الحديث واشتهر به، ورجل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره، وكذلك ببقية البلاد التى انتهى إليها. وشرع في التصنيف فصنف فيه كثيرًا حتى قيل تبلغ تصانيفه ألف جزء.
وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات. ومن مشهور مصنفاته: السنن الكبير والصغير، ودلائل النبوة، والسنن والآثار، وشعب الإيمان، ومناقب الشافعي المطلبي، ومناقب أحمد بن حنبل، وكتاب الأسماء والصفات وغير ذلك. وكان قانعًا من الدنيا بالقليل.
وقال إمام الحرمين في حقه: ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإنه له على الشافعي منة. وكان من أكثر الناس نصرًا لمذهب الشافعي.
وطلب إلى نيسابور لنشر العلم فأجاب وانتقل إليها، وكان على سيرة السلف، وأخذ عنه الحديث جماعة من الأعيان. مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلثمائة، وتوفي في العاشر من جمادي الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بنيسابور، ونقل إلى بيهق (بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناه من تحت وبعدها الهاء المفتوحة ثم قاف مكسورة (١» وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخًا منها. وخسر وجرد من قراها (وهي بضم الخاء المعجمة) رحمه الله تعالى.
فصل
وقد آن الشروع في أجوبة ما عزاه الشيخ ابن حجر عليه الرحمة إلى الشيخ ابن تيمية قدس سره، مع تفصيل ما أجمله وتقييد ما أطلقه، وبيان ما أهمله، وبالله سبحانه، وهو الملهم لصواب والإبانة.
_________________
(١) كذا في الأصل. ويلاحظ أنها ممنوعة من الصرف.
[ ٢٥٦ ]
(قوله: نبه عليها التاج السبكي) لا يخفى عليك بعد ما أحطت خبرًا بما تقدم من عبارة سل الحسام الهندى والنزهة وغيرهما أن نقل التاج السبكي وأبيه العلامة غير مقبولا في حق الشيخ. ويكفي في ذلك شاهدًا كتاب «الصارم المنكي في الرد على السبكي» الذى ألفه الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي، المتقدمة ترجمته، الآتية إن شاء الله تعالى في محلها (١) - عبارته. لا سيما قد ورد في بعض الآثار: «إن الحب والعداوة يثوارثان» غير أن بعض القوال في الحقيقة قد أختارها الشيخ مستدلًا بأدلة يأتى تفصيلها بعون الحق المتعال.
[رأى ابن تيمية في يمين الطلاق]
(قوله: قوله في يمين الطلاق إنه لا يقع بل عليه كفارة يمين إلخ)
قال الشيخ ابن تيمية في فتاواه ما نصه: إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو الحل على حرام لا أفعل كذا أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا، أو ما يحل على المسلمين يحرم على إن فعلت كذا، ونحو ذلك وله زوجة؟
ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف. ولكن القول الراجح: أن هذه يمين من الأيمان، لا يلزمه بها طلاق لو قصد بذلك الحلف بالطلاق، وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عنه، حتى لو قال: أنت حرام، ونوى به الطلاق عند عامة العلماء. وفي ذلك أنزل الله تعالى القرآن، فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقًا، والإيلاء طلاقًا، فرفع الله تعالى ذلك كله، وجعل في الظهار الكفارة الكبرى، وجعل الإيلاء يمينًا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر، فأما أن يمسك بمعروف، واما أن يسرح بإحسان.
كذلك قال كثير من السلف والخلف: إنه إذا كان مزوجًا فحرم
_________________
(١) قوله «في محلها» أى في بحث شد الرحال. أهـ. من هامش الأصل.
[ ٢٥٧ ]
امرأته، أو حرم الحلال مطلقًا كان أو مظاهرًا. وهذا مذهب أحمد.
وإذا حلف بالظهار أو الحرام لا يفعل شيئًا وحنث في يمينه، أجزأته الكفارة في مذهبه.
لكن قيل: إن الواجب كفارة الظهار، وسواء حلف أو أوقع، وهو المنقول عن احمد. وقيل: بل إن حلف أجزأته كفارة يمين، وإن أوقعه لزمته كفارة ظهار.
وهذا اقوى وأقيس على أصول أحمد وغيره. فالحلف بالظهار يجزئه الحالف بالنذر إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة وكذلك إذا حلف بالعتق يجزئه كفارة عند أكثر السلف من الصحابة والتابعين. وكذلك الحلف بالطلاق يجزئ أيضًا فيه كفارة يمين، كما أفتى به من السلف والخلف جمع.
والثابت عن الصحابة لا يخالف ذلك بل معناه يوافقه، فهو يمين يحلف بها المسلمون في ايمانهم ففيها كفارة يمين كما دل عليه الكتاب والسنة.
وأما إذا كان مقصود الرجل أن يظاهر أو يطلق أو يعيق فهذا يلزمه ما أوقعه، سواء معلقًا أو منجزًا ولا يجزئه كفارة يمين. والله تعالى أعلم. انتهى.
[الطلاق المخالف للسنة]
وفي الميزان للشعراني ما تعلم منه الاختلاف أيضًا في مشبه هذه المسألة ما نصه: ومن ذلك قول أبي حنيفة: لو قال لزوجته أنت علي حرام، فإن نوى الطلاق بذلك كان طلاقًا، وإن نوى الطلاق ثلاثًا كان ثلاثًا، وإن نوى أثنتين أو واحدة فإن نوى التحريم ولم ينو الطلاق، أو لم يكن لديه نية فهو يمين، وهو مول إن تركها أربعة أشهر، وقعت عليه طلقة بائنة.
وإن نوى الظهار كان مظاهرًا، وإن نوى اليمين كانت يمينًا، ويرجع
[ ٢٥٨ ]
إلى بيته كم أراد بها، واحدة او أكثر، سواء المدخول بها وغيرها. مع قول مالك: إن ذلك طلاق ثلاثًا إن كانت مدخلًا بها، وواحدة إن كانت عير مدخول بها.
ومع قول الشافعي: إن نوى بذلك الطلاق أو الظهار كان ما نواه وإن نوى اليمين لم يكن يمينًا، ولكن عليه كفارة يمين. ومع قول أحمد في أظهر روايتيه: إن ذلك صريح في الظهار نواه أو لم ينوه، وفيه كفارة الظهار، والثانية أنه طلاق. أنتهى.
فتبين مما مر آنفًا أن نقل الشيخ ابن حجر عن الشيخ ابن تيمية، ليس على إطلاقه. وقوله «لم يقله أحد قبله» غير مسلم. كيف وقد قال به جمع من السلف والخلف. ومع هذا فهي مسألة كأمثالها يساغ فيها الاجتهاد، فكن ممن تامل وانصف.
(قوله: وأن طلاق الحائض لا يقع، وكذا الطلاق في طهر جامع فيه)
أقول: سيأتى إن شاء الله تعالى الكلام على هذا في بحث الطلاق الثلاث، وان النبي - ﷺ - قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض «ما هكذا أمرك الله تعالى؟ إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالًا وتطلقها لكل قرء تطليقة» وما روى أنه ﵊ قال لعمر: «مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء» فقد أخرج الشافعي ومالك والشيخان عن ابن عمر: أنه طلق امراته وهي حائض، وذكر ذلك عمر لرسول الله - ﷺ - فتغيظ فيه رسول الله - ﷺ - ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التى امر الله تعالى ان يطلق لها النساء - وقرا ﵊» - ﴿يأيها
[ ٢٥٩ ]
النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ [الطلاق: ١] وكان ابن عمر يقرأ كذلك، وكذلك ابن عباس.
قال الوالد عليه الرحمة في تفسيره روح المعاني: وفي وقوع الثلاث بلفظ واحد، وكذا في وقوع الطلاق مطلقًا في الحيض خلاف، فعند الإمامية لا يتبع الطلاق بلفظ الثلاث، ولا في حالة الحيض، لأنه بدعة محرمة، وقد قال - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ونقله غير واحد عن ابن المسيب وجماعة من التابعين. أنتهى.
وجمهور الفقهاء جعلوه بدعيًا ويقع الطلاق به. قال في الدر المختار. والبدعي ثلاث متفرقة، او ثنتان بمرة أو مرتين في طهر واحد لا رجعة فيه، أو واحدة في طهر وطئت فيه، أو واحدة في حيض موطوءة أى مدخول بها وتجب رجعتها فيه، فإذا طهرت طلقها إن شاء. انتهى.
وإنما كان بدعيًا محرمًا لتطويل عدة المطلقة إذ ذاك. فتدبر.
وقال السيد العلامة أبو الطيب حماه الله تعالى في الروضة الندية: هذه المسألة من المعارك التى لا يجول في حافاتها إلا الأبطال، ولا يقف على تحقيق في ابوابها إلا أفراد الرجال، والمقام يضيق عن تحريرها على وجه ينتج المطلوب، فمن رام الوقوف على سرها فعليه بمؤلفات ابن حزم، كالمحلى ومؤلفات ابن القيم كالهدى. وقد جمع الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير في ذلك رسالة حافلة وقرر ما ألهم الله إليه.
وذكر الإمام العلامة محمد الشوكاني في شرحه للمنتقى أطرافًا من ذلك قال: والحاصل أن الأتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السن يقال له طلاق بدعة، وقد ثبت عنه - ﷺ - «أن كل بدعة ضلالة» ولا خلاف أيضًا أن هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه، وبينه رسوله - ﷺ - في حديث ابن عمر، وما خالف ما شرعه الله ورسوله
[ ٢٦٠ ]
فهو رد لحديث عائشة عنه - ﷺ -: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» وهو حديث متفق عليه. فمن زعم أن هذه البدع يلزم حكمها، وان هذا الامر الذى ليس من أمره - ﷺ - يقع من فاعله ويعتد به لم يقبل إلا بدليل ولا دليل. انتهى.
[تارك الصلاة عمدًا هل يقضى]
(قوله: وإن الصلاة إذا تركت عمدًا لا يجب قضاؤها) - قلت: وإلى هذا ذهب أيضًا الشيخ محيى الدين ابن عربي في فتوحاته، ونصه: وصل في فصل (العامد والمغمى عليه) - أختلف العلماء فيه، فمن قائل: إن العامد يجب عليه القضاء. ومن قائل: لا يجب عليه القضاء، وبه أقول، وما أختلف فيه أحد أنه آثم، وأما المغمى عليه، فمن قائل: لا قضاء عليه، وبه أقول. ومن قائل: بوجوب القضاء وهو الأحسن عندي، فإنه إن لم تكتب له في نفس الأمر فريضة كتبت له نافله فهو الأحوط.
والقائلون بوجوب القضاء: منهم من أشترط القضاء في عدد معلوم فقالوا: يقضى في الخمس فما دونها، (وصل الاعتبار في ذلك) . وأما العامد في ترك ما أمره الله تعالى به فلا قضاء عليه، فإنه ممن أضله الله على علم، فينبغي أن يسلم إسلامًا جديدًا فإنه مجاهر. أنتهى.
قال الشيخ ابن تيمية في الفتاوى: مسألة في رجل من اهل القبلة ترك الصلاة مدة سنين، ثم تاب بعد ذلك، وواظب على ادائها، فهل يجب عليه قضاء ما فاته منها أم لا؟
الجواب: الحمد لله.
أما من ترك الصلاة أو فرضًا من فرائضها فإما أن يكون قد ترك ذلك ناسيًا له بعد علمه بوجوبه، وإما أن يكون جاهلًا بوجوبه، إما أن يكون له عذر يعتقد معه جواز التأخير، وإما أن يكون عالمًا عامدًا. فأما الناسي للصلاة
[ ٢٦١ ]
فعليه أن يصليها إذا ذكرها بسنة رسول الله - ﷺ - المستفيضة عنه باتفاق الأئمة، قال - ﷺ -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها» لا كفارة لها إلا ذلك. وقد أستفاض في الصحيح وغيره أنه نام هو واصحابه عن صلاة الفجر في السفر فصلوها بعدما طلعت الشمس. السنة والفريضة بأذان وإقامة.
وكذلك من نسى طهارة الحدث وصلى ناسيًا فعليه أن يعيد الصلاة بالطهارة بلا نزاع، حتى لو كان الناسي إمامًا كان عليه أن يعيد الصلاة، ولا إعادة على المأمومين إذا لم يعلموا عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي واحمد في المنصوص المشهور عنه، كما جرى ذلك لعمر وعثمان.
واما من نسى طهارة الخبث فإنه لا إعادة عليه، وهو مذهب مالك واحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في احد قوليه، لأن هذا من باب فعل المنهي عنه، وتلك من ترك المأمور به، ومن فعل ما نهى عنه ناسيًا فلا إثم عليه بالكتاب والسنة، كما جاءت به السنة فيمن أكل في رمضان، وهو مذهب ابي حنيفة والشافعي وأحمد.
وطرد ذلك فيمن تكلم في صلاته ناسيًا، ومن تطيب ولبي ناسيًا كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وكذلك من فعل المحلوف عليه ناسيًا كما هو أحد القولين عن الشافعي وأحمد. وههنا مسائل قد تنازع العلماء فيها، كمثل من نسى الماء في رحله وصلى بالتيمم، وأمثال ذلك ليس هذا موضع تفصيلها.
واما من ترك الصلاة جاهلًا بوجوبها مثل من أسلم في دار الحرب ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال: وجهان في مذهب أحمد، أحدهما - عليه الإعادة مطلقًا، وهو قول الشافعي، واحمد الوجهين في مذهب أحمد. والثاني - عليه الإعادة إذا تركها بدار الإسلام دون دار
[ ٢٦٢ ]
الحرب، وهو مذهب ابي حنيفة، لأن دار الحرب دار جهل يعذر فيه بخلاف دار الإسلام.
والثالث - لا إعادة عليه مطلقًا، وهو الوجه الثاني في مذهب أحمد وغيره. وأصل هذين الوجهين أن حكم الشارع هل ثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها - يثبت مطلقًا والثاني - لا يثبت مطلقًا. والثالث - يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ، كقضية أهل قباء، وكالنزاع المعروف في الوكيل إذا عزل فهل يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم؟ وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص مثل أن يأكل لحم الإبل ولم يتوضا ثم يبلغه النص ويتبين له وجوب الوضوء، ويصلى في أعطان الإبل ثم يبلغه ويتبين له النص فهل عليه إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد، ونظيره أن يمس ذكره ويصلى ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر.
والصحيح في جميع هذه المسائل عدم وجوب الإعادة، لأن الله تعالى عفا عن الخطأ والنسيان، ولأنه قال: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ [الإسراء ١٥] فمن لم يبلغه أمر الرسول - ﷺ - في شئ معين لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يامر النبي - ﷺ - عمر وعمارًا لما أجبنا فلم يصل عمر وصلى عمار بالتمرع - أن يعيد واحد منهما. وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب يمكث أيامًا لم يصلى. وكذلك لم يامر من أكل من الصحابة حتى يتبين الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء. كما لم بأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ بالقضاء.
ومن هذا الباب المستحاضة إذا مكث مدة لا تصلى لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان: أحدهما - لا إعادة
[ ٢٦٣ ]
عليها كما نقل عن مالك وغيره: أن المستحاضة التى قامت للنبي - ﷺ -: إني حضت حيضة شديدة كبيرة منكرة، منعتنى الصلاة والصيام أمرها بما يجب في المستقبل ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي.
وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي من يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا قيل للمرأة: ثلى تقول: حتى أكبر واصير عجوزًا، ظانة أنه لا يخاطب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة العجوز، ونحوها، وفي أتباع الشيوخ ناس كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم.
فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلاة، سواء كانوا كفارًا أو معذورين بالجهل، وكذلك من كان منافقًا زنديقًا يظهر الإسلام ويبطن خلافه، وهو لا يصلى أو يصلى أحيانًا بلا وضوء ولا يعتقد وجوب الصلاة، فإنه إذا تاب من نافقه وصلى فإنه لا قضاء عليه عند جمهور العلماء.
والمرتد الذى كان يعتقد وجوب الصلاة ثم أرتد والعياذ بالله تعالى عن الإسلام، ثم عاد لا يجب عليه قضاء ما تركه حال الردةعند جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه، فإن المرتدين الذين أرتدوا على عهده - ﷺ - كعبد الله بن أبي سرح وغيره مكثوا على الكفر مدة ثم أسلموا ولم يؤمر أحد منهم بقضاء ما تركوه.
وكذلك المرتدون على عهد أبي بكر لم يؤمروا بقضاء الصلاة.
وأما من كان عالمًا بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة. وذهب طائفة منهم ابن حزم وغيره إلى أن فعلها بعد الوقت لا يصح من هؤلاء. وكذلك قالوا فيمن ترك الصوم متعمدًا. والله تعالى أعلم أهـ.
[ ٢٦٤ ]
ونقل ابن رجب عن الشيخ ابن تيمية أنه قال: لكنه يكثر من النوافل. ورأيت في بعض كتب المالكية ما نصه: من تعمد ترك صلاته حتى يخرج وقتها فعليه القضاء والاستغفار إذا كان مستيقنًا، ومن ظهر عليه ترك صلاته مستخفًا بها ومتوانيًا عنها أمر بفعلها، فإن أمتنع من ذلك هدد وضرب فغن أقام على أمتناعه قتل حدًا لا كفرًا، وورثه ورثته ودفن في مقابر المسلمين ت (١) المشهور القضاء مع العمد، وقاله ح وش.
وقال ابن حبيب: لا يجب القضاء وابن حنبل بناء على أن ترك الصلاة مع الأعتراف بوجوبها كفر والكافر لا يصلى: المرتد إذا مات لا يقضى واحتجا بقوله - ﷺ -: «بين المؤمن والكافر ترك الصلاة» لنا قوله - ﷺ -: «خمس صلوات أفترضهن الله ﷿، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وتمم ركوعهن وخشوعهن له عند الله عهد، إن يشأ يعذبه وإن يشأ يدخله الجنة» أخرجه أبو داود وابن عبد الرحمن السلمي لا يقضى المتعمد، لأن عموم قوله ﵊: «من نام عن صلاة أو نسيها» أن المتعمد لا يقضى. لما أنه آثم فهو اولى بالتغليظ عليه القضاء.
وفي بعض الطرق: لا كفارة لها إلا ذلك. والإثم أولى بلا تكفير أو تقول: المراد بالناسي التارك مطلقًا، لقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ أى تركوا مع العمد. أنتهى.
(قلت): ولعل ما ذكره الأصوليون من قولهم. إذا خرج المكلف الواجب عن وقته المعين له شرعًا فهل يجب القضاء بالأمر السابق، بمعني أنه
_________________
(١) إشارة للتتائي، ح وش الآيتان إشارة للحطاب والخرش.
[ ٢٦٥ ]
يستلزمه لا أنه عينه، أم لا يجب القضاء إلا بأمر جديد؟ فيه مذهبان وبالأول قال القاضي عبد الجبار من المعتزلة، والرازي الإمام فخر الدين، وحكى عن الشيرازي أبي إسحاق، وبالثاني قال الأكثرو، أنتهى. أصل لقول من لا يوجب القضاء لأنه لم يرد فيه أمر جديد، بل الأمر الجديد ورد في حق الناسي والنائم عمدًا كما مر فتدبر.
[هل يباح للحائض الطواف بدون كفارة]
(قوله: وإن الحائض يباح لها الطواف بالبيت ولا كفارة عليها) - أقول: هذا قول لأبي حنيفة أيضًا وغيره، فقد قال الشيخ أحمد بن أحمد الطيبى الشافعي في منظومة في تقليد ابي حنيفة رحمه الله تعالى: [رجز]
ولم يقل شرط الطواف الطهر فإن يضق بنفساء الأمر
أو حائض وهجمت وطافت فهو صحيح وفدت وتابت
فإن يكن حجًا فدت ببدنة أو اعتمارًا فبشاة بينه أهـ
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه الميزان ما نصه: ومن ذلك قول الشافعي وأحمد: إن المرأة إذا حاضت قبل طواف الإفاضة لم تنفر حتى تطهر وتطوف، ولا يلزم الجمال حبس الجمل لها بل ينفر مع الناس ويركب غيرها، مع قول مالك إنه يلزمه حبس الجمل أكثر من مدة الحيض وزيادة ثلاثة أيام، مع قول أبي حنيفة إن الطواف لا يشترط فيه طهارة فتطوف وتدخل مع الحاج، وقد أفتى البارزى النساء اللاتى حضن في الحج بذلك ونقله عن جماعة من الشافعية، انتهى.
وفي فتاوى المرشدي الحنفي ما نصه: وسئل عن عبارة في أختلاف الأئمة إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة لم تنفر حتى تطوف وتطهر، ولا يلزم الجمال حبس الجمل أكثر من مدة الحيض وثلاثة أيام. وعند ابي حنيفة ﵀
[ ٢٦٦ ]
تعالى ان الطواف لا يشترط فيه الطهارة، فهل يجوز تقليده، أم يكفيها الأخذ بقوله؟ فأجاب عدم اشتراط الطهارة له عنده صحيح، وأخذه من قوله تعالى ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج ٢٩] والنص مطلق، والطهارة فيه ثبتت بفعله ﵊.
ودار ذلك بين كونها بيانًا وبين كونها سنة، فتوسطنا في ذلك وقلنا بالوجوب، فيقع الطواف بين الحدثين معتدًا به لكونه يجبر مع الحدث الأصغر بشاة، ومع الأكبر ببدنة، والله تالى اعلم. انتهى.
ونقل الشيخ محمد سعيد السويدي الشافعي البغدادي في رسالته المؤلفة في التقليد عن البارزي أيضًا فيمن حاضت قبل طواف الركن: أنه يجوز لها تقليد كل واحد من الأئمة الأربعة. انتهى.
وفي فتاوى الشيخ ما نصه: سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحم بن تيمية الحراني نفعنا الله تعالى بعلومه عن المرأة إذا جاءها الحيض في وقت الطواف ما الذى تصنع؟
فأجاب: الحمد لله، الحائض تقضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فإنها تجتهد أن لا تطوف بالبيت إلا وهي طاهر، فإن عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلف عن الركوب حتى تطهر وتطوف فإنها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض أجزأها في أحد قولي العلماء.
ثم قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لو لم يكن لها عذر لكن وجب عليها بدنة. والإمام أحمد رحمه الله تعالى أوجب على ترك الطهارة ناسيًا دمًا وهو شاة واما هذه العاجزة عن الطواف وهي غير طاهر فإن أخرجت دمًا فهو أحوط، وإلا فلا يتبين أن عليها شيئًا، فإن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقال تعالى: ﴿واتقوا الله ما أستطعتم﴾ [التغابن ١٦] .
[ ٢٦٧ ]
وقال النبي - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما أستطعتم» وهذه لا تستطيع إلا هذا، والصلاة أعظم من الطواف، ولو عجز المصلى عن شرائطها من الطهارة أو ستر العورة أو استقبال القبلة صلى على حسب حاله، فالطواف أولى بذلك. كما لو كانت مستحاضة ولا يمكنها أن تطوف إلا مع النجاسة نجاسة الدم بدون الطهارة، فإنها تصلى وتطوف على هذه الحالة باتفاق المسلمين، وإذا توضأت وتطهرت فعلت ما تقدر عليه.
وينبغي للحائض إذا طافت أن تغتسل وتتحفظ كما تفعله عند الإحرام وقد أسقط النبي - ﷺ - عن الحائض طواف الوداع وأسقط عن أهل السقاية والرعاية المبيت بمنى لأجل الحاجة ولم يوجب عليهم دمًا، فإنهم معذورون في ذلك بخلاف غيرهم.
وكذلك من عجز عن الرمي بنفسه لمرض ونحوه فإنه يستنيب من يرمى عنه ولا شئ عليه، وليس من ترك الواجب للعجز كمن تركه لغير ذلك. والله تعالى أعلم، أنتهى فليفهم.
[هل يرد الطلاق الثلاث إلى واحدة]
(قوله: وإن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة إلخ) - أقول: قد أختلف أقوال الصحابة والتابعين والعلماء المتقدمين والمتأخرين في وقوع الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد، كما أنهم أختلفوا في وقوعه حالة الحيض، وقد كثرت الأدلة من الطرفين، وبسطت الأجوبة من الجانبين في كتبهم المفضلة، فمن الحنابلة الشيخ ابن تيمية في فتواه وغيرها، وتلميذه ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين وغيره، ومن الشافعية الشيخ ابن حجر في تحفة المحتاج وغيره، ومن الحنفية ابن الهمام في فتح القدير، وخير الدين الرملي، وابن عابدين في حاشيته على الدر المختار، والوالد في اماكن من تفسيره وغيرهم.
[ ٢٦٨ ]
وكثرت الرسائل في ذلك، ولنذكر مختصر مازبروه، وتلخيص ما ذكروه. فمن ذلك ما قاله العلامة ابن القيم: إنه قد ذهب إلى عدم وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة جمع من الصحابة، منهم الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعن علي وابن مسعود روايتان: ومن التابعين عكرمة وطاوس، ومن تابعيهم محمد ابن إسحق، وأفتى به داود بن علي على مذهب أهل الظاهر. قال: وأفتى به بعض أصحاب الإمام أحمد، الإمام أحمد نفسه. أنتهى، ثم بسط بقية الأدلة، فإن أردتها فارجع إليه.
وقال الوالد عليه الرحمة ونفعنا الله تعالى به في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة ٢٢٩] من كلام مطنب: لو طلق بلفظ واحد لا يقع إلا بواحدة كما هو مذهب الإمامية، وبعض أهل السنة، ومنهم الشيخ أحمد بن تيميه ومن أتبعه احتجاجًا بهذه الآية، وقياسًا على شهادات اللعان ورمي الجمرات، فإنه لو أتى بالاربعة بلفظ واحد لا تعد له أربعًا بالإجماع. وكذا لو رمى بسبع حصيات دفعة واحدة لم يجز إجماعًا.
ومثل ذلك لو حلف ليصلين على النبي - ﷺ - ألف مرة فقال: صلى الله تعالى على النبي ألف مرة، فإنه لا يكون بارًا ما لم يأت بآحاد الألف، وتمسكًا بما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر واحدة، فقال عمر: إن الناس قد أستعجلوا في امر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه.
وذهب بعضهم إلى أن مثل ذلك ما لو طلق في مجلس واحد ثلاث مرات فإنه لا يقع إلا واحدة أيضًا، لما أخرج البيهقي عن أبن عباس قالوا: طلق ركانة امرأته ثلاثًا في مجلس واحد فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله رسول الله - صلى الله
[ ٢٦٩ ]
عليه وسلم -: «كيف طلقتها» قال: طلقتها ثلاثًا، قال: «في مجلس واحد»؟ قال: نعم: قال: «فإنما تلك واحدة، فأرجعها إن شئت» فراجعها.
وأجاب الجمهور بأن القياس على شهادات اللعان والرمي في غير محله، ألا ترى أنه لا يمكن الاكتفاء ببعض ذلك بوجه، ويمكن الاكتفاء ببعض وحدات الثلاث في الطلاق، ولعظم امر اللعان لم يكتف به غلا بالإتيان بالشهادات واحدة واحدة، مؤكدة بالإيمان، مقرونة خامستها باللعن، فلعل الرجوع أو الإقرار يقع في البين فيحصل الستر، أو يقام الحد، ويكفر الذنب ورمي الجمرات وتسبيعها أمر تعبدي، وما ذكروا في مسألة الحالف في الصلاة فأمر أقتضاه القصد والعرف، وأما الآية فليست نصًا في المقصود، ولهذا ورد عن أهل البيت ما يؤيد مذهب أهل السنة، فعن مسلم عن جعفر بن محمد أنه قال: معاذ الله! ما هذا من قولنا؟ من طلق ثلاثًا فهو كافر كما قال. أنتهى باقتصار.
وإن أردت تفصيل أدلة الطرفين وأجوبتهما فعليك به ولا تغفل.
وقال العلامة ابن عابدين: والطلاق البدعي - أي الحرم - ثلاث متفرقة في طهر واحد. وكذا بكلمة واحدة بالأولى. وعن الإمامية: لا يقع بلفظ الثلاث ولا في حالة الحيض، لأنه بدعة محرمة. وعن ابن عباس: يقع به واحدة، وبه قال ابن إسحاق، وطاوي وعكرمة، لما في مسلم ان ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد النبي - ﷺ -، وابي بكر وسنتين من خلافة عمر - ﵁ - طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد أستعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ائمة المسلمين إلى أن يقع ثلاث.
قال في الفتح بعد سوق الأحاديث الدالة عليه: وهذا يعارض ما تقدم واما إمضاء عمر الثلاث عليهم مع عدم مخالفة الصحابة له ولعلمه بانها كانت واحدة فلا يمكن إلا وقد أطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ، أو لعلمهم بانتهاء الحكم
[ ٢٧٠ ]
لذلك، لعلهم بإناطته بمعان علموا أنتفاءها في الزمن المتأخر. وقول بعض الحنابلة: توفى رسول الله - ﷺ - عن مائة ألف عين راته فهل صح لكم عنهم أو عن عشر عشر عشرهم القول بوقوع الثلاث باطل.
واما أولًا - فإجماعهم ظاهر، لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه خالف عمر حين أمضى الثلاث، ولا يلزم في نقل الحكم الإجماعي عن مائة ألف تسمية كل في مجلد كبير لحكم واحد على انه إجماع سكوتي.
وأما ثانيًاُ - فالعبرة في نقل الإجماع نقل ما عن المجتهدين والمائة الألف لا يبلغ عدة المجتهدين الفقهاء منهم أكثر من عشرين، كالخلفاء والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ وأنس وأبي هريرة، والباقون برجعون إليهم ويستفتون منهم، قد ثبت النقل عن أكثرهم صريحًا بإيقاع الثلاث، ولم يظهر لهم مخالف فماذا بعد الحق إلا الضلال، وعن هذا قلنا: لو حكم حاكم بانها واحدة لم ينفذ حكمه، لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه فهو خلاف لا اختلاف. وغاية الأمر فيه أن يصير كبيع أمهات الأولاد، أجمع على نفيه وكن في الزمن الأول يبعن. انتهى.
وأنت تعلم ان الحنابلة القائلين بعدم وقوع الثلاث يناقشون في هذه المقدمات، لأن الإجماع لم يتم، لما ثبت أن أبن عباس لم يوافق، وكذا الزبير وعبد الرحمن وغير واحد من الصحابة والتابعين وتابع التابعين، ولم ينعقد إجماع القرون الثلاثة على ذلك كما تقدم، كما سيتضح من بحث الإجماع الآتى إن شاء الله تعالى، وأن هذه المسالة يعدونها كسائر المسائل الخلافية التى لم يقم الإجماع عليها فللاجتهاد فيها مجال، كذا قالوا.
وقال الوالد عليه الرحمة في سورة الطلاق من كلام طويل تفسيره ما نصه: والمراد بإرسال الثلاث دفعة واحدة ما يعم كونها بألفاظ متعددة، كأن يقال: أنت طالق، أنت طالق، أو بلفظ واحد، كان يقال: أنت
[ ٢٧١ ]
طالق ثلاثًا، وفي وقوع هذا ثلاثًاُ خلاف، وكذا في وقوع الطلاق مطلقًا في الحيض، فعند الإمامية لا يقع الطلاق بلفظ الثلاث، ولا في حالة الحيض لأنه بدعة محرمة، وقد قال - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ونقله غير واحد عن ابن المسيب وجماعة من التابعين.
وقال قوم منهم - فيما قيل - طاوس وعكرمة: الطلاق ثلاث بفم واحد يقع به واحدة.
وروى هذا أبو داود عن ابن عباس، وهو أختيار الشيخ ابن تيمية من الحنابلة. وفي الصحيحين أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وابي بكر وصدرًا من خلافة عمر - ﵁ -؟ قال: نعم. وفي رواية لمسلم: أن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: إن الناس قد أستعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فامضاه عليهم. ومنهم من قال في المدخول بها: يقع ثلاث وفي الغير واحدة، لما في مسلم وأبي داود والنسائي أن أبا الصهباء كان كثير السؤال من ابن عباس قال: أما علمت أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًاُ قبل أن يدخل بها جعلوا ذلك واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر.؟ الحديث.
والذى ذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ائمة المسلمين ومنهم الأئمة الأربعة - وقوع الثلاث بفم واحد. ثم أجاب بما تقدم بعضه وأطال، وبسط القيل والقال، فإن أردت كمال الوقوف على هذه المسألة فارجع إليه وإلى الكتب المفصلة.
غير أنه قد تبين أن هذا القول لم ينفرد به الشيخ ابن تيمية، وأن شبهته
[ ٢٧٢ ]
في ذلك قوية، ومع ذا، فهي من المسائل الاجتهادية. هذا، ومن الغريب ما ذكرت الشيخ عبد الغني النابلسي عليه الرحمة في شرحه للطريقة المحمدية في هذه المسألة ما نصه: وقد رايت رسول الله - ﷺ - فسألته في المطلقة بالثلاث في المجلس الواحد، كيف حكمه عندك يا رسول الله؟ فقال: «هي ثلاث» كما قال «لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره» فقلت له إن جماعة من أهل الظاهر حكموا أنها واحدة؟ فقال: «هؤلاء حكموا بما وصل إليهم وأصابوا، وحكى أنا في المسألة ما ذكرت لك» وفي رؤيا طويلة، فمن ذلك الوقت صرت أقول بهذا الحكم عن رسول الله - ﷺ -. انتهى بحروفه.
قال العلامة الشوكاني في الدرر البهية: الراجح عدم الوقوع. انتهى - وهو الحق كما حققه شيخنا العلامة أبو الطيب القنوجي حماه الله تعالى في (الروضة الندية) فإن شئت زيادة الاطلاع فارجع إليه، والله سبحانه أعلم.
[حكم المكوس وهل تقوم مقام الزكاة؟]
(قوله: وإن المكوس حلال لمن أقطعها، وأنها إذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة، وإن لم يكن باسم الزكاة ولا رسمها) .
أقول: في القاموس: مكس في البيع يمكس: إذا جئ مالا. والمكس النقص والظلم. ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية. أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة.انتهى.
وقال ﵊: «لا يدخل صاحب مكس الجنة» يعني العشار. فعلي هذا أن المكوس ما يؤخذ من التجار بغير وجه شرعي.
(قلت): إن هذا القول المجمل لم يصحح نقله عن الشيخ ابن تيميه، غير أنه قد صرح فقهاؤنا رحمهم الله تعالى أنه لو أخذ السلطان
[ ٢٧٣ ]
من شخص أموالًا مصادرة، ونوى أداء الزكاة إليه، فعلى قول المشايخ المتأخرين يجوز.
قال العلامة ابن عابدين في رد المختار: والصحيح أنه لا يجوز، وبه تفنى، لأنه ليس للظالم ولاية أخذ الزكاة من الأموال الباطنة. ثم قال: وفي مختارات النوازل: السلطان الجائر إذا أخذ الخراج يجوز، ولو أخذ الصدقات أو الجبايات أ، أخذ مالا مصادرة إن نوى الصدقة عند الدفع قيل: يجوز أيضًا، وبه يفتى. وكذا إذا دفع إلى كل جائر بنية الصدقة، لأنهم بما عليهم من التبعات صاروا فقراء والأحوط الإعادة، انتهى.
وهذا موافق لما صححه في المبسوط، وتبعه في الفتح فقد أختلف التصحيح والإفتاء في الأموال إذا نوى المتصدق بها على الجائر وعلمت ما هو الأحوط. قلت: وشمل ذلك ما يأخذه المكاس، لأنه وإن كان في الأصل هو العاشر الذى ينصبه الإمام لكن اليوم لا ينصب لأخذ الصدقات، بل لسلب أموال الناس ظلمًا بدون حماية فلا تسقط الزكاة بأخذه، كما صرح به في البزازية. فإذا نوى التصدق عليه كان على الخلاف المذكور، انتهى ما في رد المختار باختصار.
وفي الحاوى للزاهدى نقلًا عن جمع التفارق: أنه ينوى الزكاة بما أخذه منه الظالم ظلمًا، وإن كان يأخذه الظالم على غير جهة الزكاة. ونقل أيضًا عن بعضهم: أن من أمتنع عن الزكاة فأخذها الإمام كرهًا ووضعها في أهله أجزأ، لأن الإمام ولاية أخذ الصدقات فقام أخذه مقام دفع المالك. قال مجد الأئمة فيه إشكال، لأن النية فيه شرط ولم توجد. انتهى.
فقد تبين أن هذه المسالة أيضًا خلافية، فإذا ذهب إلى أختيار أحد القولين فيها الشيخ ابن تيميه فلا يعاب، كما لا يخفى على من تضلع من المسائل
[ ٢٧٤ ]
الشرعية وأما ما نسب إليه أولًا أيضًا من جواز إقطاع المكوس، فالظاهر أنه ليس بصحيح العزو إليه كما سيأتى أمثال ذلك نعم، وجدت عبارة في فثاويه فلعلها هي المأخذ في عزو ما ذكر إليه مع أنها ليس فيها ما يصحح حمل ذلك عليه، فلا بأس بذكرها وهب قوله.
فصل: [في المظالم المشتركة]
مثل المشتركين في قرية إذا طلب منهم شئ يؤخذ على اموالهم أو عدد رءوسهم أو عدد دوابهم، كما يوضع على المتبايعين للثياب ونحوها بتأويل وجوب الجهاد بأموالهم وغيرها، مع ما دخل في ذلك من الظلم. ومثل ما يطلبه الولاة أحيانًا، كعند قدوم سلطان، أو حدث ولد له. ومثل المقاتلة الذين يسيرون حجاجًا أو تجارًا، ومثل الذين يقعدون على الجسور وأبواب المدائن فيأخذون شيئًا، فهؤلاء المكرهون على أداء هذه الأموال التى لا تجب شرعًا، وأخذها ظلم عليهم - لزم العد فيها يطلب منهم، وليس لبعضهم أن يظلم بعضًا فيما يطلب منهم، بل أما أن يؤدي قسطه فيكون عادلًا، وإما أن يؤدي زائدًا على قسطه فيعين شركاء فيكون محسنًا.
وليس له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك حتى يؤخذ ذلك من بقية الناس، بأن يجعل قسطه ايضًا عليهم لوجوه، منها: انه يفضى إلى أن الضعفاء الذين ليس لهم ناصر يؤخذ منهم جميع ذلك المال. ومنها أنه يعلم أن قسطه يوضع على غيره فكأنه قد أمر به. ومنها أن المسلمين إذا احتاجوا إلى مال يجمعونه لدفع عدوهم وجب على القادرين الاشتراك في ذلك. فعلى هذا إذا تغيب بعضهم أو امتنع من الأداء وأخذ من غيره حصته كان عليه أن يؤدي قدر نصيبه إلى من أدى عنه
- في أظهر قولي العلماء - ويعاقب على
[ ٢٧٥ ]
أدائه (١) كما يعاقب على سائر الحقوق الشرعية.
وكذلك من خلص ماله من قطاع الطريق، أو عسكر ظالم، أو متول ظالم، ولم يخلصه إلا بما أدى عنه فإنه يرجع بذلك عليه، وهو محسن إليه بذلك، وإن لم يكن مؤتمنًا على ذلك ولا مكرهًا على الأداء عنه - وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان! ومن جعله في هذا متبرعًا ولم يعطه شيئًا فقد قابل الإحسان بالإساءة. والمسألة خلافية، وما ذكرناه أعدل وأقرب للأدلة الشرعية. أنتهى مختصرًا.
[هل تنجس المائعات بموت حيوان]
(قوله: وإن المائعات لا تنجس بموت حيوان فيها كالفأرة) - أقول: اختلف الأئمة في مقدار الماء الذى إذا وقعت فيه نجاسة لا يتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة، فعند الشافعي وأحمد في المشهور عنه: إذا بلغ قلتين لا يحمل خبثًا. وعند أبي حنيفة: يتنجس الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة وإن تغير أحد أوصافه، إلا إذا كان جاريًا أو غير جار لكنه كثير، فإنه لا يندس إلا إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة فإنه ينجس.
وقدر الكثير عنده بالغدير العظيم الذى لا يتحرك طرفه بتحرك الطرف الآخر، أو بما كان عشره أذرع في عشرة أذرع، فيكون وجه الماء مائة ذراع. وعند مالك: الماء لا ينجس ولو كان قليلًا إلا إذا تغير أحد أوصافه. وهذا كله مبسوط في كتب المذاهب.
وأختلفوا أيضًا في أن النجاسة هل تزال بكل مائع طاهر، أم بالماء خاصة فقالت الأئمة الثلاثة: لا تزال النجاسة إلا بالماء.
وقال إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تزال بكل مائع مزيل
_________________
(١) قوله «على أدائه» لعله «على عدم أدائه» أهـ. هامش الأصل.
[ ٢٧٦ ]
غير الأدهان فإنها لا تزال بها النجاسة، وأما الخل ونحوه فإنه تزال به النجاسة.
واختلفوا ايضًا في ان سائر المائعات كالخل ونحوه إذا وقعت فيه نجاسة هل ينجس مطلقًا ولو كان كثيرًا، أو لا ينجس الكثير كالماء الكثير؟ فيه خلاف، وهذا هو موضوع هذه المسألة، ولنذكرك إن شاء الله تعالى أقوال العلماء في ذلك.
وحاصل قول الشيخ ابن تيميه فيما هنالك، حتى يتضح الحالك، ويبدو للسالك أنه قد سلك واضح المسالك. فقد قال المحقق الحصكفى الحنفى في الدر المختار: وحكم سائر المائعات كالماء في الأصح حتى ولو وقع بول في عصير عشر في عشر، أى في حوض كبير لا يتحرك طرفه بتحرك الأخر المقدر بعشر في عشر، لم يفسد ذلك العصير أى لم يظهر أثر النجاسة. ولو سال دم رجله مع العصير لا ينجس. ويحل شربه، لأنه جعل في حكم الماء عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد. انتهى بتوضيح من المحشى.
وقال في موضع آخر في باب المياه أيضًا، ثم المختار: طهارة المتنجس بمجرد جريانه، وكذا البئر وحوض الحمام. قال محشيه العلامة ابن عابدين بعد كلام كثير في تطهير ماء الحوض الصغير والأواني، وأنه هل يطهر بمجرد خروج الماء منها أم لا؟ والخلاف في ذلك ما نصه: وأخبرني شيخنا حفظه الله تعالى أن بعض أهل عصره في حلب أفتى بذلك، أى بمطلق السيلان منها حتى في المائعات، وإنهم أنكروا عليه ذلك، وأقول مسألة العصير تشهد لما أفتى به، وقد مر أن حكم المائعات كالماء في الأصح.
فالحاصل أن ذلك له شواهد كثيرة، فمن أنكره وأدعى خلافه يحتاج إلى إثبات مدعاه بنقل صريح لا بمجرد أنه لو كان كذلك لذكروه في تطهير المائعات
[ ٢٧٧ ]
كالزيت ونحوه. على أنه في القهستاني أن المائع كالماء والدبس (١) وغيرهما طهارته إما بإجرائه مع نجسه، وإما بالخلط مع الماء، كما إذا جعل الدهن في الخابية ثم صب فيه ماء مثله، وحرك ثم ترك حتى يعلو وثقب أسفلها حتى يخرج الماء، هكذا يفعل ثلاثًا، فإنه يطهر كما في الزاهدي أنتهى باختصار.
وفي فتاوى الشيخ ابن تيميه ما ملخصه:
مسائل في الزيت اليسير تقع فيه النجاسة، مثل الفأرة ونحوها، وماتت فيه هل ينجس أم لا؟ وإذا قيل ينجس فهل يجوز أن يكاثر بغيره حتى يبلغ قلتين أم لا؟ وإذا قيل تجوز المكاثرة هل يلقى الطاهر على النجس أو بالعكس، أو لا فرق؟ وإذا لم تجز المكاثرة وقيل بنجاسته هل لهم طريق في الانتفاع به مثل الاستصباح به أو غسله إذا قيل يطهر بالغسل أم لا؟ وإذا كانت المياه النجسة اليسيرة تطهر بالمطاثرة هل تطهر سائر المائعات بالمكاثرة أم لا؟ .
الجواب - أصل هذه المسألة أن المائعات إذا وقعت فيها نجاسة فهل تنجس؟ إن كانت كثيرة فوق القلتين، أو تكون كالماء فلا تنجس مطلقًا إلا بالتغيير؟ .
أولًا ينجس الكثير إلا بالتغير كما إذا بلغت قلتين؟ فيه عن أحمد ثلاث روايات: أحدها - أنها تنجس ولو مع الكثرة، وهو قول الشافعي وغيره.
والثانية - أنها كالماء سواء كانت مائية أو غير مائية، وهو قول طائفة من السلف والخلف كابن مسعود وابن عباس والزهري وابي ثور وغيرهم نقله المروزي عن ابي ثور. وحكي ذلك لأحمد، فقال: إن أبا ثور شبهه بالماء،
[ ٢٧٨ ]
ذكر ذلك الخلال في جامعة عن المروزي، وكذلك ذكر أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن حكم المائعات عندهم حكم الماء ومذهبهم في المائعات معروف فيه إذا كانت منبسطة بحيث لا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الأخر لم يتنجس كالماء عندهم.
وأما أبو ثور فإنه يقول بالقلتين كالشافعي. والقول أنها كالماء، يذكر قولًا في مذهب مالك رحمه الله تعالى، وقد ذكر أصحابه عنه في يسير النجاسة إذا وقعت في الطعام الكثير روايتين. وروى عن ابن نافع من المالكية في الحباب التى بالشام للزيت تموت فيه الفأرة: أن ذلك لا يضر الزيت.
وقال ابن الماجشون في الزيت وغيره تقع فيه الميتة ولم يتغير أوصافه وكان كثيرًا: لم ينجس بخلاف موتها فيه. ففرق بين موتها فيه ووقوعها فيه.
ومذهب ابن حزم وغيره من أهل الظاهر: أن المائعات لا تنجس بوقوع النجاسة إلا السمن إذا وقعت فيه فأرة، كما يقولون: إن الماء لا ينجس إلا إذا بال فيه بائل. والثالثة - يفرق بين المائع المائي كخل الخمر وغير المائي كخل العنب، فيلحق الأول بالماء دون الثاني.
وفي الجملة للعلماء في المائعات ثلاثة أقوال: أحدها - أنها كالماء. والثاني أنها أولى بعدم التنجس من الماء لأنها طعام وإدام فإتلافها فيه فساد، ولأنها أشد إحالة للنجاسة من الماء، أو مباينة لها من الماء. والثالث - أن الماء أولى بعدم التنجس منها لأنه طهور. وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، وذكرنا حجة من قال بالتنجس وأنهم احتجوا بقوله ﵊: «إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم، وإن كان مائعًا فلا تقربوه» رواه أبو داود وغيره. وبينا ضعف
[ ٢٧٩ ]
هذا الحديث، وطعن البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي والدارقطني وغيرهم فيه، أنهم بينوا أنه غلط فيه معمر على الزهري.
قال أبو داود في الفأرة تقع في السمن: حدثنا مسدد حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ميمونة: «أن فأرة وقعت في سمن فأخبر النبي - ﷺ - فقال: ألقوها وما حولها وكلوا» واما حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوه» قال محمد بن إسماعيل: فيه خطأ، والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. وبتقدير صحة قوله «إن كان مائعًا فلا تقربوه» فإنما يدل على نجاسة القليل الذى وقعت فيه النجاسة كالسمن المسئول عنه، فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق القلتين يقع فيه فأرة، حتى يقال: إنه يفيد العموم، إذ السمن الذي يكون عند أهل المدينة أو في أوعيتهم يكون في الغالب قليلًا، فلو صح هذا اللفظ لم يدل إلا على نجاسة القليل.
فأما المائعات الكثيرة إذا وقعت فيها نجاسة فلا يدل على نجاستها نص لا صحيح ولا ضعيف ولا لإجماع ولا قياس صحيح. ومن ينجسه ظن أن النجاسة إذا وقعت في ماء أو مائع سرت فيه كله فنجسته.
وقد عرف بأن هذا لم يقل بطرده أحد من المسلمين، فإن طرده يوجب نجاسة البحر. بل الذين قالوا هذا الأصل منهم من أستثنى ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، ومنهم من أستثنى في بعض النجاسات ما لا يمكن نزحه ومنهم من استثنى ما فوق القلتين، وعلل بعضهم المستثنى بمشقة التنجيس وبعضهم بعدم وصول النجاسة إلى الكثير، وبعضهم يتعذر التطهير. وهذه
[ ٢٨٠ ]
العلل موجودة في كثير من الأذهان، فإنه يكون في الحب العظيم قناطير مقنطرة من الزيت. ولا يمكنهم صيانته عن الواقع، فالعسر والحرج بتنجيس هذا عظيم جدًا. ولهذا لم يرد في تنجيس الكثير أثر عن النبي - ﷺ -، ولا عن الصحابة.
وأختلف قول الإمام أحمد في تنجس الكثير، وأما القليل فإنه ظن صحة حديث معمر فأخذ به. وقد أطلع غيره على العلة القادحة فيه، ولو أطلع عليها لم يقل به. وروى عن ابن عباس أنه سئل عن فأرة كانت في سمن؟ قال: تؤخذ الفأرة وما حولها. قلت: يا مولانا إن أثرها في السمن كله؟ فقال للسائل عضضن بهن ابيك؟ إنما كان أثرها في السمن وهي حية وإنما ماتت حيث وجدت. وعن أبي حزن بن أبي السود الدؤلى قال: سئل ابن مسعود عن فأرة وقعت في سمن فقال: إنما حرم من الميتة لحمها ودمها. قلت: فقول معمر «فلا تقربوه» متروك عند عامة السلف والخلف، فإن جمهورهم يجزون الاستصباح به، وكثير منهم يجوز بيعه أو تطهيره، وهذا مخالف لقوله «فلا تقربوه» ثم ذكر مذهب مالك وغيره في الماء وأنه لا يندس عند مالك بوقوع النجاسة إذا لم يتغير. وذكر عن الغزالي أنه قال: وددت أن مذهب الشافعي في المياه كمذهب مالك - إلى أن قال - وفي الجملة هذا القول هو الصواب. وذلك أن الله تعالى حرم الخبائث التى هي الميتة، والدم، ولحم الخنزير ونحو ذلك، فإذا وقعت هذه في الماء أو غيره واستهلكت لم يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير اصلًا، كما أن الخمر إذا أستهلكت في المائع لم يكن الشارب لها شاربًا للخمر، إذا أستحالت بنفسها وصارت خلًا كانت طاهرة بالاتفاق.
وهذا على أصل من يقول: إن النجاسة إذا أستحالت طهرت، وهذا قوى كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأهل الظاهر، وأحد القولين
[ ٢٨١ ]
في مذهب مالك وأحمد. فإن انقلاب النجاسة ملحًا ورمادًا ونحو ذلك هو كانقلابها ماء، فلا فرق بين أن يستحيل ملحًا أو رمادًا أو ماءً أو هواءًا ونحو ذلك. وهذه الأدهان والألبان والأشربة الحلوة والحامضة وغيرها من الطيبات والخبيثة قد أستهلكت واستحالت فيها، فكيف يحرم الطيب الذى أبيح؟ وإذا قيل: إنه خالطه الخبيث فحرم.
فالجواب عنه: أن بئر بضاعة لما ذكر له ﵊ أنه يلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب، فقال ﵊: «الماء طهور ولا ينجسه شئ - وقال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» .
وفي لفظ «لم ينجسه شئ» إلى أن قال: ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد، وقال بهذا القول هو رواية عن أحمد يعني بعدم تنجس الماء القليل إذا لم يتغير، قال في المائعات كذلك، كما قاله الزهري وغيره.
فهؤلاء لا ينجسون شيئًا من املائعات إلا بالتغير، كما ذكره البخاري لكن المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء، وكذلك في المائعات إذا سويت به. أنتهى ملخصًا. وقد أطنب وفصل فمن أراد كمال الإطلاع على هذا المفضل، فعليه الكتاب المفصل.
وفي شرح العيني لصحيح البخاري عند حديث: سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال - ﷺ -: «ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم» ما نصه: أن الجمهور ذهبوا إلى نجاسة المائع بوقوع النجاسة فيه، وإذا كان جامدًا يطرح ما حول النجس وشد قوم فجعلوا المائع كله كالماء. وسلك داود ابن على مسلكهم. أنتهى.
فقد تبين لك أن الشيخ ابن تيميه لم ينفرد بهذا القول لما سرد من أدلته النقلية والعقلية، فافهم والله تعالى أعلم.
[ ٢٨٢ ]
[هل للجنب أن يصلى التطوع ليلًا قبل أن يغتسل؟]
(قوله: وإن الجنب يصلى تطوعه بالليل ولا يؤخره إلى أن يغتسل قبل الفجر وإن كان بالبلد) -
أقول: إن هذه المسألة لها نظائر مصححة عند كثير من الأئمة. وللمجتهد فيها مدار على قيامها بغيرها من المسائل الآتية، وهو الذى يلوح من كلام الشيخ محيى الدين ابن عربي في الفترحات، كما سيأتى ذلك إن شاء الله تعالى فيما حكاه ابن رجب فلا تغفل.
[شرط الواقف هل يعتبر أو لا؟]
(قوله: وإن شرط الواقف غير معتبر، بل لو وقف على الشافعية صرف إلى الحنفية إلى آخره) -
أقول: إنهم في الحقيقة صرحوا أن شرط الواقف كنص الشارع، يعني لا يخالف، لكن صرحوا ايضًا بأنه قد يخالف في مسائل منها - كما في رد المختار للعلامة محمد أمين بن عابدين - أنه لو شرط الواقف أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا فللقيم التصديق على سائل غير ذلك المسجد، أو خارج المسجد، أو على من لا يسأل: أنتهى.
ومثله في حاوى الزاهدى، فليمكن قول الشيخ ابن تيميه من هذا القبيل أو اجتهادًا منه كما اجتهد في كثير من المسائل علماء المذاهب الأربعة، ومن يتتبع يعرف، فاعرف ذاك، والله تعالى يتولى هدانا وهداك -.
[اختيارات أخرى ذهب إليها ابن تيميه]
(قوله: وأمثال ذلك) -
أقول: لعله يعني بها المسائل التى ذكرها العلامة ابن رجب الحنبلي في ترجمته الطويلة.
[ ٢٨٣ ]
فقد قال ابن العماد في الشذرات ما نصه: قال ابن رجب: كانت العلماء والصلحاء والجند والأمراء والتجار وسائر العامة تحبه لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا بلسانه وعلمه وله مفردات، أختار ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه.
القول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير، قليلًا كان أو كثيرًا.
القول بجواز المسح على النعلين والقدمين، وكل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقف مع إمكان النزاع وتيسره، واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.
واختار جواز التيمم بخشية فوات الوقت في حق المعذور، كمن أخر الصلاة عمدًا حتى تضايق وقتها.
وكذا من خشى فوات الجمعة والعيدين وهو محدث، واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول في الحمام وتكرره انها تتيمم وتصلى.
واختار أن لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضين، ولا لسن الياس، وان ذلك إلى ما تعرفه مل امرأة من نفسها.
وأختار أن تارك الصلاة عمدًا لا يجب عليه القضاء ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل. وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، كما هو مذهب الظاهرية.
وأختار القول بأن البكر لا تستبرئ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر - ﵁ - واختاره البخاري. والقول بان من أكل في شهر
[ ٢٨٤ ]
رمضان معتقدًا أنه ليل، وكان نهارًا لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر - ﵁ -، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم.
والقول بجواز المسابقة بلا محلل وإن أخرج المستبقان.
والقول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة والمطلقة آخر ثلاث طلقات.
والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين. وجواز طواف الحائض ولا شئ عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرًا.
والقول بجواز بيع الأصل بالعصير كالزيتون بالزيت، والسمسم بالشيرج متفاضلًا، وجعل الزائد من الثمن في مقابلة الصنعة.
والقول بالتكفير في الحلف بالطلاق، وهو من الأقوال المشهورة التى جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل، وأن الثلاث بلفظة لا يقع إلا واحدة. وأن الطلاق المحرم لا يقع. وله في ذلك مؤلفات كثيرة لا تحصر ولا تنضبط أهـ.
وأنت تعلم أن كثيرًا من ذلك هو قول لأحد المذاهب الربعة أو لداود الظاهري، أو لأحد الصحابة الكرام، أو أحد التابعين. وقد بينت البعض فيما سبق، وسأبين الباقي إن شاء الله تعالى فيما سيلحق.
والحاصل - أن هذه الأقوال والاختبارات إما له فيها سلف، أو أدلة بحسب الظاهر قويات فلا تغفل.
[رأى ابن تيميه في الحسن والقبح]
(قوله: ومن مسائل الأصول مسألة الحسن والقبح التزم كل ما يرد عليها - أقول: يا لله العجب! من إجمال هذا النقل والتشنيع على هذا القول كما لا يخفى عدم حسنه عند ناقد بصير، لأن هذه المسألة كما ستقف إن شاء الله تعالى على تفصيلها، أختلف العلماء في تفريعها وتأصيلها. فعند الأشعرية هما
[ ٢٨٥ ]
شرعيان. وعند غالب الحنفية وكثير من أصحاب المذاهب وجمهور المعتزلة عقليان. فإذا خالف الشيخ ابن تيمية قول السادة الأشعرية ووافق قوله غير واحد من الحنفية أو الشافعية أو الحنبلية، هل ينبغي أن يعد ذلك من الأقوال المطعونة والآراء المرذولة، بحيث إذا سمع هذا التجهيل جاهل، أو عالم عن الاختلاف غافل، يظن أن الشيخ ابن تيمية قد تفرد بهذه المسألة، وشذ عن أهل السنة النبوية، ولم يعلم أنه قد أختلف فيها أيضًا من فحول الأئمة الماتريدية، فاستمع الآن ما تنقله لك من كتب الاسلاف التى هي كفيلة بتبيان الخلاف.
قال العلامة صدر الشريعة الحنفى في التوضيح شرح التنقيح: هذه المسألة من أمهات مسائل الأصول، ومهمات مباحث المعقول والمنقول، ومع ذلك هي مبنية على مسائل الجبر والقدر التى زلت في بواديها أقوام الراسخين، وضلت في مباديها أفهام المتفكرين، وغرقت في بحارها عقول المتبحرين. وحقيقة الحق فيها - أعنى الحق بين الإفراط والتفريط - سر من أسرار الله تعالى التى لا يطلع إلا خواص عباده. وهأنذا بمعزل من ذلك، لكن أوردت مع العجز عن درك الإدراك قدر ما وقفت عليه، ووقفت لإيراده.
أعلم أن العلماء قد ذكروا أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان:
الأول: كون الشئ ملائمًا للطبع ومنافرًا له.
والثاني: كونه صفة كمال، وكونه صفة نقصان.
والثالث: كون الشئ متعلق المدح عاجلًا والثواب آجلًا، وكونه متعلق الذم عاجلًا والعقاب آجلًا.
فالحسن والقبح بالمعنيين الأولين يثبتان بالعقل أتفاقًا، أما بالمعني الثالث فقد أختلفوا فيه، فعند الأشعري لا يثبتان بالعقل بل بالشرع فقط. فهذا بناء على أمرين:
[ ٢٨٦ ]
أحدهما - أن الحسن والقبح ليسا لذات الفعل وليس للفعل صفة يحسن الفعل أو يقبح لأجلها عند الأشعري.
وثانيهما - أن فعل العبد ليس باختياره عنده، فلا يوصف بالحسن والقبح ومع ذلك جوز كونه متعلق الثواب والعقاب بالشرع، بناء على أن عنده لا يقبح من الله تعالى أن يثبت العبد أو يعاقبه على ما ليس باختياره، لأن الحسن والقبح لا ينسبان إلى أفعال الله تعالى عنده.
فالحسن والقبح بالمعني الثالث يكونان عند الأشعري بمجرد كون الفعل مأمورًا به ومنهيًا عنه. فالحسن عنده ما أمر به والقبيح ما نهى عنه. وعند المعتزلة ما يحمد على فعله سواء يحمد عليه شرعًا أو عقلًا. والقبح ما يذم على فعله. ثم بعد ما أبطل دليل الأشعري بما يطول نقله قال: وعند بعض أصحابنا يعني الحنفية والمعتزلة حسن بعض أفعال العباد وقبحها يكونان لذات الفعل أو لصفة له ويعرفان عقلًا أيضًا، لأن وجوب تصديق النبي - ﷺ - إن توقف على الشرع يلزم الدور، وإن لم يتوقف على الشرع كان واجبًا عقلًا فيكون حسنًا عقلًا. وأيضًا وجوب تصديق النبي - ﷺ - موقوف على حرمة الكذب، فهي إن ثبتت شرعًا يلزم الدور، وإن ثبتت عقلًا يلزم قبحًا عقلًا.
ثم قال: ولما أثبتنا الحسن والقبح العقليين - وفي هذا القدر لا خلاف بيننا وبين المعتزلة - أردنا أن نذكر بعد ذلك الخلاف بيننا وبينهم، وذلك في امرين:
أحدهما - أن العقل عندهم حاكم مطلقًا بالحسن والقبح على أن الله تعالى وعلى العباد. أما على الله تعالى فلأن الأصلح واجب على الله تعالى بالعقل، فيكون تركه حرامًا على الله تعالى. والحكم بالوجوب والحرمة يكون حكمًا بالحسن والقبح ضرورة. وأما على العباد فلأن العقل عندهم يوجب الأفعال عليهم
[ ٢٨٧ ]
ويبيحها ويحرمها من غير أن يحكم الله تعالى فيها بشئ من ذلك. وعندنا، الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى، وهو متعال عن أبي يحكم غيره، وعن أن يجب عليه شئ، وهو خالق أفعال العباد، جاعل بعضها حسنًا وبعضها قبيحًا وله في كل قضية كلية أو جزئية حكم معين، وقضاء مبين، وإحاطة بظواهره وبواطنها، وقد وضع فيها ما وضع من خير أو شر، ومن نفع أو ضر، ومن حسن أو قبح.
وثانيًا - أن العقل عندهم يوجب العلم بالحسن والقبح بطريق التوليد بأن يولد العقل العلم بالنتيجة عقب النظر الصحيح. وعندنا العقل آلة لمعرفة بعض من ذلك، إذ كثير مما حكم الله تعالى بحسنه أو قبحه لم يطلع العقل على شئ منه، بل معرفته موقوفة على تبليغ الرسل، لكن البعض منه قد أوقف الله تعالى العقل على انه غير مولد للعلم، بل أجرى عادته بخلق بعضه من غير كسب، وبعضه بعد الكسب. أى ترتيب العقل المقدمات المعلومة ترتيبًا صحيحًا على ما مر أنه ليس لما قدرة إيجاد الموجودات، وترتيب الموجودات ليس بإيجاده. أهـ. ملخصًا.
وكتب السعد في تلويحه على قوله «وعندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى» ما نصه: لا يقال هذا مذهب الأشاعرة بعينه، لأنا نقول: الفرق هو أن الحسن والقبح عند الأشاعرة لا يعرفان إلا بعد كتاب ونبي وعلى هذا المذهب قد يعرفها العقل بخلق الله تعالى علمًا ضروريًا بهما، إما بلا كسب كحسن تصديق النبي وقبح الكذب الضار، وإما مع كسب كالحسن والقبح المستفادين من النظر في الأدلة وترتيب المقدمات، وقد لا يعرفان إلا بالنبي والكتاب كأكثر أحكام الشرع. أهـ. ملخصًا.
وقال التاج السبكي في جمع الجوامع: الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع
[ ٢٨٨ ]
ومنافرته وصفة الكمال والنقص - عقلي وبمعنى الذم عاجلًا والعقاب آجلًا - شرعي، خلافًا للمعتزلة. قال شارحه ولي الدين أحمد الشهير بابي زرعه العراقي الشافعي: الحسن والقبح يطلق بثلاثة اعتبارات:
أحدها - ما يلائم الطبع وينافره، كقولنا: إنقاذ الفريق حسن، وإتهام البرئ قبيح.
الثاني - صفة الكمال والنقص، كقولنا: العلم حسن والجهل قبيح وهو بهذين الاعتبارين عقلى بلا خلاف، أى أن العقل يستقل بإدراكها من غير توقف على الشرع.
الثالث: ما يوجب المدح أو الذم الشرعي عاجلًا، والثواب أو العقاب آجلًا وهو موضع الخلاف. والمعتزلة قالوا: هو عقلى أيضًا، يستقل العقل بإدراكه. وهل أهل السنة: هو شرعي لا يعرف إلا بالشرع. أهـ.
ونقل العلامة السفاريني عند شرح قوله: [رجز]
وربنا يخلق باختيار من غير حاجة ولا اضطرار
لكنه لا يخلق الخلق سدى كما أتى في النص فاتبع الهدى
ما نصه: قال شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله تعالى روحه: ونشا من هذا الاختلاف نزاع بين المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم في مسألة التحسين والتقبيح العقلي، فأثبت ذلك المعتزلة والكرامية، وغيرهم، ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، واهل الحديث وغيرهم - ﵁ -، ونفى ذلك الأشعرية ومن وافقهم من اصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وأتفق الفريقان على أن الحسن والقبيح إذا فسر أيكون الفعل نافعًا للفاعل ملائمًا له، وكونه ضارًا للفاعل منافرًا له أنه تمكن معرفته بالعقل كما يعرف بالشرع وظن من ظن من هؤلاء أن الحسن والقبح المعلوم بالشرع خارج عن هذا، وليس كذلك، بل جميع الأفعال التى أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة لفاعليها ومصلحة لهم، وجميع الأفعال التى نهى الله تعالى عنها هي ضارة لفاعليها ومفسدة في حقهم.
[ ٢٨٩ ]
والحمد والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة له. والذم والعقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل مفسدة له. والمعتزلة اثبتت الحسن في افعال الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من أفعاله تعالى.
قال الشيخ: ومنازعوهم لما أعتقدوا ان لا حسن ولا قبح في الفعل إلا ما عاد إلى الفاعل منه حكم، نفوا ذلك وقالوا: القبيح في حق الله تعالى هو الممتنع لذاته، وكل ما يقدر ممكنًا من الأفعال فهو حسن، إذ لا فرق بالنسبة إليه عندهم بين مفعول ومفعول، وأولئك - يعني المعتزلة - اثبتوا حسنًا وقبحًا لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم بذاته. وعندهم لا يقوم بذاته ولا وصف ولا فعل ولا غير ذلك، وغن كانوا قد يتناقضون. ثم أخذوا يقيسون ذلك على ما يحسن من العبد ويقبح، فجعلوا يوجبون على الله سبحانه من جنس ما يوجبون على العبد، ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد، ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته، فلا يثبتون له مشيئه عامة ولا قدرة تامة. فلا يجعلونه على كل شئ قديرًا، ولا يقولون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يقرون بانه خالق كل شئ. ويثبتون له من الظلم ما نزه نفسه عنه، فإنه سبحانه قال: ﴿ومن يعلم من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾ [طه ١١٢] أى لا يخال أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره، ولا يهضم من حسناته.
والحاصل - أن فعل الله تعالى وتقدس وأمره لا يكون لعلة في قول مرجوح - أختاره كثير من علمائنا وبعض المالكية والشافعية، وقاله الظاهرية والأشعرية والجهمية.
والقول الثاني - أنها لعلة وحكمة، أختاره الطوفي، وهو مختار شيخ
[ ٢٩٠ ]
الإسلام ابن تيميه وابن القيم وابن قاضي الجبل وحكاه عن إجماع السلف وهو مذهب الشيعة والمعتزلة.
لكن المعتزلة تقول بوجوب الصلاح، ولهم في الأصلح قولان. والمخالفون لهم يقولون بالتعليل لا على منهج المعتزلة. قال شيخ الإسلام: لأهل السنة في تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه قولان، والأكثرون على التعليل والحكمة، وهل هي منفصلة عن الرب ولا تقوم به، أو قائمة مع ثبوت الحكم المنفصل، لهم فيه أيضًا قولان. وهل يتسلسل الحكم أولا بتسلسل، أو يتسلسل في المستقبل دون الماضي؟ فيه أقول.
قال: احتج المثبتون للحكمة والعلة بقوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ [المائدة ٣٢] وقوله تعالى: ﴿كي لا يكون دولة﴾ [الحشر ٧] وقوله سبحانه: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم﴾ [البقرة ١٤٣] ونظائرها، ولأنه تعالى حكيم شرع الأحكام لحكمة ومصلحة، لقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والإجماع واقع على اشتمال الأفعال على الحكم والمصالح، جوازًا عند أهل السنة، ووجوبًا عند المعتزلة، فيفعل ما يريد بحكمته.
وتقدم أن النافين للحكمة والعلة احتجوا بما أحتجوا به انه يلزم من قدم العلة قدم المعلول وهو محال، ومن حدوثها افتقارها إلى علة أخرى، وأنه يلزم التسلسل.
قال الإمام الرازي. وهو مراد المشايخ بقولهم: كل شئ صنعه ولا علة لصنعه. وما أجاب به من قال بالحكمة، وانها قديمة لا يلزم من قدم العلة قدم معلولها، كالإدارة فإنها قديمة ومتعلقها حادث.
والحاصل - أن شيخ الإسلام وجمعًا من تلامذته أثبتوا الحكمة والعلة أفعال الباري سبحانه واقاموا على ذلك من البراهين ما لعله لا يبقى في مخيلة
[ ٢٩١ ]
الفطين، السالم من ربقة تقليد الأساطين - أدنى اختلاج وأقل تخمين، منها قوله تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة ٣٦] وقوله تعالى ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ [المؤمنون ١١٥] وغير ذلك.
واما الإمام شمس الدين ابن القيم قد أجلب وأجنب، واتى بما يقضى منه العجب، في كتابه «شرح منازل السائرين» و«مفتاح دار السعادة» وغيرهما فمن أراد تنمية البحث والأدلة فليرجع إليهما، وإلى شرح عقيدة السفاريني عليه الرحمة. وقال أيضًا عند شرح قوله: [رجز]
فكل ما منه تعالى يحمل لأنه عن فعله لا يسئل
ما بعضه: مذهب الأشاعرة أن أفعال البارى تعالى ليست معللة بالأغراض والمصالح، ويقولون: إنه سبحانه يفعل هذه الحوادث عند الأسباب، واللام للعاقبة لا للتعليل. ومذهب الماتريدية: امتناع خلو فعله عن المصلحة، كما قال السعد.
والحق أن تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية بالحكم والمصالح ظاهر، وأنه مذهب سلف الأمة. والقول الوسط كما حكاه الشيخ في «شرح الأصبهانية» لأنه تعالى خلق كل شئ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ويثبتون لله تعالى حكمة يفعل لأجلها قائمة به ﷿. أهـ.
وقال بعض الأشاعرة: إنهم يقولون بالحكمة والمصلحة في نفس الآمر لأنهم يمنعون العبث في افعاله سبحانه، كما يمنعون الغرض، ولذلك كان التعبدي من الأحكام ما لا يطلع على حكمته لا مالا حكمه له، على أن بعضهم نقل عن الأشاعرة أنهم إنما يمنعون وجوب التعليل لا أنهم يحيلونه، كما صرح به ابن عقيل الحنبلى، واستغربه بعض الأشاعرة، أهـ. وقال أيضًا عند شرح قوله: [رجز]
فلم يحب عليه فعل الأصلح ولا الصلاح ويح من لم يفلح
[ ٢٩٢ ]
خلافًا للمعتزلة. فمعتزلة البصرة قالوا بوجوب الأصلح في الدين، وقالوا تركه بخل ويفه يجب تنزيه البارى تعالى عنه، ومنهم الجبائي. وذهب معتزلة بغداد إلى وجوب الصلح في الدين والدنيا معًا، لكن بمعنى الأوفق في الحكمة والتدبير. وهذه المسألة مترجمة في كتب القوم بمسألة وجوب الصلاح والأصلح أنتهى.
قلت: والكلام فيها مبسوط في محله. وقصة الأشعري مع الجبائي المتقدمة لك في ترجمته قاضية بحقية مذهب أهل السنة ثم قال:
تنبيه - مذهب القول بالصلاح والأصلح مبني فيما قاله متكلموا الأشاعرة وغيرهم على قاعدتين:
إحداهما - تحسين العقل وتقبيحه في الأحكام الشرعية.
الثانية - استلزام الأمر للإدارة، فإن قلت: قد أسلفت أن أسلافك مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهما لهم الميل الاستدلال لإثبات التعليل والحكمة في الخلق والأمر، وذلك من اصول القول بالصلاح والأصلح. ثم هنا أبطلت هذا القول، وذكرت من لوازمه ما لا جواب عنه فما تصنع في هذه اللوازم التى ألزمت بها المعتزلة وما الجواب عنها إذا وجهت إليكم؟.
قلت: لا ريب، إنما نثبت لله وما أثبته لنفسه، وشهدت به الفطرة والعقول من الحكمة في خلقه وأمره، فكل ما خلقه وامر به فله فيه حكمه بالغة. وآية ظاهرة لأجلها خلقه وأمر به. لكن نقول: إن الله تعالى في خلقه كالفرق بين الفعلين، وكالفرق بين الوصفين والذاتين، فليس كمثله شئ في وصفه ولا في فعله ولا في حكمه مطلوبة له.
بل الفرق بين الخالق والمخلوق في ذلك كله أعظم فرق وابينه وأوضحه عند العقول والفطر، وعلى هذا فجميع ما ألزمت به الفرق القائلة بالصلاح
[ ٢٩٣ ]
والأصلح، بل واضعاف ما ذكر من الإلزاميات فيه حكمة يختص بها لا يشاركه فيها غيره، ولأجلها حسن منه ذلك، وقبح من المخلوقين لانتفاء تلك الحكمة في حقهم. وهذا كما يحسن منه تعالى مدح نفسه والثناء عليها، وإن قبح من اكثر خلقه ذلك. ويليق بجلالة الكبرياء والعظمة، ويقبح من خلقه تعاطيها كما روى عنه - ﷺ - أنه حكى عن الله تعالى أنه قال: «الكبرياء إزارى والعظمة ردائى، فمن نازعني واحدًا منها عذبته» وكما يحسن منه إماتة خلقه وابتلاؤهم وامتحانهم بانواع المحن، ويقبح ذلك من خلقه.
وهذا أكثر من أن تذكر أمثلته، فليس بين الله تعالى وبين خلقه جامع يوجب أن يحسن منه ما حسن منهم، ويقبح منه ما قبح منهم، وإنما تتوجه تلك الإلزامات على من قاس أفعال الله تعالى بأفعال العباد، دون من أثبت له حكمه يختص بها لا تشبه ما للمخلوقين من الحكمة، فهو عن تلك الإلزامات بمعزل، ومنزلة منها أبعد منزل.
ونكتة الفرق أن بطلان الصلاح والأصلح لا يستلزم بطلان الحكمة والتعليل كما أن التعليل الذى نثبته غير الذى تثبته المعتزلة كما مر، فإن المعتزلة أثبتوا لله شريعة عقلية، وأوجبوا عليه فيها وحرموا بمقتضى عقولهم. فالمعتزلة يوجبون على اله تعالى ويحرمون بالقياس على عباده، ولا ريب أن هذا من أفسد القياس وأبطله كما نبه عليه وبينه الإمام المحقق ابن القيم في كتابه: (مفتاح دار السعادة) . وأما زعم المعتزلة استلزام الآمر للإرادة فباطل لا يعول عليه وبالله تعالى التوفيق. أهـ.
فإذا أحطت خبرًا بما تقرر علمت أن في المسألة أقوالًا، وأن العلماء قد كثر بينهم لذلك القيل والقال. فخذ ما طابق الكتاب وأترك الجدال.
[ ٢٩٤ ]
تتمة
[أفعال العباد]
مسألة أفعال العباد من أعظم المسائل الدينية. والمذاهب الشهيرة ثلاثة: فمذهب المعتزلة - أن الإنسان خالق لأفعاله، سواء كانت خيرًا أم شرًا، وسموا لذلك بالقدرية، وهم لقبوا أنفسهم بالعدلية لذلك، ثم أقترفوا فرقتين، فالأولى تنكر سبق علم الله تعالى بالأشياء قبل وجودها، وقد أنقرضت هذه.
الثانية - كما قال الحافظ ابن حجر في فتح البارى - إنهم مطبقون على أنه سبحانه عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأنها مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال. والمتأخرون منهم أنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالحادث. وذهبت الجبرية أنه لا فعل للعبد أصلًا، وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة له عليها، ولا قصد ولا اختيار. فالمعتزلة على ما قال غير واحد من أهل السنة: ضاهت المجوس. والجبرية شابهت المشركين الذين قالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ﴾ [الأنعام ١٤٨] . وذهب السلف الصالح، وكثير من الأشاعرة وغيرهم إلى أن أفعالنا مخلوقة لله ﷾، لكنها كسب لنا كما قال الفهامة الشيخ محمد السفاريني الشامي الحنبلي في منظومته: [رجز]
أفعالنا مخلوقة لله لكنها كسب لنا يا لا هي
وكل ما يفعله العباد من طاعة وضدها مراد
لربنا من غير ما أضطرار منه لنا فافهم ولا تمارى
والكسب عند المتكلمين: ما وقع من الفاعل مقارنًا لقدرة محدثة اختيار.
وقيل: هو ما خلقه الله تعالى في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته
[ ٢٩٥ ]
في كسبه. وهذا هو المذهب الوسط، والقول العارى عن الخطر والشطط، إذ لا جبر ولا تفويض. إليه رجعوا كلام الأشعري، وإليه أشار باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه بقوله للسائل عن القدر: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض. ولله تعالى در من قال: [وافر]
تنكب عن طريق الجبر واحذر وقوعك في مهاوى الاعتزال
وسر وسطًا طريقًا مستقيمًا كما سار الإمام أبو المعالى
وما أعلى ما رواه الثقات عن الإمام الشافعي - ﵁ - لما سئل أيضًا عن القدر فقال:
وما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشا لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجرى الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقى ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن
هذا والبحث طويل عريض. وإن أجببت زيادة الاطلاع فعليك برسائل الشيخ إبراهيم الكوراني، وشرح الأصفهانية، ونزهة والدنا وتفسيره روح المعاني، وتفسير الإمام الرازى، وغير ذلك من كتب الكلام، والله سبحانه اعلام بما جرت به الأقلام.
[حكم مخالف الإجماع]
(قوله: وإن مخالف الإجماع لا يكفر ولا يفسق) .
أقول: الصحيح أن مخالف الإجماع لا يكفر. فقد قال أبو زرعة في شرح جمع الجوامع نقلًا عن الرافعي أنه قال: كيف نكفر من خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه. أهـ. وقال العلامة السيد محمد أمين الشامي في حاشيته في باب المرتد: والحق أن المسائل الإجماعية تارة
[ ٢٩٦ ]
يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الخمس، وقد لا يصحبها فالأول - يكفر جاحده لمخالفته التواتر لا لمخالفته الإجماع. أهـ.
ثم نقل في نور العين عن رسالة الفاضل الشهير حسام جلبي من عظماء علماء السلطان سليم بن بايزيدخان ما نصه: إذا لم تكن الآية أو الخبر المتواتر قطعي الدلالة، أو لم يكن الخبر متواترًا، أو كان قطعيًا لكن فيه شبهة، او لم يكن الإجماع إجماع الجميع، أو كان ولم يكن إجماع الصحابة، أو كان ولم يكن إجماع جميع الصحابة، أو كان إجماع جميع الصحابة ولم يكن قطعيًا، بأن لم يثبت بطريق التواتر، أو كان قطعيًا لكن كان إجماعًا سكونيًا - ففى كل من هذه الصور لا يكون الجحود كفرًا، يظهر ذلك لمن نظر في كتب الأصول. فاحفظ هذا الأصل فإنه ينفعك في استخراج فروعه حتى تعرف منه صحة ما قيل: إنه يلزم الكفر في موضع كذا، ولا يلزم في موضع آخر. أهـ.
وقال الشيخ محيى الدين (في الباب الثامن والثمانين من الفتوحات) والإجماع إجماع الصحابة - ﵁ - بعد رسول الله - ﷺ -. وما عدا عصرهم فليس بإجماع يحكم به. وصورة الإجماع: أن يعلم أن المسألة بلغت لكل واحد من الصحابة فقال فيها بذلك الحكم الذى قال به الآخر، إذ لم يبق منهم أحد إلا وقد وصل إليه ذلك الأمر، وقد قال فيه بذلك الحكم. فإن نقل عن واحد منهم خلاف في شئ وجب رد الحكم فيه إلى الكتاب والخبر النبوي، فإنه خير وأحسن تأويلًا.
ولا يجوز أن يدان الله تعالى بالرأى، وهو القول بغير حجة ولا برهان، لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع. وإن كنا لا نقول بالقياس فلا نخطئ مثبته إذا كانت العلة الجامعة معقولة جلية، يغلب على الظن أنها مقصودة للشارع، وغنما منعنا نحن الأخذ بالقياس لأنه زيادة في الحكم، وفهمنا من
[ ٢٩٧ ]
الشارع أنه يريد التخفيف عن هذه الأمة، وكان يقول: «أتركوني ما تركتكم» أهـ.
وقد أجمل الشيخ ابن حجر عفا الله تعالى عنه هذا القول ولم يعزه أيضًا إلى محله. وقد أطنب الأصوليين في بحث مخالفة الإجماع وتقسيمه، فإن أردت التفصيل فعليك بكتبهم. وأما حجية الإجماع فقد قال بها الشيخ ابن تيمية، ففى فتاواه ما نصه:
(مسألة في إجماع العلماء - هل يجوز للمجتهد خلافه وما معناه؟
أجاب: معنى الإجماع أن يجمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم. فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثيرًا من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعًا ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة. وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم فليس حجة لازمة ولا إجماعًا باتفاق المسلمين.
بل قد ثبت عنهم رضي الله تعالى أنهم نهوا الناس عن تقليدهم وأمروا إذا رأوا قولًا في الكتاب والسنة أقوى من قولهم أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم.
ولهذا كان الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة لا يزالون إذا ظهر لهم دلالة الكتاب والسنة على ما يخالف قول متبوعهم اتبعوا ذلك، مثل مسافة القصر فإن تحديدها بثلاثة أيام وستة عشر فرسخًا لما كان قولًا ضعيفًا كان طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم يرى قصر الصلاة في السفر الذى دون ذلك، كالسفر من مكة إلى عرفة، فإنه قد ثبت أن أهل مكة قصروا مع النبي - ﷺ - بمنى وعرفه.
[ ٢٩٨ ]
وكذلك طائفة من أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد قالوا: إن جمع الطلاق الثلاث واحدة، لأن الكتاب والسنة عندهم إنما يدل على ذلك، وخالفوا أئمتهم. وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة رأوا غسل الدهن النجس، وهو خلاف قول الأئمة الأربعة. وطائفة من أصحاب أبي حنيفة رأوا تحليف الناس بالطلاق، وهو خلاف قول الأئمة الأربعة، بل ذكر ابن عبد البر أن الإجماع منعقد على خلافه. وطائفة من أصحاب مالك وغيرهم قالوا: من حلف بالطلاق فإنه يكفر يمينه، وكذلك من حلف بالعتاق.
وكذلك قال طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي أن من قال: الطلاق يلزمني لا يقع به طلاق، ومن حلف بذلك لا يقع به طلاق. وهذا منقول عن أبي حنيفة نفسه. أهـ. باقتصار.
قلت: ومن ذلك الأقوال الزفرية (١) التى نقلتها الأئمة الحنفية، فإن الفتوى فيها على قول زفر لقوة أدلته، ولم يلتفت فيها على قولهم. وأشباه ذلك كثير لمن تتبع أقوال علماء المذاهب الأربعة. أهـ. فتدبر وافهم.
[عقيدة ابن تيميه في كلام الله]
(قوله: وإن ربنا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا - محل الحوادث، تعالى الله عن ذلك وتقدس - إلى قوله - وغن القرآن محدث في ذات الله تعالى.
أقول: عني بذلك مسألة الكلام على ما ذهبت متكلم بكلام ازلي بحروف وأصوات. وهذا التشنيع أيضًا قد اتبع فيه السبكي كما تقدم لك في منظومته حيث قال: [بسيط]
يحاول الحشو أنى كان فهو له حثيث سير بشرق أو بمغربه
_________________
(١) نسبة إلى زفر بن الهزيل الإمام المعروف، وهو أحد اصحاب أبي حنيفة النعمان.
[ ٢٩٩ ]
يرى حوادث لا مبدأ لأولها في الله سبحانه عما يظن به
وجواب اليافعي له بقوله: المنزلات كلامًا لا شبيه به
وقد تكلم رب العرش بالكتب إذا يشاء وهذا الحق فارفض به
ولم يزل فاعلًا أو قائلًا أزلًا
الأبيات السالفات: وانت تعلم أن عدم قيام الحوادث بذاته تعالى مما أتفق عليه أهل السنة (١) إلا الكرامية، فقد قال السعد في شرح المواقف: إنه تعالى يمتنع أن يقوم بذاته حادث.
ولا بد قبل الشروع في الحجاج من تحرير محل النزاع، ليكون التوارد بالنفي والإثبات على شئ واحد فنقول:
الحادث هو الموجود بعد العدم، وأما مالا وجود له وتجدد، ويقال له متجدد، ولا يقال له حادث فثلاثة أقسام: الأول - الأحوال ولم يجوز تجددها في ذاته تعالى إلا أبو الحسن من المعتزلة فإنه قال: بتجدد العالمية فيه بتجدد المعلومات.
الثاني - الإضافات أى النسب، ويجوز تجددها اتفاقًا من العقلاء حتى يقال: كأنه تعالى موجود مع العلم بعد أن لم يكن معه.
الثالث - السلوب، فما نسب إلى ما يستحيل إنصاف البارئ تعالى به امتنع تجدده، كما في قولنا: إنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض. فإن هذه سلوب يمتنع تجددها وإلا جاز، فإنه تعالى موجود مع كل حادث، وتزول عنه هذه المعية إذا عدم الحادث، فقد تجدد له صفة سلب بعد ان لم تكن.
وإذا عرفت هذا الذى ذكرناه فقد اختلف في كونه تعالى محل الحوادث، أى الأمور الموجودة بعد عدمها، فمنعه الجمهور من العقلاء من أرباب الملل وغيرهم. وقال المجوس: كل حادث هو من صفات الكمال قائم به، أى
_________________
(١) على هامش الأصل؟ «ولعل الصواب أخذًا مما يأتى: أهل السنة وغيرهم إلا الكرامية والمجوس. فلعل السقط من الناسخ» أهـ.
[ ٣٠٠ ]
يجوز أن تقوم به الصفات الكمالية الحادثة مطلقًا. وقال الكرامية:
يجوز أن يقوم به الحادث لا مطلقًا، بل كل حادث يحتاج البارئ إليه في إيجاده للخلق، ثم اختلفوا في ذلك الحادث فقيل: هو الإدارة، وقيل هو قوله: كن. واتفقوا على أن الحادث القائم بذاته يسعى حادثًا، ومالًا يقوم بذاته من الحوادث يسمى محدثًا لا حادثًا. ولهم في إثبات امتناع بذاته لجاز أزلًا واللازم سبحانه ثلاثة وجوه: الأول - لو جاز قيام الحادث بذاته لجاز أزلًا واللازم باطل.
الثاني - صفاته تعالى صفات كمال، فخلوه عنها نقص، والنقص عليه محال إجماعًا، فلا يكون شئ من صفاته حادثًا وإلا كان خاليًا عنه قبل حدوثه.
الثالث: أنه تعالى لا يتأثر عن غيره، ولو قام به حادث لكانت ذاته متأثرة عن الغير متغيرة به، وأوردا عليها ما يطول ذكره، فإن أردته فارجع إليه.
ثم قال: واحتج الخصم بوجوه ثلاثة: منها الاتفاق على انه متكلم سميع بصير، ولا يتصور إلا بوجود المخاطب والمسموع والمبصر، وهي حادثة فوجب حدوث هذه الصفات القائمة بذاته تعالى.
وأجابوا عنه بان الحادثة تعلقه، وان ذلك التعليق إضافة من الإضافات فيجوز تجددها وتغيرها، إذ الكلام عند الأشاعرة معنى نفسي قديم قائم بذاته تعالى لا يتوقف على وجود المخاطب بل يتوقف عليه تعلقه، وكذا السمع والبصر.
وقالت الكرامية: العقلاء يوافقوننا في قيام الصفة الحادثة بذاته سبحانه وإن أنكرونا باللسان، فإن الجبائية قالوا بإدارة وكراهية حادثتين لا في محل، لكن المريدية والكارهية حادثتان في ذاته تعالى، وكذا السامعية والمبصرية تحدث بحدوث المسموع والمبصر. وابو الحسين يثبت علومًا
[ ٣٠١ ]
متجددة. والأشعرية يثبتون النسخ، وهو إما رفع الحكم القائم بذاته أو انتهائه، وهما عدم بعد الوجود فيكونان حادثين. أهـ. ملخصًا.
وإن أردت الأجوبة فعليك بالكتب المطولة. وأما ما ذكرنا من مسألة الكلام عند الحنابلة فهو مذهب المحدثين والسلف الصالحين، وهو أحد تسعة أقوال على ما حماه العلامة الملا على القارى في شرحه الفقه الأمبر: أحدها - أن كلام الله تعالى هو ما يفيض على النفوس من المعاني، إما من العقل الفعال، وهو جبريل عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة.
وثانيهًا - أنه مخلوق خلقه الله تعالى منفصلًا عنه، وهو قول المعتزلة.
وثالثهًاُ - أنه معنى واحد قائم بذات الله تعالى هو الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، إن عبر بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإليه ذهب ابن كلاب ومن وافقه كالأشعرية.
ورابعها - أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وإليه ذهبت طائفة من المتكلمة وأهل الحديث.
وخامسها - انه حروف وأصوات، لكن تكلم الله تعالى بها بعد أن لم يكن متكلمًا، وإليه ذهبت الكرامية وعيرهم.
وسادسها - أنه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهو قول صاحب المعتبر وإليه ذهب الرازي في المطالب العالية.
وسابعها - أن كلامه يتضمن معنى قائمًا بذاته وهو ما خلقه في عيره، وإليه ذهب أبو منصور الماتريدي.
وثامنها - أنه مشترك بين المعنى القائم بالذات وهو الكلام النفسي وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهو قول أبي المعالي ومن تبعه.
(قلت) والأظهر أن معنى الأول حقيقة، والثاني مجاز.
وتاسعها - أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو متكلم به بصوت يسمع، وغن نوع الكلام قديم وإن لم تكن صورة المعين قديمًا، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة أهـ.
[ ٣٠٢ ]
وانت تعلم أن هذه المسألة من أعظم مسائل الدين، وقد تحيرت فيها آراء المتقدمين والمتأخرين، وأضطربت فيها الأقوال، وكثرت بسببها الأهوال، وأثارت فتنًا، وجلبت محنًا، وكم سجنت إمامًا، ونكبت أقوامًا وقد أرشد الله تعالى إليها اهل السنة والجماعة، كما سياتيك بيانه إن شاء الله تعالى، وما تستلذ سماعه.
(فأقول): إن المشهور من هذه المذاهب والمبسوطة أدلتها في اكثر الكتب أربعة: وهي مذهب الحنابلة القائلين بقدم الكلام اللفظي، وإنه غير مخلوق. ومذهب الأشاعرة المثبتين للكلام النفسي وقدمه، وعدم خلقه وعدم الكلام اللفظي. ومذهب الكرامية المثبتين للكلام اللفظي وحدوثه. ومذهب المعتزلة القائلين بخلق القرآن وحدوثه. ونفي الكلام النفسي. وستتضح لك إن شاء الله تعالى أقوالهم المجملة بادلتها المفصلة. فقد قال العلامة الملا جلال الدواني في شرحه للعقائد العضدية: ولا خلاف بين أهل الملة في كونها تعالى متكلمًا، أى موصوفًا بهذه الصفة: لكن اختلفوا في تحقيق كلامه، هل هو نفسي أم لفظي، وحدوثه وقدمه. وذلك أنهم لما رأوا قياسين متعارضين النتيجة وهما كلام الله تعالى مؤلف من حروف وأصوات مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل كا هو كذلك فهو حادث، فكلام الله تعالى حادث - أضطروا إلى القدح في أحد القياسين ضرورة أمتناع حقيقة النقيضين، فمنع كل طائفة بعض المقدمات. فالحنابلة ذهبوا إلى أن كلام الله تعالى حروف وأصوات وهي قديمة، ومنعوا أن كل ما هو مؤلف من حروف واصوات مترتبة فهو حادث، بل قال بعضهم بقدم الجلد والغلاف.
(وأقول): وهذا غير مقبول عند محققى الحنابلة، بل هو منكر منسوب
[ ٣٠٣ ]
إلي بعضهم، وقد كثر قادحوه منهم كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى ذلك. ثم قال: وقيل: إنهم إطلاق لفظ الحادث على الكلام النفسي، كما قال بعض الأشاعرة: إن كلامه تعالى ليس قائمًا بلسان أو قلب، ولا حالًا في مصحف أو لوح، ومنع إطلاق القول بحدوث كلامه، وإن كان المراد هو اللفظي رعاية للأدب واحتراز الوهم إلى حدوث الكلام الأزلي.
والمعتزلة قالوا بحدوث كلامه، وإنه مؤلف من أصوات وحروف وهو قائم بغيره. ومعنى كونه متكلمًا عندهم أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في الجسم كاللوح المحفوظ أو كجبريل أو النبي - ﷺ -، أو غيرها كشجرة موسى - ﵇ -، فهم منعوا ان المؤلف من الحروف والأصوات صفة الله تعالى قديمة.
والكرامية لما رأوا أن مخالفة الضرورة التى ألتزمها الحنابلة أشنع من مخالفة الدليل، أن ما التزمه المعتزلة من كون كلامه تعالى صفة لغيره، وان معنى كونه متكلمًا كونه خالقًا للكلام في الغير مخالف للعرف واللغة - ذهبوا إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلفة من احروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى، فمنعوا أن كل ما هو صفة له فهو قديم.
والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات. ولا نزاع بين الشيخ والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه. وذهب المصنف إلى أن مذهب الشيخ - يعني الأشعري - أن الألفاظ أيضًا قديمة، وأفرد في ذلك مقالة ذكر فيها ان لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ، وأخرى على القائم بالغير.
[ ٣٠٤ ]
فالشيخ لما قال: هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وهو القديم عنده، واما العبارات فإنما سميت كلامًا مجازًا لدلالتها على ما هو الكلام الحقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حداثة على مذهبه ولكنها ليست كلامًا له تعالى حقيقة.
وهذا الذى فهموه له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم تكفير من أنكر كلامية ما بين دفتى المصاحف، مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه تعالى حقيقة، إلى غير ذلك مما يخفى على المتفطنين في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على انه أراد به المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملًا للفظ والمعنى جميعًا قائمًا بذاته تعالى. أهـ.
فقوله «المعنى الثاني» أى فوجب أن يحمل قوله: الكلام هو المعنى النفسي على أنه اراد بالمعنى المعنى الثاني وهو القائم بالغير، لا ما فهمه الأصحاب من أن مراده به مدلول اللفظ فيكون المعنى النفسي عند الشيخ أمرًا شاملًا للفظ القائم بذات الله تعالى ولمدلوله القائم به.
وقال الوالد عليه الرحمة في الفوائد التى حررها أول تفسيره: إن الذى انتهى إليه كلام أئمة الدين، كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى - ﵇ - سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت، كما تدل عليه النصوص التى بلغت في الكثرة مبلغًا لا ينبغي معه تأويل، ولا يناسب في مقابلته قال وقيل. أهـ.
ولنذكر هذه الفائدة بتمامها، فإنها توقفك من مسالة الكلام على غوامضها (فأقول): قال عليه الرحمة ما نصه: إن الإنسان له كلام بمعنى التكلم الذى هو مصدر، وكلام بمعنى التكلم به الذى هو الحاصل بالمصدر،
[ ٣٠٥ ]
ولفظ الكلام لغة للثاني، قليلًا كان أو كثيرًا، حقيقة كان أو حكمًا وقد يستعمل استعمال المصدر كما ذكر الرضى. وكل من المعنيين إما لفظي أو نفسي.
فالأول من اللفظي، فعل الإنسان باللسان وما يساعده من المخارج.
الثاني منه - كيفية في الصوت المحسوس. والأول من النفسي فعل قلب الإنسان ونفسه الذى لم يبرز إلى الجوارح. والثاني منه - كيفية في النفس إذ لا صوت محسوسًا عادة فيها، وإنما هو صوت معنوي مخيل.
أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق. اما النفسي فمعناه الأول تكلم الإنسان بكلمات ذهنية، وألفاظ مخيلة يرتبها في الذهن على وجه إذا تلفظ بها بصوت محسوس كانت عين كلماته اللفظية. ومعناه الثاني - هو هذه الكلمات الذهنية، والألفاظ المخيلة المترتبة ترتيبًا ذهنيًا منطبقًا عليه الترتيب الخارجي والدليل على ان النفس كلامًا بالمعنيين الكتاب والسنة، فمن الآيات قوله تعالى: ﴿فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا﴾ [يوسف ٧٧] فإن «قال» بدل من «أسر» أو استئناف بياني، كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في ذلك الإسرار؟ فقيل: قال أنتم شر مكانًا. وعلى التقديرين فالآية دالة على ان للنفس كلامًا بالمعنى المصدري، قولًا بالمعنى الحاصل بالمصدر وذلك من «أسر» والجملة بعدها. وقوله تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف ٨٠] وفسر النبي - ﷺ - السر بما اسره ابن آدم في نفسه. وقوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ [الأعراف ٢٥] وقوله تعالى: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الآمر شئ ما قتلنا ههنا﴾ أي يقولون في انفسهم كما هو الأسرع أنسياقًا إلى الذهن. والآيات في ذلك كثيرة.
ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله - ﷺ - وقد سأله رجل فقال: إنى لأحدث نفسي بالشئ
[ ٣٠٦ ]
لو تكلمت به لأحبطت أجرى، فقال: «لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن» فسمى رسول الله - ﷺ - ذلك الشئ المحدث به كلامًا مع أنه كلمات ذهنية، والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا صارف عنها.
وقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي .» الحديث. وفيه دليل على أن للعبد كلامًا نفسيًا بالمعنيين، وللرب أيضًا كلامًا نفسيًا كذلك ولكن أين التراب، من رب الأرباب.
فالمعنى الأول للحق تعالى شأنه صفة أزلية منافية للآفة الباطنية التى هي بمنزلة الخرس بالتكلم الإنساني اللفظي، ليس من جنس الحروف والألفاظ أصلًا، وهي واحدة بالذات تتعدد تعليقاتها بحسب تعدد المتكلم به.
وحاصل الحديث: من تعلق تكلمه بذكر اسمى، تعلق تكلمي بذكر أسمه، والتعليق من الأمور النسبية التى لا يضر تجددها، وحدوث التعليق إنما يلزم في التعليق النتجيزي ولا ننكره، وأما التعليق المعنوي التقديري وتعلقه فأزليان، ومنه ينكشف وجه صحة نسبة السكوت عن اشياء «رحمة غير نسيان» كما في الحديث، إذا معناه أن تكلمه الزلي لم يتعلق ببيانها مع تحقيق أتصافه أزلًا بالتكلم النفسي، وعدم هذا التعليق الخاص لا يستدعى انتفاء الكلام الأزلي كما لا يخفى. والمعنى الثاني - له تعالى كلمات غيبية، وهي ألفاظ حكمية مجردة عن المواد مطلقًا، نسبية كانت أو خيالية أو روحانية، وتلك الكلمات أزلية مترتبة من غير تعاقب في الوضع الغيبي العلمي لا في الزمان إذ لا زمان، والتعاقب بين الأشياء من توابع كونها زمانية، ويقربه من بعض الوجوه وقع البصر على سطور الصفحة المشتملة على كلمات مترتبة في الوضع الكتابي دفعه، فهي مع كونها مترتبة لا تعاقب في ظهورها، فجميع معلومات الله الذى هو نور السماوات والأرض مكشوفة له ازلًا.
[ ٣٠٧ ]
كما هي مكشوفة له فيما لا يزال. ثم تلك الكلمات الغيبية المترتبة وضعيًا أزليًا يقدر بينها التعاقب فيما لا يزال، والقرآن كلام الله تعالى المنزل بهذا المعنى، فهو كلمات غيبية مجردة من المواد، مترتبة في علمه أزلًا غير متعاقبة تحقيقًا بل تقديره عند تلاوة الألسنة الكونية الزمانية.
ومعنى تنزيلها: إظهار صورها في المواد الروحانية والحسية من الألفاظ المسموعة والذهنية والمكتوبة. ومن هنا قال السنيون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مسموع بالآذان، غير حال في شئ منها، وهو في جميع هذه المراتب قرآن حقيقة شرعية معلوم من الدين بالضرورة. فقولهم: «غير حال» إشارة إلى مرتبة النفسية الأزلية، فإنه من الشئون الزاتية ولم تفارق الذات ولا تفارقها أبدًا، ولكن الله أظهر صورها من الخيال والحس فصارت كلمات مخيلة، وملفوظة مسموعة، ومكتوبة مرئية، فظهر في تلك المظاهر من غير حلول إذ هو فرع الانفصال وليس فليس (١) فالقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وإن تنزل في هذه المراتب الحادثه ولم يخرج عن كونه منسوبًا إليه.
أما في مرتبة الخيال فلقوله - ﷺ -: «أغنى الناس حملة القرآن من جعله الله في جوفه» واما في مرتبة اللفظ فلقوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن﴾ [الأحقاف ٢١] واما في مرتبة الكتابة فلقوله تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ [البروج ٢٢] وقول الإمام أحمد: لم يزل الله متكلمًا كيف يشاء، وإذا شاء بلا كيف، إشارة إلى مرتبتين:
الأولى - إلى كلامه في مرتبة التجلى والتنزيل إلى مظهر له، كقوله - صلى الله
_________________
(١) قوله، «وليس فليس» أي ليس انفصال فليس حلول.
[ ٣٠٨ ]
عليه وسلم -: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة اجنحتها خضعانًا لقوله كانه سلسلة على صفوان» الحديث.
والثاني - إلى مرتبة الكلام النفسي، إذ الكيف من توابع مراتب التنزلات، والكلام في مرتبة الذات مجرد عن المادة فارتفع الكيف بارتفاعها.
فالحاصل - لم يزل الله متكلمًا موصوفًا بالكلام من حيث تجلي، ومن حيث لا، فمن حيث تجليه في مظهر لكلامه كيف وإذا شاء لم يتكلم بما اقتضاه مظهر تجليه فيكون متكلمًا بلا كيف كما كان ولم يزل.
والأشعري إذا حققت الحال وجدته قائلًا: بأن الله تعالى كلامًا بمعنى التكلم، وكلامًا بمعنى التكلم به، وإنه بالمعنى الثاني لم يزل منصفًا بكونه أمرًا ونهيًا وخبرًا، فإنها أقسام المتكلم به، وغن الكلام النفسي بالمعنى الثاني حرفه غير عارضة للصوت في الحق والخلق، غير أنها في الحق كلمات، غيبية مجردة عن المواد أصلًا، غذ كان الله تعالى ولم يكن شئ غيره. وفي الخلق كلمات مخيلة ذهنية، فهي في مادة خيالية، فكلمات الكلام النفسي في جنابة كلمات حقيقية لكنها ألفاظ حكمية، ولا يشترط اللفظ الحقيقي في كون الكلمات حقيقة، إذ أطلق الفاروق الكلمة على أجزاء مقالته المخيلة في خبر يوم السقيفة.
والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالأجزاء كلمات حقيقة لغوية، مع أنها ليست ألفاظًا كذلك، إذ ليست حروفها عارضة لصوت. واللفظ الحقيقى ما كانت حروفه عارضة، وهو لكونه صورة اللفظ النفسي الحكمي دال عليه، وهو دال في النفس على معناه بلا شبهة ولا أنفكاك، فيصدق على اللفظ النفسي بمعناه أنه مدلول اللفظ الحقيقي ومعناه، فتفسير المعنى النفسي المشهور عن الأشعري بمدلول اللفظ وحده كما نقله صاحب المواقف عن الجمهور لا ينافي
[ ٣٠٩ ]
تفسيره بمجموع اللفظ والمعنى كما فسره هو ايضًا. وذلك في قوله على النفسي، وفي قول الجمهور على الحقيقى. ولا شك حينئذ أن مجموع النفسي ومعناه من حيث المجموع يصدق عليه أنه مدلول اللفظ الحقيقي وحده، لأن اللفظ الحقيقى لكونه صورة النفسي في مرتبة تنزله دال عليه، ويدل على أن المراد المجموع قول إمام الحرمين في الإرشاد: ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس وهو القول، اى المقول الذى يدور في الخلد، وهو اللفظ النفسي الدال على معناه بلا انفكاك.
نعم، عبارة صاحب المواقف غير واضحة في المقصود، وله مقاله مفردة في ذلك، ومحصولها كما قال السيد قدس سره: أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ. وأخرى على الأمر القائم بالغير. فالشيخ لما قال: الكلام النفسي هو المعنى النفسي، فهم الأصحاب منه أن مرداده مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده. وأما العبارات فإنها تسمى كلامًا مجازًا لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ خاصة حادثة على مذهبه أيضًا، لكنها ليست كلامه حقيقة.
وهذا الذى فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتى المصحف مع انه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله حقيقة، وكعدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي، وكعدم كون المقروء والمحفوظ حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية.
فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملًا للفظ والمعنى جميعًا قائمًا بذات الله تعالى، وهو مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير
[ ٣١٠ ]
الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة. وما يقال من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة فجوابه. ان ذلك الترتيب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة فالتلفظ حادث والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعًا بين الأدلة. وهذا الرأى ذكرناه وإن كان مخالفًا لما عليه متأخروا اصحابنا إلا أنه بعد التأمل يعرف حقيقته. أهـ.
واعترضه الدواني بوجوه قال:
أما أولًا - فلأن مذهب الشيخ إن كلامه تعالى واحد وليس بامر ولا نهي ولا خبر، وإنما يصير أحد هذه الأمور بحسب التعلق. وهذه الأوصاف ما تنطبق على الكلام اللفظي، وإنما يصح تطبيقه على المعني المقابل للفظ بضرب من التكلف.
واما ثانيًا - فلآن كون الحروف والألفاظ قائمة بذاته تعالى من غير ترتب يفضى إلى كون الأصوات مع كونها أعراضًا سيالة موجودة بوجود لا تكون فيه سيالة، وهو سفسطة من قبيل أن يقال: الحركة توجد في بعض الموضوعات من غير ترتب وتعاقب بين أجزائها.
وأما ثالثًا - فلأنه يؤدي إلى أن يكون الفرق بين ما يقوم بالقارئ من الألفاظ، وبين ما يقوم بذاته تعالى اجتماع الأجزاء وعدم اجتماعها بسبب قصور الآلة. فنقول: هذا الفرق إ أوجب اختلاف الحقيقة فلا يكون القائم بذاته من جنس الألفاظ، وغن لم يوجب وكان ما يقوم بالقارئ وما يقوم بذاته تعالى بسبب حقيقة واحدة، والتفاوت بينهما وإنما يكون باجتماعه وعدمه اللذين هما من عوارض الحقيقة الواحدة كان بعض صفاته الحقيقة مجانسًا لصفات المخلوقات.
وأما رابعًا - فلأن لزوم ما ذكره من المفاسد وهم، فإن تكفير من أنكر
[ ٣١١ ]
كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى إنما هو إذا اعتقد أنه ليس كلام الله بمعنى أنه ليس بالحقيقة صفة قائمة بذاته بل هو دال على الصفة القائمة بذاته، ولا يجوز تكفيره اصلًا، وهو مذهب أكثر الأشاعرة ما خلا المصنف وموافقيه.
وما علم من الدين من كون ما بين الدفتين كلام الله حقيقة، وإنما هو بمعنى كونه دالًا على ما هو كلام الله تعالى حقيقة لا على أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وكيق يدعى أنه من ضروريات الدين مع أنه خلاف ما نقله عن الأصحاب؟ وكيف بزعم أن هذا الجم الغفير من الأشاعرة أنكروا ما هو من ضروريات الدين حتى يلزم تكفيرهم! حاشاهم عن ذلك! .
واما خامسًا - فلأن الأدلة على النسخ لا يمكن حملها على التلفظ بل ترجع إلى الملفوظ، كيف وبعضها مما لا يتعلق بالتلفظ به كما نسخ حكمه وبقى تلاوته! . أهـ.
والجواب أما عن الأول - فهو أن الحق عز أسمه له كلام بمعنى التكلم، وكلام بمعنى المتكلم له، وما هو أمر واحد المعنى الأول، وهو صفة واحدة تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به من الكتب والكلمات وانها ليست من جنس الحروف والألفاظ لا الحقيقة ولا الحكمية، وما ذكر في الأعتراض ينطبق عليه بلا كلفة.
والدليل على أن المنعوت بهذه الأوصاف عند الشيخ هو المعنى الأول نقل الإمام أن الكلام الأزلي لم يزل متصفًا بكونه أمرًا نهيًا خبرًا. ولا شك أن هذه أقسام المتكلم به، وكل ما كان قائلًا بانقسام الثاني كان المنعوت بالوحدة ذاتًا، والتعدد تعلقًا، المعنى الأول عنده جمعًا بين الكلامين.
واما عن الثاني - فهو أن ذلك إنما يلزم إذا أريد من اللفظ الحقيقي وأما إذا أريد النفسي الحكمي فلا ورود، لأن الألفاظ النفسية كلها مجتمعة
[ ٣١٢ ]
الأجزاء في الوجود العلمي مع كونها مرتبة كما ذكره هو نفسه.
وكلام صاحب المواقف محتمل للتأويل كما تقدم، فليحمل عليه سعيًا بالإصلاح مهما أمكن.
وأما الثالث - فهو أن الإيراد مبني على ظن أن المراد باللفظ الحقيقي مع أنه محتمل لأن يراد النفسي كما يقتضيه ظاهر تشبيه بالقائم بنفس الحافظ.
واما الرابع - فهو أن الكلام النفسي عند اهل الحق هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى، ولكن ظاهر كلام صاحب المواقف يدل على أنه فهم من ظاهر كلام بعض الأصحاب أن مرادهم بالمعنى هو المقابل للفظ مجردًا عن اللفظ مطلقًا، ودق سمعهم يقولون: إن الكلام اللفظي ليس كلامه تعالى حقيقة بل مجازًا، فإذا أنضم قولهم بنفي كونه حقيقة شرعية إلى أقوالهم في ظنه أن النفسي هو المعنى المقابل للفظ، لزم من هذا ما هو في معنى القول بكون اللفظي من مخترعات البشر، ولا يخفى استلزامه للمفاسد، ولكن لم يريدوا بالمجاز الشرعي، فإن إطلاق كلام الله تعالى المسموع متواترًا فلا يتأتى نفيه لأحد. بل المراد أن الكلام إنما يتبادر منه ما هو وصف للمتكلم وقائم به يقتضيه حقيقة الكلام، وذات المتكلم في الحق والخلق على الوجه اللائق بكل. وأما ما يتلى فهو حروف عارضة للصوت الحادث، ولا شك أنه ليس قائمًا بذاته تعالى من حيث هو هو، بل هو صورة من صور كلامه القديم القائم به تعالى، ومظهر من مظاهر تنزلاته، فهو دال على الحقيقى القائم فسمى كلامًا حقيقة شرعية لذلك. وفيه إطلاق لاسم الحقيقة على الصورة فيكون مجازًا من هذا الوجه، وإلى هذا يشير كلام التفتارانى فلا يلزم شئ من المفاسد، واعتراض صاحب المواقف مبني على ظنه.
واما الخامس - فهو أن كلام صاحب المواقف ليس نصًا في أن الضمير راجع إلى التلفظ، بل يحتمل أن يكون راجعًا إلىلا الملفوظ، وذلك أنه قال:
[ ٣١٣ ]
المعنى الذى في النفس لا ترتب فيه، كما هو قائم بنفس الحافظ ولا ترتب فيه، وقد مر أن المراد به مجموع اللفظ والمعنى، كما يقتضيه ظاهر التشبيه بالقائم بنفس الحافظ، ولا شك أنه لا ترتب فيه، أى لا تعاقب فيه في الوجود العلمي، وحينئذ فقوله نعم الترتب إنما يحصل في التلفظ، معناه أن الترتب في المعنى النفسي الذى هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى إنما يحصل في التلفظ الخارجي لضرورة عدم مساعدة الآلة. فقوله: وهو الذى هو حادث، أى الملفوظ بالتلفظ الخارجي الذى هو الصورة حادث، لا اللفظ النفسي، وتحمل الأدلة التى تدل على الحدوث وعلى حدوثه، أى الملفوظ بالتلفظ الخارجي وعلى هذا لا ورود للاعتراض أصلًا. ومنهم من أعترض ايضًا بانهم اشترطوا في المعجزة أن تكون فعل الله تعالى، أو ما يقوم مقامه، كالنزول، فلا يكون القرآن اللفظي الذى هو معجزة قديمًا صفة له تعالى. ولا يخفى أن المعجزة هو القرآن في مرتبة تنزله إلى الألفاظ الحقيقية العربية. فكونه لفظًا حقيقيًا عربيًا مجعول بالنص فيكون معجزة بلا شبهة، والقديم على ما حقق هو القرآن اللفظي النفسي الذى هو مجموع اللفظ النفسي والمعني. وهذا واضح لمن ساعدته العناية.
وقد شنع على الشيخ الأشعري في هذا المقام أقوام تشابهت قلوبهم واتحدت أغراضهم، واختلفت أساليبهم. وها أنا بحوله تعالى راد لاعتراضاتهم بعد نقلها، غير هياب ولا وكل، وإن اتسع علم أهلها. فالبعوضة قد تدمى مقلة الأسد، وفضل الله تعالى ليس مقصورًا على أحد.
(فأقول): قال تلميذ مولانا الدواني عفيف الدين الإيجى ما حاصله: إن هذا الذى تدعيه الأشاعرة من أن للكلام معنى آخر يسمى النفسي باطل، فإنا إذا قلنا: زيد قائمًا، فهناك أربعة اشياء: الأول - العبارة الصادر عنه.
والثاني - مدلول هذه العبارة، وما وضع له هذه الألفاظ من المعاني المقصودة بها.
الثالث - علمه - علمه تلك النسبة وانتفائها.
الرابع - ثبوت تلك
[ ٣١٤ ]
النسبة وانتفاؤها في الواقع، والأخيران ليسا كلامًا اتفاقًا، والأول يمكن أن يكون كلام الله حقيقة على مذهبهم، فبقى الثاني، وكذا تقول في الأمر والنهي ههنا ثلاثة أمور: الأول - الإرادة والكراهة الحقيقية.
الثاني - اللفظ الصادر عنه.
الثالث - مفهوم لفظه ومعناه. والأول ليس كلامًا اتفاقًا. والثاني كذلك على مذهبهم، فبقى الثالث وبه صرح أكثر محققيهم. وكونه كلامًا نفسيًا ثابتًا لله - تعالى شأنه - محكومًا عليه بأحكام مختلفة باطل من وجوه: الأول - أنه مخالف للعرف واللغة، فإن الكلام فيها ليس إلا المراكب من الحروف.
الثاني - أنه لا يوافق الشرع، إذ قد ورد فيما لا يحصى كتابًا وسنة أن الله تعالى ينادى عباده، ولا ريب أن النداء لا يكون إلا بصوت، بل قد صرح به في الأخبار الصحيحة، وباب المجاز وغن لم يغلق بعد إلا أن حمل ما يزيد على نحو مائة ألف من الصرائح على خلاف معناها مما لا يقبله العقل السليم.
الثالث - أن ما قالوه من كون هذا المعنى النفسي واحدًا يخالف العقل، فإنه لا شك أن مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي، ومدلول الإنشاء، بل مدلول أمر مخصوص غير مدلول أمر أخر، وكذا في الخبر. ولا يرتاب عاقل أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن وسائر الكتب السماوية، فيلزم أن يكون كل واحد مشتملًا على ما أشتمل عليه الآخر، وليس كذلك، وكيف يكون معنى واحدًا خبرًا وإنشاء محتملًا للتصديق والتكذيب، وغير محتمل، وهو جمع بين النفي والإثبات. أهـ.
ولا يخفى أن مبنى جميع أعتراضاته على فهمه أن مرادهم بالمعنى النفسي هو مدلول اللفظ وحده، أى المعنى المجرد عن مقارنة اللفظي مطلقًا ولو حكميًا.
[ ٣١٥ ]
وقد عرفت أنه ليس كذلك، بل المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى وهو الذى يدور في الخلد، وتدل عليه العبارات، كما صرح به إمام الحرمين، وعليه إذا قال القائل: زيد قائم، فهناك أربعة أشياء كما ذكر المعترض وشئ خامس تركه وهو المراد، وهي هذه الجملة بشرط وجودها في الذهن بألفاظ مخيلة ذهنية على معانيها في النفس، وهذا يعنونه بالكلام النفسي فلا محذور.
(ونقول) على سبيل التفصيل: أما الأول - فجوابه إنه إنما تتم المخالفة إذا لم يكن عندهم مجموع اللفظ والمعنى، فحيث كان لا مخالفة لأن الكلام حينئذ مركب من الحروف إلا أنها نفسية غيبية في الحق، خيالية في الخلق.
وأما الثاني فجوابه أن هذا الذى لا يحصى ليس فيه سوى أن الحق ﷾ متكلم بكلام حروفه عارضة للصوت، إلا أنه لا يتكلم إلا به، فلا ينتهض ما ذكر حجة على الشيخ، بل إذا أمعنت النظر رأيت حجة له، حيث بين أن الله تعالى لا يتكلم بالوحي لفظًا حقيقياص إلا على طبق ما في علمه، وكل ما كان كذلك كان الكلام اللفظي صورة من صور الكلام النفسي، ودليلًا من أدلة ثبوتها. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
وأما الثالث - فجوابه أن المنعوت بانه واحد بالذات تتعدد تعلقاته هو الكلام بمعنى صفة المتكلم ووحدته مما لاشك لعاقل فيها. وأما الكلام النفسي بمعنى المتكلم به فليس عنده واحدًا، بل نص في الإبانة على أنقسامه إلى الخبر والأمر والنهي في الأزل، فلا اعتراض.
وقال النجم سليمان الطوفي: إنما كان الكلام حقيقة في العبارة مجازًا في مدلولها لوجهين: أحدهما: أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام إنما هوالعبارة والمبادرة دليل الحقيقة.
الثاني - أن الكلام مشتق من الكلم، لتأثيره في نفس السامع، والمؤثر إنما هو العبارات لا المعاني النفسية
[ ٣١٦ ]
بالفعل نعم، وهي مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل، فكانت أول بان تكون حقيقية، وأخرى مجازًا. وقال المخالفون: أستعمل لغة في النفسي والعبارة.
قلنا: نعم، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه، والمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع، قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة. قلنا: والأصل عدم الإشتراك. ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات، والكثرة دليل الحقيقة. وأما قوله تعالى: ﴿يقولون في أنفسهم﴾ [المجادلة ٨] فمجاز دل على المعنى النفسي بقرينة «في أنفسهم» ولو أطلق لما فهم إلا بالعبارة. وأما قوله تعالى: ﴿واسروا قولكم﴾ [الملك ١٣] الآية - فلا حجة فيه، لأن الإسرار خلاف الجهر، وكلاهما عبارة عن ان يكون أرفع صوتًا من الآخر، وأما بيت الأخطل وهو:
إن الكلام لفى الفؤاد وإنما إلخ
فالمشهور: إن البيان. وبتقدير أن يكون الكلام فهو مجاز عن مادته وهو في التصورات المصححة له، إذ من لم يتصور ما يقول لا يوجد كلامًا. ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان. أنتهى. وفيه ما لا يخفى.
واما أولًا - فلأن ما أدعاه من التبادر إنما هو لكثرة استعماله في اللفظي لمسيس الحاجة إليه، لا لكونه الموضوع له خاصة بدليل استعماله لغة وعرفًا في النفسي، والأصل في الإطلاق الحقيقة. وقوله: «والأصل عدم الإشتراك» قلنا: نعم، وإن أردت به الإشتراك اللفظي ونحن لا ندعيه وإنما ندعى الاشتراك المعنوي، وذلك أن الكلام في اللغة بنقل النحويين: ما يتكلم به قليلًا كان أو كثيرًا، حقيقة أو حكمًا.
وأما الثانية - فلأن ما أدعاه من ان المؤثر في نفس المسامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية، الأمر فيه بالعكس بدليل أن الإنسان إذا سمع
[ ٣١٧ ]
كلامًا لا يفهم معناه لا تؤثر ألفاظه في نفسه شيئًا. وقد يتذكر الإنسان في حالة سروره كلامًا يحزنه، وفي حالة حزنه كلامًا يسره فيتأثر بهما، ولا صوت ولا حرف هناك، وإنما هي حروف وكلمات مخيلية نفسية، وهو الذى عناه الشيخ بالكلام النفسي. وعلى هذا فالسمع في قولهم لتأثيره في نفس السامع ليس بقيد واللتأثير في النفس مطلقًا معتبر في وجه التسمية.
وأما ثالثًا - فلأن ما قاله في قوله تعالى ﴿يقولون في أنفسهم﴾ من أنه مجاز على المعنى النفسي فيه بقرينه «في أنفسهم» ولو أطلق لما فهم إلا العبارة يرده قوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم - وفي ىية - بالسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ إذا لو كان مجرد ذكر «في انفسهم» قرينة على كون القول مجازًا في النفسي لكان ذكر «بأفواههم» و«ألسنتهم» قرينة على كونه مجازًا في العبارة واللازم باطل فكذا الملزوم.
نعم، والتقييد على دليل على ان القول مشترك معنى بين النفسي واللفظي وعين بن المراد من فردية فهو لنا لا علينا.
واما رابعًا - فلأن ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿وأسروا﴾ الآية تحكم بحت لأن السر كما قال الزمخشري: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره من مكان خال ويساعده الكتاب والآثر واللغة، كما لا يخفى على المتتبع.
وأما خامسًا: فلأن ما ذكره في بيت الأخطل خطل من وجوه:
أما أولًا فعلى تقدير أن يكون المشهور «البيان» بدل «الكلام» يكفينا في البيان لأنه اسم مصدر بمعنى ما يبين به، أو مصدر بمعنى التبيين. وعلى الأول هو بمعنى الكلام ولا فرق بينهما إلا في اللفظ. وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي بمعنى المتكلم به، عن كان المراد التبيين القلبي، اعنى ترتيب القلب للكلمات الذهنية على وجه إذا عبر عنها باللسان فهم غيره ما قصده منها.
[ ٣١٨ ]
واما ثانيًا - فلأن قوله «وبتقدير» ان يكون» إلخ إقرار بالكلام النفسي من غير شعور.
واما ثالثًا - فلأن دعوى المجاز تحكم مع كون الأصل في الأطلاق الحقيقة.
واما رابعًا - فلأن دعوى أن ذلك مبالغة من هذا الشاعر خلاف الواقع بل هو تحقيق من غير المبالغة كما يفهم مما سلف، فما ذكره هذا الشاعر كلمة حكمة سواء نطق بها على بينة من الأمر أو كانت منه رمية من غير رام، فإن معناه موجود في حديث أبي سعيد «العينان دليلان، والأذنان قمعان والسان ترجمان - إلى أن قال - والقلب ملك فإذا صلح» الحديث. وفي حديث أبي هريرة «القلب ملك وله جنود - إلى ان قال - واللسان ترجمان» الحديث. فما قيل: إن هذا الشاعر نصراني عدو الله ورسوله؟ أفيجيب أطراح كلام الله ورسوله تصحيحًا لكلامه، أو حمله على المجاز صيانة لكلمة هذا الشاعر عنه. وايضًا يحتاجون إلى أثبات هذا الشعر والشهرة غير كافية، فقد فتش ابن الخشاب دواوين الأخطل العتيقة فلم يجد فيها البيت. أنتهى - كلام أوهن وأوهى من بيت العنكبوت، وأنه لأوهن البيوت.
أما أولًا - فلأن كلام هذا العدو موافق لكلام الحبيب حتى لكلام المنكرين للكلام النفسي حيث اعترفوا به في عين إنكارهم.
وأما ثانيًا - فلأنا أغناها الله تعالى ورسوله من فضله عن إثبات هذا الشعر.
واما ثالثًا - فلأن عدم وجدان ابن الخشاب لا يدل على انتفائه بالكلية كما لا يخفى. والحاصل. ان الناس أكثروا القال والقيل، في حق هذا الشيخ الجليل، وكل ذلك من باب [وافر] .
[ ٣١٩ ]
وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفم السقيم
نعم، البحث دقيق، ولا يرشد إليه إلا توفيق، كم أسهر اناسًا، وأطثر وسواسًا، أثار فتنة، وأورث محنة، وسجن أقوامًا واضر إمامًا: [وافر]
مرام شط العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد
ولكن بفضل الله تعالى قد أتينا فيه بلب اللباب، وخلاصة ما ذكره والأصحاب، وقد اندفع به كثير مما أشكل على الأقوام، وخفى على أفهام ذوى الأفهام، ولا حاجة معه إلى ما قاله المولى المرحوم غني زاده في التخلص عن هاتيك الشبه ما نصه: ثك اعلم أنى ما حررت البحث بعثني فرط الإنصاف، إلى أنه لا ينبغي لذى الفطرة السليمة أن يدعى قدم اللفظ لاحتياجه إلى هذه التطليفات، وكذا كون الكلام عبارة عن المعنى القديم لركاكة توصيف الذات به، وكيف ومعنى قصة نوح مثلًا ليس بشئ يمكن أتصاف الذات به إلا بتحمل بعيد. فالحق الذى لا محيد عنه هو ان المعاني كلها موجودة في العلم الأزلي بوجود علمي قديم، لكن لما كان في ماهية بعضها داعية البروز في الخارج بوجود لفظي حادث حسميًا يستدعيه حدوث الحوادث فيما لا يزال أقتضى الذات أقتضاؤ أزلياص إبراز ذلك البعض في الخارج بذلك الوجود الحادث فيما لا يزال. فهذا الاقتضاء صفة قديمة للذات هو بها في الأزل مسماه يكون فيما لا يزال، والمغايرة بينه وبين صفة العلم ظاهرة، وهذا هو غاية الغاية الغاايات في هذا الباب. والحمد لله على ما خصني بفهمه من بين أرباب الألباب. أهـ.
وفيه أن غاية الغايات في الجسارة على باب الأرباب، وإحداث صفة قديمة ما انزل الله بها من كتاب إذ لم يردفي كتاب الله ولا في سنة نبيه - ﷺ - ولا روى عن صحابي ولا تابعي تسمية ذلك الإقتضاء
[ ٣٢٠ ]
كلامًا، بل لا يقتضيه عقل ولا نقل، على انه لا يحتاج إليه، عند من أخذت العناية بيديه. هذا، وإذا سمعت ما تلوناه، ووعيت ما حققناه فاسمع الآن تحقيق الحق، في كيفية سماع موسى - ﵇ - كلام الحق.
فأقول: الذي أنتهى إليه كلام ائمة الدين، كالماتريدي والأشعري وغيرها من المحققين: أن موسى - ﵇ - سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كم تدل عليه النصوص التى بلغت في الكثرة مبلغًا لا ينبغي معه تأويل،،لا يناسب في مقابلته قال وقيل، بل قد ورد إثبات الصوت لله تعالى شأنه في أحدايث لا تحصى، واخبار لا تستقصى. وروى البخاري في الصحيح: «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» . ومن علم أن الله الحكيم أن يتجلى بما شاء وكيف شاء، وانه منزه في تجليه، قريب في تعاليه، لا تقيده المظاهر عند أرباب الأذواق، إنه لخ الإطلاق الحقيقي حتى عن قيد الإطلاق، زالت عنه إشكالات، واتضحت لديه متشابهات، ومما يدل على ثبوت التجلى في المظهر لله تعالى قول ابن عباس، ترجمان القرآن في قوله تعالى: ﴿أن بورك من النار﴾ [النمل ٨] كما الدر المنثور. يعني ﵎ نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة. وفي رواية عنه «كان الله في النور ونودي من النور» وفي صحيح مسلم: «حجابه النور» وفي رواية له «حجابه النار» ودفع الله تعالى توهم التقييد بما ينافي التنزيه بقوله: ﴿وسبحان الله﴾ أي عن التقييد بالصورة والمكان والجهة وإن نادى، لأنه لكونه موصوفًا بصفة رب العالمين فلا يكون ظهوره المتجلي ﴿أنا الله العزيز﴾ فلا أتقيد لعزتى ولكني ﴿الحكيم﴾ فاقتضت حكمتى الظهور والتجلي في صورة مطلوبك. فالمسموع على هذا حرف وصوت سمعهما موسى من الله تعالى المتجلي بنوره في مظهر النار لما اقتضاه الحكمة،
[ ٣٢١ ]
فهو - ﵇ - كليم الله بلا واسطة لكن من وراء حجاب مظهر النار، وهو عين تجلى الحق تعالى له.
اما ما شاع عن الأشعري من القول بسماع النفسي القائم بذاته تعالى فهو من باب التجويز والإمكان، لا أن موسى - ﵇ - سمع ذلك بالفعل، إذ هو خلاف البرهان. ومما يدل على جواز سماع الكلام النفسي بطريق خرق العادة قوله تعالى في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به» الحديث ومن الواضح أن الله تعالى إذا كان بتجليه النوري المتعلق بالحروف غيبية كانت أو خيالية أو حسية - سمع العبد على الوجه اللائق الجامع أ «ليس كمثله شئ» عند من يتحقق معنى الإطلاق الحقيقي، صح أن يتعلق سمع العبد بكلام ليس حروفه عارضة لصوت، لأنه بالله يسمع إذ ذاك، واله سبحانه يسمع السر والنجوى.
والإمام الماتريدي أيضًا يجوز سماع ما ليس بصوت على وجه خرق العادة كما يدل عليه كلام صاحب التبصرة في كلام التوحيد، فما نقله ابن الهمام عنه من القول بالاستحالة العادية فلا خلاف بين الشيخين عند التحقيق.
ومعنى قول الأشعري: إن كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تالٍ وقراءة كل قارئٍ - أن المسموع أولًا وبالذات عند التلاوة إنما هو الكلام اللفظي الذى حروفه عارضة لصوت القارئ بلا شك، لكن الكلمات اللفظية صور الكلمات الغيبية القائمة بذات الحق، فالكلام النفسي مسموع بعين سماع الكلام اللفظي، لأنه صورته لا من حيث الكلمات الغيبية فإنها لا تسمع إلا على طريق خرق العادة.
وقول الباقلاني: إنما نسمع التلاوة، دون المتلو، والقراءة دون المقروء يمكن حمله على انه أراد إنما يسمع أولًا وبالذات التلاوة، أى المتلو اللفظي الذى حروفه
[ ٣٢٢ ]
عارضة لصوت التالي، لا النفسي الذى حروفه غيبية مجردة عن المواد الحسية والخيالية، فلا نزاع في التحقيق أيضًا.
والفرق بين سماع موسى - ﵇ - سمع من اله ﷿ بلا واسطة لكن من وراء حجاب، ونحن إنما نسمعه من العبد التالي بعين سماع الكلام اللفظي المتلو بلسانه العارض من حروفه لصوته، لا من الله تعالى المتجلى من وراء حجاب العبد فلا يكون سماعًا من الله بلا واسطة. وهذا واضح عند من له قدم راسخةفي العرفان، وظاهر عند من قال بالمظاهر من تنزيه الملك الديان. وأنت إذا أمعنت النظر في قول أهل السنة: القرآن كلام الله ﷿ غير مخلوق وهو مقروء بالسنتنا مسموع بآذاننا، محفوظ في صدورنا، مكتوب في مصاحفنا غير حال في شئ منها رايته قولًا بالمظاهر، ودلا على أن تنزل القرآن القديم القائم بذاته تعالى فيها غير قادح في قدمه، لكونه غير حال في شئ منها مع كون كل منها قرآنًا حقيقة شرعية بلا شبهه.
وهذا عين الدليل على ان تجلي القديم في مظهر حادث لا ينافي قدمه وتنزيهه، وليس من باب الحلول والتجسيم، ولا قيام الحوادث بالقديم، ولا ما يشاكل ذلك من شبهات تعرض لمن لا رسوخ له في هاتيك المسالك، ومنه يظهر معنى القرآن في صورة الرجل الصاحب يلقى صاحبه حين ينشق عنه القبر، وظهوره خصمًا لمن حمله، فخالف أمره، وخصمًا دون من حمله فحفظ الأمر، بل من احاط خبرًا بأطراف ما ذكرناه، وطاف فكره المتجرد عن مخيط الهوى في كعبة حرم ما حققناه - أندفع عنه كل غشكال في هذا الباب.
وحيث تحرر الكلام في الكلام على مذهب أهل السنة، واندفع عنه بفضل الله تعالى كل محنة، فلا باس بأن نحكى بعض الأقوال (فنقول):
[ ٣٢٣ ]
أما المعتزلة فاتفقوا كافة على أن معنى كونه تعالى متكلمًا: أنه خالق الكلام على وجه لا يعود إليه منه صفة حقيقية، كما لا يعود إليه من خلق الأجسام وغيرها صفة حقيقية. وأتفقوا أيضًا على أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات، وأنه محدث مخلوق. ثم أختلفوا فذهب الجبائي وابنه أبو هاشم إلى انه حادث في محل. ثم زعم الجبائي أن الله تعالى يحدث عند قراءة كل قارئ كلامًا لنفسه في محل القراءة، وخالفه الباقون.
وذهب أبو الهذيل بن العلاف واصحابه إلى أن بعضه في محل وهو قوله ﴿كن﴾ وبعضه لا في محل كالأمر والنهي والخبر والاستخبار.
وذهب الحسن بن محمد النجار إلى أن كلام البارى إذا قرئ فهو عرض، وإذا كتب فهو جسم.
وذهبت الإمامية والخوارج والحشوية إلى أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات. ثم اختلف هؤلاء فذهب الحشوية إلى انه قديم أزلي قائم بذات الرب تعالى، لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام البشر. وبعضهم قال لا، بل الحروف حرفان، والصوت صوتان: قديم وحادث والقديم منهما ليس من جنس الحادث.
وأما الكرامية فقالوا: إن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم، وقد يطلق على الأقوال والعبارات، وعلى كلا التقديرين فهو قائم بذات الله تعالى، لكن إن كان بالاعتبار الأول فهو قديم متحد لآكثر فيه، وغن كان بالاعتبار الثاني فهو حادث متكثر.
واما الواقفية فقد أجتمعوا على أن كلام الرب تعالى كان بعد أن لم يكن لكن منهم م توقف في إطلاق اسم القديم والمخلوق عليه. ومنهم من توقف في إطلاق اسم المخلوق وأطلق وأطلق أسم الحادث. ومن القائلين بالحدوث من قال ليس جوهرًا ولا عرضًا. وذهب بعض المعترفين بالصانع إلى أنه لا يوصف
[ ٣٢٤ ]
بكونه متكلمًا لا بكلام ولا بغير كلام. والذى أوقع الناس في حيص وبيص أنهم رأوا قياسين متعارضي النتيجة، وهما كلام الله تعالى صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم، فكلام الله قديم، وكلام الله تعالى مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما هو كذلك فهو حادث، فكلام الله تعالى حادث فقوم ذهبوا: إلى أن كلامه تعالى حروف وأصوات وهي قديمة، ومنعوا ان كل ما هو مؤلف من حروف واصوات فهو حادث، ونسب إليهم اشياء برآء منها وآخرون قالوا بحدوثه، وأنه مؤلف من اصوات وحروف، وهو قائم بغيره، ومعنى كونه متكلمًا عندهم أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في جسم، كاللوح أو ملك كجبريل، أو غير ذلك. فهم منعوا أن المؤلف من الحروف والأصوات صفة الله تعالى. وأناس لما رأوا مخالفته الأولين للضرورة الظاهرة التى هي اشنع من مخالفة الدليل، أو مخالفة الآخرين فيما ذهبوا إليه للعرف واللغة ذهبوا إلى ان كلامه صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى. فهم منعوا أن كل ما هو صفة له تعالى فهو قديم.
وجمع قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات، وكثر في حقهم القال والقيل، والنزاع الطويل. وبعضهم تحير فوقف، وحبس ذهنه في مسجد الدهشة واتعكف. وعندي القياسان صحيحان والنتيجتان صادقتان، «ولكل مقام مقال»، «ولكل كلام أحوال» ولا أظنك تحوجني إلى التفصيل بعد ما وعاه فكرك الجميل، بل ولا تكلفني رد هذه الأقوال اشنيعة التى هي لديك إذا أخذت العناية بيديك كسراب بقيمة، فليطر شحرور القلم إلى روضة أخرى، وليغرد بفائدة لعلها أولى من افطالة وأحرى. والله تعالى الموفق - انتهى.
[ ٣٢٥ ]
[فتوى لابن تيميه عن كلام الله]
ولنذكر من كلام الشيخ ابن تيميه - أعلى الله تعالى درجته - في ذلك، حتى يتبين لك أنه سلك من المذاهب الأحمد معروف المسالك، فقد قال في فتاويه ما نصه:
وسئل عن رجلين تنازعًا، فقال أحدهما: القرآن حرف وصوت. وقال الآخر: ليس هو بحرف ولا صوت. وقال أحدهما: النقط التى في المصحف والشكل من القرآن. وقال الآخر ليس ذلك من القرآن. فما الصواب من ذلك حتى نعتقده.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة يتنازع فيها كثير من الناس. ويخلطون فيها الحق بالباطل، فالذى قال: إن القرآن حرف وصوت. إن أراد بذلك أن هذه القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله ﷿، الذى نزل به الروح الأمين، على سيدنا محمد خاتم النبيين - ﷺ -، وان جبريل سمعه من الله ﵎، والنبي - ﷺ - سمعه من جبريل، والمسلمون سمعوه من الرسول - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ [النحل ١٠٢] وقال تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام ١١٤] فقد أصاب في ذلك. فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع. ومن قال: إن القرآن العربي لم يتكلم الله تعالى به، وإنما هو كلام جبريل - ﵇ - أو غيره، عبر به عن المعنى القائم بذات الله تعالى، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقها. فهو قول باطل من وجوه كثيرة.
فإن هؤلاء يقولون: إنه معنى واحد قائم بالذات، وغن معنى التوراة
[ ٣٢٦ ]
والإنجيل والقرآن واحد، لأنه لا يتعدد ولا يتبعض، وإنه إن عبر عنه بالعربي كان قرآنًا، وبالعبرية كان توراة، وبالسريانية كان إنجيلًا، فيجعلون آية الكرسي، وآية الدين، وقل هو الله أحد، وتبت يدا أبي لهب، والتوراة والإنجيل، وغيرها معنى واحدًا. وهذا قول فاسد بالعقل والشرع وهو قول أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه أحد من السلف.
وغن أراد القائل بالحرف والصوت أن الأصوات المسموعة من القراء والمداد الذى في المصاحف قديم أزلي فقد اخطأ في ذلك وابتدع، وقال ما يخالف العقل والشرع، فإن النبي - ﷺ - قال: «زينوا القرآن باصواتكم» فبين أن الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الله تعالى، كما قاله سبحانه: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأحره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] فالقرآن الذى يقرؤه المسلمون كلام الله تعالى لا كلام غيره، كما ذكر الله تعالى ذلك.
وفي السنن عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشًاَ قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» وقالوا لأبي بكر الديق - ﵁ - لما قرا عليهم: ﴿آلم غلبت الروم﴾ [الروم ٢] هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله تعالى.
والناس إذا بلغوا كلام النبي كقوله: «إنما الأعمال بالنيات» يعلمون أن الحديث الذى يسمعونه حديث النبي - ﷺ -، تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه، والمحدث بلغة عنه بصوت النبي - ﷺ -.
فالقرآن أولى أن يكون كلام الله تعالى إذا بلغته الرسل عنه، وقرأته
[ ٣٢٧ ]
الناس بأصواتهم، والله ﷿ تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب، ولا مثل صوته، فإن الله ليس كمثله شئ، لا في ذاته ولا في أفعاله.
وقد نص أئمة المسلمين على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله تبارك وتعال ينادي بصوت،وان القرآن كلامه تكلم به بحروفه ليس منه شئ كلامًا لغيره، لا جبريل ولا غيره، وان العباد يقولونه باصوات أنفسهم وافعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ، والكلام كلام البارى ﵎.
وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب، بل يجعل هذا هو هذا، فينتفيهما جميعًا أو يثبتهما جميعًا. فإذا نفى الحرف والصوت نفى ان يكون صوت العبد صفة لله تعالى، ثم جعل كلام الله تعالى الفرق دون ذاك النفي الذى فيه نوع من الإلحاد والتعطيل، حيث جعل الكلام المتنوع شيئًا واحدًا لا حقيقة له عند التحقيق.
وغذا اثبت جعل صوت الرب سبحانه هو صوت العبد أو سكت عن التمييز بينهما مع قوله إن الحروف متعاقبة في الوجود، مقترنة في الذات، قيمة أزلية الأعيان، فجعل عين صفة الرب تحل في العبد أو تتحد بصفة، فقال بنوع في الحلول والاتحاد يفضى إلى نوع من التعطيل.
وقد علم أن نفي الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته خطأ وضلال، لم يذهب إليه احد من سلف الأمة وائمتها، بل هم متفقون على التمييز
[ ٣٢٨ ]
بين صوت الرب وصوت العبد، ومتفقون على أن الله تعالى تكلم بالقرآن الذى أنزله على نبيه محمد - ﷺ - حروفه ومعانيه، وأن ينادي عباده بصوته. ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القراء أصوات العباد، وعلى أنه ليس شئ من أصوات العباد، ولا مداد المصاحف قديمًا، بل القرآن مكتوب في مصاحق المسلمين، مقروء بالسنتهم، محفوظ بقلوبهم وهو كله كلام الله تعالى.
والصحابة رضوان الله تعالى عليهم كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا نقط، لأنهم كانوا عربًا لا يلحنون.
ثم لما حدث الحن نقط الناس المصاحف وشكلوها، فإن كتبت بلا شكل ولا تلفظ جاز، ولم يكره في أظهر قولى العلماء، وهو إحدى الروايتين عن احمد رحمه الله تعالى، وحكم النقط والشكل حكم الحروف، فإن الشكل يبين إعراب القرآن كما يبين النقط والحروف، والمداد الذى تكتب به الحروف ويكتب به الشكل والنقط مخلوق، وكلام الله تعالى العربي الذى أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط وبغير شكل ونقط ليس بمخلوق.
وحكم الإعراب حكم الحروف، لكن الإعراب لا يستقل بنفسه، بل هو تابع للحروف المنطوقة. والشكل والنقط لا يستقل بنفسه، بل هو تابع للحروف المرسومه، فلهذا لا يحتاج إلى تجريدهما وإفرادهما بالكلام، بل القرآن الذى يقرؤه المسلمون هو كلام الله سبحانه معانيه وحروفه وإعرابه، والله ﵎ تكلم بالقرآن العربي الذى أنزله على نبينا محمد - ﷺ -، والناس يقرءمنه بأفاعلهم وأصواتهم. والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام الله ﷿، وهو القرآن العربي الذى انزله على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، سواء كتب بشمل ونقط أو بغير شكل ونقط.
والمداد الذى كتب به القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق. والقرآن الذى
[ ٣٢٩ ]
كتب في المصحف هو كلام اله ﵎ منزل غير مخلوق. والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين، لأن كلام الله تعالى مكتوب فيها، واحترام النقط والشكل إذا كتب المصحف منقوطًا كاحترام الحروف باتفاق علماء المسلمين.
ولهذا قال أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. والله تعالى تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه فجميعه كلام الله تعالى. فلا يقال: بعضه كلام كلام الله تعالى، وبعضه ليس كلام الله ﷿.
وهو سبحانه نادى موسى - ﵇ - بصوت سمعه موسى، فإنه سبحانه قد اخبر أنه نادى موسى في غير موضع من القرآن، كما قال تعالى: ﴿هل أتلك حديث موسى. إذ ناداه ربه بالوادى المقدس طوى﴾ [النازعات ١٦] والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة.
وقد قال الله تعالى: ﴿أنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده واوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وايوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورًا. ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء ١٦٣، ١٦٤]، فمن قال: إن موسى لم يسمع صوتًا بل ألهم معنى لم يفرق بين موسى وغيره.
وقد قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾ [البقرة ٢٥٣] .
[ ٣٣٠ ]
وقال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل فيوحي بغذنه ما يشاء﴾ [الشورى ٥١]، فقد فرق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب كما كلم الله موسى، فمن سوى بين هذا وهذا كان ضالًا.
وقد قال الإمام أحمد وغيره من الأئمة: لم يزل الله ﷿ متكلمًا إذا شاء، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته، يتكلم بشئ بعد شئ، كما قال تعالى ﴿فلما أتاها نودي يا موسى﴾ [طه ١١] فناداه حين أتاها لم يناده قبل ذلك.
وقال تعالى: ﴿فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشحرة، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ [طه ١٢١] فهو سبحانه ناداهما حين أكلا منها لم ينادهما قبل ذلك.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ [الأعراف ١١] بعد أن خلق آدم - ﵇ - وصوره لم يأمره قبل ذلك.
وكذا قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران ٥٩] . فأخبر أنه قال له «كن فيكون» بعد أن خلقه من تراب. ومثل هذا في القرآن كثير، يخبر أنه تكلم في وقت معين، ونادى في وقت معين، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ -، أنه لما خرج من باب الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة ١٥٨] . قال: «نبدأ بما بدأ الله تعالى به» فأخبر أن الله تعالى بدأ بالصفا قبل المروة.
والسلف اتفقوا على أن كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فظن بعض الناس أن مرادهم أنه قديم العين. ثم قالت طائفة: وهو معني واحد، وهو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل منهي. والخبر بكل
[ ٣٣١ ]
مخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وإن عبر عنه بالعبيرية مان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا. وهذا قول مخالف للشرع والعقل.
وقالت طائفة: هو حروف وأصوات قديمة الأعيان، لازمة لذات الله تعالى لم تزل لازمة لذاته، وأن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها ببعض معًا أزلًا وأبدًا، لم يسبق منها شئ سيئًا. وهذا أيضًا مخالف للشرع والعقل.
وقالت طائفتان: إن الله ﷿ لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه في الأزل كان متكلمًا بالنداء الذى سمعه موسى - ﵇ -، وإنما تجدد استماع موسى لا أنه ناداه حين أتى الوادى المقدس، بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى ولكن تلك الساعة سمع النداء.
وهؤلاء وافقوا الذين قالوا: إن القرآن مخلوق في اصل قولهم: إن الرب سبحانه لا تقوم به الأمور الاختيارية، فلا يقوم به كلام ولا فعل باختياره ومشيئته. وقالوا هذه حوادث، والرب ﷻ لا تقوم به الحوادث، فخالفوا صحيح المنقول، وصريح المعقول. واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث العالم، واخطئوا في ذلك ٠ فلا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا.
وادعوا أن الرب سبحانه لم يكن قادراُ في الأزل على كلام يتكلم به ولا فعل يفعله، وانه صار قادرًا بعد أن لم يكن قادرًا بغير أمر حدث. أو يغيرون العبارة فيقولون: لم يزل قادراص، لكن يقولون: إن المقدور كان ممتنعًا، وأن الفعل صار ممكنًا له بعد أن كان ممتنعًا عليه من غير تجدد شئ. وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا: كان قادرًا في الأزل على ما يمكن فيما لا يزال على ما يمكن في الأزل، فيجمعون بين النقيضين حيث يثبتونه قادرًا في حال كون المقدور عليه ممتنعًا عندهم، لو يفرقوا بين نوع الكلام والفعل وبين عينه، كما لم يفرق
[ ٣٣٢ ]
الفلاسفة بين هذا وهذا، بل المتفلسفة ادعوا أن مفعوله المعين قديم بقدمه: فضلوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول. فإن الأدلة لا تدل على قدم شئ بعينه من العالم، بل تدل على أن ما سوى الله تعالى مخلوق حادث بعد أن لم يكن، إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته، كما تدل على ذلك الدلائل القطعية والفاعل بمشيئته لا يكون شئ من مفعوله لازمًا لذاته بصريح العقل.
واتفاق عامة العقلاء، بل وكل فاعل لا يكون شئ من مفعوله لازمًا لذاته، ولا يتصور مقارنة مفعوله المعين له، ولو قدر أنه فاعل بغير إرادة فكيف بالفاعل بالإرادة؟ وما يذكر من أن المعلول يقارن علته إنما يصح فيما كان من العلل يجرى مجرى الشروط، فإن الشرط يجب أن يتقدم على المشروط بل يقارنه كما تقدم الحياة العلم، واما ماكان فاعلًا سواء علة أو لم يسم علة فلابد أن يتقدم على الفعل المعين، والفعل المعين لا يجوز أن يقارنه شئ من مفعولاته، ولا يعرف العقلاء عاقلًا قط يلتزمه مفعول معين، وقول القائل: حركت يدى فتحرك الخاتم، هو من باب المشروط لا من باب الفاعلين. ولأنه لو كان العالم قديمًا لكان فاعله موجبًا بذاته في الأزل ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه، ولو كان كذلك لم يحدث شئ من الحوادث. وهذا خلاف المشاهدة. وإن كان هو سبحانه لم يزل قادرًا على الكلام والفعل، بل لم يزل متكلمًا إذا شاء، وفاعلًا لما يشاء، ولم يزل موصوفًا بصفات الكمال منعوتًا بنعوت الجلال والإكرام، والعالم فيه من الإحكام والاتقان مادل على علم الرب سبحانه، وفيه من الاختصاص مادل على مشيئته، وفيه من الإحسان مادل على علم الرب تعالى وفيه من الاختصاص مادل على مشيئته، وفيه من الإحسان ما دل على رحمته، وفيه من العواقب الحميدة ما دل على حكمته، وفيه من الحوداث ما دل على قدرة الرب تعالى، مع أن الرب ﷿ مستحق لصفات الكمال لذاته، فإنه مستحق لكل كمال ممكن الوجود لا نقص فيه، منزه عن كل نقص.
[ ٣٣٣ ]
وهو سبحانه ليس كفؤ في شئ من أمور، فهو موصوف بصفات الكمال على وجه التفضيل، منزه فيها عن التشبييه والتمثيل، ومنزه عن النقائض مطلقًا، فإن وصفه بها من اعظم الأباطيل، وكماله من لوازم ذاته المقدسة لا يستفيده من غيره، هو المنعم على خلقه بالخلق والإنشاء وما جعله فيهم من صفات الإحياء، وخالق صفات الكمال أحق بها ممن لا كفء له فيها.
وأصل أضطراب الناس في مسألة الكلام - أن الجهمية والمعتزلة لما ناظرت الفلاسفة في مسالة حدوث العالم اعتقدوا ان ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثًا، بناء على أن مالا يتناهى لا يمكن وجوده، والتزموا أن الرب سبحانه كان في الأزل غير قادر على الفعل والكلام، بل كان ذلك ممتنعًا عليه، وكان معطلًا عن ذلك. وقد يعبرون عن ذلك بأنه كان قادرًا في الأزل على الفعل فيما لا يزال مع امتناع الفعل عليه في الأزل، فيجمعون بين النقيضين حيث يصفونه بالقدرة في حال امتناع المقدور لذاته، إذ كان الفعل يستلزم أن يكون له اولًا، والأزل لا أول له، والجمع بين إثبات الأولية ونفيها جمع بين النقيضين. ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث وهو الفعل المعين وبين ما يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام، بل هذا يكون دائمًا، وإن كان كل من آحاده حادثًا كما يكون دائمًا في المستقبل، وإن كان كل آحاده فانيًا بخلاف خالق يلزمه مخلوقه المعين دائمًا، فإن هذا هو الباطل في صريح العقل وصريح النقل.
لهذا اتفقت فطر العقلاء على إنكار ذلك، لم ينافه إلا شرذمة من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله الذين يزعمون أن الممكن المفعول قد يكون قديمًا واجب الوجود بغيره، فخالفوا بذلك جماهير العقلاء، مع مخالفتهم أرسطو وأتباعه،
[ ٣٣٤ ]
فإنهم لم يكونوا يقولون ذلك، وإن قالوا بقدم الإفلاك، وأرسطو أول من قال بقدمها من الفلاسفة المشائين، بناء على إثبات علة غنائية لحركة الفلك بتحرك الفلك للتشبيه بها لم يثبتوا له فاعلًا مبدعًا، ولم يثبتوا ممكنًا قديمًا واجبًا بغيره.
وهم وغن كانوا أجهل بالله ﵎ وأكفر من متأخريهم، فهم يسلمون لجمهور العقلاء أن ما مكنًا بذاته فلا يكون محدثًا مسبوقًا بالعدم. فاحتاجوا أن يقولوا: كلامه مخلوق منفصل عنه. وطائفة وافقتهم على امتناع وجود مالا نهاية له، لكن قالوا له: تقوم به الأمور الاختيارية فقالوا: إنه في الأزل لم يكن متكلمًا، بل ولا كان الكلام مقدورًا له، ثم صار متكلمًا بلا حدوث حادث بكلام بقوم به، وهو قول الهاشمية والكرامية وغيرهم.
وطائفة قالت: إذا قال القرآن غير مخلوق فلا يكون إلا قديم العين لازمًا لذات الرب سبحانه، فلا يتكلم بمشيئته وقدرته.
ثم منهم من قال: هو معني واحد قديم، فجعل ىية الكرسي، وآية الدين، وسائر أيات القرآن والتوراة والأنجيل، وكل كلام يتكلم الله به - معنى واحدًا لا يتعدد ولا يتبغض.
ومنهم من قال: إنه حروف وأصوات مقترنة لازمة للذات.
وهؤلاء أيضًا وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل قولهم: إنه متكلم بكلام لا يقوم بنفسه وبمشيئته قدرته، وأنه لا تقوم به الأمور الاختيارية. وقالوا إنه لم يستوا على عرشه بعد ان خلق السماوات والأرض، ولا ياتى يوم القيامة، ولم يناد موسى حين ناداه، ولا تغضبه المعاصي ولا ترضيه الطاعات، ولا تفرحه توبة التائبين. وقالوا في قوله ﷿: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ [التوبة ١٠٥] ونحو ذلك: إنه لا يراها إذا وجدت،
[ ٣٣٥ ]
بل إما أنه لم يزل رائيًا لها، وإما أنه يتجدد شئ موجود بل تعدد معدوم، إلى أمثال هذه المقالات التى خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة مع مخالفة صريح العقل.
والذى ألجأهم إلى ذلك موافقتهم للجهمية على أصل قولهم في أنه سبحانه لا يقدر في الأزل على الفعل والكلام، وخالفوا السلف والأئمة في قولهم: لم يزل الله تعالى متكلمًا إذا شاء، ثم افترقوا أحزابًا أربعة كما تقدم: الخلقية والحدوثية، والاتحادية، والافتراقية. وشر من هؤلاء الصابئة والفلاسفة الذين يقولون: إن الله سبحانه لم يتكلم بكلام قائم بذاته، ولا بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته، لا قديم النوع ولا قديم العين، ولا حادث ولا مخلوق، بل كلامه عندما يفيض على نفوس الأنبياء ﵈.
ويقولون: إنه كلمة موسى من سماء عقله، وقد يقولون: إنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات فإنه إنما يعلمها على وجه كلي.
ويقولون مع ذلك: إنه يعلم نفسه ويعلم ما يفعله. وقولهم: نفسه ومفعولاته حق، كما قال تعالى:: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك ١٤] لكن قولهم مع ذلك: أنه لا يعلم الأعيان المعينة جهل وتناقض، فإن نفسه المقدسة معينة، والأفلاك معينة، وكل موجود معين، فإن لم يعلم المعينات لم يعلم شيئًا من الموجودات، إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وهم إنما ألجأ لهم إلى هذا الإلحاد فرارهم من تجدد الأحوال للبارئ تعالى مع ان هؤلاء يقولون: إن الحوادث تقوم بالقديم، وإن الحوادث لا أول لها، لكن نفوا ذلك عن البارئ ﷿، لاعتقادهم أنه لا صفة له، بل هو وجود مطلق. وقالوا: إن العلم نفس عين العالم، والقدرة نفس عين القادر.
[ ٣٣٦ ]
والعلم والعالم شئ واحد، والمريد والإرداة شئ واحد. فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، وجعلوا الصفات هي الموصوف.
ومنهم من يقول: بل العلم هو المعلوم، كما يقوله الطوسي صاحب شرح الإشارات، فغنه أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه. وابن سينا أقرب إلى الصواب، لكنه تناقض مع ذلك حيث نفى قيام الصفات به، وجعل الصفة عين الموصوف، وكل صفة هي الأخرى. ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول: معاني الكلام شئ واحد، لكنهم ألزموا قولهم لأولئك فقالوا: إذ جاز المعاني المتعددة شيئًا واحدًا جاز أن يكون العلم هو القدرة هي الإرادة. فاعترف حذاق أولئك بان هذا الإلزام لا جواب عنه.
ثم قالوا: وإذ جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى جاز أن تكون الصفة هي الموصوف.
فجاء ابن عربي وابن سبعين والقونوى ونحوهم من الملحدة فقالوا: إذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الاخرى، والصفة هي الموصوف جاز أن يكون الموجود الواجب القديم الخالق هو الموجود الممكن المحدث المخلوق، فقالوا: إن وجود كل مخلوق هو وجود الخالق. وقالوا: الوجود واحد، ولم يفرقوا بين الواحد بالنوع والواحد بالعين، كما لم يفرق أولئك بين الكلام الواحد بالعين والكلام الواحد بالنوع.
وكان منتهى أمر أهل الإلحاد في الكلام إلى هذا التعطيل والكفر والاتحاد الذى قاله أهل الوحدة والحلول والاتحاد في الخالق والمخلوقات، كما أن الذين لم يفرقوا بين نوع الكلام وعينه، وقالوا: هو يتكلم بحرف وصوت قديم. قالوا: أولًا إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته. ولا تسبق الباء السين، بل لما نادى موسى فقال: ﴿أننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدني﴾ [طه ١٤]،
[ ٣٣٧ ]
﴿إنى أنا الله رب العالمين﴾ [القصص ٣٠] كانت الهمزة والنون وما بينهما موجودًا في الأزل يقارن بعضها بعضًا، لم تزل ولا تزال لازمة لذات الله تعالى.
ثم قال فريق منهم: إن ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة من القراء. وقال بعضهم: بل المسموع صوتان قديم وحادث. وقال بعضهم: اشكال المداد قديمة أزلية. وقال بعضهم: محل المداد قديم أزلي. وحكى عن بعضهم أنه قال: المداد قديم أزلي. وأكثرهم يتكلمون بلفظ القديم ولا يفهمون معناه، بل منهم من يظن أن معناه أنه قديم في علمه، ومنهم من يظن أن معناه أنه متقدم على غيره، ومنهم من يظن أن معنى اللفظ أنه غير مخلوق، ومنهم من لا يميز ما هو له فصار هؤلاء حلولية اتحادية في الصفات، ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد في الذات مع الصفات. وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل.
والصواب في هذا الباب وغيره مذهب سلف الأمة وأئمتها - أنه سبحانه لم يزل متكلمًا إذا شاء، وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وان كلماته لا نهاية لها، وأنه نادى موسة - ﵇ - بصوت سمعه موسى، وإنما ناداه حين أتى لم يناده قبل ذلك، وان صوت الرب تبارك أسمه لا يماثل أصوات العباد، كما أن علمه لا يماثل علمهم، وقدرته لا تماثل قدرتهم، وانه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته، ليس في مخلوقاته شئ من ذاته وصفاته القائمة بذاته، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته. وأن أقوال أهل التعطيل ولا تحاد الذين عطلوا اللذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال باطلة، وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول في الذات أو الصفات باطلة، وهذه المور مبسوطة في غير الموضع، وقد بسطناها في الواجب الكبير. والله تعالى اعلم بالصواب، والحمد لله تعالى وحده - أنتهى بحروفه.
[ ٣٣٨ ]
وقال السفاريني في شرح العقيدة ما نصه: وقد روى في إثبات الحرف والصوت أحاديث تزيد على اربعين حديثًا، وأخرج الإمام أحمد عالبها واحتج به. واخرج الحافظ ابن حجر أيضًا في شرح البخاري، واحتج بها البخاري وغيره من أئمة الحديث ٠ على ان الحق سبحانه يتكلم بحرف وصوت. وقد صححوا هذا الأصل واعتقدوه، واعتمدوا على ذلك منزهين الله تعالى عما لا يليق بجلاله من شبهات الحدوث وسمات النقص.
كما قالوا في سائر الصفات معتمدين على ما صح عندهم عن صاحب الشريعة المعصوم في أقواله وأفعاله، الذى لا ينطق عن الهوى - ﷺ -.
وممن ذهب إلى مذهب السلف والحنابلة من قدم الكلام وانه بحروف وصوت من متأخري محققى الأشاعرة: صاحب المواقف. أنتهى باقتصار.
(قلت): وممن ذهب إليه ايضًا من المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني الشافعي الأشعري في كتابه «إفاضة العلام بتحقيق مسألة الكلام» وهو كتاب قلما يوجد مثله في تحقيق هذه المسألة التى حيرت الأفهام، وقد حاكم فيها الحنابلة مع الأشعرية، واثبت الكلام النفسي الذى نفته بعض الحنابلة، وحقق اللفظي المنفي عند كثير من الأشاعرة، ونقل ما يؤيد ذلك من كلام ذينك الإمامين، وأن الأئمة الأربعة في أصول الدين عير مختلفين، بل تراهم في القول بتوحيد الله تعالى وتنزيهه في ذاته وصفاته مؤتلفين.
وان الأشعري رحمه الله تعالى على مناهجهم أجمعين، كما قاله ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفترى على ابى الحسن الأشعري» فإن أردت التفصيل فعليك بذلك الكتاب الذى يعز له مثيل.
ونقل أيضًا الكوراني في رسالته المسماه «بنوال الطول في تحقيق الإيجاد
[ ٣٣٩ ]
بالقول» عن الشيخ محيى الدين بن عربي أنه قال: لله تعالى تجل في صورة يقبل القول والكلام بترتب الحروف قد ذكرناه في التجلي الإلهي الذى خرجه مسلم في الصحيح، وهو من رواية ابي سعيد الخدري، وفيه: «أتاهم رب العالمين في أدنى صورة عن التى رأوه فيها - ثم قال بعده - ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التى رأوه فيها اول مرة» .
وعن البخاري بلفظ «فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التى رأوه فيها أول مرة» والأحاديث في ذلك بلغت مبلغ التواتر - أنتهى.
ثم قال فيها: إن الكلام النفسي بمعنى المتكلم به قديم لا تعاقب بين كلماته، أما الكلام اللفظي المسموع من التجلي الإلهي في الصورة فبين كلماته ترتب زماني وتعاقب. واخرج الطبراني عن ابن عباس - ﵁ - مرفوعًا «أن الله تعالى ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة ايام .» الحديث. وهذا صريح في تعاقب الكلمات وترتيبها بحسب الزمان وصريح الأحاديث أن الله تعالى هو الذى كلم موسى - ﵇ - بلا واسطة رسول، لكنه من وراء حجاب الظاهر بصورة النار. وغذا ثبت ذكر الصوت في الأحاديث المتعددة وجب الإيمان به. انتهى ملخصًا.
(وقال) أيضًا في شرح منظومة شيخه الشيخ أحمد القشاشى المدنى ما نصه: قال الجامى رحمه الله تعالى: ولنذكر في هذا المقام كلام الصوفية ليتضح ما هو الحق، قال حجة الإسلام: الكلام على ضربين: أحدهما يطلق في حق الباري تعالى. والثاني في حق الآدميين
أما الكلام الذى نسب إليه تعالى فهو صفة من صفات الربوبية فلا تشابه بين صفات البارى وصفات الآدميين - إلى أن قال - فإذن كلام البارى تعالى ليس شيئًا سوى إفادته وإفاضته مكنونات علمه على من يريد إكرامه، كما قال: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف ١٤٣]
[ ٣٤٠ ]
شرفه بقربه، وقربه بقدسه، وشافهه بأجل صفاته، وكلمه بعلم ذاته، فكما شاء تكلم، وكما أراد سمع. أنتهى.
ثم ساق عن غيره من أكابر المحققين مامنه: أعلم أن الله تعالى قد أخبرنا بنبيه - ﷺ - أنه سبحانه يتجلى يوم القيامة في صور مختلفة فيعرف وينكر، ومن كانت حقيقته تقبل التجلى فلا يبعد أن يكون الكلام بالحروف المتلفظ بها المسماه كلام الله تعالى لبعض تلك الصور كما يليق بجلاله فكما نقول تجلى في صورة كما يليق بجلاله، كذلك نقول تكلم بحرف وصوت كما يليق بجلاله، ونحمله محمل الفرح والضحك، والعين والقدم، واليد، اليمين، وغير ذلك مما قدر ورد في الكتاب مما يجب الإيمان به على المعنى المعقول من غير كيفية ولا تشبيه، فإنه يقول: ﴿ليس كمثله شئ﴾ [الشورى ١١] مع عقل المعنى.
ثم ساق عن غيره من الأكابر كلامًا في تحقيق الكلام إلى أن قال في آخر ذلك: فالذى يظهر من كلام هؤلاء الأكابر أن الكلام الذى هو صفته سبحانه ليس سوى إفادته وإفاضته مكنونات علمه على ما يريد إكرامه، وان الكتب المنزلة المنظومة من حروف وكلمات كالقرآن وامثاله أيضًا كلامه لكنها في بعض صور تلك الإفادة والإفاضة ظهرت بتوسط العلم والإرادة والقدرة في البرزخ الجامع بين الغيب والشهادة، يعني عالم المثال من بعض مجاليه الصورية المثالية كما يليق به سبحانه. فالقياسان المذكوران في صدر البحث ليسا بمتعارضين في الحقيقة، فإن المراد بالكلام في القياس الأول الصفة القائمة بذاته سبحانه، وفي الثاني ما ظهر في البرزخ من بعض المجالي الإلهية والاختلاف الواقع بين فرق المسلمين لعدم الفرق بين الكلامين. انتهى.
(أقول): دل كلام هؤلاء الأكابر على ان الحق سبحانه له أن يتجلى
[ ٣٤١ ]
في أي صورة شاء مع تنزيهه عن كل صورة في كل حال، وينبغي لطالب الحق غير الجامد على المألوف من الرسوم المقررة - أن يتنبه لنفاسة هذا الكلام، وجلالة هذه الفائدة الصادرة عن مقام الرسوخ في العلم من طريق الوهب والله يجتبى إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب. انتهى فليتدبر.
[كلام نفيس لابن القيم في الموضوع]
(ومن جملة) كلام للشيخ ابن القيم في مبدأ كتابه «المنظومة النونية، المسماه بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» ما نصه: فلا نجحد صفات ربنا ﵎ لتسمية الجهمية والمعتزلة لنا مجسمة مشبهه خشوية: [طويل]
فإن كان تجسيمًا ثبوت صفاته لديكم فإنى اليوم عبد مجسم
ورضي الله تعالى عن الشافعي حيث يقول:
إن (١) كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
وقدس الله تعالى روح القائل وهو شيخ الإسلام ابن تيميه إذ يقول:
إن كان نصبا حب صحب محمد فليشهد الثقلان أني ناصبي
فصل: [عقيدة ابن القيم وشيخه في القرآن]
وأما القرآن فإنى أقول: إنه كلام اله ﷿ منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود: تكلم الله تعالى به صدقًا، وسمعه منه جبريل حقًا، وبلغه محمدًا - ﷺ - وحيًا، وإن كهيعص، وحم عسق، وآلر، وقّ، ون، عين كلام الله تعالى حقيقة. وأن الله تعالى تكلم بالقرآن العربى الذى سمعه الصحابة من رسول الله - ﷺ -، وأن جميعه كلام الله
_________________
(١) في الأصل في الموضعين: «وإن كان» بالواو، وبها لا يستقيم وزن الشعر، وهو من بحر الكامل.
[ ٣٤٢ ]
تعالى وليس قول البشر. ومن قال: إنه قول البشر فقد كفر، والله يصليه سقر. ومن قال: ليس لله سبحانه بيننا كلام فقد جحد رسالة محمد - ﷺ -، فإن الله تعالى بعثه يبلغ عنه كلامه، والرسول إنما يبلغ كلام مرسله، فإذا انتفى كلام المرسل أنتفت رسالة الرسول، أقول: إن الله ﵎ فوق سماواته مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شئ من ذاته، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته، فقلب المعطل متعلق بالعدم، فهو أحقر الحقير. وقلب المشبه عابد الصنم الذي قد نحت بالتصوير والتقدير، والموحد قلبه متعبد لمن ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. أنتهى. وقال في النظم ما بعضه: [كامل]
[مقتطفات من نونية ابن القيم]
وله الحياة كمالها فلأجل ذا ما للمات عليه من سلطانِ
وله الكمال المطلق العارى عن التشبيه والتمثيل بالإنسان
والله ربي لم يزل متكلمًا وكلامه المسموع بالآذان
صدقًا وعدلًا أحكمت كلماته طلبًا وإخبارًا بلا نقصان
ورسوله قد عاد بالكلمات من لدغ ومن عين ومن شيطان
أيعاذ بالمخلوق حاشاه من الـ إشراك وهو معلم الإيمان
بل عاذ بالكلمات وهي صفاته سبحانه ليست من الأكوان
وكذلك القرآن عين كلامه المـ سموع منه حقيقة ببيان
هو خلق ربي كله لا بعضه لفظًا ومعنا ما هما خلقان
تنزيل رب العالمين وقوله الـ لفظي والمعنى بلا روغان (١)
لكن أصوات العباد وفعلهم كمدادهم والرق مخلوقان
_________________
(١) في الأصل «اللفظ» بدون ياء، وبدونها لا يستقيم الوزن.
[ ٣٤٣ ]
والصوت للقارى ولكن الكلا م كلام رب العرش ذي الإحسان
هذا إذا ما كان ثم وساطة كقراءة المخلوق للقرآن
فإذا انتفت تلك الوساطة مثل ما قد كلم المولود من عمران
فهنالك المخلوق نفس السمع لا شئ من المسموع فافهم ذان
هذى مقالة أحمد ومحمد وخصومهم من بعد طائفتان
إحداهما زعمت بأن كلامه خلق له ألفاظه ومعانى
والآخرون أبوا وقالوا شطره خلق وشطر قام بالرحمن
زعموا القرآن عبارة وحكاية قلنا كما زعموه قرآنان
هذا الذي نتلوه مخلوق كما قال الوليد وبعده الفئتان
والآخر المعنى القديم فقائم بالنفس لم يسمع من الديان
والآمر عين النهى واستفهامه هو عين أخبار وذو وجدان
وهو الزبور وعين توراة وإنجـ يل وعين الذكر والفرقان
الكل شئ واحد في نفسه لا يقبل التبعيض في الأذهان
ما إن له كل ولا بعض ولا حرف ولا عربى ولا عبراني
ودليله في كل ذاك بيت قاله فيما يقال الأخطل النصراني
ومنه [كامل]
وإذا أردت مجامع الطرق التى فيها افتراق الناس في القرآن
فمدارها أصلان قام عليهما هذا الخلاف هما له ركنان
هل قوله بمشيئة أم لا وهل في ذاته أم خارج هذان
أصلًا اختلاف جميعه أهل الأرض في القرآن فاطلب مقتضى البرهان
ثم الألى قالوا بغير مشيئة وإرادة منه فطائفتان
إحداهما جعلته معنى قائمًا بالنفس أو قالوا بخمس معانى
والله أحدث هذه الألفاظ كي تبديه معقولا إلى الأذهان
[ ٣٤٤ ]
وكذلك قالوا إنها ليست هي القـ رآن بل دلت على القرآن
ولربما سمى بها القرآن تسمية المجاز وذاك وضع ثان
وكذلك اختلفوا فقيل حكاية عنه وقيل عبارة لبيان
إن كان ما يحكى حمحكى وهـ ذا اللفظ والمعنى فمختلفتان
ولذا يقال حكى الحديث بعينه إذ كان أوله نظير الثاني
فلذاك قالوا لا نقول حكاية ونقول ذاك عبارة الفرقان
والآخرون يرون هذا البحث لفـ ظيًا وما فيه كبير معاني
فصل: في مذهب الاقترانية
والفرقة الأخرى فقالوا إنه لفظ ومعنى ليس منفصلان
واللفظ كالمعنى قديم قائم بالنفس ليس يقابل الحدثان
فالسين عند الباء لا مسبوقة لكن هما حرفان مقترفان
والقائلون بذا يقولوا إنما ترتيبهما في السمع بالآذان
ولها اقتران ثابت لذواتها فاعجب لذا التخليط والهذيان
لكن زاغونيهم قد قال إن ذواتا ووجودها غيران
فترتب لوجودها لا ذاتها يا للعقول وزيغة الأذهان
ليس الوجود سوى حقيقتها لدى الأذهان بل في هذه الأعيان
لكن إذا أخذ الحقيقة خارجًا ووجودها ذهنًا فمختلفان
والعكس أيضًا مثل ذا فإذا هما أتحـ دا اعتبارًا لم يكن شيئان
وبذا يزول جميع إشكالانهم في ذاته ووجوده الرحمن
[ ٣٤٥ ]
فصل: في مذهب القائلين بأنه متعلق بالمشيئة والإرادة
والقائلون بأنه بمشيئة وأرادة أيضًا فهم صنفان
إحداهما جعلته خارج ذاته كمشيئة للخلق والأكوان
قالوا وصار كلامه بإضافة التـ شريف مثل البيت للأركان
ما قال عندهم ولا هو قائل والقول لم يسمع من الديان
فالقول مفعول لديهم قائم بالغير كالأغراض والأكوان
هذى مقلة كل وجهى وهم فيها الشيوخ معلم الصبيان
لكن أهل الإعتزال قديمهم لم يذهبوا ذا المذهب الشيطاني
وهم الألى اعتزلوا عن الحسن الرضا البصرى ذاك العالم الرباني
وكذاك اتباع على مناهجهم من قبل جهم صاحب الحدثان
لكنما متأخروهم بعد ذ لك وافقوا جهمًا على الكفران
فهم بذا جهمية أهل اعتزا ل ثوبهم أضحى له علمان
ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان
واللا لكائى الإمام حكاه عنـ هم بل حكاه قبله الطبراني
فصل: في مذهب الكرامية
والقائلون بأنه بمشيئة في ذاته أيضًا فهم نوعان
إحداها جعلته مبدوءًا به نوعًا حذار تسلسل الأعيان
فيسد ذاك عليهم في زعمهم إثبات خالق هذه الأكوان
فلذاك قالوا: إنه ذو أول ما للفناء عليه من سلطان
وكلامه كفعاله وكلاهما ذو مبدأ بل ليس ينتهيان
[ ٣٤٦ ]
قالوا ولم ينصف خصوم جعجعوا واتوا بتشنيع بلا برهان
قلنا كما قالوه في أفعاله بل بيننا بون من الفرقان
بل نحن أسعد منهم بالحق إذ قلنا هما بالله قائمتان
وهموا فقالوا لم يقم بالله لا فعل ولا قول فتعطيلان
لفاعله ومقاله شر وأبـ طل من حلول حوادث ببيان
تعطيله عن فعله وكلامه شر من التشنيع بالهذيان
هذى مقالات ابن كرام وما ردوا عليه قط بالبرهان
أبى وما قال أقرب منهم للعقل والآثار والقرآن
لكنهم جاءوا له بجعاجع وفراقع وقراقع بشنان
فصل: في ذكر مذهب أهل الحديث
والآخرون أولو الحديث كأحمد ومحمد وأئمة الإيمان
قالوا بأن الله حقًا لم يزل متكلمًا بمشيئة وبيان
إن الكلام هو الكمال فكيف يخـ لو عنه في ازل بلا إمكان
ويصير فيما لم يزل متكلمًا ماذا اقتضاه له من الإمكان
وتعاقب الكلمات أمر ثابت للذات مثل تعاقب الأزمان
والله رب العرش قال حقيقة حاميم مع طه بغير قرآن
بل أحرف مترتبات مثل ما قدر رتبت في مسمع الإنسان
وقتان في وقت محال هكذا حرفان أيضًا يوجدان بآن
من واحد متكلم بل يوجدا بالرسم أو يتكلم الرجلان
هذا هو المعقول أما الأقترا ن فليس معقولًا لذى الأذهان
وكذا كلام من سوى متكلم أيضًا محال ليس في إمكان
[ ٣٤٧ ]
فصل وأتى ابن حزم بعد ذاك
إلا لمن قام الكلام به فذا ك كلامه المعقول في الأذهان
أيكون حي سامعًا أو مبصرًا من غير ما سمع وغير عيان
والسمع والإبصار قام بغيره هذا المحال وواضح البهتان
فكلامه حقًا يقوم به وإلـ لا لم يكن متكلمًا بقرآن
والله قال وقائل وكذا يقو ل الحق ليس كلامه بالفانى
ويكلم الثقلين يوم معادهم حقًا فيسمع قوله الثقلان
إلى أن قال:
فصل
وأتى ابن حزم بعد ذاك فقال ما للناس قرآن ولا إثنان
بل أربع كل يسمى بالقرا ن وذاك قول بين البطلان
هذا الذى يتلى وآخر ثابت في الرسم يدعى المصحف العثماني
والثالث المحفوظ بين صدورنا هذى الثلاث خليفة الرحمن
والرابع المعنى القديم كعلمه كل يعبر عنه القرآن
وأظنه قد رام شيئًا لم يجد عنه عبارة ناطق ببيان
إن المعين ذو مراتب أربع عقلت فلا تخفى على إنسان
في العين ثم الذهن ثم اللفظ ثـ م الرسم حين تخطه ببيان
وعلى الجميع الإسم يصدق لكن ا لأولى به الموجود في الأعيان
بخلاف قول ابن الخطيب فإنه قد قال إن الوضع للأذهان
فالشيء شيء واحد لا أربع فدهى ابن حزم قلة الفرقان (١)
والله أخبر أنه سبحانه متكلم بالوحي والفرقان
وكذا أخبرنا بأن كلامه بصدور أهل العلم والإيمان
_________________
(١) لعله «قلة العرفان» .
[ ٣٤٨ ]
وكذاك أخبر أنه المكتوب في صحف مطهرة من الشيطان
وكذاك أخبر أنه المتلو والـ مقروء عند تلاوة الإنسان
والكل شئ واحد لا أنه هو أربع وثلاثة وأثنان
وتلاوة القرآن أفعال لنا وكذا الكتابة فهي خط بنان
لكنما المتلو والمكتوب والـ محفوظ قول الواحد الرحمن
والعبد يقرؤه بصوت طيب وبضده فما له صوتان
وكذاك يكتبه بخط جيد وبضده فما له خطان
أصواتنا ومدادنا وأداتنا والرق ثم كتابة القرآن
ولقد أتى في نظمه بجهالة من قال قول الحق غير جبان
إن الذى هو في المصاحف مثبت بأنامل الأشياخ والشبان
هو قول ربى آية وحروفه ومدادنا والرق مخلوقان
فشقى وفرق بين متلو ومصـ نوع وذاك حقيقة العرفان
الكل مخلوق وليس كلامه الـ متلو مخلوقًا هنا شيئان
فعليك بالتفصيل والتمييز فالـ إطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدوا هذا الوجود وخبطوا الـ أذهان والآراء كل زمان
وتلاوة القرآن في تعريفها باللام وقد يعنى بها شيئان
يعنى بها المتلو فهو كلامه هو غير مخلوق كذى الأكوان
ويراد أفعال العباد كصوتهم وأدائهم وكلاهما خلقان
هذا الذي نصت عليه أئمة الـ إسلام أهل العرف والعرفان
وهو الذى قصد البخارى الرضا لكن تقاصر قاصر الأذهان
عن فهمه كتقاصر الأذهان عن قول الإمام الأعظم الشيباني
في اللفظ لما أن نفى الضدين عنـ ـه وأهتدى للنفى ذو عرفان
[ ٣٤٩ ]
فاللفظ يصلح مصدرًا فعلنا كتلفظ بتلاوة القرآن
وكذاك يصلح نفس ملفوظ به وهو القران فذان محتملان
فلذاك أنكر أحمد الإطلاق في نفى وإثبات بلا فرقان
منه: للمسلمين بإفك ذي بهتان
واتى ابن سينا القرمطى مصانعًا ـفعال علة هذه الأكوان
فرآه فيضًا فاض من عقل هو والـ طمت على ما قال كل لسان
ومنه: ـذا الخلق من جن ومن إنسان
وأنت طوائف الأتحاد بملة عين الوجود وعين ذي الأكوان
قالوا كلام الله كل كلام هـ وصفاته ما ههنا قولان
إذ أصلهم إن الإله حقيقة حملت إليك رخيصة الأثمان
فكلاهما وصفاتها هو قوله ألفيتها أبدًا بذا التبيان
هذى مقالات الطوائف كلها أبصرت ذا الحسن والإحسان
وأظن لو فتشت كتب الناس ما خرقوا سياج العقل والقرآن
زفت إليك فإن يكن لك ناظر بل ناد في ناديهم بأذان
فاعطف على الجهمية المغل الألى ـسموع من لغة بكل لسان!
شرد بهم من خلفهم واكسرهم ـمسلوب معناه لذى الأذهان!
أفسدتم المعقول والمنقول والمـ ويصح غفار بلا غفران!
أيصح وصف الشئ بالمشتق للـ لكن يقول قام إنسان
أيصح علام ولا علم له وعليكم في ذاك محذوران
فلئن زعمم أنه متكلم ـناه به وثبوته للثانى
أو غيره فيقال هذا باطل قلب الحقائق أقبح البهتان
نفى اشتقاق اللفظ للموجود معـ ذاك ابن حنبلٍ الرضا الشيبانى
[ ٣٥٠ ]
فصل ونعتقد أن القرآن كلام الله ﷿
أعنى الذي ما قام معناه به متكلمًا إن شاء ذو إحسان
ومنه: بالذات لم يفقد من الرحمن
والآخرون أولو الحديث كأحمد إحسان ايضًا في مكان ثانى
قد قال إن الله حقًا لم يزل أبدًا إله الخلق ذا سلطان
جعل الكلام صفات فعل قائم بل فاعلًا ما شاء ذا إحسان
وكذاك نص على دوام الفعل بالـ قلنا صدقتم وهو ذو إمكان
ومنه: هل بين ذينك من فرقان!
إن كان رب العرش حقًا لم يزل نقل ولا نظر ولا برهان!
فكذاك أيضًا لم يزل متكلمًا
منه:
فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل
كتسلسل التأثير في مستقبل
والله ما افترقا لذى عقل ولا
أنتهى نقل ما هو المراد منه. وإن أردت تفصيل البحث في ذلك مع الأجوبة والمذاهب المفصلة فارجع إليه.
وقال الشيخ عبد القادر الكيرنى قدس سره والنورانى في كتابه «الغنية ما نصه»:
فصل
ونعتقد أن القرآن كلام الله ﷿، وكتابه وخطابه، ووحيه الذى نزل به جبريل على رسول الله - ﷺ -، كما قال: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء ١٩٣] هو الذى بلغه رسول الله - ﷺ - أمته
[ ٣٥١ ]
أمتثالا لأمر رب العالمين: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة ٦٧] . وروى عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أنه قال: كان النبي - ﷺ - يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: «هل من رجل يحملنى إلى قومه فإن قريشًا منعونى أن أبلغ كلام ربي» . وقال ﷿: ﴿وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦]، وكلام الله تعالى هو القرآن الشريف غير مخلوق كيفما قرئ وتلى وكتب، وكيفما تفرقت به قراءة قارئ، ولفظ لافظ وحفظ حافظ.
هو كلام الله تعالى وصفه من صفات ذاته، غير محدث، ولا مبدل، ولا مغير، ولا مؤلف، ولا منقوص، ولا مصنوع، ولا مزاد فيه. منه بدأ تنزيله، وإليه يعود حكمه، كما قال النبي - ﷺ - في حديث عثمان بن عفان - ﵁ -: «إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه» .
وذلك أن القرآن الشريف منه ﵎ خرج، وإليه يعود حكمه، فمعناه أن تنزيله وظهوره منه ﷿، وإليه يعود حكمه الذى هو العبادات من أداء الأوامر وأنتهاء النواهى، لأجله تفعل وتترك، فالأحكام عائدة إليه ﷿. وقيل: منه بدأ حكمًا وإليه يعود علمًا.
هو كلام الله تعالى في صدور الحافظين وألسن الناطقين، في اكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، ومصاحف أهل الإسلام، وألواح الصبيان حيثما رؤى ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته، أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظى بالقرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، ولا يخالط، ولا يؤاكل، ولا يناكح، ولا يجاور، بل يهجر ويهان، ولا يصلى خلفه، ولا تقبل شهادته، ولا تصح
[ ٣٥٢ ]
ولا يته في نكاح وليه، ولا يصلى عليه إذا مات، فإن ظفر به استتيب ثلاثاُ كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل.
سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عمن قال: لفظى بالقرآن مخلوق؟ فقال: كفر.
وقال رحمه الله تعالى: فمن قال القرآن كلام الله ليس بمخلوق والتلاوة مخلوقة كفر. وروى عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه سئل النبي - ﷺ - عن القرآن فقال «كلام الله غير مخلوق» . وروى عن عبد الله ابن عبد الغفار - وكان مولى لرسول الله - ﷺ - عتاقة - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا ذكر الله (١) فقولوا كلام الله غير مخلوق فمن قال مخلوق فهو كافر» . وقال الله ﷿: ﴿ألا له الخلق والآمر﴾ [الأعراف ٥٤] ففصل بين الخلق والأمر، فلو كان أمره الذى هو «كن» الذى به يخلق الخلق مخلوقًا له كان ذلك تكرارًا وعيبًا لا فائدة فيه، كأنه قال: ألا له الخلق والخلق، والله تعالى منزه عن ذلك. وعن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنهما فسروا قوله ﷿: ﴿قرآنا عربيًا غير ذى عوج﴾ [الزمر ٢٨] أنه غير مخلوق.
وقد هدد الله تعالى الوليد بن المغيرة المخزومي حين سمى القرآن قول البشر «بسقر» فقال: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر. وإن هذا إلا قول البشر. سأصليه سقر﴾ فكل من قال: القرآن عبارة أو مخلوق أو لفظي بالقرآن مخلوق فله سقر، كما قال للوليد إلا أن يتوب. وقال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] ولم يقل حتى يسمع كلامك يا محمد. وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر ١] .
_________________
(١) على هامش الأصل: «قوله إذا ذكر الله» هكذا بالأصل، ولعله: «إذا ذكر القرآن أو كلام الله، كما يدل عليه السابق واللاحق» . أهـ.
[ ٣٥٣ ]
فصل ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة
يعنى القرآن الذى هو في الصدور. وقال الله ﷿: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف ٢٠٤] . وقال تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لقرأه على الناس على مكث﴾ [النساء ١٠٦] والناس إنما سمعوا قراءة النبي - ﷺ - ولفظه، فلفظه بالقرآن هو القرآن. ومدح الله ﷾ الجن الذين سمعوا قراءة النبي - ﷺ - فقالوا: ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد﴾ [الجن ١] الآية. وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن﴾ [الأحقاف ٣٩] وسمى الله تعالى قراءة جبريل ﵇ للقرآن قرآنا فقال جل وعلا: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة ١٦] وقال تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل ٢٠] وأجمع المسلمون على أن من قرأ فاتحة الكتاب في صلاة أنه قارئ كتاب الله تعالى، وأن من حلف ألا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث، فدل على أنه ليس بعبارة، قال النبي - ﷺ - في حديث معاوية بن الحكم - ﵁ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين، وإنما هي القرآن والتسبيح، التهليل وتلاوة القرآن» فأخبر أن تلاوة القرآن هي القرآن، فعلم بذلك أن التلاوة هي المتلو، والله تعالى ورسوله - ﷺ - أمر المؤمنين بالقراءة في الصلاة ونهيا عن الكلام، فلو كانت قراءتنا كلامنا لا كلام الله تعالى لكنا مرتكبين للنهى في الصلاة.
فصل
ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة، وأصوات مسموعة، لأن بها يصير الأخرس والساكت متكلمًا ناطقًا، وكلام الله ﷿ لا ينفك عن ذلك فمن ذلك فقد كابر حسه وعميت بصيرته. قال الله ﷿: ﴿آلم ذلك الكتاب. حم. طسم. تلك آيات الكتاب﴾ فقد ذكر حروفًا وكنى
[ ٣٥٤ ]
عنها بالكتاب: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ [لقمان ٢٧] فأثبت لنفسه كلمات متعددة غير متناهية الأعداد. وكذلك ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي﴾ [الكهف ١٠٩] وقال النبي - ﷺ -: «أقرءوا القرآن تؤجرون عليه بكل حرف عشر حسنات، أما إنى لا أقول ألم حرف ولكن الألف عشر واللام عشر والميم عشر فذلك ثلاثون» وقال النبي - ﷺ -: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف» وقال تعالى في حق موسى ﵇: ﴿وإذ نادى ربك موسى - وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ [مريم ٥٢] وقال تعالى: لموسى ﵇: ﴿إننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدنى﴾ [طه ١٤] كل هذا لا يكون إلا صوتًا، ولا يجوز أن يكون هذا النداء وهذا الاسم والصفة إلا لله ﷿ دون غيره من الملائكة وسائر المخلوقات. وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا كان يوم القيامة يأتى الله ﷿ في ظلل من الغمام فيتكلم بكلام طلق ذلق فيقول وهو أصدق القائلين: أنصتوا فطالما أنصت لكم منذ خلقتكم أرى أعمالكم وأسمع أقوالكم، فإنما هي صحائفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» .
وروى البخارى في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن أنيس - ﵁ - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يحشر الله ﷾ العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» .
وروى عبد الرحمن بن محمد المحاربى عن الأعمش عن مسلم بن مسروق عن عبد الله - ﵁ - قال: إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع صوته
[ ٣٥٥ ]
أهل السماء فيخرون سجدًا حتى إذا فزع عن قلوبهم - قال: سكن عن قلوبهم - نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق قال كذا وكذا. يعنى ذكر الوحي. وعن عبد الله بن الحرث عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: «إن الله ﵎ إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات صوتًا كصوت الحديد إذا وقع على الصفا فيخرون له سجدًا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير» .
قال محمد بن كعب: قال بنو إسرائيل لموسى ﵇: بم شبهت صوت ربك حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوت ربي الرعد حين لا يرتجع.
وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله ﷿ صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوت. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصون في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية، من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل، والله سبحانه لم يزل متكلمًا وقد احاط كلامه بجميع معانى الأمر والنهى والاستخبار.
وقال ابن خزيمة رحمه الله تعالى: كلام الله تعالى متواصل لا سكوت فيه ولا صمت. وقيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: هل يجوز أن نقول إن الله تعالى متكلما ويجوز عليه السكوت؟ فقال رحمه الله تعالى: نقول في الجملة: إن الله تعالى لم يزل متكلمًا، ولو ورد الخبر بأنه سكت لقلنا به، ولكنا نقول: إنه متكلم كيف شاء بلا كيف ولا تشبيه.
[ ٣٥٦ ]
فصل: [حروف المعجم أمخلوقة هي أو قديمة؟]
وكذلك حروف المعجم غير مخلوقة، سواء كان ذلك في كلام الله تعالى أو في كلام الآدميين، وقد أدعى قوم من أهل السنة انها قديمة في القرآن الشريف محدثة في غيره. وهذا خطأ منهم، بل القول السديد هو الأول من مذهب أهل السن بلا فرق، لقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس ٧٢] وهي حرفان، فلو كانت «كن» مخلوقة لا حتاجت إلى «كن» أخرى تحلق بها إلى ما لا نهاية له، وقد تقدمت أدلة كثيرة من الآيات فلا نعيدها.
وأما من السنة فما روى عن النبي - ﷺ - أنه قال لعثمان بن عفان لما سئل عن اب ت ث إلى آخر الحروف فقال: «الألف من اسم الله الباعث (١) والوارث» حتى أتى إلى آخرها فذكر أنها كلمة من اسماء الله تعالى وصفاته، وأسماؤه ﷿ غير مخلوقة. وقال النبي - ﷺ - في حديث على كرم الله وجهه لما سأله عن معنى أبجد هوز حصى إلى آخرها: «يا على، ألا تعرف تفسير أبي جاد؟ الألف من اسم الله ﷿ الذى هو الله، والباء من اسم الله الذى هو البارى، والجيم من أسم الله الذى هو الجليل ..» إلى آخرها. فذكر النبي - ﷺ - أنها من أسماء الله تعالى وهي في كلام الآدميين.
وقد نص احمد بن حنبل رحمه الله تعالى على قدوم حروف الهجاء، فقال في رسالته إلى أهل نيسابور وجرجان: ومن قال إن حروف التهجى محدثة فهو
_________________
(١) وجد على هامش الأصل ما نصه: قوله والتاء من اسم الله الخ لعله سقط بعده الذى هو التواب والثاء من اسم الله الخ اهـ.
[ ٣٥٧ ]
كافر باله ﷿، ومتى حكم ذلك مخلوق فقد جعل القرآن مخلوقًا، ولما قيل له رحمه الله تعالى: إن فلانًا (١) يقول: إن الله تعالى لما خلق الحروف أنضجعت اللام وانتصبت الألف: لا أسجد حتى أؤمر، فقال أحمد: هذا كفر من قائله.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا نقول بحدوث الحروف، فإن اليهود ما هلكت بهذا، ومن قال بحدوث حرف من الحروف فقد قال بحدوث القرآن، ولأنه لا يخلو إما أن يقال: هي قديمة في القرآن فوجب أن تكون قديمة في غيره، لأنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد قديمًا وهو بعينه محدث. فإن ذلك في القرآن فكذلك في غيره. فإن قالوا: فهذا يفضى إلى جميع الكلام أن يكون قديمًا قيل يلزم القرآن لما لم يقل ذلك فيه كذلك في حروف الهجاء (٢) أهـ بحروفه.
وقال الشيخ محمد صفى الدين البخارى نزيل نابلس المتوفى سنة ألف ومائة وتسع وتسعين في كتابه ما نصه: ذكر ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل - ﵁ - في مسألألة الحروف والصوت - حدث أبو طالب قال: جاءنى في كتاب من طرطوس أن سريا السقطي قال: لما خلق الله تعالى الحروف سجدت إلا الألف فإنها قالت: لا أسجد حتى أؤمر، فقال: هذا كفر. قلت: هذا إسناد صحيح. وقال صالح ابن الإمام أحمد، سمعت أبي يقول: من زعم أن أسماء الله تعالى مخلوقة فقد كفر. وقال عبد الله بن أحمد في كتاب الرد على الجهمية تأليفه: سالت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله تعالى موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى، تكلم جل ثناؤه بصوت، هذه الأحاديث نرويها
_________________
(١) قوله: «أن فلانًا يعنى السرى» اهـ من هامش الأصل.
(٢) كذا في الأصل وهو غير واضح.
[ ٣٥٨ ]
كما جاءت. وقال أبي: حديث ابن مسعود: «إذا تكلم الله تعالى سمع له صوت كمر السلسلة على الصفوان» قال: وهذه الجهمية تنكره، وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس. ثم قال: حدثنا المحاربى عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: «إذا تكلم الله ﵎ بالوحي سمع صوته أهل السمع فيخرون سجدًا» . قلت: قوله هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، أى لا نتصرف فيها بتأويل ولا تشبيه، ونؤمن بأن الصوت صفة من صفات ذاته لا تشبه صفات المخلوقين. أهـ.
وقال العلامة عبد الرحمن بن الجوزى في كتابه «تلبيس إبليس» ما نصه: الطريق السليم من تلبيس إبليس ما كان عليه النبي - ﷺ - وتابعوه بإحسان من إثبات الخالق سبحانه وصفاته على ما وردت به الآيات والأخبار من غير تفسير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال على كرم الله وجهه: ما حكمت مخلوقًا إنما حكمت القرآن وإنه للمسموع، لقوله تعالى: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] وأنه في المصاحف لقوله ﷿: ﴿في رق منشور﴾ [الطور ٣] ولا نتعدى مضمون الآيات ولا نتكلم في ذلك برأينا.
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينهى أن يقول الرجل: لفظى بالقرآن مخلوق، لئلا يخرج عن الأتباع للسلف إلى حدث. وعن عمرو بن دينار قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقول (١): من قال: القرآن مخلوق فهو كافر: وقال عمر بن عبد العزيز: عليك بدين الصبى في الكتاب والأعرابي، واله عما سواهما أهـ. باختصار.
_________________
(١) كذا في الأصل. ولعله: «كل يقول» بزيادة لفظ «كل» .
[ ٣٥٩ ]
وقال أبو محمد على بن حزم الظاهرى المتوفى سنة ٤٥٦ ردًا على الأشعرية في كتابه «الملل والنحل» ما نصه: وقالوا كلهم: إن شاء الله تعالى له إلا كلام واحد، وليس كلمات متكثرة. قال أبو محمد: وهذا كفر مجرد لتكذيبهم الله ﷿ في قوله: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾ [الكهف ١٠٩] وفي قوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعد سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ [لقمان ٢٧] ومع هذا، فقولهم: ليس لله ﷿ إلا كلام واحد أسخف قول سمع، لأنه لا يعقل، ولا يفهم، ولا جاء به نص ولا قام به دليل، ولا يتشكل في هاجس! وإنما هو هذيان محض.
ويقال لهم: لا يخلو القرآن عندكم من انه كلام الله ﷿، أو ليس هو كلام الله تعالى؟ ! فإن قالوا: ليس هو كلام الله ﷿ كفروا من قرب، وكفوا الناس مئونتهم. وإن قالوا: بل هو كلام الله قلنا لهم: فالقرآن بلا شك مائة سورة وأربع عشرة سورة، فيها ستة آلاف آية ونيف، كل سورة منها اهل الإسلام غير الأخرى، وكل آية غير الأخرى، فكيف يقول هؤلاء النوكى: إنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد؟ ما هذا إلا من الكفر البارد، والقحة السمجة. ونعوذ بالله تعالى من الضلال! وقالوا كلهم: إن القرآن لم ينزل به جبريل على قلب محمد رسول الله - ﷺ -، وإنما نزل بشئ آخر وهو العبارة عن القرآن، والقرآن ليس هو ألبته عندنا إلا على المجاز، وإن الذى نرى في المصاحف، ونسمع من القراء، ونقرأ في الصلاة، ويحفظ في الصدور ليس هو القرآن، ولا هو كلام الله ﷿، بل هو شئ آخر، وإن كلام الله ﷿ لم يفارق ذات الله تعالى.
[ ٣٦٠ ]
قال أبو محمد: وهذا من أعظم الكفر، لأنه تكذيب لله ﷿ في قوله سبحانه: ﴿نزل الروح الأمين. على قلبك﴾ [الشعراء ١٩٤] وقال تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] وقال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور اللذين أتوا العلم﴾ [العنكبوت ٤٩] وقد قال - ﷺ -: «أقرءوا القرآن» وقال - ﷺ -: «إنى أحب أن أسمعه من غيري» يعنى القرآن. وقال رسول الله - ﷺ -:
«الذي يقرأ القرآن مع السفرة» ونهى - ﷺ - أن يسافر بالقرآن إلى أرض الحرب. مع إجماع عامة المسلمين وخاصتهم وجاهلهم وعالمهم على القول: حفظ فلان القرآن إلى آخر قل أعوذ برب الناس.
وقال السمنانى نصًا: إن الباقلانى وشيوخه قالوا: إن النبي - ﷺ - إنما أطلق القول بأن ما أنزل الله تعالى عليه هو القرآن وهو كلام الله ﷿، إنما هو معنى أنه عبارة عن كلام الله تعالى، وأنه بفهم به أمره تعالى ونهيه فقط. وقال أبو محمد: ونقول لهم: أخبرنا عن قولكم: إن الذي في المصحف والقراءة المسموعة في المحاريب، كل ذلك إنما هو عبارة عن القرآن ماذا تعنون بذلك؟ وهل هو منكم إلا تمويه ضعيف؟ وهل كل ما في المصحف عبارة إلا عن معانيه التى ارادها الله ﷿ في شرع دينه من الإيمان، والصلاة والصيام، وغير ذلك، وأخبار الأمم السالفة، وصفة الجنة والنار والبعث وغيرها، مما لا يختلف من أهل الإسلام أحد في أن المعبر عن بذلك الكلام ليس هو كلام الله تعالى!، لأن ذات الجنة وذات النار وحركات المصلى، وعمل الحاج، وعمل الصائم، أجساد عاد، وأشخاص ثمود ليس شئ من ذلك كلام الله ﷿ ولا قرآنا! فثبت أن ليس
[ ٣٦١ ]
القرآن ولا كلام الله تعالى إلا العبارة المسموعة، والخط المكتوب في المصحف بلا شك، إذ لم يبق غير ذلك، أو الكفر، أو تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله - ﷺ - في أن القرآن أنزل علينا وإلينا، وأنا نسمع كلام الله تعالى، فأوهمتم أهل الضعف أن الذى هو عند جميع أهل الإسلام كلام الله تعالى، القرآن ليس هو القرآن ولا كلام الله تعالى، ثم أوهمتموهم باستخفافكم أن حركات المصلى وذات النار والجنة هي كلام الله تعالى وهي القرآن! فهل في الضلال والسخرية بضعفة المسلمين، والهزء بآيات الله تعالى أكثر من هذا! ولقد أخبرني على بن حمزة المرادى لصقلي الصوفي: أنه رأى بعض الأشعرية ينطح (١) المصحف برجله قال: فأكبرت ذلك، وقلت له. ويحك؟ تفعل هذا الفعل بالمصحف، وفيه كلام الله ﷿! فقال لي: ويلك! والله ما فيه إلا السخام والسواد، وأما كلام الله تعالى فلا. أو كلاما هذا معناه.
قال أبو محمد: وكتب لي أبو المرجا على بن زوار المصرى رحمه الله تعالى: أن بعض ثقات إخوانه من طلاب السنن أخبره أن رجلًا من الأشعرية قال له مشافهة على من يقول إن الله تعالى قال ﴿قل هو الله أحد. الله الصمد﴾ - ألف لعنة. قال أبو محمد: بل على من ينكر أن الله تعالى قالها - ألف ألف لعنة، وعلى من ينكر أنه سمع كلام الله ﷿ ويقرأ كلام الله ﷿ ألف ألف لعنة تترى عليه من عند الله ﷿، ثم من ملائكته وأنبيائه وجميع الصالحين من الإنس والجن.
فإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله ﷿، ومخالفة القرآن وتكذيب رسول الله - ﷺ -، ومضادة جميع أهل الإسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة! .
_________________
(١) كذا في الأصل.
[ ٣٦٢ ]
قال أبو محمد: وقالت الأشعرية كلها: إن الله تعالى لم يزل قائلًا لكل ما خلق أو يخلق في المستأنف «كن كن» إلا أن الأشياء لم تكن إلا حين كونها، صرح الأشعرى بذلك في كتابه المبتذل عند أصحابه الموسوم بالشرح والتفصيل، فقال فيه: إنه ﷿ لم يزل قائلًا لنوح ﵇ ولغيره كل ما أخبر ﷿ أنه قاله أو أنه يقوله.
قال أبو محمد: وهذا تكذيب منهم لله ﷿ مكشوف: إذ يقول ﷿: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس ٧٢] فبين ﷿ أنه لا يقول لشئ كن إلا إذا أراد تكوينه، وأنه تعالى إذا قال: كن، كان الشئ في الوقت بلا مهلة، ولا زمان بينهما، يعنى بين قوله ﷿ وبين كونه المقول له كن، لأن هذا هو مقتضى الفاء في اللغة التى بها نزل القرآن. فجمعوا إلى تكذيب الله ﷿ في خبريه جميعًا إيجاب أزلية العالم، لأن الله تعالى إذا كان لم يزل قائلًا لكل ما يكون كن، فالتكوين لم يزل. وهذه دهرية محضة أهـ كلام ابن حزم الظاهرى الأندلسي، وبقى ما لا تطاوعني على قله نفسي، بل لا يكاد إلى آخر الدهر يجرى به نِقْسى (١)، وهو بالنسبة إلى مقام الأشعرية الرفيع الجناب، كطنين ذباب، أ، كصرير باب. وإنما نقلته لك لتزداد إطلاعًا على أختلاف العلماء في مسألة الكلام، وتعلم أنها كم زلت فيها أقدام أقوام، وان الأشعرية طائفتان كما تقدم، فاستمسك بالأثرية منهما، مقل: اللهم علمنا ما لم نعلم فهو الموفق للمذهب الأسلم، والسلام.
فصل
[البيهقي يستدل لكون القرآن غير مخلوق]
ولنذكر بعض ما ذكره الإمام الحافظ ابو بكر أحمد الشافعي البيهقى في
_________________
(١) النقس - بالكسر - الذي يكتب به.
[ ٣٦٣ ]
كتاب الصفات فإنه قال فيه: (باب ما جاء في إثبات صفة الكلام، وأ، هـ غير مخلوق) قال الله ﷿: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربى لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾ [الكهف ١٠٩] . وقال تعالى: ﴿لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ [لقمان ٢٧] وقال عز من قال: ﴿وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] ولم يقل حتى يرى خلق الله، ونظائرها كثيرة. وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «تكفل الله ﷿ لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» رواه البخارى في الصحيح. وروى مسلم في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى» وعن ابن عباس قال: كان النبي - ﷺ - يعوذ الحسن والحسين «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة - ثم يقول - كان أبوكم إبراهيم يعوذ بها إسماعيل وإسحق» وعن على - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول عند مضجعه: «اللهم إنى أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من كل شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم إنك تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك» فاستعاذ - ﷺ - في هذا الخبر بكلمات الله ﷿ كما استعاذ بوجهه الكريم. فكما أن وجهه الذي أستعاذ به غير مخلوق، فكذلك كلمات الله تعالى التى أستعاذ بها غير مخلوقة،
[ ٣٦٤ ]
وكلام (١) الله تعالى واحد، وإنما جاء بلفظ الجمع على معنى التعظيم، وإنما سماها تامة لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه سبحانه عيب أو نقص، كما يكون ذلك في كلام الآدميين.
وبلغني عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه كان يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق قال: وذلك لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص. وقال ﵊ من حديث: «فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» .
باب
[القول والكلام يتواردان على معنى واحد]
(ما جاء في إثبات صفة القول، وهو والكلام عبارتان عن معنى واحد) قال الله تعالى: ﴿ولكن حق القول منى﴾ [السجدة ١٣] وقال تعالى: ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ [يس ٧] وقال تعالى ﴿من أصدق من الله قيلا﴾ [النساء ١٢٢] وقال سبحانه ﴿من أصدق من الله حديثًا﴾ [النساء ٨٧] وقال تعالى ﴿فالحق والحق أقول﴾ [ص ٨٤] فأثبت الله جل ثناؤه لنفسه صفة القول في هذه الآيات. وقال ﵊: «خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» وفي حديث الإسراء «باب، إن أمتى ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وابصارهم فخفف عنا. فقال: إنى لا يبدل القول لدى. هي كما كتبت عليك في أم الكتاب ولك بكل حسنة عشر أمثالها هي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك» أخرجاه في الصحيح.
_________________
(١) قوله وكلام الله واحد هو عين ما تقوله المبتدعة من متأخرى الأشعرية ومخالف لما قاله سلف هذه الأمة من أن كلمات الله كثيرة لا نهاية لها واستدلوا بقوله «قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي» وقوله «ولو أن ما في الأرض من شجرة اقلام» الآية راجع مناظرة ابن حزم للأشعرية ص ٢٦٣ وراجع كلام الإمام أحمد من ص ٣٥٣ - ٣٥٦، وكتبه محمد سلمان.
[ ٣٦٥ ]
باب
[ما جاء في إثباته صفة التكليم والتكلم والقول سوى ما مضى]
قال الله جل ثناؤه: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء ١٦٤] فوصف نفسه بالتكلم ووكده بالتكرار فقال ﴿تكليمًا﴾ . وقال عز من قائل: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف ١٤٣] . وقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله﴾ [البقرة ٢٥٣] وذكر في غير آية من كتابه ما كلم به موسى ﵇ فقال: ﴿يا موسى أنى انا ربك فأخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى. وأنا أخترتك فاستمع لما يوحى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدنى﴾ [طه ١٢ - ١٤] .
فهذا كلام سمعه ﵇ من ربه بإسماع الحق إياه بلا ترجمان كان بينه وبينه، دله بذلك على ربوبيته، ودعاه إلى وحدانيته، وأمره بعبادته وإقامة الصلاة لذكره، وأخبر أنه أصطنعه لنفسه.
وروى البخارى في الصحيح قال رسول الله - ﷺ -: «أحتج آدم وموسى فقال له أنت آدم الذى أخرجت ذريتم من الجنة. فقال له آدم أنت موسى الذى أصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه تلومنى على أمر قد قدر قبل أن أخلق، فحج آدم موسى» .
وروى في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: «يجمع المؤمنون يومئذ فيهيمون لذلك اليوم ويقولون: لو استشفعنا على ربنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون له: يا آدم، أنت أبو الناس خلقك الله ﷿ بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شئ فاشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته، التى أصاب، ولكن أئتوا نوحًا أول رسول بعثه الله إلى الأرض. فيأتون نوحاٌ فيقول: لهم لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التى أصاب، ولكن أئتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول لهم: لست هناكم، ويذكر لهم خطاياه التى أصاب، ولكن أئتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليمًا. فيأتون موسى فيقول لهم: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته
[ ٣٦٦ ]
التى اصاب، ولكن أئتوا عيسى رسول الله وكلمته وروحه. فيأتون عيسى فيقول لهم: لست هناكم، ولكن أئتوا محمدًا عبدًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال رسول الله - ﷺ -: فيأتون، فأنطلق معهم فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيدعنى ما شاء الله أن يدعنى، ثم يقول لي: يا محمد ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، فأحد لهم حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أرفع الثانية فأستأذن على ربي فيؤذن لى، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا فيدعنى ما شاء الله أن يدعنى، ثم يقول لى: يا محمد، أرفع رأسك سل تعط، وأشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أحد ثانيًا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع الثالثة فاستأذن على ربي فيؤذن لى، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيدعنى ما شاء الله أن يدعنى، ثم يقول: يا محمد، أرفع راسك سل تعط واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أحد لهم حدًا فأدخلهم الجنة حتى ارجع فاقول: يارب، ما بقي في النار إلا من وجب عليه الخلود أو حبسه القرآن» .
وفي هذا أن موسى ﵇ مخصوص أن الله ﷿ كلمه تكليمًا، ولو كان إنما سمعه من مخلوق لم يكن له خاصية. وقوله في عيسى ﵇ «إنه كلمته» فإنما يريد أن يكلمه الله تعالى صار مكونًا من غير أب.
[ ٣٦٧ ]
باب
[كيف يكلم الله البشر؟]
﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحى بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى ٥١] .
قال بعض أهل التفسير: فالوحي الأول ما أرى الله سبحانه الأنبياء ﵈ في منامهم، كما أمر إبراهيم عليه لسلام في منامه بذبح أبنه. قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال غير واحد من أهل التفسير: رؤيا الأنبياء وحي، لقول ابن إبراهيم الذى أمر بذبحه: أفعل ما تؤمر.
وأما الكلام من وراء حجاب فهو كلام الله ﷿ موسى ﵇ من وراء حجاب، والحجاب المذكور في هذا الموضع وغيره يرجع إلى الخلق دون الخالق.
وأما الكلام بالرسالة فهو إرسال الروح الأمين بالرسالة إلى من شاء من عباده، قال الله ﷿: ﴿إنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين﴾ [الشعراء ١٩٣] .
وقد ذهب الزهرى رحمه الله تعالى في تقسيم الوحى إلى زيادة بيان، وذلك فيما روى يونس بن زيد قال: سمعت الزهرى سئل عن قول الله ﷿: ﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا﴾ [الشورى ٥١] الآية. قال: نزلت هذه الآية من أوحى الله ﷿ إليه من النبيين، فالكلام كلام الله ﷿ الذى كلم به موسى من وراء حجاب، والوحى ما يوحى الله تعالى به إلى النبي من أنبيائه، فيثبت الله ﷿ ما أراه من وحيه في قلب النبي فيتكلم به النبي ﵇ ويبينه، وهو كلام الله ووحيه.
ومنه ما يكون بين الله تعالى ورسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا
[ ٣٦٨ ]
من الناس، ولكنه سر غيب بين الله تعالى ورسله.
ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابة ولكنهم يحدثون به الناس حديثًا، ويبينون بهم أن الله ﷿ أمرهم أن يبينوا للناس، ويبلغوهم من الوحى ما يرسل به إليه فيوحون وحيًا في قلوب من يشاء من رسله.
وقد بين الله وجل لنا في كتابه أنه يرسل جبريل ﵇ إلى محمد - ﷺ -، فقال الله ﷿ في كتابه: ﴿من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقًا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين﴾ [البقرة ١٧] وذكر أنه الروح الأمين فقال: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين، على قلبك﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤] الآية - فذهب في الوحي الأول إلى أنه ما يوحى الله ﷿ به إلى النبي ﵇ فيثبت ما أراد من وحيه في قلبه فيتكلم به النبي - ﷺ -، وهذا يجمع حال اليقظة والنوم.
وذهب فيما يوحى الله ﷿ إلى النبي بإرسال الملك إليه إلى أنه يكون على نوعين: أحدهما - أن ياتيه الملك فيكلمه بأمر الله ﷿ تكليمًا، والآخر أن يأتيه فيلقى في روحه (١) ما أمر الله ﷿، وكذلك بين في الأخار.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن الحرث بن هشام سأل النبي - ﷺ -، كيف يأتيك الوحي؟ قال: «كل ذلك يأتى الملك أحيانًا في مثل صلصلة الجرس فيصم عنى وقد وعيت ما قال وهو أشده على، ويتمثل في مثل الملك أحيانًا رجلًا فليكلمنى فأعى ما يقول» رواه البخارى في الصحيح.
وروى المطلب بن حنطب أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما تركت شيئًا مما أمركم الله ﷿ به إلا وقد أمرتكم به ولا تركت
_________________
(١) كذا في الأصل ولعلها: «روعه» بالعين.
[ ٣٦٩ ]
شيئًا مما نهاكم الله تعالى عنه إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد ألقى في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستوفى رزقها فأجملوا في الطلب» .
باب
[إسماع الرب ملائكته]
ما جاء في إسماع الرب ﷿ بعض ملائكته كلامه الذى لم ينزل به موصوفًا ولا يزال به موصوفًا، وتنزيل الملك به إلى من أرسله إليه، وما يكون في أهل السماوات من الفزع عند ذلك.
قال الله ﷿: ﴿حتى إذا فزع (١) عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ ٢٣] قال سفيان بن عيينة: قال أبو هريرة - ﵁ -: إن النبي - ﷺ - قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، قالوا للذى قالوا (٢) الحق وهو العلى الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، هكذا بعضهم فوق بعض - وصف سفيان بعضها فوق بعض قال - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا، وكذا الكلمة التى سمعت من السماء فيصدق بتلك الكلمة التى سمعت من السماء» رواه البخاري.
وروى رجاء بن حيوة بسنده أن يوحى بأمره وكلم الوحي فإذا تكلم أخذت السماوات رجفة، أو قال رعدة شديدة - خوفًا من الله ﷿، فإذا
_________________
(١) على هامش الأصل: «أى ذهب الفزع، كأنه نزع الفزع عن قلوبهم» اهـ.
(٢) كذا في الأصل. وعبارة الحديث كما في تفسير سورة الحجر في صحيح البخاري: «قالوا للذى قال الحق» .
[ ٣٧٠ ]
سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله تعالى سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵇ فيكلمه الله ﷿ من وحيه بما أراد، فيمضى جبريل ﵇ على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فينتهى جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ﷿ من السماء والأرض» .
وروى البخاري في الصحيح: أن النبي - ﷺ - قال «يقبض الله ﷿ الأرض، ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» .
وروى خليفة بن عدى قال: كنت عند رسول اله - ﷺ - فجاءه رجلان أحدهما يشكو العليلة، والآخر يشكو قطه السبيل، قال فقال: «لا يأتى عليك إلا قليل حتى تخرج المرأة من الحيرة إلى مكة بغير خفير، ولا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم بصدقته فلا يجد من يقبلها منه، ثم ليفيض المال، ثم ليقفن أحدكم بين يدى الله ﷿ ليس بينه وبينه حجاب يحجبه ولا ترجمان فيترجم له، فيقول: ألم أوتك مالًا فيقول: بلى، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، وينظر عن يساره فلا يرى إلا النار، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» رواه البخاري عن عبد الله عن أبي عاصم.
ثم قال الشيخ الإمام أحمد - يعنى البيهقي -: والكلام هو نطق نفس المتكلم، بدليل ما رويناه عن أمير المؤمنين عمر في حديث السقيفة: فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر - ﵁ - يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنى قد هيأت كلامًا قد أعجبني.
وفي رواية أخرى: وكنت زورت مقالة أعجبتنى، فسمى تزويره الكلام في نفسه كلامًا قبل التلفظ به. ثم إن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات. وإن كان المتكلم غير ذى مخارج سمع كلامه
[ ٣٧١ ]
غير ذى حروف وأصوات، فالبارئ جل ثناؤه ليس بذى مخارج فكلامه ليس بحروف ولا أصوات، فإذا نحن تلوناه تلوناه بحروف وأصوات.
وقد أخبرنا أبو عبد الحافظ قال: أخبرنا أبو العباس المحمود قال: حدثنا شعبة بن مسعود قال: حدثنا يزيد بن هرون قال: أخبرنا همام بن يحيى عن عبد الله بن أنيس عن النبي - ﷺ - في حديث الظالم قال: «يحشر الله العباد - أو قال الناس - عراة غر لا بهما ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» . وهذا حديث ينفرد به القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل، وابن عقيل والقاسم لم يحتج بهما الشيخان أبو عبد الله البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابورى، ولم يخرجا هذا الحديث في الصحيح بإسناده، وإنما أشار البخاري إليه في ترجمة الباب.
واختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه.
ولم تثبت (١) صفة الصوت في كلام الله تعالى في حديث صحيح عن النبي - ﷺ - غير حديثه، فليس بنا ضرورة إلى إثباته.
وقد يجوز أن يكون الصوت إن كان ثابتًا راجعًا إلى غيره، كما رويناه عن ابن عبد الله بن مسعود موقوفًا ومرفوعًا: «إذا تكلم الله ﷿ بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاة» وفي حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان» ففي هذين الحدثين الصحيحين دلالة على أنهم يسمعون عند الوحي صوتًا لكن للسماء ولأجنحة الملائكة، تعالى الله عن شبه المخلوقين علوًا كبيرًا!
_________________
(١) كيف وقد أثبت الإمام أحمد وغيره من السلف أن الله يتكلم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب والأحاديث كثيرة متواترة غير أن صوته لا يشبه صوت العباد وصوته يجرى مجرى الصفات فهو ليس كمثله وقوله هنا إن كلامه ليس بحرف ولا صوت هو من فلسفة المتأخرين وراجع الإمام أحمد في ص ٣٥٣. كتبه محمد سليمان.
[ ٣٧٢ ]
وأما الحديث الذى ذكره البخارى عن عمر بن حفص أن النبي - ﷺ - قال: «يقول الله يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ..» فهذا لفظ ينفرد به ابن حفص. أو معناه: ينادى آدم ملك بصوت.
وأما الحديث الذى روى عن جابر بن عبد الله عن رسول الله - ﷺ - قال «لما كلم الله ﷿ موسى يوم الطور قال له موسى: يارب، هذا كلامك الذى كلمتنى به يوم ناديتنى؟ فقال: يا موسى لا، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولى قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك» فلما رجع موسى إلى بنى إسرائيل قالوا له: يا موسى صف لنا كلام الرحمن؟ قال: قال: سبحان الله! من يطيق! قالوا: فشبهه لنا، قال: ألم تروا إلى أصوات الصواعق حين تقبل في أحلى حلاوة سمعتموه، فإنه قريب منه وليس به - فبعض رواته ضعيف الحديث. أنتهى ثم ذكر ما يقرب منه، ثم ضعف لبعض وأول الباقي.
وأنت تعلم أن الأحاديث التى فيها إثبات الصوت تزيد على أربعين حديثًا، أخرج غالبها الإمام أحمد واحتج به، وكذا غيره من أئمة الحديث، كما حكاه الكوراني والسفاريني وغيرهما عن جمع السلف كما سيأتى.
ثم قال الإمام البيهقي: والذي يدل على أ، كلام الله تعالى لم يزل ولا يزل وأنه لا يقال في كلامه إنه لم يكن ثم كان، أو كان ثم انقضى، فإنه لا يشبه كلامه كلام المخلوقين - أنه جل ثناؤه يقول لكل ما يريد إحداثه «كن» يعنى كن موجودًا فيكون، ولكل ما يريد فناءه «كن» يعنى فانيًا فيفنى، وبقول لمن قرأ الفاتحة فقال: الحمد لله رب العالمين: حمدني عبدى، ولمن قال: الرحمن الرحيم: أثنى على عبدى، ولمن قال: مالك يوم الدين: مجدنى عبدى، ولمن قال إياك نعبد وإياك نستعين: هذه الآية بينى وبين عبدى، ولمن قال
[ ٣٧٣ ]
أهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها: هذه لعبدى ولعبدى ما سال، ويقول لمن أصاب ذنبًا فقال: يا رب قد أذنبت ذنبًا فاغفره لي: علم عبدى أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدى.
وروينا في الأبواب قبل هذا ما يقول الله ﷿ لملائكته وعباده لكل منهم في وقت واحد: كن، ولآخر: كن، ولواحد: حمدنى، ولآخر: أثنى على - وربنا ثناؤه يقول جميع ذلك في وقت واحد، ويحاسب الخلق أجمعين يوم القيامة، لا تشغله محاسبة واحد عن الآخر.
دل على أن كلامه ليس بحروف ولا أصوات، وأنه لا يقال في كلامه إنه لم يكن ثم كان، ولا كان ثم انقضى، ثم يقال في كلام المخلوقين، وأن كلامه صفة قائمة بذاته تعالى لم يزل، غير أن تعلقه بالمعلوم يكون وقت وجوده. وبالله التوفيق، والله أعلم. أنتهى فتدبره.
وقال أيضًا:
باب
[ما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين رضي الله تعالى عنهم
في أن القرآن كلام الله غير مخلوق]
عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿قرآنا عربيًا غير ذي عوج﴾ [الزمر ٢٨] قال: غير مخلوق.
وعن عكرمة قال: حمل ابن عباس جنازة فلما وضع الميت في قبره قال له الرجل: اللهم رب القرآن اغفر له. فقال ابن عباس: مه! لا تقل مثل هذا، منه بدأ وإليه يعود.
قلت: قول «منه بدأ» معناه منه سمع، وبتعليمه تعلم، وبتفهيمه فهم.
[ ٣٧٤ ]
وقوله: «إليه يعود» فمعناه وإليه تلاوتنا لكلامه، وقيامنا بحقه. وقيل: معناه هو الذي تكلم به، وهو الذى أمر به فيه ونهى عما خطر فيه، وإليه يعود، وهو الذي يسألك عما امرك به، ونهاك عنه.
وقال أبو الفرج بن يزيد الكلاعى: قالوا لعلى كرم الله تعالى وجهه: حكمت كافرًا ومنافقًا فقال: ما حكمت مخلوقًا! ما حكمت إلا القرآن. وعن موسى بن الربيع قال: سألت جعفر بن محمد - ﵁ - عن القرآن؟ فقال: كلام الله قلت: فمخلوق؟ قال: لا. قلت: فما القول فيمن زعمر أنه مخلوق؟ قال: يقتل ولا يستتاب. وقال مالك ابن أنس: من يقول القرآن مخلوق هو عندي كافر فأقتلوه.
وقال عبد الرحمن بن مهدى وقيل له: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق فقال: إن الجهمية لم يريدوا ذا، وإنما أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش أستوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله ﷿ كلم موسى، وقال الله ﷿: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء ١٦٤] وارادوا أن ينفوا أن القرآن كلام الله، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
وقال وكيع: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر بالله العظيم.
وقال أبو يوسف القاضي: كلمت أبا حنيفة سنة جرداء في أن القرآن مخلوق أم لا؟ فاتفق رأيه ورأيي على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
وقال الربيع: لما كلم الشافعي حفص الفرد فقال حفص: القرآن مخلوق. قال له الشافعي: كفرت باله العظيم.
وقال الربيع: سمعت البويطى يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، قال الله ﷿: ﴿إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾
[ ٣٧٥ ]
[النحل ٤٩] فأخبرنا الله تعالى أنه يخلق الخلق «بكن» فمن زعم أن «كن» مخلوق فقد زعم أن الله ﷻ يخلق الخلق بخلق.
وقال البخاري: حدثوني عن وكيع أنه قال: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم، وإنما يذهبون الله التعطيل.
وقال الإمام البيهقي: قلت وقد روينا نحو هذا عن جماعة من فقهاء الأمصار وعلماؤهم، ولم يصح عندنا خلاف هذا القول عن احد من الناس في زمان الصحابة والتابعين ﵄ أجمعين. واول من خالف الجماعة في ذلك الجعد بن درهم، فأنكره عليه خالد بن عبد الله القسرى وقتله وقد خطبهم في يوم أضحى بواسط فقال: ارجعوا أيها الناس فضحوا، تقبل الله منكم، فإنى مضح بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله ﷿ لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد بن درهم. قال: ثم نزل فذبحه قال أبو رجاء: وكان يأخذ هذا الكلام من الجعد بن درهم، رواه البخاري في كتاب التاريخ.
باب
[الفرق بين التلاوة والمتلو]
قال الله ﷿: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر ١٧] وقال: ﴿والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور﴾ [الطور ١ - ٣] وقال: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت ٤٩] وقال: ﴿وإن أحد من المشركين أستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة ٦] فالقرآن الذي نتلوه هو كلام الله ﷿، وهو متلو بألسنتنا على الحقيقة، و\مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في صدرونا، مسموع في أسماعنا، عير حال في شئ منها، إذ هي من صفات غير بائنة منه، وهو كما أن
[ ٣٧٦ ]
البارى سبحانه معلوم بقلوبنا / مذكور بألسنتنا، مكتوب في كتابنا، معبود في مساجدنا، مسموع بأسماعنا، غير حال في شئ منها وأما قراءنتا وكتابتنا وحفظنا فهو من أكسابه مخلوقة لا شك فيها.
قال الله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج ٧٧] وسمى رسول الله - ﷺ - تلاوة القرآن فعلًا في قوله ﵊ «لا حسد إلا في أثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، فيقول: لو أوتيت مثل ما أوتى هذا لفعلت كما يفعل. ورجل أتاه الله مالًا فهو ينفقه في حقه فيقول: لو أوتيت مثل ما أوتى هذا عملت مثل ما يعمل» قال يحيى بن سعيد: مازلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة.
قال البخاري: حركاتهم وأصواتهم، وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف، المسطور المكتوب المحفوظ في القلوب، فهو كلام الله ﷿ ليس بخلق
وعن ابن عباس في قوله: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر ١٧] لولا أن يسره على لسان الآدميين ما أستطاع أحد أن يتكلم بكلام الله ﷿.
وقال ابن المبارك: لا أقول القرآن خالق، ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى ليس منه ببائن.
قال الشيخ البيهقى: قلت هذا هو مذهب السلف والخلف من أصحاب الحديث، أن القرأن كلام الله تعالى وهو صفة من صفات ذاته ليست ببائنة منه.
وإذا كان هذا الأصل مذهبهم في القرآن، فكيف يتوهم عليهم خلاف ما ذكرنا في تلاوتنا وكتابتنا وحفظنا، إلا أنهم في ذلك على طريقين: منهم من فصل بين التلاوة والمتلو كما فصلنا. ومنهم من أحب ترك الكلام فيه مع إنكار قول من زعم أن لفظى بالقرآن غير مخلوق.
[ ٣٧٧ ]
ولصحة ذلك أنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: سمعت أبا بكر محمد بن إسحق يقول: سمعت ابا محمد فوران يقول: جاءني ابن شداد برقعة فيها مسائل وفيها: أن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فدفعتها إلى أبي بكر المروزى فقلت له: أذهب بها إلى بن عبد الله - يعنى أحمد بن حنبل - وأخبره أن ابن ابي شداد ههنا، وهذه الرقعة قد جاء بها، فما كرهت منها وأنكرته فاضرب عليه فجاءنى بالرقعة وقد ضرب على موضع «لفظي بالقرآن غير مخلوق» وكتب: «القرآن» حيث تصرف غير مخلوق.
ثم ذكر الإمام البيهقى أخرى مثلها، ثم قال: فهاتان الحكايتان تصرحان بأن أبا عبد الله أحمد بن حنبل - ﵁ - برئ مما خالف مذهب المحققين من أصحابنا، إلا أنه كان يستحب قلة الكلام في ذلك، وترك الخوض فيه مع إنكار ما خالف مذهب الجماعة.
وفي مثل ذلك ما روى عن ابن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: سمعت أبي يقول: من قال لفظى بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو كافر.
قال البيهقي: قلت فهذا تقييد حفظه عنه ابنه عبد الله، وهو قول يريد به القرآن قد غفل عنه غيره. ومما رويناه أن أبا بكر أحمد بن إسحق الفقيه رحمه الله تعالى أملى اعتقاده واعتقاد رفقائه على أبي بكر عثمان، وعرضه على محمد بن إسحق بن خزيمة فاستصوبه محمد بن إسحق وارتضاه.
وكان فيما أملى من اعتقادهم: من زعم أن الله جل ذكره لم يتكلم إلا مرة، ولا يتكلم إلا ما تكلم به ثم انقضى كلامه، كفر بالله.
بل لم يزل الله متكلمًا، ولا يزال متكلمًا لا مثل لكلامه، لأنه صفة من صفات ذاته فنفى اله ﷿ المثل عن كلامه، كما نفى المثل عن نفسه
[ ٣٧٨ ]
ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه، سبحانه، فقال تعالى: ﴿كل شئ هالك إلا وجهه﴾ [القصص ٨٨] وقال: ﴿قل لو كان البحر مدادًا﴾ [الكهف ١٠٩] الآية.
فكلام اله تعالى غير بائن عن الله، ليس هو دونه ولا غيره، ولا هو هو. بل ربنا عالمًا، ولا يزال عالمًا، ولم يزل متكلمًا، ولا يزال متكلمًا، فهو الموصوف بالصفات العلا، لم يزل بجميع صفاته التى هي صفاته واحدًا، ولا يزال وهو اللطيف الخبير، أنتهى باختصار، وحذف أسانيده الغزار، وهو خلاصة ما ذكره في بحث الكلام فتدبره، وما قبله، فقلما تجده في كتب الأعلام.
ثم إني قد وقفت بعد تحرير هذا المقام على كتاب «الجوائز والصلات في جمع الأسامي والصفات» للسيد البدر أبى الخير الطيب الحسيني فوجدته مسك الختام، في بيان مسائل الصفات له ﷾، فمن شاء الإحاطة بهذا فعليه بذلك.
[هل كان ابن تيمية دهريًا يقول بقدم العالم؟]
قوله: (وإن العالم قديم النوع، ولم يزل مع الله تعالى مخلوقًا دائمًا فجعله موجبًا بالذات لا فاعلًا بالاختيار) - أقول: قد نصب بعض العلماء هذا القول للشيخ محيى الدين ابن عربي عليه الرحمة، وذب عنه الشيخ الشعراني في «الأجوبة المرضية عن الفقهاء والصوفية» بما نصه: ومن ذلك دعوى المنكر أن الشيخ - ﵁ - يقول بقدم العالم، وأنه دهرى الاعتقاد، وأن الأفلاك قديمة. وذلك من جملة ما افتراه على الشيخ فقد ذكر في عقيدته أول الفتوحات ما يكذب المفترى.
[ ٣٧٩ ]
وقد بسط الشيخ الكلام على نفى قدم العالم وحدوثه، وقدم الصفات في الباب «الثامن والخمسين وخمسمائة» من الفتوحات فراجعه إن شئت.
وحاصله: أن العالم قديم في العلم الإلهي، من حيث كونه معلوم علم الله الذي لا افتتاح له، وأنه حادث في الظهور لعالم الشهادة. أنتهى باقتصار.
ونسبه الملا جلال الدواني للشيخ ابن تيميه في العرش وحاشاه من القول بذلك، بل هو قول مفترى، عامل الله تعالى من أفتراه بعدله. وكيف يتخيل عاقل، أو يظن جاهل فضلًا عن فاضل، وأن الشيخ ابن تيميه يقول ذلك ويسلك أخوف المسالك: وهذه ترجمته قد سطرتها المؤرخون، وسيره حررتها العلماء العاملون، وأعظم شاهدًا تآليفه وعقائده المنشورات في الأنام، وتأييده للكتاب وسنة خير الأنام عليه افضل الصلاة والسلام. وله في العقائد كتب مبسوطة، وفي رد الفلاسفة والدهرية والمبتدعة تصنيفات مقبولة مغبوطة.
ولعمرى إن الشيخ ابن حجر هذا من غير تثبت واحتياط، ولا يقدر أن يصحح ما رواه عنه حتى يلج الجمل في سم الخياط.
وقد رأيت في كتاب ملخص من بعض كتبه ما نصه: قوله ﵊: «كان الله ولا شئ معه، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ» نفى وجود المخلوقات من السماوات والأرض وما فيهما لا ينفى وجود العرش.
ولهذا ذهب كثير من السلف إلى أن العرش متقدم على اللوح والقلم مستدلين بهذا الحديث، وحملوا قوله - ﷺ -: «أول ما خلق الله تعالى القلم» على هذا المذكور من الخلق في قوله ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ [هود ٧] .
وهذا نظير حديث ابي رزين: «أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال
[ ٣٨٠ ]
كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء» فالخلق المذكور في هذا الحديث لم يدخل فيه العلماء. وذكر بعضهم أن هذا هو السحاب المذكور في قوله تعالي: ﴿هل ينظرون إلى أن يأتيهم الله في ظل الغمام﴾ [البقرة ٢١٠] وفيه آثار معروفة. أنتهى.
وكتب الوالد عليه الرحمة على قول الداونى رحمه الله تعالى: وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية القول به في العرش إلى آخره ما نصه: حاشا لله تعالى أن يكون ذلك من تصانيفه! بل نسبته إليه كنسبة الرسالة التى فيها القول بإيمان فرعون ونجاته يوم القيامة إلى الشارح - يعنى الملأ جلال الدواني - فاحفظ ذلك. أنتهى.
وكتب أيضًا على هذه العبارة العلامة الشيخ إبراهيم الكوراني في حاشيته المسماه: «مجلى المعاني» على الشرح المذكور ما نصه: لم أقف على هذا التصنيف للشيخ ابن تيميه، ولكن الحافظ ابن حجر في فتح الباى قال في حديث البخارى الذى أسنده في باب «وكان عرشه على الماء كان الله ولم يكن شئ قبله» تقدم في بدء الخلق بلفظ «ولك يكن شئ غيره» وفي رواية الإسماعيلي في صحيحه «كان الله قبل كل شئ» وهو بمعنى كان الله ولا شئ معه. وهي أصرح في الرد على حوادث لا أول لها في رواية الباب، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية
ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التى في بدء الخلق لا العكس، والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق. أنتهى كلام الكورانى. ثم بعد هذا برأه مما نسب إليه كما قدمناه في التراجم فعض بالنواخذ عليه.
(قلت): ومن جملة ما يبرأ به الشيخ ابن تيميه عن القول بقدم العالم سواء كان القدم بالذات أم النوع - أنه قد صرح بكفر ابن سينا وأضرابه لقولهم بقدم العالم. وقال تلميذه المحقق في نونيته ما نصه: [كامل]
[ ٣٨١ ]
والله سابق كل شئ غيره ما ربنا والخلق مقترنان
والله كان وليس شئ غيره سبحانه جل العظيم الشأن
لسنا نقول كما يقول الملحد الزند يق صاحب منطق اليونان
بدوام هذا العالم المشهود وا لأرواح في أزل وليس بفانى
وقد قال غير واحد من العلماء: إن العالم محدث بإجماع أهل الملل، ولم يخالف فيه إلا الفلاسفة.
قال ابن ابي زرعه: ومنهم الفارابى وابن سينا قالوا: إنه قديم بمادته وصورته، وقيل قديم المادة محدث الصورة. وضللهم المسلمون في ذلك وكفروهم، واستدلوا على ذلك بأدلة عقلية ونقلية، ومنها ما في صحيح البخاري عن عمران بن حصين. داء نفر من اليمن فقالوا: يا رسول الله، جئناك نتفقه في الدين ونسالك عن أول هذا الآمر؟ فقال ﵊: «كان الله ولم يكن شئ قبله، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ، وخلق السماوات والأرض» وفي لفظ «ثم خلق السماوات والأرض» أنتهى.
وقال الشيخ السفاريني عند شرح قوله: [الرجز]
وسائر الأشياء غير الذات وغير ما الأسماء والصفات
مخلوقة لربنا من العدم وضل من أثنى عليها بالقدم
وربنا يخلق باختيار من غير حاجة ولا أضطرار
ما ملخصه: وقد اخبر سبحانه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
وقال - ﷺ -: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» قال شيخ
[ ٣٨٢ ]
الإسلام ابن تيميه في الأجوبة الاسكندرية: قد أخبرت الكتب الإلهية أن الله ﷿ خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فتلك الأيام ليست مقدرة بحركة الشمس والقمر، فإنه فيها خلق الشمس والقمر والأفلاك وسواء كانت بقدر هذه الأيام، أو كان كل يوم بقدر ألف سنة، وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون.
وقال في شرح الأصفهانية. أول من عرف منه القول بقدم العالم أرسطو وكان ضالًا مشركًا يعبد الأصنام - يعني المصورات في هياكلهم على صور الكواكب السيارة - وله في الهيئات كلام كله خطأ قد تعقبه في الرد عليه طوائف من المسلمين حتى الجهمية والمعتزلة، وفلاسفة الإسلام أنكروه عليه قال: وأما الأساطين قبله فلم يكونوا يقولون بقدم صور الفلك، وإن كان لهم في المادة أقوال أخر، وليس لأرسطو ولغيره حجة واحدة تدل على قدم شئ من العالم أصلًا.
والحاصل - أن الله تعالى خالق لكل ما سواه، فليس معه شئ قديم بقدمه لا نفس ولا عقل ولا غيرهما. أنتهى.
وقد مر لك شئ مما يتعلق بأقوالهم فتذكر، وإن أردت تكميل بحث الاختيار فعليك بشرح السفاريني، وكتب العقائد الكبار. وإذا أحطت خبرًا بما تقدم تبينت لك براءة الشيخ ابن تيمية من هذا العزو الشنيع، غير أن تبرئته الشيخ الأكبر منه فيها نوع ما من الصعوبة وإن ذب عنه الشعراني، كما تقدم آنفًا، لما ذكره عبد الكريم الجبلى في الباب الثالث في الإرادة من كتاب الإنسان الكامل، ونقله عنه الوالد عليه الرحمة في المجمعة الوسطى: أن الشيخ الأكبر قدس سره قال في الفتوحات، وقد تكلم في سر الإرادة: إنه لا يجوز أن يسمى الله تعالى مختارًا، فإنه لا بفعل شيئًا بالاختيار، بل يفعله على حسب
[ ٣٨٣ ]
ما اقتضاه العالم من نفسه، وما أقتضى العالم من نفسه إلا هذا الوجه الذى هو عليه فيكون مختارًا. أنتهى.
قال: وقد رد عليه عبد الكريم، ويكفى في ظاهر رده قوله تعالى: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ [القصص ٦٨] فتأمل، لأن المتبادر من كلام الشيخ قدس سره مشكل عند أهل السنة، والله تعالى العاصم. أنتهى كلام الوالد فتدبر.
[وهل كان يقول بالحسمية والجهة والانتقال]
(قوله بالجسمية والجهة والانتقال) - أقول: اجتمعت الفرقة الناجية أنه سبحانه منزه عن مشابهته لخلقه في ذاته وصفاته، وأنه سبحانه ليس بجسم، خلافًا للمجسمة والمشبهة فإنهم قالوا: إنه تعالى جسم، ثم اختلفوا فقالت الكرامية - وهم أصحاب أحمد بن كرام أى فرقة منهم -: وهو جسم أى موجود.
وقوم آخرون منهم قالوا: هو جسم أى قائم بنفسه، فلا نزاع معهم على التفسير إلا في التسمية أى إطلاق لفظ الجسم عليه سبحانه، ومأخذها التوقيف ولا توقيف هنا.
والمجسمة قالوا: هو جسم حقيقة، فقيل: مركب من لحم ودم، كمقاتل ابن سليمان وغيره قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وقيل هو نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، وطوله شبعة أشبار من شبر نفسه.
ومن المجسمة من يبالغ ويقول: إنه على صورة إنسان، فقيل: شاب أمرد جعد قطط أى شديد الجعودة. وقيل: هو شيخ أشمط الرأس واللحية.
وقال السفاريني الحنبلي: هم أقسام، فمنهم مشبهه غلاة الشيعة، ومنهم مشبهه الحشوية قالوا: هو سبحانه من لحم ودم، وله الأعضاء، حتى قال بعضهم
[ ٣٨٤ ]
لأصحابه: أعفوني من اللحية والفرج، وسلونى عما وراءهما، ومنهم مشبهه الكرامية أصحاب عبد الله بن أبى محمد بن كرام - كشداد - قالوا: إن الله تعالى على العرش من جهة العلو. وتجوز عليه الحركة والنزول، فقيل يملأ العرش. واختلفوا بعد أمتناه أو غيره. ومنهم من اطلق عليه لفظ الجسم.
قالوا: وتحل الحوادث في ذاته تعالى، وإنما يقدر عليها دون الخارجة عن ذاته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا! ولهم اعتقادات أخر من أرادها فليرجع إلى الكتب المفصلة: أنتهى.
وقد شذ بعض من الحنابلة فأومأوا إلى التجسيم كأبى يعلى محمد بن الحسين الفراء، فقد قال ابن الوردى في ترجمته عنه: انتشر مذهب أحمد وله كتاب الصفات فيه كل عجيبة، ويدل على التجسيم المحض حتى كان ابن التميمى الحنبلى يقول: لقد نجس أبو يعلى الفراء، الحنابلة بشئ لا يغسله الماء.
وكذا ابن الجوزى تكلم في ابن الزاغوانى الحنبلى ومن وافقه بمثل ذلك، وبين أن مذهب الإمام أحمد قد شانته بالتجسيم اقوال أولئك. وأما الإمام وسائر متابعته فحاشاهم من التجسيم، كما لا يخفى على منصف نبيه ومطلع سليم.
وقال الأصفهاني في شرح الطوالع: أعلم أن جميع المجسمة اتفقوا على أنه تعالى في جهة. والكرامية اختلفوا فقال محمد بن الهضيم منهم: إنه تعالى في جهة فوق العرش لا نهاية لها، والبعد بينه وبين العرش أيضًا لا نهاية له. وقال بعض أصحابه: البعد متناه، وكلهم نفوا عنه خمسًا من الجهات، واثبتوا له التحت الذى هو مكان غيره وباقى اصحاب محمد بن الهضيم قالوا بكونه على صورة أي صورة إنسان قلت: ولعل شبهتهم ما روى: «أن الله خلق آدم على صورته» وأمثال ذلك من المتشابه. وقالوا بمجيئه وذهابه.
[ ٣٨٥ ]
واحتج المصنف على نفى الجهة، ولم يحتج على نفى الجسمية، لأن نفى الجهة يستلزم نفي الجسمية، ولأن الحجة على نفي الجهة مشتملة على نفي الجسمية. إذا عرفت هذا فنقول: لو كان الله تعالى في جهة وحيز فإما أن ينقسم فيكون جسمًا وكل جسم مركب ومحدث، فيكون الواجب مركبًا ومحدثًا وهذا خلف.
أولًا ينقسم فيكون جزءًا لا يتجزأ وهو محال بالاتفاق.
وأيضًا لو كان الله تعالى في جهة وحيز لكان متناهي القدر، واللازم باطل فالملزوم مثله. قيل: والأولى أن يقال: لو كان الله تعالى جهة وحيز لكان قابلًا للقسمة والأشكال والأكوان، إى الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وكل ذلك في حقه تعالى محال، لأن وجوب الوجود ينافى هذه الأمور.
واحتج المثبتون للجهة والحيز بالعقل والنقل، أما العقل فمن وجهين:
الأولى: أن بديهة العقل حاكمة بان كل موجودين لابد وأن يكون أحدهما ساريًا في الآخر، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما هي الإشارة إلى الآخر كالجوهر وعرضه. أو أحدهما مباينًا عن الآخر في الجهة كالسماء والأرض، والله سبحانه ليس محلًا للعالم ولا حالا فيه، فيكون مباينًا عن العالم في الجهة.
الثاني: الجسم يقتضي الحيز والجهة، لكونه موجودًا قائمًا بنفسه فيكون مشاركًا للجسم في اقتضاء الحيز والجهة، فيكون في حيز وجهة.
وأما النقل فآيات وأحاديث تشعر بالجسمية والجهة، منها قوله تعالى: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر ٦٧] وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدى﴾ [ص ٧٥] وقوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح ١٠] وقوله تعالى:
[ ٣٨٦ ]
﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ [طه ٥] وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر ١٠] وقوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ [الرحمن ٢٧] . وقوله تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ [الفجر ٢٢] وقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ [الملك ١٩] وقوله تعالى: ﴿يا هامان ابن لي صرحًا﴾ [غافر ٣٦] وقوله تعالى: ﴿دنا فتدلى﴾ [النجم ٨] وقوله ﵊: «قلب المؤمن بين أصبعين من اصابع الرحمن» وقوله ﵇: «يضع الجبار قدمه على النار» وقوله ﵇: «الكرسى موضع القدمين» وقوله ﵇ «إن الله خلق آدم على صورته» وقوله ﵇: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» وقوله ﵇: «إن الله ﷿ خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال: مه، فقالت: هذا مكان العائد بك من القطيعة» وقوله ﵇: «إن نفس الرحمن من قبل اليمن» وغير ذلك من الآيات والأحاديث.
قال الأصفاني: أوجيب عن الوجه الأول بمنع الحصر، بأنا لا نسلم أن كل موجودين يجب أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر أو مباينًا له في الجهة، لجواز أن يكون مباينًا له في الذات والحقيقة لا في الجهة، ويمنع شهادة البديهة لاختلاف العقلاء فيه فإنه لو كان بديهة العقل شاهدة بأن كل موجودين لابد وأن يكون أحدهما ساريًا في الآخر، أو مباينًا عنه في الجهة لما أختلف العقلاء فيه.
وأجيب عن الوجه الثاني بأن الجسم يقتضى الحيز والجهة بحقيقة المخصوصة والله سبحانه لا يشاركه في اقتضاء الحيز والجهة.
وأجيب عن الآيات المذكورة القابلة للتأويل: بأنها لظهورها لا تعارض القواطع العقلية التى لا تقبل التأويل لقطعها. وحينئذ إما أن تفوض علمها إلى الله تعالى كما هو مذهب السلف. وقول من أوجب الوقف على «إلا الله» في
[ ٣٨٧ ]
قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران ٧]، وإما أن تؤول كاليد بالقدرة، والاستواء بالاستيلاء، كما هو مذهب المؤولين. وقول من عطف قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ على ﴿إلا الله﴾ والتأويلات مذكورة في المطولات، أنتهى.
وأنت تعلم أن من السلف من يؤمن بظاهرها كالاستواء المعلوم حقيقته، المجهولة كيفيته بالنسبة للبارئ سبحانه، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، كما سيأتى تفصيل ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك جرى الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وسائر الحنابلة السلفيين. قال ابن القيم في نونيته: [كامل]
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان
كلا ولا نخيله من أوصافه إن المعطل عابد البهتان
من مثل الله العظيم بخلقه فهو النسيب لمشرك نصرانى
أو عطل الرحمن عن أوصافه فهو الكفور وليس ذا إيمان
وأنت تعلم أن المعتزلة والجهمية يعطلون الصفات ويؤولون الآيات، كما سيتضح في الأبحاث الآتيات. وأنهم اختلفوا في تكفيرهم، وصححوا أن المجسم والقائل بالجهة لا يكفر كما صرح به العز بن عبد السلام وغيره، كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
[تبرئة ابن تيمية مما نسبه إليه ابن حجر من التجسيم]
وأما مارمى الشيخ ابن حجر ابن تيميه به فليس كما قال، بل هو عن ذلك بمعزل، وبعيد عنه بألف ألف منزل، فتأليفاته وعباراته التى سمعتها قاضية بكذب ماعزى إليه، وكذلك شهادات العلماء حاكمة باختلاف
[ ٣٨٨ ]
مازور عليه. فمن ذلك ما قاله الشيخ إبراهيم الكوراني الشافعي في حاشيته المسماه «بمجلى المعاني على شرح عقائد الدوانى» ما نصه: قوله: قيل ولعل وجه قول ابن تيمية بالتسلسل على سبيل التعاقب في العرش أنه من المجسمة الخ. أقول: ابن تيمية ليس قائلًا بالتجسيم، فقد صرح بأن الله تعالى ليس جسمًا في رسالة تكلم فيها على حديث النزول كل ليلة إلى السماء الدنيا. وقال في رسالة أخرى: من قال: إن الله تعالى يماثل المخلوقات فهو مفتر على الله سبحانه، بل هو على مذهب السلف من الإيمان بالمتشابهات مع التنزيه بليس كمثله شئ. ولكنه قائل بأن الله تعالى فوق العرش حقيقة مع نفي اللوازم. ونقل عليه إجماع السلف - صرح في الرسالة القدرية، أنتهى نقل الكوراني.
ورأيت بخط الوالد تغمده الله تعالى برحمته على هامش هذا البحث في الشرح وحاشيته ما نصه: حاشا لله تعالى أن يكون من المجسمة! بل هو أبرأ الناس منهم، نعم، يقول بالفوقية على المعنى الذى أراده الله سبحانه ورسوله - ﷺ -، وذلك مذهب السلف في المتشابهات، وهو بمعزل عن التجسيم. وجلال الدين واضرابه أجهل الناس بالأحاديث وكلام السلف الصالح كما لا يحفى على العارف المنصف. أنتهى.
والعجب من الشيخ ابن حجر كيف ينسب إليه هذه الأقوال من غير نقل عنه وإسناد، وقد قالوا: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ولنذكر بعض عبارات العلماء وما قاله الشيخ ابن تيميه وغيره من ائمة الملة الحنيفية ليتضح الحال، ويعرف بالحق الرجال.
قال الحافظ أبو بكر أحمد البيهقي في كتابه الشهير «بالأسماء والصفات ما نصه: (باب ماجاء في قول الله ﷿: ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ [طه ٥] وقوله ﴿ثم استوى على العرش﴾ [الرعد ٢] وقال: ﴿إن ربكم
[ ٣٨٩ ]
الله الذى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أستوى على العرش﴾ [يونس ٣] وقال: ﴿الله الذى رفع السماوات بغير عمر ترونها ثم أستوى على العرش﴾ [الرعد ٢] .
أخبرنا أبو على الحسين بن محمد الروذبارى قال: أخبرنا أبو العباس محمد ابن يعقوب ابن محمد بن عبد الرحيم الهروى بالرملة قال نا آدم بن أبي إباس قال نا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع حدث عن أبي رزين العقيلى قال: قلت يا رسول الله، أين كان ربنا ﵎ قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: «كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه ﵎» وقد مضى الكلام في معنى هذا الحديث دون الاستواء.
فأما الاستواء فالمتقدمون من أصحابنا - ﵁ - كانوا لا يفسرونه ولا يتكلمون فيه كنحو مذهبهم في امثال ذلك. اخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن على الجوهرى ببغداد، قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم نا محمد بن كثير المصيمصى قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته.
ونا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن الحرث الفقيه الأصبهاني قال نا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان المعروف «بأبي الشيخ» قال نا أبو جعفر أحمد اليزدى قال: سمعت محمد بن عمرو بن نصر النيسابورى يقول: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كنا عند مالك بن انس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش أستوى، كيف استوى؟ قال: فاطرق مالك حتى علاه الرحضاء (١) ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير
_________________
(١) الرحضاء - بضم الراء وفتح الحاء -: العرق يغسل الجسم كثرة.
[ ٣٩٠ ]
معقول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا فأمر أن يخرج.
وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف اله تعالى من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: هذه نسخة الكتاب الذى أملاه الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحق بن ايوب رحمه الله تعالى في مذهب أهل السنة فيما جرى بين محمد بن اسحق بن خزيمة رحمه الله تعالى، وبين أصحابه، فذكر منها: الرحمن على العرش استوى بلا كيف. والآثار عن السلف في مثل هذا كثيرة. وعلى هذه لطريقة يدل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وإليها ذهب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، والحسين بن الفضل البجلى رحمه الله تعالى، ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى، وذهب أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري رحمه الله تعالى إلى أن الله ﷿ ثناؤه فعل في العرش فعلا سماه استواء، كما فعل في غيره فعلا سماه رزقًا ونعمة أو غيرهما من أفعاله، ثم لم يكيف الاستواء إلا أنه جعله من صفات الفعل لقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ [يونس ٣] و«ثم» للتراخى، والتراخى إنما يكون في الأفعال وأفعال الله تعالى توجد بلا مباشرة منه إياها ولا حركة.
وذهب أبو الحسن على بن محمد بن مهدى الطبرى في آخرين من أهل النظر إلى أن الله تعالى في السماء فوق كل شئ مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول: استويت على رأسى، واستوى الطير على قمة راسى، بمعنى علا في الجو فوجد فوق راسى. فالقديم سبحانه عال على عرشه ولا قائم، ولا مماض ولا مباين عن العرش، يريد
[ ٣٩١ ]
به مباينة الذات التى هي بمعنى الاعتزال والتباعد، لأن المماسة والمباينة التى هي ضدها، والقيام والقعود من اوصاف الأجسام، والله ﷿ أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ولا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام.
وحكى الأستاذ: أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى هذه لطريقة عن بعض اصحابنا أنه قال: أستوى بمعنى علا، ثم قال: ولا يريد بذلك علوا بالمسافة والتحيز والسكون في مكان متمكنًا فيه.. ولكن يريد معنى قول الله ﷿: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ [الملك ١٦] أى من فوقها، على معنى نفى الحد عنه، وانه ليس مما يحويه طبق أو يحبط به قطر.
ووصف الله سبحانه بذلك طريقة الخبر، فلا يتعدى ما ورد به الخبر. قلت: وهو على هذه الطريقة من صفات الذات، وكلمة «ثم» تعلقت بالمستوى عليه لا بالاستواء، وهو كقوله تعالى: ﴿ثم الله شهيد على ما تعملون﴾ [يونس ٤٦] يعنى: ثم يكون عملكم فيشهده. وقد اشار أبو الحسن على بن إسماعيل رحمه الله تعالى إلى هذه الطريقة حكاية فقال بعض أصحابنا: إنه صفة ذات، ولا يقال: لم يزل مستويًا على عرشه، كما أن العلم بأن الأشياء قد حدثت من صفات الذات. ولا يقال: لم يزل عالمًا بأن قد حدثت ولما حدثت بعد. قال: وجوابي هو الأول، وهو أن الله تعالى مستو على عرشه، وأنه فوق الأشياء بائن منها بمعنى أنه لا تحله ولا يحلها، لا يمسها ولا يشبهها وليست البينونة بالعزلة، تعالى ربنا عن الحلول والمماسة علوًا كبيرًا.
قال: وقد قال بعض أصحابنا: إن الأستواء صفة الله تعالى بنفى الاعوجاج عنه.
وفيما كتب إلى الأستاذ أبي موسى بن أبي أيوب رحمه الله تعالى: أن كثيرًا من مبادئ أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة، ومعناه
[ ٣٩٢ ]
أن الرحمن غالب العرش وقاهره. وفائدته الإخبار عن قهره مملوكاته، وأنها لم تقهره، وإنما خص العرش بالذكر لأنه اعظم المملوكات، فنبه بالأعلى على الأدنى. والاستواء بمعنى القهر والغلبة شائع في اللغة، كما يقال: استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها، قال الشاعر في بشر بن مروان: [رجز]
قد استوى على العراق من غير سيف ودم مهراق (١)
يريد أنه غلب أهله من غير محاربة. قال: وليس ذلك في الآية بمعنى الاستيلاء، لأن الاستيلاء عليه مع توقع ضعف.
قال: ومما يؤيد ما قلناه قوله ﷿: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت ١١] والاستواء إلى السماء هو القصد إلى خلق السماء، فلما جاز أن يكون القصد إلى السماء الاستواء جاز أن يكون القدرة على العرش استواء. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قال نا أبو العباس محمد ابن يعقوب نا محمد بن الجهم نا يحيى بن زياد الفراء في قوله ﷿: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن﴾ [البقرة ٢٩] قال: الاستواء في كلام العرب على جهتين: إحداهما أن يستوى الرجل وينتهى شبابه وقوته، أو يستوى من اعوجاج، فهذان وجهان.
ووجه ثالث يقول: كان مقبلًا على فلان ثم استوى على يشاتمنى، وإلى وعلى سواء معنى أقبل إلى وعلى، فهذا معنى قوله سبحانه: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [البقرة ٢٩، وفصلت ١١] والله تعالى أعلم.
قال: وقد قال ابن عباس: ثم استوى صعد، وهذا كقولك للرجل: كان قاعدًا فاستوى قائمًا، وكان قائمًا فاستوى قاعدًا بمعنى أقبل صحيح، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق
_________________
(١) تفسير الاستواء بمعنى الاستيلاء هو تأويل الجهمية والمعتزلة وقد أنكره أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره وأنكره الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة.
[ ٣٩٣ ]
السماء، والقصد هو الإرداة، وذلك جائز في صفات الله تعالى. ولفظه «ثم» تغلق بالخلق لا بالإرادة.
وأما ما حكى عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي، والكلبي ضعيف.
وفي رواية أخرى عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ أي صعد أمره إلى السماء ﴿فسواهن﴾ يعني خلق سبع سماوات. قال: أجرى النار على الماء، يعني فبخر البحر فصعد في الهواء فجعل السماوات منه. ويذكر عن ابي العالية في هذه الآية أنه قال: استوى يعنى أرتفع، ومراده من ذلك والله تعالى أعلم ارتفاع أمره وهو بخار الماء الذي منه وقع خلق السماء.
فأما ما رواه محمد بن مروان عن الكلبي الكوفي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ [الأعراف ٥٤] يقول: استقر على العرش. ويقال: امتلأ به. ويقال: قائم على العرش وهو السرير. وبهذا الاسناد في موضع آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ يقول: استوى عنده الخلائق، القريب والبعيد فصاروا عنده سواء.
ويقال: استوى استقر على السرير. ويقال: أمتلآ به فهذه الرواية منكرة، وفيه أيضًا ركاكة، ومثله لا يليق بقول ابن عباس.
وابو صالح هذا والكلبي ومحمد بن مروان كلهم متروك عند اهل العلم بالحديث، لا يحتجون بشئ من رواياتهم لكثرة المناكير فيها.
ومما روى أبو الحسن بن مهدى الطبرى عن ابي عبد الله نفطويه قال: أخبرني أبو سليمان يعنى داود قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال
[ ٣٩٤ ]
يا أبا عبد الله، ما معنى قوله سبحانه ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه ٥] قال: إنه مستو على عرشه كما أخبر.
فقال الرجل: إنما معنى قوله «استوى» أى استولى. فقال له ابن الأعرابي: ما يدريك؟ العرب لا تقول استولى على الشئ فلان، حتى يكون له فيه مضاد فايهما غلب قيل: قد استولى عليه، والله تعالى لا مضاد له، فهو على عرشه كما أخبره (١) .
وقال الشيخ الأجل مسند الوقت أحمد ولى الله المحدث الدهلوى في التفهيمات وقد ذكر أنه قال: إن الله تعالى فوق العرش -: والتحقيق أن في هذه المسألة ثلاثة مقامات:
أحدها - البحث عما يصح إثباته للحق توفيقًا وعما لا يصح توفيقًا والحق في هذا المقام أن الله تعالى أثبت لنفسه جهة الفرق، وأن الأحاديث متظاهرة على ذلك. وقد نقل الترمذي ذلك عن الإمام مالك ونظراته.
ثانيها - أن العقل هل يحوز كون مثل هذا الكلام حقيقة أو يوجب حمله على المجاز؟
والحق في هذا المقام أن العقل يوجب أنه ليس على ظاهرة في نفس الأمر.
ثالثها - أنه هل يجب تأويله أو يحوز وقفه على ظاهرة من غير تعيين المراد؟ والحق فيه انه لم يثبت في حديث صحيح أو ضعيف أنه يجب تأويله، ولا أنه لا يجوز استعمال مثل تلك العبارات من الأمة إلى قوله. وهذا الذي حققناه هو مذهب الشيخ أبا الحسن الأشعري عند التحقيق، أقرأ ابو طاهر المدنى بخط أبيه أن الشيخ أبا الحسن قال في كتابه: إنى على مذهب احمد في مسالة الصفات، وأن الله فوق العرش.
وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ محمول على المقام الأول والثالث.
_________________
(١) قد أشرنا إلى كلام ابن الأعرابي في تفسير الاستواء فراجعه في تعليق ص ٣٩٣.
[ ٣٩٥ ]
وإذا رجعنا إلى الوجدان فلا نشك في ان الله تعالى خصوصية مع العرش ليست مع غيره من مخلوقاته، ولا تجد عبارة في ذلك أفصح وأقرب من الاستواء على العرش، كما أنا لا نجد عبارة في أنكشاف المسموعات والمبصرات افصح من السمع والبصر. والله أعلم بحقائق الأمور. أنتهى.
باب
[فوقية الخالق سبحانه]
قول الله ﷿: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [الأنعام ١٨، ٦١]- وقوله تعالى - ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل ٥٠] عن أنس بن مالك قال: جاء زيد بن حارثة يشكو زينب،، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: «اتق الله وامسك عليك زوجك» .
قال أنس: فلو كان رسول الله - ﷺ - كاتمًا شيئًا لكتم هذه! وكانت تفخر على ازواج النبي - ﷺ - تقول: زوجكن اهاليكن وزوجنى من فوق سبع سماوات.
رواه البخاري في الصحيح. وعن أبي الزناد عن الأعرج عن ابي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتى غلبت غضبي» رواه البخاري في الصحيح.
وروى الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: مرت سحابة على رسول الله - ﷺ - فقال: «ما تدرون ما هذا؟ فقلنا: السحاب، فقال: أو المزن، قالوا: قلنا: أو المزن، قال أو العنان. قلنا: أو العنان، فقال: هل تدرون بعد ما بين السناء والأرض؟ قلنا: لا، قال إحدى وسبعين، أو اثنين وسبعين، أو ثلاث وسبعين - قال: وإلى فوقها مثل ذلك حتى عدهن سبع سماوات على نحو ذلك. ثم قال: فوق السابعة
[ ٣٩٦ ]
البحر أسفله من اعلاه ما بين سماء إلى سماء، ثم فوقه ثمانية أو عال ما بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم العرش فوق ذلك بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم إن الله تعالى فوق ذلك العرش» أخرجه أبو داود في السنن.
وعن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال! استسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي - ﷺ - «سبحان الله! فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه فقال: ويحك! أتدرى ما الله، إن شاء أعظم من ذلك! إنه لا يستشفع به احد! إنه لفوق سبع سماوات على عرشه، وأنه عليه لهكذا - واشار وهب بيده - مثل القبة، وإنه ليئط به اطيط الرجل بالراكب» أخرجه أبو داود في كتاب السنن، وقد تكلموا في محمد ابن إسحاق.
وقد اشتغل أبو سليمان الخطابي في تأويله فقال: هذا الكلام إذا أجرى على ظاهرة كان فيه نوع من الكيفية، وهي عنه سبحانه وعن صفاته منفية، فعقل ان ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به عظمة الله تعالى وجلاله سبحانه، وإنما قصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه إذ كان أعرابيًا جلفًا، لا علم له بمعاني ما دق من الكلام.
وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله «أتدرى ما الله؟» معناه أتدرى ما عظمة الله وجلاله. وقوله «إنه ليئط به» معناه: إنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلومًا أن أطيط الرحل بالراكب إنما
[ ٣٩٧ ]
يكون لقوة ما فوقه، وليعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله - ﷿ وجلاله - وارتفاع عرشه، ليعلم أن الموصوف يعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعًا إلى من هو دونه في القدر.، وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهًا لشئ او مكيفًا بصورة خلق، أو مدركًا بحد، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.
وروى سعد عن ابيه: أن سعد بن معاذ حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل من مرت عليه المواسى، وأن يقسم أموالهم وذراريهم، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «لقد حكم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات» .
وعن أبي يزيد المديني: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - مر من ناس من أصحابه فلقيه عجوز فاستوقفته فوقف عليها فوضع يده على منكبيها، حتى قضت حاجتها، فلما فرغت قال له الرجل: حبست رجالات قريش على هذه العجوز!؟
قال: ويحك! أتدرى من هذه؟ عجوز سمع الله ﷿ شكواها من فوق سبع سماوات! والله لو استوقفتنى إلى الليل لوقفت عليها إلا آتى صلاة ثم أعود إليها حتى تقضى حاجتها! .
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تفكروا في كل شئ، ولا تفكروا في ذات الله تعالى، فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك» وقال الفراء في قوله ﷿: ﴿وهو القاهر﴾ [الأنعام ١٨، ٦١] الآية: كل شئ قهر شيئًا فهو مستعل عليه.
[ ٣٩٨ ]
باب
[قول الله ﷿: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ [الملك ١٦]]
قال أبو عبد الله الحافظ قال الشيخ ابو بكر بن أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه رحمه الله تعالى: قد تضع العرب «في» موضع «على» قال الله تعالى ﴿فسيحوا في الأرض﴾ [التوبة ٢] وقال ﴿لأصلبنكم في جزوع النخل﴾ [طه ٧١] ومعناه على الأرض، وعلى النخل.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿من في السماء﴾ أي على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي - ﷺ -. قلت: يريد ما مضى من الروايات.
وروى عن أبي سعيد الخدري من حديث: أنه - ﷺ - قال: ألا تأمنونى؟ فأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا» رواه البخاري ومسلم في الصحيح عن قتيبة بن سعد.
وأخبرنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسى، قال نا أبو العباس الأصم قال نا أبو العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال نا الأوزاعى قال نا يحيى بن ابي كثير عن هلال بن ابي ميمونة قال: حدثني عطاء بن يسار قال: حدثني معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت لرسول الله - ﷺ - . فذكر الحديث بطوله قال: ثم اطلعت غنيمة ترعاها جارية لي قبل احد والجوانية، فوجدت الذئب قد اصاب منها شاة، وأنا رجل من بنى آدم، آسف كما يأسفون، فصككنها صكة، ثم انصرفت إلى رسول الله - ﷺ - فأخبرته فعظم ذلك على فقلت: يا رسول الله: أفلا اعتقها؟ قال: «بلى أئتنى بها» قال: فجئت بها إلى رسول الله - ﷺ - فقال لها: «اين الله؟ قالت الله في السماء، قال: فمن أنا؟
[ ٣٩٩ ]
فقالت: رسول الله - ﷺ -، قال: إنها مؤمنة فاعتقها» .
وروى فضالة بن عبيد: أن رجلين اقبلا يلتمسان لأبيهما الشفاء من البول، فأنطلق بهما إلى أبي الدرداء فذكروا وجع أبيهما له، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ربنا الذى في السماء تقدس أسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء والأرض، فاغفر لنا حوبنا وخطايانا إنك رب الطيبين، فأنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ إن شاء الله تعالى» .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» . وعن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي حصين: «كم تعبد اليوم من إله؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال فأيهم تعد لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذى في السماء، قال أما إنك إن أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك؟ قال: فلما أسلم حصين أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، علمني الكلمتين اللتين وعدتنيهما؟ قال: قل: اللهم ألهمنى رشدى، وعافني من شر نفسي» ومعنى قوله في هذه الأخبار «من في السماء» أي فوق السماء على العرش، كما نطق به الكتاب والسنة. ثم معناه والله أعلم عند أهل النظر ما قدمنا ذكره. وقد قال بعض أهل النظر: معناه: في السماء إله. والأول أشبه بالكتاب والسنة.
[ ٤٠٠ ]
باب
[قول الله ﷿ لعيسى ابن مريم]
﴿إنى متوفيك ورافعك إلى﴾ [آل عمران ٥٥] وقوله تعالى: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء ١٥٨] وقوله ﷿: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ [المعارج ٤] وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر ١٠] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» رواه البخاري في الصحيح، وأخرجه مسلم. وإنما أراد نزوله من السماء بعد الرفع إليه.
وعنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم فيقول: كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» أخرجاه في الصحيح من وجه آخر. وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من عبد مؤمن يتصدق يصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب ولا يصعد إلى السماء إلا طيب، إلا وهو يضعها في يد الرحمن أو في كف الرحمن فيربيها له كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله، وحتى أن التمرة لتكون مثل الجبل العظيم» وقد مضى قول أهل النظر في معنى أمثال ذلك. وحكينا عن المتقدمين من أصحابنا ترك الكلام في أمثال ذلك. هذا، مع اعتقادهم نفى الحد والتشبيه والتمثيل عن الله ﷾.
قال أبو داود: كان سفيان الثورى وشعبه وحماد بن زيد وحماد بن سلمه وشريك وأبو عوانة - لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، ويرون الحديث ولا يقولون: كيف، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر.
قال أبو داود وهو قولنا قلت: وعلى هذا مضى أكابرنا. وقال على بن
[ ٤٠١ ]
الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش استوى بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ههنا - وأشار إلى الأرض. وكذا. زعموا أنه سبحانه بكل مكان.
وأخبرنا أبو بكر بن الحرث الفقيه قال: أخبرنا أبو محمد بن حيان قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن نصر، قال: حدثنا يحيى بن يعلى قال: سمعت نعيم ابن حماد يقول: سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهمًا فدخلت الكوفة فأظننى أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس تدعو إلى رأيها: فقيل لها: إن ههنا رجلًا قد نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة فأتيه، فأتته فقالت: أنت الذى تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذى تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث عنها سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابًا: إن الله ﵎ في السماء دون الأرض. فقال له رجل أرأيت قول الله تعالى: ﴿وهو معكم﴾؟ قال: هو كما تكتب إلى رجل أنى: معك وأنت غائب عنه. قلت: لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيما نفى عن الله ﷿ من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية. وكذا قال سفيان الثورى في قوله تعالى: ﴿وهو معكم﴾ علمه. وقال الضحاك في ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم﴾ [المجادلة ٧] قال: هو الله ﷿ على العرش وعلمه معهم. انتهى باقتصار. وقال أيضًا:
[ ٤٠٢ ]
باب
[مجئ الله]
ما جاء في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم اله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة ٢١٠] وقوله ﵎: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفا﴾ [البقرة ٢٢] .
عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون﴾ الآية يقول: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجئ فيما يشاء، وهي في القراءة «هل ينتظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة» وهي كقوله سبحانه: ﴿ويم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلًا﴾ [البقرة ٢٥] .
قال الشيخ: فصح بهذا التفسير أن الغمام إنما هو مكان للملائكة ومركبهم، وأن الله ﷿ لا مكان له ولا مركب. وأما الإتيان والمجئ فعلى قول أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى «يحدث الله ﷿ يوم القيامة قولا يسميه إتيانًا ومجيئًا»، لا بأن يتحرك أو ينتقل، فإن الحركة والسكون والانتقال والاستقرار من صفات الأجسام، والله تعالى أحد صمد ليس كمثله شئ، وهو كقوله ﷿: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ [النحل ٢٦] لم يرد به إتيانًا من حيث النقلة، وإنما أراد إحداث الفعل الذى به خرب بنيانهم، وخر عليهم السقف من فوقهم، فسمى ذلك الفعل إتيانًا.
وهكذا قال في اخبار النزول: إن المراد به فعل يحدثه الله ﷿ في سماء الدنيا كل ليلة يسميه نزولًا بلا حركة ولا نقلة - تعالى الله عن صفات المخلوقين. أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: حدثنا أحمد بن سليمان النجاد قال: قرئ على سليمان بن الأشعث وأنا أسمع قال: نا القعني عن مالك عن
[ ٤٠٣ ]
ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ينزل الله ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له» وفي رواية «ثم يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم» رواه مسلم في الصحيح، وله طرق أخر كثيرة.
قال إسحق بن راهويه: دخلت يومًا على عبد الله بن طاهر فقال لى: يا أبا يعقوب، نقول: إن الله تعالى ينزل كل ليلة؟ فقلت: أيها الأمير، إن الله تعالى بعث إلينا نبيًا، نقل إلينا عنه أخبارًا بها نحلل الدماء وبها نحرم، وبها تحلل الفروج، وبها تحرم، وبها تباح الأموال، وبها تحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك. قال: فأمسك عبد الله.
وقال إسحق بن إبراهيم الحنظلي: جمعنى وهذا المبتدع - يعنى إبراهيم ابن أبي صالح - مجلس الأمير ابن طاهر، وسالنى الأمير عن أخبار النزول فسردتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء. قال فرضى عبد الله كلامى.
قلت: فقد بين إسحق في هذه الحكاية أن النزول عنده من صفات الفعل، ثم أنه كان يجعله تزولا بلا كيف. قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها (١): أن الإيمان بها وإجراءها على ظاهرها، ونفى الكيفية عنها.
وقال عبد بن المبارك: ينزل كيف يشاء. قال أبو سفيان في كتاب معالم السنن: هذا من العلم الذى أمرنا أن نؤمن بظاهره، ولا نكشف عن
_________________
(١) قوله: «إن الإيمان بها» لعل الظاهر إسقاط «أن» أهـ. من هامش الأصل.
[ ٤٠٤ ]
باطنه، وهو من جملة المتشابه الذى ذكره الله ﷿ في كتابه فقال: ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات﴾ الآية. فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقى والعمل. والمتشابه يقع به الإيمان والعلم الظاهر، ويوكل باطنه إلى الله ﷿، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وإنما حظ الراسخين في العلم أن يقولوا آمنا به كل من عند ربنا.
وكذلك ما جاء في هذا الباب في القرآن، وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال فحاد عن هذه الطريقة حين روى حديث النزول، ثم اقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف ينزل ربنا إلى السماء؟ فقل له: ينزل كيف يشاء. فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقل: إن شاء تحرك وإن شاء لم يتحرك. وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة، لأن الحركة والسكون متعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون، وكلاهما من اعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، والله تعالى متعال عنهما ليس كمثله شئ.
فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل نفسه فيما لا يعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش. وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع، فإنه ر يثمر خيرًا ولا يفيد رشدًا. ونسأله تعالى العصمة من الضلال، والقول بما لا يجوز من الفاسد المحال.
وقيل: قد يكون النزول بمعنى إقبالك على الشئ لإرادة النية، وكذلك الهبوط والارتفاع والبلوغ والمصير، وأشباه هذا من الكلام.
وقال أبو منصور الخمساوى: سئل أبو حنيفة - ﵁ - عن
[ ٤٠٥ ]
ذلك فقال: ينزل بلا كيف. وقال حماد بن زيد وكثير: ينزل نزولًا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق بلا تشبيه ولا تعطيل، جل الله سبحانه عما يقول المعطلة لصفاته والمشبه بها علوًا كبيرًا.
أنتهى باقتصار.
وقال إمام المالكية في عصره المعروف بينهم بخليفة مالك أبو محمد عبد الله بن ابي زيد القيرواني المتوفي سنة ست وتسعين وثلثمائة في كتابه المسمى «باكورة السعد وزبدة المذهب» ما نصه: السميع البصير العلي الكبير، وفوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه - أنتهى. وقال شارحه أحمد بن غنيم بعد أن ذكر تأويل الخلف لما ورد ذلك ما نصه: فلا ينبغى الأعتراض على المصنف بمثل ذلك مع وروده في القرآن، وما قيل إن هذه اللفظة وهي بذاته دست على المؤلف رده ابن ناجى قائلًا: ليس هذا من إطلاق المصنف، وإنما هو من إطلاق السلف الصالح والصدر الأول. أنتهى باقتصار.
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى المتوفى سنة سبعين ومائتين في كتابه «تأويل مختلف الحديث» ما نصه: والأمم كلها هربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء، ما تركت على فطرها ولم ينقل عن ذلك بالتعليم. وفي الحديث: أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - بامة أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال فمن أنا، قالت: رسول الله - ﷺ -، قال: هي مؤمنة وأمر بعتقها» وهذا أو نحوه. وقال أمية بن ابي الصلت: [خفيف]
مجدوا الله للمجد أهل ربنا في السماء أضحى كبيرًا
الأبيات. وفي الأنجيل: أن المسيح ﵇ قال: لا تحلفوا بالسماء فإنها
[ ٤٠٦ ]
كرسى الله تعالى، وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن ربكم الذى في السماء يغفر لكم ظلمكم. أنتهى
وقال الوالد نور الله تعالى مرقده في روح المعاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ قيل: هو استمارة تمثيلية، وتصوير لقهره سبحانه وعلو بالغلبة والقدرة.
وجوز أن تكون الاستعارة في الظروف بان شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل: إنه كناية عن القهر، والعلو بالغلبة، والقدرة. وقيل: إن «فوق» زائدة، وصحح زيادتها، وإن كانت اسمًا - كونها بمعنى على، وهو كما ترى. والداعى إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضى القول بالجهة، والله تعالى منزه عنها، لأنها محدثة بإحداث العالم وإخراجه من العدم إلى الوجود، ويلزم ايضًا من كونه سبحانه في جهة مفاسد لا تخفى، وأنت تعلم أن مذهب السلف غثبات الفوقية لله تعالى، كما نص عليه الإمام الطحاوى وغيره.
واستدلوا لذلك بنحو ألف دليل، وقد روى أحمد في حديث الأوعال عن العباس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «والعرش فوق ذلك، والله تعالى فوق ذلك كله» .
وروى ابن ماجه يرفعه قال: بينا اهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا إليه رءوسهم فإذا الجبار ﷻ قد اشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم - ثم قرأ - ﷺ - ﴿سلام قولًا من رب رحيم﴾ فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شئ من النعيم ماداموا ينظرون إليه» .
وصح أن عبد الله بن رواحة أنشد بين يدى رسول الله - ﷺ - أبياته التى عرض بها عن القراءة لمرأته حين أتهمته بجاريته، وهي: [وافر] .
[ ٤٠٧ ]
شهدت بأن وعد الله حق وان النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد وملائكة الإله مسومينا
فأقره ﵊ على ما قال وضحك منه. وكذا أنشد حسان ابن ثابت - ﵁ - قوله
شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذى فوق السماوات من عل
وأن ابا يحيى ويحيى كلاهما له عمل من ربه متقبل
وأن الذى عادى اليهود ابن مريم رسول إلى من عند ذى العرش مرسل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يقوم بذات الله فيهم ويعدل
فقال النبي - ﷺ -: «وأنا أشهد» . وروى عكرمه عن ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى حكاية عن إبليس عليه اللعنة: ﴿ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم﴾ أنه قال: لم يستطع ان يقول «ومن فوقهم» لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم. والآيات والأخبار التى فيها التصريح بما يدل على الفوقية كقوله تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾،
﴿وإليه يصعد الكلم الطيب﴾ و﴿بل رفعه الله إليه﴾ و﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ وقوله - ﷺ - فيما أخرجه مسلم: «وأنت الظاهر فليس فوقك شئ» كثيرة جدًا.
وكذا كلام السلف في ذلك، فمنه ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصارى في كتابه «الفاروق» بسنده إلى أبي مطيع البلخى أنه سال أبا حنيفة - ﵁ - عمن قال: لا أعرف ربي سبحانه في السماء أم في الأرض؟ فقال: كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾
[ ٤٠٨ ]
وعرشه فوق سبع سماوات. فقالت: قلت: فإن على العرش، ولكن لا أدرى، العرش في السماء أم في الأرض. فقال - ﵁ -: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، ومن أنكر أنه في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأن الله تعالى في اعلى عليين، وهو يدعى من أعلى لا من أسفل. أنتهى.
وأيد القول بالفوقية أيضًا بان الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى عن ذلك فإنه الحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجًا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفًا بضد ذلك، لأن القابل للشئ لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية السفول، وهو مذموم على الإطلاق.
والقول بأنا لا نسلم أنه قليل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها مدفوع بانه سبحانه لو لم يكن قابلًا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى سلم بأنه جل شانه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيًا فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعًا، وقد علم كل العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى البديهيات، فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم بالمباينة اظهر منه وأوضح.
وإذا كانت صفة الفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا إجماع كان نفيها عين الباطل، ولا سيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى.
وذكر محمد بن طاهر المقدسى أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس إمام الحرمين وهو يتكلم في نفى صفة العلو ويقول: كان الله تعالى ولا عرش،
[ ٤٠٩ ]
وهو الآن على ما كان. فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التى نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة بطلب العلو لا يلتفت يمنه ولا يسره، فكيف تدفع هذ الضرورة عن انفسنا؟؟ فلطم الإمام على رأسه ونزل، وأظنه قال: وبكى، وقال حيرنى الهمدانى.
وبعضهم تكلف الجواب عن هذا: بأن هذا التوجه إلى فوق إنما هو لكون السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ثم هو ايضًا منقوض بوضع الجهة على الأرض مع أنه سبحانه ليس في جهة الأرض. ولا يخفى أن هذا باطل، وما أولًا - فلأن السماء قبلة الدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله تعالى به من سلطان، والذى صح أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فقد صرحوا بانه يستحب للداعى أن يستقبل القبلة، وقد استقبل النبي - ﷺ - الكعبة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين. وأما ثانيًا - فلأن القبلة ما يستقبله الداعى بوجهه كما يستقبل الكعبة في الصلاة وما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه مثلا لا يسمى قبلة أصلًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعى وجهه إلينا، ولم يثبت ذلك في شرع أصلًا.
وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض! فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل، لا أن يميل إليه إذ هو تحته، بل هذا لا يخطر في قلب ساجد.
نعم، سمع من بشر المريسى أنه يقول: سبحان ربي الأسفل. تعالى الله سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرًا. وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية إليه تعالى بأن فوق فيه بمعنى خير وأفضل، كما يقال:
[ ٤١٠ ]
الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم. وأنت تعلم أن هذا مما تنفر منه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة، فإن قول القائل ابتداء الله تعالى خير من عباده، أو خير من عرشه، من جنس قوله: الثلج بارد والنار حارة، والشمس أضواء من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، ونحو ذلك.
وليس في ذلك أيضًا تمجيد ولا تعظيم لله تعالى، بل هو من أرذل الكلام، فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه، وهو الذى لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
على أن في ذلك تنقيصًا لله تعالى شأنه، ففى المثل السائر: [طويل]
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل للسيف خير من العصى
نعم، إذا كان المقام يقتضى ذلك بأن كان احتجاجًا على مبطل، كما في قول يوسف الصديق ﵇: ﴿﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟﴾ .
وقوله تعالى: ﴿آلله خير أم ما يشركون﴾، ﴿والله خير وأبقى﴾ فهو أمر لا اعتراض عليه، ولا توجه سهام الطعن إليه. والفوقية بمعني الفوقية المطلقة في الفضل مما يثبتها السلف لله تعالى أيضًا، وهي متحققة في ضمن الفوقية المطلقة، وكذا يثبتون فوقية القهر والغلبة، كما يثبتون فوقية الذات، ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال صفاته - ﷾ - منزهين له سبحانه عما يلزم ذلك مما يستحيل عليه جل شأنه، ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا لئلا يثبتوا معنى فاسدًا، وينفوا معنى صحيحًا، فهم يثبتون الفوقية كما أثبتها الله تعالى لنفسه.
[ ٤١١ ]
وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى لا يحصره شئ ولا يحيط به شئ من المخلوقات، تعالى عن ذلك.
وإن أريد بالجهة أمر عدمى وهو فوق العالم فليس هناك إلا الله تعالى وحده، فإذا قيل إنه تعالى في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح عندهم، ومعني ذلك أنه فوق العالم حيث أنتهت المخلوقات. ونفاه لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفى العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة، وانه سبحانه كان قبلى الجهات. وأنه من قال: إنه تعالى في جهة كلام حق، ولكن الجهة ليست أمرًا وجوديًا، بل هي امر اعتبارى، ولا محذور في ذلك.
[مذهب السلف. تنزيه. وتفويض. وتصديق]
وبالجملة، يجب تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، وتفويض علم ما جاء من المتشابهات إليه عز شأنه، والإيمان بها على الوجه الذى جاءت عليه. والتأويل القريب إلى الذهن الشائع نظيره في كلام العرب مما لا بأس به عندى، على أن بعض الآيات مما أجمع على تأويلها السلف والخلف. والله تعالى أعلم بمراده.
وقال أيضًا في تفسير سورة الحديد. وأنت تعلم أن الأسلم التأويل، فإنه قول على الله تعالى من غير علم، ولا نؤول إلا ما أوله السلف ونتبعهم فيما كانوا عليه، فغن أولوا أولنا، وإن فوضوا فوضنا، ولا نأخذ تأويلهم لشئ سلمًا لتاويل غيره. اهـ باقتصار. ولعله يشير بهذا إلى ما قاله بعض الخلف أنه قد ورد عن الإمام أحمد أنه قال بالتأويل في ثلاثة أحاديث:
أحدها قوله ﵊: «الحجر الأسود يمين الله في أرضه» .
وثانيها: «إنى لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن» .
[ ٤١٢ ]
وثالثها: «أنا جليس من ذكرنى» .
وكذا إلى ما أوله من قوله - ﷺ -: «تأتى سورة البقرة وسورة كذا وكذا يوم القيامة كأنها غمامتان بثواب القارئ» . وقوله ﵊: «إن الرحم يتعلق بحقوى الرحمن فيقول سبحانه: أصل من وصلك» فهذا أيضًا مما لا بد فيه من التأويل، فإذا أولوا البعض فليؤولوا البعض الآخر. والجواب ما سمعت آنفًا فلا تغفل. قلت: وكذا أولوا الحديث الإدلاء الذى رواه أبو هريرة وأبو ذر والترمذى وغيره من حديث الحسن: «لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله» فهو إن صح على ما قاله الشيخ ابن تيمية في رسالة العرش الآتى بعضها: تقدير مفروض، أى لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لأنه لا يمكن أن يدلى أحد على الله تعالى شيئًا، لأنه عال بالذات، وإذا اهبط شئ إلى جهة الأرض وقف في المركز. أو كما قيل: يؤول بالعلم، أى على علم الله، وهو تأويل غير مرضى له - وتمام البحث فيها.
وقال الوالد أيضًا في تفسير سورة الأعراف من كلام طويل ما بعضه: وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف الصالح في مثل ذلك تفويض المراد منه إلى الله تعالى، فهم يقولون: استوى على العرش على الوجه الذى عناه سبحانه، منزها عن الاستقرار والتمكن، وأن تفسير الاستواء بالاستيلاء تفسير مرذول، إذ القائل به لا يسعه أن يقول كاستيلائنا، بل لابد أن يقول هو استيلاء لائق بذاته ﷿. فليقل من أول الآمر: هو استواء لائق به جل وعلا. وقد أختار ذلك السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، وهو أعلم وأسلم وأحكم، خلافًا لبعضهم. ولعل لنا دعوة إلى هذا المبحث إن شاء الله تعالى أهـ.
وقال في تفسير سورة السجدة عند قوله تعالى: ﴿يدبر الأمر من السماء
[ ٤١٣ ]
إلى الأرض ثم يعرج إليه﴾ الآية من كلام طويل ما بعضه: ويظهر لى أن المراد بالسماء جهة العلو في قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ وبعروج الأمر إليه صعود خبره، كما سمعت عن الجماعة. وأقوال: إن الآية من المتشابهة، واعتقد أن الله تعالى يدبر أمور الدنيا وشئونها، ويدبرها متقنة، وهو سبحانه مستو على عرشه، وذلك هو التدبير من جهة العلو، ثم يصعد خبر ذلك مع الملك إليه ﷿ إظهارًا لمزيد عظمته جلت عظته، وعظيم سلطنته عظمت سلطنته، إلى حكم هو - جل وعلا - أعلم بها، وكل ذلك بمعنى لائق به تعالى مجامع للتنزيه، مباين للتشبيه حسبما يقوله السلف في أمثاله.
وقول بعضهم: العرش موضع التدبير وما دونه موضع التفضيل، وما دون السماوات موضع فيه رائحة مما ذكرناه. أهـ. ومن خطه نقلته.
وقال في تفسير قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يا هامان ابن لى صرحًا﴾ الآية ما نصه: ورأيت لبعض السلفيين أن اللعين ما قال ذلك إلا لأنه سمع من موسى ﵇ أو من أحد من المؤمنين وصف الله تعالى بالعلو، أو بانه سبحانه بالسماء، فحمله على معنى مستحيل في حقه تعالى لم يرده موسى ﵇ ولا أحد من المؤمنين، فقال ما قال تهكما وتمويهًا على قومه. وللإمام في هذا المقال كلام رد به على القائلين بأن الله تعالى في السماء، ورد احتجاجهم بما أشعرت به الآية على ذلك وسماهم المشبهة، والبحث في ذلك طويل المجال، والحق مع السلف عليهم رحمة الملك المتعال، وحاشاهم ثم حاشاهم من التشبيه. أهـ. باقتصاره.
وقال أيضًا العلامة الوالد رحمه الله تعالى في تفسيره روح المعانى عند قوله ﷿: ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ من سورة طه ما نصه: والعرش
[ ٤١٤ ]
في اللغة. وفي الشرع، سرير ذو قوائم له حمله من الملائكة ﵈ فوق السماوات مثل القبة ويدل على أن له قوائم ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي - ﷺ - قد لطم وجهه فقال، يا محمد رجل من أصحابك قد لطم وجهى؟ فقال النبي - ﷺ -، «أدعوه، فقال، لم لطمت وجهه؟ فقال: يا رسول الله، إنى مررت بالسوق وهو يقول، والذى أصطفى موسى على البشر، فقلت يا خبيث! وعلى محمد - ﷺ -! فأخذتنى غضبة فلطمته. فقال النبي - ﷺ -: «لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون وأكون أول من يفيق، فإذا انا بموسى ﵇ آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزى بصعقة الطور» وعلى أن له حملة من الملائكة ﵈ قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به﴾ [غافر ٧] وما رواه أبو داود عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أذن لى أن أحدث عن ملك من ملائكة الله ﷿ من حملة العرش أن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة» وعلى أنه فوق السماوات مثل القبة. ما رواه أبو داود أيضًا عن جبير بن محمد بن مطعم عن أبيه عن جده قال: أتى رسول الله - ﷺ - أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس ونهكت الأموال أو هلكت، فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك إلى الله تعالى، ونستشفع بالله تعالى عليك. فقال رسول الله - ﷺ -: «ويحك، أتدرى ما تقول! وسبح رسول الله - ﷺ - فمازال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه - ثم قال - ويحك! إنه لا يستشفع بالله تعالى على أحد من خلقه، شأنه شأن الله تعالى أعظم من ذلك. ويحك، أتدرى ما الله! إن الله تعالى فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته هكذا، وقال باصابعه
[ ٤١٥ ]
مثل القبة، وإنه ليثط به اطيط الرحل الجديد بالراكب» ومن شعر أمية بن أبي الصلت: [خفيف] .
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرًا
بالبناء العالى الذى بهر النا س وسوى فوق السماء سريرًا
شرجعًا لا يناله طرف العي ن ترى حوله الملائك صورًا (١)
وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أنه مستدير من جميع الجوانب محيط بالعالم من كل جهة، وهو محدد الجهات، وربما سموه الفلك الأطلس، والفلك التاسع.
وتعقبه بعض شرائح عقيدة الطحاوى بأنه ليس بصحيح، لما ثبت في الشرع من أن قوائم تحمله الملائكة ﵈، وأيضًا أخرجاه في الصحيحين عن جابر أنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «أهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ» والفلك التاسع عندهم متحرك دائمًا بحركة متشابهة.
ومن تأويل ذلك على أن المراد باهتزازه استشار حملة العرش وفرحهم فلا بد من دليل، على أن سياق الحديث ولفظه - كما نقل عن أبي الحسن الطبرى وغيره - بعيد عن ذلك الاحتمال.
وأيضًا جاء في صحيح مسلم من حديث جويرة بنت الحرث ما يدل على أن له زنة هي أثقل الأوزان. والفلك عندهم لا ثفيل ولا خفيف.
وأيضًا العرب لا تفهم منه الفلك، والقرآن إنما نزل بما يفهمون. وقصارى ما يدل عليه خبر أبي داود عن جبير بن مطعم التقبيب، وهو لا يستلزم الاستدارة من جميع الجوانب كما في الفلك، ولا بد لها من دليل منفصل، ثم
_________________
(١) الشرجع - كجعفر -: الطويل، والسرير. والصور: جمع أصور، وهو المائل العنق لنظره إلى العلو
[ ٤١٦ ]
أن القوم إلى الآن بل إلى أن ينفخ في الصور لا دليل لهم على حصر الأفلاك في تسعة، ولا على أن التاسع اطلس لا كوكب فيه وهو غير الكرسى على الصحيح. فقد قال ابن جرير: قال أبو ذر - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما الكرسى في العرش إلا كحلقة من حديد الفيت بين ظهرى فلاة من الارض» وروى ابن أبي شبيهة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه، وقال: إنه على شرط الشيخين، عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس - ﵁ - قال: الكرسى موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدرة إلا الله تعالى. وقد روى مرفوعًا والصواب وقفة الخبر. وقيل: العرش كناية عن الملك والسلطان، وتعقبه ذلك البعض بانه تحريف لكلام الله تعالى، وكيف يصنع قائل ذلك بقوله تعالى: ر ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ أيقول: ويحمل ملكه تعالى يؤمئذ ثمانية، وقوله ﵊: «فإذا أما بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش» أيقول: آخذ بقائمة من قوائم الملك. وكلا القولين لا يقولهما من له أدنى ذوق.
وكذا يقال: أيقول أهتز عرش الرحمن - أهتز ملك الرحمن وسلطانه. وفيما رواه البخارى وغيره مرفوعًا «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتى سبقت غضبي» فهو عنده سبحانه فوق الملك والسلكان وهذا كذينك القولين.
[ليس الاستواء بمعنى الاستيلاء]
والاستواء على الشئ جاء بمعنى الارتفاع والعلو عليه، وبمعنى الاستقرار كما في قوله تعالى: ﴿واستوت على الجودى﴾ و﴿لتستوا على ظهوره﴾ وحيث كان ظاهر ذلك مستحيلًا عليه تعالى. قيل: الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء، كما في قوله:
[ ٤١٧ ]
قد استوى بشر على العراق *
وتعقب بأن الاستيلاء معناه، حصول الغلبة بعد العجز، وذلك محال في حقه تعالى، وأيضًا يقال: أستولى فلان على كذا، وإذا كان له منازع ينازعه وهو في حقه تعالى محال أيضًا. وأيضًا إنما يقال ذلك إذا كان المستولى عليه موجوداص قبل، والعرش إنما حدث بتخليقه تعالى وتكوينه سبحانه. وأيضًا الاستيلاء واحد إلى كل المخلوقات، فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة.
[أنتصار الرازى لتأويلات الخلف]
واجاب الإمام الرازى بانه إذا فسر الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية، ولا يخفى حال هذا الجواب على المصنف.
وقال الزمخشرى: لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على العرش ألبتة، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك، لأنه أشرح وأبسط وادل على صورة الامر. ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، ولا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت. حتى إن من لم يبسط يده قط بالنوال، أو لم تكن له يد رأسًا قيل فيه يده مبسوطة، لمساواته عندهم قولهم جواد، ومنه قوله تعالى ﴿وقالت اليهود يد الله﴾ الآية. عفوا الوصف بالبخل، ورد عليهم بانه ﷻ جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط. أهـ.
وتعقبه الإمام قائلًا: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم يقولون ايضًا، المراد من قوله تعالى: ﴿أخلع نعليك﴾ الاستغراق في خدمة الله تعالى من غير تصور فعل. وقوله تعالى: ﴿يا نار كونى بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ المراد منه تخليص إبراهيم ﵇ عن يد ذلك الظالم من
[ ٤١٨ ]
غير أن يكون هناك نار وخطاب ألبته. وكذا القول في كل ماروى في كتاب الله تعالى، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقة، إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه - وليت من لم يعرف شيئًا لم يخ فيه أهـ.
ولا يخفى عليك أنه لا يلزم من فتح الباب في هذه الآية انفتاح تأويلات الباطنية فيما ذكر من الآيات. إذ لا داعى لها هناك، والداعى للتأويل بما ذكره الزمخشرى قوى عنده، ولعله الفرار من لزوم المحال مع رعاية جزاله المعنى. فإن ما أختاره أجزل من معنى الاستيلاء، سواء كان معنى حقيقيًا للاستواء، كما هو ظاهر كلام الصحاح والقاموس وغيرهما أو مجازًا كما هو ظاهر جعلهم الحمل عليه تأويلًا.
واستدل الإمام على بطلان إرادة المعنى الظاهر بوجوه:
الأول: أنه سبحانه كان ولا عرش، لما خلق الخلق لم يحتج إلى ما كان غنبا عنه.
الثاني: أن المستقر على العرش لابد أن يكون الجزء الفاصل منه في يمين العرش غير الجزء الحاصل منه في يساره، فيكون سبحانه في نفسه مؤلفًا وهو محال في حقه تعالى للزوم الحدوث.
الثالث: أن المستقر على العرش إما أن يكون متمكنًا من الانتقال والحركة، ويلزم حينئذ أن يكون سبحانه محل الحركة والسكون، وهو قول بالحدوث. أو لا يكون متمكنًا من ذلك فيكون رجل وعلًا كالزمن بل أسوأ حالًا منه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
الرابع: أنه قيل بتخصصه سبحانه بهذا المكان وهو العرش احتيج إلى مخصص، وهو افتقار ينزه الله تعالى منه. وإن قيل: بأنه ﷿ يحصل بكل مكان لزم ما لا يقوله عاقل.
[ ٤١٩ ]
الخامس: أن يقول تعالى ﴿ليس كمثله شئ﴾ عام في نفي المماثلة، فلو كان جالسًا لحصل من يماثله في الجلوس، فحينئذ تبطل الآية.
السادس: أنه تعالى لو كان مستقرًا على العرش لكان محمولًا للملائكة لقوله تعالى، ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ وحامل حامل الشئ حامل لذلك الشئ، وكيف يحمل المخلوق خالقه؟؟
السابع: أنه لو كان المستقر في المكان إلهًا ينسد باب القدح في إلهية الشمس والقمر.
الثامن: أن العالم كرة، فالجهة التى هي فوق بالنسبة إلى قوم هي تحت بالنسبة إلى آخرين وبالعكس، فليزم من إثبات جهة الفوق للمعبود سبحانه إثبات الجهة المقابلة لها أيضًا بالنسبة إلى بعض. وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال: المعبود تحت.
التاسع: أن الأمة اجتمعت على أن قوله تعالى ﴿قل هو الله أحد] من المحكمات، وعلى فرض الاستقرار على العرش يلزم التركيب والانقسام، فلا يكون سبحانه أحدًا في الحقيقة فيبطل ذلك الحكم.
العاشر: أن الخليل ﵇ قال: «لا أحب الآفلين» فلو كان تعالى مستقرا على العرش لكان جسمًا ىفلًا أبدًا، فيندرج تحت عموم هذا القول. أهـ.
ثم إنه عفا الله تعالى عنه ضعف القول بأنا انقطع أنه ليس مراد الله تعالى ما يشعربه الظاهر، بل مراده سبحانه شئ آخر، ولكن لا نعين ذلك المراد خوفًا من الخطأ بأنه ﷿ لما خاطبنا بلسان العرب وجب ألا نريد باللفظ إلا موضوعه في لسانهم، وإذا كان لا معنى للاستواء في لسانهم إلا الاستقرار والاستيلاء وقد تعذر حمله على الاستقار فوجب حمله على الاستيلاء، وإلا
[ ٤٢٠ ]
لزم تعطيل اللفظ وأنه غير جائز، وإلى نحو هذا ذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقال في بعض فتاويه: طريقة التأويل بشرطه - وهو قرب التأويل - أقرب إلى الحق، لأن الله تعالى إنما خاطب العرب بما يعرفونه، وقد نصب الأدلة على مراده من آيات كتابه، لأنه سبحانه قال: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ و﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ . وهذا عام في جميع آيات القرآن، فمن وقف على الدليل أفهمه الله تعالى مراده من كتابه، وهو اكمل ممن لم يقف على ذلك، إذ لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وفيه توسط في المسألة.
وقد توسط ابن الهمام في المسايرة وقد بلغ رتبة الاجتهاد كما قال عصرينا ابن عابدين الشامي في رد المختار حاشية الدار المختار - توسطًا أخص من هذا التوسط، فذكر ما حاصله: وجوب الإيمان بأنه تعالى استوى على العرش مع نفى التشبيه كون المراد استولى فأمر جائز الإرادة لا وواجبها، إذ لا دليل عليه. وإذا خيف على العامة عدم فهمهم بالاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا بالاتصال ونحوه من لوازم الجسمية، فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء، فإنه قد يثبت إطلاقه عليه لغة في قوله: [طويل]
فلما علونا واستوينا عليهم جعلناهم مرعى لنسر وطائر
وقوله: قد أستوى بشر.. البيت المشهور.
وعلى نحو ما ذكر: كل ما ورد مما ظاهرة الجسمية في الشاهد كالأصبع والقدم واليد. ومخلص ذلك التوسط في القريب بين أن تدعو الحاجة إليه لخلل في فهم العوام وبين أن لا تدعو لذلك. ونقل أحمد زروق عن أبي حامد أنه قال: لا خلاف في وجوب التأويل عند تعين شبهه لا ترتفع إلا به. وأنت تعلم أن طريقة كثير من الأعلام وأساطين الإسلام - الإمساك عن التأويل مطلقًا مع نفي التشبيه والتجسيم، منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزى،
[ ٤٢١ ]
وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثورى: وإسحق بن راهوية، ومحمد بن أسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني.
[الصفات بين المفوضين والمعطلين]
ونقل القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد في كتاب الاعتقاد عن ابي يوسف عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشئ من ذاته، ولكن يصفه بما وصف سبحانه به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئًا تبارك الله تعالى رب العالمين.
وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر.
فنثبت هذه الصفات وننفى عنها التشبيه كما نفى سبحانه عن نفسه فقال: ﴿ليس كمثله شئ﴾ . وذكر الحافظ ابن حجر في فتح البارى: أنه قد اتفق على ذلك أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة - ﷺ -. وكلام إمام الحرمين في الإرشاد يميل إلى طريقة التأويل. وكلامه في الرسالة النظامية مصرح باختياره طريقة التفويض حيث قال فيها: والذى نرتضيه رايًا وندين به عقدًا اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع.
والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الصحابة - ﵁ -، فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعاني المتشابهات مع أنهم كانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه
[ ٤٢٢ ]
منها. فلو كان تأويل هذه الظواهر مسنونًا أو محتومًا لأوشك أن يكون أهتماهم بها فوق الاهتمام بفرع الشريعة.
وقد اختاره أيضًا الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه الذى وصفه في اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين، وفي كتابه الإبانة في أصول الديانة، وهو آخر مصنفاته فيما نقل. وقد قال البيضاوى في الطوالع: الأولى اتباع السلف في الإيمان بهذه الأشياء، يعنى المتشابهات، ورد العلم إلى الله تعالى بعد نفى ما يقتضى التشبيه والتجسيم. اهـ.
وعلى ذلك جرى محققة الصوفية فقد جمع منهم أنهم قالوا: إن الناس ما احتاجوا إلى تأويل الصفات إلا من ذهولهم عن اعتقاد أن حقيقتة تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وإذا كانت مخالفة فلا يصح في آيات الصفات قط تشبيه، إذ التشبيه لا يكون إلا مع موافقة حقيقته تعالى لحقائق، وذلك محال.
وعن الشعرانى: أن من أحتاج إلى التأويل فقد جهل أولًا وآخرًا.
وأما أولًا - فبتعقله صفة التشبيه في جانب الحق وذلك محال، وأما آخرًا فلتأويله ما أنزل الله تعالى على وجه لعله لا يكون مراد الحق سبحانه.
وفي الدرر المنثورة له: أن المؤول انتقل من شرح الاستواء الجثماني على الاستيلاء على العرش المكانى بالتنزيه عنه إلى التشبيه بالأمر السلطاني الحادث، وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث آخر، فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾ ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلى في الاستواء بقول الشاعر:
* قد أستوى . * البيت
وأين استواء بشر على العراق من استواء الحق سبحانه على العرش؟؟ فالصواب أن يلزم العبد الأدب مع مولاه، وبكل معنى كلامه إليه ﷿.
[ ٤٢٣ ]
ونقل الشيخ إبراهيم الكواني في تنبيه العقول عن الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال في الفتوحات أثناء كلام طويل، عجب فيه من الأشاعرة والمجسمة: الاستواء حقيقة معقولة معنوية، تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات، ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهرة.
والفقير قد رأى في الفتوحات ضمن كلام طويل أيضًا في الباب الثالث منها ما نصه: ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الفهم من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح. ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شئ ألبته، ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله - ﷺ -، ويقولون لا ندرى، كان يكفيهم قول الله سبحانه: ﴿ليس كمثله شئ﴾ .
ثم ذكر بعد في الكلام على قوله - ﷺ - الذى رواه مسلم: «إن قلوب بنى ادم كلها بين إصبعين من اصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء» – والتخبير بين التفويض لكن بشرط نفي الجارحة ولابد، وتبين ما في ذلك اللفظ من وجوه التنزيه، وذكر أن هذا واجب على العالم عند تعينه في الرد على بدعى مجسم مشبه.
وقال أيضًا فيما رواه عنه تلميذه المحقق إسماعيل بن سودكين، في شرح التجليات: ولا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع لكونها لا تطابق دليله العقلى، كأخبار النزول وغيره، لأنه لو خرج الخطاب عما وضع له لما كان به فائدة.
وقد علمنا أنه - ﷺ - أرسل ليبين للناس ما نزل إليهم ثم رأيناه - ﷺ - مع فصاحته، وسعة علمه وكشفه، لم يقل لنا
[ ٤٢٤ ]
إنه تنزل رحمته تعالى، ومن قال تنزل رحمته، فقد حمل الخطاب على الآدلة العقلية، والحق ذاته مجهولة، فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين. والعرب تفهم نسبة النزول مطلقًا، فلا تقديه بحكم دون حكم، وحيث تقرر عندها أنه سبحانه ليس كمثله شئ يحصل لها المعنى مطلقًا منزهًا، وربما يقال لك هذا يحيله العقل، فقل: الشأن هذا إذا صح أن يكون الحق من مدركات العقول: فإنه حينئذ تمضى عليه سبحانه أحكامها، أهـ.
وقال تلميذه صدر الدين القونوى، في مفتاح الغيب بعد بسط كلام في قاعدة جليلة الشأن حاصلها: أن التغاير بين الذوات يستدعى التغاير في نسبه الأوصاف إليها ما نصه: وهذه قاعدة من عرفها أو كشف له عن سرها، عرف سر الآيات والأخبار التى توهم التشبيه عند أهل العقول الضعيفة، واطلع على المراد منها فيسلم من ورطتى التأويل والتشبيه، وعاين الأمر، كما ذكر مع كمال التنزيه. أهـ.
وخلاصة الكلام في هذا المقام: أنه قد ورد في الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة ألفاظ توهم التشبيه والتجسيم، وما لا يليق بالله تعالى الجليل العظيم، فتشبث المجسمة والمشبهة بما توهمه، فضلوا وأضلوا، ونكبوا عن سوء السبيل وعدلوا.
وذهب جمع إلى أنهم هالكون، وبربهم كافرون. وذهب آخرون إلى أنهم مبتدعون. وفصل بعض فقال: هم كفرة إن قالوا: هو سبحانه جسم كسائر الأجسام، ومبتدعة إن قالوا: جسم لا كالأجسام. وعصم الله تعالى أهل الحق مما ذهبوا إليه، وعولوا في عقائدهم عليه.
فأثبت طائفة منهم ما ورد، كما ورد مع كماله التنزيه، للبرأ عن التجسيم والتشبيه. فحقيقة الاستواء، مثلًا المنسوب إليه تعالى شانه، لا يلزمها ما يلزم في الشاهد، فهو جل وعلا مستو على العرش مع غناه سبحانه عنه، وحمله
[ ٤٢٥ ]
بقدرته للعرش وحملته وعدم مماسته له وانفصال مسافة بينه تعالى وبينه. ومتى صح للمتكلمين أن يقولوا: إنه تعالى ليس عين العالم ولا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه، مع أن البداهة تكاد تقضى ببطلان ذلك بين شئ وشئ - صح لهؤلاء الطائفة أن يقولوا ذلك في استوائه تعالى الثابت بالكتاب والسنة، فالله سبحانه وصفاته وراء طور العقل، فلا يقبل حكمه إلا فيما كان طور الفكر، فإن القوة المفكرة شأنها التصرف فيما في الخيال والحافظة من صور المحسوسات والمعاني الجزئية، ومن ترتيبها على القانون يحصل للعقل علم آخر يبنه وبين الأشياء مناسبة، وحيث لا مناسبة بين ذات الحق جل وعلا، وبين شئ لا يستنتج من المقدمات التى يرتبها معرفة الحقيقة فأكف الكيف مشلولة، وأعناق التطاول إلى معرفة الحقيقة مغلولة، وأقدام السعي إلى التشبيه مكبلة، وأعين الأبصار والبصائر عن الإدراك مسملة: [وافر]
مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تيبد
وقد أخرج اللالكائى في كتاب السنة من طريق الحسن، عن أمه، عن أم سلمه ﵂ قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
ومن طريق ربيعة بن عبد الرحمن انه سئل: كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى اله تعالى إرساله، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم. ومتى قالوا بنفي اللوازم بالكلية اندفع عنهم ما تقدم من الاعتراضات، وحفظوا عن سائر الأفات.
وهذه الطائفة قيل هم السلف الصالح. وقيل: إن السلف بعد نفى ما يتوهم من التشبيه يقولون لا ندرى ما معنى ذلك، والله تعالى أعلم بمراده.
واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على نحو ذلك كثيرة جدًا
[ ٤٢٦ ]
ويبعد غاية البعد أن يخاطب الله تعالى ورسوله - ﷺ -، العباد فيما يرجع إلى الاعتقاد بما لا يدرى معناه.
وأيضًا قد ورد في الأخبار ما يدل على فهم المخاطب المعنى من مثل ذلك، فقد أخرج أبو نعيم عن الطبراني قال: ثنا عياش بن تميم، ثنا يحيى بن أيوب المقابرى، ثنا سلم بن سالم، ثنا خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «إن الله تعالى يضحك من يأس عباده وقنوطهم، وقرب الرحمة منهم» .
فقلت: بأبي أنت وامى يا رسول الله؟ أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، والذى نفسى بيده إنه ليضحك، قلت: فلا يعدمنا خيرًا إذا ضحك» فإنها رضي الله تعالى عنها لو لم تفهم من ضحكة تعالى معنى لم تقل ما قالت.
وقد صح عن بعض السلف أنهم فسروا، ففي صحيح البخارى قال مجاهد: استوى على العرش: علا على العرش. وقال أبو العالية: استوى على العرش: ارتفع.
وقيل: إن السلف قسمان: قسم منهم بعد أن نفوا التشبيه عينوا المعنى الظاهر المعرى عن اللوازم. وقسم رأوا صحة تعيين ذلك، وصحة تعيين معنى آخر لا يستحيل عليه تعالى، كما فعل بعض الخلف فراعوا الأدب واحتاطوا في صفات الرب، فقالوا: لا ندرى ما معنى ذلك، أى ما المعنى المراد له ﷿، والله تعالى أعلم بمراده.
وذهب طائفة من المنزهين عن التشبيه والتجسيم إلى أنه ليس المراد الظواهر مع نفى اللوازم، بل المراد معنى معين هو كذا، وكثيرًا ما يكون ذلك معنى مجازيًا، وقد يكون معنى حقيقيًا للفظ. وهؤلاء جماعة من الخلف
[ ٤٢٧ ]
وقد يتفق لهم تفويض المراد إليه جل وعلا أيضًا، وذلك إذا تعددت المعاني المجازية أو الحقيقة التى لا يتوهم منها محذور، ولم تقم عندهم قرينة ترجح واحدًا منها فيقولون: يحتمل اللفظ كذا وكذا، والله تعالى أعلم بمراده من ذلك.
ومذهب الصوفية على ما ذكره الشيخ إبراهيم الكوراني وغيره: إجراء المتشابهات على ظواهرها مع نفى اللوازم والتنزيه بليس كمثله شئ، كمذهب السلف الأول، وقولهم بالتجلى في المظاهر على هذا النحو.
وكلام الشيخ الأكبر قدس سره في هذا المقام مضطرب كما يشهد بذلك ما سمعت نقله عنه أولا مع ذكره في الفصل الثاني من الباب الثاني من الفتوحات، فإنه قال في عدد من الطوائف المنزهة، وطائفة من المنزهة أيضًا وهم العللية وهم اصحابنا، فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر وأخلوها، وقالوا حصل في نفوسنا من تعظيم الله تعالى الحق ﷻ بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة ما جاءنا من عنده بدقيق فكر ونظر، فأشبهوا في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم حيث لم ينظروا ولم يؤلوا بل قالوا: لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات، وذلك بأن تفرغ قلوبنا من النظر الفكرى، ونجلس مع الحق سبحانه بالذكر على بساط الأدب والمرقبة والحضور والتهيؤ لقبول ما يرد منه تعالى، حتى يكون الحق سبحانه متولى تعليمنا بالكشف والتحقق لما سمعوه تعالى يقول ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾، ﴿وإن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا﴾، ﴿وقل رب زدني علمًا﴾، ﴿وعلمناه من لدنا علمًا﴾ فعند ما توجهت قلوبهم وهممهم إلى الله ﷿ لجأت إليه سبحانه، وألقت عنها ما أستمسك به الغير من دعوى البحث والنظر ونتائج العقول، كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة.
[ ٤٢٨ ]
فعندما كان منهم هذا الإستعداد تجلى لهم الحق عيانًا معلمًا، فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني تلك الكلمات دفعة واحدة، فعرفوا المعنى التنزيهي الذى سيقت له، ويختلف ذلك بحسب اختلاف مقامات إيرادها، وهذا حال طائفة منا.
وحال طائفة أخرى منا أيضًا ليس لهم هذا التجلى، لكن لهم الإلقاء والإلهام واللقاء والكتاب، وهم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامات عندهم لا يعرفها سواهم، فيخبرون بما خوطروا به، وبما ألهموا وما ألقى إليهم أو كتب - أنتهى المراد منه.
ولعل من يقول بإجراء المتشابهات على ظواهرها مع نفي اللوازم كمذهب السلف الأول من الصوفية طائفة، لم يحصل لهم ما حصل لهاتين الطائفتين والفضل بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء. هذا بقى هل يسمى ما عليه السلف تأويلًا أم لا. والمشهور عدم تسمية ما عليه المفوضة منهم تأويلًا، وسماه بعضهم تأويلًا كالذى عليه الخلف.
قال اللقانى: أجمع الخلف ويعبر عنهم بالمؤولة، والسلف ويعبر عنهم بالمفوضة على تنزيه تعالى عن المعنى المحال الذى دل عليه الظاهر، وعلى تأويله وإخراجه عن ظاهرة المحال، وعلى الإيمان به بأنه من عند الله تعالى، جاء به رسول الله - ﷺ -، وإنما أختلفوا في تعيين محمل له معنى صحيح، وعدم تعيينه بناء على أن الوقف على قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ أو على قول سبحانه ﴿إلا الله﴾ ويقال لتأويل السلف إجمالى، ولتأويل الخلف تفصيلى. أنتهى ملخصًا.
وكان شيخنا العلامة علاء الدين يقول: ما عليه المفوضة تأويل واحد وما عليه المؤولة تأويلان. ولعله راجع إلى ما سمعت.
[ ٤٢٩ ]
وأما ما عليه القائلون بالظواهر مع نفى اللوازم فقد قيل: إن فيه تاويلًا أيضًا لما فيه من نفى اللوازم، وظاهر الألفاظ أنفسها تقتضيها ففيه إخراج اللفظ عما يقتضيه الظاهر، وإخراج اللفظ عن ذلك لدليل لو مرجوحًا تأويل.
ومعنى كونهم قائلين بالظواهر أنهم قائلون بها في الجملة.
وقيل: لا تأويل فيه، لأنهم يعتبرون اللفظ من حيث نسبته إليه عز شأنه وهو من هذه الحيثية لا يقتضى اللوازم، فليس هناك إخراج اللفظ عما يقتضيه الظاهر.
ألا ترى أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على رؤية اله تعالى في الآخرة مع نفى لوازم الرؤية في الشاهد من المقابلة والمسافة المخصوصة وغيرها، مع أنه لم يقل أحد إن ذلك من التأويل في شئ.
وقال بعض الفضلاء: كل من فسر فقد أول، وكل من لم يفسر لم يؤول، لأن التأويل هو التفسير، فمن عدا المفوضة مؤولة، وهو الذى يقتضيه ظاهر قوله تعالى: ﴿وما يعلم إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ بناء على أن الوقف على ﴿إلا الله﴾ ولا يخفى أن القول بأن القائلين بالظواهر مع نفى اللوازم الغير الداخلين في الراسخين في العلم، بناء على الوقف المذكور لا يتسنى مع القول بأنهم من السلف الذين هم هم.
وقد يقال: إنهم داخلون في الراسخين، والتأويل بمعنى آخر يظهر بالتتبع والتأمل. وقد تقدم الكلام في المراد بالمتشابهات وذكرنا ما يفهم منه الاختلاف في معنى التأويل.
[رأى المؤلف في الصفات]
وأنا أميل إلى التأويل وعدم القبول بالظواهر مع نفى اللوازم في بعض ما ينسب إلى الله تعالى، مثل قوله سبحانه: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾
[ ٤٣٠ ]
وقوله ﷿: ﴿يا حسرتا على العباد﴾ كما في بعض القراءات، وكذا قوله - ﷺ - إن صح: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن قبله أو صافحه فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه» فأجعل الكلام فيه خارجًا مخرج التشبيه لظهور القرينة، ولا أقول الحجر الأسود من صفاته تعالى كما قال السلف في اليمين. وأرى من يقول بالظواهر ونفى اللوازم في الجمع بينه وبين القول بوحدة الوجود على الوجه الذى قاله محققو الصوفية مثل ما بين سواد العين وبياضها.
وأميل ايضًا إلى القول بقبيب العرش، لصحة الحديث في ذلك، والأقرب إلى الدليل العقلى القول بكريته. ومن قال بذلك أجاب عن الأخبار السابقة بما لا يخفى على الفطن.
وقال الشيخ الكبر محيى الدين قدس سره في الباب الحادى والسبعين والثلثمائة من الفتوحات: إنه ذو أركان أربعة، ووجوه أربعة هي قوائمه الصلية، وبين كل قائمتين قوائم وعددها معلوم عندنا ولا أبينها - إلى آخر ما قال. وبفهم كلامه أن قوائمه ليست بالمعنى الذى يتبادر إلى الذهن، وصرح بأنه أحد حملته، وأنه أنزل عند أفضل القوائم وهي خزانة الرحمة، وذكر أن العماء محيط به، وأن صورة العالم بجملته صورة دائرة فلكية - وأطال الكلام في هذا الباب، وأتى فيه بالعجب العجاب.
وليس له في أكثر ما ذكره فيه مستند نعلمه من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله - ﷺ -. ومنه ما لا يجوز لنا ان تقول بظاهرة والظاهر أن العرش واحد.
وقال: من قال من الصوفية بتعدده. ولا يخفى ما في نسبة الاستواء إليه تعالى بعنوان الرحمانية مما يزيد قوة الرجاء به جل وعلا، وسبحان من وسعت رحمته كل شئ. أنتهى. وإنما سقته بطوله لأنه قلما تجده في كتاب.
[ ٤٣١ ]
وقال الوالد عليه الرحمة في كتابه النزهة من كلام طويل ما نصه: وأنت تعلم أ، القول بالظواهر مع التنزيه خال عن ذلك، وإلا أن تفويض العلم بالمراد فيه إلى الله تعالى لا يخلو عن خفاء لما أن فيه الجزم بأن المراد هو الظاهر، غاية ما في الباب أنه مجرد عن اللوازم كرؤيته تعالى مصدر المبنى للفاعل ومصدر المبنى للمفعول، فإن لوازمها بالمعنيين في الشاهد منفية فيه تعالى.
وحيث إنى من المفوضين فيما عدا ما سمعت بالتفويض على حد ما عليه جمهور السلف، إلا أنى أعد الظاهر الذى جزموا – كما أشار غليه الجلال المحلى وغيره – بأنه غير مراد هو المعنى المستدعى للوازم، فأقول في الاستواء مثلًا: ليس المراد به المعنى الحقيقى بلوازمه قطعًا، لإباء قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾ مع الدليل العقلى عنه. بل المراد معنى لائق به ﷿ لا أعلمه هو ﷾ يعلمه، وأقطع بذلك من غير تعيين. نعم، أقول هو محتمل لأن يكون المعنى المجرد عن اللوازم، ومحتمل لأن يكون غيره مما يليق به جل شانه وعز سلطانه.
وربما ارجح الأول من الاحتمالين بان عليه جملة من السلف الصالح، وطائفة عظيمة من الصوفية الذين لا يؤثر بعلو شأنهم قدح قادح، لكن لا أجزم لأن مراد الله تعالى كما أجزم بأن الطاهر بلوازمه غير مراد له تعالى – فأنا والحمد لله تعالى مؤمن بما ورد في الله تعالى على المعنى أراده ﷻ.
ومن أين لعنكبوت العقل العروج بلعابه إلى رفيع قدس العرش وما حواه أدنى من ذرة بالنسبة إلى جنابه، وأقول بالوقف على قوله تعالى: ﴿إلا الله﴾ فقد حكاه محيى السنة البغوى في المعالم، وغيره في غيره عن أكثر الصحابة والتابعين والنحويين رضي الله تعالى عنهم اجمعين.
وقال الأستاذ أبو منصور: إنه الأصح، وبالغ ابن السمعاني وغيره من
[ ٤٣٢ ]
الأجلة في نصرته، ولا يثنينى عن ذلك حكاية إمام الحرمين في البرهان: الوقف على «العلم» عن أكثر القراء والنحاة، ولا نقله ذلك فيه عن ابن عباس - ﵁ -، وابن مسعود - ﵁ -، ولا مبالغته في تأييده في التلخيص حتى قال: إن مقابلة قول باطل، لما أنه خلاف مقتضى مادان الله تعالى به في الرسالة النظامية كما قدمناه لك، وهى أبعد البرهان تأليفًا، وخلاف مقتضى ما نقله الألوف عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين.
وقد أخرج عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه كان يقرأ: وإن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به.
وكذا لا يثنينى قول النووى عليه الرحمة في شرح صحيح مسلم: إنه الأصح، لأنه يبعد أن يخاطب اله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.
فإنه خلاف مقتضى ما ذهب إليه إمامه الشافعي - ﵁ - مما أخرجه ابن أبي حاتم في مناقبه عن يونس بن عبد الأعلى عنه، ونقله العلامة الكوراني في تنبيه العقول، والبعد الذى ذكره ممنوع حيث كان الخطاب بذلك للابتلاء، وقد أبتلى سبحانه عباده بتكالبف كثيرة وعبادات وفيرة لم يعرف أحد السر فيها والسر في هذا الابتلاء قص جناح العقل، وكسر سورة الفكر، وإذهاب عجب طاوس النفس، ليتوجه القلب بشراشرة تجاه كعبة العبودية، ويخضع تحت سرادقات الربوبية، ويعترف بالقصور ويقر بالعجز عن الوصول إلى الحور المقصورات في هاتيك القصور.
وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة. وكذا لا يثنينى وجوده ذكرها الخلف في ترجيح الوقف على «العلم» فقد رددتها والحمد لله تعالى في تفسيرى روح المعاني.
وذكر مما يرجح الوقف على «إلا الله» ما فيه مقنع لمن أوتى قلبًا سليمًا
[ ٤٣٣ ]
وفهمًا مستقيمًا.
(بقى شئ) وهو أن ابن السبكى قال في جمع الجوامع ما نصه: ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافًا للحشوية، أنتهى.
وكتب عليه شيخ الإسلام (١) ما نصه: المراد بما لا معنى له ما يتعذر التوصل إلى معناه ليصح محلًا للنزاع إذ لم يقل أحد بظاهر ذلك. أنتهى. فيلزم من ذلك وكون السلف قائلين إن المتشابه ما يتعذر التوصل إلى معناه كما أفصح به تعريف الحنفية إياه بما استأثر الله تعالى بعلمه دون ما لم يتضح معناه، كما عرفه به معظم الشافعية مخالفين لمقتضى ما روى عنه من قوله: إن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، كون أولئك الأجلة الذين هم سادات الملة. كالحشوية الذين قال الحسن البصرى لما وجد قولهم ساقطًا وكانوا يجلسون في حلقتة أمامه: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة أى جانبها. أو الطعن في الحسن البصرى الذى هو أفضل التابعين عند اهل البصرة حيث رأى سقوط قول هو عين قول السلف القائلين بقولهم. وقد أخرج - كما قال الحافظ ابن حجر في شرح البخارى - أبو القاسم اللالكائى في كتاب السنة من طريق الحسن عن امه عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
وقد كنت سالت شيخى علاء الدين الموصلى عن ذلك أثناء الدرس فقال: الفرق بيم مذهب السلف ومذهب الحشوية: أن مذهب الحشوية ورود ما يتعذر التوصل إلى معناه الرماد مطلقًا، فالاستواء مثلًا عندهم له معنى يتوصل إليه بمجرد سماعه من يعرف المعلومات اللغوية، إلا أنه غير مراد لأنه
_________________
(١) قوله شيخ الإسلام: الظاهر أنه القاضى زكريا. أنتهى منه. من هامش الأصل.
[ ٤٣٤ ]
خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل، ومعنى آخر يليق به تعالى لا يعلمه إلا هو ﷿.
وقد يقال: الأولى في الجواب إبقاء كلام ابن السبكى على ظاهرة وعدم الالتفات إلى كلام شيخ الإسلام، وقوله: أنه لم يقل به أحد، فالمثبت لا سيما إذا كان كابن السبكى الإمام ابن الإمام - مقدم على النافي ولو كان كشيخ الإسلام، فتأمل جميع ما تلوناه عليك وهو يغنيك عن مراجعة كثير من الكتب إن أخذت العناية بيديك.
وبقيت في هذا المقام أبحاث كثيرة يضيق عنها نطاق الكلام. وفي كتب الحنابلة من ذلك ما يجلو غياهب الأوهام، ويروى الغلل ويبرئ العلل والأسقام فمتى أشكل عليك أمر فارجع إليها ينشرح بإذن الله تعالى منك الصدر. أنتهى كلام الوالد، لا زال بنعيم متزايد. وقد مر عليك غير مرة أن كثيرًا من المؤولة يسمى غالب السلفيين بالحشوية ولا سيما المعتزلة. وذكر الوالد في سبب التسمية ما تقدم.
والشيخ ابن القيم نسبها في النونية إلى غير من تعلم كعمرو بم عبيد والله تعالى أعلم - بما نصه: [كامل]
ومن العجائب قولهم لمن اقتدى بالوحي من أثر ومن قرآن
ويظن يعنون حشوا في الوجو د وفضله من أمه الإنسان
ويظن جاهلهم بأنهم حشوا رب العباد بداخل الأكوان
إذ قولهم فوق العباد وفي السما ء الرب ذو الملكوت والسلطان
ظن الحمير بأن في للظرف والر حمن محوى بظرف مكان
والله لم يسمع بذا من فرقة قالته في زمن من الأزمان
لا تبهتوا أهل الحديث به فما ذا قولهم تبًا لذى البهتان
بل قولهم إن السماوات العلا في كف خالق هذه الأكوان
[ ٤٣٥ ]
حقًا كخردلة ترى في كف ممـ سكها تعالى الله ذو السلطان
أتونه المحصور بعد أم السما يا قومنا ارتدعوا عن العدوان
كم ذا مشبهة وذا حشوية فألبهت لا يخفى على الرحمن
يا قوم إن كان الكتاب وسنة الـ مختار حشوا فاشهدوا ببيان
أنا بحمد إلهنا حشوية صرف بلا جحد ولا كتمان
تدرون من سمت شيوخكم بهـ ذا الاسم في الماضي من الأزمان
سمى به عمرو لعبد الله ذا ك ابن الخليفة طارد الشيطان
فورثتموا عمرً كما ورثوا لعبد الله أنى يستوى الإرثان
تدرون من أولى بهذا الاسم وهو مناسب أحواله بوزان
من قد حشى الأوراق والأذهان من بدع تحالف موجب القرآن
هذا هو الحشوى لا أهل الحديـ ث أئمة انثلام والإيمان
أنتهى. ويمكن التوفيق فتدبر.
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧١ في تأويل مختلف الأحاديث ما نصه: إن أصحاب البدع سموا أهل الحديث بالحشوية، والناتية والمجبرة والجبرية، وسموهم الغثاء، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خير عن رسول الله - ﷺ -. كما أتى في القدرية أنهم مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا يشهدوا جنائزهم. وفي الرافضة برواية ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يكون قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام ويلفظونه، فاقتلوهم فإنهم مشركون» وفي المرجئة: «صنفان من أمتى لا تنالهم شفاعتى لعنوا على لسان سبعين نبيًا المرجئة والقدرية» (١)
_________________
(١) لم يصح في الرافضة ولا المرجئة حديث عن رسول الله - ﷺ -.
[ ٤٣٦ ]
وفي الخوارج: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وكلاب أهل النار» هذه أسماء رسول
الله - ﷺ -، وتلك أسماء مصنوعة. أنتهى.
وقال الشيخ عبد القادر الكيلانى قدس سره: إن الباطنية تسمى أهل الحديث حشوية لقولهم بالأخبار وتعلقهم بالآثار. أنتهى فليحفظ.
وقال في مسند الوقت الشيخ الأجل أحمد ولى الله المحدث الدهلوى في كتابه حجة الله البالغة: واستطال هؤلاء الخاضعون على معشر أهل الحديث وسموهم مجسمة ومشبهة، وقالوا: هم المتسترون بالبلكفة. وقد وضح على وضوحًا بينًا أن أستطالتهم هذه ليست بشئ، وأنهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى. أنتهى.
[مذهب ابن تيمية في الصفات]
فصل
وأما الشيخ ابن تيميه فقد ألف في الصفات كتبًا عديدة، وأتى بمباحث فريدة، أيد فيها مذهب السلف، وصرح بأنه معتقد بجميع ما قالوه نابذًا لكلام الخلف.
فمن ذلك ما في فتاويه: سئل شيخ الإسلام، وقامع البدعة في الأنام، ابو العباس أحمد بن تيمية نفعنا الله تعالى بعلومه الربانية - عن رجلين أختلفا في الاعتقاد فقال أحدهما: من يعتقد أن الله تعالى في السماء فهو ضال. وقال الآخر: لا ينحصر في مكان، وهما شافعيان - فبينوا لنا ما تتبعه من عقيدة الشافعي - ﵁ -، وما الصواب في ذلك؟
فأجاب: الحمد لله. واعتقاد الشافعي رحمه الله تعالى هو اعتقاد سلف أئمة الإسلام كمالك والثورى والأوزاعي وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض وأبى
[ ٤٣٧ ]
سليمان الدارانى وسهل بن عبد الله التسترى وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين. وكذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو مما نطق به الكتاب والسنة.
وقال الشافعي في أول خطبة الرسالة: الحمد لله الذى هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه، فبين رحمه الله تعالى أن الله سبحانه موصوف بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسول الله - ﷺ -.
وكذلك أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، قال: لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله - ﷺ -، لا تتجاوز القرآن والحديث. وهكذا مذهب سائرهم أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصف به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يثبتون له ما اثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، ويعلمون أنه ليس كمثله شئ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإنه كما أن ذاته سبحانه ليست مثل الدوات المخلوقة، فصفاته ليست كالصفات المخلوقة، بل سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، فهو حي قيوم، سميع بصير، عليم قدير، رءوف رحيم، وهو الذى خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستة ايام، ثم أستوى على العرش، وهو الذى كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكا، ولا يماثله شئ من الأشياء في شئ من صفاته، فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة احد، ولا كاستوائه أحد، ولا كسمعه وبصره، ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد،
[ ٤٣٨ ]
ولا كتجليه تجلى أحد. والله سبحانه قد أخبرنا أن في الجنة لحمًا ولبنًا، وعسلًا وماء،وحريرًا وذهبًا.
وقد قال ابن عباس، - ﵁ - ليس في الدنيا مما في الأخرة إلا الأسماء، فإذا كانت المخلوقات الفانية ليست مثل هذه المخلوقات المشاهدة مع اتفاقها في الأسماء، فالخلق تعالى أعظم علوًا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق وإن اتفقت الأسماء. وقد سمى نفسه حيًا وعليمًا، وسميعًا بصيرًا، وملكًا رءوفًا رحيمًا، وسمى ايضًا بعض مخلوقاته حيًا وبعضها عليمًا، وبعضها سميعًا بصيرًا، وبعضها رءوفًا رحيمًا، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم.
وقال تعالى: ﴿يخرج الحي من الميت﴾ . وقال تعالى: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾ . وقال تعالى: ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾، وهو سبحانه قد قال في كتابه: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا﴾ [الملك ١٦، ١٧] وثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ -، أنه قال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال من انا قالت: رسول الله - ﷺ -، قال أعتقها فإنها مؤمنة» . وهذا الحديث رواه مالك والشافعي، وأحمد بن حنبل، ومسلم في صحيحه وغيرهم.ولكن ليس معنى ذلك أن الله ﷿ في جوف السماء، وان السماوات تحصره وتحويه، فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله سبحانه: فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شئ من ذاته، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته.
وقال مالك بن انس، رحمه الله تعالى: إن الله تعالى في السماء وعلمه في كل مكان. وقالوا لعبد الله بن المبارك: بماذا يعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه. وقال أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، كما قال هذا وهذا.
[ ٤٣٩ ]
قال الشافعي، رحمه الله تعالى: خلافة أبي بكر، حق قضاها الله تعالى في سمائه، وجمع عليها قلوب أوليائه.
وقال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون، نقر بأن الله سبحانه فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته، فمن اعتقد أن الله تعالى في جوف السماوات محصور محاط به، أو أنه مفتقر إلى العرش، أو غير العرش من المخلوقات، أو أن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه فهو ضال مبتدع جاهل.
ومن اعتقد أنه ليس فوق السماوات إله يعبد، ولا على العرش رب يصلى له ويسجد، وأن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، ولا نزل القرآن من عنده فهو معطل فرعونى، ضال مبتدع، فإن فرعون كذب موسى في ان ربه فوق السماوات، وقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحًا لعلى ابلغ الأسباب، أسباب السماوات فاطلع إلى إله موسى وغنى لأظنه كاذبًا﴾ [غافر ٣٧]، ونبينا محمد - ﷺ -، صدق موسى ﵇ أن ربه تعالى فوق السماوات، فلما كان ليلة المعراج، وعرج به إلى الله عز ودل، وفرض عليه خمسين صلاة، ذكر أنه رجع إلى موسى وقال له: ارجع إلى ربك فأسأله التخفيف لأمتك - وهذا الحديث في الصحاح، فمن وافق فرعون وخالف موسى ومحمدًا عليهما الصلاة والسلام، فهو ضال، ومن مثل الله تعالى وشبهه بخلقه، فهو ضال.
قال نعيم بن حماد: من شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله تعالى ب نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله تعالى به نفسه، ولا رسوله - ﷺ - تشبيهًا.
وقد قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾، [فاطر ١٠] وقال لعيسى ﵇: ﴿إنى متوفيك ورافعك إلى﴾
[ ٤٤٠ ]
[آل عمران ٥٥]، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ [النساء ١٥٨]، وقال ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام ١١٤] وقال: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ [الجاثية والأحقاف ٢] وقال تعالى: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته [الأنبياء ٢٠]، فدل بذلك على ان الذين عنده هم قريبون إليه، وإن كانت المخلوقات تحت قدرته. فالقائل الذى قال: من لا يعتقد أن الله تعالى في السماء فهو ضال، إن أراد بذلك من لا يعتقد أن الله في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به فقد أخطأ.
وإن أراد بذلك من لم يعتقد ما جاء به من الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الله تعالى فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب فإنه من لم يعتقد ذلك يكون مكذبًا للرسول - ﷺ - متبعًا غير سبيل المؤمنين بل يكون في الحقيقة معطلًا لربه نافيًا له فلا يكون له في الحقيقة إله يعبده ولا رب يسأله ويقصده وهذا قول الجهمية ونحوهم من أتباع فرعون المعطل والله سبحانه فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا ادعوا توجهت قلوبهم إلى العلو ولا يقصدونه تحت أرجلهم.
ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط يا ألله إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة.
وأما القائل الذي يقول: إن الله تعالى لا ينحصر في مكان إن أراد به أن الله تعالى لا ينحصر في جوف المخلوقات وأنه لا يحتاج إلى شيء منها فقد أصاب وإن أراد أن الله ﷾ ليس فوق السماوات ولا هو مستو على العرش استواء لائقًا بذاته وليس هناك إله يعبد ومحمد - ﷺ - لم يعرج به إلى الله تعالى فهذا جهمي فرعوني معطل.
[ ٤٤١ ]
ومنشأ الضلال أن يظن الظان أن صفات الرب سبحانه كصفات خلقه فيظن أن الله تعالى على عرشه كالملك المخلوق على سريره فهذا تمثيل وضلال.
وذلك أن الملك مفتقر إلى سريره ولو زال سريره لسقط والله ﷿ غنى عن العرش وعن كل شيء وكل ما سواه محتاج إليه وهو حامل العرش وحملة العرش وعلوه عليه لا يوجب افتقاره إليه فإن الله تعالى قد جعل المخلوقات عاليًا وسافلًا وجعل العالي غنيًا عن السافل كما جعل الهواء فوق الأرض وليس هو مفتقرًا إليها وجعل السماء فوق الهواء وليست محتاجة إليه فالعلى الأعلى رب السموات والأرض وما بينهما أولى أن يكون غنيًا عن العرش وسائر المخلوقات وإن كان عاليًا عليها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
والأصل في هذا الباب أن كل ما يثبت في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله - ﷺ - وجب التصديق به مثل علو الرب واستوائه على عرشه ونحو ذلك.
وأما الألفاظ المبتدعة في النفى والإثبات، مثل قول القائل: هو في جهة أو ليس في جهة، وهو متحيز أو ليس بمتحيز، ونحو ذلك من الألفاظ التى تنازع فيها الناس، وليس مع أحدهم نص لا عن الرسول - ﷺ -، ولا عن الصحابة - ﵁ - والتابعين لهم بإحسان، ولا أئمة المسلمين - هؤلاء لم يقل أحد منهم: إن الله تعالى في جهة، ولا قال ليس هو في جهة، ولا قال: هو متحيز، ولا قال: ليس بمتحيز، بل ولا قال: هو جسم أو جوهر، ولا قال: ليس بجسم، ولا جوهر - فهذه الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب، ولا السنة، ولا الإجماع.
والناطقون بها قد يريدون معنى صحيحًا، فإن يريدوا معنى صحيحًا يوافق
[ ٤٤٢ ]
الكتاب والسنة كان ذلك مقبولًا منهم. وإن أرادوا معنى فاسجًا يخالف الكتاب والسنة، كان ذلك المعنى مردودًا عليهم.
فإذا قال القائل: إن الله تعالى في جهة، قيل ما تريد بذلك؟ أتريد بذلك أنه سبحانه في جهة موجودة تحصره وتحيط به، مثل أن يكون في جوف السماوات، أم تريد بالجهة أمرًا عدميًا وهو فوق العالم، فإنه ليس فوق العالم شئ من المخلوقات، فإن أردت الجهود الموجودة، وجعلت الله تعالى محصورًا في المخلوقات فهذا باطل. وإن أردت الجهة العدمية، وأردت الله تعالى وحده فوق المخلوقات بائن عنها، فهذا حق، وليس في ذلك أن شيئًا من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل هو العالى عليها المحيط بها، وقد قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الآية.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ -: «أن الله ﷿ يقبض الأرض يوم القيامة ويطوى السماوات بيمينه، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» وقد قال ابن عباس - ﵁ -: «ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» وفي حديث آخر: «أنه يرميها كما يرمى الصبيان للكرة فمن يكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى؟» إلى هذا الحقر والصغار كيف تحيط به وتحصره؟ .
ومن قال: إن الله تعالى ليس في جهة. قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على عرش إله، ونبينا محمد - ﷺ - لم يعرج به إلى الله تعالى، والأيدى لا ترفع إلى الله تعالى في الدعاء، ولا تتوجه القلوب إليه، فهذا فرعوني معطل، جاحد لرب العالمين.
[ ٤٤٣ ]
وإن كان يعتقد أنه مقر به فهو جاهل متناقض في كلامه. ومن هنا دخل أهل الحلول والاتحاد وقالوا: إن الله تعالى بذاته في كل مكان، وإن وجود المخلوقات هو وجود الخالق.
وإن قال: مرادى بقولى: ليس فى جهة، أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب في هذا المعنى. وكذلك من قال: إن الله تعالى متحيز، أو قال ليس بمتحيز، إن أراد بقوله متحيز أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ.
وإن اراد به منحاز عن المخلوقات بائن عنها عال فقد أصاب.
ومن قال ليس بمتحيز، إن أراد المخلوقات لا تحوزه فقد اصاب. وإن أراد ليس ببائن عنها بل هو لا داخل فيها ولا خارج عنها فقد أخطأ.
والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: أهل الحلول، والاتحاد، وأهل النفي والجحود، وأهل الإيمان والتوحيد والسنة.
فأهل الحلول يقولون: إنه بذاته في كل مكان، وقد يقولون بالاتحاد والواحدة فيقولون: وجود المخلوقات وجود الخالق، كما صرح به ابن عربي في الفصوص وابن سبعين ونحوهما.
وأما أهل النفى والجحود فيقولون: لا هو داخل العالم ولا خارج ولا مباين له ولا حال فيه، ولا فوق العالم ولا فيه، ولا ينزل منه شئ ولا يصعد إليه بشئ، ولا يتقرب إليه بشئ، ولا يدنو إليه بشئ، ولا يتجلى لشئ ولا يراه أحد، ونحو ذلك.
وهذا قول متكلمة الجهمية المعطلة، كما أن الأول قول عباد الجهمية، فمتكلمة الجهمية لا يعبدون كل شئ، وكلامهم يرجع إلى التعطيل والجحود الذى هو قول فرعون.
وقد علم أن الله تعالى كان قبل أن يخلق السماوات والأرض ثم خلقها فإما أن يكون دخل فيهما وهذا حلول باطل، وإما أن يكونا دخلًا فيه وهو
[ ٤٤٤ ]
أبطل وأبطل، وإما أن يكون الله سبحانه بائنًا عنهما لم يدخل فيهما ولم يدخلا فيه، وهذا قول أهل الحق والتوحيد والسنة.
ولأهل الجحود والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ -، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وما فطر الله تعالى عليه عباده، وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة.
فإن هذه الأدلة كلها متفقة على أن الله تعالى فوق مخلوقاته عال عليها، قد فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، وقد قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» ثم قال أبو هريرة - ﵁ -: أقرءوا إن شئتم ﴿فطرة الله التى فرط الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم ٣٠] وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب، عليك بما فطرهم الله تعالى عليه، فإن الله سبحانه فطر عباده على الحق، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتحويل الفطرة وتغييرها.
وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوهم فيريدون أن يغيروا فطرة الله تعالى ودينه ﷿، ويوردون على النفس شبهات بكلمات متشبهات لا يفهم كثير من الناس مقصودهم بها، ولا يحسن أن يجيبهم، وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع.
وأصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله - ﷺ -، ولا قالها أحد من أئمة المسلمين، كلفظ المتحيز والجسم والجهة ونحو ذلك. فمن كان عارفًا بحال شبهاتهم بينها
[ ٤٤٥ ]
ومن لم يكن عارفًا بذلك فليعرض عن كلامهم، ولا يقبل إلا ماجاء به الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [الأنعام ٦٨] . ومن تكلم في الله تعالى وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة فهو من الخائضين في آيات الله تعالى بالباطل. وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه، فينسبون إلى الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى من الاعتقادات الباطلة ما لم يقولوه، ويقولون لمن أتبعهم هذا الذى نقوله اعتقاد الإمام الفلاني، فإذا طولبوا بالنقل الصحيح عن الأئمة تبين كذبهم في ذلك، كما تبين كذبهم فيما ينقلونه عن النبي - ﷺ - في كثير من البدع والأقوال الباطلة.
ومنهم من إذا طولب بتحقيق نقله يقول: هذا القول قاله العقلاء والإمام الفلاني لا يخالف العقلاء، ويكون العقلاء طائفة من أهل الكلام الذين ذمهم الأئمة رحمهم الله تعالى.
فقد قال الشافعي: حكمى في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام، فإن كان هذا حكمه فيمن أعرض عنهما فكيف حكمه فيمن يعارضهما بغيرهما.
وكذلك قال أبو يوسف القاضي رحمه الله تعالى: من طلب الدين بالكلام تزندق.
وكذلك قال أحمد بن حنبل: ما أرتدى أحد بالكلام فأفلح. وقال: علماء الكلام زنادقة، وكثير من هؤلاء قرءوا كتبًا من كتب الكلام فيها شبهات أضلتهم ولم يهتدوا لجوابهم، فإنهم يجدون في تلك الكتب أنه لو كان
[ ٤٤٦ ]
الله تعالى فوق الخلق للزم التجسيم والتحيز والجهة، وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ ولا ما أراد بها أصحابها.
فإن ذكر لفظ الجسم في أسماء الله تعالى وصفاته لم ينطق بها كتاب ولا سنة، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولم يقل أحد منهم إن الله تعالى جسم، ولا أن الله تعالى ليس بجسم، ولا أن الله تعالى جوهر، ولا أن الله تعالى ليس بجوهر. ولفظ الجسم لفظ مجمل، فمعناه في اللغة هو البدن. ومن قال: إن الله تعالى مثل بدن الإنسان فهو مفتر على الله ﷿، بل من قال: إن الله تعالى يماثل شيئًا من مخلوقاته فهو مفتر على الله ضال. ومن قال: إن الله تعالى ليس بجسم وأراد بذلك أنه لا يماثل شيئًا من المخلوقات فالمعنى صحيح وإن كان اللفظ بدعة.
وأما من قال: إن الله تعالى ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يرى في الآخرة، وأنه لم يتكلم بالقرآن العربي، بل القرآن العربي مخلوق، أو هو تصنيف جبريل ﵇ أو نحو ذلك، فهو مفتر على الله فيما نفاه عنه وهذا أصل ضلال الجهمية من المعتزلة ومن وافقهم على مذهبهم.
فإنهم يظهرون للناس التنزيه وحقيقة كلامهم التعطيل، فيقولون: نجن لا نجسم بل نقول: الله ليس بجسم، ومرادهم بذلك نفي حقيقة أسمائه وصفاته فيقولون: ليس لله تعالى علم ولا قدرة. ولا حياة ولا كلام ولا سمع ولا بصر. ولا يرى في الآخرة، ولا عرج بالنبي - ﷺ -، ولا تنزل منه شئ ولا يصعد إليه شئ، ولا يتجلى لشئ، ولا يقرب إلى شئ، ولا يقرب منه شئ، وأنه لم يتكلم بالقرآن بل القرآن مخلوق أو هو كلام جبريل ﵇، وأمثال ذلك من مقالات المعطلة الفرعونية الجهمية، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام ١٠٣] أى لا تحيط به.
[ ٤٤٧ ]
فكما أنه يعلم ولايحاط به علمًا، فكذلك هو سبحانهن يرى ولا يحاط به رؤية فهو سبحانه نفى الإدراك ولم ينف الرؤية، ونفى الإدراك يدل على عظمته تعالى، وأنه من عظمته لا يحاط به. واما نفى الرؤية فلا مدح فيه فإن المعدومات لا ترى، ولا مدح لشئ من المعدومات، بل المدح إنما يكون بالأمور الثبوتية لا بالأمور العدمية، وإنما يحصل المدح بالعدم إذا تضمن ثبوتًا، كقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة ٢٥٥] . فنزه سبحانه نفسه عن السنة والنوم، لأن ذلك يتضمن كمال حياته وقيوميته، كما قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذى لا يموت﴾ [الفرقان ٥٨] فهو سبحانه حي لا يموت، قيوم لا ينام، وكذلك قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا السماوات والأرض في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق ٣٨] فنزه نفسه المقدسة عن مس اللغوب وهو الإعياء والتعب، ليتبين كمال قدرته.
فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، موصوف بالحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر والكلام. منزه عن الموت والجهل والعجز والصم والبكم.
وهو سبحانه لا مثل له في شئ من صفات الكمال. وهو منزه عن كل نقص وعيب، فإنه قدوس سلام، تمتنع عليه النقائص والعيوب بوجه من الوجوه. وهو سبحانه لا مثل له في شئ من صفات كماله، بل هو الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
وهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ - من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينزهونه عما نزه عن نفسه من مماثلة المخلوقات - إثبات بلا تمثيل، وتنزيه
[ ٤٤٨ ]
بلا تعطيل، قال عز شأنه: ﴿ليس كمثله شئ وهو السميع البصير﴾ [الشورى ١١] فقوله ﴿ليس كمثله شئ﴾ رد على الممثلة، وقوله تعالى ﴿وهو السميع البصير﴾ رد على المعطلة.
قال بعض العلماء: المعطل بعبد عدما، والممثل بعبد صنما. المعطل أعمى، والممثل أعشى، ودين الله سبحانه بين الغالى فيه والجافي عنه، وقد قال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة ١٤٣] والسنة في الإسلام كالإسلام في الملل، وأهل السنة وسط في الصفات بين أهل التمثيل وأهل التعطيل، وهذا هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. فنسأل الله تعالى العظيم أن يجعلنا وسائر إخواننا منهم - وصلى الله تعالى وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين. أهـ.
[كلام ابن تيمية في العرش وإحاطة الله بمخلوقاته]
تنبيه
وقد سئل عليه الرحمة أيضًا عن العرش، هل هو كرى أم لا، فإذا كان كريًا والله من ورائه محيط به، بائن عنه، فما فائدة توجه العبد إلى الله سبحانه حين الدعاء والعبادة فبقصد العلو دون غيره، إذ لا فرق حينئذ بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التى تحيط بالداعى، ومع هذا نجد في قلوبنا قصدًا يطلب العلو لا يلتفت يمنه ولا يسره فأخبرنا عن هذه الضرورة التى نجدها في قلوبنا وقد فطرنا عليها؟.
فأجاب بجواب مفصل، قد كشف فيه هذا المفصل ولنذكر بعضا منه على وجه التخليص والاختصار، فقد يكتفى بالتهتان عن الوابل المدرار. فنقول: قال عليه الرحمة: إنه لقائل أن يقول: لم يثبت بدليل يعتمد أن العرش فلك من الأفلاك المستديرة الكرية، وإنما ذكره طائفة من المتأخرين
[ ٤٤٩ ]
الذين نظروا في علم الهيئة فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع هو الأطلس محيط بها، وهو الذى يحركها الحركة المشرقية، وغن كان لكل فلك حركة تخصه،ثم سمعوا في أخبار الأنبياء ذكر عرش الله سبحانه وكرسيه والسماوات السبع فقالوا بطريق الظن. إن العرش هو الفلك التاسع، لاعتقادهم أنه ليس وراء ذلك شئ - إما أنه ليس وراءه مخلوق.
ثم إن منهم من رأى أنه هو الذى يحرك الأفلاك كلها فجعلوه مبدأ الحوادث، وربما سماه بعضهم الروح أو النفس، وجعله بعضهم في اللوح المحفوظ، وبعض الناس أدعى أنه علم ذلك بطريق الكشف.
وذلك غير صحيح، بل أخذه عن هؤلاء المتفلسفة كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
والأخبار تدل على أن العرش مباين لغيره من المخلوقات وأنه قبل السموات والأرض فقد ثبت في صحيح البخاري أنه - ﷺ - قال: «كان الله ولم يكن شئ غيره على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض وأن له قوائم» كما في حديث أبي سعيد: «فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش» وقد استدل من قال إنه مقبب بما رواه أبو داود من قوله ﵊: «وأن الله تعالى على عرشه، وأن عرشه على سمواته وسمواته فوق أرضه هكذا - وقال بأصبعه - مثل القبة» وهذا لا يدل على أنه فلك من الأفلاك ولا مستدير مثل ذلك.
لكن القبة يستلزم استدارة من العلو لا من جميع الجوانب إلا بدليل منفصل ولفظ الفلك يستدل به على الاستدارة مطلقًا كما قال ابن عباس في «وكل في فلك» في فلكة مثل فلكة المغزل وأما لفظ القبة فإنه لا يتعرض لهذا المعنى لا بنفي ولا إثبات لكن يدل على الاستدارة من العلو.
[ ٤٥٠ ]
واعلم أن العرش سواء كان هذا الفلك التاسع أو جسمًا محيطًا به أو كان فوقه من جهة وجه الأرض محيط به أو قيل فيه غير ذلك في غاية الصغير كما قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ [الزمر:٦٧] .
(وفي الصحيحين) عن النبي ﷺ أنه قال: «يقبض الله ﵎ يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» .
(وفي الصحيحين) عن عبد الله بن عمر عنه عليه الصلاة السلام أنه قال: «يطوى السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون! أين المتكبرون! ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون! اين المتكبرون!» وفي لفظ: وبتميل رسول الله - ﷺ - على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفله شئ. وفي رواية أخرى قال: قرأ على المنبر ﴿والأرض جمعيًا قبته يوم القيامة الآية. قال: «مطوية في كفه يرى بها كما يرمى الغلام بالكرة» ففي هذه الأحاديث وغيرها المتفق على صحتها ما يبين أن السموات والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمته ﷿ أصغر من أن تكون مع قبضة لها إلا كالشي الصغير في يد أحدنا حتى يدحوها كما تدحى الكرة.
[أسماء الله وصفاته توقيفية دون زيادة ولا نقصان]
ثم قال في الجواب: فما وصف الله تعالى من نفسه وأسمائه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه ولم نتكلف علم سواه فلا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف وإذ كان كذلك فهو قادر على أن
[ ٤٥١ ]
يقبضها ويدحوها كالكرة وفي ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى وإن شاء لم يفعل.
وبكل حال فهو مباين لها ليس بمجانب لها
ومن المعلوم أن الواحد منا - والله المثل الأعلى - إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته فهو في الحالين مباين لها.
وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها أم قيل إنه فوقها وليس محيطها بها كوجه الأرض الذي نحن عليها بالنسبة إلى جوفها وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها أو غير ذلك فعلى التقدير يكون العرش فوق المخلوقات والخالق سبحانه فوقه والعبد في توجهه إليه ﷿ يقصد العلو دون التحت.
وتمام هذا البحث بأن يقال: لا يخلو إما أن يكون العرش كريا كالأفلاك ويكون محيطها بها وإما أن يكون فوقها وليس بكرى فإن كان الأول فمن المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الأفلاك مستديرة كرية وأن الجهة العليا هي جهة المحيط وهو الحدود وأن الجهة السلفى هي المركز.
وليس للأفلاك إلا جهتان: العلو والسفل فقط، وأما الجهات الست فهي للحيوان فإن له ست جوانب: يؤم جهة فتكون أمامه ويخلف أخرى فتكون خلفه وجهة تحاذى شماله وجهة تحاذى يمينه وجهة تحاذى رأسه وجهة تحاذى رجليه.
وليس لهذه الجهات الست في نفسها صفة لا زمة بل هي بحسب النسبة والإضافة فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا لكن جهة العلو السفل للأفلاك لا تتغير فالمحيط هو
[ ٤٥٢ ]
العلو والمركز هو السفل مع أن وجه الأرض التي وضعها الله تعالى للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس والبهائم وغيرهما.
فأما الناحية الأخرى منها فالبحر محيط بها وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم ولو قدر أن هناك أحدًا لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة ولا من في هذه تحت من في هذه كما أن الأفلاك محيطة بالمركز وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر تحت ولا القطب الشمالي تحت الجنوبي ولا بالعكس وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا بحسب بعد الناس عن خط الاستواء.
فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلا كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة وهو الذي يسمى عرض البلد. فكما أن جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستدير ليس بعضها فوق بعض ولا تحته، فكذلك من يكون على الأرض لا يقال إنه تحت أولئك، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان وهو تحت إضافي، كما لو كانت نملة تمشى تحت سقف فالسقف فوقها وإن كانت رجلاها تحاذيه.
وكذلك من علق منكوسًا فإنه تحت السماء وإن كان رجلاه تلى السماء. وكذلك قد يتوهم الإنسان إذا كان في أحد جانبي الأرض أو الفلك أن الجانب الآخر تحته، وهذا أمر لا يتنازع فيه أثنان ممن يقول: إن الأفلاك مستديرة، وهذا كما انه قول اهل الهيئة والحساب فهو الذى عليه علماء المسلمين، كما ذكره أبو الحسين المناوي، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزى، وغيرهم، وهو المأخوذ من قول ابن عباس وغيره.
ومن ظن أن من يكون في الفلك من ناحية يكون من في الفلك من الناحية الأخرى في نفس الأمر فهو متوهم عندهم.
فإذا كان الأمر كذلك، فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات
[ ٤٥٣ ]
كان هو أعلاها وسقفها، وهو فوقها مطلقًاُ فلا يتوجه إليه وإلى ما فوقه الإنسان إلا من العلو. ومن توجه إلى الفلك الثامن أو التاسع مثلًا من غير جهة العلو بانفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش، أو إلى ما فوقه ! .
وغاية ما يقدر أن يكون كرى الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله، فإن السماوات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا.
وأما قول القائل: إذا كان كريًا والله من ورائه محيط بائن عنه فما فائدة التوجه إلى العلو دون التحت، ومع هذا نجد في قلوبنا قصد العلو؟ فيقال: هذا إنما ورد لتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الأرض وتحت ما على وجه الأرض من الآدميين والبهائم.
وهذا غلط، فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة، فكان يلزم أن يكون تحت الأرض مطلقًا. وهذا قلب للحقائق إذ الفلك هو فوق الأرض مطلقًا.
وأهل الهيئة يقولون: لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقى في الخرق شء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهى إلى المركز، حتى لو ألقى من تلك الناحية جحر آخر لالتقيا جميعًا في المركز، أى الذى هو النقطة المتوسطة في كرة الأرض.
ولو قدر إن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجر لا لتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت الآخر، بل كلاهما فوق المركز وكلاهما تحت الفلك. وإذا كان مطلوب أحد ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، لأن مطلوبه من تلك الجهة أقرب، لأنه لو قدر أن رجلًا أو ملكًا يصعد إلى السماء كان صعوده مما يلى، ولا يقول عاقل إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك
[ ٤٥٤ ]
الناحية أو يدهب يميناص أو شمالًا ثم يصعد. ولو أن رجلًا أراد مخاطبة القمر فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة العليا، مع أنه قد يشرق ويغرب، فكيف بما هو فوق كل شئ لا يأفل ولا يغيب. ﷾! وكما أن حركة الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق وهو الخط المستقيم، فالطلب الإدارى الذى يقوم بقلوب العباد، كيف يعدل عن الصراط المستقيم - إلى أن قال: وحديث الإدلاء الذى رواه أبو هريرة، وأبو ذر، قد رواه الترمذى وغيره من حديث الحسن عن أبي هريرة وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع، فإن كان ثابتًا فمعناه موافق لهذا. فإن قوله ﵊: «لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله» إنما هو تقدير مفروض: أى لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلى احد على الله ﷿ شيئًا، لأنه عال بالذات. وإذا أهبط شئ إلى جهة الأرض وقف في المركز.
والمقصود بيان إحاطة الخالق سبحانه، كما بين انه يقبض السماوات ويطوى الأرض، ونحو ذلك مما فيه من بيان إحاطته تعالى، ولهذا قرا في تمام الحديث: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم﴾ [الحديد ٣] . وهذا كله على تقدير صحته، فإن الترمذى لما رواه قال: وفسره بعض اهل العلم بانه هبط على علم الله. وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن فيه ما يدل على زعمه الباطل، من أنه سبحانه حال بذاته في كل مكان، أو أن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك. وكذلك تاويله بالعلم غير مستقيم، بلى على تقدير ثبوته، فالمراد به الإحاطة، ونحن لا نتكلم إلا بما نعلم، وما لم نعلمه أمسكنا عنه، وقد فطر الله تعالى الناس على التوجه في الدعاء إلى جهة العلو، وقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التى فطر الناس عليها﴾ [الروم ٣] فجاءت الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة.
[ ٤٥٥ ]
وقد ثبت في الصحيحين أنه - ﷺ - قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره أو تحت رجله» وفي رواية «إنه أذن أن يبصق في ثوبه» وفي حديث أبي رزين المشهور لما أخبر - ﷺ - «أنه ما من أحد إلا سيخلو به ربه» فقال له أبو رزين: كيف يسعنا يا رسول الله وهو واحد ونحن جمع؟ فقال: «سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله تعالى، هذا القمر آية من آيات الله تعالى كلكم يراه مخليًا به فالله أكبر» وفي الصحيحين «لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة أولا ترجع إليهم أبصارهم» . واتفق العلماء أن رفع المصلى بصره إلى السماء منهي عنه.
وروى محمد بن سيرين أن النبي - ﷺ - كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى نزل: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده.
فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلًا للفطرة، لأن الداعى المأمول بالذل لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه، خلافًا للجهمية الذين لا يفرقون بين العرش وقعر البحر، وقد قال تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة ١٤٤] .
[ما روى في الحجر الأسود أنه يمين الله وتأويله]
ثم بين تأويل «الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه» وقال: قد ظنوا أن هذا وأمثاله محتاج إلى التأويل، وهذا وهم، لأنه لو كان هذا اللفظ ثابتًا عن النبي - ﷺ - فإنه صريح في أن الحجر ليس هو من صفاته تعالى، وتقييده بالأرض يدل على أنه ليس هو يده على الإطلاق، فلا تكون اليد حقيقية.
[ ٤٥٦ ]
وقوله: «فكأنما صافح الله تعالى» إلخ. صريح في أن المصافح ليس مصافحًا له تعالى، لأن المشبه ليس هو المشبه به - إلى أن قال ٠ فهذا كله بتقدير كرية العرش وأما إذا قدر أنه ليس بكرى الشكل بل هو فوق العالم من الجهة التي هي وجه الأرض وأنه فوق الأفلاك الكرية كما أم وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري أو غير ذلك ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه فعلى كل تقدير لا يتوجه إلى الله تعالى إلا إلى العلو مع كونه على عرشه مباينًا لخلته وعلى ما ذكرناه لا يلزم شيء من المحذور والتناقض.
وهذا يزيل كل شبهة تنشأ عن اعتقاد فاسد وهو أن يظن أن العرش إذا كان كريا والله تعالى فوقه كما تقضيه ذاته سبحانه عن مشابهة المخلوقين وجب فيما عند الزاعم أن يكون سبحانه كريًا ثم اعتقد أنه إذا كان كريًا فيصبح التوجه إلى ماهو كرى كالفلك التاسع من جميع الجهات وهذا خطأ فإن القول بأن العرش كرى لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها وفي أقدارها أو صفاتها بل قد تبين أنه سبحانه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده أصغر من الحمصة في يد أحدنا.
فإذا كانت الحمصة مثلًا في يد الإنسان أو تحته أو نحوه ذلك هل يتصور عاقل إذا استشعر علو الانسان على ذلك وإحاطته بأن يكون الانسان كالفلك فالله تعالى وله المثل الأعلى أعظم من أن يظن به ذلك وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق والأرض جمعيًا قبضته يوم القيامة السموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون وإذا لم يكن كريًا فالأمر ظاهر مما تقدم.
وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة والله تعالى أعلم. اهـ
وقد أطنب هو وتلميذه العلامة ابن القيم في إثبات جهة العلة بأدلة شرعية
[ ٤٥٧ ]
وعقلية في تصنيفات مخصوصة سنية وقد أسلفنا لك شيئًا من ذلك فتدبره سالكا أحسن المسالك بحوله سبحانه وتوفيقه.
[عقيدة الشيخ عبد القادر الكيلاني]
وقال القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني في كتابه «الفنية» في باب معرفة الصانع ما بعضه: واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد ﴿ليس كمثله شئ وهو السميع البصير﴾ لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا شريك. ليس بجسم فيمن، ولا بجوهر فيحس، ولا عرض فيقضى، ولا ذى تركيب أو آلة أو تأليف، أو مائية وتحديد، ولا طبيعة من الطبائع، ولا طالع من الطوالع، ولا ظلمة تظهر، ولا نور يزهر.
هو حاضر الأشياء علمًا، شاهد من غير مماسة.
وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ خلق الخلائق وأفعالهم - إلى قال - يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، يحب ويكره، ويبغض ويرضى ويغضب ويسخط، يرحم ويغفر، يعطي ويمنع. له يدان وكلتا يديه يمين قال جل وعلا: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ .
وروى نافع عن ابن عمر - ﵁ - قال: قرأ رسول الله - ﷺ - على المنبر ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ وقال: «تكون في يمينه يرمى بها كما يرمى الغلام بالكرة، ثم يقول أنا العزيز» قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتحرك على المنبر حتى كان يسقط.
قال ابن عباس - ﵁ -: يقبض الأرضين والسماوات جميعًا، فلا يرى طرفها من قبضته. وعن أنس بن مالك عن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «المقسطون يوم القيامة على
[ ٤٥٨ ]
منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» وخلق آدم ﵇ بيده على صورته، وغرس جنة عدن بيده، وغرس شجرة طوبي بيده، وكتب التوراة بيده، ناولها موسى من يده إلى يده، وكلمه تكليمًا من غير واسطة ولا ترجمان، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويوعيها مااراد، والسماوات والأرض يوم القيامة في كفه، كما جاء في الحديث: «ويضع قدمه في جهنم فينزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط قط»، ويخرج قوم من النار بعده، وينظر أهل الجنة في وجهه ويرونه ولا يضامون في رؤيته ولا يضارون كما جاء في الحديث «يتجلى لهم ويعطيهم ما يتمنون» وقال عز من قائل: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس ٣٦] قيل: الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم.
وقال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، يتولى حسابهم بنفسه، ولا يتولى ذلك غيره. وان الله تعالى خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، ومن الأرض العليا إلى السماء الدنيا خمسمائة عام. وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه سبعون ألف حجاب من نور وظلمه وما هو أعلم به. وللعرش حملة يحملونه، قال الله ﷿: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ [غافر ٧] .
وللعرش حد يعلمه الله تعالى ﴿وترى الملائكة حافين حول العرش﴾ [الزمر ٧٥] وهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، ولا يخلو من علمه مكان ولا يجوز وصفه بانه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش أستوى﴾ وقال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ والنبي - ﷺ - بإسلام الأمة لما قال لها:
[ ٤٥٩ ]
أين الله؟ فأشارت إلى السماء: قال - ﷺ -: «لما قضى الله سبحانه الخلق كتب كتابًا على نفسه وهو عنده فوق العرش: إن رحمتى سبقت غضبي» وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى العلو، كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك، وقد روى عن أم سلمه زوج النبي - ﷺ - في قوله ﷿ ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به واجب، والجحود به كفر.
وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي - ﷺ - في صحيحه.
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قبل موته بقريب: أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه، ولا تعطيل. وقال أيضًا في رواية بعضهم: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شئ من هذه الأماكن في كتاب الله ﷿ أو حديث عن النبي - ﷺ -، أو عن أصحابه ﵄ أو عن التابعين.
فإما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود، فلا يقال في صفات الرب ﷿: كيف ولم؟ لا يقول ذلك إلا شاك.
وقال أحمد في رواية عنه: نحن نؤمن بان الله تعالى على العرش كيف يشاء وكما شاء، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحدها حاد، لما روى عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار قال: قال الله تعالى في التوراة: «أن الله فوق عبادى وعرشي فوق جميع خلقى، وأنا على عرشي أدبر عبادي، ولا يخفى على شئ
[ ٤٦٠ ]
من عبادي» .
وكونه ﷿ على العرش مذكور في كل كتاب انزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات بعد ما أخبرنا به وأكده في سبع آيات من كتابه والسنة الماثورة به، وهو صفة لازمة له ولائقة به كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا، موصوف بها، ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله ﷿. كما قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله تعالى نفسه في كتابه فتفسيره قراءته ولم نتكلف غير ذلك، فغنه غيب لا مجال للعقل في إدراكه. وانه تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف يشاء وكما يشاء. فيغفر لمن أذنب. ولا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما أدعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها مارواه الصديق - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: «ينزل الله ﷿ ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل نفس إلا الإنسان في قلبه شحناء أو شرك بالله ﷿» .
وقال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل له: كيف صعد؟ وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب ينزل، فقل له: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء - أنتهى باقتصار.
فتبين منه أن عقيدة الشيخ الجيلاني نفعنا الله تعالى بعلومه طبق عقيدة الشيخ ابن تيميه، وكذا سائر الحنابلة. والشيخ عبد القادر قدس سره من رؤسائهم كما هو المشهور في كافة التواريخ والطبقات، وهو المؤيد لمذهب الإمام أحمد، والمروج له في عصره بالعراق وسائر الآفاق. وأن ما نقله الشيخ ابن حجر في فتاواه عن الشيخ نجم الدين من رجوعه عن هذه العقيدة المحررة لا يعول عليه، لعدم وجود برهان على ما ذكره.
وكذا لا عبرة بما صنعه بعض العلماء الخلفيين من رفع هذا البحث من كتاب
[ ٤٦١ ]
الفنية. لأن نقل هذه العقيدة عنه قدس سره مستفيض في كثير من كتب المؤلفين وزبر المتقدمين. واله سبحانه الموفق للحق المبين.
[عقيدة الأشعري]
روى غير واحد من المصنفين عن الشيخ أبي الحسن الأشعرى أنه قال: كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وهو آخر كتاب صنفه، وعليه تعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه ما نصه:
فصل
في إبانة قول أهل الحق والسنة
فإن قال قائل: قد أنكر قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى بها تدينون؟ قيل له: قولنا الذى نقول به ودينانتنا التى ندين بها التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا - ﷺ -. وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون. وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل نصر الله وجهه، ورفع درجته قائلون. ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل. والرئيس الكامل الذى أبان الله تعالى به الحق ودفع الضلال، وأوضح المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله تعالى عليه من إمام مقدم. وجليل معظم، وكبير مفخم.
وجملة قولنا: إنا نقر بالله تعالى وكتبه ورسله. وبما جاء من عند الله تعالى ومما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ -، لا نرد من ذلك شيئًا، وأنه واحد لا إله إلا هو. فرد صمد. لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا وإن محمدًا عبده ورسوله. أرسله بالهدى ودين الحق. وأن الجنة حق. وأن النار حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله
[ ٤٦٢ ]
تعالى مستو على عرشه، كما قال ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وأن له وجهًا، كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ وأن له يدين بلا كيف كما قال ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تجرى بأعيينا﴾ وان من زعم أن أسماء الله تعالى غيره كان ضالًا. وندين بأن الله تعالى يقلب القلوب بين أصبعين من اصابع الله ﷿، يضع السماوات على اصبع، والأرضين على اصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله - ﷺ -. وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله - ﷺ - التى رواها الثقات عدلًا عن عدل، ونصدق بجميع الروايات التى رواها وأثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا. وأن الرب ﷿ يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافًا لأهل الزيغ والتضليل. ونقول: إ، الله تعالى يقرب من عباده كيف يشاء، كما قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾، وكما قال: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ أنتهى ملخصًا.
ونقل الشيخ إبراهيم في كتابه «إمداد ذوى الاستعداد» عن الحافظ ابن حجر العسقلاني أنه قال في فتح البارئ شرح صحيح البخاري ما نصه:
وأخرج أبو القاسم اللائكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أم سلمه - ﵁ - أنها قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
ومن طريق ربيعة بن عبد الرحمن أنه سئل: كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله تعالى إرساله وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
[ ٤٦٣ ]
وأخرج البيهقى بسند جيد عن الوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى على عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته سبحانه.
ومن وجه آخر عن الأوزاعي قال في الجواب: هو كما وصف نفسه.
وأخرج الببيهقى عن طريق يحي قال: كنا عند مالك بن أنس رحمه الله تعالى فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرخصاء. ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وأسند اللائكائي عن محمد بن الحسن الشيهاني قال: اتفق الفقهاء من المشرق إلى المغرب عن أن الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التى جاء بها الثقات عن رسول الله - ﷺ - في صفة الرب سبحانه من غير تشبيه ولا تعطيل. قال الحافظ ابن حجر عليه الرحمة: والآثار عن السلف الصالح كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل. ثم قال:
وقال إمام الحرمين في (الرسالة النظامية): اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آى الكتاب وما يصح من السنة. وذهب أئمة السلف الصالح إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها وتقويض معانيها إلى الله ﷿.
والذى نرتضيه رأيًا وندين الله تعالى به عقيدة أتباع سلف الأمة للدليل القاطع أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتما لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الاضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع. أهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث وغيرهم، وهم فقهاء الأمصار كالثورى والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم، وكذا أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يوثق بما أتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة - ﷺ -. أهـ.
[ ٤٦٤ ]
ونقل عن الشيخ محيى الدين بن عربي، كما نقله عنه تلميذه ابن سودكين في شرح التجليات أنه قال: ولا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع، لكونها لا تطابق دليله العقلى كأخبار النزول وغيره، لأنه لو خرج الخطاب عما وضع له لما كان بالخطاب فائدة، وقد علمنا أنه ارسل ليبين للناس ما نزل إليهم ثم رأينا النبي - ﷺ - مع فصاحته وسعة علمه وكشفه، لم يقل لنا إنه ينزل رحمته. ومن قال ينزل رحمته فقد حمل الخطاب على الأدلة العقلية، والحق تعالى ذاته مجهولة فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين.
والعرب تفهم نسبة النزول مطلقًا، فلا تقيده بحكم دون حكم خصوص. وقد تقرر عندها أنه تعالى ليس كمثله شئ فيحصل لها المعنى مطلقًا منزهًا. أهـ. وقال ابن الشحنة الحنفى في شرح الوهبانية ما نصه: وما ورد من النصوص الظاهرة في الجسمية والصورة والجوارح نفوض علمها إلى الله على ما هو دأب السلف إيثارًا للطريق الأسلم. أو نؤثرها تأويلات صحيحة على ما أختاره المتأخرون دفعًا عن الجاهلين، وجذبًا لضبع العاجزين، وسلوكًا للسبيل الأحكم. وحكى والدى رحمه الله تعالى عن بعض المحققين: أن مذهب السلف أسلم وأحكم، والله تعالى أعلم. أهـ وقال جلال الدين الأسيوطي عليه الرحمه: [مجزوء الكامل] .
فوض أحاديث الصفا ت ولا تشبه أو تعطيل
إن رمت إلا الخوض في تحقيق معضلة فأول
إن المفوض سالم مما تكلفه المؤول
ونقل الخفاجي في شرح الشفاء عن الدارقطني في حديث: أن المقام المحمود للنبي - ﷺ - هو أن يجلسه معه تعالى على العرش ما نصه: [متقارب] .
حديث الشفاعة عن أحمد إلى أحمد المصطفى بسند
وجاء الحديث بإقعاده على العرش أيضًا ولا يجحد
أمروا الحديث على وجهه ولا تدخلوا فيه ما يفسد
[ ٤٦٥ ]
ولا تنكروا أنه قاعد ولا تنكروا أنه يقعد. أهـ
وقال الشيخ الكوراني في (شرح القشاشية) ما نصه: مذهب السلف كما هو الأسهل والأسلم، كذلك هو الأتقن والأحكم، إذ لا خلل فيه ولا خطر أصلًا. وأما صاحب التأويل بمجرد النظر الفكرى فهو على خطر، لأنه ليس على يقين في أنه أصاب، لبقاء الاحتمال عنده إن كان حاذقًا منصفًا، فالأولى بالناصح نفسه أن لا يسلك طريق التأويل بمجرد النظر العقلى، فإن الأمر وراء طور العقل، وفوق حده الذى حده الله تعالى له. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، في (فتح البارى): أخرجه ابن أبي حاتم في مناقب الإمام الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الإمام الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر، فيثبت هذه الصفات وينفى عنه التشبيه، كما نفى سبحانه عن نفسه فقال: ﴿ليس كمثله شئ﴾ . أهـ.
ولكن لما وقع الخوض في التأويل، كما ترى، واتسع الخرق على الراقع، لم ينجح النصح باتباع طريق السلف إلا فيمن شاء الله تعالى، وقليل ماهم. أنتهى.
(قلت): ويعجبني ما قاله علامة عصرنا، ومفتى مصرنا، من جارى الرافعى والنواوى محمد أفندى الشهير بالزهارى، ونصه: [مجزوء الرمل]
وقصارى أمر من أو ل أن ظنوا طنونا
فيقولون على الرحـ من ما لا يعلمونا
وكذا ما قاله عصرينا أشعر أدباء زمانه ذو الفضائل المسلمة عبد الباقى أفندى الفاروقي عليه الرحمة وهو: [طويل]
على عرشه الرحمن سبحانه استوى كما أخبر القرآن والمصطفى روى
[ ٤٦٦ ]
وذاك استواء لائق بجنابه وابرأ من قولى له العرش قد حوى
فمن قال مثل الفلك كان استواؤه على الجبل والجودى من شاهق هوى
ومن يتبع ما قد تشابه يبتغي به فتنة أو يبغ تاويله غوى
فلم اقل استولى ولست مكلفًا بتأويله كلًا ولم أقل احتوى
ومن قال لى كيف استوى ولا أجيبه بشئ سوى أنى أقول له استوى. أهـ
[ابن تيمية لم يكن بدعًا من الأئمة حينما رأى ما رأى]
وقد تبين لك واتضح ما روى به السنة المرضية، ووافق أقوال الأئمة، وذهب إلى ما ذهب إليه كثير من علماء الأمة. فلا لوم عليه في ذلك عند المنصفين، ولا ينسب إليه الابتداع في الدين، فتأويله وكن من المستغفرين لما ولنفسك وللعلماء السالفين، رحمهم الله تعالى وإيانا أجمعين. وبه ايضًا تبين عدم صحة الشيخ ابن حجر عن الشيخ ابن تيميه أنه يقول: إنه سبحانه يقدر العرش وعدم الاعتبار بقوله. ويلزم أهل هذا المذهب الجسمية إلى آخره.
ولنزدك توضيحًا لبيان أن لازم المذهب ليس بمذهب، كما أفصحت عنه عبارات المحققين، وتنبيهات السلفيين، والخلفيين، فقد قال فريد عصره العز بن عبد السلام الشافعي في قواعده الكبرى ما بعضه:
وكذلك أختلف الناس، أهو في جهة؟ أم لا جهة له؟ وكل هذا مما يطول النزاع فيه ويعسر الوقوف على ادلته.
وقد تردد أصحاب الأشعرى رحمهم الله تعالى في القدم والبقاء أهما من صفات السلب؟ أم من صفات الذات؟ وقد كثرت مقالات الأشعرى حتى جمعها ابن فورك في مجلدين، وكل ذلك مما لا يمكن تصويب المجتهدين فيه، بل الحق مع واحد منهم م، والباقون مخطئون خطأ معفوًا عنه لمشقة الخروج
[ ٤٦٧ ]
منه، ولا سيما معتقد الجهة، فإن اعتقاده موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا مغفل من العالم، ولا متصل به ولا داخل فيه ولا خارج عنه. لا يهتدى إليه أحد بأصل الخلقة في العادة، ولا يهتدى إليه إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك، عسرة الفهم، فلأجل هذه المشقة عفا الله تعالى عنها في حق العامة، ولذلك كان - ﷺ - لا يلزم أحدًا ممن أسلم بالبحث عن ذلك، بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه.
وقد رجع الأشعرى عند موته عن تكفير أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلًا بالمواصفات.
[لازم المذهب ليس بمذهب]
فإن قيل: يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه في جهة أن يكون حادثًا. قلنا: لازم المذهب ليس بمذهب، لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة، وجازمون بأنه قديم أزلى ليس بمحدث، فلا يجوز أن ينسب إلى مذهب من يصرح بخلافة، وإن كان لازمًا من قوله. والعجب أن الأشعرية أختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء، والوجه واليدين. وفي الأحوال كالعالمية والقادرية. وفي تعدد الكلام وإيجاده، ومع ذلك لا يكفر بعضهم بعضًا. واختلفوا في تكفير نفاة الصفات. أهـ.
وقال العلامة ابن القيم من كلام طويل في كتاب (الروح) ما نصه: وأما السلام على أهل القبور وخطابهم، فلا يدل على أن أرواحهم ليست في الجنة، وأنها على أفنية القبور فهذا سيد ولد آدم ﵊ الذى روحه في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى يسلم عند قبره ويرد سلام الملمين عليه.
وقد وافق ابن عمر رحمه الله تعالى على أن أرواح الشهداء في الجنة، ويسلم عليهم عند قبورهم، كما يسلم على غيرهم، كما علمنا النبي - ﷺ - أن نسلم عليهم. وكما كان الصحابة يسلمون على شهداء أحد،
[ ٤٦٨ ]
وقد ثبت أن أرواحهم في الجنة تسرح حيث تشاء كما تقدم.
ولا يضيق عطئك عن كون الروح في الملأ الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت، وتسمع سلام المسلم عليها عند القبر، وتدنو حتى ترد ﵇.
وللروح شأن آخر غير شان البدن. وهذا جبريل صلوات الله تعالى عليه وسلامه، رآه النبي - ﷺ - وله ستمائة جناح، منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب وكان يدنو من النبي - ﷺ - حتى يضع ركبتيه ويديه على فخديه. وما أظنك يتسع بطانك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السماوات حيث هو مستقره، وقد دنا من النبي - ﷺ - هذا الدنو، فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له وأهلت لمعرفته.
ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو ضيق أن يتسع للإيمان الإلهي إلى سماء الدنيا كل ليلة، وهو فوق سماواته على عرشه، لا يكون فوقه شئ ألبته، بل هو العالى على كل شئ، وعلوه من لوازم ذاته. وكذلك دنوه عشية عرفة من أهل الموقف. وكذلك مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه وإشراق الأرض بنوره.
وكذلك مجيئه إلى الأرض حين دحاها وسواها ومدها وبسطها وهيأها لما يردا منها. وكذلك مجيئه إليها قبل يوم القيامة حين يقبض من عليها ولا يبقى أحد، كما قال النبي - ﷺ -: «فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد» هذا، وهو فوق سماواته على عرشه. أهـ.
وقد أطال في بحث الروح، وأنها تكون في السماوات في أعلى عليين وترد إلى القبر فترد السلام، وتعلم بالمسلم وهي في مكانها هناك. فإن أردت تكميل البحث فارجع إليه. والمراد هنا: إن ابن القيم ايضًا كشيخه ابن
[ ٤٦٩ ]
تيميه لم يقل أيضًا بالانتقال والحركة اللازميين للأستواء والنزول، بل ذهب إلى الإيمان بذلك مع نفي اللوازم فلا تغفل. وقال أيضًا في نونيته ما بعضه [كامل] .
واحذر حكايات لأرباب الكلا م عن الخصوم كثيرة الهذيان
فكموا بما ظنوه يلزمهم فقا لوا ذاك مذهبهم بلا برهان
كذبوا عليهم باهتين لهم بما ظنوا يلزمهم من البهتان
فحكى المعطل عن اولى الإثبات قو لهم بان الله ذو جثمان
وحكى المعطل أنهم قالوا بأ ن الله ليس يرى لنا بعيان
وحكى المعطل أنهم قالوا يجو ز كلامه من غير قصد معاني
وحكى المعطل أنهم قالوا بتحـ ييز الإله وحصره بمكان
وحكى المعطل أنهم قالوا الـ أعضاء جل الله من بهتان
وحكى المعطل أن مذهبهم هو القشـ بيه للخلاف بالإنسان
وحكى المعطل عنهم ما لم يقو لوه ولا أشياخهم بلسان
ظن المعطل أن هذا لازم فلذا أتى بالزور والعدوان
فعليه في هذا معاذير ثلا ث كلها متحقق البطلان
ظن اللزوم وقذفهم بلزومه وتمام ذاك شهادة الكفران
يا شاهدًا بالزور ويلك لم تخف يوم الشهادة سطوة الديان
يا قائل البهتان غط لوازمًا قد قلت ملزماتها ببيان
والله لازمها انتفاء الذات والأ وصاف والأفعال للرحمن
والله لزمها أنتفاء الدين والـ قرآن والإسلام والإيمان
ولزوم ذلك بين جدًا لمن كانت له أذنان واعيتان
والله لولا ضيق هذا النظم بيـ نت اللزوم بأوضح التبيان
[ ٤٧٠ ]
إلى أن قال:
والله لم ينقم علينا منكم أبدأ خلاف النص من إنسان
لكن خلاف الأشعرى بزعمكم وكذبتم أنتم على الإنسان (١)
كفرتم من قال ما قد قاله في كتبه حقًا بلا كتمان
هذا وخالفناه في القرآن مثـ ل خلافكم في الفوق للرحمن
فالأشعرى مصرح بالاستوا ء وبالعلو بغاية التبيان
ومصرح أيضًا بإثبات اليديـ ين ووجه رب العرش ذى السلطان
ومصرح أيضًا بإثبات الأصا بع مثل ما قد قال ذو البرهان
ومصرح أيضًا بأن لربنا سبحانه عينان ناظرتان
ومصرح ايضًا بإثبات النزو ل لربنا نحو الرفيع الداني
ومصرح بفساد قول مؤول للاستواء بقهر ذى السلطان
ومصرح أن الألى قالوا بذا التـ أويل أهل ضلالة ببيان
ومصرح أن الذى قد قاله أهل الحديث وعسكر القرآن
هو قوله يلقى عليه ربه وبه يدين الله كل أوان
لكنه قد قال إن كلامه معنى يقوم بربنا الرحمن
في القول خالفناه كفرًا وكا ن خلافكم هو مقتضى الإيمان
والله لا للأشعري تبعتم كلا ولا للنص بالأحسان. أهـ.
وأنت تعلم أن الأشعرى أيضًا قائل كالسلف بالكلام اللفظي كما تقدم تحقيقه فلا تغفل.
وفي شرح الشفاء للعلامة الشهاب الخفاجي ما نصه: واعلم أنه حكى عن الأشعري والقشيرى واصحابه، أنهم قالوا: إن النبي - ﷺ -
_________________
(١) قوله: على الإنسان، أى الإمام الأشعرى. أهـ. ومنه.
[ ٤٧١ ]
ليس بنى في قبره، وإن رسالته عليه أفضل الصلاة والسلام أنقطعت بموته. وقد شنع عليهم جماعة بذلك وقالوا بتكفيرهم. وقال السبكي: إنه افتراء عليهم، وقد كتب بذلك إلى الأفاق. وكيف يقال مع ما صح في الحديث من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم يصلون، وإنما فهم هذا عنهم الكرامية، وادعوا أنه لازم لمذهبهم، ولا زم المذهب ليس بمذهب، فإنه - ﷺ - حي في قبره، باقٍ على ما كان عليه. انتهى.
وقال العلامة العارف الشيخ إبراهيم الكوراني في شرح عقيدة القشاشي في بحث رؤية الله تعالى يوم القيامة: إن المعتزلة قد كفرت أهل السنة لقولهم برؤيته سبحانه يوم القيامة، ظنًا منهم ان ذلك يستلزم التجسيم، وهذا ظن فاسد لأن أهل السنة يثبتونها بلا كيف، ومع التنزيه عن الجسم والجهة، حتى قال في الكشاف: ثم تعجب من المتسمين بالإسلام، والمتسمين بأهل السنة والجماعة، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبًا، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات اشياخهم. والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
* لجماعة سموا هواهم سنة *
البيتين. أنتهى. وقد أفترى على أشياخ أهل السنة لأن هذا ليس من منصوبات الشياخ. بل أخرج ابن مردوية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ - في قوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾ قال: ينظرون إلى ربهم للا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة، كما نقله السيوطي في الدر المنثور. وهذا نص صريح في مذهب أهل السنة وقولهم بالبلكفة، فلا يحزنك قولهم: إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ستكتب شهادتهم ويسألون وهذا الحديث المحتج به للبلفكة له شواهد منها قوله تعالى: ﴿فلما جاءها نودى من شاطئ الوادى الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إنى أنا رب العالمين﴾ فإنه سبحانه تجلى
[ ٤٧٢ ]
وظهر في النار، كما قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أن بورك من في النار﴾ يعنى ﵎ نفسه، كأن نور رب العالمين في الشجرة، وفي رواية عنه قال: وكانت تلك النار نورًا، وكان الله تعالى في النور، ونودى موسى من النور. وقد صح «حجابه النار، وحجابه النور» والكل صحيح، فإن الله تعالى له تجلى الجلال والجمال. وإنما سمى حجابًا لكونه حجابًا على غيب الذات والهوية، فلا تشهد الذات المقدسة إلا في مظهر ومن حولها موسى والملائكة الحاضرين ثمة.
وقال بعض المحققين: المراد «بمن» هنا أيضًا هو الله تعالى، أى بورك من تجلى في النار، ومن تجلى فيما حولها من سائر الأكوان، لقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ هو صحيح أيضًا.
ولما كان التجلى في المظهر يوم التقيد بالصورة والمكان والجهة قال تعالى إزالة لهذا التوهم: ﴿وسبحان الله﴾ نزهه عن التقيد بالصورة والمكان والجهة. وإن ناداك من النار من شاطئ الوادى الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة لكونه موصوفًا بوصف رب العالمين. وما هو كذلك لا يكون ظهوره في مظهر ما موجبًا للتقيد بذلك، لأن رب العالمين له إلا الإطلاق الحقيقى الذى لا يقابله تقييد القابل لكل قيد شاء الظهور فيه، فيكون منزهًا عن التقيد بذلك في عين ظهوره فيه. ولهذا قال: يا موسى إنه - أى المنادى المتجلى في هذه البقعة المباركة أنا الله العزيز. ومقتضى العزة ان لا أكون متقيدًا بهذا المظهر، ولكنى الحكيم، ومقتضى الحكمة الظهور في صورة مطلوبك. ووجه الشهادة أن الآية قد دلت بظاهرها الذى فسرها به ابن عباس ترجمان القرآن: أن الله تعالى هو المتجلى في النار بمقتضى حكمته، وانه منزه عن التقييد بذلك لربوبيته وعزته. فإذا رؤى يرى بلا كيف يقيد، وإن ظهر في مظهر له كيف. والله أعلم.
[ ٤٧٣ ]
وقول أهل السنة: إن الله تعالى يرى بلا كيف، ومعناه: أنه تعالى لا يتقيد بكيف يقتضيه مظهر التجلى، لا أنه لا يتجلى في مظهر له الكيف اصلًا، فإن هذا مع أنه لا يصح لم يلتزمه أهل السنة، فقد قال العلامة التفتازاني في شرح المقاصد بعد تقرير جواز اختلاف الرؤيتين أى الخلق والحق في الشروط واللوازم ما نصه: وهذا هو المراد بالرؤية بلا كيف، بمعنى خلوها عن الشرائط والكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأغراض، لا بمعنى الرؤية، أى المرئي في جميع الحالات والصفات على ما يفهمه أرباب الجهالات. فيعترضون بأن الرؤية فعل من أفعال العباد، أو كسب من اكسابهم، فبالضرورة يكون من الكيفيات. انتهى.
وهذا كلام حسن يوضحه الحديث المذكور في قوله ولا محدود ولا صفة معلومة، فما نفي إلا حدًا متعينًا ينحصر فيه من له ذلك الحد لا مطلق الحد وصفته معلومة متعينة فيها الموصوف لا مطلق الصفات.
وقال الشيخ الأشعرى في الإبانة ما نصه: وأن له عينين بلا كيف. ثم قال: وغن الله يقرب من عباده كيف يشاء. انتهى.
فنفى الكيف وأثبت، والكل صحيح عند من أحاط علمًا بأن الحق ﷾ له الإطلاق الحقيقى - ثم قال الكوراني: وإن فرضنا إن أثبات الرؤية يستلزم التجسيم لم يلزم من غثباتها كفر، لأن الأصح أن لزم المذهب ليس بمذهب، بل صريح التجسيم مع البلفكة ليس بكفر، كما في شرح العقائد العضدية للجلال الدواني، ونقله ابن حجر الهيتمى في كتاب (الأعلام بقواطع الإسلام): لازم المذهب ليس بمذهب، ومن ثمة قال الأسنوى: المجسمة ملتزمون بالألوان وبالاتصال والانفصال مع انا لا نكفرهم على المشهور، كما دل عليه كلام الشرح والروضة في الشهادات. انتهى. قال: فالحاصل أن من
[ ٤٧٤ ]
نفى أو اثبت ما هو صريح في النقص كفر، وما هو ملزوم للنقص فلا. ثم قال: مشى الغزالى في كتابه «التفرقة بين الإسلام والزندقة» والعز بن عبد السلام في فتاويه وغيرهما على عدم كفر القائلين بالجهة، وقال الشيخ ابن قاسم في حاشية التحفة: قوله: «إن لازم المذهب» ظاهرة إن كان لازمًا بينًا (١) وهو ظاهر لجواز أن لا يعتقد اللازم وإن كان لزوم الجسمية لها لزوم بين. وقوله «ليس بمذهب» معناه: إنه لا يحكم به لمجرد لزومه، فإن اعتقدوه فهو مذهب، ويترتب عليه حكمه اللائق به - انتهى ما نقله.
وقال الكوراني ملخصًا: نعم، إنه قد رمى بعض الحنابلة بالتجسيم واشتهر عنهم هذا المذهب الوخيم. وردهم أصحاب مذهبهم، وبينوا زيف مطلبهم.
ومن الرادين العلامة الشهير عبد الرحمن الجوزى، فقد رأيت له رسالة في تأويل بعض الأحاديث النبوية، والتشنيع على من تعدى الطريقة الحنبلية. ومنها قوله: وانتدب للتصنيف ثلاثة: عبد الله بن حامد، وصاحب القاضي، ابن الزاغونى، فصنفوا كتبًا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فاثبتوا صورة ووجها زائدًا على الذات وعينين وفمًا ولهوات وأضراسًا وجبهة وهي السبحات، ويدين واصابع، وكفًا وخنصرًا وإبهامًا، وصدرًا وفخذًا،
_________________
(١) اللازم: ما يمتنع انفكاكه عن الشئ. واللازم الين: هو الذى يكفى تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما كالانقسام بمتساويين بين الأربعة، فإن من تصور الأربعة وتصور الانقسام بمتساويين حزم بمجرد تصورهما بأن الأربعة منقسمة بمتساويين: واللازم الغير البين: ما يحتاج إلى برهان: إن أردت تفصيل ذلك فعليك بتعريفات السيد وكليبات أبي البقاء. انتهى منه.
[ ٤٧٥ ]
وساقين ورجلين. وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا: يجوز أن يمس ويمس، ويدنى العبد من ذاته. وقال بعضهم، ويتنفس وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة، لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، لم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا ان يقولوا صفة حتى قالوا صفات ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل: يديه على نعمته وقدرته، ولا المجئ ولا الإتيان على معنى بر ولطف، ولا ساق على شدة. بل قالوا: نحملها على ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين والشئ إنما يحمل على حقيقته إذا امكن، وهو يتحرجون عن التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون: نحن أهل السنة.
وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع، وقلت لهم: يا أصحابنا، أنتم أصحاب نقل واتباع، وإمامكم الأكبر احمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل! فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه. ثم قلتم في الأحاديث: تحمل علي ظاهراه، وظاهر القدم الجارحة. فإنه لما قيل في عيسى روح اله اعتقدت النصارى أن الله سبحانه صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات.
ينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل، فإذا به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم. فلو أنكم قلتم: نقر الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم احد، إنما حملكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئًا قبيحًا حتى لا يقال: حنبلى (١) إلا مجسم - إلى أن يقال - فرأيت الرد عليهم لازمًا لئلا ينسب
_________________
(١) كذا في الأصل: ولعل «ما» ساقطة.
[ ٤٧٦ ]
الإمام إلى ذلك. وإذا سكت نسيب إلى إعتقاد ذلك، ولا يهولنى أمر عظيم في النفوس، لأن العمل على الدليل وخصوصًا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فألفتى فيها، فقيل: هذا يقول لا يقول به ابن المبارك؟ فقال: ابن المبارك لم ينزل من السماء. وقال الإمام الشافعي - ﵁ -: استخرت الله تعالى في الرد على الإمام مالك. أنتهى. وقال في آخر الرسالة في الكلام على الحديث المتمم ستين ما نصه:
روى عن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا رأيتم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن، تأتى بالرحمة وتأتى بالعذاب، فأسلوا الله تعالى خيرها، واستعيذوا بالله تعالى من شرها» فالنفس بمعنى التنفيس عن المكروب. ومثله ما رواه أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمين» يعني تنفيسه عن المكروب، بنصره أهل المدينة من جانب اليمين. وهذا شئ لا يختلف فيه المسلمون. وقال ابن حامد: رأيت بعض أصحابنا يثبتون لله تعالى وصفًاَ في ذاته بأنه يتنفس.
قال: وقالوا: الرياح الهابة مثل الرياح العاصفة والعقيم والجنوب والشمال والصبا والدبور مخلوقة إلا ريحًا من صفاته هي ذات نسيم حياتى، وهي من نفس الرحمن.
قلت: على من يعتقد بهذا اللعنة، لأنه يثبت جسدًا مخلوقًا، ما هؤلاء بمسلمين! اهـ المراد منه فليتدبر وليحفظ.
[الأقوال في آيات الصفات وأحاديثها]
فتحصل أن في آيات الصفات والأحاديث المتشابهة أقوالا: «منها» كما قال الحافظ ابن حجر في شرح الصحيح في الكلام على قوله - ﷺ -: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا»: قول مدعى الجهة وهي جهة العلو، المستدل بهذا
[ ٤٧٧ ]
الحديث ونظائره، وهو قول غير واحد من السلف والصوفية. «ومنها» قول من اجرى ذلك على ظاهرة وهم المشبهة، تعالى الله عن قولهم.
قال الحافظ: «ومنها» قول من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة.
والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث إما جهلًا وإما عنادًا. «ومنها» قول من اجراه على ما ورد مؤمنًا به على طريق الإجمال، منزهًا لله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة، والسفيانين والحمادين، والأوزاعي والليث وغيره.
«ومنها» قول من أوله على وجه يليق، مستعمل في كلام العرب.
«ومنها» قول من أفرط في التأويل، حتى كاد يخرج إلى نوع من التحريف.
«ومنها» قول من فصل بين ما يكون تاويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا.
فأول في بعض وفوض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد.
قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد. إلا أن يرد ذلك عن الصادق - ﷺ - فيصار إليه - أنتهى - فعض بالنواجذ عليه.
وإذا علمت الفكر بما حررناه ووعت أذنك ما سطرناه، أندفع ما شنع به العلامة ابن حجر على الشيخ ابن تيمية مما لم يصح به عنه اثر فمتفطن، ولا يضيق بك العطن، وهو الموفق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٤٧٨ ]
[القول في فناء النار]
(قوله: وقال إن النار تفنى) وقد شنع عليه أيضًا في كتابه الزواجر بما نصه: لا ينافي ذلك ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو: «ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها احد» وذلك بعد ما يلبثون فيها احقابًا، لأن في سنده من قالوا: إنه غير ثقة، وصاحب أكذاب كثيرة عظيمة.
نعم، نقل غير واحد هذه المقالة عن ابن مسعود وأبي هريرة. قال ابن تيميه: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وحماد بن سلمة، وبه قال على بن طلحة الوالبى، وجماعة من المفسرين. انتهى.
ويرد ما نقله الحسن البصري قول غيره، قال العلماء: قال ثابت: سألت الحسن عن هذا فأنكره، والظاهر أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يصح عنهم من ذلك شئ، وعلى التنزيل فمعنى كلامهم كما قال العلماء: ليس فيها احد من عصاة المسلمين.
وأما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم، لا يخرجون عنها ابدًا، كما ذكره تعالى في آيات كثيرة.
وفي تفسير الفخر الرازى قال: إن عذاب الله تعالى منقطع وله نهاية واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إلا ماشاء ربك) وبـ ﴿لا بثين فيها أحقابا﴾ وبأن معصية الظلم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم. انتهى مافي الرواجز. وسيتبين لك إن شاء الله تعالى تفصيل هذا المطلب، وينجلى ببسط المذاهب فيه الغيهب، فأقول:
[هل الجنة والنار موجودتان؟ وأين؟ وهل هما ابديتان؟]
أختلف أقوال المسلمين في وجود الجنة والنار الآن، وفي أبدية النار وعدم فنائها ومحلهما. فأهل السنة ذهبوا إلى أن النار كالجنة مخلوقة الآن. والمعتزلة
[ ٤٧٩ ]
إلى عدم وجودها الان، وقالوا: بل ينشئها يوم المعاد لأن خلقها الآن عبث. وتأولوا الجنة في قصة آدم ﵇. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كافية في ردهم، دامغة لرءوسهم.
واما محلهما - فالصحيح أن الجنة فوق السماء السابعة وسقفها العرش. وان النار في الأرض السابعة. وقيل: الجنة في السماء الرابعة. وقيل: كلاهما فوق السماوات. وقيل: النار تحت سبعة أبحر. وأخرج أبو الشيخ عن كعب في قوله تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ قال البحر يسجر فيصير جهنم.
وأما أبديتهما فقد قال العلامة ابن القيم في كتابه «حادى الأرواح» أما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد فمما يعلم بالاضطرار أن رسول الله - ﷺ - أخبر به، قال الله تعالى: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ [هود ١٠٨] أى غير مقطوع. ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ نعم، أختلف السلف هذا الاستثناء فقال الضحاك: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة. وقالت فرقة: العزيمة وقعت لهم من الله سبحانه بالخلود الدائم، إلا أن يشاء الله تعالى خلاف ذلك إعلامًا لهم مع خلودهم في مشيئة الله سبحانه. وهذا كما قال لنبيه - ﷺ -: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك﴾ وغيره. ونظير ذلك مما يخبر به سبحانه عباده: أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وقالت فرقة: المراد بالسماوات والأرض سماء الجنة وأرضها وهما باقيتان أبدًا. وقيل غير ذلك. فقوله تعالى: ﴿غير مجذوذ﴾ وقوله سبحانه ﴿أكلها دائم وظلها﴾، ﴿وما هم بمخرجين﴾ والأحاديث العديدة في ذلك نصوص
[ ٤٨٠ ]
قاطعة في عدم فناء الجنة. ولم يقل بفنائها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من ائمة المسلمين. ومن قال به فهو ضال مبتدع منحرف عن الصواب.
وزعمت الجهمية، أن الجنة والنار يفنيان، وهو قول إمامهم جهم بن صفوان - وليس له في ذلك سلف.
واما أبدية النار - ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف. والأصح عدم فنائها أيضًا، قال الفاضل السفارينى في كتابه «البحور الزاخرة في أحوال الآخرة» ناقلًا عن المحقق ابن القيم في «حادى الأرواح» وثمة أقوال سبعة - يعنى ما عدا القول المشهور لدى الجمهور: من دخول بعض عصاة المسلمين وخروجهم بالشفاعة، ورحمة رب العالمين، وتخليد الكفرة الفاجرين.
احدها - من يدخل النار لا يخرج منها أبدًا، بل كل من دخلها يخلد فيها، وهذا هو قول الخوارج والمعتزلة.
الثاني - أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم ينقلب عليهم، وتبقى طبيعتهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم. وهذا قول ابن عربي صاحب الفتوحات. وهو مخالف لما علم بالاضطرار من الايات القرآنية والأخبار المحمدية.
الثالث - أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود. ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون.
وهذا قول حكاه اليهود للنبي - ﷺ -، فاكذبهم نص اليهود على كذبهم - فهو قول اليهود ومن سلك هذا المسلك، فسلفه فيه اليهود أهل المكر والخداع، وقد علم فساده من الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
الرابع - قول من يقول: يخرجون منها وتبقى نارًا على حالها ليس فيها أحد يعذب، حكاه شيخ الإسلام عن بعض الفرق - والكتاب والسنة يردانه.
[ ٤٨١ ]
الخامس - أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقائه - وهذا قول جهم وشيعته، ولا فرق عنده، ولا فرق بين الجنة والنار.
السادس - انها تفنى حركات أهلها وحياتهم، ويصيرون جمادًا لا يتحركون ولا يحسون بألم - وهذا قول أبي الحسين العلاف، إمام المعتزلة.
السابع - قول من يقول: بل ينفيها ربها وخالقها ﵎ فإنه جعل لها أمدًا تنتهى إليه ثم نفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: ونقل هذا عن عمر بن حميد وهو من أجل علماء الحديث عن الحسن رحمه الله تعالى قد: قال عمر - ﵁ -: لو لبث أهل النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه.
[ ٤٨٢ ]
واعلم أن الإمام ابن القيم قدس الله تعالى روحه انتصر لهذا القول أنتصارًا عظيمًا، ومال إليه ميلًا جسيمًا، وذكر له خمسة وعشرين دليلًا، ثم رجع القهقرى وقال: إن قيل إلى أين أنتهى قدمك في هذه المسالة العظيمة؟ قيل: إلى قوله تعالى: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فيها، حيث ذكر دخول أهل الجنة وأهل النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء، وما كان من خطإ فهو مني ومن الشيطان، والله تعالى ورسوله بريئان منه.
وقال السفاريني في شرح قصيدته: إن لشيخ الإسلام أيضًا ميلًا إلى هذا القول انتهى. وفي الدر المنثور للإمام السيوطي على تفسير هذه الأية في سورة هود ما نصه: أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: قال عمر - ﵁ - لو لبث في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه. وأخرج إسحق بن راهوية عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سيأتى على جهم يوم لا يبقى فيها احد، وقرأ ﴿فأما الذين شقوا﴾ الآية – وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية: ﴿خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ قال: وقال ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهم اسرع الدارين عمرانًا، وأسرعهما خرابًا. انتهى – وفي شرح عقيدة الإمام الطحاوى بعد كلام طويل ما نصه:
السابع – أنه سبحانه يخرج منها من يشاء كما ورد في السنة، ثم يبقيها ما يشاء ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهى إليه.
الثامن - أن الله تعالى يخرج منها ما يشاء كما ورد في السنة ويبقى فيها الكفار بقاء لا لانقضاء كما قال الشيخ يعنى الطحاوى: وما عدا هذين القولين م الأقوال المتقدمة ظاهر البطلان. وهذان القولان لأهل السنة، ولينظر في دليلهما، فمن أدلة القول الأول قوله تعالى: ﴿قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾ وقوله تعالى: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ماشاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ولم يات بعد هذين الاستثنائين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ وقوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابًا﴾ وهذا القول أعنى بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد وغيرهم، ورواه عن عمر عبد ابن حميد في تفسيره المشهور.
[ ٤٨٣ ]
قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته، وقد قال - ﷺ -: «لما قضي الله تعالى الخلق كتب كتابًا فهو عندي فوق العرش: إن رحمتى سبقت غضبي» رواه البخاري. وقالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عظيم، وأليم، وعقيم. ولا أخبر في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم.
وقد قال تعالى: ﴿قال عذابي أصيب به من اشاء ورحمتى وسعت كل شئ﴾ وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلمًا﴾ فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته.
وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمه أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين، وأن يخلق خلقًا يعذبهم أبد الآباد عذابًا سرمدًا.
فمن مقتضى الحكمة أن الإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض، وقالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأييد وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام، كله حق مسلم لا نزاع فيه وذلك يقتضى الخلود في دار العذاب مادامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
[أدلة القائلين بعدم فناء النار]
ومن أدلة القائلين بعدم فنائها قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب مقيم - لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون - فلن نزيدكم إلا عذابًا - خالدين فيها أبدًا - وما هم منها بمخرجين - وما هم بخارجين من النار - ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل
[ ٤٨٤ ]
في سم الخياط - لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها - إن عذابها كان غرامًا﴾ أى مقيمًا لازمًا.
وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله. وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وان هذا حكم مختص بهم، فلو أخرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان، وغير ذلك من الأدلة. وكل مدع أجاب عن أدلة صاحبه في هذه المسألة - أنتهى بأقتصار.
ونقل الوالد قدس الله تعالى روحه في تفسيره عن الفهامة ابن الجوزى: أنه ضعف بعض الآثار الواردة في ذلك كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص «يأتى على جهنم يومًا ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها ابواب الموحدين» . وأول البعض أيضًا بعضها قال: وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من أن تحصى، ولا يقاوم أحد منها كثير من هذه الأخبار.
ولا دليل في الآية على ما يقوله المخالف، لأن قوله تعالى. ﴿لهم فيها زفير وشهيق، خالدين مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ يمكن أن يكون المراد بمن شاء فساق الموحدين، ولا حاجة إلى دعوى النسخ فيها. كما روى عن السدى، بل لا يكاد يصح القول بالنسخ في مثل ذلك. انتهى ملخصًا.
وإن أردت تفصيل ما قيل في الآية الكريمة فعليك به وبالكتب المفصلة وقد صنف في ذلك علماء الإسلام مصنفات من آخرهم العلامة الشيخ مرعى الحنبلى جزءًا سماه «توقيف الفريقين على خلود الدارين» .
[ ٤٨٥ ]
وأعلم أن ما نسب فيما تقدم للشيخ محيى الدين بن عربي قد أنكر صحته عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه «الأجوبة المرضية» بما نصه:
ومن ذلك دعوى المنكر أن الشيخ يقول بعدم خلود الكافرين في النار، وأما عذابهم فينقضى، ويخلق الله تعالى لهم مزاجًا يتلذذ بالنار حتى أنهم لو خرجوا منها إلى الجنة لتألموا بذلك - إلى آخر ما نقلوه عن الشيخ وحاشا الشيخ عنه، والذى هو أعظم المناء على الشريعة، أن يتلفظ بمثل ذلك، ويجعل المجرمين كالمسلمين، وإن وجد ذلك في بعض كتبه فهو مدسوس عليه بيقين
وقد حكى هو الإجماع على خلودهم، وقال في عقيدته، أول الفتوحات: ونعتقد أن تأبيد العذاب على الكفار والمشركين والمنافقين حق وقال في الباب الرابع والستين منها: واعلم أن ابليس ومن تبعه من الكفار لا يخرجون من النار، لحديث: «ينادى المنادى يوم القيامة يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» .
وذكر الشيخ عبد الكريم الجيلى في كتابه المسمى «بالإنسان الكامل» «وشرح لباب الأسرار من الفتوحات» ان مراد باهل النار يخرجون منها هم عصاة الموحدين لا الكفار. وقال: إياك أن تحمل كلام الشيخ محيى الدين أو غيره من الصوفية في قولهم بانتهاء مدة أهل النار من العصاة على الكفار، فإن ذلك كذب وخطأ، وإذا احتمل الكلام وجهًا صحيحًا وجب المصير إليه. أهـ.
وقال الشعراني: ثم إنه بتقدير صحة نسب ذلك إلى الشيخ محيى الدين. فالشيخ لم ينفرد بذلك، فقد قال جمع من الظاهرية، وفرقة من الحنابلة والفدرية بفناء انار، وأن الجرجير ينبت فيها، وأن اللبث في قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابًا﴾ يرجع إلى نهاية في العدد على اختلاف وجوه الحقب في التفسير. انتهى.
[ ٤٨٦ ]
وقال الشيخ محيى الدين في كتاب «لواقح الأنوار»: إياك أن تفهم من سياق العلماء الخلاف فيمن يخرج من النار أنه في حق من كذب الرسل من الكفار، فإن ذلك خطأ، وإنما هو في حق امة الإجابة إذا ماتوا من غير توبة وآخذهم الله تعالى، أو أنه حكاية عن مذهب من يقول بتخليد العصاة من الموحدين إذا ماتوا على غير توبة. أهـ.
قلت: ورأيت في الفتوحات في الباب الثاني والستين ما نصه:
وأما قوله تعالى: ﴿زدناهم عذابًا فوق العذاب﴾ فذلك لطائفة مخصوصة، وهم الأئمة الذين أضلوا العامة، وأدخلوا عليهم الشبه المضلة، وقالوا لهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم، وهو قوله تعالى: ﴿ثم ازدادوا كفرًا﴾ وهو قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع اثقالهم﴾ فإن له وزرًا من كل عمل بالضلالة، فهذا قوله: زدناهم عذابًا فوق العذاب﴾ فما أنزلوا من النار إلا منازل الاستحقاق، بخلاف أهل الجنة، فإن أهل الجنة نزلوا منها منازل استحقاق مثل الكفار، ومنازل ورائه ومنازل اختصاص. فلا بد لأهل النار من فضل الله تعالى ورحمته في نفس النار، فلا يموتون ولا يحيون فيعطيهم الله تعالى بعد انقضاء موازنة المدد بين العذاب والعمل نعيمًا خياليًا مثل ما يراه النائم، وجلده، كما قال تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم﴾ هو كما قلنا خدرها، فزمان النضج والتبديل يفقدون الآلام، لأنه إذا انقضى زمان الإنضاج خمدت النار في حقهم، فيكونون في النار كالأمة التى دخلتها وليست من أهلها، فأماتهم الله تعالى إماتة فلا يحسون بما تفعله النار في أبدانهم والحديث بكماله ذكره مسلم في صحيحه. وهذا من فضل الله تعالى ورحمته. أهـ.
[ ٤٨٧ ]
[صاحب الكبيرة]
تتمة
أهل الجنة: هم المؤمنون بالله تعالى ورسله. وأهل النار هم الكفرة بالله تعالى ورسله. وعصاة المؤمنين: المرتكبون الكبائر غير مخلدين في النار عند أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة كما هو مفصل في الكتب الكلامية.
ومن العجائب ما في الإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلى ونصه: ثم اعلم أن أهل النار أناسًا هم عند الله تعالى افضل من كثير من اهل الجنة، وأدخلهم دار الشقاء ليتجلى عليهم فيها فيكونون محل نظرة من الأشقياء. وهذا سر غريب وأمر عجيب، يفعل ما يشاء ويختار. أهـ.
وكتب عليه الوالد عليه الرحمة ما نصه: وأنت تعلم أن الله تعالى قال: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ أفترى من أخزاه الله تعالى يفضل من أجله دار رحمته ورضاه. سبحانك! هذا بهتان عظيم.
فإن كان لصاحب الإنسان الكامل جواب عن ذلك يزعمه فنسأل الله تعالى أن يجعله من أولئك الإناس يوم الجزاء، ليكون محل نظرة ﷿ من الأشقياء. أهـ.
ثم أعلم أنه قد تبين لك مما نقلناه من الأقوال: أن القول الصحيح، الحرى بالترجيح، هو بقاء الجنة والنار وساكنيهما من الأخيار والفجار، وإن الشيخ ابن تيمية لم يتبين عنه نقل صحيح فيما نسب إليه، ولئن سلم أنه مال لذلك فقد ذهب إليه بعض السلف، وأفراد من الخلف، كما تقدم آنفًا، فليس في ميله ما يوجب تكفيرًا عند من أنصف.
على أنا لا نعلم إن صح النقل عدم رجوعه عنه، وهو لا يعد عند المنصفين إلا من العلماء المجتهدين، وأى مجتهد قرنت بالصواب جميع أقواله، وصوبت كافة أحواله، وكم رجع مجتهد عن اجتهاده الأول، ونص على خلافه وعول.
[ ٤٨٨ ]
ومع هذا فلعله اتبع في ذلك أقوال الفاروق، وباب مدينة العلم، وترجمان القرآن، وابن مسعود، وأبي هريرة القائل: أخذت عن رسول الله - ﷺ - وعاءين الحديث الشهير. فتدبر جميع ما حررناه لك من كلام العلماء الأخيار، وأسأله سبحانه أن ينجينا وإياك من النار، ويسكننا الجنة دار القرار. آمين.
[عصمة الأنبياء]
(قوله: وقال الأنبياء غير معصومين) أقول: قد أجمل العلامة، ابن حجر هذا التشنيع، لم يبين المراد من ذلك، هل عدم العصمة قبل النبوة أم بعدها؟ وهل ذلك من الكبائر أو التغائر؟ ومع هذا فانت تعلم أن مسألة العصمة أختلفت فيها علماء الأمة، وأن الشيخ ابن تيمية ذكر في كتبه ما ذكره غيره مما يتعلق في مسألة العصمة، فقد نقل الشيخ السفاريني في شرح منظومته، انه قال: الناس متقفون على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين، ولكن هل بصدر منهم ما يستدركه الله تعالى فينسخ ما يلقى الشيطان ويحكم الله ىياته؟ هذا فيه قولان. قال. والمأثور عن السلف يوافق القول بذلك. قال: وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع: هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر، أو من بعضها، أو هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها. وقيل: لا يجب القول في العصمة إلا بالتبليغ فقط. وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل البعث أم لا؟ قال: والذى عليه الجمهور الموافق للاثارة: إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقًا.
قال: ووقوع الذنب إذا لم يقر عليه ما يحصل منه تنفير ولا نقص؟ فإن التوبة النصوح يرفع بها صاحبها أكثر مما كان أو لا. وكذلك التأسي بهم إنما هو فيما أقروا عليه بدليل النسخ ونحوه. أهـ.
[ ٤٨٩ ]
وقال السعد التفتاراني في شرح النسفية: إن الأنبياء ﵈ معصومون عن الكذب، خصوصًا فيما يتعلق بأمر الشرائع وتبليع الأحكام / وإرشاد الأمة، أما عمدًا فبالإجماع، وأما سهوا فعند الأكثرين. وفي عصمتهم عن سائر الذنوب تفصيل، وهو أنهم معصومون عن الكفر قبل الوحي وبعده بالإجماع، وكذا عن تعمد الكبائر عند الجمهور خلافًا للحشوية، وإنما الخلاف في أمتناعه بدليل السمع أو العقل، وأما سهوًا فجوزه الأكثرون واما الصغائر فتجوز عمدًا عند الجمهور خلافًا للجبائي واتباعه، وتجوز سهوًا بالاتفاق، إلا بدليل على الخسة كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، لكن المحققين اشترطوا أن ينبهوا عليه فينتهوا عنه.
هذا كله بعد الوحي، وأما قبله فلا دليل على أن امتناع صدور الكبيرة. وذهبت المعتزلة إلى امتناعها، لأنها تودب النفرة المانعة عن اتباعهم فتفوت مصلحة البعثة.
والحق منع ما يوجب النفرة كعهر الأمهات والفجور، والصغائر الدالة على الخسة. ومنع الشيعة صدور الصغيرة والكبيرة قبل الوحي وبعده، لكنهم جوزوا إظهار الكفر تقيه.
إذا تقرر هذا. فما نقل عن الأنبياء مما يشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولًا بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن الظاهر إن أمكن. وإلا فمحمول على ترك الأولى أو كونه قبل البعثة. وتفصيل ذلك في الكتب المبسوطة. أهـ.
وقال الوالد تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه فسيح جناته، في تفسير قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ ما نصه: وعصى آدم ربه، بما ذكر من أكل الشجرة، وأوعن الرشد حيث اغتر بقول العدو. وقيل:
[ ٤٩٠ ]
غوى أى فسد عليه عيشه، ومنه يقال: الغوى الرضاع. وقرئ «فغوى» بفتح الغين وكسر الواو وفتح الياء: أى فبشم من كثرة الأكل، من غوى الفصيل: إذا أنحم من اللبن، وبه فسرت القراءة الأخرى.
وتعقب ذلك الزمخشرى فقال: وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفًا فيقول في فنى وبقى: فنى وبقى بالألف،،هم بنو طيئ تفسير خبيث. وظاهر الآية يدل على أن ما وقع من الكبائر ٠ وهو المفهوم من كلام الإمام - فإن كان صدور بعد البعثة تعمدًا من غير نسيان ولا تأويل أشكل على ما اتفق عليه المحققون، والأئمة المتفقون، من وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد البعثة عن صدور مثل ذلك منهم على ذلك الوجه.
ولا يكاد يقول بذلك إلا الأزارقة من الخوارج، فإنهم - عليهم ما يستحقون - جوزوا الكفر عليهم، وحاشاهم! فما دونه أولى بالتجويز، وإن كان صدوره قبل البعثة كما قال به جمع.
وقال الإمام: إنه مذهبنا، فإن كان تعمدًا أشكل على قول أكثر المعتزلة والشيعة بعصمتهم ﵈ عن صدور مثل ذلك تعمدًا قبل البعثة أيضًا.
نعم، لا إشكال فيه على ما قاله القاضي أبو بكر من أنه لا يمتنع عقلًا ولا سمعًا أن يصدر من النبي - ﷺ - قبل نبوته معصية مطلقًا، بل لا يمتنع عقلًا إرسال من اسلم بعد كفره، ووافقه على ذلك - كما قال الآمدى في أبكار الأفكار - أكثر الأصحاب وكثير من المعتزلة. وإن كان سهوًا كما يدل عليه قوله تعالى، ﴿فنسى ولم نجد له عزمًا﴾ بناء على احد القولين فيه أشكل على ما نقل عن الشيعة من منع صدور الكبيرة سهوًا قبل البعثة أيضًا، ولا إشكال فيه على ما سمعت عن القاضي أبي بكر، وإن كان بعد البعثة سهوًا أشكل أيضًا عند بعض دون بعض، فقد عضد الملة في
[ ٤٩١ ]
المواقف: إن الأكثرين جوزوا صدور الكبيرة يعنى ما عدا الكفر والكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم ﵇ فيه سهوا على سبيل الخطأ منهم.
وقال العلامة الشريف المختار خلافه. وذهب كثير إلى أن ما وقع صغيرة والآمر عليه هين، فإن الصغائر الغير المشعرة بالخسة تجوز - على ما ذكره العلامة الثاني في شرح العقائد - صدورها منهم ﵇ عمدًا بعد البعثة عند الجمهور، خلافًا للجبائي وأتباعه. ويجوز صدورها سهوًا بالاتفاق.
لكن المحققين اشترطوا على أن ينتهوا على ذلك فينتهوا عنه.
نعم، ذكر في شرح المقاصد عصمتهم عن صدور ذلك عمدًا. والأحوط نظرًا إلى مقام آدم ﵇ أن يقال: إن صدور ما ذكر منه كان قبل النبوة، وكان سهوًا أو عن تاويل، إلا أنه عظم المر عليه وعظم لديه، نظرًا إلى علو شانه، ومزيد فضل الله تعالى عليه وإحسانه. وقد شاع: «حسنات الأبرار سيئات المقربين» . ومما يدل على استعظام ذلك منه لعلو شأنه ﵇ ما اخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن ابي عبد الله المغربي قال: تفكر إبراهيم في شأن آدم ﵍ فقال: يارب، خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسجدت له ملائكتك، ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس من ذكر معصيته»؟ فأوحى الله تعالى إليه «يا إبراهيم، أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة»؟ .
وذكر بعضهم أن في استعظام ذلك منه ﵇ زجرًا بليغًا لأولاده عن أمثاله. وعلى العلات لا ينبغي لأحد أن ينسب إليه العصيان اليوم، وأن يخبر بذلك، إلا أن يكون تأليًا لما تضمن ذلك، أو راويًا له عن رسول الله - ﷺ -. واما أن يكون مبتدئًا من قبل نفسه فلا. وقد صرح أبو بكر بن العربي بعدم جواز نسبة العصيان للآباء الأدنين إلينا المماثلين لنا، فكيف يجوز لأبينا الأقدم، والنبي المقدم الأكرم؟ وارتضى
[ ٤٩٢ ]
ذلك القرطبي، وادعى أن ابتداء الإخبار بشئ من صفات الله تعالى المتشابهة كاليد والنزول أولى بالمنع وعدم الجواز.
ثم إن ما وقع كان في الحقيقة بمحض قضاء الله تعالى وقدره، وإلا فقد روى عن أبي أمامه الباهلى والحسن: أن عقله ﵇ مثل عقل جميع ولده. وعداوة إبليس عليه اللعنة له ﵇ في غاية الظهور. وفي ذلك دليل على أنه لا ينتفع عقل، ولا يغني شئ في جنب تقدير الله تعالى وقضائه - أهـ.
وأنت تعلم ما ورد في القرآن الكريم بما يخالف كقصة إبراهيم ﵇ وغيرها، وقد أوله العلماء المفسرون، والأئمة المدققون، فإن أردت الإحاطة فعليك بكتب التفسير والعقائد، ففيهما، يرتوى كل ظمآن وارد.
(واقول): قد رمى حجة الإسلام الغزالي أيضًا بأكبر مارمى به الشيخ ابن تيمية في هذه المسالة الأصولية، حتى نسب إليه بعضهم تنقيص النبي المعصوم - ﷺ -، ونسبوا ذلك الإمام إلى الكفر، وحاشاه في هذا المقام! فقد رأيت في فتوى الشيخ ابن تيمية أنه سئل عن رجلين تكلما في مسالة التكفير فقال أحدهما: إن من نقص الرسول - ﷺ -، وتكلم بما يدل على النقص كفر، ولو كفرنا كل عالم بمثل ذلك لزم أن نكفر الإمام الغزالي، فإنه ذكر في بعض كتبه تخطئه الرسول - ﷺ - في مسألة تأبير النخل، فهل يلزم من ذلك تنقيصه - أرواحنا له الفداء.
لم يلزم تعزيز من كفر العلماء؟ فأجاب بما ملخصه: إن كلام الغزالي المذكور ليس فيه تنقيص والعياذ بالله تعالى، لمقام سيد المرسلين، والنبي الأمين. ولا يجوز تكفير عالم من علماء المسلمين إذا اجتهد في مسألة واخطأ فيها، فإن تسليط الجهال على تكفير علماء الإسلام أعظم المنكرات.
[ ٤٩٣ ]
وقد اتفق أهل السنة أن كل يؤخذ منه ويترك إلا رسول الله - ﷺ -، وليس كل من ترك كلامه لخطيئة يكفر أو يفسق، بل ولا يؤثم، وقال الله تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا او أخطأنا﴾ الآية.
واتفق علماء المسلمين على انه لا يكفر أحد من علماء المسلمين المنازعين في عصمة الأنبياء ﵈. فالذين قالوا: إنه يجوز عليهم الصغائر والخطأ،،لا يقرون على ذلك لم يكفر أحد منهم بذلك، بإتفاق المسلمين فغن هؤلاء يقولون: إنهم معصومون من الإقرار على ذلك، ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من ائمة المذاهب الأربعة والأشعرية واهل الحديث والتفسير والصوفية، وهم ليسوا كفارًا باتفاق المسلمين، والذى حكاه عن الشيخ أبي حامد الغزالي قد قاله أيضًا الشيخ أبو حامد الأسفرايني، الذى هو غمام المذهب بعد الشافعي وابن سريج، وذلك قوله: إن عندنا أن النبي - ﷺ - يجوز عليه الخطا، كما يجوز علينا، لكن الفرق بيننا وبينه أن تقر عليه والنبي - ﷺ - لا يقر عليه، وإنما يسهوا ليسن لنا، كما روى عنه - ﷺ - أنه قال: «إنما أسهو لأسن لكم» وهذه المسالة قد ذكرها في أصول الفقه جماعة من العلماء، منهم هذا الشيخ أبو حامد، وأبو الطبيب الطبرى، والشيخ أبو إسحاق الشيرازى، وغيرهم.
ومنهم من ادعى إجماع السلف على هذا القول، حق قال أبو الحسن الآمدى: إن أكثر الأشعرية والمعتزلة ليقولون بذلك، والمسالة عندهم من الظنيات، كما صرح بذلك الأستاذ أبو المعالى، فكيف يكفر علماء المسلمين مسائل الظنون، وذهابهم إلى عدم العصمة من الصغائر، وإلى الخطأ الذى لا يقرون عليه عليهم الصلاة والسلام، فمن نسب إلى هؤلاء الأئمة الكفر فعليه الإثم وشديد التعزير. أهـ.
[ ٤٩٤ ]
فقد تبين مما تقدم وتأخر: أن الشيخ ابن تيمية لم يقل إلا ما حرره كل أصولى وزبر، وما ابتدع قولًا من تلقاء نفسه، ولا ذكر في بحث العصمة شيئًا متبعًا فيه لوهمه، وحدسه، بل ذكر ما ذكرته الأفاضل، وفصل كما فصلت الأئمة الأوائل.
وإن اردت الزيادة فعليك بكتب المتقدمين، وإلا فخذ هذا وكن من المنصفين، واتبع في التؤدة سبيل المؤمنين، وصل وسلم على كافة المعصومين لا سيما على من علمه وادبه رب العالمين، وآله وصحبه أجمعين.
[كلام في التوسل والوسيلة والاستغاثة]
(قال الشيخ ابن حجر حاكيًا وإن رسول الله - ﷺ - لا جاه له ولا يتوسل به) .
أقول: لازال ابن حجر عليه الرحمة يتتبع الشيخ ابن تيمية، ويشفع عليه في تأليفاته، ولا سيما في هذه المسالة. ففي كتابه «الدر المنظم في زيارة القبر المعظم» شنع بقوله أيضًا: من خرافات بعض المحرومين التى لم يقلها أحد قبله،،صار بها بين المسلمين مثله، أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به - ﷺ -، وليس كما أفترى - أهـ.
وقد اتبع بهذا السبكى، فقد نقل عنه المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير أنه قال: ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفيع بالنبي - ﷺ - إلى ربه. ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف، حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم قبله، وصار بين الإسلام مثله - أهـ.
وانت تعلم أن هذا التشنيع مجمل، ويحتاج إلى بيان وتفصيل، وسرد ما للعلماء في ذلك من الأقاويل، ونقل أدلة المتوسلين، واجوبة المانعين، لأن
[ ٤٩٥ ]
مجيزى التوسل لم يجعلوه خاصًا بسيد الرسل، وأن المانعين أقسام: فمنهم من عمم المنع، ومنهم من أستثنى خاتمة الأنبياء الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام. وإنى ذاكر إن شاء الله تعالى ذلك بفضول، وخاتمة بالتوسط المقبول. فاستمع ما نتلوه عليك، واتباع أسلمها مفوض إليك.
[أدلة المجوزين للتوسل والإستغاثة]
الفصل الأول
في أدلة المجوزين للتوسل والإستغاثة بالأنبياء والصالحين، ولا سيما ذو الجاه العظيم، الرسول الشفيع الكريم، والنبي الرءوف الرحيم، عليه افضل الصلاة والتسليم.
قال العلامة القسطلاني شارح البخارى في كتابه «المواهب اللدنية» ما نصه: وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع، والاستغاثة والتشفع، والتوسل به - ﷺ -. فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه.
واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه، لأنها من الجاه والوجاهة، ومعناه: علو القدر والمنزلة. وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه. ثم إن كلا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه بالنبي - ﷺ -، كما ذكره في تحقيق النصرة ومصباح الظلام - واقع في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته - ﷺ -، في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة. فأما الحالة الأولى فحسبك ما قدمته في المقصد الأول من استشفاع آدم ﵇ به لما خرج من الجنة، وقوله
[ ٤٩٦ ]
«اللهم بحق محمد عليك اغفر لي خطيئتى»، وقول الله تعالى: «يا آدم لو أستشفعت إلينا بمحمد في اهل السماوات والأرض لشفعناك» . وفي حديث عمر ابن الخطاب عند الحاكم والبيهقى وغيرهما: «وإذا سألتنى فقد غفرت لك» ويرحم الله تعالى ابن جابر حيث يقول: [طويل]:
به قد أجاب الله آدم إذ دعا ونجى في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره ومن أجله نال الفداء ذبيح
وأما التوسل به - ﷺ - بعد خلقه في مدة حياته، فمن ذلك: الاستغاثة به ﵊ عند القحط وعدم الأمطار. وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك مما ذكرته في مقصد المعجزات، ومقصد العبادات في الاستسقاء.
ومن ذلك استغاثة ذوى العاهات به - ﷺ -. وحسبك ما رواه النسائي، والترمذي عن عثمان بن حنيف: أن رجلًا ضريرًا أتاه - ﷺ -، فقال: ادع الله تعالى أن يعافيني. قال: فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إنى أسألك واتوجه إليك بحبيبك محمد نبي الرحمة، يا محمد أنى أتوجه بك إلى ربك في حاجتى لتقضى. اللهم شفعه في» وصححه البيهقي وزاد: فقام وقد ابصر.
وأما التوسل به - ﷺ - بعد موته في البرزخ فهو أكثر من ان يحصى، او يدرك باستقصا.
وفي مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرف من ذلك
ولقد كان حصل لى داء أعيا دواؤه الأطباء، وأقمت به سنين فاستغيث به - ﷺ - ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث
[ ٤٩٧ ]
وتسعين وثمانمائة بمكة، زادها الله تعالى شرفًا، فبينما أن نائم إذا رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلاني من الحضرة الشريفة بعد الإذن الشريف النبوى. ثم أستيقظت فلم أجد بي والله شيئًا مما كنت أجده، وحصل الشفاء ببركة النبي المصطفى - ﷺ -.
وأما التوسل به - ﷺ - في عرصات القيامة فمما قام عليه الإجماع، تواترت به الأخبار في حديث الشفاعة. أهـ.
وقال السمهودى في تاريخ المدينة المسمى «بخلاصة الوفا»: التوسل والتشفيع به - ﷺ - وبجاهه وببركته من سنن المرسلين، وسيرة السلف الصالحين، واستدل على ذلك أيضًا بما تقدم من حديث آدم ﵇ والأعمى. وكذا مما رواه البيهقي والطبراني عن عثمان بن عفان بن حنيف - ﵁ -: أن رجلًا لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فشكا ذلك لابن حنيف فقال له: أئت الميضاة قتوضأ ثم أئت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم انى اسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة. يا محمد، إنى أتوجه بك إلى ربك في حاجتى لتقضى، وتذكر حاجتك. فانطلق الرجل فصنع ذلك، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاءه البواب حتى اخذ بيده فادخله على عثمان - ﵁ - فأجلسه معه على الطنفسة، فقال له: ما حاجتك؟ فذكر حاجته وقضاها ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى الساعة، وما كانت لك من حاجة فأذكرها. ثم خرج ذلك الرجل من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله تعالى خيرًا، ما كان ينظر في حاجتى حتى كلمته. فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته! ولكنى شهدت رسول الله - ﷺ - فأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي - ﷺ -: أو تصبر؟
[ ٤٩٨ ]
فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد، وقد يشق علي. فقال له النبي - ﷺ -: «ائت الميضأة فتوضأ، ثم صلى ركعتين، ثم أدع بهذه الدعوات » . أهـ
وبه استدل أيضًا ابن الجزرى، فذكر في «الحصن الحصين»: أن م آداب الدعاء أن يتوسل الداعي إلى الله تعالى بانبيائه والصالحين من عباده.
وقال ابن الحاج المالكي في كتابه «المدخل» ما لفظه: وأما عظيم جناب الأنبياء، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم فياتى إليهم الزائر، ويتعين قصدهم من الأماكن البعيدة.
فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل، والانكسار، والمسكنة، الفقر والفاقة، والاضطرار، والخضوع، ويحضر قلبه وخاطره إليهم، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره، لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون، ويثني على الله بما هو أهله، ثم يصلى عليهم، ويترضى عن أصحابهم، ويترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه، ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم، ويحزم بالإجابة ببركتهم، ويقوى حسن ظنه في ذلك، وانهم باب الله تعالى المفتوح، وجرت سنة الله سبحانه على قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم.
ومن عجز الوصول إليهم فليرسل بالسلام عليهم ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه، إلى غير ذلك. فإنهم السادة الكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم، ولا من لجأ غليهم، وهذه في زيارة الأنبياء ﵈. وأما زيارة نبينا - ﷺ - فيزيد على ما ذكرنا اضعافًا مضاعفة. أهـ.
وقال صاحب المبدع: يستحب الاستسقاء بمن ظهر صلاحه، لأنه اقرب إلى الإجابة، وقد استسقى عمر بالعباس - ﵁ -، واستسقى معاوية بيزيد بن أبي الأسود الحرشي التابعي المشهور.
[ ٤٩٩ ]
وقال صاحب التلخيص من الحنابلة: لا ياس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ، والعلماء المتقين. وقال في منتهى الإرادات للحنابلة: ويباح التوسل بالصالحين. وكذلك قال ابن مفلح الحنبلي في فروعه. وذكر السمهودى: ان النبي - ﷺ - لم ينزل في قبر أحد إلا خمسة قبور: قبر خديجة بمكة، واربعة بالمدينة: قبر ابن كان لخديجة في حجر النبي - ﷺ -، وقبر عبد الله المزني، يقال له: ذو البجادين. وقبر ام رومان أم عائشة بنت ابي بكر - ﵁ -. وقبر فاطمة بنت أسد بن هاشم بالروحاء.
ففي المعجم للطبراني برجال الصحيح إلا روح بن صلاح ففيه مقال، وقد وثقه ابن حبان عن أنس قال: لما ماتت فاطمة بنت اسد دخل عليها رسول الله - ﷺ - فجلس عند رأسها وقال «رحمك الله يا أمى بعد أمي » وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده، وأمر بحفر قبرها. وقال: فلما بلغو اللحد حفره رسول الله - ﷺ - بيده، فلما فرغ دخل رسول الله - ﷺ - فاضطجع فيه ثم قال: «الله الذى يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمى فاطمة بنت اسد، ووسع عليها مدخلها بحق الأنبياء الذين من قبلى، فإنك أرحم الراحمين» .
ثم قال السمهودى: وذكر المحبوب قد يكون سببًا للإجابة. وفي العادة أن من يتوسل بمن له قدر أجابة عند شخص أجابة إكرامًا له. وقد يتوجه بمن له جاه إلى من هو أعلى منه، وإذا جاز التوسل بالأعمال الصالحة كما في حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فدخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فدعو الله بأعمالهم ففرج عنهم، وهي مخلوقة، فالسؤال به - ﷺ - أولى.
وقد روى البيهقي عن مالك الدار - ﵁ -، وكان خازن عمر ابن الخطاب - ﵁ -، فجاء رجل إلى قبر النبي - صلى الله عليه
[ ٥٠٠ ]
وسلم - فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله - ﷺ - في المنام فقال له: «أئت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس» وذكر شيئًا كثيرًا مما وقع للعلماء والصالحين من الشدائد، فالتجئوا إلى النبي - ﷺ - فحصل لهم الفرج.
ومما حكاه أبو محمد الشيلى قال: نزل برجل من اهل غرناطة علة عجز عنها الأطباء، فكتب عنه الوزير كتابًا إلى رسول الله - ﷺ - وضمنه شعرًا، فلما وصل الركب إلى المدينة الشريفة، وقرئ على رسول الله - ﷺ - هذا الشعر برئ الرجل مكانه.
وقد سئل العز بن عبد السلام عن التوسل بالذات الفاضلة؟ فقال: إن صح حديث الأعمى فهو مقصور على النبي - ﷺ -، ويكون من خصوصياته. وتعقبه المجزون بقياس غيره عليه - ﷺ -. ومن أدلتهم أنه قد أوجب الله تعالى أمره وتوقيره، وإلزام إكرامه، وقد كانت الصحابة تتبرك بآثاره وشعره، ولا شك أن حرمته - ﷺ - بعد وفاته وتوقيره لازم كما كان حال حياته.
وقد روى أن أبا جعفر المنصور ناظر مالكًا في المسجد النبوى، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد النبوى، فإن الله تعالى ادب قومًا فقال: ﴿لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآية. وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا فاستكان ابو جعفر وقال: يا أبا عبد الله، استقبل القبلة وأدعوا؟ أم أستقبل رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبل واستشفع به فيشفعه الله تعالى. قال الله سبحانه ﴿ولو أنهم إذ ظلموا انفسهم جاءوك
[ ٥٠١ ]
فاستغفر الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ [النساء ٦] وإذ قد ثبت تعظيمه وإجلاله له ميتًا - ﷺ - كما كان حيًا، وثبت أنه حي في قبره فطلب الشفاعة منه دخول في توقيره - ﷺ -، ويكون طالب الشفاعة كمن طلب شيئًا ممن له قدرة عليه، وهو ﵊ قادر على ذلك بوجه التسيب في الدعاء كما كان حيًا، وكما كان وسيلة في التبليغ. فهو - ﷺ - الوسيلة في دعائه لأمته، ويكون طلب ذلك منه ادعى للإجابة. وفي الصحيح عن أنس - ﵁ -: أن عمر ابن الخطاب - ﵁ - كان إذا أقحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - ﷺ - فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا - ﷺ - فاسقنا. قال: فيسقون. وفي رواية: ونستشفع إليك بشيبته،» في ذلك يقول عباس بن عتبه بن ابي لهب: بعمي سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقى بشيبته عمر
توه بالعباس في الحدب راغبا إليه فما إن زال حتى اتى المطر
ومنا رسول الله فينا تراثه فهل أحد هذى المفاخر مفتخر
وقال النووي وغيره: ثم يرجع الزائر إلى موقفه قبالة وجه رسول الله - ﷺ - فيتوسل به ويستشفع به إلى ربه. ومن احسن ما يقول ما حكاه اصحابنا عن العتبى مستحسن له قال: كنت جالسًا عند قبر النبي - ﷺ - فجاءه أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولو أنهم ّذ ظلموا انفسهم جاءوك﴾ الآية [النساء ٦٤]، وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول: [بسيط]
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
[ ٥٠٢ ]
قال: ثم أنصرف. فحملتنى عيناي، فرأيت النبي - ﷺ - في النوم، فقال: «يا عتبى، الحق الأعرابي فبشره بأن الله قد غفر له»، وممن ذكرها الإمام ابن الجوزى في كتابه «مثير الغرام» عن العتبى. قالوا: ونقل الواحدى في كتابه «أسباب نزول القرآن» عن ابن عباس، - ﵁ - عند قوله تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ أنه قال: كانت أهل خيبر تقاتل غطفان اليهود، فلما بعث النبي - ﷺ - كفروا به.
قالوا: وما ورد في الأدعية المأثورة عن سيد الأنام - ﷺ - مثل: أسألك بحق السائلين عليك، ويحق ممشاى هذا إليك، يدل على جواز التوسل بأفعال العبد، فكيف بذاته الشريفة ﵊ فالتوجه به اولى، والتوجه إلى حضرة الحق به أحرى.
وقد روى البخارى عنه - ﷺ - أنه قال: «ألا أخبركم باهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله تعالى لأبره» .
قال العلماء: معناه لو حلف على الله ليفعلن كذا لأوقع مطلوبه فيبر بقسمه إكرامًا له لعظم منزلته عنده، فهذا وعد الله تعالى لعباده الصالحين، فكيف بسيد المرسلين؟ ! وورد: إذا انفلتت دابة احدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله، وأعينوني (ثلاثا) . قال النووى: وقد حرب ذلك بعض أهل العلم، ونحن جربناه فصح، انتهى.
وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عباده، - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «الأبدال في أمتى ثلاثون رجلًا، بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون، وبهم تنصرون» والأحاديث في مثل
[ ٥٠٣ ]
ذلك كثيرة، فمن وقف على هذه وامثالنا، تبين له ان الله سبحانه قد جعل من عباده في الأرض غياثًا يستغيث الناس بهم، لا مانع من ذلك عقلًا وشرعًا، لأن ذلك كله بإذن الله تعالى، ومن أقر بالكرامة لم يجد بدًا من اعترافه بجواز ذلك وإن كانوا في برازخهم.
فقد ورد في حديث المعراج: أن النبي - ﷺ - مر على موسى وهو قائم يصلى في قبره، والصلاة تستدعى بدنًا حيًا، فنبينا - ﷺ - أولى بهذه الحياة، والاستغاثة به في حياته - ﷺ - ثابتة بالدعاء، فكذلك بعد انتقاله ورفاقه، والأحاديث الواردة في زيارة قبره ﵊ التى تضمنت الوعد لمن زار قبره الشريف - ﷺ - بالشفاعة التى تتضمن البشارة بالموت على التوحيد، وذلك يفيد نيل المزيد. فكل ذلك من ثمرات زيارته والتشفيع به، ولم يزل الناس في جميع الأزمان من جميع البلدان مجمعين على زيارة قبره المنيف، رجاء الخير والبركة، والطمع في الشفاعة، ولا فرق بين ذكر التوسل والاستغاثة والتشفع، والتوجه به - ﷺ - أو بغيره من الأنبياء، وكذا الأولياء.
والاستغاثة: طلب الغوث. والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، وغن كان أعلى منه. فالتوجه والاستغاثة به - ﷺ -، وبغيره ليس لها معنى في قلوب المسلمين غير ذلك. ولم يقصد بها احد سواه. فمن لم ينشرح صدره لذلك، فليبك على نفسه.
والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى.
والنبي - ﷺ - واسطه بينه وبين المستغيث، فهو سبحانه مستغاث، والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي - صلى الله عليه
[ ٥٠٤ ]
وسلم - مستغاث، والغوث منه تسبًا وكسبًا، ومستغاث به، والباء للاستغاثة.
وصح عن ابن عباس أنه قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊، يا عيسى، آمن بمحمد، ومر من ادركه من امتك أن يؤمنوا به، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن، فكيف لا يتوسل بمن له هذا الجاه الوسيع، والقدر المنيع، عند سيده ومولاه، المنعم عليه بما أولاه، صلى الله تعالى وسلم، وكرم وعظم. وهذا آخر أدلة المجوزين مختصرة من كتب المحققين ولا سيما العقد الثمين، وهو سبحانه الموفق لذلك المعين.
[أدلة المانعين للتوصل]
الفصل الثاني
واما المانعون فقد اطالوا الكلام في هذا المقام، واللازم تبيين ملخص دعواهم، وتنقيح الأجوبة عن دلائل من جاراهم:
(فأقول): قد قال العلامة السويدى في «العقد الثمين»: أن الحاصل من متفرقات أقوالهم - أنه يجب إفراد الله تعالى، بعبادته، توحيده في معاملته، لأن الله سبحانه أرسل نبينا محمدًا - ﷺ - داعيًا إلى عبادة الله ناهيًا عن عبادة غيره، وأنزل عليه كتابًا بين فيه أحوال المشركين، وما كانوا عليه من الشرك، وكان شركهم أن نصبوا أصنامًا اعتقدوها مقربة لهم عند الله سبحانه، إما لكونها على صور ملائكة، وإما لكونهم اعتقدوا أن الله تعالى قد شرفها بذواتها، كما شرف الكعبة. وإما لكونها صور أنبياء، كما هو معلوم عند السابرين لأحوال المشركين.
[ ٥٠٥ ]
فإن منهم من عبد المسيح. ومنهم من عبد عزيرًا، ومنهم من عبد أناسًا صالحين، كما قالوا في اللات وهو صنم في الطائف لثقيف، أو لقريش بنخلة في قراءة من شدد التاء: إنه كان رجلًا صالحًا يلت السويق بالسمن، فيطعمه للحجيج بمكة، فمات فعكفوا على قبره، وقد كانت عندهم بقية من دين إبراهيم الخليل ﵇، فكانوا يحجون ويلبون ويستغفرون.
وكانوا ايضًا يفردون الله ﷾ بالخلق والرزق وملك السماوات والأرض، ويملك السمع والأبصار، وأنه يجبر – اى يغيث – من يشاء، ولا يجار عليه – أى لا يمنع منه – إلى غير ذلك مما أخبر سبحانه عنهم بقوله: ﴿ولئن سالتهم من خلق السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر ليقولن الله﴾ [العنكبوت ٦١]، وقوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله﴾ [المؤمنون ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿قل من رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم سيقولون لله﴾ [المؤمنون ٨٦]، وقوله ﷿: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله واتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين﴾ [الأنعام ٤٠، ٤١]، وقوله تعالى: ﴿أم من خلق السماوات والأرض وانزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم ان تنبتوا شجرها أإله مع الله، بل هم قوم يعدلون. أم من جعل الرض قرارًا ودعل خلالها أنهارًا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزًا أإله مع الله﴾ [النمل ٦٠، ٦١] أى فعل ذلك. وهذا استفهام إنكار، والمشركون مقرون بأنه لم يفعل هذا إله آخر مع الله سبحانه.
ومن قال من المفسرين: هل مع الله إله آخر فقد وهم، فإنهم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما دلت على ذلك آيات كثيرة، منها قوله تعالى
[ ٥٠٦ ]
﴿أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد﴾ [الأنعام ١٩] أى بما تشهدون، وقوله عز من قائل: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التى يدعون من دون الله من شئ﴾ [هود ١٠١] . وقال تعالى عنهم: ﴿أجعل الآلهة إلاها واحدًا إن هذا لشئ عجاب﴾ [ص ٥] ولما كان المشركون معترفون بأن الله تعالى هو الرب الواحد، خالق كل شئ، فاعل هذه الأمور الجسام، معد (١) للرغبات والرهبات، كما هو حديث حصين المشهور، وذلك بنقل الله تعالى عنهم معتقدهم في آيات كثيرة ﴿ومن أصدق من الله قيلًا﴾ وكانوا ايضًا يتخذون آلهتهم شفعاء لهم، تقربهم إلى الله زلفى، ويقولون عن الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله، كما قال سبحانه عن صاحب يس، وهو حبيب النجار المذكور في سورة يس، وكان ينحت الأصنام: ﴿ومالى لا أعبد الذى فطرني وإليه ترجعون﴾ الآية. فكان جل أحوال المشركين مع آلهتهم التوكل عليهم، والالتجاء إليهم بالشفاعة، ظنًا منهم أنها نافعة عنده تعالى لهم فرد الله تعالى عليهم، وأبان معتقدهم المسئول لديهم، فأخبرنا ﷾ في كتابه أن الشفاعة كلها بجميع انواعها له.
قال تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعًا﴾، وأنها لا تمون إلا من بعد إذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له المشار إليه بما رواه البخارى: أن أبا هريرة - ﵁ - قال للنبي - ﷺ -: من اسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»، فهؤلاء المخلصون هم الذين اخلصوا الدين كله لله، فجعلوا الشفاعة، التوكل والرجاء، والالتجاء، وغير ذلك من خواص الألوهية حقوقًا ثابتة له سبحانه، لم يعطوها لغيره فوجدوه بها، وأخلصوا الدعوة له، فهم المؤمنون الموحدو، وبكتابه الذى أنزل على نبيه مهتدون.
_________________
(١) هكذا وردت هذه الكلمة في الأصل.
[ ٥٠٧ ]
[حقيقة الشفاعة]
وحقيقة الشفاعة الماذون فيها: أن الله سبحانه هو الذى يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافعين، الذين أذن لهم في المشفوع له ليكرمهم على حسب مراتبهم. وينال نبينا - ﷺ - منه المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون. ولما كان ﵊ يشفع لأمته بدعاء واستسقاء مما هو شفاعة منه لهم، فكذلك في عرصات القيامة، بفتح الله تعالى عليه في الدعاء فيشفعه، كما ورد في حديث الشفاعة.
ومن تأمل بعين الأستبصار في الشفاعة المنفية أولًا علم ان المقصود بنفي الشفاعة نفى الشرك وهو أن لا يعبد إلا الله. والدعاء عبادة كما ورد، وقال سبحانه: ﴿فلا تدعو مع الله أحدًا﴾
ولا يسأل غيره، ولا يتوكل عليه لا في شفاعة ولا في غيرها. فكما أنه ليس للمؤمن أن يتوكل على أحد في أن يرزقه، وإن كان الله تعالى ياتيه برزقه باسباب، كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله تعالى في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة بشفاعة وغيرها مما لم يأذن الله سبحانه به، إذ لا فرق بينهما، فالشفاعة التى نفاها القرآن مطلقًا، كما قال تعالى: ﴿ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾ ما كان فيها شرك، وتلك منفية مطلقًا.
والشفاعة المثبتة ما تكون بعد الأذن يوم القيامة، ولا تكون الشفاعة إلا لمن أرتضى، فهذه الشفاعة من التوحيد، ومستحقها أهل التوحيد. فمن كان موحدًا مخلصًا قطع رجاءه عن غير الله تعالى، ولم يجعل له وليًا ولا شفيعًا من دون الله سبحانه.
إذا تبين هذا، فالمشركون قد كانت عبادتهم لآلهتهم هذا الالتجاء والرجاء
[ ٥٠٨ ]
والدعاء لأجل الشفاعة معتقدين أنها المقربة لهم، فبسبب هذا الاعتقاد والالتجاء أريقت دماؤهم واستبيحت أموالهم.
وقد ارسل - ﷺ - بل جميع الرسل بكلمة التوحيد ليعدلهم عما هم عليه من الضلالات، وأوحيت عليهم إفراد الحق سبحانه بالألوهية، التى من أعظم خواصها هذا الالتجاء والرجاء، وألا يجعلوا الألوهية لغيره، وقد تعبدهم الله تعالى باعتقاد هذا التوحيد والعمل بمقتضى الشهادة المشتملة على التجريد والتفريد، اللذين هما حقيقة التوحيد. فهذا الالتجاء بطلب الشفاعة ورجائها عبادة لا تصلح إلا له ﷿، وإنها من صرف حقوقه تعالى ومن الشرك (١) .
(فإن قلت): إن المشركين كانوا يعبدونهم ونحن لا نعبدهم؟
(فالجواب): أن عبادتهم هي هذا الالتجاء الذى انت فيه، وكما أنك تدعو النبي - ﷺ - الذى بعث بإخلاص الدعوة لله تعالى، وحاشاه أن يرضى بذلك ولا يرضيه إلا ما يرضى ربه من التوحيد - فإنه ﵊ قد أمر بإخلاص العبادة، ونهى عن الشرك، وحذر وبصر، وأرشدك وبلغ، ونصح الأمة، وأزل عنا الغمة، فهدانا إلى السبيل المستقيم، وتدعو غيره ملتجئًا إليهم بطلب الشفاعة منهم. كذلك الأولون كانوا يدعون صالحين وانبياء ومرسلين، طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ فبهذا الالتجاء والتوكل على هذه الشفاعة والرجاء أشركوا.
(فإن قلت): إن الأولين لا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وينكرون البعث، ويجعلون القرآن سحرًا.
_________________
(١) كذا في الأصل.
[ ٥٠٩ ]
فالجواب: إنه لا خلاف بين العلماء كلهم: أن الرجل إذا صدق رسول الله - ﷺ - في شئ وكذبه في آخر، أنه لم يدخل في الإسلام، كما إذا آمن ببعض القرآن وكفر ببعض، فما نحن فيه من هذا القبيل.
(فإن قلت): إن النبي - ﷺ - مأذون بالشفاعة ونحن نطلبها ممن هو مأذون فيها.
(فالجواب): أنه ﵊ الآن موعود بالشفاعة في اليوم الآخر ووعد الله حق، لكنها مشروطة ببعد الإذن ورضاه عن المشفوع فيه، فينبغي لمن أراد أن يدعو بطلب الشفاعة أن يقول: اللهم لا تحرمنى شفاعته ﵊، اللهم شفعه في، وأمثال ذلك.
ولو كانت تطلب منه - ﷺ - الآن لجاز لنا أن نطلبها أيضًا ممن وردت الشفاعة لهم، كالقرآن والملائكة والأفراط، وهم أطفال المؤمنين، والحجر الأسود، إذ قد روى أنه يشفع لمثل ربيعة ومضر، وبالصالحين، ولجاز لنا أن ندعوهم ونلتجئ إليهم ونرجوهم بهذه الشفاعة، إذ لا فرق بين الجمع بثبوت أصل الشفاعة لهم والإذن فيها، فنصير إذن والمشركون الولين في طريق واحد، ولم نفترق إلا بالأعمال الظاهرة: كالصوم والصلاة، وقول كلمة التوحيد من غير عمل بما فيها، ومن غير اعتقاد لحقيقتها.
ولا يقدم على ذلك من له أدنى مسكة من عقل، أو فكرة فيما صح من النقل.
ومن نظر بعين افنصاف، وتجنب سبيل الاعتساف، ونظر إلى ما كان عليه الأولون، وعرف كيف كان شركهم، وبماذا أرسل إليهم النبي - ﷺ -، وكيف التوحيد، وما معنى الإله والتأله، وتبصر في
[ ٥١٠ ]
العبادات وأنواعها - تحقق أن هذا الألتجاء والتوكل والرجاء بمثل طلب الشفاعة هو الذى نهى عنه الأولون، وأرسل لأجل قمعه المرسلون، وبذلك نطق الكتاب، وبينه لنا خير من اوتى الحكمة وفصل الخطاب، سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات، ولرفع الكرب المهمات، مما لا يقدر على دفعه إلا خالق الأرض والسماوات.
وقد كان الأولون إذا وقعوا في شدة دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إذا هم يشركون. ومن فعل هذا بحالتى الشدة والرخاء، بل في قسمى المنع والعطاء فقد غلا وداوز حده، قال سبحانه: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [الرعد ١٤] .
وإذا علمت هذا، فاعلم أن الاستغاثة بالشئ طلب الإغاثة والغوث منه، كما ان الاستغاثة بشئ: طلب الإعانة منه. فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالًا منه، وظاهر أن ذلك ليس توسلًا به إلى غيره، بل طلب منه، إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد عند غيره أن يقول لمستغاثه: أستغيثك على هذا الآمر بفلان، فيوجه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له ارجو منك، أو أريد منك، أو أستغيث بك، ويقول إنه وسيلتى إلى ربي، فإن هذا غير معروف، وإن كان كما يقول فما قدر عظم المتوسل إليه حق قدره وتعظيمه، وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره. كيف واستعمال العرب يأبي عنه، فإن من يقول: صار لى ضيق فاستغيث بصاحب القبر فحصل الفرج، يدل دلالة جبلية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به عند غيره، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو أستغيث عند الله تعالى بفلان، أو يقول لمستغاثه وهو الله سبحانه: استعيث إليك بفلان، فيكون حينئذ مدخول الباء متوسلًا به،
[ ٥١١ ]
ولايصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: أستغثت بفلان، وتريد التوسل به، وسيما إذا كنت داعية وسائلة، بل قولك هذا نص على أن مدخول الباء مستغاث وليس بمستغاث به. والقرائن التى تكشفه من الدعاء له، وقصر الرجاء عليه شهود عدول، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول. فهذه الاستغاثة، وتوجه القلب إلى المسئول بالسؤال والإبانة، محظور على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.
قال الشيخ محمد الأمين السويدى الشافعي: ولا يجوز ذلك إلا من جهل آثار الرسالة، ولهذا عمت الاستغاثة بالأموات عند نزول الكربات، يسألونهم ويتضرعون إليهم، فكان ما يفعلونه معهم أعظم من عبادتهم واعتقادهم في رب السماوات. أهـ.
قال المانعون: وهل سمعتم ان أحدًا في زمانه - ﷺ - أو ممن بعده في القرون الثلاثة المشهود لأهلها بالنجاة والصدق، وهم أعلم منا بهذه المطالب، وأحرص على نيل مثل تيك الرغائب - استغاث بمن يزيل كربته التى لا يقدر على إزالتها إلا الله سبحانه، أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك ولم يعبدوا إلا إياه.
ولقد جرت عليهم أمور مهمة وشدائد مدلهمة في حياته - ﷺ - وبعد وفاته. فهل سمعت عن احد منهم انه استغاث بسيد المرسلين - ﷺ -! أو قالوا: إنا مستغيثون بك يا رسول الله! أم بلغت أنهم لاذوا بقبره الشريف، وهو سيد القبور، حين ضاقت منهم الصدور! كلا! لا يمكن لهم ذلك، وإن الذى كان بعكس ما هنالك فلقد أثنى الله تعالى عليهم ورضي عنهم فقال عز من قائل: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ [الأنفال ٩] مبينًا لما سبحانه أن هذه الاستغاثة هي اخص الدعاء، وأجلى احوال الالتجاء.
[ ٥١٢ ]
ففي استغاثة المضطر بغيره تعالى عند كربته: تعطيل لتوحيد معاملته الخاصة به.
(فإن قلت): إن اللمستغاث بهم قدرة كسبيه وتسببية فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى.
(قلنا له): إن كلامنا فيمن يستغاث به عند المام ما لا يقدر عليه غلا الله تعالى، أو لسؤال ما لا يعطيه، ويمنعه إلا الله سبحانه، وأما فيما عدا ذلك مما يجرى فيه التعاون والتعاضد بين الناس، وإغاثة بعضهم ببعض فهذا شئ لا نقول به ولا ننكره؟ كما قال تعالى: ﴿فاستغاثة الذى من شيعته على الذى من عدوه﴾ [القصص ١٥]، ونعد منعه جنونًا، كما نعد إباحة ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شركًا وضلالًا. وكون العبد له قدرة كسبية، لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، لا يستغاث به فيها لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعان به ولا يتوكل عليه، يلتجأ في ذلك. وأما مجئ جبريل ﵇ لإبراهيم ﵊ حين القى في النار، وقوله: هل لك من حاجة؟ فقال: إما إليك، فإن ذلك مما يقدر عليه جبريل بإذن اله تعالى، لأنه كما قال سبحانه فيه: ﴿شديد القوى﴾ فلو أذن تعالى له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض، أو يرفع إبراهيم إلى السماء لفعل. فإذا علمت ذلك فلا يقال لحي او ميت قريب أو بعيد: أرزقنى، أو أمت فلانًا، أو أشف مريضى، إلى غير ذلك مما هو من الفعال الخاصة به ﷿. وبالجملة، فالاستعاثة والاستعانة والاتوكل أغصان دوحة التوحيد، المطلوب من العبيد.
بقى ههنا بوردة المجيزون على هؤلاء المانعين، وهو أنه لا شك أن عن عبد غير الله تعالى مشرك، وأن الدعاء المختص بالله سبحانه عباده، بل هو مخ العبادة، كما ورد في الحديث. ولكن لا نسلم أن طلب الإغاثة لمن استغيث
[ ٥١٣ ]
بهم شرك مطلقًا، وإنما يكون شركًا لو كان المستغيث معتقدًا أنهم هم الفاعلون لذلك خلقًا وإيجادًا، فحينئذ يكون من الشرك الاعتقادى قطعًا.
أما من اعتقدهم الفاعلين كسبًا وتسيبًا، وأن المؤثر الحقيقى هو الله تعالى، وإنما تسند هذه الأمور إليهم لكونها جرت على أيديهم فليس بمسلم. ولئن سلمنا فليس المقصود من طلب الإغاثة منهم وندائهم إلا التوسل بهم وبجاههم، وإن كان اللفظ يدل على الطلب منهم، لكن المقصود التشفيع والتوسل بهم إلى ربهم، وهو - ﷺ - من اشرف الوسائل إليه سبحانه.
وقد أمرنا ﷿ بطلب ما يتوسل إليه بقوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ فكيف تخطرونها شركًا مخرجًا من الملة، وليس في قلوب المسلمين إلا هذا المعنى، وأن في الذى ذكرتموه تكفير أكثر الناس. وكيف تحكمون على إناس قد ظهروا شعائر انثلام من اذان وصلاة وصوم وحج وزكاة، يأتون بكلمة التوحيد، ويحبون الله تعالى وسيد المرسلين. وغاية المر أنهم لرهبتهم من ربهم ومعرفتهم بعلو مرتبة نبينا - ﷺ -، وما وعده الله سبحانه به من إرضائه، كما قال تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ ولا يرضى ﵊ إلا بأن يقف لأمته في مثل هذه التوسلات فينالوا الرغبات. وليس في اقوالكم هذه إلا تنقص بحق هذا النبي الأمين. الذى أوجب الله تعالى علينا حبه أكثر من محبتنا لأنفسنا والقربين، وفي مثل ذلك تدعونه بشاعة في القول، وشناعة بطريق الأولى.
فأجاب المانعون بقولهم: أما قولكم: أن ليس مقصودهم إلا التوسل والتشفيع، وإن تكلموا بما يفيد غيره،فإنه يدل على أن الشرك لا يكون إلا أعتقاديًا، وأن اللفظ لا يكون كفرًا إلا إذا طابق الاعتقاد.
[ ٥١٤ ]
هذا يقتضى سد أبواب الشرائع،ومحو الأبواب التى ذكرها الفقهاء في الردة. ولا سيما ما ذكرته الحنفية من التكفير بألفاظ يذكرها بعض الناس من غير اعتقاد، كيف وأن الله سبحانه يقول: ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ والكلمة التى قالوها كانت على جهة المزح مع كونهم في زمن رسوله - ﷺ -، وكانوا يجاهدون ويصلون، ويفعلون جميع الأوامر، وقال تعالى: ﴿أبالله ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، وقد ذكر المفسرون: أنهم قالوها على جهة المزح.
وكذلك العلماء كفروا بألفاظ سهلة جدًا، وبأفعال تدل على ما هو دون ذلك، لا سيما الحنفية كما لا يخفى على من تتبع كتبهم.
ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة بها، وإنما العبرة للإعتقاد لأمكن لكل من تكلم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقًا أن يقول: لم تحكمون بردتى!؟ فيذكر احتمالًا، ولو بعيدًا، يخرج به عما كفر فيه، ولما احتاج إلى توبة ولا توجه عليه لوم أبدًا.
وهذا ظاهر البطلان، ولساغ لكل أحد ان يتكلم بكل ما أراد، فتئسد الأبواب المتعلقة بأحكام الألفاظ.
قالوا: وأما ما ذكرتم من انه - ﷺ - من اشرف الوسائل فهي كلمة حق أريد بها بالطل، كقولهم: إنه ذو الجاه العريض، والمقام المنيع، ونحن أولى بهذا المقام منكم لاتباعنا لأقواله وأفعاله، واقتدائنا به - ﷺ - في جميع احواله، مقنفين لأثاره، واقفين عند اخباره، فهو - ﷺ - نبينا وهادينا إلى سبل الإسلام، ومنقذنا برسالته من مهاوى اولئك الجفاة الطغام. فلا نعمل إلا بأمره، ونتلقى ذلك بالسمع والطاعة في حلوه ومره. وقد أوجب سبحانه علينا ان نتبع سبيل
[ ٥١٥ ]
المؤمنين، ونهانا عن الغلو في الدين. وهذا طريق سلفنا الصالح، والاعتقاد الراجح.
هذا، وإن نبينا ﵊، وأرواحنا واولادنا وأموالنا له الفداء، لا يرضى بما يغضب الرب المتعال. وكيف وقد بعث بحماية التوحيد من هذه الأقوال والأفعال، وقد قالت عائشة - ﵁ -: «كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه» فليس لنا وسيلة إلى الله تعالى إلا طاعة رسوله، والأعمال الصالحة، والدعاء المبني على أصول الذل والافتقار وهو مخ العبادة.
هذا، وقد اختلف العلماء بعد أن اتفقوا على استحباب سؤاله ﷿ به وباسمائه وبصفاته وأفعاله في جواز التوسل بالذوات المنفية والأماكن والأوقات الشريفة، فعن العز بن عبد السلام ومن تابعه: عدم الجواز إلا بالنبي - ﷺ -، وعن الحنابلة في اصح القولين: إنه مكروه كراهة تحريم. وهذا إذا كان الداعي متوجهًا إلى ربه متوسلًا إليه بغيره، مثل أن يقول: أسألك بجاه فلان عبدك، أو بحرمته أو بحقه.
وأما إذا توجه إلى ذلك الغير فطلب منه كما يفعله كثير من الجهلة فهو شرك كما تقدم.
ونقل القدورى وغيره عن الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة - ﵁ -:لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلا به.
وذكر العلائي في شرح التنوير عن التتار خانية عن ابي حنفية أنه قال: لا ينبغي لأحد أن الله يدعو سبحانه إلا به. والدعاء المأذون فيه المامور به: ما استفيد من قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها﴾ قال: وكذا لا يصلى أحد إلا على النبي ﵊. أهـ.
وفي جميع متونهم: أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء،
[ ٥١٦ ]
وبحق البيت والمشعر الحرام - مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد، وعللوا ذلك بقولهم: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
وأما حديث الخارج إلى الصلاة: أسالك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى، وبحق نبيك والأنبياء من قبله فغني لم أخرج أشرًا ولا يطرأ، ولا رياء ولا سمعه، وبكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذنى من النار وان تدخلنى الجنة» فرواه العوفى، وفي رواية وهن.
وعلى فرض صحتها، فالمراد بهذا الحق ما أوجبه الله تعالى على نفسه، وذلك من أفعاله ﷿، لأن حق السائلين الإجابة، وحق المطيعين الإثابة، وحق الأنبياء التقريب والتفضيل بما يخص أولئك العصابة، - ﷺ - وذلك كقوله تعالى: ﴿ولكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ .
وقوله - ﷺ -: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله تعالى أن لا يعذبهم» أو السؤال بالأعمال لأن الممشى إلى الطاعة امتثالًا لأمره عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يايها الذين أمنوا أتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ ومن نظر إلى الدعية الواردة في الكتاب والسنة وعن الصحابة والأئمة لم يجدها خارجة عما ذكرنا.
[سقوط الاستدلال بحديث الأعمى]
وقالوا في الجواب عن حديث الأعمى الذى رواه عثمان بن حنيف - ﵁ -، الذى دل على الجواز في حياته ﵊، وفي الرواية الأخرى بعد وفاته، وهو ما نقل العلامة السويدى العمدة في الاستدلال عند المجوزين، لأن غيره من الأحاديث إما أن يكون ضعيفًا لا يصلح للاستدلال، أو انه دليل على المجوزين لا لهم، كحديث استسقاء عمر بالعباس - ﵁ -.
[ ٥١٧ ]
فاعلم أنه قد روى النسائى والترمذى عن عثمان بن حنيف - ﵁ - أن رجلًا ضريرًا أتاه ﵊ فقال: أدع الله تعالى ان يعافيني؟ فقال - ﷺ -: «إن شئت أخرت وهو خير، إن شئت دعوت» قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه. وفي رواية: ويصلى ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم اني اسألك) أى أطلب منك (وأتوجه إليك نبيك محمد) صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك قصر السؤال الذى هو أصل الدعاء على الملك المتعال، ولكنه توسل به الصلاة والسلام أى بدعائه كما قال عمر، كنا نتوسل إليك بنبيك ﵊. فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد. ولذا قال في آخره: اللهم فشفعه في. إذ شفاعته لا تكون إلا بالدعاء لربه قطعًا.
ولو كان المراد بذاته الشريفة فقط، لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله: «بنبيك» كاف في إفادة هذا المعنى. وأيضًا قول الأعمى للنبي - ﷺ -: أدع الله تعالى أن يعافيني، وجوابه ﵊ له: «إن شئت أخرت وهو خير وإن شئت دعوت»، وقول الأعمى «فادعه» دليل واضح، وبرهان راجح، على ان التوسل كان بدعائه لا بنفس ذاته المطهرة ﵊. وقوله: (يا محمد انى وجهت بدعائك بك إلى ربي)، قال الطيبى: الباء في بك للأستعانة، أى استعنت بدعائك إلى ربي.
وقوله: (إنى توجهت) بعد قوله: (أتوجه إليك) فيه معنى قوله تعالى: ﴿من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه﴾ فيكون خطابًا لحاضر معين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه ﵊، الذى هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية، المفيد كل ذلك
[ ٥١٨ ]
أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه ﵊، فكأنه استحضر وقت ندائه، ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية، والقرائن الاعتبارية، كما يقول المصلى في تشهده: السلام عليك ايها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته.
ونقل السويدى عن أقتضاء الصراط المستقيم للشيخ: أن الإنسان يفعل مثل هذا كثيراَ، يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.
فلفظ التوسل بالشخص، والتوجه به والسؤال به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، فإنه يراد به التسبب به لكونه داعياَ وشافعًا مثلًا، أو لكون الداعي محبًا له، مطيعًا لأمره، مقتديًا به.
فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد الإقسام والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا شىء منه ولا شىء من السائل؛ بل بذاته لمجرد الإقسام به على الله تعالى فهذا الثاني هو الذى نهوا عنه. وكذلك لفظ السؤال قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سببًا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام.
ومن الأول حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار، وهو حديث مشهور؛ فهم دعوا الله تعالى بصلاح الأعمال؛ لأنها من أعظم ما يتوسل به العبد إليه تعالى ويسأله به؛ لأنه وعد الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله. اهـ.
وقوله: (في حاجتي هذه لتقضى) أي ليقضيها ربي بشفاعته أي في دعائه، وذلك مشروع مأمور به؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يطلبون منه ﵊ الدعاء، وكان يدعوا لهم. وكذلك يجوز الآن أن تأتي رجلًا صالحًا فتطلب منه الدعاء لك، بل يجوز للأعلى أن يطلبه
[ ٥١٩ ]
من الأدنى كما طلب النبي عليه أكمل الصلاة وأفضل السلام من الفاروق - ﵁ - في عمرته بأن قال له: «لا تنسنا يا أخي من دعائك» . قال عمر: ما يسرني بها حمر النعم، وكذلك أمر أمته أن يسألوا له الوسيلة.
وقال العلامة المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير: سأل الله تعالى أولا أن يأذن لنبيه ﵊ أن يشفع له، ثم أقبل على النبي - ﷺ - ملتمسًا شفاعته له، ثم كرَّ مقبلًا على ربه أن يقبل شفاعته.
والباء في «بنبيك» للتعدية وفي «بك» للاستعانة، وقوله: (اللهم فشفعه فيّ) أي أقبل شفاعته في حقي، والعطف بالفاء على معطوف عليه مقدر: أى أجعله شفيعًا لى فشفعه؛ فيكون قوله «اللهم» معترضة، وكل هذه المعاني التي ذكرت دالة على وجود شفاعته بذلك، وهو دعاؤه - ﷺ - له بكشف عاهته، وليس ذلك بمحظور، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء بل هو نداء الخاص، والدعاء أخص من النداء، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقًا، بل على معنى أنهم وسائل لله سبحانه بذواتهم.
وأما كونهم وسئل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله ﷿ بذواتهم فسأل منهم الشفاعة للتقرب إليهم، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون كما تقدم.
قال الشارح: ثم اعلم أن المراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدهما - أن الدعاء لغيره تعالى سواء كان المدعو حيًا أو ميتًا، وسواء كان من الأنبياء أو غيرهم؛ بأن يقال: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك. فهذا شرك بالله تعالى، وهو مثل عبادة الأصنام في القرون الماضية. الثاني - أن
[ ٥٢٠ ]
يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله تعالى، أو نحو ذلك فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها السلف، وإن كان السلام على أهل القبور حائزًا، ومخاطبتم جائزة، كما كان عليه أصحابه يعلم أصحابه ﵊ إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون» كما سيأتي.
الثالث: أن يقول: أسألك بجاه فلان عبدك، أو بحرمته، أو نحو ذلك. فهذا الذي تقدم عن العز بن عبد السلام أنه أفتى أنه لا يجوز في غير النبي - ﷺ -، وعن الحنابلة في أصح القولين، أنه مكروه كراهة تحريم، وهو ما تقدم نقله عن أبي حنيفة وأبي يوسف عليهما الرحمة، فتفطن.
وأما ورود هذا الحديث عن عثمان بن حنيف في زمن أمير المؤمنين عثمان ففي سنده مقال.
بل قال بعضهم: إن أمارات الوضع لائحة عليه، فكيف يعارض به الكتاب والسنة وعمل الصحابة؟ وهل سمعت أحدًا منهم جاء إلى قبره الشريف فطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟ وهم حريصون على مثل هذه المثوبات لا سيما والنفوس مولعة بقضاء حوائجها؟ .
نعم كان ابن عمر يأتي القبر المكرم ويقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف.
وكذلك أنس وغيره. فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة؛ فلو صح عند أحدهم الطلب منه ﵊ لرأيت أصحابه يتناوبون قبره المشرف زمرًا زمرًا. ومثل ذلك تتوفر الدواعي على نقله، ولأوسع الله تعالى طريقًا لم يتسع للصحابة والتابعين وصلحاء علماء الدين، وستأتي تتمة لهذا في بحث «شد الرحال» بعون الملك المتعال.
[ ٥٢١ ]
[توسل عمر بالعباس]
وأما ما ذكره من الاستدلال بتوسل عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب ﵁ تعالى عنهما، فالمراد بذلك أن يدعو لهم - يدل عليه ثبوت دعائه لهم بطلب السقيا، كما جاءت به بقيت الروايات. ومثله استسقاء معاوية في الشام بيزيد بن الأسود، فإنه قال: يا يزيد ارفع يديك؛ فرفع يديه ودعا ودعا الناس حتى سقوا.
وهذا المعنى هو الذي عناه الفقهاء في باب الاستسقاء، ومرادهم التوجه إلى الله تعالى بدعاء الصالحين، فإن دعائهم أرجى للإجابة.
ولو كان التوسل بالذوات هو المطلوب؛ والمدلول الذي أقاموا عليه الدليل، وهم بمقتضى دليلهم لا يخصون الأحياء بهذا التوسل، ويستحبون التوسل بالذوات الشريفة؛، ولو بندائهم ودعائهم، كما مر تقريره من دليلهم، وأنه على معنى الشفعاء يدعون لهم،وقالوا: لا مانع من ذلك عقلًا وشرعًا، فإنهم أحياء في قبورهم لكان التوسل بالنبي - ﷺ - في ذلك الأمر المهم، وهم عنده بالمدينة أولى.
ولكان قولهم كما في رواية البخارى عن أنس أن عمر - ﵁ - استسقى بالعباس رضي الله تعالى عنه وقال: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون» .
من هذا الحديث: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا - إلى آخره -» عبثًا ضائعًا، بل مخلا بما يقولون ويدعون، لأنه لو كان الاستسقاء به ﵊ جائزًا بعد موته - أرواحنا له الفداء - لما عدل عنه الفاروق.
بل هذا الدليل الذى تمسكوا به من أقوى الأدلة وأرجحها وأظهرها على ما ندعيه من عدم الجواز، فهو عليهم لالهم، عند من له أدنى فهم وإنصاف والله يهدي السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٥٢٢ ]
[حديث آدم]
وأما حديث آدم الذى رواه الطبراني، وهو ما روى عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لما أقترف آدم الخطيئة قال: يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا أدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال:: لأنك يا رب لما خلقتنى بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى أسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال ﷿ له: وإذا سألتنى بحقه غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» رواه البيهقى في دلائله من حديث عبد الرحمن، ورواه الحاكم وصححه، وذكره الطبراني وزاد فيه: «وهو آخر الأنبياء من ذريتك» ففيه ضعف كما ذكره المحدثون، وقد علم أيضًا جوابه مما مر من قوله: «بحق انبيائك» وما قاله أبو حنيفة، وأبو يوسف، فتفطن.
وأما الدليل الذى ساقه القسطلاني أيضًا في المقصد الأول، وهو ما روى «أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوبًا على ساق العرش، وعلى كل موضع في الجنة اسم محمد - ﷺ - مقرونًا باسم الله تعالى فقال: يارب هذا محمد من هو؟ فقال ﷿: هذا ولدك الذى لولاه ما خلقتك. فقال: يارب بحرمة هذا الولد أرحم هذا الولد، فنودى: يا آدم لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك» أنتهى، فلم يذكر رواته، ومع هذا لا يفيد ما هم فيه كما تحقق.
[حديث الأعرابي]
واما حديث الأعرابي لذى ذكر الأبيات فقد تفرد به البيهقى لبيان دلائل نبوته - ﷺ -. وقد جرت عادة المحدثين في مثل ذلك المقام أن لا يتحاشوا عن إيراد الحدث الضعيف وهم جمع، فكيف بهذا
[ ٥٢٣ ]
الحديث الفرد، فكيف يثبت به حكم هو مبني الدين، وأساس ملة المسلمين؟ على أنه لا شاهد فيه أيضًا، لأنه دل على طلب الدعاء من الرسول - ﷺ -. فإنهم لما حصل لهم الجدب فروا إلى نبينا - ﷺ - ليدعو لهم بكشف ما أهمهم.
وأما باقى الأحاديث فلا تخلو عن ضعف أو كذب رواه، أو غير ذلك مما يمنع العمل بموجبه، وإن نظرت إليها بعين الإيمان وجدت آثار الوضع لأئحة عليها، وأحوال الصحابة تدل على انهم غير معترفين بما فيها. ولو كان عندهم من ذلك أدنى رائحة لجاءوا إلى قبره المطهر في جميع ما ينوبهم على الرواحل، وتركوا عند ذلك جميع المشاغل، ولا زالت الصحابة تسد ذرائع التوسل الذى أدعاه المجزون، كما فعل عمر - ﵁ - من قطع الشجرة التى بويع تحتها رسول الله - ﷺ -.
وما ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه عن أبي العالية، قال: لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له، فإخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعبًا - ﵁ - فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه فقرأته مثل ما أقرأ القرآن فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم واموركم ولحن كلامكم وما هو كائن بعد.
فقلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه.
قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم، أبرزوا السرير فيمطرون.
فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال.
فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلثمائة سنة. قلت: ما كان
[ ٥٢٤ ]
تغير منه شئ؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء، لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع.
فلو كان الدعاء عند القبور سنة أو فضيلة لنصبوا عليه علمًا عنده، ولكن كانوا أعلم بالله وبرسوله ودينه من الخلوف التى خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان درجوا على سبيلهم، فقد كان عندهم من قبور الصحابة عدد كثير في الأمصار، فما منهم من استغاث بها ولا دعا عندهم، ولا أستسقى بها ولا استنصر، ولو كان لتوفرت الدواعي على نقله، وقد عمت البلوى الآن والنذور من اعظم العبادات، وأجل الغربات، وتفاخروا بوضع الزينة على تلك المقابر، وألهاهم عن اتباع السنة التكاثر، وحسب كثير منهم أن ذلك من السنن، وفشا المنكر، وظهرت - والعياذ بالله تعالى - الفتن، حتى نسج العالم الخبير على فمه من السكوت لثام، وترك الأمر بالمعروف خوفًا من مناقشة الجهلة اللئام، فإنا لله! ولا حول ولا قوة إلا بالله! .
[حديث مالك]
(قال المانعون): وأما حديث الإمام مالك الذى رواه صاحب الشفاء فهو معارض برواية المبسوط، ورواها أيضًا القاضي عياض وغيره: أن مالكًا قال: لا أرى أن يقف عند قبر النبي - ﷺ - يدعو، ولكن يسلم ويمضى.
وقال ايضًا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي - ﷺ - ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ور يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن
[ ٥٢٥ ]
أحد من اهل الفقه، ولا يصلح هذه المة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر او أراده. وقد ورد عن السلف ما يوافقه. وهذه الرواية موافقة لمذهبه، لأن سد الذرائع مشهور من مذهبه، فحمل رواية الشفاء على السقوط أولى، لكون رواية المبسوط أصح وأوفق لمذهبه.
غاية المر التعارض، وإذا تعارضت الروايتان لم يمكن الجمع بينهما فنسقطهما ونرجع إلى الأصل المرجوع إليه في الأقياس، والأصل ما ذكرناه لدلالة الكتاب والسنة، فالعمل به هو الواجب، سيما في مثل هذه المطالب.
[التبرك بآثار النبي - ﷺ -]
وأما ما ذكرتم من التبرك بآثاره الشريفة في حياته - ﷺ -، أى آثار نفسه من اجزائه المقدسة المطهرة، ومماس أعضائه الشريفة من ملابسه، فذلك حق واجب علينا أيها المسلمون، ففديه بأنفسنا واولادنا، وذلك من تعظيمه وتبجيله وبالغ توقيره - ﷺ -، وشرف وكرم. وما عدا ذلك من كل ما يرضي الله تعالى ويرضيه لا نقول به، ولا نعمل إلا بما ورد، فنعهد الله سبحانه بهذه الطاعة والتعظيم لنبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، بالاتباع لا بالابتداع.
واما استشفاع عمر بشيبه العباس - ﵁ -، فالمراد بذلك ذكر ما يكون سببًا لاستدرار الرحمة، وتنزل النعمة، كما يقول الإنسان في دعائه: «اللهم كبر سنى ووهن عظمى فارحم شيبتى» سيما إذا كانت شيبته شابت في الإسلام.
كما ورد في الحديث «إن الله يستحى من ذى الشيبة المسلم أن يعذبه» وسيما إذا كان الداعى مثل العباس عم رسول الله - ﷺ - وصنو
[ ٥٢٦ ]
ابيه، فذكر الشيبة من قبيل ذكر الملزوم، وإرادة اللازم الذى هو الزمان المصروف في سبيل الله، فيكون من قبيل الكتابة عن الأعمال الصالحة، ولا يقدم عاقل على القول بالتوسل بذات الشبيه نفسها، بل بما تلبست به من الإيمان وطاعة الرحمن: وهذا على تقدير صحة الرواية بهذا، وإلا فهي ضعيفة.
[قيمة المنامات والحكايات في الاستدلال]
واما الحكاية العتبى عن الأعرابي واستحسان العلماء لذلك، وكذلك المنامات والحكايات التى أوردها في ذلك، والأقوال التى ذكرت معها من غير سند شرعي يستندون إليه، ولا طريق مرعى يوقفون الطلاب عليه - فلا نتعب أنفسنا بالجواب، ففيما ذكرناه كفاية لأولى الألباب.
(قلت): وقال الشيخ ابن تيمية في إقتضاء الصراط المستقيم، إنهم احتجوا بهذه الحكاية التى لا يثبت بها حكم شرعي، ولا سيما في مثل هذا الأمر، بل قضاء الله تعالى حاجة مثل هذا الأعرابي لها اسباب قد بسطت في محلها، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضى أن يكون مشروعًا مأمورًا به، فقد كان ﵊ يسأل في حياته المسألة فيعطيها، وتكون محرمة في حق السائل، حتى قال: «إنى لأعطي أحدهم العطية فيعطيها، وتكون محرمة في حق السائل، حتى قال: «إنى لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارًا قالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألونى، ويأبى الله تعالى لى البخل» .
وقد يفعل الرجل العمل الذى يعتقده صالحًا، ولا يكون عالمًا أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع.
وعامة العبادات المبتدعة المنهى عنها قد يفعلها بعض الناس، ويحصل بها نوع من الفائدة: وذلك لا يدل على أنها مشروعة، ولو لم نكن مفسدتها أعظم من مصلحتها لما نهى عنها. ثم الفاعل قد يكون متاولًا، أو مخطئًا مجتهدًا
[ ٥٢٧ ]
أو مقلدًا، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع المقرن بغير المشروع، كالمجتهد المخطئ. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. أهـ.
[الحياة البرزخية]
(قال المانعون): وبقى ما أدلوا (١) علينا من حياة الأنبياء ﵈ ليتوصلوا به إلى ترويح مدعاهم من استحسان دعائهم وطلب إغاثتهم، وأولوه بان مرادهم في ذلك الاستشفاع: طلب أن يدعوا لهم. لأنهم إذا كانوا احياء فلا مانع من ذلك.
فنقول: القول بحياتهم حق ثابت بالأحاديث الصحيحة، فنعقتد حياتهم عليهم الصلاة والسلام، حياة برزخية فوق حياة الشهداء، وأن نبينا - ﷺ - قد جعل عند قبره الشريف ملك يبلغه سلام المسلمين الذين عند ضريحه المكرم والنائين عنه، ونعتقد أن الأنبياء ﵈ جميعهم طريون لا تأكل الأرض أجسامهم الشريفة للأحاديث الواردة في ذلك، منها حديث أوس - ﵁ - مرفوعًا: «أفضل ايامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة على. قالوا: وكيف صلاتنا عليك؟ وقد أرمت - أى بليت ٠ فقال ﵊: إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أخرجه ابن حبان وغيره.
ولكنا نمنع أن يطلب منهم شئ؟ فلا يسألون شيئًا بعد وفاتهم، كما تقدم، سواء كان لفظ استغاثة أو توجه أو استشفاع أو غير ذلك.
فجميع ذلك من وظائف الألوهية، فلا يليق جعله لمن يتصف بالعبودية فإن ادعى أحد أن حياتهم - ﷺ - إذا ثبتت الرواية بها
_________________
(١) أدلوا: توسلوا. أهـ.
[ ٥٢٨ ]
وهي ما اخرجه أبو يعلى والبيهقى عن انس - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» حياه حقيقية، كما هو الأصل في حمل الألفاظ على حقائقها، ولم نثبت قرينه على التجوز بها فينبغي الحياة على حقيقتها. أجبناه قائلين: لا شك أنه لا يرد بهذه الحياة الحقيقية ولو أريدت لاقتضت جميع لوازمها من اعمال وتكليف وعبادة ونطق وغير ذلك، وحيث أنتفت حقيقة هذه الحياة الدنيوية بانتفاء لوازمها، وبحصول الانتقال من هذه الحياة الدنيوية الحقيقية إلى تلك الحياة البرزخية المعبر عن هذا الانتقال بالموت الحال به - ﷺ - وارواحنا له الفداء - كما قال تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر ٣٠] .
وقال عز من قائل: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران ١٤٤] .
وحلول الموت به - ﷺ - لا يمكن أحدًا إنكاره.
ولما جاء الصديق - ﵁ -، وكان غائبًا بالعالية، وقد أذن له - ﷺ - بالذهاب فكشف عن وجهه الشريف المكرم قال له: روحي لك الفداء، طبت حيًا وميتًا.
وفي حديث سالم: أنه تلا الايتين المذكورتين عند ذلك، ثم صعد المنبر فقال في خطبته: يأيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت - وتلا هذه الآية، فتراجع الناس إلى عقولهم. وقال عمر: فو الله لكأنى لم اتل هذه الآية قط.
وحيث انتفت الحياة الحقيقية بما ذكر وبغيره ثبتت الحياة البرزخية، وهي متفاوتة، فحياة الشهداء فوق حياة المؤمنين، وحياة الأنبياء ﵈ أعلى من حياة الشهداء. وقد شرف سبحانه هؤلاء الأحياء بالتشريفات العندية،
[ ٥٢٩ ]
فقال عز من قائل في حق الشهداء الذين تتقاصر مرتبتهم عن الأنبياء ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران ١٦٩] .
(فإن قلت): قد ثبت في الحديث السابق أن الأنبياء يصلون، واخرج الإمام أحمد ومسلم عن انس بن مالك - ﵁ - عنه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مررت ليلة اسرى بي على موسى قائمًا يصلى في قبره. وفي رواية - عند الكثيب الأحمر» فما الجواب عن ذلك؟ .
(قلنا): المراد من الصلاة المعنى اللغوى. أى يدعو وثيني عليه سبحانه ويذكره. وقال القرطبي: المراد الصلاة الشرعية، لظاهر الحديث، وأنها ليست بحكم التكليف بل بحكم الأكرام لهم والتشريف.
ولا تدافع بين هذا وبين رؤيته إياه تلك الليلة في السماء السادسة، لأن للأنبياء ﵈ مراقع ومسارح ينصرفون فيما شاءوا ثم يرجعون إلى قبورهم.
أو لآن أرواح الأنبياء بعد مفارقة البدن في الرفيق الأعلى، ولها إشراف على البدن وتعلق به، ويمكنون من التصرف والتقرب بحيث يرد السلام على المسلم، وبهذا التعلق رآه يصلى في قبره، ورآه في السماء السادسة.
فلا يلزم كون موسى ﵇ عرج به من قبره تلك الليلة ثم رد إليه بل ذلك مقام روحه واستقراره إلى يوم معاد الرواح إلى الأجساد. كما أن روح نبينا - ﷺ - بالرفيق الأعلى، وبدنه في ضريحه المطهر يرد السلام على من يسلم عليه.
ومن غلظ طبعه عن إدراك هذا فلينظر إلى السماء في علوها وتعليقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان، ولينظر إلى النار كيف تؤثر
[ ٥٣٠ ]
في الجسم البعيد، مع أن الارتباط الذى بين الروح والبدن اقوى واتم. وتتمة الأقوال، وبسط الأحوال لأهل البرزخ من نعيم واهوال - طور عظيم وحال يجب له التسليم. وقد فصل في الكتب المخصوصة، وأثبت بادلائل المنصوصة. وهذا آخر ما تلخص من اجوبة المانعين، وتحصل من كلام المدققين، فاصح سمعك لمناديه، ولا يحملنك الهوى فتعاديه.
ولابد لك من ان تجول بجوار ذهنك في ميدان الكلامين، وتلج في لج البحرين، لتكرع من الأصفى الأعذب، وتعتقد حباص عقيدتك على الأسلم والأصوب، وذلك مفوض إليك، والسلام علينا وعليك، أدخلنا الله تعالى وإياك تحت شفاعة الشافعين، ولا سيما شفاعة نبينا سيد المرسلين، عليه وعلى آله وصحبه افضل صلاة المصلين، وازكى سلام المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
[مذهب ابن تيمية في التوسل]
تتمه
ولنذكر شيئًا من كلام الشيخ ابن تيمية ليستدل به على مرامه، وطويته في اعتصامه فاقول: قال في كتاب الاستغاثة في الرد على ابن السبكي ما نصه:
وأما قول القائل: إن المتوسل إنما هو سائل لله تعالى، راج له، عالم أن النفع والضر بيده لا شريك له، وإنما توسل إليه بمن يحبه الله تعالى لشرف منزلته عنده، ليكون أقرب إلى الإجابة، وحصول المراد: كطلب الدعاء من الرجل الصالح فيقال: توسل العبد إلى الله تعالى بما يحب، لفظ مجمل، فغن اريد بما يحب الله تعالى أن يتوسل به إليه فهذا حق، والله تعالى يحب ان يتوسل إليه بالإيمان والعمل الصالح، والصلاة والسلام على نبيه - ﷺ -، ومحبته وطاعته وموالاته.
فهذه ونحوها هي من الأمور التى يحب الله تعالى أن يتوسل بها إليه.
[ ٥٣١ ]
وإن اريد أنه يتوسل إليه بما يحب ذاته، وإن لم يكن هناك ما يحب الله تعالى أن يتوسل به، فهذا باطل عقلًا وشرعًا.
أما عقلًا فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوبًا له ما يوجب كون حاجتى تقضى بالتوسل بذاته: إذا لم يكن منى ولا منه سبب تقضى به حاجتى، فإن كان منه دعاء لى، أو كان منه إيمان به وطاعة له، فلا ريب أن هذه وسيلة.
واما نفس ذاته المحبوبة لله تعالى، فأى وسيلة لي فيها إذا لم يحصل لي السبب الذى أمرت به فيها، ولهذا لو توسل به من كفر به لم ينفعه، والمؤمن به ينفعه الإيمان به، وهو أعظم الوسائل. فتبين أن الوسيلة بين العباد وبين ربهم ﷿ الإيمان بالرسل وطاعتهم. وقول القائل للرجل: أدع لى: توسل بدعاء الصالحين، وهو من جملة الأسباب النافعة كشفاعة النبي - ﷺ -.
واما المشروع فيقال: إن العبادات مبناها على الاتباع لا الابتداع، وليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله. ألا ترى أنه ليس لأحد أن يصلى إلى قبره عليه لصلاة والسلام، ويقول هو احق بالصلاة إليه من الكعبة! وقد ثبت عنه ﵊ في الصحيح أنه قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» ومن لم يعتصم بالكتاب والسنة ضل وأضل.
وليس في قوة أحد أن يفهم أسرار العبادات ومنافعها، ومضار ما ينهى عنه من ذلك. فعليه أن يسلم للشريعة، ويعلم أنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
وإذا رأى من العبادات التي يظنها حسنة ونافعة ما ليس بمشروع، علم أن ذلك لضرر فيها راجح على نفعها، ومفسدة راجحة على مصلحتها. إذ الشارع حكيم، لا يهمل المصالح. فإن قال: أنا إذا توسلت بذاته إنما توسلت بعملي
[ ٥٣٢ ]
المعلق به، وذلك أنه لحبى له، وتعظيمي إياه توسلت به. وهذا مما يحبه الله تعالى مني.
قيل: حبك وتعظيمك له الذي هو من الإيمان به، وهو يدعوك إلى زيادة الإيمان به وطاعته، وهو الذي يحبه الله تعالى منك. وأما حبك وتعظيمك الذي لا نقصد به إلا قضاء حاجتك الدنيوية - فهذا لا يحبه الله تعالى منك.
فإذا كان الداعي لم يؤمن به ولم يطعه، بل سأل الله تعالى به وتوسل به، وأحبه وعظمه ليقضي حاجته بالتوسل به؛ لم يكن ذلك مما يحبه الله ﷿ بالضرورة.
ولم يأمر الله تعالى بذلك، بل لم يأمر الله تعالى إلا بالإيمان به والطاعة، وهذا إذا حصل كان أعظم الوسائل للعبد عند الله ﷿. وإن لم يحصل فلا وسيلة للعبد عند الله تعالى.
وقد بسط الكلام في غير هذا الموضع في حقيقة الدعاء. وما فيه من مشروع وغير مشروع، وأن من الدعاء ما يحصل به مقصود العهد أو بعض مقصوده،ويكون وبالا عليه، لأن ضرر ذلك أعظم من نفعه، كما قال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخيفة إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف ٥٥] .
وروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء» وأعرف من يستغيث برجال أحياء، فتصور له صورهم تدفع عنه ما كان يحذر. ويحصل له ما كان يطلب، وأولئك الأحياء لا شعور لهم بذلك، وإنما هي شياطين تمثلت لتضل ذلك الداعي، كما كانت الإنس تستعيذ بالجن، فكانت رؤساء الجن تعيذهم من سفهائهم باستعاذة الإنس، قال الله تعالى: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن﴾ [الجن ٦] .
[ ٥٣٣ ]
والذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب ويعبدونها، تتنزل عليهم أرواح من الشياطين، وتقضى لهم كثيرًا من الحاجات، ويسمونها روحانية ذلك الكواكب، وهو شيطان ينزل عليهم من يطير بصاحبه في الهواء، وينقله إلى بيت المقدس، ويدخل به النار فيمنعه حرها، إلى أمور كثيرة.
فالسعادة والنجاة في الأعتصام بالكتاب والسنة، وأتباع ما شرع والدعاء من أجل العبادات، فينبغي للإنسان أن يلتزم الأدعية الشرعية، كما يتحرى في سائر عباداته الصورة الشرعية، فإن هذا هو الطريق المستقيم.
وأما قوله: إنه يجوز الاستغاثة بالنبي - ﷺ - أو بغيره من الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله ﷿ فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى - فهذا قول لم يقله قبله أحد من علماء المسلمين، ولا من الصحابة والتابعين ولا غيرهم.
وقائل هذه العبارة إما مفتر على الدين، أو مفتر على اللغة، مبلس على المسلمين.
بل إطلاق القائل القول: بأنه يستغاث بالنبي أو الصالح أو غيرهما في كل ما يستغاث الله فيه - لا يفهم الناس في اللغة التى يعرفونها إلا ما هو كفر صريح. وقوله: على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى - لا يخرج مدلول هذا اللفظ في اللغة المعروفة عن أن يكون كفرًا، فإن الاستغاثة بالشخص طلب الغوث منه.
وقد قال هو: إن معنى الإستغاثة دائر على طلب الإغاثة، والتخليص من الكربة والشدة، سواء كان طلب ذلك من الخالق أو المخلوق. وإذا كان كذلك فهذا القول يقتضى أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق من الإستغاثة من المخلوق الحي أو الميت إزالة الأمراض والأسقام،
[ ٥٣٤ ]
وكشف الجدب والقحط بإنزال المطر، وإسقاط الأنام، وكشف ضرر الكفار بأن ينصر عليهم المؤمنين الأبرار، بل ونطلب كشف شدة المعاصي بالمغفرة للمذنب العاصي.
وبالجملة، فإذا كانت الإستغاثة طلب الإغاثة والتخليص من الكربة والشدة، سواء كان طلب ذلك من المخلوق أو من الخالق، وقد جوز الاستغاثة بمخلوق في كل ما يستغاث الله تعالى فيه - فقد لزم أن يطلب من هذا المخلوق كل ما يطلب من الله ﷿.
وإن قيل: إنه على معنى الوسيلة، فهذا لا ينجيه.
فإنه من جوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الله تعالى فهو كافر بإجماع المسلمين، بل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا يجوز طلبه من المخلوق اصلًا بإجماع المسلمين.
ومن طلب من المخلوق غفران الذنوب وهداية القلوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات، والنصر على الأعداء في الدين - فهو كافر برب العالمين،،قد قال تعالى: ﴿قل أدعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا - إلى قوله تعالى - إن عذاب ربك كان محذورًا﴾ [الأسراء ٥٧] .
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة، فبين الله تعالى لهم: أن هؤلاء عبادى كما أنتم عبادى، يرجون رحمتى كما ترجون رحمتى، ويخافون عذابي،،يتقربون إلى كما تتقربون إلى. وقد أخبر سبحانه عنهم: أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين، ولا تحويله عنهم، وهذا هو الإعاثة، كما قال لخاتم الرسل: ﴿قل إنى لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا﴾ .
وقال سبحانه: ﴿قل لا أملك لنفسى نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله﴾
[ ٥٣٥ ]
[الأعراف ١٨٨] فمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ماشاء الله يمتنع أن يملك ذلك لغيره. فإذا جوز هذا أن يطلب من المخلوق ما يطلب من الخالق سبحانه جاز أن يدعى أن الملائكة والأنبياء، والذين كانوا يدعونهم لم يطلبوا منهم ذلك إلا على أنهم وسيلة، لم يطلبوه لآعتقادهم أن ثم خالقاُ غير الله، فإن المشركين عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله هو الذى خلق السماوات والأرض كما أخبر عنهم بذلك في غير آية، كقوله سبحانه: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ [الزمر ٣٨] .
وقوله تعالى: ﴿قل لمن الرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون ذرة في السماوات ولا في الأرض، وما لهم فيها من شرك، وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ ٢٣] .
فبين سبحانه أن المدعو من دونه ليس له في ملك السماوات والأرض مثقال ذرة، ولا هو شريك في الملك، وأنه ليس ظهيرًا لله، فإن الله سبحانه ليس له ظهير، ولا يحتاج إلى معين، أو مشير أو وزير أو غير ذلك، بل هو تعالى وحده خلق السماوات والأرض وما بينهما، لا يشركه في ذلك أحد، ولا يحتاج في شئ من ذلك إلى غيره، وما خلقه بأسباب فهو خلق الأسباب، والجميع فقراء إليه، وهو غني عن الجميع، ولهذا قال سبحانه: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر ٣٦] .
فهو سبحانه يكفى عبده، ولا يحتاج العبد في كفاية الله تعالى إلى غيره. ثم قال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سبأ ٢٣] .
كما قال سبحانه: ﴿من ذا الذى يشفع عنده إلا بأذنه﴾ [البقرة ٢٥٥] .
[ ٥٣٦ ]
وقال في الملائكة: ﴿ولا يشفعون إلا لمن أرتضى﴾ [الأنبياء ٢٨] .
وامثال ذلك مما يبين فيه ان الشفاعة لابد فيها من إذن الشافع، فلم يثبت لما يدعى من دونه من الوسائط والوسائل - الملائكة والأنبياء وغيرهم أثرًا في شئ من الأشياء إلا الشفاعة. فبين أنها لا تكون إلا بعد إذنه. ثم إذا جاز أن يقول الضال: إنه يطلب من مخلوق كل ما يطلب من الخالق من كشف الشدائد، فكذلك يطلب منه ما يطلب من الخالق من إعطاء الفوائد فحينئذ يجوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق مطلقًا. وهذا الكفر شر من كفر عبدا الأصنام، فإن أولئك لم يكونوا يطلبون من الأوثان كل ما يطلبون من الرحمن، بل لهم مطالب لا يطلبونها إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون﴾ [الأنعام ٤٠، ٤١] .
فبين أنه إذا جاء عذاب الله أو أتت الساعة لا يدعون إلا الله فلا يطلبون كشف الشدائد، وإنزال الفوائد إلا منه. فمن جوز طلب ذلك من المخلوق كان أضل من هؤلاء المشركين، وقد قال تعالى: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ [الإسراء ٦٧] .
وقال ﵊ لابن عباس: «إذا سألت فأسأل الله، وإذا أستعنت فاستعن بالله » الحديث.
وقول القائل: لكونهم أسبابًا ووسائل - فكلام مجمل. فإن أراد أنهم وسائط، والداعي يزعم أنهم شفعاء، فالآيات متضافرة على منعه. وإن أراد أن الداعي لا يطلب منهم، ولكن يطلب من الله تعالى بحرمتهم وجاههم فهذا لا يسمى استغاثة بالمسئول به.
ومازلت أبحث عن هذه المسالة واكشف ما أمكننى من كلام السلف والأئمة والعلماء - هل يجوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل أحد منهم ذلك؟ فما وجدته.
[ ٥٣٧ ]
ووقفت على فتيًا للفقيه أبي محمد عبد السلام. أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي - ﷺ -، وأما بالنبي ﵊ فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك.
وذكر القدورى في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى. وفي بعض مناسك الحج المنقولة عن الإمام أحمد: أنه يتوسل بالنبي - ﷺ -. وقد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به.
وبالجملة لو تكليم في مسألة التوسل بالنبي - ﷺ - وغيره في الدعاء لكان كلامه فيها من جنس كلام العلماء، فإنها تحتاج إلى أدلة شرعية من جانب النفي والإثبات لعدم ظهور الحكم فيها.
وأما الاستغاثة بالمخلوق بأن يطلب منه كل ما يطلب من الخالق، أو بأن يطلب من الغائب أو الميت ما يطلب من الحي الحاضر - فهذا ليس مما يخفى على عموم المؤمنين فضلًا عن علمائهم، وإن وقع في كثير من ذلك من وقع من العامة ونحوهم ممن فيه زهد وصلاح دين.
فهؤلاء وامثالهم حقهم أن يرجعوا إلى العلم الموروث عن الرسول - ﷺ -، ويكون علمهم، عبادتهم مقيدًا بالشريعة النبوية والعلم الموروث، لا يعبدونه سبحانه بما يخطر لهم من الأهواء والآراء.
قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله تعالى بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
قال ابن مسعود وأبي كعب: اقتصاد في سنة: خير من اجتهاد في بدعة، وقد قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، وفي الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» .
[ ٥٣٨ ]
[لا يعبد الله إلا بما شرع]
وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله تعالى بما سنح له وأحبه، بل لا يعبده إلا بما كان عبادة لله عند الله تعالى، وهو العبادات الشرعية، فكل ما لم تثبت الأدلة الشرعية له عبادة لم يحكم بأنه عبادة.
ودين الإسلام مبنى على اصلين: أحدهما: ألا نعبد إلا الله، والثاني: أن نعبده بما شرع ولا نعبده بالبدع، كما قال الفضيلي بن عياض في قوله تعالى: ﴿ليبلونكم أيكم أحسن عملا﴾ قال: أخلصه وأصوبه.
قالوا: يا ابا على: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل. وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، فالخالص أن يكون لله، الصواب أن يكون على السنة.
وبالجملة فقول القائل: يستغاث بالنبي - ﷺ -. والصالح في كل ما يستغاث الله ﷿ فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى، كلام مجمل متشابه. وهؤلاء الجهلة يطلقون مثل هذا الكلام، ولا يميزون بين معانيه من اللغة، ولا بين ما شرع من ذلك، وما لا يشرع، ولكن الأقسام الواقعة في مثل هذا إذا اسغاثت به على نعنى التوسل به والاستغاثة بطلب تفريج الكربة، فإما أن يسأله نفس تفريج الكربة، وإما أن يسأل الله تعالى تفريج الكربة.، وإما أن يستشفع به فيسأل الله تعالى شفاعته، ويسأله أن يسأل الله سبحانه. وإما أن يسال الله تعالى به، ولا يسأله شيئًا.
وأما أن يسأله فعل الله ﷿ مثل ما كانت الأمم تسأل الأنبياء الآيات وهو في الحقيقة سؤال لهم أن يسألوا الله تعالى. أو سؤال له تعالى أن يفعل لأجلهم، أو مركبًا من الأمرين.
فالسائل المستغيث بشئ على معنى التوسل به لابد أن يكون من أحد
[ ٥٣٩ ]
هذه الأقسام. ووجه التقسيم: أنه إما أن يسأل الله تعالى فقط، أو يسأل المخلوق فقط، أو يسألهما جميعًا، أ، يسأل سؤالًا مطلقًا، ولا يعين فيه المسئول.
فأما الأول: فمثل أن يقول: اللهم إني أسألك بفلان.
واما الثاني: فقد يسأله الله تعالى، وقد يسأله الفعل، كقول الأمم لكل نبي: اشفع لنا إلى ربك، وقول الأعرابي: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فأدع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه وقال: «اللهم أغثنا، اللهم اغثنا» .
وأما سؤاله الفعل، فمثل قول موسى ﵇. أرنا الله جهرة، وقول القائل: أسألك قضاء ديني، وأسألك نصرى على غيرى، فيطلب منه قضاء حاجته ولا يعين في دعائه أن يسأل الله تعالى أو لا يسأل.
والثالث: مثل أن يقول: اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة - يا محمد يا رسول الله إنى أتوجه بك إلى ربي في حاجتى ليقضيها اللهم فشفعه في.
وأما الرابع: وهو السؤال المطلق، فمثل قول الحواريين: نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا، ومثل قول القائل: أنا أطلب قضاء دينى وانتصارى على عدوى، ولا يعين هل هو سؤال الله ﷿ فقط بجاه الشخص مثلًا، أو سؤاله الشخص أن يسأل، وأن يكون مطلوبه، أو السؤال لهما، أو السؤال لله بدعائه، أو السؤال له أن يدعو، أو أن يكون هذا الفعل.
فهذه خمسة أقسام بل ستة كلها تدخل في قوله: يستغاث بالنبي والصالح في كل ما يستغاث الله تعالى فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى. واللفظ يعم الاستغاثة في كل حال، وفي حال حياته ومشهده، وفي حال مغيبه ومماته، و- ﷺ - إلى أن قال: ولفظ التوسل والتوجه يراد
[ ٥٤٠ ]
به أن يتوسل إلى الله ﷿، ويتوجه إليه بدعائهم وشفاعتهم - فهذا هو الذى جاء في ألفاظ السلف من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كما في صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك ﵊ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. فهذا إخبار من عمر - ﵁ - عما كانوا يفعلونه، وتوسل منهم بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي - ﷺ -، وكذلك معاوية لما أستسقى بأهل الشام توسل بيزيد بن الأسود الجرشى، فقال معاوية - ﵁ - عنه: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد ابن الأسود الجرشى.
يا يزيد، أرفع يديك إلى الله تعالى فرفع يديه ورفع الناس.
فهذا توسل منهم بدعاء النبي - ﷺ - وسؤاله وشفاعته، ولهذا توسلوا بعده بدعاء العباس ودعاء يزيد بن الأسود. وهذا هو الذى ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء قالوا: يستحب أن يستسقى بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله - ﷺ - فهو أفضل.
ومن هذا الباب ما في صحيح البخارى عن ابن عمر - ﵁ - عنهما قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي - ﷺ - فيستسقى، فما ينزل حتى يجيش الميزاب: [طويل]
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومن هذا الباب حديث الأعمى - فإنه أتى النبي - ﷺ - فقال: أدع الله تعالى أن يعافيني. فقال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك» قال: أدع الله تعالى، فإمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء. «اللهم إنى اسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة.
[ ٥٤١ ]
يا محمد، إنى توجهت بك إلى ربي في حاجتى هذه لتقضى. اللهم فشفعه في» فهذا أمره أن يطلب من الله تعالى أن يشفع فيه النبي - ﷺ -.
وإنما يكون طلبًا لتشفيعه فيه إذا تشفع فيه فدعا الله تعالى له، وكذلك في أول الحديث أنه طالب من النبي - ﷺ - أن يدعو له، فدل الحديث على ان النبي - ﷺ - شفع له ودعا له، وأن النبي - ﷺ - أمره هو ان يدعو الله سبحانه، وأن يسأله قبول شفاعة النبي - ﷺ - فيه.
فهذا نظير توسلهم به في الاستسقاء حيث طلبوا منه أن يدعو الله ﷿ لهم، وهم دعوا الله تعالى أيضًا. وقوله يا محمد، إنى أتوجه بك إلى ربي في حاجتى هذه لتقضى. خطاب لحاضر في قلبه، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وكما يستحضر الإنسان من يحبه أو يبغضه في قلبه ويخاطبه - وهذا كثير.
فهذا كله يعين أن معنى التوسل به والتوجه به وبالعباس وغيرهما في كلامهم، هو التوسل والتوجه بالدعاء. وهذا مشروع بالاتفاق لا ريب فيه.
ومن التوسل به أيضًا: التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته، وموالاته واتباع سنته، ونحو ذلك من اعمال البر المتعلقة به، فهذا أعظم القرب والوسائل إلى الله تعالى. فإن التوسل هو التوصل والتقرب، وما تقرب أحد إلى الله ﷿ بأعظم من طاعة رسوله - ﷺ -، بل لا يتقرب إليه إلا بدلك، فمن عمل عملًا ليس عليه أمره - ﷺ - فهو مردود إلا بذلك، فمن عمل عملًا ليس عليه أمره - ﷺ - فهو مردود - إلى أن قال -:
[نوعا الشفاعة]
فالشفاعة نوعان: أحدهما - الشفاعة التى نفاها القرآن كالتى أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال الأمة.
[ ٥٤٢ ]
والثاني - أ، يشفع الشفيع بإذن الله تعالى، وهي التى اثبتها الله سبحانه،،لهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتى ويسجد، قال ﵊: «فأحمد ربي بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن.
فيقال: أى محمد، أرفع راسك،،قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» فإذا أذن له في الشفاعة شفع - ﷺ -. قال أهل هذا القول: ولا يلزم من جواز التوسل والاستشفاع به بحضرته بمعنى أن يكون هو داعيًا للمتوسل به أن يشرع ذلك في مغيبه وبعد وفاته - أرواحنا له الفداء - ﷺ - مع أنه هو لم يدع للمتوسل به، أو المتوسل أقسم به، أو سأل بذاته، كما أن الصحابة - ﵁ - قد فرقوا بين الأمرين، كما تقدم. وذلك لأنه في حياته هو يدعو الله تعالى لمن توسل به ودعاؤه ﵇ افضل دعاء مخلوق لمخلوق، فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول ﵊ ولم يشفع له؟ ومن سوى بين ما دعا له الرسول وبين من لم يدع له، وجعل هذا المتوسل كهذا المتوسل فهو مخطئ. وأيضًا فإنه ليس في طلب الدعاء منه والتوسل بدعائه إلا الخير.
وليس في ذلك محذور، فإن أحدًا من الأنبياء ﵈ لم يعبد في حياته بحضوره، فإنه ينهى من يعبده ويشرك به. ولو كان شركًا أصغر، كما قال - ﷺ -: «لا تقل ما شاء الله وشاء محمد» . الحديث.
وأما بعد موته ﵇ فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح وعزيز وغيرهما، ولهذا قال - ﷺ -: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» . أخرجه البخارى.
وقال - ﷺ -: «اللهم لا تجعل قبرى وثنًا يعبد» .
[ ٥٤٣ ]
وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان: ألا نعبده إلا الله، وألا نعبده إلا بما شرع، ولا نعبده بالبدع. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿ليبلوكم ايكم أحسن عملًا﴾ [الملك ٢] . قال الفضيل: أخلصه واصوبه. وقال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ الشورى﴾ [الشورى ٢١] ولهذا قال الفقهاء: والعبادات مبناها على التوقيف،: ما في الصحيحين عن عمر - ﵁ - أنه قبل الحجر الأسود، وقال: والله، إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك ما قبلتك.
والله سبحانه أمرنا باتباع رسوله ﵊، وطاعته ومحبته وضمن لنا بطاعته ومحبته محبة الله تعالى وكرامته، فقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران ٣١] الآية. وقال: ﴿وإن تطيعوه وتهتدوا﴾ وأمثال ذلك في القرآن كثير.
ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا الباب عما مضت به السنة، ودل عليه الكتاب، وكان عليه سلف الأمة، وما علمه قال به، وما لم يعلمه أمسك عنه فلا يقف ما ليس به علم، ولا يقول على الله ما لا يعلم، فإن الله ﷿ قد حرم ذلك كله، وقد جاء في الحديث ذكر ما يسأل الله تعالى به، كقوله - ﷺ -: «اللهم إنى اسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» رواه أبو داود وغيره.
وفي لفظ: «اللهم إني اسألك بأنى اشهد أن لا إله إلا أنت، الحد الصمد، الذى لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد» .
[ ٥٤٤ ]
[هل تنعقد اليمين بغير الله]
وكذلك لا يستعاذ بالمخلوق، بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته، ولهذا احتج السلف كأحمد وغيره على أن كلام الله تعالى غير مخلوق فيما احتجوا به يقول النبي - ﷺ -: «أعوذ بكلمات الله التامات» قالوا: فقد استعاذ بها ولا يستعاذ بمخلوق.
وفي الصحيح عنه ﵊ أنه قال: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا» فنهى عن الرقى فيها شرك، كالتى فيها الاستغاثة بالجن،
[ ٥٤٥ ]
ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والإقسام التى يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره التى تتضمن الشرك، بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه خشية أن يكون فيه شرك، بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز. فإذا كان لا جوز لأحد أن يقسم قسمًا مطلقًا ولا قسمًا على غيره إلا بالله ولا يستعيذ غلا بالله ﷿. فالسائل بغير الله إما أن يكون مقسمًا عليه، وإما أن يكون طالبًا بذلك السبب، كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما نتوسل بدعاء النبي - ﷺ - والصالحين.
فإن كان ذلك إقسامًا على الله تعالى بغيره فهذا لا يجوز، وإن كان سؤالًا بسبب يقتضى حصول المطلوب كالسؤال بالأعمال الصالحة مثل السؤال بالإيمان بالرسول - ﷺ - ومحبته موالاته فهذا جائز، إن كان سؤالًا بمجرد ذوات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء، وقالوا: إنه لا يجوز.
ورخص فيه بعضهم. والأول أرجح كما تقدم.
وهو سؤال بسبب لا يقتضى حصول المطلوب، بخلاف من كان طالبًا بالسبب المقتضى لحصول المطلوب، كالمطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة فهذا جائز، لأن دعاء الصالحين سبب حصول مطلبنا الذى دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا. فإذا توسلنا بدعائهم وبأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا غليه الوسيلة﴾ [المائدة ٣٥] .
والوسيلة: هي الأعمال الصالحة. وقال سبحانه: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ وأما لم نتوسل إليه تعالى بدعائهم ولا بأعمالنا ولكن توسلنا بنفس ذواتهم، لم يكن في نفس ذواتهم سبب يقتضى إجابة
[ ٥٤٦ ]
دعائنا فكنا متوسلين بغير وسيلة. ولهذا لم يكن هذا منقولًا عن النبي - ﷺ - نقلًا صحيحًا ولا مشهورًا عن السلف.
وقد نقل في منسك المرزوى عن الإمام أحمد دعاء فيه السؤال بالنبي - ﷺ -، وقد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز القسم به.
وأكثر العلماء على النهي.
وأما أن لهم الجاه فهو لا ريب فيه، إذ لهم الجاه العظيم عند الله تعالى وكذا لهم الشفاعة. وأما الإقسام على الله تعالى بالمخلوقين فلا يجوز، ولا يجوز أن يقسم بمخلوق أصلًا.
[الوسيلة الجائزة والممنوعة]
وأما التوسل إليه سبحانه بشفاعة الشفعاء المأذون لهم في الشفاعة فجائز. والأعمى كان قد طلب من النبي ﵊ أن يدعو له كما طلب الصحابة منه الاستسقاء. وقوله: «أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» أى بدعائه وشفاعته لي ﵊.
ولهذا في تمام الحديث: «اللهم فشفعه في» فالذى في الحديث متفق على جوازه، وليس هو مما نحن فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام﴾ فعلى قراءة الجمهور إنما يتساءلون به وحده لا بالرحم، وتساؤلهم بالله عز شأنه، هو كما قال المفسرون يتضمن تعاهدهم بالله تعالى وتعاقدهم به سبحانه.
وليس كل سائل بالله مقسمًا، فإنه لو أقسم شخص بالله ليفعلن كذا ولم يفعله لزم الحالف كفارة، ولو سأله بالله فلم يعطه لم تجب على السائل كفارة.
[ ٥٤٧ ]
وأما على قراءة الخفض فقد قال طائفة من السلف هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم. وهذا إخبار عن سؤالها بالرحم. وقد يقال إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلًا على جوازه فمعنى قولك: أسأل بالرحم، ليس إقسامًا بالرحم، والقسم هنا لا يسوغ لكن بسبب الرحم، أى أن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقًا، فيكون سؤاله بالرحم كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة، وكسؤالنا بدعاء النبي - ﷺ - وشفاعته.
ومن هذا الباب ما روى عن على بن ابي طالب كرم الله تعالى وجهه ان أبن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا ساله بحق جعفر أعطاه. وليس هذا من باب الإقسام فإن الإقسام بغيرجعفر أعظم، بل ههنا باء السبب، فحقه من باب حق الرحم، لأن حق عبد الله إنما وجب بسبب أبيه جعفر وحقه على علي - ﵁ -.
ومن هذا الباب الحديث الذى رواه أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وابن ماجه مرفوعًا في دعاء الحارج إلى الصلاة: «اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك .» الحديث. وهذا الحديث في إسناده العوفى وفيه ضعف. فإن كان كلام النبي - ﷺ - فهو من هذا الباب لوجهين:
أحدهما - لأن فيه السؤال بحق السائلين، وبحق الماشين في طاعته. وحق السائلين أن يجيبهم، وحق الماشين أن يثبتهم. وهذا حق أوجبه هو سبحانه على نفسه، وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق سبحانه شيئًا، ومنه قوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾، ﴿وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ وفي الصحيح: «حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله تعالى إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم» .
[ ٥٤٨ ]
وفي الصحيح: «يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسي» . وإذا كان حق السائلين له هو الإجابة والإثابة فذلك سؤال له بأفعاله، كالاستعاذة بنحو ذلك في قوله - ﷺ -: «اللهم أنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك» فالاستعاذة بمعافاته التى هي فعله كالسؤال بإثباته التى هي فعله.
الوجه الثاني - أمن الدعاء له سبحانه والعمل له سبب لحصول مقصود العبد، فهو كالتوسل بدعاء النبي - ﷺ - والصالحين من امته. وقد تقدم أن الدعاء بالنبي والصالح إما أن يكون إقسامًا به، وإما أن يكون تسببًا. فإن كان قوله «بحق السائلين عليك» إقسامًا فلا يقسم على الله تعالى إلا به، كما صرحت به الحنفية وغيرهم. وإن كان تسببًا فهو تسبب وليس في شئ من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء منه.
وإذا قال القائل: أسألك بحق الملائكة، أو بحق الأنبياء، أو الصالحين، فإن كان يقسم بذلك فهو لا يجوز أن يقوله، ولا بقول لغيره - أقسمت عليك بحق هؤلاء، فإذا لم يجز له أن يحلف به، ولا يقسم على مخلوق به، فكيف يقسم على الخالق به، وإن كان لا يقسم به، وإنما كان لا يقسم به وإنما تسبب به، فليس بمجرد ذوات هؤلاء سبب يوجب تحصيل مقصوده، بل لابد من سبب منه كالإيمان بالملائكة والأنبياء ﵈ أو منهم كدعائهم، ولكن كثيرًا من الناس تعووا ذلك كما تعودوا الحلف بهم، حتى يقو أحدهم: وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله.
وغذا قال القائل مرادهم بقولهم: أسألك بحق فلان أو بجاهة، أو أسالك به، أى أسالك بإيماني به ومحبتى له له وهذا من أعظم الوسائل. قيل: من قصد هذا المعنى فهو معنى صحيح، لكن ليس هذا مقصود عام هؤلاء.
[ ٥٤٩ ]
فمن قال: أسألك بإيماني بك وبرسولك - ﷺ - ونحو ذلك فقد أحسن في ذلك، كما قال تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا فأغفر لنا ذنوبنا﴾ الآيات. وقال تعالى: ﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فأغفر لنا ذنوبنا﴾ الآية. وكان ابن مسعود يقول: اللهم أمرتنى فأطعتك، ودعوتنى فأجبتك، وهذا سحر فأغفر لي.
ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين اصابهم المطر فأووا إلى الغار، وأنطبقت عليهم الصخرة، ثم دعوا الله بأعمالهم الصالحة، فأنكشفت عنهم، وهو ثابت في الصحيحين.
وروى في كتاب الحلية لأبي نعيم: أن داود ﵇ قال: يارب، بحق أبائى عليك، إبراهيم وإسحق ويعقوب، فأوحى الله ﷿ إليه: يا داود وأى حق لآبائك علي؟ وهذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتقد عليها.
وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه، وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شئ.
يحقق هذا الأمر: أن التوسل به والتوجه به لفظ إجمال واشتراك بحسب الإصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين بدعائه وشفاعته.
ودعاؤه وشفاعته - ﷺ - من أعظم الوسائل عند الله ﷿. وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم عليه سبحانه بذلك، والله تعالى لا يقسم عليه بشئ من المخلوقات، بل لا يقسم بها بحال. فلا يقال: أقسمت عليك يارب بملائكتك ولا بكعبتك، كما لا يجوز أن يقسم الإنسان بهذه الأشياء، بل إنما يقسم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته.
[ ٥٥٠ ]
ولهذا جاءت السنة أن يسأل الله تعالى باسمائه وصفاته، فيقال: أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان. إلى آخره.
وكذلك قوله: «اللهم إنى أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، بأسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة» . مع أن هذا الدعاء الأخير في جواز الدعاء به قولان: فقد قال الشيخ أبو الحسن القدورى في كتابه بشرح الكرخي المعروف به والمشهود عنه في باب الكراهية:
فصل
قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة - ﵁ -: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك. وأبو يوسف لم يكره الأول. وقال: أكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام.
قال القدورى: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
وقال البلدجى في شرح المختار: وبكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق: وهذا من أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وغيرهما، ويقتضى المنع أن يسأل الله تعالى بغيره ولا يقال: إن الرب سبحانه اقسم بمخلوقاته فلم لا يجوز أن نقسم بمخلوقاته، لأن قسمة سبحانه من باب مدحه وذكر آياته، بخلافنا ولو أقسمنا بغيره لأن الشارع منع من ذلك.
وأما القسم على الله تعالى مثل أن يقول: أقسمت عليك يارب لتفعلن كذا فهو جائز، كما كان يفعل البراء بن مالك وغيره من السلف. فقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «رب أشعث أغبر ذى
[ ٥٥١ ]
طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» وفي حديث الربيع: «عن من عباد الله تعالى من لو أقسم على الله لابره» وهذا من باب الحلف بالله سبحانه ليفعلن هذا الآمر. فهذا إقسام عليه تعالى به ليس إقسامًا عليه بمخلوق.
وقوله: إن الاستغاثة به بعد موته - ﷺ - ثابتة ثبوتها في حياته، لأنه عند الله تعالى في مزيد دائم لا ينقص جاهه، وهذا لفظ صحيح لو كان معنى الإستغاثة الإقسام والتوسل بذاته، فإن ذاته المطهرة - ﷺ - بعد الموت لم تنقص، بل هي في مزيد دائم - بأبي هو وأمي ﵊ - لكن هذه المقدمة غير صحيحة كما عرفت.
وأما إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل على أن الطلب منه ميتًا كالطلب منه حيًا، وعلو درجته ﵊ بعد الموت لا تقتضى أن يسأل كما لا يقتضى أن يستفتى. ولا يمكن أحدًا أن يذكر دليلًا شرعيًا على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين مشروع، بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة. وهو قد أحتج بحديث الأعمى، وهو لاحجة فيه، لأن الحديث ليس فيه استغاثة بل قد توجه بدعائه وشفاعته. فإنه طلب من النبي - ﷺ - الدعاء فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة ﵃ يتوسلون بدعائه ﵊ في الاستسقاء، وكما توسلوا بدعاء العباس بعد وفاته - ﷺ -: وأما اشتكاء البعير إليه فهذا كاشتكاء الآدمى، وما زال الناس يستغيثون به في حياته عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، كما يستغيثون به يوم القيامة.
وقد قلنا إنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه. والطلب منه في حياته والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم ينازع فيها أحد، ولكن لا يمكن أحدًا أن يقول: إن النبي - ﷺ - شرع لأمته أن
[ ٥٥٢ ]
يستغيثوا بميت لا نبي ولا غيره، لا في جلب منفعة ولا دفع مضرة، لا بهذا اللفظ ولا معناه، بل لم يشرع لهم أن يدعوا ميتًا ولا يسألوه، ولا يدعوا إليه ولا أن يستجيروا به ولا يقول أحد لميت: أنا في حسبك، وأنا في جوارك، ولا أن يخطو إلى قبر الميت خطوات، لا ان يتوجه إلى قبر ويسأله، ولا شرع لأحد أن يقول للميت: سل الله تعالى لى، ولا أدع الله تعالى لى، ولا شرع لهم أن يشكوا إلى ميت فيقول أحدهم مشتكيًا إليه: على دين، أو آذاني فلان، ونحو ذلك، سواء كان عند القبر أو بعيدًا عنه، وسواء كان الميت نبيًا أو غيره.
ولا شرع لأمته إذا كان لأحدهم حاجة أن يقصد قبر نبي أو صالح فيدعو لنفسه ظانًا أن الدعاء عند قبره يجاب. بل ولا شرع لأمته - ﷺ - أن يقسموا على مخلوق، ولا شرع لأمته أن يتوسلوا إلى الله تعالى بذات ميت أصلًا، بل بذات حي، إلا أن بكون التوسل بما أمر الله تعالى ﷿ به من الإيمان به وطاعته، أو بدعاء المتوسل به وشفاعته. فإذا كان النبي ﵇ والصالح له عند الله تعالى الجاه العظيم والقدر - لم ينتفع المتوسل به إلا بأحد أمرين: إما أن يتوسل بما أمر الله تعالى به من الإيمان به ومحبته وطاعته ونحو ذلك، فهذه هي والوسيلة التى أمر الله تعالى بها في قوله عز من قائل: ﴿اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ .
فالوسيلة تجمعها طاعة الرسول ﵊.
والأمر الثاني: أن يدعو له الرسول. فهذه أيضًا وسيلة إلى الله تعالى فإن دعاءه وشفاعته عند الله تعالى من أعظم الوسائل.
واما التوسل بالذات مع قطع النظر عما تقدم، فلم يرد عن الصحابة والتابعين. والصحابة كانوا يتوسلون بدعائه ﵊ وشفاعته،
[ ٥٥٣ ]
ولهذا يتوسلون بعده بالعباس - ﵁ -، ولو كان المتوسل بذاته المقدسة ممكنًا بعد الموت لم يعدلوا إلى العباس.
والأعمى إنما توجه بدعائه، وكذلك الصحابة في الأستسقاء، وكذلك الناس يوم القيامة، كما ورد في حديث الشفاعة. وأما مجرد الذات بعد الممات فلا دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقض ذلك. ونص غير واحد من العلماء أن هذا لا يجوز، وإن نقل عن بعضهم جوازه، فقد قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ الآية - إلى أن قال: ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم ولا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها.
كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، ونعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذى حرمه الله تعالى ورسوله. لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه.
ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن بها وقال: هذا أصل دين الإسلام.
وكان بعض أكابر الشيوخ من اصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينته لنا لعلمه بأن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم، فيدعون دعاء المضطر راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو الدعاء به أو الدعاء عند قبره. بخلاف عبادتهم لله تعالى، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف.
[ ٥٥٤ ]
حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق الشام خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور، يرجون عندها كشف الضر.
وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر لو دوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ينجيكم من الضرر (١)
فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لا نهزموا، كما أنهزم من المسلمين يوم أحد لما أراد الله سبحانه ذلك.
ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذى أمر الله تعالى به ورسوله - ﷺ -. وما يحصل بذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الأخرة لمن عرف هذا.
وإن كان كثير من المقاتلين الذين اعتقدوا هذا قتالًا شرعيًا أخرجوا على نياتهم، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله تعالى والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا به، ولا يستغيثون بملك مقرب، ولا نبي مرسل. فلما اصلح الناس أمورهم، وصدقا في الاستغاثة بربهم ﷿ نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا لم يتقدم نظيره، ولا انهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك، لما صح من توحيد الله تعالى وطاعة رسوله - ﷺ -، ما لم يكن قبل ذلك. فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويقوم الأشهاد. انتهى باقتصار.
_________________
(١) هكذا ورد هذا الشطر. وصحه إنشاده: ينجيكم من ذا الضرر. بزيادة لفظ «ذا»
[ ٥٥٥ ]
وقال من جملة كلام طويل في فتاويه ما نصه: الثاني - أن يقال الميت أو للغائب من الأنبياء - ﵈ - والصالحين: أدع الله تعالى لي أو نحوه، فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من سلف الأمة وائمتها، وإن كان السلام على أهل القبور جائزًا، ومخاطبتهم جائزة، كما كان - ﷺ - يعلم اصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» وقال ابن عبد البر: ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه فيسلم عليه إلا رد الله ﷿ عليه روحه حتى يرد ﵇» .
وفي سنن أبي داود عنه - ﷺ - أنه قال: «ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله تعالى علي روحي حتى ارد السلام» لكن ليس من المشروع أن يطلب منهم شيئًا.
وفي موطأ الإمام مالك: «أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف» وكذلك أنس بن مالك وغيره من الصحابة - ﵁ - نقل عنهم السلام على النبي - ﷺ -. فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى. لا يدعون وهم مستقبلو القبر المكرم، وإن كان قد وقع في ذلك بعض طوائف من الفقهاء والمتصوفة ومن العامة ومن لا اعتبار بهم. فإنه لم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله، لا من له في الأمة لسان صدق، بل قد تنازع العلماء في السلام على النبي عليه افضل الصلاة والسلام، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة، ويستدبر القبر الشريف.
وقال مالك والشافعي: بل يستقبل القبر، وعند الدعاء يستقبل القبلة، ويجعل القبر المكرم عن يساره أو عن يمينه، وهو الصحيح إذ لا محذور في ذلك.
[ ٥٥٦ ]
انتهى باقتصار. وإن أردت كمال الوقوف على أدلته وتفصيل مراميه فارجع إلى تصنيفاته، والله الهادي لصوب الصواب، وبه الاستعانة وإليه المآب.
وقول الولي الواصل والعارف الكامل، سيدى الشيخ عند القادر الكيلاني قدس سره النوراني في كتابه (الغنيمة) ما نصه:
وأقل ما في الرضا أن يقطع عما سوى الله ﷿، وقد ذم الله تعالى الطمع في غيره ﷿، فروى عن يحيى بن كثير أنه قال: قرأت التوراة فرأيت فيها ان الله ﷾ يقول: ملعون من كان ثقته بمخلوق مثله.
وروى في بعض الأخبار: «أن الله ﷿ يقول: وعزتى وجلالي وجودى ومجدى، لأقطعن أمل كل مؤمل أمل غيرى باليأس، ولألبسه ثوب المذلة بين الناس، ولأبعدنه من قربي، ولأقطعنه من وصلى. أيؤمل في الشدائد غيرى؟ ويطرق بالفكر أبواب غيرى؟ وهي مغلقة ومفاتحها بيدى» .
وروى في خبر آخر: أن الله ﷿ يقول: «ما من عبد يعتصم دون خلقى أعلم ذلك من قلبه ونيته فتكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له من ذلك مخرجًا. وما من عبد يعتصم بمخلوق دونى غلا قطعت أسباب السماء من فوقه، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم أهلكه في الدنيا وأتعبه فيها» .
وروى عن بعض الصحابة، رضوان الله تعالى اجمعين أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من تعزز بالناس ذل»، وقيل: «من اتكل على مخلوق مثله ذل»، فكفاه الطمع بما يناله من إطلاع قلبه، وتشتت همه وذله ومسكنته، فقد اجتمع عليه أمران: ذل في الدنيا، وبعد من الله ﷿ بلا إزدياد في رزقه ذرة واحدة.
وقال بعضهم: لآ أعرف شيئًا أضر على المريدين والطالبين من الطمع، ولا أخرب لقلوبهم، ولا أذل لهم، ولا اظلم لقلوبهم، ولا ابعد لهم، ولا أشد
[ ٥٥٧ ]
تشبيتًا لهممهم، إنما كان كذلك لأنه شرك أينما كانوا، لأن الرجل منهم أشرك بالله ﷿؟ حيث طمع في مخلوق مثله، لا يملك ضرًا ولا نفعًا، ولا عطاء ولا منعًا، فجعل ملك الملوك لمملوكه، فأنى يكون له ورع، فلا يتحقق ورعه حتى ينسب الأشياء إلى مالكها ﷿، ولا يطلبها من غيره.
وقيل: الطمع له اصل وفرع، فاصله الغفلة، وفرعه الرياء والسمعة والتزين والتصنع، وحب إقامة الجاه عند الناس، وعن بعضهم: طمعت يومًا مرة في شئ من أمر الدنيا، فهتف بي هاتف وهو يقول: يا هذا، إنه لا يحمد بالحر المريد إذا كان يجد عند الله تعالى كل ما يريد أن يركن بقلبه إلى العبيد، وأعلم أنه لا يخطر على قلب مريد شئ من الطمع ويساكنه غلا لأجل كمال البعد عن الله ﷿، حيث طمع في مخلوق مثله، وهو يرى أن مولاه مطلع عليه ثم لم يحجزه من ذلك. أهـ.
ونقل الوالد عليه الرحمة، قدس سره، أنه قال في «فتوح الغيب» ما نصه: من اراد السلامة في الدنيا والأخرة، فيعلمه بالصبر والرضا، وترك الشكوى إلى خلقه، وإنزال حوائجه بربه ﷿، ولزوم طاعته،وانتظار الفرج منه سبحانه، والانقطاع إليه. فحرمانه عطاء، وعقوبته نعماء، وبلاؤه دواء، ووعده حال، وقوله فعل، وكل أفعاله حسنة، وحكمه ومصلحة، غير أنه طوى ﷿ علم المصالح عن عباده، وتفرد به، فليس إلا الاشتغال بالعبودية، وأداء الأوامر واجتناب النواهي، والتسليم في القدر، وترك الاشتغال بالربوبية، والسكون عن لم وكيف ومتى. وتسند هذه الجملة إلى حديث ابن عباس قال: بينما انا رديف رسول الله - ﷺ - إذ قال: «يا غلام، أحفظ الله يحفظك، وأحفظ الله تجده أمامك، وإذا سالت فأسأل الله، وإذا أستعنت فاستعن بالله، وجف القلم بما هو كائن، ولو جهد
[ ٥٥٨ ]
العباد ان ينفعوك بشئ لم يقضه الله تعالى لم يقدروا عليه. فإن استطعت ان تعمل لله تعالى بالصدق في اليقين فأعمل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا. وأعلم ان النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» .
فينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة قلبه، وشعاره ودثاره وحديثه، فيعمل به من جهة حركاته وسكناته، حتى يسلم في الدنيا والآخرة، ويجد العزة برحمة الله تعالى ﷿. انتهى بحروفه.
وقال الوالد أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمازت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ ما منه: وقد راينا كثيرًا من الناس على نحو هذه الصفة التى وصف الله تعالى بها المشركين: يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم، توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكى لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ﷿، وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن فعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره.
وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادى: يا فلان أغثنى، فقلت له: قل يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وإذا سالك عبادى عني فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ فغضب، وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء.
وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولى اسرع إجابة من الله ﷿. وهذا من الكفر بمكان. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان. انتهى.
[ ٥٥٩ ]
وقال أيضًا في باب الإشارات على قوله تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا﴾ [الحج ٧٣] الآية، وإشارة إلى ذم الغالين في اولياء الله تعالى، حيث يستغيثون بهم في الشدة، غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذر. والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ﷿، ونجعل ثوابه للولى - ولا يخفى أنهم في دعواهم الولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ودعواهم الثانية لا باس لها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم، أو رد غائبهم، او نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب. ويرشدك إلى ذلك أنه لو قيل: أنذروا لله تعالى، واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنه احوج من اولئك الأولياء لم يفعلوا، ورايت كثيرًا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم، لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم.
والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة، وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف - قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم، وأكثر افتراءهم! منهم من يزعم انهم يخرجون من القبور، يتشكلون باشكال مختلفة. وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم مشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة اسد، او غزال أو نحوه - وكل ذلك باطل لا اصل له في الكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة. وقد افسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية - نسال الله تعالى العفو والعافية. أنتهى.
وقال الشيخ ابن عربي (في الباب الثاني والستين بعد المائتين من الفتوحات ما نصه): أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: «يا موسى، لا تجعل غيرى موضع حاجتك، وسلنى حتى الملح تلقيه في عجينك» . هذا تعليم
[ ٥٦٠ ]
من الله لنبيه موسى ﵇. ولقد رايته ﷾ في النوم فقال لي: وكلنى في أمورك؟ فوكلته، فما رأيت إلا عصمة محضة، لله الحمد على ذلك، جعلنا الله تعالى من الفقراء إليه به. فإن الفقر إليه تعالى به هو عين الغني، لأنه الغنى وأنت به فقير، فأنت الغني به عن العالمين، فأعلم ذاك. والله تعالى الموفق. أنتهى.
وقال أيضًا (في الباب الثامن والسبعين بعد المائة): فما ابتلى الله تعالى عباده إلا ليلجأوا في رفع ذلك إليه، ولا يلجأوا في رفعه إلى غيره، فإن فعلوا ذلك كانوا من الصابرين.
وفي روح المعاني للوالد نور الله تعالى ضريحه: روى أنس - ﵁ - قال: أوحى الله تعالى إلى يوسف ﵇: «من استنقذك من القتل حين هم إخوتك ان يقتلوك؟ قال: أنت يا رب. قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟ قال: أنت يا رب. قال: فمن أستنقذك من المرآة التى همت بك؟ قال: أنت يا رب. قال: فما بالك نسيتنى، وذكرت آدميًا؟ قال: يارب، كلمة، تكلم بها لسانى! قال: وعزتى لأخدنك في السجن بضع سنين» أنتهى.
وقال في باب الإشارات عل قوله تعالى: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ - قال الحنيذ قدس سره: أمنعنى وبنى ان نرى لأنفسنا وسيلة إليك غير الافتقار. وقيل: كل ما وقف العارف عليه غير الحق سبحانه فهو صنمه. وجاء: النفس هي الصنم الأكبر. أنتهى.
وقال الإمام ابو حامد الغزالي في شرحه للأسماء الحسنى ما نصه: الكريم هو الذى إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالى كم أعطى، ولا لمن اعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفا عاتب وما أستقصى، ولا يضيه من لاذ به والتجأ، ويغنيه
[ ٥٦١ ]
عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الكريم المطلق، وذلك الله تعالى فقط. انتهى.
وقال أيضًا في كتابه الإحياء: قال جعفر الصادق - ﵁ -: الصدق هو المجاهدة وألا تختر على الله غيره، كما لم يختر عليك غيرك، فقال تعالى: ﴿هو اجتباكم﴾ وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: «إنى إذا أحببت عبدًا ابلتيته بلايا لا تقوم لها الجبال، لأنظر كيف صدقه، فإن وجدته صابرًا اتخذته وليًا وحبيبًا، وإن وجدته جزعاص يشكونى إلى خلقى خذلته ولا أبالى» . فإذا من علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعًا، وكراهة إطلاع الخلق عليها.
وقال في باب التوكل: قال الله ﷿: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال ٤٩] أى عزيز من أستجار به، لا يضيع من لاذ بجانبه، وألتجأ إلى ذمامه وحماه لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره.
وقال تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ [الأعراف ١٩٤] بين ان كل ما سوى الله ﷿ عبد مسخر، حاجته مثل حاجتكم فكيف يتوكل عليه؟ وقال تعالى: ﴿إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقًا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾ [العنكبوت ١٧] . وقال ﷾: ﴿ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ [المنافقون ٧] . وقال تعالى: ﴿يدبر الآمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ [يونس ٣] وكل ما في القرآن من التوحيد فهو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهار.
وروى أنه لما قال جبريل لإبراهيم ﵇ وقد رمى إلى النار
[ ٥٦٢ ]
بالمنجنيق «ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا» وفاء بقوله ﴿حسبى الله ونعم الوكيل﴾ إذ قال ذلك حين أخذ ليرمى، فإنزل الله تعالى: ﴿وإبراهيم الذى وفى﴾ . وأوحى الله ﷿ إلى داود ﵇: «يا داود، ما من عبد يعتصم بي دون خلقى فتكيده السماوات والأرض إلا جعلت له مخرجًا» . وقرأ الخواص قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذى لا يموت﴾ الآية. فقال: ما ينبغي بعد هذه الآية للعبد أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. أنتهى.
وقال من كلام طويل: الثانية أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل في حق أمه، فإنه لا يعرف غيرها، ولا يفرغ إلى أحد سواها، ولا يعتمد إلا إياها، فإن رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلعها، وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه: يا أماه، وأول خاطر يخطر على قلبه أمه، فإنها مفرغة. فإنه قد وثق بكفايتها، وكفالتها وشققتها. أنتهى باقتصار.
(قلت): وقال جدنا الأكرم، وسيدنا الأعظم، زين العابدين وابن سيد الساجدين، على جده وعليه افضل الصلاة والسلام في دعائه: اللهم إنى أخلصت بانقطاعي إليك، وأقبلت بكلى عليك، وصرفت وجهي عمن يحتاج إلى رفدك، وقليت مسألتى ممن لم يستغن عن فضلك، ورأيت أن أطلب المحتاج إلى المحتاج سفه في رأيه وضلة من عقله. فكم قد رأيت يا إلهي من إناس طلبوا العز بغيرك فذلوا، وراموا الثروة من سواك فافتقروا، وحاولوا الانقطاع فاتضعوا.
فانت يا مولاى دون كل مسئول موضع مسالتى، ودونكل مطلوب إليه وبه حاجتى، أنت المخصوص قبل كل مدعو بدعوتى، ولا يشركك أحد
[ ٥٦٣ ]
في رجائى،ولا يتفق أحد معك في دعائي ولا ينظمه، وإياك ندائى لك - إلى آخر ما قال.
وقال أيضًا من بعض دعاء طويل: ويا من لا ينقطع عنه سؤال السائلين، ويا من حوائج المحتاجين عنده، ويا من لا يعيبه دعاء الداعين، تمدحت بالغنى عن خلقك، وأنت اهل الغنى عنهم، ونسبتهم إلى الفقر وهم أهل الفقر إليك، فمن حاول سد خلته، ورام صرف الفقر عن نفسه بك، فقد طلب حاجته في مظانها، وأتى طلبته من وجهها، ومن توجه إلى أحد من خلقك، أو جعله سببًا لنجحها دونك؟ فقد تعرض، واستحق من عندك فوت الإحسان.
اللهم ولى إليك حاجة قد قصر عنها جهدى، وتقطعت دونها حيلتى وسولت لي نفسى رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك، ولا يستغنى في طلباته عنك، وهي زلة من زلل الخاطئين، وعثرة من عثرات المذنبين.
ثم انتهيت بتذكيرك لي في غفلتى ونهضت بتوفيقك من زلتى، ورجعت بتسديدك من عثرتى، وقلت: سبحان الله! كيف يسأل محتاج محتاجًا! وأنى يرغب معدم إلى معدم، وإلى آخر ما قال، عليه رضوان الملك المتعال.
الخاتمة
[في التوسط بين القولين، وهو عند المنصف قرة عين الفريقين] .
فقد قال الوالد عليه الرحمة في تفسير قوله تعالى ﴿يايها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة ٣٥] ما نصه:
واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين،
[ ٥٦٤ ]
وجعلهم وسيلة بين الله تعالى، وبين العباد، والقسم على الله بهم بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا
ومنهم من يقول للغائب أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين: فلان أدع الله تعالى ليرزقنى كذا، ويزعمون ان ذلك من باب ابتغاء الوسيلة.
ويروون عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا أعيتكم الأمور، فعليكم باهل القبور، أو فاستغيثوا بأهل القبور» . وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل.
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن الاستغاثة بمخلوق، وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه، ولا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيًا، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح أنه - ﷺ - قال لعمر - ﵁ - لما استأذنه في العمرة: «لا تنسنا يا أخى من دعائك» وأمره أيضًا أن يطلب من اويس القرني رحمه الله تعالى عليه ان يستغفر له. وأمر أمته - ﷺ - بطلب الوسيلة له، وبأن يصلوا عليه.
وأما إذا كان المطلوب منه ميتًا، أو غائبًا فلا يسترتب عالم أنه غير جائز، وانه من البدع التى لم يفعلها أحد من السلف.
نعم، السلام على أهل القبور مشروع، ومخاطبتهم جائزة، فقد صح أنه - ﷺ - كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لا حقون، يرحم الله تعالى المستقدمين منكم، والمستأخرين، نسال الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا اجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» .
ولم يرو عن أحد من الصحابة - ﵁ - وهم احرص الخلق
[ ٥٦٥ ]
على كل خير - انه طلب من ميت شيئًا، بل قد صح عن ابن عمر - ﵁ - أنه كان يقول، إذا دخل الحجرة النبوية زائرًا: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك.
ولا يطلب من سيد العالمين - ﷺ -، أو من ضجيعيه المكرمين - ﵁ - شيئًا، وهم أكرم من ضمته البسيطة، وأرفع قدرًا من سائر من احاطت به الفلاك المحيطة. نعم الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة، والروضة المعظمة، أمر مشروع، فقد كانت الصحابة - ﵁ - تدعو الله هناك، مستقبلين القبلة، ولم يرد عنهم أستقبال القبر الشريف عند الدعاء مع أنه أفضل من العرش.
واختلف الأئمة في استقباله عند السلام، ففي مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يستقبل، بل يستدبر، ويستقبل القبلة وقال بعضهم: يستقبل وقت السلام، ويستقبل القبلة، ويستدبر وقت الدعاء، والصحيح المعول عليه: أنه يستقبل وقت السلام، وعند الدعاء يستقبل القبلة، ويجعل القبر عن اليمين أو اليسار.
فإذا كان هذا المشروع في زيارة سيد الخليقة، وعلة الإيجاد على الحقيقة - ﷺ -، فماذا تبلغ زيارة غيره بالنسبة إلى زيارته ﵊ ليزاد، أو يطلب من المزور بها ما ليس من وظيفة العباد.
واما القسم على الله تعالى باحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إنى أقسم عليك، أو أسألك إلا ما قضيت لى حاجتى - فعن العز بن عبد السلام جواز ذلك في النبي - ﷺ -، لأنه سيد ولد آدم، ولا يجوز
[ ٥٦٦ ]
أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء، والملائكة، والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته.
وقد نقل ذلك عنه المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير. ودليله في ذلك ما رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح عن عثمان بن حنيف - ﵁ -: أن ردلًا ضرير البصر اتى النبي - ﷺ - فقال: أدع الله تعالى ان يعافيني.
فقال: «إن شئت دعوت وغن شئت صبرت فهو خير لك» قال: فأدعه. فامر ﵊ أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم أنى أسألك وأتوجه بنبيك نبي الرحمة، يا رسول الله، إنى توجهت بك إلى ربي في حاجتى لتقضى لى، اللهم فشفعه في. ونقل عن أحمد مثل ذلك.
ومن الناس من منع التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه مطلقًا، وهو الذى يرشح به كلام التقى ابن تيميه، ونقله عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام.
وأجاب عن الحديث بأنه على حذف مضاد، أى بدعاء، أو شفاعة نبيك - ﷺ -، ففيه جعل الدعاء وسيلة، وهو جائز بل مندوب.
والدليل على هذا التقدير قوله في أخر الحديث: «اللهم فشفعه في» بل في أوله أيضًا ما يدل على ذلك. وقد شفع السبكى كما هو عادته على التقى فقال: ويحسن التوسل والاستغاثة بالنبي - ﷺ - إلى ربه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيميه فأنكر ذلك، وعدل عن الصراط المستقيم، وابتدع ما لم يقله عالم، وصار بين الأنام مثل. أنتهى.
[ ٥٦٧ ]
وأنت تعلم أن الأدعية المأثورة عن اهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة ليس فيها التوسل بالذات المكرمة - ﷺ -. ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك فمؤول بتقدير مضاف كما سمعت أو نحو ذلك، كما ستسمع إن شاء الله تعالى، ومن ادعى النص فعليه البيان.
وما رواه أبو داود في سننه وغيره من ان رجلا قال لرسول الله - ﷺ -: إنا نستشفع بك إلى الله تعالى، ونستشفع بالله تعالى عليك، فسبح رسول الله - ﷺ - حتى رؤى ذلك في وجوه أصحابه، فقال - ﷺ -: «ويحك! أتدرى ما الله تعالى؟ إن الله تعالى لا يشفع به على أحد من خلقه، شأن الله تعالى أعظم من ذلك» لا يصلح دليلًا على ما نحن فيه، حيث أنكر عليه قوله: «نستشفع بك على الله» لأن معنى الاستشفاع به - ﷺ - طلب الدعاء منه، وليس معناه الإقسام به على الله تعالى.
ولو كان الإقسام معنى للاستشفاع فلم أنكر النبي - ﷺ - مضمون الجملة الثانية دون الأولى؟ وعلى هذا لا يصلح الخبر ولا ما قبله دليلًا لمن أدعى جواز الإقسام بذاته - ﷺ - حيًا وميتًا.
وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقًا، قياسًا عليه، ﵊ بجامع الكرامة، وإن تفاوتت قوة وضعفًا. وذلك لأن ما في الخبر الثاني أستشفاع لا إقسام، وما في الخبر الول ليس نصًا في محل النزاع. وعلى تقدير التسليم ليس فيه إلا الإقسام بالجي والتوسل به، وتساوى حالتى حياته ووفاته - ﷺ - في هذا الشأن يحتاج إلى نص، ولعل النص على خلافه.
[ ٥٦٨ ]
ففي صحيح البخارى عن أنس: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا اقحطوا استسقى بالعباس - ﵁ -، قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك - ﷺ - فتسقيا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا، فيسقون. فإنه لو كان التوسل به علينا الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار جائزًا لما دعوا إلى غيره، بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك نبينا فاسقنا، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس، إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون ادنى مساغ لذلك.
فعدلهم هذا مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله - ﷺ -،،بحقوق الله تعالى ورسوله ﵊، وما يشرع من الدعاء، وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق - دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره، وما ذكر من قياس غيره من الأرواح المقدسة عليه - ﷺ - مع التفاوت في الكرامة، الذى لا ينكره إلا منافق مما لا يكاد يسلم.
على أنك قد علمت إن الإقسام به - ﷺ - على ربه عز شانه حيًا وميتًا مما لم يقم النص عليه. لا يقال إن في خبر البخارى دلالة على صحة الإقسام به ﵊ حيًا، وكذا بغيره كذلك.
أما الأول فلقول عمر - ﵁ -: كنا نتوسل بنبيك - ﷺ -. وأما الثاني فلقوله: إنا نتوسل بعم نبيك - لما قيل: إن هذا التوسل ليس من باب الإقسام، بل هو من جنس الاستشفاع، وهو أن يطلب من الشخص الدعاء والشفاعة، ويطلب من الله تعالى أن يقبل دعاؤه وشفاعته.
ويؤيد ذلك أن العباس كان يدعو وهم يؤمنون لدعائه حتى سقوا. وقد
[ ٥٦٩ ]
ذكر التقي: ان لفظ التوسل بالشخص والتوجه إليه وبه، فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح. فمعناه في لغة الصحابة - ﵁ -: أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه في الحقيقة بدعائه وشفاعته وذلك مما لا محذور فيه.
واما في لغة كثير من الناس فمعناه: أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم به عليه، وهذا هو محل النزاع، وقد علمت الكلام فيه. وجعل من الإقسام الغير المشروع قول القائل: اللهم أسألك بجاه فلان، فإنه لم يرد عن احد من السلف أنه دعا كذلك. وقال: إنما يقسم به تعالى وباسمائه وصفاته، فيقال: «أسالك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا ألله المنان، بديع السماوات والارض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك. ..» الحديث. ونحو ذلك من الأدعية المأثورة.
وما يذكره به بعض العامة من قوله - ﷺ -: «إذا كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاسألوا الله تعالى فإن جاهي عند الله عظيم» لم يروه أحد من أهل العلم، وهو شئ في كتب الحديث. وما رواه القشيرى عن معروف الكرخي قدس سره أنه قال لتلامذته: إن كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاقسموا عليه بي، فإني الواسطة بينكم وبينه ﷻ - الآن. لا يوجد له سند يعول عليه عند المحدثين. واما مارواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدرى عن النبي - ﷺ - في دعاء الخارج إلى الصلاة: «اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا رياء ولا سمعه، ولكن خرجت إتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، ان تنقذني من النار، وان تدخلني الجنة» ففي سنده العوفي
[ ٥٧٠ ]
وفيه ضعف. وعلى تقدير ان يكون من كلام النبي - ﷺ - يقال فيه: إن حق السائلين عليه تعالى أن يجيبهم، وحق الماشين في طاعته أن يثبتهم، والحق بمعنى الوعد الثابت المتحقق الوقوع، فضلا لا وجوبًا، كما في قوله تعالى: ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ .
وفي الصحيح من حديث معاذ «حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم» .
فالسؤال حينئذ بالإثابة والإجابة، وهما من صفات الله تعالى الفعلية، والسؤال بها مما لا نزاع فيه، فيكون هذا السؤال كالاستعاذة في قوله - ﷺ -: «اعوذ برضاك من، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك»، فمتى صحت الاستعاذة بمعافاته صح السؤال بإثباته وإجابته، وعلى نحو ذلك يخرج سؤال الثلاثة لله ﷿ بأعمالهم، على ان التوسل بالأعمال معناه التسبب بها لحصول المقصود. ولا شك ان الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا، ولا كذلك ذوات الأشخاص أنفسها.
والناس قد افرطوا اليوم في الإقسام على الله تعالى، فأقسموا عليه عز شانه بمن ليس في العير ولا في النفير، وليس عنده من الجاه قدر قطمير.
واعظم من ذلك أنهم يطلبون من اصحاب القبور نحو شفاء المريض، وإغناء الفقير، ورد الضالة، وتيسير كل عسير. وتوحي إليهم شياطينهم خبر: إذا أعيتكم الأمور. إلخ. وهو حديث مفترى على رسول الله - ﷺ - بإجماع العارفين بحديثه، بم يروه أحد من العلماء، ولا يوجد في شئ من كتب الحديث المعتمدة، وقد نهى النبي - ﷺ -: عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن على ذلك، فكيف يتصور منه ﵊ الأمر بالاستغاثة، والطلب من اصحابها! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وعن أبي يزيد البسطامي قدس سره، أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق،
[ ٥٧١ ]
كاستغاثة المسجون بالمسجون. ومن كلام السجاد - ﵁ -: أن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رايه، وضلة في عقله. ومن دعاء موسى ﵇: «وبك المستغاث» وقال - ﷺ - لابن عباس - ﵁ -: «إذا أستعنت فاستعن بالله » الخبر. وقال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ . وبعد هذا كله، أن لا أرى باسًا في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي - ﷺ - عند الله حيًا وميتًا.
ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته. فيكون معنى قول القائل: إلهى أتوسل بجاه نبيك - ﷺ -، أن تقضى لى حاجتى - إلهى أجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتى. ولا فرق بين هذا وقولك: إلهى أتوسل برحمتك أن تفعل كذا، إذ معناه أيضًا إلهى اجعل رحمتك وسيلة في فعل كذا.
بل لا أرى باسًا أيضًا بالإقسام على الله بجاهه - ﷺ - بهذه المعنى. والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه، ولا يجرى ذلك في التوسل، والإقسام بالذات البحت. نعم، لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن احد من الصحابة - ﵁ -، ولعل ذلك كان تحاشيًا منهم عما يخشى أن يتعلق به في اذهان الناس إذ ذاك، وهم قريبو عهد التوسل بالأصنام - شئ ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين.
وقد ترك لرسول الله - ﷺ - هدم الكعبة وتاسيسها على قواعد إبراهيم، لكون القوم حديثى عهد بكفر، كما ثبت ذلك في الصحيح. وهذا الذى ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس، والفرار من دعوى تضليلهم، كما يزعمه البعض في التوسل بجاه عريض الجاه - ﷺ -، لا للميل إلى أن الدعاء كذلك أفضل من أستعمال الأدعية المأثورة
[ ٥٧٢ ]
التى جاء بها الكتاب ومدحت بها ألسنة السنة، فإنه لا يستريب منصف في ان ما علمه الله تعالى ورسوله - ﷺ -، ودرج عليه الصحابة الكرام - ﵁ -، وتلقاه من بعدهم بالقبول - أفضل واجمع وانفع واسلم * فقد قيل ما قيل إن حقًا وإن كذبًا *.
بقى ههنا امران: الأول - أن التوسل بجاه غير النبي - ﷺ - لا بأس به ايضًا، وإن كان المتوسل بجاهه ممن علم أن له جاهًا عند الله تعالى، كالمقطوع بصلاحه، وولا يته.
واما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل بجاهه، لما فيه من الحكم الضمنى على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه - عز شانه - وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى.
الثاني - ان الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل: يا سيدى فلان أغثني، وذلك ليس من التوسل المباح في شئ.
واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك، وألا يحوم حول حماه، وقد عدة أناس من العلماء شركاء، وإن لا يكنه فهو قريب منه. ولا أرى احدًا ممن يقول بذلك إلا وهو يعتقد أن الحي الغائب، أو الميت المغيب يعلم الغيب، أو يسمع النداء، ويقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير ودفع الذى، وإلا لما دعاه، ولا فتح فاه، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوى الغني، الفعال لما يريد.
ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من انه كان في زمن النبي - ﷺ - منافق يؤذى المؤمنين، فقال الصديق - ﵁ -: قوموا بنا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فجاءوا إليه فقال: «إنه لا يستغاث بي، إنه يستغاث بالله تعالى»،
[ ٥٧٣ ]
لم يشك في ان الاستغاثة باصحاب القبور الذين هم بين سعيد شغله نعيمه، وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقى ألهاه عذابه، وحبسه في النيران عن إجابة مناديه، والاصاخة إلى أهل ناديه - امر يجب اجتنابه ولا يليق بارباب العقول ارتكابه.
ولا يغرنك ان المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته، وتنجح طلبته - فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه ﷿.
وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذى استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به هيهات! هيهات! إنما هو شيطان اضله واغواه، وزين له هواه، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام، ليضل عبدتها الطغام.
وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له. ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور، وإن كانا ممكنين، لكن لا في مثل هذه الصورة، وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسال الله تعالى باسمائه ان يعصمنا من ذلك، نتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم حسن المسالك. انتهى.
وهو توسط عند ذوى العقول مقبول، موافق للمنقول والمعقول، ولا اظنك تجده في كتاب فهو اللباب لذوى الألباب.
وقال الوالد عليه الرحمة ايضًا في باب الإشارة من تفسيره ما نصه: قال تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ترف في وجوه الذين كفروا المنكر .﴾ الآية [الحج ٧١]- فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الايات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والمبسور، وهم في زماننا كثيرون، فإنا لله وإنا غليه راجعون.
وفي قوله تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ..﴾
[ ٥٧٤ ]
الأية [الحج ٧٣]- إشارة إلى ذم الغالين في اولياء الله تعالى، حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور. والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما تنذر لله ﷿، وتجعل ثوابه للولى.
ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام، القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ودعواهم الثانية لا بأس بها ولو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم، أو رد غائبهم، أو نحو ذلك.
والظاهر من حالهم الطلب ويرشدك إلى ذلك أنه لو قيل: آنذروا لله تعالى، واجعلوا ثوابه لوالديكم، فإنهم أحود من اولئك الأولياء لم يفعلوا.
[الاستغاثة بالمشايخ والموتى]
وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿دعوا الله مخلصين له الدين ..﴾ الاية - ما بعضه: فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك، وانت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم، في بر أو بحر، ودعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادى أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث باحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة! ولا ترى فيهم أحدًا يحص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال، أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الاهوال، فبالله تعالى عليك، قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلًا! وأى الداعيين أقوم قيلًا!؟ وإلى الله سبحانه المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وغرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهى عن المنكر صنوف الحتوف. أنتهى.
[ ٥٧٥ ]
ومما يفتى به في هذا المقام ما انشد نيه لنفسه مفتى مصرنا مدينة السلام، وهو قوله [بسيط] .
لا تدع في حاجة بازًا، ولا اسدًا الله ربك لا تشرك به احدًا
وهو كلام يرشح منه التوحيد، ويكفى من القلادة ما أحاط بالجيد.
تنبيه
[إسراف بغيض]
قد علمت الخلاف بين العلماء في جواز التوسل بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وجاه بعض الأئمة من الصالحين، وأحطت خبرًا بالأحوط في ذلك وبقى قول لبعض معاصرينا ممن يدعى العلم، المعروف بالملا داود ابن سليمان بن جرجيس العاني، وهو من الغرابة بمكان، بكاد ان يفتخر به من ذوا ت الربع كل حيوان. فقد الف رسالة مشوبة بالهذيان، والآراء المضحكة للصبيان، وساق فيها ادلة على التوسل بسائر الحيوانات، وإثبات الجاه لكثير من الجمادات، فمنها قوله: وأعظم من ذلك وأوضح دلالة ما ذكره الفقهاء في باب الاستسقاء من إخراج البهائم والحيوانات في الاستسقاء للتوسل بها إلى الله تعالى، ومنها قوله: لا يخفى عليك مما قدمنا أن التوسل بالجمادات والحيوانات قد وقع في الأحاديث الصحيحة، والآثار الصريحة عن الصحابة، والتابعين، والسلف الصالحين مما يضيق عنه نطاق الحصر. انتهى بلفظه وحروفه.
فانظر بعين التدبر والانصاف، إلى هذا التجرى على الشريعة والخبط وسوء الفهم والاعتساف. والعبد الحقير من فضله سبحانه، وان كنت قد رددته في كتاب مخصوص، وبينت في شقائقي أن يتوسل به ليس له دعوة وجاه منصوص. فقد لزم هنا أيضًا تنبيه أهل الإيمان على هذه القرمطة
[ ٥٧٦ ]
والهذبان، لا سيما وقد نشر أمثاله في كتابه الذي سماه «بصلح الاخوان» لئلا يغتر به الغافل، فتروج عليه زخارف ما أودعه من الباطل، فتيقظ ولا تغفل، وهو سبحانه ولي التوفيق.
[هل يشد الرحال لزيارة قبر النبي - ﷺ -]
(وقوله وإن إنشاء السفر إليه بسبب الزيارة معصية لا تقصر الصلاة فيه)
أقول هذا أيضًا تشنيع يحتاج إلى تفصيل وسيع؛ فإن الشيخ ابن تيمية وغير واحد من العلماء ذهبوا إلى أن شد الرحل إلى المسجد النبوي مشروع مسنون، فإذا وصل قاصد المسجد صلى فيه، ثم توجه إلى القبر الشريف، وزار الزيارة المسنونة؛ مستدلين بحديث: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاث» كما سيأتي.
وذهب كثير من العلماء إلى جواز شد الرحال لقصد الزيارة، مستدلين ببعض الآثار. ولنذكر من كلام الطائفتين شيئًا لتتضح أدلتهما لذوي الأبصار فنقول:
قال الإمام النووي في شرح الصحيح في الكلام على قوله - ﷺ -: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» مانصه: واختلف العلماء في شد الرحال، وإعمال المطى إلى غير المساجد الثلاثة؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك. فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا ك هو حرام. وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره.
والصحيح عند اصحابنا - وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون - أنه لا يحرم ولايكره. قالوا: والمراد الفضيلة التامة إنما هي شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة. والله تعالى أعلم. انتهى.
وقال الخفاجي في شرح الشفا: واختلف في هذا الهي، هل هو على
[ ٥٧٧ ]
ظاهرة التحريم كما ذهب إليه بعضهم؟ والصحيح أنه مؤؤل؛ أي لا تشدوا الرحال لنذر العبادة إلا لها، ولذا قالوا: لو نذر الصلاة في غيرها لم يلزمه شيء. فلا يكره شد الرحال لبعض الأماكن للتبرك بها، أو لزيارة من فيها من الصالحين أو لطلب العلم. اهـ.
وقال العلامة ابن القيم تلميذ الشيخ في عقيدته النونية ما بعضه: [كامل]:
والله لو يرضى الرسول سجودنا كنا نخر له على الأذقان
والله ما يرضيه منا غير تجـ ـريد بتوحيد بلا طغيان
ولقد نهى ذا الخلق عن اطرائه فعل النصارى عابدى الصلبان
ولقد نهانا أن نصير قبره عيدًا حذار الشرك بالديان
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمه وثنًا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة جدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مصرحا باللعن يصرخ فيهم باذان
وعنى الألى جعلوا القبور مساجدا وهم اليهود وعابدو الأوثان
والله لولا ذاك لزرت قبره لكنهم حجبوه بالحيطان
قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمـ ـتنع السجود له على الأذقان
قصدوا موافقة الرسول وقصد الـ ـتجريد للتوحيد للرحمن
يافرقة جهلت نصوص نبيهم ومراده وحقيقة الإيمان
فسطوا علو أتباعه وجنوده بالبقى والعدوان والبهتان
لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا فمصابكم ما فيه من حيران
قلنا الذي قال الأئمة قبلنا وبه النصوص أتت على التبيان
والقصد حج البيت وهو فريضة الـ ـرحمن واجبة إلى الأعيان
[ ٥٧٨ ]
ورحالنا شدت إليه من بقا ع الأرض قا صيها كذاك الدابي
من لم يزر بيت الإله فماله من حجة سهم ولا سهمان
وكذا تشد رحالنا للمسجد الـ ـنبوي خير مساجد البلدان
من بعد مكة قبل أو هذا على الإطلاق فيه الخلف منذ زمان
وتراه عند النذر فرضا لكن الـ ـنعمان يأبى ذا وللنعمان
أصل هو النافي الوجوب فإنه ما جنسه فرضا على إنسان
ولنا براهين تدل بأنه بالنذر مفترض على الإنسان
أمر الرسول لكل ناذر طاعة بوفائه بالنذر والإحسان
وصلاتنا فيه بألف في سوا هـ ما خلا ذا الحجر والأركان
وكذا صلاة قي قبا فكعمرة في أجرها والفضل للمنان
فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولا ثنتان
بتمام أركان لها وخشوعها وحضور قلب فعل ذى الإحسان
ثم انثنينا للزيارة نقصد الـ ـقبر الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع متذلل في السر والإعلان
فكأنه في القبر حى ناطق فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهم تلك المهابة فاعترت تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجرت تلك العيون بمائها ولطالما غاصت على الأزمان
وأتى المسلم بالسلام بهيبة ووقار ذي علم وذى إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم ير طائفًا بالقبر أسـ ـبوعًا كأن القبر بيت ثاني
ثم انثنى بدعائه متوجها لله نحو البيت ذى الأركان
هذا زيارة من غدا متمسكًا بشريعة الإسلام والعدناني
من أفضل الأعمال هاتيك الزيا رة وهي يوم الحشر في الميزان
[ ٥٧٩ ]
لا تلبسوا الحق الذي جاءت به سنن الرسول بإعظم البطلان
هذى زيارتنا ولم ننكر سوى الـ ـبدع المضلة يا أولى العدوان
وحديث شد الرحال نص ثابت يجب المصير إليه بالبرهان
ونقل المناوى في شرحه الكبير للجامع الصغير عن الإمام مالك، أنه منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر المكرم، ونصه: «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» أى من زارنى في قبرى، فقصد نفسها ليس بقربة، وكذا ذكره السبكى في الشفاء. وحمل عليه ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر المكرم من غير إرادته إتيان المسجد للصلاة فيه. أهـ.
وفي بعض رواته مقال. فليراجعه من أراد الجدال.
وقال الشيخ الأجل أحمد ولى الله الدهلوى في التفهيمات: وقد ذكر عنه - أى عن شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ - أنه منع السفر لزيارة النبي - ﷺ -، ولا يروى كلامه ذلك بنقل صريح صحيح.
فإنه لم يمنع الزيارة مطلقًا، بل منع السفر للزيارة بحديث «لا تشد الرحال» وبحديث «لا تتخذوا مسجدى عيدًا» فإذا كان لقوله مساغ اجتهادى لا ينبغي أن يشدد عليه ذلك التشديد. أهـ.
وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادى بن قدامه المقدسى الحنبلى المتقدم ذكره في كتابه المطنب المسمى (بالصارم المنكى في الرد على ابن السبكي) ما نصه:
أما بعد: فإنى وقفت على الكتاب الذى ألفه بعض قضاة الشافعية في الرد على شيخ الإسلام تقى الدين أبي العباس أحمد بن تيميه في مسألة «شد الرحال» و«إعمال المطى إلى القبور» وذكر أنه قد سماه «سن الغارة على من أنكر الزيارة» ثم زعم أنه اختار أن يسميه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»
[ ٥٨٠ ]
فوجدته كتابًا مشتملًا على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة، والآثار المقبولة، أو تحريفها من مواضعها، وصرفها عن ظواهرها، بالتأويلات المستنكرة المردودة. ورأيت مؤلف هذا الكتاب رجلًا مماريًا معجبًا برأيه متبعًا لهواه، ذاهبًا في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة سائرًا في أشياء مما يعتقده إلى الشبه المخيلة، والحجج الداحضة، وربما خرج عن الإجماع في مواضع لم يسبق إليها، ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها.
وهي في الجملة لون عجيب، وبناء غريب، تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين، فيكون مخطئًا في ذلك الاجتهاد. ومرة يزعم فيما يقويه ويدعيه أنه من جملة المقلدين، فيكون من قلده مخطئًا في ذلك الاعتقاد. نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا، ويرزقنا الهداية والسداد. هذا، مع أنه إن ذكر حديثًا مرفوعًا، أو أثرًا موقوفًا، وهو غير ثابت، قبله إذا كان موافقًا لهواه.
وإن نقل عن بعض الأئمة الأعلام كمالك أو غيره ما يوافق رأيه قبله، وإن كان مطعونًا فيه غير صحيح عنه.
وإن كان مما يخالف رأيه رده ولم ينقله وإن كان صحيحًا ثابتًا عنه.
وإن حكى شيئًا مما يتعلق بالكلام على الحديث، وأحوال الرواه عن أحمد من ائمة الجرح والتعديل كالإمام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازى وأبي حاتم بن البستى، وأبي جعفر العقبي، وأبي أحمد عدى، وأبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وأبي بكر البيهقى، وغيرهم من الحفاظ. وكان مخالفًا لما ذهب إليه، لم يقبل قوله، ورده عليه وناقشه
[ ٥٨١ ]
فيه - وإن كان ذلك الإمام قد أصاب في ذلك القول، ووافقه غيره من الأئمة عليه.
وإن كان موافقًا لما صار إليه تلقاه بالقبول، وأحتج به واعتمد عليه.
وإن كان ذلك الإمام قد خولف في ذلك القول، ولم يتابعه غيره من الأئمة عليه.
وهذا هو عين الجور والظلم، وعدم القيام بالقسط، نسأل الله تعالى التوفيق، ونعوذ به من الخذلان واتباع الهوى. وهذا، مع أنه حمله إعجابه برأيه، وغلبه اتباع هواه على ان نسب سوء الفهم والغلط في النقل إلى جماعة من العلماء الأعلام، المعتمد عليهم في حكاية مذاهب الفقهاء واختلافهم، وتحقيق معرفة الأحكام، حتى زعم أن ما نقله الشيخ أبو زكريا النووى في شرح مسلم عن الشيخ أبي محمد الجويني من النهي عن شد الرحال، وإعمال المطى إلى غير المساجد الثلاثة كالذاهب إلى قبور الأنبياء والصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، هو مما غلط فيه أبو محمد، او أن ذلك مما وقع منه على سبيل السهو والغفلة.
قال: ولو قاله هو - يعنى الشيخ أبا محمد - أو غيره أو ممن يقبل كلامه الغلط لحكمنا بغلطه، وإنه لم يفهم مقصود الحديث، فأنظر إلى كلام هذا المعترض المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأى الفاسد، وأجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ انثلام من الافتراء العظيم والإفك المبين، والكذب الصراح وهو مما نقله عنه من انه جعل زيارة قبر النبي - ﷺ - وقبور الأنبياء ﵈ معصية بالإجماع مقطوعًا بها.
هكذا ذكر هذا المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال: هذا القول الذى لا يشك عاقل من أصحابه، وعن أصحابه أنه كذب مفترى لم يقله قط، ولا يوجد في شئ من كتبه، ولا دل كلامه عليه، بل كتبه كلها
[ ٥٨٢ ]
ومناسكه وفتاويه، وأقواله وأفعاله تشهد ببطلان هذا النقل عنه، ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بان هذا مفتعل مختلق على الشيخ. وأنه لم يقلد قط. وقد قال الله تعالى ﴿يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ [الحجرات ٦]، وهذا المعترض يعلم أن ما نقله عن القاضي المشهور بما لا أحب حكايته عنه في هذا المقام عن شيخ الإسلام من هذا الكلام - كذب مفترى، لا يرتاب في ذلك، ولكنه يداهن، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه.
ولقد أخبرني الثقة أنه ألف هذا الكتاب لما كان بمصر أن يلى لقضاء بالشام بمدة كثيرة ليتقرب به إلى القاضى الذى حكى عنه هذا الكتاب، ويخطى لديه، فخاب أمله، ولم ينفق ما عنده، وقد كان هذا القاضى الذى جمع المعترض كتابه هذا لأجله من أعداء الشيخ المشهورين، وقد زعم هذا المعترض أيضًا مع هذا الأمر الفظيع الذى أرتكبه من التكذيب بالصدق والتصديق بالكذب أن الفتاوى المشهورة التى أجاب بها علماء أهل بغداد موافقة الشيخ مختلفة موضوعة، وضعها بعض الشياطين.
هكذا زعم، مع علم العام والخاص بأن هذه الفتاوى مما شاع خبرها وذاع اشتهر أمرها وانتشر، وهي صحيحة ثابتة متواترة عمن أفتى بها من العلماء.
وقد رأيت أنا وغيرى خطوطهم بها - إلى أن قال:
وليعلم قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شئ من كتبه، ولم ينه عنها ولك يكرهها، بل استحبها وحض عليها، ومصنفاته ومناسكه طافحة بذكر استجباب زيارة قبر النبي - ﷺ - وسائر القبور. قال رحمه الله تعالى في بعض مناسكه:
[ ٥٨٣ ]
[باب زيارة قبر النبي - ﷺ -]
إذا أشرف على مدينة النبي - ﷺ - قبل الحج أو بعده فليقل ما تقدم، فإذا دخل استجب له أن يغتسل - نص عليه الإمام أحمد - فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى. وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم أغفر لى دنبي، وأفتح لي ابواب رحمتك. ثم يأتى الروضة بين القبر والمنبر فيستقبل جدار القبر ولا يمسه، ولا يقبله، ويجعل القنديل الذى في القبلة عند القبر على رأسه ليكون قائمًا وجاه النبي - ﷺ -، ويقف متباعدًا كما يقف لو ظهر في في حياته بخشوع، وسكون، منكس الرأس غاض الطرف، مستحضرًا جلالة موقفه.
ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك با نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين. أشهد أن لا إله إلا الله،،أشهد أنك رسول الله، واشهد أنك بلغت رسالات ربك، ونصحت الأمة، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًا ورسولًا عن أمته.
اللهم أته الوسيلة والفضيلة، وأبعثه مقامًا محمودًا الذى وعدته، يغبطه الأولون والآخرون، اللهم - ﷺ - على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى ىل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم أحشرنا في زمرته وتوفنا على سنته، واوردنا حوضه، وأسقنا بكأسه مشربًا رويًا لا نظمأ بعده أبدًا.
ثم يأتى أبا بكر وعمر - ﵁ - فيقول: السلام عليك يا ابا بكر، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي
[ ٥٨٤ ]
رسول الله - ﷺ - وضجيعيه، ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاكما الله تعالى عن صحبة نبيكما وعن الإسلام خيرًا، سلام الله عليكما بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
قال: ويزور أهل البقيع، وقبور الشهداء إن أمكن. هكذا كلام الشيخ بحروفه، وكذلك سائر كتبه، وذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي - ﷺ - وسائر القبور، ولم ينكر زيارتها في موضع من المواضع، ولا ذكر في ذلك خلافًا إلا نقلًا عن غريبا ذكره في بعض كتبه عن بعض التابعين.
وإنما تكلم في مسألة «شد الرحال وإعمال المطي» إلى مجرد زيارة القبور، وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين:
أحدهما - القول بإباحة ذلك مما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.
والثاني - أنه منهي عنه كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن انس: ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافة، وإليه ذهب جماعة من اصحاب الشافعي وأحمد.
هكذا ذكر الشيخ الخلاف في «شد الرحال وإعمال المطى إلى القبور» ولم يذكره في الزيارة الخالية عن شد رحل وإعمال مطى. والسفر إلى زيارة القبور مسألة، وزيارتها من غير سفر مسالة أخرى، ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة، وجعلها مسألة واحدة، وحكم عليهما بحكم واحد، وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما، وبالغ في التنفير عنه فقد حرم التوفيق، وحاد عن سواء الطريق.
وأحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال بالحديث المشهور المتفق على صحته من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدرى «لا تشدوا الرحال إلا لإلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى» هذا هو
[ ٥٨٥ ]
الذى نقله الشيخ رحمه الله تعالى - حكى الخلاف في مسالة بين العلماء، وأحتج لأحد القولين بحديث متفق على صحته، فأى عتب عليه في ذلك! ولكن نعوذ بالله تعالى من الحسد والبغي واتباع الهوى، والله سبحانه المسئول أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من العمل الصالح، والقول الجميل، فإنه يقول الحق وهو يهدى السبيل. أنتهى.
[فتوى لابن تيمية في زيارة قبره - ﷺ -]
وقال الشيخ ابن تيميه في فتاواه ما نصه: مسألة في رجل نوى زيارة قبر نبي من الأنبياء ﵈ مثل نبينا - ﷺ - وغيره - فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة، وهل عي زيارة شرعية أم لا؟ وقد روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من حج فلم يزرنى فقد جفاني، ومن زارنى بعد مماتى فكأنما زرانى في حياتى» وقد روى عنه أنه قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا» .
الجواب - الحمد لله رب العالمين. أما من سافر بمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له القصر؟ على قولين:
أحدهما قول متقدمى العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية، كأبي عبد الله بن بطة، وأبي الوفا ابن عقيل، وطوائف كثيرة من العلماء المتقدمين: انه لا يجوز القصر في مثل هذا، لأنه سفر منهى عنه. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى: إن السفر المنهى عنه في الشريعة لا يقصر فيه.
والقول الثاني - أنه يقصر، وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء، كأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن
[ ٥٨٦ ]
أبن عبدوس الحراني، وأبي محمد بن قدامه المقدسى، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله - ﷺ -: «زوروا القبور» وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي - ﷺ -، كقوله: «من زارنى بعد مماتى فقد زارنى في حياتى» رواه الدارقطنى وابن ماجه. وأما ما يذكره بعض الناس في قوله: «من حج فلم يزرني فقد جفاني» فهذا لم يروه أحد من العلماء.
وهو مثل قوله: «من زارنى ضمنت له على الله الجنة» فإن هذا أيضًا باطل باتفاق العلماء، لم يروه أحد، ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطنى.
وقد احتج أبو محمد المقدسى على جواز السفر لزيارة القبور بأن النبي - ﷺ - كان يزور مسجد قباء، وأجاب عن حديث «لا تشدوا الرحال» بان ذلك محمول على نفي الاستحباب.
وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي - ﷺ - قال: «لا تشدوا الرحال إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا» وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر الرجل أن يصلى في مسجد أو مشهد، أو يعتكف فيه، أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة.
ولو نذر أن يأتى المسجد الحرام لحج أو عمره، وجب عليه ذلك باتفاق العلماء ، ولو نذر أن ياتى مسجد النبي - ﷺ -، أو المسجد القصى لصلاة أو أعتكاف، وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد، فإنهم يوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه » الحديث، رواه البخارى.
[ ٥٨٧ ]
وأما السفر إلى بقعة يغر المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره، حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء، لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء يستحب زيارته لمن كان بالمدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الصحيح: «من تطهر في بيته ثم اتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة» . وقالوا: ولأن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول الله - ﷺ -، ولا استحبها أحد من ائمة المسلمين.
فمن أعتقد ذلك عبادة وفعلها، فهذا مخالف للسنة وإجماع الأمة.
وبهذا يظهر حجة ابي محمد، فإن زيارة النبي - ﷺ - لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر. وقوله: إن قوله: «لا تشد الرحال» محمول على نفى الاستحباب - يجاب عنه من وجهين:
أحدهما - أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح - ولا قربة وطاعة.
ومن يعتقد في السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربه وطاعة فقد خالف الإجماع.
وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة فإن ذلك محرم بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا ذلك. وأما إذا قدر أن شد الرحل إليها لغرض مباح، فهذا جائز من هذا الباب.
الوجه الثاني - أن النفي يقتضى النهي، والنهي يقتضى التحريم، وما ذكره من الأحاديث في زيارة قبر النبي - ﷺ - فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، ولم يحتج أحد من الأئمة منها بشئ، بل مالك إمام اهل المدينة النبوية، الذى هو أعلم الناس بحك
[ ٥٨٨ ]
م هذه المسالة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي - ﷺ - ولو كان هذا اللفظ مشروعًا أو مأثورًا عن النبي - ﷺ - لم يكرهه عالم المدينة. والإمام أحمد - ﵁ - أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك إلا حديث ابي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من رجل يسلم على إلا رد الله تعالى علي روحي حتى أرد ﵇» . وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه، وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم أنصرف.
وفي سنن ابي داود عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تتخذوا قبرى عيدًا وصلوا على أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» . وفي سنن سعيد بن منصور عن عبد الله بن حسين بن على بن ابي طالب رأى رجلًا يختلف إلى قبر النبي - ﷺ - ويدعو عنده، فقال: يا هذا، إن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تتخذوا قبرى عيدًا، صلوا على اينما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك، لا يدخل أحد عنده لا لصلاة هناك ولا لمسح بالقبر، ولا لدعاء، بل هذا إنما يفعلونه في المسجد.
وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلين القبلة، ولم يستقبلوا القبر.
قال أكثر الأئمة: يستقبل القبر عند السلام خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة أن يستقبل القبر عند الدعاء.
[ ٥٨٩ ]
واتفق الأئمة على أنه لا يتمسح بقبر النبي - ﷺ -، ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من اصول الشرك بالله سبحانه أتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾ قالوا: هؤلاء كانوا قوماص صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صور على صورهم تماثيل، ثم طل عليهم المد فعبدوها
وقد ذكر ذكر هذا المعنى البخارى في صحيحه عن ابن عباس، وذكره محمد ابن جرير الطبرى وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف. وأول من وضع الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد أهل البدع الرافضة، ونحوهم الذين يعطلون المساجد، ويعظمون المشاهد، يدعون بيوت الله سبحانه التى امر أن يذكر فيها اسمه ويعبد فيها وحده لا شريك له، ويعظمون المشاهد التىت يشرك فيها، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانًا. فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد لا المشاهد، كما قال الله تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط واقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف ٢٩] وغير ذلك من الآيات. والله تعالى أعلم. انتهى.
وقال ايضاص في موضع آخر منها ما نصه: وقد ذكر بعض المتأخرين من العلماء أنه لا بأس بالسفر إلى المشاهد، واحتجوا بأن النبي - ﷺ - كان ياتى قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، أخرجاه في الصحيحين. ولا حجة لهم فيه، لأن قباء ليس مشهدًا بل مسجدًا، وهي منهى عن السفر إليها باتفاق الأئمة. لأن ليس بسفر مشروع، بل لو سافر إلي قباء من دويرة أهله لم يجز، ولكن لو سافر إلى المسجد النبوى ثم ذهب منه إلى قباء. فهذا مستحب كزيارة أهل البقيع وشهداء أحد. أنتهى.
[ ٥٩٠ ]
تتمه
إذا علمت ذلك فأعلم أن من أدلة المجوزين لشد الرحل إلى الزيارة ما ذكره التقى السبكي في كتابه (شقاء السقام) وقوله ﵊: «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» رواه الدارقطنى. وفي رواية «حلت له شفاعتى» وقوله ﵇ «من جاءنى زائرًا لا يعلمه حاجة إلا زيارتى كان حقًا علي أكون له شفيعًا يوم القيامة» رواه الطبراني. وقوله - ﷺ -: «من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدى كتب له حجتان مبرورتان» رواه ابن عباس.
وقوله - ﷺ -: «من حج وزار قبرى بعد وفاتي فكأنما زارنى في حياتى» رواه الدارقطني. وقوله - ﷺ -: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» رواه ابن عمر. وأطنب السبكي في الأدلة. والمانعون كالحافظ ابن قدامه في (الصارم المنكي) أولوا وضغفوا ما هنالك وإن أردت التفصيل فارجع إليه، وإن أحببت زيادة الاطلاع فعليك بشروح الشفاء للقاضي عياض، فتنزه منها بأصفى حياض، وأضفى رياض.
ونهاية الكلام في هذا المقام: أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذى شفع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام، وكثرت الأدلة من الجانبين، والردود من الطرفين. وأما محض الزيارة فلم يقل بحرمتها، بل ذهب إلى سنيتها كما تقدم، فلا تغفل عن التفرقة بين ذا وذاك، والله سبحانه يتولى هداى وهداك.
[حكم زيارة القبور بلا شد الرحال]
وأما زيارة القبور بلا شد رحال فقد أختلف فيها أيضًا (قال) الوالد عليه الرحمة في آخر تصنيفاته ما نصه: اعلم أولا أن زيارة القبور وإن لم تكن
[ ٥٩١ ]
بشد رحل لها مختلف فيها. قال ابن بطال في شرح البخارى، وقد نقله عنه الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادى الحنبلى المقدسى في كتابه (الصارم المبكي) - كره قوم زيارة القبور، لأنه روى عن النبي - ﷺ - أحاديث في النهي عنها، كحديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من زار القبور فليس منا» . وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي أنه قال: لولا أن رسول الله - ﷺ - نهى عن زيارة القبور لزرت قبر أبنتي.
وروى عبد الرزاق عن الثورى عن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون زيارة القبور. وكثيرًا ما يقول إبراهيم: كانوا يفعلون كذا، كانوا يكرهون كذا، والظاهر أنه يريد بهم شيوخه، ومن حمل عنه العلم من اصحاب على كرم الله تعالى وجهه، وابن مسعود - ﵁ - وغيرهما. وعن ابن سيرين مثله.
[السنن والبدع في زيارة القبور]
وهذا قول ساقط، فإن أحاديث النهي منسوخة، فقد صح أنه ﵊ قال:
«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها، فإنها تذكركم الآخرة» . وثبت في الصحيح أنه - ﷺ - زار قبور شهداء أحد، وأنه ﵊ كان يعلم أصحابه إذا رأوا القبور أن يقولوا:
«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله تعالى المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» ولعل النهي إنما كان اولًا، لما أن الزيارة كانت تفضى إلى أمور محظورة، وكان لجل النياحة عندها. وقيل لأنهم كانوا يتفاخرون بها، كما يشير إليه قوله
[ ٥٩٢ ]
تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ على بعض التفاسير.
نعم، أختلف القائلون بالنسخ، فقالت طائفة منهم: إنما نسخت الحرمة بالإباحة، فزيارة القبور عندهم مباحة لا مستحبة، وحكى هذا عن الإمام مالك والإمام أحمد. ووجه ذلك أن صيغة «أفعل» بعد الحظر إنما تفيد الإباحة، كما في قوله ﵊: «كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فأنتبذوا ولا تشربوا مسكرًا» وقد سئل الإمام مالك عن زيارة القبور فقال: كان نهى عنهما ﵊ ثم اذن فيها. فلو فعل ذلك إنسان ولم يفعل الآخر لم ار بذلك بأسًا، وليس من عمل الناس وفي رواية أخرى عنه أنه كان يضعف زيارتها. والذى عليه الأكثرون: أ، زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء الموتى مع السلام عليهم. وقد جاء الأمر بزيارتها غير رديف للنهي، ففي حديث «زوروا القبور فإنها تذكر الأخرة» .
وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتابه (آداب زيارة القبور): ورد الأمر بزيارة القبور من حديث على كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس، وبريدة، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي هريرة - ﵁ -. ومقتضى التعليل في الآمر: أنه لا باس بزيارة قبور الكفار، لكن لا يجوز أمرًا محرمًا من شرك أو كذب، أو قول هجر، أو ندب أو نياحة، وكانت هي السبب فيه فهي حرام. وحكى المقدسى الحنبلى الإجماع على ذلك. وزيارة كثير من الناس، بل أكثرهم اليوم لقبور الصالحين من هذا القبيل. والآمر ظاهر لمن كان منصفًا ذا دين، فلا حاجة إلى التطويل وإذا لم يتضمن ذلك، بل كانت لمجرد إظهار الحزن على الميت لقرابته، أو صداقته فهي مباحة، كما يباح البكاء
[ ٥٩٣ ]
على الميت بلا ندب، ولا نياحة. وإذا كانت للدعاء لصاحب القبر، وإيناسه بالسلام عليه فهي مستحبة، وهي من جنس الصلاة على الجنائز. وقد صح أنه ﵊ زار أهل البقيع مرارًا، وزار شهداء أحد. وكان ﵊ يعلم اصحابه ما يقولون عند الزيارة - وقد مر ذلك آنفًا.
ويعلم من ذلك أن الغرض من الزيارة المشروعة نفع الميت لا الانتفاع به من نحو فيض أو غيره كما يزعمه كثير من الناس. فقد قالوا من تمام الزيارة لقبور الصالحين أن يعلق الزائر همته وروحه بالميت، لينعكس إليه ما يفاض على روحه من الأنوار التى لم تزل تفاض على روحه القدسية. فإنه بواسطة هذا التعليق والربط الروحان كمرآتين متقابلتين، ينعكس على إحداهما ما يشرق على الأخرى.
وهذا زعم باطل لم يثبت بكتاب أو سنة، ولا نعلم أن أحدًا من سلف الأمة أدعاه، ومن أدعى فعليه البيان كائنًا من كان. بل قال بعض الأجلة: إنه لا ينبغي أن يدعو لغير الميت عند القبر، ولا يتوسل بصاحب القبر وإن جل، فلم يكن الصحابة - ﵁ - يفعلون ذلك، وهم الذين ألزمهم الله تعالى كلمة التقوى، وكانوا احق بها وأهلها: [طويل]
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع
أنتهى بحروفه.
ومن الغريب أنه عليه الرحمة لم يكتب بعد هذا شيئًا في هذا الكتاب، وطوى الكتاب، ووقف قلمه حتى عرجت بعد أيام قلائل روحه الشريفة إلى الملك التواب. هذا، وإذا عرفت ما نقلناه علمت أن ما يفعله كثير من الناس في زيارتهم وندائهم لأصحاب القبور، وبناء المشاهد بالذهب والفضة، وتعليق الستور، وتقبيلها أمر محظور.
[ ٥٩٤ ]
فقد قال أيضًا في شرح عقيدة الإمام الطحاوى الحنفى في الكلام على التوحيد (١) ما نصه: وإن كثيرًا من أهل النظر يزعمون دليل التمانع هو قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء ٢٢] لأعتقادهم أن توحيد الربوبية الذى قرروه هو توحيد الإلهية الذى بينه القرآن العظيم، ودعت إليه الرسل. وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذى دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر عنه سبحانه بقوله: ﴿ولئن سألتهم﴾ الآية. ولم يكونوا يعتقدون أن الأصنام أنها مشاركة له سبحانه في حلق العالم، لكنهم يعتقدون انها تماثيل قوم صالحين من الأنبياء وغيرهم، ويتخذونهم شفعاء. ويتوسلون بهم إلى الله تعالى.
وهذا كان اصل شرك العرب، فعن ابن عباس وغيره في قوله تعالى: ﴿وقالوا ولا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾ [نوح ٢٣] . أنها أسماء قوم صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صورا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى العرب.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هياج الأسدى قال: قال لي على بن ابي طالب كرم الله تعالى وجهه: ألا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله - ﷺ -: أمرنى أن لا أدع قبرًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته.
_________________
(١) وقال السفاريني: أن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وهو أنه لا خالق ولا رزاق ولا محيى، ولا مميت إلا هو. وتوحيد الإلهية، وهو إفراده سبحانه بالعبادة والتأله له والخضوع والحب والتوجيه. وتوحيد الصفات، وهو أن يصفه بما وصف به نفسه كما هو مذهب السلف فليحفظ. أهـ. منه.
[ ٥٩٥ ]
وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال في مرض موته «لعن الله اليهود والنصارى، أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره - ﷺ - أن يتخذ مسجدًا.
وفي الصحيحين: أنه ذكر في مرض موته ﵊ كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها فقال: «إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» .
وفي صحيح مسلم أنه - ﷺ - قال قبل ان يتوفى بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك» أهـ.
(قلت) وقد تعاظم الأمر في هذه الأزمان، وظهرت البدع في كل مكان، وبنيت القبب المذهبة على القبور، ونذرت لها النذور، وجعلت عليها التشابيك من العين، وسرجت عليها السرج وقناديل اللجين، ووضعت عليها الأسلحة المجوهرة، وصرفت على سدنتها وبنائها القناطير المقنطرة، وطاف حولها الزائرون وتبرك بتقبيلها والتمسح باعتابها الداخلون، وطلبوا منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وجعلوا ذلك من أعظم الطاعات، ورموا من زجرهم عن هذا الفعل الشنيع بأعظم الهنات، وأسمعوه ما يكره من الكلمات، وصدق قول أحد الأئمة الأمناء:
ورب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأكثر عملهم في ذاك من الكبائر، كما صرحت به الجهابذة الأكابر. فقد قال الشيخ ابن حجر المذكور، ضوعفت
[ ٥٩٦ ]
له الأجور في كتابه (الزواجر) ما نصه: ومن الكبائر أتخاذ القبور ساجد وإبقاء السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها واستلامها، والصلاة إليها.
أخرج الطبراني عنه ﵊ أنه قال: «لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر» .
وروى الإمام أحمد والترمذى والنسائي وغيرهم عن ابن عباس: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» .
وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» .
وروى الشيخان أنه - ﷺ - قال: لعن الله - وفي رواية - قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة» .
وروى «من شرار امتى من يتخذ القبور مساجد» . وايضًا «كانت بنو إسرائيل أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلعنهم الله تعالى» .
ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا. وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث، وقيس عليه كل تعظيم للقبر، كايقاد السرج عليه تعظيمًا له وتبركا به، والطوائف به كذلك. وأما أتخاذها أوثانًا فجاء النهي عنه بقوله - ﷺ - «لا تتخذوا قبرى وثنًا بعدى» أى لا تعظموه تعظيم غيركم لأوثانهم بالسجود له أو نحوه. فإن أراد بقوله: واتخاذها أوثانًا هذا المعنى، أتجه ما قالوه: بل يكفر بشرطه. وأن أريد أن مطلق التعظيم الذى لم يؤذن فيه كبيرة ففيه بعد.
[ ٥٩٧ ]
نعم، قال بعض الحنابلة: قصد الصلاة عند القبر تبركا به عين المحادة لله ورسوله. ومن أعظم أسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مسجدًا وتجب إزالة كل منكر، وتجب المبادرة لهدمها، وعدم القباب التى على القبور، إذ هي اضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسول الله - ﷺ -، لأنه نهي ذلك، وأمر بهدم القبور. وتجنب إزالة كل قنديل أو سراج، ولا يصح وقفه ونذره. أهـ.
وقال أيضًا: إن من الكبائر زيارة النساء لها، فعن ابن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: «لعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» .
وصرح أصحابنا بتحريم السراج على القبر، وإن قل، حيث لم ينفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس. فلا يبعد في هذا حينئذ أن يكون كبيرة. أنتهى ما في الزواجر باقتصار.
قلت: وقد أختلف العلماء في زيارة النساء للقبور إذا لم تكن مشتملة على محرم من نوح وغيره. وأما إذا اشتملت على ما يفعله كثير من نساء زماننا قولًا وفعلًا، بل ما يفعله كثير من جهلة الرجال أيضًا فلا خوف في الحرمة إذ ذاك كما لا يخفى على المطلع الخبير.
قال الشيخ على الحلبي الشافعي فيما كتبه على الغاية ما نصه: وكذلك يجب منعهن من زيارة كثير من قبور الأولياء في العراق وغيره، لما في ذلك من المفاسد التى يطول شرحها من تبرج بزينة، ولطم ونوح، واجتماع نساء ورجال واختلافهم جلوسًا ومشيًا، فلا يمترى عاقل في سد هذا الباب حسمًا لمادة الفساد. بل يكره للرجل - والحالة هذه - فضلًا عن النساء، ولو قيل بالتحريم لم يبعد. أنتهى.
[ ٥٩٨ ]
وإن أردت استيفاء بحث البناء على الأموات، فارجع إلى الكتب الفقهية المعتبرات، واكتف الآن بما سطرناه، واعتصم بما نقلناه، وأسأل البارى سبحانه هداه. ثم إني أقول بعد هذا كله: إن الذى عقدت حبًا عقيدتى في فصله سنية شد الرحل إلى مرقد سيد الشفعاء، والرسول المقدم يوم الفزع الأكبر على الأصفياء. وهو من خصوصياته عليه أكمل الصلاة والسلام، كما ذهب إلى نحوه في الاستغاثة سلطان العلماء العز بن عبد السلام، لا سيما وقد تعددت الأحاديث في ذلك، وإن أول أو طعن البعض منها بضعف المسالك.
وأما ما دعا ذاك القبر المطهر من الأنبياء التى لا يصحح تعيينها تواتر يفيد اليقين، وكذا مشاهد الأولياء الذين لم يرد في السفر إليهم أثر قوى عن السلف الصالحين، فعدم شد الرحل إليهم سدًا للذرائع اصوب، وترك ما يريبك إلى ما لا يريبك أحب في المذاهب.
كيف لا، وقد اتسع الخرق الآن على الراقعين، وقدم لسفر إلى مقابر الأولياء على سائر الفرائض كثير من الجاهلين، بل يقدمه أهل البدع على الحج، ويعد إيفاء نذره لأصحابنا بها افضل من العج والثج، ويحسب الطواف حول ذلك الميت شبه الطواف بين أركان البيت: فألهاهم عن الواجبات التفاخر بذلك والتكاثر.
وظنوا ان أصلح الأمة من واظب على السفر إلى المقابر. وكأني بمن يقول: إنك قد خالفت القولين، ولم تسلك في احد الطريقين المتقدمين. فأقول له: إنى قد سلكت نحو ما ذكرت، لأنه الطريق الوسط، السالم عند المنصف الممعن من الشطط، ولا سيما إذا نوى المسجد النبوى معه فهو الأحوط. فإن أصبت ببياني هذا فلى الأجر إن شاء الله، وإن أخطأت فأسأله سبحانه أن يغفر لى ما أخطأت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٥٩٩ ]
[كيف بدلت التوراة والإنجيل]
(قوله: «وإن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظها، وإنما بدلت معانيها») أقول: إن هذا القول إن صح نقله لم ينفرد به ايضًا ابن تيميه، بل هو قول ابن عباس ﵄. فقد قال الوالد عليه الرحمة تفسيره على قوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرفونه﴾ ما نصه: أى يسمعون التوراة، ويؤولونها تأويلًا فاسدًا حسب أغراضهم. وإلى ذلك ذهب ابن عباس والجمهور على أن تحريفها تبديل كلام من تلقائهم، كما فعلوا ذلك في نعته - ﷺ -، فإنه روى: أن من صفاته فيها أنه أبيض ربعه، فغيروه باسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه، كما في البخارى. وقيل المراد: بكلام الله تعالى ما سمعوه على الطور. أهـ. باقتصار.
قلت: ولعل معنى التحريف لغة فيه تقوية لمذهب ابن عباس، فقد قال الراغب في مفرداته: تحريف الشئ إمالته، كتحريف القلم، وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين، قال ﷿: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ . ومن بعد مواضعه ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾ [البقرة ٧٥] أهـ.
وهذا بناء على صحة العزو إليه. وأما ما رأيته فيما حرره لأبي نصر المنبجى من كتاب طويل ما نصه: وقد جاءت في الإنجيل الذى بأيدى النصارى كلمات مجملة، إن صح أن المسيح قالها فهذا معناها في قوله «أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي»، ونحو ذلك. وبها ضلت النصارى حيث أتبعوا المتشابه كما ذكر الله تعالى عنهم في القرآن، ففيه إشارة إلى أنه ليس قائلًا بتبديل المعاني فقط. فالعزو حينئذ غير صحيح كما لا يخفى. فليتدبر.
[ ٦٠٠ ]