[ابن حجر لا يعدل في القضية]
تنبيه
قد ظهر لك من جميع ما تقدم أن الشيخ ابن حجر نسب إلى شيخ الإسلام كثيرًا من الأقوال التى لا أصل لها ولا سند في نقلها بخلاف ما إذا ذكر عن الشيخ الأكبر محيى الدين أو غيره من المتصوفين قولًا ليس لهم به مستمسك في الدين، ولا قاله أحد غيرهم من علاء المسلمين، فيأخذ حينئذ بتأويله وبتكليف لتعديله، ولله در القائل: [كامل]:
فرصاص من أحببته ذهب كما ذهب الذى لم ترض عنه رصاص
فمن ذلك ما قاله في الزواجر في بحث الإجماع على كفر فرعون بما نصه: فإنا وإن كنا نعتقد جلالة الشيخ محيى الدين فقوله بإيمانه مردود، فإن العصمة ليست إلا للأنبياء ﵈، مع انه نقل عن بعض كتبه أنه صرح فيها بان فرعون مع هامان وقارون في النار، وإذا أختلف كلام إمام فيؤخذ بما يوافق الأدلة الظاهرة، ويعرض عما خالفها. أهـ باقتصار. فليت شعرى لِمَ لَمْ يجعل كثيرا من كلام الشيخ ابن تيميه - إن صح - مع هذا القبيل ويدرأ عنه سوء الظن وباطل الأقاويل، لكن كما قيل: [طويل]
وعين الرضا عن كل عيب كليله كما أن عين السخط تبدى المساويا
ومع هذا، فإنى أسأل الله ﷿ ان يغفر لى ولهم جميع العبد والخطأ والزلل. ويجزيهم عنا خير الجزاء، وهو الذى يختص برحمته من يشاء.
فصل
[ارتفاع الحدث بماء الورد]
وحيث أنتهت الأجوبة عما ذكر العلامة ابن حجر من المسائل التى عزاها لشيخ الإسلام ابن تيميه وعرفت أجوبتها المرضية، فلنذكر
[ ٦٠١ ]
إن شاء الله تعالى الأجوبة عما ذكره زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن احمد بن رجب البغدادى الدمشقى الحنبلى المتوفى سنة سبعمائة وخمس وتسعين - من المسائل التى اختارها ذلك الإمام أيضًا فنقول:
(قال ابن رجب: أختار الشيخ ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه) أقول: أنت تعلم أن هذه المسألة فيها خلاف كثير بين الأئمة، فمنهم من خصه بالماء. ومنهم من جوزه بالنبيذ. وحكى ابن القيم في (أعلام الموقعين) عن الحسن بن صالح بن حى، وحميد بن عبد الرحمن جواز الوضوء بالخل. وفي الهداية جواز عند الأئمة الحنفية بالماء الذى يقطر من المكرم. وبعضهم لم يجوزه بماء البحر.
قال الشعراني الشيخ عبد الوهاب (في الميزان): أتفق العلماء على أنه لا تصح الطهارة إلا بالماء، مع قول ابن ليلى والأصم بجواز الطهارة بسائر أنواع المياه المعتصرة من الأشجار ونحوها. أهـ. ولا يخفى أنهما من المجتهدين المشهورين، لا سيما ابن أبي ليلى فقد كان مجتهدًا في زمن أبي حنيفة، حتى نقل العلامة الشيخ عبد العزيز الرجبى البغدادى في شرحه لكتاب الخراج لأبي يوسف أن أبا يوسف ترافع عنده أحد الملوك مع أحد الرعية، ونور الملك دعواه بشاهدين، ثم وقع في نفس الإمام انه غير محق في تلك الدعوى. والبينة. فقال الإمام له: إن خصمك يريد تحليفك على ان شاهديك شهدا بحق لعلمه أن الملك لا يحلف. فقال: شهود ويمين؟ فقال الإمام: إن ابن أبي ليلى يرى ذلك، وهو من كبار المجتهدين. فنكل حينئذ الملك عن اليمين أهـ. وترجمته في الطبقات والتواريخ مشهورة.
ومما يقرب من هذا الخلاف الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى وبقية الأئمة الثلاث من قوله بإزالة النجاسة الحقيقية بسائر المائعات المزيلات
[ ٦٠٢ ]
للنجاسة، كماء الورد والخل، ونحوهما، وقولهم: لا تزال إلا بالماء خاصة، فلا تغفل.
[حكم المسح على النعلين وما جرى مجراهما]
(قال ابن رجب: واختار القول بجواز المسح على النعلين والقدمين وكل ما يحتاج في نزعه من الرجال إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين) أقول: لم أر في تأليفاته التى بين يدى أنه أختار هذا القول، بل رأيته قال في فتاواه ما نصه: الخف إذا كان فيه خرق يسير، فيه نزاع مشهور، فأكثر الفقهاء على أنه يجوز المسح عليه كقول أبي حنيفة ومالك.
والقول الثاني أنه لا يجوز كما هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد، قالوا: لأن ما ظهر من القدم ففرضه الغسل، وما أستتر ففرضه المسح، ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل، والقول الأول أرجح. أهـ. باقتصار.
(قلت): لعل من ذلك ما ذكره (في الميزان) عن الثورى أنه قال: أمسح على الخفين ما تعلقا بالقدم وإن تخرقا. أهـ. وأما دليل المسح على النعلين إن قال به فلعله ما رواه أبو داود في سننه قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحرانى حدثنا محمد يعنى ابن سلمه، عن محمد بن اسحق، عن محمد بن طلحه ابن يزيد بن ركانه، عن عبيد الله الخولانى، عن ابن عباس قال: علي - يعنى علي بن أبي طالب. وقد أهراق الماء فدعا بوضوء فاتيناه بتور دخل فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال يا ابن عباس: ألا اريك كيق كان يتوضأ رسول الله - ﷺ -؟ قلت: بلى. قال: فأصغى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم دخل يديه في الإناء جميعًا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من اذنيه، ثم الثانية ثم الثالثة
[ ٦٠٣ ]
مثل ذلك، ثم أخذ بكفيه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تسف على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح راسه وظهور أذنيه ثم ادخل يديه جميعًا فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك. قال: قلت وفي النعلين. قال: قلت وفي النعلين قال: وفي النعلين. وما رواه أيضًا في سننه عن أوس بن ابي أوس الثقفى، قال: إنه رأى رسول الله - ﷺ - أتى كظامة قوم فتوضأ ومسح على نعليه وقديمه ومسح على بن ابي طالب على الجوزبين، وروى ذلك عن عمر وابن عباس ﵄.
[هل يتوقت المسح على الخفين؟]
(قال ابن رجب: واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف إلى آخره) أقل: هذا موافق لقول الإمام مالك، فقد قال محمد المالكى في التوضيح: إن المقيم لا يمسح عند مالك في رواية عنه. والمسافر يمسح مؤبدًا. وفي الأخرى. المقيم كالمسافر مسح مؤبدًا، وكذلك نقله المالكية الداماد من الحنفية في شرح الملتقى. وقال الشعراني من الشافعية: قال مالك: لا تتوقف مدة المسافر ولا المقيم، بل يمسح ما بداله مالم ينزعه أو يصبه جنابة. أهـ.
(قلت): ولعل المأخذ في ذلك ما رواه في الميزان عن البيهقى بسنده إلى أبي عمارة قال: «قلت يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم، فقلت: يومًا؟ قال يومين. فقلت: ويومين؟ قال وثلاثة. قلت: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: نعم وما بدا لك» وفي رواية «وما شئت» . وفي رواية «قال نعم، حتى سبعًا» ثم قال - ﷺ -: «نعم ما بدا لك» أهـ. فلا تغفل.
(قال ابن رجب: واختار المسح على اللفائف ونحوها) أقول: لم أطلع
[ ٦٠٤ ]
عليه في كتبه، لكن أنت تعلم ان مثل هذه المسائل فيها للإجتهاد مساغ ودلائل، لا سيما، وقد وقه في باب المسح اختلاف كثير، يعرفه المطلع الخبير فقد قال الشيخ محيى الدين عليه الرحمة في الفتوحات ما نصه: أما المسح على الخفين فاختلف علماء الشريعة فيه، فمن قائل بالجواز على الإطلاق، ومن قائل بمنع جوازه على الإطلاق، كابن عباس، ورواية عن مالك. ومن قائل بجواز المسح عليهما في السفر دون الحضر.
واختلف علماء الشريعة في تحديد المسح على الخف، فمن قائل: إن القدر الواجب من ذلك مسح أعلى الخف وما زاد على ذلك فمستحب، وهو مسح أسفل الخف بقول على بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه: لو كان الدين بالرأى لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح أعلى الخف. وقال أشهب: إن الواجب مسح باطن الخف، ومسح الأعلى مستحب. واختلفوا في المسح على الجوربين، فمن قائل بالمنع على الإطلاق ومن قائل بالجواز إذا كان على صفة خاصة. فإما أن تكون من الكثافة والنحافة بحيث أن يصل ماء المسح إلى الرجل، وأو يكون مبطنًا بجلد يجوز المشى فيه واى يمكن المشى فيه. واختلفوا في المتخرق (١) فمن قائل بجوازه إذا كان الخرق يسيرًا من غير حد. ومن قائل بتحديد الخرق اليسير بثلاثة أصابع. ومن قائل بجوازه مادام ينطلق عليه اسم الخف وإن تفاحش خرقه، وهو الأوجه عندى. ومن قائل بمنع المسح إذا كان الخرق في مقدم الخف وإن كان يسيرًا. والذى اقول به: إن هذه المسالة لا أصل لها ولا نص فيها في كتاب ولا سنة، فكان
_________________
(١) على هامش الأصل ما نصه: ونقل في الميزان عن الثورى أنه قال: أمسح على الخفين ما تعلقا بالقدم وإن تخرفا. قال: وكذلك كانت خفاف المهاجرين والأنصار مخرقة مشققة. أهـ. منه.
[ ٦٠٥ ]
الأولى إهمالنا لها، والذى أحوجنا إلى الكلام فيها خلاف علماء الشريعة المطهرة. والحق في ذلك عندنا إنما هو مع من قال يجوز مادام يسمى خفًا.
وأختلفوا في وقت المسح، فمن قائل بالتوقيت فيه ثلاثة ايام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم. ومن قائل بان لا توقيت، وليمسح ما أراد ما لم يقم مانع كالجنابة.
وأختلفوا في شرط المسح، فمن قائل: إن من شرط المسح أن يكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء. ومن قائل: إنه ليس من شرطه إلا طهارتهما من النجاسة، وبه أقول، والقول الأول أحوط. وشرط آخر أن لا يكون خف على خف، فمن قائل بجواز المسح عليهما، وبه أقول. ومن قائل بالمنع، وهكذا حكم الجرموق. أهـ. ملخصًا.
(قلت): واختلفوا في جواز المسح على العمامة، فأجازة الإمام أحمد إذا كانت محنكة، وقد أستوفى البحث عليها الوالد في الأجوبة العراقية فإن أردته، فأرجع إليه.
[التيمم لخشية فوات الوقت]
(قال ابن رجب: واختار جواز التيمم بخشية فوات الوقت في حق المعذور، كمن أخر لصلاة عمدًا حتى تضايق وقتها، وكذا من خشى فوت الجمعة، والعيدين وهو محدث) - اقول: أما التيمم لصلاة العيدين وكذا الجنازة إذا خيف فوتهما فقد أجاز الإمام الأعظم خلافًا للثلاثة. وقال في الميزان: زمن تعذر عليه الماء في الحضر وخاف فوت الوقت فإن كان الماء بعيدًا عنه، أو في بئر ولو أستقى منه خرج الوقت أنه يتيمم ويصلى، ثم إذا وجد الماء أعاد، مع قول مالك: إنه يصلى بالتيمم، ولا يعيد، ومع قول أبي حنيفة:
[ ٦٠٦ ]
إنه يصبر إلى ان يقدر على الماء. أهـ. وقال المالكى في التوضيح على قول الماتن: وكذلك الحاضر الصحيح يخشى فوات الوقت على المشهور، ولا يعيد ما نصه: منشأ الخلاف هل تتناول الآية الحاضر أو هي مختصة بالمريض والمسافر، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ الآية، فإن حملنا «أو» على بابها فيكون قوله ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء﴾ مطلقًا، ولا يختص بمريض ولا مسافر، وإن جعلناهم بمعنى الواو خصت المريض والمسافر، لأن التقدير: وإن كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط. والمشهور أظهر لحمل «أو» على حقيقتها. ومقابل المشهور لمالك أنه يطلب الماء وإن خرج الوقت. والمشهور أيضًا أنه لا إعادة عليه. أهـ. ملخصًا.
والتيمم لصلاة الجنازة مختلف فيه عند المالكية أيضًا، وكذا لو خشى فوات الجمعة فقولان. قال الشارح في توضيحه: القول بالمنع لأشهب. قال: فإن فعل لم يجزه. والقول بالجواز حكاه ابن القصار وغيره. قال ابن عطاء الله: ومنشأ الخلاف هل الجمعة فرض يومها أو بدل عن الظهر. أهـ.
وظاهر المذهب أنه لا يتيمم لها. قال ابن يونس: قال بعض المتأخرين: لو قيل يتيمم ويدرك الجمعة، ثم يتوضأ ويعيد احتياطًا ما بعد. أهـ. ما في التوضيح فليتدبر، وسيأتى قريبًا ما يوضحه إن شاء الله تعالى.
[اختيار لابن تيمية في التيمم]
(قال ابن رجب: واختار أن المرأة إذا لم يمكنها من الاغتسال. إلخ) - أقول: هذا قريب مما مر. وقال الشيخ محيى الدين عليه الرحمة في الفتوحات (باب كون التيمم بدلًا عن الوضوء باتفاق، ومن الكبرى بخلاف) - أتفق بالشريعة أن التيمم بدل من الطهارة الصغرى والكبرى،
[ ٦٠٧ ]
ونحن لا نقول فيها: إنها طهارة مشروعة مخصوصة اعتبرها الشرع، فإنه ما ورد شرع عن النبي - ﷺ -، ولا من الكتاب العزيز أن التيمم بدل، فلا فرق بين التيمم وبين كل طهارة مشروعة. وإنما قلنا مشروعة، لأنها ليست بطهارة لغوية.
واتفق علماء الشريعة على أن التيمم يجوز للمريض والمسافر. واختلفوا في المريض يجد الماء ويخاف من استعماله، فمن قائل بجواز التيمم له، وبه أقول ولا إعادة عليه. ومن قائل: لا يتيمم مع وجود الماء، سواء في ذلك المريض والخائف. ومن قائل: يتيمم، وإن وجد الماء قبل خروج الوقت توضأ وأعاد، وإن وجد الماء بعده لا إعادة عليه. واختلفوا في الحاضر إذا عدم الماء، فمن قائل: يجوز التيمم له، وبه أقول. ومن قائل: لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم الماء.
واختلف العلماء في الخائف من البرد، وإذا غلب على ظنه أنه يمرض باستعماله، فمن قائل: يجوز التيمم. ومن قائل: لا يجوز، وبالأول أقول.
واختلفوا فيه النية له، فمن قائل تحتاج. ومن قائل لا تحتاج، وبالأول أقول، لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة ٥]، والتيمم عبادة والإخلاص عين النية.
واختلفوا في اشتراط دخول الوقت في هذه الطهارة، فمن قائل، به أقول. ومن قائل بعدم هذا الشرط فيها.
واختلف العلماء في حد الأيدى في التيمم، فمن قائل مثل حدها في الوضوء. ومن قائل: هو مسح الكف فقط. ومن قائل: إن الاستحباب، والفرض الكفان. ومن قائل: إن الفرض إلى المناكب. والذى أقول به: إن أقل ما يسمى يدًا في لغة العرب يجب، فما زاد على
[ ٦٠٨ ]
أقل مسمى اليد إلى غاية فذلك له، وهو مستحب عندى.
واختلفوا في عدد الضربات على الصعيد، فمن قائل: واحدة. ومن قائل: إثنان. ومن قائل: ضربتان لليدين، وضربتان للوجه. ومذهبنا من ضرب واحدة أجزأت عنه، وحديث الضربة الواحدة أثبت، فهو أحب إلى. أهـ. ملخصًا.
(وأقول): إنى لم أعثر عليه في فتاويه. نعم، ورأيت ما يوافقه حاكيًا للأقوال، وهو قوله: مسألة - مسافر وصل الماء وقد ضاق الوقت ما يفعل؟ الجواب - إذا وصل الماء وقد ضاق الوقت، فإنه يصلى بالتيمم على قول جمهور العلماء. وكذا لو كان هناك بئر، ولكن لا يمكن أن يصنع حبلًا حتى يخرج الوقت فيتيمم.
وقد قال بعض الفقهاء: إنه يغتسل ويصلى بعد خرود الوقت، وهو ضعيف. فإذا علم المسافر أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضًا عليه أن يصلى بالتيمم باتفاق الأئمة، وليس له التأخير حتى يجد الماء. وهذا بخلاف المستيقظ آخر الوقت والماء حاضر، فإن هذا مأمور أن يغتسل ويصلى ووقته من حين يستيقظ لا من حين طلوع الفجر. بخلاف من كان يقظان عند طلوع الفجر، أو عند زوالها مقيمًا، أو مسافرًا، فالوقت في حقه من حينئذ، والله تعالى اعلم. أهـ.
ورأيت في محل آخر من فتاويه ما منه: ومن كان مستيقظًا في أول الوقت والماء بعيد عنه لا يدركه إلا بعد الوقت، فإنه يصلى في الوقت بالتيمم باتفاق العلماء. اما إذا استيقظ آخر وقت الفجر، وإذا اغتسل طلعت الشمس، فجمهور العلماء هنا يقولون: يغتسل ويصلى بعد طلوع الشمس، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأحد القولين في مذهب مالك رحمهم الله تعالى. وقال في القول الآخر: يتيمم أيضًا ويصلى في الوقت، كما
[ ٦٠٩ ]
تقدم في تلك المسائل. والصحيح هنا قول الجمهور، لأن الوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ، وقبل ذلك لم يكن وقتها في حقه.
وإذا كان كذلك، فإذا استيقظ قبل طلوع الشمس فلم يمكنه الاغتسال والصلاة إلا بعد طلوعها، فقد صلاها في وقتها، ولم يفوتها عن وقتها في حقه بخلاف من استيقظ أول الوقت.
وكذلك من نسى صلاة، فإذا ذكرها فإنه يغتسل ويصلى في اى وقت كان وهذا هو الوقت في حقه. وإذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، كما استيقظ الصحابة لما ناموا عن الصلاة عام خيبر، فإنه يصلى بالطهارة الكاملة وإن أخرها إلى حين الزوال، ولا يصلى هنا بالتيمم.
ويستحب أن ينتقل عن المكان الذى نام فيه كما انتقل - ﷺ -. وبالجملة فليس لأجد شغل يسقط عنه فعل الصلاة في وقتها، بل لا بد أن يصليها في الوقت، لكن يصلى بحسب حاله، فما قدر عليه فعله وما عجز عنه سقط عنه. أهـ.
(ولنذكر) من كلام أئمتنا الحنفية ما يقرب من أقوال الشيخ ابن تيميه، أو يوافقها بالقواعد المرعية، في هذه المسائل الفرعية. فمن ذلك ما ذكره في الدار المختار، وحاشيته رد المختار في بحث الغسل ما نصه: عليه غسل وثمة رجال لا يدعه وإن رأوه. والمرأة بين رجال ونساء تؤخره. لا بين نساء فقط. واختلف في الرجل بين رجال ونساء، أ، نساء فقد كما بسطه ابن الشحنة. وينبغي لها أن تتيمم وتصلى لعجزها شرعًا عن الماء. ولا يخفى أن تأخير الغسل لا يقتضى عدم التيمم، فإن المبيح له وهو العجز عن الماء قد وجد، والأشبه الإعادة بعد ذلك. واستظهر الرحمتى عدم الإعادة، قال: لأن العذر لم يأت من قبل المخلوق، فإن المانع لها الشرع والحياء، وهما من الله تعالى.
[ ٦١٠ ]
وفي باب التيمم منهما: من عجز عن استعمال الماء تيمم لبعده ميلًا أربعة آلاف ذراع أو خطوة، أو لمرض يشتد أو يمتد، أو برد يهلك الجنب أو يمرضه، ولو في المصر، وإذا لم تكن له أجرة حمام، ولا ما يدفيه، أى من ثوب يلبسه أو مكان يؤويه.
وكذلك يباح التيمم لخوف عدو أو عطش، أ، عدم آلة. وجاز التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة، أى ولو كان الماء قريبًا، أو كان المصلى جنبًا أو كونه إمامًا أو لا في الأصح، لأن المناط خوف الفوت لا إلى بدل. فجاز لكسوف، وخسوف، وسنن رواتب، كالسنن التى بعد الظهر والمغرب والعشاء والجمعة إذا أخرها، بحيث لو توضأ فات وقتها فله التيمم.
قال الطحاوى: والظاهر أن المستحب كذلك لفوته وقته، كما إذا ضاق وقت الضحى عنه وعن الوضوء فتيمم له، لا يجوز التيمم لفوت الجمعة ووقت لفواتها إلى بدل، أى فبدل الجمعة يصلى ظهرًا، وبدل الوقتيات قضاء.
وقال زفر: يتيمم لفوات الوقت. وفي القنية: أنه رواية عن مشايخنا قال البرهان الحلبي: فالأحوط أن يتيمم ويصلى ثم يعيد، وإنما أختار المشايخ قول زفر لقوة دليله، وهو أن التيمم إنما شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، فيتيمم عند خوف فوته.
قال ابن الهمام: ولم يتجه لهم عليه سوى أن التقصير جاء من قبله فلا يوجب الترخيص عليه، وهو إنما يتيمم إذا أخر لا لعذر. أهـ.
وأقول: إذا أخر لا لعذر، فهو عاص. والمذهب عندنا أنه كالمطيع في الرخص. نعم، وتأخير إلى هذا الحد عذر جاء من قبل غير صاحب الحق، فينبغي أن يقال: يتيمم ويصلى، ثم يعيد الوضوء، كمن عجز بعذر من قبل
[ ٦١١ ]
العباد. ونقل الزاهدى في شرحه هذا الحكم عن الليث بن سعد. وقد ذكر ابن خلكان: أنه كان حنفي المذهب. أهـ. ما في الحلية.
وهذا قول متوسط بين القولين، وفيه الخروج عن العهدة بيقين، ولا سيما وابن الهمام يميل إلى ترجيح قول زفر، وأنه رواية عن مشايخنا الثلاثة. ونظير هذا مسألة الضيف الجنب الذى خاف ريبة، فإنهم قالوا: يصلى بالتيمم مع وجود الماء، ثم يعيد. أهـ. باختصار.
وإن أردت زيادة الاطلاع على نظائر هذه المسائل وتفصيل الدلائل فارجع إلى الكتب المطولة، وبما ذكرناه من أقوال العلماء والقواعد التى زبرتها الأجلاء، تبين توجيه ما أختاره الشيخ فتدبر ذلك، أظنك تسلك به إن شاء الله تعالى أحسن المسالك.
[مدة الحيض]
(قال ابن رجب: واختار أن لآحد لأقل الحيض، ولا لأكثرة ألخ)
أقول: نقل في شرح الملتقى من كتب الحنفية أنه لأحد لأكثر الحيض، ولا لأقله عند الإمام مالك.
وقال الشعراني في الميزان، وقال مالك والشافعي: إنه ليس لأمد انقطاع الحيض مدة معينة، وإنما الرجوع فيه إلى إعادة البلدان، فإنه يختلف باختلافها في الحرارة والبرودة.
وفي الفتوحات: وأما أقل الحيض، فمن قال لا حد لأقله، وبه أقول، فإن أقل الحيض عندنا دفعه. أهـ.
وفي الدرر البهية للشوكاني، وشرحه الروضة الندية لشيخنا أبي الطيب القنودي: ولم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة وكذلك الطهر، لأن ماورد في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة وكذلك الطهر، لأن ما ور د في تقدير الحيض والطهر وأكثرهما، فهو إما موقوف، ولا تقوم به الحجة، أو مرفوع ولا يصح. فلا تعويل على ذلك ولا رجوع
[ ٦١٢ ]
إليه، بل المعتبر لذات العادة المتقررة هو العادة. وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم. أهـ.
[مسافة القصر]
(قال ابن رجب: وقال القصر يجوز في قصير السفر وطويله كالظاهرية) .
أقول: من أدلة داود، أهل الظاهر على ذلك قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوًا مبينًا﴾، وخصوا أيضًا القصر بصلاة السفر. غير أنهم اختلفوا في مدته، فروى عن عمر أنه قال: يقصر في يوم تام، وبه قال الزهرى والأوزاعي.
وقال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر.
وقال أنس بن مالك: المعتبر خمس فراسخ.
وقال الحسن: مسيرة ليلتين، وقال الشعبي والمخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وإليه ذهب إمامنا أبو حنيفة رحمه الله تعالى. وقال مالك والشافعي: أربعة برد، كل يريد أربعو فراسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد النبي - ﷺ -، هو الذى قدر أميال البادية، كل ميل أثني عشر ألف قدم، وهي أربعة ألاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدم خطوة. فالحنفية استدلت بقوله - ﷺ -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام» وهذا يقتضى أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام ألا يكون مسافرًا وإذا لم يكن مسافرًا لم تحصل له الرخص المشروعة في السفر.
وأما الشافعية فاستدلوا بما رواه ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه
[ ٦١٣ ]
وسلم - أنه قال: «يأهل مكة، لا تقصرة في أدنى من اربعة برد من مكة إلى عسفان» . قالت الظاهرية: أضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلًا قويًا في تقدير المدة. وأدلة الحنفية والشافعية تعارضت فتساقطت، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن، وهو مقطوع المتن والخبر، مظنون المتن لأنه خبر واحد. فكان القرآن أقوى دلالة فلزم العمل به. وإن أردت استقصاء أدلتهم وأدلة غيرهم فارجع إلى تفسير الفخر وغيره. وقد تراءى لك أن الشيخ ابن تيمية وافق في ذلك سادات، أقوالهم مرضية والحمد لله سبحانه.
[هل تستبرأ البكر؟]
(قال ابن رجب: واختار أن البكر لا تستبرأ) .
أقول: قال في الميزان: قال الأئمة الثلاثة إنه لا فرق في وجوب الاستبراء بين الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب.
وقال مالك: إنها إن كانت ممن يوطأ مثلها لا يجوز وطؤها قبل الاستبراء. وإن كانت ممن يوطأ مثلها جاز وطؤها من غير استبراء.
وقال داود: لا يجب استبراء البكر. أهـ. وقد علمت من كلام ابن رجب أنه قول ابن عمر، واختاره البخارى أيضًا فليفهم.
قال ابن رجب: واختار أن كل من أكل في شهر رمضان أنه دليل لا قضاء عليه.
[هل يقضى من أكل في وقت الصوم يظنه بليل]
أقول: قال الشعراني: أتفق الأئمة على أنه لو أكل شاكًا في طلوع الفجر ثم بان أنه طلع بطل صومه.
وقال عطاء وداود وإسحق: إنه لا قضاء عليه.
وحكى عن مالك: أنه يقضى في الفرض. أهـ.
[ ٦١٤ ]
وقال ابن رجب: إنه الصحيح عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم. أهـ. فليحفظ.
[المسابقة]
(قال ابن رجب: والقول بجواز المسابقة بلا محل، وإن أخرج المستبقان)
أقول: إنى عثرت في كتب الشيخ ابن تيمية عليه الرحمة التى عندى على مفصل بحث المسابقة، غير أنى وجدت له عبارة توافق أقوال العلماء استطردها في بحث حرمة الشطرنج والنرد ما نصها: قال الذين لم يحرموا الشطرنج كطائفة من اصحاب الشافعي عليه الرحمة وغيرهم اعتقدوا أن لفظ الميسر لا يدخل فيه إلا ما كان قمارًا فيحرم لما كان فيه من أكل المال بالباطل، كما يحرم مثل ذلك في المسابقة والمناضلة، فإنه لو أخرج كل منهما السبق ولم يكن بينهما محلل حرموا ذلك لأنه قمار. وفي السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار» . أهـ.
ولنذكر ما قاله علماء المذاهب الأربعة في بحث المسابقة على وجه الاختصار، لتتضح المسألة لذوى الأبصار.
فاعلم أن المسابقة بين الخيل كما قال الإمام النووى والشافعي في شرح صحيح مسلم: أختلف العلماء فيها هل هي مباحة أم مستحبة؟ ومذهب اصحابنا أنها مستحبة. وأجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع أنواع الخيل: قويها مع ضعيفها، وسابقها مع غيره، سواء كان معها ثالث أو لا. فأما المسابقة بعوض فجائزة بالإجماع، لكن بشرط أن يكون العوض من غير المتسابقين، أو يكون بينهما، ويكون معهما محلل ثالث على فرس مكافئ لفرسيهما، ولا يخرج المحلل من عنده شيئًا ليخرج هذا العقد من صورة القمار. أهـ.
[ ٦١٥ ]
وفي شرح المنهاج: ويجوز شرط المال من غيرهما، بأن يقول الإمام أو أحد الرعية من سبق منكما فله من بيت المال أو على كذا.
ومن أحدهما فيقول: إذا سبقتنى فلك على كذا، وإن سبقتك فلا شئ عليك، لأن المقصد خلو العقد عن القمار، فإن المخرج حريص على أن يسبق كي لا يغرم. والآخر حريص عليه ليأخذ.
وعن مالك لا يجوز. لأنه نوع من القمار، فإن شرط أن يسبق من سبق فله على الآخر. كذا لم يصح إلا بمحلل فرسه كفء لفرسيهما، لأن ذلك يخرج العقد عن صورة القمار.
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار» صحح ابن حبان.
وقيل: لا يجوز. ولا اعتبار بالمحلل، لأن كلا منهما قد يغتم وقد يغرم وذلك قمار - والمذهب الأول. أهـ.
وقال ابن حجر في التحفة: ولو كانوا عشرة وشرط لكل واحد سوى الأخير مثل أو دون من قبله جاز على ما في الروضة. أهـ، وقد نظم أسماءها شارح المنهاج فقال: [رجز] .
مهمة خيل السبق عشره في الشرح دون الروضة المعتبرة
وهي مجل ومصل تالى والبارع المرتاح بالتوالى
ثم حظى عاطف مؤمل ثم السكيت والأخير الفسكل
وفي الدر المختار الحنفي ما نصه: ولا بأس بالمسابقة في الرمي والفرس والبغل والحمار والإبل وعلى الأقدام، لأنه من أسباب الجهاد فكان مندوبًا، وعند الثلاثة لا يجوز في الإقدام، أى بالجمل، أما بدونه فيباح في كل الملاعب. وحل الجعل إن شرط المال من جانب واحد، وحرم لو شرط من
[ ٦١٦ ]
الجانبين لأنه يصبح قمارًا، لأن القمر الذى يزداد تارة وينتقص أخرى وسمى القمار قمارًا، لأن واحد من المقامرين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه، ويجوز أن يستفيد مال صاحبه وهو حرام بالنص. ولا كذلك إذا شرط من جانب واحد، لأن الزيادة والنقصان لا تمكن فيهما، بل في أحدهما تمكن الزيادة، وفي الآخر إلا نتقاض فقط فلا تكون مقامرة، لأنها مفاعلة منه إلا إذا أدخلا ثالثًا محللًا بينهما بفرس كفء لفرسيهما يتوهم أن يسبقهما، وإلا لم يجز. ثم إذا سبقهما أخذ منهما، وإن سبقاه لم يعطيهما، وفيما بينهما أيهما سبق أخذ من صاحبه. أهـ. بضم من الحاشية وبقى فيها زيادة بيان.
وفي شرح الزرقاني لموطإ الإمام ما نصه: عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد ابن المسيب يقول: ليس برهان الخيل بأس، وغن لم يكن في حديث ابن عمر المذكور عند مالك والأئمة الستة، لأنه جاء في بعض طرقه عند احمد من رواية عبد الله عن نافع عن ابن عمران أن النبي - ﷺ - «سابق بين الخيل وراهن» وقد اتفقوا على جواز المسابقة بعوض بشرط كونه من غير المتسابقين، كما قال: إذا دخل فيها محلل فإن سبق (بالبناء للفاعل) أخذ السبق (بفتحتين) أى الرهن الذى يوضع لذلك، وإن سبق لم يكن عليه شئ بشرط ألا يخرج المحلل من عنده شيئًا، ليخرج العقد من صورة القمار. وهو أن يخرج كل منهما سبقًا، فمن غلب أخذه، فهذا ممنوع اتفاقًا. وأجمعوا على جواز المسابقة بلا عوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل لحديث: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» رواه الترمذى.
وخصه بعض العلماء بالخيل، أجازه عطاء في كل شيء. أهـ.
وفي شرح الدليل من كتب الحنبلية ما نصه:
الخامس: الخروج عن شبه القمار بأن يكون العوض من واحد، فإن أخرجا معًا بأن أخرج كل من المتسابقين شيئًا لم يجز
[ ٦١٧ ]
إلا بمحلل لا يخرج شيئًا، ولا يجوز كون المحلل أكثر من واحد يكافئ مركوبة مركوبيها في المسابقة، فإن سبقا معًا أى سبق المخرجان المحلل ولم يسبق أحدهما الآخر أحرزا سبقيهما، أى أحرز كل واحد منهما ما أخرجه لأنه لا سابق فيهما. ولا شء للمحلل، لأنه لم يسبق واحدًا منهما، ولم يأخذا من المحلل شيئًا لأنه لم يشترط عليه من سبقه شيئًا. وإن سبق أحدهما - أى أحد المخرجين - صاحبه أو سبق المحلل أحرز السبقتين، لأنهما قد جعلاه لمن سبق. أهـ. وبقى في صورة المسابقة كلام يطلب من محله. والحاصل أنى لم أعثر للشيخ ابن تيمية على كلام مغاير لكلامه الأول، أو لكلام الجمهور الذى عليه المعول، ولئن سلمنا صحة النقل عنه فيما يخالف الجمهور فلابد أن يكون لمستند من قياس أو خبر مأثور، أو اختيار لقول مجتهد مهجور، قد تبينت عنده ادلته، وثبتت لديه ارجحيته لقوة الدليل والله سبحانه الموفق للصواب وهو يهدى السبيل. فتدبر ولا تفغل.
(قال ابن رجب: والقول باستبراء المختلعة بحيضه) -
أقول وبالله تعالى التوفيق: قال العلامة ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين ما نصه:
فصل
[استبراء المختلعة]
كلام دقيق لابن القيم في أنواع العدة وتعطيلها
وأما تفريقه في العدة بين الموت والطلاق وعدة الحرة وعدة الأمة، بين الاستبراء والعدة، مع أن المقصود العلم ببراءة الرحم في ذلك كله، فهذا إنما يتبين وجهه إذا عرف الحكمة التى لأجلها شرعت العدة، وعرفت أجناس العدة وأنواعها. فأما المقام الأول - ففي شرع العدة حكم مع العلم ببراءة الرحم،
[ ٦١٨ ]
ألا يجتمع ماء الوطأين وأكثر، فتختلط الأنساب وتفسد. وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة. ومنها تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره، وإظهار شرفه. ومنها تطويل زمان الرجعة للمطلق، إذ لعله يندم فيصادف زمنًا يتمكن من الرجعة. ومنها قضاء حق الزواج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل، ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. ومنها الاحتياط لحق الزوج ومصلحة الزوجة، وحق الولد والقيام بحق الله الذى أوجبه. ففي العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشارع الموت مقام الدخول في استيفاء العقود عليه، فإن النكاح مدة الممر، ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق، وفي تحريم الريبة عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم، كما هو مذهب زيد بن ثابت - ﵁ - والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه.
فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها.
المقام الثاني في أجناسها. وهي أربعة في كتاب الله تعالى، وخامس في سنة رسول الله - ﷺ -. فالجنس الأول من أرباب العدة - ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق ٤] .
الثاني - ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بانفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ [البقرة ٢٣٤] .
والثالث - ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة ٢٢٨] .
والرابع - ﴿واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ [الطلاق ٤] .
والخامس - قول النبي - ﷺ -: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» مقدم هذه الأجناس الحاكم عليها
[ ٦١٩ ]
كلها - وضع الحل، فإذا وجد فالحكم له ولا التفات إلى غيره. وقد كان بين السلف نزاع في المتوفي عنها أنها أبعد الأجلين، ثم حصل الاتفاق على أنقضائها بوضع الحمل.
وأما عدة الوفاة فتجب بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة واتفاق الناس، فإن الموت لما كان انتهاء العقد وانقضاءه واستقرت به الأحكام من التوراث واستحقاق المهر، وليس المقصود بالعدة ههنا مجرد استبراء بحيضة واحدة، ولا ستواء الصغيرة والأيسة وذوات القرء في مدتها. فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبد محض لا يعقل معناه. وهذا باطل لوجوه:
منها - أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة، يعقله من عقله، ويخفى على من خفى عليه.
ومنها - أن العدة ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حق الصغيرة والكبيرة، العاقلة، والمجنونة، والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية.
ومنها - ان رعاية حق الزوجين والولد والزوج ظاهر فيها.
والصواب أن يقال: هي تحريم لانقضاء النكاح لما كمل. ولهذا تجد فيها رعاية لحق الزوج وحرمة له. ألا ترى أن النبي - ﷺ - كان من احترامه ورعاية حقوقه تحريم نسائه بعده، ولما كان نساؤه في الدنيا هن نساءه في الآخرة قطعًا لم يحل لأحد أن يتزوج بهن بعده بخلاف غيره، فإن هذا ليس معلومًا في حقه. فلو حرمت المرأة على غيره لتضررت ضررًا محققًا بغير نفع معلوم. ولكن لو تأيمت على أولادها كانت محمودة على ذلك. وقد كانوا في الجاهلية يبالغون في أحترام حق الزوج، وتعظيم حرمة هذا العقد غاية
[ ٦٢٠ ]
المبالغة من تربص سنة في شر ثيابها وحفش بيتها، فخفف الله تعالى عنهم ذلك بشريعته التى جعلها رحمة وحكمة ومصلحة ونعمة، بل هي من أجل نعمة عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله.
وكانت أربعة أشهر وعشرًا على وفق الحكمة والمصلحة، إذ لا بد من مدة مضروبة لها، وأولى المدد لذلك المدة التى يعلم فيها وجود الولد وعدمه، فإنه يكون أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين مضغة - فهذا أربعة أشهر. ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع، وقدر بعشرة أيام، لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمل.
فصل
وأما عدة الطلاق فلا يمكن تعليلها بذلك، لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق، ولا ببراءة الرحم، لأنها تحصل بحيضة كالاستبراء، وإن كان ببراءة الرحم بعض مقاصدها. ولا يقال: هي تعبد لما تقدم، وإنما يتبين حكمها إذا عرف ما فيها من الحقوق، ففيها حق الله سبحانه، وهو أمتثال أمره وطلب مرضاته. وحق للزوج المطلق، وهو اتساع زمن الرجعة له. وحق للزوجة، وهو استحقاقها النفقة والسكنى مادامت في العدة. وحق للولد، وهو الاحتياط في ثبوت نسبه، وأن لا يختلط بغيره. وحق للزوج الثاني، وهو أن لا يسقى ماؤه زرع غيره. فرتب الشارع على كل واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام، فرتب على رعاية حق لزوم المنزل، وأنها لا تخرج ولا تخرج، هذا موجب القرآن، ومنصوص إمام اهل الحديث أهل الرأى. ورتب على حق المطلق تمكينه من الرجعة مادامت في العدة، وعلى حقها استحقاق النفقة والسكنى، وعلى حق الولد ثبوت نسبه وإلحاقه بأبيه دون غيره، وعلى حق الزوج الثاني دخوله على بصيرة ورحم برئ غير مشغول بولد غيره
[ ٦٢١ ]
فكان في جعلها ثلاثة قروء رعاية لهذه الحقوق، وتكميلًا لها. وقد دل القرآن على أن العدة حق للزوج عليها بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمال كم لعيهن من عدة تعتدونها﴾ فهذا دليل على ان العدة للرجل على المرأة بعد المسيس. وقال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ فجعل الزوج أحق بردها في العدة، فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربص، لينظر في أمرها هل يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان؟ كما جعل الله سبحانه للمولى تربص أربعة أشهر، لينظر في أمره هل يفئ أو يطلق، وكما جعل مدة تخيير الكفار أربعة أشهر، لينظروا في أمرهم ويختاروا لأنفسهم. فإن قيل: هذه العلة باطلة، فإن المختلعة والمسفوخ نكاحها بسبب من الأسباب، والمطلقة ثلاثًا، والموطوءة بشبهه، والمزنى بها تعتد ثلاثة قروء، ولا رجعة هناك، فقد وجد الحكم في صورة ثابتًا بنص أو إجماع، وأما كونه قولًا لبعض العلماء فلا يمكن النقض به.
وقد أختلف الناس في عدة المختلعة، فذهب إسحاق وأحمد في أصح الروايتين عنه دليلًا أنها تعتد بحيضة واحدة. وهو مذهب عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس - ﵁ -. وقد حكى إجماع الصحابة ولا يعلم له مخالف. وقد دلت عليه سنة رسول الله - ﷺ - الصحيحة دلالة صريحة. وعذر من خالفها أنها لم تبلغه أو لم تصح عنده، أو ظن الإجماع على خلاف موجبها، فهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر. أما رجحانه أثرًا فإن النبي - ﷺ - لم يأمر المختلعة قط أن تعتد ثلاث حيض، بل قد روى اهل السنن عنه ﵊ من حديث الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس ضرب أمرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي،
[ ٦٢٢ ]
فأتى أخوها يشتكى إلى رسول الله - ﷺ -، فأرسل ﵊ إلى ثابت فقال: «خذ الذى لها عليك، وخل سبيلها» قال نعم. فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها. وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس - ﵁ -: أن أمرأة ثابت بن قيس أختلعت من زوجها، فأمرها النبي - ﷺ -، أو أمرت أن تعتد بحيضة. قال الترمذى: الصحيح أنها تعتد بحيضة. وهذه الأحاديث لها طرق يصدق بعضها بعضًا. وأعل الحديث بعلتين:
إحداهما: إرساله.
والثاني: أن الصحيح فيه «امرت» بحذف الفاعل، والعلتان غير مؤثريتن فإنه قد روى من وجوه متصلة، ولا تعارض بين «أمرت، وأمرها رسول الله - ﷺ -» إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله - ﷺ - في حياته، وإذا كان الحديث قد روى بلفظ محتمل، ولفظ صريح يفسر المحتمل ويبينه فكيف يجعل المحتمل معارضًا للمفسر بل مقدمًا عليه؟ ثم يكفى في ذلك فتاوى النبي - ﷺ -.
قال أبو جعفر النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ: هو إجماع من الصحابة. وأما اقتضاء النظر له فإن المختلعة لم يبق لزوجها عليها عدة، وقد ملكت نفسها أو صارت أحق ببعضها، فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها، فصارت العدة في حقها براءة الرحم. وقد رأينا الشريعة جاءت في غير هذا النوع بحيضة واحدة، جاءت في ذلك في المسبية والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرع، والمهاجرة من دار الحرب، ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية،
[ ٦٢٣ ]
والمختلعة فرع متردد بين هذين الأصلين، فينبغي إلحاقها بأشبهها بها، فنظرنا فإذا هي بذوات الحيضة أشبه.
ومما يبين حكمة الشريعة في ذلك: أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام:
أحدها - المفارقة قبل الدخول فلا عدة عليها إذ لا رجعة فيها.
الثاني - المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة، فجعل عدتها ثلاثة قروء، ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم، كما هو مصرح به في القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة ٢٢٨]، وكذا في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حق من إذا بلغت أجلها خبر زوجها بين إمساكها بمعروف أو مفارقتها بإحسان وهي الرجعية قطعًا فلم يذكر الأقراء وبدلها في حق بائن ألبته.
القسم الثالث - من بانت عن زوجها وانقطع حقه عنها بسبى أو هجرة أو خلع فجعل عدتها حيضة بالاستبراء، ولم يجعلها ثلاثًا، إذ لا رجعة للزوج، وهذا في غاية الظهور والمناسبة.
وأما الزانية والموطوءة بشبهة فموجب الدليل أنها تستبرأ بحيضة فقط ونص عليه أحمد في الزانية، واحتاره شيخنا ابن تيمية في الموطوءة بشبهة وهو الراجح، وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده.
فإن قيل: فهب هذا قد سلم لكم فيما ذكرتم من الصور، فإنه لا يسلم معكم في المطلقة ثلاثًا، فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حق زوجها من الرجعة، والقصد مجرد استبراء رحمها.
قيل: نعم، هذا سؤال وارد. وجوابه وجهين:
[ ٦٢٤ ]
أنه قد أختلف في عدتها، هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد؟ فالجمهور، بل الذى لا يعرف الناس غيره أنها ثلاثة قروء، وعلى هذا فيكون وجهه أن المطلقة الثالثة كانت من جنس الأوليين فأعطيت حكمها ليكون باب الطلاق كله بابًا واحدًا، فلا يختلف حكمه، والشارع إذا علق الحكم بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلف تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعًا من ترتب الحكم، بل هذه قاعدة الشريعة وتصرفها في مصادرها ومواردها.
الوجه الثاني - أن الشارع حرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره عقوبة له، ولعن المحلل والمحلل له لمناقضتهما ما قصد الله سبحانه من عقوبة، وكان من تمام هذه العقوبة أن طول مدة تحريمها عليه، وكان ذلك أبلغ فيما قصده بتزوجها آخر نكاح رغبة مقصودًا، لا تحليل موجب اللعنة، ويفارقها وتعتد من فراقه ثلاثة قروء أخر - طال عليه الانتظار وعيل صبره فأمسك عن الطلاق الثلاث. وهذا واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر، وكان التربص بثلاثة قروء في الرجعية نظرًا للزوج، ومراعاة لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرمة لها عليه. وههنا كان تربصها عقوبة له وزجرًا لما أوقع الطلاق المحرم لما أحل الله له. وأكدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربص ثان.
وقيل: بل عدتها حيضة واحدة، وهو اختيار أبي الحسين بن اللبان، فإن كان مسبوقًا بالإجماع فالصواب اتباع الإجماع، وألا يلتفت إلى قوله، وإن لم يكن في المسألة إجماع فقوله ظاهر: والله تعالى أعلم.
فإن قيل: قد جاءت السنة بأن المخبرة تعتد ثلاث حيض، كما رواه ابن ماجه من حديث عائشة - ﵁ - قالت: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض. قيل: ما أصرحه من حديث لو ثبت، ولكنه حديث منكر بإسناد
[ ٦٢٥ ]
مشهور. وكيف يكون عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول: الأقراء الأطهار، فإن صح الحديث وجب القول به ولم يسع مخالفته، ويكون حكمها حكم المطلقة ثلاثًا في اعتدادها بثلاثة قروء، ولا رجعة لزوجها عليها، فإن الشارع يخصص بعض الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن ببعض الأحكام، وإن لم يظهر لنا موجب التخصيص. فكيف وهو ظاهر في مسألة المخيرة فإنها لو جعلت عدتها حيضة واحدة لبادرت إلى التزوج بعدها، أيس منها زوجها. فإذا جعلت ثلاث حيض طال زمن انتظارها وحسبها عن الأزواج، ولعلها تتذكر زوجها فيها وترغب في رجعته، ويزول ما عندها من الوحشة.
ولو قيل: إن اعتداد المختلعة بثلاث حيض لهذا المعنى بعينه لكان حسنًا على وفق حكمه الشارع، ولكن هذا مفقود في المسبية والمهاجرة والزانية والموطوءة بشبهة.
فإذا قيل: فهب أن هذا كله قد سلم لكم، فكيف يسلم لكم في الآيسة والصغيرة التى لا يوطأ مثلها.
قيل: هذا إنما يرد على من جعل علة العدة مجرد براءة الرحم فقط. ولهذا أجابوا عن هذا السؤال: بأن العدة ههنا شرعت تعبدًا محضًا غير معقول المعنى. وأما من جعل هذا بعض مقاصج العدة فإن لها مقاصد أخرى من تكميل شان هذا العقد واحترامه، وإظهار خطره وشرفه، فجعل له حريم بعد انقطاعه بموت أو فرقة، فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها، ولا بين الصغيرة والكبيرة، مع أن المعنى الذى طولت له العدة في حق الرجعية والمطلقة ثلاثًا موجود بعينه في الآيسة والصغيرة. وكان مقتضى الحكمة التى تضمنت النظر في مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي وعقوبته، وزجره في الطلاق المحرم - التسوية بين النساء في ذلك. وهذا ظاهر جدًا وبالله تعالى
[ ٦٢٦ ]
التوفيق. أنتهى. وإنما سقته بطوله لأنه قلما يوجد في كتاب، ومنه اتضح سبب الاختيار في هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب.
[وطء الوثنيات بملك اليمين]
(قال ابن رجب: والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين)
أقول: قال الشعراني في الميزان: واتفقوا على انه لا يجوز لمن يحل له نكاح الكفار وطء إمائهم بملك اليمين. خلافًا لأبي ثور فإنه قال: يجوز وطء جميع الإماء بملك اليمين على أى دين كن. أنتهى فليتدبر.
[بيع الأصل بالعصير]
(قال ابن رجب: والقول بجواز بيع الأصل بالعصير كالزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج)
قال الإمام النووى في شرح صحيح مسلم (عند حديث ابن عمر): نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة، والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا. وبيع الزبيب بالعنب كيلًا، وعن كل ثمر بخرصه.
وفي حديث أبي هريرة: رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أو سق ما نصه: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرايا باتباع بخرصها. فيه تحريم بيع الرطب بالتمر، وهو المزابنة، كما فسر في الحديث، مشتقة من الزبن وهو المخاصمة والمدافعة. وقد أتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وأنه ربًا. وأجمعوا أيضًا على تحريم بيع العنب بالزبيب. وأجمعوا أيضًا على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة، مأخوذة من الحقل وهو الحرث، وموضع بالزرع. وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعًا. وقال أبو حنيفة إن كان مقطوعًا جاز بيعه بمثله من اليابس.
[ ٦٢٧ ]
وأما العرايا فهي أن يخرص الخارص بخلات فيقول: هذا الرطب الذى عليها إذا يبس تجئ منه ثلاثة أوسق من التمر مثلاص، فيبيعه صاحبه لأنسان بثلاثة أوسق تمر، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشترى التمر، ويسلم بائع الرطب الرطب بالتخليه. وهذا جائز فيما دون خمسة أو سق، ولا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق.
وفي جوازه في خمسة أوسق للشافعي، أصححها: لا يجوز لأن الأصل تحريم بيع التمر بالرطب وجاءت العرايا رخصة. وشك الراوى في خمسة أوسق أو دونها فوجب الأخذ باليقين وهو دون خمسة أوسق، وبقيت الخمسة على التحريم. والأصح أنه لا يجوز ذلك للفقراء والأغنياء، وأنه لا يجوز في غير الرطب والعنب من الثمار. وفيه قول ضعيف: أنه يحتص بالفقراء. وقول أنه لا يختص بالرطب والعنب. هذا تفصيل مذهب الشافعي في العربة، وبه قال أحمد وآخرون، وتأولها مالك وأبو حنيفة على غير هذا، وظواهر الأحاديث ترد تأولهما. أهـ.
وقال في الميزان. قال الأئمة الثلاثة: لا يجوز بيع حيوان يؤكل بلحم من جنسه. مع قول أبي حنيفة إن ذلك جائز. وقال مالك والشافعي: إنه لا يجوز بيع دقيق الحنطة بمثله، مع قول أحمد بجوازه، مع قول أبي حنيفة أنه يجوز بيع احدهما بالآخر إذا استويا في النعومة والخشونة. أهـ.
ومن ذلك ومما سيأتى قريبًا إن شاء الله تعالى تعلم وجه ما أختاره الشيخ ابن تيميه، وأنه من جملة المسائل الاجتهادية. فليفهم.
[بيع الفضل بالمصنوع متفاضلًا]
(قال ابن رجب: والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلى متفاضلًا وجعل الزائد مقابلًا للصنعة) .
[ ٦٢٨ ]
وقال الإمام النووى في شرحه لصحيح مسلم: وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه، قال الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ والأحاديث فيه كثيرة مشهورة.
ونص النبي - ﷺ - في هذه الأحاديث على تحريم الربا في ستة أشياء: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. فقال أهل الظاهر: لا ربا في غير هذه الستة بناء على أصلهم في نفى القياس. وقال جميع العلماء سواهم: لا يختص بالستة، بل يتعدى إلى ما في معناها وهو يشاركها في العلة.
وأختلفوا في العلة التى هي سبب تحريم الربا في الستة، فقال الشافعي: العلة في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان، فلا يعتدى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات وغيرها لعدم المشاركة. قال: والعلة في الأربعة الباقية كونها مطعومة فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم.
وأما مالك فقال: في الذهب والفضة كقول الشافعي - ﵁ - وقال في الأربعة: العلة فيها كونها تدخر للقوت وتصلح له، فعداه إلى الزبيب لأنه كالتمر، وإلى القطنية (١) لأنها في معنى البر والشعير.
وأما أبو حنيفة فقال: العلة في الذهب الفضة الوزن، وفي الأربعة الكيل فيتعدى إلى كل موزون من نحاس وحديد وغيرهما، وإلى كل مكيل كالجص والأشنان وغيرهما.
وقال سعيد ابن المشيب واحمد والشافعي في القديم: العلة في الأربعة كونها مطعومة موزونة أو مكيلة بشرط الأمرين، فعلى هذا لا ربا في البطيخ والفرجل ونحوه مما لا يكال ولا يوزن.
_________________
(١) القطنية - بالضم وبالكسر - الثياب. وحبوب الأرض. أو ما سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر. أو هي الحبوب التى تطبخ.
[ ٦٢٩ ]
وأجمع العلماء على جواز بيع الربوى بربوى لا يشاركه في العلة متفاضلًا مؤجلًا، وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل.
وأجمعوا على ظانه لا يجوز بيع الربوى بجنسه وأحدهما مؤجل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالًا، كالذهب بالذهب. وعلى أنه لا يجوز التفرق بين التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة، كالذهب بالفضة إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة، كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير. وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدًا بيد، كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شء من هذا إلا ما سنذكره إن شاء الله تعالى عن ابن عباس في تخصسص الربا بالستة.
قال العلماء: إذا بيع الذهب بذهب، أو الفضة بفضة سميت مراطلة. وإذا بيعت الفضة بذهب سميت صرفًا لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التفاضل والتفرق قبل القبض والتأجيل. وقيل: من صريفها وهو تصوبتهما في الميزان. أنتهى.
[تفصيل مسائل الربا]
وقال الشعراني في كتابه الميزان ما نصه: وقال جماعة من الصحابة: إن الربا خاص بالنسيئة، فلا يحرم التفاضل. أهـ.
ولنذكر من كلام الفهامة ابن القيم ما يفصل مسائل الربا للمعترض والمتعلم، فقد قال في كتابه إعلام الموقعين ما نصه:
فصل
وأما حرمة بيع مد حنطة وحفنة، وجواز بيعة بقفيز شعير فهذا من محاسن الشريعة التى لا يهتدى إليها إلا أولو العقول الوافرة، ونحن نشير إلى
[ ٦٣٠ ]
حكمه ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة. وشرع الرب سبحانه وحكمته فوق عقولنا، فيقول: الربا نوعان: جلى وخفى، فالجلى حرم لما فيه من الضرر العظيم. والخفى حرم لأنه ذريعة إلى الجلى. فتحريم الأول قاصدًا، وتحريم الثاني وسيلة.
فأما الجلى فربا النسيئة، وهو الذى كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده ألافًا مؤلفة. وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدوم محتاج. فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصير عليه بزيادة يبذلها له تكليف بذلها ليفتدى من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر.
فمن رحمة أرحم الراحمين، وحكمته وإحسانه إلى خلقه: أن حرم الربا ولعن آكله وموكله، وكاتبه وشاهديه، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله - ﷺ -، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذه كان من أكبر الكبائر.
وسئل الإمام أحمد عن الربا الذى لا يشك فيه فقال: هو أن يكون له دين فيقول له: أتقضى أم تربي؟ فإن لم يقضه زاد في المال، وزاده هذا في الأجل.
وقد جعل الله ﷿ الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدق، قال تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربى الصدقات﴾ [البقرة ٢٧٦]، وغير ذلك من الآيات. وفي الصحيحين: «إنما الربا في النسيئة» ومثل هذا يرد به حصر الكمال، وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون
[ ٦٣١ ]
الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ . وقول ابن مسعود: إنما العالم الذى يخشى الله تعالى.
فصل
[ابن القيم يرى أن ربا الفضل حرم سدًا للذرائع]
وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع، كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدرى عن النبي - ﷺ -: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإنى أخاف عليكم الرماء»: هو الربا.
فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذى بين النوعين. إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة وغير ذلك - تدعو بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدًا.
فمن حكمة الشارع - ﷺ - أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا او نسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة، فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها، فطائفة قصرت التحريم عليها، وأقدم من يروى عنه هذا مذهب قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس. قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة امتنع القياس.
وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه، هذا مذهب عمار وأحمد
[ ٦٣٢ ]
في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة، وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن أحمد وقول الشافعي.
وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه، وهو قول مالك، وهو أرجح هذه الأقوال، كما ستراه إن شاء الله تعالى.
وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما مونها موزونين وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة.
وطائفة أجمعوا على جواز إسلامهما في المزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا، فإن ما يجرى في الربا إذا أختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا أنتقضت من غير فرق مائز دل على بطلانها.
وأيضًا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمينة، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذى به بعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع.
وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حاله واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة ترتفع وتنخفض
[ ٦٣٣ ]
فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم، الضرر اللاحق بهم حين أتخذت الفلوس سلعة بعد الربح، فعم الضرر، وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هب بغيرها لصلح أمر الناس.
فلو ابيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل أن يعطى صحاحًا ويأخذ مكسرة أو خفاقًا، ويأخذ ثقالًا أكثر منها لصارت متجراص، وجر ذلك ربا النسيئة فيها ولا بد، فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود إلى سائر الموزونات.
فصل
وأما الأصناف الربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها، لأنها أقوات العالم وما يصلحها، فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها إلى اجل. سواء اتحد الجنس أو أختلف ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالًا متفاضلًا وإن أختلف صفاتها، وجوز لهم التفاضل فيها مع أختلاف أجناسها.
وسر ذلك والله تعالى أعلم إنه لو جوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح، وحينئذ تشخ نفسه حالة لطمعه في الربح، فيعز الطعام على المحتاج ويشتد ضرره، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير، ولا سيما أهل العمود والبوادى، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام، فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء فيها لدخلها إما أن يربى، فيصير الصاع الواحد قفزانًا كثيرة عن النساء، ثم فطموا عن بيعها
[ ٦٣٤ ]
متفاضلًا يدًا بيد، إذ يجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى التجارة فيها نساء، وهو عين المفسدة.
وهذا بخلاف الجنسين المتباينين فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة ففي إلزامهم المساواة في بيعها إضرار بهم ولا يفعلونه، وفي تجويز النساء بينهما ذريعة إلى: إما أن يقتضى وإما أن يربى، فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصرهم على بيعها يدًا بيد كيف شاءوا، فحصلت لهم مصلحة المناولة واندفعت عنهم مفسدة: إما أن يقضى وإما أن يربى.
وهذا بخلاف إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو منعوا بهم ولا متنع السلم الذى هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيره، والشريعة لا تأتى بهذا، وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نساء، وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا، فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو إليه حاجتهم، وليس بذريعة إلى مفسدة راحجة.
ومنعوا مما لا تدعوا الحاجة إليه، ويتذرع به غالبًا إلى مفسدة راجحة.
يوضح ذلك أن المفسدة من عنده صنف من هذه الأصناف وهو محتاج إلى الصنف الآخر، فإنه يحتاج إلى بيعة بالدراهم ليشترى الصنف الآخر، كما قال النبي - ﷺ -: «بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبًا» (١) أو بيعه بذلك الصنف نفسه بما يساوى، وعلى التقديرين يحتاج إلى بيعه حالًا بخلاف ما لو مكن من النساء فإنه حينئذ بيعة بفضل، ويحتاج أن يشترى الصنف الآخر بفضل لأن صاحب ذلك الصنف يربى عليه كما أربي هو على غيره
_________________
(١) الجمع: تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبًا فيه. والجنيب: نوع جيد معروف من أنواع التمر.
[ ٦٣٥ ]
فينشأ من النساء بكل واحد منهما، والنساء ها هنا في صنفين وفي النوع الأول في صنف واحد، وكلاهما منشأ الضرر والفساد.
فإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفًا واحدًا وصنفين، مقصودهما واحد أو متقارب كالدراهم والدنانير، والبر والشعير، والتمر والزبيب.
وإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبز والثياب، والحديد والزيت. يوضح ذلك أنه لو مكن من بيع مد حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة: فتطلب النقوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته، فمنعوا من ذلك حتى منعوا من التفرق قبل القبض إتمامًا لهذه الحكمة، ورعاية لهذه المصلحة.
فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول، والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر.
وكما يفعل أرباب الحيل يطلقون العقد وقد توطئوا على أمر آخر، كما يطلقون عقد النكاح وقد أتفقوا على التحليل. ويطلقون بيع السلعة إلى أجل، وقد أتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن. فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا البيع حالًا، وأخروا الطلب لأجل الربح فيقعوا في نفس المحذور.
وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بحسبها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان. ومنعوا من التجارة في الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع البر والعين لأن البر ليس فيه صنعه يقصد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم الذى قصد الشارع أن لا تفاضل بينها. فلهذا قال: برها وعينها سواء، فظهرت حكمة تحريم ربا النساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس الواحد، وإن تحريم هذا تحريم المقاصد، وتحريم الآخر تحريم الوسائل، وسد
[ ٦٣٦ ]
الذرائع، ولهذا لم يبح شئ من ربا النسيئة، أما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا، فإن ما حرم سد الذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد. وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صناعته محرمة كالأنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه، وبيع هذا هو الذى أنكره عبادة على معاوية، فإنه يتضمن مقابلة الصناعة المحرمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كالآت الملاهي.
وأما إن كانت الصناعة مباحة، كخاتم الفضة، وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح وغيرها، فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك.
فالشريعة لا تأتى به.، ولا تأتى بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه، فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها ألبته، بل يبيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج، والعسر، والمشقة ما تنفيه الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون من ذلك، والبائع لا يسمح ببيعه ببر، وشعير وثياب. وتكليف الاستصباغ لكل من أحتاج إليه إما متعذر، أو متعسر، والحيل باطلة في الشرع.
وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذى تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه، فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلعة، فلو لم يجز بيعة بالدراهم فسدت مصالح الناس، والنصوص الواردة عن النبي - ﷺ -، ليس فيها ما هو صريح في المنع.
وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة، ولا ينكر تخصيص العام، وتقييد المطلق بالقياس الجلى، وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة.
والجمهور يقولون: لم يدخل في ذلك الحلية، ولا سيما أن لفظ النصوص
[ ٦٣٧ ]
في الموضوعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير، كقوله الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير، وفي الزكاة، كقوله في الرقة ربع العشر، والرقة هي الورق، وهي الدراهم المضروبة. وتارة بلفظ الذهب والفضة، فإن حمل المطلق على المقيد كان نهيًا عن الربا في النقدين، وإيجابًا للزكاة فيهما، ولا يقتضى ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما، بل فيه تفصيل فتجب الزكاة.
ويجرى الربا في بعض صوره لا في كلها، وفي هذا توفيه الأدلة حقها وليس فيه مخالفة الدليل منها.
يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجرى الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجرى بين الأثمان وبين سائر السلع وإن كانت من غير جنسها،فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها، ولا يدخلها: إما أن تقضى، وإما أن تربى، إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل، ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سد على الناس عليهم باب الدين، وتضرروا بذلك غاية الضرر.
يوضحه: أن الناس على عهد نبيهم - ﷺ -، كانوا يتخذون الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها.
ومن المعلوم بالضرورة: أنه كان يعطيها المحاويج، ويعلم أنهم يبيعونها ومعلوم قطعًا أنها لا تباع بوزنها، فإنه سفه.
ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا يساوى ينارًا، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله، وأفقه في دينه، وأعلم بمقاصد رسوله من أن يرتكبوا الحيل، أو يعلموها الناس، يوضحه: انه لا يعرف
[ ٦٣٨ ]
عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلى إلا بغير جنسه، أو بوزنه والمنقول عنهم إنما هو في الصرف، يوضحه: أن التحريم ربا الفضل، إنما كان سدًا للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم سدًا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد، والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم.
وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصنوعة صياغة مباحة أكثر من وزنها، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
وتحريم التفاضل إنما كان سدًا للذريعة. فهذا محض القياس، ومقتضى أصول الشرع، ولا تتم مصلحة الناس إلا به وبالحيل، والحيل باطلة في الشرع. وغاية ما في ذلك فعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة المتقومة بالأثمان في المغصوب وغيرها. وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوى فلسًا، ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة، فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوى الصياغة؟ وكيف تأتى الشريعة الكاملة الفاضلة التى بهرت العقول حكمة، وعدلًا، ورحمة وجلاله بإباحة هذا، وتحريم ذاك! وهل هذا إلا عكس العقول والفطر والمصلحة؟
والذى يقضى منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة، حتى منعوا بيع رطل زيت برطل زيت؟ وحرموا بيع الكسب والسمسم، وبيع النشا بالحنطة، وبيع الخل بالزبيب، ونحو ذلك. وحرموا بيع مد حنطة ودرهم. وجاءوا إلى ربا النسيئة ففتحوا للتحليل عليه كل باب، فتارة بالعينة وتارة بالمحلل، وتارة بالشرط المتقدم المتواطأ
[ ٦٣٩ ]
عليه. ثم يطلقون العقد من غير اشتراط، وقد علم الله والكرام الكانبون، والمتعاقدون ومن حضر أنه عقد ربا، مقصوده وروحه بيع خمسة عشر مؤجلة بعشرة نقدًا ليس. ودخول السلع كخروجها، حرف جاء لمعنى في غيره. فهلا فعلوا ههنا، كما فعلوا في مسألة مد عجوة ودرهم بمد ودرهم! .
وقالوا: قد يجعل وسيلة إلى الربا الفضل بان يكون المد في احد الجانبين يساوى بعض امد في الجانب الآخر فيقع التفاضل، فيالله العجب! كيف حرمت هذه الذريعة إلى ربا الفضل، وابيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتًا خالصًا! وأين مفسدة بيع الحلية بجنسها، ومقابلة الصياغة بحظها من الثمن إلى مفسدة الحيل الربوية، التى هي أساس كل مفسدة، وأصل كل بلية، وإذا حصحص الحق، فليقل المتعصب الجاهل ما قال، وبالله تعالى التوفيق.
فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة، ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة باكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بازيد منه من الردئ، ولما ابطل الشارع ذلك علم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة.
قيل: الفرق بين الصفة التى هي أثر فعل الآدمي، وتقابل بالأثمان وتستحق عليها الأجرة، وبين الصفة التى حي مخلوقة لله سبحانه لا أثر للعبد فيها، ولا هي من صنعه. فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة، إذ ذلك يفضى إلى نقص ما شرعه من المنع من التفاضل، فإن التفاوت في هذه الأجناس ظاهر، والعاقل لا يبيع جنسًا بجنسه إلا لما بينهما من التفاوت، فإن كانا متساويين من كل وجه لم يفعل ذلك، فلو جوز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم يحرم عليهم ربا الفضل.
وهذا بخلاف الصناعة التى جوز لهم المعارضة عليها معه، يوضحه أن المعارضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمونه إلى غير
[ ٦٤٠ ]
أصلها وجوهرها، إذ لا فرق بينهما في ذلك، يوضحه أن الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة: بع المصوغ بوزنه واخسر صياغتك. ولا يقول له تحيل على بيع المصوغ باكثر من وزنه بأنواع الحيل. ولم يقل قط: لا تبعه إلا بغير جنسه، ولم يحرم على أحد أن يبيع شيئًا من الأشياء بجنسه.
فإن قيل: فهب أن هذا قد سلم لكم في المصوغ، فكيف يسلم لكم في الدراهم والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك مفاضلًا، وتكون الزيادة في لا تتقوم فيها الصياغة للمصلحة العامة المقصودة منها، فإن السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة، فإن كان الضارب يضربها باجرة، فإن القصد بها أن تكون معيارًا للناس لا يتجرون فيها كما تقدم، والسكة فيها غير مقابلة بالزيادة في العرف، فلو قوبلت بالزيادة فسدت المعاملة، وأنتقضت المصلحة التى ضربت لأجلها، أتخذها الناس سلعة واحتاجت إلى تقويم بغيرها، ولهذا قام الدرهم مقام الدرهم من كل وجه، فيأخذ الرجل الدراهم ويرد نظيرها، وليس المصوغ كذلك. ألا ترى أن الرجل ياخذ مائة خفاقًا، ويرد خمسين ثقالًا بوزنها، ولا يابى ذلك الآخذ ولا القابض، ولا يرى أحدهما أنه قد خسر شيئًا، وهذا بخلاف المصوغ، والنبي - ﷺ -، وخلفاؤه لم يضربوا درهمًا واحدًا، وأول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان، وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار.
فإن قيل: يلزمكم على هذا ان تجوروا بيع فروع الأجناس باصولها متفاضلًا، فجوزوا بيع دقيق الحنطة بالحب متفاضلًا، والزيت بالزيتون، والسمسم بالشيرج. قيل: هذا سؤال وارد أيضًا، وجوابه. أن التحريم إنما يثبت بنص أو إجماع، أو تكون الصورة المحرمة بالقياس مساوية من كل وجه للمنصوص
[ ٦٤١ ]
على تحريمها، والثلاثة متبقية في فروع الأجناس مع أصولها، وقد تقدم أن غير الأصناف الأربعة، ففرعها إن خرج عن كونه قوتًا لم يكن من الربوبيات، وإن كان قوتًا كان جنسًا قائمًا بنفسه، وحرم بيعه بجنسه الذى هو مثله متفاضلًا، كالدقيق بالدقيق، والخبر بالخبز، ولم يحرم بيعه بجنس آخر. وإن كان جنسهما واحدًا. فلا يحرم السمسم بالشيرج، ولا الهريسة بالخبز، فإن هذه الصناعة لها قيمة، فلا تضيع على صاحبها، ولم يحرم بيعها باصولها كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا حرام إلا ما حرمه الله تعالى، كما أنه لا عبادة إلا ما شرعها الله تعالى، وتحريم الحلال كتحليل الحرام.
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بيع اللحم بالحيوان، فإنكم إن منعتموه نقضتم قولكم، وإن جوزتموه خالفتم النص، وإن النص كان قد منع من بيع اللحم بالحيوان، فهذا دليل على المنع من بيع الخبز بالبر، والزيت بالزيتون وكل ربوى بأصله.
قيل: الكلام في هذا الحديث في مقامين: أحدهما في صحته، والثاني في معناه: أما الأول فهو حديث لا يصح موصولًا وإنما هو مرسل، فمن لم يحتج بالمرسل لم يرد عليه، ومن رأى قبول المرسل مطلقًا ومراسيل سعيد بن المسيب فهو حجة عنده.
قال أبو عمر: لا أعلم أن حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان متصل عن النبي - ﷺ - من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد ابن المسيب كما ذكره مالك في مؤطأه. وقد أختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به والمراد منه، وكان مالك يقول: معنى الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد حيوانه بلحمه، وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار، لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذى أعطي أو أقل أو أكثر، وبيع اللحم باللحم لا يجوز كتفاضلًا، وكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده
[ ٦٤٢ ]
بلحم إذا كانا من جنس واحد. قالوا: وإذا أختلف الجنسان فلا خلاف عن مالك وأصحابه أنه جائز حينئذ بيع الحيوان باللحم. وأما أهل الكوفة كأبي حنيفة وأصحابه فلا يأخذون بهذا الحديث ويجوزون بيع اللحم بالحيوان مطلقًا وأما أحمد فيمنع بيعه بحيوان من جنسه، ولا يمنع بيعه بغير جنسه، وإن منعه بعض أصحابه. وأما الشافعي فيمنع بيعه بجنسه وبغير جنسه. وروى الشافعي عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فقسمت على عشرة أجزاء، فقال رجل: أعطوني منها بشاة. فقال أبو بكر - ﵁ -: لا يصلح هذا.
قال الشافعي: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفًا من الصحابة.
والصواب في هذا الحديث إن ثبت أن المراد به إذا كان الحيوان مقصود اللحم كشاة يقصد لحمها فيباع بلحم، فيكون قد باع لحمًا بلحم أكثر منه من جنس واحد، واللحم قوت موزون فيدخله ربا الفضل.
وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم كما إذا كان غير مأكول أو مأكولا بقصد لحمه كالفرس يباع بلحم إبل، فهذا لا يحرم بيعه به.
بقى إذا كان الحيوان مأكولًا بقصد لحمه وهو من غير جنس اللحم، فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين، كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب. وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك، إذ غايته التفاضل بين الجنسين، والتفاضل المحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون.
وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك، لا لأجل التفاضل، ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار. وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه والله تعالى أعلم. أهـ.
وبهذا كله علمت أن مسائل الربا في بعض صورها أيضًا خلاف. وأن
[ ٦٤٣ ]
الشيخ عليه الرحمة قد وافق باقواله من جهة جماعة من الأسلاف، فتأمل أدلته أيها المنصف وزنها بميزان الإنصاف. ومع هذا فلعل له أدلة أخرى لم أطلع عليها، أو عدل بعد ذلك عن تلك الاختيارات الفرعية الاجتهادية والميل إليها. ومن عذر وقنع بما تيسر أكتفى بمجمل ما أملاه القلم الملول وسطر. والله سبحانه الهادى للصواب، وإليه في كل الأمور المآب.
خاتمة
[هل يجوز إهداء ثواب القراءة للنبي - ﷺ -]
ومن جملة الاختيارات المنسوبة إلى الشيخ ابن تيمية ما ذكره الفهامة ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار: عدم جواز قراءة الفاتحة للنبي - ﷺ -، فقد قال في آخر باب الجنائز ما نصه:
تتمه
ذكر ابن حجر في الفتاوى الفقهية. أن الحافظ ابن تيمية زعم منع إهداء ثواب القراءة للنبي - ﷺ -، لأن جنابه الرفيع لا يتجزا عليه إلا بما أذن فيه، وهو الصلاة عليه وسؤال الوسيلة له. قال: وبالغ السبكى وغيره في الرد بأن مثل ذلك لا يحتاج لأذن خاص، ألا ترى أن ابن عمر كان يعتمر عنه - ﷺ - عمرًا بعد موته من غير وصية.
وحج ابن الموفق وهو في طبقة الجنيد عنه سبعين حجة، وختم ابن السراج عنه - ﷺ - أكثر من عشرة آلاف ختمة، وضحى عنه مثل ذلك. أهـ.
قلت: ورأيت نحو ذلك بخط مفتى الحنفية الشهاب أحمد بن الشلبي شيخ صاحب البحر نقلًا عن شرح الطيبة للنويرى، ومن جملة ما نقله: أن ابن عقيل من الحنابلة قال: يستحب إهداؤها له - ﷺ -. أهـ.
[ ٦٤٤ ]
قلت وقول علماؤنا: له أن يجعل ثواب عمله لغيره يدخل فيه النبي - ﷺ -، فإنه أحق بذلك حيث أنقذنا من الضلالة، ففي ذلك نوع شكر وإسداء جميل له، والكامل قابل لزيادة الكمال. وما استدل به بعض المانعين من أنه تحصيل المحاصل، لأن جميع أعمال أمته في ميزانه. يجاب عنه: بأنه لا مانع من ذلك، فإن الله تعالى أخبرنا بأنه صلى عليه، ثم أمرنا بالصلاة عليه بأن نقول: اللهم صلًّ على محمد. والله تعالى أعلم.
وكذا أختلف في إطلاق قول: أجعل ذلك زيادة في شرفه - ﷺ -، فمنع منه شيخ الإسلام البلقيني والحافظ ابن حجر، لأنه لم يرد له دليل وأجاب عنه ابن حجر المسكى الحديثية بقوله تعالى: ﴿قل رب زدنى علمًا﴾ وغيره. أهـ المراد منه.
وفي كتاب الروح للحافظ ابن القيم بعد أن أيد وصول ثواب قراءة القرآن للأموات بادلة كثيرة قال ما نصه: فإن قيل فما تقولون في الإهداء إلى رسول الله - ﷺ -؟ قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه، ومنهم من لم يستحبه ورآه بدعة، لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي - ﷺ - له أجر كل من عمل خيرًا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شئ، لأنه هو الذى دل امته على كل خير، وأرشدهم ودعاهم إليه. ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من أتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شئ. وكل هدى وعلم فغنما ناله أمته على يده، فله - ﷺ - مثل أجر من أتبعه، أهداه إليه أو لم يهده. والله تعالى أعلم. أهـ.
وقد سئل عن ذلك العلامة نجم الدين ابن قاضى عجلون فأجاب بقوله: وقع الخلاف بين جمع من العلماء المتأخرين في إهداء الثواب للنبي - ﷺ -، فمنهم من منعه لأنه لا يتجزأ على الجناب الرفيع إلا بما أذن فيه ولم يؤذن إلا بالصلاة عليه وسؤال الوسيلة له. ومنهم من جوزه. وقد توسع
[ ٦٤٥ ]
الناس في ذلك وتصرفوا بالتعبير عنه بعبارات متقاربة في المعنى، كقوله: في صحيفته - ﷺ -، أو نقدمها إلى حضرته، أو زيادة في شرفه. وقد يقترن بذلك هيئات تخل في الأدب مع النبي - ﷺ - وما الحاجة إلى ارتكاب ذلك، مع أن جميع حسنات الأمة جارية في صحيفته. وقد قال - ﷺ -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» فالذى يتعين ترك ذلك كله، والاشتغال بما لا ريب فيه، كسؤال الوسيلة له - ﷺ -، والصلاة عليه غير ذلك من أعمال البر المأثورة في الشرع، فإنها بحمد الله كثيرة، وفيها ما يغنى عن الابتداع في الدين، والأمور المختلف فيها، واله تعالى أعلم بالصواب. أهـ.
فتبين أن المسألة خلافية بين المتأخرين، وأن ابن تيمية لم ينفرد بهذا القول، ولكل وجهه فاختر لنفسك ما يحلو.
[هل للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره]
بقى أنه هل للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره أم لا؟ فاهل السنة على الأول، المعتزلة على الثاني. لكن استثنى مالك والشافعي العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة فلا يصل ثوابها إلى الميت عندهما بخلاف غيرهما، وهو المشهور عن الشافعي. والذى حرره المتأخرون من الشافعية وصول القراءة للميت إذا كانت بحضرته أو دعى له عقبها ولو غائبًا، لأن محل القراءة تنزل الرحمة والبركة، والدعاء أرجى للقبول. ومقتضاه ان المراد انتفاع الميت بالقراءة لا حصول ثوابها له.
وأما عندنا: فالواصل إليه نفس الثواب. وهذا إذا لم تكن القراءة بالأجرة. وأما إذا كانت بالأجرة فلا تجوز على قول الجمهور المفتى به. والله تعالى أعلم. وتفصيل البحث في الكتب الفقهية في الإجازة والجنائز، ولا سيما الحاشية المذكورة، وفتح القدير. فإن أردته فارجع إليهما.
[ ٦٤٦ ]
[مطلب في إرسال العذبة]
(ومن ذلك ما أعترض به ايضًا الشيخ ابن حجر في شرح الشمائل على ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام في بيان سبب إرسال العذبة) .
في حديث ابن عمر: «كان النبي - ﷺ - إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه» ورساهما بالتجسيم.
وأجاب العلامة الشيخ على القارى في شرحه عن ذلك، وسيتضح لك على وجه التفضيل ما هنالك. فنقول: قال القارئ ما نصه: قال ابن القيم عن شيخه ابن تيميه إنه ذكر شيئًا بديعًا وهو أنه - ﷺ - لما رأى ربه واضعًا يده على كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة.
قال العراقى: لم نجد لذلك أصلًا.
قال ابن حجر: بل هذا من قبيح رأيهما وضلالهما، إذ هم مبنى على ما ذهبا إليه وأطالا في الاستدلال له، والحط على أهل السنة في نفيهم له وهو إثبات الجهة والجسمية لله سبحانه، ولهماكم هذا المقام من القبائح وسوء الاعتقاد ما تصم عنه الآذان، ويقضى عليه بالزور والبهتان، قبحهما الله تعالى وقبح من يقول بقولهما.
والإمام أحمد وأجلاء مذهبه مبرءون من هذه الوصمة القبيحة، كيف وهي كفر عند كثيرين! .
(أقول): قد صانهما الله تعالى من هذه السمة الشنيعة، والنسبة الفظيعة، ومن طالع شرح منازل السائرين تبين له أنهما كانا من أكابر أهل السنة والجماعة ومن أولياء هذه الأمة، وهما بريئان مما رماهما أعداؤهما من التشبيه والتمثيل، غير أنهما ذهبا في باب الصفات إلى مذهب السلف الذى عليه الأئمة الكرام، فإذا أنتفى عنهما التجسيم فالمعنى البديع الذى ذكره الشيخ في الحديث له وجه ظاهر، وتوجيه باهر، سواء رأى النبي - ﷺ - ربه
[ ٦٤٧ ]
في المنام، أو تجلى الله ﷾ عليه بالتجلى الصورى المعروف عند أرباب الحال. أهـ. باختصار.
وقال المناوى في شرحه أيضًا بعد سوقه لكلام ابن حجر ما نصه: فنقول ابن حجر غير مستقيم. أما أولًا، فلأنهما قال: إن الرؤية المذكورة كانت في المنام، وهذه كتبهما حاضرة.
وأما ثانيًا فلأنا نؤمن بأن له يدًا لا كيد المخلوق، وفلا مانع من وضعها وضعًا لا يشبه وضع المخلوق، بل وضع يليق بجلاله.
وعجبت من الشيخ ابن حجر كيف أنكر هذا مع وجود خبر الترمذى «أتانى ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدرى، فوضع كفه بين كتفى فوجدت بردها بين ثنوتى - أى ثديى - وتجلى لى علم كل شئ» أهـ. المراد منه.
وتعقبه أيضًا الشيخ إبراهيم الكوراني في إفاضة العلام بقوله: أما إثبات الجهة والجسمية المنسوب إليهما فقد تبين حاله، وأنهما لم يثبتا الجسمية اصلًا بل صرحا بنفيهما في غير ما موضع من تصانيفهما، ولم يثبتا الجهة على وجه يستلزم محذورًا، وإنما أقرأ قوله تعالى: ﴿أستوى على العرش﴾ على ظاهره الذى يليق بجلال ذات الله تعالى، لا الظاهر الذى هو من نعوت المخلوقين حتى يستلزم الجسمية.
وأما قول العراقى لم نجد له أصلًا، ففيه أن ما ذكر ابن القيم ليس فيه أن ما عزاه لشيخه منقول حتى يتجه عليه أنه لا أصل له، وإنما فيه أن ما عزاه لشيخه إبداء مناسبة بديعة لإرخاء العذبة فهمها مما هو منقول، وهو الحديث الذى أخرجه جماعة منهم أحمد والترمذى وغيرهما، وصححوه: «أن الله تجلى لى في أحسن صورة» وفي رواية: أتانى الليلة ربي في أحسن صورة -
[ ٦٤٨ ]
إلى أن قال - فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي ..» الحديث وإذا كان هذا فهمًا منه، واستنباطًا لا نقلًا لم يرد عليه قول العراقي، ولم يجد له اصلًا. فالمناسبة التى أبداها ابن تيمية مناسبة صحيحة غير مستلزمة للتجسيم، ولا مبنية عليه اصلًا كما ظنه ابن حجر.
بل على صحة التجلى في المظهر مع التنزيه بليس كمثله شئ.
وقد دل كلام ابن تيمية عليه الرحمة عمومًا وخصوصًا على أن الحق ﷾ بتجلى لما يشاء على أى وجه يشاء مع التنزيه بليس كمثله شئ في كل حال، حتى تجليه في المظهر، وهذا هو الغاية في الإيمان والعلم أيضًا. أهـ. باقتصار.
فقد تبين لك تحامل العلامة ابن حجر، والتهور العارى عن الإصابة فيما سطر. فتدبر وأنصف.
[حكم بيع المسجد إذا خرب]
(ومن ذلك أنه ذهب إلى بيع المسجد إذا خرب كما تقدمت الإشارة إليه من بعض المترجمين)
فاعلم أن الوالد رحمه الله تعالى نقل ذلك أيضًا عنه في مجمعته الوسطى بما نصه: قال شيخ الإسلام ابن تيميه في فتاواه: بيع المسجد إذا خرب فلم تمكن عمارته جائز عند الإمام أحمد وغيره من العلماء. واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب - ﵁ - نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر، وصار الآخر سوقًا للتمارين، وأشتهرت القصة ولم تنكر. ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه. أهـ.
قلت: وفي حاشية الدر المختار ما يقرب من ذلك، فقد نقل عن الخلاصة: أن المسجد إذا خرب، أو الحوض إذا خرب، ولم يحتج إليه لتفرق الناس
[ ٦٤٩ ]
عنه. صرفت أوقافه في مسجد آخر، أو حوض آخر. أ. هـ.
وفي تنوير الأبصار: جعل شئ من الطريق مسجدًا لضيقه جاز، لأنهما للمسلمين كعكسة. كما جاز الإمام الطريق مسجدًا لا عكس. أهـ.
وفي حاوى الزاهدى رامزًا للمحيط وشرف الأئمة ما نصه: حوض أو مسجد خرب، وتفرق الناس عنه فللقاضي أن يصرف أوقافه إلى مسجد آخر أو حوض آخر.
وفي شرحه للزيادات: والمسجد إذا أستغنى عنه المسلمون، ولا يصلى فيه وخرب ما حوله يعود إلى صاحبه كما كان إن كان حيًا، وإلى ورثته إن كان ميتًا.
وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال ابو يوسف: يبقى مسجدًا أبدًا، فأما أوقاف المسجد فإن كان بانى المسجد ومتخذها واحدًا يكون ميراثًا، وإن كانوا جماعة تصرف إلى أقرب المساجد في تلك المحلة، لأن قصد الواقف في الأول عمارة مسجده. وفي الثاني عمارة مسجد المحلة، وبالصرف إلى مسجد آخر في المحلة عمارتها. وقال أيضًا: ولو خرب أحد المسجدين في قرية واحدة فللقاضى صرف خشبة إلى عمارة الآخر إذا لم يعلم بانيه ولا وارثه، وإن علم صرفها هو بنفسه. أهـ.
ومما نقلناه تبين لك أنه أيضًا لم ينفرد بالقول بهذه المسألة الاجتهادية ايضًا، كيف وهو مروى عن عمر - ﵁ -، وأحمد بن حنبل، والإمام الأعظم أبي حنيفة، ومحمد رحمهم الله تعالى.
وقد بسط الأدلة في فتاواه نقلًا وعقلًا، وإن أردت استبقاء البحث فعليك بما حرره، وبالكتب الفقهية للأئمة الحنفية، والله سبحانه الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٦٥٠ ]
خاتمة الكتاب
هذا آخر ما تيسر تحريره، وغاية ما وسعنى مع ضيق الوقت تسطيره على جواب علامة البشر، مولانا شهاب الدين احمد بن حجر، وألتمس ممن تحلى بالعلم وتدثر بالحلم، وتدرع الإنصاف، وتجنب وصمة الحسد وطريق الاعتساف، أن يحيط بما أستخرجته من كتب العلماء، ويمعن الفكر بما حررته عند أختلاف الآراء، وأن لا يحمله داء التقليد والمعاصرة، على أن يزيف تبره ويطفئ نوره، ويطمس تدقيقاته المبتكرة. بل يمتثل ما أمره به أمير المؤمنين على كرم الله تعالى وجهه من قوله: «لا تعرف الحق بالرجال، وأعرف الحق تعرف أهله» وقول حجة الإسلام: «العاقل من ينظر في نفس القول» فإن كان حقه قبله، وإن باطلًا تركه. واللبيب من ينتزع الحق من كل كلام، عالمًا بان معدن الذهب الرغام. وفي المثل: «ليس لقدم العهد يفضل القائل» (١)، ولا لحداثته يهتضم المصيب في المحافل.
والواجب على طالب النجاة في الدارين أن لا يحكم لأحد من المدعين بلا سماع كلام الخصمين. وها أنا بتوفيقه سبحانه قد ذكرت كلام الشيخين، وتصفحت نصوص الطرفين، متجنبًا عن داء العصبية، متنحيًا عن حمى الغيرة الجاهلية، إذ لست بحنبلي المذهب، حتى أرمى بسهم العصبية في هذا المطلب. غير أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتقدمات في هذا الشأن، حملتني على نصح الإخوان، وعن الطعن فيمن هو من أولياء الله، والذب عن ذلك الحبر والأواه، وبيان ما عسر تحقيقه ودق تدقيقه على كثير من فضلاء الزمان.
_________________
(١) القائل. المخطئ. أهـ. منه.
[ ٦٥١ ]
فدونكه كتابًا مفصلًا للمسائل المشكلة، وجامعًا من أقوال المذاهب كل شريدة معطلة، حاويًا لما عز وجدانه على الطالبين، ومعدنا خاليًا عن بهرجة المبهرجين والناقدين. ومع ذالا آمن من عثار قلمي أو كبيرة أدهمى، أو زلة قدمى. ولا داعى أن الشيخ شهاب الدين قد حط فيما حكاه على الشيخ تقى الدين من أجل حظوظ نفسية، أو عدم اطلاع على المسائل الشرعية. أو أقول: إن الشيخ ابن تيمية لم يخطئ في بعض المسائل الاجتهادية، أو أنه معصوم عن السهو والتهور في كافة المباحث الأصولية والفرعية. بل إنى أحسن في كليهما الظن، وأميط ما أستطعت عن كلاميهما غبار الوهن. وأقول كما فصلته مرارًا: إن بعض الأقوال المتقدمة مكذوبة، والبعض الآخر منها لازم المذهب واللوازم غير مطلوبة. ومنها ما هو مذهب الحنابلة كما قد شاع وذاع. ومنها ما هو مجتهد فيه، وللاجتهاد كما لا يخفى عليك أتساع. وأن الشيخ أبا العباس قد بلغ نحو أمثاله في ذلك رتبة الاجتهاد بلا التباس، حاويًا لشروطه المتقدمة في هذا الكتاب فله الثواب على ذلك، ولا لوم عليه أن أخطأ بعد أن بذل الوسع فيما هنالك، إذ مأخذه الكتاب والسنة الفسيحة المسالك.
وأقول: إن الفهامة ابن حجر قد استعجل ولم يتبين عندما أجاب وحرر حتى بدعه ونسب إليه المكفر ثم أستغفر. فليته تتبع كتب ذلك الإمام، وأقواله المسلمة عند ذوى النقض والإبرام، حتى يلوح له الصدق، ويتثبت ليتحصحص الحق، ولا ينتقد عليه المتبعون، أو يغتر بنقله الغافلون، أو يتبع كلامه في الازدراء والتكفير من أهل زماننا الجاهلون، لأنه العلامة المتبع، ومن إذا قال قولا يضاح له ويستمع وعلى العلات أسأل الله تعالى أن يغفر لهذين الشيخين وينفعنا بعلوم هذين الأحمدين في الدارين، ويجزيهما عن شفيعنا ونبينا - ﷺ - خير الجزاء، ويعفو عن كافة ورثة الأنبياء القاصدين
[ ٦٥٢ ]
نفع الأمة، والكاشفين بإنارة كلماتهم عن وجه الحق غياهب البدع المدلهمة وان يعيذنا من شر الحاسدين وكيد المداحين، ويحفظنا من تحريف الخائن لا رب غيره، ولا يرجى إلا خيره، ولا تهزم إلا به جيوش الأباطيل، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
وكان ذلك في شهر ربيع الآخر من شهور السنة السابعة والتسعين بعد المائتين والألف من هجرة الرسول المعصوم الأمين، عليه افضل صلاة المصلين وأزكى سلام المسلمين، والحمد لله رب العالمين:
وبالأصل ما نصه: «بحمده تعالى قد كمل كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» لأبي البركات خير الدين نعمان الحسينى الشهير «بآلوسى زاده» نجل خاتمة المفسرين السيد محمود أفندى مفتى الحنفية في بغداد المحمية، على مسودة الؤلف المذكور، ضوعفت لنا ولهم الأجور، في داره المعمورة الدائمة السرور.
***
تم بحمد الله كتاب «جلاء العينين، في محاكمة الأحمدين»
لأبي البركات خير الدين نعمان الحسيني
الشهير «بآلوسى زاد ١٢٥»
ولله المنة والحمد
[ ٦٥٣ ]