[شهادة الكورانى]
(منهم): الفهامة ذو العلوم الدنية، صوفى الفقهاء، وفقيه الصوفية:الشيخ إبراهيم بن حسن الكورانى المدنى الشافعي، المتوفى سنة الف ومائة وواحدة؛ فقد قال في كتابه «إفاضة العلام في تحقيق مسألة الكلام» ما لفظه: وفيما نقلناه من نصوصه - يعني ابن تيمية - وقررناه على وجه موافق للكتاب والسنة وعقيدة السلف: كفاية لبيان حاله في اعتقاده، وبراءة ساحته من القولا بالتجسيم، والقول بالجهة على الوجه المحذور عند كل لبيب منصف.
ثم قال: ثم إن ابن القيم وإن كان على عقيدة شيخه كما عند المشنعين عليهما، فتبرئة شيخه عما نسب إليه تبرئة له أيضًا، وتصحيح اعتقاده وتطبيقه على الكتاب والسنة وعقيدة السلف تصحيح لاعتقاده وتطبيق.
ولكنا ننقل من كلامه ما يؤكد ذلك إلى آخر ما قال، مما أطنب فيه وأطاب بما يزيل الإشكال.
[شهادة السويدي البغدادي]
(ومنهم) - أمير المؤمنين في الحديث، علامة العراق الشيخ علي أفندي السويدي البغدادي الشافعي؛ فإنه قد كتب على عبارة السبكى في التشنيع على الشيخ ابن تيمية ما نصه:
هذه الدعوى من السبكى تحتاج إلى بينة، مع أن نصوص المتقدمين وأحوالهم تخالفه؛ وعلى تقدير الجواز فكيف يقال بحقه: إن عدل عن الصراط المستقيم من يقصر التوجه على الرب المتعال؟ فلا وجه لرد السبكى عليه بمثل هذا الكلام. مع اقتفاء ابن تيمية طريق خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. انتهى ملخصًا.
[ ٢٩ ]
وقد نقله عنه ولده العلامة الشيخ محمد الأمين في شرح كتابه «العقد الثمين» وأقره.
[شهادة الآلوسي والد المؤلف]
(ومنهم) - شيخنا ومولانا الوالد عليه الرحمة والرضوان فإنه قال في رسالته الاعتقادية ما نصه: ولقد اطلعت على رسالة للشيخ ابن تيمية، وهي معتبرة عند الحنابلة، وطالعتها كلها فلم أر فيها شيئًا مما ينبز ويرمى به في العقائد، سوى ما ذكرنا من تشديده في رد التأويل، وتمسكه بالظواهر؛ مع التفويض والمبالغة في التنزيه، مبالغة معها بأنه لا يعتقد تجسيما ولا تشبيهها؛ بل يصرح بذلك تصريحًا لا خفاء فيه، والعجب ممن يترك صريح لفظه بنفي التشبيه والتجسيم، ويأخذ بلازم قوله الذي لا يقول به، ولا يسلم لزومه. وعلى كل حال فهو كما قال كثير من المشايخ محي الدين. اهـ.
وقال: أيضًا في رحلته «نزهة الألباب» عندما سأله في القسطنطينية المحمية شيخ الإسلام عن أمر المتشابه ما نصه: ثم أنجز الكلام إلى ابن تيمية فقال: إنه قائل بالجسمية؛ فقلت: حاشاه! ومذهبه في المجسم أنه مطلقا غير مسلم. فقال: إنه يقول العرش قديم نوعًا؛ فقلت: لم نجد لنسبته إليه من غير الدوانى نقلًا يليق أن يمنح سمعًا فقال: له مخالفة للأئمة الأربعة في بعض المسائل الفقهية: فقلت: شبهته في تلك المخالفة بحسب الظاهر قوية، وله في بعض ذلك سلف، كما يعرفه من تتبع المذاهب ووقف، وقد مدحه غير واحد من العلماء الأعلام.
وقد سمعت من شيخي أنه رأى كتابًا في ترجمة من لقب بشيخ الإسلام فقال: قد ذمه العلامة السبكي؛ فقلت: كم من جليل غدًا من ذم عصريه (١) يبكي! فآه من أكثر المعاصرين. فهم بأيدي ظلمهم لحبات القلوب عاصرين. اهـ.
ثم ذكر ما قاله العلماء في المتشابه، فإن أردته فارجع إليه.
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعلها «معاصريه» (م) . قال مُعِد الكتاب للشاملة: ولا إشكال فيما في الأصل، فـ «عَصْرِيُّه» أي من معه في نفس العصر كما تقول «بَلَدِيّه» أي من معه في نفس البلد،، والله أعلم
[ ٣٠ ]
(ومنهم) عالم بلد الله الحرام، والمشاعر العظام، المنلا على الهروى القارى؛ فإنه أثنى عليه، وبرأه مما نسب غليه في «شرحه الشمائل» وغيره من تأليفاته.
(ومنهم) أبو عبد الله محمد بن جمال الدين يوسف الشافعي اليمني.
(ومنهم) شيخنا السيد العلامة ابو الطيب الحسيني البخاري القنوجي، فسح الله تعالى في مدته؛ فإنه ترجم له ترجمة حافلة في كتابه «إتحاف النبلاء المتقين» و«أبجد العلوم» وأثنى عليه ثناء كريمًا، وذكر كلام أهل الفتيا من أصحاب المذاهب الأربعة في الثناء عليه؛ ومنهم العينني الحنيفي، وأطال فيه إلى أوراق.
(ومنهم) - كثيرون يطول الكتاب بذكرهم؛ فمن أراد أن يستوعب طيب نشرهم، فليرجع إلى كتب التواريخ والطبقات، فإن فيها المطالب المفصلات. وسيأتي إن شاء الله تعالى بعضها في هذه الورقات.
فصل: (في قول العلامة ابن حجر المتقدم سابقًا)
ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد أبي الحسن السبكي، وولده التاج والعز بن جماعة، وأهل عصرهم إلى آخره.
أقول: إن أكثر المنتقدين من المعاصرين وأشدهم في الوقوع فيه: الإمام السبكي. ومن المتأخرين الشاذ النادر وهم على أقسام:
فمنهم من شنع لداء المعاصرة ومنهم لشهوة كاذبة من غير تحقيق ومنهم لمخالفة في العقيدة، ومنهم حبًا في ابن عربي وأتباعه، ومنهم اقتداء بشيخه المنافس له. وسيتضح لك ذلك كمال الاتضاح بعون العليم الفتاح. والمقصد في هذا الفصل ترجمة بعض المنتقدين رحمهم الله تعالى، ونفعنا بعلومهم أجمعين،
[ ٣١ ]
وكلهم إن شاء الله تعالى يجاوزن برفيع الدرجات؛ فقد ورد: «إنما الأعمال بالنيات» .
(ترجمة الإمام السبكي)
(فمنهم السبكي) - وهو على ما في «الشذرات» وغيره: الإمام العلامة شيخ الإسلام علم الأعلام، تقي الدين بن عبد الكافي السبكي الشافعي الأصولي اللغوي البياني الجدلي الخلافي النظار.
قال السيوطي: «ولد مستهل صفر سنة ستمائة وثلاث وثمانين وقرأ على علم الدين العراقي، وابن الرفعة، والباجي، وأبي حيان وغيرهم. وتخرج به خلق في أنواع العلوم واقر له الفضلاء وولى قضاء الشام بعد الجلال القزويني وصنف الكتب المطولة والمختصرة ومن شعره: [كامل]
إن الولاية ليس فيها راحة إلا ثلاث يبتغيها العاقل
حكم بحق أو إزالة باطل أو نفع محتاج سواها باطل
وتوفي في مصر سنة سبعمائة وست وخمسين وسأل أن يولى القضاء مكانه ولده تاج الدين فأجيب إلى ذلك - رحمهما الله تعالى.
مطلب
(في رد اليافعي على السبكي)
قلت: وله أبيات من بعض ردوده على الشيخ ابن تيمية، وقد ردها الشيخ محمد ابن الشيخ جمال الدين اليافعي الشافعي اليمني لا بأس بذكرها مع ردها تتميما للفائدة وهي: [بسيط]
الحمد لله حمدًا أستزيد به فضل الإله وآتى ما أمرت به
وأستعين به في كل معضلة تأنى فما خاب عبد يستعين به
فهو الإله الكريم الواحد الأحد الـ نمرد المجير لعهد يستجير به
ثم الصلاة على المختار ما طلعت شمس وما قد سرى نجم بغيهبه
[ ٣٢ ]
وبعد فاسمع كلاما قد تقوله قاضي القضاة تقي الدين انتبه
أعني أبا الحسن السبكي حين غدا يبغى من الأمر مالا يستقل به
فقال ذلك إذ رد الإمام على حزب الروافض ردًا غير مشتبه
اعني ابن تيمية الحير الذي شهدت بفضله فضلاء الناس والنبه
فاستحسن الرد حتى راح يمدحه بما أزال من الأشكال والشبه
لكنه بعد هذا المدح خالفه وقال أبيات شعر غير منجيه
(مطلب كلام السبكي)
[بسيط]
إن الروافض قوم لا خلاق لهم من أجهل الناس في علم وأكذبه
والناس في غنية رد إفكهم لهجنة الرفض واستقباح مذهبه
وابن المطهر لم تطهر خلائقه داع إلى الرفض غال في تعصبه
لقد تقول في الصحب الكرام ولم يستحي من إفتراء غير منتبه
ولابن تيمية رد عليه وفي بمقصد الرد [و] استيفاء أضربه
لكنه خلط الحق المبين بما يشوبه كدر في صفو مشربه
يحاول الحشو أنى كان فهو له حثيث سير بشرق أو بمغربه
يرى حوادث لا مبدا لأولها في الله سبحانه عما يظن به
لو كان حيًا يرى قولى ويسمعه رددت ما قال ردًا غير مشتبه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ترك الزيادة أقفو إثر سَبْسَبه (١)
وبعده لا أرى للرد فائدة هذا وجوهره مما أضن به
فالرد يجسن في حالين: واحدة لقطع خصم قوي في تقلبه
وحالة لانتفاع الناس حيث به هدى وربح جزيل في تكسبه
وليس للناس في علم الكلام هدى بل بدعة وضلال في تطلبه
_________________
(١) السبسب: المفازة، أو الأرض المستوية البعيدة
[ ٣٣ ]
ولى يد فيه لولا ضعف سامعه جعلت نظم بسيطي في مهذَّبه
هذا الذي قاله السبكي مرتجلًا وللبسيط أُنَمِّى بعض أضربه
(الجواب من اليافعي)
فقال مرتجلًا للحق منتصرًا عبد يرد عليه في تأدبه
يأيها الرجل الحامي لمذهبه ألزمت نفسك أمرًا ما أمرت به
تقول في باغضي صحب الرسول ومن يريك سبهم أصلًا لمذهبه
والناس في غنية عن رد إفكهم هذا هو الإفك لكن ما شعرت به
بل رده واجب نصحًا ومعذرة ونصرة لسبيل الحق من شبه
إذا تقول في الصحب الكرام فما ذا توجبون عليه يا أولي النبه
وقد علمتم بأن الشخص داعية إلى الضلال بلا ترديد مشتبه
وما عزوتم إلى الشيخ الجليل أبي الـ ـعباس أحمد أمر لا يخص به
في قولكم خلط الحق المبين بما يشوبه كدر في صفو مشربه
يحاول الحشو أنى كان فهو له حثيث سير بشرق أو بمغربه
يرى حوادث لا مبدأ لأولها في الله سبحانه عما يظن به
لقد علتم بأن السادة السلف الـ ـماضين ما خرجوا عما أقربه
هم القرون الألى في نص سيدنا حازوا الفخار بأمر غير مشتبه
لئن رددت عليه في مقالته فقد رددت عليهم فادر وانتبه
ثم الأئمة أهل الحق كلهم يرون ما قاله من غير ما جبه
فودكم ليس مخصوصًا بواحدهم بل بالجميع وهذا موضع الشبه
هلا جمعت الألى قالوا مقالته ليستبين خطاهم من مصوبه
فكلهم خلط الحق المبين بما يشوبه كدر في صفو مشربه
فكلهم كان حشويًا لديك يرى وكلهم أنت تقفو إثر سَبْسَبه
[ ٣٤ ]
وانظر إلى مطلب حاولته طلبًا فنسبه المرء تلقى عند مطلبه
وخذ أدلة ما قالوه واضحة من الكتاب ودع ما قد هذوت به
فللإله صفات الذات قد وردت بها النصوص بلا ريب ولا شبه
كما تراها على قسمين قائمة بها يقينا يراها من أقر به
هو القديم بأوصاف منزهة عن الحديث كما تأتيك فانتبه
حي سميع بصير قادر صمد فرد جليل عظيم الشأن فارض به
فهذه كلها ذاتية وردت ومثلها في المعاني غير مشتبه
كذاك فعلية فانظر مثالها وقس عليه وراع الفرع تنج به
يحب يبغض يرضى يستجيب يرى يجيء يأتي بلا كيف ولا شبه
وخالق قبل مخلوق يكونه وقاهر قبل مقهور يكون به
وراحم قبل مرحوم فيرحمه ورازق قبل مرزوق بأضر به
عن أمره صدر المخلوق أجمعه والأمر ويحك لا شك يقوله به
وقد تكلم رب العرش بالكتب الـ ـمنزلات كلامًا لا شبيه به
ولم يزل فاعلًا أو قاتلًا أزلًا إذا يشاء وهذا الحق فارض به
هذى حوادث لامبدا لأولها بالنص فافهمه يانومان وانتبه
إذ هل صفات الموصوف تقوم به قديمة مثله من غير ما شبه
ومذهب القوم مروى كما وردت من غير شائبة التكييف والشبه
ولا يرون بتعطيل الصفات كما يقول جهم ومن والاه في الشُّبه (١)
حاشية الله إلا عابد صنما يدلى بأخبث معبود وأغربه
ولا يعطل إلا عابد عدما وليس تدري له ربًا يلوذ به
سوى أباطيل ما يختاره عبثا يرى أمانيه تسرى لمركبه
_________________
(١) هو جهم بن صفوان (م)
[ ٣٥ ]
لا يستفيق إلى ما جاء من أثر بمفرد القول منه أو مركبه
والجهم معبوده يبغي تطلبه وليس يفهم إلا ما أشار به
والاتحادي مع أهل الحلول لهم تخلل كنفاة الجهم فادربه
من دربة دحلوا في كل مفسدة راجت عليهم ومالوا ميل مغربة
وما رددت عليه في الطلاق فما حققت عقلًا ولا نقلا ظفرت به
بل فاسد القصد أعيا الذهن منك كما هو عادة الله في قال لمذهبه
نزلت حول حماه كى تنازله فما علوت عليه بل علوت به
وقد أجابك فيها خير أجوبة كالسيف جالت منايا عند مضربه
أخذت منه علومًا فانتصرت بها على سواه وكانت من مهذبه
وحزتها مجملات من مفصلة ففضل الآن ما أجملت تحظ به
وهكذا كل من سارت ركائبه يقفو خطاه فسائل من مجربه
وإن تبجحت في رد فلست له كفئًا ولا أهل هذا العصر فانتبه
كم بحر علم اتاه صار ساقيه وكم أزال صدى جهل بصيبه
وما نرى لكمو في الخلق فائدة غير التنعم في النعماء من شبه
أين الثريا مكانا في ترفعها من الثرى قال هذا كل منتبه
من ذا يقيس نقى الجلد من دون الـ ـدنيا وأمراضها يومًا بأجر به
لو كان عندكمو انصاف مكرمة أو نقد معرفة أو ذهن منتبه
لكنت تقفو وراه قفو مجتهد علمًا ودينًا وأمرًا تفلحن به
لو وفق الله اهل الأرض قاطبة إلى الصواب لساروا خلف مذهبه
وما نستقيم إليه عند ذكركمو ترك الزيارة أمرًا لا يقول به
فقد أجابكمو فيها بأجوبة أزال فيها صدا الإشكال والشبه
وقد تبين هذا في مناسكه لكل ذي فطنة في القول والنبه
رميتموه ببهتان يشان به فالله ينصفه ممن رماه به
[ ٣٦ ]
وفي الجواب أمور من تدبرها سقى الأنام بها من صفو مشربه
ولم يكن مانعًا نفس الزيارة بل شد الرحال إليها فوق مركبه
مستمسكًا بصحيح القول متبعًا خير القرون الألى جاءوا بمذهبه
مع الأئمة أهل الحق كلهم قالوا كما قال قولًا غير مشتبه
وقد علمت يقينًا حين وافقة أهل العراق على فتياه فانتبه
هذا وقد قلت فيما قلت مرتجلًا فيما تقدم قولًا غير منجبه
لو كان حيا يرى قولي ويسمعه رددت ما قال قولًا غير مشتبه
فابرز ورد ترى والله أجوبة مثل الصواعق تردى من تمر به
عقلًا ونقلًا وآيات مفصلة من كل أروع شهم القول منبته
ماضي الجنان كحد السيف فكرته يريك نظما ونثرًا في تأدبه
وقاد ذهن إذا جالت قريحته يكاد يخشى عليه من تلهبه
فمنزل القول في أعلى منازلهم فليس ذو منصب ينجو بمنصبه
وانظر إلى من طغى في الأرض من أمم ولا تكن سالكًا في إثر سبسبه
إن الإله يجازي كل ذي عمل بمثل إحسانه أو قبح مكسبه
هذا جوابك يا هذا موازنة بحرا وقامية في النظم والشبه
والحمد لله حمدًا لا نفاد له جار على مر ما يقضي وأطيبه
ثم الصلاة على خير الورى شرفًا محمد المرسل الهادي لمذهبه
وآله والصحاب الغر قاطبة ما أشرق الحق من أنوار كوكبه
وانتهت - وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط هذه المباحث المجملة بالعبارات المفصلة والدلائل المكملة؛ فلا تغفل.
(ترجمة القاضي تاج الدين السبكي)
(ومنهم) - ولده تاج الدين - فهو قاضي القضاة عبد الوهاب بن علي السبكي. ولد بالقاهرة سنة سبعمائة وسبع وعشرين، وسمع بها من جماعة، ثم
[ ٣٧ ]
قدم دمشق مع والده واشتغل على والده وغيره، وقرأ على «المزي»، ولازم الإمام الذهبي وتخرج به ثم عزل من القضاء بأخيه بهاء الدين وتوجه إلى مصر على وظائف أخيه ثم عاد إلى القضاء وولى الخطابة ثم عزل وحصل له فتنة شديدة وسجن بالقلعة نحو ثمانين يومًا، ثم عاد إلى القضاء ودرس بمدارس كثيرة.
وقال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد مالم يجبر على قاض مثله.
ونقل الشيخ عبد الوهاب الشعرانى في كتابه «الأجوبة المرضية»: أن أهل زمانه رموه بالكفر واستحلال شرب الخمر والزنا وأنه كان يلبس الغيار والزنار بالليل ويخلعهما بالنهار، وتحزبوا عليه وأتوا به مقيدًا مغلولًا من الشام إلى مصر، وجاء معه خلائق من الشام يشهدون عليه؛ ثم تداركه اللطف على يد الشيخ جمال الدين الإسنوى. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: حصل فنونًا من العلم: من الفقه والأصول وكان ماهرًا فيه، والحديث وشارك في العربية وكان له بد في النظم والنثر جيد البديهة ذا بداهة وطلاقة لسان وذكاء مفرط صنف تصانيف عدة على صغر سنه، ومن جملة تصنيفاته: شرح مختصر ابن الحاجب سماه «برفع الحاجب» وشرح منهاج البيضاوي، والقواعد، وطبقات الفقهاء وغير ذلك. توفي شهيدًا بالطاعون سنة سبعمائة وإحدى وسبعين. ودفن بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى.
(ترجمة العز بن جماعة)
(ومنهم) - العز بن جماعة فهو عز الدين عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني الحموى الدمشقي المولد، المصري الشافعي: أخذ النحو عن أبي حيان، وولى قضاء الديار المصرية مدة طويلة، وكان يتمنى أن يموت بأحد الحرمين فاستعفى عن القضاء، ثم حج فمات ودفن بالمعلى إلى جانب الفضيل بن عياض،
[ ٣٨ ]
وأبى القاسم القشيرى سنة سبعمائة وست وستين. وله بعض التأليفات، منها: مناسك الحج على المذاهب الأربعة. وكان خيرًا صالحًا - رحمه الله تعالى.
وأقول: إن الشيخ ابن حجر قد صرح في كلامه السابق بذكر هؤلاء الثلاثة فلزمت ترجمتهم. ثم أجمل بعد ذلك بقوله: وغيرهم؛ فلزم أيضًا تكميلًا للاطلاع ترجمة بعض من اؤلئك الغير.
(ترجمة الزملكاني)
(فمنهم) الزملكاني - وهو القاضي كمال الدين أبو المعالي محمد بن الإمام علاء الدين على الزملكاني، انتهت إليه رياسة مذهب الشافعي.
قال ابن الوردى في تاريخه: طلب من حلب على البريد إلى حضرة السلطان ليولى القضاء بالشام؛ فتوفى بمدينة بلبيس وحمل إلى القاهرة فدفن بالقوافة سنة سبعمائة وسبع وعشرين. وكان غزير العلم، كثير الفنون، مسدد الفتاوى، دقيق الذهن - رحمه الله تعالى. اهـ.
وقال في كتاب (كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون): بحث ابن تيمية وابن الزملكاني في مسألة الطلاق، وفي حرمة شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين فصنفوا فيه منها الأبحاث الجلية وكتاب الدرة اليتيمة. وبالغ العلماء في رده حتى صرح بكفر من أطلق عليه شيخ الإسلام، فانتدب حافظ الشام الشمس بن ناصر الدين الشافعي المتوفى سنة ثمانمائة واثنين واربعين فجمع كتابًا سماه «الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام كافر» انتهى.
وذكر السخاوى: أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قرأ عليه - يعني على الشمس - وهو أيضًا قرأ على ابن حجر، وله مصنفات عديدة. وسيأتي إنشاء الله تعالى هذا البحث مع أدلة الطرفين في محله.
[ ٣٩ ]
(ترجمة أبي حيان)
(ومنهم أبو حيان الظاهري وقيل الشافعي - وهو العلامة أثير الدين محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي وقد قدمنا سبب انحرافه عن الشيخ ابن تيمية بعد ان مدحه بالأبيات المارة آنفًا. قال ابن الوردى: وله مصنفات جليلة، منها تفسير القرآن العظيم، وهو المسمى باليحر، وشرح التسهيل وغير ذلك. وكان يستهزئ بالفضلاء من أهل القاهرة، ويتحملونه لحقوق اشتغالهم عليه ومن حسن شعره قوله: [طويل] .
وقابلني في الدرس أبيض ناعم وأسمر لدن أورثا جسمى الردى
فذا هز من عطفيه رمحًا مثقفًا وذا سل من جفنيه عضبًا مهندًا
(ترجمة ابن حجر الهيتمي)
ولنذكر أيضًا ترجمة الشيخ ابن حجر المذكور، ضضوعفت لنا وله الأجور - فهو واحد العصر، ثاني القطر، علامة المنقول فهامة المعقول شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر، نسبة على ما قيل إلى جد من أجداده كان ملازمًا للصمت تشبيها له بالحجر. الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، ولد بمصر سنة تسع وتسعمائة وتوفي سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة - بالتاء قبل السين - بمكة زادها الله تعالى شرفًا وكان مقيمًا بها. وله تأليفات مفيدة منها: تحفة المحتاج في أربع مجلدات، والزواجر والصواعق، وشرح الهمزية والفتاوى الفقهية والحديثية وغير ذلك وأخذ عن القاضي زكريا وغيره والهيتمي نسبة إلى محله من إقليم الغربية بمصر.
(ترجمة ابن حجر العسقلاني)
وأما ابن حجر الآخر - فهو شيخ الإسلام، أمير المؤمنين في الحديث، شهاب الدين أحمد بن علي محمد بن حجر، نسبة إلى حجر قوم تسكن الجنوب العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، الشافعي.
[ ٤٠ ]
ولد سنة سبعمائة وثلاث وسبعين، وصار حافظ الإسلام وحجة الأعلام ومحي السنة ورحل الناس إليه من الأقطار وله تصانيف كثيرة مشهورة منها: فتح الباري في شرح صحيح البخاري. واقتفى آثار السلف وتوفي سنة ثمانمائة واثنتين وخمسين وهو من مشايخ القاضي زكريا وإنما ترجمت هنا هذا الفاضل لييز بينهما من لم يكن مطلعًا على تراجم الأفاضل - رحمهم الله تعالى.
فصل: يشتمل على مقصدين
المقصد الأول: في تراجم بعض آباء الشيخ ابن تيمية وأقربائه
(ترجمة المجد ابن تيمية)
(فمنهم) - جده شيخ الإسلام مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن علي بن تيمية الحرانى الفقيه الحنبلي الإمام المقرئ المحدث المفسر الأصولى النحوي، واحد الحفاظ الأعلام، ولد سنة تسعين وخمسمائة تقريبًا بحران، وحفظ القرآن وسمع من عمه الخطيب فخر الدين، ثم ارتحل إلى بغداد مع ابن عمه سيف الدين عبد الغني وأقام بها ست سنين يشتغل بالعلوم، ثم رجع إلى حران فاشتغل على عمه فخر الدين.
قال الذهبي: وقال لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية: وكان الشيخ جمال الدين بن مالك يقول: ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين الحديد لداود.
وقال الحافظ عز الدين: حدث بالحجاز والعراق والشام وحران وصنف ودرس وكان من أعيان العلماء وأكابر الفضلاء.
وقال الذهبي: قال شيخنا: كان جدنا عجبًا في حفظ الأحاديث وسردها وحفظ مذاهب الناس بلا كلفة قال الذهبي: وكان معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله، وصنف التصانيف واشتهر وبعد وصيته، وكان
[ ٤١ ]
فرد زمانه في معرفة المذهب مفرط الذكاء متين الديانة كبير الشأن ومن تصنيفاته: تفسير القرآن العظيم، والمنتقى في الأحاديث والمحرر في الفقه ومنتهى الغاية وغير ذلك.
قال ابن رجب في طبقانه: كان المجد يفتى أحيانًا: أن الطلاق الثلاث المجموعات غنما يقع منها واحدة فقط. توفي يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة سنة اثنين وخمسين وستمائة بحران وتوفيت ابنة عمه زوجته بدرة المكناة بأم البدر قبله بيوم الأحد، وروت بالإجازة عن ضياء الخريف - رحمهم الله تعالى.
(ترجمة عبد الحليم بن تيمية)
(ومنهم) - والده شهاب الدين أبو أحمد عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية، نزيل دمشق. ولد سنة سبع وعشرين وستمائة بحران. وسمع من والده وغيره. وأتقن العلوم ودرس وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه.
قال الذهبي: وكان إمامًا محققًا كثير الفنون وكان من أنجم الهدى وإنما اختفى من نور القمر وضوء الشمس - يشير إلى أبيه وابنه. وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه توفى سلخ ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى.
(ترجمة عبد الغني بن تيمية)
(ومنهم) - أبو محمد سيف الدين عبد الغني بن فخر الدين عبد الله بن تيمية الحرانى الحنبلي، وخطيب حران وابن خطيبها وعظ ودرس وصنف وله كتاب «الزوائد على تفسير الوالد» ورحل إلى بغداد، وسمع من علمائها، توفي سنة تسع وثلاثين وستمائة.
(ترجمة شرف الدين بن تيمية)
(ومنهم) - المفتى الزاهد القدوة شرف الدين عبد الله بن عبد الحليم
[ ٤٢ ]
ابن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية أخو الشيخ تقي الدين. ولد سنة ست وتسعين وستمائة بحران. وقدم مع أهله إلى دمشق رضيعًا فخضر بها على جماعة، واشتغل بالعلوم، وبرع في الفرائض والحساب وعلم الهيئة وفي الأصلين والعربية والحديث ودرس بالحنبلية مدة وكان قانعًا زاهدًا عابدًا ورعًا كثير الصدقات ولد كرامات وحج مرارًا وجلس مع أخيه مدة في الديار المصرية وقد استدعى غير مرة وحده للمناظرة فناظر وأفحم الخصم، وأثنى عليه الزملكاني والذهبي في معجمه كثيرًا توفي بدمشق، صلى عليه بالجامع، وحمل إلى القلعة فصلى عليه أخوه شيخ الإسلام وعبد الرحمن وغيرهما ثم صلى عليه مرارًا فدفن بمقابر الصوفية سنة سبع وعشرين وسبعمائة - رحمه الله تعالى.
(ترجمة محمد بن تيمية)
(ومنهم) - على ما في تاريخ ابن خلكان: أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله المعروف بابن تيمية الحرانى. الخطيب الواعظ الفقيه الحنبلي كان فاضلًا تفرد في بلاده بالعلم وكان المشار إليه في الدين. أخذ العلوم عن جماعة، وقدم بغداد وصنف في المذاهب وله ديوان خطب مشهور وتفسير القرآن الكريم، وله قبول تام عند الخاص والعام وكان أبوه أحد الأبدال والزهاد وذكره المؤرخون وأثنوا عليه.
توفي في سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحران. انتهى ملخصًا.
(ترجمة زينب بنت تيمية)
(ومنهم) - زينب بنت عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلية قال الحافظ ابن حجر: سمعت من الحجار وغيره ن وحدثت وأجازت لى قال في الشذرات: وتوفيت سنة تسع وتسعين وسبعمائة - رحمها الله تعالى.
[ ٤٣ ]
المقصد الثاني: في ترجمة بعض تلامذته الكرام المشهورين وترجمة المثنين عليه من العلماء المتأخرين
على طريق الاختصار لتكمل الفائدة لذوي الأبصار فأقول:
(ترجمة الإمام ابن القيم)
(منهم) - العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي المفسر النحوي الأصولي المتكلم الشهير بابن القيم الجوزية.
قال في الشذرات: بل هو المجتهد المطلق. قال ابن رجب: ولد شيخنا سنة إحدى وتسعين وستمائة ولازم الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخذ عنه وتفنن في كافة علوم الإسلام وكان عارفًا في التفسير لا يجاري فيه وبأصول الدين وإليه فيه المنتهى، وبالحديث ومعانيه ودقائق الاستنباط فيه لا يلحق في ذلك. وبالفقه والأصول والعربية وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام والتصوف. حبس مدة لإنكاره «جد الرحيل إلى قبر الخليل» وكان ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى ولم اشاهد مثله في عبادته وعمله بالقرآن والحديث وحقائق الإيمان وليس هو بالمعصوم ولكن لم أر في معناه مثله وقد امتحن وأوذي مرات وحبس مع شيخه شيخ الإسلام تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة منفردًا عنه ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ، وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن وبالتدبر والتفكر ففتح عليه من ذلك خير كثير وحصل له بجانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة وتسلط ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والخواص في غوامضهم وتصانيفه وحج مرات كثيرة وجاور بمكة وكان اهل مكة يتعجبون من كثرة طوافه وعبادته. وسمعت عليه قصيدته
[ ٤٤ ]
النونية في السنة وأشياء من تصانيفه غيرها وأخذ عنه العلم خلق كثير في حياة شيخه وإلى أن مات وانتفعوا به.
قال القاضي برهان الدين الزرعي: وما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه ودرس يالصدرية وأم بالجوزية وكتب بخطه ما لا يوصف كثرة وصنف تصانيف كثيرة جدًا في أنواع العلوم وحصل له من الكتب ما لم يحصل لغيره.
فمن تصانيفه: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته وسفر الهجرتين ومراحل السائرين والكلم الطيب وزاد المسافرين وزاد المعاد - أربع مجلدات، وهو كتاب جليل وكتاب نقد المنقول وكتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين - ثلاث مجلدات كتاب بدائع الفوائد - مجلدان.
النونية الشهيرة بالشافعية الكافية. الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح. ونزهة المشتاقين وكتاب الداء والدواء. وكتاب مفتاح دار السعادة - مجلد ضخم غريب الأسلوب واجتماع الجيوش الإسلامية وكتاب الطرق الحكمية وكتاب عدة الصابرين وكتاب إغاثة اللهفان وكتاب الروح وكتاب الصراط المستقيم والفتح القدسي. والتحفة المكية والفتاوى وغير ذلك.
توفي ثالث عشر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ودفن بمقبرة الباب الصغير بعد أن صلى عليه بمواضع عديدة، وكان قد رأى قبل موته شيخه تقي الدين في النوم وسأله عن منزلته فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة - رحمهم الله تعالى انتهى. باختصار.
(ترجمة الحافظ الذهبي)
(ومنهم) - الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ابن قايماز - بالزاي - التركماني الذهبي.
[ ٤٥ ]
قال في الشذرات: قال التاج السبكي في طبقاته الكبرى: شيخنا وأستاذنا محدث العصر. اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ بينهم عموم وخصوص: المزي والبرازلي والذهبي والشيخ الوالد لا خامس لهم في عصرهم.
فأما أستاذنا أبو عبد الله فبحر لا نظير له وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة إمام الوجود حفظًا وذهب العصر معنى ولفظًا وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها أخبار من حضرها تحمل المطى إلى جواره وتضرب النزل المهارى أكبادها فلا تبرح حتى تحل بداره وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة جزاه الله تعالى عنا أحسن الجزاء وجعل حظه من عرصات الجنان موفر الأجزاء. وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وأخذ عن شيوخ كثيرين منهم: هبة الله بن عساكر، وشيخ الإسلام ابن دقيق العيد توفي يوم الإثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ومن شعره: [متقارب]
تولى كأن شبابي لم يكن وأقبل شيب علينا تولى
ومن عاين المنحنى والنقا فما بعد هذين إلا المصلى
انتهى باقتصار.
ونقل في الشذرات عن «المنهل الصافي» بعد ترجمة حسنة: أن له تصانيف كثيرة مفيدة؛ منها: تاريخ الإسلام الكبير - في إحدى وعشرين مجلدًا.
ومختصره في عدة مجلدات. ومختصر العبر من غبر. ومختصر آخر، وآخر وآخر. واختصر تهذيب الكامل للمزي ومنها ميزان الاعتدال في نقد الرجال والمغنى في الضغفاء ومختصر آخر ومنها طبقات الحفاظ والتجريد في أسماء الصحابة ومنها مختصر تاريخ بغداد للخطيب ومنها مختصر تاريخ ابن السمعاني واختصر وفيات المنذري. واختصر تاريخ دمشق بعشر
[ ٤٦ ]
مجلدات واختصر تاريخ نيسابور للحاكم. واختصر المحلى لابن حزم الظاهري واختصر الفاروق لشيخ الإسلام الأنصاري.واختصر رد الرافضة للشيخ ابن تيمية واختصر المعلم لابن عبد البر. واختصر سلاح المؤمن. ومنها كتاب سيرة الحلاج وكتاب الكبائر وكتاب العرش وكتاب أحاديث الصفات وكتاب الشفاعة وكتاب صفة النار وكتاب رؤية الباري سبحانه وكتاب التلويح وكتاب تقويم البلدان وترجمة السلف وهالة البدر والمعجم الكبير والوسط والصغير، وغير ذلك مما يطول ذكره. ومن شعره: [كامل]
العلم قال الله قال رسوله إن صح والإجماع فاجهد فيه
وحذار من نصب الخلاف جهالة بين الرسول وبين رأى فقيه
انتهى باختصار. وقد توفى بدمشق. قال ابن الوردى: صلى على الشيخ شمي الدين الذهبي - منقطع النظير في معرفة أسماء الرجال والمحدث الكبير - صلاة الغائب بحلب وكان قد أضر في آخر عمره - رحمه الله تعالى.
ترجمة ابن كثير
(ومنهم) - الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصري ثم الدمشقي الفقيه الشافعي ولد سنة سبعمائة وقدم دمشق مع أخيه وله سبع سنين وألف في صغره «أحكام التنبيه» وكان كثير الاستحضار قليل النسيان جدًا.
قال الذهبي: هو الإمام المحدث البارع ووصفه بحفظ المتون وأطنب في ترجمته.
قال ابن حبيب: سمع وجمع وصنف وأطرب الأسماع بالفتاوى وشنف وحدث وأفاد وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير ومن تصانيفه: التاريخ
[ ٤٧ ]
المسمى «بالبداية والنهاية» وكتاب في جمع المسانيد العشرة وطبقات الشافعية وسيرة وشرح قطعة من البخاري وغير ذلك وقد أخذ عن جماعة أجلهم الشيخ ابن تيمية وقد أكثر عنه وتلامذته كثيرة منهم: العلامة ابن حجر العسقلاني.
وقال فيه: أحفظ من أدركناه لمتون الحديث وأعرفهم بجرحها وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي غليه إلا واستفدت منه.
وقال ابن قاضي شبهة: كانت له خصوصية بالشيخ ابن تيمية ومناصفة منه واتباع له في كثير من آرائه وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي وتوفي في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه تقي الدين - رحمهما الله تعالى.
(ترجمة شمس الدين ابن قداه)
(ومنهم) - على ما في الشذرات: الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي، الجماعيلى الأصل ثم الصالحي الفقيه الحنبلي المقرئ المحدث الحافظ الناقد النحوي المتفنن الجبل الراسخ ولد في رجب سنة أربع أو خمس أو ست وسبعمائة وتوفى سنة أربع وأربعين في جمادى الآخرة وعمره أربعون سنة أو أقل وسمع من خلق كثير منهم: الحجار، وعنى بالحديث وفنونه وبرع في ذلك وأفتى ودرس، ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية مدة، وأخذ عن الذهبي وغيره وقد ذكر في طبقات الحفاظ قال: وصنف التصانيف الكثيرة بعضها كمل وبعضها لم يكمل لهجوم المنية عليه وله توسع في العلوم والفقه والأصلين وذهن سيال وعدة محفوظات. وعدله ابن رجب في طبقاته ما يزيد على سبعين مصنفًا ودفن بسفح قاسيون - انتهى ملخصًا.
قلت: ومن تأليفاته كتاب الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي في مسألة شد الرجل لزيارة القبور وهو كتاب يدل على كمال إطلاعه في الرجال
[ ٤٨ ]
وغزارة علمه وستأتي بعض عباراته في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
(ترجمة ابن قاضي الجبل)
(ومنهم) - قاضي القضاة شرف الدين أبو العباس أحمد بن الحسين بن عبد الله بن أبي بكر محمد بن أحمد بن قدامة الحنبلي. قال في «الشذرات»: هو الشيخ الإمام جمال الإسلام، صدر الأئمة الأعلام شيخ الحنابلة المقدسي الأصل ثم الدمشقي المشهور بابن قاضي الجبل. مولده سنة ثلاث وتسعين وستمائة وكان متفننًا عالمًا بالحديث وعلله والنحو واللغة والأصلين والمنطق وله في الفروع القدم العالى. قرأ على الشيخ نقي الدين ابن تيمية عدة تصنيفات في علوم شتى وأذن له في الإفتاء فأفتى في شبيته وسمع من غيره وفي مشايخه كثرة ثم طلب في آخر عمره إلى مصر ليدرس بمدرسة السلطان حسن وأقام بها مدة وأخذوا عنه ورأس على أقرانه إلى أن ولى القضاء بدمشق إلى أن توفي قال الذهبي فيه: هو مفتى الفرق، سيف المناظرين وبالغ ابن رافع وابن حبيب في مدحه. وله اختيارات في المذهب معها بيع الوقف للحاجة وتبعه على ذلك جماعة وكلهم تبع لشيخ الإسلام. توفي بمنزله بالصالحية في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. ومن شعره:
[مجزوء الكامل المرفل]
الصالحية جنة والصالحون بها أقاموا
فعلى الديار أهلها منى التحية والسلام
وقوله رحمه الله تعالى: [وافر]
نبي أحمد وكذا إمامي وسيخي أحمد كالبحر طامى
واسمي أحمد ولذاك أرجو شفاعة أشرف الرسل الكرام
(ترجمة الطوفى الصرصري)
(ومنهم) - البحر العباب، والغيث الذي يقصر عنه السحاب: أبو الربيع سليمان نجم الدين بن عبد القوي الصرصري البغدادي الحنبلي، المعروف
[ ٤٩ ]
جابن البوقي ولد سنة بضع وستمائة بقرية طوفي من أعمال صرصر قرية تبعد عن بغداد بفرسخين. وتوفي في رجب سنة ست عشرة وسبعمائة في بلد الخليل، وله تفسير يسمى بالإشارات الإلهية والمباحث الأصولية، ليس له في بابه نظير؛ قاله في طبقات الحنابلة وقال في «الشذرات»: إنه الحنبلي الأصولي المتفنن، دخل بغداد فحفظ المحرر في الفقه وقرأ العربية والأصول والفرائض والمنطق جالس فضلاء بغداد وحصل منهم فنونًا وسمع منهم الحديث وسافر إلى دمشق وسمع بها الحديث ولقي الشيخ ابا العباس أحمد بن تيمية وغيره ثم سافر إلى مصر فسمع بها الحديث وقرأ على أبي حيان مختصره لكتاب سيبويه وحج وجاور بالحرمين وقرأ بهما كثيرًا من الكتب وأقام بالقاهرة مدة، وصنف تصانيف كثيرة منها: الإكسير في قواعد التفسير وشرح مقامات الحريري - في مجلدات، وغير ذلك. قيل: وكان مع ذلك كله شيعيًا حتى أنه قال في نفسه: أشعرى حنبلي رافضي هذه إحدى العبر (١)؛ حتى أنه صنف كتابًا سماه العذاب الواصب على أرواح النواصب وقد حبس وطيف به لأجل ذلك، ثم سافر إلى الجح وجاور ثم تزل إلى الشام. وتوفي في بلد الخليل ﵇ انتهى ملخصًا.
وإنما ذكرته لشهرة أقواله والإطلاع على غريب حاله؛ وإلا فهو ليس من تلامذة الشيخ المختصين بل من جملة الملاقين الآخذين. والله سبحانه أعلم بحقائق الأمم الغابرين الناقلين.
_________________
(١) قوله أشعري.. إلخ «هكذا بالأصل الذي بأيدينا. والظاهر أنه بيت شعر، واستقامة وزنه هكذا: أشعري وحنبلي وكذا رافضي هذه إحدى العبر فليحرر. اهـ مصححه» . (هـ. ص)
[ ٥٠ ]
(ترجمة ابن الوردى)
(ومنهم) - زين الدين عمر بن مظفر بن عمر بن محمد الوردى المصري الحلبي الشافعي قال ابن العماد: كان إمامًا بارعًا في اللغة والفقه والنحو والأدب متفننًا في العلم ونظمه في الطبقة القصوى وله فضائل مشهورة وله تصانيف كثيرة منها شرح ألفية ابن مالك وألفية ابن معطى واللباب وتذكرة الغريب ومنطق الطير في التصوف وغير ذلك توفي مطعونا بحلب سنة تسع وأربعين وسبعمائة وقال ابن قاضي شهبة: وله ديةان شعر ومقامات. وناب في الحكم بحلب وفي شبيبته عن ابن النقيب ثم عزل نفسه وحلف لا بلى القضاء لمنام رآه وكان ملازمًا للاشتغال والتصنيف وشاع ذكره واشتهر صيته قال السيوطي ومن نظمه: [سريع]
لا تقصد القاضي إذا أدبرت دنياك واقصد من جواد كريم
كيف ترجى الرزق من عند من يفتى بأن الفلس مال عظيم
ومنه قوله: [سريع]
سبحان من سخر لى حاصدى يُحدث لى في غيبتى ذكرًا
لا أكره الغيبة من حاسد يفيدنى الشهوة والأجرا
قلت: وهو من أعظم المحبين الموالين للسيخ ابن تيمية فقد قال في ترجمته المطنبة في تاريخه مانصه: لقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون. وكان معظمًا لحرمات الله تعالى، دائم الابتهال قوى التوكل وهو أكبر من ينبه على فضله مثلى؛ فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت إني ما رأيت بعيني مثله ولا أرى هو مثل نفسه في العلم. انتهى باختصار.
[ ٥١ ]
(ترجمة زين الدين الحراني)
(ومنهم) - زين الدين أبو حفص عمر بن سعد الله الحراني الدمشقي الفقيه، قال الذهبي: عالم ذكي، خبير بصير بالفقه والعربية سمع الكثير وتخرج على الشيخ ابن تيمية ولازمه وولى نيابة الحكم. وحدث ابن الشيخ السلامية عنا أنه قال: لم أقض قضية إلا وأعددت لها الجواب بين يدي الله تعالى. ولد سنة خمس وثمانين وستمائة وتوفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة شهيدًا بالطاعون - رحمه الله تعالى.
(ترجمة ابن مفلح)
(ومنهم) - أقضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح بن محمد ابن مفرج المقدسي، ثم الصالحي الحنبلي.
قال ابن العماد: هو الشيخ الإمام العالم العلامة وحيد دهره وفريد عصره شيخ الإسلام وأحد الأئمة الأعلام تفقه وبرع ودرس وأفتى وناظر وحدث وأفاد وناب في الحكم عن قاضي القضاة المرداوي وتزوج ابنته وكان آية وغاية في نقل مذهب الإمام أحمد - ﵁ -.
وقال أبو البقاء السبكي: ما رأت عيناي أحدًا أفقه منه وكان ذا حفظ من زهد وتعفف وورع ودين ومتين.
وذكره الذهبي في «المعجم» فقال: شاب عالم، له عمل ونظر في رجال السنن. ناظر وسمع وكتب وتقدم ولم ير في زمانه في المذاهب الأربعة من له محفوظات أكثر منه فمن محفوظاته: المنتقى في الأحكام.
وقال ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد ابن مفلح وحسبك هذه الشهادة من مثل هذا الإمام. وحضر عند الشيخ تقي الدين ونقل عنه كثيرًا وكان يقول له: ما أنت ابن مفلح، بل أنت ابن مفلح وكان أخبر الناس بمسائله واختياراته حتى أن العلامة ابن القيم كان يراجعه في ذلك.
[ ٥٢ ]
وله مشايخ كثيرون منهم: المزىّ والذهبي وكذلك الشيخ تقي الدين السبكي يثنى عليه كثيرًا.
قال ابن كثير: وله مصنفات كثيرة منها على «المقنع» نحو ثلاثين مجلدًا وعلى «المنتقي» وكتاب الفروع أربع مجلدات وهو من أجل الكتب وقد اشتهر في الآفاق. وله كتاب في أصول الفقه: والآداب الشرعية الكبرى والوسطى والصغرى توفي ليلة الخميس ثاني رجب سنة ثلاث وستين وسبعمائة بالصالحية دفن بالروضة بالقرب من الشيخ موفق الدين وله بضع وخمسون سنة - رحمه الله تعالى -.
(ترجمة شرف الدين ابن المنجا)
(ومنهم) - الشيخ شرف الدين أبو عبد الله محمد بن المنجا بن عثمان التنوخي الدمشقي الحنبلي، ولد سنة خمس وسبعين وستمائة.
قال الذهبي في معجمه: كان إمامًا فقيهًا حسن الفهم سمع وتفقه وأفتى ودرس بالسمارية وكان من خواص أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية وملازميه حضرًا وسفرًا وكان مشهورًا بالتقوى والخصال الجميلة والعلم والشجاعة توفي سنة أربع وعشرين وسبعمائة ودفن بقاسيون - رحمه الله تعالى.
[ترجمة بعض تلامذة الإمام الذين تأثروا به ولم يعاصروه]
وأقول حيت انتهى - ما قصد إيراده من ذكر بعض تلامذته ومن تخرج بملازمته - فلنذكر بعضا من الطبقات التي بعدهم من الأئمة الثقات:
(ترجمة ابن ناصر)
(فمنهم) - حافظ دمشق الشام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن عبد الله
[ ٥٣ ]
بن محمد القيسى الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين الشافعي ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة وحفظ القرآن وعدة متون وحصل العلوم وأكب على الحديث ولازم الشيوخ وصار حافظ الشام بلا منازع واشتهر اسمه وبعد صيته وله تصانيف عديدة منها: افتتاح القارى لصحيح البخاري، وعقود الدرر في علوم الأثر وأتحاف السالك وله مصنفات في المعراج والوفاة النبوية ونفحات الأخيار والرد الوافر في الانتصار للشيخ ابن تيمية كما تقدم وله غير ذلك وتوفي بدمشق سنة اثنين وأربعين وثمانمائة ودفن بمقبرة باب الفراديس - رحمه الله تعالى.
(ترجمة الشيخ إبراهيم الكوراني)
(ومنهم) - نزيل المدينة المنورة الشيخ إبراهيم بن شهاب الدين حسن الشهرزورى الشهراني الكوراني الكردي الشافعي. قال الشيخ مصطفى الحموى: هو محقق العلوم على اختلاف أنواعها، ومقيد شواردها ومؤهل أطلال المعارف بعد إقواء رباعها نادرة الإعصار وعديم الشكل في سائر الأمصار حامل لواء الشريعة والحقيقة وغائص بحار الأنظار الدقيقة أظهر نوعًا من المعارف لايدرك أهل زمانه جنسه فصار ملة واحدة وطريقة منزهة من كل خسة فهو إمام الأمة وحبر الملة ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ففيه الصوفيه وصوفي الفقهاء وعالم الصلحاء وصالح العلماء وارث علوم الأولياء ووارد موارد الأصفياء ولد في شوال سنة خمس وعشرين وألف ببلاد شهران من جبال الكرد ونشأ في عفة وصيانة وديانة وأخذ في طلب العلم ببلاده على مشايخ قطره وفاز منه بالحظ الأوفى وقرأ التفسير على المنلا محمد بن شريف الكوراني الصديقي وما ترك شيئًا من العلوم إلا وحققه في بلاده إلا علمى التصوف والحديث ففي بلاد العرب وخرج بعد وفاة والده قاصدًا لأداء الفريضة وسنة الزيارة فمر على بغداد فأقام بها قدر عامين،
[ ٥٤ ]
ثم سافر إلى الشام وبقي فيها أربعة أعوام ثم ذهب إلى المدينة المنورة على ساكنهها أفضل الصلاة والسلام ولم يزل - إلى أن مات فيها - يتعهد الخلوة أيامًا وينقطع للذكر حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى وراضوانه عصر يوم الأربعاء - الذي ورد أنه لايفتح فيه قبر منافق - الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ألف ومائة وواحدة ودفن بعد المغرب ببقيع الغرقد وله مصنفات كثيرة؛ منها: شرحان على عقيدة شيخه القشاشى أحمد ومسلك الاعتدال إلى آية خلق الأفعال ومسلك السداد وإعمال الفكر والرويات وإفاضةى العلام في تحقيق مسألة الكلام وتنبيه العقول على تنزيه الصوفيه عن اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول ومطلع الجود وإتجاف الخلف بعقيدة السلف. واللعمة والسنية وجناح النجاح واقتفاء الآثار ومجلى المعاني حاشية على عقائد الدوانى وجلاء الأنظار ونوال الطول والأمم لإيقاظ الهمم وإسعاف الخيف وغير ذلك. انتهى ملخصًا.
قلت: وكان سلفي العقيدة ذابًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية وكذا يذب عما وقع في كلمات الصوفية مما ظاهره الحلول أو الاتحاد أو العينية - نفعنا الله تعالى به وأكرمه بجنات عليه، آمين.
(ترجمة منلا على القارئ)
(ومنهم) - المنلا على بن محمد بن سلطان الهروى القارئ الملكي الحنفي قال الحموى في ترجمته: علامة الزمان، وواحد العصر والأوان، وعالم بلد الله الحرام والمشاعر العظام. قرأ العلم ببلاده ثم رحل إلى مكة المكرمة وتديرها. وله شيوخ كثيرون منهم: شيخ الإسلام ابن جعفر الهيتمي وكان كثير الاعتراض عليه، وشديد التعصب على الشافعية. وله مصنفات كثيرة؛ منها: شرح الشفاء وشرح الشمائل. وشرح النخبة. وشرح الشاطبية. وشرح الجزرية ولخص القاموس وسماه الناءوس. ورسالة في ابن عربي والحط
[ ٥٥ ]
منه بقوله بإيمان فرعون وغير ذلك، وله وسائل لا تحصى كثرة وتوفي بمكة المكرمة سنة ألف وأربعة عشر ودفن بالمعلى ولما بلغ خبر موته علماء مصر وصلوا عليه بالجامع الأزهر صلاة الغيبة في مجمع حافل يجمع آلاف نسمة - رحمه الله تعالى - انتهى ملخصًا.
قلت: وكان كثير الذبّ أيضًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن القيم وكامل التعظيم لهما ومما قاله في شرح الشمائل ما نصه: ومن طالع شرح منازل السماء السائرين تبين له أنهما كانا من أكابر أهل السنة والجماعة ومن أولياء هذه الأمة، انتهى. وأطال في كثير من تأليفاته ببيان حالهما والتنويه بقدرهما ومن أراد ذلك فليرجع إلى ما هنالك.
(ترجمة العلامة السويدي البغدادي)
(ومنهم) - أمير المؤمنين في الحديث الشيخ النحرير أبو المعالي على أفندي الشافعي ابن الفهامة الشيخ محمد سعيد بن أبي البركات عبد الله الشهير بالسويدي البغدادي العباسي.
قال في «النزهة» من ترجمة طويلة ما نصه: وكان لأهل السنة برهانًا ولعلماء المحدثين سلطانًا ما رأيت أكثر منه حفظًا ولا أعذب منه لفظًا، ولا أحسن منه وعظًا ولا أفصح منه لسانًا ولا أوضح منه بيانًا ولا أكمل منه وقارًا ولا آمن منه جارًا ولا أكثر منه حلمًا ولا أكبر منه بمعرفة الرجال علمًا ولا أغرب منه عقلًا ولا أوفر منه في فنه فضلًا ولا ألين منه جانبًا ولا آنس منه صاحبًا اختارت روحه - في دمشق الشام - من الملأ الأعلى رفيقًا، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أؤلئك رفيقًا﴾ [النساء٦٩] وجاء تاريخ وفاته - أسكنه الله تعالى أعلى جناته - إن المدارس تبكي عند فقد على. انتهى.
[ ٥٦ ]
وذلك سنة الألف والمائتين والسابعة والثلاثين في السابع والعشرين من رجب الأصم. أحله الله تعالى في النعيم الأتم. وقد مر عليك ثناؤه على الشيخ ابن تيمية وستأتي أيضًا بعض عبارته المرضية وله تأليفات مفيدة ورسائل عديدة ومن أجلها: كتاب «العقد الثمين في بيان مسائل الدين» وقد شرحه ولده الفهامة صاحب التصنيفات الجليلة «أبو الفوز محمد الآمين» وقد توفي عند رجوعه من الحج في بلاد نجد الأربعين والمائتين والألف. وله أيضًا كتاب «شرح التعرف في الأصلين والتصوف» وكتاب «رد الإمامية» وشرح «مقاصد الإمام النووي الكبير والصغير» - «سبائك الذهب في الأنساب» وغير ذلك.
(ترجمة شهاب الدين مفتى الحنفية ببغداد الألوسي البغدادي)
(ومنهم): مفتى مدينة السلام مولانا ووالدنا وأستاذنا ابو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الشافعي مفتى الحنفية ببغداد الشهير بالآلوسي، وابن العلامة ولى الله تعالى بلا نزاع السيد عبد الله أفندي.
قال صاحب «حديقة الورود»: هو أستاذنا ومقتدانا إنسان عين الزمان بل عين إنسان نوع الإنسان وسر الليالي المضمر في خاطر الدهر بل نذرها الذي وقت به لهذا العصر كشاف رموز الحقائق وغواص بحر الدقائق شيخ علماء العراق بل بدر الآفاق علامة الفضلاء وسند النبلاء وحيد الدهر بالانفاق كريم الذات بديع الأخلاق خاتمة المفسرين وسعد المحققين وفخر علماء المسلمين والواصل إلى رتبة الاجتهاد الذي شرق وغرب ذكره في البلاد أخذ العلوم عم علماء محققين وأجلاء مدققين وقد ألف ودرس وهو دون العشرين وكان حسن المنظر والمحاضرة والمفاكهة فصيح اللسان ورعًا تقيًا عفيفًا فريدًا في وعضه وجودة خطه وقوة حافظته حتى إنه قال: ما استودعت ذهني شيئًا فخانني وقد ولد يوم الجمعة منتصف شعبان في
[ ٥٧ ]
العام السابع عشر بعد الألف والمائتين وتوفي سنة السبعين بعد المائتين والألف ضحوة يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام. وجاء تاريخ وفاته. [بسيط]
حور الجنان به حفت مؤرخة جنات روح المعاني قبر محمود
وقد آلف تأليف عديدة منها تفسيره «روح المعاني» عشر مجلدات ضخام، وهو تفسير ليس له نظير والله تعالى در «الفاروقى» (١) القائل فيه: [طويل]
يقولون قد مات الشهاب أبو الثناء وباتت عليه أعين العلم باكية
فقلت لهم ما مات من زال شخصه وروح معانيه إلى الحشر باقية
وله شرح «درة الغواص» و«حاشية شرح القطر» و«الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية» وكتاب «الفيض الوارد» و«حواش على حواشي عبد الحكيم» وكتاب «الطراز المذهب» وكتاب «النفحات القدسية» وشرح «البرهان» و«نشوة الشمول» و«نشوة المدام» و«نزهة الألباب وغرائب الاغتراب» وشرح العينية، وحواشي مير في الآداب، والأجوبة اللاهورية وكتاب «الاستعارة» والمقامات وغير ذلك - انتهى باختصار.
وقال في «أريج الند والعود»: إن شيخنا قد ألفت في ترجمته رسائل مفصلة، وبينت أحواله وسيرته في مجلات مطولة. وقد كان نادرة الأوان وممدوحًا بكل لسان حصل العلوم النقلية والعقلية فتفرد بها، ودرس العربية والبيان والحديث والتفسير ووقف على غامضه فيه تفسيره الشهير، والكلام والرياضي الأصلين وقصدته العلماء من الأقطار البعيدة، ونزلت في داره وحضروا عنه وأفتى خمس عشرة سنة بسيرة مرضية وانقادت له الخواص والعوام وهابته الأمراء الفخام وبعد وصيته في سائر بلاد الإسلام ولم يسمع بمثله في كافة الأقاليم منذ سنين عديدة مع تقوى وصلاح وديانة قوية،
_________________
(١) هو عبد الباقي الفاروقي الشاعر العراقي. توفي ١٢٨٩هـ.
[ ٥٨ ]
وسخاء وكرم وصدقات خفيه وقد صنف ودرس وانتفع به خلق كثير وله التصنيفات الحسنة في علوم شتى والنثر العجيب الذي لم يسبق إلى حسن أسلوبه والاستحضار الكامل والفكر الواصل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذب عن السنة وكان لا يمل من التدريس والتأليف وكان ذا حافظة غريبة وفطنة عجيبة وقد انتهت إليه الرياسة في بغداد وأخذت عنه علماؤها الأمجاد وصار أستاذ الكل في الكل والمعول عليه في العقد والحل: [بسيط] .
لا يبلغ الواصف المطرى خصائصه وإن يكن سابقًا في كل ما وصفا
توفي سنة السبعين بعد المائتين والألف وعمره نحو ثلاث وخمسين سنة ودفن بالقرب من الشيخ معروف الكرخي وقبره مشهور يزار ويوم وفاته حل بالمسلمين خطب عظيم ونقص جسيم وكثر عليه من المسلمين الضجيج والعويل والأنين. رحمه الله تعالى، ولا زالت نعمه عليه تتوالى. آمين. انتهى ملخصًا.
وأقول: قد مر لك نقلى كلام الوالد عليه الرحمة فيه والتبجيل له بظاهره وخافيه وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضًا ما تستحليه.
(ترجمة مسند الوقت أحمد ولى الله الدهلوي)
(ومنهم): ناطق هذه الدورة وحكيمها وقائد هذه الطبقة وزعيهما الشيخ الأجل مسند الوقت: أحمد ولى الله المحدث الدهلوي رحمه الله تعالى.
وله رسالة في التفهيمات الإلهية فيها الذب عن شيخ الإيلام ابن تيمية قال فيها: والذي أعتقده أنا، وأحب أن يعتقده جميع المسلمين في علماء الإسلام حملة الكتاب والسنة والفقه الذابين عن عقيدة أهل السنة والحديث، أنهم عدول بتعديل النبي - ﷺ - حيث قال: «يحمل هذا العلم من
[ ٥٩ ]
كل حلف عدوله» (١) وإن كان بعضهم قد تكلم فيهم بما لا يرضيه هذا المعتقدة إذا كان قولهم ذلك غير مردود عليهم بنص الكتاب والسنة والإجماع وكان قولهم ذلك محتملًا وكان مجال ومساغ للخوض فيه سواء كان قولهم ذلك في أصول الدين أو في المباحث الفقهية أو في الحقائق الوجدانية وعلى هذا الأصل اعتقدنا في شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى.
فإنا قد تحققنا من حاله أنه عالم بكتاب الله ومعانيه اللغوية والشرعية وحافظ لسنة رسول الله - ﷺ - وآثار السلف عارف بمعانيهما اللغوية والشرعية أستاذ في النحو واللغة محور لمذهب الحنابلة فروعه وأصوله فائق في الذكاء ذو لسان وبلاغة في الذب عن عقيدة أهل السنة لم يؤثر عنه فسق ولا بدعة اللهم إلا هذه الأمور التي ضيق عليه لأجلها وليس شيء منها إلا ومعه دليله من الكتاب والسنة وآثار السلف فمثل هذا الشيخ عزيز الوجود في العالم ومن يطيق أن يلحق شأوره في تحريره وتقديره والذين ضيقوا عليه ما بلغوا معشار ما آتاه الله تعالى، وإن كان تضييقه ذلك ناشئًا من اجتهاد ومشاجرة العلماء في مثل ذلك ما هي إلا كمشاجرة الصحابة - ﵃ - فيما بينهم والواجب في ذلك كف اللسان إلا بخير - انتهى. ثم أجاب عن مسائله التي ضيقوا عليه فيها.
(ترجمة العلامة الشوكاني)
(ومنهم) - شيخ الإسلام والمسلمين وارث علوم سيد المرسلين العلامة المجتهد المطلق الإمام العلامة الرباني، قاضي القضاة بن علي الشوكاني اليماني - ﵁ - فإنه أثنى عليه في مؤلفاته الممتعة النافعة في مسألة الاستواء ومسألة الطلاق الثلاث وغيرهما. وشرح
_________________
(١) تمامه؛ «ينقون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» . رواه البيهقي في كتاب المدخل مرسلًا عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى اهـ من هامش الأصل. (هـ. ص)
[ ٦٠ ]
كتاب «المنتقى في الأخبار» لجده، وأتى بما لم تستطعه الأوائل.
وترجم له في كتابه «البدر الطالع» وقال: تقي الدين أبو العباس أحمد ابن عبد الحليم بن عبد السلام شيخ الإسلام إمام الأئمة المجتهد المطلق نظر في الرجال والعلل وتفقه وتمهر وتقدم وصنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهب السلف والخلف كذا في «اندرر» للحافظ ابن حجر.
وأقول أنا: لا أعلم بعد «ابن حزم» مثله وما أظن أنه سمح الزمان ما بين عصري الرجلين بمن يشابههما أو يقاربهما وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه ولعل فتاواه في الفنون تبلغ ثلاثمائة مجلد بل أكثر وكان قولًا بالحق لاتأخذه في الله لومة لائم ولا كان متلاعبًا بالدين ولا يتفرد بمسائل بالتشهى ولا يطلق لسانه بما اتفق بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أسوة لمن تقدمه من الأئمة تعتريه حدة في البحث وغضب وصدمة للخصوم تزرع له عداوة في النفوس ولولا ذلك لكان كلمة إجماع فإن كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بأنه بحر لا ساحل له وكنز ليس له نفاد والناس قسمان في شأنه: فبعض منهم مقصر به عن المقدار الذي يستحقه بل يريمه بالعظائم وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد وهذه قاعدة مطردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة فإنه لا بد أن يستنكره المقصرون ويقع له معهم محنة ثم يكون أمره الأعلى وقوله الأولى ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره وهكذا كان حال هذا الإمام فإنه بعد موته عرف الناس مقداره واتفقت الألسن بالثناء عليه إلا من لا بعتد به وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته.
[ ٦١ ]
قال: وقد ترجمه جماعة وبالغوا في الثناء عليه، ورثاه كثير من الشعراء.
وقال جمال الدين السرمدي في «أماليه»: ومن عجائب زمننا في الحفظ ابن تيمية كان يمر بالكتاب وكان يمر بالكتاب مطالعة فينتقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه وقد ترجم له «الصفدي» وسرد في أسماء تصانيفه في ثلاثة أوراق كبار ومن أنفعها كتابه في «إبطال الحيل» فإنه نفيس جدًا وكتابه «المنهاج في الرد على الرافضي» في غاية الحسن.
وقال «ابن سيد الناس اليعمرى» في ترجمته: إنه برز في كل فن على أبناء جنسه ولم ترعين من رآه مثله ولا أرت عينه مثل نفسه وقد خالف الأئمة الأربعة في مسائل عدة صنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة وقد أثنى عليه كثير من أكابر علماء عصره فمن بعدهم ووصفوه بالتفرد وأطلقوا في نعته عبارات ضخمة، وهو حقيق بذلك. انتهى حاصله.
قلت: وكان زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة أكثر أهل زمانه في العقا والنهى وأوفرهم في الفهم والفقه والبصيرة والذكاء حسدوه لكمال عقله وجمال عمله وعلمه وعادوه لصدعه بالحق وإيثارة على الخلق؛ وهذه سنة الله ﷾ في عباده المؤمنين المخلصين له في الدين.
(ترجمة الإمام الأجر أبي الطيب)
(صديق بن حسن أيده الله تعالى)
(ومنهم) - شيخنا الإمام الكبير السيد العلامة الأمير البدر المنير البحر الحبر في التفسير والحديث والفقه والأصول والتاريخ والأدب والشعر والكتابة والتصوف والحكمة والفلسفة وغيرها: أبو الطيب صديق بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي (١)، حماه الله تعالى وعافاه وعن الشرور وقاه وهو الذي نطقت ألسن الخلائق بثنائه،
_________________
(١) المشهور بصديق حسن خان.
[ ٦٢ ]
وأذعنت الأعداء لفضله وفرط ذكائه ولد يوم الأحد لعله التاسع عشر من شهر جمادى الأولى من سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف الهجرية.
أخذ العلم عن أكابر أطراف وطنه ثم ارتحل إلى مدينة دهلي وهي إذ ذاك مشحونة بعلماء الدين؛ فأخذ عن شيوخها في المعقول والمنقول لا سيما من آخرهم وأفضضلهم الشيخ صدر ين الدهلوي تلميذ الشيخ عبد العزيز بن مسند الوقت الشيخ الأجل أحمد ولى الله المحدث الدهلوي ثم ارتحل إلى بهو وبال وسافر إلى الحجاز وحج وزار النبي - ﷺ -. وأخذ من علماء اليمن الميمون تلاميذ العلامة المجتهد المطلق: محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى وجمع في ذلك كتابًا سماه «سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند»، وذكر فيه أخذ عنه ومن أجاز له والأسانيد التي تلقاها عن شيوخه وبقي عاكفًا في الحرمين نحو ثمانية أشهر ثم عاد إلى بهوبال، واستوطن واستقر هنالك بنشر العلم ويفيد العلماء وينصر السنة المطهر ويروح كتبها ويؤلف ومؤلفاته الشريفة الممتعة النافعة باللسان العربي ولغة الفرس والهند تربو على ستين كتابًا منها: تفسيره المرسوم «بفتح البيان في مقاصد القرآن» وهو الجامع بين الرواية الصحيحة والدراية الصريحة؛ وليس قرية وراء عبادان ومنها «الروضة الندية في شرح الدرر البهية» في فقه الحديث ليس له نظير في هذا الباب. ومنها «مسك الختام شرح بلوغ المرام» بالفارسي. ومنها «عون لباري لحل أدلة صحيح البخاري» ومنها «حصول المأمول في علم الأصول» أي أصول الفقه. و«البلغة إلى أصول اللغة» و«الإكسير في أصول التفسير» إلى غير ذلك مما لايحصى كثرة. وقد سرد أسماء كتبه صاحب المواهب و«كنز الرغائب» في كتاب «قرة الإعيان ومسرة الأذهان» (١) ولبعضهم كتاب وسيط في ترجمته الشريفة سماه «قطر الصيب في ترجمة الإمام أبي الطيب» وقد طبعت مصنفاته أكثرها في هذه
_________________
(١) وهو كتاب في تفريظ صديق حسن خان طبع في مطبعة الجوائب لصاحبها أحمد فارس الشدياق.
[ ٦٣ ]
الأيام بمصر القاهرة وقسطنطينية. وياله من تحقيق وبيان وقد سارت بها الركبان من بلدان إلى بلدان إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف استدل ورجح ويحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه وما رأيت أسرع انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه ولا أشد استحضارًا للسنة المطهرة وعزوها منه هذا، ومع ما هو عليه من الكرم والجود والشجاعة وجمع الفؤاد والبراعة والفراغ من ملاذ النفس ومن خالطه وعرفه ينسبني إلى التقصير فيه ومن نابذة وخالفه قد ينسبني إلى التعالى فيه وهو أبيض ربعة من القوم قليل الشيب لهذا العهد شعره إلى شحمة أذنيه فصيح سريع القراءة سريع الكتابة سريع الحفظ والمطالعة لا يبالي في الله لومة لائم من أهل الابتداع ولا تمنعه صولة صائل في تحرير الحق الحقيق بالاتباع. ولا يناظر أحدًا من الناس ولا يخاطبهم بشيء من الرد لكونهم مكابرين لا مناظرين ولا جاهلين ولا عالمين وليس له خصوم إلا بعض المقلدة وأهل البدعة المقصرين عن بلوغ رتبته في الدنيا وقد ترجم له في كتبته الشريفة بما يغني عن الإطالة في هذا المقام وترجم له غيره من علماء الدنيا شرقًا وغربًا يمينًا وشمالًا أيضًا فلا ضرورة لنا ولا حاجة بنا إلى تمام الكلام على هذا المرام.
والمقصود هنا أنه حماه الله تعالى أثنى على شيخ الإسلام ابن تيمية في مؤلفاته عليها ثناء حسنا، ونقل عن جمع جم من أكابر السلف والخلف الأثنية الكثيرة عليه، فإن شئت زيادة الاطلاع على هذه الحال فارجع إلى ذلك المقال.
وبقي من المثنين عليه علماء كثيرون وأئمة من أهل سائر المذاهب ذوي الفضائل والمناقب لا يسعنا لضيق الوقت سرد أسمائهم وبسط ثنائهم. وأما الحنابلة فهم بأجمعهم له معظمون ولعقيدته قابلون ولكلامه سامعون كما سمعت أقوال كبرائهم وسيأتيك إن شاء الله تعالى
[ ٦٤ ]
كثير من عباراتهم فتدبر هذا وذاك وهو سبحانه المرجو لهدانا وهداك.
فصل: (في الجرح والتعديل)
فإن قلت: قد تبين أن من العلماء من هو قادح في الشيخ ابن تيمية وإن كانوا أقل من الفرقة الراضية المرضية؛ إلا أنه من القاعدة التي عليها التعويل أن الجرح مقدم على التعديل فما الجواب المميز للخطأ عن الصواب؟
قلت: قال العلامة شيخ مشايخنا وافضل المتأخرين في عصرنا: السيد محمد أمين بن عابدين الدمشقي محشى «الدر المختار» في كتابه «سل الحسام الهندي لنصرة الشيخ خالد النقبندى»: إن هذه القاعدة المعروفة بين أهل التفريغ والتأصيل من أن الجرح مقدم على التعديل إنما هي في غير من اشتهرت عدالته وظهرت ديانته وفي غير من علم أن التكلم فيه ناشئ عن عداوة أو جهالة وغباوة فقد قال الحافظ الباجي: الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحه وكان هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره؛ فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقة لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ وما من إمام وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر في «كتاب» العلم بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض - بدأ فيه بحديث الزبير - ﵁ - «دب غليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء» الحديث وروى بسنده عن ابن عباس - ﵃ - أنه قال:
[ ٦٥ ]
«استمعوا إلى العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسي بيده لهم اشد تغايرًا من التيوس في زروبها (١») .
مطلب
(لا يؤخذ بقول العلماء في طعن بعضهم بعضًا)
وعن مالك بن دينار يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك وإليه أشار «الرافعي» بقوله: ينبغي أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب، انتهى.
وقد أطال في هذا المقام وهو لعمري على رأس المخالف أمضى من حسام وقال أيضًا في حاشيته على «الدر المختار» في بحث الإمام أبي حنيفة وذكر مناقبه ورد الطاعنين فيه ما نصه: إن الإمام - ﵁ - لما شاعت فضائله جرت عليه العادة القديمة من إطلاق ألسنة الحاسدين فيه حتى طعنوا في اجتهاده وعقيدته مما هو مبرأ منه قطعًا لقصد أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره كما تكلم بعضهم في مالك وبعضهم في الشافعي وبعضهم في أحمد بل تكلم فرقة في أبي بكر وعمر وفرقة في عثمان وعلى وفرقة كفرت جميع الصحابة [طويل]
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا وللناس قال بالظنون وقيل
وقال الذهبي والعسقلاني: إن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول؛ لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب إذ لحسد لاينجو منه إلا من عصمه الله تعالى.
قال الذهبي: وما علمت أن عصرًا سلم أهله من ذلك إلا عصر النبيين
_________________
(١) جميع (زرب) حظيرة الغنم.
[ ٦٦ ]
عليهم الصلاة والسلام انتهى.
ونحو ذلك ما نقله «الإمام الشعراني» في ميزاته عن «طبقات التاج السبكي» ما نصه: ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع جميع الأئمة الماضين، وألا تنظر إلى كلام بعض الناس فيهم إلا ببرهان واضح ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن بحسب قدرتك فافعل وإلا فاضرب صفحًا عما ترى بينهم، فإنك يا أخي لم تخلق لمثل هذا وإنما خلقت للاشتغال بما يعنيك من أمر دينك. قال: ولا يزال الطالب عندي نبيلًا حتى يخوض فيما جرى بين الأئمة فتلحقه الكآبة وظلمة الوجه فإياك ثم إياك أن تصغي لما وقع بين «أبي حنيفة وسفيان الثوري» أو بين «أحمد بن صالح والشعبي» أو بين «أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي» وهلم جرا إلى الزمان الشيخ «عز الدين ابن عبد السلام»، و«والشيخ تقي الدين بن الصلاح» فإنك إن فعلت إن فعلت ذلك خفت أئمة أعلام ولأقوالهم محامل ربما لم يفهمها غيرهم فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما نسكت عما جرى بين الصحابة - ﵃ - أجمعين.
قال: وكان «الشيخ عز الدين بن عبد السلام» يقول: إذا بلغك أن أحدًا من الأئمة شدد النكير على أحد من أقرانه فإنما ذلك خوفًا على أحد من أقرانه فإنما ذلك خوفًا على أحد ان يفهم من كلامه خلاف مراده لا سيما علم العقائد فإن الكلام في ذلك أشد. انتهى.
مطلب
(فيمن طعن في معاصروه)
وقال أيضًا «الشعراني» في كتابه «الأجوبة المرضية عن الفقهاء والصوفية» كما وقع أيضًا «للشيخ عز الدين بن عبد السلام» من رمى أهل زمانه بالكفر - من أجل كلمة قالها - في
عقيدته، وحرضوا (١) السلطان عليه ثم تداركه الله تعالى بلطفه.
_________________
(١) في (ص) و(م) حرفوا.
[ ٦٧ ]
وكذا نكروا على «الشيخ تاج الدين السبكي» ورموه بالكفر واستحلال شرب الخمر وأتوا به مغلولًا مقيدًا من الشام إلى مصر ومعه خلائق يشهدون عليه وأنكروا على إمام الحرمين (١) شيخ «الغزالي» وحسدوه وآذوه: فبرعه له ولد واشتغل بالعلم وصار يدرس نياتة عن والده فأطمعوه السم فقتلوه وأفتوا بكفر «الإمام الغزالي» بألفاظ وجدوها في كتابه «الأحياء» وحرقوا ما وجدوه في أرض المغرب من نسخ الأحياء.
وكان من جملة من قام عليه «القاضي عياض» وضرب رسول الله - ﷺ - ابن أبي الخوارزم في المنام بقارع فلم يزل أثر الضرب على جنبيه حتى مات والواقعة مشهورة.
ومن جملة ما شنعوا على «الغزالي» قوله: «ليس في الإمكان ابدع مما كان» وأمر «الإمام أبي حنيفة» و«أحمد بن حنبل» من الحبس والضرب مشهور وما قاساه «الإمام الشافعي» من أهل مصر لما ادعى الاجتهاد المطلق وكذا «الإمام مالك» من أهل عصره، وما قاساه «الإمام البخاري» حتى أخرجوه من بخارى إلى مدينة خرتنك فمات بها. وما قاساه «سعد ابن أبي وقاص» وتشكي أهل الكوفة عليه عند «عمر» رضي الله تعالى عنهما أنه لا يحسن أن يصلى. وغير ذلك مما يضيق عن تعدادهم هذا الكتاب فإن أردته فارجع إلى المصنفات المفصلة والكتب المطولة.
وفي كتاب «هداية السائل إلى أدلة السائل» لشيخنا «أبي الطيب القنوجي» حماه الله تعالى: قد فتح باب التقليد والمتذهب عداوات وتعصبات قل من سلم منها إلا من عصمه الله تعالى قال: وذكر «الحافظ الذهبي» في ترجمة «أحمد بن عبد الله الهناني» أن «نعيما الأصفاني» قال: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به؛ لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو المذهب أو الحسد،
_________________
(١) الإمام الجويني جاور بمكة وأفتى ودرس بالمدينة سنوات وتوفي بنيسابور ٤٧٨هـ.
[ ٦٨ ]
ولا ينجو منه إلا من عصمه الله تعالى، وما علمت عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى النبيين والصديقين فلو شئت لسردت من ذلك كراريس، انتهى.
[لغرض أو مرض هوجم ابن تيمية]
(واقول): إذا أحطت خبرًا بما تلوناه ونمليه عليك، واستمسكت بزمام الحق والأنصاف الموضوع بين يديك تعلم أن كلام بعض الطاعنين في «الشيخ ابن تيمية» بل معدود من جملة ما نسب إلى أمثاله من المغزوات (١) المتقدمة المسطورة.
فأما «القاضي السبكي» ومتا بعوه، فلداء المعاصرة نافسوه، وغدوا بكل نقيصة رامية ولأمور رامية ولأمور يطول شرحها مع معاديه. وأما «أبو حيان» فقد جرى أيضًا بينهما كما جرى بين الأقران في كل زمان.
وأما غيرهما فللمخالفة المذهبية في بعض المسائل الفرعية الاجتهادية وبعض الاعتقادية.
ومنهم من طعن من غير تحقيق وروية. ومنهم لاعتراضه على بعض كلمات الصوفية المغاير ظاهرها للشريعة المطهرة الأحمدية ولأنه سلفى الاعتقاد كالأئمة الأمجاد وطاعنوه كما نعلم خلفيون ولآيات الصفات مؤولون، وشتان بين مفوض لأخبار الصفات ومؤول للآحاديث والآيات البينات وكل منهم إن شاء الله تعالى قصد الخير «وإنما الأعمال بالنيات» وسيجىء تفصيل هذه المجملات وينكشف عن وجه الحقيقة غيهب الشبهات بعناية الله سبحانه وتوفيقه.
_________________
(١) ص. م - العزوبات
[ ٦٩ ]
فصل: (في كلام العلامة ابن حجر فيما يتعلق بكتب الصوفية)
(ابن تيمية والتصوف والمتصوفة)
قال الشيخ «ابن حجر» عليه الرحمة في كتابه المذكور: وحاصل ما أشير إليه في السؤال أنه قال في بعض كلامه: إن في كتب الصوفية ما هو مبني على أصول الفلاسفة المخالفين لدين المسلمين فتلقى ذلك بالقبول من يطلع فيها من غير أن يعرف حقيقتها كدعوى أحدهم أنه مطلع على اللوح المحفوظ؛ فإنه عند الفلاسفة كابن سينا وأتباعه «النفس الفلكية» ويزعم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفلكية، أو بالعقل الفعال يقظة أو منامًا وهم يدعون أن ما يحصل من المكاشفة يقظة أو منامًا هو بسبب اتصالها بالنفس الفلكية عندهم وهي سبب حدوث الحوادث العالم فإذا اتصلت بها النفس البشر انتقش فيها ما كان في النفس الفلكية وهذه الأمور لم يذكرها قدماء الفلاسفة وإنما ذكرها ابن سينا ومن يتلقى عنه.
ويؤخذ ذلك من بعض كلام «أبي حامد الغزالي» وكلام «ابن عربي» «وابن سبعين» وأمثال هؤلاء الذي تكلموا في التصوف والحقيقة على قاعدة الفلاسفة لاعلى أصول المسلمين ولقد خرجوا بذلك إلى الإلحاد كإلحاد الشيعة والإسماعيلية والقرامطة الباطنية بخلاف عباد أهل السنة والحديث ومتصوفيهم، «كالفضيل» (١) وسائر رجال الرسالة وهؤلاء أعظم الناس إنكارًا لطرق من هو خير من الفلاسفة كالمعتزلة والكلابية فكيف بالفلاسفة؟
وأهل التصوف ثلاثة أنصاف:
قوم على مذهب اهل السنة كهؤلاء المذكورين
_________________
(١) الفضيل بن عياض والرسالة للقشيري.
[ ٧٠ ]
وقوم على طريقة بعض أهل الكلام من الكلابية وغيرهم.
وقوم خرجوا إلى طريق الفلسفة؛ مثل مسلك من سلك رسائل «إخوان الصفا» وقطعة توجد في كلام «أبي حيان التوحيدي» . وأما «ابن عربي» و«ابن سبعين» ونحوهما فجاءوا فلسفية غيروا عباراتها، وأخرجوا في قالب التصوف. و«ابن سينا» تكلم في آخر «الإشارات» على مقام العارفين بحسب ما يليق بحاله وكذا معظم من لم يعرف الحقائق الإيمانية. و«الغزالي» ذكر شيئًا من ذلك في بعض كتبه، لا سيما في الكتاب «المضنون به على غير أهله» و«مشكاة الأنوار» ونحو ذلك.
حتى ادعى صاحبه «أبو بكر ابن العربي» فقال: شيخنا دخل في نظر الفلاسفة وأراد أن يخرج منهم فما قدر؛ لكن «أبو حامد» يكفر الفلاسفة في غير موضع وبين فساد طريقتهم وأنها لا تحصل المقصود واشتغل في آخر عمره «بالبخاري» ومات على ذلك. وقيل: أنه رجع عن هذه الكتب ومنهم من يقول: إنها مكذوبة عليه وكثر كلام الناس فيه لأجلها؛ «كالمازوي والطرطوشي وابن الجوزي وابن عقيل» وغيرهم.
انتهى حاصل الكلام «ابن تيمية» .
وهو يناسب ما كان عليه من سوء الاعتقاد حتى في أكابر الصحابة ومن بعدهم إلى أهل عصره وربما أداه ذلك إلى تبديع كثير منهم.
ومن جملة من تتبعه: الولى القطب العارف «أبو الحسن الشاذلي» نفعنا الله تعالى به وبعلومه ومعارفه في «حزبه الكبير وحزب البحر» وقطعة من كلامه كما تتبع «ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين» وتتبع أيضًا «الحلاج الحسين بن منصور» ولا زال يتتبع الأكابر حتى تمالأ عليه أهل عصره ففسقوه وبدعوه (١) بل كفره كثير منهم.
_________________
(١) اتهموا بالبدعة
[ ٧١ ]
وقد كتب إليه بعض أجلاء عصره علمًا ومعرفة سنة خمس وسبعمائة: من فلان إلى الشيخ الكبير العالم إمام أهل عصره بزعمه - أما بعد، فإنا أحببناك في الله زمانًا وأعرضنا عما يقال عنك إعراض الغفلة إحسانًا إلى أن ظهر لنا خلاف موجبات المحبة بحكم ما يقتضيه العقل والحس وهل يشك في الليل عاقل إذا غابت الشمس، وإنك أظهرت أنك قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله تعالى أعلم بقصدك ونيتك ولكن الإخلاص مع العمل ينتج ظهور القبول وما رأينا آل أمرك إلا إلى هتك الأستار والأعراض باتباع من لايوثق بقوله من أهل الأهواء والأغراض؛ فهو سائر زمانه يسب الأوصاف والذوات وام يقنع بسب الأحياء حتى كفر الأموات ولم يكفه التعرض على من تأخير من صالحي السلف حتى تعدى إلى الصدر الأول من له أعلى المراتب في الفضل فياويح من هؤلاء! خصماؤه يوم القيامة وهيهات أن لايناله غضب وأنى له بالسلامة! وكنت ممن سمعه وهو على منبر جامع الجبل بالصالحية وقد ذكر «عمر بن الخطاب» - ﵁ - فقال: إن عمر غلطات وبليات وأي بليات! وأخبرني عنه السلف أن ذكر «علي بن أبي طالب» - ﵁ - في مجلس آخر فقال: إن عليًا أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان فياليت شعري! من أين يحصل لك الصواب، إذا أخطأ على - كرم اللع تعالى وجهه - بزعمك وعمر بن الخطاب؟ والآن قد بلغ هذا الحال منتهاه والأمر إلى مقتضاه ولا ينفعني إلا القيام في أمرك ودفع شرك؛ لأنك قد أفرطت في الغى، ووصل أذاك إلى كل ميت وحي وتلزمني الغيرة شرعًا من الله ولرسوله ويلزم ذلك جميع المؤمنين وسائر عباد الله المسلمين بحكم ما تقوله العلماء وهم أهل الشرع وأرباب السيف الذين بهم الوصل والقطع إلى أن يحصل منك الكف عن أعراض
[ ٧٢ ]
الصالحين - ﵃ - أجمعين.
انتهى ما قاله، ونقله «ابن حجر» عليه الرحمة.
(أقول): كان ينبغي من «ابن حجر» أن يعزو هذا الكلام إلى الكتاب الذي نقله منه ونسبه إلى ابن تيمية. ثم نظر بعين التدبر والإنصاف إليه على تقدير صحته بهذه العبارة فهل يقتضي هذا التهور العظيم والطعن الوخيم! وسيقف بحوله سبحانه على تفصيله كالدر النظم.
الفصل الأول: (في عقيدة الإمام ابن تيمية)
اعلم أولًا أن عقيدة الشيخ ابن تيمية الموافقة للكتاب والسنة وأقول سلف الأمة مستفيضة مفصلة في تصنيفاته وحبه وتعظيمه للصحابة الكرام - لاسيما «الشيخين» - طافحة به عباراته وذلك أظهر من الشمس في رابعة النهار خصوصًا لمن تتبعها في تأليفاته ونقلها بأسرها يفضي إلى الملل إلا أنى أحرر لك البعض:
«وعن البحر اكتفاء بالوشل» فمنه قوله: [كامل]
يا سائلى عن مذهبي وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل
اسمع كلام محقق في قوله لا ينثنى عنه ولا يتبدل
حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل
ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل
وأقول في القرآن ما جاءت به آيانه فهو القديم المنزل
وجميع آيات الصفات أمرها حقًا كما نقل الطراز الأول
وأرد عهدتها إلى نقالها وأصونها عن كل ما يتخيل
[ ٧٣ ]
قبحًا لمن نبذ القرآن وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل (١)
والمؤمنون يرون ربهم حقًا وإلى السماء بغير كيف ينزل
وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه ريا أنهل
وكذا الصراط بمد فوق جنهم فموجد ناج وآخر مهمل
والنار يصلاها الشقي بحكمة وكذا التقى إلى الجنان سيدخل
ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه هناك ويسأل
هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل
فإن اتبعت سبيلهم فموفق وإن ابتدعت فما عليك معول
وقال من جملة رسالة كتبها للجماعة المنتدبين للشيخ العارف «عدي ابن مسافر» ما نصه: وأهل السنة أيضًا في أصحاب رسول الله - ﷺ - وسط بين الغالية الذين يغلون في «علي» - ﵁ - فيقضلونه على «أبي بكر وعمر» رضي الله تعالى عنهما ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكفروا والأمة بعدهم كذلك وربما جعلوه نبيًا أو إلهًا - وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر «عثمان» رضي الله تعالى عنهما ويستحلون دماءهم ودماء من تولاهما! ويستحلون سب «علي وعثمان» ونحوهما، أو يقدحون في خلافة «علي» وإمامته وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط لأنهم متمسكون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. انتهى
_________________
(١) قوله مراده عليه بالرحمة بقول الأخطل: إن الكلام لفى الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا اهـ. من هامش الأصل. (هـ، ص)،
[ ٧٤ ]
[إجلاله للصحابة]
وقال أيضًا فيها ما لفظه: وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة؛ فإن الله تعالى قد أثنى على أصحاب نبيه - ﷺ - من السابقين والتابعين لهم بإحسان وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه وذكرهم في آيات من كتابه مثل قوله سبحانه: ﴿محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار﴾ الآية [الفتح ٢٩] وقوله تعالى: ﴿لقد ﵁ المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ [الفتح ١٨] .
وفي الصحاح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين «على بن أبي طالب» كرم الله وجهه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها - ﷺ - «أبو بكر وعمر» واتفق أصحاب رسول الله - ﷺ - على بيعة «عثمان» بعد «عمر» رضي الله تعالى عنهما. وثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكًا» . وقال - ﷺ -: «عليكم بسنتي وبسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواخذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» فكان أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه آجر الخلفاء الراشدين المهديين. وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. ودلائل ذلك فضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها. وكذلك نؤمر بالإمساك عما شجر بينهم ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب،
[ ٧٥ ]
وبعضهم كانوا مجتهدين فيه إما مصيبين لهم أجران وإما مثابين على عملهم الصالح مغفور له خطؤهم وما كان لهم من السيئات وقد سبق لهم من الله الحسنى فإن الله تعالى يغفرها لهم إما توبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك فإنهم خير قرون هذه الأمة، انتهى بحروفه.
وقال أيضًا في كتابه (اعتقاد الفرقة الناجية) ما نصه: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب محمد - ﷺ - كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ الآية [الحشر ١٠] . وطاعة النبي - ﷺ - في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أتفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنو الإجماع من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من أنفق قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضع عشرة: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة؛ كما أخبر به - ﷺ - بل وقد - ﵃ - ورضوا عنه ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله - ﷺ - كالعشرة، و«ثابت بن قيس بن شماس» وغيرهم من الصحابة ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين «علي بن أبي طالب» وغيره: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها ﵊ «أبو بكر ثم عمر»، ويثلثون «بعثمان»، ويربعون «بعلي» رضي الله تعالى عنهم، كما دلت عليه الآثار، وكما اجتمعت الصحابة على تقديم «عثمان» في البيعة مع أن أهل السنة قد اختلفوا في «عثمان وعلي» بعد اتفاقهم على تقديم «أبي بكر وعمر» ايهما أفضل فقدم قوم «عثمان» وأربعوا «بعلي» وقدم قوم «عليًا»، وقوم
[ ٧٦ ]
توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم «عثمان ثم علي» . وإن كانت هذه المسألة مسألة «عثمان وعلي» رضي الله تعالى عنهما ليست من الأصول التي يضل فيها عند جمهور أهل السنة.
لكن المسألة التي يضل فيها المخالف مسألة الخلافة وذك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - «أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان، ثم علي» - ﵃ - أجمعين. ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله ويتولون أهل بيت رسول الله - ﷺ -، ويحفظون فيهم وصيته حيث قال يوم غديرخم: «أذكركم الله في أهل بيتي» .
وقال أيضًا «للعباس» عمه وشكا إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: «والذي نفسي بيده، إن الله اصطفى «إسماعيل» واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» - إلى أن قال - ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون،إما مخطئون مجتهدون وإما مصيبون مجتهدون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ماليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله - ﷺ - إنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به أفضل به من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر من أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه وأتى بحسنات تمحوه أو
[ ٧٧ ]
غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد - ﷺ - الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه فإذا كان في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها يجتهدون إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا أجر واحد والخطأ مغفور لهم.
ومن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله تعالى على أيديهم من خوارق العادة من أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور عن سلف الأمم في سورة الكهف وغيره، وعن صدر هذه الأئمة من الصحابة والتابعين وسائر التابعين قرون الأمة وهي موجودة إلى يوم القيامة. انتهى ما هو المقصود منه بحروفه.
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ الآية [يوسف ١١٠] ما نصه: وكان أبو بكر أكثر علمًا وإيمانًا من عمر رضي الله تعالى عنهما وإن كان عمر - ﵁ - محدثًا كما جاء في الحديث الصحيح أنه قال - ﷺ -: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر» فهو - ﵁ - المحدث الملهم الذي صرف الله تعالى الحق على لسانه وقلبه. انتهى.
وقال أيضًا في فتاواه: مسألة في رجل قال في «علي بن أبي طالب» - ﵁ - أنه ليس من أهل البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة.
والجواب: أما كون علي - ﵁ - من أهل البيت فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين وهو أوضح من أن يحتاج إلى دليل؛ بل هو أفضل أهل البيت، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أراد كساءه على «علي وفاطمة وحسن وحسين» وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» .
وأما الصلاة عليه منفردًا فهذا بناء على أنه: هل يصلي على غير النبي
[ ٧٨ ]
- ﷺ - على وجه الانفراد مثل أن يقول: اللهم - ﷺ - على عمر أو على؟ وتنازع العلماء في ذلك: فمذهب مالك والشافعي وطائفة من الحنابلة أنه لايصلي على غير النبي - ﷺ - منفردًا كما روى ابن عباس أنه قال: لا أعلم الصلاة تنبغي على أحد إلا على النبي - ﷺ - وذهب أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لعمر: صلى الله عليك. وهذا القول أصح وأولى ولكن إفراد واحد من الصحابة والقرابة كعلي أو غيره بالصلاة عليه مضاهاة للنبي - ﷺ -: بحيث يجعل شعارًا مقرونًا باسمه فهذا هو البدعة والله أعلم. انتهى.
ونقل «السفاريني» عنه أنه قال ما نصه: الكل مقر بأن «معاوية» ليس كفئًا لعلى كرم الله وجهه في الخلافة، ولا يجوز أن يكون معاوية خليفة مع إمكان استخلاف على - ﵁ - لسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله فإنها كانت معروفة عندهم كإخوانه أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد لكن «سعدًا» قد ترك هذا الأمر وكان قد انحصر في على وفي عثمان رضي الله تعالى عنهما. فلما توفي عثمان لم يبق لها معين إلا على - ﵁ -. وإنما وقع ما وقع من الشر بسبب قتل عثمان - ﵁ - ومعاوية لم يدع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل عليًا، ولم يقاتله على - ﵁ - على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة ولا كانوا يرون أنه يبدأ عليًا بقتال بل لما رأى أن لهؤلاء شوكة وهم خارجون عن طاعته رأى أن يقاتلهم حتى يردوا إلى الواجب وهم رأوا أن عثمان - ﵁ - قتل مظلومًا باتفاق وقتلته في عسكر علي - ﵁ - وهم غالبون لهم شوكة وعلى كرم الله تعالى وجهه لم يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن
[ ٧٩ ]
عثمان فرأوا الآراء الفاسدة أن يبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف. وكان من جهال الفريقين من يظن بالإمامين على وعثمان رضي تعالى عنهما ظنونًا كاذبة منهم من يزعم أن عليًا - ﵁ - أمر بقتل عثمان - ﵁ - وكان علي - ﵁ - يحلف وهو البار الصادق بلا يمين أنه لم يقتله ولا راضى بقتله ولم يمالى قتله وهذا معلوم منه بلا ريب رضوان الله تعالى وكان أناس من محبي على ومن مبغضه يشيعون ذلك عنه فمحبوه يقصدون الطعن على عثمان، وأنه كان يستحق القتل وأن عليًا أمر بقتله.
ومبغضوه يقصدون الطعن على علي - ﵁ - وأنه أعان على قتل الخليفة المظلوم الشهيد الذي صبر نفسه ولم يدفع عنها، ولم يسفك دم مسلم في الدفع عنه وأمثال هذه الأمور التي تنسب إلى المشنعين العثمانية والعلوية وكل من الطائفتين مقر بأن معاوية ليس بكفء لعلى - ﵁ - وقد ولى الخلافة ووقعت له المبايعة لما قتل عثمان فقد جاء الناس يهرعون إليه فقالوا له: نبايعك فمد يدك فلا بد للناس من أمير فقال كرم الله تعالى وجهه: ليس ذلك إليكم إنما ذلك لأهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليًا فقالوا: ما نرى أحدًا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده. انتهى.
ثم ذكر تمام القصة قتل عثمان ومحاربة معاوية لعلي - ﵁ -، ثم فيما قال البخاري في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - جعل ينفض التراب عن «عمار» وهم يبنون المسجد النبوي ويقول: «ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»: قال وجعل عمار يقول: أعوذ بالله تعالى من الفتن. وفي رواية: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية فيدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس سره: ومن رضي بقتل عمار - ﵁ -
[ ٨٠ ]
كان حكمه حكمها، أي حم الفئة الباغية التي قتلته ويروى أن «معاوية» تأول ذلك وقال قتله من أخرجه، فألزمه «على» بقوله: فرسول الله - ﷺ - إذن قتل «حمزة» حين أخرجه لقتال المشركين.
قال الشيخ: لا يب أن قول على - ﵁ - عنه هذا هو الصواب انتهى.
فإذا وعيت ما تلوناه عليك تبين لك أن حكاية من رمى الشيخ ابن تيمية باستنقاصه للصحابة ذوي النفوس الزكية كلام ولا أصل له ولا أساس؛ بل هو من عمل من يوسوس في صدور الناس فنعوذ بالله من سر الوسواس الخناس. والحمد لله وحده.
وبه أيضًا تبين للمصنف وكلامنا معه أن ما نسبه الشيخ ابن حجر إلى شيخ الإسلام من سوء الاعتقاد في أكابر الصحابة الكرام لا أصل له. وكذا أغلب ما نسب غليه كما ستقف - إن شاء الله تعالى عليه.
وأما قوله: (ومن جملة من تتبعه القطب أبو الحسن الشاذلي إلى آخره) فيحتاج دفعه إلى تفصيل وتأصيل، وهو أن الشيخ «ابن تيمية» وغير واحد من العلماء ذهبوا إلى عدم جواز القسم على الله سبحانه بأحد من خلقه وكتبوا بذلك رسائل عديدة، وكذا شدد كثير من الأجله النكير على من تكلم بكلمات مغايرة للمسلك الشرعي، ككلمات بعض الصوفية المغاير ظاهرها للشريعة المطهرة المنورة. وسيأتي مفصل البحثين في محله.
والشيخ «الشاذلي» رحمه الله تعالى لما صدر منه بعض التعبيرات المخالفة بحسب الظاهر للقواعد الشرعية، وإن أولت عند أربابها بالتأويلات
[ ٨١ ]
المرضية وكان الدين لا محاباة فيه وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه - كما قال إمام دار الهجرة - إلا المصطفى - ﷺ -، وكان العلماء مأمورين برد ما يخالف ظاهر الشريعة المطهرة فلعل الشيخ ابن تيمية تصدى طمعًا بالنصيحة في تصنيفاته لبيان ما يرد عنده على الشيخ الشاذلي في بعض عباراته وأنت تعلم أن هذه شنشنة العلماء والأكابر ولو أردنا تعداد من رد عليه ود لخرج كتابنا من الصدد ونضبت المحابر وسيتبين بحوله سبحانه ما للشيخ الشاذلي من الكلمات التي صارت غرضًا لسهام الناقدين الثقات من ترجمة حاله وبعض أقواله:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه
(ترجمة أبي الحسن الشاذلي)
قال الذهبي في «العبر»: الشاذلي أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الحميد المغربي الزاهد شيخ طائفة الشاذلية، سكن الإسكندرية وصحبه بها جماعة وله في التصوف مشكلة توهم ويتكلف له في الاعتذار عنها وعنه أخذ الشيخ أبو العباس المرسي. اهـ.
وقال «ابن الوردي» في تاريخه: له عبارات في التصوف مشكلة رد عليها الشيخ ابن تيمية.
وقال الشيخ عبد الرءوف المناوي في «طبقات الأولياء»: على أبو الحسن الشاذلي السيد الشريف من ذرية محمد بن الحسن زعيم الطائفة الشاذلية نسبة إلى شاذلة قرية بأفريقية نشأ ببلده فاشتغل بالعلوم الشرعية حتى أتقنها وصار بناظر عليها مع كونه ضريرًا، ثم سلك منهاج التصوف وجد واجتهد حتى ظهر صلاحه وخيره وله أحزاب محفوظة وأحوال ملحوظة قيل له: من شيخك؟ فقال: أما فيما مضى «فعبد السلام بن مشيش» وأما الآن فإنى أسقي من عرشة أبحر: خمسة سماوية وخمسة أرضية ولما قدم الإسكندرية كان بها «أبو الفتح
[ ٨٢ ]
الواسطى» فوقف بظاهرها واستأذنه لا تسع رأسين فمات أبو الفتح في تلك الليلة وذلك لأن من دخل بلدًا على فقير بغير إذنه فمهما كان أحدهما أعلى سلبه أو قتله ولذلك ندبوا الاستئذان.
قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله منه، ومع ذلك آذوه وأخرجوه بجماعته من المغرب وكتبوا إلى نائب الإسكندرية إنه يقدم عليكم مغربي زنديق وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه فدخل الإسكندرية فآذوه فظهرت له كرمات أوجبت اعتقاده.
ومن كلامه: كل علم تسبق إليك فيه الخواطر، وتميل النفس وتلتذبه فارم به وخذ بالكتاب والسنة. وكا إذا ركب تمشى أكابر الفقراء وأهل الدنيا حوله، وتنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الكئوسات بين يديه، وينادي النقيب أمامه بأمره له: من أراد القطب الغوث فعليه بالشاذلي.
ومن كلامه: لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يحدث في غد وما بعده إلى يوم القيامة. وحج مرارًا ومات بصحراء عيذاب قاصدًا للحج في أواجر ذي القعدة ودفن هناك سنة ست وخمسين وستمائة. اهـ.
وفي «الأجوبة المرضية» للشيخ «عبد الوهاب الشعراني»: ومما أنكروه على الشاذلي قوله في حزب البحر: نسألك العصمة في الحركات والسكنات والخطرات والإرادات وقالوا: العصمة لا تكون غلا للأنبياء، فكيف يسألها وما ذاك إلا من الجهل وأجاب عنه بأنه ما سأل 'لا لعلمه بأنه غير معصوم، والمراد الحفظ وأنها واجبة للأنبياء لمقام النبوة وجائزة للأولياء لا لمقام الولاية بل ربما يكون لخاصية في نفس الولى. اهـ. ملخصًا.
وفي شرح العارف «عبد الرحمن بن محمد الفارسي» الحزب الشاذلي: وجد بخط سيدى أبي العباس المرسي عن سيخه الشاذلي أنه كان يقول لي؛ إذا عرضت لك إلى الله تعالى حاجة فأقسم عليه بي وقال في حزبه في خطابه
[ ٨٣ ]
وتضرعه لربه ﷾: وليس من الكرم ألا تحسن إلا لمن أحسن إليك وأنت المفضال الغني؛ بل من الكرم أن تحسن لمن أساء إليك وأنت الرحيم العلي. فكتب عليه الشارح المذكور ما نصه: رأيت بخط سيدي عبد النور ما صورته: فيه إشكال وتوهم المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ [الإسراء ٧] .
وكذا وجدت منسوبًا لسيدي «أبي عبد الله بن عباد» ما نصه: ينبغي أن يسقط إليك من قوله أحسن وأساء للآية الكريمة، غير أنه لا يقدر أحد أن يبدل لفظ الشيخ لأنه يرى من نور الولاية ما لا يراه غيره. انتهى ما نقله الشارح باقتصار. وأنت تعلم أن باب التأويل واسع، ومنه الحمل على المشاركلة أو المجاز إن كنت تدافع. وكذا في بعض أحزابه كلمات تصوف، تؤول بالتكلف وكذا التوسل والإقسام بغير الميلك العلام، كالنبي الكريم عليه أفضل الصرلاة والسلام. وهو كما قاله شارحه محل خلاف، بين الأئمة الأسلاف فمنهم من قصره على سيد المرسلين كالشيخ عز الدين، ومنهم من جوزه بكافة الصالحين ومنهم من خصه برب العالمين وستمر بك الأدلة إن شاء الله تعالى مفصلة في هذه المجلة، فخذ ما أجمل الآن وكن من الشاكرين.
الفصل الثالث: [المعترضون على الصوفية كثيرون]
قوله فيما مر آنفًا: (كما تتبع ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، تتبع أيضًا الحلاج الحسين بن منصور ولا زال يتتبع الأكابر إلى آخره) فتهور بارد وتشنيع كاسد وقول عاطل ينبغي أن لا يصدر عن مثل هذا الفاضل لأن الشيخ ابن تيمية ليس أول معترض عليهم وعلى أمثالهم من أرباب الوحدة فكم له سلف في ذلك، وكم له محذر عن تلك المهالك. فليت
[ ٨٤ ]
شعري لم خصه دون الناس القادحين، وجعله سبابة التندم (١) من بين العالمين السالفين وستقف إن شاء الله تعالى على تفصيل الأقوال بالبيان المبين ي، مع أنى ممن يحسن الظن بالشيخ الأكبر محي الدين، ولا أعد نفسي من المنكرين غير أنى مع ممن يحرم مطالعة كتبه المخالف ظاهرها للشرع المبين فأقول:
(ترجمة الإمام محي الدين بن العربي)
أما ابن عربي - بلا ألف ولام أوبهما - فهو أبو بكر محي الدين محمد ابن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي، نفعنا الله بعلومه الربانية وجعلنا من المتمسكين بالكتاب والسنة السنية ولد بمرسية سنة ستين وخمسمائة ونشأ بها وانتقل إلى أشبيلية سنة ثمان وسبعين. ثم ارتحل وطاف البلدان فطرق بلاد الشام والروم والمشرق، ودخل بغداد وحدث بها بشىء من مصنفاته وله التآليف الكثيرة المشهورة وتوفي رحمه الله تعالى في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة بدمشق في دار القاضي محي الدين بن الزكي وحمل إلى قاسيون فدفن في تربته المعلومة، كما قاله غير واحد من المؤرخين.
قلت: وللشيخ المشار إليه، لا زالت الرحمة منهلة عليه: اختيارات في المسائل الفقهية وغيرها منها: بجواز مسح الرجلين في الوضوء. ومنها قوله: بجوار السجود في التلاوة إلى أي وجهة كانت. ومنها جواز إمامة المرأة للسناء والرجال ومنها قوله: إن الماء الذي تخالطه النجاسة ولم يتغير أحد أو صافه مطهر غير طاهر في نفسه. قال: وما أعرف هذا القول لأحد.
ومنها أن غسل يوم الجمعة فرض، وإليه ذهب أيضًا بعض العلماء. . ومنها أنه لا يؤثر نزع الخف في طهارة القدم. ومنها أنه لا يجوز ان يسمى الله تعالى
_________________
(١) يشير بهذا إلى قول الشاعر: غيري جنى وأنا المعذب فيكمو فكأنى سبابة المتندم (م)
[ ٨٥ ]
مختارًا كما نقله عنه «الجبلي» ومنها الفول بإيمان فرعون. ومنها عدم القضاء على تارك الصلاة ومنها أنه لا حد لأقل الحيض. ومنها أن الحاضر إذا عدم الماء جاز له التيمم. ومنها القول بجواز عبور الجنب في المسجد والإقامة فيه وقراءته للقرآن إذا لم يكن وارثًا إلا أن في القراءة كراهة. ومنها أن الطهارة للصلاة على الجنازة وسجود التلاوة ليست بشرط ومنها عدم انتفاض الطهارة بأكل لحوم الإبل، لكن المصلى بالوضوء المقدم عاص. قال: وهذا القول ما قاله به أحد قبلنا انتهى. وفي بعض هذه الأقوال يوافقه بعض الرجال كما سنبينه إن شاء الله تعالى في محله.
وله اختيارات وأقوال أخر لا تسعها هذه المجلة، ومن أدارها فليرجع إلى فتوحاته وغيرها من تصنيفاته ففيها الغرائب، التي لا يدركها إلا ذو الذهن الثاقب والله سبحانه الموفق. والناس فيه ثلاثة أقسام:
[الناس في ابن عربي أقسام ثلاثة]
(القسم الأول): من نص على التكفير بناء على كلامه المخالف للشريعة المطهرة وألفوا في ذلك الرسائل العديدة المطولة والمختصرة، فمنها للعلامة السخاوي، ومنها للفهامة المدقق السعد التفتازاني، ومنها للمحقق المنلا على القارى. ومنهم من ذكره في تصنيفاته ولم يؤلف فيه كتابًا مستقلًا كالإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، فإنه ذكره في «لسان الميزان» وحط عليه، ونسب إليه سوء الاعتقاد - وابي حيان المفسر في تفسيريه «البحر والنهر» قال في الشذرات: ولقد بالغ ابن المقوى في روضه فحكم بكفر من شك في كفر طائفة ابن عربي. ونقل الشيخ على القارئ عن شيخ الإسلام «ابن دقيق العيد» القائل في آخر عمره: لي أربعون سنة ما تكلمت كلمة إلا وأعددت لها جوابًا بين يدي الله تعالى. وقد سألت شيخنا سلطان العلماء عبد العزيز ابن عبد السلام عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب. يقول بقدم العالم،
[ ٨٦ ]
ولا يحرم فرجًا. وقال: وسئل عنه شيخنا العلامة المحقق الحافظ المغتى المصنف «أبو زرعة أحمد ابن شيخنا الحافظ العراقي الشافعي» فقال: لا شك في اشتمال «الفصوص» المشهورة على الكفر الصريح الذي لايشك فيه، وكذلك فتوحاته المكية فإن صح صدور ذلك عنه واستمر عليه إلى وفاته فهو كافر مخلد في النار بلا شك - قال: وكذلك شيخ الإسلام «سراج الدين البلقيني» صرح بكفر ابن عربي - وكذا رضي أبو بكر محمد المعروف بابن الخياط، والقاضي شهاب الدين أحمد الناشري الشافعيان وجملة من العلماء. وقال العلامة أبو حيان عند تفسير قوله تعالى في المائدة ﴿لقد كفر الذين قالوا﴾ الآية (١) ما نصه: ذكر تعالى أن من النصارى من قال: إن المسيح هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله، ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة. وتقدم أنهم ثلاثة طوائف: ملكانية، ويعقوبية، ونسطورية، وكل منهم يكفر بعضهم بعضًا.
ومن بعض اعتقادات النصارى استنبط من تسربل بالإسلام ظاهرًا وانتمى إلى الصوفية حلول الله تعالى في الصور الجميلة، ومن ذهب ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة كالحلاج، والشوزى وابن أحلى وابن عربي المقيم بدمشق وابن الفارض وأتباع هؤلاء كابن سبعين والششترى تلميذه وابن مطرف المقيم بمرسية، والصفار المقتول بغرناطة، وان التاج، وابن الحسن المقيم كان بلودقة وممن رأينا يرمى بهذا المذههب المعون العفيف التلمساني وله في ذلك أشعار كثيرة، وابن عياش المالقي الأسود الأقطيع المقيم كان بدمشق وعبد الواحد المؤخر المقيم كان بصعيد مصر والبلى العجمى الذي تولى المشيخة بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة من ديار مصر وأبو يعقوب بن مبشر تلميذ الششترى المقيم كان بحارة زويلة في القاهرة والشريف عبد العزيز المنوفى وتلميذه عبد الغفار التومى.
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثلاث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾ [المائدة ٧٣]
[ ٨٧ ]
وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحًا لدين الله تعالى ذلك - وشفقة على ضعفاء المسلمين، وليحذوا منهم اشد من الفلاسفة الذين كذبوا الله ورسله ويقولون بقدم العالم وينكرون البحث وقد أولع جهلة من ينتمي للتصوف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله تعالى وأولياءه والرد على النصارى والحلولية والقائلين بالوحدة هو من علم أصول الدين. انتهى بحروفه.
وقال العلامة القارى أيضًا: ثم اعلم أن من اعتقد حقية عقيدة ابن عربي فكافر بالإجماع من غير نزاع وإنما الكلام فيما إذا أول كلامه بما يقتضي حسن مرامه وقد عرفت من تأويلات من تصدي لتحقيق هذا المقام أنه ليس هناك ما يصح أو يصلح عنه دفع الملام. بقي من شك وتوهم أن هناك بعض التأويل إلا أنه عاجز عن ذلك القيل. فقد نص العلامة ابن المقرى كما سبق أن من شك في كفر اليهود والنصارى وطائفة ابن عربي فهو كافر وهو أمر ظاهر وحكم باهر. وأما من توقف فليس بمعذور في أمره، بل توقفه سبب كفره. اهـ.
وقال في آخر الرسالة: فالواجب على الحكام في دار الإسلام: أن يحرقوا من كان على هذه المعتقدات الفاسدة والتأويلات الكاسدة، فإنهم أنجس ممن ادعى أن عليًا هو الله، وقد أحرقه على - ﵁ - ويجب إحراق كتبهم المؤلفة ويتعين على كل أحد أن يبين فساد شقاقهم فإن سكوت العلماء واختلاف الآراء صار سببًا لهذه الفتنة وسائر الفتنة وسائر أنواع البلاء، فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة اللاحقة المطابقة للسعادة السابقة. آمين. انتهى.
وقد أطال في كتابه البحث بما له وعليه، فإن أردته فارجع إليه.
(القسم الثاني): من يجعله من أكابر الأولياء العارفين، وسند العلماء العاملين بل يعده من جملة المجتهدين قال في «الشذرات»:
قال الشيخ «عبد الرءوف المناوي» في «طبقات الأولياء»: كان عارفًا بالآثار
[ ٨٨ ]
والسنن قوي المشاركة في العلوم أخذ الحديث عن جمع، وكان يكتب الإنشاء لبعض ملوك المغرب ثم تزهد وساح ودخل الحرمين والشام وله في كل بلد دخلها مآثر، انتهى.
وقال بعضهم: برز منفردًا مؤثرًا لتخلي والانعزال عن الناس ما أمكنه حتى إنه لم يكن يجتمع به إلا الأفراد ثم آثر التأليف فبرزت عنه مؤلفات لا نهاية لها تدل على سعة باعه، وتبحره في العلوم الظاهرة والباطنة وإنه بلغ مبلغ الاجتهاد في الاختراع والاستنباط وتأسيس القواعد والمقاصد التي لا يدري بها ولا يحيط بها إلا من طالعتها بحقها غير أنه وقع في بعض تصانيف تلك الكتب كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها وكانت سببًا لاعتراض كثيرين لم يحسنوا الظن به، ولا يقولون كما قال غيرهم من الجهابذة المحققين.
إن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد، وإنما المراد أمور اصطلح عليها متأخرو أهل الطريق غيرة عليها حتى لا يدعيها الكذابون فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد غير مبالين بذلك لأنه لا يمكن التعبير عنها بغيرها - انتهى.
ومن هذا القسم المجد صاحب القاموس (١) فقد أثنى عليه بعبارات رائقة كما حكاها في «الدر المختار» والشيخ النابلسي (٢) وابن كمال باشا والشيخ عبد الوهاب الشعراني والشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني المدنى وكثير من الفضلاء.
(القسم الثالث): من اعتقد ولايته وحرم النظر في كتبه. قال العلامة «ابن عابدين» في حاشية الدر و«ابن العماد الحنبلي» في تاريخه الشذرات: منهم الجلال السيوطي عليه الرحمة فإنه قال في كتابه «تنبيه الغبي بتبرئه ابن العربي»: والقول الفيصل في ابن عربي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في
_________________
(١) مجد الدين الفيروزبادي.
(٢) الشيخ عبد الغني النابلسي الصوفي.
[ ٨٩ ]
كتبه فقد نقل عنه هو أنه قال: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا قال: وذلك لأن الصوفية تواطأوا على ألفاظ اصطلحوا عليها وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة منها فمن أجمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفرهم نص على ذلك «الغزالي» في بعض كتبه. وقال: إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسنة ومن حمله على ظاهره كفر - انتهى ملخصًا.
وقال العلامة الحصكفي في (الدر المختار في باب الردة) ما نصه: وفي معروضات شيخ الإسلام أبي السعود ما نصه: من قال عن «فصوص الحكم» للشيخ محي الدين إنه خارج عن الشريعة، وقد صنفه للإضلال ومن طالعه ملحدًا ماذا يلزمه؟ أجاب: نعم فيه كلمات تباين الشريعة وتكلف بعض المتصلفين لإرجاعها إلى الشرع، لكنا تيقنا أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس سره، فيجب الاحتياط بترك مطالعة تلك الكلمات وقد صدر أمر سلطاني بالنهي فيجب الاجتناب من كل وجه. انتهى، فليحفظ. انتهى.
وقال الفهامة المدقق مولانا الوالد قدس سره في رحلته (١) ما نصه: مما هو خاتم التحقيق فصه، فاستطرد السؤال عن السادة الصوفية، أفاض الله تعالى علينا من فيوضاتهم القدسية، فقلت: أما من كان منهم كأبي القاسم الجنيد، مولاى سيد الطائفة سعيد بن عبيد عليه الرحمة والرضوان فذاك الذي لا ينتطح في علو شأنه كبشان. وأما من كان كالشيخ الأكبر قدس سره، فذاك الذي أشكل على الأكثر أمره، وقد كثر ما دحوه كما قد كثر قادحوه والذي أنا أميل إليه وأعول في سرى وعلنى عليه. أنه ظاهر كثير مما قاله هذا الصنف باطل، لايقول به ناقص جاهل فضلًا عن فاضل كامل، بل لا يكاد يخفى بطلانه على ابن يوم فكيف يخفى طول العمر على أولئك القوم فهم أجل من أن يقولوا بذاك، ويعتقدوا عقد عقائدهم على ما هناك فلابد أن يكون
_________________
(١) المفسر شهاب الدين الآلوسي في رحلته «نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول» .
[ ٩٠ ]
له معنى صحيح هم به قائلون وله نفس الأمر معتقدون وفي كهفه قائلون أن ذلك المعنى صعب المنال لايرقى إليه بسلالم المقال وإنما يرحل إليه على رواحل الرياضات والسهر ويهتدي للوقوف عليه بمصابيح الأذكار والفكر وكثيرًا ما يتوقف ذلك على السلوك على يد عارف خريت (١) يزيل بأنفاسه وأنوار نبراسه عن عين سختيت (٢) فالحزم الكف عن الوقيعة فيهم وشد الحزام للارتواء من وقيعة صافيهم نعم التكلم بمثل ذلك الكلام مما لا يخلوا عن كدر. نعم إلا أن تصح دعواهم: أن الانتفاع بذاك أكثر من الضرر وقد دل المعقول والمنقول على صحة ما قيل: لا ينبغي أن يترك الخير الكثير للشر القليل. لكن قيل: إن إثبات صحة تلك الدعوى أصعب عند كل أحد من رفع أحد ورضوى وسمعت من بعض من ينسب للعرفان: أن كلام القوم المشتمل على ذلك مثل بعض آى القرآن فهو وإن لم يحظ بجلالة قدره وصف الواصفين يضل الله به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين فقيل: ليس للقوم أن يضلوا أحدًا فهم في ربقة التكليف لن يخرجوا منها أبدًا. فقال: هم مظاهر لجميع الأسماء الإلهية فما عليهم أن ضل بكلامهم بعض البرية؟ فقيل له: هذا كعك من ذلك العجين ولا يكاد يلوكه ذو درد (٣) من ضعفاء المؤمنين وأبدى بعض غير ما ذكر لما أبدوه عذرًا فقال: إنما قالوا ما قالوه سكرًا؟ ولعمري: إنه أبرد من هواء المحراب في كانون، ولا يكاد بروج على إطلاقه إلا على صبي أو مجنون ويرده أنهم أملوا منه للطلاب وكم وكم ملأوا منه إهاب كتاب وأدهى من ذلك وأمر ما قيل في الاعتذار عن حضرة الشيخ الأكبر: إن نحو ما في «الفصوص» مما يخالف الظواهر
_________________
(١) الخريت - كسكيت -: الدليل الحاذق (م) .
(٢) السخيت: الغبار الشديد (م) .
(٣) الدرد - محركة - ذهاب الأسنان (م) .
[ ٩١ ]
والنصوص مما دسه بعض اليهود ليحل به من ضعفاء المؤمنين العقود ولا يكاد يقبل هذا إلا فتى، النقصان أبوه وأمه، والبلاهة - عافانا الله تعالى وإياكم - خاله وعمه.
نعم قد دس من بغض على بعض العلماء وأدخل من دخل في الدين شيئًا من الافتراء، ثم ظهر الأمر للمنصف بالرجوع إلى نسخة المنصف أو بنحو ذلك مما تتضح به المسالك غلا أن ذاك عن هذا بمعزل وبعيد عنه بألف ألف منزل. وبالجملة، إن أمر التكلم والتدوين لا ينكشف غباره إلا عن أعين أرباب التمكين. ثم ما قلناه هو من بعض الأمور لا في جميع ما هو في كتب القوم مسطور، غذ منه ما هو حرى بالقبول يشهد له المعقول والمنقول ولم يتعرض له برد ولم يتعرض عليه أحد. ومنه ما هو من الأمور الكشفية ولا تعلق له أصلًا بالأمور الدينية، كالذي يذكر في شأن أرض السمسمة مما أكثر فيه الهياط والمياط (١) ولا يكاد يلج في خريطة ذهن جغرافي حتى يلج الجمل في سم الخياط فاعتقاد مثل هذا وإنكاره بحسب الظاهر في الديانة سيان، والأولى جعله من عالم المثال وتسليمه لأهل ذلك الشأن: [خفيف]
وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
ومنه ما قيل عن اجتهاد ورأى، لكنه خالف ظواهر الأخبار والآى. فلا يبعد من قائله الغلط، فمن ذا الذي لم يغلط من المجتهد قط؟ من ذلك القول بنجاة فرعون فقد قال الشيخ الأكبر اجتهادًا وعز ناصر له فرعون وقد تناقض كلامه بذلك في كتابين فختم في «الفصوص» وختم على القول بنجاة وفتح في «الفتوحات» عليه باب الحين بل تناقض في الفتوحات نفسها كما لا يخفى على من أحاط خبرًا بدرسها وقد غلظه بذلك معظم المتقدمين والمنتقدين ولكن قال المنصف منهم: غلطه فيه عفو كغلط سائر المجتهدين، ومن الشافعية من أكفر القائل بنجاة ذلك اللعين لمخالفته ما ثبت بإجماع أهل
_________________
(١) الضجيج والشر.
[ ٩٢ ]
الصدر الأول من صدور المسلمين مع مخالفته لما نطقت به ظواهر الاى والأخبار النبوية كالحديث الذي ذكره العلامة ابن حجر الهيتمي في «فتاواه الحديثية»، فقد تضمن أن فرعون وغلام الخضر ﵇ طبعا على الكفر ولم يولدا كغيرهما على فطرة الإسلام والحق عندي عدم الإكفار في هذا الباب. وللجلال الدواني وهو شافعي رسالة في إيمانه (١) لكن أنكر نسبتها غليه الشهاب والعجب أن التشنيع على الشيخ الأكبر في هذه المسألة شائع بين كل غاد ورائح مع أنه اضطرب فيها هو أعظم منها من نجاة المهلكين غير قومي لوط وصالح والآيات الدالة على عدم نجاة أولئك المهلكين أظهر في المراد من الآيات الدالة على كفر ذلك اللعين وما أحسن قول «مالك» الإمام الحبر: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر وأشار ذلك الإمام إلى قبر المصطفى ﵊ فأقنع بذلك وإياك والتكفير فإنه لعمري أمر مر خطير.
ولا تظن أن الخطأ في بعض المسائل ينقص شيئًا أو يورث شيئًا في حق الكامل ثم إني على العلات أقول غير مكترث باعتراض مكثار جهول: لا ينبغي لمن تلوث بالقاذورات الدنيوية وتلبث بأثقال الشهوات النفسانية عن العروج إلى الحظائر القدسية أن يدخل في مضايق القوم فيوجب على نفسه مزيد التعب واللوم وقد اشتهر عن بعضهم وتحقق أنه قال: من طالع كتبنا وليس منا تزندق وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني: إن بعض الخواص قال لشيخنا على الخواص: ما لي لا أفهم كلام أخي فلان؟ فقال: كيف تفهم كلامه وله ثواب واحد ولك ثوبان! وكم رأيت أنا من ترك الصلاة والصيام بل أخرج عنقه عن ربقة جميع شعائر الإسلام لما أنكر عليه من أنكر قرأ له قول الشيخ الأكبر:
العبد رب والرب عبد فليت شعري من المكلف؟
_________________
(١) وهي رسالة «إيمان فرعون» .
[ ٩٣ ]
وجعل يواري بالقطن المندوف، لهب الاعتراض الوهاج وينسج لعورته سترة من حلج قول «الحسين بن منصور الحلاج»: [هزج]
جحودي لك تقديس وعقلي فيك منهوس
فما آدم إلا كا وما في الكون إبليس
إلى غير ذلك مما هو مبني على القول بوحدة الوجود التي أبى القول بها كثير من أرباب وحدة الشهود وهي على تقدير صحتها في نفس الأمر ليس فيها صريح نقل وإنها لطور ما وراء طور العقل فلا تصطاد بعنكبوت الفكر وإن دق.
وإنما تفيض على طاهرى السر من جانب حضرة الفياض المطلق وقول الشيخ عبد الغني النابلسي عن ابن كمال: يجب على السلطان جبر الناس على القول بها على كل حال مما لا أرى له صحة أصلا وإن كان قد قاله فلا مرحبًا به ولا أهلًا فهذا رسول الله - ﷺ - لم يجبر على ذلك أحدًا.
وقولا الشيخ «إبراهيم الكوراني» إن كلمة التوحيد تدل على ذلك وإن تكلف له لا يتم أبدًا والإمام الرباني مجدد الألف الثاني يقول: قد يعرض للسالك القول بذلك لكنه لا يبقى ولا يستقر عليه إذا ترقى بل يعلم بلامين أن هناك وجودين وحقيقتين متمايزتين، ويقول: أين التراب من رب الأرباب وذكر قدس سره أنه اعتراه ذلك في أثناء مسيره ثم ترقى عنه بفضل الله تعالى ولطفه سبحانه إلى غيره وأنت تعلم أن كثيرًا من الفلاسفة يقول بذلك وكلامهم فيما ظاهر فيما يأتي أن يكون اعتقاد الوحدة حالًا من أحوال السالك.
وبالجملة خطر القول بالوحدة كثير ولا يخفى ما هو الأسلم على الصغير والكبير وما كان الله تعالى بمقتضي فضله وعدله ليكلف العبد بما وراء
[ ٩٤ ]
طور عقله ثم يرسل إليه رسولًا لا يفصح له بسلوك ذلك المنهاج بل بكل أمره إلى أن يفصح له بعد برهة من الزمان الحلاج: ونهاية الكلام تفويض أمر القائلين بذلك إلى الملك العلام مع اعتقاد أن منهم الأجلة الكبار، والسابقين لا يشق لهم غبار - انتهى.
وإنما سقته بطوله لأنه جمع الأقوال بإشاراته الحسنة وتفصيله.
(ترجمة ابن الفارض)
(وأما ابن الفارض) فهو - على ما في «تاريخ ابن خلكان» - أبو حفص وأبو القاسم عمر بن أبي الحسن على بن المرشد بن علي الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة المعروف بابن الفارض المنعوت بالشرف له ديوان شعر لطيف وأسلوبه فيه رائق ظريف.
وكانت ولادته سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة وتوفي بها يوم الثلاثاء في الثامن من جمادى الأولى سنة اثنين وثلاثين وستمائة ودفن من الغد بسفح المقطم. اهـ. باقتصار.
وقال أبو الفلاح «عبد الحي بن أحمد بن عماد» في تاريخه «الشذرات» ولما قدم أبوه من حماة مصر فقطنها وصار يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام ثم ولي نيابة الحكم فغلب عليه التلقيب بالفارض ثم ولد بمصر «عمر» في ذي القعدة سنة ست وستين وخمسمائة فنشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة وتزهد فلما ترعرع اشتغل بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن «ابن عساكر» وغيره ثم حبب إليه الخلاء وسلوك طريق الصوفية فصار يسيح في الجبل ومرة إلى أوديته وفي بعض المساجد المهجورة في خربات القرافة مرة ثم يعود إلى والده وهكذا حتى ألف الوحشة وألفه الوحش فصار لا ينفر منه ومع ذلك لم يفتح عليه.
[ ٩٥ ]
فذهب إلى مكة وبقي في بواديها خمس عشرة سنة ثم رجع إلى مصر فأقام بقاعة الخطابة بالأزهر وعكف عليه الأئمة وقصد بالزيارة وذكر له بعض الكرامات والناس فيه صنفان كما علمت كما قال المناوى ما نصه: والحاصل أنه اختلف في شأن صاحب الترجمة وابن عربي والعفيف التلمساني والتمونوي وابن هود وابن سبعين وتلميذه الششترى وابن مظفر والصفار من الكفر إلى القطبانية.
وذكر التصانيف من الفريقين في هذه القضية ولا أقول كما قال بعض الأعلام: سلم تسلم والسلام بل أذهب إلى ما ذهب إليه بعضهم: إنه يحب اعتقادهم وتعظيمهم ويحرم النظر في كتبهم على من لم يتأهل لتنزيل ما فيها من الشحطات على قوانين الشريعة المطهرة وقد وقع لجماعة من الكبار الرجوع عن الإنكار. اهـ.
وقال الكمال الأذفوى: وأحسن ديوانه القصيدة التي مطلعها: [كامل]
قلبي يحدثني بأنك متلفى روحى فداك عرفت أم لم تعرف
واللامية التي أولها: هو الحب فاسلم بالحشى ما الهوى سهل.
والكافية التي أولها: ته دلالا فأنت أهل لذاكا.
قال: وأما النائية فهي عند أهل العلم - يعني الظاهر - غير مرضية، مشعرة بأمور ردية وكان عشاقًا يعشق مطلق الجمال وذكر الفوصى في «الوحيد» أنه كان للشيخ جوار بالهنسا يذهب إليهن فيغنين له بالدف والشبابة وهو يرقص ويتواجد ولكل قوم مشرب! وقيل: لما حضرته الوفاة رأى الجنة مثلت له فبكى وقال: [بسيط]
إن كان منزلتي في الحب عندكم ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي
فقيل له: هذا مقام كريم. فقال: رابعة وهي امرأة تقول: «وعزتك ما عبدتك رغبة في جنتك بل لمحبتك وليس هذا ما قطعت عمري في السلوك
[ ٩٦ ]
غليه وقد شنع عليه المنكرون في ذلك فقالوا: لما كشف له الغطاء وتحقق أنه غير الله وأنه لا حلول ولا اتحاد قال ذلك ورؤى في النوم فقيل له: لم لا مدحت المصطفى - ﷺ - في ديوانك؟ فقال: [طويل]
أرى كل مدح في النبي مقصرًا وإن بالغ المثنى عليه وأكثرًا
إذا الله أثنى بالذي هو أهله عليه فما مقدار ما يمدح الورى
ويقال: إنه لما نظم قوله: [كامل]
وعلى تفنن واصفيه بوصفه يفنى الزمان وفيه مالم يوصف
فرح وقال: لم يمدح بمثله النبي - ﷺ - وبعض الناس يقول: باطن كلامه كله مدح فيه ﵊. وأنت تعلم أن غالبه لا يصلح لذلك. اهـ. ملخصًا.
وكتب شيخنا أبو يوسف مصره، من أحيا القلوب بترغيبه وزجره: السيد محمد امين افندي واعظ الحضرة القادرية في بغداد المحمية المتوفى سنة ١٢٧٣ على عبارة (الجوهر) للعلامة محمد بن عبد الرحيم الحنفي المنقولة في تأويل بعض كلمات الصوفية وإنها قد صدرت منهم في شطحاتهم وسكوتهم وغيبتهم عن المؤاخذات الشرعية كبعض عباراتهم المشعرة بالحلول والاتحاد، مثل قولهم بعضهم: ما في الجبة إلا الله وأنا الحق وغير ذلك مما صاروا فيه هدفًا للنقاد ما نصه: أقول فإذا كان الأمر كذلك فما الواجب لتدوين هذه العبارات الموهمة في ذلك في الأسفار وإشاعتها في سائر الأمصار حتى تمسك بها الإباحية الأشرار وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار وانظر نظر منصف هل يعذر مدونها عند الله تعالى بناء على أن محملها في نفس الأمر كما ذكره المؤلف مع ماورد عن النبي الأمين المأمون - ﷺ -: «كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟» .
ولعمر الله إن المنكر لها معذور كل العذر بل مثاب يوم الجزاء
[ ٩٧ ]
كل الثواب والأجر وكيف لا يجب إنكار ما سأذكره لك وهو مما دونوه جزء من كل وقل من جل وهو ما قاله ابن الفارض في تائيته الكبرى: [طويل]
لها صلواتي في المقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ناظر إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة
وماكان لى صلى سواى ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
وما قاله «الجيلي عبد الكريم» في كتابه المسمى «بالإنسان الكامل» في تركيب ﴿قل هو الله أحد﴾ من أن الضمير في «قل» يعود إلى الإنسان الكامل ويعني به النبي - ﷺ - «وهو» أيضًا يعود إلى الضمير الذي في «قل» العائد إليه لأن الضمائر إلا على متقدم بناء على زعمه فيكون المعنى الإنسان الكامل الله أحد تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؟ وهل هذا من الشحطات والسكر!؟ أم من الضلالات والكفر؟
نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. اهـ، ومن خطه نقلته.
(ترجمة ابن سبعين)
وأما «ابن سبعين» قطب الدين فهو «أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الأشبيلي المرسى» الرقوطى الأصل، الصوفى المشهور.
قال «الإمام الذهبي»: كان من زهاد الفلاسفة ومن القائلين بوحدة الوجود له تصانيف وأتباع يقدمهم يوم القيامة. اهـ.
وقال الشيخ «عبد الرءوف المناوى» في «طبقاته»: درس العربية والآداب في الأندلس ثم انتقل إلى سبتة وانتحل التصوف على قاعدة زهد الفلاسفة وتصوفهم وعكف على مطالعة كتبهم وجد واجتهد وجال في بلاد المغرب ثم رحل وحج وشاع ذكره وكثرت أتباعه على رأى أهل
[ ٩٨ ]
الوحدة المطلقة وأملى عليهم كلامًا في العرفان على رأى الاتحادية وصنف في ذلك أوضاعًا كثيرة وتلقوها عنه وأثبتوها في البلاد.
وقد ترجمه «ابن حبيب» فقال: صوفى متفلسف متزهد يدخل البيت لكن من غير أبوابه وله أقوال تميل إليها بعض القلوب وينكرها بعض.
وقال «لأبي الحسن الششترى» عندما لقيه وقد سأله عن وجهته وأخبره بقصد الشيخ «أبي أحمد»: إن كنت تريد الجنة فشأنك ومن قصدت وإن كنت تريد رب الجنة فهلم إلينا وأما ما نسب إليه من آثار السيمياء وغيره فكثير جدًا وله علم الحروف والأسماء اليد الطولى.
ومما شنع عليه أنه ذكر في «كتاب البدء»: أن صاحب الإرشاد «إمام الحرمين» إذا ذكر «أبو جهل» فهو ثالث الرجلين وأنه قال في شأن «الغزالي»: إدراكه (١) في العلوم أضعف من خيط العنكبوت.
وقد حكى عن قاضي القضاة «ابن دقيق العيد» أنه قال: جلست معه في ضحوة إلى قرب الظهر وهو يسرد كلامًا تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته والناس فيه بين مكفر ومقلد وتوفي بمكة - زادها الله شرفًا - سنة تسع وستين وستمائة اهـ.
(ترجمة الحلاج)
(وأما الحلاج) فهو على ما قال «ابن خلكان»: أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج من أهل البيضاء وهي بلدة بفارس ونشأ بواسطة والعراق وصحب «ابا القاسم الحنيد» وغيره والناس في أمره مختلفون فمنهم من يبالغ في تعظيمه ومنهم من يكفره ورأيت في «مشكاة الأنوار» لأبي حامد الغزالي فصلا طويلا في حاله وقد اعتذر عن الألفاظ التي كانت تصدر
_________________
(١) (ص. م) أدركته.
[ ٩٩ ]
عنه مثل قوله: أنا الحق: ما في الجبة إلا الله وهذه الإطلاقات التي ينبة السمع عنها وعن ذكرها وحملها على محامل حسنة وأولها. قال: هذا من فرط المحبة وشدة الوجد وجعل هذا مثل قول القائل: [رمل]:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا. اهـ
وقال «شهاب الدين بن أبي عدسة» المتوفى سنة ٨٥٦ في تاريخه «نظم الجمان» ما نصه: قال «الحافظ الذهبي» في «العبر»: إن «الحلاج» سافر إلى الهند وتعلم السحر وحصل له به حال شيطاني وهرب منه الحال الإيماني ثم بدت منه كفريات أباحت دمه وكسرت صنمه واشتبه على الناس السحر بالكرامات فضل به خلق كثير كداب من مضى ومن يكون إلى مقتل الدجال. والمعصوم من عصمه الله تعالى.
وقال أيضًا: قال ناس ساحر فأصابوا، وقال ناس: به مس من جنون فما أبعدوا لأن الذي كان يصد منه لا يصدر عن عاقل إذ ذلك موجب حتفه أو هو كالمصروع او المصاب الذي يخبر بالمغيبات وقال ناس من الأنعام: بل هو رجل عارف ولى لله تعالى، صاحب كرامات فليقل ما شاء فجهلوا من وجهين:
أحدهما أنه ولى. والثاني: أن الولى يقول ما شاء فلن يقول إلا الحق.
قال «الصولى»: جالست «الحلاج» فرأيت جاهلا يتغافل وغبيًا يتباله وفاجرا يتزهد وكان ظاهره أنه ناسك فإذا علم أن أهل بلد يرون الاعتزال اعتزل أو التشنيع تشيع أو السنن تسنن. وكان يعرف الشعبذة واليكمياء والتطبب وادعى الربوبية وصار يقول لأصحابه: أنت آدم ولهذا أنت نوح ولهذا أنت محمد ويدعى التناسخ وأن أرواح الأنبياء إليهم.
وقال «ابن الشحنة»: وجدوه يقول: من نظف بيتًا وصلى فيه كذا
[ ١٠٠ ]
وطاف به كذا وتصدق بكذا أغناه عن الحج ونقله عن كتاب للحسن البصري فلم يوجد وقد أفتى العلماء بقتله.
وقال «السلمى» في «تاريخ الصوفية»: «الحلاج» كافر خبيث قتل في ذي القعدة سنة ثلاثمائة وتسع وقد هتك «الخطيب» حاله في «تاريخه» وأوضح أنه كان ساحرًا مموها سيئ الاعتقاد.
(وقال) «القشيري» في «الرسالة» في (باب حفظ قلوب المشايخ): ومن المشهور أن «عمرو بن عثمان» دخل عليه وهو يكتب شيئًا بمكة في أوراق فقال له: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن. قال غير واحد: إن علماء بغداد اتفقوا على كفره ثم أجمعوا على قتله وصلبه.
(قلت): وهو أعرف وأعلم بحاله منا وتخطئه واحد أولى من تخطئه إجماع العلماء في ذلك العصر، وأمره إلى الله ﷾ اهـ. بحروفه.
(وقال): الفاضل «ابن الأثير» في تاريخه «الكامل»: وفي سنة ٣٠٩هـ قتل «الحسين بن منصور الحلاج» الصوفى وأحرق وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد والتصوف ويظهر الكرامات ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمد يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب ﴿قل هو الله أحد﴾ ويسميها دراهم القدرة ويخبر الناس بما أكلوا وما صنعوا في بيوتهم ويتكلم بما في ضمائرهم فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول وبالجملة: فالناس اختلفوا فيه اختلافهم في «المسيح ﵇» .
فمن قائل: إنه حل فيه جزء إلهي ويدعى فيه الربوبية.
ومن قائل إنه ولى الله تعالى: وإن الذي يظهر منه جملة كرامات الصالحين.
[ ١٠١ ]
ومن قائل: إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهن والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها.
وأما سبب قتله: فإنه نقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير «حامد بن العباس» أنه أحيا جماعة وأنه يحيى الموتى وأن الجن يخدمونه وأنهم يحضرون عنده بما يشتهى وأنهم قدموه على جماعة من حواشي الخليفة وأن «نصر الحاجب» قد مال إليه غيره فالتمس «حامد» الوزير من «المقتدر بالله» أن يسلم إليه «الحلاج» وأصحابه فدفع عنه «نصر الحاجب» فألح الوزير فأمر «المقتدر» بتسليمه فأخذه وأخذ معه إنسانًا يعرف «بالشموى» وغيره قيل: إنهم يعتقدون أنه إله، فقررهم فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه إله وأنه يحيى الموتى وقابلوا «الحلاج» على ذلك فأنكره وقال: أعوذ بالله أن ادعى الربوبية أو النبوة وإنما أنا رجل اعبد الله ﷿ ثم جرى معه قصص يطول شرحها ثم كتب القاضي بإباحة دمه وكتب بعده من حضر المجلس وأرسل الوزير الفتاوى إلى الخليفة فأذن في قتله فسلم إلى صاحب الشرطة فضرب ألف سوط فما تأوه ثم قطع يده ثم رجله ثم قتل وأحرق بالنار فلما صار رمادًا ألقى في الدجلة ونصب الرأس ببغداد وأرسل إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب.
فأقبل بعض أصحابه يقولون: إنه لم يقتل وإنما ألقى شبهه على دابة وأنه يجئ بعد أربعين يومًا.
وبعضهم يقول: لقيته على حمار بطريق النهروان وأنه قال لهم: لا تكونوا مثل هؤلاء البقر يظنون إني ضربت وقتلت - انتهى باقتصار.
[ ١٠٢ ]
[رأى ابن حجر العسقلاني في الحلاج ومن على شاكلته]
وقد سئل الحافظ الإمام «شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني» رحمه الله تعالى: في رجل ذكر أن «حسينًا الحلاج» ليس بولى وذكر بعض الفقهاء أن من اعتقد ولايته كفر ثم ذكر أيضًا أن «عمر بن الفارض» ليس بولى وأن في كلامه الاتحاد ثم ذكر أيضًا أن «يحيى الصرصري» يعتقد قدم الحروف ثم إن جماعة من الصوفية أنكروا عليه والمسئول من صدقات مولانا شيخ الإسلام أن يبين لنا حقيقة ذلك بما تطمئن به النفوس مثابين على ذلك إن شاء الله تعالى.
فأجاب: الذي نقله الرجل المذكور عن «الحلاج» هو قول أهل العلم من الفقهاء وتابعهم أكثر أهل الزهد من المشايخ. وذلك واضح في رسالة الأستاذ «أبي القاسم القشيري» رحمه الله تعالى. وخالف في ذلك بعضهم.
وغالب هؤلاء: الصوفية الذي مزجوا التصوف بالفلسفة ومنهم «محيى الدين بن عربي» «وشرف الدين بن الفارض» وكلامهم في الاتحاد ظاهر.
ففي كلام «ابن عربي» في «الفصوص» من ذلك فضائح وفي القصيدة التائية الكبرى «لابن الفارض» التصريح بالاتحاد والحث عليه وقد تأول ذلك كثير من أهل العلم وذكروا له وجوها من التأويل ولكن ظاهر كلامهم منابذ لظاهر كلام أهل المشرع.
وأما قول الرجل المذكور: إن من اعتقد ولاية «الحلاج وابن الفارض» كفر، فليس بجيد منه لأن إطلاق الكفر على من اعتيد شيئًا محتملا خطأ.
وأما قوله في حق «الصرصري» فهو كما قال فكلامه صريح فيما ذكر وهو على طريقة الحنابلة ولهم في ذلك منازعات وأما إطلاقه: أن
[ ١٠٣ ]
«الحلاج» ليس بولى فهو على حكم الظاهر والله أعلم بالسرائر قاله «أحمد ابن علي بن حجر الشافعي» - انتهى.
قال «أحمد بن خلكان»: والحلاج - بفتح الحاء وتشديد اللام - وإنما لقب بذلك لأنه جلس على حانوت حلاج واستقضاه شغلًا فقال الحلاج: أنا مشتغل بالحلج فقال له: امض في شغلي حتى أحلج عنك فمضى الحلاج فتركه فلما عاد رأى قطنه جميعه محلوجًا. انتهى باقتصار.
وحيث تبين لك أقوال العلماء فيه اتضح لك سقم كلام «العلامة ابن حجر» بظاهره وخافيه ولا بأس بأن نذكر شيئًا من كلام شيخ الإسلام «ابن تيمية» لتقف على حججه الساطعة المرضية.
[ابن تيمية يرد القول بولاية الحلاج من وجوه]
فأقول: قد قال في بعض فتاويه ما نصه: إن القول بولاية الحلاج مردود بوجوه:
(منها): أن الأئمة الدين وفقهاء المسلمين اتفقوا على حل دم الحلاج وأمثاله.
(الثاني): أن الاطلاع على أولياء الله تعالى لا يكون إلا ممن يعرف طرق الولاية وهو الإيمان والتقوى ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد كأهل الحلول والاتحاد. فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة لم يكن عارفًا بالإيمان والتقوى فلا يكون عارفًا بطرق أولياء الله تعالى فلا يجوز أن يميز بين أولياء الله سبحانه وغيرهم.
(الثالث): أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته فيكون من جنسه فشهادته له بالولاية شهادة اليهودي والنصراني والرافضي لنفسه أنه على الحق وشهادة المرء لنفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقه مردودة،
[ ١٠٤ ]
فكيف تكون لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم أهل الضلال؟
(الرابع): أن يقال: أما كون «الحلاج» عند الموت فيما بينه وبين الله تعالى أو لم يتب فهذا غيب يعلمه الله ﷾ منه.
وأما كونه كان يتكلم بهذا عند الاصطلام (١) فليس كذلك بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر يقظان وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذرًا في رفع القلم، وكذلك الشبهة التي ترفع معها قيام الحجة قد تكون عذرًا في الباطن وإن لم تكن عذرًا في الظاهر فهذا لو فرض لم يجز أن يقال: قتل ظلمًا ولا يقال له إنه موافق له على اعتقاده ولا يشهد بما لا يعلم فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك؟
وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أن يدعى فيه الاصطلام أو الشبهة وأما أن يوافقه على ما قتل عليه فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد. وكذلك من لم يجوز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام ونحن إنما علينا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به ونعرف طريق الله سبحانه الذي أمرنا به وقد علمنا بكيهما: أن ما قاله الحلاج باطل وأنه يجب قتل مثله وأما نفس الشخص المعين هل كان في الباطن له أمر يغفر الله تعالى له من توبة أو غيرها فهذا أمر إلى الله تعالى ولا حاجة لأحد إلى العلم بحقيقة ذلك والله تعالى أعلم - انتهى.
_________________
(١) تقطيع الأعضاء فربما يقصد هنا الألم وما يسببه من غيبوبة.
[ ١٠٥ ]
* * *
(مكتوب شيخ الإسلام ابن تيمية)
(وقال أيضًا) من جملة كتاب كتبه سنة أربع وستمائة للشيخ «أبي الفتح نصر المنبجي» المتوفى سنة ٧١٩ ما نصه: وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتابًا اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء ولم يكن القصد به والله أحدًا بعينه وغنما الشيخ هو مجمع المؤمنين فعلينا أن نعنيه في الدين والدنيا بما هو اللائق به.
وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم وقد كتبت في ذلك كتابًا ربما يرسل إلى الشيخ. وقد كتب سيدنا الشيخ «عماد الدين» في ذلك رسائل - والله تعالى يعلم وكفى به عليمًا - لولا أنى أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات وهو شبيه بدفع من التتار عن المؤمنين ولم يكن للمؤمنين بالله تعالى ورسوله حاجة إلى أن يكشف أسرار الطريق وتهتك أستارها، ولكن الشيخ أحسن الله تعالى إليه يعلم أن مقصود الدعوة النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل أن يكون الدين كله لله هو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥، ٤٦] وقال سبحانه: ﴿قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ [يوسف ١٠٨] وقال تعالى: ﴿إنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات والأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣] .
وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد - الذي أنزل الله تعالى به
[ ١٠٦ ]
الكتب وبعث به الرسل - بالاتحاد الذي سموه توحيدًا وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق.
وإنما كنت قديمًا ممن يحسن الظن بابن عربي وتعظيمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من «الفتوحات والكنه، والمحكم المربوطة والدرة الفاخرة ومطالع النجوم» ونحو ذلك ولم يكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع (الفصوص) ونحوه وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان. وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام رجال سالكون أهل صدق وكلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم والشيخ - أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحق قصده - من نصحه للاسلام وأهله ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان اله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة. هؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة التتار وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة رباعية فإن كل واحد من الاتحاد والحلول إما معين في شخص وإما مطلق أما الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي المشايخ من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معنى إما بالإتحادية كاتحاد الماء واللبن وهو قول «اليعقوبية» وهم السودان ومن الحبشة والقبط وإما بالحلول وهو قول «النسطورية» وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول «الملكانية» .
(وأما) الحلول المطلق: وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه اهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرونهم بذلك.
[ ١٠٧ ]
وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام: فما علمت أحدًا سبقهم غليه إلا من أنكر وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق وأن وجود ذات الله خالق السموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره ولا أنه رب العالمين ولا أن غنى وما سواه فقير ولكن تفرعوا على ثلاثة طرق وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم لأنه أمر مبهم.
(الأول) أن يقولوا: عن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية حتى الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست الحق ويفرقوا بين الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك.
ويقولون: إن الله سبحانه لم يعط أحدًا شيئًا ولا أغنى أحدًا ولا أسعده ولا أشقاه وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك.
ويقولون: إن هذا هو سر القدر وإن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجًا عن نفسه المقدسة.
ويقولون: إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم وأنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد وأنهم يكونوا أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسل.
ويقولون: إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى. وأن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله سبحانه. وأن قوله تعالى ﴿وقضى ربك
[ ١٠٨ ]
ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء ٢٣] معنى حكم لا معنى أمر فما عبد غير الله في كل معبود فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا وقع.
ويقولون إن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية. وإن قوم نوح قالوا ﴿لا تذرن آلهتيكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا﴾ [نوح ٢٣] لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم لأن الحق في كل معبود وجهًا يعرفه من عرفه وينكره من أنكره. وأن الفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية وأن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد فإن الجاهل يقول: هذا حجر وشجر والعارف يقول: هذا محل إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر فإن النصارى إنما كفروا لأنههم خصصوا أن عباد الأصنام ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر والعارف يعبد كل شئ والله أيضًا يعبد كل شئ لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام وهو غذاؤها بالوجود وهو فقير إليها وهي فقيرة غليه وهو حليل كل شئ بهذا المعنى ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أمورًا عدمية.
ويقولون: من أسمائه الحسنى العلي. عن ماذا وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو.
وما نكح سوى نفسه وما ذبح سوى نفسه والمتكلم هو عين المستمع وإن «موسى» إنما عتب على «هارون» حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيفه وعدم اتساعه وإن «موسى» كان أوسع في العلم فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله وأن أعلى ما عبد الهوى وأن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله. «فرعون» كان عندهم من أعظم العارفين وقد صدقه السحرة في
[ ١٠٩ ]
قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات ٢٤] وفي قوله ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص ٣٨] .
وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين وأقول: إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول «فرعون» المنكر لوجود الخالق الصانع حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون: نحن على قول فرعون وهذه المعاني كلها هي قول صاحب «الفصوص» والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر ١٠] .
والمقصود: أن حقيقة ما تضمنه كتاب «الفصوص» المضاف إلى النبي ﷺ أنه جاء به وهو ما إذا فهم المسلم بالاضطرار أن جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرءون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله؟ ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ربهم ورب آبائهم الأولين رب المشرق والمغرب ولا يقول أحد منهم: إنه عين المخلوقات. ولا نفس المصنوعات كما يقوله هؤلاء حتى إنهم يقولون: لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله.
وهذا مركب من أصلين:
(أحدهما) أن المعدوم شئ ثابت في العدم كما يقوله كثير من «المعتزلة والرافضة» وهو مذهب باطل بالعقل للكتاب والسنة والإجماع.
[ ١١٠ ]
وكثير من متكلمة أهل الإثبات «كالقاضي أبي بكر» (١) كفر من يقول بهذا وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى.
فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن اله ﷾ كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله - ﷺ - سورة ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق ١-٥] فذكر المراتب الأربعة: وهي الوجود العيني الذي خلقه وذكر الوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي وبين أن الله تعالى علمه ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم مستلزم للمراتب الثلاثة.
وهذا القول - أعنى قول من يقول: إن المعدوم شئ ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلًا ودلالته واضحته لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة وابن عربي وافق أصحابه وهو أحد أصلى مذهبه الذي في الفصوص.
(والأصل الثاني): أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق ليس غيره ولا سواه وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء وهو قول بقية الاتحادية لكن ابن عربي أقربهم إلى الإسلام وأحسن كلامًا في مواضع كثيرة - فإنه يفرق بين المظاهر والظاهر فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه ويأمر بالسلوك
_________________
(١) هو أبو بكر الباقلاني صاحب التمهيد.
[ ١١١ ]
بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه سلوكهم فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين قوله.
(وأما) صاحبه «الصدر الرومي (١») فإنه كان متفلسفًا فهو أبعد عن الشريعة والإسلام ولهذا كان الفاجر «التلمساني» «الملقب بالعفيف» (٢) يقول: كان شيخي القديم متروحنًا متفلسفًا والآخر فيلسوفًا متروحنًا يعني الصدر الرومي فإنه كان قد أخذ عنه ولم يدرك «ابن عربي» في كتاب «مفتاح غيب الجمع والوجود» وغيره يقول: إن الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين كما يفرق بين الحيوان والجسم المطلق والجسم المعين والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقًا ولا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة فحقيقة قوله: إنه ليس سبحانه وجود أصلًا ولا حقيقة ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات ولهذا يقول هو وشيخه: إن الله تعالى لا يرى أصلًا وأنه ليس في الحقيقة اسم ولا صفه ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير والبول والعذرة عين وجوده. تعالى الله عما يقولون!! .
وأما «الفاجر التلمساني» فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت - كما يفرق «ابن عربي» - ولا يفر بين المطلق والمعين والثبوت - كما يفرق ابن عربي - ولا يفرق بين المطلق والمعين - كما يفرق «الرومى» - ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه. وأن العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوبًا فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له الأمر ولهذا كان يستحل جميع المحرمات حتى حكى عنه
_________________
(١) جلال الدين الرومي صاحب «المنثوى» توفي ٦٧٢هـ.
(٢) الشاعر عفيف الدين سليمان بن علي، اشتغل بالتصوف وشرح بعض كتبه توفي سنة ٦٩٠ هـ.
[ ١١٢ ]
الثقات: أنه كان يقول البنت والأم والأجنبية شئ واحد ليس في ذلك حرام علينا وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام فقلنا: حرام عليكم.
وكان يقول: القرآن كله شرك ليس فيه توحيد وإنما التوحيد في كلامنا.
وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة وإذا أحسن القول يقول: القرآن يوصل إلى الجنة وكلامنا يوصل إلى الله تعالى وشرح الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له. ولد ديوان شعر قد صنع فيه أشياء وشعره في صناعة الشعر جيد ولكنه كما قيل: «لحم خنزير في طبق صيني» وصنف «للنصيرية» عقيدة. وحقيقة أمرهم: أن الحق بمنزلة البحر وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه.
وأما «ابن سبعين» فإنه في «البدو والإحاطة» يقول أيضًا بوحدة الوجود وأنه ما ثم غيره وكذلك «ابن الفارض» في آخر «نظم السلوك» لكن لم يصرح هل يقول بمثل قول التلمساني أو قول الرومي أو قول ابن عربي وهم إلى كلام التلمساني أقرب. ولكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي ما كفره أحد قط مثل التلمساني. وآخر يقال له «البلباني» من مشايخ شيراز ومن شعره: [متقارب]
وفي كل شئ له آية تدل على أنه عينه
وأيضًا: [طويل]
وما أنت غير الكون بل انت عينه ويفهم هذا الشر من هو ذائقه
وأيضًا: [طويل]
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي لأني في التحقيق لست سواكم
وأيضًا: [كامل]
[ ١١٣ ]
ما بال عيسك لا يقر قرارها وإلام ظلك لا يني متنقلًا
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن إلا إليك إذا بلغت المنزلا
وأيضًا: [سريع]
ما الأمر إلا نسق واحد ما فيه من حمد ولا ذم
وإنما العادة قد خصصت والطبع والشارع في الحكم
وأيضًا: [بسيط]
يا عاذلى أنت تنهاني وتأمرني والوجد أصدق نهاء وأمار
فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمي عن العيان إلى أوهام أخبار
فعين ما أنت تدعوني إليه إذا حققته تره المنهى يا جاري
وأيضًا: [طويل]
وما البحر إلا الموج لا شئ غيره وإن فرقته كثرة المتعدد
إلى أمثال هذه الأشعار وفي النثر ما لا يحصى ويوهمون الجهال أنهم مشايخ الإسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة مثل: «سعيد بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومالك ابن أنس والأوزاعي وإبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والشافعي وأبي سليمان وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وعبد الله بن المبارك وشقيق البلخي» ومن لا يحصى كثرة - إلى مثل المتأخرين مثل: «الجنيد بن محمد القواريري وسهل بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي» ومن بعدهم إلى «أبي طالب المكي» - إلى مثل «الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ عدى والشيخ أبي البيان والشيخ أبي مدين والشيخ عقيل والشيخ أبي الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم والشيخ عبد الله اليونيني والشيخ القرشي» وأمثال
[ ١١٤ ]
هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين.
كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم وأن الله سبحانه ليس هو خلقه ولا جزء من خلقه ولا صفة لخلقه بل هو ﷾ متميز بنفسه المقدسة بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته وبذلك جاءت الكتب الأربعة الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن عليه فطر الله تعالى عباده وعلى ذلك دلت العقول.
وكثيرًا ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار واندراس شريعة الإسلام وأن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب الذي يزعم أنه هو الله فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض وأعظم.
أما على رأى صاحب «الفصوص» فإن بعض المظاهر والمستجليات يكون أعظم لعظم ذاته الثابتة في العدم وأما على رأى «الرومي» فإن بعض المتعينات يكون أكبر فإن بعض جزيئات الكلى أكبر من بعض وأما على البقية فالكل أجزاء منه وبعض جزيئات الكلى وبعض الجزء أكبر من بعض فالدجال عند هؤلاء مثل فرعون من كبار العارفين وأكبر من الرسل بعد نبينا «محمد - ﷺ - وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈» فموسى قاتل فرعون الذي يدعى الربوبية ويسلط الله تعالى مسيح الهدى الذي قيل فيه إنه الله تعالى وهو برئ من ذلك على مسيح الهدى والضلالة الذي قال إنه الله.. ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي - ﷺ - قال: «إنه أعور» وكونه قال: واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت.
«وابن الخطيب» أنكر أن يكون النبي - ﷺ - قال
[ ١١٥ ]
هذا لأن ظهور دلائل الحدوث والنقص على الدجال أبين من أن يستدل عليه بأنه أعور.
فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى والحلولية ظهر سبب دلالة النبي - ﷺ - لأمته بهذه العلامة فإنه بعث رحمة للعالمين.
فإذا كثير من الخلق يجوز ظهور الرب في البشر أو يقول إنه هو البشر كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا على انتفاء الإلهية عنه.
وقد خاطبني قديمًا شخص من خيار أصحابنا كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب منه وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه وجاء إلينا شخص كان يقول: إنه خاتم الأنبياء الأولياء فزعم أن «الحلاج» لما قال: أنا الحق فكان الله تعالى هو المتكلم على لسانه كما يتكلم الجني على لسان المصروع وأن أصحابه لما سمعوا كلام الله تعالى من النبي - ﷺ - كان من هذا الباب - فبينت له فساد هذا وأنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة «موسى ابن عمران» وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق وهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد العام والمطلق الذي يذهب إليه الفاجر «التلمساني» وذووه وبين الاتحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية.
(وقد) كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما وإنما كانوا يلوحون تلويحًا وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان.
وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية ولكن السلف والأئمة اعلم بالإسلام وبحقائقه فإن كثيرًا من الناس قد لا يفهم
[ ١١٦ ]
تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه وهذا كما قال بعض الناس متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد فهو يصف ربه بصفات العدم والموات وأما المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد والقلب لا يقصد إلا موجودًا لا معدومًا فيحتاج أن يعبد المخلوقات إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر كالشمس والقمر والبشر والأوثان وغير ذلك فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم وهم لا يوحدون الله ﷾ وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين المخلوقات فهم بربهم يعدلون ولهذا حدث الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند وقال: إن أرض الإسلام لا تسعه لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان وهذا حقيقة قول الاتحادية.
وأعرف ناسًا لهم اشتغال بالفلسفة والكلام وقد تألهوا على طريق هؤلاء الاتحادية فإذا أخذوا يصفون الرب سبحانه بالكلام قالوا: ليس بكذا ليس بكذا وصفوه بأنه ليس هو المخلوقات كما يقوله المسلمون لكن يجحدون صفات الخالق التي جاءت بها الرسل ﵈.
وإذا صار لأحدهم ذوق ووجد تأله وسلك طريق الاتحادية وقال: إنه هو الموجودات كلها.
فإذا قيل له: أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال: ذلك وجدى وهذا ذوقي.
فيقال لهذا الضال: كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل وإنما الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات فإن علم القلب وحاله متلازمان فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال.
ولو سلك هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين ﵈ الذين أمروا
[ ١١٧ ]
بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله واتبعوا طريق السابقين الأولين لسلكوا طريق الهدى ووجدوا برد اليقين وقرة العين فإن الأمر كما قال بعض الناس: إن الرسل جاءوا بإثبات مفصل ونفى مجمل والصابئة المعطلة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل. فالقرآن مملوء من قوله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم - وعلى كل شيء قدير - وأنه سميع بصير وسع كل شيء رحمة وعلمًا﴾ وفي النفي ﴿ليس كمثله شيء - ولم يكن له كفوًا أحد - هل تعلم له سميًا - سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين﴾ .
(وهذا) الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على الشيخ أيده الله تعالى بالإسلام ونفع المسلمين ببركة أنفاسه وحسن مقاصده ونور قلبه فإن ما فيه نكت مختصرة فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب ولكن ذكرت للشيخ أحسن الله تعالى غليه ما اقتضى الحال أن أذكره وحامل الكتاب مستوفز عجلان وأنا أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين عامتهم وخاصتهم ويهديهم إلى ما يقربهم وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير الذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ [آل عمران ١٠٤] انتهى.
فاتضح لديك مما تلى عليك أن الشيخ ابن تيمية غير منفرد بالطعن فيمن ذكر ولم تحمله على ما قال نفسانية أو شحناء معاصرة حتى زبر ما زبر بل لما عنده من أنه أخذ بضبع القاصرين وأداء لواجب النصحية في الدين كما بين أيضًا غيره من العلماء العاملين.
[ ١١٨ ]
الفصل الرابع: في الكلام على ما نقله الشيخ ابن حجر من عبارة شيخ الإسلام
مشتملًا على بيان مقصده وترجمة أحوال من ذكر بوجه مختصر
[ابن حجر لا يلتزم أدب المناظرة في النقل]
فأقول: قوله قال في بعض كلامه إلخ - لا يخفى عليك أنه كان الأولى أن يغزو الشيخ ابن حجر هذه العبارة إلى ما نقله منه وألا يريه بالحاصل عنه لأن هذا موضع خصام! فالحرى إتمام النقل ليتضح المرام على أنى أقول: إن لهذا النقل أصلًا ولا نقص ابن تيمية شيئًا عند ذوي الفضل إذا هو ممكن التوجيه بالوجه الوجيه كما سيتضح للمنصف النبيه إن شاء الله تعالى.
(قوله في كتب الصوفية ما هو مبني) إلخ - التصوف كما قال الإمام الغزالي: تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه. قال: وحاصله يرجع إلى عمل القلب والجوارح وقا السخاوي: إن السرى السقطى قدس سره سئل عن التصوف فقال: اسم لثلاثة معان: وهو الذي لا يطفئنور معرفته نور وروعه ولا يتكلم بباطن ينقضه عليه ظاهر الكتاب ولا تحمله الكرامات من الله تعالى على هتك أستار محارم الله تعالى. انتهى.
[الصوفى المثالى]
والصوفى: من اتصف بذلك، (وقال) الشيخ ابن تيمية: إن هذا التعبير عن الزاهد بالصوفى حدث في أثناء المائة الثانية؛ لأن لباس الصوف كان يكثر في الزهاد ومن قال: إنه نسبة إلى الصفة التي ينسب إليها كثير من الصحابة
[ ١١٩ ]
ويقال فيهم أهل الصفة أو نسبة إلى الصفاء أو الصف الأول أو صوفة بن مروان بن أد بن طابخة أو صوفة القفا - فهي أقوال ضعيفة، انتهى.
وقال القطب النوراني الشيخ عبد القادر الكيلاني في كتابه (الفتح الرباني): الصوفى من صفا باطنه وظاهره بمتابعة كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - فكلما ازداد صفاؤه خرج من بحر وجوده ويترك إرادته واختياره ومشيئته من صفاء قلبه. انتهى. وما أحسن قول من قال: [بسيط]
تنازع الناس في الصوفى واختلفوا وكلهم قال قولًا غير معروف
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى صافى فصوفى حتى سمى الصوفى
(واعلم): أن الصنف الأول هم المقبولون عند القوم السالمون من القدح واللوم فقد قال سيد الطائفة الصوفية وإمام الطريقة الحقيقة الشرعية جنيد البغدادي عليه رحمة الهادي: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى الرسول - ﷺ - وقال: من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا العلم لأن علمنا ومذهبنا مقيد بالكتاب والسنة.
(وقال): أبو يزيد البسطامى لبعض أصحابه: قم حتى تنظر إلى هذا الرجل الذي قد شههر نفسه بالولاية - وكان رجلًا مشهورًا بالزهد - فمضينا فلما خرج من بيته ودخل المسجد رمى ببزاقة تجاه القبلة فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه، فقال: هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب رسول الله - ﷺ - فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه؟ (وقال): لو نظرتم إلى رجل أعطى الكرامات حتى تربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء فعل الشرعية وإلا فهي استدراج.
(وقال): أبو سليمان الداراني: ربما تقع في قلبي النكتة من نكت
[ ١٢٠ ]
القوم أيامًا فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة.
(وقال) ذو النون المصرى: ومن علامات المحب لله سبحانه متابعة حبيب الله محمد - ﷺ - في أفعاله وأخلاقه وأوامره وسننه.
(وقال) بشر الحافى: رأيت النبي - ﷺ - في المنام فقال لي: «يا بشر هل تدري بم رفعك الله تعالى من بين أقرانك قلت: قال: باتباعك سنتى وخدمتك الصالحين ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي هو الذي بلغك منازل الأبرار» .
(وقال) ابو سعيد الخرار: كل فيض باطن يخالفه ظاههر فهو باطل انتهى قاله القشيري في الرسالة.
(وقال) سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني: جميع الأولياء لا يستمدون غلا من كلام الله ﷿ ورسوله - ﷺ - ولا يعملون إلا بظاهرهما.
(وقال) الشيخ الأكبر محي الدين من جملة أبيات افتتح بها الباب الثامن والثلثمائة من الفتوحات وهي: [رمل]
فنجاة النفس في الشرع فلا تك إنسانا رأى ثم حرم
واعتصم بالشرع في الكشف فقد فاز بالخير عبيد قد عصم
كل علم يشهد الشرع له فهو علم فبه فلتعتصم
فإذا خالفه العقل فقل طورك الزم مالكم فيه قدم
[الصوفى المنحرف]
وإن ترد أن تطلع على حقائق السلوك السنى والتصوف الإحساني فعليك بكتاب شيخنا السيد البدر أبي الطيب القنوجي - حماه الله - الذي سماه (رياض المرتاض وغياض العرباض) وكتاب (حظيرة القدس وذخيرة الأنس) له فإنهما غاية في الباب ونهاية في تلك الآداب ومن حصل له هذان السفران
[ ١٢١ ]
فهو كما قيل: «أللِّبَأ وابن طاب (١») وأما غير هذا القسم من الصوفية كالمتصوفة المغايرين في حركاتهم وأفعالهم للسنة النبوية «فهم المذمومون والجماعة المخالفون للطائفة المرضية» فقد قال صاحب الطريقة المحمدية من بعد ما تكلم على البدعة: فظهر من هذا بطلان ما يدعيه بعض المتصوفة في زماننا إذا أمكر عليهم بعض أمورهم المخالفة للشرع الشريف: إن حرمة ذلك في العلم الظاهر وإنا أصحاب اعلم الباطن وأنه حلال فيه وإنكم تأخذون من الكتاب وإنا نأخذ من صاحبه محمد - ﷺ - فإذا أشكلت علينا مسألة استفتيناها منه، فإذا حصل قناعة وإلا رجعنا إلى الله تعالى بالذات فنأخذ منه وإنا بالخلوة وهمة شيخنا نصل إلى اله تعالى فتكشف لنا العلوم فلا يحتاج إلى الكتاب والمطالعة والقراءة على الأستاذ وإن الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا برفض الظاهر والشرع ولو كنا على الباطل لما حصل لنا تلك الحالات السنية والكرامات العلمية من مشاهدة الأنوار ورؤية الأنبياء الكبائر وإنا إذا صدر منا مكروه أو حرام نبهنا بالرؤيا في المنام فنعرف بها الحلال والحرام وإن ما فعلناه مما قلتم إنه لحرام لم ننبه عنه في المنام فعلمنا أنه حلال إلى غير ذلك من النزهات.
(وهذا) كله إلحاد وضلال لأنه صرح العلماء أن الإلهام ليس من أسباب المعرفة بالأحكام وكذلك الرؤيا خصوصًا إذا خالف الكتاب والسنة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام. انتهى.
(وقال) الإمام الغزالي في الأحياء: من قال إن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه للإيمان. (ونقل) الوالد عليه الرحمة في تفسيره عن الإمام الرباني مجدد الالف الثاني قدس سره أنه قال في مواضع عديدة في
_________________
(١) اللبأ - كعنب: أول اللبن في النتاج. وابن طاب: نوع من تمر المدينة منسوب إلى «ابن طاب» رجل من أهلها يريد أنه جمع بين نفيسين.
[ ١٢٢ ]
مكتوباته: إن الإلهام ل يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا ففي المكتوب الثالث والأربعين من المجلد الأول: أن قومًا مالوا إلى الإلحاد والزندقة يتخيلون أن المقصود الأصلي وراء الشريعة حاشًا وكلًا؟ نعوذ بالله سبحانه من هذا الاعتقاد السوء فكل من الطريقة والشريعة عين الآخر لا مخالفة بينهما بقدر رأس الشعيرة وكل ما خالف الشريعة مردود وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة.
(وقال ايضًا) في أثناء المكتوب السادس والثلاثين: للشريعة ثلاثة أجزاء: علم وعمل وإخلاص فما لم تتحقق هذه الأجزاء لم تتحقق الشريعة وإذا تحققت الشريعة حصل رضا الحق ﷾ وهو فوق جميع السعادات الدنيوية والأخروية ورضوان من الله أكبر فالشريعة متكلفة بجميع السعادات ولم يبق مطلب وراء الشريعة فالطريقة والحقيقة اللتان امتاز بهما الصوفية كلتاهما خادمتان للشريعة في تكميل الجزء الثالث الذي هو الإخلاص فالمقصود منهما تكميل الشريعة لا أمرًا آخر وراء ذلك - إلى آخر ما قال.
(وقال) عليه الرحمة في أثناء المكتوب التاسع والعشرين بعد تحقيق كثير فتقرر أن طريق الوصول إلى درجات القرب الإلهي جل شأنه سواء كان قرب النبوة أو قرب الولاية منحصر في طريق الشريعة التي دعا إليها رسول الله - ﷺ - وصار مأمورًا بها في آية: ﴿قل هذه سبيل أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ [يوسف ١٠٨] وآية ﴿قل إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران ٣١] تدل على ذلك أيضًا - إلى آخر ما قال.
(قال) الوالد نفعنا الله تعالى به في تفسيره سورة الكهف: والذي ينبغي أن يعلم ان كلام العارفين المحققين وإن دل على أن لا مخالفة بين الشريعة
[ ١٢٣ ]
والطريقة والحقيقة في الحقيقة ولكنه يدل أيضًا على أن في الحقيقة كشوفًا وعلومًا غيبية ولذا تراهم يقولون: علم الحقيقة هو العلم اللدنى وعلم المكاشفة وعلم الموهبة وعلم الأسرار والعلم المكنون وعلم الوارثة، إلا أن هذا لا يدل على المخالفة فإن الكشوف والعلوم الغيبية ثمرة الإخلاص الذي هو الجزء الثالث من أجزاء الشريعة فهي بالحقيقة مترتبة على الشريعة ونتيجة لها ومع هذا ر تغير تلك الكشوف والعلوم الغيبية حكمًا شرعيًا ولا تقيد مطلقًا ولا تطلق مقيدًا خلافًا لما توهمه بعضهم رقصة الخضر لا تصلح دليلًا.
وكذا قول أبي هريرة - ﵁ -: «حفظت من رسول الله - ﷺ - وعاءين من العلم: فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع منى هذا البلعوم» لأن الخضر أوحى إليه إن قلنا بنبوته أو الإلهام كان شرعًا إذ ذاك. والوعاء الآخر يحتمل أن يكون علم الفتن. وما وقع من بني أمية وذم النبي - ﷺ - لأناس معينين منهم ولا شك أن بث ذلك في تلك الأعصار يجر إلى القتل - انتهى باختصار. وقد أطال في هذا البحث وأطاب فعليك به إن أردته فقلما تجده في كتاب.
قال الشيخ ولى الله الدهلوي في التفهيمات - وقد ذكر عنه أنه أنكر وجود القطب والغوث والخضر والذي تدعيه الشيعة أنه المهدى وحق له ذلك -: فالسنى ما دام على شرطه من اعتقدا ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع والسكوت عما لا يثبت بها لا يعتقد ذلك ومن أثبت ذلك من الصوفية فإنه لم يثبت عن كتاب ولا سنة اللهم إلا الكشف وليس من أدلة الشرع والذي أفهم من كلامه أنه يريد أن هذا قول مبتدع باطل اعتقاده من حيث الشرع لقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» ولو كان قطع الإنكار لم يستحق التكفير ولا التفسيق أيضًا. انتهى.
[ ١٢٤ ]
[ابن تيمية كان يتشدد في سد ذرائع البدع]
واعلم أن الشيخ ابن تيمية عليه الرحمة لما كان كثير التشدد في سد ذرائع البدع وثقيل القول على من خالف ظاهر الشرع المتبع وغزير الاعتراض على بعض المصنفين المختلط كلامهم بفلسفة المتفلسفين ظن كثير ممن ليس له اطلاع بأقواله الفسيحة البقاع أنه ينكر كرامات الأولياء ويوهن ما يجري من الخارق على يد الأتقياء وهذا ظن فاسد كما سيعرفه كل بصير ناقد في رسالتنا هذه ليتحقق الرائج من الكاسد: فقد قال في كتابه (الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن) ما نصه:
[رأى ابن تيمية في الولاية والأولياء]
فأولياء الله تعالى المتقون: هم المهتدون بمحمد - ﷺ - فيفعلون ما أمر به وينتهون عما نهى عنه ويتقدون به فيما يبين لهم أن يتبعوه فيه فيؤيدهم الله تعالى بملائكته وروح منه ويقذف الله تعالى في قلوبهم من أنواره ولهم الكرامات التي يكوم الله ﷿ بها أولياءه المتقين. وخيار أولياء الله تعالى كراماتهم حجة في الدين أو لحاجة في المسلمين مثل ما كانت معجزات نبينا محمد - ﷺ - فهي في الحقيقة تدخلفي معجزات الرسول ﵊ التي جمعت نحو ألف معجزة. وكرامات أصحابه والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدًا.
(مثل ما كان) اسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيا أمثال السرج وهي الملائكة فنزلت تسمع لقراءته وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين.
(وكان) سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها.
[ ١٢٥ ]
(وعباد بن بشير وأسيد بن حضير) خرجا من عند رسول الله - ﷺ - في ليلة مظلمة فأضاء لهما طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما رواه البخاري وغيره.
(وخرجت أم أيمن) مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسًا على رأسها فرفعته فإذا دلو برشاء ابيض معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها.
(وسفينة) مولى رسول الله - ﷺ - أخبر الأسد أنه رسول الله - ﷺ - فمشى معه الأسد حتى أوصله إلى مقصده.
(وخالد بن الوليد) حاصر حصنًا فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره.
(وعمر) - ﵁ - نادى سارية من المنبر والقصة مشهورة ومثله كثير.
(ومثل ذلك) ما جرى لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجله وهي ترمي بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئًا حتى أدعوا الله تعالى فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة، فقال: اتبعني فاتبعه فوجدوها قد تعلق بشئ فأخذها.
(وطلبه) الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: اشهد أني رسول الله قال: ما أسمع. قال: اشهد أن محمد رسول الله، قال: نعم. فأمر بنار فألقى فيها فوجدوه قائمًا يصلي وقد صارت بردًا وسلامًا فقال: عمر الحمد الله الذي لم يمتنى حتى أراني من أمة محمد - ﷺ - من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.
[ ١٢٦ ]
(وصلة بن اشيم) مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق على منة ودعا الله سبحانه فأحياه له فلما وصل إلى بيته قال: يابني خذ سرج الفرى فإنه عارية: فأخذ سرجه فمات وقد وقع له مثير من ذلك.
(وكان سعيد بن المسيب) في أيام الحرة يسمع الآذان من قبر البني - ﷺ - أوقات الصلاة وكان المسجد قد خلا فلم يبق فيه غيره.
(وكان إبراهيم التميمى) يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئًا.
(وكان عبد الواحد بن زيد) أصابه الفالج فسأل ربه سبحانه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان تطلق له أعضاؤه وقت الوضوء ثم يعود بعده.
وهذا باب واسع قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع.
(وأما) ما نعرفه نحن عيانًا ونعرفه في هذا الزمان فكثير.
(ومما) ينبغي أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج إليها الضعيف أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسدد حاجته ويكون من هو أكمل ولاية لله تعالى منه مستغنيًا عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق أو لحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمنه ﵊ ومسيلمة الكذاب والحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة وكانت الشياطين تخرج رجله من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ فيه وتسبح الرخامة إذا نقرها بيده وغير ذلك ولم ينفذ فيه الرمح حتى سمى الله فقتله.
(وقال) فيه: وليس من شرط ولى الله تعالى أن يكون معصومًا،
[ ١٢٧ ]
بل يجوز ان يخفى عليه بعض علم الشريعة ويجوز ان يشتبه عليه بعض أمور الدين.
(وقال) عمرو بن عبيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل وكثير من الناس يغلط هنا فيظن في شخص انه ولى وأنه يقبل منه كل ما يقوله ويفعله وإن خالف الشرع.
(ولهذا) كان عمر يشاور الصحابة ويناظرهم وينازعونه في أشياء فيقرهم ولا يقول لهم: أنا محدث ملهم فينبغي لكم أن لا تعارضوني. اهـ باختصار.
(وأنت) تعلم أن المعتزلة تنكر كرامات الأولياء وأهل السنة والجماعة يثبتونها والشيعة خصتها بالأئمة الإثنى عشر وبعض المالكية أنكرها أيضًا لسد الذرائع المتوصل بها إلى كل باطل بالحقيقة.
(وقال) الجمهور: إن الخارق للعادة ينقسم إلى إرهاص ومعجزة وكرامة ومعونة واستدراج وإن أردت الإحاطة بالتفصيل والأدلة فعليك بالكتب المفصلة والله سبحانه الموفق.
[لم يكن ابن تيمية وحده هو الذي حارب الفلاسفة]
(قوله الفلاسفة) أبو الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل):
الفلسفة باليونانية: محب الحكمة والفيلسوف هو فيلاسوفًا وفيلًا هو المحب وسوفًا هو الحكمة والحكمة قولية وفعلية ثم إنه فصلهما فإن أردته فارجع غليه.
[الغزالي يرمى الفلاسفة بالكفر]
(وقال) الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال ما ملخصه.
[ ١٢٨ ]
فصل: [في أصنافهم وشمول سمة الكفر كافتهم]
(واعلم) أنهم على كثرة فوقهم واختلاف مذاهبهم ثلاثة اقسام: الدهريون والطبيعيون والإلهيون.
(فأما) الدهريون: فهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر للعالم وزعموا أن العالم لم يزل موجودًا كذلك بنفسه وكذلك يكون أبدًا وهؤلاء الزنادقة.
(وأما) الطبيعيون فهم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعجائب الحيوان والنبات وأكثروا في علم تشريح الأعضاء فرأوا فيها العجائب فاضطروا إلى الاعتراف بقادر حكيم لكنهم جحدوا الأخرة وهؤلاء ايضًا الزنادقة.
(وأما) الإلهيون: وهم المتأخرون منهم سقراط وهو استاذ افلاطون وأفلاطون أستاذ إرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق وهذب العلوم وهؤلاء ردوا على الصنفين الأولين ثم رد إرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن قبله من الإلهميين إلا أنه استبقى أيضًا من رذائل كفرهم فوجب تكفيرهم وتكفير متبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وغيرهما.
(ثم قال): وعلومهم بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه ستى أقسام: رياضية ومنطقية وطبيعية وإلهية وسياسية وخلقية.
(أما الرياضية) فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئات العالم وليس يتعلق شئ منها بالأمور الدينية نفيًا وإثباتًا.
(وأما المنطقيات) فلا يتعلق شئ منها بالدين نفيًا وإثباتًا. اهـ.
[ ١٢٩ ]
(قلت) لكن قال صاحب السلم فيه: [رجز]
والخلف في جواز الاشتغال به على ثلاثة أقوال
فابن الصلاح والنواوى حرما وقال قوم ينبغي أن يعلما
والقولة المشهورة الصحيحة جوازه لكامل القريحة
ممارس السنة والكتاب ليهتدي به إلى الصواب
(قال): وأما علم الطبيعيات فهو بحث عن أجسام العالم: السموات وكواكبها وما تحتها من الأجسام كالماء والهواء والتراب والنار والحيوان والنبات والمعادن وليس من شرط الدين إنكاره.
(وأما الإلهيات) ففيها أكثر أغاليطهم وكفرهم.
(وأما السياسيات) فمجموع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية السلطانية وقد أخذوها من الكتب المنزلة ونحوهما.
(وأما الخلقية) فكلامهم فيما يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها وذكر أجناسها وكيفية معالجتها ومجاهدتها وإنما أخذوه من الصوفية وهم المتألهون فمزجوا كلام النبوة وكلام الصوفية بكتبهم فتولد من مزجهم آفتان: آفة في حق القابل وآفة في حق الراد - اهـ باختصار وتلخيص. وقال كاتب جلبي في كتابه (كشف الظنون): العلوم الفلسفية أربعة أنواع: رياضية، ومنطقية وطبيعية وإلهية - (فالرياضية) على أربعة أقسام: (الأول) علم الارتماطيقى وهو معرفة خواص العدد وما يطابقها من معاني الموجودات التي ذكرها فيثاغورس نيقوماخس وتحته علم الوفق، وعلم الحساب الهندي وعلم الحساب القبطي والزنجي وعلم عقد الأصابع (الثاني) علم الجو مطريا وهو علم الهندسة بالبراهين المذكورة في إقليدس ومنها علمية وعملية وتحتها علم المساحة وعلم التكسير وعلم رفع الأثقال وعلم الحيل المائية والهوائية،
[ ١٣٠ ]
والمناظر والحرب. (الثالث) علم الاسطر قوميًا وهو علم النجوم بالبراهين المذكورة في المجسطى وتحته علم الهيئة والميقات والزيج والأحكام والتحويل (الرابع) علم المويسقى، وتحته علم افيقاع والعروض.
«الثاني» العلوم المنطقية وهي خمسة أنواع: (الأول) أنولوطيقيا، وهو معرفة صناعة الشعر. (الثاني) بطوريقا وهو معرفة صناعة الخطب. (الثالث) بوطيقا وهو معرفة صناعة الجدل (الرابع) الولوطيقى وهو معرفة صناعة البرهان (الخامس) سوفسطيقا وهو معرفة المغالطة.
«الثالث» العلوم الطبيعية وهي سبعة أنواع: (الأول) علم المبادى وهو معرفة خمسة اشياء لا ينفعك عنها جسم وهي: الهيولى والصورة والزمان والمكان والحكمة. (الثاني) علم السماء والعالم وما فيه. (الثالث) علم الكون والفساد. (الرابع) علم حوادث الجو (الخامس) علم المعادن (السادس) علم النبات (السابع) علم الحيوان ويدخل فيه علم الطب وفروعه.
«الرابع» العلوم الإلهية وهي خمسة انواع: (الأول) علم الواجب وصفته. (الثاني) علم الروحانيات وهي معرفة الجواهر البسيطة العقلية والفعالية التي هي الملائكة. (الثالث) العلوم النفسانية وهي معرفة النفوس المتجسدة والأرواح السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية من الفك المحيط إلى مركز الأرض (الرابع) علم السياسيات، وهي خمسة أنواع: (الأول) علم سياسة البنوة (الثاني) علم سياسة الملك وتحته الفلاحة والرعايا وهو الأول المحتاج إليه في أول الأمر لتاسيس المدن. و(الثالث) علم قود الجيش ومكايد الحرب والبيطرة والبيزرة وآداب الملوك. (الرابع) علم المدنى معلم سياسة العامة وعلم سياسة الخاصة وهي سياسة المنزل (الخامس) علم سياسة الذات وهو علم الأخلاق. اهـ.
[ ١٣١ ]
وقال العلامة ابن القيم في (إغاثة اللهان) كما نقله السفارينى: والفلاسفة فرق شتى لا يحصيهم غلا الله تعالى وأحصى منهم اثنتا عشرة فرقة مختلفة اختلافًا كثيرًا منهم: أصحاب الرواق وأصحاب الظلة والمشاءون وهم شعية أرسطو.
وفلسفتهم هي الدائرة اليوم وهي الني يحكيها ابن سينا والفارابي وابن الخطيب وغيرهم ومنهم الفيثاغوريسية والإفلاطونية ولا تجد منهم اثنين متفقين فملاحدتهم هم أهل التعطيل فغنهم عطلوا الشرائع والمصنوع عن الصانع بل عطلوا العالم والصانع.
[رأى لابن تيمية في الفلاسفة]
وقال الشيخ ابن تيمية في شرح الأصفهانية وابن القيم: ولأرسطوا أقوال يسخر منها العقلاء منها أن الله تعالى لا يعلم شيئًا من الموجودات لأنه لو علم شيئًا لكمل بمعلوماته كما حكاه عنه أبو البركات البغدادي فيلسفوف الإسلام. وحقيقة ما كان عليه من الكفر بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وقد درج على إثره غير واحد من الملاحدة المتسترين بالإسلام ويعظمونه فوق تعظيم الأنبياء ﵈ ويسمونه المعلم الأول لأنه أول من وضع لهم التعاليم المنطقية «والمعلم الثاني من الفلاسفة: أبو نصر الفارابي إلا أنه من فلاسفة الإسلام وهو الذي وضع لهم التعاليم الصوتية ووسع لهم المنطق. والمعلم الثالث: أبو علي بن سينا فإنه بالغ في تهذيب الفلسفة وقربها من شريعة الرسل.
قال ابن القيم: وحسبك جهلًا بالله تعالى من يقول: إنه تعالى لو علم الموجودات لحقه الحلال واستكمل بغيره وحسبك خذلانًا إحسان الظن بهم وأنهم ذوو العقول وحسبك من جهلهم ما قالوه في سلسلة الموجودات وصدور العالم عن العقول العشرة والنفوس التسعة إلى أن أنهوا صدور ذلك إلى واحد من كل جهة لا علم له بما صدر عنه ولا قدرة له عليه ولا إرادة وأنه لم يصدر عنه إلا واحد قال الشيخ: وصرح أفلاطون بحدوث العالم وخالفه
[ ١٣٢ ]
تلميذه ارسطو وليس له حجة وانتهى باختصار والله ولي التوفيق.
[هل يعلم الولى بلغيب؟]
(قوله كدعوى أحدهم أنه مطلع على اللوح المحفوظ إلخ) قال الوالد عليه الرحمة في باب الإشارة من تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يمسه إلا المطهرون﴾ ما نصه: وإذا كانت هذه الجملة صفة للكتاب المكنون المراد منه اللوح المحفوظ وأريد بالمطهرين الملائكة ﵈ وكان المعنى لا يطلع عليه إلا الملائكة ﵈ كان في ذلك رد على من يزعم أن الأولياء يرون اللوح المحفوظ ويطلعون على ما فيه وحمل المطهرين على ما يعم الملائكة والأولياء الذين طهرت نفوسهم وقدست ذواتهم حتى التحقوا بالملائكة ﵈ لا ينفع في البحث مع أهل الشرع فإن مدار استدلالاتهم على الأحكام الشرعية الظواهر على أنه لم يسمع عن النبي - ﷺ - وهو أنه ينظر يومًا وهو مع أصحابه إلى اللوح المحفوظ واطلع على شئ مما فيه وقال لهم: إنى رأيت اللوح المحفوظ واطلعت على كذا وكذا فيه وكذلك لم يسمع عن النبي أجلة أصحابه الراشدين أنه وقع لهم ذلك.
وقد وقعت بينهم مسائل اختلفوا فيها وطال نزاعهم في تحقيقها إلى أن كاد يغم هلال الحق فيها ولم يراجع أحد منهم لكشفها اللوح المحفوظ.
وذكر بعض العلماء أن سدرة المنتهى ينتهي علم من تحتها إليها وأن اللوح فوقها بكثير وبكل من نطقت الآثار وهو يشعر بعدم اطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ ومع هذا كله من ادعى وقوع الاطلاع فعليه البيان وأنى به وهذا الذي سمعت مبني ما نطقت به الأخبار في صفة اللوح المحفوظ وأنه جسم كتب فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.
(وأما) إذا قيل فيه غير ذلك انجز البحث إلى وراء ما سمعت واتسعت الدائرة ومن ذلك قولهم: أن الألواح أربعة: لوح القضاء السابق على المحو
[ ١٣٣ ]
والإثبات هو لوح العقل الأول ولوح القدر أي لوح النفس الناطقة الكلية التي يفصل فيها كلمات اللوح الأول وهو المسمى باللوح المحفوظ ولوح النفس الجزيئة السماوية التي ينتقش فيها كل ما في هذا العالم شكله وهيئته ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا وهو بمثابة خيال العالم كما أن الأول بمثابة روحه والثاني بمثابة قلبه ولوح الحيوان القابل للصور في عالم الشهادة ويقولون أيضًا ما يقولون، وينشد المنتصر له: [خفيف]
وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
هذا ولا تظنن أن نفي رؤيتهم للوح المحفوظ نفي لكراماتهم الكشفية وإلهاماتهم الغيبية معاذ الله تعالى من ذلك وطرق إطلاع الله تعالى من شاء من أوليائه على من يشاء من علمه غير منحصر بإراءته اللوح المحفوظ ثم إن الإمكان مما لا نزاع فيه وليس الكلام إلا في الوقوع وورود ذلك عن النبي - ﷺ - وأجلة أصحابه كالصديق والفاروق وذي النورين وباب مدينة العلم - والنقطة تحت الباء - - ﵃ - أجمعين - انتهى.
وقال في آخر تفسير سورة «الرعد» بعد أن نقل طبق هذا عنهم ما نصه: «وهو كلام فلسفي» انتهى.
وقال الشيخ محيى الدين في الباب (٣١٦) من كلام في القلم ما بعضه: وعدد هذه الأقلام التي تجري على حكم كتابتها الليل والنهار ثلثمائة قلم وستون قلمًا على عدد درج الفلك وكل قلم له علم من الله تعالى خاص ليس لغيره ومن ذلك القلم ينزل العلم إلى درجة معينة من درجات الفلك فإذا نزل في تلك الدرجة ما نزل من الكواكب التي يقطعها بالسير من الثمانية الأفلاك يأخذ من تلك الدرجة من العلم المودع من ذلك القلم بقدر ما تعطيه قوة روحانية ذلك الكوكب فيتحرك بذلك فلكها فيبلغ الأثر إلى العناصر فتقبل من
[ ١٣٤ ]
ذلك الأثر بحسب استعداد ذلك العنصر ثم يسرى ذلك الأثر من العناصر في المولدات فيحدث فيها ما شاء الله بحسب ما قبلته من الزيادة والنقصان في جسم ذلك المولد أو في قواه أو في روحه وفي علمه وجهله ونسيانه وغفلته وحضوره وتذكره ويقظته كل ذلك بتقدير العزيز العليم - انتهى.
(وقد) أطال الكلام ولتلزم خوف الملل دواتها الأقلام.
وقال في الباب (٣٠٧) من كلام كثير ما نصه: فلنذكر من ذلك حال أهل الله تعالى مع هذا الأمر الإلهي إذا نزل فيهم وذلك أن المحقق من أهل الله تعالى يماين نزوله وتخلله في الجو والأكر إذا فارق السماء الدنيا تارة ثلاث سنين وحينئذ يظهر في الأرض فكل شيء فكل شيء يظهر في الأرض فعند انقضاء ثلاث سنين من نزوله من السماء في كل نفس ومن هنا ينطق أهل الكشف بالغيوب التي تظهر عتهم فإنهم يرونها قبل نزولها ويخبرون بما يكون فيها في السنين المستقبلة وما تعطيهم أرواح الكواكب وحركات الأفلاك النازلة في خدمة الأمر الإلهي فإذا عرف المنجم كيف يأخذ من هذه الحركات ما فيها من الآيات أصاب الحكم وكذلك الكهان والعرافون إذا صدقوا عرفوا ما يكون قبل كونه أي قبل ظهور أثر عينه في الأرض وإلا فمن أين يكون في قوة الإنسان أن يعلم ما يحدث من حركات الأفلاك في مجاريها ولكن التناسب الروحاني الذي بيننا وبين أرواح العالمين بما يجري به في الخلق تنزل بصورتها التي اكتسبته من تلك الحركات والأنوار الكوكبية على أوزانها، فإن لها مقادير ما تخطئ وهمة هذا المنجم التعاليمي وهمة هذا الكائن قد انصبغت روحانيته بما توجهت إليه همته فوقعت المناسبة بينه وبين مطلوبه فأفاضت عليه روحانية المطلوب بما فيها في وقت نظره فحكم بالكوائن الطارئة في المستقبل.
(وأما) العارفون فإنهم عرفوا أن لله وجها خاصًا في كل موجود،
[ ١٣٥ ]
فهم لا ينظرون أبدًا إلى كل شئ من حيث أسبابه وإنما ينظرون فيه من الوجه الذي لهم من الحق فينظر بعين حق فلا يحظئ ابدًا إلى آخر ما قال مما لا يخطو إليه من الخيال.
(وأنت تعلم) أن علماء الظاهر لا يقنعهم هذا مع وجود قوله سبحانه: ﴿ولو كنت أعلم الغيب﴾ [الأعراف: ١٨٨] ﴿وأن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان:٣٤]، وقوله ﵊: «من أتى كاهنًا أو منجمًا. .» الحديث فتدبر ولا تغفل.
قال الدالد عليه الرحمة في الإشارة من تفسير قوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] الآية: ذكر غير واحد حكايات عن الأولياء متضمنة لإطلاع الله تعالى إياهم على ماعدا علم الساعة من الخمس وقد علمت الكلام في ذلك وأغرب ما رأيت ما ذكره الشعراني عن بعضهم: أنه كان يبيع المطر على أرض من يشترى من هـ شيئًا. ومن له عقل مستقيم لا يقبل مثل هذه الحكاية وكم للقصاص أمثالها من رواية! – انتهى.
وقال أيضًا في باب الإشارة من سورة «الصافات» ما نصه: وتنزل الملائكة على الأولياء مما قال بعه الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم وقد يطلقون على بعض الأولياء وأنبياء الأولياء قال الشعراني في «رسالة الفتح في تأويل ما صدر عن الكمل من الشطح»: أنبياء الأولياء هم ولى أقامة الحق تعالى في تجل من تجلياته وأقام له مظهر محمد - ﷺ - ومظهر جبريل ﵇ فأسمعه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد - ﷺ - حتى إذا فزع من خطابه وفرغ من قلب هذا الولى عقل صاحب هذا المشهد مجيع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه الأمة المحمدية ويأخذها هذا الولى
[ ١٣٦ ]
كما أخذها المظهر المحمدي فيرد إلى حسه وقد وعي ما خاطب الروح به مظهر محمد - ﷺ - وعلم صحته علم يقين بل عين يقين فمثل هذا يعمل بما شاء من الأحاديث لا التفات له إلى تصحيح غيره أو تضعيفه فقد يكون ما قال بعض المحدثين بأنه صحيح لم يقله النبي ﵊ وقد يكون ما قالوا فيه: أنه ضعيف سمعه هذا الولى من الروح الأمين يلقيه على حقيقة محمد - ﷺ - كما سمع بعض الصحابة حديث جبريل في بيان الإسلام والإيمان والإحسان فهؤلاء هم أولياء الأنبياء ولا ينفردون قط بشريعة ولا يكون لهم خطاب بها إلا يتعريف أن هذا هو شرع محمد - ﷺ - أو يشاهدون المنزل على رسوله - ﷺ - في حضرة التمثل الخارج عن ذاتهم والدخل المعبر عنه بالمبشرات في حق النائم غير أن الولى يشترك مع النبي في إدراك ما تدركه العامة في النوم حال اليقظة فهؤلاء في هذه الأمة كالأنبياء في بني إسرائيل مرتبة.
تعبد هارون بشريعة موسى ﵇ مع كونه نبيًا وهم الذين يحفظون الشريعة الصحيحة التي لا شك فيها أنفسهم وعلى هذه الأمة فهم أعلم الناس بالشرع غير أن غالب علماء الشريعة لا يسلمون لهم ذلك وهم لا يلزمهم إقامة الدليل على صدقهم لأنهم ليسوا مشرعين فهم حفاظ الحال النبوي والعلم اللدنى والسر الإلهى وغيرهم حفاظ الأحكام الظاهرة وقد بسطنا الكلام على ذلك في الميزان - انتهى.
وقال أيضًا فيها: اعلم أن بعض العلماء أنكر نزول الملك على قلب غير النبي - ﷺ - لعدم ذوقه له والحق أنه ينزل ولكن بشريعة نبيه ﵊ فالخلاف إنما ينبغي أن يكون فيما ينزل به الملك لا في نزول الملك وإذا نزل على غير نبي لا يظهر له حال الكلام أبدًا إنما يسمع كلامه ولا يرى شخصه أو يرى شخصه من غير كلام فلا يجمع بين الكلام والرؤية إلا نبي، والسلام - انتهى.
[ ١٣٧ ]
(ترجمة ابن سينا)
قوله (كابن سينا) - هو كما في تاريخ ابن الوردى وابن خلكان وغيرهما: أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري والده من بلخ وسكن بخارى أيام الأمير نوح ثم تزوج امرأة بقرية أفشنه وبها ولد أبو علي المذكور الملقب بالرئيس وختم القرآن وهو ابن عشر سنين وقرأ الحكمة على أبي عبد الله الناتلي وحل أقليدس والمجسطى والطب وهو ابن ثماني عشرة سنة ثم انتقل من بخارى إلى جرجانية وغيرها ثم اتصل بخدمة مجد الدولة بن بويه بالرى ثم خدم قابوس بن وشمكير ثم قصد علاء الدولة بن كاكوية بأصبهان وتقدم عنده ثم مرض بالصرع والقولنج وترك الحمية ومضى إلى همذان مريضًا ومات بها سنة أربعمائة وثمانية وثلاثين وعمره ثمان وخمسون سنة وكفره حجة الإسلام الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) وكفر الفارابي أيضًا.
(قال) في المنقذ من الضلال: إن مجموع ما غلطا فيه من الإلهيات يرجع إلى عشرين أصلًا يجب تكفيرهما في ثلاثة منها وتبديعهما في سبعة عشر.
أما السائل الثلاث فقد خالفها فيها كافة الإسلاميين (الأولى) قالوا: إن الأجساد لا تحشر وأن المثاب والمعاقب هي الأرواح (الثانية) قولهم: أن الله ﷾ يعلم الكليات لا الجزيئات. (الثالثة) قولهم بقدم العالم واعتقاد هذا كفر صريح نعوذ بالله تعالى منه.
(قال) ابن خلكان: ثم إن ابن سينا لما أيس من العافية - على ما فيل - ترك المعداواة واغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ثم مات بهمذان يوم الجمعة من شهر رمضان وقيل ما في السجن وولادته كانت سنة ثلثمائة وسبعين - والله تعالى أعلم - وله نحو مائة مصنف منها: كتاب
[ ١٣٨ ]
(الشفاء) في الحكمة والإشارات وفي الطب القانون وغيره وله شعر ومنه القصيدة الشهيرة في الروح وهي:
هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع
وستأتي تتمتها في بحث الروح إن شاء الله تعالى.
(قوله: ويزعم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفلكية. الخ) وفي كتاب التهافت للغزالي: أن الفلاسفة زعموا أن نفوس السموات مطلعة على جميع الجزيئات الحادثة في هذا العالم وأن المراد باللوح المحفوظ نفوس السموات وأنه تنعكس جزيئات العالم بها ثم تعقبه القاضي أبو الوليد بن رشد المالكي بما نصه:
قلت: هذا الذي حكاه لم يقله أحد من الفلاسفة في علمى إلا ابن سينا: أعني أن الأجرام السماوية لاتتخيل فضلا عن أن تتخيل خيالات لا نهاية لها.
والإسكندر يصرح في مقالته المسماة (مبادى الكل) أن هذه الأجرام ليست متخيلة لأن الخيال إنما كان في الحيوان من أجل السلامة وهذه الأجرام لا تخاف الفساد فالخيالات في حقها باطلة وكذلك الحواس - انتهى.
ثم في موضع آخر: وأما ما حكاه في الرؤيا عن الفلاسفة فلا أعلم أحدًا قال به من العلماء القدماء إلا ابن سينا، والذي يقوله القدماء في أمر الوحي والرؤيا إنما هو عن الله تعالى بتوسط موجود روحاني ليس بجسم وهو واهب العقل الإنساني عندهم الذي يسمونه العقل الفعال وفي الشرع يسمى ملكًا - انتهى وهو مطابق لما نقله أبو العباس ابن تيمية، فلا تغفل.
(ترجمة الإمام أبي حامد الغزالي)
(قوله: وأبو حامد) هو حجة الإسلام علم الأعلام: محمد بن محمد بن محمد ابن أحمد الغزالي الطوسى الفقيه الشافعي الأصولى ولد سنة خمسين وأربعمائة وتوفي سنة خمسة بالطابران ولم يكن للشافعية في آخر عصره
[ ١٣٩ ]
مثله اشتغل في مبدأ أمره بطوس ثم قدم نيسابور واختلف إلى درس إمام الحرمين أبي المعالى الجويني ثم قدم بغداد وفوض إليه التدريس في النظامية ببغداد وأعجب به أهل العراق ثم ترك جميع ما كان عليه في سنة ثمان وثمانين واربعمائة وسلك طريق الزهد والانقطاع وقصد الحج فلما رجع توجه إلى الشام فأقام بدمشق مدة يذكر الدروس ثم انتقل إلى بيت المقدس واجتهد بالعبادة ثم قصد مصر وأقام بالاسكندرية مدة ثم عاد إلى وطنه بطوس ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية فاجاب ثم ترك ذلك وعاد إلى وطنه واتخذ خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره ووزع أوقاته على وظائف الخير وذكر علاء الدين الصيرفي في كتابه (زاد السالكين): أن القاضي أبا بكر بن العربي قال رأيت الإمام الغزالي في البرية وبيده عكازه وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة وقد كنت رأيته ببغداد يحضر دروسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفضلهم ويأخذون عنه بالعلم قال: فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له: يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خيرًا لك من هذا؟ قال: فنظر إلى شزرًا وقال: لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة وجنحت شمس الوصال في مغارب الوصول: [طويل]
تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلا فهذه منازل من تهوى رويدك فانزل
غزلت لهم غزلًا دقيقًا فلم أجد لغزلي نساجًا فكسرت مغزلى
وله التصنيفات الجليلة، منها: الوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة في الفقه وإحياء العلوم: وله في أصل الفقه: المستصفى والمنحول والمنتحل في علم الجدل والتهافت على الفلاسفة ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على أهله وشرح أسماء الله الحسنى المسمى بالمقصد الأسنى ومشكاة
[ ١٤٠ ]
الأنوار والمنقذ من الضلال وحقيقة القول وغير ذلك وشهرته وشهرتها تغني عن التطويل وقد انتقد عليه غير واحد من العلماء وشنعوا عليه ما حرره في بعض كتبه كما جرت إرادة الله تعالى في الذين خلوا من الفضلاء.
فمن ذلك ما وراه كثير من المؤرخين: أن القاضي عياضًا المالكي صاحب كتاب «الشفاء» كان شديد التعصب للسنة والتمسك بها حتى أمر بإحراق كتب الغزالي لأمر توهمه منها. وقال في «كشف الظنون»: وأول ما دخل إلى المغرب أنكر فيه بعض المغاربة أشياء فصنف (الإملاء في الرد على الإحياء) ثم رأى ذلك المصنف رؤيا ظهرت فيها كرامة الشيخ وصدق نيته فتاب عن ذلك ورجع إلى الاعتقاد في حقه كذا قال المولى أبو الخير وأشار إلى حكاية ابن حرازم التي نقلها ابن السبكي في طبقاته عن الشيخ ياقوت العرشي عن أبي العباس المرسي، عن أبي الحسن الشاذلي، وهي أن الشيخ ابن حرازم خرج على أصحابه ومعه كتاب فقال أتعرفون؟ هذا الإحياء. وكان الشيخ المذكور يطعن في الغزالي وينهى عن قراءة الأحياء فكشف لهم الشيخ المذكور عن جسمه فإذا هو مضروب بالسياط وقال: أتاني الغزالي في النوم ودعاني إلى رسول الله - ﷺ - فلما وقفنا بين يديه قال يا رسول الله، هذا يزعم أني أقول عليك ما لم تقل فأمر بضربي فضربت - هكذا نقلها المناوى في طبقاته.
قال أبو الفرج ابن الجوزى: قد جمعت أغلاط الكتاب وسميته (إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء) أشرت إلى بعض ذلك في كتاب (تلبيس إبليس) .
وقال سبطه أبو المظفر: وضعه على مذاهب الصوفية وترك فيه قانون الفقه فأنكروا عليه ما فيه من الأحاديث التي لم تصح - انتهى. قال المولى أبو الخير وأما الأحاديث التي لم تصح لا ينكر على إيرادها لجوازه في الترغيب والترهيب انتهى.
[ ١٤١ ]
[مما أخذ عن الغزالي]
(أقول): وذلك ليس على إطلاقه بل بشرط أن لا يكون موضوعًا وقد صنف الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة ست وثمانمائة كتابين في تخرج أحاديثه وكذا غيره وللغزالي كتاب في حل مشكلاته سماه (الأجوبة المسكتة، عن الأسئلة المبهتة) وللاحياء مختصرات كثيرة - انتهى باختصاره ومما انتقدوه عليه كما في الأجوبة المرضية لعبد الوهاب الشعراني قوله: ليس في الإمكان أبدع مما كان قالوا: وهذا يفهم منه العجز وهو كفر وجوابه على ما قال الشيخ محيى الدين في فتوحاته: إنه ما تم إلا مرتبتان: مرتبة قدم ومرتبة حدوث فالمرتبة الأولى للحق تعالى وحده والثانية للخلق. فلو خلق فلا يخرج عن رتبة الحدوث فلا يقال: هل يقدر الحق تعالى أن يخلق قديمًا يساويه في القدم لأنه سؤال سهل مهمل في غاية المحال - انتهى.
وأجاب عبد الكريم الجيلى بأن كل واقع في الوجود قد سبق به العلم القديم فلا يصح أن يرقى عن رتبته في العلم الإلهي ولا ينزل عنها وأجاب الشاذلي في الإمكان أبدع حكمة من هذا العالم بحكم عقلنا بخلاف ما استأثره الله تعالى بعلمه - انتهى.
(ومنها) قوله في الأحياء وتقريره لقول ابي سليمان الدرانى: إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا.
(ومنها) ما أجاب به من سأله عن رجل يدخل البادية بلا زاد من قوله: هذا من فعل رجال الله تعالى قيل له: فإن مات؟ فقال: الدية على العاقلة.
وقد أجاب عنها وعن غيرها الشعراني بما هو مبسوط في تأليفاته لا سيما «الأجوبة المرضية» فإن أردته فارجع إليها.
[ ١٤٢ ]
[ليس ابن تيمية أول من انتقد الغزالي]
وإذا علمت ما ذكرناه عرفت ابن تيمية شيخ الإسلام ليس بأول منتقد على حجة الإسلام ثم برأه مما نسب إليه وحكى قول من قال إنها مكذوبة عليه وأنه توفي وهو لصحيح البخاري ملازم ونابذ لما صدر منه من تصنيفاته في زمنه المتقادم على أنه قد جرت عادة العلماء المتقدين والمتأخرين باعتراض بعضهم على بعض حتى يتضح الصواب للمنصفين فاقنع بهذا ولا تك من المعترضين وخذه وكن من الشاكرين.
(قوله: كإلحاد الشيعة والإسماعيلية والقرامطة) الإلحاد على ما قال الراغب: الميل عن الحق والإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله ﷿ وإلحاد إلى الشرك بالأسباب فالأول ينافى الإيمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله من ومن هذا النحو قوله تعالى ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج ٢٥] وقوله تعالى ﴿الذين يلحدون في آياتنا﴾ [فصلت ٤٠] وقوله تعالى: ﴿الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف ١٨] والإلحاد في أسمائه على وجهين: أحدهما أن يوصف بما لا يصح وصفه به والثاني أن يتأول أوصافه على ما لا يليق به انتهى.
[فرق الشيعة وعقائدهم]
وأما الشيعة فهم في الزمن الأول اثنان وعشرون فرقة. وأصول ذلك كله ثلاث فرق: غلاة وإمامية وزيديه، وقد صاروا إلى ذا الآن أكثر من ذلك ولا يعكر هذا على حديث الثلاث وسبعين فرقة كما بين في محله وقد ظهرت في عصرنا - أي في القرن الثالث عشر - فرقة الشيخية المنشعبة من الإمامية وهم أتباع الشيخ أحمد الأحسائي والكشفية وهم أتباع تلميذه كاظم الرشتى الحسينى المتوفى سنة بضع وخمسين بعد المائتين والألف
[ ١٤٣ ]
ومزج مذهب التصوف بالكشف الذي يضحك الأطفال والوحدة التي لا تقبلها عقول كثير من الرجال قال الوالد عليه الرحمة في باب الإشارة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ [النحل ٨] ما نصه: وممن زعم الانتظام في سلكهم الكثيفية الملقبون أنفسهم بالكشفية وذكروا من ذلك أشياء لا يشك العاقل في أنها لا أصل لها بل إذا عرض كلامهم في ذلك على الأطفال والمجانين لم يشكوا في أنه حديث خرافة صادر عن محض التخييل وإنا نسأل الله تعالى أن لا يبتلى مسلمًا بمثل ما ابتلاهم وقد عزمت حين رأيت بعض كتبهم كشرح القصيدة الكاظمية التي ألفها بعض معاصرينا منها مما اشتمل على ذلك - على أن أصنع عليها كتابًا لكن لاستغال بخدمة كلامه سبحانه والعلم بأن تلك الخرافات لا تروح إلا على من سلب منه الإدارك حرفنى عن الكتابة - انتهى ملخصًا.
(قلت): ومن جملة عقائدهم الباطلة وأقوالهم العاطلة ما نقله الوالد قدس سره في تفسير قوله تعالى: ﴿كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾ [القمر ٤٢] من قولهم: إن المراد بالآيات كلها على كرم الله تعالى وجهه فإنه الإمام المبين المذكور في قوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في أمام مبين﴾ [يس ١٢] وأنه - ﵁ - ظهر مع موسى ﵇ لفرعون وقومه فلم يؤمنوا وهذا من الغلوم بمكان فنعوذ بالله تعالى من مثل هذا الهذيان.
ثم تشبعت من الكشفية الفرقة الركنية: وهي المنسوبة لتلميذه كريم خان القاجاري وكذا ظهرت في هذا القرن الفرقة القرتية: وهم أتباع قرة العين وهي امرأة ظهرت في بلاد إيران وتبعها جملة من الشيعة وفرت إلى بغداد وأبقيت بأمر ولى الأمر والي بغداد في دارنا وكنت قد رأيتها وأنا دون البلوغ ثم ذهبت إلى طهران فقتلت بأمر الشاه وكذا الفرقة المعروفة
[ ١٤٤ ]
بالبابية: وهم أتباع محمد حسين وأخيه اللذين ادعيا أنهما الباب واشتهر عنهم أنهم يبيحون المحرمات ويسقطون التكاليف الشرعية وأنهم يدعون الوحى ويظهرون الكتب السماوية وقد تستروا بدعوى الصوفية حتى تبعهم خلق كثير من الشيعة وغيرهم حتى من اليهود والنصارى على ما قيل وهجموا على الشاه وأرادوا قتله فسلم ثم أوقع بهم وأفنى منهم طوائف كثيرة ونفى رئيسهم من بغداد والآن يوجد منهم أفراد متعددة في كثير من البلاد وكذا الفرقة المشهورة بالينجرية وهم اتباع سيد أحمد خان الكشميري الدهلوي وهذه الطائفة قد نبغت في مملكة الهند بعد سنة ألف ومائتين وثلاث وسبعين الهجرية وجهدت الأفكار الأدلة القرآنية وما فيها من وجود الملائكة والجن وأحلت المنخنقة من الحيوان حتى ادعى زعيمها في هذه الأيام الرسالة وفاه بها بعض أفراخه في بعض رسائله نعوذ بالله من الكفر والخذلان! ومرادهم بذلك نصرة الفرقة الضالة في تنفيذ إراداتهم وإبطال الإسلام لكسب الجاه والدول لهم فنسأل الله تعالى أن يحفظنا مما يخزينا يوم التناد ويجعلنا من المتبعين يوم التناد ويجعلنا من المتبعين لهدى سيد العباد - ﷺ -.
وأما الإسماعيلية: ففرقة منها أيضًا ويلقبون بالباطنية لقولهم بباطن الكتاب وأصل دعوتهم مبنية على إبطال الشرائع فإن قومًا من المجوس راموا كسر شوكة الإسلام ولم يمكنهم التصريح بذلك فأخذوا في تأويل الشريعة على وجه يعود إلى قواعد أسلافهم ورئيسهم في ذلك حمدان قرمط.
ومنهم - بل صاحب إظهار دعوتهم - أبو سعيد الجنابي فظهر على البحرين واجتمع عليه جماعة من الأعراب والقرامطة فقوى امرهم ثم قتل أبو سعيد سنة إحدى وثلثمائة وهم إباحية وربما خلطوا كلامهم بكلام الفلاسفة.
وقال الشهاب الخفاجي: القرامطة هم طائفة من الملحدين قال السمعاني في الأنساب: القرمطى - بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم والطاء المهملة:
[ ١٤٥ ]
سبة لطائفة خبيثة وهم من أهل هجر والأحساء وأصلهم رجل من سواد الكوفة يقال له قرامط. وقيل: حمدان بن قرمط وقيل: إنما سموا قرامطة لأن النبي ﵊ رأى عامرًا يمشي وهو من أهل المدينة فقال: إنه ليقرمط في مشيه أي يقارب خطاه ومنه الخط القرمط وعلى هذا فهو عربي وقيل: إنه معرب وأن جدهم كان يسمى كرمد فغيروه فالكاف عجمية مأخوذة من الكرمية وهي الحرارة وهو رجل أحمد العينين من سواد الكوفة وكان ظهوره سنة ثمان وسبعين ومائتين وزعم أنه انتقل إليه كلمة المسيح وجعل الصلاة ركعتين بعد الصبح وركعتين بعد المغرب والصوم يومين بالنيروز والمهرجان ويتأول القرآن ويحرفه وكانت له وقائع وحروب ودعاة وخلفاء وكل ذلك مفصل في تاريخ الكامل والوفيات وغيرهما حتى ظهر منهم سليمان بن الحسين الجباني فعاث في البلاد وافسد ودخل مكة يوم التروية سنة سبع عشرة وثلثمائة في خلافة المقتدر فقتل الحجاج ورماهم بزمزم وقلعه باب الكعبة وأخذ كسوتها وأخذ الحجر الأسود فبقي سنين ثم ردوه مكسورًا فنصب في محله وكانت مدة خروجهم ستًا وثمانين سنة. وقيل: هم أربعة أرادوا إفساد دين الإسلام فقسموا الدنيا أربعة أقسام لكل منهم قسم ولم يتم لهم الأمر ولله سبحانه الحمد.
وفي تاريخ ابن خلدون: أن الإسماعيلية قالوا بإمامة إسماعيل بالنص من أبيه جعفر الصادق ﵄ وفائدة النص عندهم وإن كان مات قبل أبيه إنما هو بقاء الإمامة في عقبه ويسمون أيضًا بالباطنية نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن أي المستور ويسمون أيضًا الملحدة - انتهى. ومن أراد استقصاء هذه المذاهب فعليه بالمطولات لاسيما بالخطط للريزى رحمه الله تعالى.
(ترجمة الفضيل بن عياض)
(قوله كالفضيل) فهو كما في (الوفيات): أبو على الفضيل بن عياض ابن مسعود بن بشر التميمي الطالقاني الأصل الفنديني الزاهد المشهور أخذ
[ ١٤٦ ]
رجال الطريقة كان في أول أمره شاطرًا يقطع الطريق بين أبي ورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها سمع تاليًا يتلو: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [فقال: يارب، قد آن! فرجع وآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة فقال بعضهم: نرتحل. وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع الطريق علينا فتاب الفضيل وأمنهم وكان من كبار السادات ويحكى أن الرشيد قال يومًا: ما أزهدك؟ فقال له الفضيل: أنت أزهد مني قال وكيف ذلك؟ قال: لأني أزهد في الدنيا وأنت تزهد في الآخرة والدنيا فانية والآخرة باقية وقال: إذا أحب الله عبدًا أكثر غمه وإذا أبغض عبدًا أوسع عليه دنياه وقال: ترك العمل لأجل الناس هو الرياء والعمل لأجل الناس هو الشرك وقال: إني لأعصي الله تعالى فأعرف ذلك في خلق حمارى وخادمى. وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام لأنه إذا صلح الإمام أمن العباد وقال: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره وقدم الكوفة وسمع الحديث بها ثم انتقل إلى مكة زاهدًا لله تعالى شرفًا. وتوفي بها سنة سبع وثمانين ومائة رحمه الله تعالى ومناقبه كثيرة من أراد تفصيلها فعليه بالكتب المطولة.
(ترجمة القشيرى)
(قوله: وسائر رجال الرسالة) هي رسالة الإمام القشيرى المتحوية على تراجم الصوفية والصالحين.
وهو عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القاسم القشيرى والفقيه الشافعي.
قال في الوفيات: كان العلامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة وعلم التصوف جمع بين الشريعة والحقيقة أصله
[ ١٤٧ ]
من ناحية استوا من العرب الذين قدموا خراسان قدم إلى نيسابور ولازم الشيخ أبا علي الحسن بن علي النيسابورى المعروف بالدقاق وحضر درس أبي بكر محمد الطوسى ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر بن فورك فقرأ عليه ثم تردد إلى الأستاذ أبي أسحق الأسفرايينى ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر الباقلاني وسلك مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف فصنف التفسير الكبير وسماه (التيسير في علم التفسير) وصنف الرسالة في رجال الطريقة وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجوينى والد إمام الحرمين وأحمد بن الحسين البيهقي وجمعة من المشاهير فسمع معهم الحديث ببغداد والحجاز وكان إمامًا في مجالس الوعظ والتذكير وقال الباخرزي في (دمية القصر): لو قرع الصخر بصوت تحذيره لذاب ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب وترجمة الخطيب البغدادي وأثنى عليه توفي بنيسابور سنة خمس وستين وأربعمائة وكان ولده عبد الرحيم إمامًا كبيرًا أشبه أباه في علومه وقدم بغداد ووعظ في المدرسة النظامية وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد لأنه تعصب للأشاعرة - وانتهى الأمر إلى فتنة قتل فيها جماعة من الفريقين وركب أحد أولاد نظام الملك فسكنها.
(والقشيرى) نسبة إلى قشير بن كعب قبيلة كبيرة - انتهى ملخصًا.
[عقيدة المعتزلة وفرقهم]
(قوله: كالمعتزلة) اعلم أن أول بدعة ظهرت بدعة القدر وهي أن الإنسان خالق لأفعاله وبدعة الإرجاء وهي أن المعصية لا تضر مع الإيمان. وبدعة التشيع والخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهذه البدع ظهرت في القرن الثاني والصحابة - ﵃ - موجودون وقد أنكروا على أهلها ثم ظهرت بدعة الاعتزال ولم يزل المسلمون على النهج الأول ولزوم ظاهر السنة وما كان عليه الصحابة إلى أن
[ ١٤٨ ]
حدثت الفتنة بين المسلمين والبغي على أئمة الدين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت المسائل والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات فاشغلوا بالنظر والاستدلال وأخذوا في التبويب والتأصيل فأسس فرقة المعتزلة قواعد الخلاف ونهجت منهج الفرقة والانحراف ونفت الرؤية والصفات وكان أول من اعتزل مجلس الحسن البصري واصل بن عطاء الغزالي رئيس المعتزلة.
قال غير واحد من العلماء: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملي وهو أول خلاف حدث في الملة هل هو كافر أو مؤمن؟ فقلت الخوارج: إنه كافر. وقال الجماعة: إنه مؤمن وقالت طائفة: نقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين وخلدوه في النار فقال الحسن البصري - ﵁ -: اعتزلوا عنا، فاعتزلوا حلقة الحسن وأصحابه فسموا معتزلة وسموا هم أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد لقولهم بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى ونفى الصفات القديمة عنه وكانا في أيام عبد الملك بن هشام بن عبد الملك.
وقال بعض العلماء: وقف على مجلس الحسن البصري رجل فقال: يا إمام ظهر في هذا الزمان جماعة يكفرون صاحب الكبيرة - يعني بهم الخوارج - وجماعة يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة - يعني المرجئة - فما نعتقده من ذلك؟ فأطرق الحسن مفكرًا في الصواب فبدار واصل بن عطاء بالجواب فقال: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا ولا كافر مطلقًا وقام إلى أسطوانة في المسجد يقرر مذهبه: ويثبت المنزلة بين المنزلتين ويقول: الناس ثلاثة: مؤمن، كافر، ولا مؤمن ولا كافر، وهو صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة فقال له الحسن: اعتزل عنا واصل فسموا المعتزلة لذلك.
[ ١٤٩ ]
ورفيق واصل في الاعتزال وقرينه عمرو بن عبيد المتكلم الزاهد وكان من العلم والعمل والزهد والورع والديانة على جانب عظيم حتى إن الحسن البصري لما سئل عنه أجاب السائل: لقد سألت عنه أجاب السائل لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته وكأن الأنبياء ربته إن قام أمر قعد به وإن قعد بأمر قام به وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له وإن نهى عن كل شيء كان أترك الناس له ما رأيت ظاهرًا أشبه بباطن ولا باطنًا أشبه بظاهر منه - انتهى.
ويروى أن واصل بن عطاء تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بعث نبي ما كان يتكلم بأحسن من هذا وفصاحة واصل مشهورة وكان يلثغ بالراء فكان يجتنبها حتى كأنها ليست من حروف الهجاء.
ثم خلفه الجبائي أبو علي وكان الإمام الأشعري من أصحابه ثم فارقه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ببيان سببه.
[عقيدة الجهمية]
والمعتزلة عشرون فرقة يضلل بعضهم بعضًا وكثير من أقوال جهم بن صفوان توافق أقوالهم الهزلية منهم. وإن كانت المعتزلة كلهم جهمية فقد نقل غير واحد من العلماء أن أول من حفظ عنه أنه قال مقالة التعطيل للصفات في الإسلام الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد القشيرى وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت إليه.
قال السفاريني نقلًا عن شيخ الإسلام: وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعظم وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي - ﷺ - وكان الجعد هذا فيما قيل: من أهل حران وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين والنمرود هو ملك الصابئة المشركين - اسم جنس - ككسرى لملك الفرس وقيصر
[ ١٥٠ ]
لملك الروم - وأخذها الجهم أيضًا قيما ذكر الإمام أحمد - ﵁ - عن السمنية وبعض فلاسفة الهند وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات - انتهى.
وحكى بعضهم أن جهم بن صفوان الترمذي كان يدعو الناس إلى مذهبه الباطل وهو أن الله تعالى عالم لا علم له قادر لا قدرة له وكذا في سائر الصفات وكان جلس يومًا يدعو الناس لمذهبه وحوله أقوام كثيرة فجاء أعرابي ووقف حتى سمع مقالته فأرشده الله تعالى إلى بطلان هذا المذهب فأنشأ يقول: [طويل]
ألا إن جهما كافر بان كفره ومن قال يومًا قول جهم فقد كفر
لقد جن جهم إذ يسمى إلهه سميعًا بلا سمع بصيرًا بلا بصر
عليمًا بلا رضيًا بلا رضا لطيفًا بلا لطف خبيرًا بلا خبر
أيرضيك أو لو قال يا جهم قائل أبوك امرؤ حر خطير بلا خطر
مليح بلا ملح بهي بلا بها طويل بلا طول يخالفه القصر
حليم بلا حلم وفي بلا وفا فبالعقل موصوف وبالجهل مشتهر
جواد لا جود قوي بلا قوى كبير بلا كبر صغير بلا صغر
امدحا تراه أم هجاء وسبة وهز أكفاك الله يا أحمق البشر
فإنك شيطان بعثت لأمة تصيرهم عما قريب إلى سقر
فألهمه الله ﷿ حقيقة مذهب أهل السنة ورجع كثير من الناس ببركة أبياته وكان عبد الله بن المبارك يقول: إن الله تعالى بعث الأعرابي رحمة لأولئك - انتهى.
ومما يحكى أيضًا أن القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي دخل على الصاحب ابن عباد وكان معتزليًا أيضًا وكان عنده الأستاذ أبو إسحق الأسفراينى من أئمة أهل السنة الأشعرية فقال عبد الجبار على الفور: سبحان من تنزه
[ ١٥١ ]
عن الفحشاء! فقال أبو إسحق فورًا: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء فقال له عبد الجبار - وفهم أنه قد عرف مراده -: أيريد أن يعصى؟ فقال أبو إسحق: أيعصى ربنا قهرًا؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن منعنى الهدى وقضى على بالردى أحسن إلى أم أساء. فقال له أبو إسحق: إن كان منعك ما هو لك فقد أساء وإن كان منعك ما هو فيختص برحمته من يشاء فانصرف الحاضرون وهم يقولون: والله ليس عن هذا جواب. انتهى.
[مناظرة شعرية بين أهل السنة والمعتزلة حول رؤية الله]
ونقل الإمام جلال الدين السيوطى في حاشيته على تفسير الفاضى البيضاوي والكوراني في شرح القشاشية عن الزمخشرى أنه قال في بحث رؤية الله تعالى يوم القيامة ما نصه: ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبًا! ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم: [كامل]
لجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعمرى موكفه
قد شبهوا بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة
قال ابن المنير: انتقل إلى الهجاء وقد أذن رسول الله - ﷺ - لحسان بن ثابت - ﵁ - في المنافخة وهجاء المشركين فناسب وقلت: [كامل]
وجماعة كفروا برؤية ربهم هذا ووعد الله ما لن يخلقه
وتلقبوا عدلية قلنا أجل عدلوا بربهم فحسبهم سفه
وتلقبوا الناجين كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه
[ ١٥٢ ]
وقال أبو حيان: وقد نظم القاضي أبو بكر بن خليل فقال: [كامل]
شبهت جهلًا صدر أمة أحمدٍ وذوى البصائر بالحمير الموكفه
وزعمت أن قد شبهوا معبودهم وتخوفوا فتستروا بالبلكفه
ورميتهم عن نبعة سويتها رمى الوليد غدا يمزق مصحفه
وجب الخسار عليك فانظر منصفًا في آية الأعراف فهى المنصفه
أترى الكليم أتى بجهل ما أتى وأنى شيوخك ما أتوا عن معرفة
من ليس يدرك كيف يحجب نفسه نهنه نهى أسماجك المتكلفة
وبآية الأنعام ويك خذلتهم فوقعتم دون المراقى المزلفه
خلق الحجاب فمن وراء حجابه سمع الكليم كلامه إذ شرفه
خلق الحجاب لنفسه سبحانه فتشوفته الأنفس المتشوفه
لو كان كالمعدوم عندك ما يرى ذهب التمدح في هذا هذاء السفسفه
لو صح في الإسلام عقدك لم تقل بالمذهب المهجور من نفى الصفه
شتت يا مغرور أو عطلت إذ ضاهيت في الإلحاد أهل الفلسفة
إن الوجوه إليه ناظرة بذا جاء الكتاب فقلتم هذا السفه
نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى فهوى الهوى بك في المهاوى المتلفة
فالنفي مختص بدار بعدها لك لا أبالك موعد لن تخلفه
وقال الشيخ سعد الدين: لقد عورض ما أنشده وأنشأه من الهذيان:
لجماعة كفروا برؤية ربهم ولقائه فهم حمير موكفه
فكما هم علموا بلا كيف فنحن نرى فلم ينفعهم بالبلكفة
هم عطلوه عن الصفات وعطلوا عند الفعال فيالها من متلفه
هم نازعوه الخلق حتى أشركوا بالله زمرة حاكة وأساكفه
هم غلقوا أبواب رحمته التي هي لا تزال على العصاة موكفه
[ ١٥٣ ]
ولهم قواعد في العقائد رذلة ومذاهب مهجورة مستنكفه
يبكي كتاب الله من تأويلهم بدموعه المنلهة المستوكفه
وكذا أحاديث النبي دموعها منهم على الخدين غير مكفكفه
فالله أمطر من سحاب عذابه وعقابه أبدًا عليهم أوكفه
وقال الإمام فخر الدين الجاربردى - وهو ممن اجتمع بالقاضي البيضاوي وأخذ عنه:
عجبًا لقوم ظالمين تستروا بالعدل ما فيهم لعمرى معرفة
قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفى الصفة
وعزا الشيخ الفقيه عبد الحق الدهلوى ﵀ هذه الأبيات في كتابه (أخبار الأخيار) إلى الشيخ العارف العلامة أحمد الشرعي الترك المتوفى سنة ثمان وعشرين وتسعمائة والله أعلم وقال آخر:
والله يعلم والعلوم كثيرة أي الفريقين اهتدى بالمعرفة
ولسوف يعلم كل عبد ما جنى يوم الحساب إذا وقفنا موقفه
فاذكر بخير أمة لم تعتقد إلا الثناء عليه ذانًا أو صفه
ودع المراء ولا تطلع فيه الهوى فالحق في أيدي الرجال المنصفه
وقال تاج الدين السبكي:
لجماعة جاروا وقالوا إنهم للعدل أهل ما لهم من معرفة
لم يعرفوا الرحمن بل جهلوا ومن ذا أعرضوا للجهل عن لمح الصفة. اهـ
وأنت تعلم أن ما قاله جار الله افتراء على الأشياخ فقد أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ - في قوله ﷿: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٣] .
قال: ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة كما نقله السيوطى في (الدر المنثور) وستأتي تتمة هذا إن شاء الله تعالى.
[ ١٥٤ ]
وإن اردت كمال الاستقضاء لفرقهم وعقائدهم فعليك بالكتب الكلامية.
[علم الكلام بين مادحيه وقادحيه]
(قوله: قوم على طريقة بعض أهل الكلام من الكلامية) علم الكلام وهو معرفة العقائد عن أدلتها وسمي بذلك لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا أو لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه وأكثرها نزاعًا وجدلا حتى أنه قتل كثير من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن. أو لأنه يورث قدرة الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق للفلسفة لأنهم يسمون العلم العاصم عن الخطأ في الفكر منطقًا لظهور القوة النطقية فكذلك المتكلمون يسمون العلم الباحث عن الواجب تعالى وصفاته وعن الممكن بأقسامه كلامًا لظهور قوة التكلم به. وقيل غير ذلك كما بسطه السعد في شرح (النسفية) . وهذا العلم هو أصل الواجبات وأساس المشروعات غير أنه قد ورد في ذمة من الأئمة عدة عبارات وما ذاك إلا لحشوه بفلسفة المتفلسفين والمقالات المستوجبة لفساد عقائد كثير من ضعفاء المسلمين.
(وقال) العلامة السفارينى في شرحه لعقيدته المنظومة: قد ذم السلف الصالح الخوض في علم الكلام والتوفيق فيما زعموا أن قضايا برهانية وحجج قطيعة يقينية وقد شحنوا ذلك بالقضايا المنطقية والمدارك الفلسفية والتخيلات الكشفية والمباحث القرمطية وكان أئمة الدين مثل مالك وسفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق والفضيل بن عياض وأبي يوسف وبشر الحافي يبالغون في ذم الكلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه التأويلات التي ذكرها ابن فورك ويذكرها الرازي في (تأسيس التقديس) ويوجد منها في كلام غالب المتكلمة
[ ١٥٥ ]
من الجبائي وعبد الجبار وأبي الحسن البصري وغيرهم هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسى القائل بخلق القرآن في أيام الرشيد وأراد قتله فاختفى ورد عليه الإمام الدارمى عثمان بن سعيد أحد مشاهير أئمة السلف من علماء السلف في زمن البخاري وقال أبو الفتح نصر المقدسي في كتابه «الحجة على تارك المحجة» بإسناده عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الإمام الشافعي يقول: ما رأيت أحدًا ارتدى بالكلام فأفلح ولما كلمه حفص الفرد من أهل الكلام قال: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله تعالى عنه خلا الشرك بالله ﷿ خير له من أن يبتلى بالكلام وقال: حكمى في أصحاب الكلام أن يصفعوا وينادي بهم في العشائر والقبائل: هذا جزاء من ترك السنة وأخذ في الكلام.
وقال الإمام أحمد: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم وإياكم والخوض والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام وقال: لا أحب لأحد أن يجالسهم ويخالطهم أو يأنس بهم فكل من أحب الكلام لم يكن آخر أمره إلا إلى البدعة فإن الكلام لا يدعوهم إلى خير فلا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال وعليكم بالسنة والفقه الذي تنتفون به ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام وقال: من أحب الكلام لم يفلح وعاقبة الكلام لا تئول إلى خير والمنقول عن العلماء من السلف الصالح من ذم علم الكلام وأهله كثير مذكور في الكتب المطولة.
وقال العلامة السفارينى: فإن قلت إذا كان علم الكلام بالمثابة التي ذكرت والمكانة التي عنها برهنت فكيف ساغ للأئمة الخوض فيه والتنقيب عما يحتويه؟ قلت: العلم الذي نهينا عنه الذي ألف فيه، إذ المنهى عنه هو المشحون بالفلسفة والتأويل وصرف الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرة والأخبار النبوية عن حقائقها الباهرة دون علم السلف
[ ١٥٦ ]
ومذهب الأثر وما جاء في الذكر الحكيم وصحيح الخبر فهو لعمري ترياق القلوب الملسوعة بأراقم الشبهات وشفاء الصدور المصدوعة بتزاحم المحدثات فهو فرض عين على كل نبيه لدحض كل مبتدع سفيه. اهـ ملخصًا.
(وقال) العلامة شيخ مشايخنا خالد النقشبندى الشافعي قدس سره في رسالته المؤلفة في الكسب ما نصه: ولأجل هذا أيضًا ترى كتب الأشعرى في العقائد مشحونة بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة والخوض في كثير من التأويلات والتدقيقات ثم اعتذر في كتابه «الإبانة في أصول الديانة» الذي هو آخر مؤلفاته وعليه التعويل في مذهب الأشعري كما صرح به غير واحد وقال فيها: لولا الاضطرار بسبب منازعه المبتدعة لما تكلمت بشيء من ذلك وصرح بأن مذهبه في المتشابهات التفويض مثل مذهب السلف لكن المبتدعة ألجئوا إلى التأويل وترى كتب الماتريدى نفسه أكثر ما فيها المسائل من غير دلائل ومتأخروا أصحابه رجعوا في التدوين إلى سياق الأشعرى لشيوع الابتداع والرفض والجبر والاعتزال وشدة الاحتياج إلى التحرير والتدقيق والاستدلال وكل هذا ظاهر عند من له باع في هذا الفن. وبه يندفع في حق كلا الإمامين أفاويل من ظن فيهما بعض الظن، والعبد المسكين لكون مذهبه مذهب السلف وطريقة الصديقية عين طريقة الأصحاب وأجلة التابعين - عز عليه الخوض فيما نهوا عنه - لكن لما رأيت المسألة مع كونها من أمهات المسائل الدينية وأساس كثير من العقائد اليقينية وقع فيها الخلط وعدم الضبط شرعت فيها اقتداء بالإمام الأشعرى ومتأخري أصحاب المذهبين. اهـ ما هو المراد منه.
(وقال) السفارينى: وروى الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي في كتاب العرش بسنده إلى أبي الحسن القيرواني قال: سمعت الأستاذ أبا المعالي الجوينى
[ ١٥٧ ]
يقول: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به وقال الفقيه أبو عبد الله الدسمى قال: حكى لنا الإمام أبو الفتح محمد بن علي الفقيه قال: دخلنا على الإمام أبي المعالى الجوينى نعوده في مرض موته فأقعد فقال لنا: أشهدوا أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها السلف الصالح وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور - يعني أنهن مؤمنات بالله ﷿ على فطرة الإسلام لم يدرين ما علم الكلام قال الحافظ الذهبي: وقد كان شيخنا الفتح القشيرى رحمه الله تعالى يقول: [طويل]
تجاوزت حد الأكثرين إلى العلا وسافرت واستسبقتهم في المفاوز
وخضت بحارًا ليس بدرك قعرها وسيرت نفسي في قسيم المفاوز
ولججت في الأفكار ثم تراجع اختياري إلى استحسان دين العجائز اهـ
[رأى ابن تيمية في المتكلمين]
وقال الشيخ ابن تيمية في الحموية وغيرها من تصنيفاته ما ملخصه: وقد تدبرت كتب الاختلاف التي فيها المقالات مثل كتاب الأشعري المؤلف أولًا والشهرستاني والوراق أو مع انتصار لبعض الأقوال كسائر ما صنف أهل الكلام فرأيت عامة الاختلاف الذي فيها من الاختلاف المذموم وأما ما كان عليه السلف فلا يوجد فيها والحاذق منهم الذي غرضه الحق يصرح بالحيرة في آخر عمره إذا لم يجد في الاختلافات التي نظر فيها وناظر ما هو حق محض وكثير منهم ترك الجميع ورجع إلى دين العامة كما قال أبو المعالي: لقد خضت البحر الخضم وخليت الإسلام ودخلت في الذي نهوني عنه والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجوبني وهأنذا أموت على عقيدة أمي وكذلك الشهرستاني مع أنه أخبر من هؤلاء بالمقالات وصنف كتابه المعروف وقال فيه: [طويل]
[ ١٥٨ ]
لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسرحت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائرًا على ذقن أو قارعًا سن نادم
فأخبر أنه لم يجد إلا شاكًا مريبًا أو من اعتقد ثم ندم لما تبين منه خطؤه الأول وكذلك الأموى الغالب عليه الحيرة وأما الرازي فهو في الكتاب الواحد بل في الموضع الواحد منه ينصر قولًا وفي موضع آخر منه أو من كتاب آخر ينصر نقيضه ولهذا استقر أمره على الحيرة وذكر أبياته: [طويل]
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعى العالمين ضلال
وأرواحنا وحشة في جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول دهرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وقوله: (فما رأيتها تشفى عليلًا ولا تروى غليلًا) وهو صادق فيما أخبر به أنه لم يستفد من بحوثه في الطرق الكلامية والفلسفية سوى أنه جمع قيل وقالوا وأنه لم يجد فيها ما تشفى عليلًا ولا يروى غليلًا فإنه من تدبر كتبه كلها لم يجد فيها مسألة واحدة من مسائل أصول الدين موافقة لمذهب السلف الذي عليه المعقول والمنقول بل يذكر في المسألة عدة أقوال وقول السلف الذي هو الحق لا يعرفه ولا يذكره وكذا غيره من أهل الكلام مختلفون في آرائهم وكثير منهم من يجعل ما يوافق رأيه هو المحكم الذي يجب اتباعه وما يخالف رأيه هو المتشابه الذي يجب تأويله وتقويضه وإذا ذكرت النصوص التي يحتج بها عليه يتأولها تأويلًا لو فعله غيره لأقام القيامة عليه ويتأول الآيات بما يعلم بالاضطرار أن الرسول - ﷺ - لم يرده وبما لا يدل عليه اللفظ أصلًا وكثير ممن سمع ذم الكلام مجملًا وذم الطائفة الفلانية مجملًا ولا يعرف التفاصيل من الفقهاء وأهل الحديث ومن كان متوسطًا في الكلام لم يصل إلى الغايات التي منها تفرقوا تجده يذم القول وتأويله بعبارة ويقبله بعبارة ويقرأ
[ ١٥٩ ]
كتب التفسير والفقه وشروح الحديث وفيها المقالات التي يذمها فيقبلها من أشخاص أخر ذكروها بعبارة أخرى أو في ضمن تفسير آية أو حديث غير ذلك وهذا مما يوجد منه كثير والسالم من سلمه الله تعالى حتى إن هؤلاء يعظم أئمة ويذم أقوالًا وقد يلعن قائلها أو يكفره وقد قالها تلك الأئمة الذين يعظمهم ولو علم أنهم قالوه لما لعن القائل وكثير من الأقاويل التي لا يرتضيها إذا سمعها ولم يعرف قائلها ربما تكون من الأحاديث النبوية ولو ذكرت ما أعرفه من ذلك لذكرت خلقًا من أهل البدع الكبار كمعتزلى ونحوه ومن المنتسبين إلى السنة من كرامى وأشعرى ونحوهم وكذلك من صنف على طريقتهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم وهذا كله رأيته في كتبهم في مسائل الصفات والقرآن ومسائل القدر ومسائل أحكام الإيمان والإسلام ومسائل الوعد والوعيد وغير ذلك اهـ وأنت تعلم أن أمثال هذه العبارات لا يستلزم التفكير لمن قيلت في حقه بل مراد الشيخ التقريع على حشو كتبهم من التأويلات الكلامية المستوجبة لطعن علماء السلف فيها ولا يخفى على
من تتبع كتب من ذكرهم حال عباراتهم التي حرروها وتجنب السلف عنها وصانوا ألسنتهم عن وضرها وإن كان مقصد مصنفيها الرد على قائلها ونيتهم خالصة في قمح شبه أهل الأهواء ودفع فاسد الآراء لكن بقي أن الشيخ ابن تيمية عليه الرحمة قد شدد النكير على من خالف طرائق السلف في التقرير والتحرير وأغلظ الكلام في حق من زلت منه الميدان الأقدام وكل ذلك باجتهاد واجب حماية السنة وإمتثالًا لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه﴾ وإن وخزته ممن عاصره أو غيره الأسنة وتجرع غصص المحنة وكل من المعترض والمعترض عليه لم ينل مرتبة العصمة وهذه عادة الله تعالى الجارية في هذه الأمة ونسأل الله تعالى
[ ١٦٠ ]
أن يرزقنا العلوم الدينية ويجعلنا من المتمسكين بالسنة السنية والطريقة المرضية. آمين.
[التعريف برسائل إخوان الصفا]
(قوله: رسائل إخوان الصفا) هي على ما في (كشف الظنون وشرح عقيدة السفارينى) إحدى وخمسون رسالة وهي أصل مذهب القرامطة وربما نسبوها إلى جعفر الصادق - ﵁ - ترويجًا وقد صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه أملاها أبو سليمان محمد بن نصر البستى المعروف بالمقدسى وأبو الحسن على بن هارون الزنجانى وأبو أحمد النهر جورى والعرفى زيد بن رفاعة كلهم حكماء اجتمعوا وصنفوا هذه الرسائل على طريق الفلسفة الخارجة عن مسلك الشريعة المطهرة وفي فتاوى الشيخ ابن حجر المذكورة ما نصه:نسبها كثير إلى جعفر الصادق وهو باطل وإنما الصواب أن مؤلفها مسلمة بن قاسم الأندلسي كان جامعًا لعلوم الحكمة من الإلهيات والطبيعيات والهندسة والتنجيم وعلوم الكيمياء وغيرها وإليه انتهى علم الحكمة بالأندلس وعنه أخذ حكماؤها وتوفي سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة وممن ذكره ابن بشكوال وكتابه فيه أشياء حكمية وفلسفية وشرعية وممن شدد النكير عليه ابن تيمية لكنه يفرط في كلامه فلا يعتبر بجميع ما يقوله. اهـ فتدبره وأنصف وأقول: إني قد طالعت كثيرًا من الرسائل المذكورة فرأيتها كما أشار الشيخ ابن تيمية وأنها مشوبة بالتصوف المشوب بفلسفة المتفلسفين والأبحاث التي تمجها أسماع المتشيعين فإن أردت كمال الوقوف عليها فارجع إليها ولنعم ما قيل: [طويل]
رسائل إخوان الصفاء كثيرة ولكن إخوان الصفا قليل
[ ١٦١ ]
[ترجمة أبي حيان التوحيدى]
(قوله: أبي حيان التوحيدى): هو على بن محمد التوحيدى البغدادى له من التصانيف: كتاب الإمتاع والمؤانسة وكتاب البصائر والذخائر والصديق والصداقة والمقايسات وكتاب مثالب الوزيرين وهو الكتاب الذي ضمنه معايب ابن العميد والصاحب بن عباد وتحامل عليها وعدد نقائصهما وسلب ما اشتهر عنهما من الفضائل والأفضال وتوفي سنة ثلثمائة وثمانين والتوحيدى نسبة للتوحيد صنف من التمر وكان أبوه ببغداد وعلى ذلك حمل بعض شراح ديوان المتنبي قوله: [خفيف]
يترشفن في فمي رشفات هن عندي أحلى من التوحيد
[ابن سينا يرى أن علم الغيب بالنسبة للبشر جار على السنن الطبيعي]
(قوله: وابن سينا تكلم في آخر الإشارات.الخ) - لا يخفى عليك أن ما نقله الشيخ ابن تيمية عن المتفلسفين من الحكماء الإسلاميين مستفيض في كتبهم الحكمية كما حكاه الإمام الغزالي فيما تقدم ولا يسعنا نقل جميعه الآن لتبدد الفكر وضيق الزمان غير أن ابن سينا ذكر أحوال العارفين في آخر الإشارات وروج على القاصرين زيف هاتيك العبارات فمن ذلك قوله إشارة: إذا بلغك أن عارفًا حدث عن غيب فأصاب متقدمًا ببشرى أو نذير فصدق ولا يتعسرن عليك الإيمان به فإن لذلك في مذاهب الطبيعة أسبابًا معلومة إشارة التجربة والقياس مطابقان على أن النفس الإنسانية أن تنال من الغيب نيلًا ما في حالة المنام فلا مانع من أن يقع مثل ذلك النيل في حالة اليقظة إلا ما كان إلى زواله سبيل ولارتفاعه إمكان وأما التجربة فالتسامح والتعارف يشهدان به وليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك
[ ١٦٢ ]
في نفسه. اللهم إلا أن يكون أحدهم فاسد المزاج نائم قوى التخيل والذكر وأما القياس فاستبصر فيه من تنبيهات:
تنبيه
قد علمت فيما سلف أن الجزيئات منقوشة في العالم العقلي نقشًا على وجه كلي ثم تنبهت لأن الأجرام السماوية لها نقوش ذوات إدراكات جزيئة وإرادات جزيئة تصدر عن رأى جزئي ولا مانع لها من تصور اللوازم الجزيئة من الكائنات عنها في العالم العنصري ثم إن كان ما يلوحه ضرب من النظر مستورًا إلا على الراسخين في الحكمة المتعالية أن لها بعد العقول المفارقة التي هي لها كالمبادئ نفوسًا ناطقة غير منطبعة في مورادها بل لها معها علاقة ما كما لنفوسنا مع أبداننا وأنها تنال بتلك العلاقة كمالا ماحقًا صار للأجسام السماوية زيادة معنى في ذلك لتظاهر رأى جزئي وآخر كلي ويجتمع له مما نبهناك عليه أن للجزيئات في العالم العقلي نقشًا على هيئة كلية وفي العالم النفساني نقشًا على هيئة جزيئة شاعرة بالوقت والنقشان معًا اهـ. وهو كلام فلسفي لا يؤمن به خلفي فضلا عن سلفي إذ لا يخلو عند العارفين من علل فباطنه سم وظاهره عسل فتدبر وتأمل. وأنت تعلم أن الحكماء أثبتوا العقول العشرة وأنها أزلية أبدية وادعوا أن لها إدراكًا وتوسطًا بين البارئ سبحانه وبين العالم الجسماني فالعقل الذي يصدر عنه الفلك الأعظم مبدأ للعقل الثاني وللفلك الأعظم ثم يصدر عن كل عقل وفلك وذلك إلى العقل التاسع فيصدر عنه فلك القمر. وعقل عاشر وهو عندهم المبدأ الفياض والمدبر لما تحت فلك القمر وهو العقل الفعال ويسمى بلسان الشرع جبريل وأدلتهم وأجوبتها في محلها فإن أردتها فارجع إليها.
[ ١٦٣ ]
[بحث في الرؤيا]
بقي أن الرؤيا كما في (روح المعاني): مصدر رأى الحلمية الدالة على ما يقع في النوم سواء كان مرثيًا أم لا على ما هو المشهور والرؤية: مصدر رأى البصرية الدالة على إدراك مخصوص وفرق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين ونظير ذلك: القرب للتقرب المعنوي بعبادة وتحوها والقربى للتقرب النسبي وحقيقتها عند أهل السنة كما قال النووي: أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وقد جعل سبحانه تلك الاعتقادات علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال.
ثم إن ما يكون علمًا على ما يسر بخلقه بغير حضرة الشيطان وما يكون علمًا على ما يضر يخلقه بحضرته ويسمى الأول رؤيا وتضاف إليه تعالى إضافة تشريف والثاني حلمًا وتضاف إلى الشيطان وعلى ذلك قوله ﵊: «الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان»
وفي الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها من الله تعالى فليحمد الله تعالى وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنها الشيطان فليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ومن شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره» .
وصح عن جابر عنه - ﷺ -: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا وليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» وقيل هي أحاديث الملك الموكل بالأرواح إن كانت صادقة ووسوسة الشيطان والنفس إن كانت كاذبة ونسب هذا إلى المحدثين.
وقال غير واحد من المتفلسفة: هي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المخيلة إلى الحس المشترك والصادق منها إنما يكون باتصال النفس بالملكوت لما
[ ١٦٤ ]
بينهما من التناسب. وذكر بعض أكابر الصوفية ما يقرب من هذا.
ثم اعلم أن المشهور أن الرؤيا الصادقة جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة ووجه ذلك عند جمع: أنه - ﷺ - بقي ستة أشهر يرى الوحي منامًا ثم جاءه الملك يقظة وستة أشهر بالنسبة إلى ثلاث وعشرين سنة جزء من ست وأربعين وروى جزء من خمسة وأربعين جزءًا وروى أنها جزء من أربعين وروى أنه جزء من سبعين فلعله إشارة إلى كثرة أجزاء النبوة. اهـ ملخصًا.
ثم اعلم أن الناس اختلافًا في النفس وكذا في الروح فلنذكر ما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى تتميما إن شاء الله تعالى للفائدة في أبحاث مختصرة:
البحث الأول
[الروح]
اختلف الناس في الروح والنفس وهل هما شيء واحد أم شيئان؟ فحكى ابن يزيد عن أكثر العلماء أنهما شيء واحد فقد صح في الأخبار إطلاق كل منها على الآخر.
قال الوالد في (روح المعاني): وما أخرجه البراز بسند صحيح عن أبي هريرة رفعه: «أن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين يود لو خرجت نفسه والله تعالى يحب لقاءه وأن المؤمن تصعد روحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين ستخبرونه عن معارفه من أهل الدنيا. .» الحديث - ظاهر في ذلك وقال ابن حبيب:هما شيئان فالروح هو النفس المتردد في الإنسان والنفس أمر غير ذلك لها يدان ورجلان ورأس وعينان وهي التي تلتذ وتتألم وتفرح وتحزن وأنها هي التي تتوفى في المنام وتخرج وتسرح وترى الرؤيا والجسد دونها بالروح فقط لا يلتذ ولا يفرح حتى تعود واحتج بقوله تعالى
[ ١٦٥ ]
﴿الله يتوفى الأنفس﴾ الآية.
وحكى ابن منده عن بعضهم: أن النفس طينية نارية والروح نوريه روحانية وعن آخر: أن النفس ناسوتية والروح لا هوتية وذكر أن أهل الأثر على المغايرة وأن أقوام النفس بالروح والنفس صورة العبد والهوى والشهوة والبلاء معجون فيها ولا عدو أعدي لابن آدم من نفسه لا تريد إلا الدنيا.
وقال الوالد عليه الرحمة: روى عن ابن عباس ﵄ أن في ابن آدم نفسًا وروحًا بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها النفس والتحرك فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم وهو قول بالفرق بين النفس والروح.
ونسبة بعضهم إلى الأكثرين ويعبر عن النفس بالنفس الناطقة وبالروح الأمرية وبالروح الإلهية وعن الروح بالروح الحيوانية وكذا بالنفس الحيوانية والثانية كالعرش للأولى.
قال بعض الحكماء المتأهلين: إن القلب الصنوبري فيه بخار لطيف هو عرش للروح الحيوانية وحافظ لها وآلة يتوقف عليها آثارها والروح الحيوانية عرش ومرآة للروح الإلهية التي هي النفس الناطقة وواسطة بينها وبين البدن بها يصل حكم تدبير النفس إليه - إلى أن قال الوالد -: وأخرج ابن أبي حاتم أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «العجب من رؤيا الرجل إنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال فتكون رؤياه كأخذ باليد ويرى الرجل الريا فلا تكون رؤياه شيئًا؟» فقال علي كرم الله وجهه: «أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ [الزمر ٤٢] فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت وهي عنده سبحانه في السماء
[ ١٦٦ ]
فهي الرؤيا الصادقة وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها فهي الكاذبة لأنها أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها فعجب عمر من قوله ﵄. اهـ باختصار.
وملخص تفسير هذه الآية كما قال: ﴿الله يتوفى الأنفس﴾ أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها تعلق فيها عنها ﴿حين موتها﴾ أي في وقت موتها ﴿والتي لم تمت﴾ أي يتوفى الأنفس التي لم تمت وقوله تعالى: ﴿في منامها﴾ متعلق بتوفي أي يتوفاها في وقت نومها - على أن منامًا اسم زمان وجوز كونه ميميًا بأن يقطع سبحانه تعلقها بالأبدان تعلق التصرف عنها أيضًا.
فتوفى الأنفس حين الموت وتوفيها في وقت النوم بمعنى قبضها عن الأبدان وقطع تعلقها بها تعلق التصرف إلا أن توفيها حين الموت قطع لتعلقها بها تعلق التصرف ظاهرًا وباطنًا وتوفيها في وقت النوم قطع لذلك ظاهرًا فقط ﴿فيمسك﴾ الأنفس ﴿التي قضى﴾ في الأزل ﴿عليها الموت﴾ ولا يردها إلى أبدانها ﴿ويرسل الأخرى وهي النائمة إلى أبدنها ﴿إلى أجل مسمى﴾ هو الوقت المضروب للموت حقيقة. اهـ وبقي في الآية كلام من أحب الاطلاع عليه فليرجع إلى ذلك التفسير ففيه ما يحير الإفهام ويعذ كالزلال النمير.
البحث الثاني
[في الإنسان]
ذهب جمهور المتكلمين إلى أنه عبارة عن هذه البنية المحسوسة والهيكل المجسم المحسوس وهو الذي يشير إليه الإنسان بقوله «أنا» وأبطله الإمام بحجج للبحث فيها مجال.
[ ١٦٧ ]
وقيل: إن الإنسان هو الروح الذي في القلب وقيل إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ وقيل: إنه أجزاء نارية مختلطة بالأرواح القلبية والدماغية وهي المسماة بالحرارة الغريزية وقيل هو الدم الحال في البدن وقيل إلى نحو ألف قول.
والمعول عليه عند المحققين قولان:
الأول: أن الإنسان عبارة عن جسم نوراني علوى حي متحرك مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس سار فيه سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون والنار في الفحم لا يقبل التحلل والتبدل والتفرق والتمزق مفيد للجسم المحسوس الحياة وتوابعها ما دام صالحًا لقبول الفيض لعدم حدوث ما يمنع من السريان كالأخلاط الغليظة ومتى حدث ذلك حصل الموت لانقطاع السريان والروح عبارة عن ذلك الجسم - واستحسن هذا الإمام فخر الدين.
وقال المحقق ابن القيم في كتابه (الروح): إنه الصواب وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة وذكر له مائة دليل وخمسة أدلة فليراجع فإنه كتاب مفيد جدًا يهب للروح روحًا ويورث للصدر شرحًا.
الثاني: أنه ليس بجسم ولا جسماني وهو الروح وليس بداخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه لكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف.
قال الوالد: وهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة وذهب إليه جماعة عظيمة من المسلمين منهم الشيخ أبو القاسم الأصفهاني وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي ومن المعتزلة معمر بن عباد السلمي ومن الشيعة الشيخ
[ ١٦٨ ]
المفيد ومن الكرامية جماعة ومن أهل المكاشفة والرياضة أكثرهم.
ومن أراد الإحاطة بالأدلة والتفصيل فليرجع إلى كتب الإمام الرازي كالمباحث الإشرافية وكتب أبي علي وشهاب الدين المقتول وإلى كتاب الروح والنفس لابن القيم وروح المعاني وغيرها.
البحث الثالث
[الروح حادثة أم هي قديمة؟]
اختلف الناس أيضًا في حدوث الروح وقدمه أجمع المسلمون على أنه حادث حدوثًا زمانيًا كسائر أجزاء العالم إلا أنهم اختلفوا في أنه هل هو حادث قبل البدن أم بعده؟ فذهب طائفة إلى الحدوث قبل منهم محمد بن نصر المروزى وأبو محمد بن نصر المروزى وأبو محمد بن حزم الظاهري صاحب الملل والنحل وحكاه إجماعًا وليس كذلك واستدل لذلك بما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منا اختلف» .
قال ابن الجوزى في تبصرته: قال أبو سليمان الخطابي: معنى هذا الحديث الإخبار عن كون الأرواح مخلوقة قبل الأجساد وبقوله تعالى: ﴿وإذا أخذ ربك كم بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى﴾ [الأعراف ١٧٢] الآية، وقوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة﴾ [الأعراف ١١] الآية وذهب آخرون منهم حجة الإسلام الغزالي إلى الحدوث بعد.
ومن أدلة ذلك كما قال ابن القيم الحديث الصحيح: «إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا دمًا ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون
[ ١٦٩ ]
مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح» .
ووجه الاستدلال أن الروح لو كان مخلوقًا قبل لقيل ثم يرسل إليه الملك بالروح فيدخله فيه ويجاب عنه بما لا يخفى عليك.
وذهب أفلاطون ومن تقدمه من الفلاسفة إلى قدم الروح وردهم مفصل في الكتب الكلامية من أحب الاطلاع فليرجع إليها.
البحث الرابع
[مستقر الأرواح في البرزخ]
اختلف الناس في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى يوم القيامة. فقال كثيرون: إن أرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنة إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين.
وقالت طائفة: على أفنية قبورها.
وقال الإمام مالك بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت
وروى عبد الله ابن الإمام عن أبيه أن أرواح الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة.
وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين: أن أرواح المؤمنين بالجابية وأرواح الكفار ببر هوت بئر بحضرموت.
وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة وقال طائفة: أرواح المؤمنين في بئر زمزم وأرواح الكفار ببئر بر هوت.
وقال طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم وأرواح الكفار عن شماله وقال ابن حزم وطائفة: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها.
[ ١٧٠ ]
وقال ابن عبد البر:أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المؤمنين على أفنية القبور.
وقال فرقة: مستقرها العدم المحض وهذا قول مخالف للنصوص القرآنية والنبوية وإجماع الصحابة والتابعين.
وقالت فرقة:مستقرها بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح كالسبع والكلب والحشرات وهذا قول التناسخية منكرى المعاد وهو خارج عن أقوال أهل الإسلام.
وإن أردت تفصيل أدلة هذه الأقوال فعليك بكتاب الروح لابن القيم عليه الرحمة - قال: ولا يضيق عطنك عن كون الروح في الملأ الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت وتسمع سلام المسلم عليها عند قبرها وتدنو حتى ترد ﵇.
وللروح شأن آخر غير شأن البدن وهذا جبريل صلوات الله تعالى عليه رآه النبي - ﷺ - وله ستمائة جناح منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب وكان يدنو من النبي - ﷺ - حتى يضع ركبته ويديه على فخذيه وما أظنك يتسع بطانك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السموات حيث هو مستقره وقد دنا من النبي - ﷺ - هذا الدنو فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له وأهلت لمعرفته.
ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو يضيق أن يتسع للإيمان بالتنزيل الالهي إلى سماء الدنيا كل ليلة وهو فوق سمواته على عرشه ولا يكون فوقه شئ ألبته. بل هو العالي على كل شيء وعلوه من لوازم ذاته وكذلك دنوه عشية عرفة من أهل الموقف وكذلك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه وإشراق الأرض بنوره.
[ ١٧١ ]
وكذلك مجيئه إلى الأرض قبل يوم القيامة حين يقبض من عليها ولا يبقى بها أحد كما قال النبي - ﷺ -: «فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد - هذا وهو فوق سمواته على عرشه» اهـ.
البحث الخامس
[هل تموت الروح؟]
اختلف الناس أيضًا في الروح: هل تموت أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أنها تموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت وإذا كانت الملائكة يموتون فالأرواح البشرية أولى.
وقالت طائفة: إنها لا تموت للأحاديث الدالة على نعيمها وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله تعالى إلى الجسد قال في روح المعاني: والصواب أن يقال: موت الروح هو مفارقتها الجسد فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها تعدم وتضمحل فهي لا تموت بل تبقى مفارقة ما شاء الله تعالى ثم تعود إلى الجسد وتبفى معه في نعيم أو عذاب أبد الآبدين. اهـ.
[قصيدة ابن سينا في الروح ومعارضه الدهلوى لها]
وللروح معان أخر ليس هذا موضع ذكرها من أرادها فليرجع إلى كتب التفسير والله سبحانه ولى التوفيق ومن المنظومات في أمر الروح ما قاله أبو على بن سينا وهو قوله: [كامل]
هبطت إليك من المحل الأرفع ررقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما كرهت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما أنست فلما واصلت ألفت مجاورة الخراب البلقع
[ ١٧٢ ]
ومنازلًا بفراقها لم تقنع
وأظنها نسيت عهودًا بالحمى عن ميم مركزها بذات الأجرع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها بين المعالم والطلول الخضع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت بمدامع تهمى ولم تتقطع
تبكي وقد ذكرت عهودًا بالحمى درست بتكرارا الرياح الأربع
وتظل ساجعة على الدمن التي نقص عن الأوج الفسيح المربع
إذ عاقها الشرك الكثيف فصدها ودنا الرحيل إلى القضاء الأوسع
حتى إذا قرب المسير عن الحمى ما ليس يدرك بالعيون الهجع
سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت والعلم يرفع كل من لم يرفع
وغدت تغرد فوق ذروة شاهق عال إلى قعر الحضيض الأوضع
فلأي شيء أهبطت من شامخ طويت على الفذاللبيب الأروع
إن كان أهبطها الإله لحكمة لتكون سامعة لما لم تسمع
فهبوطها إن كان ضربة لازب في العالمين فخرقها لم يرقع
وتعود عالمة بكل خفية حتى لقد غربت المطلع
وهي التي قطع الزمان طريقها ثم انطوى فكأنه لم يلمع
فكأنما برق تألق بالحمى عنه فنار العلم ذات تشعشع
فانعم برد جواب ما أنا فاحص
وقد زد عليه العارف العلامة الشيخ رفيع الدين بن مسند الوقت أحمد ولى الله الدهلوي رحمهما الله تعالى في قصيدة بديعة وهي هذه: [كامل]:
عجبًا لشيخ فيلسوف ألمعى خفيت لعينيه منارة مشرع
هلا تقطن أن بعث النفس في الأ بدان ينشأ من مواطن شفع
منها مواطن عاممات الحكم أو مختصة مترتبات الموقع
ولكلها حكم وغايات بها تستوجب التخصيص في المتفرغ
[ ١٧٣ ]
وجميعها للنفس غايات على أن التفاوت ثابت لم أمنع
لتغالب الأشداد في تلك الأنـ ـابيب قارب بفوز الينبع
فأعمم غايات الوجود بروزنا في روضة الإمكان يدخل يرتعى
وشمول أطوار الوقوع مراده إلا الذي قال النظام له دع
والغيض لا يرضى تخلف ما به حفت دواعى كونه بالمجمع
كطوافح الأفلاك في حركاتها ورواشح الأنواع في المستنقع
ومدبرات في معارج نزهة عن صولة التأثير ذات تضلع
ونفوس إنسان وجن أفعمت من همة تطفى شديدة مقرع
ولها سياق ينتشى الجزئى عن الـ أصل الجليل المستمر الأوسع
وكفى كمالًا للفروع بأنه يوفى به حق لأصل أبرع
ووراءه في الخلق دور يعتنى تعميرها عند الإله الأرفع
أو ما ترى لو لم يكن في دارنا هذا أناس كان مثل البلقع
وانظر لكثرة اختلاف هوائهم فبه أقام السوق للمتطلع
أو ليس أسبغ ثم أطول مدة للعيش من دنياك دار المرجع
فانظر لو سعتها وكثرة ما بها من طيب لذات وهول مفظع
ولئن سما العرفان فيك تراهما ملكين قدرهما على الموضع
هل يرتجى جود الحكيم ليحرما متطلبين عن الغذاء المشبع
فمصائب ذابت بها لحياتها طبخ لها للمضغ أو لتجرع
وضروب أعمال عليها أغربت كتوابل مزجت لجودة منجع
ووفاتها من قوة جذابة بهما وترجع لاجترار المبلع
وشدائد لحقت بها بعد البلى كالهضم يعوض في بطون الجوع
أو ليس فيما يغتذى ما يستحيـ ـل بأعين أو ظفرة للأصبع
فكما هناك ذخائر للأنبياء والصالحين وجمع أهل تطوع
[ ١٧٤ ]
ومنائح تعطى بإيمان فأفعال وأحوال كصدق تخشع
فكذا لنفس الساذجين ونيلها من بسط استعدادها المتوقع
وسواهما طبع العناصر يقتضى أن يرتقى عن كل وضع أوضع
فإذا اكتست من اعتدال خلعة جذبت لها نفسًا لأجل تمتع
والنفس تسقط نحوها بتعشق لتناسب المعنى العديم المدفع
فتناسب المعنى يهيج مليها بالجسم لا سمع لما لم تسمع
كالطير يهوى إن رأى في فخه حبًا ولا يدري مكيد الأخدع
ولقانص فيه منافع جمة كالأكل أو حلب لمال البيع
فإذا رأت يأسًا عن المطلوب كـ ـرت وهي ترغب في جوار المبدع
ولها طريف العيش أو مألوفه أو حسرة من فعلها المتصنع
وتقدم النفس المطيعة والعنيـ ـدة كالمعد كمال نفس تبع
وكذا نفوس الضائعين فربما تفضى بقوة لا حق وتمنع
أو ليس جر نوابت الأغصان للتـ ـثمير من عادات قوم زرع
والحر في يوم يضعف في غد تسخين ضوء الشمس عند تقشع
ولربك المتعال منك تقاول ويحب إعذارًا لعذر المدعى
وجميع أنفسنا هنالك لم تزل من حفظها عهد المحبة تدعى
فأثارها دون الحجاب ليبتلى ذا الصدق من ذي الافتنان المبدع
وأتاح فيهم أنفسًا مخطوفة لزيادة التفتين أو لتشفع
ولهم بهم ربط متين النسج لا ينفعك طول الدهر بالموت النعى
فتقر أعينهم ويكثر جمعهم بهم وحزنهم على المتضيع
وله خطاب بالتلطف نحوهم في البسط أطنب من كتاب مشبع
ولئن تقل بنزولها لتعدد الـ أعراض لست عن الصواب بمهطع
فلها هناك تكاسف ومواقف ومعاملات شرحها لم يصدع
[ ١٧٥ ]
وحديث إبليس وآدم عبرة لك إن تكن من ذي العيون الهجع
والفكر يرشدك المعارف جملة إن كنت تنظر فيه نظرة أصمع
وله تعالى من صفات كماله ما يقتضي آثارها بتنوع
أو ليس عطلها وكف المشتهى عنها بشر ذي فساد أشيع
فهو الشكور البرذو البطش الشديـ ـد مبادر بالفضل لا عن مطمع
وهو الخبير بظاهر الأشياء والمـ ـبطون فيها دون لب الأروع
فيعامل الأقوام باستعدادهم وغدًا فيبدى السر للمتبع
فعسى تراهم كالرقوم على بسا ط ذات ألوان غرائب صوع
أوضاعها بتناسب وجهاتها بتقابل في ضابط كمرصع
أو مثل عد في بيوت الوفق كسـ ـر ثم سير فاستوى بتوزع
فلو انقلبت بواحد بطل النظا م ولا يرى من لم يحط بمرقع
ولئن دريت حياتها ومماتها وإلام نقلتها بسير مسرع
لعرفت أن النفس قبل حلولها بالجسم مثل البذر لما يزرع
والبذر مختلف القوام سلامة وسواءها من كل أوصاف تعى
وثمارها متفاوت وصنوفها متكاثر من جنسها المتنوع
وجميع قوتها بها مكنونة وخدودها عن خالها تتنصع
ما شأنها إلا شعور مجمل بذواتها والمبدأ المترفع
وبها أحاط بها وشاكل لونها وجميعها بتوحد مستجمع
إياك أن ترمى إليها شنعة بنفورها عن أن تحل بمربع
فهناك كانت للقضاء مطيعة كملائك لم تدر غير تخضع أفضى بها الأفراح حين ترعرع
وتجاذب بين القوى ذاك الذي ر غصونها في موطن متوسع
وطباعها لا يقتضي إلا انتشا وجمالها يقوى كمثل البرقع
[ ١٧٦ ]
ومحل هاتيك القوى هي نسمة وحدوثها من إختلاط الأربع
وركوبها متن النسيمة بدؤها وبها الرحيل إلى فضاء المرتع
فيها استعدت للمعاد مخلدًا ـتيفاء ما عن وصله لم تمنع
وبهالها السلطان في العقبى على اسـ ل وغيرها عن حده لم يرفع
وهي المطية للترقى في الكما ولو أنه كالبارق المتلمع
فهبوطها في الجسم سنخ كمالها من عيشة تغمى وضر موجع
وانظر لما تبلى به في عمرها بالقصد والأخرى كدفع المضجع
تجد الأمور لشعبتين فشعبة فالقلب لا يهدا بغير تطلع
فإذا أتاها سائح لضرورة بقبوله أو لفظه لتبشع
بل لا يزال يقوم فيها حاكما أو عزمة أو هاجس لم يوقع
وله مراتب مثل فعل نافذ نبه يصير كمثل ثوب مجزع
وله رضا وتلذذ في حكمه أشخاص منثل الندب لم يتقلع
ونقوشها هي لا تزال تلازم الـ ونتائج عن غرسها في المزرع
وجميع ما تلقى تماثيل لها من خلقها وطباعها المتطبع
وجميع هاتيك القضايا أصلها متبجحًا عجبًا ولو ذا المبخع
وعسى ترى الإنسان في آرائه يأسًا بليغًا مقنطًا عن مفزع
فاعرف بأن الأشقياء إذا رأوا سارت نفوسهم بكل تشجع
فلهم إذن شأن عجيب نحوه أنوار فطرتها بغير تلفع
أما نفوس الساذجين فتشتهى وسلامة عن جذب أيدى النزع
وبلوغها المأوى بغير تعمل وفكاك أسر مثل ما للأخلع
ومقام إدلال على رب الورى هو للنفوس بأسرها كالمنبع
والإرتقاء بعجلة نحو الذي ومن أين انعقدت لكنت بمقنع
والله إن يكشف عليك صميمها كل الطبائع من وفور تشعشع
[ ١٧٧ ]
أو ما سمعت عناية البارى اقتضت قامت به أزلًا بغير تكعكع
فهناك فاضت كلها معقولة وكذا اقتران لوازم لم تنزع
لا يدخل التعليل في تحديدها بل كاندراج الضوء في المتشعشع
وقيامها ما كان شبه عوارض وتوحدت فيه لفرط تمصع
فله مراتب في الفضاء تباينت ـماء على أعلى المراتب سطع
والعارفون يرونها أظلال أسـ حتى اتقلت كالنجوم الطلع
فتعاورت أيدى العقول نظامها فحكى المرائى كل سر مودع
تلقى على لوح النفوس شعاعها أحكامها فبدا الشخوص بأجمع
فتشعبت آثارها وتركبت ترتاده أبدًا بغير المقطع
وتميزت أعينانها بجميع ما أرأيتها انتقشت بما لم يطبع
ولها الهيولى مثل شمعة خاتم فيها وكان له الطباع كمولع
وهل الكمال سوى تحصل ما انطوى لا ريب ليس يفوت عند تمزع
فكمال أنواع بدت وصنوفها ل كمثل أعمى ليس يسمع أقطع
إن لم يكن فرد على ذاك الكما قطعًا وإن يطرب له أو يجزع
وكماله الشخصي ليس بفائت أخرى فليست قوة الشعرا معى
وإذا انتهيت إلى هنا فالصمت إلى في صنع رب قاهر متمنع
وهل اللسان يفى بنشر دقائق لأصول مشائية لم أتبع
لا تنكرن على حيث وجدتنى ومرادنا الحق الذي فينا رعى
فالحق أعظم أن يحاط بمسلك بعقال فن واحد كالأضلع
والشيخ قيد نفسه ودهاءه والحمد للهادى الرفيع الأنفع
ثم الصلاة على النبي وآله
تضمنت هذه القصيدة الجواب عن السؤال المذكور بسبعة أوجه: الوجه الأول: بالنظر إلى فيض القضاء. والسابع: بالنظر إلى فيض القدر. والرابع: بالنظر إلى صفات التشريع والكلام، والخامس: بالنظر إلى صفات التدبير
[ ١٧٨ ]
وحسن الانتظام، والثالث: بالنظر إلى النشأة الدنيا، والثاني: بالنظر إلى اقتضاء النشأة العقبى، والسادس: بالنظر إلى طبائع النفوس أنفسها.
وبعض هذه الوجوه السبعة يشتمل على عدة وجوه جزئية في ضمنها فهذا تفصيل لقوله «مواطن شفع» والله سبحانه أعلم وأحكم. اهـ.
(قوله: الغزالي ذكر شيئًا من ذلك في بعض كتبه إلى آخره) أما هذان الكتابان فلم أظفر بهما إلا أنه ذكر في بحث طويل لعجائب القلب من إحياء العلوم ما نصه: فإذن للقلب بابن مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة وباب مفتوح إلى الحواس المتمسكة بعالم الملك والشهادة وعالم الشهادة والملك أيضًا يحاكى عالم الملكوت نوعًا من المحاكاة فأما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواس فلا يخفى عليك وأما انفتاح بابه الداخل إلى عالم الملكوت ومطالعة اللوح المحفوظ فتعلمه علمًا يقينًا بالتأمل من عجائب الرؤيا واطلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة الحواس؛ وإنما ينفتح ذلك الباب لمن انفر بذكر الله تعالى.
فعلوم الأولياء والأنبياء تتأتى من داخل القلب من الباب المنفتح إلى عالم الملكوت وعلوم العلماء والحكماء تتأتى من أبواب الحواس المفتوحة إلى عالم الملك وعجائب علم القلب وتردده بين عالمي الشهادة والغيب لا يمكن أن يستقضى في علم المعاملة. اهـ. فتبر ولا تغفل.
(ترجمة الإمام أبي بكر بن العربي)
(قوله: أبي بكر بن العربي) قال ابن خلكان: هو محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافرى الأندلسى الأشبيلى الحافظ المشهور وقال ابن بشكوال: هو الحافظ ختام علماء الأندلس لقيته
[ ١٧٩ ]
بمدينة أشبيلية فأخبرني أنه رحل إلى المشرق مع أبيه وأنه دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشى وتفقه عنده ودخل بغداد وسمع بها من جماعة ثم دخل الحجاز فحج.
ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشى وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء ثم صدر عنهم ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين فاستفاد منهم ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاثة وتسعين وأربعمائة وقدم إلى أشبيلية بعلم كثير.
وكان من أهل التفنن في العلوم متكلمًا في أنواعها وكانت ولادته سنة ثمان وستين وأربعمائة ووفاته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ودفن بفاس انتهى.
[الدس في بعض الكتب]
(قوله: ومنهم من يقول إنها مكذوبة عليه) أقول: كما وقع في كتب بعض الأجلة من دس الحسدة في بعض كتبهم كلمات شنيعة وعبارات فظيعة بل قد ألف بعض أصحاب المذاهب المبتدعة كتبا لترويج مذهبهم وعنونوها باسم علماء السنة كاحكاه في التحفة الإثني عشرية.
وقال الشعراني في الأجوبة المرضية: وقد فعلوا ذلك في كتابي المسمى (بالبحر المورود في المواثيق والعهود) فإن بعض الحسدة كتب له منه نسخة ودس فيها أمورًا تخالف الشريعة. وطاف بها في الجامع الأزهر وغيره وثارت الفتنة حتى أرسلت لهم نسختي السالمة من الدس التي كان مشايخ الإسلام قد أجازوها ومدحوها ففتشوها فلم يجدوا فيها شيئًا مما دسة الحسدة يغفر الله تعالى لهم.
وقد بلغني أن الإمام مصطفى القرماني الحنفي شرح مقدمة أبي الليث السمر قندي شرحًا عظيمًا ودخل به مصر ليطلع عليه علماء مذهبه فدس
[ ١٨٠ ]
فيه بعض الحسدة في باب (آداب الخلاء): ولا يستقبل الشمس ولا القمر لأن إبراهيم الخليل كان يعبدهما فأفتوا بقتله فخرج في الليل من مصر هاربًا ولم يرجع إليها. انتهى
(قلت): ومن ذلك ما دسه بعض الحسدة المخالفين على الشيخ ابن تيمية أنه كفر حبر الأمة ابن عباس في كتابه (الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم) كما نقله في (كشف الظنون عن الحصنى في كتابه الذي ألفه في الرد عليه.
فانظر بعين الإنصاف كيف يتصور من شيخ الإسلام الذي قام في انتصار السنة أتم قيام وبلغت مصنفاته نحو الأربعمائة كتاب واشتهرت سيرته وتحققت عدالته ومحبته وتعظيمه لكافة الأصحاب وذب عن الصحابة أقوال المفترين وجعلهم كلهم أئمة وأخذ في كثير من اختياراته بأقوال ذلك الإمام دون غيره من الصحابة الكرام - أم يكفر ابن عباس! فما هذا الافتراء إلا من شيطان خناس أعاذنا الله تعالى من أمثاله ولا رمانا بمثل مفتريات أقواله ولقد أحسن القائل: [بسيط]
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا شرًا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
(ترجمة الإمام المازرى)
(قوله: المازرى) - هو محمد بن علي التميمى الفقيه المالكي المحدث أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه وشرح صحيح مسلم وله في كتب متعددة وكذا في غير توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة بالمهدية والمازرى: نسبة إلى مازار - بالزاي - وهي بلدة بجزيرة صقلية قاله في الوفيات.
[ ١٨١ ]
(ترجمة الإمام الطرطوشي)
(قوله الطرطوشي) - هو محمد بن الوليد بن محمد القرشي الأندلسي الطرطوشي (بضم الطاءين المهملتين) نسبة إلى طرطوشة بالشين المعجمة وهي مدينة في آخر بلاد المسلمين بالأندلس على ساحل البحر المعروف بابن أبي زندقة - بالراء وسكون النون وفتح الدال والقاف - وهي لفظة أفرنجية قيل: إن معناها رد تعال وهو الفقيه المالكي الزاهد صحب أبا الوليد الباجي بمدينة سرقسطة فأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وقرأ الأدب على أبي محمد بمدينة أشبيلية ورحل إلى دمشق سنة ست وسبعين وأربعمائة وحج ودخل بغداد والبصرة وتفقه على أبي بكر محمد الشاشى الفقيه الشافعي وسكن الشام مدة ودرس بها وكان إمامًا عالمًا عاملًا زاهدًا ورعًا متواضعًا متقشقا متللًا من الدنيا وكان كثيرًا ما ينشد: [رمل]
إن لله عبادًا فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علموا أنها ليست لحى وطنا
جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا
ولما دخل على شاهنشاه وكان بجانبه رجل نصراني فوعظ شاهنشاه حتى بكى وأنشد: [سريع]
ياذا الذي طاعته قربة وحقه مفترض واجب
إن الذي شُرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب
وأشار إلى النصراني فأقامه شاهنشاه من موضعه وله تصانيف كثيرة منها (سراج الهدى، وسراج الملوك) وله طريقته في الخلاف وكانت ولادته سنة إحدى وسبعين وأربعمائة تقريبًا وتوفي سنة عشرين وخمسمائة قال ابن خلكان.
[ ١٨٢ ]
(ترجمة الإمام ابن الجوزي)
(قوله ابن الجوزي) - هو أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد وينتهى نسبه إلى أبي بكر الصديق - ﵁ - البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ الحافظ.
قال ابن خلكان: كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ صنف في فنون عديدة وكتبه أكثر من أن تعد وكتب بخطه شيئًا كثيرًا والناس يغالون في ذلك يقولوا: إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس.
وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل: ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله - ﷺ - وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به ففعل ذلك فكفت وفضل منها وله أشعار لطيفة منها قوله يخاطب أهل بغداد: [متقارب]
عذيرى من فتية بالعراق قلوبهم بالجفا قلب
يرون العجيب كلام الغريب وقول القريب فلا يعجب
ميازيبهم إن تندت بخير إلى غير جيرانهم تقلب
وعذرهم عند توبيخهم مغنية الحى لا تطرب
وله أجوبة نادرة منها: أنه وقع النزاع بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فرضى الكل بما يجيب به.
فسألوه وهو على الكرسي في مجلس وعظه فقال أفضلهما من كانت ابنته تحته ونزل وله محاسن كثيرة يطول شرحها.
ولد تقريبًا سنة ثمان وخمسمائة وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب. انتهى
[ ١٨٣ ]
قلت: وسمعت من بعض الناس أن قبره في بعض البساتين التي هي شرق مسجد السيد سلطان على. والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. قيل: وأوصى أن يكتب على قبره: [رمل]
يا كثير الصفح عن من كثير الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو الـ ـعفو عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء الضـ ـيف إحسان إليه
ومن تصنيفاته تفسير القرآن الكريم المسمى: (بزاد المسير) أتى فيه بأشياء غريبة والتبصرة في المواعظ وكتاب الصفات وترجمة وترجمة الإمام أحمد والتاريخ الكبير ومختصر الإحياء وصفوة الصفوة والموضوعات في الحديث أربعة أجزاء وغير ذلك.
والجوزي - بفتح الجيم وواو وزاي معجة - نسبه إلى فرضة الجوز وهو موضع مشهور وقيل: إن جده كان مشرعه الجوزى مكان من جانب الغربي ببغداد وكان أبوه يعمل الصفر بنهر القلائين في الجانب الغربي منها.
ومع فضائله المشهورة ومناقبه المسطورة لم يسلم أيضًا من تنقير أقلام المعترضين على كلامه في البعض وبعض مسائل الدين فقد انتقده ابن الأثير بسبب انتقاده للإمام الغزالي الشهير.
وقال أيضًا ابن رجب الحنبلي، كما نقله عنه في الشذرات بما نصه: نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم لميلة إلى التأويل في بعض كلامه واشتد نكيرهم عليه في ذلك ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف وهو وإن كان مطلعًا على الأحاديث والآثار فلم يكن بذاك.
يحل شبه المتكلمين ويبين فسادها وكان معظما لأبي الوفاء ابن عقيل متابعًا لأكثر ما يجده من كلامه وإن كان قد رد عليه في بعض المسائل.
[ ١٨٤ ]
وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه وأبو الفرج تابع له في هذا التلون. انتهى.
(قلت): وممن انتقده أيضًا الشيخ في شرح الأصبهانية فإن أردت التفصيل فعليك به والله الموفق للصواب.
(ترجمة ابن عقيل)
(قوله: وابن عقيل) - وهو على ماقاله ابن الأثير في الكامل: أبو الوفاء على ابن عقيل بن محمد بن عقيل شيخ الحنابلة في وقته ببغداد وكان حسن المناظرة سريع الخاطر وكان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على أبي الوليد فأراد الحنابلة قتله فاستجار بباب المراتب عدة سنين ثم أظهر التوبة حتى تمكن من الظهور.
وله مصنفات من جملتها: كتاب الفنون توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وقال في الشذرات: أبو الوفا على بن عقيل البغدادي الطفري شيخ الإسلام الحنابلة وصاحب التصانيف ومؤلف كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد وكان إمامًا مبرزًا كثير العلوم حاذق الذكاء مكبًا على التصنيف عديم النظير. قال ابن السلفي: ما رأيت مثله وما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه وقوة حجته.
توفي وعمره ثلاث وثمانون سنة وله مشايخ كثيرون.
قال ابن الجوزي: كان قوي الدين حافظًا للحدود وكان كريمًا ينفق ما يجد ومن أكبر تصانيفه كتاب الفنون مائتا مجلد.
وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: لم يصنف في الدنيا أكبر منه حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة وقال بعضهم: هو ثمانمائة مجلد وله غيره.
[ ١٨٥ ]
فصل: وأما قول الشيخ ابن حجر:
ولقد تكلم يومًا مع أبي الحسن الكياهراسي في مسألة فقال له الكياهراسي ليس بمذهبك فقال: أنا لي اجتهاد متى طالبني خصمى بحجة كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقوم له بحجتى - انتهى.
وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه والرد على مخالفيهم وله مسائل كثيرة ينفرد فيها منها: أن الربا لا يجري إلا في الأعيان الستة المنصوص عليها: أن المشروع في عطية الأولاد التسوية بين الذكور والإناث ومنها: أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعًا للأرض لمشقة التفريق بينهما.
ومنها: الزروع والثمار التي تسقى بماء نجس طاهرة مباحة وإن لم تسق بعده بماء طاهر ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة وإن اشترط وطؤها في عقد الكتابة ومنها: أنه لا زكاة في حلى المواشط المعد للكراء إلى غير ذلك.
توفي بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وخمسمائة وصلى عليه في جامع القصر والمنصور.
قال ابن ناصر: حزرتهم بثلثمائة ألف ودفن قرب الإمام أحمد قاله ابن رجب
ونقل عنه أنه قال: تقلبت على الدول فما أخذتني دولة ولا عامة اعتقد أنه الحق وأوذيت من أصحابي حتى طلب دمى وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس وقلت: يامن خفت لأجله لا تخيب ظني فيك فعصمني الله تعالى. انتهى.
فصل: وأما قول الشيخ ابن حجر: وقد كتب إليه بعض أجلاء عصره - إلى آخره - فكتاب غير ملتئم المباني وتحريره متوعر المعاني لا يعرف قائله وقد استبان فيما سبق باطله مما سردته من كلام شيخ الإسلام وعقائده
[ ١٨٦ ]
الشهيرة بين الأنام وتصانيفه في مناقب الصحابة الكرام لا سيما الفاروق الإمام فما هذا إلا بهتان من الناقلين صريح وعزو غير مقرون بتصحيح وتدليس فيه مافيه كما لا يخفى على المنصف النبيه.
وأظنه من كتابه أبي العصر الذي ذكرنا جوابه فيما مر والشيخ في الحقيقة قد تكلم في حق البعض موافقًا في ذلك لغيره كما تقدم.
وقد بسطنا ذلك فتذكر - فما في العهد من قدم وأما بحثه في الصحابة الكرام فقد ذكرت لك ما يكذب عنه من نقض وإبرام.
ولعله أن يكون يومًا ما ذكر شيئًا راجعًا إلى تقليد المفضول والآخذ بروايته مع وجود الأفضل كما وقع في كافة المذاهب من أخذهم مثلًا بقول ان عباس أو ابن مسعود أو ابن عمر أو عثمان بن عفان دون غيرهم ممن هو أعلم بعد النبيين من كافة الناس كما سنبينه - إن شاء الله تعالى - في بحث الاجتهاد وهذا من الأمور المسلمة المستفيضة لدى مطلع على مآخذ المجتهدين نقاد فغيرت النقلة وبدلت وزورت وحرفت.
وما أحسن ما نقله شيخ مشايخنا خالد النقشبندى - نور الله تعالى مرقده - في رسالته في الكسب عن السنوسي في بحث الأشعري ما نصه: لا نسلم صحة هذا القول منه ولئن سلم فلعله صدر عنه في مباحثة جدلية لإفحام الخصم قويت منافرته عن الحق فاحتال في جذبه إلى الحق بنحو من السرقة ولذا قال المشايخ: ما ينقل عن عالم في المباحثة لا يجوز جعله مذهبًا. انتهى.
فخذ ما فصلناه وتلقى ما سنمليه وما زبرناه فلعلك إن شاء الله تعالى تدفع به سوء الظن عن ذلك الإمام الجليل والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
[ ١٨٧ ]
[أكاذيب تدفعها حقائق]
قال العلامة ابن حجر الهيتمي: واعلم أنه خالف الناس في مسائل نبه عليها التاج السبكي وغيره مما خرق فيه الإجماع قوله في يمين الطلاق: أنه لا يقع بل عليه كفارة يمين ولم يقل بالكفارة أحد من المسلمين قبله وإن طلاق الحائض لا يقع وكذا الطلاق في طهر جامع فيه وإن الصلاة إذا تركت عمدًا لا يجب قضاؤها وإن الحائض يباح لها الطواف بالبيت ولا كفارة عليها وإن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة.
وكان هو قبل ادعائه ذلك نقل إجماع المسلمين على خلافه وإن المكوس حلال لمن أقطعها وإنها إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وإن لم يكن باسم الزكاة ولا رسمها وإن المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كألفارة وإن الجنب يصلى تطوعه بالليل ولا يؤخره إلى أن يغسل قبل الفجر وإن كان بالبلد.
وإن شرط الواقف غير معتبر بل لو وقف على الشافعية صرف إلى الحنفية وبالعكس وعلى الفقهاء صرف إلى الصوفية وأمثال ذلك.
ومن مسائل الحسن والقبح التزم كل ما يرد عليها وأن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق وإن ربنا - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبير! - محل الحوادث وأنه مركب تفتقر ذاته افتقار الكل للجزء - تعالى الله عن ذلك وتقدس!، وأن القرآن محدث في ذات الله - تعالى الله عن ذلك -! وأن العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله تعالى مخلوقًا دائمًا فجعله موجبًا بالذات لا فاعلًا بالاختيار.
وقوله بالجسمية والانتقال وأنه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع القبيح والكفر الصريح وخذل تبعيه وشتت شمل معتقديه.
[ ١٨٨ ]
وقال:إن النار تفنى وإن الأنبياء غير معصومين وإن رسول الله - ﷺ - لاجاه له ولا يتوسل به وإن إنشاء السفر إليه بسبب الزيارة معصية لا تقصر الصلاة فيه وإن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظها وإنما بدلت معانيها. انتهى.
ويلزم أهل المذهب الجسمية والمحاذاة والاستقرار فلعله في بعض الأحيان كان يصرح بتلك اللوازم فنسب إليه سيما ومن نسب إليه ذلك من أئمة الإسلام المتفق على جلالته وإمامته وديانيه وأنه الثقة العدل المحقق المدقق فلا يقول شيئًا إلا عن ثبت وتحقق ومزيد احتياط وتحر. سيما إن نسب إلى مسلم ما يقتضى كفره وردته وضلاله وإهدار دمه.
فإن صح عنه مكفر أو مبدع يعامله الله تعالى بعدله وإلا يغفر الله تعالى لنا وله - انتهى كلام ابن حجر.
(أقول) وبالله التوفيق: إن هذا الكلام العاطل على حلى التحقيق يتلو عنده كل ذي عقل سليم: سبحانك هذا بهتان عظيم لأن عقيدة هذا الشيخ الجليل مشهورة لدى كل قبيل ومسطورة في تأليفاته الشهيرة وتصنيفاته وفتاويه وهو الذي رد أصحابها من أهل الزيغ والضلال كالمجسمة وغلاة المتصوفة والفلاسفة الجهال.
نعم قد ذهب إلى بعض هذه المسائل الفرعية وكم له سلف فيها وأدلة شرعية ولا بدع إذا اجتهد فيها موافقًا لغيره من الأئمة كما وقع أمثال ذلك من علماء الأمة ولو أخطأ فيها فلا لوم عند المنصف عليه.
فياليت شعري! لماذا توجه سهام القدح دون سائر العلماء إليه ولو
[ ١٨٩ ]
أردنا تعداد من ذهب إلى بعض الأقوال المخالفة لأكثر المذاهب لا تسع المقال وهذا الشيخ ابن عربي الذي زكاه وبكل سوء من أجله وأجل الحلاج وأمثاله لابن تيمية رماه - ذهب إلى أكثر من ذلك واختار أعظم مما هنالك كما هو مذكور في فتوحاته المكية وفصوصه الحكمية مما مر في ترجمته ونقلته عنه أيضًا العلماء في كتبهم مما هو بصحة نقلهم.
وليس القصد بهذا الكلام الحط على ذلك الهمام بل البيان أن لعلماء أقوالًا لا تتلقاها بالقبول كافة الآراء وسيظهر بحوله تعالى قريبًا لك الحي من اللىّ ويبين لكل لبيب الحق من الغي بالتفريع والتأصيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ولنذكر قبل بيان هذه المسائل فصلين متلازمين ومتقارنين كالفرقدين من سماء كتب الأفاضل في بيان حكم الاجتهاد وتأصيله والتقليد بتفصيله ليكونا إن شاء الله تعالى نافعين فيما نحن بصدد ذكره مستحضرين لتحرى الحق عند اضطراب فكره.
الفصل الأول
في الاجتهاد
[تعريفه وشروطه]
وهو لغة: بذل الوسع فيما فيه كلفة مأخوذ - كما نقل ابن أبي زرعة عن الماوردى - من جهاد النفس وكدها في طلب المراد.
وفي الاصطلاح - على ما في جمع الجوامع - استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم.
والفقيه والمجتهد لفظان مترادفان وهو البالغ العاقل أي ذو ملكة يدرك بها العلوم أي ما من شأنه أن يعلم وهذه الملكة العقل وقيل العقل
[ ١٩٠ ]
نفس العلم أي الإدراك ضروريًا كان أو نظريًا وأن يكون فقيه النفس أي قوى الفهم على التصرف قال أبو إسحق: ومن كان موصوفًا بالبلادة والعجز عن التصرف فليس من أهل الاجتهاد وفي إنكاره للقياس خلاف وان يكون عارفًا بالدليل العقلي وهو البراءة الأصلية ويأنا مكلفون بالتمسك به ما لم يرد دليل ناقل عنه من نص أو إجماع أو غيرهما وأن يكون عارفًا بلغة العرب بالعربية وهو النحو إعرابًا وتصريفًا وبأصول الفقه ليقوى على معرفة الأدلة وكيفية الاستنباط وبالبلاغة ليتمكن من الاستنباط قيل في الدرجة المتوسطة بحيث يميز العبارة الصحيحة من الفاسدة والراجحة من المرجوحة وأن يكون عارفًا بالكتاب والسنة ولا يعتبر العلم بجميعها ولا حفظهما.
قال العلامة السبكي: المجتهد من هذه العلوم ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع ويعتبر - على ما قيل - كونه خبيرًا بمواقع الإجماع كي لا يخرقه والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وشرط المتواتر والآحاد والصحيح والضعيف أو حال الروآت وسير الصحابة.
ولا يشترط فيه علم الكلام وتفاريع الفقه والذكورة والحرية وكذا العدالة على الأصح.
وقال الغزالي: إنها شرط. وهذا المجتهد المطلق ودونه مجتهد المذهب وهو المتمكن من تخريج الوجوه على نصوص إمامه.
وادعى بعضهم أن هذا النوع قد انقطع أيضًا وهو مردود
قال ابن الصلاح: والذي رأيته من كلام الأئمة مشعر بأنه لا يتأذى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد والذي به فرض الكفاية في الفتوى وإن لم يتأد فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى. انتهى.
[ ١٩١ ]
ودونه في المرتبة مجتهد الفتيا وهو المتبحر في مذهبه المتمكن من ترجيح قول على آخر وهذا أدنى المراتب وما بقي بعده إلا العامى ومن في معناه.
[هل يتجزأ الاجتهاد؟]
والاجتهاد قد يتجزأ على الصحيح أي يحصل الإنسان رتبة الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فما تمكن فيه من الاجتهاد اجتهد فيه وما لم يتمكن فيه قلد مجتهدًا وقد سئل الإمام مالك الله تعالى عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: لا أدي وكذا الإمام ابو حنيفة توقف في مسائل شهيرة.
والمصيب في العقليات واحد كحدوث العالم وثبوت البارئ سبحانه وصفاته وبعثة الرسل ونافى الإسلام مخطئ آثم كافر وقال الجاحظ: لا يأتم في العقليات للاجتهاد. وزاد العنبري: كل مصيب والإجماع على خلاف قولهما.
وأما المسألة التي قاطع فيها من مسائل الفقه فقال الأشعري والباقلاني وأبو يوسف ومحمد وابن سريج: كل مجتهد فيها مصيب ثم قال الأولان لأن حكم الله تعالى تابع لظن المجتهد وقال الثلاثة: هنالك ما لو حكم لكان به والصحيح وفاقا للجمهور أن المصيب واحد.
قال الفهامة صدر الشريعة في التنقيح: فالمجتهد عندنا يحظىء ويصيب وعند المعتزلة كل مجتهد مصيب. هذا بناء في كل حادثة حكمًا معينًا عند الله تعالى وعندهم لا بل الحكم ما أدى إليه الاجتهاد كل مجتهد فإذا اجتهدوا في حادثة فالحكم عند الله في حق كل واحد مجتهده ثم ذكر أدلتهم وأدلتنا ومن جملتها قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ [الأنبياء: ٧٩]
[ ١٩٢ ]
وقوله ﵊: «إن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة»
وفي حديث آخر جعل للمصيب أجرين وللمخطئ واحدًا. وقول ابن مسعود - ﵁ -: إن أصبت فمن الله تعالى وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. انتهى باقتصار.
وفي إغاثة اللهفان للإمام ابن القيم في الكلام على الحديث المروى في صحيح مسلم عن بريدة «كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أو صاه» الحديث ما ملخصه والحديث صريح في أن حكم الله سبحانه في الحادثة واحد معين وأن المجتهد يصيبه تارة ويخطئه لقوله ﵊: «فإن سألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله تعالى فيهم أم لا» وقد نص الأئمة الأربعة على ذلك صريحًا.
قال أبو عمرو بن عبد البر: ولا أعلم خلافًا بين الحذاق من شيوخ المالكيين - ثم عدهم - ثم قال: كل يحكى أن مذهبه مالك رحمه الله تعالى في اجتهاد المجتهدين والقياسيين إذا اختلفوا فيما يجوز التأويل فيه من نوازل الأحكام أن الحق من ذلك عند الله واحد من أقوالهم إلا أن كل مجتهد إذا اجتهد كما أمر وكان من أهل الصناعة ومعه آلة الاجتهاد فقد أدى ما عليه وهو مأجور على قصده الصواب.
وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي قال: المشهور من قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال الإمام أحمد: إذا اختلفت الرواية عن النبي - ﷺ - فأخذ رجل بأخذ الحديثين وأخذ آخر بحديث آخر ضده فالحق عند الله تعالى في واحد وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ.
[ ١٩٣ ]
وفي الحديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» انتهى.
[هل يجوز أن يخلو الزمان عن مجتهد؟]
قال ابن أبي زرعة في شرح جمع الجوامع: وقد اختلفوا في جواز خلو الزمان عن مجتهد فذهب الأكثرون إلى جواز خلوه عن مجتهد مطلق ومقيد وهو المجتهد في مذهب المجتهد وقد قال النبي - ﷺ -: «إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» .
وذهبت الحنابلة إلى عدم جواز الخلو محتجين بقوله ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» .
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في شرح العنوان وهو المختار عندنا: لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان. ويوافقه قوله في خطبة شرح الإلمام: والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة والأمة الشريفة لا بدلها من سالك أداء الحق على واضح المحجة إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى ويتتابع بعده مالا يبقى معه إلا قدوم الأخرى.
وقال والده الشيخ مجد الدين في كتابه تلقيح الأفهام عن المجتهد في هذه الأعصار: وليس ذلك لتعذر حصول آلة الاجتهاد بل لإعراض الناس في اشتغالهم عن الطريق المفضية إلى ذلك. انتهى ما حكاه ابن أبي زرعة.
وقال الفهامة الشعراني في الميزان نقلًا عن الجلال السيوطي إن الاجتهاد
[ ١٩٤ ]
المطلق على قسمين: مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الأربعة ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم الذين ذكرناهم كأبي يوسف ومحمد قال: ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة الإمام محمد بن جرير الطبري ولم يسلم له ذلك اهـ.
ويحتمل أن العلماء الذين كانوا يفتون الناس على المذاهب الأربعة أطلعهم الله تعالى على عين الشريعة الأولى وشهدوا اتصال جميع أقوال الأئمة المجتهدين بها - إلى أن قال: ولما ادعى الجلال السيوطي - رحمه الله تعالى - مقام الاجتهاد المطلق المنتسب كان يفتي الناس بالأرجح من مذهب الشافعي فقالوا له: لم لا نفتيهم بالأرجح عندك؟ فقال: لم يسألوني ذلك وإنما سألوني عما عليه الإمام وأصحابه: فيحتاج من يفتى الناس على الأربعة المذاهب أن يعرف الراجح عند أهل كل مذهب ليفتى به المقلدين، إلا أن يعرف من السائل أنه يعتمد علمه ودينة وينشرح صدره لما يفتيه ولو كان مرجوحًا فمثل هذا لا يحتاج إلى الاطلاع ما هو الأرجح عند أهل كل مذهب - انتهى.
ونقل أيضًا في الميزان عن الإمام أحمد أنه كان يقول: كثرة التلقيد عمى في البصيرة كأنه يحث العلماء على أن يأخذوا أحكام دينهم من عين الشريعة ولا يقنعوا بالتقليد من خلف حجاب أحد المجتهدين.
وروى الطبراني مرفوعًا: «أن شريعتي جاءت على ثلثمائة وستين طريقة ما سلك أحد طريقة منها إلا نجا» ونقل عن الشيخ محيى الدين أنه قال في الفتوحات: لا ينبغي لأحد أن يخطئ مجتهدًا أو بطعن في كلامه لأن الشرع الذي هو حكم الله تعالى قد قرر حكم المجتهد فصار شرعًا لله تعالى بتقرير الله تعالى إياه.
[ ١٩٥ ]
قال: وهذه مسألة يقع في محظورها كثير من أصحاب المذاهب لعدم استحضارهم ما ينبههم عليه مع كونهم عالمين به فكل من خطأ مجتهدًا بعينه فكأنه خطأ الشارع فيما قرره حكمًا - انتهى.
(قلت) الظاهر أن يشير بهذا إلى أن كل مجتهد مصيب وقد قال في الباب التاسع والستين من الفتوحات وكان ينبغي في هذه المسألة وأمثالها أن لا يتصور خلاف ولكن جعل الله تعالى هذا الخلاف رحمة لعباده واتساعًا فيما كلفهم من عبادته.
لكن فقهاء زماننا حجروا وضيقوا على الناس ما وسع الشرع عليهم فقالوا للمقلد إذا كان حنفي المذهب: لا تطلب رخصة الشافعي فيما نزل بك وكذلك قالوا في حق كل واحد منهم وهذا من أعظم الرزايا والحرج في الدين والله سبحانه يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] والشرع قد قرر حكم المجتهد له في نفسه ولمن قلده فأنف فقهاء زماننا من ذلك وزعموا أن ذلك يؤدي إلى التلاعب بالدين.
وهذا غاية الجهل منهم فليس الأمر والله كما زعموا مع إقرارهم على أنفسهم أنهم ليسوا بمجتهدين ولا حصلوا درجة الاجتهاد ولا نقلوا عن أئمتهم أنهم سلكوا هذا المسلك فكذبوا أنفسهم في قولهم: إنهم ما عندهم استعداد للاجتهاد والذي حجروه على المقلدين ما يكون إلا باجتهاد نعوذ بالله تعالى من الغي والخذلان؟ فما أرسل الله تعالى رسول إلا رحمة للعالمين وأي درجة أعظم من تنفيس هذا الكرب المهم والخطب الملم - انتهى.
وله مثل هذا في غير موضع وسيأتي بعضه في فصل التقليد إن شاء الله تعالى وقال جد والدي لأمه العلامة الشيخ حسين العشارى الشافعي في حاشيته
[ ١٩٦ ]
على الحضرمية: جوز بعضهم تقليد غير الأربعة كالصحابة - ﵃ - في حق ونفسه بشرط أن يعلم نسبة ذلك القول إلى قائله وقد نظم ذلك بعضهم فقال: [رجز] .
وجاز تقليد لغير الأربعة في حق نفسه ففي هذا سعه
لا في قضاء مع إفتاء ذكر هذا عن السبكي الإمام مشتهر
وقال الشيخ محيى الدين ابن عربي قدس سره في فصل صلاة الكسوف من الفتوحات ما نصه: فإن أخطأ المجتهد فلا وزر عليه وهو مأجور، وإن ظهر له النص وتركه لقياسه الجلى في زعمه فلا عذر له عند الله تعالى وهو مأثوم وأكثر ما يكون هذا من الفقهاء المقلدين للأئمة الذين قالوا لهم: لا تقلدونا واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لما حكمنا فيه فإن الحديث مذهبنا وإن كنا لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه دليل وما يلزمنا غير ذلك لكن ما يلزمكم اتباعنا ولكن يلزمكم سؤالنا وفي كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهد ولهذا كان يقول مالك رحمه الله تعالى إذا سئل في نازلة: هل وقعت؟ فإن قيل: لا يقول:لا أفتى. وإن قيل له: نعم أفتى في ذلك الوقت بما أعطاه دليله.
فأبت المقلدة من فقهاء زماننا أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها للحديث الذي أمرها به إمامها وقلدته في الحكم مع وجود المعارض فعصت الله تعالى في قوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر٧] وعصت الرسول في قوله ﴿فاتبعوني﴾ وعصت إمامها في قوله: خذوا بالحديث إذا بلغكم واضربوا بكلامي الحائط.
فهؤلاء في كسوف دائم سرمد عليهم إلى يوم القيامة فلا هم مع الله ﷾ ولا مع رسوله - ﷺ - ولا مع إمامهم
[ ١٩٧ ]
فهم في براءة من الله تعالى ورسوله - ﷺ - وإمامهم فلا حجة لهم عند الله تعالى فانظروا مع من يحشر هؤلاء - انتهى.
وفي الدرر المنثورة للإمام الشعراني ما نصه: لم يبلغنا أن أحدًا من السلف أمر أحدًا أن بتقيد بمذهب معين ولو وقع ذلك منهم لوقعوا في الأثم لتفويتهم العمل بكل حديث لم يأخذ به ذلك المجتهد الذي أمر الخلق باتباعه وحده والشريعة حقيقة إنما هو مجموع ما هو بأيدي المجتهدين كلهم لا بيد مجتهد واحد ولم يوجب الله تعالى على أحد التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين بخصوصه لعم عصمته.
ومن أين جاء الوجوب والأئمة كلهم قد تبرءوا من الأمر باتباعهم وقالوا: إذا بلغكم حديث فاعملوا به واضربوا بكلامنا الحائط. انتهى.
وقال الشيخ محيى الدين في الباب الثامن والثمانين: ولا يجوز ترك آية أو خبر صحيح لقول صاحب أو إمام ومن يفعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينًا وخرج عن دين الله تعالى - انتهى
[فتوى للإمام ابن تيميه عن التقليد]
وقد سئل الشيخ تقي الدين عن رجل تفقه على مذهب من المذاهب، وتبصر فيه وأشتغل بعده بالحديث، فوجد أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخًا ولا مخصصًا ولا معارضًا، وذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب؟ أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالحديث ومخالفة مذهبه؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين.
وقد ثبت في الكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى أفترض على العباد طاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسوله - ﷺ -، حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها ﵊ و- رضي
[ ١٩٨ ]
الله عنه - يقول: أطيعوني ما أطعت الله تعالى، فإذا عصيت الله ﷿ فلا طاعة لي عليكم.
وأتفق كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما أمر الله تعلى عنه إلا رسول الله - ﷺ -، ولهذا قال غير واحد من الأئمة كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﵊.
وهؤلاء الأمة الأربعة رحمهم الله تعالى أجمعين قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه وذلك هو الواجب. قال الإمام أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن داء برأى خير منه قبلناه. ولهذا لما أجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بإمام دار الهجرة مالك بن أنس وسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات، ومسألة الأجناس، فأخبر مالك رحمه الله تعالى بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
ومالك - رحمه الله تعالى - كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلام هذا معناه.
والشافعي رحمه الله تعالى كان يقول: إذا صح الحديث بخلاف قولي فأضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي. وفي مختصر المزني لما أختصره ذكر أنه أختصر من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه. قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده أو تقليد غيره من العلماء.
والإمام أحمد - رحمه الله تعالى - كان يقول: من ضيق علم الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقد قال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال:
[ ١٩٩ ]
» «من يرد به الله خيرًا يفقهه في الدين» ولازم ذلك: أن من لم يفقه الله ﷿ في الدين لم يرد به خيرًا.
فيكون التفقه في الدين فرضًا، والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن يعرف ذلك لم يكن متفقهًا في الدين، لكن من الناس من قد يعجز عنها فيلزمه ما يقدر عليه. ومن كان قادرًا على الاستدلال. فقيل يحرم عليه التقليد مطلقًا. وقيل: يجوز مطلقًا. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق عن الإستدلال، وهذا القول عدل الأقوال إن شاء الله تعالى.
والإجتهاد ليس هو أمر لا يقبل التجزؤ والأنقسام، بل يكون الرجل مجتهدًا في فن أو باب أو مسألة، دون فن وباب ومسألة، وكل فاجتهاده بحسب وسعه. فمن نظر في مسألة، قد تنازع العلماء فيها فرأى مع أحد القولين نصوصًا لم يعلم لها معارضًا بعد نظر مثله فهو بين الأمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذى أشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة، بل مجرد عادة تعارضها عادة غيره، وأشتغاله بمذهب إمام آخر. وإما أن يتبع القول الذى ترجح في نظرة بالنصوص الدالة عليه، فحينئذ موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص النبوية سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذى يصلح، وغنما تنزلنا هذا التنزيل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس أجتهاده تامًا في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه، إما إذا قدر على الإجتهاد التام الذى يعتقد معه ان القول الآخر ليس معه ما يدفع النص، فهذا يجب عليه أتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعًا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله تعالى ورسوله. بخلاف من يكون القول الآخر حجة راجحة على هذا النص، ويقول أنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: ﴿فأتقوا الله ما أستطعتم﴾
[ ٢٠٠ ]
[التغابن ١٦] والذى نستطيعه من العلم في هذه المسألة قد دل على ان هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك.
ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضًا راجحًا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير إجتهاده.
وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين من الحق فهو محمود عليه، بخلاف إقراره بقول لا حجة معه عليه، وترك قول الذى وضحت حجته. أو الإنتقال من قول إلى قول بمجرد عادة وإتباع هوى، فهذا مذموم وإذا كان المقلد قد سمع حديثًا وتركه لا سيما إذا كان قد رواه أيضًا عدل فمثل هذا إذا وجد لا يكون عذرًا في ترك النص.
وقد بينا فيما كتبناه في الدفع عن الأئمة الأعلام نحو عشرين عذرًا في ترك العمل ببعض الأحاديث، وبينا أنهم معذورون في الترك لتلك الأعزار، وإنما نحن معذورون في تركها لهذا الترك. فمن ترك الحديث لاعتقاده لم يصح، أو رواية مجهول ونحو ذلك، ويكون غيره قد علم صحته وثقة روايته فقد زال عذر ذلك في حق هذا.
ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس أو عمل لبعض الأمصار قد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل، لم يكن عذر ذلك الرجل عذرًا بحقه، فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وحقها منها أمر لا يضبط طرفاه، لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقدًا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار أهل المدينة النبوية وغيرها الذين يقال لهم: لا يتركون الحديث إلا لإعتقادهم أنه منسوخ أو معارض براجح.
وقد بلغ من بعدهم أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل قد عمل
[ ٢٠١ ]
به أو سمعه منهم، أو نحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض لا للنص.
وإذا قيل لهذا المستفتى المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، وليست من هذا أولى. ولكن نسبة هؤلاء الأئمة إلى هؤلاء نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وأبن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم من الأئمة وغيرهم.
فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، فإذا تنازعوا في شئ ردوه إلى الله ورسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع آخر، وكذلك موارد النزاع بين الأئمة.
وقد ترك الناس قول عمر وأبن مسعود - ﵁ - في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول أبي موسى الأشعري وغيره لما أحتج بالكتاب والسنة. وتركوا قول عمر - ﵁ - في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان لما كان روى من لسان النبي - ﷺ - قال: «هذه وهذه سواء» .
وقد كان لبعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له: قال أبو بكر قال عمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله - ﷺ -، وتقولون قال أبو بكر قال عمر لما سئل عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر. فبين أن عمر لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه فقال: رسول الله - ﷺ - أحق أن يتبع أم عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم من أبن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
[ ٢٠٢ ]
ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله تعالى ورسوله - ﷺ - ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته. وهذا تبديل للدين، وشبيه بما عاب الله تعالى به النصارى في قوله ﴿أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا الله إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة ٣١] والله سبحانه أعلم أنتهى.
ونقل عن الشيخ عبد الوهاب الشعراني ما يؤكد هذا أنه قال في الدرر المنثورة ما نصه: ومنع أهل الله تعالى من العمل بقول مجتهد مات لاحتمال أنه لو عاش إلى اليوم ربما كان يرجع عنه، فلا يعمل بكلام أحد بعد موته تقليدًا من غير معرفة دليله إلا رسول الله - ﷺ -.
قال: وربما تدين مقلد في مذهب بقول إمام من طريق الرأى، فصحت الأحاديث في مذهب آخر بضد ذلك الرأى، فوقف مع مذهبه ففاته العمل بالأحاديث الصحيحة فأخطأ طريق السنة.
وقول بعض المقلدين: لولا أن الرأى إمامي دليلًا ما قال به، جمود وقصور وتعصب، مع ان نفس إمامة قد تبرأ من العمل بالرأى ونهى غيره عن أتباعه.
فقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: حرام على من لم يعرف دليلى أن يفتى بكلامي. وكان يقول لمن أفتاه: هذا رأى أبي حنيفة، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو الأولى والصواب.
ونقل عن الإمام المزني أنه قال في أول كتابه المختصر: كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ينهى عن تقليده وتقليد غيره، وكان يقول: إذا رأيتم كلامي يخالف السنة فخذوا بالسنة واضربوا بكلامي الحائط. وكان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
[ ٢٠٣ ]
وقيل للإمام أحمد بن حنبل. لم لا تصنع لأصحابك كتابًا في الفقه؟ قال: أو لأحد كلام مع كلام الله تعالى ورسوله - ﷺ -!؟ أنتهى.
وإن شئت زيادة الإطلاع على مباحث الاجتهاد، فعليك أولًا بكتاب (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) للعلامة المجتهد الرباني شيخ شيوخنا قاضي القضاة محمد بن على الشوكاني - رحمه الله تعالى - وثانيًا بكتاب شيخنا العلامة ابي الطيب الحسيني البخاري القنوجي (حصول المأمول من علم الأصول - وثالثًا برسالة ولده السعيد أبي الخير المسماه (بالطريقة المثلى في الإرشاد إلى أتباع ما هو الأولى)، ففي تلك ما يكفى المسترشد، ويشفى المجتهد والمقلد.
الفصل الثاني
في التقليد
وهو أخذ قول الغير من غير معرفة دليله.
قال أبن ابي زرعة في شرح جمع الجوامع: وقد أختلف العلماء في تقليد المفضول من المجتهدين مع التمكن من تقليد الفاضل هلى مذاهب: أحدها - وهو المشهور - جوازه، وقد كانوا يسألونه الصحابة مع وجود أفاضلهم.
الثاني - منعه، وبه قال الإمام أحمد وابن سريج، وأختاره للقاضي حسين وغيره.
الثالث - أنه يجوز لمن يعتقده فاضلًا أو مساويًا لغيره، فإن أعتقده دون غيره أمتنع أستفتاؤه.
وكذلك أختلفوا في جواز تقليد الميت على أقوال: أحدها - وبه قال الجمهور - جوازه، وعبر عنه الشافعي رحمه الله تعالى بقوله: المذاهب لا تموت
[ ٢٠٤ ]
بموت أربابها. الثاني - منعه مطلقًا. وعزاه الإمام الغزالي في (المنحول لإجماع الأصوليين) واختاره الإمام فخر الدين. الثالث - يجوز مع فقد حي ولا يجوز مع وجوده - أنتهى ملخصًا.
وقال الشيخ محيى الدين في الباب الثامن والثمانين: والتقليد في دين الله لا يجوز عندان، لا تقليد حي ولا ميت. أنتهى فتدبر.
وقال شيخ مشايخنا ابن عابدين الشامي: ذكر في التحرير وشرحه أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل. وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية. وفي رواية عن أحمد وطائفة كثيرة من الفقهاء: لا يجوز ثم ذكر أنه لو ألتزم مذهبًا كأبي حنيفة والشافعي قيل يلزمه وقيل لا، وهو الأصح. أنتهى بإقتصار.
ومن جملة كلام له في التقليد ما نصه: فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان إلتزام مذهب معين، وانه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غير إمامه، مستجمعًا شروطه. ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله إمام آخر لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض.
وقال أيضًا: إن له التقليد بعد العمل على ما قال في البرزازية: أنه روى عن أبي يوسف أنه صلى الجمعة مغتسلًا من الحمام، ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثًا. انتهى.
وقال في (الدار المختار وحاشيته): إن الحكم الملفق باطل بالإجماع، كمتوضئ سال من بدنه دم، ولمس امرأة ثم صلى، فإن هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي، والتلفيق باطل فصحته منتفية - أنتهى. وبقى في المسألة كلام، من أراد فليرجع إليهما.
[ ٢٠٥ ]
[فتوى للإمام ابن تيمية حول جواز تقليد غير الأربعة]
ورأيت في مختصر فتاوى الشيخ أبن تيمية ما نصه: مسألة فيمن صلى منفردًا حلف الصف هل تصح صلاته أم لا؟ والأحاديث الواردة في ذلك هل هي صحيحة أم لا؟
والأئمة القائلون بهذا من غير الأئمة الأربعة، كحماد بن ابي سليمان، وأبن المبارك، وسفيان الثوري، والأوزاعي، قد قال عنهم رجل - أعنى هؤلاء المذكورين -: هؤلاء لا يلتفت إليهم، فصاحب هذا الكلام ما حكمه؟ وهل يسوغ تقليد هؤلاء الأئمة، كما يجوز تقليد الأئمة الأربعة أم لا؟
الجواب - الحمد لله: الصحيح من قول العلماء أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف لأن في ذلك حديثين عن النبي - ﷺ - أنه أمر المصلي خلف الصف بالإعادة وقال «لا صلاة لفذ خلف الصف» وقد صحح الحديثين غير واحد من أئمة الحديث، وإسنادهما مما تقوم به الحجة، إلى ان قال: وأما الأئمة المذكورون فمن سادات أئمة الإسلام.
فإن الثوري إمام أهل العراق وهو عندهم من أجل أقرانه كابن ابي ليلى والحسن بن صالح، وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى، وله مذهب باقٍ إلى اليوم بارض خراسان.
والأوزاعي إمام أهل الشام، وما زالوا على مذهبه إلى المائة الرابعة، بل أهل المغرب كانوا على مذهبه قبل أن يدخل إليهم مذهب مالك. وحماد ابن ابي سليمان هو شيخ الإمام أبي حنيفة، ومع هذا، فهذا القول هو قول أحمد بن حنبل وإسحق بن راهوية، وغيرهما، ومذهب أحمد باقٍ إلى اليوم وهو مذهب داود بن علي وأصحابه، ومذهبهم باق إلى اليوم.
وليس في الكتاب والسنة فرق بين الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص
[ ٢٠٦ ]
فمالك، والليث بن سعد والأوزاعي، والثوري هؤلاء أئمة في زمانهم وتقليد كل منهم كتقليد الآخر، لا يقول مسلم: إنه لا يجوز تقليد هذا دون هذا، ولكن من منع تقليد هؤلاء في زماننا فإنما يمنعه لأحد شيئين:
أحدهما - اعتقاده أنه لم يبق من يعرف مذهبهم، وتقليد الميت فيه نزاع مشهور، فمن منعه قال: هؤلاء موتى، ومن سوغه قال: لا بد أن يكون في الأحياء من يعرف قول الميت.
والثاني - أن يقول: الإجماع اليوم قد أنعقد على خلاف هذا القول ويبني ذلك على مسألة معروفة في أصول الفقه، وهو أن الصحابة مثلًا أو غيرهم من اهل الأعصار إذا أختلفوا في مسألة على قولين، ثم أجمع التابعون والعصر الثاني على إحداهما، فهل يكون هذا إجماعًا برفع ذلك الخلاف.
وفي المسألة نزاع مشهور في مذهب أحمد وغيره من العلماء، فمن قال: إن أجماع أهل العصر الثاني لا يسوغ الأخذ بالقول الآخر، وأعتقد أن أهل العصر أجمعوا على ذلك فركب من هذين الاعتقادين المنع. ومن علم أن الخلاف القديم حكمه باقٍ وأن الأقوال لا تموت بموت قائلها فإنه يسوغ الذهاب إلى القول الآخر المجتهد الذى وافق أجتهاده.
وأما التقليد فيفيبتنى على مسألة تقليد الميت، وفيها قولان مشهوران أيضًا في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.
واما إذا كان القول الذى يقول به هؤلاء الأئمة أو غيرهم قد قال به بعض العلماء الباقية مذاهبهم، فلا ريب أن قوله مؤبد بموافقة هؤلاء، ويعتضد به ويقابل بهؤلاء من خالفهم، فيقابل الثوري والأوزاعي أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى، إذ الأئمة متفقة على أنه إذا أختلف مالك والأوزاعي،
[ ٢٠٧ ]
أو الثوري وأبو حنيفة لم يجز أن يقال قول هذا أصوب دون هذا إلا بحجة والله اعلم. أنتهى.
[هل يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب؟]
قال الشعراني عليه الرحمة في «الميزان»: ورأيت فتوى للجلال السيوطي عليه الرحمة مطولة قد حث فيها على أعتقاد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم وإن تفاوتوا في العلم والفضل، ولا يجوز لأحد التفضيل الذي يؤدي إلى نقص في غير إمامة، قياسًا على ما ورد في تفصيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فقد حرم العلماء التفضيل المؤدي إلى نقص نبي أو أحتقاره، ولا سيما إن أدي ذلك إلى خصام ووقيعة في الأعراض.
وقد وقع الاختلاف بين الصحابة في الفروع وهم خير الأمة، وما بلغنا أن أحدًا منهم خاصم من قال بخلاف قوله، ولا عاداه ولا نسبه إلى خطأ ولا قصور نظر.
وفي الحديث: «أختلاف أمتى رحمة» وكان الاختلاف على من قبلنا عذابًا. أنتهى.
ومعنى رحمة: أى توسعة على الأمة. ولو كان أحد من الأئمة مخطئًا في نفس الأمر لما كان أختلافهم رحمة. قال: وقد أستنبطت من حديث: «أصحابي كالنجوم بايهم أقتديتم أهتديتم» أننا إذا أقتدينا بأي إمام كان، أهتدينا، لأنه - ﷺ - خيرنا في الأخذ بقول من شئنا منهم من غير تعيين. أنتهى.
وقد دخل هارون الرشيد على الإمام مالك - ﵁ - عنه فقال له: دعني أبا عبد الله أفرق هذه الكتب التى ألفتها وأنشرها في بلاد الإسلام، وأحمل عليها الأمة، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن أختلاف
[ ٢٠٨ ]
العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، فكل يتبع ما صح دليله عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله تعالى. أنتهى.
وقال أيضًا: وكان الإمام الزناتي من أئمة المالكية يقول: يجوز تقليد كل من أهل المذاهب في النوازل، وكذلك يجوز الإنتقال من مذهب إلى مذهب، لكن بثلاثة شروط:
الأول - أن لا يجمع بينهما على وجه الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.
الثاني - أن يعتقد فيمن يقلده الفضل ببلوغ أخباره إليه.
الثالث - أن لا يقلد وهو في عماية من دينه، كأن يقلد في الرخصة من غير شروطها. انتهى.
وقال القرافي: يجوز الانتقال من جميع المذاهب إلى بعضها بعضًا في كل ما لا ينتقض فيه حكم حاكم، وفي ذلك في أربعة مواضع: أن يخالف الإجماع أو النص، أو القياس الجلي، أو القواعد. انتهى.
وإن اردت أن تطلع على حكم التقليد جملة وتفصيلًا فأرجع إلى كتب مؤلفة من هذا الباب - كعقد الجيد للشيخ الأجل ولي الله المحدث الدهلوي، وأدب الطلب، والقول المفيد للعلامة الشوكاني، والإقليد لولد شيخنا العلامة أبي النصر حماهما الله تعالى - يتضح عليك ما هو الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، والسداد من العوج.
وقال الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: وممن بلغنا أنه أنتقل من مذهب إلى أخر من غير نكير عليه من علماء عصره، الشيخ عبد العزيز ابن الخزاعي، كان من أكابر المالكية، فلما قدم الإمام الشافعي بغداد تبعه وقرا عليه كتبه ونشر علمه.
[ ٢٠٩ ]
ومنهم محمد بن عبد الله كان على مذهب الإمام مالك، فلما قدم الشافعي إلى مصر انتقل إلى مذهبه ثم رجع، ومنهم أبو جعفر بن نصر الترمذي رأس الشافعية بالعراق، كان حنفيًا فلما حج أنتقل إلى مذهب الشافعي. ومنهم أبو جعفر الطحاوي، كان شافعيًا وتفقه على حاله المزني، ثم تحول حنفيًا بعد ذلك.
ومنهم الخطيب البغدادي الحافظ، كان حنبليًا ثم عمل شافعيًا. ومنهم ابن فارس صاحب كتاب المجمل في اللغة، كان شافعيًا تبعًا لوالده ثم أنتقل إلى مذهب مالك. ومنهم السيف الآمدي الأصولي المشهور، كان حنفيًا ثم تحول إلى مذهب الشافعي. ومنهم الشيخ محمد بن الدهان النحوي، كان حنبليًا أنتقل إلى مذهب الشافعي، ثم تحول حنفيًا حين طلب الخليفة نحويًا يعلم ولده النحو ثم تحول شافعيًا.
ومنهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، كان أولًا مالكيًا ثم تحول إلي مذهب الشافعي. ومنهم الإمام أبو حيان النحوي، كان أولًا على مذهب أهل الظاهر، ثم عمل شافعيًا. ومنهم غير من ذكر. أنتهى.
(قلت): ومنهم عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي، كان شافعيًا ثم صار حنبليًا. قال في الشذرات: هو الزاهد القدوة، ولد بشرقي واسط، ودخل بغداد، وأقام بالقاهرة مدة ثم قدم الشام، وأنتقل إللا مذهب الإمام أحمد، صاحب الشيخ تقى الدين أحمد بن تيميه، حتى قال فيه هو حنيذ وقته، وتمذهب بمذهب السلف، توفى بدمشق سنة إحدى وسبعمائة. أنتهى ملخصًا.
[ ٢١٠ ]
تتمة
[التقليد في أصول الدين]
قد اتضح لك التقليد في المسائل الفقهية، وبقى الكلام في جواز التقليد في أصول الدين، وهو علم العقائد المشهور بعلم الكلام.
فأعلم أن في جواز التقليد فيه أقوالًا: أحدها - وبه قال الجمهور - المنع، وفي التنزيل ذمه في الأصول بقوله سبحانه حكاية عن الكافر: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف ٢٣] والحث عليه في الفروع بقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء ٧] والثاني - الجواز، وحكي عن العنبري وغيره إجماع السلف على قبول كلمتى الشهادة من الناطق بها من غير أن يقال له: هل نظرت أو تبصرت بدليل، الثالث - وجوب التقليد وتحريم النظر والبحث فيه، فمنهم من جعل سببه أن النظر فيه لا يفضى إلى العلم الذى هو المطلوب ومنهم من قال يفضى إليه، ولكن ربما أوقع الناظر في شبهة فيكون سبب ضلالة.
قال ابن أبي زرعة: وظاهر كلام الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - بوافق هذا المذاهب حيث قال: رأيي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجويد،وينادي عليهم في العشائر: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأشتغل بعلم الأوائل.
وقال: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. وعلى الأول وهو المنع من التقليد فيه حكى عن الأشعري - زيادة في ذلك - إن إيمان المقلد لا يصح، وأنه يقول بتكفير العوام. وأنكره الأستاذ أبو القاسم القشيري وقال: هذا كذب وزور.
وقال إمامنا الأستاذ أبو منصور الماتريدي: أجمع أصحابنا على أن العوام
[ ٢١١ ]
مؤمنون عارفون بالله تعالى، وانهم حشو الجنة للأخبار والإجماع فيه لكن منهم من قال: لا بد من نظر عقلي في العقائد، وقد حصل لهم منه القدر الكافي، فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه وحدوث الموجودات وإن عجزوا عن التعبير عنه على إصطلاح المتكلمين، والعلم بالعبارة علم زائد لا يلزمهم - أنتهى.
وقال إمامنا الأعظم في الفقه الأكبر: وإذا أشكل على الإنسان شئ من دقائق علم التوحيد فينبغي له - أى فيجب عليه - أن يعتقد ما هو الصواب عند الله تعالى - أى بطريق الإجمال - إلى أن يجد عالمًا يسأله ولا يسعه تأخير الطلب - أى عند تردده - في صفة من صفات الجلال ونعوت الجمال ولا يعذر بالوقوف فيه، ويكفر - أي في الحال - إن توقف على بيان الأمر في الآستقبال، لأن التوقف موجب للشك،وهو فيما يفترض اعتقاده كالإنكار. أنتهى بزيادة من الشرح.
ثم قال الشارح النحرير: ولذا أبطلوا قول الثلجي من أصحابنا حيث قال في القرآن: أقول بالمتفق، وهو أنه كلامه تعالى، ولا أقول مخلوق أو قديم. هذا، والمراد به من دقائق علم التوحيد أشياء يكون الشك فيها منافيًا للإيمان بذات الله تعالى وصفاته،ومعرفة كيفية المؤمن به بأحوال آخرته، فلا ينافى أن إمامنا أبا حنيفة توقف في بعض الأحكام. فالاختلاف فيها رحمة، والاختلاف في علم التوحيد ضلالة وبدعة، والخطأ في علم الأحكام مغفور بل صاحبه مأجور، بخلافه في علم الكلام فإنه كفر وزور - أنتهى.
(قلت): فلذا قال ابن عساكر: إن الأئمة الأربعة في العقائد متفقون فليحفظ.
[ ٢١٢ ]
فصل
ولما كان هذا الكتاب يستطرد فيه بعض العقائد المعزبة إلى الحنبلي والأشعري لزم ترجمة الذاتين المنسوب إليهما ذلك، لتكون تذكرة لي وللطالبين، ولما قيل: إن الرحمة تنزل عند ذكر الصالحين، وليعرف الواقف جلالة هذين الإمامين، وغزارة هذين البحرين، وانه إذا حقق، وامعن النظر ودقق، وتبين له أن عقيدتهما تسقى من ماء واحد، وليس بينهما خلاف يفضى إلى التبديع عند البصير الناقد، وكلاهما إن شاء الله تعالى من الفرقة التى هي مصداق الحديث الشهير، والآخذان بما كانت عليه الصحابة من غير تحريف وتغيير.
(ترجمة الإمام أحمد بن حنبل)
فالأول - الفقيه الأورع، والأعلم الأزهد، الإمام الرباني، المجتهد الشيباني، مقتدي المحدثين، رابع المجتهدين، محيى السنة، الصابر على المحنة: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، المتصل نسبه بعدنان، المروزي الأصل. خرجت أمة من مرو وهي حامل به فولدته في بغداد في شعر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة. وقيل: إنه ولد بمرو وحمل إلى بغداد وهو رضيع، وتوفى ضحوة نهار الجمعة لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب.
وقد أستولت دجلة على جميع هذه المقبرة من نحو مائة وخمسين سنة أو أكثر، وكانت واقعة بين مقبرة الخيزران التى فيها الإمام الأعظم أبو حنيفة ومقبرة الإمام موسى الكاظم رحمه الله تعالى.
وقد حرز من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفًا. وقيل: أسلم يوم موته عشرون ألفًا من النصارى واليهود
[ ٢١٣ ]
والمجوس. وقد صنف غير واحد من الأفاضل في ترجمة هذا الحبر الكامل كتبًا ورسائل، ولا سيما العلامة أبن الجوزي قد أتى بالعجب العجاب، في كتابه المشتمل على مائة باب، وسنذكر منه على وجه الاختصار جملًا تنشرح بها الصدور والأبصار.
(فأقول): قال صالح ابن الإمام أحمد: ولد أبي سنة أربع وستين ومائة في ربيع، وجئ به من مرو حملًا. وكذا روى ولده عبد الله عن أبيه أنه قال: قدمت بي أمى حاملًا من خراسان.
وقال أبو زرعه عنه: أصله بصري وخطته بمرو، وتوفى أبوه وهو طفل، ونشأ ببغداد وطلب بها العلم والحديث من شيوخنا، ثم رحل بعد ذلك في طلب العلم إلى البلاد كالكوفة والبصرة وما والاها، والمدينة والشام واليمن والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد، وقال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف.
ومشايخه كثيرون ومن أجلهم: عبد الرزاق بن همام، وقد رحل إليه إلي اليمن، وقال: ما قد علينا مثل أحمد بن حنبل. وقال وكيع: ما قدم الكوفة مثل أحمد. وقال قتيبة بن سعد: إذا رأيت الرجل يجب أحمد بن حنبل فأعلم أنه صاحب سنة. فقال مزاحم الخاقاني مضمنًا لذلك: [طويل] .
لقد صار في الآفاق أحمد محنة وأمر الورى فيها فليس بمشكل
ترى ذا الهوى جهلًا لأحمد مبغضًا وتعرف ذا التقوى يجب أبن حنبل
(قلت): ورأيت في تاريخ الخطيب البغدادي نحو هذين البيتين لأبن أعين وهما:
أضحى ابن حنبل محنة مأمونة وبحب أحمد يعرف المتنسك
وإذا رأيت لأحمد متنقصًا فأعلم بأن ستوره ستهتك
[ ٢١٤ ]
قال: وقال الهمداني: أحمد محنة يعرف به المسلم من الزنديق. وقال الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام. أنتهى.
وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. وقال أبو القاسم أبن الحنبلي: كان أحمد إذا سئل عن المسالة كان علم الدنيا بين عينيه. وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله تعالى جمع له علم الأولين والآخرين، من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء. وقال حرملة ابن يحيى: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أحدًا أروع، ولا أتقى، ولا أفقه - وأظنه قال ولا أعلم - من أحمد بن حنبل. وقال حين دخوله إلى مصر: ما خلفت بالعراق أحدًا يشبه أحمد بن حنبل.
وقال على بن المديني: إن الله ﷿ أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، كفاك بالمديني شاهدًا.
وقال أبو همام: ما رأيت مثل أحمد، ولا أرى أحمد مثله. وقال أبو عمير عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها. وقال محمد بن إبراهيم: هو عندي أفضل من سفيان الثوري وأفقه منه. وقال بشر الحافي: قال أحمد مقام الأنبياء، وقد تداولته أربعة خلفاء، بعضهم بالضراء، وبعضهم بالسراء، فكان فيها معتصمًا بالله ﷿. تداوله المأمون، والمعتصم، والواثق بعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإخافة والترهيب، فما كان في هذه الحال إلا سليم الدين، غير تارك له من أجل ضرب ولا حبس.
ثم أمتحن أيام المتوكل بالتكرم والتعظيم، وبسطت الدنيا عليه فما ركن إليها، ولا أنتقل عن حالته الأولى رغبة في الدنيا، حتى حكى عن
[ ٢١٥ ]
المتوكل أنه قال: إن أحمد ليمنعنا من بر ولده، أي لشدة ورعه عن أخذ ولده من أموال الملوك شيئًا.
(قلت): ومن زيادة ورعه ما نقله الوالد نور الله تعالى ضريحه في كتابه «الطراز المذهب» أنه كان يشرب من الآبار، لم يشرب من ماء دجله لاغتصابها الأراضي، ووقوع الماء من دلاء المستقين فيها بعد ملكهم له. ومن العجائب أنها اغتصبت أيضًا قبره - ﵁ - وكافة القبور المجاورة له. وما حكاه ابن الجوزي والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: أنه كان يزرع داره ويخرج الزكاة عنها في كل سنة، يذهب في ذلك إلى قول عمر أمير المؤمنين في أرض السواد، فقد روى الشعبي أنه - ﵁ - بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد - أي سواد العراق - فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهمًا وقفيزًا. ويقال: إن حدوده من لدن تخوم الموصل مارا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة طولًا، وأما عرضه فمنقطع الجبل من حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بالعذيب من أرض العرب.
قال الخطيب بعد كلام كثير، ما منه: أنه ذكر غير واحد من العلماء ان بغداد دار غصب، وان أنقاض أبنيتها تباع دون الأرض، لأن الأنقاض ملك لأصحابها، واما الأرض فلا حق لهم فيها إذ كانت غصبًا.
وأجازت طائفة بيعها، وأحتجت بأن عمر - ﵁ - أقر السواد في أيدى أهله، وجعل أخذ الخراج منهم عوضًا عن ذلك. ثم قال: وتحصل أن أرض بغداد ملك لأربابها، يصح أن تورث وتستغل وتباع، وعلى ذلك من أدركنا من العلماء والقضاة والشهود والفقهاء، وبهم يقتدى - أنتهى.
وقال الإمام أحمد: ما كتبت حديثًا عن النبي - ﷺ - إلا وقد عملت به.
[ ٢١٦ ]
[كتاب للإمام أحمد عن السنة]
قال الشيخ جمال الدين أبو الفتوح عبد الرحمن بن على الحوزي: أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم قال: ثنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال ثنا أبو يعقوب الحافظ قال: ثنا محمد بن أحمد بن الفضيل، قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن بشر بن بكر، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد البردعي التميمي، قال: لما أشكل على مسدد بن مسرهد أمر الفتنة وما وقع فيه الناس من الاختلاف في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء، كتب إلى أحمد بن حنبل: أكتب لي سنة النبي - ﷺ -، فلما ورد الكتاب على أحمد بكي وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون!! بزعم هذا البصري أنه أنفق في العلم مالًا عظيمًا وهو لا يهتدي إلى سنة النبي - ﷺ -، فكتب إليه:
(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله لذى جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، وينهون عن الردى، ويحيون بكتاب الله تعالى الموتى، وسنة النبي - ﷺ - أهل الجهالة والردى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! ينفون عن دينه الله تعالى تحريف الغالين، وأنتحال المبطلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا أعنه الفتنة، مختلفين في الكتاب ويقولون على الله وفي الله - تعالى الله عما يقولون الظالمون علوًا كبيرًا -! وفي كتابه بغير علم، فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة! وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا.
أما بعد: وفقنا الله تعالى وإياكم لكل ما فيه رضاه، وجنبنا وإياكم كل ما فيه سخطه، وأستعملنا وإياكم عمل الخاشعين له العارفين به، فإنه المسئول ذلك. وأوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم ولزوم السنة والجماعة،
[ ٢١٧ ]
فقد علمنا ما حل بمن خالفها فيمن أتبعها، فإنه بلغنا عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها» فأذكركم أن لا تؤثروا على القرىن شيئًا، فإنه كلام الله، وما تكلم الله تعالى به فليس بمخلوق، وما أخبر به عن القرون الماضية فغير مخلوق، وما في اللوح فغير مخلوق، ون قال مخلوق فهو كافر بالله ﷿، ومن لم يكفرهم فهو كافر.
ثم من بعد كتاب الله سنة النبي - ﷺ -، والحديث عنه وعن المهديين من صحابة النبيو التابعين من بعدهم، والتصديق بما جاءت به الرسل.
وأتباع السنة والنجاة، وهي التى نقلها أهل العلم كابرًا عن كابر: واحذروا رأى جهم، فإنه صاحب رأى وخصومات. وأما الجهمية فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: أفترقت الجهمية على ثلاث فرق، فقال بعضهم: القرآن كلام الله وهو مخلوق. وقال بعضهم: القرآن كلام الهل وسكت، وهم الواقفة.
وقال بعضهم: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، فهؤلاء كلهم جهمية، وأجمعوا على أن من كان هذا قوله فحكمه إن لم يتب لم تحل ذبيحته، ولا تجوز قضاياه.
والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، زيادته إذا أحسنت ونقصانه إذا أسأت. ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، فإن تاب رجع إلى الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من فرائض الله تعالى جاحدًا لها، فإن تركها تهاونًا أو كسلًا كان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
واما المعتزلة - فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم يكفرون بالذنب
[ ٢١٨ ]
فمن كان منهم كذلك فقد زعم أن آدم كافر، وأن إخوة يوسف كفار حين كذبوا أباهم. وأجمعت المعتزلة أن من سرق حبة فهو في النار، تبين منه امرأته، ويستأنف الحج إن كان حج، فهؤلاء الذين يقولون هذه المقالة كفار، وحكمهم أن لا يكلموا، ولا تؤكل ذبائحهم حتى يتوبوا.
وأم الرافضة - فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: إن عليًا أفضل من أبي بكر، وإن إسلام علي أقدم من إسلام أبي بكر، فمن زعم أن عليًا أفضل من أبي بكر فقد رد الكتاب والسنة، لقول الله ﷿: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ [الفتح ٢٩] فقدم أبا بكر بعد النبي - ﷺ - ولم يقدم عليًا، وقال: «لو كنت متخذًا خليلًا لأتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن الله قد أتخذ صاحبكم خليلًا» يعني نفسه.
ومن زعم أن إسلام علي كان أقدم من إسلام أبي بكر فقد أخطأ، لأنه أسلم أبو بكر وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وعلي يومئذ ابن سبع سنين، لم تجر عليه الأحكام والحدود والفرائض. ونؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومرة من الله، وأن الله خلق الجنة قبل خلق الخلق، وخلق للجنة أهلًا،ونعيمها دائم فمن زعم أنه يبيد من الجنة شئ فهو كافر، وخلق النار وخلق للنار أهلًا وعذابها دائم، وأن الله تعالى يخرج قومًا من النار بشفاعة النبي محمد - ﷺ -، أن أهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم لا محالة، وأن الله كلم موسى تكليمًا، وأتخذ إبراهيم خليلًا.
والميزان حق، والصراط حق، والأنبياء حق، وعيسى ابن مريم عبد الله ورسوله، والإيمان بالحوض والشفاعة، والإيمان بالعرش والكرسي، والإيمان بملك الموت أنه يقبض الأرواح،ثم ترد الأرواح إلى الأجساد ويسألون عن الإيمان والتوحيد، والرسل. والإيمان بالنفخ في الصور والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل.
[ ٢١٩ ]
وان القبر الذى في المدينة قبر النبي محمد - ﷺ -، ومعه أبو بكر وعمر. وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله ﷿ والدجال خارج في هذه الأمة لا محالة، وينزل عيسى ابن مريم
إلى الأرض فيقتله بباب لد (١) . وأما أنكرته العلماء من أهل السنة فهو منكر.
وأحذروا البدع كلها، ولا عين تطرف بعد النبي - ﷺ - أفضل من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف من افضل من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف أفضل من عثمان.
قال أحمد: كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان، ونسكت عن علي حتى صح لنا حديث ابن عمر بالتفصيل. قال أحمد: هم والله الخالفاء الراشدين المهديون، وان نشهد للعشرة أنهم في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وصلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة ابن الجراح.
فمن شهد له النبي - ﷺ - بالجنة شهدنا له بالجنة: ورفع اليدين في الصلاة زيادة في الحسنات، والجهر بآمين عند قول الإمام «ولا الضالين» والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا تخرج عليهم بالسيف، ولا تقاتل في الفتنة، ولا تتأل على أحد من المسلمين أن تقول: فلان في الجنة، وفلان في النار إلا العشرة الذين شهد لهم النبي - ﷺ - بالجنة، وصفوا الله بما وصف الله به نفسه، واتقوا عن الله سبحانه ما نفاه عن نفسه واحذروا الجدل مع أصحاب الأهواء، والكف عن مساوى أصحاب النبي - ﷺ - والتحدث بفضائلهم، والإمساك عما شجر بينهم.
ولا تشاور أهل البدع في دينك، ولا ترافقه في سفرك. ولا نكاح إلا
_________________
(١) لد: بلدة فلسطين.
[ ٢٢٠ ]
بولي وخاطب وشاهدي عدل، والمتعة حرام إلى يوم القيامة، والصلاة خلف كل بر وفاجر: صلاة الجمعة وصلاة العيدين، الصلاة على من مات من أهل القبلة وحسابهم على الله. والخروج مع كل إمام خرج في غزوة أو حجة والتكبير على الجنازة أربع، فإن كبر الإمام خمسًا فكبر معه، كفعل على ابن أبي طالب. قال عبد الله بن مسعود: كبر ما كبر إمامك. قال أحمد: خالفني الشافعي، فقال: إن زاد على أربع تكبيرات تعاد الصلاة. واحتج على بحديث النبي - ﷺ - أنه صلى على جنازة فكبر أربعًا. والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة. وصلاة الليل والنهار مثنى مثنى. ولا صلاة قبل العيد.
وإذا دخلت المسجد فلا تجلس حتى تصلى ركعتين تحية المسجد. والوتر ركعة، والإقامة فرد أحب إلى أهل السنة. امامنا الله تعالى وإياكم على الإسلام والسنة، ورزقنا وإياكم العلم، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
أنا أبو البركات بن علي البزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي الطرنئبي قال: ثنا هبة الله بن الحسن الطبري، واخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، ثنا الحسن ابن أحمد الفقيه قال ثنا على بن محمد، ثنا سليمان المنقري، قال ثنا عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والإقتداء بهم، وترك البدع، كل بدعة فهي ضلالة، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
والسنة عندنا: آثار رسول الله - ﷺ -، والسنة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى.
[ ٢٢١ ]
ومن السنة اللازمة التى من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها يكون من أهلها -: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه. والإيمان بها لا يقال لم، ولا كيف، إنما هو التصديق والإيمان بها. ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفى ذلك واحكم له فعليه الإيمان به والتسليم له مثل حديث الصادق المصدوق، ومثل ما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها وإن نبت عن الأسماع وأستوحش منها المستمع، فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات.
وألا تخاصم أحدًا ولا تناظره، ولا تتعلم الجدال، فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه، منهي عنه.
لا يكون صاحبه وإن أصاب بكلامه السنة من أهل السنة، حتى بدع الجدال. ونسلن ونؤمن بالآثار. والقرآن كلام الله وليس بمخلوق، ولا نضعف أن نقول ليس بمخلوق، فإن كلام الله سبحانه ليس ببائن منه، وليس منه شئ مخلوقًا. وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال: لا أدرى مخلوق أو ليس بمخلوق، إنما هو كلام الله ﷿ وليس بمخلوق.
والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روى عن النبي - ﷺ - من الأحاديث الصحاح.وأن النبي - ﷺ - قد رأى ربه فإنه مأثور عن رسول الله - ﷺ - صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ورواه على ابن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس.
والحديث عندنا على ظاهرة كما جاء عن النبي - ﷺ -
[ ٢٢٢ ]
والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به على ظاهرة، ولا تناظر فيه أحدًا.
والإيمان بالميزان يوم القيامة، كما جاء «يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة» وتوزن أعمال العباد كما جاء في الآثر، والتصديق به والإعراض عمن رد ذلك وترك مجادلته، وان الله تعالى يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان، والإيمان به والتصديق والإيمان بالحوض، وان لرسول الله - ﷺ - حوضًا يوم القيامة ترد عليه امته عرضه مثل طوله مسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه والإيمان بعذاب القبر، وان هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن الإيمان والإسلام، ومن ربه ومن نبيه، ويأتيه منكر ونكير كيف يشاء الله وكيف أراد، والإيمان به والتصديق به، والإيمان بشفاعة النبي - ﷺ -، وبقوم يخرجون من النار بعد ما أحترقوا وصاروا فحمًا، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة كما جاءفي الآثر كيف يشاء وكما يشاء، إنما هو الإيمان والتصديق به.
والإيمان بالمسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التى جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ابن مريم - ﵇ - ينزل فيقتله بباب لد. والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، كما جاء في الخبر: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» . ومن ترك الصلاة فقد كفر. وليس من الأعمال شئ تركه كفر إلا الصلاة، ومن تركها فهو كافر، وقد أحل الله تعالى قتله.
والنفاق هو الكفر أن يكفر بالله وبعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ -: «ثلاث من كن فيه فهو منافق» على التغليظ نرويها كما جاءت ولا نفسرها وقوله ﵊: «لا ترجعوا بعدي كفارًا ضلالًا يضرب
[ ٢٢٣ ]
بعضكم رقاب بعض»، ومثل: «إذا ألتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، ومثل: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ومثل: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، ومثل: «كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق»، ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ، فإنا نسلم له وإن لم نعلم تفسيرها، ولا نتكلم فيه ولا نجادل فيه، ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت، ولا نردها إلا بأحق منها. وارجم حق على من زنى وقد أحصن إذا أعترف أو قامت عليه بينه، قد رجم رسول الله - ﷺ - ورجمت الأئمة الراشدون. قال: ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف على المسئ المذنب، ونرجو له رحمة الله تعالى، ومن لقى الله بذنب تجب له به النار تائبًا غير مصر عليه، فإن الله سبحانه يتوب عليه، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ومن لقيه وقد أقيم عليه حد في الدنيا من الذنوب التى أستوجب بها العقوبة فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ومن لقيه من كافر عذبه ولم يغفر له.
قال: ومن الإيمان الاعتقاد أن الجنة والنار مخلوقتان، كما جاء عن رسول الله - ﷺ -: «دخلت الجنة فرأيت قصرًا ودخلت في النار فرأيت كذا» فمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله - ﷺ -، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار.
ومن مات من اهل القبلة موحدًا يصلى عليه ويستغفر له، ولا يحجب عنه الاستغفار، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرًا كان أو كبيرًا وأمره إلى الله ﷿.
وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله ويدفع عنهما بكل ما يقدر، وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم
[ ٢٢٤ ]
ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا الإمام أو ولاة المسلمين، إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك، وينوى بجهده أن لا يقتل أحدًا، فإن أتى على يديه في دفعه عن نفسه وماله رجوت له الشهادة، كما جاء في الأحاديث وجميع الآثار في هذا، إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله ولا أتباعه، ولا يجهز عليه إن صرع وإن كان جريحًا، وغن أخذه أسيرًا فليس له أن يقتله ولا يقيم عليه الحد، ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله تعالى فيحكم فيه.
والسمع والطاعة للأئمة وامير المؤمنين البر والفاجر. ومن ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمى أمير المؤمنين. والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك.
وقسمة الفئ وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم. ورفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه برًا كان أو فاجرًا.
وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزًا إمامته - ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع تارك الآثار مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شئ إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم، فالسنة أن يصلى معهم ركعتين ويدين بأنها تامة - ولا يسكن في صدرك شك، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس أجمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو الغلبة - فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله - ﷺ -، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.
أخبرنا المحمدان بن عبد الملك وابن ناصر، قالا حدثنا أحمد بن الحسن المعدل، قال حدثنا المبارك بن عبد الجبار، وأحمد بن المظفر، الثمار، قالوا:
[ ٢٢٥ ]
أخبرنا عبد العزيز بن علي القربيسي، قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد الحافظ، قال ثنا الحسن بن إسماعيل الربعي، قال: قال لي أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والصابر لله ﷿ تحت المحنة. أجمع سبعون رجلًا من التابعين وأئمة المسلمين وأئمة السلف وفقهاء الأمصار، على؟ أن السنة التى توفي عليها رسول الله - ﷺ - أولها الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والصبر تحت حكمه، والأخذ بما أمر الله به والنهي عما نهى الله تعالى عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين، والمسح على الخفين، والجهاد مع كل خليفة بر وفاجر، والصلاة على من مات من أهل القبلة.
والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والقرآن كلام الله منزل على قلب نبيه - ﷺ - غير مخلوق من حيث تلى، والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور، ولا نخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا، ولا يكفر أحد من اهل التوحيد وإن عملوا بالكبائر والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأفضل الناس بعد رسول الله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ابن عم رسول الله - ﷺ -، والترحم على جميع أزواج رسول الله - ﷺ - وأولاده وأصهاره رضوان الله عليهم أجمعين.
فهذه السنة آلزموها تسلموا أخذها بركة، وتركها ضلالة. أنتهى بحروفه وقد أمتحن في مسألة خلق القرآن وضرب وحبس، فصبر على ذلك حتى أنار الله تعالى به السنة، وخذل به اهل البدعة.
[محنة القول بخلق القرآن]
قال الدميري: وحكي أن الشافعي - رحمه الله تعالى - لما حضر في مصر
[ ٢٢٦ ]
رأى في المنام سيد المرسلين - ﷺ - وهو يقول له: أبشر أحمد ابن حنبل بالجنة على بلوى تصيبه، فإنه يدعى إلى القول بخلق القرآن فلا يجيب إلى ذلك، بل يقول: هو منزل غير مخلوق.
فلما أصبح الشافعي - ﵁ - كتب صورة ما رآن في منامه وأرسله مع الربيع إلى بغداد إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فلما وصل بغداد قصد منزل أحمد وأستأذن عليه فأذن له، فلما دخل عليه قال: هذا كتاب أخيك الشافعي، فقال له: هل تعلم ما فيه:؟ قال لا، ففتحه وقرآه وبكى وقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
ثم أخبره بما فيه فقال: الجائزة؟ وكان عليه قميصان احدهما على جسده والآخر فوقه فنزع الذى على جسده ودفعه إليه فأخذه ورجع إلى الشافعي فقال له الشافعي: ما أجازك؟ قال: أعطاني القميص الذى على جسده، فقال له: أما انا فلا أفجعك فيه، ولكن أغسله وأئتنى بماء غسله، واتاه بالماء فأفاضه على سائر جسده. انتهى. وما أحسن ما ينسب إليه فيه قول [كامل]
قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل ما تعدت منزله
إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له
وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في الباب السادس والستين ما ملخصه: إنه لم يزل الناس على قانون السلف وقولهم: إن القرآن كلام الله غير مخلوق حتى نبعث المعتزلة فقالت بخلق القرآن، وكانت تستر ذلك.
وكان القانون محفوظًا في زمن هارون الرشيد كما قال محمد بن نوح سمعت هارون الرشيد أمير المؤمنين يقول: بلغني أن بشرًا المريسى زعم ان القرآن مخلوق؟ على إن اظفرني الله به لأقتلنه قتله ما قتلها أحد قط. قال أحمد:
[ ٢٢٧ ]
فكان بشر متواريًا في أيامه نحوًا من عشرين سنة حتى مات هارون، فظهر ودعا إلى الضلالة.
ولما ولي المأمون خالطه قوم من المعتزلة فحسنوا له القول بخلق القرآن، وكان يتردد في حمل الناي على ذلك ويراقب الأشياخ، ثم قوى عزمه فحمل الناس عليه حتى سافر المأمون إلى بلاد الروم فكتب وهو بالرقة إلى أسحق ابن إبراهيم صاحب الشرطة ببغداد بامتحان الناس فامتحنهم.
قال صالح ابن الإمام أحمد: ثم أمتحن القوم جميعًا غير أربعة: أبي ومحمد ابن نوح وعبد الله بن عمر القواريري والحسن بن حماد سجادة، ثم أجاب عبد الله بن عمر والحسن بن حماد، وبقى ابي ومحمد بن نوح في الحبس فمكثا أيامًا في الحبس، ثم ورد الكتاب من طرطوس بحملها مقيدين زملين فصرنا معهما إلى الأنبار، فسأل أبو بكر الأحوال أبي فقال: يا أبا عبد الله، إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا. ولما رحلنا من الرحبة عرض لنا رجل في جوف الليل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا. فقال للجمال على رسلك! ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة هاهنا ثم قال: أستودعك الله تعالى ومضى.
فسئل عنه فقيل: هو رجل من ربيعة يقال له جابر بن عامر يذكر بخير وقال أحمد: ما سمعت كلمة منذ وقعت في الأمر الذى وقعت فيه اقوى من كلمة أعرابي كلمنى بها في رحبة طوق. قال: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا قال: فقوى قلبي. قال ابن أبي حاتم: فكان كما قال، لقد رفع الله ﷿ شأن أحمد بن حنبل بعد ما أماحن وعظم عند الناس، وارتفع أمره جدًا.
قال صالح قال أبي: لما صرنا إلى أذنه ورحلنا منها وذلك في جوف الليل
[ ٢٢٨ ]
وفتح لنا بابها، فإذا رجل قد دخل فقال: البشرى؟ قد مات الرجل! قال أبي: وكنت أدعو الله ﷿ أن لا أراه، فبويع المعتصم بالروم ورجع فرد أحمد إلى بغداد في سنة ثمان وعشر ومائتين. فمات محمد بن نوح في الطريق ودفن كما قيل بعانة، وصلى عليه الإمام أحمد، ورد مقيدًا فمكث بالياسرية أيامًا، ثم رد إلى الحبس في دار أكتريت له، ثم نقل إلأى حبس العامة في درب الموصلي فامتحنه المعتصم بخلق القرآن.
وكان أحمد بن أبي داود على قضاء القضاة، قال أحمد: لما كان في شهر رمضان سنة تسع حولت إلى دار إسحق بن إبراهيم، فوجه إلى في كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيث فلا يزالان يناظراني حتى إذا أرادا الإنصراف بقيد فزيد في قيودي فصار في رجلي أربعة أقياد.
فلما كان اليوم الثالث دخل على أحد الرجلين فناظرني فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق، فقلت له: كفرت! فلما كان في الليلة الرابعة وجه المعتصم إلى أسحق فأمره بحملي إليه فأدخلت إلى إسحق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى الشمس فيه أليس قد قال الله ﷿: ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ [الزخرف ٣] أفيكون مجعول إلا مخلوقًا؟ فقلت له: قد قال الله ﷿: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ [الفيل ٥] أفخنقهم؟ فسكت. ثم قال أذهبوا به.
قال أحمد: فما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان، أخرجت وجئ بدابة فحملت عليها وعلى الأقياد معي أحد يمسكني، فكدت غير مرة أخر على وجهي لثقل القيود فجئ بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة
[ ٢٢٩ ]
وأدخلت إلى بيت وأقفل علي الباب، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فأردت أن أتمسح للصلاة فمددت يدى فغذا أنا بإناء فيه ماء وطشت موضوع فتوضأت للصلاة وصليت، فلما كان من الغد أخرجت تكتى من سروالي وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب، فأخذ بيدي وأدخلني عليه والتكة بيدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وابن أبي داود حاضر، وقد جمع خلقًا كثيرًا من أصحابه ومعهم أبو عبد الرحمن الشافعي.
قال إبراهيم بن محمد بن الحسن: فأجلس بين يدي وكانوا هولوا عليه وقد كانوا ضربوا عنق رجلين، فنظر أحمد إلى أبي عبد الرحمن الشافعي فقال: أي شئ تحفظ عن الشافعي في المسح؟ فقال ابن أبي داود: أنظروا رجلًا هو ذا يقوم لضرب العنق يناظر في الفقه؟ ! .
قال صالح قال أبي: لما دخلت إليه قال لي - يعني المعتصم -: أدنه أدنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: أجلس فجلست، وقد أثقلتنى القيود فمكثت قليلًا ثم قلت: تأذن في الكلام؟ فقال: تكلم فقلت: إلام دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت أنا أشهد ان لا إله إلا الله، ثم قلت: إن جدك ابن عباس قال لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله - ﷺ - سألوه عن الإيمان فقال: «أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا الخمس من المغنم» قال أبي فقال: لولا أنى وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك.
ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحق: ألم آمرك أن تدفع المحنة؟ قال أبي: فقلت: الله أكبر، إن في هذا لفرجًا للمسلمين. ثم قال لهم: ناظروه وكلموه.
[ ٢٣٠ ]
ثم قال: يا عبد الرحمن كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن فقلت له: ما تقول في علم الله تعالى فسكت. فقال لي بعضهم: أليس قال الله ﷿ ﴿خالق كل شئ﴾ [الرعد ١٦] والقرآن أليس هو شيئًا؟ قال أبي: فقلت قال الله ﷿ ﴿تدمر كل شئ بأمر ربها﴾ [الأحقاف ٢٥] فدمرت إلا ما أراد الله ﷿. وقال بعضهم: قال الله ﷿ ﴿ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء ٢] أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ قال أبي: فقلت له قال الله ﷿ ﴿ص والقرآن ذي الذكر﴾ [ص الآية ١] والذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولا لام؟ قال أبي: وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين: ان الله ﷿ خلق الذكر؟ فقلت: هذا خطأ حدثنا غير واحد أن الله ﷿ كتب الذكر.
وأحتجوا على بحديث ابن مسعود: «ما خلق الله ﷿ من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي» . قال ابي: فقلت إنما يوقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. قال: فقال بعضهم حديث خباب: «يا هنتاه تقرب إلى الله تعالى بما أستطعت فإنك لم تتقرب إليه بشئ أحب إليه من كلامه» .
قال: هذا كذا هو، فجعل ابن أبي داود ينظر إليه كالمغضب. قال: وكان يتكلم هذا فأرد عليه. فإذا أنقطع الرجل منهم أعترض ابن أبي داود فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مضل مبتدع! قال أبي: فيقول: كلموه وناظروه فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا أنقطعوا يقول لي - يعني المعتصم -: ويحك يا أحمد؟ ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله ﷿ أو سنة رسوله - ﷺ - حتى أقول به.
[ ٢٣١ ]
وحكي محمد بن إبراهيم أن أبن ابي داود أقبل على أحمد يكلمه، فلم يلتفت إليه أحمد حتى قال المعتصم لأحمد: ألا تكلم أبا عبد الله؟ فقال أحمد: لست أعرفه من اهل العلم فأكلمه.
وقال صالح: جعل ابن أبي داود يقول: يا أمير المؤمنين، والله لئن أجابك لهو أحب لي من مائة ألف دينار. فيعدد من ذلك ما شاء الله تعالى.
قال: فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي ولأطأن عتبته! ثم قال: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني لأشفقن عليك كشفقي على هارون ابني، ما تقول!! فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله ﷿ أو سنة رسوله - ﷺ -.
فلما كال المجلس ضجر وقال: قوموا وحبسني وعبد الرحمن بن إسحق يكلمني وقال: ويحك أجبني؟ وقال لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحق: يا أمير المؤمنين أعرفه من ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معكم، قال فيقول: والله إنه لعالم، وإنه لفقيه، وما يسوءني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الملل. ثم قال لي: ما كنت تعرف صالحًا الرشيدي؟ قال، قلت: قد سمعت باسمه.
قال: كان مؤدبي، وكان في ذلك الموضع جالسًا وأشار إلى ناحية من الدار، فسألته عن القرآن فخالفني، فأمرت به فوطئ وسحب.
ثم قال لي: يا أحمد أجبني إلى شئ لك فيه أدني فرج حتى أطلق عنك بيدي، قال قلت: أعطوني شيئًا من كتاب الله ﷿ أو سنة رسوله فطال المجلس فقام ودخل، ورددت إلى الموضع الذى كنت فيه.
فلما كان بعد المغرب وجه إلى برجلين من أصحاب ابن أبي داود يبيتان
[ ٢٣٢ ]
عندي، ويناظراني ويقيمان معي، حتى إذا كان وقت الإفطار جئ بالطعام ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل. قال ابي: ووجه إلى - يعني المعتصم - ابن أبي داود في بعض الليل فقال: إن أمير المؤمنين يقول: ما تقول؟ فأرد عليه مثل ما كنت أرد. فقال ابن أبي داود: والله لقد كتب أسمك في السبعة: يحيى بن معين وغيره فمحوته، ولقد ساءني أخذهم إياك. ثم يقول إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وإن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، ويقول إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي، ثم انصرف.
فلما أصبح - وذلك اليوم الثاني - جاء رسوله وأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه فقال لهم: ناظروه كلموه فجعلوا يناظرونني ويتكلم هذا من ههنا فأرد عليه، ويتكلم هذا من ههنا فأرد عليه، فإذا جاءوا بشئ من الكلام مما ليس في كتاب الله ﷿ ولا سنة رسول الله - ﷺ -، ولا فيه خبر قلت: ما أدرى ما هذا، قال: يقول يا أمير المؤمنين: إذا توجهت له الحجة علينا ثبت، وإذا كلمناه بشئ يقول لا أدري ما هذا.
فقال: ناظروه، فقال رجل: يا أحمد، أراك تذكر الحديث وتنتحله؟ قلت: ما تقول في ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء ١] فقال: خص الله عز ودل بها المؤمنين. فقلت: ما تقول إن كان قائلًا أو عبدًا أو يهوديًا؟ قال: فسكت. وإنما احتجت عليهم بهذا، لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن، وحيث قال لي: أراك تنتحل الحديث، فلم يزالوا كذلك إلى أن قرب الزوال، فلما ضجر قال لهم: قوموا، وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحق، فلم يزل يكلمني. ثم قال فدخل ورددت إلى الموضع، فلما كان الليل نام من معي من أصحابي وأنا متفكر في أمري، فإذا برجل طويل يتخطي الناس حتى دنا مني فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فسكت، فقالها ثانية فسكت، فقالها ثالثة: أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم قال:
[ ٢٣٣ ]
أصبر ولك الجنة. ولما مسني حر السوط ذكرت قول ذلك الرجل. قال أحمد: فلكا كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمري شئ فقلت لبعض من كان معي الموكل بي: أطلب لي خيطًا فجاءني بخيط فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شئ فأعتري، فلما كان الغد في اليوم الثالث وجه إلى فأدخلت إلى الدار غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم بالسيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك ولم يكن في اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء. فلما أنتهيت إليه قال أقعد، ثم قال: ناظروه وكلموه، فجعلوا يناظرونني ويتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسي قائم يومئ إلى بيده.
فلما طال المجلس نحاني، ثم خلا بهم ثم نحاني، وردني إليه قال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد، فقال لي: عليك - وذكر اللعن - ثم قال: خذوه واسحبوه وأخلعوه، فسحبت ثم خلعت.
وكان صار إلى شعر من شعر النبي - ﷺ - فصررته في كم قميصي، فوجه إلى إسحق بن إبراهيم: ما هذا مصرورًا في كم قميصك؟ فقلت: شعر من شعر النبي - ﷺ -. قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه علي فقال له المعتصم: لا تخرقوه، فنزع القميص عني فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذى كان فيه.
وجلس المعتصم على كرسي ثم قال: العقابين والسياط، فجئ بالعقابين والسياط، فمدت يداى فقال بعض من حضر خلفى: خذ ثاني الخشبتين بيدك وشد عليهما، فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداى.
قال محمد بن إبراهيم: ذكروا ان المعتصم لان في أمر أحمد لما علق في
[ ٢٣٤ ]
العقابين ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره حتى أغراه ابن أبي داود وقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله فهاجمه ذلك على ضربه. وقال أحمد؟ ثم قال للجلادين تقدموا، فجعل يتقدم إلى الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول له المعتصم: شد قطع الله يدك، ثم يتنحى ثم يتقدم الآخر فيضربني سوطين وهو في ذلك يقول: شدوا قطع الله أيديكم. فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قال إلى فقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك، إنى والله عليك شفيق! وجعل عجيف ينسخني بقائمة سيفه وقال: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم.
وجعل بعضهم يقول: ويلك! الخليفة على رأسك قائم. وقال بعضهم يا أمير المؤمنين، دمه في عنقى أقتله. وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم، وانت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - أقول به، ثم رجع فجلس ثم قال للجلاد: تقدم، أوجع، قطع الله يدك. ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني. فجعلوا يقبلون علي ويقولون: ويلك يا أحمد، إمامك على رأسك قائم، وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الآمر ما تصنع.
وجعل المعتصم يقول: ويحك، أجبني إلى شئ لك فيه من أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به.
فرجع وجلس فقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين، ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك. قال أحمد: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني. فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك باربة ودسناك،
[ ٢٣٥ ]
قال أحمد، فما شعرت بذلك. أتوني بسويق فقالوا لي: أشرب وتقيأ. فقلت لست أفطر. ثم جئ بي إلى دار إسحق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك؟ فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثعب دمًا.
قال أبو الفضل: ثم خلى عنه فصار إلى منزله، فمكث في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا.
وقال إبراهيم بن مصعب الشرطي: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان ولا خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب.
وأخبر أبو العباس الرقي: إنهم دخلوا على أحمد لما كان في الرقة، وهو محبوس فجعلوا يذاكرونه ما يروى في التقية من الأحاديث، فقال: كيف تصنعون بحديث خباب «إن من كان قبلكم كان ينشر بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه» قال: فيئسنا منه. وقال له المروذي لما أرادوا أن يقدموه للضرب: يا أستاذ، قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء ٢٩] فقال: يا مروذي، أخرج أنظر أي شئ ترى؟ قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقًا من الناس لا يحصى عددهم إلا الله ﷿، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر في أذرعتهم.
فقال لهم المرودي: أي شئ تعملون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه فقال المروذي: مكانكم فدخل إلى أحمد وقال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام، ينتظرون ما تقول فيكتبونه.
قال: يا مروذي، أضل هؤلاء كلهم أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء كلهم. قلت: هذا رجل هانت عليه نفسه في الله ﷿ فبذلها وقد صح عنه عليه
[ ٢٣٦ ]
الصلاة والسلام أنه قال: «يبتلى الرجل على حسب دينه»، فسبحان من أيده وبصره وقواه ونصره.
وقال ميمون بن الأصبغ: كنت ببغداد فسمعت ضجة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن، فأتيت منزلي فأخذت مالا له حظ وذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني فإذا بالسيوف قد جردت، وبالرماح قد ركزت، وبالتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت، فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفًا، ووقفوني حيث أسمه الكلام، فأتى أمير المؤمنين وجلس على كرسي، وأتى بأحمد بن حنبل فقال له: وقرابتي من رسول الله لأضربنك بالسياط، أو تقول كما أقول، ثم التفت إلى الجلاد فقال: خذه إليك. فلما ضرب سوطًا قال: بسم الله. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فضرب تسعة وعشرين سوطًا. وكان تكة أحمد حاشية ثوب فأنقطعت فنزل السروايل إلى عانته، فقلت الساعة ينتهك، فرمى أحمد طرفه نحو السماء وحرك شفتيه، فما كان باسرع من أن بقى السراويل لم ينزل.
قال ميمون: ورحلت إليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله، رأيتك يوم ضربوك قد أنحل سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء، ورأيتك تحرك شفتيك فأى شئ قلت؟ قال قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذى ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا.
وقال على بن محمد القرشي: لما جرد، وبقى في سراويله، وبينما هو يضرب أنحل السراويل، فجعل يحرك شفتيه بشئ فرأيت يدين خرجتا من تحته، وهو يضرب فشدتا السراويل.
[ ٢٣٧ ]
وقال محمد بن إسما عيل: سمعت بعضهم يقول: ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا لو ضربتها فيلًا لهرته.
وأخبرنا الراشدي أنه كان يقول عند الضرب: بك أستغيث يا جبار السماء والأرض.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: كنت كثيرًا أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله تعالى لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت يا أبت، من أبا الهيثم؟ قال لا تعرفه؟ قلت لا. قال: أبو الهيثم الحداد، اليوم الذى أخرجت فيه للسياط، ومدت يدي للعقابين، إذ أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لى تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوطًا بالتفاريق، وضربت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين. قال: فضربت ثمانية عشر سوطًا بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفًا. وخرج الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين.
قال أبو القاسم البغوي: رأيت أحمد بن حنبل داخلًا إلى جامع المدينة وعليه كساء أخضر، وبيده نعلاه، حاسر الرأس، فرأيت شيخًا آدم طوالًا أبيض اللحية، وكان على دكة المنارة قوم من أصحاب السلطان فنزلوا واستقبلوه وقبلوا رأسه ويده، وقالوا له: أدع على من ظلمك، فقال: ليس بصابر من دعا على ظالم.
وحكى أبو عمر المخزومي قال: كنت بمكة أطوف بالبيت مع سعيد ابن منصور، فإذا صوت من ورائي: ضرب أحمد بن حنبل اليوم. وفي رواية أخرى: قال لي سعيد: أتسمع ما أسمع؟ قلت: نعم، فجاء الخبر أنه ضرب في ذلك اليوم. قال أبو غالب: في العشر الأواخر من رمضان سنة عشرين أو تسع وعشرين ومائتين.
[ ٢٣٨ ]
قال أحمد: لما ضربت بالسياط جاء ذاك الطويل اللحية - يعني عجيفًا - فضربني بقائم السيف، فقلت: جاء الفرج تضرب عنقي فأستريح. فقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين، أضرب عنقه ودمه في رقبتي. فقال له أحمد بن أبي داود: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إمامًا وثبتوا على ما هو عليه، لا، ولكن أطلقه الساعة فإن مات خارجًا من منزلك شك الناس في أمره، وقيل: أخرج أحمد بعد أن أجتمع الناس على الباب وضجوا حتى خاف السلطان، فخرج وقال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم هذا أحمد بن حنبل. قال: فأنظروا إليه أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم. فلما قال قد سلمته إليكم هدأ الناس وسكتوا فخرج. وقد أجل الإمام أحمد من أمر بضربه أو حضر.
قال إبراهيم الحربي: أحل أحمد بن حنبل من حضر ضربه وكل من شايع فيه والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي داود داعية لأحللته. وقال عبد الله ابن أحمد: قرأت على ابي «أن لله ﷿ بابًا في الجنة لا يدخله إلا من عفا عمن ظلمه» فقال لي: يا بني، ما خرجت من دار أبي أسحق (١) حتى أحللته ومن معه إلا رجلين: ابن أبي داود وعبد الرحمن بن أسحق، فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على الله ﷿ من أن يعذب في أحدًا أشهدك أنهما في حل. قال صالح: وقد كان أثر الضرب بينًا في ظهر أبي إلى أن توفى رحمه الله تعالى.
وبعد أن خرج قطع الحديث إلى ان مات المعتصم، فحدث في سنة سبع وعشرين، ثم قطع الحديث من غير منع من السلطان، ولكن كتب الحسن
_________________
(١) كنية المعتصم.
[ ٢٣٩ ]
بن علي بن الجعد، وهو يؤمئذ قاضي بغداد إلى ابن أبي دواد: أن أحمد قد أنبسط في الحديث، فبلغ ذلك أحمد فأمسك عن الحديث من غير أن يمنع.
وكانت ولاية المعتصم ثمان سنين وثمانية أشهر.
ثم ولي الواثق أبو جعفر بن المعتصم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وحسن له ابن أبي داود امتحان الناس بخلق القرآن ففعل ذلك ولم يعرض لأحمد، إما لما علم من صبره، أو لما خاف من تأثير عقوبته، لكنه أرسل إليه لا تساكني بأرض. فاختفى الإمام أحمد بقية حياة الواثق.
قال إبراهيم بن هانئ النيسابوري: أختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاث ليال. ثم قال: أطلب لي موضعًا حتى أدور إليه، فقلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله. فقال لي: النبي - ﷺ - أختفى في الغار ثلاثة أيام ثم دار، وليس ينبغي أن نتبع سنة رسول الله - ﷺ - في الرخاء ونتركها في الشدة. ثم بعد التنقل في الأماكن عاد إلى منزله فاختفى فيه إلى أن مات الواثق.
قال ابن الجوزي: روى أن الواثق ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بين يديه، رأى بها أن الأولى ترك الإمتحان. فقد حكى طاهر بن خلف عن المهتدي باله قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلًا أحضرنا ذلك المجلس، فأتى بشيخ مخصوب مقيد فقال أبي: أئذنوا لأبي عبد الله وأصحابه - يعني ابن أبي داود - قال - فأدخل الشيخ، فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فقال: لاسلام الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدبك مؤدبك! قال الله تعالى:: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾
[ ٢٤٠ ]
[النساء ٨٦] والله ما حييتنى بها ولا بأحسن منها! فقال ابن أبي داود يا أمير المؤمنين، الرجل متكلم. فقال له: كلمه فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني ولي السؤال، فقال له: سل، فقال الشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق.
فقال: هذا شئ علمه النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون؟ أم شئ لم يعلموه؟ فقال: شئ لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شئ لم يعلمه النبي - ﷺ - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون، علمته أنت؟ فخجل فقال: أقلني، قال: المسألة بحالها؟ قال: نعم.
قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال: هذا شئ علمه النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون؟ أم شئ لم يعلموه؟ فقال: شئ لم يعلموه؟ فقال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. فقال: ألا وسعك ما وسعهم؟ قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة وأستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شئ لم يعلمه النبي - ﷺ - ولا أبو بكر إلى أخره. ثم دعا عمار الحاجب فأمر أن ترفع عنه القيود ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له في الرجوع إلى الشام. وسقط من عينيه ابن أبي داود. وتروى هذه بصورة أخرى مذكورة في الأصل.
وقال المهتدي: إن الواثق مات وقد تاب عن القول بخلق القرآن. ولما بويع بعده المتوكل جعفر بن المعتصم سنة أثنتين وثلاثين ومائتين، وسنة ست وعشرون سنة فاظهر الله ﷿ به السنة، وكشف تلك الغمة، فشكره الناس على ما فعل، وأمر العلماء أن يجلسوا للناس، وان يحدثوا بالأحاديث التى فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية، حتى
[ ٢٤١ ]
جلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور (١) ووضع له سريد واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا من الناس في مسجد الرصافة، وانشد بعضهم: [رمل]
ذهبت دولة أصحاب البدع ووهي حبلهم ثم أنقطع
وتداعى بانصرام شملهم حزب إبليس الذى كان جمع
هل لهم يا قوم في بدعهتهم من فقيه أو إمام متبع
ومنها: [رمل]
أوفتى الإسلام أعني أحمدًا ذاك لو قارعه الفيل قرع
لم يخف سطوتهم إذا خوفوا لا ولا سيفهم لما لمع
وقد بعث المتوكل بعد مضي خمس سنين من ولايته لتيسيير أحمد بن حنبل فقد نقل غير واحد أنه وجه المتوكل إلى أسحق بن إبراهيم بأمره بحمله إليه فوجه أسحق إليه وقال له: إن أمير المؤمنين قد كتب إلي يأمرني بإشخاصك إليه فتأهب لذلك. وقال له: أجعلني في حل من حضوري ضربك. فقال: أحمد: قد جيعلت كل من حضر في حل. فقال له: أسألك عن القرآن مسألة مسترشدة لا مسألة امتحان، فقال له الإمام أحمد: القرآن كلام الله ﷿: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الخلق والأمر. فقال أسحق: الأمر مخلوق؟ فقال أحمد: سبحان الله! أمخلوق يخلق مخلوقًا! فقال أسحق: وعمن يحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقال: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق، فسكت إسحق وأرسل له المتوكل بعشرة آلاف درهم معونة لسفره إليه
_________________
(١) هي بغداد.
[ ٢٤٢ ]
فأخذها بعد الرد والكرم الكثير، وفرقها على أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم. وكان يقول عند مواصلة المتوكل له: وهذا أمر أشد على من ذاك ذاك فتنة الدين الضرب والحبس، كنت أحمله في نفسي، وهذا فتنة الدنيا. ولم يقبل شيئًا من ماله.
قال ابن الجوزي: وإنما أخترنا مذهبه على مذهب غيره لمرجحات منها: شهادة العلماء والصلحاء في تفرده بالعلم والتقوى، والزهد والورع. ومنها سعة أطلاعه بالكتاب والسنة، والغوص في المعاني. ومنها تأخره عن غيره من المجتهدين، وضم علمهم إلى علمه، وأنفراده بفتاوي الصحابة والتابعين. وأما القياس فله فيه من الاستنباط ما يطول شرحه، وكذا العلوم العربية، ومنها أتباع كثير من العلماء والأولياء المقطوع بولايتهم له.
(قلت) ولا سيما العالم الرباني، والوالي الكيلاني، سيدي محيى الدين الشيخ عبد القادر نور الله تعالى روضة قبره، وجعله من الفائزين برحمته عند حشره ونشره، الذى قال في حقه الشيخ ابن تيمية: إن كراماته قد ثبتت بالتواتر، بين الأكابر والأصاغر، فإنه قدس كان لمذهبه خير مشيد بل المروج المجدد. ومما ينسب للإمام أحمد من الشعر قوله: [طويل]
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب
لهونا عن الأيام حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب
فياليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توبتنا فنتوب
إذا ما مضى القرن الذى أنات فيهم وخلفت في قرن فأنت غريب
أنتهى ملخصًا باقتصار. وأقتطافًا من تلك الروضة اليانعة الأزهار. وإنما أطلنا في هذه القصة الكلام لخلو كثير من التواريخ عنها، وليلتقط الناظر بعض
[ ٢٤٣ ]
الفوائد منها، وإن أردت تفصيل أحوال هذا الإمام: من زهد وورع وعلم وصلاة وصيام، فعليك بالترجمة الأصلية وغيرها من الطبقات والتواريخ البهية.
تتمة
[نقلة فقه الإمام أحمد]
مطلب من نقل الفقه عن الإمام أحمد بن حنبل - ﵁ -.
قال الإمام أبو أسحق إبراهيم بن علي بن يوسف القيروز ابادي المعروف «بالشيرازي» المتوفي سنة ٤٧٦ في كتابه طبقات الفقهاء: إن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى عليه نقل عنه الفقه جماعة، منهم: أبنه صالح وكني أبا الفضل، وولي القضاء بأصفهان، ومات بها سنة ست وستين ومائتين وله ثلاث وستون سنة.
ومنهم أبنه الآخر عبد الله وكنيته أبو عبد الرحمن، وكان عالمًا بعلل الحديث وأسماء الرجال، مات ببغداد سنة تسعين ومائتين وله تسع وتسعون سنة وقبر في مقابر باب التبن. وأوصى أن يدفن هناك وقال: قد بلغني أن هناك نبيًا مدفونًا، ولا أكون في جوار نبي أحب إلى من أن أكون في جوار أبي.
ومنهم أبو علي حنبل بن أسحق، مات سنة ثلاث وتسعين ومائتسن.
ومنهم أبو بكر المروذي وخرج إلى الغزو فشيعه الناس، فخرزوا بسر من رأى سوى من رجع نحوًا من خمسين ألفًا، فقيل: يا أبا بكر، هذا علم قد نشر لك، فبكى ثم قال: ليس هذا العلم لي، إنما هو علم أحمد بن حنبل. وكان يقول: قليل التقوى يهزم كثير الجيش، مات سنة خمس وسبعين ومائتين، ودفن قريبًا من أحمد.
[ ٢٤٤ ]
ومنهم أبو بكر أحمد بن هانئ الكلبي الأثرم. وكان حافظًا للحديث. ومنهم أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وهو إمام في الحديث، مات سنة خمس وسبعين ومائتين، وله ثلاث وتسعون سنة. ومنهم أبو إسحق إبراهيم الحربي إمام في الحديث، وله مصنفات كثيرة، مات سنة خمس وثمانين ومائتين. ثم حصلت الرواية عن أحمد في طبقة أخرى.
فمنهم أبو بكر أحمد بن هرون الخلال، له مصنفات كثيرة في الفقه، وله كتاب الجامع في المذهب، واخذ العلم عن المروذي، وصالح وعبد الله أبني أحمد مات سنة إحدى عشرة وثلثمائة.
ومنهم أبو علي الحسين بن عبد الله الخرقى، مات سنة تسع وتسعين ومائتين.
ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن بشار الزاهد، وكان يروى مسائل صالح، توفى سنة ثلاث عشرة وثلثمائة.
ومنهم أبو محمد البهربهاري. ثم أنتقل إلى طبقة أخرى.
منهم أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي صاحب المختصر، وخرج من بغداد لما ظهر سب السلف، ومات بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلثمائة.
ومنهم أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن يزداد بن معروف صاحب أبي بكر الخلال، وله كتب في الفقه، توفي سنة ثلاث وستين وثلثمائة، وله ثمان وسبعون سنة.
ومنهم أحمد بن سليمان النجار الفقيه، وله كتاب الخلاف.
ومنهم أبو الحسن أحمد بن جعفر بن المنادي، مات سنة ست وثلاثين وثلثمائة وأبو على النجاد، وأبو أسحق إبراهيم بن أحمد المعروف «بابن شاقلا» مات سنة تسع وستين، وابو الحسين بن عبد العزيز بن الحرث النميمي، مات سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، وابو حفص عمر بن أحمد البرمكي، أبو الحسن
[ ٢٤٥ ]
الخيرزي، وأبو عبد الله بن بطة العبكري، وأبو حفص عمر بن المسلم العبكري صاحب ابن بطة، ثم أبو عبد الله الحسن بن علي بن مروان بن حامد، مات سنة ثلاث وأربعمائة في طريق مكة.
ومنهم القاضي أبو على محمد بن أحمد بن أبو موسى الهاشمي، وكان حسن الفتيا معظمًا لأهل العلم. قال الشيخ المصنف: حضرت حلقته وانتفعت به كثيرًا وكان أخص الهاشميين بالقادر بالله، مات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وله مصنفات حسنة.
ومنهم أبو علي بن شهاب العبكري، مات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وكان فقيهًا شاعرًا.
ومنهم أبو طاهر الغباري، مات سنة أثنين وثلاثين وأربعمائة.
ومنهم أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي، واخوة أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز.
ومنهم أبو إسحق إبراهيم بن عمر البرمكي، وكان زاهدًا صالحًا يفتى الناس في الجامع. مات سنة خمس وأربعين وأربعمائة، ودفن ليلة عرفة - رحمهم الله تعالى. انتهى.
(قلت): وكم برع في هذا المذهب من إمام فاضل، عالم تسير إليه الرواحل، وكم قلده من ولي كامل، وزاهد واصل. وآخر من سدد هذا المذهب، ونقح وهذب - آل قدامه، وآل تيميه، وابن قدامه الجوزية، ومن أخذ عنهم في البلاد الشامية، غير أن علماء المذاهب الثلاثة ومقلديهم أكثر وبحار تأليفاتهم بحسب الظاهر أغزر، فقد قال ابن عقيل: إن أكثر أصحاب أحمد من تعلق منهم باطراف العلم يخرج إلى التوغل في العلم والزهد. وأصحاب المذاهب كالحنفية والشافعية، فتوليتهم بالولايات تكون سببًا لكثرة أشتغالهم ونشرهم للعلم وتدريسهم. انتهى.
[ ٢٤٦ ]
ومما يستظرفه الأدباء في هذا المطلب ما أنشده العلامة الخفاجي في (ريحانة الألباء) عند ترجمة زين العابدين الحنبلي قوله: [طويل]
يقولون لي قد قل مذهب أحمد وكل قليل في الأنام ضئيل
فقلت لهم مهلًا غلطتم بزعمكم ألم تعلموا أن الكرام قليل
«وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل»
[ترجمة الإمام أبو الحسن الأشعري]
(والثاني) - الحبر الامام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحق ابن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن هلال بن أبي بردة، عامر بن أبي موسى الأشعري، صاحب رسول الله - ﷺ -، والحكم من قبل علي - ﵁ - في المسألة المشهورة. والأشعري - على ما قال السمعاني: نسبة لأشعر أحد أجداده، وأسمه نبت. وقد ولد والشعر على بدنه.
ولد أبو الحسن سنة سبعين وقيل: ستين ومائتين بالبصرة. وتوفي سنة أثنين وثلاثين وثلثمائة. وقيل سنة ثلاثين فجأة ببغداد. ودفن بين الكرخ وباب البصرة في مشرعة الروايا. ورأيت في بعض تعاليق الوالد عليه الرحمة أنه المحل الذى يعرف الآن بالسيف سيف الثمن وفيه قبر يزار. قال ابن الوردي. وطمس قبره خوفًا عليه من الحنابلة. ولولا السلطان لنبشوه، ولا زالت الوقائع بين الحنابلة والأشعرية في بغداد وسائر البلاد، حتى أن القشيري عبد الكريم - كما نقل ابن خلكان - جرى له خصام معهم لما ورد بغداد لأنه تعصب للأشاعرة. وأنتهى الأمر إلى فتنة قل فيها جماعة من الفريقين حتى حضر نظام الملك وسكنها.
(قلت) وسيأتي تصريحه في كتابه (الإبانة) إنه رجع إلى مذهب احمد في العقائد وعليه مات رحمه الله تعالى. وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه. واعلم أن الصحابة كانوا على المذهب المعروف بمذهب السلف، إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، وأول من قاله معبد الجهني، وكان يجالس
[ ٢٤٧ ]
الحسن البصري، ثم صلبه الحجاج بأمر عبد الملك. وحدث أيضًا في زمن الصحابة مذهب الخوارج، فقاتلهم علي كرم الله تعالى وجهه. وكذا حدث في أيامه الغلو فيه، حتى حرق بالنار جماعة من المغالين. ثم حدث بعد عصر الصحابة مذهب جهم بن صفوان، ونفي الصفات وعظمت الفتنة. وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال بعد المائتين، كما تقدم تفصيله، فنهى أئمة الاسلام عنه، وذموا علم الكلام وانتشر ذلك المذهب، ثم حدث مذهب التجسيم المضاد للاعتزال فظهر محمد بن كرام السجستاني بعد المائتين، وهو زعيم الكرامية، حج ومات بزغرة من أرض الشام، ودفن بالمقدس، وكان له أتباع كثيرون مواظبون على التعبد وكذا في بلاد المشرق.
قال المقريزي في خططه: كان لطائفتي الشافعية والحنفية، وكانت بين الكرامية والمعتزلة بالمشرق مناظرات وفتن كثيرة.
(قلت): وكذلك بينهم وبين الأشاعرة، فقد قال في «العبر» وفي سنة خمسمائة وخمس وتسعين كانت فتنة فخر الدين الرازي، وذلك أنه قدم خراة ونال إكرامًا عظيمًا من الدولة، فاشتد ذلك على الكرامية، فاجتمع هو والزاهد مجد الدين بن القدوة فاستطال فخر الدين عليه وشتمه، فلما كان من الغد جلس ابن عم مجد الدين فوعظ الناس وقال: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول فأكتبنا مع الشاهدين﴾ [آل عمران ٥٣] أيها الناس، لا نقول إلا ما صح عن رسول الله - ﷺ -، وأما قول أرسطو وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي شئ يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام، يذب عن دين الله تعالى؟ وبكى فأبكى الناس وضجت الكرامية وثاروا من كل ناحية، فأرسل السلطان الجند فسكنهم وأمر الرازي بالخروج.
[ ٢٤٨ ]
قال المقريزي: هذا وأمر الشيعة يفشو في الناس، حتى حدث سنة أربع وستين بسواد الكوفة مذهب القرامطة المنسوبين إلى حمدان المعروف بقرمط، فانتشر أمرهم في الأقطار، ومال كثيرون إلى قولهم الذى سموه علم الباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها. هذا، وقد كان المأمون لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى الوم من عرب له كتب الفلاسفة، فأنتشر مذهبهم وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، فانجر على الإسلام بسببها ما لا يوصف من البلاء وأنتشرت هذه المذاهب كلها شرقًا وغربًا. والأشعري كان قد نشأ على الاعتزال. وتتلمذ أول مرة لزوج أمه أبي على الجبائي المعتزلة، واقتدي برأيه عدة سنين، حتى صار من أئمة المعتزلة، ثم رجع عن القول بخلق القرآن، وغيره من أقاويلهم الفاسدة، ورقى كرسيه يوم الجمعة في البصرة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، أن الله تعالى لا يرى بالأبصار، وإن أفعال الشر أنا أفعلها وانا تائب مقلع معتقد الرد على المعتزلة، مبين لفضائحهم ومعايبهم.
وأخذ في الرد عليهم، وسلك بعض طريق أبي محمد عبد الله بن محمد سعيد بم كلاب القطان (١) . وبقى على قواعده، وصنف تصانيف كثيرة، وناظر شيخه الجبائي في وجوب الأصلح على الله تعالى، فمنعه الأشعري وقال: ما تقول في ثلاثة أخوة أحدهم كان برًا مؤمنًا نقيًا، والثاني: كافرًا فاسقًا شقيًا، والثالث: كان صبيًا. فماتوا، فكيف حالهم؟
قال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات وأما الصغير فمن أهل السلم، فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى
_________________
(١) القطان: هو رئيس الطائفة الكلابية. اهـ. منه.
[ ٢٤٩ ]
درجات الزهد يؤذن له؟ فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجة بحسب طاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات؟ فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟ فقال الجبائي: يقول البارى جل وعلا: أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقًا للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك.
فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم رعيت مصلحته دوني؟ فقال الجبائي: وسوست؟ فقال الأشعري: ما وسوست، ولكن وقف حمار الشيخ على القنطرى - يعني أنه أنقطع - وكان فيه دعابة ومزاح كثير.
وقيل: كان حنفي المذهب، ومعتزلي الكلام، وكان المعتزلة قد رفعوا رءوسهم، حتى اظهر الله تعالى الأشعري، ورجع عن الاعتزال، فحجرهم في أقماع السمسم.
وقد روى ابن عساكر بسنده في كتابه «تبيين كذب المفترى» كما نقله الكوراني: أن أبا الحسن الأشعري رأى النبي - ﷺ - في المنام، فشكا إليه بعض ما به من تعارض الأدلة، فقال له - ﷺ -: «عليك بسنتي» . ورآه ثلاث مرات آخر، فقال له في كل مرة ذلك: «يا علي أنصر المذاهب المروية عني فإنها الحق» . قال: فقلت - أي في الثالثة - يا رسول الله، كيف أدع مذهبًا تصورت مسائله، وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا، فقال لي: «لولا أعلم أن الله سيمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين لك وجوهها» - إلى أن قال - ﷺ -: «فجد فيه، فإن الله سيمددك بمدد من عنده» . قال: فاستيقظت وقلت: ماذا بعد الحق إلا الضلال، وأخذت في نصرة الأحاديث، فكان ياتيني شئ
[ ٢٥٠ ]
والله ما سمعته من خصم قط، ولا رايته في كتاب، فعلمت أن ذلك من إمداد الله تعالى الذى بشرني به رسول الله - ﷺ -.
[من أتباع الأشعري]
وقد تبعه كثير من العلماء في مذهبه، منهم القاضي أبو بكر الباقلاني وابن فورك، وأبو أسحق الأسفراييني، وأبو أسحق الشيرازي، وأبو حامد الغزالي، وأبو الفتح الشهرستاني، والفخر الرازي ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه، واستدلوا له في مصنفات كثيرة، وانتشر مذهبه في العراق، وانتقل إلى الشام. فلما ملك صلاح الدين الأيوبي ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين الماراني على مذهب الأشعري، ونشا عليه منذ كانا في خدمة المالك العادل نو الدين بدمشق، فحمل الأيوبيون الناس في دولتهم على التمذهب به، فتمادي ذلك في جميع أيامهم، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، واتفق توجه أبي عبد الله محمد بن تومرت المعروف «بالمهدي» إلى العراق، واخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى المغرب قام في المصامدة يفقههم ويعلمهم. ولما مات قام بعده خليفته عبد المؤمن صاحب الدولة هناك، ولقب أولاده وشيعته بالموحدين، ولذلك صارت دولة الموحدين تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المهدي المعلوم المعصوم. وكثيرًا ما أراق الدماء بسبب ذلك، حتى عم مذهب الأشعري أكثر امصار المسلمين، وكأنه نسي غيره من المذاهب، لم يخالفه إلا الحنابلة، وأنقسم الناس فيه إلى قسمين، كما أن أتباعه أنقسموا إلى قسمين أيضًا.
قال العلامة تقي الدين أحمد المقريزي: وقد أنتشر مذهب الأشعري في الأمصار بحيث نسى غيره، حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه إلا أن يكون مذهب الحنابلة، فإنهم على ما كان السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات
[ ٢٥١ ]
إلى أن كان بعد السبعمائة من سنى الهجرة أشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، فتصدي للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على الأشعرية، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة وعلى الصوفية، فافترق الناس فيه فريقين: فريق يقتدي به ويعول على أقواله ويعمل برأيه ويرى أنه شيخ الإسلام، وأجل حفاظ الأنام وفريق يبدعه ويضلله، ويزرى عليه بإثبات الصفات، وينتقد عليه مسائل معروفة، وكانت له ولهم خطوب كثيرة وحسابه وحسابهم على الله الذى لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء وله إلى وقتنا هذا أتباع بالشام ومصر وكذا بين الأشاعرة والماتريدية أتباع أبي المنصور محمد بن محمود الماتريدي، وهم طائفة الفقهاء الحنفية - من الخلاف في العقائد ما هو مشهور في موضعه: وهذا إذا تتبع يبلغ بضع عشرة مسألة، كان بسببها في أول الأمر تباين وتنافر، وقدح كل منهم في عقيدة الآخر، إلا أن الأمر آل أخيرًا إلى الإغضاء - ولله الحمد - أنتهى.
[عقيدة الأشعري]
وقال غير واحد: والأشاعرة من حيث هم يسمون أيضًا الصفاتية، لإثباتهم صفات الله تعالى القديمة، ثم افترقوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، كالاستواء والنزول والإصبع واليد والقدم والصورة وغيرها فرقتين: فرقة تؤول جميع ذلك على وجوه محتملة. وفرقة لم تتعرض للتأويل ولا صاروا إلى التشبيه، ويقال لهؤلاء الأشعرية الأثرية. ومقالات الأشعري المعروفة الآن لدى المصنفين مشعرة بأن مذهبه يخالف المعتزلة والمشبهة لأنه أمر متوسط كما صرح به في كتابه «الإبانة» من قوله: وقولنا الذى نقول به، وديانتنا التى ندين بها التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا - ﷺ -، وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله
[ ٢٥٢ ]
أحمد بن حنبل - نضر الله تعالى وجهه، ورفع درجته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل - إلى آخر ما قال مما سنذكره إن شاء اله تعالي في بعض المحال.
ونقل عنه شيخ الإسلام أمه قال في كتابه لاذى صنفه في اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين ذكر فرق الخوارج والروافض والمرجئة والمعتزلة وغيرهم ثم قال مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث. جملة قول أهل السنة وأصحاب الحديث الإقرار بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاء عن الله ﷿، وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ - لا يرون من ذلك شيئًا، وأن الله واحد أحد فرد صمد، لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبه ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق، وان الساعة حق آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ [طه ٥]، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] وكما قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة ٦٤] وأن له عينين كما قال ﴿تجرى بأعيننا﴾ [القمر ١٤] وأن له وجهًا كما قال ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن ٢٧] وأن لله أسماء لا يقال غير اله، ولا يقال كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علمًا كما قال ﴿أنزله بعلمه﴾ [النساء ١٦٦] وكما قال تعالى: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فاطر ١١، وفصلت ٤٧] واثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله تعالى كما نفته المعتزلة. وأثبتوا له القوة كما قال: ﴿أو لم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة﴾ [فصلت ١٥] وذكر مذهبهم في القدر إلى أن قال: ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف بدعة. ومن قال باللفظ والوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، ولا يقال مخلوق.
[ ٢٥٣ ]
ويقرون أن الله سبحانه يرى بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون. وذكر قولهم في الإسلام والحوض والشفاعة وأشياء أخر، إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، إلى ان قال: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون من دينهم، ويسلمون للروايات الصحيحة ولما جاءت به الآثار التى جاءت بها الثقات عدلًا عن عدل حتى ينتهوا بذلك إلى الرسول - ﷺ -.
لا يقولون: كيف، ولا لم، لأن ذلك بدعة، إلى أن قال: ويقرون أن الله ﷿ يجئ يوم القيامة كما قال ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ [الفجر ٢٢] وأنه يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال: نحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق١٦] إلى أن قال: ويرون مجانبه كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابه الآثار، والنظر في الفقه مع الاستكانة، والتواضع وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكف الآذى وترك الغيبة والنميمة وتفقد المأكل والمشرب.
قال: فهذه جملة ما يامرون به، ويستسلمون إليه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان. أنتهى.
وقال الوالد عليه الرحمة: إن مذهب الإمام الأشعري عند كثير من المحققين والعلماء المصنفين هو مذهب الإمام أحمد، لكن كثرت المقالة بين متأخري الأشاعرة والحنابلة، حتى أدى ذلك إلى تضليل كل من الفريقين صاحبه، وذلك في مسائل تمسكت فيها الحنابلة بظواهر الكتاب والسنة، كالاستواء والنزول والوجه، وغير ذلك من أحاديث الصفات. وأولها كثير من الشاعرة قاصدين فيه كمال التنزيه لله تعالى عن لوازم الأجسام، فبالغ لذلك جمع من الحنابلة في ردهم وتخطئهم مبرءون مما نسب إليهم، ومذهبهم الأسلم الأحكم.
[ ٢٥٤ ]
وكذا الأشعرية أيضًا منزهون مما يرمون به التعطيل والتحريف لكلام الله تعالى عن مواضعه. والكل على هدى يدينون دين الحق. والمخالفون شرذمة قليلة من الطرفين. أنتهى ملخصًا.
وقال الشيخ تاج الدين السبكي في كتابه «معيد النعم»: إن الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأى أهل السنة والجماعة، إلا رعاعًا من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاعًا من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم وبرأ الله تعالى المالكية فلم ير مالكي إلا أشعري، العقيدة. أنتهى باختصار.
ومن أراد أن يتبين له صحة مذهب الأشعري، وأنه مذهب أهل السنة والجماعة واتباعه للإمام أحمد، فليطالع كتاب ابي القاسم ابن عساكر المسمى (بتبيين كذب المفترى فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري) وستأتى تتمة هذه الأبحاث مفصلة في هذا الكتاب، إن شاء اله تعالى العليم الوهاب.
خاتمة
سيأتي إن شاء الله تعالى في كتابي هذا بعض العبارات المؤيدة لمذهب السلف، ولما نحن بصدده من إماطة الكلف من كتاب «الأسماء والصفات» للإمام البيهقي، لازال رفيع الدرجات، فاقتضى الحال ترجمته، ليرى المدقق سيرته، ويعرف الطالب طويته.
[ترجمة الإمام البيهقي]
فقد قال أحمد بن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان»: أبو بكر أحمد ابن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي الخسر وجردى، الفقيه الشافعي، الحافظ الكبير المشهور، واحد زمانه، وفرد أقرانه في الفنون من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله في الحديث، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم. أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمرى المروزى، غلب عليه
[ ٢٥٥ ]