ما المقصود بـ"ال" هنا يعني، تفيد ماذا " ال" هنا؟
الشيخ: يعني: هل هي من العموم أم فيه خصوص؟
السائل: نعم.
الشيخ: كفضل الثريد على الطعام؟
السائل: نعم.
الشيخ: بلا شك هو يفيد العموم، ولكن كما تقول القاعدة الأصولية: أنه ما من عام إلا وقد خُصَّ، فيمكن البقاء على هذا العموم إلا إذا جاء نص صريح يضطرنا إلى استثناء هذا النص الصريح من العموم، وهذا ما لا يحضرنا الآن.
السائل: جزاك الله خير، وفيه حديث: «كمل من الرجال كثير»، هذا يعني منها؟
الشيخ: لا، هذا ليس تفضيل، إنما هو بيان فضيلة.
"الهدى والنور (٢٩٠/ ٤٩: ٥٩: ٠٠)
[١٤٤٤] باب عائشة ﵂ محفوظة غير معصومة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
- «أما بعد يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، [إنما أنت من بنات آدم]، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه،
[ ٨ / ٤١١ ]
فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه. وفي رواية: فإن التوبة من الذنب الندم».
[قال الإمام]:
أخرجه البخاري (٨/ ٣٦٣ - ٣٦٤ - فتح) ومسلم (٨/ ١١٦) وأحمد (٦/ ١٩٦) والرواية الأخرى له (٦/ ٣٦٤) وأبو يعلى (٣/ ١٢٠٨ و١٢١٨) والطبري في " التفسير " (١٨/ ٧٣ و٧٥) والبغوي (٦/ ٧٤) من حديث عائشة ﵂، في حديثها الطويل عن قصة الإفك، ونزول الوحي القرآني ببراءتها في آيات من سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ﴾ الآيات (١١ - ٢٠)، والزيادة التي بين المعقوفتين هي لأبي عوانة في "صحيحه"، والطبراني في "معجمه" كما في "الفتح" (٨/ ٣٤٤ و٣٦٤). وقوله: " ألممت". قال الحافظ: أي وقع منك على خلاف العادة، وهذا حقيقة الإلمام، ومنه: ألمت بنا والليل مرخ مستورة.
قال الداوودي: " أمرها بالاعتراف، ولم يندبها إلى الكتمان، للفرق بين أزواج النبي - ﵌ - وغيرهن، فيجب على أزواجه الاعتراف بما يقع منهن ولا يكتمنه إياه، لأنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منها ذلك بخلاف نساء الناس، فإنهن ندبن إلى الستر ". ثم تعقبه الحافظ نقلًا عن القاضي عياض فيما ادعاه من الأمر بالاعتراف، فليراجعه من شاء، لكنهم سلموا له قوله: إنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منها ذلك، وذلك غيرة من الله تعالى على نبيه - ﵌ -، ولكنه سبحانه صان السيدة عائشة ﵂ وسائر أمهات المؤمنين من ذلك كما عرف ذلك من تاريخ حياتهن، ونزول التبرئة بخصوص السيدة عائشة ﵂، وإن كان وقوع ذلك ممكنًا من الناحية النظرية لعدم وجود نص باستحالة ذلك منهن، ولهذا
[ ٨ / ٤١٢ ]
كان موقف النبي - ﵌ - في القصة موقف المتريث المترقب نزول الوحي القاطع للشك في ذلك الذي ينبئ عنه قوله - ﵌ - في حديث الترجمة: «إنما أنت من بنات آدم، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ..»، ولذلك قال الحافظ في صدد بيان ما في الحديث من الفوائد: " وفيه أن النبي - ﵌ - كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي، نبه عليه الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به "، يعني أن النبي - ﵌ - لم يقطع ببراءة عائشة ﵂ إلا بعد نزول الوحي، ففيه إشعار قوي بأن الأمر في حد نفسه ممكن الوقوع، وهو ما يدندن حوله كل حوادث القصة وكلام الشراح عليها.
ولا ينافي ذلك قول الحافظ ابن كثير (٨/ ٤١٨) في تفسير قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِين﴾ (التحريم:١٠). " وليس المراد بقوله: ﴿فخانتاهما﴾ في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور ".
وقال هناك (٦/ ٨١): " ثم قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم﴾، أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرًا سهلًا، ولو لم تكن زوجة النبي - ﵌ - لما كان هينًا، فكيف وهي زوجة النبي - ﵌ - الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، فعظيم عند الله أن يقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل، فإن الله ﷾ يغار لهذا، وهو سبحانه لا يقدر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك، حاشا وكلا، ولما لم يكن ذلك، فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء زوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ
[ ٨ / ٤١٣ ]
هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم﴾ ".
أقول: فلا ينافي هذا ما ذكرنا من الإمكان، لأن المقصود بـ " العصمة " الواردة في كلامه ﵀ وما في معناها إنما هي العصمة التي دل عليها الوحي الذي لولاه لوجب البقاء على الأصل، وهو الإمكان المشار إليه، فهي بالمعنى الذي أراده النبي - ﵌ - بقوله: «فالمعصوم من عصمه الله» في حديث أخرجه البخاري وغيره، وليس المراد بها العصمة الخاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي التي تنافي الإمكان المذكور، فالقول بهذه في غير الأنبياء إنما هو من القول على الله بغير علم، وهذا ما صرح به أبو بكر الصديق نفسه في هذه القصة خلافا لهواه كأب، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة ﵂ أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر ﵂ رأسها، فقالت: ألا عذرتني؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم؟! وهذا هو الموقف الذي يجب على كل مسلم أن يقفه تجاه كل مسألة لم يأت الشرع الحنيف بما يوافق هوى الرجل، ولا يتخذ إلهه هواه.
واعلم أن الذي دعاني إلى كتابة ما تقدم، أن رجلًا عاش برهة طويلة مع إخواننا السلفيين في حلب، بل إنه كان رئيسًا عليهم بعض الوقت، ثم أحدث فيهم حدثًا دون برهان من الله ورسوله، وهو أن دعاهم إلى القول بعصمة نساء النبي - ﵌ - وأهل بيته وذريته من الوقوع في الفاحشة، ولما ناقشه في ذلك أحد إخوانه هناك، وقال له: لعلك تعني عصمتهن التي دل عليها تاريخ حياتهن، فهن في ذلك كالخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة المشهورين، المنزهين منها ومن غيرها من الكبائر؟ فقال: لا، إنما أريد شيئا زائدًا على ذلك وهو عصمتهن التي دل عليها الشرع، وأخبر عنها دون غيرها مما يشترك فيها كل صالح وصالحة، أي العصمة
[ ٨ / ٤١٤ ]
التي تعني مقدمًا استحالة الوقوع! ولما قيل له: هذا أمر غيبي لا يجوز القول به إلا بدليل، بل هو مخالف لما دلت عليه قصة الإفك، وموقف الرسول وأبي بكر الصديق فيها، فإنه يدل دلالة صريحة أنه - ﵌ - كان لا يعتقد في عائشة العصمة المذكورة، كيف وهو يقول لها: إنما أنت من بنات آدم، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله الحديث: فأجاب بأن ذلك كان من قبل نزول آية الأحزاب ٣٣: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾! جاهلًا أو متجاهلًا أن الآية المذكورة نزلت قبل قصة الإفك، بدليل قول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عن صفوان بن المعطل السلمي: " فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب"، وفيه أنها احتجبت منه.
ودليل آخر، وهو ما بينه الحافظ ﵀ بقوله (٨/ ٣٥١): " ولا خلاف أن آية الحجاب نزلت حين دخوله - ﵌ - بزينب بنت جحش، وفي حديث الإفك: أن النبي - ﵌ - سأل زينب عنها. فثبت أن الحجاب كان قبل قصة الإفك ".
ثم اشتدت المجادلة بينهما في ذلك حتى أرسل إليّ أحد الإخوان الغيورين الحريصين على وحدة الصف خطابًا يشرح لي الأمر، ويستعجلني بالسفر إليهم، قبل أن يتفاقم الأمر، وينفرط عقد الجماعة، فسافرت بالطائرة - ولأول مرة - إلى حلب، ومعي اثنان من الإخوان، وأتينا الرجل في منزله، واقترحت عليهما أن يكون الغداء عنده تألفًا له، فاستحسنا ذلك، وبعد الغداء بدأنا بمناقشته فيما أحدثه من القول، واستمر النقاش معه إلى ما بعد صلاة العشاء، ولكن عبثًا، فقد كان مستسلمًا لرأيه، شأنه في ذلك شأن المتعصبة الذين يدافعون عن آرائهم دون أي اهتمام للأدلة المخالفة لهم، بل لقد زاد هذا عليهم.
فصرح في المجلس بتكفير من يخالفه في قوله المذكور، إلا أنه تنازل
[ ٨ / ٤١٥ ]
- بعد جهد جهيد - عن التكفير المشار إليه، واكتفى بالتصريح بتضليل المخالف أيا كان!
ولما يئسنا منه قلنا له: إن فرضك على غيرك أن يتبنى رأيك وهو غير مقتنع به، ينافي أصلًا من أصول الدعوة السلفية، وهو أن الحاكمية لله وحده، وذكرناه بقوله تعالى في النصارى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾، ولهذا فحسبك أن يظل كل منكما عند رأيه، ما دام أن أحدكما لم يقنع برأي الآخر، ولا تضلله، كما هو لا يضللك، وبذلك يمكنك أن تستمر في التعاون معه فيما أنتما متفقان عليه من أصول الدعوة وفروعها. فأصر على فرض رأيه عليه وإلا فلا تعاون، علما بأن هذا الذي يريد أن يفرض عليه رأيه هو أعرف منه وأفقه بالدعوة السلفية أصولًا وفروعًا، وإن كان ذاك أكثر ثقافة عامة منه.
وصباح اليوم التالي بلغنا إخوانه المقربين إليه بخلاصة المناقشة، وأن الرجل لا يزال مصرًّا على التضليل وعدم التعاون إلا بالخضوع لرأيه، فأجمعوا أمرهم على عزله، ولكن بعد مناقشته أيضًا، فذهبوا إليه في بيته - بعد استئذانه طبعًا - وأنا معهم، وصاحباي فطلبوا منه التنازل عن إصراره وأن يدع الرجل على رأيه، وأن يستمر معهم في التعاون، فرفض ذلك، وبعد مناقشة شديدة بينه وبين مخالفه في الرأي وغيره من إخوانه، خرج فيها الرجل عن طوره حتى قال لمخالفه لما ذكره بالله: أنا لا أريد أن تذكرني أنت بالله! إلى غير ذلك من الأمور التي لا مجال لذكرها الآن، وعلى ضوء ما سمعوا من إصراره، ورأوا من سوء تصرفه مع ضيوفه اتفقوا على عزله، ونصبوا غيره رئيسًا عليهم.
ثم أخذت الأيام تمضي، والأخبار عنه تترى بأنه ينال من خصمه ويصفه بما ليس فيه، فلما تيقنت إصراره على رأيه وتقوله عليه، وهو يعرف نزاهته وإخلاصه
[ ٨ / ٤١٦ ]
قرابة ثلاثين سنة، أعلنت مقاطعته حتى يعود إلى رشده، فكان كلما لقيني وهش إلي وبش أعرضت عنه، ويحكي للناس شاكيًا إعراضي عنه متجاهلًا فعلته، وأكثر الناس لا يعلمون بها، في الوقت الذي يتظاهر فيه بمدحي والثناء علي وأنه تلميذي! إلى أن فوجئت به في منزل أحد السلفيين في عمان في دعوة غداء في منتصف جمادى الأولى لسنة (١٣٩٦) فسارع إلى استقبالي كعادته، فأعرضت عنه كعادتي، وعلى المائدة حاول أن يستدرجني إلى مكالمته بسؤاله إياي عن بعض الشخصيات العلمية التي لقيتها في سفري إلى (المغرب)، وكنت حديث عهد بالرجوع منه، فقلت له: لا كلام بيني وبينك حتى تنهي مشكلتك! قال: أي مشكلة؟ قلت: أنت أدرى بها، فلم يستطع أن يكمل طعامه.
فقصصت على الإخوان الحاضرين قصته، وتعصبه لرأيه، وظلمه لأخيه المخالف له، واقترحت عقد جلسة خاصة ليسمعوا من الطرفين، وكان ذلك بعد يومين من ذلك اللقاء، فبعد أن انصرف الناس جميعًا من الندوة التي كنت عقدتها في دار أحدهم في (جبل النصر) وبقي بعض الخاصة من الإخوان، بدأ النقاش، فإذا بهم يسمعون منه كلامًا عجبًا، وتناقضا غريبًا، فهو من جهة يشكوني إليهم لمقاطعتي إياه، وأنه يهش إلي ويبش، ويتفاخر في المجالس بأني شيخه، ومن جهة أخرى لما يجري البحث العلمي بيني وبينه يصرح بتضليلي أيضًا وبمقاطعتي! فيقول له الإخوان: كيف هذا، وأنت تشكو مقاطعته إياك؟! فلا يجيب على سؤالهم، وإنما يخوض في جانب آخر من الموضوع.
وباختصار فقد انكشف للحاضرين إعجابه برأيه وإصراره عليه، وتعديه على من يزعم أنه شيخه وجزمه بضلاله، والله المستعان. فإذا قيل له: رأيك هذا هو وحي السماء، ألا يمكن أن يكون خطأ؟ قال: بلى، فإذا قيل له: فكيف تجزم
[ ٨ / ٤١٧ ]
بضلال مخالفك مع احتمال أن يكون الصواب معه؟ لم يحر جوابا، وإنما يعود ليجادل بصوت مرتفع، فإذا ذكر بذلك قال: عدم المؤاخذة، لقد قلت لكم: هذه عادتي! فلا تؤاخذوني! فطالبه بعض الحاضرين بالدليل على العصمة التي يزعمها، فتلى آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، فقيل له: الإرادة في هذه الآية شرعية أم كونية، فأجاب: كونية! فقيل له: هذا يستلزم أن أولاد فاطمة أيضا معصومون! قال: نعم. قيل وأولاد أولادها؟ فصاح وفر من الجواب.
وواضح من كلامه أنه يقول بعصمة أهل البيت جميعا إلى يوم يبعثون، ولكنه لا يفصح بذلك لقبحه.
فقام صاحب الدار وأتى برسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقرأ منها فصلًا هامًاّ في بيان الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، فالأولى
محبته تعالى ورضاه لما أراده من الإيمان والعمل الصالح، ولا تستلزم وقوع المراد، بخلاف الإرادة الكونية، فهي تستلزم وقوع ما أراده تعالى، ولكنها عامة تشمل الخير والشر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ (يس: ٨٢)، فعلى هذا، فإذا كانت الإرادة في آية التطهير إرادة شرعية فهي لا تستلزم وقوع المراد من التطهير، وإنما محبته تعالى لأهل البيت أن يتطهروا، بخلاف ما لو كانت إرادة كونية فمعنى ذلك أن تطهيرهم أمر كائن لابد منه، وهو متمسك الشيعة في قولهم بعصمة أهل البيت، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ضلالهم في ذلك بيانا شافيا في مواطن عديدة من كتابه " منهاج السنة "، فلا بأس من أن أنقل إلى القراء الكرام طرفا منه لصلته الوثيقة بما نحن فيه، فقال في صدد رده على الشيعي المدعي عصمة علي ﵁ بالآية
[ ٨ / ٤١٨ ]
السابقة: "وأما آية (الأحزاب ٣٣): ﴿ويطهركم تطهيرا﴾ فليس فيها إخبار بذهاب الرجس وبالطهارة، بل فيها الأمر لهم بما يوجبهما، وذلك كقوله تعالى (المائدة٦): ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾، والنساء: ٢٦): ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم﴾، و(النساء: ٢٨): ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾. فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا ليست هي الملتزمة لوقوع المراد، ولو كان كذلك لتطهر كل من أراد الله طهارته. وهذا على قول شيعة زماننا أوجه، فإنهم معتزلة يقولون: إن الله يريد ما لا يكون، فقوله تعالى: ﴿يريد الله ليذهب عنكم الرجس﴾ إذا كان بفعل المأمور وترك المحظور، كان ذلك متعلقًا بإرادتهم وبأفعالهم، فإن فعلوا ما أمروا به طهروا.
ومما يبين أن ذلك مما أمروا به لا مما أخبر بوقوعه أن النبي - ﵌ - أدار الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».
رواه مسلم من حديث عائشة، ورواه أهل السنن من حديث أم سلمة، وفيه دليل على أنه تعالى قادرًا على إذهاب الرجس والتطهير، وأنه خالق أفعال العباد، ردا على المعتزلي.
ومما يبين أن الآية متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ﴾ - إلى قوله - ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن﴾ (الأحزاب:٣٠ - ٣٤)، فهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي، وأن الزوجات من أهل البيت، فإن
[ ٨ / ٤١٩ ]
السياق إنما هو في مخاطبتهن ويدل الضمير المذكر على أنه عم غير زوجاته كعلي وفاطمة وابنيهما".
وقال في " مجموعة الفتاوى " (١١/ ٢٦٧) عقب آية التطهير: "
والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا، فمن أطاع أمره كان مطهرا قد أذهب عنه الرجس بخلاف من عصاه ".
وقال المحقق الآلوسي في تفسير الآية المذكورة بعد أن ذكر معنى ما تقدم عن ابن تيمية (٧/ ٤٧ - بولاق): " وبالجملة لو كانت إفادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا: إن الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت وطهركم تطهيرًا. وأيضًا لو كانت مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لاسيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لقوله تعالى فيهم: ﴿ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾، بل لعل هذا أفيد لما فيه من قوله سبحانه: ﴿وليتم نعمته عليكم﴾، فإن وقوع هذا الإتمام لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان ".
وللبحث عنده تتمة لا يخرج مضمونه عما تقدم، ولكن فيه تأكيد له، فمن شاء فليراجعه. فأقول: لقد أطلت الكلام في مسألة العصمة المزعومة، لأهميتها ولصلتها الوثقى بحديث عائشة ﵂، وتذكيرًا للآخر المشار إليه لعله يجد فيما كتبت ما ينير له سبيل الهداية، والعودة لمواصلة أخيه، راجعًا عن إضلاله، وللتاريخ والعبرة أخيرًا.
ثم توفي الرجل بعد كتابه هذا بسنين طويلة إلى رحمة الله ومغفرته، ومعذرة إلى بعض الإخوان الذين قد يرون في هذا النقد العلمي وفيما يأتي ما لا يروق
[ ٨ / ٤٢٠ ]
لهم، فأذكرهم بأن العلم الذي عشته دهري هو الذي لا يسعني مخالفته.
"الصحيحة" (٦/ ١/٢٦ - ٣٥).
[١٤٤٥] باب فضل نساء الصحابة
عن أبي هريرة: جاء نسوة إلى رسول الله - ﵌ - فقلن: يا رسول الله! ما نقدر عليك في مجلسك من الرجال، فواعدنا منك يوما نأتيك فيه. قال: «موعدكن بيت فلان». وأتاهن في ذلك اليوم، ولذلك الموعد. قال: فكان مما قال لهن، يعني: «ما من امرأة تقدم ثلاثًا من الولد تحتسبهن إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهن: أو اثنان؟ قال: أو اثنان».
[قال الإمام]:
فيه فوائد كثيرة، [منها]:
فضل نساء الصحابة وما كن عليه من الحرص على تعلم أمور الدين.
"الصحيحة" (٦/ ١/٤٠٠ - ٤٠١).
[١٤٤٦] باب من فضائل فاطمة
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«إذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحجاب: يا أهل الجمع! غضوا أبصاركم عن فاطمة بنت محمد - ﵌ - حتى تمر».
(موضوع).
[ ٨ / ٤٢١ ]
[قال الإمام]:
لقد وقفت للشيخ أحمد الغماري على كلام عجيب في هذا الحديث يدل على انحرافه عن أهل الحديث والسنة، وميله إلى التشيع ومحاباته لأهل البيت ولو بتقوية الأحاديث الموضوعة، فقد ذكر في " المداوي " (١/ ٤٥١ - ٥٤٢) أسماء الصحابة الذين روي الحديث عنهم دون أن يسوق أسانيدهم - على خلاف عادته من تسويد صفحات بها - ودون أن يبين من فيها من الكذابين والسراقين، اللهم إلا حديث علي ﵁، فقد ساق إسناده، ولكنه خنس عنه، ولم يبين علته، مع أن فيه (العباس بن بكار الضبي)، وهو كذاب كما تقدم عن الإمام الدارقطني.
وإن من انحرافه واتباعه لهواه أنه أجمل الكلام فيها وألانه، ورمى رواة الحديث وأئمتهم الذين أعرضوا عن رواية هذه الموضوعات في كتبهم بالنصب ومعاداة أهل البيت - حاشاهم، فقال: " والطرق التي ذكرها المصنف (يعني السيوطي في " الجامع ") وإن كانت كلها ضعيفة (!) إلا أن زهد النواصب (!) ونفور غيرهم من التهمة بالرفض إذا رووا فضائل أهل البيت، كما كان معروفًا في عصر الرواية، هو الذي جعل الضعفاء ينفردون بمثل هذا، والأمر لله "!
فأقول والله المستعان.
قوله: " الضعفاء " كلمة مضللة للقراء كما هو ظاهر من التخريج. وفاطمة ﵂ أرفع وأغنى أن تمدح بالكذب على أبيها - ﵌ -، وأهل السنة وأئمة الحديث ليسوا بـ (النواصب) كيف وهم الذين رووا بالأسانيد الصحيحة في فضلها أنها بضعة منه - ﵌ - يريبه ما يريبها، ويؤذيه ما يؤذيها، وأنها سيدة نساء العالمين، وأنها سيدة نساء أهل الجنة، إلا مريم إلى غير ذلك من الفضائل.
"الضعيفة" (٦/ ٢٠٨، ٢١٢ - ٢١٣).
[ ٨ / ٤٢٢ ]
[١٤٤٧] باب فضل فاطمة ﵂
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٦٥٠).
[ ٨ / ٤٢٣ ]
موسوعة العلامة الإمام مجدد العصر
محمد ناصر الدين الألباني
«موسوعة تحتوي على أكثر من
(٥٠) عملًا ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد»
العمل الأول
سلسلة جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة
«تحتوي على ما يقارب ألفي مسألة
وفائدة عقدية مستخرجة من تراث العلامة الألباني بعناية»
(٦)
(اليوم الآخر - القضاء والقدر)
صَنَعَهُ
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
[ ٩ / ١ ]