بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم الكتاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه خاتم المرسلين.
بعقل العالم الأمين، الحجة الثبت، والواثق بنفسه وبعلمه.
وبروح المؤمن المخبت، الصادق المخلص، العف الأمين؛ أخذ: «نعمان بن محمود بن عبد الله، أبو البركات، خير الدين الآلوسي» يناقش (شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الشافعي الهيتمي) فيما آثاره حول (ابن تيمية) من شكوك وريب، واتهامات وافتراءات.
و(نعمان بن محمود) هذا هو الواعظ الفقيه الباحث المولود سنة (١٢٥٢هـ - ١٨٣٦م) وهو من أعلام الأسرة الآلوسية في العراق، ولد ونشأ ببغداد وولي القضاء في بلاد متعددة، منها «الحّلة»، وترك المناصب؛ وزار مصر في طريقه إلى الحج سنة ١٢٩٥هـ.
[ ١ ]
قصد «الآستانة» سنة ١٣٠٠هـ فمكث سنين، وعاد يحمل لقب رئيس المدرسين، فعكف على التدريس والتصنيف إلى أن توفي ببغداد (سنة ١٣١٧هـ-١٨٩٩م) .
يقول عنه الأثري: «كان عقله أكبر من علمه، وعلمه أبلغ من إنشائه، وإنشاؤه أمتن من نظمه، وكان جوادًا وفيًا، زاهدًا، حلو الفاكهة، سمح الخلق» .
ومن كتبه: [جلاء العينين في محاكمة الأحمدين] ابن تيمية وابن حجر، و[الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح] و[غالية المواعظ] و[صادق الفجرين] في علىّ ومعاوية، و[شقائق النعمان] في الرد على بعض معاصريه (١) .
والكتاب الذي نقدمه للقارئ العربي اليوم هو [جلاء العينين، في محاكمة الأحمدين] .
وإذا كان لنا أن ننوه بفضل الكتاب وجدواه، فإن أول ذلك أن نشير إلى تلك الروح النبيلة التي كانت تسود الكتاب في أثناء عرضه للقضية الخطيرة، قضية «اتهام ابن تيمية» لقد التزم (الآلوسي) هذه الروح، حتى في أحرج المواقف، وأعنف الجدال، وأحر الخصومة.
لم يلجأ إلى السباب، والشتم، ولا إلى المهاترة؛ فأعطانا بهذا صورة واضحة الملامح؟، بينة المعالم، عن علمه وفضله ونبله، وسعة أفقه وشمول معرفته.
_________________
(١) نقلنا ترجمة (الآلوسي) هذه عن الجزء التاسع من الأعلام الزركلي ط٣. (وانظر المجلد الثاني ط٤ ص٤٢) ح.
[ ٢ ]
إذ أن (العالم الثبت) لا يلجأ إلى المهاترات، وإنما يلجأ إلى استقامة الدليل واستهانة الحجة، ووضوح البرهان. وهذا ما فعله (الآلوسي) في كتابه هذا.
ويكفيك أن تعلم أنه بالرغم من حب الرجل (لابن تيمية) وإعجابه به، يقابل اتهام (ابن حجر الهيتمي) له بكل تعقل واتزان فأنت تقرأ له في أول الكتاب، وهو بصدد تعريفه بطرفي الخصومة يقول عن (ابن حجر) وهو من هو في عداء ابن تيمية:
«وهو صاحب التأليفات المرضية، والعلوم اللدنية، علامة الأواجر، والبحر الزاخر، ذو التصنيفات التي هي في منهاج التحقيق تحفة الناظر» .
وصاحب التأليفات المرضية هذا هو الذي يقول:
«ابن تيمية عبد خذله الله تعالى وأضله، وأعماه وأصمه وأذله، بذلك صرح الأئمة الذي بينوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته، وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي، وولده التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم من الشافعية والمالكية، والحنفية» .
«ولم يقتصر اعتراضه على متأخري الصوفية، بل اعترض على مثل عمر ابن الخطاب - ﵁ -، وعلي بن أبي طالب - ﵁ -، كما يأتي» .
«والحاصل: أنه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمي في كل وعر وحزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال، جاهل غال، عامله الله تعالى بعدله وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله» .
ولكنه الاعتداد بالنفس. فإن الرجل (الآلوسي) بما عنده من علم،
[ ٣ ]
يثق بأنه سيأتي على بنيان (ابن حجر) من القواعد، فيذروه قاعًا صفصفًا لا نرى فيه عوجًا ولا أمتا وقد فعل.
إإن المنهج الذي ارتضاه (الآلوسي) ﵀! - في كتابه هذا (جلاء العينين) - وهو منهج المناقشة في هدوء، وبدون استعمال الألفاظ النابية - منهج نرتضيه نحن أيضًا بل ندعو إليه، ونحرض عليه. إذ لا يليق بالداعية إلى الحق أن يكون سبابًا، أو فحاشًا، أو شتامًا، ولأننا طولبنا كمسلمين أن نجادل بالتي هي أحسن.
ولكن ليس معنى هذا أن نترحم على الكفرة والملاحدة والخارجين على الله، وعلى آياته. كما فعل الشيخ (الآلوسي) ﵀ في بعض حديثه عن ابن عربي والحلاج وابن سبعين وابن الفارض فإن في ذلك تعظيم لشأنهم نوع تعظيم، وفيه ما فيه من شر ووبال.
هذا ما نأخذه على صاحب الكتاب ﵀ وأثابه؛ ونأخذ عليه أيضًا موقفه من (الحلاج) وشركائه، فإنه يقول:
«وأما قول من قال: إن من اعتقد ولاية الحلاج، وابن الفارض، كفر فليس بجيد منه، لأن إطلاق الكفر على من اعتقد شيئًا محتملًا خطأ» .
ونحن نتساءل ما هي الولاية التي يمكن أن تنسب للحلاج ومن نحا نحوه؟ أهي ولاية الشيطان؟ أم أنها ولاية الله العامة، التي يتولى بها شئون خلقه أجمعين؟ ربما أما أن تكون ولاية الخاصة - لعباده المؤمنين - فهذا ما ننفيه ونسرف في نفيه، ونبالغ في هذا الإسراف.
[ ٤ ]
من هو (الحلاج)؟ إنه القائل: «أنا الحق» و«ما في الجبة إلا الله» ومن هو (ابن الفارض)؟ إنه القائل:
لها صلواتي في المقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ناظر إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة
أما نحن فنقول بكفرهما، بل ونذهب إلى أبعد من هذا فنقول بكفر من يشك في كفرهما. كما روى (الشيخ الآلوسي) عن (المقرى) .
وهذا الذي أخذناه على الشيخ لا يهون من فائدة كتابه، ولا يقلل من جدواه فهو كتاب وسع بين دفتيه ثقافة شاملة، ومعرفة كاملة، وناقش قضية هامة، الناس في حاجة إلى تعرف وجه الحق فيها من زمان، وبخاصة في هذا الزمان!
إن اتهام (ابن تيمية) وهو الرجل المجاهد المناضل، في سبيل الله، وفي سبيل دينه، أمر ينبغي أن يعطي قدرًا كبيرًا جدًا، من العناية والرعاية.
فإن (ابن تيمية) وما ذهب إليه من آراء؛ يعتبر عاملًا هامًا في الثقافة الإسلامية. فإذا ما أراد مريد من الناس (كالهيتمي) - مثلًا - أن يشطب ابن تيمية، من تاريخ الفكر الإسلامي فلا ينبغي أن نتركه يفعل، بل لا بد أن نجادله ونناقشه، ونسرف في مجادلته ومناقشته، حتى يبين وجه الحق، ويثوب غارب الصواب. وخيرًا فعل (الشيخ الآلوسي) فقد أفاد وأجاد، وقد قام بعمل مشكور، في هذا السبيل.
[ ٥ ]
لم يكن (ابن حجر الهيتمي) أول أعداء (ابن تيمية) والناقمين عليه، وأيضًا لم يكن آخرهم. ولم يكن ابن تيمية أول من نال الناس منه. ووقعوا في عرضه، ولن يكون آخرهم. هو خلقٌ بشريٌ قديم، من يوم أن قتل (قابيل) أخاه (هابيل) .
وسيستمر هذا الخلق القديم، مادام هناك بشر، ومادام هناك نوابغ ومادام هناك متفوقون. ولن يضير (ابن تيمية)، ولن يضير غير (ابن تيمية) من العاملين للخير والرشاد والهدى، أن تنطلق حولهم الأكاذيب، ما داموا صادقين وماداموا مخلصين.
لكن من هو (ابن تيمية) هذا؟ هو: (تقي الدين أبو العباس أحمد) يقول عنه (ابن الوردي) «: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث» .
ويقول عنه (عماد الدين الواسطي): «فوالله ثم والله لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علمًا وعملًا وحالًا وخلقًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا» .
ويقول عنه (ابن دقيق العيد): «سائر العلوم بين عينيه يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء» .
ويقول (الحافظ المزي): «ما رأيت مثله،؟ ولا رأى هو مثل نفسه» .
أما أبوه: فهو (شهاب الدين أبو أحمد عبد الحليم) .
يقول (الذهبي): «وكان إمامًا محققًا، كثير الفنون، وكان من أنجم الهدى» .
[ ٦ ]
وأما جده: فهو (مجد الدين أبو البركات عهد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر محمد بن الخضر بن علي ابن تيمية) .
يقول عنه (الحافظ عز الدين): «حدث بالحجاز والعراق والشام وحران وصنف ودرس وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء» .
ويقول (الذهبي): «وكان معدم النظير في زمانه، رأسا في الفقه وأصوله، وصنف التصانيف واشتهر اسمه وبعد صيته» .
هذا هو ابن تيمية، وهذا أبوه، وهذا جده، ذرية بعضها من بعض، في العلم والفضل والنبل. ولد ابن تيمية في يوم الإثنين ١٠ من ربيع الأول سنة ٦٦١هـ، وتوفي ليلة الإثنين ٢٩ من ذي القعدة سنة ٧٢٨ هـ. ﵀!
«ما أبقي صديقًا لعمر» كلمة قالها أمير المؤمنين تصور إلى مدى بعيد ما نحن فيه. فالرجل العظيم دائمًا - بما خطه لنفسه من مبادئ ومثل لا تقبل الضيم ولا تقر الهوان يكثر أعداؤه والحاقدون عليه؛ لأنه لا يخادع، ولا يوارب، ولا يتملق. وكذلك كان (ابن تيمية)؛ وكذلك كان الناس معه، لقد عاداه الناس، وكادوا له، وقعدوا له بكل صراط يوعدون ويصدون ويعوقون.
ثم ماذا؟ ثم لقي كل مصرعه، وضاع بين الضجيج، وبقي (ابن تيمية) في تقدير التاريخ، وفي خلد الزمان.
[ ٧ ]
مات شيخ الإسلام، وبكاه خلق كثير، ويكفي أن تعلم أن عدد من صلى عليه حزر بخمسمائة ألف رجل وخمس عشر ألف امرأة.
يقول أحد الذين شهدوا جنازته:
«ولم يتخلف فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس، كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس» .
وهكذا تكون عاقبة المحسنين الطيبين، يجعل الله لهم لسان صدق في الناس.
وصدق الإمام أحمد - ﵁ -، في حديث له مع أعدائه والحاقدين عليه: «قولوا لأهل البدع، بيننا وبينكم الجنائز» .
رضي الله عن (ابن تيمية) .
ورضي الله عن أشياخه الذي أثروا فيه.
وتلاميذه الذين تأثروا به.
فلقد كان دائرة معارف واسعة في الأصول والفقه والتفسير والحديث وشتيت من المعارف والفنون. مما جعل له الصدارة والإمامة. ووضعه بحق في ذلك المركز الجليل الخطير، مشيخة الإسلام.
[ ٨ ]
وبعد:
فهذا هو كتاب (جلاء العينين) بين يديك.
ستجد فيه علمًا غزيرًا، وخيرًا كثيرًا.
سيحدثك عن كل ما تريد وفوق ما تريد.
وسيتركك هادئ النفس مستريح الضمير طيب الوجدان، بما سيقدمه لك من هدى ويقين ونور.
والذي عليك هو أن تقبل عليه، وإقبال الهيم على المورد العذب الصافي، فتعب منه عللًا بعد نهل.
والله يكلؤك، ويرعاك، ويسدد خطاك.
والحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات والسلام على نبيه فخر الكائنات،
على السيد صبح المدنى
﵀ وعفا عنه
[ ٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي انتصر لأوليائه المتقين، والصلاة والسلام على أنبيائه المعصومين، لاسيما على فاتحة عين العلماء، وخاتمة الأصفياء، وعلى آله المحفوظين من المعايب، وأصابه الذين اتبعوا الحق فنالوا أحمد المراتب، وعلى من اقتدى بهم من الأئمة الأكارم، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، والمجتهدين والعلماء العاملين من ورثة الرسل الأعاظم.
«أما بعد» - فيقول العبد نعمان خير الدين ابن السيد محمود أفندي شهاب الدين مفتي الحنفية ببغداد،المفسر الشهير بالآلوسي، غفر الله سبحانه لهما وستر عيوبهما يوم التناد، ولطف بهما باللطف القدوسي.
إني لما رأيت بعض العبارات في خاتمة الفتاوي الشهيرة بـ «الفتاوى الحديثية» لصاحب التأليفات المرضية، والعلوم الدينية، علامة الأواجر والبحر الزاخر، ذي التصنيفات التي هي في منهاج التحقيق تحفة الناظر: شهاب الدين احمد بن محمد بن علي بن حجر الشافعي الهيتمي - لا زال صيب المغفرة والرضوان على قبره يمهى - قد أزرى فيها، وشنع بظاهرها وخافيها، على جامع العلوم الربانية، ومحور التصنيفات العديدة، ذي الآراء السديدة، المؤيدة للشريعة الأحمدية، إمام الأمة في عصره، ومجمع علوم الئمة في دهره، ترجمان القرآن، وآخر مجتهدي الزمان ذي الكرامات الساطعة، والبراهين اللامعة، حجة الأنام، شيخ الإسلام:
تقي الدين أحمد أبي العباس الشهير بابن تيمية الحراني الحنبلي، نفعنا الله تعالى والمسلمين بعلومه وأسكنه في المقام العلي، رماه فيها بثالثة
[ ١٣ ]
الأثافي (١)؟، وعزا إليه - وحاشاه - كل عيب ضافي، ونسب إليه بعض العقائد المخالفة لأهل السنة، التي لم يكن البعض منها مسطورًا في كتبه، وليس له في البعض الآخر سوء المقاصد، مع أنه قد صرح في سائر تأليفاته بخلاف تلك المرويات وبضد هاتيك المعزوات (٢)، وكذا في وقت المحنة. فتبين عند النقاد أنه منا بريء، وعن ضرها عرى، وبعضها افتراء صرف في معاصريه الراوين، أو الحسدة والمخالفين، الذين لايذكرون موقفهم بين يدي رب العالمين.
ولما تعلقت في هذه الأذهان عبارة منها بسمع كثير من الطلاب، العارين عن الإطلاع على تفصيل الأدلة من الكتاب والسنة، ولم يميزوا القشر من اللباب - وقد قيل في المثل «من يسمع يخل» (٣) .
شوقتني كثرة السائلين وأجر فصل الخطاب بين المتجادلين، وحثني اتباع قول النبي الأمين عليه أفضل صلاة المصلين، وأزكى سلام المسلمين: «من أنعش حقًا جرى له أجره حتى يأتي الله تعالى يوم القيامة فيوفيه ثوابه»، وقوله ﵊: «من قال في مؤمن ماليس فيه حبسه الله تعالى في ردغة الخبال (٤) حتى يأتي بالمخرج» وقوله ﷾: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه﴾ [آل عمران١٨٧] وغير ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث العظيمة إلى بيان ما في هذه العبارات وأشباهها في بعض الكتب المتفرقات وتحرير أقوال العلماء في
_________________
(١) الأثافي: جمع الأثفية - بضم الهمزة وكسرها - وهي الحجارة التي تنصب وتجعل القدر عليها. (م)
(٢) في (ص) المفريات والقعل (عزا) واوي.
(٣) يخل: أي يتخيل. ومعناه من يسمع أخبار الناس ومعابيهم يقع في نفسه المكروه. (م)
(٤) الردغة - بسكون الدال وفتحها -: الطين والوحل الكثير. وطبقة الخبال: ما سال من جلود أهل النار. (م)
[ ١٤ ]
تلك المسائل، وبسط الأدلة واختلافات المجتهدين الأماثل، وسرد كلام هذين الأحمدين، بما يثبت فؤاد المنصف ويقر من متبع الحق العين، ليتبين بحوله تعالى، أن كثيرًا من نقل الشيخ «ابن حجر» عنه ليس بصحيح، وتقبيحه لكانة أقواله غير مقرون بالترجيح، وأنه غير مبتدع في الدين، أو سلك غير سبيل المؤمنين.
فحررت هذه العجالة، مبينا فيها - إن شاء الله تعالى - لكل واحد من هذين الشيخين أقواله، مع نقل ما يتعلق بها من كلام المحققين، والجهابذة المتقدمين والمتأخرين، الذين هم نظراء هذين الإمامين وقرناء، ليقف الناظر الورع على الحقيقة، ويلحق العارف الذكي بتصوره تصديقه، متحريًا للحق المبين متبعًا - إن شاء الله تعالى - لقوله عز من قائل: ﴿يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ [المائدة ٨] آملا لثمرة قوله ﵊: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وماولوا» .
داعيًا بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون أهدني لما اختلفت فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .
والملتمس ممن اطلع على هذا الكتاب وطلب تميز الخطأ من الصواب أنه يتذكر وقوفه عند الله سبحانه ليحفظ لسانه وقلمه وجنانه، من الاعتراض على ما حررته قبل الاستقضاء لما زبرته (١)، فإن نبينا صلى الله تعالى عليه
_________________
(١) كتبته
[ ١٥ ]
يقول: «إذا أردت أمرًا فعليك بالتؤدة حتى يريك الله تعالى منه المخرج» رواه في الإفاضة، ولقد أجاد من قال: [كامل] .
من لم يشافه عالمًا بأصوله فيقينه في المشكلات ظنون
من أنكر الأشياء دون تيقن وتثبت فمعائد مفتون
الكتب تذكرة لمن هو عالم وصوابها بمحالها معجون
والفكر غواص عليها مخرج والحق فيها لؤلؤ مكنون
هذا، وإن إمام دار الهجرة (١) يقول: (كل أحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر) مشيرًا إلى سيد المرسلين، وإمام المعصومين. وأسأل المولى العليم أن يحفظنا من باطل الأقاويل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وسميته (جلاء العينين، بمحاكمة الأحمدين) فأقول مستمدًا ممن بيده التوفيق والهداية لأقوم طريق.
[ابن حجر ينال من ابن تيمية]
قال العلامة ابن حجر في كتابه المذكور ما نصه: (وسئل - نفع الله تعالى به - بما لفظه لابن تيمية: اعتراض على متأخري الصوفية وله خوارق في الفقه والأصول فما محصل ذلك؟) فأجاب بقوله: ابن تيمية عبد خذله الله تعالى وأضله، وأعماه وأصمه وأذله، بذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كتاب الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد: أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم من الشافيعة والمالكية والحنفية.
ولم يقتصر اعتراضه على متأخري الصوفية بل اعتراض على مثل عمر بن الخطاب - ﵁ -، وعلى بن أبي طالب - ﵁ - كما يأتي.
والحاصل، أنه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر وحزن ويعتقد
_________________
(١) الإمام مالك بن أنس - ﵁ -.
[ ١٦ ]
فيه أنه مبتدع ضال وجاهل غال. عامله الله تعالى بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله آمين.
أقول: هذا مبدأ كلام ابن حجر في فتاواه، وسيأتي إن شاء الله تعالى تكملة ما زبره وأملاه.
ومما يلزم قبل الشروع في البيان، ترجمة هؤلاء الأعيان، ومن يلتحق بهم ويتقوى المقصد بذكرهم على قد الإمكان. ولنذكر بحوله تعالى ما حرره العلماء في حق ابن تيمية من
معاصريه والمتأخرين الفضلاء.
فاعلم: أنه ما في تاريخ مؤرخ الإسلام «الحافظ الذهبي» الشافعي، وتاريخ الحافظ «ابن حجر العسقلاني» شارح البخاري، وتاريخ «الحافظ ابن كثير» وتاريخ «فوات الوفيات» للفاضل الكتبي، وتاريخ العالم ابن العماد المسمى بـ «شذرات الذهب» وتاريخ الشيخ عمر بن الوردى وغيرهم.
[ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية]
هو شيخ الإسلام (١)، وحافظ الأنام، المجتهد في الأحكام: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي. وفي «تاريخ إربل»: أن جده سئل عن اسم تيمية، فأجاب: أن جده حج وكانت امرأته حاملًا، فلما كان بتيماء - بلدة قرب تبوك - رأى جارية حسنة الوجه قد خرجت من خباء، فلما رجع وجد امرأته قد وضعت جارية، فلما رفعوها إليه قال: ياتيمية ياتيمية، يعني أنها تشبه التي رآها بتيماء فسمى بها. انتهى (٢) .
وقد ولد بحران يوم الإثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة.
_________________
(١) وانظر الأعلام ط٤ جـ١ ص١٤٤ ففيه ترجمة ومراجع أخرى.
(٢) وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة محمد بن أبي القاسم ابن تيمية بعد حكاية القصة أنه كان ينبغي أن تكون تيماوية لأن النسبة إلى تيماء: تيماوي لكنه هكذا قال واشتهر كما قال. انتهى (هـ. ص)
[ ١٧ ]
وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة سبع وستين وستمائة.
فأخذ الفقه والأصول عن والده، وسمع عن خلق كثيرين، منهم الشيخ شمس الدين زين ن المنجا، والمجد بن عساكر.
وقرأ العربية على ابن عبد القوى، ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه.
وعنى بالحديث ن وسمع الستة والمسند مرات.
وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من سائر العلوم.
ونظر في الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، ورده على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل. وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة، وتضلع في علم الحديث وحفظه حتى قالوا: إن كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث.
وأمده الله تعالى بكثرة الكتب، وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم وبطء النسيان، حتى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيأ فينساه.
وألف في أغلب العلوم والتأليفات العديدة وصنف التصانيف المفيدة في التفسير والفقه والأصول والحديث والكلام والردود على الفرق الضالة والمبتدعة، وله الفتاوى المفصلة وحل المسائل المعضلة.
ومن تصنيفاته التي تبلغ ثلثمائة تصنيف: «تعارض العقل والنقل» أربع مجلدات، «والجوا الصحيح» - ردًا على النصارى - أربع مجلدات و«وشرح عقيدة الأصفهاني» مجلد، و«الرد على الفلاسفة» أربع مجلدات، وكتاب «إثبات المعاد» والرد على ابن سينا. وكتاب «ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا» و«المعجزات والكرامات» وكتاب «إثبات الصفات» مجلد وكتاب «العرش» وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» وكتاب «الرد على الإمامية» ردًا
[ ١٨ ]
على ابن المطهر الحلى - مجلدين كبيرين. وكتاب «الرد على القدرية» وكتاب «الرد على الاتحادية والحلولية» وكتاب «في فضائل أبي بكر وعمر ﵄» على غيرهما. وكتاب «تفضيل الأئمة الأربعة» . وكتاب «شرح العمدة» في الفقه أربع مجلدات. وكتاب «الدرة المضية في فتاوى ابن تيمية» وكتاب «المناسك الكبرى والصغرى» . «والصارم المسلول على من سب الرسول» وكتاب في «الطلاق» وكتاب في «خلق الأفعال» و«الرسالة البغدادية» وكتاب «التحفة العراقية» وكتاب «إصلاح الراعي والرعية» وكتاب «في الرد على تأسيس التقديس» للرازي - في سبع مجلدات. وكتاب «في الرد على المنطق» وكتاب «الفرقان» وكتاب «منهاج السنة النبوية» وكتاب «الاستقامة» مجلدين، وغير ذلك.
[الحافظ الذهبي يتحدث عن ابن تيمية]
قال (الذهبي): وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد، وترجمه في معجم شيوخه بترجمة طويلة، منها قوله: شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر علمًا ومعرفة وشجاعة، وذكاء وتنويرًا إلهيًا، وكرمًا ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف ونهيا عن المنكر. سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته، وخرج ونظر في الرجال والطبقات، وحصل مالم يحصل غيره. وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه بطبع سيال، وخاطر وقاد إلى مواضع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها. وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظه من الحديث، مع شدة استحضاره له وقت الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين. وأتقن العربية أصولًا وفروعًا ونظر في العقليات، وعرف أفعال المتكلمين، ورد عليهم ونبه على خطئهم، وحذر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأوذي في ذات الله تعالى من المخالفين، وأخيف في نصر
[ ١٩ ]
السنة المحفوظة حتى أعلى الله تعالى مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محنته والدعاء له، وكبت أعداءه، وهدى به رجالًا كثيرة من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا وعلى طاعته، وأحيا به الشام بل الإسلام بعد أن كاد ينثلم، خصوصًا في كائنة التتار. وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلى، فلو حلفت بين الركن والمقام: إني ما رأيت بعيني مثله، وإنه ما رأى مثل نفسه لما حنثت. انتهى.
[الحافظ ابن كثير أيضًا]
(وقال الحافظ ابن كثير): وفي رجب سنة سبعمائة وأربع راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد النارنج وأمر أًصحابه وتلامذته بقطع صخرة كانت هناك بنهر قلوط تزار وينذر لها فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيما ن وبهذا وأمثاله أبرزوا له العداوة. وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه، فحسد وعودى، ومع هذا لا تأخذه في الله لومة لائم. ولم يبال بمن عاداه ولم يصلوا غليه بمكروه. وأكثر ما نالوا منه الحبس، مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين. وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه كما سيأتي. انتهى.
قيل: من جملة أسباب حبسه خوفهم أنه ربما يدعى ويطلب الإمارة، فلقي أعداؤه عليه طريقًا من ذلك، فحسنوا للأمراء حبسه لسد تلك المسالك.
[ما كتبه الزملكاني]
وكتب (الشيخ كمال الدين الزملكاني): كان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علم الشرع أو غيره إلا ماق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
[كلام للسيوطي في ابن تيمية]
(قلت): ورأيت في كتاب النثر الذائب في الإفراد والغرائب، من فنون
[ ٢٠ ]
كتاب «الأشباه والنظائر النحوية» للإمام السيوطي عليه الرحمة مانصه: جواب سؤال سائل عن حرف «لو» لسيدنا وشيخنا الإمام العالم الأوحد، الحافظ المجتهد الزاهد، العابد القدوة، إمام الأئمة، قدوة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعين، ذي العلوم الرفيعة، والفنون الهديعة، محي السنة، ومن عظمت به لله تعالى علينا المنة، ودامت به على أعدائه الحجة، واستبانت ببركته وهدية المحجة: تقي الدين أبي العباس أحمد ابن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحرانى، أعلى لله تعالى مناره، وشيد من الدين أركانه. [كامل]
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية في الخلق ظاهرة أنواره أربت على الفجر
نقلت هذه الترجمة من خط العلامة فريد دهره ووحيد عصره: الشيخ كمال الدين بن الزملكاني: بسم الله الرحمن الرحيم، نقلت من خط الحافظ علم الدين البرازلى. قال سيدنا وشيخنا العلامة، القدوة الحافظ الزاهد العابد الورع إمام الأئمة، وخير مفتى الفرق، علامة الهدى ن ترجمان القرآن حسنة الزمان عمدة الحفاظ فارس المعاني والألفاظ ركن الشريعة ذو الفنون البديعة ناصر السنة قامع البدعة: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني، أدام الله تعالى بركته ورفع درجته.
الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الباهر البرهان. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجان، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه تسليمًا يرضى به الرحمن.
[ ٢١ ]
سألت وفقك الله تعالى عن معنى حرف «لو» وكيف يتخرج قول عمر - ﵁ -: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» على معناها المعروف.
وذكرت أن الناس يضطربون في ذلك، واقتضيت الجواب اقتضاء أوجب أن أكتب في ذلك ما حضرني الساعة، مع بعد عهدي بما بلغني ما قاله الناس في ذلك وأنه لا يحضرني الساعة ما أراجعه في ذلك فأقول.. اهـ بحروفه.
ثم ساق الإمام السيوطي آخر الجواب إلى نهايته وأقر المترجم على ترجمته فإن أردته فارجع إلى الأشباه والنظائر فإن فيه جلاء الأبصار والبصائر (١) .
[رأى الحافظ ابن سيد الناس في ابن تيمية]
وكتب (الحافظ ابن سيد الناس): الفيته ممن أدرك العلوم حظًا ن وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا - إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته،وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته ولا أرفع من درايته. يرز في كل علم على أبناء جنسه، ولا رأت عيني مثل نفسه.
[رأى ابن الوردى]
وقال (ابن الوردى) في تاريخه - وقد عاصره ورآه -: وكانت له خبرته تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم ومعرفة بفنون الحديث مع حفظه لمتونه الذي انفرد به وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإله المنتهى في غزوة إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: (كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث)، ولكن الإحاطة لله تعالى. غير أنه يغترف فيه من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقى. وأما التفسير
_________________
(١) وكذا المدقق ابن هشام في شرح الشذور نقل عنه بعض الأقوال النحوية معبرًا عنه بالإمام العلامة وكذا غيرهما ممن سلمت له بالإمامة (هـ. ص)
[ ٢٢ ]
فسلم إليه وكان يكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة نحوًا من أربعة كراريس.
وله التآليف العظيمة في كثير من العلوم، وما يبعد أن تصانيفه تبلغ خمسمائة مجلد وله الباع الطويل في معرفة مذهب الصحابة والتابعين. قل أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأربعة. وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة. وبقي سنين يفتي بما قام الدليل عنده.
ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية وكان دائم الابتهال، كثير الاستعانة قوي التوكل ثابت الجأش له أوراد وأذكار يديمها لا يداهن ولا يحابي، محبوبًا عند العلماء والصلحاء والأمراء والتجار والكبراء وصار بينه وبين بعض معاصريه وقعات مصرية وشاميه لبعض مسائل أفتى فيها بما قامت عنده الأدلة الشرعية. واجتمع بالسلطان محمود غازان السفاك المغتال وتكلم معه بكلام خشن ولم يهبه، وطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه وغازان يؤمن على دائه، انتهى ملخصًا. وأطال في ترجمته.
[رأى الواسطى]
وقال العلامة الشيخ عماد الدين الواسطى في حقه بعد ثناء طويل جميل مالفظه: فو الله، ثم والله لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علمًا وعملًا وحالًا وخلقًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا وقيامًا في حق الله تعالى عند انتهاك حراماته أصدق الناس عقدًا، وأصحهم علمًا وعزمًا وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة، وأسخاهم كفًا وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد - ﷺ -. ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة اهـ.
[رأى ابن دقيق العيد]
ونقل في الشذرات عن (الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد)، وقد سئل عن
[ ٢٣ ]
الشيخ ابن تيمية بعد اجتماعه به كيف رأيته؟ قال: رأيت رجلًا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء. فقيل له: فلم لاتتناظران؟ قال: لأنه يحب الكلان وأحب السكوت.
[رأى العلامة السبكي]
وقال ابن مفلح في طبقاته: كتب (العلامة تقي الدين السبكي) إلى (الحافظ الذهبي) في أمر الشيخ تقي الدين ابن تيمية ما نصه. فالمملوك يتحقق قدره وزخارة بحره وتوسعته في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وأنه بلغ في ذلك كل المبلغ الذي يتجاوزه الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا. وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ماجمعه الله تعالى من الزهادة والورع ن والديانة ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وفي غرابة مثله في هذا الزمان بل في أزمان. اهـ.
[رأى الحافظ ابن حجر العسقلاني]
وقال (الحافظ ابن حجر العسقلاني) في ترجمته المطنبة: إن الفتنة لما ثارت على الشيخ ابن تيمية من جهة بعض كلماته تعصب له القاضي الحنفي ونصره.
وسكت القاضي الشافعي ولم يكن له ولا عليه. وكان من أعظم القائمين عليه الشيخ نصر ابن المنبجي، لأنه كان بلغ ابن تيمية أنه يتعصب لابن عربي، فكتب يعاتبه على ذلك. لكونه بالغ في الحط من (١) ابن عربي وتكفيره؛ فصار هو يحط من ابن تيمية؛ ويغري بيبرس الجاشنكير. وكان بيبرس يفرط في محبته ويعظمه. واتفق أن قاضي الحنفية بدمشق وهو شمس الدين ابن الحرير انتصر للشيخ ابن تيمية وكتب في حقه محضرًا بالثناء عليه بالعلم والفهم، وكتب به في خطه ثلاثة عشر سطرًا من جملتها: أنه منذ ثلثمائة سنة ما رأى الناس مثله اهـ.
_________________
(١) (ص) على.
[ ٢٤ ]
قلت: وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتابنا هذا ما حرره الشيخ ابن تيمية للشيخ نصر المنبجي وما يتعلق بالقاضي السبكي عليهم الرحمة.
ونقل الإمام العسقلاني أيضًا عن الحافظ الذهبي أنه قال: حضر عند شيخنا أبو حيان المفسر فقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرجل! ثم مدحه بأبيات ذكر أنه نظمها بديهة وأنشده إياها وهي: [بسيط] .
لما أتانا تقي الدين لاح لنا داع إلى الله فرد ماله وزر
على محياه من سيما الألى صحبوا خير البرية نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حبرًا بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا مقام سيد تيم إذ مصت مضر
وأظهر الحق إذ آثاره اندرست وأخمد الشر إذ طارت له شرر
يا من يحدث عن علم الكتاب أصخ هذا الإمام الذي قد كان ينتظر
يشير بهذا إن أنه المجدد - وقد صرح بذلك أيضًا العماد الواسطى - ثم دار بينهما كلام فجرى ذكر سيبويه فأغلظ الشيخ ابن تيمية القول في سيبويه، فناظره أبو حيان بسببه ثم عاد ذامًا له، وصير ذلك ذنبًا لا يغتفر.
ويقال: إن ابن تيمية قال له: ما كان سيبويه نبي النحو ولا معصومًا، بل أخطأ في الكتاب في ثمانين موضعًا ما تفهمها أنت. فكان ذلك سبب مقاطعته إياه. وذكره في تفسيره «البحر» بكل سوء، وكذا في مختصره «النهر» اهـ.
وقد ترجمته علماء المذاهبا المعاصرون له وغيرهم بتراجم مفصلة، وأثنوا عليه بالثناء الحسن، وذكروا له كرمات عديدة، ومواظبة على الطاعات والبعادات وتجنبًا عن البدع، وشدة اتباع للسنن وطريقة السلف الصالح. وأنه لم يتزوج حتى مات.
وكان أبيض اللون أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى
[ ٢٥ ]
شحمتى أذنيه، عيناه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين جهوري الصوت.
وقد ذكر نبذة من اختياراته (العلامة ابن رجب) المتوفى سنة سبعمائة وخمس وتسعين في «طبقاته» وفصل أيضًا سيرته وأحواله والثناء عليه. وقد توفي سنة سبعمائة وثمان وعشرين، سحر ليلة الإثنين عاشر ذي القعدة الحرام في السجن؛ فأخرج إلى جامع دمشق فصلوا عليه، فكان يومًا مشهودًا، لم يعهد بدمشق مثله وبكى الناس بكاء شديدًا وتبركوا بماء غسله واشتد الزحام على نعشه ودفن بمقابر الصوفية بعد أن وصلوا عليه مرارًا. وحزر من حضر جنازته بمائتي ألف، ومن النساء بخمسة عشر ألفا. وختمت له ختمات كثيرة. ورثي بقصائد بليغة منها قصيدة الشيخ عمر بن الوردى وهي: [الوافر] .
عثا في عرضه قوم سلاط لهم من نثر جوهره التقاط
تقي الدين أحمد خير حبر خروق المعضلات به تخاط
توفي وهو محبوس فريد وليس له إلى الغلى الدنيا انبساط
ولو حضروه حين قضى لألفوا ملائكة النعيم به أحاطوا
قضى نحبًا وليس له قرين ولا لنظيره ألف القماط
فتى في علمه أضحى فريدًا وحل المشكلات به يناط
وكان إلى التقى يدعو البرايا وينهي فرقة فسقوا ولا طوا
وكان الجن تفرق من سطاه بوعظ للقوب هو السياط
فيا لله ما قد ضم لحد ويا لله ما غطى البلاط
هم حسدوه لما لم ينالوا مناقبة فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كسالى ولكن في أذاه لم نشاط
وحبس الدر في الأصداف فخر وعند الشيخ في السجن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداء فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا
[ ٢٦ ]
بنو تيمية كانوا فبانوا نجوم العلم أدركها انهباط
ولكن يا ندامة حابسيه فشك الشرك كان به يماط
ويا فرح اليهود بما فعلتم فإن الضد يعجبه الخباط
ألم يك فيكمو رجل رشيد يرى سجن الإمام فيستشاط
إمام لا ولاية كان يرجو ولا وقف عليه ولا رباط
ولا جاراكمو في كسب مال ولم يعهد له بكم اختلاط
ففيم سجنتموه وغظتموه أما لجزا أذيته اشتراط
وسجن الشيخ لايرضاه مثلي ففيه القدر مثلكم انحطاط
أما والله لولا كتم سرى وخوف الشر لانحل الرباط
وكنت اقول ما عندي ولكن بأهل العلم ما حسن اشتطاط
فما أحد إلى الإنصاف يدعو وكل في هواه له انخراط
سيظهر قصدكم يا حابسيه ونبئكم إذا نصب الصراط
فها هو مات عنكم واسترحتم فعاطوا ما أدرتم أن تعاطوا
وحلوا واعقدوا من غير رد عليكم وانطوى ذاك البساط
اهـ
مطلب
فيمن ابتلى وأوذى من العلماء
[المؤمنون يفتنون]
قلت: وما زال الناس ولا سيما الكبراء والعلماء يبتلون في الله تعالى ويصبرون. وقد كانت الأنبياء ﵈ يقتلون، وأهل الخير في الأمم السالفة يقتلون ويحرقون وينشر أحدهم بالمنشار وهو ثابت على دينه ولولا كراهية التطويل لذكرت من ذلك ما يطول.
وقد سُم أبو بكر وقتل عمر وعثمان وعلي وسُم الحسن وقتل الحسين
[ ٢٧ ]
وابن الزبير، وصُلب حبيب بن عدي، وقتل الحجاج عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن خبير وغيرهما وقتل زيد بن على.
وأما من ضُرب من كبار العلماء فكثيرون، منهم: عبد الرحمن بن أبي ليلى - ضربه الحجاج أربعمائة سوط ثم قتله.
وسعيد بن المسيب - ضربه عبد الملك بن مروان مائة سوط، وصب عليه جرة ماء في يوم شات، وألبس جبة صوف.
وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مائة سوط، وذلك أنه حدث عن النبي - ﷺ - أنه قال: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلًا اتخذوا عباد الله خولًا ومال الله دُولًا. فكان عمر إذا قيل له: أبشر. قال: كيف بخبيب على الطريق!؟
وأبو عمرو بن العلاء، ضربه بنو أمية خمسمائة سوط.
والإمام موسى الكاظم - سجنه هرون حتى مات.
والإمام أبو حنيفة - توفي في السجن بعد أن ضرب. وقيل: أُوجر سمًا.
والإمام مالك بن أنس، ضربه المنصور (١) أيضًا سبعين سوطًا في يمين المكره وكان مالك يقول: لا يلزمه اليمين.
والإمام أحمد، امتحن وسجن وضرب في أيام بني العباس.
وللشيخ ابن تيمية في هؤلاء الأئمة أسوة. لو أردنا استقصاء ما ذكره معاصره من الثناء عليه وبيان سيرته ومفصل أحواله لأفضى بنا إلى الطول، والقلم - لا مللت - ملُول، ويكفى من القلادة ما أحاط بالجيد.
_________________
(١) كذا بالأصل وهو غير صحيح والذي في كتب التاريخ: أن الذي ضرب الإمام مالكًا هو جعفر بين سليمان والي المدينة من قبل المنصور وابن عمه ولما علم المنصور بضرب الإمام وما نزل به أعظم من ذلك إعظامًا شديدًا وأنكره على ابن عمه وكتب بعزله واعتذر للإمام مالك (م)
[ ٢٨ ]