المقدمة
تأليف: الدكتور/عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الطويان
المقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار٤.
وبعد: فإن الله ﷾ أرسل رسوله الكريم رحمة لهذه الأمة ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأنزل عليه الوحي فيه الهدى والبيان، فدعى إلى التوحيد الخالص ليكون الدين كله لله،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية [١٠٢] . ٢ سورة النساء، الآية [١] . ٣ سورة الأحزاب، الآيتان [٧٠-٧١] . ٤ هذه الخطبة تسمى خطبة الحاجة، وهي مأثورة عن النبي ﷺ. وقد أفردها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني برسالة، جمع الأحاديث الواردة فيها، وسماها: خطبة الحاجة التي كان الرسول ﷺ يعلمها أصحابه.
[ ١ / ١١ ]
وليتأله العباد ربهم تعظيمًا، ومحبة، وتوكلًا، ورغبة، ورهبة، وخوفًا، ورجاء، فيوحدوه بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وأظهر الله دينه على الرغم من كيد اليهود، ومكر المنافقين، وحقد المشركين.
ولم يمت رسول الله ﷺ حتى بلغ رسالة ربه، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده: لم يترك خيرا إلا دل عليه، ولا شرا إلا حذر منه.
والتحق ﵊ بالرفيق الأعلى بعد أن ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ ١.
وقد حمل الأماجد الأوائل من المدرسة المحمدية بعد وفاة رسول الله ﷺ مشاعل النور والهدى إلى مشارق الأرض ومغاربها يبلغون رسالة ربهم، فأناروا الأرض بعبادة الله، وإبطال عبادة ما سواه. وضربوا أروع الأمثال في التضيحة والفداء.
وقد سار هؤلاء الأماجد؛ أعني بهم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، على هذا الطريق الواضح على بصيرة من أمر دينهم؛ يرفضون الجاهلية عن علم، ويدعون إلى الله على دراية.
وقد دخل في هذا الدين من قصده الإفساد، فحالوا صرف المسلمين عن عبادة ربهم ودراسة كتابه العظيم وسنة نبيه ﷺ بشتى الخطط الماكرة، سالكين بذلك أساليب الشبهات والشهوات، ليكيدوا
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [٣] .
[ ١ / ١٢ ]
للإسلام، ويمكروا بأهله مكرًا، فظهرت الفرق والمذاهب الهدامة.
لكن الله مظهر دينه، وحافظ شريعته، ومعز أوليائه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١، وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ٢.
وهذا مقتضى حكمة الله ﷾؛ لأن الرسول ﷺ خاتم الأنبياء ولا نبي بعده، لذلك قيّض الله رجالًا فقهوا كتاب ربهم وسنة نبيهم يذوذون عن هذا الدين تحريف الغالين، وتلبيس الجاهلين، وانتحال المبطلين؛ يردون كل بدعة بالحجج القوية، والبراهين الساطعة.
وما زال الله سبحانه يظهر من يجدد ما اندرس من هذا الدين، فيعيد لهذه الأمة شبابها وحيويتها، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله غالب على أمره ولو كره المبطلون.
لذلك بقي معتقد السلف ظاهر المعالم، واضح السبل، لا غموض فيه ولا دخن.
وكل ذلك بسبب حفظ الله جل وعلا لهذا الدين، ثم بجهود علماء السلف في العناية بإبراز هذه العقيدة الصافية، والذبّ عنها.
وكان من هؤلاء العلماء الأماجد الذين ذادوا عن هذا الدين تحريف الغالين، وتلبيس الجاهلين، وانتحال المبطلين: الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - الذي يُعدّ بحقّ علمًا من أعلام هذه الأمة المحمدية؛ صرف وقته، وقضى عمره، وبذل جهده في خدمة هذا الدين، والنصح لهذه الأمة، وتوجيهها إلى ما فيه الخير لها في العاجلة والآجلة. فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية [٩] . ٢ سورة التوبة، الآية [٣٣] .
[ ١ / ١٣ ]
سبب اختيار الموضوع:
ولما كان نظام الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية يحتم على طلاب الدراسات العليا الذين يتقدمون للحصول على شهادة العالمية "الماجستير" أن يكتبوا بحثًا علميًا في مجال تخصصهم، فقد بحثت عن موضوع في تخصصي أتقدم به لنيل هذه الدرجة، فأشار عليّ الشيخ الفاضل عبد المحسن بن حمد العباد حفظه الله أن أوضح جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - في خدمة عقيدة السلف، وقد رأيت منه استحسانًا وتشجيعًا؛ إذ الشيخ عبد المحسن حفظه الله من معاصري الشيخ الشنقيطي - ﵀ -، وممن أخذ عنه، وسبر شخصيته عن قرب.
وقد زادني تشجيعا على الكتابة في ذلك: كون هذا الموضوع لم يطرق من قبل؛ فقد كتب عن الشيخ الأمين - ﵀ - باحثون أفاضل في مجال التفسير، وأصول الفقه، فأحببت أن أضع في هذا العقد واسطته؛ ألا وهي العقيدة التي علمها أشرف العلوم. أضف إلى ذلك رغبتي في الاطلاع عن كثب على علم هذا العلامة الفاضل، والاستفادة مما كتب من تآليف تُعدّ بحق موسوعة علمية ترشد إلى تبحر هذا الإمام في مختلف الفنون، وخاصة العقيدة.
والشيخ الأمين - ﵀ - من مؤسسي الجامعة الإسلامية، وكان له جهود في إبرازها، ورقيها، ولكفاءته النادرة ذاع صيتها، واشتهرت عالميًا في شتى نواحي العلم والمعرفة الإسلامية. فكان من الواجب إبراز جهوده بالدراسة والبحث.
منهجي في هذا البحث:
وأما عن منهجي في هذا البحث فيتلخص فيما يأتي:
أولًا: جمعت الجزئيات المتعلقة بالعقيدة مما قاله الشيخ - ﵀ -، أو كتبه؛
[ ١ / ١٤ ]
يستوي في ذلك المسموع، والمطبوع، والمخطوط.
ثانيًا: وزّعت المادة العلمية التي جمعتها على أبواب العقيدة، مقسمًا تلك الأبواب إلى فصول، والفصول إلى مباحث، والمباحث، إلى مطالب، وهكذا دواليك –حسب مقتضى الحال -.
ثالثًا: عند دراسة أي مسألة من مسائل العقيدة التي عرضها الشيخ الأمين - ﵀ - وقررها، أبدأ هذه المسألة بمدخل عام لها، أتبعه بذكر رأي الشيخ فيها ملخصًا بأسلوبي، ومن ثم أنقل كلام الشيخ الأمين - ﵀ - المؤيد لما ذكرت. وبعد ذلك أذكر أقوالًا لبعض السلف في هذه المسألة مدللًا بذلك على أن كلام الشيخ - ﵀ - موافق لمذهبهم، وأن الشيخ - ﵀ - متبع لهم يسير على منهجهم ويترسم خطاهم.
رابعًا: إذا كان للشيخ - ﵀ - رد على طائفة معينة ابتدعت رأيًا في مسألة ما خالفت فيه معتقد السلف، أورد ذلك مصورًا رأي الفرقة التي يرد عليها في هذه المسألة، وناسبًا هذا الرأي إلى مظانه في كتب الفرق، ثم أتبع ذلك بذكر كلام الشيخ في تفنيد هذه المسألة.
خامسًا: عند الترجمة للشيخ الأمين - ﵀ - اعتمدت في الغالب على ما تلقيته مشافهة من بعض تلاميذه من معلومات تتصل بالشيخ، وشخصيته، وصفاته، وحياته العلمية.
سادسًا: عزوت الآيات القرآنية الواردة في البحث إلى مواضعها في القرآن الكريم، ذاكرًا اسم السورة، ورقم الآية.
سابعًا: خرّجت الأحاديث الواردة في البحث من كتب السنة: فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إلى موضعه في
[ ١ / ١٥ ]
الصحيح.
وإذا لم يكن في الصحيحين اجتهدت في تخريجه من كتب السنة الأخرى ناقلا قول علماء أهل الشأن فيه؛ من تصحيح أو تحسين أو تضعيف.
ثامنًا: اجتهدت في الترجمة لأعلام ورد ذكرهم في هذه الرسالة.
خطة البحث:
وقد سرت في هذا البحث على الخطة التالية:
قسمت الموضوع إلى مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة.
أما المقدمة: فقد اشتملت على أهم الدوافع التي حملتني على الكتابة في هذا الموضوع، وعلى منهج البحث، والخطة التي سرت عليها.
وأما التمهيد: فقد خصصته للتعريف بالشيخ محمد الأمين - ﵀ - وعقدت له فصلين:
الفصل الأول:
في الكلام عن حياة الشيخ الشخصية: وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: نسبه، وولادته.
المبحث الثاني: نشأته.
المبحث الثالث: قدومه المملكة، واستقراره فيها، واستقبال العلماء له.
المبحث الرابع: صفاته الخِلْقية.
[ ١ / ١٦ ]
المبحث الخامس: صفاته الخُلُقية.
المبحث السادس: أدبه، وذكاؤه، وظُرَفُه، وبعض مواقفه وأقواله.
المبحث السابع: وفاته.
الفصل الثاني: في الحديث عن حياته العلمية، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه.
المبحث الثاني: عقيدته.
المبحث الثالث: أعماله، ووظائفه.
المبحث الرابع: تلاميذه.
المبحث الخامس: مؤلفاته.
المبحث السادس: ثناء العلماء عليه.
أما الباب الأول: فقد بينت فيه جهود الشيخ الأمين - ﵀ - في توضيح الإيمان بالله.
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في توحيد الربوبية.
الفصل الثاني: في توحيد الألوهية، وفيه أربعة مباحث.
المبحث الأول: تعريف التوحيد.
[ ١ / ١٧ ]
المبحث الثاني: براهين التوحيد، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: دلالة الصفات على توحيد الألوهية.
المطلب الثاني: البراهين الكونية.
المطلب الثالث: بطلان إلهية ما سوى الله.
المبحث الثالث: أنواع العبادة.
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الدعاء.
المطلب الثاني: التوكل.
المطلب الثالث: الولاء والبراء.
المطلب الرابع: الخوف والرجاء.
المطلب الخامس: الحكم بما أنزل الله.
المبحث الرابع: ما يضاد إخلاص العبادة.
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الشرك بالله.
المطلب الثاني: الذبح لغير الله.
المطلب الثالث: ادِّعاء علم الغيب.
المطلب الرابع: الحلف بغير الله.
[ ١ / ١٨ ]
المطلب الخامس: السحر.
المطلب السادس: البناء على القبور.
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: جهوده في إبراز عقيدة السلف في توحيد الأسماء والصفات.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.
المطلب الثاني: الأسس التي يقوم عليها معتقد السلف في الصفات.
المطلب الثالث: قواعد في الصفات.
المطلب الرابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها الشيخ الأمين.
المبحث الثاني: موقف الشيخ الأمين من أهل التأويل.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: معاني التأويل.
المطلب الثاني: بعض شبه أهل التأويل، ورد الشيخ الأمين - ﵀ - عليها.
المطلب الثالث: مقارنةٌ بين مذهب السلف، ومذهب الخلف.
[ ١ / ١٩ ]
المطلب الرابع: رجوع بعض أئمة أهل التأويل إلى معتقد السلف.
أما الباب الثاني: فبينت فيه جهود الشيخ في توضيح بقية مباحث الإيمان.
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: الإيمان بالملائكة.
الفصل الثاني: الإيمان بالكتب.
الفصل الثالث: جهوده في توضيح النبوات.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء.
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: دعوة الرسل واحدةٌ.
المطلب الثاني: الرسل لا يعلمون الغيب.
المطلب الثالث: عصمة الأنبياء.
المطلب الرابع: أولو العزم من الرسل.
المطلب الخامس: هل آدم رسول أم نبي؟.
المبحث الثاني: حقيقة الخضر.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: هل الخضر نبي أم وليّ؟.
[ ١ / ٢٠ ]
المطلب الثاني: هل الخضر حي أم ميت؟.
المبحث الثالث: الإيمان بنبينا محمد ﷺ.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: عموم رسالته.
المطلب الثاني: احترامه.
المطلب الثالث: تعظيمه.
المطلب الرابع: حياته البرزخية.
المبحث الرابع: معجزات بعض الأنبياء.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: من معجزات نبينا محمد ﷺ.
المطلب الثاني: من معجزات موسى ﵇.
المطلب الثالث: معجزة صالح ﵇.
الفصل الرابع: جهود الشيخ الأمين في توضيح اليوم الآخر.
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: بعض أشراط الساعة:
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: نزول عيسى ﵇.
المطلب الثاني: يأجوج ومأجوج.
[ ١ / ٢١ ]
المطلب الثالث: بعض العلامات الصغرى.
المبحث الثاني: القبر:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عذاب القبر.
المطلب الثاني: سماع الموتى.
المبحث الثالث: البعث:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: براهين البعث.
المطلب الثاني: الحشر.
المبحث الرابع: الميزان.
المبحث الخامس: الصراط.
المبحث السادس: الجنة:
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: نعيمها، وبقاؤها.
المطلب الثاني: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة.
المطلب الثالث:هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلمربه ليلة المعراج؟
المبحث السابع: النار:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عذابها.
[ ١ / ٢٢ ]
المطلب الثاني: الرد على من قال بفنائها.
الفصل الخامس: جهود الشيخ في توضيح الإيمان بالقدر:
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مراتب القدر.
المبحث الثاني: الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.
المبحث الثالث: الهداية.
المبحث الرابع: أفعال العباد بين الإفراط والتفريط:
وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: وسطية أهل السنة والجماعة في أفعال العباد.
المطلب الثاني: موقف الشيخ الأمين من الجبرية.
المطلب الثالث: موقفه من القدرية النفاة.
الفصل السادس: حقيقة الإيمان:
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان.
المبحث الثاني: الفرق بين الإسلام والإيمان.
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الرابع: مراتب المؤمنين.
المبحث الخامس: الكبائر.
المبحث السادس: حكم أهل الفترة.
الفصل السابع: جهود الشيخ الأمين في توضيح الإمامة.
ثم الخاتمة: وقد ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها.
وفي الختام أشكر الله العلي القدير على توفيقه لي لإتمام هذا البحث،
[ ١ / ٢٣ ]
وأسأله سبحانه أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله بقبول حسن.
ثم أتقدم بالشكر الجزيل للقائمين على هذه الجامعة المباركة، وفي مقدمتهم فضيلة الدكتور عبد الله بن صالح العبيد على ماقدموه لأبناء العالم الإسلامي من زاد روحي ومعنوي.
كماأتقدم بالشكر إلى شيخي الفاضل فضيلة الدكتور أحمد بن عطية الغامدي على حسن تعامله معي، وصبره علي، وعلى حسن توجيهه وملاحظاته القيمة التي كان لها أكبر الأثر في إظهار هذا البحث بمظهره الذي هو عليه.
كما أشكر الشيخين الفاضلين فضيلة شيخنا الشيخ عبد المحسن بن حمد العبّاد، وفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي على تفضلهما بقراءة هذه الرسالة وتجشمهما عناء تصويبها، سائلا الله ﷿ أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهما، كما أشكر جميع من أسدى إليّ نصحًا أو مشورة، راجيا من الله أن يجزيهم خير الجزاء.
وفي الختام أرجو من الله العلي القدير أن يعمنا بدعوة الشيخ الأمين - ﵀ - حيث يقول: "ونرجو الله القريب المجيب إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك أن يجعلنا مباركين أينما كنا، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا ببركاته العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يعم جميع إخواننا المسلمين الذين يأتمرون بأوامره بالبركات والخيرات في الدنيا والآخرة إنه قريب مجيب"١.
هذا وإني لأسأل الله العفو والغفران لما بدر مني من خطأ وزلات وأن يمن عليّ وعلى إخواني المسلمين بتوفيقه إنه جواد كريم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٣١.
[ ١ / ٢٤ ]
التمهيد
الفصل الأول: حياة الشيخ الأمين الشخصية
المبحث الأول: نسبه، وولادته
المبحث الأول: نسبه، وولادته
نسبه:
هو العلامة محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي بن أحمد بن المختار. من أولاد الطالب أوبك. وهذا من أولاد أولاد كرير بن الموافي بن يعقوب بن جاكن الأبر؛ جد القبيلة الكبيرة المشهورة المعروفة بالجكنيين، ويعرفون بتجكانت.
ويرحع نسب القبيلة إلى حِمْيَر١.
لقبه:
آبّا؛ بمد الهمزة، وتشديد الباء من الإباء٢.
ولادته:
ولد ﵀ (عام١٣٢٥هـ)، وكان مسقط رأسه ﵀ عند ماء يسمى (تَنْبه)؛ من أعمال مديريةكيفا" من القطر المسمى بشنقيط"؛ وهو دولة موريتانيا الإسلامية الآن. علمًا بأن كلمة شنقيط" كانت، ولا تزال تطلق على قرية من أعمال مديرية أطار" في أقصى موريتانيا في الشمال الغربي٣.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم في أضواء البيان: ١/١٩. ٢ انظر المصدر نفسه: ١/١٨. ٣ انظر المصدر نفسه: ١/١٩.
[ ١ / ٢٩ ]
المبحث الثاني: نشأته
نشأ - أحسن الله مثواه - في جو يغلب عليه طلب العلم، وروح الفروسية، وقد نما وترعرع وشب متأثرًا بالوسط القبلي المحيط به؛ وهو وسط تحتضنه البادية، ويغلب عليه التنقل من مكان إلى آخر طلبًا للمناخ الأصلح. وإلى هذا يشير أحد مشايخ الجكنيين١ إذ يقول:
ونحن ركب من الأشراف مُنتظم أجل ذا العصر قدرًا دون أدنانا
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة بها نبين دين الله تبيانا
فهو يصف قومه بأنهم ركب" للدلالة على استمرار تنقلهم، ويرى أدنى فرد من قبيلته أعلى مكانًا من أعاظم رجال عصره، وأنهم مواظبون على مذاكرة العلم، لايمنعهم منه حل وترحال. إنه العلم الذي يثبت في القلوب دين الله، ويوضح لطالبيه أحكام الشريعة٢.
أما كرم الطبع في هذه القبيلة: "فهو سجية في جميعهم، وأمر يشب فيه الصغير، ويشيب عليه الكبير. وقد ألفوا الضيف لنجعة منازلهم. ومن عاداتهم إذا نزل وفد على بيت فإن أهل هذا المنزل يرسلون لأهل بيت المضيف حتى لو كان معدمًا غدًا واجدًا، ويرحل الوفد وهو في غاية الرضا.
وفي ذلك الجو، وفي تلك البيئة نشأ الأمين ﵀.
يخبر - ﵀ - عن أحداث فترة طفولته بقوله: "توفي والدي وأنا
_________________
(١) ١ هو العلامة المختار بن بونا. انظر: ترجمة الشيخ الأمين بقلم تلميذه عطية سالم١/٢٠. ٢ علماء ومفكرون عرفتهم/لمحمد المجذوب ص١٧١-١٧٢، في ترجمته الشيخ الأمين.
[ ١ / ٣٠ ]
صغير أقرأ في جزء عم، وترك لي ثروة من الحيوان والمال. وكانت سكناي في بيت أخوالي، وأمي ابنة عم أبي. وحفظت القرآن على خالي عبد الله بن محمد المختار بن إبراهيم بن أحمد نوح؛ جد الأب المتقدم" ١.
_________________
(١) ١ انظر ترجمة الشيخ الأمين/بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم في أضواء البيان ١/٢١.
[ ١ / ٣١ ]
المبحث الثالث: قدومه إلى المملكة، واستقراره بها، واستقبال العلماء له
كان خروج الشيخ الأمين - ﵀ - من بلاده لأداء فريضة الحج في السابع من شهر رجب، عام (١٣٦٧هـ)، على نية العودة. وكان سفره برًا، وقد كتب أثناءه رسالة سماها رحلة الحج"، ضمنها مباحث جليلة١.
وبعد وصوله إلى هذه البلاد في أواخر شهر ذي القعدة، من عام (١٣٦٧هـ) تجددت نية بقائه. ومن عجيب الاتفاق أن ينزل ﵀ في بعض منازل الحج، بجوار خيمة الأمير خالد السديري دون أن يعرف أحدهما الآخر. وكان الأمير يبحث مع جلسائه بيتًا في الأدب، وهو ذواقة أديب. وامتد الحديث إلى أن سألوا الشيخ لعله يشاركهم، فوجدوا بحرًا لا ساحل له. ومن تلك الجلسة وذاك المنزل بدأت العلاقة والمعرفة، وأوصاه الأمير إن هو قدم المدينة أن يلتقي بالشيخين؛ الشيخ عبد الله بن زاحم، والشيخ عبد العزيز بن صالح رحمهما الله، وفي المدينة التقى بهما ﵀، وكان صريحًا معهما فيما يسمع عن البلاد، وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة. وتوطدت العلاقة بين الطرفين، وتجددت رغبة متبادلة في بقائه لإفادة المسلمين، ورغب ﵀ في هذا الجوار الكريم، وكان يقول: "ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
ويحدثني الدكتور محمد الخضر الناجي عن أول قدوم الشيخ ﵀، وسبب بقائه؛ فيقول: "كان هناك وصية من الملك عبد العزيز أنه قدم
_________________
(١) ١ خرج -﵀- من بلاده في ٧/٧/١٣٦٧؟، وصل الديار المقدسة في أواخر ذي القعدة من العام المذكور، انظر رحلة الحج للشيخ الأمين ص٤١، ٢٥٤. ٢ ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم انظر: أضواء البيان ١/٣٥-٣٧ بتصرف، وانظر عن تاريخ خروجه ووصوله إلى الأماكن المقدسة كتاب رحلة الحج له، ص٤١، ٢٥٤.
[ ١ / ٣٢ ]
أحد من العلماء الكبار يحتفظون به، ويحاولون إبقاءه في البلاد هنا. فجاء أحد الإخوة، اسمه الشيخ أحمد خون، وأخبر به المحكمة الشرعية، واجتمعوا به، وتكلم معهم، وأعجبوا به، وأرسلوا إلى الملك عبد العزيز بأنهم وجدوا طلبته، فأمر أن يقيم هنا".
وهذا لايعارض ماكان في موسم الحج مع الأمير خالد السديري؛ فهذا حصل في موسم الحج، وهذا حصل في المدينة. ولا مانع من الجمع بين هاتين الوصيتين؛ لأن الوصية كانت عامة من الملك عبد العزيز - ﵀ -.
[ ١ / ٣٣ ]
المبحث الرابع: صفاته الخِلقية
كان - ﵀ - أسمر اللون، ربعًا معتدلًا، قوي البنية والعضلات، عظيم الهامة، معتدلًا في الضخامة، ليس بالضخم ولابالرقيق. إلا أنه في آخر حياته حين اشتد به المرض رق جسمه كثيرًا١.
وقال عنه الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله: "لو مر في جمع من الناس وأنت لاتعرفه، لقلت هذا عالم كبير؛ لما تلمحه فيه من النبوغ والألمعية، ولما عليه من جلالة العلم، ووقار العلماء" ٢.
وقال ابنه د. محمد المختار: "إن والده كان شجاعًا، قوي البنية. وقد صرع رجلًا مشهورًا بالقوة.
_________________
(١) ١ نقلًا عن الأستاذ محمد الأمين بن الحسين؛ أحد تلاميذ الشيخ، والمدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية، وذلك في مقابلة أجريتها معه. ٢ نقلًا عن كتاب: منهج الشيخ الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام، للسديس ص٨٠.
[ ١ / ٣٤ ]
المبحث الخامس: صفاته الخُلقية
كان الشيخ الأمين - ﵀ - يتمتع بأخلاق ومزايا فاضلة عديدة حدثني عن بعضها تلميذه: "الدكتور محمد الخضر الناجي، فقال: "من أخلاقه الفاضلة أنه لاينتقم لنفسه. ويحب إذا كان له يد في الحصول على مصالح عامة يحاول أن يتساوى فيها إخوانه ولايفرق بين قريب وبعيد فيهم. ومن أخلاقه أيضًا أنه كان يتبسط مع إخوانه في الفكاهة والممازحة التي تدخل عليهم السرور، وله ملح ونوادر كثيرة في هذا المجال من غير أن يؤذي أحدًا. وكنا نعتبر مجالسه مع الأخوان أيام أعياد وأعراس؛ كأننا نجلس في بستان ذي فواكه كثيرة، وذي أفنان كثيرة؛ مرة في العلم، ومرة في المرح، ومرة في النكت، ولايمكن أن يتعرض لشخص إلا غضب غضبًا شديدًا. ومن أخلاقه الفاضلة قضاء حاجة الضعيف، وغض الطرف عن زلة من زل عليه، وعن إساءة من أساء إليه -﵀-"١.
كما أنه -﵀ - كان معروفًا بفضائل أخرى، حدثني عن بعضها تلميذه الأستاذ محمد الأمين بن الحسين، فقال: "إنه -﵀ - معروف بسعة الخاطر، وعدم الغضب؛ فكانت الناس تعجب من عدم غضبه؛ فكل من قال له مالايرضيه يقابله بالحسنة على الرغم من أنه كان من قبيلة ذات شوكة وخطورة ولاتخاف من أحد، وأهله كذلك. لكنه -﵀ - من صغره لم يعلم أنه أساء إلى أحد، أو قابل أحدًا إلا بشيء حسن. وكان كريمًا، ومن كرمه أنه قال لي: "لم يسألني أحد قرضة من مال وأقرضه؛ ذلك لأنه إن كان عندي أعطيته ولم أقرضه، وإن لم يكن عندي طلبه فذلك شأن آخر. وما
_________________
(١) ١ نقلًا عن الدكتور محمد الخضر الناجي/ الأستاذ في جامعة أم القرى، وهو أحد تلاميذ الشيخ -﵀-، من حديثه عن الشيخ في المقابلة التي أجريتها معه.
[ ١ / ٣٥ ]
يسأله أحد من ماله زائد عنه إلا أعطاه إياه، وهذا نعلمه. وكان -﵀ - يأخذ من راتبه ويعطي لكل ضعيف من جماعته امرأة أو رجل صدقة سرًا وعلانية. وكان -﵀ - يحمل لواء جماعته هنا وهناك في إدارة مصالحهم. فكان جمع بين الدنيا والآخرة -﵀-.وكان مهابًا لا يجلس في مجلس -حسب علمي به، وكثرة ملازمتي له - يستطيع أحد أن يناقشه في مسألة سواء جدية أو هزلية. وكان كثير القيام بالليل، كثير المطالعة، كثير قراءة القرآن والتدبر فيه" ١.
وأخبرني الأستاذ محمد الأمين بن الحسين عن بعض أخلاق الشيخ الأمين -﵀ - أيضًا، فقال: "أمور الرجولة متناهية فيه كلها؛ فصيح اللسان، خطيب، إذا أراد أن يتكلم، لايستطيع أحد الحاضرين الكلام معه لا في مسألة جدية ولا هزلية ولامداعبة ونحو ذلك. وكان حسن المجلس، صاحب دعابة خالية من الغيبة، وخالية من القدح، ومما يغضب الناس. ولم يُغضب أحدًا حسب علمي" ٢.
وقد حدثني ولده الدكتور عبد الله أن والده لم يكن يؤثرهم على تلاميذه وإخوانه؛ ومن أمثلة ذلك: "أن سيارة الشيخ رحمة الله عليه كان يركبها من يسبق إليها، وكنت مرة ذهبت معه رحمة الله عليه في وقت حار إلى المسجد النبوي، ولما جئت معه إلى السيارة بعد الظهر، وجدناها امتلأت. فقال لي: "ياولدي اذهب على رجليك. فأراد أحد الركاب أن ينزل، فقال: "لاتنزل أنت سبقته. فكانت السيارة؛ من سبق إليها يركب، ومن تأخر - ولو ابنه - يمشي على رجليه"٣.
_________________
(١) ١ نقلًا عن الأستاذ محمد الأمين بن الحسين؛ أحد تلاميذ الشيخ، والمدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية. ٢ نقلًا عن الأستاذ / محمد الأمين بن الحسين. ٣ نقلا عن الدكتور عبد الله بن الشيخ محمد الأمين، ويشغل حاليًا منصب عميد كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية.
[ ١ / ٣٦ ]
وكان -﵀ - لايرد الزوار عن بيته، ولا يقول لأحد لا تدخل، ولم يكن على بيته حاجب. ولكن إذا كان يشتغل وجاء الزوار، فإذا رأوه يشتغل إما أن يخرجوا أو يجلسوا، وكانوا إذا جلسوا يتفرغ لهم، ويترك عمله.
وكان -﵀ - ينصح للمسئولين، وإذا رأى ما لا ينبغي يكتب لهم، ويقول لهم دائمًا: "أنتم أكرمكم الله بالحرمين، ومادمتم تتمسكون بهذا الدين فإن الله لن يضيعكم١.
زهده في الدنيا:
يتحدث الشيخ عطية سالم عن زهد شيخه الشيخ الأمين -﵀ - في الدنيا، فيقول: "الواقع أن الدنيا لم تكن تساوي عنده شيئًا، فلم يكن يهتم لها. ومنذ وجوده في المملكة، وصلته بالحكومة حتى فارق الدنيا لم يطلب عطاء، ولامرتبًا، ولا ترفيعًا لمرتبه، ولاحصولًا على مكافأة أو علاوة. ولكن ماجاءه من غير سؤال أخذه، وماحصل عليه لم يكن يستبقيه، بل يوزعه في حينه على المعوزين؛ من أرامل ومنقطعين. وكنت أتولى توزيعه وإرساله من الرياض إلى كل من مكة والمدينة. ومات ولم يخلف درهمًا ولادينارًا. وكان مستغنيًا بعفته وقناعته، بل إن حقه الخاص ليتركه تعففًا عنه؛ كما فعل في مؤلفاته وهي فريدة في نوعها، لم يقبل التكسب بها، وتركها لطلبة العلم. وسمعته يقول: "لقد جئت معي من البلاد بكنز عظيم يكفيني مدى الحياة وأخشى عليه الضياع. فقلت له: "وما هو؟ قال القناعة. وكان شعاره في ذلك قول الشاعر:
_________________
(١) ١ نقلًا عن الدكتور عبد الله بن الشيخ محمد الأمين.
[ ١ / ٣٧ ]
الجوع يطرد بالرغيف اليابس
فعلام تكثر حسرتي ووساوسي
وكان اهتمامه بالعلم، والعلم وحده، وكل العلوم عنده آلة ووسيلة، وعلم الكتاب وحده غايته"١.
وحدثني ابنه عبد الله حفظه الله عن زهده فقال: "كان -﵀ - لايريد الدنيا، ولايهتم بها، ويحرص على الاقتصاد".ويقول: "الذي يفرحنا أن الدنيا لو كانت ميتة لأباح الله منها سد الخلة. وكان يقول: "لم أقترض قط لأحد، ولم أبع، ولم أشتر، وترك لي والدي ثروة فكنت أعيش منها، وكان عندي كنز عظيم أرجو الله أن لا يضيع مني؛ هو القناعة"٢.
وقد أخبرني أيضًا أنه كان في المدينة، وكان لايوجد عنده أي مال، وقد وعده أحد جيرانه أن يقترض له مالًا. ولما أراد الشيخ - ﵀ - أن يأتيه وجده يشتغل، وعليه ملابس متبذلة، فرجع عنه وكأنه وجد في نفسه قليلًا أنه في عازة. قال: "ولم أشعر حتى خررت ساجدًا في الطريق في الغبار، ورفعت رأسي وعندي فرح ونشوة لايعلمها إلا الله إكرامًا لما أعطاني من العلم، فكيف أريد دنيا وربي أكرمني بالعلم، وبفهم كتاب الله. فذهبت إلى البيت وكأن الدنيا كملت لي لاستشعاري نعمة الله عليّ بما أعطاني من فهم القرآن. وقد سد الله لي تلك الحاجة من غير أن أسأل أحدًا ونذهب لأحد إكرامًا منه وفضلًا"٣.
وأخبرني ولده عبد الله أيضًا، قال: "كان - ﵀ - يخاف من الدنيا، ويكلمني بقوله: "احذر من الدنيا؛ فإنها كالماء المالح، والشيطان يكذب عليك ويقول: "اجمع الأموال لتتصدق بها، وتبني بها المدارس، وتعمل بها
_________________
(١) ١ انظر ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطية محمد سالم، المدرس في المسجد النبوي، والقاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة المنورة في مقدمة أضواء البيان ١/٦١ – ٦٢. ٢ نقلًا عن الدكتور/ عبد الله بن الشيخ محمد الأمين. ٣ نقلًا عن الدكتور/ عبد الله بن الشيخ محمد الأمين.
[ ١ / ٣٨ ]
الأربطة. وهو يكذب عليك يريد أن يضيع وقتك، فإذا جمعت المال لا أنت تعطيه للناس، ويشغلك عن عبادة الله، فهذا شيطان يريد أن يصرفك عن ما هو خير لك، وأنا أقدر الناس على أن أكون أغنى الناس، وتركت الدنيا لأني أعلم إذا تلطخ بها العبد لا ينجو منها إلا من عصمه الله. ولم يوجب الله عليك أن تجمع الأموال لكي تتصدق بها على الناس، فاحذر ياولدي من الدنيا واعلم أنها كالماء المالح، وأن أهل الدنيا في شغل وتعب؛ فصاحب الدنيا النهار يشتغل في البضاعة والتجارة، وفي الليل يفكر فيها، ويموت عنها، وقد لا يترحم عليه الورثة، يقولون: "هذا ماله مات عنه. فاحذر يابني من الدنيا"١.
وأخبرني الدكتور محمد الخضر الناجي حفظه الله: "أن الشيخ لما كان في القاهرة للعلاج، وكانت السفارة تلبي رغبة الشيخ، فلما انتهى من العلاج، حسب البقية الباقية عنده من المادة التي أرسلتها الحكومة، وقال ليس لنا هذا، أعطوه لمندوب السفارة. وجاء مندوب السفارة وقال له: "سوف لن ينتفع بذلك أحد، وهذا ياشيخ لك، والحكومة أعطته لك، فقال: "أرسلوه لي لغرض العلاج، والعلاج قد انتهى، لن نأخذه".
وكان -﵀ - زاهدًا في الملبس، لايأبه للثياب، ولايبالي بها؛ حدثني الأستاذ محمد الأمين بن الحسين قال: "حضرته يومًا في الرياض، وكان قادمًا لإلقاء محاضرة في المعهد العالي للدعوة، وكان عليه ثوب لايناسب في نظري الحضور، فقلت له: "نغير لك هذا الثوب؟ فقال: "يافلان القضية ليست بالثياب، وإنما ما تحت الثياب من العلم. ونحو ذلك".
حذره من الغيبة، وتحذيره منها:
لم يكن الشيخ الأمين -﵀ - يغتاب أحدًا، أو يسمح بغيبة أحد في
_________________
(١) ١ نقلًا عن الدكتور/عبد الله بن الشيخ محمد الأمين.
[ ١ / ٣٩ ]
مجلسه. وكثيرًا مايقول لإخوانه: "تكايسوا" أي من الكياسة والتحفظ من خطر الغيبة. ويقول: "إذا كان الإنسان يعلم أن كل مايتكلم به يأتي في صحيفته، فلا يأتي فيها إلا الشيء الطيب"١.
وأخبرني ابنه عبد الله أن والده كان يكره الكلام في الناس، أو التكلم في الدنيا، وكان لا يرضى من طلابه، ولا من جلسائه أن يغتابوا أحدًا، ويقول لهم: "يا أبنائي وإخواني إن قتل الأولاد وأخذ الأموال يهون، لكن أخذ حسناتي وأنا شايب فهذا لاسكوت عليه، هذا خور وضعف، وأنا رجل مؤمن وهذه البقعة ملكنيها الله فلا يكون لأحد الغيبة فيها، ولا تأكلوا لي أعراض الناس. والله لو أخذتم مالي لتغاضيت عنكم، ولكن تأخذوا لي حسناتي وأنا شايب، هذا لا صبر لي عليه".وقد كنت يومًا أنا وأحد الطلاب، وكان عنده شيخ يصحح عليه تأليفًا له، وكنا في مكة، فقال أحد الجلوس: "ويكره التأليف من مقصر. فضحكت أنا، فغضب، وقال: "يابني ماذا فعلت لك؟ كيف تأكل الغيبة في المسجد الحرام".
ورعه عن الفتيا:
أخبرني ابنه عبد الله أنه في آخر حياته أصبح لايتكلم إلا في كتاب، أو سنة. ويقول: "كلام الناس لا أضعه في ذمتي. إذا كان عندي على المسألة نص من كتاب أو سنة أقول بها، وإذا لم يكن عندي نص أقول: "الله أعلم؛ لأن الله يقول: "ولاتقف ماليس لك به علم".وفي يوم من الأيام جاءه طلبة من الكويت، وسألوه عن مسائل من الأمور المستحدثة، فقال الشيخ: "أجيبكم من كتاب الله تعالى".فاشرأبت أعناق الحضور لسماع هذه الإجابة من كتاب الله تعالى، فقال: "أقول لكم: الله أعلم، والله تعالى يقول:
_________________
(١) ١ انظر ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم في مقدمة أضواء البيان١/٦٣.
[ ١ / ٤٠ ]
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١.والله لا أعلم فيها شيئًا من كتاب ولا سنة. وكلام الناس لا أضعه في ذمتي، اذهبوا إلى غيري".
وحدثني الدكتور محمد الخضر الناجي عن هذه المزية العظيمة من مزايا الشيخ - ﵀ - بقوله: "من أفضل أخلاقه التي تعلمتها منه: هو قوله: "لا أدري" حين يستفتى في بعض الأحيان، والوقف عند مايشتبه من الأمور. ولي معه موقف في هذا الشأن؛ وهو أنني معه ذات يوم، ثقل عليّ الحال لكثرة قوله: "لا أدري، والله أعلم".فاجتمعنا مرة منفردين ليس معنا أحد سوى الله ﷿. فقلت له ياشيخي أنتم تقولون دائمًا في دروسكم أنّ النبيّ ﷺ ترك هذه الشريعة محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ومقتضى هذا أنها واضحة لا لبس فيها ولا غموض يخفى على أحد. ونحن نسأل من نثق بعلمه ومعرفته، فكثيرًا ما يجيبنا: "لا أدري.-وأنا بالذات أعنيه هو -.فقال: "يابنيّ هذا بيّنه حديث: "إنّ الحلال بيّن وإن الحرام بينّ، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام "٢.وحديث: "دع مايريبك إلى مالايريبك" ٣؛ ومعنى هذا أنه إذا كان الأمر حلالا، وحليته واضحة، فقل: حلال، ولاتبالي. وإذا كان الأمر حرامًا ودليله واضح فقل: حرام، ولاتبالي. وإذا كان مشتبهًا ليس دليل حرمته ولاحليته واضحًا، فالطريق الواضح أمامك، والذي هو كالمحجة البيضاء أن تقول: "لاأدري؛ فهذا هو معنى كونه ترك الناس على محجة بيضاء؛ لأنّ هذا
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية [٣٦] . ٢ أخرجه البخاري٣/٤. وأخرجه مسلم٣/١٢١٩-١٢٢٠. ٣ أخرجه الترمذي في سننه ٤/٦٦٨، وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده١/٢٠٠، ووصف محقق رياض الصالحين إسناده بأنه صحيح انظر رياض الصالحين ص٢٧٨. وقال الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح ٢/٨٤٥:رواه النسائي، وإسناده صحيح.
[ ١ / ٤١ ]
الحديث حديثه ﷺ. فاسترحت لهذا الجواب كثيرًا؛ إذ جاء به من غير تكلف، وبوضوح".
حبه للرماية:
أخبرني ابنه عبد الله عن والده أنه كان يحب الرماية والسباحة، وكان عنده في البيت شوزن، وساكتون، وفي كلّ يوم خميس يذهب إلى الصيد١.
وقال لي الدكتور/محمد الخضر الناجي: "ذهبنا مرة إلى العاقول، خارج حدود الحرم. واصطاد الشيخ حمامة في السماء، فرجعت إليها صاحبتها تحوم فوقها، فتعرضها بالبندقية فضربها فأسقط الثنتين".
وأخبرني الأستاذ/محمد الأمين بن الحسين قال: "كان الشيخ -﵀ - يومًا من الأيام مع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن، وكان صديقًا له، وكانوا في بستان في الرياض. فقال يمزح مع الشيخ: "تقولون إنكم عرب وأهل رماية للأهداف، فهل تستطيع أن ترمي ذلك الطير - وكان يراه من بعيد-.فأخذ البندقية أحد تلاميذ الشيخ، فضربه فلم يصبه. فأخذ الشيخ -﵀ - البندقية بعد أن أبعد الطير جدًا، فرماه بتلك البندقية واصطاده، فأعجب الحاضرون بذلك. وكان -﵀ - يحب الصيد، لا أنه يتعب من ورائه ويسافر لأجله".
_________________
(١) ١ نقلًا عن الدكتور عبد الله بن الشيخ محمد الأمين – بتصرف في العبارة- والشوزن، والساكتون: اسمان لبعض بنادق الصيد.
[ ١ / ٤٢ ]
المبحث السادس: أدبه، وذكاؤه وظرفه، ومن مواقفه وأقواله
كان الشيخ الأمين -﵀ - أديبا ضليعًا، شهد بذلك معاصروه من العلماء، وتلامذته. وهذا ما تراه جليا في كتبه.
يقول الشيخ محمد المجذوب: "إنّ الغزارة في محفوظ الشيخ من شعر العرب دليل قاطع على تذوقه إياه. ولابدّ للحافظ المتذوق أن تواتيه الموهبة على صياغته. وكذلك كان شيخنا -طيب الله مثواه-؛ فهو رهيف الحسّ، سريع التأثر بالكلمة البليغة. وقد سبق أن طالعنا بعض محاولاته الأولى، فلمحنا ما وراءها من استعداد للاندفاع، إلا أنّ انشغاله اليومي بالجوانب الأخرى قد أدى به إلى الانصراف عن الشعر الخالص"١.
وأخبرني ابنه عبد الله أن والده ﵀ كان يحبّ الأدب، ويخصص يومًا في الأسبوع في أول زمن دراسته للأدب، ويقول: "نحن نحفظ الأدب لنستشهد به على لغة العرب.
وكان أحيانًا يأتي بأبيات قد يكون ظاهرها سمجًا، ويبيّن أنّ القصد ما فيها من اللغة. وكان دائمًا يكرر ذا البيت٢:
ولولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أشعر من لبيد
وقد ذكر ﵀ أبياتًا في آخر حياته تدلّ على قوته في الشعر، ذكر في أولها أنّ الشعر لاينبغي له. يقول ﵀:
_________________
(١) ١ علماء ومفكرون عرفتهم ص١٩٠. ٢ هذا البيت ينسب للإمام الشافعي﵀- انظر سير أعلام النبلاء ١٠/٧٢.
[ ١ / ٤٣ ]
قد صدّ بي حلم الأكابر عن لمى
شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماء الشبيبة زارع في صدرها
رمانتي روض كحقّ العاج
وكأنها قد أدرجت في برقع
ياويلتاه بها شعاع سراج
وكأنما شمس الأصيل مذابة
تنساب فوق جبينها الوهاج
قال لي د/ عبد الله بن الشيخ محمد الأمين: "وهذا نوع من التمثيل لم أره قبل الشيخ ﵀؛ وهو أن تجعل الشمس مرهمًا يدهن به الوجه، فهذا ابتكار في التشبيه، لم يسبق إليه حسب علمي".
وقال د/عبد الله أيضًا: "وكان يقول لي:
تأدب إذا مادخلت على أناس
وكن منهم بمنزلة الأقلّ
فإن رفعوك كان الفضل منهم
وإن وضعوك فقل هذا محلي
وكان ﵀ دائمًا يتمثل بهذه الأبيات، وخصوصًا إذا كنا ذاهبين للصيد:
قال الطريفة ماتبقى دراهمنا يوما
ومابنا سرف فيها ولا خرق
إنَّا إذا اجتمعت يومًا دراهمنا
ظلت إلى طرق الخيرات تستبق
لايألف الدرهم المضروب صرتنا
لكن يمرّ عليها وهو منطلق
حتى يصير إلى نذل يخلده
يكاد من صره إياه ينمزق١
وأحيانًا: "كان ﵀ يتمثل ببعض الأبيات التي تتعلق بمكارم الأخلاق، أو بالفضل والتسامح.
_________________
(١) ١ القائل جؤبة بن النضر. انظر مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي ص٤٨٧. مؤلفه: أحمد قبش، مطبعة دار العروبة بدمشق ١٣٩٩هـ. مع بعض الاختلاف اليسير مثل: يومًا في البيت الأول لم ترد وإنما بدل إنا في أول البيت الثاني، وفي أول البيت الثالث قال مايألف الدرهم الصياح بدل لايألف الدرهم المضروب.
[ ١ / ٤٤ ]
وأخبرني الأستاذ/محمد الأمين بن الحسين: "إنه ﵀ كان شاعرًا مغلقًا إلى أبعد الحدود، إلا أنه صار في آخر حياته يكره أن يقال له ذلك. وطلبنا منه بعض القصائد التي قالها، فامتنع وغضب، وقال: "أحبّ إليّ أن يقال: طالب علم، من أن يقال: شاعر. هذا مع قدرته على الشعر واللغة العربية".وسمعته يقول: "حينما بدأت في قراءة اللغة العربية فتح الله عليّ في قول الشعر فتحًا عجيبًا، ولاسيما في الهجو منه، فنذرت لله ﷿ أن لا أقول هجوا بأحد كائنا من كان، ولا أمدح أحدًا، فكان شعره ﵀ في الحثّ على العلم، ونحو ذلك".
من مواقفه وأقواله:
أختار من مواقفه ﵀ هذه الحادثة التي ذكرها الشيخ محمد المجذوب فقال: في مؤتمر العلماء الذي عقدوه في الرياض للبحث في موضوع الإمامة، وقرروا فيه إلغاء بيعة المرحوم الملك سعود بن عبد العزيز، ومبايعة أخيه فقيد الإسلام والعروبة فيصل بن عبد العزيز إيثارًا للمصلحة العامة التي لم يكن أجدر من فيصل للقيام بأعبائها: "أنابوا عنهم الشيخ الأمين لإبلاغ قرارهم الملك سعود، فقام بالمهمة خير قيام، وكان لكلمته الحكيمة أطيب الوقع في نفسه، عقّب عليها بإعلانه ثقته التامة بنصيحة العلماء وخضوعه لمقرارتهم. ولا حاجة للتنبيه إلى أنّ مثل هذه الثقة التي أحرزها الشيخ في أوساط أولي الأمر وكبار أهل العلم إنما تدل على مميزات شخصية من النوع النادر. بها استحق كل ذلك التقدير من عارفيه"١.
ومن أقواله ﵀: ماحدثني به ابنه د/عبد الله أنّ والده قال له: "الكرة الأرضية أصغر من أن تكون لرجل وطنا".
يقول د/عبد الله: "وماكنت أفهم هذا في البداية، ولكن بعد ذلك
_________________
(١) ١ علماء ومفكرون عرفتهم. ص١٨٥.
[ ١ / ٤٥ ]
فهمت أنّ قصده أنّ المسلم كلّ العالم أهله، فيحاول أن يساعدهم ويقومهم، وينصحهم، وينصر ضعيفهم، ويساعد فقيرهم؛ لأنّ المسلم للمسلم كالبنيان، إنما المؤمنون إخوة، فكان يقول لي: يابني اعلم أن المسلمين في أنحاء البلاد هم إخوانك، والمسلم لايتقوقع ولاينتمي لجهة عن جهة، وإن كان الأقربون أولى بالمعروف".
ذكاؤه، وظرفه -﵀ -:
امتاز الشيخ الأمين ﵀ بالذكاء الشديد منذ نعومة أظفاره، وهذا ماشهد له به أحد شيوخه؛ كما أخبرني بذلك ابنه عبد الله بقوله: "إنّ الله نفعه بشيخ له في صباه، كان يقول له: "اعلم أنّ فروض الكفاية فرض عين عليك؛ لأنّ الفقهاء يقولون: "إذا كان هناك ذكيّ ذكاء خارقًا، فإنّ فروض الكفاية تبقى فرض عين عليه، فاتق الله في المسلمين، واحفظ عليهم دينهم؛ لأنك مقتدر على أن تحفظ العلوم بسرعة".
وكان ﵀ سريع البديهة، مع ظرف ودعابة ونكتة مستملحة:
فمن سرعة بديهته ﵀: "ماحدثني به الشيخ محمد الأمين ابن الحسين قال: "سمعت منه أنّ مندوبا من التعليم، وهو إذ ذاك مدرس في الكليات والمعاهد في الرياض جاءه يطلب منه الشهادات العلمية أسوة بغيره من المدرسين. فقال: "عندي شهادة واحدة. ولست أعطيها لأحد. فقال: "ماهي؟ قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، فلا أعطيها أحدًا. وليس عندي غيرها. فضحك الحاضرون من دعابته".
وحضرته يومًا وقد ألقى محاضرة في الجامعة الإسلامية يحثّ فيها طلبة العلم على الصبر وعلى التحمل، وعلى الأخلاق الحميدة، وأن يخلصوا الدعوة لله ﷿ في تعليمهم للمسلمين، وأنهم سيُؤْذّوْن في سبيل الله؛ لأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء أوذوا في دعوتهم، فقام الشيخ محمود
[ ١ / ٤٦ ]
الصواف يعلق على كلام الشيخ ﵀ قائلًا أنا أعتقد أني أخاف عليكم أن يغالى في محبتكم حتى تعبدوا، أو نحو ذلك، وإنكم سترون كثيرًا من الترحيب في العالم الإسلامي فالتفت إليه الشيخ الأمين وقال: "أودّ أن أسأل فضيلة الشيخ محمود الصواف: "هل يستطيع أن يأتي للعراق؟ لأنه من المعلوم أنه محكوم عليه بالإعدام. وهو من طلبة العلم. فضحك الحاضرون، وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز قائلًا: "الشيخ سريع البديهة سريع الجواب".
وحدثني ابنه د/عبد الله عن بعض القصص التي تدلّ على سرعة بديهة والده ﵀ فقال: "قال لي الشيخ مرة إنه مسافر. وكانت له ثياب تغسل، ورآه أحد الجلوس وهو يقلب ثيابه، ومن بينها سروال. فظنّ هذا الشخص أنّ الشيخ يريد لبس لباسه أمام الناس، فقال له: "ولسراويل بهذا الجمع، فقال له الشيخ: "أبشر لن ألبس ثيابي بحضرة الناس، ولن نصرف مفاعيل. لأنّ نصّ الألفية:
ولسروايل بهذا الجمع
شبه اقتضى عموم المنع١
فكان المكلم للشيخ ذكيا، وفهم الشيخ قصده بسرعة"٢.
وقال أيضًا: "ومن نكته الظريفة: أنه لما تولى فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد نيابة رئاسة الجامعة الإسلامية قال له الشيخ: "يافضيلة الشيخ أنت الآن كمن تزوجت أمه، لايدري هل يعزى أو يهنى؟ فقال له فضيلة الشيخ عبد المحسن حفظه الله: "أنا يُدعى لي فقط. ومن نكته أيضًا: "قال له شخص: يافضيلة الشيخ أحسن أن يأخذ الإنسان من عرض لحيته أو من
_________________
(١) ١ ألفية ابن مالك ص٨٠. ٢ وقد سمع منه هذه القصة أيضًا فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد، وقد أكد له الشيخ الأمين أن هذه القصة حصلت معه أثناء زيارته للسودان.
[ ١ / ٤٧ ]
طولها؟ فقال له: "ذلك مقطوع طوله في عرضه".
وذكر لي د/محمد الخضر الناجي بعض ظرفه ودعابته؛ منها: "أنه جاءته امرأة تشتكي من زوجها، وكان عنده أخرى قبلها مشترطة أن لا يكون معها أحد. فجاءت عند الشيخ فقال لها: "ماذا فعل؟ قالت: "رأيته يوصل لها النقود في المنديل. قال هذا طبق نصًا من نصوص مختصر ابن عاشر:
وصّل ماعسر بالمنديل
ونحوه كالحبل والتكويل
والنكتة في هذا: "أنّ المصنف يتحدث عن الغسل، وأنّ ماعسر عن وصول الماء إليه يوصل إليه بوسيلة، منها المنديل أو غيره فضحك الناس كثيرًا.
وكنا في نزهة برية حول وادي العاقول، وكان الطلاب متحلقين حول الشيخ يستمعون إلى أيّ شيء يصدر منه. فجاء الشيخ مختار بن أحمد مزيد؛ أحد مدرسي الحرم، وهو شيخ فاضل، فقال: "هذه رؤيا رأيتها. فقال: "ماهي؟ قال: "رأيت النبي ﷺ وعليه ثياب جميلة، وكان بيني وبين بعض الناس مناقشة وخلاف في مسألة من مسائل العلم، وأشار إليّ وقال: "الحقّ مع هذا، قال: فأمسكت ثيابه أريد أن يسمعه الناس، فنزع مني ثيابه بسرعة، فقال له الشيخ: أمسكته لكي تعمل عليه محضر، فضحكنا كثيرًا، ومثل هذا كثير، لايحضرني الآن"اهـ كلام الدكتور الناجي".
[ ١ / ٤٨ ]
المبحث السابع: وفاته
توفي ﵀ ضحى يوم الخميس ١٧/١٢/١٣٩٣؟.وكانت وفاته بمكة المكرمة، مرجعه من الحجّ ودفن في مقبرة المعلاة، وصلى عليه سماحة رئيس الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الحرم المكي، مع من حضر من المسلمين بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم.
وفي ليلة الأحد ٢٠/١٢ أقيمت عليه صلاة الغائب بالمسجد النبويّ. وصلى عليه صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح آل صالح - إمام وخطيب المسجد النبوي، ورئيس الدائرة الشرعية بالمدينة ومحاكم منطقة المدينة - بعد صلاة العشاء مباشرة، وصلى عليه من حضر من الحجاج ما لا يحصى عددًا١. وقد حزن عليه الناس حزنًا شديدً، ورثاه عدد كبير من الشعراء بأبيات كثيرة، أذكر مقتطفات منها:
فمن ذلك ما رثاه به تلميذه وابن عمه لشيخ أحمد بن أحمد الجكني الشنقيطي في قصيدة طويلة، منها٢:
أبكي الأمين وليتني من علمه
ما عشت فزت بنيل كلّ بيان
أبكي الأمين محمدًا وإنني
أبكي الأمين لشرعة القرآن
_________________
(١) ١ انظر ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم في مقدمة أضواء البيان ١/٧. وقد استوفى الباحث الأخ/عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس هذا المبحث عن وفاته، وذكر مراثيه. انظر: منهج الشيخ الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام من أضواء البيان ص ٦٣-٧١-مضروب بالآلة الكاتبة-. وانظر أيضًا: مراثي الشيخ ﵀ في الزاد والمعين ص١٠٥-١١٠. ٢ نقلًا عن منهج الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام ص ٦٤.
[ ١ / ٤٩ ]
من ذا يلومك إن بكيت مفوها
سمح الخليفة من بني الإنسان
ومن ذلك أيضًا ما رثاه به الشيخ محمد بن عبد الله بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي في قصيدة طويلة، منها١:
نعي الأمين نعاة قد نعوا علما
بحرًا خضمًا بموج العلم ملتطمًا
أبكته أجيال علم حين عدّ له
ربع الحجون مصيرًا بعدما ختما
من للنوازل مثل الشيخ إن نزلت
أو للحوادث إن أدمت بنا كلما
ومن ذلك أيضًا ما رثاه الشيخ محمد بن مدين الشنقيطي في قصيدة طويلة، أذكر منها٢:
الله أكبر مات العلم والورع
يا ليت ما قد مضى من ذلك يرتجع
يبك الكتاب كتاب الله غيبته
كذا المدارس والآداب والجمع
حدث بما شئت من حلم ومن كرم
وانتشر مآثره فالباب متّسع
ورثاه الشيخ محمد الأمين بن مختار الجكني، الملقب بـ (التعدي) ابن عم الشيخ ﵀ في قصيدة طويلة منها٣:
هو الموت لا ينفك يفجع معشرًا
بكوكبه الدري بين الكواكب
فتى لم ير الراؤون شرواه بعده
ولا أنجبت شرواه بيض الكواعب
ورثاه الشيخ عبد الرحمن المنير؛ الأستاذ بالمعهد العلمي بالمدينة المنورة
_________________
(١) ١ انظر: المعين والزاد ص ١٠٥. ٢ نقلًا عن منهج الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام ص ٦٨. ٣ نقلًا عن منهج الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام ص ٦٩.
[ ١ / ٥٠ ]
بقصيدة طويلة، أسرق منها هذه الأبيات١:
أتاني من الأنباء ما سد مسمعي فكادت
لها روحي يجن جنونها
وما كنت أدري ليتني عند حفرة
عشية سواها حصاها وطينها
من الشيخ أن فاضت على الخد دمعتي
أكفكفها صبرًا ويأبى هتونها
ترقبته من حجّ مكة سالمًا
فشحت به معلاتها وحجونها
ورثاه أيضًا الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الله بن آدّ الشنقيطي بقصيدة طويلة، أذكر منها٢.
أعينيّ جودا بالدموع السواكب
لمن ضوءه قد فاق ضوء الكواكب
له الفضل في التفسير إن رمت باحثًا
وفي الفقه والتوحيد من كلّ جانب
ففي النحو أستاذ وفي الشعر حجة
وفي الجود بحر يرتجي للنوائد
حواه ثرى المعلا فيا حسن ما حوى
إمام له في الدين أولى المراتب
وقد خلف الشيخ الأمين ﵀ ولدين عالمين فاضلين؛ أحدهما فضيلة الدكتور محمد المختار رئيس قسم أصول الفقه بالجامعة الإسلامية، والآخر فضيلة الدكتور عبد الله عميد كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية.
جعلها الله خير خلف لخير سلف.
_________________
(١) ١ انظر: المعين والزاد ص ١٠٩-١١٠. ٢ نقلًا عن منهج الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام ص ٧٠.
[ ١ / ٥١ ]
الفصل الثاني: حياة الشيخ الأمين العلمية
المبحث الأول: "طلبه للعلم، وشيوخه
قال الشيخ عطية سالم يخبر عن الشيخ الأمين -﵀-:
حفظ القرآن في بيت أخواله، على خاله عبد الله، وعمره عشر سنوات، قال -﵀-: "ثمّ تعلمت رسم المصحف العثماني المصحف الأم) عن ابن خالي سيدي محمد بن أحمد بن محمد بن المختار، وقرأت عليه التجويد في مقرأ نافع برواية ورش، من طريق أبي يعقوب الأزرق.
وقالون؛ من رواية أبي نشيط. وأخذت عنه سندًا بذلك إلى النبيّ ﷺ، ذلك وعمري ست عشرة سنة"١.
أنواع الدراسة في القرآن: "تعتبر الدراسة في علوم القرآن منهجًا متكاملًا، لا تقتصر على الحفظ والأداء، بل تتناول معرفة رسم المصحف؛ أي نوع كتابته؛ ما كان موصولًا أو مفصولًا، وما رسم فيه المدّ أو كان يمدّ بدون وجود حرف المدّ، وقد يكون حرفًا صغيرًا أو نحو ذلك. ثمّ ضبط ما فيه من منشأيه في الرسم أو التلاوة. ومن المشهور عندهم في هذا رجز محمد بن بوجه) المشهور. المعروف بالبحر، تعرض فيه لكلِّ كلمة جاءت في القرآن مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاث مرات إلى سبع وعشرين مرة؛ أي من الكلمات المشتبهة. وأفرد كلّ عدد بفصل؛ فمثلا: "كلمة أعينهم" بالرفع: "جاءت ثلاث مرات، قال فيها:
أعينهم بالرفع من غير حضور
من بعد كانت وتولت وتدور
ومن الثنائي: "كلمة الأشياع" بالعين، قال فيه:
أشياع بالعين فهل من مدكر
في سبأ من قبل بأنهم ذكر
_________________
(١) ١ ترجمة الشيخ -﵀- في أضواء البيان ١/٢١-٢٢.
[ ١ / ٥٥ ]
وقد درس هذا كله في طفولته، وكانت له زيادة نظم على ذلك تذييلا لزيادة الفائدة، كما قال على البيت الأخير مبينًا حركاته وإعرابه:
في سورة القمر خاطب وانصبا
وجره وغيبه في سبا
أي في سورة القمر تكون تلاوتها الخطاب والنصب: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ .وفي سورة سبأ تكون تلاوتها بالغيبة والجر: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ .وهذه دراسة لا تكاد توجد إلا ما شاء الله، وهي من المهام العلمية لحفظها رسم القرآن من التغيير والتبديل، وهي من آثار تعهد الله بحفظ هذا القرآن المنزل من عنده سبحانه.
ثم قال -﵀-: "وفي أثناء هذه القراءة درست بعض المختصرات في فقه مالك؛ كرجز الشيخ ابن عاشر. وفي أثنائها أيضًا درست دراسة واسعة في الأدب على زوجة خالي أم ولد الخال؛ -أي أن ولد خاله يعلمه العلوم الخاصة بالقرآن، وأمه تعلمه الأدب - قال: "أخذت عنها مبادئ النحو؛ كالأجرومية، وتمرينات ودروس واسعة في أنساب العرب وأيامهم، والسيرة النبوية، ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي؛ وهو يزيد على خمسمائة بيت، وشروحه لابن أخت المؤلف المعروف بحماد، ونظم عمود النسب للمؤلف؛ وهو يعدّ بالآلاف، وشرحه لابن أخته المذكور على خصوص العدنانيين؛ لأنه مات قبل شرح ما يتعلق بالقحطانيين.
هذه دراسة في علوم القرآن والآداب والسير والتاريخ، كانت في بيت أخواله؛ على أخواله؛ وأبناء أخواله، وزوجات أخواله؛ أي كان بيت أخواله المدرسة الأولى له. أما بقية الفنون؛ فقال:
أولا: الفقه المالكي: "وهو المذهب السائد في البلاد: "درست مختصر خليل. بدأ دراسته فيه على الشيخ محمد بن صالح إلى قسم العبادات، ثمّ درس عليه النصف من ألفية ابن مالك، ثمّ أخذ بقية
[ ١ / ٥٦ ]
الفنون على مشايخ متعددين في فنون مختلفة، وكلهم من الجكنيين، ومنهم مشاهير العلماء في البلاد، منهم:
١- الشيخ محمد بن صالح المشهور بابن أحمد الأفرم.
٢- والشيخ أحمد الأفرم بن محمد المختار.
٣- والشيخ العلامة أحمد بن عمر.
٤- والفقيه الكبير محمد النعمة بن زيدان.
٥- والفقيه الكبير أحمد بن مُودْ.
٦- والعلامة المتبحر في الفنون أحمد فال بن آدُه.
وغيرهم من المشايخ الجكنيين.
وقال -﵀-: "وقد أخذنا عن هؤلاء المشايخ كلّ الفنون؛ النحو، والصرف، والأصول، والبلاغة، وبعض التفسير والحديث. أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصلناه بالمطالعة"؛ هذا ما أملاه عليّ -﵀-.وسجلته عنه.
علما بأنّ الفنّ الذي درسه على المشايخ، أو مطالعة من الكتب لم يقتصر في تحصيله على دراسته، بل كان دائمًا يديم النظر، ويواصل التحصيل، حتى غدا في كلّ منه كأنه متخصص فيه، بل وله في كلّ منه اجتهادات ومباحث مبتكرة١.
دراسة الشيخ -﵀-:
وقد أوجزها الشيخ عطية سالم فيما يأتي:
١ - في مبدأ دراسته تقدم أنه أتيح له في بادئ دراسته ما لم يتح لغيره؛
_________________
(١) ١ انظر المصدر السابق نفسه، ١/٢٢-٢٥.
[ ١ / ٥٧ ]
حيث كان بيت أخواله مدرسته الأولى. فلم يرحل في بادئ أمره للطلب، وكان وحيد والديه، فكان في مكان التدلل والعناية.
٢ - قال -﵀-: "كنت أميل إلى اللعب أكثر من الدراسة، حتى حفظت الحروف الهجائية، وبدأوا يقرئونني إياها بالحركات؛ با فتحة، با.بي كسرة، بي. بو ضمة، بو وهكذا.فقلت لهم: "أو كلّ الحروف هكذا؟ فقالوا: نعم. فقلت: كفى، إني أستطيع قراءتها كلها على هذه الطريقة، كي يتركونني. فقالوا: اقرأها، فقرأت بثلاثة حروف أو أربعة، وانتقلت إلى آخرها بهذه الطريقة، فعرفوا أني فهمت قاعدتها، واكتفوا مني بذلك، وتركوني. ومن ثم حببت إليّ القراءة".
٣ - وقال -﵀-: "ولما حفظت القرآن، وأخذت الرسم العثماني، وتفوقت فيه على الأقران عُنيت بي والدتي وأخوالي أشدّ عناية، وعزموا على توجيهي للدراسة في بقية الفنون، فجزهتني والدتي بجملين؛ أحدهما عليه مركبي وكتبي، والآخر عليه نفقتي وزادي. وصحبني خادم، ومعه عدة بقرات. وقد هيأت لي مركبي كأحسن ما يكون من مركب، وملابسي كأحسن ما تكون فرحًا بي وترغيبًا لي في طلب العلم. وهكذا سلكت سبيل الطلب والتحصيل".
تقوم الحياة الدراسية على أساس منع الكلفة، وتمام الألفة، سواء بين الطلاب أنفسهم، أوبينهم وبين شيخهم، مع كمال الأدب، ووقار الحشمة. وقد تتخللها الطرق الأدبية، والمحاورات الشعرية، ومن ذلك ما حدثنيه -﵀-، قال: "قدمت على بعض المشايخ لأدرس عليه، ولم يكن يعرفني من قبل، فسأل عني: من أكون، وكان في ملأ من تلامذته، فقلت مرتجلا:
هذا فتى من بني جاكان قد نزلا
به الصبا عن لسان العرب قدعدلا
رمت به همة علياء نحوكم
إذ شام برق علوم نوره اشتعلا
فجاء يرجو ركامًا من سحائبه
تكسو لسان الفتى أزهاره حللا
[ ١ / ٥٨ ]
إذ ضاق ذرعا بجهل النحو ثم أبى
ألا يميّز شكل العين من فعلًا
فقد أتى اليوم صبا مولعًا كلفا
بالحمد لله لا أبغي له بدلا
يريد دراسة لامية الأفعال.
وقد مضى -﵀ - في طلب العلم قدما، وقد ألزمه بعض مشايخه بالقرآن؛ أي أن يقرن بين كلّ فنين حرصا على سرعة تحصيله. وتفرسًا له في القدرة على ذلك، فانصرف بهمة عاليه في الدرس والتحصيل.
وقد خاطبه بعض أقرانه في أمر الزواج، فقال في ذلك، وفي الحثّ على طلب العلم:
دعاني الناصحون إلى النكاح
غداة تزوجت بيض الملاح
فقالوا لي تزوج ذات دلّ
خلوب اللحظ جائلة الوشاح
تبسّم عن نوشرة رقاق
يمج الراح بالماء القراح
كأن لحاظها رشقات نبل
تذيق القلب آلام الجراح
ولا عجب إذا كانت لحاظ
لبيضاء المحاجر كالرماح
فكم قتيلا كميتا ذا ولا حي
ضعيفات الجفون بلا سلاح
فقلت لهم دعوني إن قلبي من
العيّ الصراح اليوم صاحي
ولي شغل بأبكار عذارى
كأنّ وجوهها ضوء الصباح
أراها في المهارق لابسات
براقع من معانيها الصحاح
أبيت مفكرا فيها فتضحى
لفهم الفدم خافضة الجناح
أبحت حريمها جبرا عليها
وما كان الحريم بمستباح
[ ١ / ٥٩ ]
إلى آخر ذلك ما ذكره الشيخ عطية سالم١
وقال ابنه عبد الله يحكي عن والده: "كان دائما يحثنا على شعر أحمد بن حنبل الشنقيطي؛ لأنه يحثّ على العلم. ويتمثل بشعره الذي يقول فيه:
لا تسؤ بالعلم ظنًا يا فتى
إنّ سوء الظنّ بالعلم عطب
لا يزهدك أخي في العلم أن
غمر الجهال أرباب الأدب
إن تر العالم نضوا مرملا
صفر كفّ لم تساعده سبب
وترى الجاهل قد حاز الغنى
محرز المأمول عن كلّ أرب
قد تجوع الأسد في آجامها
والذئاب الغبش تعتام القتب
جرع النفس على تحصيله
مضض المرين ذلّ وسغب
لا يهاب الشوك قطاف الجنى
وإبار النحل مشتار الضرب
وكان -﵀ - قد ملكت عليه محبته للعلم وفهمه أحاسيسه، فإذا كان يقرأ قد تصل إليه الشمس ولا ينتبه، وقد يضيع عليه الوقت، وقد ينتهي وقت الأكل والشرب، ووقت المواعيد التي عنده، فلا بدّ من أن ينبهه أحد إذا كان مشتغلًا بالعلم؛ لأنه يملك عليه شعوره.
وكان -﵀- وهو مريض يدرس المسائل التي لا يستطيع أن يدرسها الجاهل المتعطش للعلم، وكنت أقرأ له أحيانا حتى أخرج من عنده وأنا معي دوار من كثرة ما قرأت عليه.
وكان في طلبه الأول يدرس المسائل دراسة جردية؛ فيأخذ مثلًا باب القياس، ويجمع كلّ الكتب والمراجع التي تتعلق بالقياس ويعكف عليه
_________________
(١) ١ ترجمة الشيخ ﵀ بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم - بتصرف - (انظر أضواء البيان ١/٢٨ _٣١) .
[ ١ / ٦٠ ]
حتى يحفظه، ثمّ ينتقل إلى باب الاجتهاد، ثمّ إلى باب الأمر. وهكذا كان يأخذ المسائل جزئية جزئية، ولكن إذا أخذ الجزئية يجمع لها جميع ما يصل إليه من المراجع، ثمّ يدرس المسائل بحذافيرها.
وقال لي مرة: "إنه درس نصا من خليل، في كتاب النكاح"، وهو فصل: "لو ببيع سلطان لفلس"، فقال: "شرحه لي شيخي بعد العصر ولم أفهمه، وكررت قراءة الكتب، ولم أفهم. وجاء الليل فأوقدت نارًا، وجلست أكرر القراءة في المراجع حتى طلع الفجر، ثم صليت الفجر وأنا لم أنم، ثمّ بعد ذلك فهمت المسألة، وكانت النتيجة قليلة، فقلت: لو كنت أتعبت ذهني لأستخرج مسائل من الكتاب والسنة لكنت أتيت للمسلمين بعلم كثير"١.
فالشيخ -﵀ - إذا وجد مسألة صعب عليه فهمها لا يهدأ له بال حتى يفهمها فهمًا جيدًا، ويعرف ما وراءها.
وكلّ العلوم درسها على شيوخه إلا فنّ المنطق، فإنه جلس عليه ستة شهور لا يخرج من البيت إلا للصلاة، وخرج بألفية جيدة، ومع الأسف فإن أغلبها مفقود. فهذا هو العلم الذي حصله الشيخ بنفسه. وقد أخبرني مشافهة أن كل آية في القرآن درسها على حدة، وذكر لي الشيخ عطية عن والدي أنه قال له: "لا توجد في القرآن آية قال: "فيها الأقدمون شيئا إلا حفظته.
وكان الشيخ - ﵀ - إذا أخذ الكتاب يحاول أن يقرأه، وفي كلّ الكتب التي اقتناها يكتب المسائل التي قرأها في الصفحة الأولى من الكتاب.
وكان - ﵀ - يحفظ ألفية ابن مالك، وألفية العراقي، وألفية مراقي السعود، ويحفظ من الشعر الشيء الكثير.
_________________
(١) ١ ذكرها أيضا الشيخ عطية سالم في ترجمة الشيخ. انظر أضواء البيان ١/٣١.
[ ١ / ٦١ ]
وكان يحفظ أكثر أحاديث البخاري ومسلم، وقد قال لنا في آخر حياته: "ادرسوا عليّ الصحيحين، فإني أحبّ أن يدرسا عليّ".
وحدثني الدكتور/محمد الخضر الناجي عن الشيخ الأمين - ﵀ -، فقال: "إنه قال أمامي في إحدى الجلسات أنه درس المصحف من أوله إلى آخره، ولم يترك منه آية إلا وعرف ما قاله العلماء فيها.
ولما قال له بعض الإخوان إنّ سليمان الجمل١لم يقل هذا. قال: "أحلف لك بالله أني أعلم بكتاب الله من سليمان الجمل بكذا؛ لأني أخذت المصحف من أوله إلى آخره، ولم تبق آية إلا تتبعت أقوال العلماء فيها، وعرفت ما قالوا.
وقال أيضًا أمامي: "إنه لم يبحث عن شيء مثل بحثه في مسألتين، ولم يقف منهما على مقنع، منهما يعني الأحرف السبعة والأقوال فيها تنيف عن أربعين قولا. ثمّ المسألة الثانية في مسائل انفكاك الجهة".
_________________
(١) ١ هو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل. من أهل منية عجيل؛ إحدى قرى الغربية بمصر. له حاشية على تفسير الجلالين. مات سنة ١٢٠٤؟. انظر: الأعلام ٣/١٣١، ومعجم المؤلفين ٤/٢٧١.
[ ١ / ٦٢ ]
المبحث الثاني: عقيدته
الضروري أنه لا يصف الله أعلم بالله من الله، ولا من رسوله صلوات الله وسلامه عليه الذي قال عنه ربه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ٢، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ٣، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ٤، ومجانبة التشبيه هي أن تعلم أنّ كلّ وصف أثبته الله جلّ وعلا لنفسه، أو أثبته له نبيه ﷺ: "فهو ثابت له حقيقة على الوجه البالغ من كمال العلوّ والرفعة والشرف ما يقطع علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٧ ٨.
فالشيخ الأمين - ﵀ - كان على معتقد السلف قبل مجيئه إلى المملكة، ولم يجد صعوبة، بل كان محلّ تقدير الجميع لشرف معتقده، فصار يدرس العقيدة الصحيحة التي كان عليها - قبل مجيئه -، للناس.
وقد سألت الأستاذ/محمد الأمين بن الحسين عن معتقد الشيخ - ﵀ - قبل محيئه، فقال: "نقلت منه، واستقرأت عنه أنه كان على عقيدة أهل السنة والجماعة، وأكبر دليل على ذلك أنه حين قدم المملكة العربية السعودية، واجتمع بابن عمه محمد بن عبد الله بن آدّ؛ الذي كان قاضيًا في المحكمة الشرعية في المهد والقنفذة ووادي الصفراء سأله عن
_________________
(١) ١ سورة النجم، الآيتان [٣-٤] . ٢ سورة البقرة، الآية [١٤٠] . ٣ سورة النساء، الآية [٨٧] . ٤ سورة النساء، الآية [١٢٢] . ٥ سورة الشورى، الآية [١١] . ٦ سورة النحل، الآية [٧٤] . ٧ سورة الإخلاص، الآية [٤] . ٨ وكلامه -﵀- في ذلك طويل. انظر كتابه: الرحلة إلى المسجد الحرام ص٧٢-٨٧.
[ ١ / ٦٤ ]
الوهابية، هل هم كما يقال؟ فقال له الشيخ محمد بن عبد الله: "مثلك لا يسأل هذا السؤال"؛ فهؤلاء يرون أنهم حاملون لواء الإسلام، ولاسيما في العقيدة، وأنه هو - يعني الشيخ محمد الأمين - عالم جليل قادر على الردّ والبحث والأخذ والعطاء معهم، فيجب عليه أن يجتمع مع علمائهم، ويطلع بنفسه على ما عندهم. وإنه هو - يعني نفسه - قادر على جمعه بهم. فوافق الشيخ محمد الأمين على ذلك بعد قدومه المدينة من مكة. ثمّ أخبر الشيخ محمد عبد الله القاضي عبد الله بن زاحم - ﵀ -، فاجتمع مع الشيخ، وسأله القاضي: "ماذا تسمع عنا؟ فقال الشيخ محمد الأمين: بعض الناس يثني عليكم، وبعضهم يقدح. فقال له: وأيهم أكثر؟ فقال: القادحون أكثر. فقال القاضي للشيخ محمد الأمين: ما عندنا كالتالي: نحن لا نتعلق بمخلوق دون الله، وعلى مذهب الإمام أحمد شريطة أن لا يخالف الكتاب والسنة، ونخطئ من يؤول صفات الله ﷿. فقال له الشيخ محمد الأمين وأنا مثلكم في هذا؛ فإني لا أؤول الصفات".وألقى محاضرة في الصفات في بيت القاضي أيام مجيئه، فدلّ ذلك بقرينة واضحة أنه على معتقد أهل السنة والجماعة.
وقال لي الشيخ محمد الأمين وأنا أكتب معه أضواء البيان في مبحث: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ١ بسورة محمد، وأخبرته بما قال لي الشيخ محمد بن عبد الله، فصدقني، وقال هذه المحاضرة هي التي جعلتها في أضواء البيان في سورة الأعراف، وفي سورة محمد جزء منها، فدلّ ذلك على أنّ حصيلته العلمية العقدية في الصفات لم تتغير، وأنه كان من أهل السنة والجماعة، ولو كانت جديدة عليه ما ألقاها في أول جلساته في المدينة مع العلماء.
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية [٢٤] .
[ ١ / ٦٥ ]
وقد سأله رجل وهو يلقي درسًا في بيته عن الصفات، فقال له: "أكنت تقول هذا في بلدك؟ قال: نعم كنت أقول به".
ويؤكد الأستاذ محمد الأمين بن الحسين بشدة أنّ عقيدة الشيخ - ﵀ - هي عقيدة السلف، لم تتغير، ولم يطرأ عليها شيء، ويقول: "هذا الذي أعرف عنه، ومن قال غير ذلك فقد غلط، لأنه لم يلازمه - ﵀ - مثلي؛ فقد كتبت الجزء الرابع والخامس بغير إملاء، والسادس والسابع بإملاء، لأنه - ﵀ - ضعف عن الكتابة".
وحدثني ابنه عبد الله أنه سأل الشيخ محمد بن عبد الله عن معتقد والده الشيخ الأمين؟ فقال لي: "إني رأيت الشيخ في جدة؛ يعني وقت مجيئه من بلاده. وسألني عن معتقد أهل البلاد هنا، فقلت له: إنهم يثبتون ما أثبت الله لنفسه، وينفون ما نفى الله عن نفسه، ويقفون مع النصوص. فقال هذه عقيدتي التي أدين الله بها".
وقد استشكلت الباحثة/سميرة بنت صقر آل محمد في عقيدة الشيخ - ﵀-: "هل أخذها عن شيخ، أم أنه اعتمد على نفسه في تحصيلها؟ " ثمّ مالت إلى أنه تلقاها عن بعض مشايخه أيام الطلب، وبالذات الشيخ محمد بن صالح، الشهير بابن أحمد الأفرم١.
والذي يظهر لي أنّ الشيخ - ﵀ - لم يدرس عقيدة السلف على أحد، وإنما تحصل عليها بنفسه. أما في أول طلبه فيبدو أنه درس على معتقد الأشاعرة؛ لأنّ أغلب مايوجد من المشايخ على طريقة الأشاعرة في العقيدة، خاصة بعد أن ألف أحمد المقري إضاءته في العقيدة الأشعرية؛ وهي منظومة كانت تدرس لسهولة حفظها. هذا ما أكده لي بعض تلاميذ الشيخ - ﵀٢.
_________________
(١) ١ انظر: الشنقيطي، ومنهجه في التفسير ص٥٥. ٢ منهم الدكتور محمد الخضر الناجي.
[ ١ / ٦٦ ]
وفي سؤال طرحته على الدكتور/ محمد الخضر الناجي؛ سألته هل اكتسب الشيخ - ﵀ - العقيدة السلفية بالتعلم؟ فأجاب حفظه الله قائلًا: الشيخ بعد أن تعلم على العلماء في بلده صار له رأيه الحرّ والخاص، ونظرته الثاقبة إلى الوحي خاصة، ولذلك كاد أن يكون موصوفًا ببعض الشذوذ في بعض المسائل وهو هناك قبل مجيئه؛ نظرا لأنه كان يفتي بالوحي، بينما المفتون كانوا يفتون بالفقه فقط. فكأنّ يدا استعمارية خبيثة بثت في المعمورة أنّ الرجوع في الفتيا إلى القرآن والسنة لا يمكن إلا للعلماء المجتهدين الكبار، وعلى من دونهم أن يلتزم بالفقه والمذهب، فصار الوحي لايدرس هناك، لا كرها له ولا عدم اعتبار له، ولكن اتقاء لله، وأنّ الكلام به من قبيل الكلام بالرأي. فصارت هناك هيبة وسياج عظيم حتى تعطلت أدلة الوحي. ولكنّ الشيخ فهم أنّ هذا الرأي غير صحيح فخرج عليه، وقد تكلم في رحلة الحج عن العقيدة كلامًا ممتازًا مرتبًا نفهم منه أنه بدأ يستقرّ في فهم العقيدة قبل أن يصل إلى هذه الديار ويستقرّ بها.
وسمعته يقول: "إنه في أواخر أيامه في موريتانيا تبين له أنّ الطريقة السلفية صحيحة، واعتنقها وهو في موريتانيا.
فهو قد توصل بنفسه إلى العقيدة الصحيحة؛ بسبب فهمه الثاقب وذكائه المفرط، ولا أعلم أنه تأثر بأحد أو قلده".
ثم سألت الشيخ محمد الناجي أيضًا: "هل استفاد الشيخ الأمين - ﵀ - من شيخه محمد بن صالح في العقيدة؟ فأجاب قائلًا معظم العلماء الذين هناك أشعريون، وما أظنّ أنه استفاد منه في العقيدة، وما مرّ بي هذا، ولا أظنك تلقى أحدا يقول ذلك بل استفاد من الشيخ المذكور في الفقه، والشيخ محمد بن صالح، وإن كان ينكر البدع، لكنه ليس سلفيًا".
ثمّ سألته مستفهما: "إني سمعت أنّ الشيخ - ﵀ - درس العقيدة السلفية في موريتانيا قبل استقراره بالمملكة؟ فقال: "أنا ماسمعت بهذا،
[ ١ / ٦٧ ]
إلا إذا كان في طريقه، أو إبّان قدومه".
ويروي لنا د/عبد الله بن الشيخ قصة عن والده في سبب تأثره بمعتقد السلف، فيقول: "قال لي الشيخ - رحمة الله عليه أنه مرة جالت يده على كتاب في البلاد لرجل يسمى بالمبجل، فإذا هو يقول:
"كيف يصف الله نفسه بصفة، ويأتي العبد وينفيها عنه، والله يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، وكلام قريب من هذا ففهمت أنّ هذا هو الحقّ".
ويؤكد الشيخ محمد الأمين بن الحسين هذه القصة وأنه سمعها من الشيخ - ﵀ -، لكنه لايرتضي قول من قال: "إنه تأثر بهذا الكتاب، وإنما هو رأى كتابًا وافيا في عقيدة أهل السنة والجماعة فاستحسنه، ولا يدلّ ذلك على أنه تأثر به، ويقول: "فهمت منه أنّ الكتاب كتاب جميل في موضوع العقيدة السلفية، ليس إلا".
وأخيرا أختم هذا المبحث ببيان أنّ العبرة بالخواتيم، وأنّ الشيخ - ﵀ - من أولئك الذين أكرمهم الله بالانتصار لمذهب السلف، والدفاع عنه، والدعوة إليه، والاعتناء به تدريسًا وتأليفًا.
وقد نقد الشيخ الأمين - ﵀ - منهج المتكلمين، وامتدح مذهب السلف، ورأى أنّ الإنسان العاقل لابدّ أن يصير إلى مذهب السلف في النهاية؛ فقال - ﵀ - في معرض كلامه على مذهب المتكلمين: "وكلّ مذهب هذا حاله فإنه جدير بالعاقل المفكر أن يرجع عنه إلى مذهب السلف" ١.
وقال لي الشيخ محمد الناجي أيضًا أتيت إليه مرة بكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀-، وقلت له: "ياشيخ ماذا في هذا الكتاب، هل هو كتاب طيب؟ فقال لي: هذا كتاب ليس فيه من أوله إلى آخره إلا آيات وأحاديث، واقرأه إن شئت".
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٦٨.
[ ١ / ٦٨ ]
وقال تلميذه وابن عمه الشيخ أحمد بن أحمد الجكني في قصيدة يرثيه بها، ويمدحه بعقيدته السلفية١:
موت الإمام الحبر من جاكاني
رزء ألمّ بأمة العدناني
ياللمصيبة للبرية إنها
فقدت عظيم مناهل العرفان
شيخًا أضاء من العقيدة نيرًا
أرساه فوق دعائم البرهان
أعشى سناه كلّ جهم ملحد
نبذ الكتاب لمنطق اليونان
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
حاو لكلّ تراجم القرآن
_________________
(١) ١ وهي طويلة تقع في ستة وعشرين بيتًا. انظر: منهج الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام من أضواء البيان للشيخ عبد الرحمن السديس ص٦٤.
[ ١ / ٦٩ ]
المبحث الثالث: أعماله، ووظائفه
أولًا: أعماله قبل مجيئه إلى المملكة:
كانت أعماله - ﵀ - كعمل أمثاله من العلماء التدريس والفتيا. ولكنه كان قد اشتهر بالقضاء وبالفراسة فيه. ورغم وجود الحاكم الفرنسي إلا أنّ المواطنين كانوا عظيمي الثقة به فكانوا يأتونه للقضاء بينهم، ويفدون إليه من أماكن بعيدة، أو حيث يكون نازلًا.
وكان الحاكم الفرنسي في البلاد يقضي بالقصاص في القتل بعد محاكمة ومرافعة واسعة النطاق، وبعد تمحيص القضية وإنهاء المرافعة وصدور الحكم يعرض على عالمين جليلين من علماء البلد ليصادقا عليه. ويطلق على العالمين لجنة الدماء، ولاينفذ حكم الإعدام قصاصًا إلا بعد مصادقتهما عليه.
وقد كان الشيخ الأمين - ﵀ - أحد أعضاء هذه اللجنة، ولم يخرج من بلاده حتى علا قدره، وعظم تقديره، وصار علمًا من أعلامها، وموضع ثقة أهلها وحكامها ومحكوميها١.
ثانيًا: أعماله بعد قدومه المملكة:
يحدثني تلميذه الشيخ/ محمد الأمين بن الحسين عن أعمال الشيخ في المملكة بعد استقراره بها، فيقول: "كان مدرسًا في المسجد النبوي، وقد فسر القرآن فيه مرتين. ودرس في مدرسة العلوم الشرعية، ثم انتقل إلى
_________________
(١) ١ انظر ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطية محمد سالم في مقدمة أضواء البيان ١/٣٤-٣٥ بتصرف-.
[ ١ / ٧٠ ]
الرياض مدرسًا في الكليات والمعاهد، وأخيرًا رجع إلى المدينة، ودرس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، حتى توفي وهو مدرس فيها.
وكان يدرس في الحرم النبوي طيلة فترة وجوده في المدينة، لاسيما في شهر رمضان؛ حيث كان يدرس القرآن الكريم. ومرة من المرات أحصيت أربعين مسجلًا للصوت تسجل دروسه".
كما كان - ﵀ - أحد أعضاء هيئة كبار العلماء، وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي١.
_________________
(١) ١ انظر ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم في مقدمة أضواء البيان ١/٤٩-٥٠.
[ ١ / ٧١ ]
المبحث الرابع: تلاميذه
بعد أن تبوأ الشيخ الأمين - ﵀ - هذه المنزلة العالية، وحصلت له هذه الشهرة الواسعة، صار محط أنظار طلبة العلم؛ يرحلون إليه، ويحضرون دروسه، ويسمعون عليه. فتلقى العلم على يديه أفواج لا يحصون من طلاب العلم، ويصعب حصرهم. وهم منتشرون في هذه البلاد، وخارجها.
يقول الشيخ عطية سالم: "ولا يغالي من يقول: إنّ كل من تخرج أو يتخرج: فهو إما تلميذ له، أو لتلاميذه، فهم بمثابة أبنائه وأحفاده، وكفى" ١.
ومن أبرز هؤلاء التلاميذ:
[١] الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز؛ رئيس الجامعة الإسلامية - سابقا - ويشغل حال إعداد هذا البحث منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. وقد درس على الشيخ الأمين المنطق في سلم الأخضري٢.
[٢] الشيخ عبد العزيز بن صالح آل صالح إمام وخطيب المسجد النبوي، ورئيس محاكم المدينة المنورة.
[٣] الشيخ عبد الله بن غديان عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة
_________________
(١) ١ انظر: ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطية سالم في مقدمة أضواء البيان ١/٤٥-٤٦. ٢ وكان الشيخ -﵀- يثني على الشيخ عبد العزيز، ويقول: هو علامة زمانه في الفرائض. ويثني على علمه وخلقه. ويقول: جاءني زائرًا مرة، وكنت أبحث عن حديث في سنن أبي داود، فقال لي الشيخ عبد العزيز: هذا الحديث في صفحة كذا، في جزء كذا، فوجدته كما قال، وكنت من أيام أبحث عن هذا الحديث. حدثني بذلك د/عبد الله بن الشيخ الأمين. وقال لي محمد أبن الشيخ الأمين: " كان والدي يقول: لا أرى أن في العالم أحد مثل الشيخ عبد العزيز بن باز في التفاني في خدمة الإسلام والمسلمين" ترجمة الشيخ عبد العزيز سترد في ص ١٩٢.
[ ١ / ٧٢ ]
الدائمة للإفتاء في إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. والمدرس بالمعهد العالي للقضاء في الرياض.
[٤] الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد نائب رئيس الجامعة الإسلامية سابقًا. ومدرس في المسجد النبوي، وفي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
[٥] الشيخ صالح بن محمد اللحيدان عضو هيئة كبار العلماء ونائب رئيس مجلس القضاء الأعلى.
[٦] الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين عضو في اللجنة الدائمة للإفتاء.
[٧] الشيخ محمد بن صالح العثيمين عضو هيئة كبار العلماء.
[٨] الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء.
[٩] الشيخ إبراهيم آل الشيخ وزير العدل سابقا.
[١٠] الشيخ عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الأمين العام لهيئة كبار العلماء.
[١١] الشيخ عطية محمد سالم المدرس بالمسجد النبوي، والقاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة.
[١٢] الشيخ راشد بن خنين مستشار بالديوان الملكي.
[ ١ / ٧٣ ]
[١٣] الشيخ الدكتور علي بن ناصر الفقيهي أستاذ العقيدة في الجامعة الإسلامية. ورئيس مجلس شئون الدعوة فيها حاليًا.
[١٤] د/عبد الله قادري أستاذ الفقه في الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية.
[١٥] د/عبد العزيز بن راجي الصاعدي نائب الرئيس للبحوث والدراسات العليا في الجامعة الإسلامية.
[١٦] د/محمد أمان بن علي الجامي المدرس في المسجد النبوي حاليًا وفي الجامعة الإسلامية سابقًا.
[١٧] الشيخ علي بن سليمان المهنا رئيس المحكمة المستعجلة في المدينة المنورة.
[١٨] الشيخ أبوعبد الرحمن بن عقيل البحاثة المعروف. والمستشار الشرعي بوزارة الشئون البلدية والقروية.
[١٩] الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد وكيل وزارة العدل للشئون القضائية.
[٢٠] د/عبد العزيز القاري: "أستاذ مشارك في قسم الدراسات العليا في كلية القرآن. وخطيب مسجد قباء.
[٢١] د/عبد الله الزايد نائب رئيس الجامعة الجامعة الإسلامية سابقًا، وأستاذ أصول الفقه في كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.
[٢٢] الشيخ حمود بن عبد الله بن عقلاء الشعيبي: "أستاذ في كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود فرع القصيم.
[٢٣] د/محمد بن حمود الوائلي أستاذ في قسم الدراسات العليا بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية.
[ ١ / ٧٤ ]
[٢٤] د/ربيع بن هادي مدخلي أستاذ في الدراسات العليا في كلية الحديث في الجامعة الإسلامية.
[٢٥] د/سفر بن عبد الرحمن الحوالي رئيس قسم العقيدة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
[٢٦] الشيخ/المأمون محمد أحمد مدرس متقاعد. وهو من كتّاب أضواء البيان.
[٢٧] الشيخ/محمد الأمين بن الحسين مدرس في المعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية. ومن أبرز تلاميذه الذين كتبوا عنه أضواء البيان.
[٢٨] الدكتور/محمد الخضر الناجي ضيف الله أستاذ مساعد في جامعة أم القرى بمكة، في قسم الكتاب والسنة، وقد لازم الشيخ تسع سنوات، وهو من كتّاب أضواء البيان.
[٢٩] الدكتور/محمد مختار بن محمد الأمين ابن الشيخ" رئيس قسم أصول الفقه في الجامعة الإسلامية.
[٣٠] الدكتور/عبد الله بن محمد الأمين ابن الشيخ عميد كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية، ومن كتّاب أضواء البيان.
[٣١] الدكتور/محمد عمر حويه أستاذ في كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية، ومن كتّاب أضواء البيان.
[٣٢] الدكتور/محمد بن السيد بن الحبيب أستاذ في جامعة أم القرى.
[٣٣] الدكتور/بابا بن آد دكتور في جامعة أم القرى، ومن كتّاب أضواء البيان.
[٣٤] الشيخ/محمد أحمد بن الشيخ يحيى مدرس متقاعد وهو من كتّاب أضواء البيان.
[ ١ / ٧٥ ]
[٣٥] الشيخ/محمد المختار أحمد مزيد المدرس بالمسجد النبوي، والجامعة الإسلامية. توفي - ﵀ - عام ١٤٠٥.
[٣٦] السيد الأمين المامي موظف في رابطة العالم الإسلامي سابقًا. وقد توفي - ﵀-.
[٣٧] الشيخ أحمد بن أحمد مدرس في المسجد الحرام. ومن كتّاب أضواء البيان.
[٣٨] الشيخ إحسان إلهي ظهير - ﵀-.
وعلى العموم فإن طلاب المعهد العلمي في الرياض - في السنوات الثلاث الأولى من إنشائه ١٣٧١؟" - من تلاميذه، وكذا طلاب كلية الشريعة في الرياض - منذ إنشائها في عام ١٣٧٣؟" إلى نهاية عام ١٣٨٠؟" - من طلابه. وطلاب كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية منذ إنشاء الجامعة عام ١٣٨١؟" وحتى وفاته سنة ١٣٩٣؟" من طلابه كذلك.
ملاحظة أملى عليّ أسماء بعض هؤلاء التلاميذ فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد والشيخ محمد المختار بن محمد المختار وأملى الباقي الشيخ محمد الأمين بن الحسين بحضور بعض تلاميذ الشيخ - ﵀ - من ذوي قرابته.
[ ١ / ٧٦ ]
المبحث الخامس: مؤلفاته
خلف الشيخ - ﵀ - آثارا علمية تدلّ على سعة علمه، وطول نفسه في تحرير المسائل وتقريرها. وهي مؤلفات نفيسة ومفيدة وهي على نوعين تآليف كتبها في بلاده، وتآليف كتبها في المملكة.
أما التي ألفها في بلاده، فهي:
[١] أنساب العرب وهو نظم ألفه قبل البلوغ. ولما بلغ دفنه، قال لأنه لم يكن لله وإنما كان على نية التفوق على الأقران.
[٢] رجز في فروع مذهب مالك يختصّ بالعقود من البيوع والرهون.
[٣] ألفية في المنطق.
[٤] نظم في الفرائض.
وكل هذه المؤلفات مخطوطة.
أما مؤلفاته في المملكة، فهي:
[١] منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز. وموضوعها إبطال إجراء المجاز في القرآن الكريم.
[٢] دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب. وقد أبان فيه ما يشبه التعارض في بعض الآي. وقد شمل القرآن كله.
[٣] مذكرة الأصول على روضة الناظر. جمع في شرحها أصول الحنابلة والمالكية والشافعية. وقد كانت مقررة على كليتي الشريعة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية.
[٤] آداب البحث والمناظرة. وقد أوضح فيه آداب البحث، من إيراد المسائل، وبيان الدليل.
[٥] أضواء البيان لتفسير القرآن بالقرآن، وهو مدرسة كاملة تتحدث عن
[ ١ / ٧٧ ]
نفسها. وهو سبعة أجزاء كبار، وصل فيه - ﵀ - إلى نهاية قد سمع".وهو آخر مؤلفاته.
[٦] رحلة الحج إلى بيت الله الحرام.
وكل هذه المؤلفات مطبوعة.
المحاضرات، والرسائل:
[١] منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات.
أوضح فيها تحقيق إثبات صفات الله تعالى.
[٢] حكمة التشريع.
عالج فيها العديد من حكمة التشريع في كثير من أحكامه.
[٣] المثل العليا.
أوضح فيه المثالية في العقيدة والتشريع والأخلاق.
[٤] المصالح المرسلة.
بين فيها ضابط استعمالها بين الإفراط والتفريط.
[٥] الإسلام دين كامل.
ألقاها بحضرة الملك محمد الخامس ملك المغرب عند زيارته للمدينة١.وهذه المحاضرات طبعت كلها مستقلة.
وقد جمعها الشيخ سيد الأمين بن المامي الجكني - ﵀ - في كتاب سماه المعين والزارد في الدعوة والإرشاد" وضمنه بعض الكلمات للشيخ - ﵀ - والمراثي التي قيلت فيه.
[٦] حول شبهة الرقيق.
ولا تزال مخطوطة عند الشيخ عطية سالم.
_________________
(١) ١ بتصرف من ترجمة الشيخ -﵀-، بقلم تلميذه عطية سالم في مقدمته على أضواء البيان ١/٥١-٥٥.
[ ١ / ٧٨ ]
[٧] رسالة في حكم الصلاة في الطائرة.
كتبها استجابة لبعض علماء موريتانيا، حين زارها في رحلته الدعوية عام ١٣٨٥؟".ولا تزال مخطوطة؛ تقع في ست صفحات، وقد اطلعت عليها عند ابنه د/عبد الله.
[٨] رسالة في جواب سؤال من أحد أمراء بلاد شنقيط أرسله إلى الشيخ يسأله هل العالم مخلوق ومرزوق من بركة النبي ﷺ، أو ذلك بأسباب أخرى؟ وقد أجاب الشيخ - ﵀ - عن ذلك بإحدى عشرة صفحة، وهي لا تزال مخطوطة عند ولده الدكتور عبد الله.
[٩] رسالة متضمنة لأسئلة مقدمة من الشيخ محمد الأمين بن الشيخ محمد الخضر، وفيها ثلاث مسائل؛ الأولى مقرّ العقل من الإنسان، والثانية هل يشمل لفظ المشركين أهل الكتاب؟ والثالثة هل يجوز للكافر أن يدخل مساجد الله غير المسجد الحرام. وهي تقع في إحدى عشرة صفحة. ولا تزال مخطوطة بحوزة ولده الدكتور عبد الله.
[١٠] رسالة حول منع الطواف في المسعى في الدور الثاني وهذه ذكرها لي الشيخ محمد الأمين بن الحسين.
ومن آثاره العلمية - ﵀- أشرطة في تفسير القرآن الكريم قالها أثناء تدريسه في المسجد النبوي، وهي محفوظة في تسجيلات الجامعة الإسلامية، تقع في ثمانية وخمسين شريطًا، ولو فرغت لجاءت في مجلدات ضخمة.
وهي من السور التالية وسوف أوضحها ذاكرا رقم الشريط أولًا، وما بعده من الأرقام هي أرقام الآيات المفسرة من السور في الشريط المذكور.
أولا من سورة الأنعام:
[ ١ / ٧٩ ]
الشريط رقم [١] وفسر فيه الآيات: ٣٣-٣٨.
الشريط رقم [٢] وفسر فيه الآيات: ٣٨-٤٢.
الشريط رقم [٣] وفسر فيه الآيات: ٤٢-٤٨.
الشريط رقم [٤] وفسر فيه الآيات: ٤٩-٥٢.
الشريط رقم [٥] وفسر فيه الآيات: ٥٣-٥٦.
الشريط رقم [٦] وفسر فيه الآيات: ٥٧-٥٩.
الشريط رقم [٧] وفسر فيه الآيات: ٧٤-٨٣.
الشريط رقم [٨] وفسر فيه الآيات: ٨٣-٨٩.
الشريط رقم [٩] وفسر فيه الآيات: ٩٠-٩٣.
الشريط رقم [١٠] وفسر فيه الآيات: ٩٤-٩٧.
الشريط رقم [١١] وفسر فيه الآيات: ٩٨-٩٩،١٠٣.
الشريط رقم [١٢] وفسر فيه الآيات: ١٠٤-١٠٨.
الشريط رقم [١٣] وفسر فيه الآيات: ١٠٨-١١١.
الشريط رقم [١٤] وفسر فيه الآيات: ١١٢-١١٦.
الشريط رقم [١٥] وفسر فيه الآيات: ١١٦-١٢٠،١٢٨.
الشريط رقم [١٦] وفسر فيه الآيات: ١٢٨-١٣١.
الشريط رقم [١٧] وفسر فيه الآيات: ١٣١-١٣٥.
١٤١-١٤٤.
الشريط رقم [١٨] وفسر فيه الآيات: ١٤٤-١٤٦.
الشريط رقم [١٩] وفسر فيه الآيات: ١٤٦ -١٥٠.
[ ١ / ٨٠ ]
الشريط رقم [٢٠] وفسر فيه الآيات: ١٥٠ -١٥١.
الشريط رقم [٢١] وفسر فيه الآيات: ١٥١ -١٥٢.
الشريط رقم [٢٢] وفسر فيه الآيات: ١٥٥ -١٥٨.
الشريط رقم [٢٣] وفسر فيه الآيات: ١٥٨.
ثانيًا من سورة الأعراف:
الشريط رقم [١] الآيات: ١٢،٥٦ -٥٧.
الشريط رقم [٢] الآيات: ٥٧ -٥٩،٦٣ -٦٤.
الشريط رقم [٣] الآيات: ٦٤ -٦٥.
٦٩ -٧١.
٧٣ -٧٤.
الشريط رقم [٤] الآيات: ٧٤،٨٠ -٨١،٨٦ -٨٨.
الشريط رقم [٥] الآيات: ٩٠ -٩٣،٩٦ -٩٩.
الشريط رقم [٦] الآيات: ١٠٠ -١٠١،١٠٣ -١٠٥.
الشريط رقم [٧] الآيات: ١٠١ -١٠٦،١١٥ -١٢٤.
الشريط رقم [٨] الآيات: ١٢٤ -١٢٩،١٣١،١٣٨ -١٤٩.
الشريط رقم [٩] الآيات: ١٤١ -١٤٤.
الشريط رقم [١٠] الآيات: ١٤٨ -١٥٥.
الشريط رقم [١١] الآيات: ١٠٤،١٥٠،١٥٦ -١٥٩.
[ ١ / ٨١ ]
الشريط رقم [١٢] الآيات: ١٥٩ -١٦٣،١٦٨ -١٦٩.
الشريط رقم [١٣] الآيات: ١٦٤،١٧٠ -١٧٤.
الشريط رقم [١٤] الآيات: ١٧٥ -١٨١.
الشريط رقم [١٥] الآيات: ١٨٢ -١٨٨.
الشريط رقم [١٦] الآيات: ١٨٩ -١٩٩.
الشريط رقم [١٧] الآيات: ٢٠٠ -٢٠٥.
ثالثًا: من سورة الأنفال:
الشريط رقم [١] الآيات: ٧ -١٣.
الشريط رقم [٢] الآيات: ٧ -١٠،١٢ -١٣.
الآيات: ٢٤ -٢٩.
الشريط رقم [٣] الآيات: ٣٠ -٤٠.
الشريط رقم [٤] الآية: ٤١.
الشريط رقم [٥] الآيات: ٤٢ -٤٤.
الشريط رقم [٦] الآيات: ٤٥ -٥٠.
الشريط رقم [٧] الآيات: ٥٠ -٦٠.
الشريط رقم [٨] الآيات: ٦١ -٧٠.
الشريط رقم [٩] الآيات: ٧١ -٧٣.
رابعًا: من سورة التوبة:
الشريط رقم [١] الآيات: ١ -٥.
[ ١ / ٨٢ ]
الشريط رقم [٢] الآيات: ١٣ -١٦.
الشريط رقم [٣] الآيات: ١٧ -٢٥.
الشريط رقم [٤] الآيات: ٢٨ -٣١.
الشريط رقم [٥] الآيات: ٣١ -٣٥،٣٧.
الشريط رقم [٦] الآيات: ٣٨ -٤٠.
الشريط رقم [٧] الآيات: ٤٠ -٤٤،٥٤.
الشريط رقم [٨] الآيات: ٥٤ -٦٣.
الشريط رقم [٩] الآيات: ٦٣ -٦٧.
[ ١ / ٨٣ ]
المبحث السادس: ثناء العلماء عليه
حدثني الشيخ محمد الأمين بن الحسين قائلًا: "إني لم أر أحدًا من العلماء إلا وهو يثني على الشيخ الأمين - ﵀ -".
قال لي الشيخ محمد بن عبد الله بن آدُ: "سألت الشيخ عبد الله بن زاحم - ﵀ - بعد مقابلته للشيخ الأمين عند مجيئه من بلاده ومحاورته عن العقيدة: "كيف رأيت صاحبي؟ قال: لانظير له، ولامثيل له؛ فنحن تأتينا وفود العلماء من كلّ جهة؛ لأننا عند الحرمين، ولم أر كقدرة الشيخ محمد الأمين على الإلقاء، ومطاوعة قلبه ولسانه في اتجاه واحد، وحسن تعبيره عند أيّ أحد ممن رأيت من العلماء".
وقال الشيخ محمد بن عبد الله بن آدُ: "إني حضرت عند كثير من العلماء في مصر والشام ومكة والمدينة وموريتانيا، فلم أر قطّ أحدًا أعلم من الشيخ محمد الأمين لا في التفسير، ولا في اللغة العربية. وأكبر دليل على ذلك: "أنه إذا أراد أن يتكلم في التفسير، وجاءت مسألة في التفسير، أو في الأصول أو التاريخ أو الأدب أو الحديث، وتكلم عليها يظنّ السامعون أنّ ذلك الحديث عن تلك المسألة - لخبرته وقوته في تلك المسألة التي يتكلم فيها - خارجًا عن التفسير، فكان - ﵀ - يحفظ الأدب والشعر بشكل لا يتصور".
وكان الشيخ محمد المختار يترك درسه الذي يدرس فيه أيام تدريس الشيخ محمد الأمين في الحرم في رمضان، ويقول: "أنا لا يمكن أن يفوتني درس الشيخ محمد الأمين لعلمي أنه العالم الوحيد الباقي في هذه الدنيا".
وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز كان يجله أعظم الإجلال، وكذا الشيخ
[ ١ / ٨٤ ]
محمد بن إبراهيم؛ المفتي - ﵀ - كان يثني عليه ثناء العلماء. ويكفي في ذلك ماقاله الشيخ محمد بن إبراهيم للملك عبد العزيز: "إنّ هذا الرجل مفلوت من صحراء مستعمرة، ولو كان للإسلام في بلده دولة لما تركته يخرج؛ لأنه من العلماء الأفذاذ"١.
فكان - ﵀ - محلّ الثناء من جميع العلماء في عصره.
وأخبرني د/محمد الخضر الناجي قال: "رأيت شخصًا وقف أثناء تدريس الشيخ في الحرم، وقال: "ما أظنّ مثل هذا موجودًا في العالم اليوم أبدًا".
وكان يدرس معي في حلقة الشيخ أحد الطلاب الذين ينتمون إلى الطرق، وأهل الطرق يحملون عن الشيخ فكرة ليست طيبة، وبعضهم له موقف ضده. والحقّ ماشهدت به الأعداء فكنا إذا خرجنا من حلقة الشيخ نبحث عن المراجع التي تحمل هذا الكلام الذي نسمعه في الدرس فلا نجد. فقال بعبارة واضحة: "إنّ هذا الشيخ لايوجد مثله الآن في العالم أبدًا. الله أعلم هل يصح مقارنته بالأئمة الأربعة الأولين أم لا؟. وهو مع ذلك يحقد عليه، لأنه ضدّ الطريقة".
وأنقل هنا كلمة لأحد قضاة موريتانيا أثنى على الشيخ - ﵀ -،بسبب توضيحه لعقيدة السلف في الصفات، وذلك عندما زار الشيخ - ﵀ - موريتانيا على رأس بعثة الدعوة في أفريقيا عام ١٣٨٥؟، قال فيها: " هذا وقد بعثت الخطبة التي خطب بها رئيس الوفد محمد الأمين بن محمد المختار في زيارته للعاصمة نواكشط روحًا قيمة في نفوس المجتمع الإسلامي عامة، وفي نفوس الموريتانيين خاصة؛ تلك الخطبة التي أزلتم بها الشكوك عن الدين بأوضح حجة، وأوضح براهين، مما لا يوقع شكًا
_________________
(١) ١ نقلًا عن الشيخ محمد الأمين بن الحسين، في المقابلة التي أجريتها معه.
[ ١ / ٨٥ ]
بعد اليقين، فلا شك ولاريب أنّ من اعتقدها اعتقادًا جازمًا مؤمنًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لايبقى في قلبه إشكال من عدم مماثلة الخالق بالمخلوق، ولاشك أنّ جميع الصفات من باب واحد؛ لأنّ متعلقها واحد، وهو الذات المقدسة. ولله درّ العالم الأديب بابا ولد الشيخ سيدي يحيى:
واحذر التشبيه بالآيات
وفي الأحاديث عن الثقات
وهي الصفات نصف الرحمن
واجب به
_________________
(١) االإيمان إما على ظاهره نبقيها ونحذر التأويل والتشبيها ومن تأول فقد تكلفا وغير مابه علم قفا إلى آخر أبياته المشهورة. ولاشك أنّ أهل هذه البلاد تجاوزوا الحدّ وتنطعوا في أمر التأويل، وتكفيرهم لمن لم يقل به. ويفرقون بين صفاته تعالى مجوزين التفويض في بعضها، ويوجبون التأويل في بعضها، وهذا غلط ظاهر، فلا بدّ من وجوب التأويل في جميع الصفات، أو التفويض في جميع الصفات مما لايليق به جلّ وعلا١. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، فالمتأول يكل المتشابه إلى علم الله مع التنزيه عن مشابهة الحوادث، ولكن كلّ صفة وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ يجب الإيمان بها على مراد الله بها مع التنزيه عن مماثلة الحوادث. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وأخيرًا ولاشك أن هذه الزيارة سيتزود منها العالم الإسلامي كثيرًا من التعاليم والإرشادات القيمة التي سيكون لها أثرها الفعال في عقيدة المجتمع الإسلامي، والسير سيرًا حثيثًا إلى الأمام، والتمسك بشريعة سيد الأنام. ١ التأويل والتفويض في المعنى كلاهما غير صحيح. والحقّ الإثبات مع معرفة المعنى بدون تأويل.
[ ١ / ٨٦ ]
وليست هذه الخطبة هي أول إرشاداتكم وتعليماتكم للمجتمع الإسلامي، فقد نفيتم إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وفسرتم القرآن بالقرآن، بما لم يسبق إليه عالم في غابر الأزمان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته"١.
وبهذا الثناء العاطر من معاصري الشيخ محمد الأمين رحمه الله تعالى تتضح لنا منزلته الرفيعة التي يتبوّؤها هذا الإمام الجليل، وشخصيته الفذة التي حباه الله بها، فرحمه الله رحمة واسعة وغفر لنا وللمسلمين إنه جواد كريم.
_________________
(١) ١ نقلًا عن شريط مسجل فيه بعض محاضرات الشيخ في موريتانيا، وأحداث هذه الرحلة مسجلة في ثمانية أشرطة موجودة في تسجيلات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وقد استوفى ترجمة الشيخ -﵀- كلّ من: تلميذه الشيخ عطية محمد سالم في مقدمته على أضواء البيان ١/٣-٦٤. والشيخ محمد المجذوب في كتابه: علماء ومفكرون عرفتهم من ص١٧١-١٩١. والأخ الباحث عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس، في رسالته الماجستير التي تحمل عنوان: منهج الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام من أضواء البيان ص١-٩٧. والأخت الباحثة سميرة بنت صقر آل محمد، في رسالتها الماجستير التي تحمل عنوان: الشنقيطي ومنهجه في التفسير ص٣٠-١١٧.
[ ١ / ٨٧ ]
*
الباب الأول: جهود الشيخ الأمين -﵀- في توضيح الإيمان بالله
تمهيد:
الإيمان بالله تعالى هو الركن الأول من أركان الإيمان الستة.
لذا فإن معرفته وتحقيقه غاية كلّ مسلم، ومنتهى كلّ طالب للحقّ، لأنّ شرف العلم من شرف المعلوم.
فمعرفة الله وعبادته أشرف المطالب، وأعلى المقاصد، وبإخلاص العبادة وصوابها يكون العبد من أولياء الله تعالى ومن أهل دار كرامته، وممن تناله رحمته وهداه. ومن قصر في هذا الجانب العظيم كان ممن عرض نفسه لسخط الله تعالى ومقته، وحرمها من فضله وكرمه.
والله ﷾ لما خلق الخلق لم يتركهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب، وأرسل الرسل يبلغونهم أوامر ربهم، ويدلونهم على طريق الرشاد.
وقد دلّ الله على نفسه، وعرّف خلقه بأسمائه وصفاته ووحدانيته وإلهيته، وأنه المتفرد بالعبودية كما أنه المتفرد بالربوبية.
ودعوة الرسول الكريم ﷺ جاءت لتقرير هذه العقيدة وترسيخها في قلوب العباد، وأن يعملوا على تطبيقها والتمسك بها.
والقرآن الكريم من أوله إلى آخره متضمن لعقيدة التوحيد؛ إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله: فهو التوحيد العلمي الخبري.
[ ١ / ٩١ ]
وإما دعوة إلى عبادته وحده لاشريك له، وخلع كلّ مايعبد من دونه: فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره: فهي حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن كرامته لأهل توحيده وطاعته، ومافعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده.
وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلّ بهم في العقبى من العذاب: فهو خبر عمّن خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه١.
والإيمان بالله تعالى لايخرج عن ثلاثة أنواع:
الأول: توحيد الربوبية: وهو الإقرار بأن الله هو الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور.
الثاني: توحيد الألوهية: وهو الإقرار بأن الله هو الإله المستحق للعبادة وحده، وكلّ معبود سواه باطلٌ.
الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تكييف.
وقد قرر الشيخ الأمين -﵀- الذي أفرد هذا البحث لبيان جهوده في تقرير عقيدة السلف-هذا التقسيم؛ حيث قال:
_________________
(١) ١ بتصرف من كلام ابن القيم في مدارج السالكين ٣/٤٥٠.
[ ١ / ٩٢ ]
"دل استقراء القرآن العظيم على أنّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته؛ وهذا النوع جبلت عليه فطر العقلاء.
الثاني: توحيده جلّ وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو: تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، وهي متركبة من نفي وإثبات.
الثالث: توحيده جلّ وعلا في أسمائه وصفاته١.
وهذا التقسيم ليس بدعًا من الشيخ -﵀-، بل له في ذلك سلف؛ فقد ذكره قبله بآماد طويلة أئمة أجلاء في كتبهم؛ من أمثال الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة٢ -﵀- في كتابه التوحيد؛ فقد ابتدأه -﵀- بوحدانية الله تعالى في ربوبيته مستدلًا بذلك على توحيده تعالى في العبادة، ثم ثنى بتوحيد الألوهية؛ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، ثم ثلّث بتوحيد أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا٣.
وممّن أورد هذا التقسيم، وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية٤،
وابن
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٣/٤١٠، ٤١١. وانظر: المعين والزاد ٦٤، ٦٥. ٢ الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده، أبو عبد الله. محدث الإسلام. كان من أوسع العلماء رحلة وأكثرهم حديثًا وشيوخًا، ولد سنة (٣١٠،أو ٣١١؟) بأصبهان، وتوفي سنة (٣٩٥؟) . (انظر: طبقات الحنابلة ٢/١٦٧. وسير أعلام النبلاء١١/٧-١٠. والبداية والنهاية١١/٣٣٦) . ٣ انظر مقدمة تحقيق كتاب التوحيد لابن منده، لفضيلة الدكتور علي ناصر الفقيهي ص٣٣. ٤ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني. ولد -﵀- بحران سنة (٦٦١؟)، وتوفي في سجن القلعة بدمشق سنة (٧٢٨؟) . (انظر: تذكرة الحفاظ٤/١٤٩٦. والبداية والنهاية ١٤/١٣٢ وقد أورد هذا التقسيم في العقيدة التدمرية ص٤-٥.
[ ١ / ٩٣ ]
قيم الجوزية١، وابن أبي العزّ الحنفي٢، والمقريزي٣.
فتقسيم الشيخ الأمين -﵀- مطابق لدلالة القرآن على التوحيد٤ كما فهمه السلف ﵏.
وإن كان بعضهم قد جعله قسمين؛ فضم توحيد الربوبية والأسماء والصفات في قسم، وسماه التوحيد العلمي، وجعل توحيد الألوهية قسمًا مستقلًا، وسماه التوحيد العملي٥.
_________________
(١) ١ الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية الزرعي الدمشقي. ولد بدمشق سنة (٦٩١؟)، وتوفي بها سنة (٧٥١؟) . وقد لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وسجن معه في القلعة. (انظر: البداية والنهاية ١٤/٢٤٦. وشذرات الذهب ٦/١٦٨) . وأورد هذا التقسيم في كتابه مدارج السالكين ١/٢٤-٢٥. ٢ صدر الدين محمد بن علاء الدين؛ علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الصالحي. ولد سنة (٧٣١؟)، وولي قضاء دمشق ومصر وتوفي -﵀- بدمشق سنة (٧٩٢؟) . (انظر: شذرات الذهب٦/٣٢٦) .وقدأوردهذا التقسيم في شرحه للعقيدة الطحاوية ص٨٨. ٣ تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن تميم المقريزي الحنفي. الإمام المؤرخ. نشأ بالقاهرة وتوفي بها سنة ٨٤٥؟. (انظر: الضوء اللامع ٢/٢١) . وأورد هذا التقسيم في كتابه تجريد التوحيد ص٤-٥. ٤ قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد:"هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده، وابن جرير الطبري، وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وقرره الزبيدي (في تاج العروس)، وشيخنا الشنقيطي (في أضواء البيان)، وآخرون، رحم الله الجميع، وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن؛ كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى (اسم وفعل وحرف) . والعرب لم تفُه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب. وهكذا في أنواع الاستقراء". (التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير ص٣٠) . وقد أورد الطبري ﵀ هذا التقسيم في تفسيره (١١/٦٠)، وأورده الزبيدي في تاج العروس (٢/٥٢٨) .وممن قال به: صديق حسن خان في كتابه الدين الخالص (١/٥٦) . ٥ انظر: مدارج السالكين ١/٢٥.
[ ١ / ٩٤ ]
وهذا التقسيم قد احتوى على المراد، ولايتعارض مع تقسيم من جعله ثلاثة أقسام، أو أربعة١: فهي بمعنى واحد، ولأن الكل قرروا أن توحيد الألوهية هو معنى "لا إله إلا الله"، وقالوا بأن تحقيقه يمنع من دخول النار.
وبذلك نستنتج أنّ الشيخ -﵀- لم يرتض تقسيم المتكلمين٢: لأنهم يخالفون دلالة القرآن على التوحيد، وغاية مايصلون إليه: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون.
وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية٣﵀-، وبين عدم جدوى هذا التقسيم الذي لايفرق بين مؤمن ومشرك.
ومن المناسب هنا أن أذكر ماأخبرنيه الدكتور عبد الله بن الشيخ الأمين -﵀- أنّ والده كان يقول له: "ياولدي اعلم أن التوحيد ينقسم ثلاثة أقسام، وأن هذه القسمة استقرائية والاستقراء: هو تتبع النصوص؛ كما أن النحو علم بالاستقراء بتتبع لغة العرب؛ إما اسم أو فعل أو حرف، فكذلك علمنا أقسام التوحيد من تتبع القرآن؛ فالله تعالى قسم التوحيد ثلاثة أقسام في سورة الفاتحة؛ فقال "الحمدلله" والله هو المعبود بحق، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والرب هو الذي يربي الأشياء، وهذا توحيد الربوبية. ثم قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهذا توحيد الأسماء والصفات. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ دل على توحيد الألوهية. وتوحيد الألوهية أن تكون جميع أعمالك خالصة لله؛ من صلاة وصيام وزكاة ونذر وخوف ورجاء وغير ذلك مما لا يجوز صرفه إلا لله. وتوحيد الربوبية: مايكون في
_________________
(١) ١ انظر مقدمة تحقيق كتاب التوحيد لابن منده ١/٣٣. ٢ انظر الملل والنحل للشهرستاني١/٤٢.فقد جعل التوحيد عندهم ثلاثة أقسام: واحد في ذاته لاقسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لانظير له، وواحد في أفعاله لاشريك له. ٣ كما في التدمرية ص١٧٩-١٨٤.
[ ١ / ٩٥ ]
الكون فهو صادر عن الله تعالى. وتوحيد الألوهية شكر على توحيد الربوبية؛ لأن الله ربك فتشكره بأن تكون أعمالك خالصة له ولاتشارك غيره بها. أما توحيد الأسماء والصفات فهو مبنيّ على ثلاثة أسس: الأول: تصديق الله فيما قال. والثاني: تنزيه الله عن مشابهة خلقه. الثالث: قطع الطمع عن إدراك الكيفية.
[ ١ / ٩٦ ]
الفصل الأول: توحيد الربوبية
تعريفه:
هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه وخالقه، ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار١.
ولم أجد للشيخ الأمين -﵀- تعريفًا لهذا النوع، وإنما مفاد كلامه أن الإقرار بتوحيد الربوبية أمر فطري؛ فطر الله عليه الخلق وتعرفه النفوس؛ حيث يقول -﵀-: "هذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية٢، وقال: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣ ٤.
فالشيخ -﵀- يؤكد أن القلوب مفطورة على هذا النوع من التوحيد، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَك﴾ ٥وقوله ﷺ: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه.." ٦.
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد ص٣٣. ٢ سورة الزخرف، الآية [٧٨] . ٣ سورة يونس، الآية [٣١] . ٤ أضواء البيان ٣/٤١٠. وانظر: المعين والزاد ص٦٤. ٥ سورة إبراهيم، الآية [١٠] . ٦ أخرجه البخاري ٢/٩٧. ومسلم ٤/٢٠٤٧.
[ ١ / ٩٩ ]
فالنفوس البشرية فطرت على هذا النوع من التوحيد، لكن لما وردت عليها المؤثرات الخارجية من الشهوات والشبهات خالفت فطرتها السليمة التي جبلها الله عليها.
وقد أوضح الشيخ -﵀- أنّ إنكار هذا النوع من التوحيد إنما هو عناد ومكابرة من عارف؛ فقال -﵀-: "أما تجاهل فرعون –لعنه الله- لربوبيته جلّ وعلا في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١فإنه تجاهل عارف؛ لأنه عبدٌ مربوب؛ كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٣ ٤.
وأكد -﵀- أن الإتيان بهذا النوع من التوحيد لايفيد إلا إذا ضم إليه توحيد الألوهية؛ فكفار مكة لم ينفعهم الإقرار بالربوبية، حيث إنهم أشركوا في الألوهية: فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّت﴾ . .إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٥-: صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا هو ربهم الرازق المدبر للأمور، المتصرف في ملكه بما يشاء. وهو صريح في اعترافهم بربوبيته، ومع هذا أشركوا به جل وعلا، والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جل وعلا –ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه جل
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآية [٢٣] . ٢ سورة الإسراء، الآية [١٠٢] . ٣ سورة النمل، الآية [١٤] . ٤ أضواء البيان ٢/٤٨٢. وانظر: المصدر نفسه٣/٤١٠،٦/٣٧٤،والمعين والزاد ص٦٥. ٥ سورة يونس، الآية [٣١] .
[ ١ / ١٠٠ ]
وعلا- كثيرة؛ كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣إلى غير ذلك من الآيات، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤. والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا، لايكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى "لا إله إلا الله" نفيًا وإثباتًا٥.
ثم يؤكد -﵀- أن الآيات الدالة على توحيد الربوبية إنما هي إلزام للمشركين أن يوحدوه في العبادة، وأن لايصرفوا شيئًا منها لغيره؛ حيث يقول -﵀-: ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ووبخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعتراف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده٦.
ثم استدل -﵀- بآيات كثيرة على إقرار الكفار بربوبية الله ﷾، وتوبيخ الله لهم بعد إقرارهم على شركهم في الألوهية؛ فقال -﵀-: "ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ﴾ إلى قوله ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، فلما
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية [٨٧] . ٢ سورة الزخرف، الآية [٩] . ٣ سورة المؤمنون، الآيات [٨٤-٨٩] . ٤ سورة يوسف، الآية [١٠٦] . ٥ أضواء البيان ٢/٤٨١، ٤٨٢. وانظر: المصدر نفسه ٣/٧٤، ٧٥، ٤١٠، والمعين والزاد ص٦٥. ٦ أضواء البيان ٣/٤١١. وانظر: المصدر نفسه ٥/٨١٣، ٦/٦٢٠.
[ ١ / ١٠١ ]
أقروا بربوبيته وبّخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره بقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون َسَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ . فلما اعترفوا وبّخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ . ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ . ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ . فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾، فلما صحّ الاعتراف وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ ٣ ٤.
إلى غير ذلك من الآيات التي استدل بها -﵀- على إقرار الكفار بتوحيد الربوبية، وإلزام الله ﷾ لهم أن يوحدوه بالعبادة.
ثمّ يؤكّد -﵀- أنّ الاستفهامات التي في آيات الربوبية استفهامات تقرير، وليست إنكار؛ فيقول -﵀-:
"إن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير يراد منها أنهم إذا أقروا ررتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة: نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ٥،
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [٣١] . ٢ سورة المؤمنون، الآيات [٨٤-٨٨] . ٣ سورة الرعد، الآية [١٦] . ٤ أضواء البيان ٣/٤١١-٤١٢. ٥ سورة إبراهيم، الآية [١٠] .
[ ١ / ١٠٢ ]
وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ ١. وإن زعم بعض العلماء٢ أن هذا استفهام إنكار، لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لاينكرون الربوبية كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه" ٣.
ولاشك أن القوم لم يعرف عنهم إنكارهم للربوبية، وإنما كان انحرافهم في جانب الألوهية؛ وهو الانحراف الذي بعثت الرسل جميعها لتقويمه.
قال الإمام ابن القيم -﵀-: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتجّ الله عليهم به؛ فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية"٤.
وقال ابن أبي العز الحنفي -﵀- عن توحيد الربوبية: "وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضة طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات؛ كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْض﴾ ٥ ٦.
فلذلك لم يطل الشيخ -﵀- الكلام على توحيد الربوبية بل نراه٧استدل بدلائل توحيد الربوبية؛ والتي هي الآيات الكونية على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٦٤] . ٢ انظر: فتح القدير ٢/١٨٦. وتفسير المنار ٨/٢٤٥. ٣ أضواء البيان ٣/٤١٤. ٤ إغاثة اللهفان ٢/١٣٥. ٥ سورة إبراهيم، الآية [١٠] . ٦ شرح العقيدة الطحاوية ص٧٧. ٧ كما سيأتي في الفصل الثاني: (في المطلب الثاني من المبحث الثاني) .
[ ١ / ١٠٣ ]
فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية الذي هو الغاية من خلق العباد، وترتيب الثواب والعقاب. وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ إذ لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر إلا عند المكابرة، والجحود والإنكار.
[ ١ / ١٠٤ ]
الفصل الثاني: توحيد الألوهية
المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية
المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية
هو أعظم أنواع التوحيد، وأشرفها. وهو متضمن لتوحيد الربوبية، فمن حقق توحيد الألوهية فقد أتى بالتوحيد الذي أراد الله من عباده، واستمسك بحبل الله المتين؛ لأنه المقصد الأعظم من بعثة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ومحور دعوتهم جميعًا.
وقد حرص الشيخ ﵀ على مسلك السلف في تعريف هذا النوع من أنواع التوحيد، وإبراز أهميته. ووضح أنه هو معنى "لا إله إلا الله"؛ تلك الكلمة الخالدة التي دعا إليها كلّ نبيّ أمته، وحذرهم من مخالفتها.
وعرف الشيخ -﵀- توحيد الألوهية، وحدد ضابطه؛ عرفه بأنه: "توحيده جلّ وعلا في عبادته"، وحدد ضابطه بقوله "وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"؛ وهي مركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ماكانت في جميع أنواع العبادات بإخلاص على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام"١.
وقد أورد -﵀- الأدلة من القرآن الكريم على تعريفه لهذا النوع من التوحيد؛ فقال: "وأكثر آيات القرآن الكريم من هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢. ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد: قوله
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٣/٤١٠. ٢ سورة ص، الآية [٥] .
[ ١ / ١٠٧ ]
تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الآية١، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥. فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: أن ما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة "لا إله إلا الله" لجميع ماجاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب. والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة"٦.
وعرف الشيخ -﵀- توحيد الألوهية في موضع آخر بقوله: "إن توحيد الألوهية هو معنى كلمة "لا إله إلا الله"، وهي بلا شك متضمنة لجميع الشرائع، فيدخل في ذلك فعل كلّ واجب وغيره؛ كالمندوب، وترك كلّ محرم وغيره؛ كالمكروه" ٧.
ويقول عن هذا التوحيد في موضع آخر زيادة في الإيضاح: "إن الركن الأكبر الذي هو توحيد الله بأنواعه، المستلزم إفراده بالعبادة وحده هو منتهى التحرر من الرق والعبودية للمخلوقين؛ ومن جملتهم النفس والهوى
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية [١٩] . ٢ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٣ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٤ سورة الزخرف، الآية [٤٥] . ٥ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٦ أضواء البيان ٣/٤١٠، ٤١١. ٧ معارج الصعود ص٤٠.
[ ١ / ١٠٨ ]
والشيطان –كفانا الله وإخواننا المسلمين شر ذلك كله والهوى والشيطان-"١.
فالشيخ -﵀- اعتنى بهذا التوحيد، شأنه شأن العلماء المحققين السائرين على منهج السلف الصالح الذين فهموا دعوة الرسل وحقيقة التوحيد، وأنها إفراد الله بكل أنواع العبادة، والكفر بكل ما يعبد من دون الله، والتمييز بين حقوق الله الخاصة به سبحانه، وبين حقوق خلقه.
وللتدليل على أن الشيخ -﵀- لم يخرج عن منهاج السلف، بل اقتفى أثرهم في الاعتناء بهذا النوع من أنواع التوحيد أذكر تعريفًا واحدًا من تعاريف السلف لهذا التوحيد؛ يقول الإمام ابن تيمية٢﵀-: "فإنّ حقيقة التوحيد: أن نعبد الله وحده، فلا يدعى إلا هو، ولا يُخشى إلا هو، ولا يُتقى إلا هو، ولايتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، لا لأحد من الخلق، وأن لا نتخذ الملائكة والنبيين أربابًا، فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم" ٣.
ويلاحظ التوافق بين هذا التعريف، وتعريف الشيخ -﵀-، بل السلف كلهم على هذا التعريف.
ولم يقتصر اعتناء الشيخ -﵀- بهذا النوع من أنواع التوحيد على مجرد ذكره وتبيين أهميته في كتبه، بل نراه لا يدع مناسبة إلا ويحرص على التدليل على أهميته، وتبيين أنه أصل الدين وأساسه؛ يقول في محاضرة ألقاها في المسجد النبوي متحدثًا عن هذا النوع العظيم من أنواع التوحيد: "توحيده جلّ وعلا في عبادته هو الذي فيه جميع المعارك بين الرسل والأمم،
_________________
(١) ١ منهج التشريع الإسلامي ص١١. ٢ تقدمت ترجمته. ٣ منهاج السنة النبوية ٣/٤٩٠.
[ ١ / ١٠٩ ]
وهو الذي أرسلت لتحقيقه، وحاصله هو معنى "لا إله إلا الله"؛ فهو مبني على أصلين هما النفي والإثبات في "لا إله إلا الله". فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادة كائنة ماكانت. ومعنى الإثبات منها: هو إفراده جلّ وعلا وحده بجميع أنواع العبادة على الوجه الذي شرع أن يعبد به. وجلّ القرآن في هذا النوع: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣. ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤، ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥. والآيات في هذا كثيرة جدًا٦.
ونراه -﵀- أثناء مروره بـ"أم درمان" متجهًا إلى الديار المقدسة يُسأل عن قصة الغرانيق٧، فيوضحها، ويتكلم عن إخلاص العبادة لله تعالى فيقول: "فإخلاص العبادة لله وحده هو دعوة عامة الرسل، وأشدهم فيه احتياطًا خاتمهم ﷺ، ولذا منع بعض الأمور التي كانت مباحة عندهم احتياطا في توحيد الله في عبادته جلّ وعلا، فالسجود
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٣ سورة البقرة، الاية [٢٥٦] . ٤ سورة الزخرف، الآية [٤٥] . ٥ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٦ المعين والزاد ص٦٥. ٧ تتلخص قصة الغرانيق فيما يأتي: ذكر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ:"أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى"ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فلما بلغ السجدة سجد، فسجد معه المسلمون والمشركون. وقد رجح الشيخ الشنقيطي -﵀- عدم صحتها، وعضّد قوله بأقوال عدد كبير من العلماء الذين أنكروها. (انظر: رحلة الحج ص١٢٨-١٣٠. وكذا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٠٧-٢١٢-) .
[ ١ / ١١٠ ]
لمخلوق في شريعته السمحة كفر بالله تعالى، مع أنه كان جائزًا في شرع غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ كما قال تعالى عن يعقوب وأولاده في سجودهم ليوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ ١، ولذلك أمر نبينا ﷺ أن يقول للناس أنه ما أوحي إليه إلا توحيد الله تعالى في عبادته في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. وقد تقرر عند الأصوليين والبيانيين أنّ لفظ "إنما" من أدوات الحصر، فدلت الآية على حصر الموحى إليه ﷺ في أصله الأعظم الذي هو "لا إله إلا الله"؛ لأنها دعوة جميع الرسل، وغيرها من شرائع الإسلام وفروعها التابعة لها. ولهذا صار مكذب رسول واحد مكذبا لجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة؛ قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣؛ أي بتكذيبهم نوحًا. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٤؛ أي بتكذيبهم هودا.
_________________
(١) ١ سورة يوسف، الآية [١٠٠] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٣ سورة الشعراء، الآية [١٠٥] . ٤ سورة الشعراء، الآية [١٢٣] .
[ ١ / ١١١ ]
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١؛ أي بتكذيبهم لوطًا. ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢؛ أي بتكذيبهم شعيبًا. فهذه الآيات تدل على أن مكذب رسول واحد مكذب لجميع الرسل؛ وذلك لاتحاد دعوتهم، وهي مضمون لا إله إلا الله" ٣.
وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع.
والمقصود أن الشيخ -﵀- لم يترك مناسبة تمرّ إلا وأفاض فيها في الكلام عن توحيد الألوهية، وأنه دعوة جميع الأنبياء ﵈، وأنّ الله ﷾ ما خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب إلا ليعبد ولايشرك معه شيء.
ونراه كذلك -﵀- يسترسل في ذكر الأدلة الصريحة من القرآن الكريم الدالة على شأن العبادة وعظمها؛ فيقول "والآيات الدالة على أن إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جدًا؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٦، وغير ذلك من الآيات" ٧.
والشيخ -﵀- قد أوضح أن توحيد الألوهية هو معنى "لا إله إلا الله" التي من أجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآية [١٦٠] . ٢ سورة الشعراء، الآية [١٧٦] . ٣ رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص١٣٤. ٤ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٥ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٦ سورة الزخرف، الآية [٤٥] . ٧ أضواء البيان ٣/٨.
[ ١ / ١١٢ ]
وببيان معنى هذه الكلمة العظيمة تكتمل الفائدة ببيان تعريف توحيد الألوهية.
معنى "لا إله إلا الله"
" لا إله إلا الله" كلمة التوحيد التي من حققها دخل الجنة، وكان من الآمنين يوم القيامة. وهي أصل الدين، ودعوة جميع الأنبياء والمرسلين؛ من لدن نوح ﵇، وحتى نبينا محمد ﷺ كلّ منهم يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا.
ولأهمية هذه الكلمة وعظمها قال عنها الإمام ابن القيم١ -﵀-: "كلمة قامت بها الأرض والسموات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه. ولأجلها نصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار. وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار. فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت القبلة، وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد. وهي حق الله على جميع العباد؛ فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وعنها يسأل الأولون والآخرون. فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟، وماذا أجبتم المرسلين؟. فجواب الأولى بتحقيق "لا إله إلا الله" معرفة وإقرارًا وعملًا. وجواب الثانية بتحقيق "أن محمدًا رسول الله" معرفة وإقرارًا وانقيادًا وطاعة" ٢.
وقد سلك الشيخ -﵀- مسلك السلف في تفسير معنى "لا إله إلا
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته. ٢ زاد المعاد ١/١٣٤.
[ ١ / ١١٣ ]
الله" فقال: "إن معناها: لا معبود بحق إلا الله" ١.
وهذا هو التفسير الصحيح الذي ارتضاه السلف الصالح ﵏؛ يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب٢رحمهم الله: "ومعنى لا إله إلا الله: أي لامعبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لاشريك له؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣، مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤، فصح أن معنى الإله: هو المعبود. ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٥. وقال قوم هود: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٦، وهو إنما دعاهم إلى "لا إله إلا الله". فهذا هو معنى "لا إله إلا الله"، وهو: عبادة الله، وترك عبادة ما سواه؛ وهو الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله" ٧.
ولم يقتصر الشيخ الأمين -﵀- على التعريف السابق بل زاد معنى "لا إله إلا الله" توضيحًا بذكر ما اشتملت عليه من نفي وإثبات، وببيان أن الدين الإسلامي قائم على هذه الكلمة؛ فقال عند تفسيره لقوله
_________________
(١) ١ انظر: أضواء البيان ٤/٥٠٨، ٦/٢٧٣. ومعارج الصعود ص١٤٣. ٢ هو الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. من أئمة الدعوة المجاهدين. ولد في الدرعية سنة (١٢٠٠هـ) . كان قاضيًا على مكة المكرمة في عهد الدولة السعودية الأولى. مات مقتولًا في الدرعية عام (١٢٣٣هـ) عندما هاجمها إبراهيم باشا. (انظر: علماء نجد خلال ستة قرون ١/٢٩٣. والأعلام ٣/١٢٣) . ٣ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٤ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٥ سورة ص، الآية [٥] . ٦ سورة الأعراف، الآية [٧٠] . ٧ تيسير العزيز الحميد ص٧٣.
[ ١ / ١١٤ ]
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١: "إن حصر الوحي في آية الأنبياء هذه في توحيد العبادة حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع؛ لأن شرائع الأنبياء كلهم داخلة في ضمن معنى "لا إله إلا الله"؛ لأن معناها خلع جميع المعبودات غير الله جل وعلا في جميع أنواع العبادات، وإفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات؛ فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية" ٢.
ويقول -﵀- في موضع آخر: "وقد حصر الله جل وعلا الوحي كله في هذه الكلمة؛ حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣؛ وذلك أنها تحتوي على مضمون كلّ الكتب السماوية والشرائع الإلهية، وتشملها؛ لأنها مركبة من نفي كل الآلهة –غير الله-، ونفي عبادتها، وإثبات كلّ العبادات لله وحده، ففيها يدخل كلّ تقرب إلى الله تعالى من عقائد وأعمال، ولهذا قال النبيّ ﷺ: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٤. فكل التكليفات والحقوق مندرجة تحت هذه الكلمة، ولهذا قال نبي الله هود: "أعبدوا الله"؛ أي تقربوا إليه وحده بما أمركم بالتقرب به إليه من العبادات على وجه الخضوع والذلّ والمحبة، فلا تكفي المحبة دون الخضوع والذلّ، لأنها قد تكون طبيعية، ولا يكفي مجرد الخضوع والذلّ؛ لأنه قد يكون خاضعًا لمن يبغضه، تحت قهره وسلطانه، وباجتماع ذلك يحصل كمال العبودية لله" ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٢ أضواء البيان ٣/٨. ٣ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٤ أخرجه مسلم ١/٥٣. ٥ معارج الصعود ص١٣٦. وانظر المصدر نفسه ص٢٠٤.
[ ١ / ١١٥ ]
وبهذا يتضح اهتمام الشيخ -﵀- بمعنى "لا إله إلا الله". واقتداؤه في تفسيرها بسلف هذه الأمة، وسلوكه مسلكهم من حيث إيضاح معناها غاية الإيضاح. وبيان أنها قاعدة الدين، ومنتهى غاية المؤمنين.
وقد كرر -﵀- نحو هذا الكلام في عدة مواضع من كتابه أضواء البيان١. وفي غيره من كتبه٢.
وأذكر هنا من أقوال السلف مايعضد فهم الشيخ -﵀- لمعنى "لا إله إلا الله" المشتملة على النفي والإثبات:
فمن ذلك: قول شيخ الإسلام ابن تيمية٣﵀- بعد كلامه على إخلاص العبادة لله: "وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ماسوى الحق، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شيء من المخلوقات، مثبتًا لألوهية رب العالمين، ورب الأرض والسماوات. وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ماسواه؛ فيكون مفرقا –في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته- بين الخالق والمخلوق؛ بحيث يكون عالمًا بالله تعالى، ذاكرا له، عارفًا به. وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وإنفراده عنهم، وتوحده دونهم، ويكون محبًا لله، معظمًا له، عابدًا له، راجيًا له، خائفًا منه، محبًا فيه، مواليًا فيه، معاديًا فيه، مستعينًا به، متوكلًا عليه، ممتنعًا عن عبادة غيره، والتوكل عليه، والاستعانة به، والخوف منه، والرجاء له، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والطاعة لأمره، وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهيته
_________________
(١) ١ انظر: أضواء البيان ١/١٠٣، ٢/٤٧، ٣/٢٠٥، ٢٦٧. ٢ انظر: تفسير سورة النور –جمع د/عبد الله القادري- ص١٩٧. ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٠٤، ٢٢٥. ٣ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ١١٦ ]
﷾" ١.
ومن أقوال العلماء الذين اشتهر عنهم تمسكهم بمنهج السلف في مسائل العقيدة، واهتمامهم بهذا النوع من التوحيد خاصة؛ أذكر قول الإمام محمد بن عبد الوهاب٢﵀- في معنى "لا إله إلا الله" مؤيدًا بذلك كلام الشيخ الأمين -﵀- في هذا المعنى يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀-: "فإن هذه الكلمة "لا إله إلا الله" نفي وإثبات؛ نفي الإلهية عما سوى الله ﷾ من المخلوقات، حتى من المرسلين البشر وخاتمهم محمد ﷺ، وحتى من الملائكة وجبريل عليهم وعلى جميع المرسلين الصلاة والسلام، فضلًا عن غيرهم من الأنبياء والصالحين وسائر المخلوقات؛ وإثباتها بجميع أنواعها كلها لله ﷿ وحده لا شريك له" ٣.
والخلاصة: أنّ الشيخ الأمين -﵀- يرى أن معنى "لا إله إلا الله" لا يقتصر على النطق بها، بل يجب تحقيق لوازمها، مع ترك ما يناقضها؛ فالجهل بمعناها جهل بالدين لا ينجي من الخلود في النار، فإنّ "لا إله إلا الله" هي معنى توحيد الألوهية؛ الذي هو دعوة الرسل جميعًا.
_________________
(١) ١ العبودية ص١٥٦. وانظر شرح العقيدة الطحاوية ص١١١. ٢ هو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي الوهيبي التميمي، مجدد الدعوة في الجزيرة العربية. ولد في العيينة سنة (١١١٥؟)، وتوفي في الدرعية سنة (١٢٠٦؟) . (انظر: علماء نجد ١/٢٥) . ٣ مؤلفات الشيخ/ القسم الأول –العقيدة: تفسير كلمة التوحيد- ص٣٦٣، ٣٦٤.
[ ١ / ١١٧ ]
المبحث الثاني: براهين التوحيد
المطلب الأول: دلالة الصفات على توحيد الألوهية
المبحث الثاني: براهين التوحيد
توحيد الألوهية هو غاية دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والحكمة من خلق الخلق، ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب إفراد الله بالعبادة، وأنه وحده المستحق أن يعبد ويعظم.
والأدلة على ألوهية الله ﷾ واستحقاقه للهبادة هي أيضا دلائل على ربوبيته، وأسمائه وصفاته؛ لأن توحيد الألوهية –كما مرّ- متضمن لتوحيد الربوبية، فمن أتى به فقد جاء بالتوحيد المطلوب المنجي من دخول النار، المقتضي دخول الجنة.
وقد اهتم الشيخ الأمين -﵀- بهذه البراهين، فأورد في تفسيره نصوصا كثيرة من القرآن الكريم، وذكر أنها تدل على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة دون سواه، وهذه النصوص منها ما هو في صفاته ﷾ الدالة على ألوهيته وعظمته.
ومنها ما هو في آياته المنزلة والمخلوقة. وقد ذكرها في مواضع بالإجمال، وفي أخرى بالتفصيل، وسوف أوردها مجملة، ثم أفصل كل دليل على حدة مسترشدًا بكلام الشيخ ﵀ على فهم هذه البراهين.
[ ١ / ١١٨ ]
المطلب الأول: دلالة الصفات على توحيد الألوهية
ذكر الشيخ الأمين -﵀- بعض الصفات الدالة على ألوهية الله سبحانه، واستحقاقه للعبادة؛ فمنها: صفة الملك، وصفة الوحدانية، وصفة الألوهية، وصفة الخلق، وصفة القدرة.
فعند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ١.
قال -﵀-: "وقد أثنى –جلا وعلا- على نفسه في هذه الآية الكريمة بخمسة أمور، هي أدلة قاطعة على عظمته واستحقاقه وحده لإخلاص العبادة له:
الأول منها: أنه هو الذي له ملك السموات والأرض.
والثاني: أنه لم يتخذ ولدا ﷾ عن ذلك هلوًا كبيرًا.
والثالث: أنه لا شريك له في ملكه.
والرابع: أنه هو خالق كلّ شيء.
والخامس: أنه قدر كل شيء خلقه تقديرًا.
وهذه الأمور الخمسة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في آيات كثيرة".
ثم سرد -﵀- آيات كثيرة تدل على كل نوع من هذه الأمور
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية [٢] .
[ ١ / ١١٩ ]
الخمسة، على طريقته -﵀- في بيان القرآن بالقرآن.
فقال: "أما الأول منا: وهو أنه له ملك السموات والأرض فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الآية١،وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الآية٢. وجميع الآيات التي ذكر فيها جل وعلا أن له الملك، فالملك فيها شامل لملك السموات والأرض وما بينهما، وغير ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ٣ والآيات الدالة على أن له ملك كل شيء كثيرة جدًا معلومة"٤.
والأمر الثاني –وهو كونه لم يتخذ ولدًا- استدل له بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .
الأمر الثالث: استدل له بقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٦؛ لأن قوله: ﴿الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يدل على تفرده بالملك والقهر، واستحقاق إخلاص العبادة كما لا يخفى. إلى غير ذلك من الآيات.
واستدل للأمر الرابع –وهو كونه خالق كل شيء- بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [٤٠] . ٢ سورة فاطر، الآية [١٣] . ٣ سورة آل عمران، الآية [٢٦] . ٤ أضواء البيان ٦/٢٦٥. ٥ سورة سبأ، الآية [٢٢] . ٦ سورة غافر، الآية [١٦] .
[ ١ / ١٢٠ ]
اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلآ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١، إلى غير ذلك من الآيات.
واستدل للأمر الخامس –وهو كونه قدر كل شيء خلقه- بقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢.
وهذا الذي أوردته قليل من كثير مما أورده الشيخ -﵀- في كتاب التفسير من أدلة قرآنية على هذه الأنواع٣.
فالشيخ الأمين -﵀- يتناول براهين التوحيد بالتوضيح في هذه السورة الكريمة وحدها مؤكدا أن من اتصف بهذه الصفات العظيمة فهو المستحق أن يعبد ولا يشرك معه أحد؛ فالله ﷾ هو النافع الضار، المتفرد بكل كمال، الآمر الناهي. قدر جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلقه، ثم كتبه في اللوح المحفوظ٤، ثم خلقه وفق ما يريد، فسبحان المتصف بكل كمال وجلال، فهو الإله المعبود بحق وحده.
وهذا ما أكده أيضًا الإمام ابن القيم٥﵀- حيث يقول:
"وإذا كان وحده هو ربنا وملكنا وإلهنا، فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه. ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يدعى، ولا يخاف، ولا يرجى، ولا يحب سواه. ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن من ترجوه وتخافه، وتدعوه، وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآيتان [٦٢-٦٣] . ٢ سورة الأعلى، الآيتان [٢-٣] . ٣ راجع أضواء البيان ٦/٢٦٥-٢٦٧. ٤ يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ". أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر ٤/٢٠٤٤. بلفظ:"كتب الله مقادير الخلائق"والترمذي في سننه ٤/٤٥٨ وقال: حديث حسن صحيح غريب. واللفظ له. ٥ تقدمت ترجمته.؟؟
[ ١ / ١٢١ ]
والقيم بأمورك ومتولي شأنك؛ وهو ربك فلا رب سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحق؛ فهو ملك الناس حقًا، وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين، بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى حياتك وروحك، وهو الإله الحق؛ إله الناس الذي لا إله لهم سواه، فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجؤا إلى غير حماه، فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم ووليهم ومتولي أمورهم جميعًا بربوبيته وملكه وإلهيته لهم. فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عدوه إلى ربه ومالكه وإلهه"١.
وخلاصة القول: أن من كان متصفًا بتلك الصفات العظيمة جدير بأن يعبد وحده ولا يشرك معه أحد من خلقه؛ وهو ما يؤكده الشيخ الأمين -﵀-، وما يحتويه كلامه السابق؛ فالموجودات كلها واقعة تحت أمر الله ونهيه وقهره. فسبحان من تفرد بالوحدانية والملك والألوهية.
وهذه الصفات العظيمة الدالة على توحيد الألوهية: قد أجمل الشيخ -﵀- الكلام عنها في موضع واحد، ثم فصل الكلام عنها في مواضع متعددة من تفسيره.
وقد أجملت الكلام عنها فيما سبق اقتداء بصنيع الشيخ ﵀، وها أنا أشرع ببيانها على وجه التفصيل اقتداء بصنيع الشيخ -﵀- أيضا. فمنها:
أولا: قدرة الله على الخلق:
الذي يقدر على خلق الخلق، وإبرازهم من العدم إلى الوجود هو الذي يستحق أن يعبد وحده؛ لأن من لا يقدر على ذلك عاجز، والعاجز لا
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ٢/٢٤٨.
[ ١ / ١٢٢ ]
يصلح أن يكون إلهًا ومعبودًا.
وقد فصل الشيخ -﵀- في هذه المسألة في عدة مواضع من تفسيره، أكتفي بذكر موضعين منها:
فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
قال: "أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أنه هو المستحق لأن يعبد وحده؛ لأنه هو الخالق وحده، ولا يستحق من الخلق أن يعبدوا إلا من خلقهم وأبرزهم من العدم إلى الوجود، لأن المقصود من قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ﴾ إنكار ذلك، وأنه هو الخالق وحده، بدليل قوله بعده: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي وخالق كل شيء هو المستحق لأن يعبد وحده. ويبين هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٥، إلى غير ذلك من الآيات لأن المخلوق محتاج إلى خالقه؛ فهو عبد مربوب مثلك يجب عليه أن يعبد من خلقه وحده، كما يجب عليك ذلك، فأنتما سواء بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له"٦.
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية [١٦] . ٢ سورة البقرة، الآية [٢١] . ٣ سورة الفرقان، الآية [٣] . ٤ سورة الأعراف، الآية [١٩١] . ٥ سورة لقمان، الآية [١١] . ٦ أضواء البيان ٣/١٠١.
[ ١ / ١٢٣ ]
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١ قال ﵀:
"قد ذكرنا قريبًا أن قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلآ بِالْحَقِّ﴾ ٢ يتضمن البرهان القاطع على صحة معنى "لا إله إلا الله"، وأن العلامة الفارقة بين المعبود بحق وبين غيره هي كونه خالقًا. وأول سورة الأحقاف هذه يزيد ذلك إيضاحًا؛ لأنه ذكر من صفات المعبود بحق أنه خلق السموات والأرض وما بينهما بالحقّ وذكر من المعبودات الأخرى التي عبادتها كفر مخلد في النار أنها لاتخلق شيئًا" ٣.
ولاشك أن هذا البرهان من أعظم البراهين الدالة على توحيد الألوهية؛ إذ كيف يستحق العبادة من يعجز عن الخلق، بل هو مخلوق مربوب مفتقر إلى ربه وخالقه. فمن يستحق العبادة خالق كل شيء وربه ومليكه، وهو الله رب العالمين، الإله المعبود وحده ﷾.
ثانيًا: النافع الضار
النافع الضار من أسماء الله المزدوجة المتقابلة المقترنة التي لا يفرد أحدهما عن الآخر٤. وهي تدل على كمال الله ﷾، وحكمته البالغة؛ حيث ينفع من أطاعه بفعل الخيرات في الدنيا والإعانة عليها، وتكون سببًا لدخول الجنة. والضارّ لمن عصاه وابتعد عن هداه ومآله إلى النار.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف، الآية [٤] . ٢ سورة الأحقاف، الأية [٣] . ٣ أضواء البيان ٧/٣٧٢. وقد ذكر الشيخ ﵀ مضمون هذا المعنى في عدة مواضع من تفسيره أضواء البيان. (انظر مثلًا: ٢/٤٨٢، ٣/٢١١، ٤/٣٠) . ٤ بدائع الفوائد ١/١٦٧.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقد أشار الشيخ -﵀- إلى أن النافع والضار هو الله وحده، فيجب أن يفرد بالعبادة وحده؛ إذ أن عبادة ما سواه باطلة؛ لأنه عاجز عن النفع والضر، والعاجز لايصلح أن يكون إلها.
قال -﵀- موضحًا هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلآ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ١: "بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، وكيف عبدوا ما لايقدر على ردّ الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعًا لمن عبده، ولاضرًا لمن عصاه، وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزًا عن النفع والضر ورد الجواب.
وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله في الأعراف في القصة بعينها: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٢. ولاشك أن من اتخذ من لايكلمه ولايهديه سبيلًا إلها، فإنه من أظلم الظالمين، ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ٣ ٤.
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ٥ قال -﵀-:
"ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن المعبودات من دونه لا تقدر أن تكشف ضرًا أراد الله به أحدًا، أو تمسك
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [٨٩] . ٢ سورة الأعراف، الآية [١٤٨] . ٣ سورة مريم، الآية [٤٢] . ٤ أضواء البيان ٤/٤٩٧-٤٩٨. ٥ سورة الزمر، الآية [٣٨] .
[ ١ / ١٢٥ ]
رحمة أراد بها أحدًا، جاء موضحًا في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ١..٢.
وبذلك يوضح الشيخ -﵀- أن القادر على النفع والضر هو المستحق للعبادة، ولايقدر على ذلك إلا الله ﷾؛ فهو الإله المعبود وحده.
وما ذكره الشيخ -﵀- لم ينفرد به، ولم يكن أول من قاله، بل هو معنى معروف قاله العلماء قبله، وهو عقيدة السلف الصالح المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
قال الحافظ ابن رجب٣ -﵀-: "فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ماكتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﷿، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده؛ فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولايغني عن عابده شيئًا. فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف، والرجاء، والمحبة، والسؤال، والتضرع، والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأن يتقى سخطه. ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا٤.
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية [٤٢] . ٢ أضواء البيان ٧/٧٥. وقد أشار الشيخ -﵀- لهذا المعنى في عدة مواضع من تفسير أضواء البيان. (انظر مثلًا: ٣/٢٨٠، ٤/٥٧٢، ٧/٦٠٦) . ٣ أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي، ثم الدمشقي. ولد في بغداد سنة (٧٣٦؟) ونشأ وتوفي في دمشق سنة (٧٩٥؟) . (انظر: شذرات الذهب ٦/٣٣٩. والأعلام ٣/٢٩٥) . ٤ جامع العلوم والحكم ص١٨٣.
[ ١ / ١٢٦ ]
وخلاصة القول: أن الشيخ -﵀- استشهد على ألوهية الله، واستحقاقه العبادة بكونه النافع والضار وحده كما صرحت بذلك الأدلة الصريحة الواضحة في كتاب الله تعالى.
ثالثًا: الرزاق
الرزاق من أسماء الله تعالى الدالة على عظم فضله وكرمه وسخائه؛ فهو الذي يرزق أهل السموات والأرض بأنواع الخيرات والنعم المتتالية. وكما أنه يرزق عباده الدنيا وملذاتها كذلك يرزق الإيمان الموصل إلى الجنة ونعيمها. ولايقدر على ذلك كله إلا الله وحده. فهو المستحق أن يعبد وحده لاشريك له.
وقد أوضح الشيخ -﵀- هذا المعنى، وأشار إلى أنه لا يجوز أن تكون العبادة إلا لمن رزق الخلق وأنعم عليهم بالخيرات المتتالية، وهو الله ﷾. أما غيره فلا يستحق أن يعبد؛ لأنه عاجز عن رزق العباد، والعاجز لا يكون إلهًا؛ فقال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُون﴾ ١:
"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا من السموات؛ بإنزال المطر، ولا من الأرض؛ بإنبات النبات، وأكد عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون؛ أي لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة منفية عنهم أصلًا؛ لانهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء. ويفهم من الآية الكريمة: أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق؛ لأن أكلهم رزقه وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل. وهذا المعنى المفهوم بينه الله في مواضع أخر". ثم ذكر -﵀- بعض الآيات الدالة على هذا المعنى؛ منها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلآ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٧٣] . ٢ سورة تبارك، الآية [٢١] .
[ ١ / ١٢٧ ]
أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١،
وغيرها من الآيات٢.
وهذا المفهوم الذي قصده الشيخ -﵀- بهذا القول، هو عين ما ارتضاه أئمة التفسير ممن عرفوا بسلامة الاعتقاد. ودقة إيضاح المعاني التي تتضمنها الآيات.
أمثال الإمام ابن كثير٣ -﵀- الذي قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا﴾ ٤.
يقول الله تعالى إخبارًا عن المشركين الذين عبدوا معه غيره، مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقًا من السموات والأرض شيئًا؛ أي لا يقدر على إنزال مطر، ولا إنبات زرع ولاشجر. ولا يملكون ذلك لأنفسهم؛ أي ليس لهم ذلك، ولا يقدرون عليه لو أرادوه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ ٥؛ أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦ أي أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره" ٧.
وخلاصة القول: إن الشيخ الأمين -﵀- يستدل بهذه الصفة العظيمة، وثبوت تفرد الباري سبحانه بها على استحقاقه للألوهية وحده لا شريك له؛ إذ ليس من العقل في شيء أن يأكل الإنسان رزق ربه ويتقلب
_________________
(١) ١ سورة الذرايات، الآيات [٥٦-٥٨] . ٢ أضواء البيان ٣/٣٢٢-٣٢٣. وأشار لهذا المعنى أيضًا في مواضع أخرى من تفسيره أضواء البيان. (انظر مثلًا: ٣/٣٢٧، ٧/٦٦٦) . ٣ هو الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، أبو الفداء الدمشقي. ولد سنة (٧٠١؟) في قرية من قرى الشام، وتوفي في دمشق سنة (٧٧٤؟) . (انظر: شذرات الذهب ٦/٢٣١-٢٣٢. والأعلام ١/٣٢٠) . ٤ سورة النحل، الآية [٧٣] . ٥ سورة النحل، الآية [٧٤] . ٦ سورة النحل، الآية [٧٤] . ٧ تفسير القرآن العظيم ٢/٥٧٨.
[ ١ / ١٢٨ ]
في نعمه، ويعبد سواه.
رابعًا: عالم الغيب
من أسماء الله ﷾: العليم، الذي أحاط بكل شيء علمًا؛ علم الأمور قبل خلق السموات والأرض، ثم كتبها وقدرها وشاءها، ثم خلقها.
وهاهنا يوضح الشيخ -﵀- أنه لاينبغي أن يعبد إلا من اتصف بصفة العلم، وأما من لم يتصف بهذه الصفة العظيمة فهو عبد مقهور محتاج إلى الله تعالى الإله المستحق للعبادة وحده.
يقول -﵀- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١:
"ختم الله هذه السورة الكريمة بهذه الخاتمة العظيمة، فكأنه يقول: الذي يأمركم وينهاكم جدير بأن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى؛ لأنه متصف بصفات عظيمة تستوجب أن يفرد بالطاعة، وأن لا يعصى له أمر، فإنه يعلم السر وأخفى"٢.
ثم يقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿َإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ ٣: "أي كل الأمور راجعة إليه تعالى. ومن الأمور الراجعة إليه بنوآدم وأعمالهم؛ فيجازي كلا منهم بما يستحق من خير أو شر. وفائدة الترتيب بالفاء في قوله تعالى: ﴿فاعبده﴾ الإشارة إلى نكتة؛ وهو أنه لا ينبغي أن يعبد ويخضع ويذل إلا لمن اتصف بهذه الصفات العظيمة، ومثله
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [١٢٣] . ٢ معارج الصعود ص٣٠٦. ٣ سورة هود، الآية [١٢٣] .
[ ١ / ١٢٩ ]
قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلآ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ ١. ويفهم من مفهوم المخالفة أن الجاهل الذي لا يعلم الغيب لا ينبغي أن يخضع له؛ لأنه مربوب محتاج إلى الله تعالى" ٢.
فالشيخ يؤكد أن المتصرف في هذا الكون هو الله وحده، ولا يعلم الغيب غيره، فهو المعبود بحق دون سواه، وأما غيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، فهم عاجزون عن نفع أنفسهم ومعرفة مستقبلهم فضلًا عن نفع غيرهم؛ قال الله تعالى مخبرًا عن رسوله ﷺ: ﴿وَلا ضَرًّا إِلآ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لآسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة المزمل، الآية [٩] . ٢ معارج الصعود ص٣٠٦-٣٠٧. ٣ سورة الأعراف، الآية [١٨٨] .
[ ١ / ١٣٠ ]
المطلب الثاني: البراهين الكونية
ومن براهين التوحيد: الآيات الكونية التي تسلك بالمخاطب سبيل الحس والمشاهدة، وتدل على عين المطلوب؛ فكل مخلوق يدلّ على وحدانية الخالق وأنه هو المعبود وحده.
يتحدث الشيخ -﵀- عن معنى الآية الكونية فيقول: "أما الآية الكونية القدرية فهي العلامة التي نصبها الله كونًا وقدرًا ليبين بها لخلقه أنه الرب وحده، والمعبود وحده؛ كفلقه الحب من السنبل، والنوى عن النخل، وكإتيانه بالليل بدل النهار، والنهار بدل الليل، وتسخير الشمس والقمر، وخلقه النجوم ليهتدى بها. فهذه آيات كونية قدرية"١.
فالآيات الكونية من عجائب صنع الله، وهي تدل على وحدانيته، واستحقاقه العبادة وحده، وقد أمرنا الله ﷾ أن نتفكر فيها وننظر إليها حتى نوحده في ألوهيته جل وعلا.
يقول الشيخ الأمين -﵀- في بيان هذا الجانب: "أمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يعبد وحده جل وعلا. وأشار لمثل ذلك بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية٢ ووبخ في سورة الأعراف من لم يمتثل هذا الأمر، وهدده بأنه يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر في أمر الله
_________________
(١) ١ نقلًا عن الشريط رقم [١٥]، بصوت الشيخ ﵀: الوجه الأول؛ في تفسير سورة الأنعام. وكذلك وضح هذا المعنى في الشريط رقم [١٠]: الوجه الثاني؛ تفسير السورة نفسها. ٢ سورة فصلت، الآية [٥٣] .
[ ١ / ١٣١ ]
جل وعلا، أن ينظر فيه لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله جل وعلا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ١ ٢.
ويوضح لنا -﵀- في مكان آخر الحكمة من النظر في هذه الآيات الكونية التي أمر الله ﷾ بالنظر إليها، وأن مراد الله من النظر في تلك الآيات هو الاستدلال على أنه سبحانه المستحق للعبادة، وأن له الكبرياء والعظمة، وأن ما جاء به رسول الله ﷺ حق:
يقول -﵀- مبينًا هذا الجانب عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ٣: "ذكر جل علا في هذه الآية الكريمة أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه آياته؛ أي الكونية القدرية، ليجعلها علامات لهم على ربوبيته واستحقاقه العبادة وحده
فبين أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ماجاء به محمد ﷺ حق؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ﴾ ٤.
والآفاق: جمع أفق؛ وهو الناحية. والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه، وعجائب مخلوقاته في نواحي سماواته وأرضه مايتبين به لكل عاقل أنه هو الرب المعبود وحده" ٥.
وبذلك يبين الشيخ -﵀- أن النظر وسيلة إلى عبادة الله، وليس غاية يقف عنده المتأمل وقفة حيرة وغفلة، وإنما نظرة تفكر واتعاظ تأخذ بصاحبها
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٨٥] . ٢ أضواء البيان ٢/٤٣٩. ٣ سورة غافر، الآية [١٣] . ٤ سورة فصلت، الآية [٥٣] . ٥ أضواء البيان ٧/٧٤-٧٥.
[ ١ / ١٣٢ ]
إلى الحق، وتخرجه من الظلمة إلى النور.
وقد أوضح -﵀- البراهين الكونية الدالة على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة –والتي تضمنها القرآن الكريم- بالإجمال في مواضع، وبالتفصيل في مواضع؛ فذكر ستة أنواع تضمنتها أول سورة الجاثية، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. فقال -﵀- مبينًا هذا الجانب: "ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة من أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى:
الأول منها: خلقه السموات والأرض.
الثاني: خلقه الناس.
الثالث: خلقه الدواب.
الرابع: اختلاف الليل والنهار.
الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به.
السادس: تصريف الرياح.
وذكر أن هذه الآيات والبراهين إنما ينتفع بها المؤمنون الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم، ولذا قال: ﴿لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢ ٣.
ثم سرد -﵀- بعد ذلك الأدلة من القرآن الكريم، والتي تدل على
_________________
(١) ١ سورة الجاثية، الآيات [٣-٥] . ٢ سورة الجاثية، الآية [٥] . ٣ أضواء البيان ٧/٣٢٩-٣٣٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
كل نوع من الأنواع الستة السالفة، كما هي طريقته -﵀- في تفسير القرآن بالقرآن؛ فاستدل للنوع الأول بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١.
واستدل للنوع الثاني بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ٢.
ومن الآيات التي استدل بها للنوع الثالث؛ خلق الدواب؛ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
واستدل لاختلاف الليل والنهار بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ﴾ ٤.
واستدل لإنزال الماء وإحياء الأرض به بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّا ًفَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّا ًوَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٥.
واستدل لتصريف الرياح بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ ٦. إلى غير ذلك من الآيات٧.
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية [٢٢] . ٢ سورة الروم، الآية [٢٠] . ٣ سورة النور، الآية [٤٥] . ٤ سورة النور، الآية [٤٤] . ٥ سورة عبس، الآيات [٢٤-٣٢] . ٦ سورة الروم، الآية [٤٦] . ٧ انظر: أضواء البيان ٧/٣٢٩-٣٣٣. وانظر المصدر نفسه ٤/٤٢٠-٤٢١.
[ ١ / ١٣٤ ]
وفيما يلي أورد تفصيلًا للبراهين السالفة التي مر ذكرها مجملة. وأورد معها براهين أخرى غيرها ذكرها الشيخ الأمين -﵀-، ورتبها حسب أهميتها. فمنها:
أولًا: خلق السموات والأرض:
خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة القاطعة على أن الله هو المستحق أن يعبد وحده؛ فهي دليل حي مشاهد ناطق على وجود الخالق القادر المتفرد بالعبادة.
يوضح الشيخ -﵀- هذا البرهان فيقول: "وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله نفيًا وإثباتًا؛ بخلقه للسموات والأرض ومابينهما، في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية١.
وبذلك تعلم أنه ماخلق السموات والأرض وما بينهما إلا خلقًا متلبسا بأعظم الحق؛ الذي هو إقامة البرهان القاطع المذكور على توحيده جل وعلا. عُلم من استقراء القرآن أن العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها هي كونه خالقًا لغيره، فمن كان خالقًا لغيره فهو المعبود بحق، ومن كان لايقدر على خلق شيء فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال" ٢.
وقال -﵀- في موضع آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآيتان [٢١-٢٢] . ٢ أضواء البيان ٧/٣٦٦.
[ ١ / ١٣٥ ]
لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ١: "ووجه توكيده تعالى قوله: ﴿إن إلهكم﴾ بهذه الأقسام، وبـ"إنّ" واللام: هو أنّ الكفار أنكروا كون الإله واحدا إنكارًا شديدًا، وتعجبوا من ذلك تعجبًا شديدًا؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢. ولما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ ٣ أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ٤.
فكونه خالق السموات والأرض الذي جعل فيها المشارق والمغارب برهان قاطع على أنه المعبود وحده. وهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده أقامه على ذلك أيضًا في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلآ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٥، فقد أقام البرهان على ذلك بقوله بعده متصلًا به: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٦ ٧.
فأدلة القرآن الكريم على ذلك البرهان ساطعة، وقد رأينا كيف أورد الشيخ -﵀- هذا الدليل فأوضح أن خلق السموات والأرض دليل قاطع وبرهان ساطع على أن خالقها قدير عليم، وحكيم خبير، وأنه هو المستحق
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآيتان [٤-٥] . ٢ سورة ص، الآية [٥] . ٣ سورة الصافات، الآية [٤] . ٤ سورة الصافات، الآية [٥] . ٥ سورة البقرة، الآية [١٦٣] . ٦ سورة البقرة، الآية [١٦٤] . ٧ أضواء البيان ٦/٦٧٣. وانظر كذلك المصدر نفسه: ٤/٤٤٠-٤٤١، ٧/٧٤، ٦٤٤، ٦٧٥، ٧٣٨.
[ ١ / ١٣٦ ]
لأن يعبد وحده.
وقد أوضح ابن القيم -﵀- هذا الدليل الكوني مستدلًا به على نواحي كثيرة من التوحيد، فقال: "إن الأرض والبحار والهواء، وكل ما تحت السموات، بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر. ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها؛ إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاء للنظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها، وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته"١.
فالشيخ -﵀- يستدل بهذه المخلوقات العظيمة على طاعة الله وإفراده بالعبادة وحده، ويرد على الملاحدة المنكرين لوجود السموات بأنهم في غاية الجهالة:
يقول -﵀-: "والذين ينكرون وجود السموات في غاية من الجهل والسفه، ولا شك أن هذا الرب العظيم الذي يخلق هذه المخلوقات العظيمة هو الجدير بالطاعة والعبادة وحده، كما أنه الخالق وحده" ٢.
فهو -﵀- يرد على من طغى في الجهالة والإلحاد، ويؤكد أن وجود السموات من أعظم الأدلة على ألوهية خالقها وموجدها من العدم، وممسكها بقدرته. كيف لا تكون موجودة وهذه الكواكب والنجوم زينة لها دالة على مبدعها، وخالقها، وأنه هو الربّ المعبود وحده ﷾.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٢٤٨. ٢ معارج الصعود ص٤٨.
[ ١ / ١٣٧ ]
ثانيًا: خلق الإنسان:
إن من أقرب الأدلة على وحدانية الله وألوهيته: خلق الإنسان؛ فهو آية ناطقة على عجائب صنعه ودقة خلقه.
وقد دعا الله عباده إلى التفكر في أنفسهم حتى يتحقق عندهم الإيمان بأنه الرب الخالق والإله المعبود وحده؛ قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١.
وقد أشار الشيخ -﵀- إلى هذا الدليل العظيم الذي يراه كل إنسان في نفسه؛ إذ إن القادر على هذا الخلق والإيجاد هو المستحق أن يعبد وحده؛ يقول -﵀- عند قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٢: "اعلم أولًا أن خلق الإنسان، وتعليمه البيان من أعظم آيات الله الباهرة؛ كما أشار تعالى لذلك بقوله في أول النحل: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٣، وقوله في آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٤؛ فالإنسان بالأمس نطفة، واليوم هو في غاية البيان وشدة الخصام؛ يجادل في ربه، وينكر قدرته على البعث. فالمنافاة العظيمة التي بين النطفة وبين الإبانة في الخصام، مع أن الله خلقه من نطفة، وجعله خصيمًا مبينًا، آية من آياته جل وعلا دالة على أنه المعبود وحده، وأن البعث من القبور حق" ٥.
ويقول -﵀- في موضع آخر عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ
_________________
(١) ١ سورة الذاريات، الآية [٢١] . ٢ سورة الرحمن، الآيتان [٣-٤] . ٣ سورة النحل، الآية [٤] . ٤ سورة يس، الآية [٧٧] . ٥ أضواء البيان ٧/٧٣٥.
[ ١ / ١٣٨ ]
مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ١: " ثم ذكر الحكمة فقال: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ٢؛ أي لنظهر لكم بذلك عظمتنا زكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية واستحقاق العبادة. وقال في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٤. والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد أبهم هذه الأطوار المذكورة في قوله: ﴿كَلآ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ ٥؛ وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا. فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه. وما أكمل قدرته، وماأظهر براهين توحيده" ٦.
وقال -﵀- في موضع آخر أيضًا عند تفسيره قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ٧: "أي إن كنتم الآن ترون أنفسكم قد ركبتم من جسم بعظام ولحم ودم ومفاصل، فاعلموا أن أصلكم من هذا التراب، فالذي أوجدكم وأوصلكم إلى هذه الحال هو الذي لا يليق بكم أن تعبدوا غيره" ٨.
وقد أوضح هذا البرهان أيضًا الإمام ابن القيم -﵀- بعد أن ذكر
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية [٥] . ٢ سورة الحج، الآية [٥] . ٣ سورة غافر، الآية [٦٧] . ٤ سورة القيامة، الآيات [٣٦-٤٠] . ٥ سورة المعارج، الآية [٣٩] . ٦ أضواء البيان ٥/٧٧٩. ٧ سورة هود، الآية [٦١] . ٨ معارج الصعود ص١٥٨. وانظر أضواء البيان ٤/١٠٢، ٥/٧٧٦.
[ ١ / ١٣٩ ]
بعض الآيات التي أسند الله فيها خلق الإنسان لنفسه المقدسة، وذكر فيها الأطوار التي يتدرج فيها الإنسان أثناء خلقه، فقال -﵀-: "وهذا كثير في القرآن؛ يدعو العبد إلى النظر والتفكر في مبدأ خخلقه، ووسطه، وآخره؛ إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه، وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقف على بعضه، وهو غافل عنه معرض عن التفكير فيه. ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره؛ قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ١ ٢.
فالشيخ الأمين -﵀- يوضح أن خلق الإنسان بهذه الصفة العجيبة دليل باهر على ربوبية الله ﷾ وتفرده بالعبادة وحده؛ فالقادر على هذا الخلق العظيم جدير بأن تصرف إليه العبادة وحده جل وعلا.
ثالثًا: إنزال الماء:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٣. فالحياة قائمة على عنصرين: الماء والهواء.
وقد امتنّ الله على عباده بإنزال الماء إليهم بالقدر الذي فيه صلاحهم ونفعهم، لينتفعوا به. ويعرفوا خالقهم فيشكروه ويحمدوه على هذه النعمة العظيمة.
وقد أوضح الشيخ -﵀- هذا المعنى؛ فقال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ
_________________
(١) ١ سورة عبس، الآيات [١٧-٢٢] . ٢ مفتاح دار السعادة ١/٢٣٧. ٣ سورة الأنبياء، الآية [٣٠] .
[ ١ / ١٤٠ ]
نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ١: "تضمنت هذه الآية الكريمة امتنانًا عظيمًا على خلقه بالماء الذي يشربونه، وذلك أيضًا آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته، وشدة حاجة خلقه إليه. والمعنى: أفرأيتم الماء الذي تشربون، الذي لا غنى لكم عنه لحظة، ولو أعدمناه لهلكتم جميعًا في أقرب وقت: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٢، والجواب الذي لا جواب غيره هو: أنت ياربنا منزله من المزن، ونحن لا قدرة لنا على ذلك. فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه فلم تكفرون به، وتشربون ماءه، وتأكلون رزقه، وتعبدون غيره، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء، وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته شكرًا لنعمة هذا الماء، كما أشار له هنا بقوله: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٣ جاء في آيات أخر من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٤، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ ٧، إلى غير ذلك من الآيات" ٨.
ويستمر الشيخ -﵀- في تفسير الآيات السابقة، وأكتفي منها بما
_________________
(١) ١ سورة الواقعة، الآيات [٦٨-٧٠] . ٢ سورة الواقعة، الآية [٦٩] . ٣ سورة الواقعة، الآية [٧٠] . ٤ سورة الحجر، الآية [٢٢] . ٥ سورة النحل، الآية [١٠] . ٦ سورة الفرقان، الآيتان [٤٨-٤٩] . ٧ سورة المرسلات، الآية [٢٧] . ٨ أضواء البيان ٧/٧٩٢-٧٩٣. وانظر المصدر نفسه: ٥/٧٨٤-٧٨٦.
[ ١ / ١٤١ ]
ذكرت؛ إذ أنه قد أبان فيه -﵀- هذا الدليل العظيم على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة.
ورغم هذا الامتنان من الله على خلقه، ولطفه بهم؛ حيث أنزل الماء بقدر، وأسكنه الأرض، وهو قادر سبحانه على الذهاب به، رغم هذا نجد من يكفر بتلك النعمة ويجحده، وينسب إنزال المطر لغير الله افتراء وبهتانً عليه.
يقول الشيخ -﵀- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلآ كُفُورًا﴾ ١ مبينًا حال تلك الفئة، ورادًا عليها، ومفندا لأقوالها الردئية: "ولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفورًا الذين يزعمون أن المطر لم ينزله منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته؛ فالمنزل له عندهم: هو الطبيعة، وأن طبيعة الماء المتبخر: إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته، ثم يجتمع، ثم يتقاطر، وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون نعمة الله في إنزال المطر، وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب الإيمان به، واستحقاقه وحد للعبادة، فمثل هؤلاء داخلون في قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلآ كُفُورًا﴾ ٢، بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ ٣ وقد صرح في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أنه تعالى هو مصرف الماء ومنزله حيث شاء وكيف شاء. ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآيات [٤٨-٥٠] . ٢ سورة الفرقان، الآية [٥٠] . ٣ سورة الفرقان، الآية [٥٠] .
[ ١ / ١٤٢ ]
وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر: فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ١. هذا لفظ مسلم -﵀- في صحيحه، ولا شك أن من قال: مطرنا ببخار كذا؛ مسندًا ذلك للطبيعة، أنه كافر بالله مؤمن بطبيعة البخار ولا شك أن خالق السموات والأرض جل وعلا هو منزل المطر على القدر الذي يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا" ٢.
وهكذا يرد الشيخ -﵀- على هؤلاء الملاحدة الذين جحدوا وجود الرب ﷾، وعطلوه عن ربوبيته وألوهيته، وهم يتقبلون في نعمته، ويأكلون ويشربون من فضله، ويرون هذا البرهان العظيم فلا يؤمنون.
ويؤكد -﵀- أن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد، المنعم على الناس بفضله وقدرته، فالواجب عليهم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا معه غيره، فسبحانه من إله عظيم امتنّ على عباده بجميع الخيرات.
وقد أشار الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- إلى هذا الدليل الذي ذكره الشيخ الأمين، وجعله دليلًا على إفراد الله بالعبادة؛ يقول السعدي -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ٣: "يذكر الله تعالى في هذه الآية نعمة من أعظم النعم، ليعقلوا عن الله مواعظه وتذكيره،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/٨٣-٨٤. ٢ أضواء البيان ٥/٧٨٦. وانظر المصدر نفسه ٥/٧٨٤. ٣ سورة النحل، الآية [٦٥] .
[ ١ / ١٤٣ ]
فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده"١.
وبهذا يتبين أن إنزال الله تعالى للمطر بكمية مقدرة، فيها مصلحة شاملة لكل ما هو حي دليل على ألوهيته وعظمته؛ فإن القدرة على إنزال الماء من أقوى الأدلة على أنه لا معبود سواه.
رابعًا: إحياء الأرض:
من البراهين الكونية الدالة على استحقاق الله للعبادة وحده: إحياء الأرض، وإنبات النبات الذي امتن الله به على عباده.
وقد أوضح الشيخ -﵀- هذا البرهان بأسلوب السؤال والجواب؛ حيث قال -﵀-: "وإيضاح هذا البرهان باختصار أن قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ ٢ أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه؛ كالخبز الذي يأكله، ويعيش به، من خلق الماء الذي كان سببًا لنباته: هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى الأرض على هذا الوجه الذي يحصل به النفع من غير ضرر، بإنزاله على الأرض رشا صغيرًا حتى تروي به الأرض تدريجًا من غير أن يحصل به هدم ولا غرق؛ كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٣ الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق فعلًا، وأنزل في الأرض على ذلك الوجه الأتم الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض ويخرج منها مسمار النبات٤ الجواب: لا. ثم لعله: هب أن النبات خرج من الأرض، وانشقت عنه،
_________________
(١) ١ تيسير الكريم الرحمن ٤/٢١٦. ٢ سورة عبس، الآية [٢٤] . ٣ سورة الروم، الآية [٤٨] . ٤ أي عِرق النبات.
[ ١ / ١٤٤ ]
فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أن السنبل خرج من النبات، فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه وينقله من طور إلى طور حتى يدرك ويكون صالحًا للغذاء والقوت؟ الجواب: لا" ١.
وقد أوضح هذا البرهان الإمام ابن القيم -﵀-، وبين تدرج هذا النبات في الإيجاد حتى يكون صالحًا مثمرًا دالًا على خالقه وموجده من العدم؛ يقول -﵀-: "إذا تأملت إخراج ذلك النور البهي من نفس ذلك الحطب، ثم النبات الأخضر، ثم إخراج تلك الثمار على اختلاف أنواعها، وأشكالها، ومقاديرها، وألوانها، وصورها، وروائحها، ومنافعها، وما يراد منها. ثم تأمل أين كانت مستودعة في تلك الخشبة وهاتيك العيدان، وجعلت الشجرة لها كالأمّ، فهل كان في قدرة الأب العاجز الضعيف إبراز هذا التصوير العجيب، وهذا التقدير الحكيم، وهذه الأصباغ الفائقة، وهذه الطعوم اللذيذة، والروائح الطيبة، وهذه المناظر العجيبة؟ فسل الجاحد من تولى تقدير ذلك وتصويره وإبرازه، وترتيبه شيئًا فشيئًا، وسوق الغذاء إليه في تلك العروق اللطاف التي يكاد البصر يعجز عن إدراكها، وتلك المجاري الدقاق؟ فمن تولى ذلك كله، ومن الذي أطلع لها الشمس، وسخر لها الرياح، وأنزل عليها المطر، ودفع عنها الآفات إلخ" ٢.
فإيضاح الشيخ الأمين -﵀- لهذا البرهان الدال على أن الخالق متصف بصفات الكمال، متفرد بالخلق والإيجاد والعبادة: يرشد كل ذي عقل ولب إلى صرف جميع أنواع العبادات لله وحده جل وعلا، ويبعده عن عبادة ما سواه بأي نوع من أنواع العبادة، فلا شك أن الخالق اللطيف
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٣٣٢-٣٣٣. وانظر المصدر نفسه ٧/٧٩٠-٧٩١. ٢ مفتاح دار السعادة ١/٢٨١.
[ ١ / ١٤٥ ]
الخبير الموجد من العدم هو الإله المعبود بحق وحده جل وعلا.
وهذا الإيضاح من الشيخ -﵀- يدل على المكانة العظيمة لهذا الدليل الذي يلقم كل جاحد ومكابر ومشرك الحجة، ويجعل ألوهية الخالق ووحدانيته من الأمور البديهية التي لا يعرض عنها من رزقه الله عقلًا مستقيمًا، وفطرة سليمة.
خامسا: اختلاف الليل والنهار:
الليل والنهار من الآيات العظيمة الدالة على عظمة الخالق وكمال قدرته، وأنه المنعم على عباده بهذه النعم الجزيلة التي توجب عليهم ان يقابلوها بالشكر والثناء والانقياد لهذا الإله العظيم.
يقول الشيخ ﵀ مبينًا هذا الجانب: " والآيات الدالة على إختلاف الليل والنهار- من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله واستحقاقه للعبادة وحده-كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآية ١، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ الآية ٣: وقوله تعالى: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾ ٥الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ٦: والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا. وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٧: أي تدركون بعقولكم أن الذي ينشئ السمع والأبصار
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية [٣٧] . ٢ سورة يس، الآية [٣٧] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٥٤] . ٤ سورة يس، الآية [٤٠] . ٥ سورة النحل، الآية [١٢] . ٦ سورة يونس، الآية [٦] . ٧ سورة المؤمنون، الآية [٨٠] .
[ ١ / ١٤٦ ]
والأفئدة، ويذرؤكم في الأرض وإليه تحشرون، وهو الذي يحيي ويميت، ويخالف بين الليل والنهار: أنه الإله الحق المعبود وحد جل وعلا، الذي لا يصح أن يسوى به غيره ﷾ علوًا كبيرًا" ١.
واختلاف الليل والنهار من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده، فلو كان الليل سرمدًا لتعطلت الحياة، وأصبح الإنسان في خمول وكسل. وكذلك النهار لو جعله الله ﷾ مستمرًا لكان الناس في تعب وإرهاق. لكنه العليم الخبير جعلهما يلفان الأرض، لا يتأخران عن وقتهما؛ فهما آيتان من آيات الله الباهرة التي يراها العباد في اليوم مرتين تنبئ عن وحدانية الخالق وعظمته، وكمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له.
سادسًا: اختلاف ألوان المخلوقات:
إن ما نراه حولنا في هذا الكون من مخلوقات ذات ألوان مختلفة دليل على حكمة الخالق، وعظمته جل وعلا، وسعة علمه.
وتنوع ألوان هذه المخلوقات برهان قاطع، ودليل قوي على كمال الخالق، واستحقاقه للعبادة وحده، ودليل على سفه من ادعى أن هناك خالقًا غير الله يعبد من دون الله، أو مع الله تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ولا شك أن من صرف شيئًا من خصوصيات الله لغير الله فقد جاء بغاية الكفر والضلال.
يقول الشيخ الأمين -﵀- موضحًا هذا الجانب: "إن اختلاف ألوان الآدميين، واختلاف ألوان الجبال، والثمار والدواب، والأنعام؛ كل ذلك
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٥/٨١٠-٨١١. وانظر المصدر نفسه ٥/٧٣٨-٧٣٩.
[ ١ / ١٤٧ ]
من آياته الدالة على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ ١. واختلاف الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال، وقد أوضح تعالى إبطال تأثير الطبيعة غاية الإيضاح، بقوله في سورة الرعد: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢"٣.
ويوضح -﵀- هذا الدليل في موضع آخر مؤكدًا على أهميته ودلالته على وحدانية الخالق العظيم، وعلى تفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له في عبادته، وأنه هو الخالق لكل شيء، ولا يقع شيء إلا بمشيئته وإرادته، فليس لشيء من مخلوقاته تأثير إلا بأمره وتدبيره؛ فيقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٤:
"وأشار في هذه الآية الكريمة إلى أن اختلاف ألوان ما خلق في الأرض من الناس والدواب وغيرهما من أعظم الأدلة على أنه خالق كل شيء، وأنه الرب وحده، المستحق أن يعبد وحده. وأوضح هذا في آيات أخر؛ كقوله في سورة فاطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَمِنْ
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآيتان [٢٧-٢٨] . ٢ سورة الرعد، الآية [٤] . ٣ أضواء البيان ٦/٤٨٦. ٤ سورة النحل، الآية [١٣] . ٥ سورة فاطر، الآية [٢٧] .
[ ١ / ١٤٨ ]
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ١. ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك فيه الدلالة القاطعة على أن الله جل وعلا واحد، لا شبيه له، ولا نظير له، ولا شريك له، وأنه المعبود وحده. وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا. كما أوضح ذلك في قوله: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢؛ فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة؛ لأن قطعها متجاورة، والماء الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان، والأشكال، والطعوم، والمقادير، والمنافع. فهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء، سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد. ومن أوضح الأدلة على أن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بشيئته جل وعلا: أن النار مع شدة طبيعة الإحراق فيها ألقي فيها الحطب، وإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولا شك أن الحطب أصلب، وأقسى، وأقوى من جلد إبراهيم ولحمه؛ فأحرقت الحطب بحرها، وكانت على إبراهيم بردًا وسلامًا لما قال لها خالقها: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣، فسبحان من لا يقع شيء كائنا ما كان إلا بمشيئته جل وعلا فعال لما يريد" ٤.
فالشيخ -﵀- استدل بهذه الألوان العجيبة والجميلة على حكمة الله وقدرته، وأنه الخالق المبدع؛ صور تلك الأشياء فأحسن خلقها وتصويرها،
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية [٢٢] . ٢ سورة الرعد، الآية [٤] . ٣ سورة الأنبياء، الآية [٦٩] . ٤ أضواء البيان ٣/٢٢٧-٢٢٨.
[ ١ / ١٤٩ ]
فلا تتشابه المخلوقات بأشكالها ولا بألوانها، فلا رب سواه، ولا إله غيره، ولا شريك معه من خلقه.
ثم يستنتج -﵀- من هذا الدليل أيضًا أن لله المشيئة المطلقة؛ فما شاء كان، ومالم يشأ لم يكن. وأن من أسند شيئًا من أمور الخلق إلى غير الله فقد افترى على الله الكذب، وأتى بغاية الكفر والضلال؛ لأنه جل وعلا المتفرد بالخلق والأمر، والمستحق للعبادة وحده ﷾.
[ ١ / ١٥٠ ]
سابعًا: جريان السفن:
من آيات الله الباهرة الدالة على عظمته وقدرته وأنه المعبود وحده: جريان السفن على ظهر البحر، وتسخيرها للناس؛ فتعبر بهم المحيطات، وتنقل أثقالهم إلى بلاد بعيدة بيسر وسهولة وأمان، محفوظة –بحفظ الله سبحانه- من الأخطار.
وهذه الآية الكونية برهان عظيم على أن الخالق القادر هو الله ﷾، وهو المستحق لأن يعبد وحده، ولا يشرك معه شيء من مخلوقاته.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- هذا البرهان عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ﴾ ١؛ فقال: "أي من علاماته الدالة على قدرته واستحقاقه للعبادة وحده: الجواري؛ وهي السفن، واحدتها جارية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ٢؛ يعني سفينة نوح، وسميت جارية: لأنها تجري في البحر وماتضمنته هذه الآية الكريمة من أن جريان السفن في البحر من آياته تعالى الدالة على كمال قدرته، جاء موضحًا في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِوَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَإِلآ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [٣٢] . ٢ سورة الحاقة، الآية [١١] . ٣ سورة يس، الآيات [٤١-٤٤] . ٤ سورة العنكبوت، الآية [١٥] .
[ ١ / ١٥١ ]
النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه﴾ الآية٢. وقوله في فاطر: ﴿َتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٣ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة٤.
فالشيخ الأمين -﵀- يستدل على استحقاق الله للعبادة بجريان السفن التي تحمل الأثقال –في خضم البحر المتلاطم الأمواج- بيسر وسهولة، مكلوءة بحفظ الله ﷾، ولاريب أن هذه الآية الكونية من آثار رحمة الله، ودلائل قدرته ووحدانيته وألوهيته، وهي واضحة للعيان، ولكل طالب للحق.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٦٤] . ٢ سورة النحل، الآية [١٤] . ٣ سورة فاطر، الآية [١٢] . ٤ أضواء البيان ٧/١٩٤.
[ ١ / ١٥٢ ]
المطلب الثالث: أدلة بطلان إلهية ما سوى الله
بعد أن ذكر الشيخ الأمين رحمه الله تعالى البراهين العظيمة الدالة على أن المعبود بحق هو الله ﷾ المتصف بصفات الجلال والكمال أكد أن هناك براهين قطعية دلت على أن الآلهة المعبودة من دون الله باطلة، وعبادتها لا يرضى بها صاحب العقل السليم؛ إذ إنها متصفة بصفات النقص الدالة على العجز، والتي ينزه المعبود بحق عن الاتصاف بها.
يقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى؛ ﴿َاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ١: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الآلهة التي يعبدها المشركون من دونه متصفة بستة أشياء، وكل واحدة منها برهان قاطع أن عبادتها مع الله لاوجه له بحال، بل هي ظلم متناه، وجهل عظيم، وشرك يخلد به صاحبه في نار جهنم، وهذا بعد أن أثنى الله على نفسه جل وعلا بالأمور الخمسة المذكورة في الآية التي قبلها، التي هي براهين قاطعة على أن المتصف بها المعبود وحده.
والأمور الستة التي هي من صفات المعبودات من دون الله:
الأول منها: أنها لا تخلق شيئًا؛ أي لا تقدر على خلق شيء.
والثاني: أنها مخلوقة كلها؛ أي خلقها خالق كل شيء.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية [٣] .
[ ١ / ١٥٣ ]
والثالث: أنها لا تملك لأنفسها ضرًا ولا نفعًا.
والرابع والخامس والسادس: أنها لاتملك موتًا، ولاحياة، ولانشورًا؛ أي بعثا بعد الموت. وهذه الأمور الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت مبينة في مواضع أخر من كتاب الله تعالى" ١.
ثم ذكر -﵀- الآيات الدالة على هذا المعنى.
فاستدل للأمر الأول؛ وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله لا تخلق شيئًا، بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية٢. وبقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ٣.
وقد بين تعالى في آيات من كتابه الفرق بين من يخلق ومن لا يخلق، لأن من يخلق هو المعبود، ومن لايخلق لاتصح عبادته:
كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية٤: أي: وأما من لم يخلقكم فليس برب، ولا بمعبود لكم كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٦؛ أي ومن كان كذلك فهو المعبود وحده جل وعلا. وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٦/٢٦٩. ٢ سورة الحج، الآية [٧٣] . ٣ سورة الكهف، الآية [٥١] . ٤ سورة البقرة، الآية [٢١] . ٥ سورة النحل، الآية [١٧] . ٦ سورة الرعد، الآية [١٩] . ٧ سورة الأعراف، الآية [١٩١] .
[ ١ / ١٥٤ ]
واستدل للأمر الثاني؛ وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله مخلوقه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١، وبقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٢.
واستدل للأمر الثالث؛ وهو كونهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا بقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٣ –ومن لا ينصر نفسه فهو لا يملك لها ضرًا ولا نفعًا-، وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٤.
واستدل للأمر الرابع والخامس والسادس؛ وهي كونهم لايملكون موتًا ولاحياة ولانشورًا بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥؛ فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يدل دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور في الآية؛ ومنه الحياة المعبر عنها بـ"خلقكم"، والموت المعبر عنه بقوله: "ثم يميتكم"، والنشور المعبر عنها بقوله: "ثم يحييكم".
وبين أنهم لا يملكون حياة ولانشورا في قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه﴾ الآية٦.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٢٠] . ٢ سورة الأعراف، الآية [١٩١] . ٣ سورة الأعراف، الآيتان [١٩١-١٩٢] . ٤ سورة الأعراف، الآية [١٩٧] . ٥ سورة الروم، الآية [٤٠] . ٦ سورة يونس، الآية [٣٤] .
[ ١ / ١٥٥ ]
وبين أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلآ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية٢. إلى آخر ما أورده الشيخ -﵀- من أدلة في هذا الباب٣.
فالشيخ -﵀- يهتم بإبراز براهين التوحيد، ويعرضها بأسلوبه، وعلى طريقته في تفسير القرآن بالقرآن، مؤكدًا دلالتها على أن الله تعالى هو المعبود بحق وحده لا شريك له، وأن عبادة من دونه من أظلم الظلم، ومن الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار –عياذا بالله تعالى-.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية [١٤٥] . ٢ سورة المنافقون، الآية [١١] . ٣ انظر أضواء البيان ٦/٢٦٩-٢٧١.وانظر أيضًا: المصدر نفسه٤/٣١، ٣٢، ٥/٨٣٣. وقد أشار الرازي إلى هذه البراهين في تفسيره (التفسير الكبير ٢٤/٤٨) .
[ ١ / ١٥٦ ]
المبحث الثالث: أنواع العبادة
المطلب الأول: الدعاء
المبحث الثالث: أنواع العبادة
تمهيد:
العبادة منهج عملي شامل، وفق الأدلة الشرعية الثابتة.
عرفها الشيخ الأمين -﵀- بقوله: "العبادة لغة: الذل والخضوع؛ فكل مذلل: معبد. ومنه قيل للرقيق: عبد وقال الشاعر:
تباري عتاقًا جاريات وأتبعت
وظيفًا وظيفًا فوق مور معبد١
وفي الاصطلاح: التقرب إلى الله جل وعلا بامتثال ما شرع وأمر به، واجتناب ما نهى عنه، على وجه الخضوع والذل والمحبة" ٢.
أما عن كمال العبودية، فقد ذكر -﵀- لها شرطين، لا بد من اجتماعهما بها؛ وهما غاية الحب، وغاية الخضوع والذل، يقول -﵀- عند تفسير قوله ﷾ حكاية عن هود: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ٣: "فكل التكليفات والحقوق مندرجة تحت هذه الكلمة، ولهذا قال نبي الله هود: "اعبدوا الله"؛ أي تقربوا إليه وحده بما أمركم بالتقرب به إليه من العبادات على وجه الخضوع والذلّ والمحبة، فلا تكفي المحبة دون الخضوع والذلّ؛ لأنه قد يكون خاضعًا لمن يبغضه، تحت قهره وسلطانه، وباجتماع ذلك يحصل كمال العبودية لله" ٤.
_________________
(١) ١ من معلقة طرفة بن العبد، (انظر: شرح المعلقات العشر ص٤٣) . ٢ معارج الصعود ص٤٠، ٤١. ٣ سورة هود، الآية [٥٠] . ٤ معارج الصعود ص١٣٦. ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كلام حول هذا المعنى في رسالة العبودية (انظر: العبودية ص١٢٧) .
[ ١ / ١٥٧ ]
والعبادة تكون بالقلب واللسان والجوارح، وكلّ واحد من هذه الأقسام تندرج تحته أنواع كثيرة. فهي باب واسع دعا الله عباده إلى ولوجه، والسير فيه لنيل مرضاته؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١.
وفي هذا المبحث سأذكر بعض ما تطرق إليه الشيخ -﵀- من أنواع العبادة أثناء تفسيره لكتاب الله العزيز.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٥٣] .
[ ١ / ١٥٨ ]
المطلب الأول: الدعاء
وهو افتقار، وتذلل، وطلب ممن يملك النفع والضر في جلب خير، أو دفع شرّ.
وهو من أعظم أنواع العبادة؛ قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ–إلى قوله- دَاخِرِين﴾ ١،٢.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: نوعا الدعاء:
الدعاء ينقسم إلى نوعين؛
_ دعاء مسألة؛ وهو سؤال بأسمائه الحسنى.
_ دعاء عبادة: وهو التعبد لله بمقتضى هذه الأسماء؛ والنوعان متلازمان٣.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى هذين النوعين، وبين أنه لا اختلاف بينهما: لأنّ من دعا الله فقد تحققت منه العبودية.
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٤: "قال
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية [٦٠] . ٢ سنن الترمذي ٥/٢١١، وقال:"هذا حديث حسن صحيح". ٣ انظر: مجموع الفتاوى ١٥/١٠-١١. واقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٧٨. وبدائع الفوائد ١/١٦٤، ٣/٢-٣. ٤ سورة غافر، الآية [٦٠] .
[ ١ / ١٥٩ ]
بعض العلماء: "ادعوني أستجب لكم" اعبدوني أثيبكم عن عبادتكم. ويدلّ لهذا قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وقال بعض العلماء "أدعوني أستجب لكم": أي اسألوني أعطكم. ولا منافاة بين القولين؛ لأنّ دعاء الله من أنواع عبادته" ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- موضحًا هذا المعنى: "إن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر دعاء مسألة. ويدعى خوفًا ورجاء دعاء العبادة. فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٢ يتناول نوعي الدعاء، وبكلّ منها فسرت الآية؛ قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا" ٣.
وهذا ما بينه الشيخ الأمين -﵀- وأوضحه: أن من دعا الله دعاء المسألة فقد اعترف أنه المعبود النافع الضار وحده.
المسألة الثانية: إخفاء الدعاء:
أوضح الشيخ -﵀- أن إخفاء الدعاء أعظم من الجهر به ورفع الصوت، فقال -﵀- في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٩٦. وانظر أيضًا المصدر نفسه ١/١٨٣. ٢ سورة البقرة، الآية [١٨٦] . ٣ الفتاوى ١٥/١٠-١١. وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٧٨-٧٧٩، وبدائع الفوائد ٣/٢-٣، وزاد المعاد ١/٣٣٥.
[ ١ / ١٦٠ ]
خَفِيًّا﴾ ١: "أي دعاه في سر وخفية. وثناؤه جل وعلا عليه بكون دعائه خفيًا يدلّ على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحًا به في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣. وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء" ٤.
وما ذهب إليه الشيخ الأمين -﵀- من أن إخفاء الدعاء أفضل من الجهر به قال جمع غفير من العلماء٥.
فالشيخ الأمين -﵀- إنما أراد بقوله: "إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره" أن يؤكد أن ذلك أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء. وإذا كان الدعاء كذلك فهو أحرى بالإجابة.
المسألة الثالثة: النهي عن التعدي في الدعاء:
يوضح الشيخ -﵀- أنه لا ينبغي أن يطلب من الله ما ليس فيه مصلحة للسائل خوفًا أن يكون مما لا يرضاه الله ولا يحبه، فيقع السائل في المحظور.
يقول -﵀- موضحًا هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية [٣] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٦٣] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٥٥] . ٤ أضواء البيان ٤/٢٠٣-٢٠٤. ٥ منهم على سبيل المثال: القرطبي في الجامع لآحكام القرآن ٧/١٤٣، ١١/٥٢. وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ١٥/١٥-١٩. وابن القيم في بدائع الفوائد ٣/٦-٩. والألوسي في روح المعاني ١٦-٥٦. وغيرهم.
[ ١ / ١٦١ ]
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١: "أي لا تطلب مني الشيء الذي لا تعلم أن في طلبك إياه مصلحة؛ لأنك إذا سألت شيئًا لا ينبغي وقوعه فقد طلبت من الله أن يفعل ما لا ينبغي. فكأنك هنا قلت: اللهم أنج كافرًا من الكفار. فإذا جهلت شيئًا فتوقف حتى تعلم أن المصلحة في طلبه. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن العبد إذا اشتبه عليه الأمر في شيء: هل في سؤاله ربه أن يقضيه مصلحة أو لا؟ فإنه لا يسأل الله ذلك خوفًا من أن يكون مما يسخط الله تعالى ويؤخذ من هذا أنه لو علمك إنسان دعاء أعجميًا لا تعرف معناه لا ينبغي أن تدعو به" ٢.
وما ذكره الشيخ -﵀- هنا من النهي عن التعدي في الدعاء وسؤال الله ما لا ينبغي سؤاله: ذكره غيره من العلماء، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات. وتارة يسأل ما لا يفعله الله؛ مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازمه البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدًا من غير زوجة، ونحو ذلك من سؤاله اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله" ٣.
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [٤٦] . ٢ معارج الصعود ص١٢٧-١٢٨. ٣ الفتاوى ١٥/٢٢. وانظر: بدائع الفوائد ٣/١٣. وفتح القدير للشوكاني ٢/٥٠٢-٥٠٣. وتفسير المنار١٢/٨٥.
[ ١ / ١٦٢ ]
المطلب الثاني: التوكل
هو الثقة بالله، والاعتماد عليه، والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب.
وهو من أعظم أنواع العبادة، ولا يتم إيمان العبد إلا به؛ قال تعالى:
﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
عرفه الشيخ -﵀- بقوله: "التوكل على الله: الثقة به، وإسناد الأمور وتفويضها إليه مع تعاطي الأسباب؛ لأن الله أمر بها. ولابد مع تعاطيها من الثقة بأنه لا يقع إلا ما أراد الله تعالى" ٣.
وهو -﵀- حين وضح أن التوكل اعتماد على الله، وثقة به مع تعاطي الأسباب أكد أن التوكل لا يكون إلا على من يستحق العبادة، وهو الله جل وعلا؛ يقول -﵀- عند تفسير سورة الفاتحة: "وإتيانه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبنيًا واضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿ُفَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ ٤ الآية، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ٥، وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [١٢٣] . ٢ سورة المائدة، الآية [٢٣] . ٣ معارج الصعود ص٣٠٧. ٤ سورة هود، الآية [١٢٣] . ٥ سورة التوبة، الآية [١٢٩] .
[ ١ / ١٦٣ ]
وَكِيلًا﴾ ١ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ٢، إلى غير ذلك من الآيات٣.
ويذكر -﵀- الأدلة على أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب فيقول: "ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ٤، مع أنه تعالى لو أراد لأسقطه لها بدون هز منها. ومن أوضح الأدلة على ذلك قول يعقوب –الذي وصفه الله بالعلم في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ٥: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ ٦ محافظة عليهم من العين، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٧، فقد أخذ بالأسباب والحيطة، وصرح بأن الآعتماد على الله تعالى وحده، فهو متوكل وآخذ بالأسباب. ومما يدل أن السبب لا ينفع إلا بإرادة الله ما قصه الله في سورة الأنبياء وغيرها عن إبراهيم ﵇؛ فالنار طبيعتها المستمرة: الإحراق، ولكن عندما لم يرد الله لها أن تؤثر في إبراهيم أحرقت الحطب، وكانت عليه بردًا وسلامًا في آن واحد؛ كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٨. فالمؤثر في الحقيقة هو رب العالمين، ولو شاء أن تتخلف مقتضيات الأسباب لتخلفت، كما أنه لو شاء أن يجعل ما لم تجر العادة بأن يكون من الأسباب سببًا لجعله كذلك"٩.
_________________
(١) ١ سورة المزمل، الآية [٩] . ٢ سورة الملك، الآية [٢٩] . ٣ أضواء البيان ١/١٠٤. ٤ سورة مريم، الآية [٢٥] . ٥ سورة يوسف، الآية [٦٨] . ٦ سورة يوسف، الآية [٦٧] . ٧ سورة يوسف، الآية [٦٧] . ٨ سورة الأنبياء، الآيتان [٦٨-٦٩] . ٩ معارج الصعود ص٢١٤. وانظر المصدر نفسه ص١١٣، ٣٠٧.
[ ١ / ١٦٤ ]
وهذا الذي بينه الشيخ -﵀- من أن التوكل لا يتم إلا بالأسباب مع الاعتقاد أن الأسباب لا تفيد إلا إذا أرادها الله ﷾ أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بقوله: "فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع. فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله. لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله؛ كما يؤدي الفرائض، وكما يجاهد العدو ويحمل السلاح ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط مذموم" ١.
وأما عن ثمرات هذا التوكل، فيذكر الشيخ الأمين -﵀- أن التوكل الصحيح على الله سبب للوقاية من كل مكروه، والحفظ من كل شر؛ يقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ ٢: "دليل واضح على أن التوكل الصادق على الله، وتفويض الأمور إليه: سبب للحفظ والوقاية من كل سوء وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون التوكل على الله سببًا للحفظ والوقاية من السوء جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ٤"٥.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٨/٥٢٨-٥٢٩. وانظر: مدارج السالكين ٢/١٢٠. وشرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٥٢٠. ٢ سورة غافر، الآيتان [٤٤-٤٥] . ٣ سورة الطلاق، الآية [٣] . ٤ سورة آل عمران، الآيتان [١٧٣-١٧٤] . ٥ أضواء البيان ٧/٨٩.
[ ١ / ١٦٥ ]
المطلب الثالث: الولاء والبراء
الولاء والبراء نوعان من أنواع العبادة، وهما بمعنى الحب والبغض.
والولاء الذي هو الحب والنصر يكون لله ولرسوله ولدينه ولعباد الله الصالحين.
والبراء الذي هو البغض يكون لكل عدو لله ولرسوله ولعباد الله الصالحين.
ولا يتم إيمان العبد إلا بالولاء والبراء؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١.
وقد بين الشيخ -﵀- هذا الموضوع أتم بيان، وأوضح أن من تولى الكفار وأحبهم فهو منهم، قد انسلخ من إيمانه، إلا أن يكون ذلك بسبب الخوف من سطوتهم وبطشهم، فله الرخصة في مداراتهم في الظاهر دون الباطن.
يقول -﵀- مبينًا هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢: "ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين فإنه يمون منهم بتوليه إياهم، وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمنًا ما تولاهم، وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [٢٥٦] . ٢ سورة المائدة، الآية [٥١] .
[ ١ / ١٦٦ ]
لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١، ونهى في موضع آخر عن توليهم مبينًا سبب التنفير منه، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾ ٢. وبين في موضع آخر أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣: فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكلّ الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقًا، وإيضاح الكلام: لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم بقدر المداراة التي يتقى بها شرهم. ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة:
ومن يأت الأمور على اضطرار
فليس كمثل آتيها اختيارًا
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمدًا اختيارًا رغبة فيهم أنه كافر مثلهم" ٤.
وهذا الذي ذكره الشيخ -﵀- أورد نحوه الإمام ابن جرير الطبري٥ -
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآيتان [٨٠-٨١] . ٢ سورة الممتحنة، الآية [١٣] . ٣ سورة آل عمران، الآية [٢٨] . ٤ أضواء البيان ٢/١١٠-١١١. وانظر تفصيل ذلك أيضًا في: المصدر نفسه ٢/٤٣١، ٤٨٤، ٧/٢٢٩، ٨٢٤. ومعارج الصعود ص١٤٤. ٥ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، صاحب التفسير والتاريخ وتهذيب الآثار. إمام ثقة حافظ. ولد سنة (٢٤٠؟)، وتوفي في بغداد سنة (٣١٠؟) . (انظر: البداية والنهاية ١١/١٥٦، وسير أعلام النبلاء ١٤/٢٦٧) .
[ ١ / ١٦٧ ]
﵀- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾ ١، فقال: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء؛ يعني بذلك: فقد برىء من الله، وبرىء الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، إلا أن تتقوا منهم تقاة، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العدواة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل" ٢.
والشيخ الأمين -﵀- حين وضح أنه لا موالاة مع الكفار إلا في الظاهر في حال الخوف والتقية أكد -﵀- على الموالاة بين المؤمنين بعضهم مع بعض، لوحدة رابطة "لا إله إلا الله" التي تجمعهم؛ يقول -﵀- موضحًا هذا المعنى: "إن الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع وأن ينادى بالارتباط بها دون غيرها إنما هي دين الإسلام؛ لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تدتعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فربطُ الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك" ٣.
وقال -﵀- أيضًا في موضع آخر: "واعلم أنه لا خلاف بين العلماء في منع النداء برابطة غير الإسلام؛ كالقوميات، والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية [٢٨] . ٢ تفسير الطبري ٣/٤٤١. ٣ أضواء البيان ٣/٤٤١.
[ ١ / ١٦٨ ]
الإسلام وإزالتها بالكلية، فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضًا باتًا، على أن يعتاض عن ذلك بروابط عصبية قومية، مدارها على أن هذا من العرب، وهذا منهم أيضًا مثلًا. فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفًا من الإسلام، واستبدالها به صفقة خاسرة" ١.
وقال -﵀- أيضًا: "وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء هي رابطة "لا إله إلا الله" فلا يجوز النداء البتة برابطة غيرها، ومن والى الكفار بالروابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ٣، والعلم عند الله تعالى" ٤.
وقال -﵀- مبينًا موقف المسلم من قريبه الكافر: " وأن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية، والأوامر العصبية التي لاتمت إلى الإسلام بصلة؛ كما وقع من أبي طالب للنبي ﷺ. وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " ٥. ولكن تلك القرابات النسبية لايجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع؛ لأنها تشمل المسلم والكافر، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر، كما
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٣/٤٤٥. ٢ سورة المائدة، الآية [٥١] . ٣ سورة الأنفال، الآية [٧٣] . ٤ أضواء البيان ٣/٤٤٨. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد ٣/١١١٤ رقم ٢٨٩٧. ومسلم في صحيحه (١/١٠٦)، كلاهما من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٦٩ ]
قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية١ " ٢.
فالشيخ الأمين -﵀- يؤكد بهذا أن الولاء والبراء قائم على بغض الكفر وأهله ومعاداتهم، وعدم موالاتهم حتى تبقى للمسلم شخصيته المتميزة بإيمانه بربه، واعتزازه بدينه.
كما يؤكد -﵀- أن لا رابطة تجمع الناس وتوحد بينهم إلا رابطة "لا إله إلا الله"؛ تلك الرابطة المتينة، والعروة الوثقى التي تؤلف بين الأمم والأفراد والشعوب والقبائل.
ويكشف -﵀- أباطيل دعاة القومية العربية؛ تلك الدعوة الجاهلية المجردة عن العقيدة، والتي تساوي بين الإسلام والكفر، وتلغي رابطة الدين، وتحل محلها رابطة الوطن والجنس.
فالقومية من الحركات الهدامة المعاصرة التي ابتلي بها المسلمون في هذا الزمن، وقد حذر منها العلماء والمصلحون، وبينوا أنها حركة هدم وتخريب، تحاول اجتثاث الإسلام من جذوره واستئصال شأفته.
ومن العلماء الذين كشفوا زيف هذه الدعوة المضللة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز٣ حفظه الله؛ حيث بين بطلان هذه الحركة وما انطوت عليه من خدع وتمويه، وتلبيس على السذج الذين يتبعون كل ناعق، فينبذون دينهم الذي ارتضاه الله لهم؛ ذلك الدين العالمي الخالد الذي يوحد بين
_________________
(١) ١ سورة المجادلة، الآية [٢٢] . ٢ أضواء البيان ٣/٤٤٧. وقد أطال الشيخ -﵀- النفس في هذا الموضوع؛ فقد تحدث عنه في الجزء الثالث من تفسيره في صفحة (٤٨-٤٩)، ومن صفحة (٤٤١)، وحتى صفحة (٤٤٨) . ومثل هذا الكلام ورد في كتاب معارج الصعود ص٢٢٣ (جمعه/تلميذه د. عبد الله قادري) . ٣ هو العلامة أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز. ولد في الرياض عام (١٣٣٠هـ)، وتلقى العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثير من علماء الرياض، يشغل حال إعداد هذا البحث منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. (انظر: علماؤنا ص٢٩. مقدمة مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة ١/٩) .
[ ١ / ١٧٠ ]
الشعوب والقبائل والأوطان برابطة "لا إله إلا الله". فالأخوة في الإسلام فوق أي اعتبار آخر؛ لأن لها ضابطًا وقيمًا عظيمة، وغاية تصل إليها: فضابطها الكتاب والسنة؛ -إذ أن الحبّ لله، والبغض لله، كما هو موضح في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ -، وقيمها مجموع الدين الإسلامي، وغاية هذه الرابطة هي الجنة دار الأبرار المتحابين في الله.
وقد أوضح الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله -في معرض كشفه عن زيف دعوى القومية العربية- الأخطاء التي تمثلها الدعوة الفاسدة المفسدة، وهي:
أولًا: أن القومية تفرق بين المسلمين، وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي، وتفرق بين العرب أنفسهم؛ فهي معول هدم غربي استعماري يراد به تفريقنا وإبعادنا عن ديننا الذي فيه مجدنا الأكبر، وشرفنا الأعظم، وهو مصدر عزتنا، وسيادتنا، وتقدمنا على الأمم.
ثانيًا: إن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها، والدعوة إلى القومية من أمر الجاهلية؛ لأنها دعوة إلى غير الإسلام، ومناصرة لغير الحقّ. وكم جرّت الجاهلية على أهلها من ويلات وحروب طاحنة وقودها النفوس والأموال والأعراض، وعاقبتها تمزيق الشمل، وغرس العداوة والشحناء في القلوب، والتفريق بين القبائل والشعوب.
وأيضًا: إن الدعوة إلى القومية دعوة إلى البغي والفخر؛ لأن القومية ليست دينًا سماويًا يمنع أهله من البغي والفخر، وإنما هي فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها، والتعصب لها، والتعدي على من تطاول عليها بشيء، وإن كانت هي الظالمة وغيرها المظلوم.
ثالثًا: إنها سلم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين، واتخاذهم بطانة، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم.
[ ١ / ١٧١ ]
ويقولون: إن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي وإن تفرقت أديانهم، فهل هذا إلا مصادمة لكتاب الله، ومخالفة لشرع الله، وتعدّ لحدود الله، وموالاة ومعاداة وحبّ وبغض على غير دين الله؟!. ما أعظم ذلك من باطل، وما أسوأه من منهج: القرآن يدعو إلى موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين أينما كانوا، وكيفما كانوا، وشرع القومية العربية يأبى ذلك ويخالفه.
رابعًا: إن الدعوة إلى القومية، والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمه –بلا ريب- إلى رفض حكم القرآن: لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك على زعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعية تخالف حكم القرآن، حتى يستوي مجتمع القوميين في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم بذلك، وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين، والردة السافرة١.
وهكذا نرى كلام الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله يهتك أستار هذه الدعوة، ويبين أهدافها وكيدها للإسلام وأهله، ويوضح بجلاء انعدام معتقد الولاء والبراء الشرعي عند معتنقيها.
وهذا الكلام يخرج وكلام الشيخ الأمين -﵀- من مشكاة واحدة؛ إذ أن الشيخ الأمين -﵀- وضح، وبيّن، وأبدأ، وأعاد، وأبان أن لا رابطة تجمع أهل الأرض، وتربطهم بأهل السماء إلا رابطة "لا إله إلا الله".
وكلا الشيخين؛ أعني الشيخ الأمين -﵀-، والشيخ ابن باز حفظه الله أدركا خطر هذه الدعوة الضالة المضلة، وكشفا مخططاتها وأهدافها،
_________________
(١) ١ مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١/٢٨٩-٣٠٩ –باختصار وتصرف-.
[ ١ / ١٧٢ ]
وبينّا أنها دعوة إلى الجاهلية التي أنقذنا الله منها. فحذر الشيخان الأمة منها، ومن شرورها، ومن مغبة السير في ركابها، فأديا بذلك واجب النصح للأمة، فجزاهما الله إرشادهما ونصحهما خير الجزاء.
[ ١ / ١٧٣ ]
المطلب الرابع: الخوف والرجاء
امتدح الله من عباده من يجمع في عبادته له سبحانه بين الخوف والرجاء، بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١.
وقد جمع الله ﷾ بين هاتين العبادتين معلمًا بذلك عباده، كي لا يكون المؤمن من القانطين فيما لو اكتفى بالخوف، وترك الرجاء، وكي لا يكون من الآمنيين من مكر الله فيما لو اكتفى بالرجاء وترك الخوف من الله.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٢، فقال: "بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأنه شديد العقاب، فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع ودفع الضرّ. فاجتماع الخوف والطمع أدعى للطاعة. وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤، وقوله جل وعلا:
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية [٧٥] ٢ سورة الرعد الآية [٦] ٣ سورة الأنعام الآية [١٤٧] ٤ سورة الأنعام الآية
[ ١ / ١٧٤ ]
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾ ١، وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ الآية٢، إلى غير ذلك من الآيات" ٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "فاعلم أنهما متلازمان؛ فمن كان يرجو ما عند الله من الخير، فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس"٤.
وفي الأشرطة أوضح -﵀- موقف الإنسان من الخوف والرجاء حال حياته وعند مماته، فسمعته -﵀- يقول: "وقد أمرنا الله أن نكون في دعائه خائفين من عذابه وعقابه ونكاله، وطامعين في فضله ورحمته ورأفته وجوده وما عنده من الخير؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين: جلب النفع، ودفع الضر. وإذا كان من يعبد الله، أو يدعو الله يستشعر الخوف من الله، والطمع في ثوابه وما عنده من الخير كان الخوف والطمع جناحين يطير بهما إلى الاستقامة وينبغي للمسلم إذا دعا الله أو عبد الله أن يكون جامعًا بين الخوف من الله، والطمع فيما عند الله جلّ وعلا، فلا يترك الرجاء لئلا يكون من القانطين ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥، ولا يترك الخوف فيأمن مكر الله؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فيكون خائفًا من الله، طامعا راجيًا من فضل الله. والعلماء يقولون: ينبغي للإنسان وهو في أيام صحته أن يغلب الخوف دائمًا على الرجاء، وأن يكون خوفه أغلب من رجائه، فإذا حضره الموت غلب الرجاء في ذلك ليطغى على الخوف فلا ينبغي للمؤمن أن يموت إلا وهو
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآيتان [٤٩-٥٠] . ٢ سورة غافر، الآية [٣] . ٣ أضواء البيان ٣/٧٩-٨٠. ٤ أضواء البيان ٤/٢٠٠. ٥ سورة يوسف، الآية [٨٧] .
[ ١ / ١٧٥ ]
يحسن الظن بالله جل وعلا؛ بأن ربه رؤوف رحيم، كما جاء بذلك الحديث١ عن النبي ﷺ "٢.
وما ذكره الشيخ الأمين -﵀- عن الخوف والرجاء، وحال العبد بينهما أوضحه شارح الطحاوية -﵀- بقوله: "فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان قنوطًا ويأسًا. وكلّ واحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى، فإنك إذا خفته هربت إليه؛ فالخائف هارب من ربه إلى ربه" ٣.
ثم بين شارح الطحاوية أيضًا موقف العبد من الخوف والرجاء في حياته فقال: "قيل: إنّ العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه، بخلاف زمن الصحة، فإنه يكون خوفه أرجح من رجائه" ٤.
أنواع الخوف:
وفي الأشرطة يوضح الشيخ الأمين -﵀- الخوف المذموم، والفرق بينه وبين الخوف الطبيعي الذي جبل عليه الإنسان؛ فيقول -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ﴾ ٥: "في هذه الآية الكريمة، وأمثالها في القرآن الكريم سؤال معروف، وهو أن يقال: لا يوجد أحد إلا وهو يخشى من غير الله، ويخاف من غير الله؛ لأنّ كل المخاوف والمحاذير جُبلت طبائع البشر على الخوف والخشية منها، والذي لم يخف شيئًا من
_________________
(١) ١ يقصد قول الرسول ﷺ:"لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله ﷿". (رواه مسلم في صحيحه ٤/٢٢٠٦) . ٢ الشريط الأول من سورة التوبة، الوجه الثاني. ٣ شرح الطحاوية ص٣٧١-٣٧٢. ٤ المصدر نفسه ص٣٧٢. وانظر: مدارج السالكين ٢/٥١. ٥ سورة التوبة، الآية [١٨] .
[ ١ / ١٧٦ ]
المخاوف والمحاذير هذا أمر صعب. والعلماء يجيبون عن هذا جوابين: بعضهم يقول: الخشية التي هي شرك بالله والتي يحذر الله منها خشية الأصنام والخوف من المعبودات من دون الله. وهذا النوع دلت عليه آيات كثيرة؛ لأن عبدة الأصنام يخوّفون من يسبّ الأصنام بأنّ الأصنام ستفعل له وتفعل؛ كما قالوا لنبي الله هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ من دونه مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية١. وكذلك لما خوفوا منها نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقالوا له: ستفعل بك أصنامنا وتفعل، قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. وخوف بها نبي الله صلوات الله وسلامه عليه؛ كما نص الله عليه في سورة الزمر في قوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣، ثم ردّ عليهم، قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٤، وفي قراءة أخرى: ﴿كافي عباده﴾، وهذا كثير في القرآن، وهذه الخشية التي خاف صاحبها من عاقبة الأصنام كفر بالله وشرك به. وقال بعض العلماء: هي الخشية الدنيوية من الناس إذا كانت تحمل الإنسان على أن يعصي الله؛ كالذي يخشى من الكفار، ويجبن عن الجهاد في سبيل الله، كما تقدم في قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥. أما مايعرض للإنسان من الخوف من الأشياء والمحاذير بجبلته، فهذا أمر لا مخالفة فيه؛ لأنّ الله لا
_________________
(١) ١ سورة هود، الآيتان [٥٤-٥٥] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٨١] . ٣ سورة الزمر، الآية [٣٦] . ٤ سورة الزمر، الآية [٣٦] . ٥ سورة التوبة، الآية [١٣] .
[ ١ / ١٧٧ ]
يكلف نفسًا إلا وسعها كما هو معلوم" ١.
وكلام الشيخ الأمين -﵀- عن الخوف وأقسامه يؤيده كلام الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب٢ ﵏ أجمعين حين قسم الخوف، فذكر أنّ القسم الأول: خوف السرّ؛ وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما شاء من مرض أو فقر أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشئيته، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه هذا الخوف فهو مشرك، الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا الخوف من الناس، فهذا محرم. الثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ٣، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، وإنما يكون محمودًا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله. الرابع: وهو الخوف الطبيعي؛ كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، ونحو ذلك فهذا لايذم، وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵊ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٤ إلخ٥.
وهكذا فالشيخ الأمين -﵀- يفرق بين الخوف المذموم المفضي إلى الشرك، والموقع في معصية الله، وبين الخوف الطبيعي الذي جُبل عليه الناس؛ فهذا لا مؤاخذة فيه لأنه خارج عن طاقة الإنسان وإرادته.
_________________
(١) ١ سمعته بصوت الشيخ -﵀-، في الشريط الثاني من تفسير سورة التوبة: الوجه الأول. ٢ تقدمت ترجمته. ٣ سورة إبراهيم، الآية [١٤] . ٤ سورة القصص، الآية [٢١] . ٥ تيسير العزيز الحميد ص٤٨٤-٤٨٦ –باختصار وتصرف-. وانظر: الجامع لآحكام القرآن للقرطبي ٨/٥٨.
[ ١ / ١٧٨ ]
المطلب الخامس: الحكم بما أنزل الله
رسالة الإسلام عامة تشمل جميع شؤون الإنسان في هذه الدنيا. وهي تحقق له الخير العاجل والآجل، وتمنع من لحوق الضرر به فردا كان أو جماعة.
والحكم بما أنزل الله هو التطبيق لهذه الرسالة العالمية التي تربط المخلوق بالخالق، وتجعله خاضعًا منقادًا لأمر ربه ومالكه ومعبوده؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
فالحكم بما أنزل الله من الإيمان بالله، ومعنى ألوهية الله ووحدانيته: إفراده بالعبادة، والخضوع له في الحكم، وتنفيذ أوامره ظاهرًا وباطنًا؛ فلا يتم الإيمان إلا بتحكيم شرع الله؛ قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
يوضح الشيخ الأمين -﵀- هذا المعنى فيقول: "أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله ﷺ في جميع الأمور، ثمّ ينقاد لما حكم به ظاهرًا وباطنًا، ويسلم له تسليمًا كليًا من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، وبيّن في آية أخرى أنّ قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية [٧٠] . ٢ سورة النساء، الآية [٦٥] .
[ ١ / ١٧٩ ]
ظاهرًا وباطنًا لما حكم به ﷺ، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية١ ٢.
ويقول -﵀- في موضع آخر: "إن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ماشرعه الله. فكلّ تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لانزاع فيه" ٣.
ثم يسوق -﵀- الأدلة من القرآن الكريم الدالة على أنّ الحكم لله وحده، فيقول: "وقد دلّ القرآن في آيات كثيرة على أنه لا حكم لغير الله، وأنّ اتباع تشريع غيره كفر به. ومن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت﴾ الآية٥، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ ٦. وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٧، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ ٨، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٩، وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ
_________________
(١) ١ سورة النور، الآية [٥١] . ٢ أضواء البيان ١/٣٩٦-٣٩٧. ٣ أضواء البيان ٧/١٦٢. وانظر المصدر نفسه ٤/٨٢. ٤ سورة يوسف، الآية [٤٠] . ٥ سورة يوسف، الآية [٦٧] . ٦ سورة الأنعام، الآية [٥٧] . ٧ سورة المائدة، الآية [٤٤] . ٨ سورة الكهف، الآية [٢٦] . ٩ سورة القصص، الآية [٨٨] .
[ ١ / ١٨٠ ]
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١، والآيات بمثل ذلك كثيرة" ٢.
ثم لما ساق -﵀- الأدلة على أن لا حكم إلا لله ﷾، ذكر الأدلة على أنّ صرف هذا الحقّ الخالص لله لغيره كفر به جلّ وعلا، فقال: "وأما الآيات الدالة على أنّ اتباع تشريع غير الله المذكور كفر: فهي كثيرة جدًا؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ٥، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا٦.
وقد أطال -﵀- في تقرير هذا المعنى في مواضع كثيرة من تفسيره، وذلك لأهميته، وكثرة من خرج عن منهج الله فحكم بغير ما أنزل الله في هذا العصر.
وقد أكد -﵀- أنّ من حكم بغير ما أنزل الله فقد أشرك مع الله غيره، وخرج عن دائرة الإسلام؛ قال -﵀-: "إنّ كل من اتبع تشريعًا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج عن الملة الإسلاميةوالعجب ممن يحكّم غير تشريع الله، ثم يدعي الإسلام؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٧، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية [٧٠] . ٢ أضواء البيان ٧/١٦٢-١٦٣. ٣ سورة النحل، الآية [١٠٠] . ٤ سورة الأنعام، الآية [١٢١] . ٥ سورة يس، الآية [٦٠] . ٦ أضواء البيان ٧/١٦٣. ٧ سورة النساء، الآية [٦٠] .
[ ١ / ١٨١ ]
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١، وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٢"٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "إن من اتبع تشريع الشيطان مؤثرًا له على ماجاءت به الرسل، فهو كافر بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان ربًا، وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء، لأن الحقائق لاتتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم" ٤.
ويؤكد -﵀- أنّ من ترك حكم الله، واستعاض عنه بحكم القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه، واتبعها فيما أحلت وحرمت، وجوّز التحاكم إليها رغم مخالفتها لحكم الله جل وعلا أنه كافر لا يشك في كفره، فيقول: "إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم" ٥.
وبهذا تتجلى وقفة الشيخ الحازمة في وجه من غيَّر حكم الله، وحكم بحكم الطواغيت، حيث إنه يقول بكفره، بل وبكفر كلّ من يشك في كفره.
وليس موقف الشيخ -﵀- هذا على إطلاقه، بل نراه يبيّن في موضع آخر متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا مخرجًا عن الملة، ومتى يكون
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [٤٤] . ٢ سورة الأنعام، الآية [١١٤] . ٣ أضواء البيان ٣/٤٣٩-٤٤١. ٤ أضواء البيان ١/٤٧٦. ٥ المصدر نفسه ٤/٨٣-٨٤. وانظر أيضًا: ٣/٤٤٠، ٤/٨٢، ٧/١٦٩-١٧٣.
[ ١ / ١٨٢ ]
صاحبه مرتكبًا ذنبًا محرمًا لا يخرجه من دائرة الإسلام، فيقول -﵀-: "إنّ الكفر والظلم والفسق كلّ واحد منها ربما أطلق في الشرع مرادًا به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى؛ ومن لم يحكم بما أنزل الله: معارضة للرسل، وإبطالًا لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة. "ومن لم يحكم بما أنزل الله":معتقدًا أنه مرتكب حرامًا، فاعل قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة"١.
ورأي الشيخ -﵀- هذا هو رأي الأئمة الأعلام قبله، من أمثال الإمام ابن القيم -﵀- الذي قال: "إنّ الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين؛ الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم؛ فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا مع اعترافه بأنه مستحقّ للعقوبة، فهذا كفر أصغر.
وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطىء له حكم المخطئين" ٢.
وبهذا التفصيل الدقيق من ابن القيم -﵀- في هذه المسألة ندرك مدى توافق عقيدة الشيخ الأمين -﵀- مع عقيدة السلف قبله، وتتضح جهوده -﵀- في تقرير عقيدة السلف والسير على منهجهم واتباع طريقهم.
ولم يكتف الشيخ الأمين -﵀- ببيان أنّ الحكم بغير ما أنزل الله يتراوح بين أن يكون خروجًا عن ملة الإسلام، أو وقوعًا في كبيرة من كبائر
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/١٠٤. ٢ مدارج السالكين ١/٣٣٦-٣٣٧. وانظر للاستزادة: شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٣٦٣-٣٦٤ –فإن له كلامًا مشابهًا لكلام ابن القيم-. وتحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- ص٥-٧. فإنه فصّل في الموضوع، وجعل القسم المخرج من الملة ستة أنواع-. ومجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله ١/٨٤.
[ ١ / ١٨٣ ]
الذنوب، بل نراه يحذر المسلمين من الوعيد الذي توعد الله به من يتهاون في تنفيذ أوامره، أو يقصر في تحكيم شريعته بأنّ عاقبته وخيمة –عياذًا بالله تعالى-.
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ..﴾ الآية١: "اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات من سورة محمد، وتدبرها، والحذر التامّ مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأنّ كثيرًا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأنّ عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد ﷺ، وهو هذا القرآن، وما يبينه به النبي ﷺ من السنن، فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزّل الله: سنطيعكم في بعض الأمر؛ فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في كل الأمر؛ كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإنّ هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم، فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر" ٢.
والشيخ الأمين -﵀- يفرق بين النظام الإداري الذي ينظم الأمور بدون مخالفة للشرع؛ فهذا لا يمنعه، أما النظام المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فالعمل به كفر بالله العظيم.
يقول -﵀-: "اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك، وإيضاح ذلك: أن النظام قسمان: إداري وشرعي" ٣.
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية [٢٥] . ٢ أضواء البيان ٧/٥٨٩-٥٩٠. وانظر المصدر نفسه ٧/١٨١. ٣ أضواء البيان ٤/٨٤.
[ ١ / ١٨٤ ]
ثم يبين -﵀- النظام الإداري وأدلته، فيقول: "أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع: فهذا لامانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم. وقد عمل عمر ﵁ من ذلك أشياء كثيرة ماكانت في زمن النبي ﷺ؛ ككتابه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لايخالف الشرع لابأس به؛ كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لابأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة" ١.
ثم يذكر -﵀- النظام الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، ويسوق أمثلة مما يحادد الله ورسوله بها من الأعمال التشريعية، فيقول -﵀-: "وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض؛ كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق، وهو أعلم بمصالحها ﷾ عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ٣، ﴿وَلا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٨٤. ٢ سورة الشورى، الآية [٢١] . ٣ سورة يونس، الآية [٥٩] .
[ ١ / ١٨٥ ]
تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ١ "٢.
وهكذا نرى الشيخ الأمين -﵀- مثالًا للمؤمن المجاهد المشفق على أمته، فيحذرها مغبة ما يحاك ضدها من دسائس لتكفر بخالقها فيحق عليها العذاب. ويبين لها أن من أطاع مشرعي القوانين التي تحاد شرع الله فقد استحق الوعيد الشديد من الجبار جل وعلا. وأن من اتبع شرع الله، وحكّم الله في كل أمر من أموره صغيرًا كان أو كبيرًا نال سعادة الدنيا والآخرة.
وكذلك تتضح لنا سعة أفق الشيخ -﵀-، ودقة فهمه وكثرة فقهه، إذ يفرق بين النظام الذي هو محادة لله ورسوله فيحذر منه، وبين النظام الذي لا يخالف قواعد الشرع، وينظم مصالح العباد، فلا يمنع منه؛ إذ إنه من أمور الدنيا التي لا يخالف فعلها شرع الله ﵎.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [١١٦] . ٢ أضواء البيان ٤/٨٤-٨٥.
[ ١ / ١٨٦ ]
المبحث الرابع: ما يضاد إخلاص العبادة
المطلب الأول: الشرك بالله تعالى
المبحث الرابع: ما يضادّ إخلاص العبادة
بعد أن ذكرت –فيما مرّ- أنواع العبادة كما وضحها الشيخ الأمين -﵀-، وبيّنها في كتبه، أشرع ها هنا بذكر مايضادّ تلك ألأنواع، وينافي إخلاص العبادة؛ من الشرك الأكبر والأصغر وكبائر الذنوب، بحسب ما تطرق إليه الشيخ -﵀-، ووفق منهجه -﵀-.
قال تعالى ممتنّا على المؤمنين بأنه قد بغض إلى قلوبهم مايضادّ إخلاص العبادة؛ من كفر، أو فسوق، أو عصيان بفضله عليهم، ونعمته، ورأفته بهم جلّ وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ١.
ولبيان هذه الأنواع التي تضادّ إخلاص العبادة قسّمت هذا المبحث إلى مطالب:
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية [٧] .
[ ١ / ١٨٧ ]
المطلب الأول: الشرك بالله تعالى
كما أنّ أعظم طاعة وعبادة عُبد الله تعالى بها، وتُقرب بها إليه هي التوحيد، كذلك فإنّ أعظم ذنب عصي الله تعالى به على الإطلاق هو الشرك، لذلك فإنّ من مات عليه لايغفر له الله أبدًا، ويدخله النار خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ويحبط جميع عمله كبيره وصغيره؛ لأنه صرف أعظم حقّ من حقوق الله تعالى لغير الله تعالى فأحبط الله جميع عمله بسبب التفاته إلى غير خالقه جل وعلا.
وقد اهتمّ الشيخ الأمين -﵀- بهذا الجانب، وذكر أن كلّ مسلم يجب عليه أن يعرف ماهي العبادة، وما الذي يحبطها ويفسد العمل؛ فقال -﵀-: "اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة؛ وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات، فيخلص تقربه بذلك إلى الله، ولايصرف شيئًا منه لغير الله كائنا ماكان"١.
وقبول العبادة مبني على أمرين:
الأول: الإخلاص: وهو تجريد العبادة لله ﷾. وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
الثاني: العمل الصالح: وهو تجريد المتابعة لرسول الله ﷺ. وهو معنى شهادة أنّ محمدًا رسول الله.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٦٢٦.
[ ١ / ١٨٨ ]
وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١.
وهذا الموضوع؛ أعني الإشراك بالله تعالى –عياذا بالله من ذلك- من الموضوعات الخطيرة، لذلك اهتم الشيخ الأمين -﵀- ببيانه، وأطال النفس فيه جدًا؛ فقد بين -﵀- أن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يرجى له خلاص؛ لأنه أتى بظلم عظيم، فمن مات وهو يشرك بالله شيئًا فهو في نار جهنم خالدًا فيها؛ لأنه صرف العبادة إلى غير الخالق الرازق المعبود وحده ﷾ فقال -﵀-: "إن من أشرك بالله غيره ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك لا خلاص منه بوجه، ولانجاة معه بحال" ٢.
لذلك أهاب الشيخ -﵀- بكل مسلم أن يفرق بين حقوق الله الخاصة به سبحانه، وبين حقوق خلقه، وأن يعطي كل ذي حق حقه، حتى لايقع في هذا الأمر العظيم.
وأوضح -﵀- أن أعظم الحقوق الخاصة بالله تعالى: إخلاص العبادة له وحده جل وعلا، وأخلص مايكون وأصدقه حين تحيط الشدائد والكرب بالإنسان. فمن أخلص لله فقد عرف حقه، واقتدى بنبيه ﷺ.
يقول -﵀-: "اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، والتي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه؛ كحق النبي ﷺ ليضع كل شيء في موضعه على ضوء ماجاء به النبي ﷺ في هذا القرآن العظيم، والسنة الصحيحة. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته: التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب ودهمته
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [١١٠] . ٢ أضواء البيان ٥/٦٩٠-٦٩١. وانظر المصدر نفسه ١/٣٩٣.
[ ١ / ١٨٩ ]
الدواهي، لايجوز إلا لله وحده؛ لأنه من خصائص الربوبية، فصرف ذلك الحق لله، وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته، وطاعة رسوله ﷺ ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي ﷺ؛ لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة لله وحده جل وعلا"١.
ثم بين -﵀- الأدلة من القرآن الكريم على أن الإخلاص حق لله؛ لأنه هو الخالق الرازق القادر على كشف الدواهي والشدائد وحده؛ فقال -﵀-: "بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه أنّ التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى. ومن أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل؛ أعني قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢"٣.
ثم بيّن -﵀- محل الشاهد في هذه الآيات أنه قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤ فقال -﵀-: "فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعاه، وكشف السوء، وجعل الناس خلفاء في الأرض من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ . فتأمل قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾، مع قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء﴾ تعلم أنّ إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا وكشف السوء عن المكروبين، لا فرق في كونه من خصائص الربوبية
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٦١٨. ٢ سورة النمل، الآية [٥٩-٦٤] . ٣ أضواء البيان ٧/٦١٨. ٤ سورة النمل، الآية [٦٢] .
[ ١ / ١٩٠ ]
بينه وبين خلق السموات والأرض، وإنزال الماء، وإنبات النبات، ونصب الجبال، وإجراء الأنهار؛ لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، واتبع جميعه بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ . فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ضمن قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية"١.
ويوضح الشيخ الأمين -﵀- في موضع آخر أن كل ما لايقدر عليه إلا الله فهو حق لله ﷾، لا يطلب إلا منه، وإذا طلب من غيره كان صرفا لخصائص الله لغيره؛ لأن الله هو المعبود والمدعو في طلب كل خير، ودفع كل شر في الرخاء والشدة، فقال -﵀-: "واعلم أيضًا رحمك الله أنه لافرق بين ماذكرنا من إجابة المضطر، وكشف السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله كالحصول على الأولاد والأموال، وسائر أنواع الخير، فإن التجاء العبد إلى ربه في ذلك أيضًا من خصائص ربوبيته جل وعلا؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَه﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ الآية٤، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: " إذا سألت فاسأل الله" ٧. وقد
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٦١٩-٦٢٠. ٢ سورة يونس، الآية [٣١] . ٣ سورة العنكبوت، الآية [١٧] . ٤ سورة الشورى، الآية [٤٩] . ٥ سورة النحل، الآية [٧٢] . ٦ سورة النساء، الآية [٣٢] . ٧ جزء من حديث ابن عباس. أخرجه الترمذي في سننه ٤/٦٦٧، وقال:"حديث حسن صحيح".
[ ١ / ١٩١ ]
أثنى الله جل وعلا على نبيه ﷺ وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية١. فنبينا ﷺ كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجأوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء، فعلينا أن نتبع ولانبتدع" ٢.
فالشيخ -﵀- بيّن أن الإخلاص لله لابد أن يكون في جميع أنواع العبادة، لا يشرك مع الله أحدًا من خلقه، ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا؛ لأنه حق الله الذي افترضه على عباده، والعلامة الفارقة بين الإيمان والكفر.
ولكن هذا الحق صرف عند بعض الناس –ممن يدّعون الإسلام وزين لهم الشيطان سوء عملهم- إلى غير الله، فالتجأوا إلى ذلك الغير بأنواع العبادات من رغبة ورهبة عند نزول الملمات والكروب فصارت حالهم أعظم من حال المشركين الأوائل الذين كانوا يخلصون في الشدائد، ويشركون في الرخاء.
وقد وضح الشيخ الأمين حال هؤلاء فقال: "إن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده، ولا يصرفون شيئًا من حقه لمخلوق، وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة. ويعلم من ذلك أن بعض الجهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالًا من عبدة الأوثان؛ فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، وغشيتهم الأهوال والكروب التجأوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع أن إجابة المضطر وإنجاءه من الكروب من حقوقه التي لايشاركه فيها غيره" ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية [٩] . ٢ أضواء البيان ٧/٦٢٥-٦٢٦. وانظر المصدر نفسه ٤/٥٦١. ٣ أضواء البيان ٣/٦١٤.
[ ١ / ١٩٢ ]
فالشيخ الأمين -﵀- يميط اللثام عن هؤلاء الذين يفرطون في حقوق الله وخصائصه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا؛ ففاقوا المشركين في شركهم؛ إذ دعوا أوثانهم وتوجهوا إليها في الشدة والرخاء، والسعة والضيق؛ فهم أشد شركا من الذين قاتلهم النبي ﷺ، وأسوأ حالًا منهم؛ لأن أولئك كانوا يعلمون أن من يجيب الدعاء هو الله، فكانوا يلجؤون إليه وقت الشدائد والكرب، ويتركون أوثانهم.
وقد أشار إلى مشركي زماننا، وشدة تألههم لأوثانهم في الرغبة والرهبة الشيخ سليمان بن عبد الله١ -﵀- فقال: "وأما عباد القبور اليوم فلا إله إلا الله كم ذا بينهم وبين المشركين الأولين من التفاوت العظيم في الشرك؛ فإنهم إذا أصابتهم الشدائد برًا وبحرًا أخلصوا لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله، وأكثرهم قد اتخذ ذكر إلهه وشيخه ديدنه وهِجّيراه إن قام، وإن قعد، وإن عثر" ٢.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى نماذج من شرك هؤلاء الذين يدّعون أنهم من أتباع رسول الله ﷺ، فيغالون فيه، وفي بعض الصالحين زاعمين أنهم يحبونهم ويعظمونهم، وفعلهم في الحقيقة من الأمور التي توجب سخط الله وسخط رسوله ﷺ، فيقول -﵀-: "إن ما انتشر في أقطار الدنيا من الالتجاء في أوقات الكروب والشدائد إلى غير الله جل وعلا كما يفعلون ذلك قرب قبر النبي ﷺ وعند قبور من يعتقدون فيهم الصلاح زاعمين أن ذلك من دين الله ومحبة الرسول ﷺ وتعظيمه ومحبة الصالحين. وكله
من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات رسوله؛ لأن صرف
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته. ٢ تيسير العزيز الحميد، ص٢٢٠.
[ ١ / ١٩٣ ]
الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي ﷺ أو غيره ممن يعتقد فيهم الصلاح مستوجب سخط الله، وسخط النبي ﷺ وسخط كل متبع له بالحق" ١.
فالشيخ الأمين -﵀- يؤكد أن من توجه بشيء من حقوق الله إلى غيره فقد أغضب الله ورسوله ﷺ، وخالف طريقته، وترك الاقتداء به، فهو صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر أمته بأن يجعلوه لله ندا، بل كان يأمر بالإخلاص لله وإفراده بالعبادة وحده ﷾. وكذا الأنبياء قبله، وأصحابه رضوان الله عليهم.
يقول -﵀- مبينًا هذا المعنى: "ومعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه، وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء. والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢، بل الذي كان يأمر به ﷺ هو ما يأمره الله بالأمر به في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٣..٤.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٦٢٣-٦٢٤. ٢ سورة آل عمران، الآيتآن [٧٩-٨٠] . ٣ سورة آل عمران، الآية [٦٤] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٢٤.
[ ١ / ١٩٤ ]
المطلب الثاني: الذبح لغير الله
الذبح عبادة يتقرب بها إلى الله جل وعلا، ولا يجوز أن يتقرب بها لغيره؛ قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١.
وقد بين الشيخ الأمين -﵀- أن من ذبح لغير الله كائنا من كان فإنه جعله معبودًا له من دون الله، فقال -﵀-: " فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله فقد جعله شريكًا مع الله في هذه العبادة التي هي الذبح، سواء كان نبيًا أو ملكًا، أو بناء أو شجرًا أو حجرًا، أو غير ذلك، لافرق في ذلك بين صالح وطالح، كما نصّ عليه تعالى بقوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ ٢، ثم بين أن فاعل ذلك كافر، بقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣ "٤.
وكذا نرى الشيخ الأمين -﵀- لايرتضي قول من فرق بين ما ذبحه أهل الكتاب لصنم، وبين ما ذبحوه لعيسى، أو واحد من الملائكة؛ حيث جعلوا الأول محرمًا، والآخر مكروها، فيرد على هذا التفريق بأن الجميع مما ذبح لغير الله، فيقول -﵀-: "إن هذا الفرق باطل بشهادة القرآن؛ لأن الذبح على وجه القربة عبادة بالإجماع، وقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية٦ " ٧.
_________________
(١) ١ سورة الكوثر، الآية [٢] . ٢ سورة آل عمران، الآية [٨٠] . ٣ سورة آل عمران، الآية [٨٠] . ٤ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٠٤. ٥ سورة الكوثر، الآية [٢] . ٦ سورة الأنعام، الآية [١٦٢] . ٧ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٠٣.
[ ١ / ١٩٥ ]
ويستشهد -﵀- بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ١، فيقول: "وقوله: "لغير الله" يدخل فيه الملك والنبي كما يدخل فيه الصنم والنصب والشيطان، وقد وافقونا في منع ما ذبحوه باسم الصنم، وقد دل الدليل على أنه لا فرق في ذلك بين النبي والملك، وبين الصنم والنصب، فلزمهم القول بالمنع. وأما استدلالهم بقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ٢: فلا دليل فيه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ليس بمخصص لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ لأنه ذكر فيه بعض ما دل عليه عموم ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٣.
وما ذهب إليه الشيخ -﵀- من أنه لافرق في حكم الحرمة بين ما ذبح لعيسى أو للصنم؛ إذ إن كليهما مما قصد به غير الله ﷾، هو ما وضحه الإمام النووي٤﵀-، وبين أن من ذبح للأنبياء، أو للأصنام فهو ممن ذبح لغير الله، فقال: "وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى؛ كمن ذبح للصنم، أو الصليب، أو لموسى، أو لعيسى صلى الله عليهما، أو للكعبة، ونحو ذلك. فكلّ هذا حرام، ولا تحلّ هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا، أو نصرانيًا، أو يهوديًا، نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا. فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا"٥.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [٣] . ٢ سورة المائدة، الآية [٣] . ٣ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٠٤-١٠٥ الملحق بأضواء البيان. ٤ هو الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حزام النووي الدمشقي، ولد في (نوا) سنة (٦٣١هـ) وتوفي فيها سنة (٦٧٦هـ) . انظر طبقات الشافعية للسبكي ٥/١٦٥، والأعلام ٨/١٥٠. ٥ شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/١٤١.
[ ١ / ١٩٦ ]
فلا حجة لمن فرق بين ما ذبح للصنم، أو ذبح لعيسى ﵇ فالكل داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ١عندما ذكر ما حرمه علينا جلّ وعلا.
ومن المسائل التي وضحها الشيخ الأمين -﵀- في هذا الباب عدم جواز الذبح في مكان كان يعبد فيه غير الله، أو كان موضعًا لعيد من أعياد الجاهلية، وقد بين أثابه الله أن هذا الذبح معصية لله تعالى لا يتقرب به إلى الله، وقد استشهد بحديث ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلا ببوانه، فقال النبي ﷺ: " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد"؟ قالوا: لا. قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم"؟ قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٢.
وقد عقب -﵀- على هذا الحديث بقوله: "وفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد، أو عيد من أعياد الجاهلية من معصية الله، وأنه لا يجوز بحال. والعلم عند الله تعالى"٣.
وقد سبقه إلى نحو هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ إذ عقب على هذا الحديث بقوله: "وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم، ومحل أوثانهم معصية لله"٤. ثم بين كون ذلك معصية لله من وجوه عديدة، وقد أطال في الكلام على ذلك -﵀-.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [٣] . ٢ أخرجه أبوداود في سننه ٣/٦٠٧، وقال عنه الألباني: إسناده صحيح. (انظر: مشكاة المصابيح ٢/١٠٢٤، رقم ٣٤٣٧) . ٣ أضواء البيان، ٥/٦٨١. ٤ اقتضاء الصراط المستقيم ١/٤٤٠. وانظر: تيسير العزيز الحميد ص٢٠١.
[ ١ / ١٩٧ ]
المطلب الثالث: ادعاء علم الغيب
علم الغيب من خصائص الله ﷾، فلا يعلم الغيب إلا هو؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ ١وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ ٢.
والغيب كما ذكر الشيخ الأمين -﵀-: "يطلق على كل ما غاب من المعلومات"٣.
وهو يؤكد -﵀- أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وقد يطلع من شاء من رسله على شيء من المغيبات. يقول -﵀-: "أعلم المخلوقات وهم الرسل والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى. وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما يشاء؛ كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية٥ "٦.
لذلك فقد بين -﵀- أن جميع وسائل ادعاء الاطلاع على الغيب هي من الضلال الذي نهى الله عنه، وليس لنا إلا ما أطلع الله عليه رسوله،
_________________
(١) ١ سورة النمل، الآية [٦٥] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٥٩] . ٣ معارج الصعود ص١٠٠. وقد عرفه صاحب الصحاح (١/١٩٦): بأنه كل من غاب عنك. وانظر: تهذيب اللغة ٨/٢١٤. ٤ سورة آل عمران، الآية [١٧٩.] ٥ سورة الجنّ، الآيتان [٢٦-٢٧] . ٦ أضواء البيان ٢/١٩٦-١٩٧.
[ ١ / ١٩٨ ]
وأخبرنا به ﷺ، فيقول -﵀- موضحًا هذا المعنى:
"لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لايعلمه إلا الله كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين. وبعض منها مايكون كفرًا ولذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" ١. ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة٢. والكهانة٣، والعرافة٤، والطرق٥، والزجر٦، والنجوم. وكل ذلك يدخل في الكهانة، لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء الاطلاع على علم الغيب، وقد سئل ﷺ عن الكهان؟ فقال: "ليسوا بشيء" ٧" ٨.
ويؤكد الشيخ الأمين -﵀- أن ليس للعباد تسلط إلى معرفة الغيب، وأن جميع الطرق التي يدعي أصحابها أنها تنبىء عن الغائب كلها من البهتان. وهذا ما أوضحه الإمام القرطبي٩ -﵀- بقوله: "قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم٤/١٧٥١، إلا أنه قال:"ليلة"بدل"يوما". ٢ هي زجر الطير للتفاؤل، والتشاؤم بأسمائها وأصواتها وممرها. (انظر: اللسان ١١/١٦٧. وتهذيب اللغة ٣/٢٣١) . ٣ الكهانة مثل العرافة –كما سيأتي- (انظر: الصحاح ٦/٢١٩١. وتهذيب اللغة ٦/٢٤. واللسان ١٧/٢٤٤-٢٤٥) . ٤ العراف: هو الحازي أو المنجم الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه. (انظر: الصحاح ٤/١٤٠٢. وتهذيب اللغة ٢/٣٤٧ واللسان ١١/١٤٢. ٥ هو الضرب بالحصى، والخط في التراب، وهو ضرب من التكهن. (انظر: الصحاح ٤/١٥١٥. وتهذيب اللغة ١٦/٢٢٤، واللسان ١٢/٨٥) . ٦ ويكون للطير، وغيرها للتيمن بسنوحها، أو التشاؤم ببروحها، وهو ضرب من التكهن. (انظر: الصحاح ٢/٦٦٨. وتهذيب اللغة ١٠/٦٠٢) . ٧ أخرجه البخاري ٧/٨٢؛ ومسلم ٤/١٧٥٠. ٨ أضواء البيان ٢/١٩٧. ٩ هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي من كبار المفسرين. رحل إلى المشرق واستقر بمنية ابن خصيب في صعيد مصر. وتوفي ودفن بها سنة (٦٧١؟) . وانظر: شذرات الذهب ٥/٣٣٥.
[ ١ / ١٩٩ ]
خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على مايشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه" ١.
إذًا: فادعاء معرفة الأمور الغائبة ليس بالأمر الهيّن، بل هو زعم بمشاركة الله تعالى الذي لايعلم الغيب أحد سواه في علمه، ولذلك يبين الشيخ الأمين -﵀- أن بعض أهل العلم قد كفر من يدعي معرفة الغيب، ويسوق الأدلة التي استدلوا بها فيقول: "ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الاطلاع على الغيب أنه ادعى لنفسه ما أستأثر الله تعالى به دون خلقه، وكذب القرآن الوارد بذلك؛ كقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ ٢. وقوله هنا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُو﴾ " ٣.
وماذكره الشيخ -﵀- من أن مدعي الغيب كافر هو القول الحق الذي تنصره الأدلة الصريحة الدالة على أن الغيب لله وحده، وأنه من خصائص ألوهيته وربوبيته جل وعلا. والمتطاول إلى معرفة الغيب هو في الحقيقة مدع لمشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به. ولا شك في كفر من ادعى هذه المنزلة.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩/١٩. ٢ سورة النمل، الآية [٦٥] . ٣ أضواء البيان ٢/١٩٩.
[ ١ / ٢٠٠ ]
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي١ -﵀- موضحًا هذا الأمر: "إن الله تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك؛ بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله. وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله" ٢.
وبذلك يتبين كفر من ادعى علم الغيب بأي طريقة من الطرق الشيطانية؛ إذ إنه زعم لنفسه ما اختص الله به دون خلقه، وكذب بالقرآن العظيم، وبآياته الكريمة التي ذكر الله جل وعلا فيها أنه لايعلم الغيب أحد سواه جل وعلا.
_________________
(١) ١ هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن محمد آل سعدي. ينتهي نسبه إلى بني عمرو من قبيلة تميم. ولد في عنيزة سنة (١٣٠٧هـ)، وتوفي بها سنة (١٣٧٦هـ) . (انظر: علماء نجد ٢/٤٢٢. والأعلام ٣/٣٤٠) . ٢ القول السديد في مقاصد التوحيد ص٨٤-٨٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
المطلب الرابع: الحلف بغير الله
حذر الرسول ﷺ من الحلف بغير الله، وذلك لسد الطرق الموصلة للشرك، وحماية لجناب التوحيد، وحتى يكون الدين كله لله.
قال ﵊: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "١.
وهذا الشرك الذي عناه الرسول ﷺ بقوله:"أشرك"هو الشرك الأصغر، الذي لا يخلد صاحبه في النار، ولكنه على خطر عظيم إن لم يتب منه.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى أنه لا يجوز الحلف بغير الله، ومن حلف فإن يمينه باطلة، وإنما يكون الحلف صحيحًا إذا كان بالله، أو بأسمائه، أو صفاته.
قال -﵀-: "اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق؛ لقوله ﷺ: "من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت" ٢"٣.
ثم يرد -﵀- على من جوز الحلف برسول الله ﷺ مبينًا أن ذلك مصادمة للأمر النبوي الكريم المانع من الحلف بغير الله، فيقول: "ولا تنعقد يمين بمخلوق كائنا ما كان، كما أنه لا تجوز بإجماع من
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٤/١١٠، وقال: هذا حديث حسن. ٢ أخرجه البخاري ٧/٢٢١. ٣ أضواء البيان ٢/١٢٣. وانظر المصدر نفسه ٣/٣٤.
[ ١ / ٢٠٢ ]
يعتدّ به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله. فقول بعض أهل العلم١ بانعقاد اليمين به ﷺ لتوقف إسلام المرء على الإيمان به ظاهر البطلان، والله تعالى أعلم" ٢.
وهذا الذي قرره الشيخ الأمين -﵀- هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حين ذكر تنازع الناس في الحلف بالنبي ﷺ، ثم قال بعد ذلك: "إن الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أن لا يحلف بمخلوق؛ لا نبي ولا غير نبي، ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد" ٣.
وإذا كان الشيخ الأمين ﵀ يبيّن أن ليس للمخلوق أن يحلف بغير الله، فإنه يؤكد في موضع آخر أن للخالق أن يقسم بما شاء من خلقه، فيقول ﵀: " والله جلّ وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا ﷺ. وفي ذلك من التشريف له ﷺ ما لا يخفى"٤
وما بينه الشيخ -﵀- من أن للخالق أن يقسم بما شاء من خلقه أشار إليه الشيخ سليمان بن عبد الله٥ -﵀- بقوله: "فإن قيل إن الله أقسم بالمخلوقات في القرآن. قيل: ذلك يختص بالله ﵎؛ فهو يقسم بما شاء من خلقه لما في ذلك من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته،
_________________
(١) ١ منهم الإمام أحمد -﵀- في الرواية الأخرى، انظر مجموع الفتاوى ١/٣٣٥. ٢ أضواء البيان ٢/١٢٣. ٣ فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٧/٣٤٩. وانظر: تيسير العزيز الحميد ص٥٩٠. ٤ أضواء البيان ٣/٣٤. ٥ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وإلهيته، وعلمه، وحكمته، وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى. فالله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وقد نهانا عن الحلف بغيره، فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله" ١.
وهكذا نرى الشيخ الأمين -﵀- يؤكد أن للخالق جل وعلا أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للمخلوق أن يقسم بأحد سوى خالقه جل وعلا؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأن حلف المخلوق بغير خالقه قد يجره إلى أمر جد خطير، فقد يخرجه من الملة –عياذا بالله-؛ لأن الحلف بغير الله ذريعة من أقوى الذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر؛ إذ إن الحالف قد يتدرج في تعظيم المحلوف به، حتى يصل به إلى درجة المساواة مع الخالق جل وعلا، ولا يختلف اثنان أنّ هذا شرك أكبر.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد ص٥٩٠.
[ ١ / ٢٠٤ ]
المطلب الخامس: السحر
السحر من الأعمال المحرمة التي تضادّ التوحيد، وهو محادة لله ورسوله.
أنواعه كثيرة، ومن أعظمها السحر الذي لا يتم إلا بالإشراك بالله والتقرب إلى الشياطين، حتى يحققوا للساحر مراده من حصول بعض التأثيرات القبيحة فيمن يريد أن يسحره.
ومنه ما تحصل بسببه بعض التأثيرات القبيحة: كالتلبيس على العقول، أو القتل، أو التفريق بين المتحابين، أو أعمال أخرى كثيرة ومؤذية.
والسحر لا يؤثر إلا بإذن الله وإرادته الكونية؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ "١.
لذلك حارب الإسلام السحر، وحرمه على المسلمين لما فيه من ادعاء الاطلاع على المجهول، وذلك مشاركة لله في علمه، وكذلك لما فيه من التوسل إلى الشياطين والتقرب إليهم ليساعدوه في تحقيق مأربه.
وقليل السحر وكثيره لا يتم إلا بالتعرض لغضب الله وسخطه، وهو من
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٠٢] .
[ ١ / ٢٠٥ ]
السبع الموبقات.
وقد بسط الشيخ الأمين –﵀- الكلام عن السحر، وطرقه من جميع جوانبه. وقد أطال النفس فيه جدًا؛ فتكلم عن تعريفه، وهل هو حقيقة أو خيال؟ وحكم متعاطيه، وغير ذلك من المباحث.
تعريف السحر:
عرفه -﵀- لغة بقوله: "يطلق في اللغة على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق، ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر"١.
أما التعريف الإصطلاحي، فقال فيه: "لا يمكن حده بحدّ جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك يكون جامعًا لها، مانعًا لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافًا متباينًا"٢.
ولهذا السبب لم يعرف الشيخ الأمين –﵀- السحر تعريفًا اصطلاحيا؛ لأنه يرى أنه يصعب أن يحد بتعريف يكون شاملًا لجميع أنواعه وطرقه.
حقيقة السحر:
اختلف الناس في السحر: هل هو حقيقة، أم خيال فذكر الشيخ٣
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٤٤٤. وانظر أيضًا: المصدر نفسه ٤/٤٤٥. ومعارج الصعود ص٥١. وهو قول ابن منظور في لسان العرب ٤/٣٤٨. ٢ أضواء البيان ٤/٤٤٤. ٣ ذكر ذلك في أضواء البيان ٤/٤٤٤.
[ ١ / ٢٠٦ ]
-﵀- أنّ المعتزلة١وغيرهم٢ذهبوا إلى أنه لا حقيقة للسحر٣، وأنهم احتجوا بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٤، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الآية٥.
وذهب الجمهور إلى أن منه ما له حقيقة، وليس خيالًا فقط كما توهم البعض.
ورجح الشيخ الأمين –﵀- ما ذهب إليه الجمهور، وذكر شيئا من أدلتهم، فقال -﵀-: "والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة، لا مطلق تخييل لا حقيقة له. ومما يدلّ على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ٦؛ فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سببًا للتفريق بين الرجل وامرأته. وقد عبر الله عنه بـ"ما" الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضًا قوله
_________________
(١) ١ المعتزلة سموا بذلك لاعتزال رئيسهم واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري. وقيل لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر. ولهم أصول خمسة اشتهروا بها: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (انظر: الفرق بين الفرق ص ٢٠، ١١٤. والملل والنحل ١/٤٣. وخطط المقريزي ٢/٣٤٥. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص٤٩) . ٢ وممّن قال بهذا القول –كما ذكر الحافظ ابن حجر- أبو جعفر الاستراباذي –من الشافعية-، وأبوبكر الرازي –من الحنفية-، وابن حزم الظاهري (فتح الباري١٠/٢٣٣) . ٣ قال بذلك الزمخشري المعتزلي في الكشاف ٢/١٠٣. وقد رد عليه ابن المنيّر في حاشية الكتاب المذكور، وبين خطأ هذا القول وأوضح معتقد أهل السنة والجماعة (وانظر: بدائع الفوائد ٢/٢٢٧)، ومن المعاصرين أيضا من ينكر حقيقة السحر. ٤ سورة طه، الآية [٦٦] . ٥ سورة الأعراف، الآية [١١٦] . ٦ سورة البقرة، الآية [١٠٢] .
[ ١ / ٢٠٧ ]
تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ١؛ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن في عقدهن. فلولا أن السحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه"٢.
وهذه الأدلة التي استدل بها الشيخ الأمين –﵀- على حقيقة السحر أدلة صريحة على أنّ للسحر أثرا، ومنه ما هو حقيقة ومحسوس، وليس كله خيالًا.
وأما جانب الخيال في السحر: فيجعل الشيخ –﵀- من قصة سحرة فرعون مثالًا على الخيال في السحر، ولا يرضى قول من قال: إنّ سحرهم حقيقة لا خيال، فيقول -﵀-: "فإن قيل: قوله في (طه): ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ الآية٣، وقوله في (الأعراف) ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ٤الدالان علىأن سحر فرعون خيال لا حقيقة له، يعارضهما قوله في) الأعراف): ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ٥؛ لأن وصف سرحهم بالعظيم يدل على أنه غير خيال. فالذي يظهر في الجواب –والله أعلم- أنهم أخذوا كثيرا من الحبال والعصي، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال والعصي تسعى، وهي كثيرة. فظنّ الناظرون أنّ الأرض ملئت حيات تسعى لكثرة ما ألقوا من الحبال والعصي، وخافوا من كثرتها، وبتخييل سعي ذلك العدد الكثير وُصف سحرهم بالعظم. وهذا ظاهر لا إشكال فيه"٦.
فالشيخ -﵀- يوضح أن السحر وصف بالعظم؛ لكثرة ما ألقى
_________________
(١) ١ سورة الفلق، الآية [٤] . ٢ أضواء البيان ٤/٤٣٧-٤٣٨. وانظر: معارج الصعود ص٥١-٥٢. ٣ سورة طه، الآية [٦٦] . ٤ سورة الأعراف، الآية [١١٦] . ٥ سورة الأعراف، الآية [١١٦] . ٦ أضواء البيان ٤/٤٣٨.
[ ١ / ٢٠٨ ]
السحرة من الحبال والعصي، ولتخييلهم للناس أنها تسعى. فهذا النوع ليس السحر فيه حقيقة، بل هو تخييل.
وقد وافق الشيخُ -﵀- في فهم هذه الآية الحافظ ابن حجر حيث إنه جعل سحر سحرة فرعون من الخيال، لا من الحقيقة، فقال عند قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ١:"هذه الآية عمدة من زعم أن السحر إنما هو تخييل. ولا حجة له بها؛ لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن جميع أنواع السحر تخييل"٢.
فما قاله الشيخ الأمين –﵀- من أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون إنما هو تخييل، هو الصواب؛ فلا شك أنه من التخييل الناتج من تأثير السحر على أبصارهم حتى رأت غير الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ٣.
وحاصل الكلام أن السحر قسمان –كما ذكر ذلك الشيخ الأمين-: حقيقي، وخيالي، وهذا التقسيم تعضده الأدلة النقلية وهو مذهب جمهور المسلمين.
قال الإمام القرطبي -﵀- بعد ما ساق أدلة المعتزلة التي استدلوا بها علىأن السحر خيال لا حقيقة؛ مثل قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاس﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٥،
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [٦٦] . ٢ فتح الباري ١٠/٢٣٥-٢٣٦. وقد ذكر نحو هذا الكلام الإمام ابن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث ص١٢٣. ٣ سورة الأعراف، الآية [١١٦] . ٤ سورة الأعراف، الآية [١١٦] . ٥ سورة طه، الآية [٦٦] .
[ ١ / ٢٠٩ ]
فقال: "وهذا لا حجة فيه؛ لأننا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل، وورد بها السمع؛ فمن ذلك ما جاء في هذه الآية١من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدلّ على أنّ له حقيقة" ٢.
وأخيرًا أختم كلام العلماء في هذا الجانب بقول أحد أئمة الدعوة البارزين؛ وهو الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀- الذي قال: "وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل، ومنه ما له حقيقة" ٣.
حكم استعمال السحر، وتعلمه:
أوضح الشيخ الأمين –﵀- أن قول جمهور العلماء –منهم أبو حنيفة، ومالك، وأصحاب أحمد، وغيرهم- في الذي يستعمل السحر ويتعلمه أنه يكفر بذلك. وفي رواية عن أحمد ما يقتضي عدم كفره. وفصل الشافعي -﵀- في هذه المسألة، فقال: "إذا تعلم السحر، قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر؛ مثل ما في سحر أهل بابل من التقرب للكواكب، وأنها تفعل ما يطلب منها فهو كافر. وإن كان لا يوجب
الكفر: فإن اعتقد إباحته فهو كافر، وإلا فلا" ٤.
_________________
(١) ١ يعني قوله تعالى في سورة البقرة، الآية [١١٦]؟فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه؟. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٢/٣٢. ٣ تيسير العزيز الحميد ص٣٨٣. ٤ انظر: أضواء البيان ٤/٤٥٥. وانظر أيضًا: شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/١٧٦. والمغني ١٢/٣٠٠. وتيسير العزيز الحميد ص٣٨٤. وكتاب الدين الخالص ٢/٣٢٢.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقول الشيخ الأمين –﵀- في هذه المسألة شبيه بقول الشافعي وأصحابه، حيث إنه لا يكفر الساحر إلا أن يكون في سحره شرك بالله، فإن كان يتم بدون الإشراك بالله فهو لا يصل إلى الكفر، ولكنه محرم تحريمًا شديدًا، فيقول -﵀- موضحًا هذا المعنى:
"والتحقيق في هذه المسألة هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر، فهو كفر بلا نزاع. ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة؛ فإنه كفر بلا نزاع، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ١وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٤ وإن كان السحر لا يقتضي الكفر؛ كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها: فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر"٥.
والشيخ الأمين –﵀- ربط حكم السحر بما يتصل به من أسباب؛ فإن كانت أسبابه كفرًا، وكان لا يتم إلا بالتقرب إلى الشياطين والكواكب: فهو من أنواع السحر التي يكفر متعاطيها، وإن كانت أسبابه غير مكفرة؛ بمعنى أن الساحر لا يعظم أحدًا سوى الله، ولا يدّعي أنه يعلم الغيب، ولا يصرف شيئًا من العبادة لغير الله: فهذا ليس كفرًا وإن اشتمل على التخييل والكذب والخداع والغش، بل هو عمل محرم من كبائر الذنوب.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٠٢] . ٢ سورة البقرة، الآية [١٠٢] . ٣ سورة البقرة، الآية [١٠٢] . ٤ سورة طه، الآية [٦٩] . ٥ أضواء البيان ٤/٤٥٦.
[ ١ / ٢١١ ]
وللإمام النووي١﵀- كلام قريب من هذا المعنى؛ فقد قال -﵀- عن حكم السحر: "إنه قد يكون كفرًا، وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة. فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، وإلا فلا. وأما تعلمه ونعليمه فحرام؛ فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا. وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر، واستتيب منه، ولا يقتل عندنا، فإن تاب قبلت
توبته"٢.
وهكذا يتبين أن كلام العلماء -﵏- يتفق مع ما ذكره الشيخ الأمين –﵀- من عدم كفر الساحر مطلقًا، بل الأمر فيه تفصيل –كما مر معنا-.
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص؟؟. ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/١٧٦. وانظر للاستزادة أيضًا: فتح الباري ١٠/٢٣٥، وتيسير العزيز الحميد ص ٣٨٤.
[ ١ / ٢١٢ ]
حد الساحر:
اختلف العلماء ﵏ في حد الساحر: هل يقتل بمجرد فعله السحر، أو لا؟.
فذكر الشيخ الأمين -﵀- أقوال العلماء في هذه المسألة؟، وذكر أدلتهم، ثم ذكر ما ترجح لديه من هذه الأقوال.
وسوف أستعرض أقوال العلماء، وأدلتهم، وما ترجح لدى الشيخ الأمين -﵀- في هذه المسألة:
اتفق الأئمة الأربعة على قتل الساحر كفرًا إذا تضمن سحره الكفر١.
أما إن قتل بسحره إنسانًا، ولم يكن سحره متضمنًا الكفر: فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد ﵏. أما أبو حنيفة -﵀- فقال: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك، أو يقرّ بذلك في حقّ شخص معين.
وإذا قتل فإنه يقتل حدًا عندهم إلا الشافعي فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصًا٢.
أما هل يقتل الساحر بمجرد فعله السحر؟
قال مالك وأبو حنيفة ورواية عن أحمد: يقتل٣.
وقال الشافعي: الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر يقتل، فإذا عمل عملًا دون الكفر لم نر عليه قتلا٤. وهو رواية عن أحمد٥.
أما عن قبول توبة الساحر: فقد منع من قبولها الإمام أبو حنيفة، والإمام
_________________
(١) ١ انظر: تفسير القرطبي ٢/٣٣. وأضواء البيان ٤/٤٥٧. ٢ انظر: تفسير القرآن العظيم١/١٤٧. وشرح النووي على صحيح مسلم ١٤/١٧٦. ٣ انظر: المغني ١٢/٣٠٢. وتيسير العزيز الحميد ص٣٩١. ٤ انظر: فتح الباري ١٠/٢٤٧. والمغني ١٢/٣٠٢. ٥ المغني ١٢/٣٠٢ وتيسير العزيز الحميد ص٣٩١.
[ ١ / ٢١٣ ]
مالك، والإمام أحمد في رواية. وقال الإمام الشافعي والإمام أحمد في رواية أخرى: تقبل توبته.
وأما ساحر أهل الكتاب: فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل ساحر المسلمين. وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل: يعني لقصة لبيد بن الأعصم.
وأما الساحرة التي تنتسب إلى الإسلام: فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل١.
ونخلص من ذلك إلى أنه لا خلاف بين العلماء في قتل الساحر إذا اشتمل سحره على الكفر، أو قتل بسحره شخصًا معينًا بإقراره وإنما الخلاف في قتل الساحر الذي يشتمل سحره على عمل دون الكفر –كما مر عند ذكر أقوال العلماء في ذلك-.
وقد ترجح لدى الشيخ الأمين -﵀- أن الساحر الذي لا يتمّ سحره إلا بالكفر: يقتل كافرًا إن لم يتب؛ لأنه قد ارتد وبدل دينه. لكن إن استتيب فتاب وأناب فالراجح قبول توبته:
يقول -﵀-: "إن السحر نوعان منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ بصاحبه الكفر. فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر: فلا شك في أنه يقتل كفرًا؛ لقوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه" ٢. وأظهر القولين عندي في استتابته: أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته" ٣.
ويعلل -﵀- قبول توبة الساحر، فيقول: "لأن الله لم يأمر
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن كثير ١/١٤٧. وأضواء البيان ٤/٤٥٦، ٤٥٧. ٢ أخرجه البخاري في الصحيح ٨/١٦٣. ٣ أضواء البيان ٤/٤٥٨.
[ ١ / ٢١٤ ]
نبيه، ولا أمته ﷺ بالتنقيب عن قلوب الناس، بل بالاكتفاء بالظاهر. وما يخفونه في سرائرهم أمره إلى الله تعالى" ١.
وأما ساحر أهل الكتاب: فيؤكد -﵀- أنه يقتل، فيقول: "وأظهر الأقوال عندنا أنه لايكون أشد حرمة من ساحر المسلمين، بل يقتل كما يقتل ساحر المسلمين" ٢.
وأما من استدلّ بقصة لبيد بن الأعصم على عدم قتل ساحر أهل الكتاب: فقد ردّ الشيخ الأمين -﵀-، وبين سبب عدم قتل لبيد بن الأعصم مع أنه سحر النبي ﷺ بقوله: "بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة. فدلّ على أنه لولا ذلك لقتله. وقد ترك المنافقين لئلا يقول الناس محمد يقتل أصحابه، فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام، مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق؛ وهو عبارة عن المنافق –والله أعلم-"٣.
وأما المرأة الساحرة: فيرجح -﵀- أن حكمها حكم الرجل على التفصيل المتقدم، فيقول: "وأظهر القولين عندي: أن المرأة الساحرة حكمها حكم الرجل الساحر، وأنها إن كفرت بسحرها قتلت كما يقتل الرجل؛ لأن لفظة (من) في قوله: "من بدل دينه فاقتلوه " ٤ تشمل الأنثى على أظهر القولين وأصحهما إن شاء الله تعالى. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية٥؛ فأدخل الأنثى في لفظة (من)، وقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنّ﴾ الآية٦
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ٤/٤٥٨. ٢ أضواء البيان ٤/٤٧١. ٣ المصدر نفسه ٤/٤٧١. ٤ تقدم تخريجه قبل صفحتين. ٥ سورة النساء، الآية [١٢٤] . ٦ سورة الأحزاب، الآية [٣٠] .
[ ١ / ٢١٥ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ ١، إلى غير ذلك من الآيات" ٢.
وللعلماء أدلة وحجج في قتل الساحر وعدمه. وقد ذكر الشيخ الأمين -﵀- هذه الأدلة وناقشها، ثم رجح ما يظهر له أنه الصواب من الأقوال في ذلك. وهاك تفصيل ذلك:
أولًا: الذين قالوا بقتل الساحر مطلقًا:
استدلوا بآثار عن الصحابة، وحديث. فمن هذه الآثار:
١- قول عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: "اقتلوا كل ساحر". قال الراوي: فقتلنا في يوم واحد ثلاث سواحر٣.
٢- وما رواه مالك من أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت٤.
٣- ومارواه البخاري في تاريخه الكبير: "كان عند الوليد رجل يلعب. فذبح إنسانًا وأبان رأسه، فجاء جندب الأزدي٥ فقتله" ٦.
٤- وبما رواه الترمذي والدارقطني عن جندب قال: قال رسول الله
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية [٣١] . ٢ أضواء البيان ٤/٤٥٩. ٣ أخرجه أبو داود ٣/٤٣١-٤٣٢. وقال عنه الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: إسناده حسن. (انظر تيسير العزيز الحميد ص٣٩١-٣٩٢) . ٤ الموطأ ٢/٨٧١. ٥ هو جندب بن كعب بن عبد الله الأزدي، أبو عبد الله الغامدي. الملقب بـ (جندب الخير) . قال علي بن المديني، وابن حبان: له صحبة. (انظر: الاستيعاب ١/٢١٨. والإصابة ١/٢٥٠) . ٦ التاريخ الكبير للبخاري/ القسم الثاني من الجزء الأول ص٢٢٢.
[ ١ / ٢١٦ ]
ﷺ: " حد الساحر ضربة بالسيف" ١.
قال الشيخ الأمين -﵀- عن هذه الأدلة: "فهذه الآثار التي لم يعلم أن أحدًا من الصحابة أنكرها على من عمل بها، مع اعتضادها بالحديث المرفوع المذكور. وهي حجة من قال بقتله مطلقًا. والآثار المذكورة، والحديث فيهما الدلالة على أنه يقتل ولو لم يبلغ به سحره الكفر؛ لأن الساحر الذي قتله جندب ﵁ كان سحره من نحو الشعوذة والأخذ بالعيون، حتى إنه يخيل إليهم أنه أبان رأس الرجل، والواقع بخلاف ذلك. وقول عمر: "اقتلوا كل ساحر" يدل على ذلك لصيغة العموم٢"٣.
فالشيخ -﵀- يرى أن هذه الأدلة قوية ومعتبرة، ولها وزنها في الحكم؛ (أعني الحكم بقتل الساحر مطلقًا)؛ حيث إنها من عمل بعض الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يعلم أن أحدًا من الصحابة أنكرها على من عمل بها.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ٤/٦٠، وقال: والصحيح عن جندب موقوف. وسنن الدارقطني ٣/١١٤. وقال الشيخ الألباني: ضعيف (كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/٦٤١)، وقال الشيخ الأمين: لا يصح (كما في أضواء البيان ٤/٤٥٩) . ٢ قال الشيخ الأمين -﵀- عن الساحر الذي قتله جندب:"إن سحره من نحو الشعوذة، والأخذ بالعيون، وليس ذلك مما يقتضي الكفر المخرج من ملة الإسلام" (كما في أضواء البيان ٤/٤٦٢) . ويفهم من كلامه أن سحر التخييل ليس كفرًا. ولست أدري كيف يتفق كلامه هنا مع كلامه عن سحرة فرعون – (الذين كان سحرهم تخييلًا) - عندما فسر قوله تعالى: ﴿ولايفلح الساحر حيث أتى﴾ فقال:"وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر" (أضواء البيان ٤/٤٤٢) . وقد فصل -﵀- كما مر معنا فيما مضى- في حكم الساحر؛ إن كان لا يتم سحره إلا بالكفر فهو كافر، وإن كان لا يبلغ الكفر فهو محرم حرمة شديدة. وسحر الشعوذة والتخييل قد لا يتم إلا بطاعة الشيطان، والكفر بالرحمن، فيكفر فاعله بالله العظيم. وعلى هذا المنهج يقال إن سحر الشعوذة والتخييل ليس مما يقتضي الكفر المخرج من ملة الإسلام على إطلاقه، بل الأمر فيه التفصيل السابق. ٣ أضواء البيان ٤/٤٦١.
[ ١ / ٢١٧ ]
ثانيًا: أدلة من فصّلوا في الحكم على الساحر:
ذكر الشيخ الأمين -﵀- أدلة الفريق الثاني، وهي كما يلي:
١- استدلوا بما رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة" ١.
ووجه الاستشهاد بهذا الحديث: أن السحر الذي لم يكفر صاحبه ليس من الثلاث المذكورة في الحديث.
٢- واحتجوا بأن عائشة ﵂ باعت مدبرة لها سحرتها٢.
ولو وجب قتلها لما جاز بيعها.
وذكر الشيخ -﵀- أن بعضهم٣ أراد أن يوفق بين أدلة الفريقين بحمل أدلة الفريق الأول الدالة على قتل الساحر مطلقًا بأن المراد السحر الذي يشتمل على كفر. أما الذي لا يبلغ سحره الكفر فتحمل عليه أدلة من قال بعدم القتل.
لكن الشيخ -﵀- لم يرتض هذا الجمع، ورد على ذلك بقوله: "لا يصح؛ لأن الآثار الواردة في قتله جاءت بقتل الساحر الذي سحره من نوع الشعوذة؛ كساحر جندب الذي قتله. وليس ذلك مما يقتضي الكفر المخرج من ملة الإسلام كما تقدم إيضاحه؛ فالجمع غير ممكن. وعليه فيجب الترجيح: فبعضهم يرجح عدم القتل؛ بأن دماء المسلمين حرام إلا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٨/٣٨. ٢ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨/١٣٧. ٣ أمثال ابن المنذر –الذي نقل ذلك القرطبي عنه، ووافقه عليه-. (انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/٣٤) .
[ ١ / ٢١٨ ]
بيقين١. وبعضهم يرجح القتل؛ بأن أدلته خاصة، ولا يتعارض عام وخاص لأن الخاص يقضي على العام عند أكثر أهل الأصول كما هو مقرر في محله" ٢.
والشيخ الأمين -﵀- يميل إلى القول بعدم قتل الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، فيقول: "والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، ولم يقتل به إنسانًا أنه لا يقتل؛ لدلالة النصوص القطعية والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح. وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ، والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سنة مرفوعة غير ظاهر عندي.
والعلم عند الله تعالى. مع أن القول بقتله قوي جدًا بفعل الصحابة له من غير نكير" ٣.
وما قاله الشيخ -﵀-: قال به قبله الشافعي، وأحمد –في رواية- وابن المنذر٤، والنووي٥، والقرطبي٦.
حل السحر عن المسحور:
يقال لحل السحر عن المسحور، وكشفه وعلاجه: النشرة. وقد نقل الشيخ الأمين -﵀- اختلاف العلماء في حكمها، فذكر أن بعضهم قد أجازها، وبعضهم قد منع منها.
_________________
(١) ١ كما قال القرطبي (انظر: الجامع لآحكان القرآن ٢/٣٤) . ٢ أضواء البيان ٤/٤٦٢. ٣ أضواء البيان ٤/٤٦٢. ٤ هو الإمام الحافظ العلامة أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري. صاحب التصانيف الرائعة في اختلاف العلماء ولد بنيسابور سنة (٢٤٢؟)، وتوفي سنة (٣١٨؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/٤٩٠- ٤٩٢. والأعلام للزركلي ٦/١٨٤) . وقد نقل قوله، وقول الشافعي وأحمد في ذلك صاحب تيسير العزيز الحميد ص٣٩١. ٥ كما في شرحه على صحيح مسلم ٧/١٧٦. ٦ كما في الجامع لأحكام القرآن ٢/٣٤.
[ ١ / ٢١٩ ]
وممن أجازها: سعيد بن المسيب١ رحمه الله تعالى؛ قال قتادة٢:
(قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طبّ٣، -أو يؤخذ عن أمراته- أيُحلّ عنه، أو ينشر؟ قال: لابأس، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه) ٤.
ومال إلى هذا المزني٥، وقال الشعبي٦: لابأس بالنشرة٧. وكذا قال أبو جعفر الطبري. وممن كرهها: الحسن البصري٨.
أما الشيخ -﵀- فيرى أن السحر إن كان يحل بالآيات الشرعية، والأدعية المأثورة: فهذا مباح. وإن كان لا يحل إلا بسحر مثله، أو شيء ممنوع شرعًا: فهذا لايجوز.
يقول -﵀-: "إن استخراج السحر إن كان بالقرآن والمعوذتين وآية الكرسي، ونحو ذلك مما تجوز الرقية به: فلا مانع من ذلك. وإن كان
_________________
(١) ١ ابن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبومحمد. سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة. توفي سنة (٩٤؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء٤/٢١٧والبداية والنهاية ٩/١٠٥) . ٢هو قتادة بن دعامة بن عزيزالبصري المحدث المفسر. كان من أوعيةالعلم، وأحدعلماء التابعين توفي سنة (١١٧؟) . (انظر: سيرأعلام النبلاء٥/٢٦٩.والبداية والنهاية٩/١٠٥) . ٣ قال أبو عبيد: طُبّ: أي سحر، يقال منه: رجل مطبوب. ونرى أنه إنما قيل له مطبوب لأنه كنى بالطب عن السحر، كما كنوا عن اللديغ فقالوا: سليم. (انظر: تهذيب اللغة ١٣/٣٠٢) . ٤ أخرجه البخاري ٧/٢٩. ٥ هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني المصري تلميذ الشافعي. ولد سنة (١٧٥؟)، وتوفي سنة (٢٦٤؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/٤٩٢) . ٦ هو الإمام الحافظ عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي. راوية التابعين. توفي سنة (١٠٤؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٢٩٤) . ٧ انظر الجامع لأحكام القرآن ٢/٣٥. ٨ هو الحسن بن أبي الحسن؛ يسار. أبو سعيد مولى زيد بن ثابت. كان سيد أهل زمانه علما وعملًا. توفي سنة (١١٠؟) . (انظر سير أعلام النبلاء ٤/٥٦٣. والبداية والنهاية ٩/٢٧٨) . ونقل عنه الكراهة الشيخ الأمين في أضواء البيان ٤/٤٦٥.
[ ١ / ٢٢٠ ]
بسحر، أو بألفاظ عجمية، أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز: فإنه ممنوع. وهذا واضح، وهو الصواب إن شاء الله تعالى كما ترى" ١.
فالشيخ -﵀- لم يمنع النشرة إن كانت بسبب مباح شرعًا. أما النشرة التي تكون عن طريق الشيطان والسحرة: فهذه التي منعها؛ لأن السحر من السبع الموبقات، فكيف يحل الذهاب إلى الساحر والطلب منه أن يفك السحر، والله ﷾ لم يجعل شفاء أمة محمد ﷺ فيما حرم عليها.
وأختم هذه المسألة بكلام للشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن٢ -﵀- في النشرة، يقول فيه: "إن ما كان منه بالسحر فيحرم. وما كان بالقرآن والدعوات والأدوية المباحة فجائز. والله أعلم" ٣.
وهذا الكلام يتوافق مع ما قاله الشيخ الأمين -﵀- في هذه المسألة.
قدر تأثير الساحر في المسحور:
أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى أن هناك خلافًا بين العلماء في بيان القدر الذي يمكن أن يبلغه تأثير السحر في المسحور.
وقد فصّل الشيخ -﵀- في هذه المسألة، وجعل لها واسطة وطرفين.
فالطرف الأول: لا خلاف في أن تأثير السحر يبلغه؛ كالتفريق بين الرجل وامرأته، وكالمرض الذي يصيب المسحور من السحر، ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٤٦٠. ٢ هو العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. ولد في الدرعية سنة (١١٩٣؟)، وتوفي في الرياض سنة (١٢٨٥؟) . (انظر: علماء نجد ١/٥٦) . ٣ فتح المجيد ص٢٤٣. ويعزى هذا القول إلى الحافظ ابن القيم كما في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب. انظر فتح المجيد ص٢٤٣.
[ ١ / ٢٢١ ]
واستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة:
أما الكتاب: فأشار إلى قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ١.
أما من السنة: فأورد الحديث الثابت في الصحيحين، وفيه أن رسول الله ﷺ سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن٢.
والطرف الثاني: لا خلاف في أن تأثير السحر لايمكن أن يبلغه؛ كإحياء الموتى، وفلق البحر، ونحو ذلك.
وأما الواسطة: فهي التي وقع فيها الخلاف بين العلماء.
وأمثلتها: هل يجوز أن ينقلب الإنسان بالسحر حمارًا. أو الحمار إنسانا؟ وهل يصحّ أن يطير الساحر في الهواء؟ أو يدقق جسمه حتى يتمكن من الدخول من كوة ضيقة؟ أو ينتصب على رأس قصبة؟ أو يجري على خيط مستدق؟ أو يمشي على الماء، ويركب الكلب، ونحو ذلك؟
ثمّ ذكر -﵀- أن بعض الناس جعل من مقدور الساحر أن يفعل هذه الأمور. ومنهم الفخر الرازي٣. وبعضهم منع ذلك٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٠٢] . ٢ أخرجه البخاري ٧/٢٩. ٣ هو فخر الدين محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني. ويعرف بابن الخطيب. كان من قائمة الأشاعرة، وذكر ابن كثير أنه رجع إلى معتقد السلف. توفي سنة (٦٠٦) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/٥٠٠، والبداية والنهاية ١٣/٦٠) . ٤ انظر: أضواء البيان ٤/٤٦٦- ٤٦٧.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وممن أجازه المازري١، وقال: هو مذهب الأشعرية٢؛ لأنه لا فاعل إلا الله تعالى٣.
وكذلك أجازه القرطبي، ونقل ذلك عن بعض مشايخه، فقال: "قالوا: ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات، والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب، وغير ذلك. ومع ذلك فلا يكون السحر موجبًا لذلك، ولا علة لوقوعه، ولا سببًا مولدًا، ولا يكون الساحر مستقلًا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر. كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند شرب الماء" ٤.
أما موقف الشيخ -﵀- فيختلف عن موقف من أجازه بهذا المعنى الذي تقدم؛ فإنه -﵀- قد أوضح أن هذا النوع من السحر مقتدر
_________________
(١) ١ هو العلامة محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، من كبار فقهاء المالكية، كان بصيرًا بعلم الحديث. توفي سنة (٥٣٦هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/١٠٤. وشذرات الذهب ٤/١١٤) . ٢ هم أتباع أبي الحسن الأشعري، وعلى مذهبه في طوره الثاني، وكان –في طوره الثاني- على معتقد الكلابية، ثم رجع إلى معتقد أهل السنة والجماعة، والأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئه في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر، أما في الصفات فليسوا بجهمية بل فيهم نوع من التجهم. (راجع: الفتاوى ٦/٥٥. وانظر: الملل والنحل ص٩٤- ١٠٣. ومقدمة تحقيق د/عبد الله شاكر لرسالة أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري ص٦٣-٦٨) . ٣ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/١٧٥. (وانظر ص٢٦٣ ففيها نقد للعبارة الأخيرة لأنها خطأ) . ٤ الجامع لأحكام القرآن ٢/٣٣. إلا أنه لم يذكر تحويل الساحر الإنسان إلى حمار، والحمار إلى إنسان. ونقل عنه الحافظ ابن حجر قوله: (والحقّ أنّ لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب؛ كالحبّ والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان؛ بالألم والسقم. وإنما المنكور أنّ الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر، ونحو ذلك) . (انظر: فتح الباري ١٠/٢٣٣) .
[ ١ / ٢٢٣ ]
للساحر على سبيل أن الله هو خالق الأسباب ومسبباتها. وما يجري من هذه الأفعال فالسحر سبب له. لكنه -﵀- يميل إلى أن هذه الأمثلة هي من نوع التخييل والشعوذة، ليست من نوع تغيير طبيعة الشيء إلى غيرها. وقد أكد أنّ هذا المعنى هو الأظهر عنده فقال: "أما بالنسبة إلى أنّ الله قادر على أن يفعل جميع ذلك، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب وإن لم تكن هناك مناسبة عقلية بين السبب والمسبب كما قدمناه مستوفى في سورة مريم١، فلا مانع من ذلك والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢. وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه دليل مقنع؛ لأن غالب ما يستدلّ عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلًا إلى حقيقة أخرى. وهذا هو الأظهر عندي، والله تعالى أعلم" ٣.
وأوضح كلام الشيخ -﵀- ببعض النقاط:
أولًا: ما قاله الشيخ الأمين -﵀- من أنّ الله قادر على أن يفعل، وأنه سبحانه يجعل بعض الأسباب لها تأثير في بعض الأشياء. هذا هو معتقد أهل السنة في أفعال الله ﷾. والشيخ -﵀- بهذا الكلام يردّ على من جعل بمقدور الساحر أن يفعل ما مرّ معنا من الأمثلة، على كون الله هو الفاعل، وأن الساحر لا سبب له في ذلك ولا قدرة، وإنما خلقه الله عندما يريد الساحر ذلك، لا كونه جعله سببًا لحصول هذه الأمور. وهذا هو قول من ينكر حكمة الله والأسباب التي جعلها سببًا لحصول بعض
_________________
(١) ١ ذكر الشيخ ذلك في أضواء البيان ٤/٢٥٠. ٢ سورة البقرة، الآية [١٠٢] . ٣ أضواء البيان ٤/٤٦٧- ٤٦٨.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الأشياء، ولا فعل للعبد عندهم، والله هو الفاعل. وهذا هو قول الأشاعرة كما مرّ معنا، وهو مخالف للنقل والعقل وهو حقيقة قول الجبرية١. وقد بين شيخ الإسلام -﵀- مقدورات الله، وأنها على قسمين، فقال: "منها ما يفعله بواسطة قدرة العبد؛ كأفعال العباد وما يصنعونه. ومنها ما يفعله بدون ذلك؛ كإنزال المطر" ٢.
وبهذا يتضح مراد الشيخ الأمين -﵀-؛ وهو أنّ الله يعطي الساحر من الأسباب ما به يستطيع أن تحصل له هذه الأمور، والله هو خالق الأسباب ومسبباتها.
ثانيًا: ما ذكر الشيخ -﵀- من الأمثلة المختلف فيها عن مقدورات الساحر: فهي بمقدور الخلق من الجنّ والإنس فعله، وليست بصعبة عليهم. أما المثال الذي ذكره ضمن الأمثلة؛ وهو أن الساحر بمقدوره أن يقلب الإنسان حمارًا، والحمار إنسانًا: فهذا ليس باستطاعة الخلق فعله؛ لأنه ليس من مقدورهم، إلا على سبيل التخييل والشعوذة؛ لأن السحرة تساعدهم الشياطين، وهذا الأمر ليس باستطاعة الشياطين فعله؛ لأنها لا تستطيع قلب عين إلى آخر، ولا التصرف في الطبائع والحقائق، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وجميع ما يختص بالسحرة والكهان وغيرهم ممن ليس بنبيّ: لا يخرج عن مقدور الإنس والجنّ. وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرقفما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت هو من مقدور الجنّ،
_________________
(١) ١ فالله هو الخالق –والعبد هو الفاعل فهو المصلي والصائم، والسارق والشارب، فهذه أفعال العبد التي يثاب ويعاقب عليها والله الخالق: والله خلقكم وما تعملون، فالله خالق أفعال العباد، والعباد يفعلون أفعالهم حقيقة. هذا معتقد أهل السنة، وانظر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حول هذا الموضوع ٣/١٢-٢٠. ٢ النبوات ص٤١٧.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وهو من جنس مقدور الإنس" ١.
وقال أيضًا: "فإنّ الساحر قد يصعد في الهواء والناس ينظرونه، وقد يركب شيئًا من الجمادات؛ إما قصبة، وإما خابية، وإما مكنسة، وإما غير ذلك فيصعد به الهواء، وذلك أنّ الشياطين تحمله. وتفعل الشياطين هذا ونحوه بكثير من العباد والضلال من عباد الشركس وكذلك المشي على الماء: قد يجعل له الجن ما يمشي عليه وهو يظن أنه يمشي على الماء، وقد يخيلون إليه أنه التقى طرفا النهر ليعبر، والنهر لم يتغير في نفسه، ولكن خيلوا إليه ذلك" ٢.
إذًا: ما يفعله الساحر من هذه الأمور يكون بمساعدة الشيطان له، فتتضافر قدرة الشيطان مع فعل الساحر فيحصل المطلوب.
فالشياطين يتلبسون بالسحرة، ويحققون مآربهم إذا أطاعوهم، لكن لا يستطيعون قلب عين إلى أخرى؛ لأنه ليس بمقدور الخلق فعل ذلك، وإنما هو الله وحده.
والشيخ الأمين -﵀- يميل إلى أنّ هذه الأمور التي يظهر منها أنّ عين الشيء انقلبت إلى أخرى هي من التخييل والشعوذة، وسحر عين الرائي، وليس من قلب الحقيقة إلى أخرى.
ولا شك أن عمل الساحر إما أن يكون بالتأثير على أعين الناس؛ فيرون الشيء على غير حقيقته. وإما أن يكون التأثير في المشاهد بفعل السحر الذي يتم بتعاون الشياطين مع السحرة؛ قال ابن القيم ﵀: "إنّ الساحر يفعل هذا وهذا؛ فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به. وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية
_________________
(١) ١ النبوات ص٣٩١. ٢ المصدر نفسه ص٣٩٤- ٣٩٥.
[ ١ / ٢٢٦ ]
حتى يتصرف فيها" ١.
وكل ذلك –ولله الحمد- ليس فيه قلب للحقائق كما قال الشيخ الأمين -﵀-؛ لأن السحر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- لا يتعدى مقدور الخلق، والخلق ليس باستطاعتهم قلب الطبائع.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ٢/٢٢٨.
[ ١ / ٢٢٧ ]
المطلب السادس: البناء على القبور
من أعظم الأمور خطرا على عقيدة المسلم: هذه الفتنة التي انتشرت في الكثير من بلاد المسلمين؛ ألا وهي فتنة البناء على القبور، ورفع القباب الفخمة، والمباني الكبيرة عليها، وإنفاق الأموال الطائلة على زخرفتها وتزويقها. فإذا رآها الجاهل عظمها في قلبه، ودخلت عليه المهابة من صاحب القبر. فصار ذلك وسيلة للوقوع في الشرك؛ إذ قد يزين له الشيطان أن يطلب من صاحب القبر الذي اعتقد أنه عظيم من العظماء ززقعت في قلبه مهابته ما لا يقدر عليه إلا الله فيقع في الشرك الذي حذرنا منه رسولنا الكريم ﷺ.
وسدًا لهذه الذريعة نهى رسول الله ﷺ عن إقامة الأبنية على القبور، ولعن من يفعل ذلك؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ١.
ولا شك أنّ البناء على القبور محادة لله ورسوله. ورغم أنه كذلك فقد صار في بعض بلدان المسلمين دينًا يتقرب به إلى الله؛ وذلك بسبب جهل الناس، وقلة من ينكر عليهم ذلك.
وقد ذكر الشيخ الأمين -﵀- أن بعض من يفعل ذلك زعم أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ المساجد على القبور، وذكر -﵀- أن عمدتهم في
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٢/١٣٦، وقال: حديث حسن.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ١، وما ثبت في الصحيح من أنّ موضع مسجد النبي ﷺ كان فيه قبورًا للمشركين٢.
وقد عقب -﵀- على هذا الاستدلال الذي به جوزوا البناء على القبور بوصفه إياه بأنه: "في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله" ٣.
وقد تبنى -﵀- رد الإمام الطبري -﵀- على من استدل بهذه الآية، وهذا الحديث على جواز البناء على القبور بقوله: "وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم مانصه: وقد اختلف في قائلي هذه المقالة٤: أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار، فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة؛ إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري. وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدلّ له ذكر المسجد؛ لأن اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية أنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ إلا من طمس الله بصيرته؛ فقابل قولهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ٥ بقوله ﷺ في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " الحديث٦. يظهر لك أنّ من اتبع هؤلاء القوم في
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٢١] . ٢ سياتي تخريجه عند الردّ على استدلالهم به بعد صفحتين. ٣ أضواء البيان ٣/١٧٦. ٤ يقصد: الذين قالوا: لنتخذن عليهم مسجدًا –كما حكى الله عنهم ذلك-. ٥ سورة الكهف، الآية [٢١] . ٦ أخرجه مسلم ١/٣٧٦، من حديث عائشة ﵂.
[ ١ / ٢٢٩ ]
اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق ﷺ كما هو واضح. ومن كان ملعونًا على لسانه ﷺ فهو ملعون في كتاب الله، كما صحّ عن ابن مسعود ﵁؛ لأنّ الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ "٢.
وبذلك يتضح أنّ هذه الآية لا تدل على جواز البناء على القبور كما زعم بعضهم.
وقد قال العلامة الألوسي٣ -﵀-: "وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة، مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٤.
وهذا واضح؛ إذ لو كان شرعًا لمن قبلنا لما لعن رسول الله ﷺ فاعله من الأمم الماضية، فدلّ على أنه من الأمور المحرمة عند جميع الأمم؛ لأنه من وسائل الشرك. وكما هو معروف فإن الأنبياء جميعهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويسدون الذرائع الموصلة إلى عبادة غيره جل وعلا.
أما استدلالهم بأنه كان في موضع مسجد الرسول ﷺ قبور للمشركين؛ فقد نقل الشيخ الأمين -﵀- ردّ الإمام الطبري على هؤلاء فقال -﵀-: "وأما استدلالهم بأن مسجد النبي ﷺ بالمدينة مبني في محل مقابر المشركين: فسقوطه ظاهر؛ لأنّ النبي ﷺ أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها؛ ففي الصحيحين من
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية [٧] . ٢ نقلًا عن أضواء البيان ٣/١٧٧؛ فإني لم أعثر عليه في تفسير الطبري. ٣ شهاب الدين أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسني الألوسي. ولد في بغداد سنة (١٢١٧؟) . وتوفي سنة (١٢٧٠؟) . من تصانيفه: روح المعاني، (انظر: الأعلام ٧/١٧٦-١٧٧. والتفسير والمفسرون ١/٣٥٢) . ٤ روح المعاني ١٥/٢٣٩.
[ ١ / ٢٣٠ ]
حديث أنس ﵁: "فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل. فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة " الحديث. هذا لفظ البخاري١، ولفظ مسلم قريب منه بمعناه٢. فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر ﷺ بنبشها وإزالة ما فيها، فصار الموضع كأن لم يكن فيه قبر أصلًا؛ لإزالته بالكلية. وهو واضح كما ترى" ٣.
ولذلك لايوجد –ولله الحمد- أدلة يتمسك بها من أجاز البناء على القبور؛ لأنّ مبدأ عبادة الأوثان أصلها من الفتنة بالمقبورين. لذلك نهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وحذر أمته من ذلك. وكلّ ذلك من نصحه ﵊ لأمته، ومن حرصه على حماية جناب التوحيد؛ فالفتنة بالمقبورين من الوسائل الموصلة إلى عبادتها من دون الله جل وعلا، وهذا ما يريده الشيطان من المؤمنين؛ يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا.
وقد بيّن الشيخ الأمين -﵀- حرمة البناء على القبور فقال: "والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز البناء على القبور ولا تجصيصها؛ لما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي الهياج الأسدي٤ أن عليًا ﵁ قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؛ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" ٥، ولما ثبت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه ١/١١١. ٢ انظر: صحيح مسلم ١/٣٧٣. ٣ نقلًا عن أضواء البيان ٣/١٧٧. ٤ هو حيان بن حصين الكوفي، روى عن علي، وعمار، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: تابعي ثقة. (انظر: تهذيب التهذيب ٣/٦٧) . ٥ أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٦٦.
[ ١ / ٢٣١ ]
في صحيح مسلم وغيره أيضًا عن جابر ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" ١. فهذا النهي ثابت عنه ﷺ، وقد قال: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " ٢ وقال جل وعلا: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣"٤.
وهذه النصوص الشرعية التي ذكرها الشيخ -﵀- أدلة قاطعة على تحريم هذا العمل، حتى تبقى دعوة التوحيد خالصة لله لا يشوبها إشراك؛ لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا. ودليل على الحذر من جنس أعمالهم حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس. ثم من المعلوم ما قد ابتلى به كثير من هذه الأمة من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء. وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة" ٥.
ولذلك نرى الشيخ الأمين -﵀- يؤكد أن عقيدة هذه الأمة المحمدية هي تحريم البناء على القبور، وقد أيد كلامه بالنصوص الصريحة في النهي عن البناء على القبور، وفي الأمر بهدم ما بني منها وتسويته بالأرض سدًا لذريعة الشرك. وحماية لجناب التوحيد.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ٢/٦٦٧. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٤٢. ٣ سورة الحشر، الآية [٧] . ٤ أضواء البيان ٣/١٧٧- ١٧٨. ٥ اقتضاء الصراط المستقيم ١/٢٩٥.
[ ١ / ٢٣٢ ]
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين في توضيح توحيد الأسماء والصفات
المبحث الأول: جهود الشيخ في إبراز عقيدة السلف في الصفات
المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين في توضيح توحيد الأسماء والصفات
تمهيد:
إن توحيد الأسماء والصفات من أصول دين الإسلام الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه.
وتوحيد الأسماء والصفات أحد أقسام التوحيد الثلاثة الذي لا يتم الإيمان إلا به، والله ﷾ خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه.
والطريق إلى معرفة الله يكون بمعرفة أسمائه وصفاته، والتعبد بها، وقد عرف رسول الله ﷺ أمته به. والله ﵎ وصف لنا نفسه سبحانه، ووصفه رسوله ﷺ. وليس لنا طريق لمعرفته إلا الكتاب والسنة؛ لأن الله لا يرى في هذه الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ ١، وكما قال ﷺ: "إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" ٢.
فهذا النوع من التوحيد من أشرف العلوم، وبمعرفته يتم إيمان العبد. وهو يستلزم أن لا يعبد إلا الله، ولا يتوجه إلا إليه سبحانه؛ فهو إذًا مستلزم لتوحيد الألوهية؛ فإذا أخبرنا الله بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وبأنه الخالق والرازق، والمعطي والمانع فهذا يستلزم أن لا نصرف شيئًا من العبادة إلا إليه، وأن لا نشرك به أحدً جلّ وعلا.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٤٣] . ٢ أخرجه مسلم (٤/٢٤٥)، والترمذي (٤/٥٠٨) .
[ ١ / ٢٣٥ ]
وللإمام ابن القيم -﵀- كلام نفيس حول هذا المعنى يقول فيه -﵀-: "فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ أعني من موجبات العلم بها، والتحقق بمعرفتها وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فعلم العبد بتفرد الربّ تعالى بالضر والنفع، والعطاء والمنع، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة: يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا. وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كلّ ما لا يرضي الله"١.
ثم يذكر بعض الصفات وآثارها، ويختم كلامه بقوله: "فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات"٢.
ولذلك فأهمية هذا التوحيد في حياة المسلم عظيمة، وآثاره في هذا الكون جليلة.
وقد تكفل الله بإظهار دينه، وبحفظه عن التبديل والتحريف حتى يبقى الدين كله لله، وهيأ له العلماء الذين يذوذن عنه تحريف الغالين، وتلبيس الجاهلين، وانتحال المبطلين، فكلما ظهرت بدعة قيض الله لها من كشف زيفها وضررها على الدين؛ لأنه لا رسول ولا نبي بعد خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ. وبذلك بقي معتقد السلف ظاهرًا وواضحًا لا لبس فيه ولا خفاء.
وقد اهتم علماء السنة بهذه العقيدة؛ فمنهم من ألف في تسهيلها وتوضيحها المؤلفات العظيمة، ومنهم من ردّ على من خاض فيها بغير علم
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ٢/٤٩١-٤٩٢. ٢ المصدر السابق.
[ ١ / ٢٣٦ ]
ودعا إلى غير هدى.
ومن هؤلاء العلماء: الشيخ محمد الأمين -﵀-، الذي نصر عقيدة أهل السنة والجماعة بلسانه وقلمه، وذاد عن حماها كلّ معطل ومحرف ومشبه، وقلّ أن يخلو كتاب من كتبه من اهتمام بعقيدة السلف، ودعوة إليها؛ كما مر معنا عند الكلام على جهوده في إبراز توحيد الألوهية واهتمامه به، وكما سيظهر لنا في هذا الفصل من اهتمامه بتوحيد الأسماء والصفات.
ومن أول الأمور الدالة على اهتمام الشيخ الأمين -﵀- بهذا النوع من التوحيد، والتي يلاحظها الباحث عند قراءته في مؤلفاته أنه جعل البحث في الصفات نوعًا من أنواع بيان القرآن بالقرآن؛ فيقول -﵀-:
"ومن أنواع البيان المذكور قي هذا الكتاب المبارك، وهو من أهمها: بيان أنّ جميع ما وصف الله به نفسه في هذا القرآن العظيم من الصفات؛ كالاستواء، واليد، والوجه، ونحو ذلك من جميع الصفات: فهو موصوف به حقيقة لا مجازًا، مع تنزيهه جلّ وعلا عن مشابهة صفات الحوادث ﷾ عن ذلك علوا كبيرًا. وذلك البيان العظيم لجميع الصفات في قوله جلّ وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فنفى عنه مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأثبت له الصفات على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ " ٢.
ومن اهتمامه بهذا النوع من أنواع التوحيد: إبرازه وإيضاحه بأسلوب عربي بعيد عن مصطلح أهل الكلام؛ لتكون الفائدة في الانتفاع به أعمّ: يقول -﵀-: "وقد أردنا أن نوضحها هنا باختصار بأسلوب عربي خال
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ أضواء البيان ١/٨١-٨٢.
[ ١ / ٢٣٧ ]
من اصطلاح أهل المنطق وأهل البحث والمناظرة، لينفع الله بذلك من أراد هدايته من خلقه"١.
لذلك نراه -﵀- يكره التعمق في آيات الصفات مشيرًا إلى أن ذلك هو طريق السلف، فيقول -﵀-: "اعلموا أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات، وكثرة الأسئلة في ذلك الموضوع من البدع التي يكرهها السلف"٢.
لأن عقيدة السلف واضحة تقوم على نصوص الكتاب والسنة، بعيدة عن شبه المعطلين والمشبهين، وتربط المسلم بسلفه الصالح، وتحجزه عن أن يتكلم في ذات الله وصفاته بغير علم.
لذلك نرى الشيخ -﵀- مستاءً من ابتعاد كثير من الناس عن طريق السلف الصالح، وانتهاجهم طريقة أهل المنطق التي توقع صاحبها في تعطيل الله عن صفاته.
يقول -﵀-"أما هذا الكلام الذي يدرس في أقطار الدنيا اليوم في المسلمين؛ فإن أغلب الذين يدرسونه إنما يثبتون من الصفات التي يسمونها صفات المعاني سبع صفات فقط، وينكرون سواها من المعاني"٣.
لذا فقد اعتنى الشيخ -﵀- بإظهار العقيدة الصحيحة، والذبّ عنها؛ فقد أبرز -﵀- الأسس التي يقوم عليها منهج الأسماء والصفات عند السلف، وأنّ الضابط هو الكتاب والسنة؛ فكلّ ما ثبت فيهما من الصفات يوصف به الله على ما يليق بجلاله ﷾. وكذلك فقد أبان -﵀- عن كثير من الصفات بالتفصيل وفق العقيدة الصحيحة، مبينا أدلتها، وسهولة مأخذها وأنها بعيدة عن شوائب التشبيه والتعطيل.
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٢٧. ٢ منهج ودراسات لآيات الصفات ص٩. ٣ المصدر نفسه ص١٣.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ثم نراه -﵀- يبيّن خطأ طريقة المتكلمين في الصفات، موضحا شبههم، ورادا عليهم. وقد أثبت رجوع كثير من أئمتهم في أواخر حياتهم مؤيدا ذلك بنقولات من كتبهم.
وفي الأخير يعقد مقارنة بين مذهب السلف وبين الخلف مبرزا مذهب السلف، مشيرا إلى أنه هو الأسلم والأحكم والأعلم، وأنه المنجي يوم القيامة، موضحا الأخطاء التي وقع فيها أهل التأويل، وأنّ الاعتقاد فيهم أنهم اجتهدوا فأخطأوا فكان قصدهم حسنا، غير أنّ طريقهم سيئ.
هذه أبرز النقاط التي تحدث عنها الشيخ -﵀- عند كلامه على توحيد الأسماء والصفات.
وقد قمت بتقسيم هذا الفصل إلى مبحثين: تكلمت في الأول عن جهود الشيخ -﵀- في إبراز عقيدة السلف في الأسماء والصفات، وفي الثاني عن موقفه -﵀- من أهل التأويل.
[ ١ / ٢٣٩ ]
المبحث الأول: جهود الشيخ في إبراز عقيدة السلف في الصفات
المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات:
يقوم هذا التعريف على أساسين، ذكرهما الله في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، وهما: إثبات صفات الكمال كما جاءت بالسمع، ونفي صفات العيوب والنقص. وقد اعتمد الشيخ -﵀- على هذه الآية عند تعريفه لهذا النوع من أنواع التوحيد؛ فقد أثبت الأسماء والصفات لله كما جاءت في الكتاب والسنة، مع نفي صفات النقص والعيوب. قال -﵀- عند تعريفه لأنواع التوحيد: (النوع الثالث): هو توحيده جلّ وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين، كما بينه جلّ وعلا: (الأول): هو تنزيهه تعالى عن مشابهة صفات الحوادث.
(الثاني): هو الإيمان بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، حقيقة لا مجازا على الوجه اللائق بكماله وجلاله.
ومعلوم أنه لا يصف الله أعلم بالله من الله، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله.
والله يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ٢، ويقول عن رسوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣، فقد بيّن تعالى نفي المماثلة عنه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وبين إثبات الصفات له على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فأول الآية يقضي بعدم التمثيل،
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ سورة البقرة، الآية [١٤٠] . ٣ سورة النجم، الآيتان [٣-٤] .
[ ١ / ٢٤٠ ]
وآخرها يقضي بعدم التعطيل.
فيتضح من الآية أنّ الواجب إثبات الصفات حقيقة من غير تمثيل، ونفي المماثلة من غير تعطيل. وبيّن عجز الخلق من الإحاطة به جلّ وعلا، فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ١ "٢.
ويقول -﵀- في موضع آخر:
"إن الحقّ الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفات التي أثبتها تعالى لنفسه، والإيمان بها من غير تكييف٣، ولا تشبيه٤، ولا تعطيل٥، ولا تمثيل٦ "٧.
ويزيد -﵀- هذا المعنى إيضاحا، مبينا الطريقة الصحيحة لفهم الصفات، والضابط الذي نميز به صفات الله ﷾ حتى نعتقدها في قلوبنا، ونتعبد بها في جوارحنا، فيقول: "ومن اعتقد أنّ وصف الله يشابه صفات الخلق، فهو مشبه ملحد ضال. ومن أثبت ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ مع تنزيهه جلّ وعلا عن مشابهة الخلق، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة الخلق سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، والآية التي أوضح الله بها هذا هي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فنفى عن نفسه جلّ وعلا مماثلة الحوادث بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فصرح في
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [١١٠] . ٢ محاضرة (الإسلام دين كامل) ص ٩-١٠. وانظر أضواء البيان ٢/٣٢١، ٣/٤١١. ومنع جواز المجاز- الملحق بأضواء البيان ١٠/٥٤. ٣ التكييف: هو تعيين كيفية الصفة. ٤ التشبيه: هو تشبيه الشيء بالشي لمشابهته من بعض الوجه وهو يقتضي التماثل. ٥ التعطيل: هو نفي الصفات، أو بعضها عن الله ﷾. ٦ التمثيل: هو أن يقال: إنّ صفات الله مثل صفات المخلوقين، كأن يقول: يد الله كأيدينا. فالمماثلة تقتضي المساواة من كلّ وجه، بخلاف المشابهة. وقد أخذت هذه التعريفات الأربعة من التحفة المهدية لابن مهدي ص٢٥٩. وشرح العقيدة الواسطية، للشيخ صالح الفوزان ص١٤. ٧ منع جواز المجاز ص٩.
[ ١ / ٢٤١ ]
هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال"١.
وقال الشيخ الأمين -﵀- في موضع آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ ٢: "فنحن معاشر المسلمين نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، ونثبت له ما أثبت لنفسه، منزهين خالق السموات والأرض عن مشابهة الخلق، فلا نميل إلى التعطيل، ولا إلى التمثيل، بل نقرّ بصفات الله ونؤمن بها على سبيل مخالفة صفات الخلق، كما علمنا الله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣ "٤.
وهذا المسلك الذي سلكه الشيخ الأمين -﵀- في توضيحه لتعريف توحيد الأسماء والصفات، هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بقوله: "فالأصل في هذا الباب -توحيد الصفات- أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أنّ طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٠٥. وانظر: المصدر نفسه ٣/٤١١. ٢ سورة التوبة، الآية [٢١] . ٣ سورة الشورى، الآية [١١] . ٤ الوجه الثاني، من الشريط رقم [٢]، الخاص بتفسير سورة التوبة.
[ ١ / ٢٤٢ ]
نفسه"١.
وقال العلامة السفاريني٢﵀- في تعريفه لهذا التوحيد: "توحيد الصفات: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبيه ﷺ نفيا وإثباتا، فيثبت له ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه"٣.
وبهذا يتضح لنا أن الشيخ الأمين –﵀- متبع لمنهج أهل الحق الذي هو وسط بين المعطلة والممثلة.
_________________
(١) ١ العقيدة التدمرية ص٧. ٢ هو العلامة محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني. ولد في سفارين عام (١١١٤؟)، وتوفي في نابلس سنة (١١٨٨؟)، (انظر: الأعلام٦/١٤. ومعجم المؤلفين ٨/٢٦٢) . ٣ لوامع الأنوار البهية ١/١٢٩.
[ ١ / ٢٤٣ ]
المطلب الثاني: معتقد السلف في الصفات يقوم على ثلاثة أسس
إنّ من الأمور الأساسية لفهم العقيدة، ذكر المبادئ التي تقوم عليها، والضوابط المميزة لها، فهي المعيار الذي يعرف به قرب الشخص أو بعده في تحقيق العقيدة الصحيحة. وعقيدة السلف في الصفات تقوم على أسس عظيمة حرص الشيخ الأمين –﵀- على إبرازها، والإشارة إلى أهميتها، وأكد أنّ من أحرز تلك الدعائم الثابتة فهم الصفات كما فهمها السلف الصالح. وبيّن أنها الطريق الوحيد التي تأخذ بالعبد بعيدا عن أهل التعطيل والتشبيه.
وقد أوضح -﵀- أنّ هذه الأسس قائمة على الكتاب والسنة التي من اعتقدها ورعاها فقد أخذ بعقيدة الصفات طرية كما جاءت من عند الله، وفاز بثواب الدنيا والآخرة.
قال -﵀-: "اعلم أن المعتقد الصحيح المنجي عند الله في آيات الصفات هو ما كان عليه السلف الصالح ﵃، وهو مقتضي نصوص القرآن العظيم. وهو مبني على ثلاثة أسس كلها صرح الله بها في كتابه عن نفسه وصرح بها رسوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، ولا يصف الله أعلم بالله من الله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ١. ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسوله ﷺ الذي قال سبحانه في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٤٠] .
[ ١ / ٢٤٤ ]
هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١.."٢.
وهذه الأسس التي أبرزها الشيخ الأمين –﵀- لكلّ من أراد أن يفهم عقيدة السلف في الصفات: ثلاثة:
(الأول): تنزيه الله عن مشابهة الخلق.
(الثاني): الإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة.
(الثالث): قطع الطمع عن إدراك الكيفية.
وقد كررها الشيخ الأمين –﵀- مرارا في مؤلفاته ومحاضراته ودروسه، حتى ترسخ في أذهان الناس، قتنعقد في قلوبهم.
وهذه الأسس كفيلة لمن أخذ بها أن يكون متمسكا بالعروة الوثقى، فهي طريق سلامة، آمن من سلكها.
قال الشيخ –﵀- موضحا أول هذه الأسس: "هو تنزيه خالق السموات والأرض جلّ وعلا عن مشابهة خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا. وهذا الأساس الأعظم للعقيدة الصحيحة، صرح الله به في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٤، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٥، وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ ٦.
ومن وفقه الله لفهم هذا الأساس الأعظم، ونزه خالقه عن مشابهة الخلق تنزيها تاما جازما به قلبه، فإن قلبه يكون طاهرا من أقذار التشبيه، وتكون عقيدته مبنية على أساس صحيح، وهو تنزيه خالق السموات والأرض عن
_________________
(١) ١ سورة النجم، الآيتان [٣-٤] . ٢ آداب البحث والمناظرة ٢/١٢٧. ٣ سورة الشورى، الآية [١١] . ٤ سورة الإخلاص، الآية [٤] . ٥ سورة مريم، الآية [٦٥] . ٦ سورة النحل، الآية [٧٤] .
[ ١ / ٢٤٥ ]
مشابهة خلقه، في ضوء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ونحوها من الآيات. فإذا استحكم هذا الأساس الأعظم في قلب المؤمن كان استحكامه فيه سببا لتوفيقه للأساس الثاني"١.
ثمّ بيّن -﵀- الأساس الثاني، فقال: "ونعني بالأساس الثاني المذكور تصديق الله فيما أثنى به على نفسه، وتصديق رسول الله ﷺ فيما أثنى على ربه، والإيمان بتلك الصفات الثابتة في القرآن العظيم والسنة إيمانا مبنيا على أساس ذلك التنزيه" ٢.
ثم يزيد -﵀- هذين الأساسين إيضاحا، ويشرع في شرحهما شرحا وافيا فيقول: "فهذان أساسان عظيمان: الأول: تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، والثاني: الإيمان بصفاته الثابتة في الوحي الصحيح إيمانا مبنيا على أساس ذلك التنزيه، بعيدا كل البعد عن مشابهة الخلق، وكيف يخطر في ذهن المؤمن العاقل مشابهة الخلق لخالقهم، فالصنعة لا تشبه صانعها بحال، وهذان الأساسان أوضحهما الله في محكم كتابه إيضاحا لا يترك في الحق لبسا ولا شبهة، وذلك في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لأن قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيه سر أعظم، وتعليم أكبر في أوضح عبارة وأوجزها لا يترك في الحق لبسا.
وإيضاح ذلك أنّ السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر صفتان يتصف بهما جميع الحيوانات –ولله المثل الأعلى- فكأنّ الله يقول: يا عبدي لا يخطر في عقلك أن سمعي وبصري يشابهان أسماع المخلوقين وأبصارهم حتى تقول إنّ هذا النص يوهم غير اللائق فتؤوله أو تنفيه، بل أثبت لي سمعي وبصري كما أثنيت بهما على نفسي إثباتًا مبنيا على أساس التنزيه،
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٢٧-١٢٨. ٢ المصدر نفسه ٢/١٢٨.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ولاحظ في ذلك قولي قبله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . وهذا تعليم قرآني لا يترك في الحق لبسا ولا شبهة، فأول الآية الكريمة الذي هو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تنزيه تام غير تشبيه ولا تمثيل، فيجب علينا أن نعتقد ما دلّ عليه أولها من التنزيه، وما دل عليه آخرها من إثبات الصفات، والإيمان بها على أساس ذلك التنزيه، فلا نتنطع بين يدي خالقنا وننفي عنه صفة الكمال (التي) أثنى بها على نفسه، ولا نشبه خالقنا بخلقه، بل نجمع بين التنزيه أولا والإيمان بالصفات ثانيا حسبما دلت عليه آية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
وبعد هذا الشرح المستفيض من الشيخ -﵀- لهذين الأساسين العظيمين يوضح الأساس الثالث فيقول -﵀-: "هو أن تعلم أن العقول البشرية عاجزة عن إدراك كيفية اتصاف الله جلّ وعلا بتلك الصفات؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٢صريح في أن إحاطة علم البشر به جلّ وعلا منفية نفيا باتا قرآنيا"٣.
ثم بين -﵀- أن من أخلّ بأحد هذه الأسس فقد جانب الصواب، وسار على غير هدى، فيقول –مخبرا عن هذه الأسس-: "من جاء بها كلها فقد وافق الصواب، وكان على الاعتقاد الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، ومن أخلّ بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضلّ" ٤.
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٢٧-١٢٨. ٢ سورة طه، الآية [١١٠] . ٣ آداب البحث والمناظرة ٢/١٢٨، وانظر هذه الأسس الثلاثة أيضًا في (منهج ودراسات) ص٩-١٠ ومعارج الصعود ص١١٤. وتفسير سورة النور –جمع د/عبد الله قادري- ص١٣٨-١٤٠. ٤ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، ص٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
أما من تمسك بجميع هذه الأسس العظيمة فقد سار على طريق سلامة محقق. وهو ناج يوم العرض الأكبر؛ لأنه قد استنار بالكتاب والسنة.
قال -﵀-: "لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد أترون الله يوم القيامة يقول لكم: لم نزهتموني عن مشابهة الخلق ويلومكم على ذلك؟ لا وكلا، والله لا يلومكم على ذلك. أترون أنه يلومكم على أنكم آمنتم بصفاته وصدقتموه فيما أثنى به على نفسه ويقول لكم: لم أثبتم لي ما أثبت لنفسي، أو أثبت لي رسولي؟ لا والله لا يلومكم على ذلك، ولا تأتيكم عاقبة سيئة من ذلك. وكذلك لا يلومكم الله يوم القيامة ويقول لكم: لم قطعتم الطمع عن إدراك الكيفية ولم تحددوني بكيفية مدركة"١.
وبهذا الأسلوب الرائع من الشيخ –﵀- في عرضه العقيدة الصحيحة في الصفات، وبسطه لها بالكلام المقنع، ووضع القارئ أمام الأمر الواقع، وأنه سيقف أمام الله يوم القيامة. فمن أخذ بتلك الأسس فإنه سوف يستمسك بالأسباب المنجية. ولكنّ الخوف كل الخوف علىمن حاد عنها فعطل أو حرف أو شبه، فماذا يكون جوابه عن ذلك يوم الفزع الأكبر.
وبهذه الحجة المقنعة من الشيخ -﵀- نستطيع أن ندرك ما كان -﵀- يتمتع به من عقلية فذة، وعلم واسع، وحجة قوية، وفهم لعقيدة السلف، وحرص على العمل بها ونشرها بين الناس.
وبعد أن فهمنا هذه الأسس العظيمة كما قررها الشيخ الأمين –﵀- ولبيان سلامة فهم الشيخ، واتباعه لمنهج السلف، وبعده عن سواه من المناهج المبتدعة.
أختم الكلام بإيراد بعض أقوال السلف التي تؤيد ما ذكره الشيخ -﵀-. وتدلّ على أنه مقتف آثار السلف الصالح، وعلى نهجهم يسير، وإلى ما ذهبوا إليه يذهب.
فقد قال الإمام الشافعي -﵀-: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدا
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص ٤٤-٤٥. وانظر: آداب البحث والمناظرة ١/١٣٠.
[ ١ / ٢٤٨ ]
ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل: لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١"٢.
وقال الإمام أبوالحسن الأشعري٣﵀-: "وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه، ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه، ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم"٤.
وقال الإمام ابن خزيمة٥﵀-: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز، وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، ونقرّ بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عزّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين، وجلّ ربنا
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ فتح الباري ١٣/٤١٨. وانظر طبقات الحنابلة ١/٢٨٣. ٣ هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر، ينتسب إلى أبي موسى الأشعري، صاحب رسول الله ﷺ. وكنيته أبوالحسن، ولد في البصرة سنة (٢٦٠هـ)، وتوفي على القول الراجح سنة (٣٢٤هـ) في بغداد. وكان له ثلاث أحوال: كان في أولاها معتزليا، وسلك في الثانية مذهب ابن كلاب، ورجع أخيرا إلى معتقد السلف، وألف عدة كتب في نصرة معتقدهم، ككتاب الإبانة ورسالة إلى أهل الثغر، ومقالات الإسلاميين. (انظر: البداية والنهاية ١١/١٩٩. وشذرات الذهب ٢/٣٠٣. ومقدمة تحقيق د/عبد الله شاكر لرسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري) . ٤ رسالة إلى أهل الثغر ص٢٣٦. ٥ هو أبوبكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري الإمام الحافظ الحجة. كان سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث. من مصنفاته: متاب التوحيد، وكتاب الصحيح. توفي سنة (٣١١؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/٣٦٥. والبداية والنهاية ١١/١٦٠. وشذرات الذهب ٢/٢٦٢) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
عن مقالة المعطلين، وعزّ أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون؛ لأن ما لا صفة له: عدم. تعالى الله عما يقوله الجهميون"١.
وقال حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر٢﵀-: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحددون فيه صفة محصورة"٣.
وقال ابن قدامة المقدسي٤-رحمه الله تعالى-: "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله"٥.
وقال القاضي أبويعلى٦﵀-: "واعلم أنه لا يجوز ردّ هذه الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وغيره من
_________________
(١) ١ كتاب التوحيد لابن خزيمة ١/٢٦. ٢ هو الإمام يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي أبو عمر، من كبار حفاظ الحديث. ولد بقرطبة سنة (٣٦٨؟) وتوفي سنة (٤٦٣؟) له مؤلفات عظيمة منها: التمهيد والاستيعاب. قال الذهبي عنه: «كان في أصول الديانة على مذهب السلف ولم يدخل في علم الكلام» (انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/١٥٣، وشذرات الذهب ٣/٣١٤) . ٣ التمهيد ٧/١٤٥. ٤ هو الإمام أبومحمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي. ولد سنة (٥٤١؟)، وكان عالم أهل الشام في زمانه. قال ابن النجار: «كان إمام الحنابلة بجامع دمشق» توفي بدمشق سنة (٦٢٠؟) من مؤلفاته: لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، وذمّ التأويل، والمغني. (انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/١٦٥. وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/١٣٣. وشذرات الذهب ٥/٨٨) . ٥ لمعة الاعتقاد ص١٠. ٦ هو القاضي أبو يعلي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الفراء. شيخ الحنابلة، وعالم العراق في زمانه. توفي سنة (٤٥٨؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٨٩. وطبقات الحنابلة ٢/١٩٣. والبداية والنهاية ١٢/١٠١) .
[ ١ / ٢٥٠ ]
أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين"١.
وقال الإمام ابن كثير٢﵀-: "وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا ليس هذا بموضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي٣، والثوري٤، والليث بن سعد٥، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه٦. وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفيّ عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير"٧.
_________________
(١) ١ إبطال التأويلات لأخبار الصفات ١/٤٤. ٢ تقدمت ترجمته؟؟. ٣ هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي. كان صاحب سنة واتباع، وله مذهب خاص في الفقه، عمل به فقهاء الشام والأندلس مدة. ولد سنة (٨٨)، وقيل سنة (٩٣) في بعلبك، ونشأ بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت، وبها توفي سنة (١٥٧؟) . (انظر: وفيات الأعيان ٣/١٢٧. وسير أعلام النبلاء ٧/١٠٧. وشذرات الذهب ١/٢٤١) . ٤ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أمير المؤمنين في الحديث. من أئمة المسلمين وأعلام الدين مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد، وهو أحد الأئمة المجتهدين ولد سنة (٩٧)، وتوفي سنة (١٦١؟) على القول الصحيح. (انظر: البداية والنهاية ١٠/١٣٧) . وسير أعلام النبلاء ٧/٢٢٩- ٢٧٩) . ٥ الليث بن سعد بن عبد الرحمن. أبو الحارث. إمام حافظ عالم الديار المصرية. كان فقيهًا كثير العلم، صحيح الحديث، مع الورع والفضل. توفي سنة (١٧٥؟)، (انظر: سير أعلام النبلاء ٨/١٣٦. وشذرات الذهب ١/٢٨٥) . ٦ هو الإمام إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي ثم الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه. نزيل نيسابور. ولد سنة (١٦١)، وتوفي سنة (٢٣٨؟) . قال عنه الإمام أحمد: «لا أعرف لإسحاق في الدنيا نظيرًا» . (انظر: سير أعلام النبلاء ١١/٣٥٨. والبداية والنهاية ١٠/٣٣١) . ٧ تفسير ابن كثير ٢/٢٢٠.
[ ١ / ٢٥١ ]
وهكذا كانت طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم في جميع الصفات الثابتة لله بالكتاب والسنة: لا يعطلونها، ولا يحرفونها، بل يجرونها على ظاهرها مع عدم التعرض للكيفية، وكانوا يقولون عنها إنها لا تشابه صفات المخلوقين. وهم متفقون على هذا المنهج. وهو الذي سار عليه الشيخ الأمين -رحمه الله تعالى -، وجاهد من أجل إبرازه وتوضيحه وترسيخه في أذهان الناس، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء.
[ ١ / ٢٥٢ ]
المطلب الثالث: قواعد في الصفات
ذكر العلماء ﵏ قواعد وأصولًا يقوم عليها هذا النوع من أنواع التوحيد؛ (أعني توحيد الأسماء والصفات) . وقد حرصوا على استنباطها ووضعها بغية تسهيل فهم هذا العلم ومعرفته وحفظه.
ومن هؤلاء العلماء الذين اهتموا بهذا الجانب: الشيخ الأمين –﵀-؛ فقد جعل لإثبات الصفات والردّ على المخالف قواعد ملزمة فيها تقرير للمعتقد الصحيح.
أولى هذه القواعد: القول في الصفات جميعها من باب واحد:
قال -﵀-: "أولًا: أن يعلم طالب العلم أنّ جميع الصفات من باب واحد؛ إذ لا فرق بينها البتة؛ لأنّ الموصوف بها واحد. وهو جلّ وعلا لا يشبه الخلق في شيء من صفاتهم البتة، فكما أنكم أثبتم له سمعًا وبصرًا لائقين بجلاله لا يشبهان شيئًا من أسماع الحوادث وأبصارهم، فكذلك يلزم أن تجروا هذا بعينه في صفة الاستواء، والنزول، والمجيء، إلى غير ذلك من صفات الجلال والكمال التي أثنى الله بها على نفسه. واعلموا أن ربّ السموات والأرض يستحيل عقلًا أن يصف نفسه بما يلزم محذور ويلزمه محال أو يؤدي إلى نقص كل ذلك مستحيل عقلا؛ فإنّ الله لا يصف نفسه إلا بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١"٢.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٧. وانظر: أضواء البيان ٢/٣١٨. وآداب البحث والمناظرة ٢/١٣٦.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وهذه القاعدة التي ذكرها الشيخ -﵀- تتضمن إثبات الصفات جميعها، وتردّ على الأشاعرة الذين أثبتوا بعضها، ونفوا البعض الآخر. ففيها من الإلزام والقوة في الرد على المخالف ما يجعله يذعن ويستسلم للحقّ ممن ينشده، لأن من الأمور البديهية عدم التفريق بين المتماثلين إلا بدليل، وقد دل السمع والعقل على أنه لا يجوز التفريق بين الصفات، وإلا كان تحكمًا وقولًا على الله بغير علم، وتنكبا للطريق المستقيم. فمن حاول أن يثبت البعض وينفي البعض الآخر فهو واقع في التناقض والاضطراب، وليس أمامه إلا أن يثبت جميع الصفات كما يليق بجلاله، لذلك يقول الشيخ الأمين –﵀-: "فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء، ولا صفة يد ولا أصابع، ولا عجب، ولا ضحك؛ لأنّ هذه الصفات كلها من باب واحد. فما وصف الله به نفسه منها فهو حقً، وهو لائق بكماله وجلاله لا يشبه شيئا من صفات المخلوقين. وما وصف به المخلوقون منها فهو حقّ مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم"١.
وقد سبق الشيخ الأمين –﵀- في تقرير هذه القاعدة وإيضاحها شيخُ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وردّ بها على من فرق بين الصفات، وهم الأشاعرة. فقال -﵀-: "فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، يجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له:
لا فرق بين ما نفيته وما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٣.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به" ١.
وخلاصة القول: أن هذه القاعدة العظيمة حجة لمن أثبت جميع الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله، ولم يفرق بينها؛ لأن طريقها واحد من حيث الإثبات ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية؛ فالذي قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢هو الذي قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣، والجميع لا نعلم كيفيته، لأنه قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤. وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٥، وقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٦.
القاعدة الثانية: القول في الصفات كالقول في الذات٧:
في هذه القاعدة يردّ الشيخ الأمين –﵀- على الذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات؛ وهم المعتزلة، فيقول لهم: كما أنكم تثبتون لله ذاتًا حقيقية على مايليق بجلاله من غير تشبيه لذات الخالق بذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ثابتة بنفس المنهج ونفس الطريقة، إذ لا يعقل أن توجد ذات مجردة عن الصفات، فكما أنّ لله ذاتًا لا تشابه ذوات المخلوقين، فكذلك لله صفات لا تشابه صفات المخلوقين.
وبهذه الطريقة نلزمهم إثبات الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله.
وفي تقرير هذه القاعدة يقول الشيخ الأمين –﵀-: "الثاني: أن تعلموا أن الصفات والذات من باب واحد؛ فكما أننا نثبت ذات الله جلّ
_________________
(١) ١ العقيدة التدمرية ص٣١. ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ سورة المائدة، الآية [٦٤] . ٤ سورة الشورى، الآية [١١] . ٥ سورة مريم، الآية [٦٥] . ٦ سورة الإخلاص، الآيتان [٣-٤] . ٧ راجع: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٨. وأضواء البيان ٢/٣١٨. ومعارج الصعود ص١١٤.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وعلا إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية مكيفة محددة، فكذلك نثبت لهذه الذات الكريمة المقدسة صفات إثبات إيمان ووجود لا إثبات كيفية وتحديد" ١.
وهذا ما أوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في العقيدة التدمرية فقال: "القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإنّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل صفات سائر الذوات" ٢.
وهذا ما قرره أيضًا الخطيب البغدادي٣ -﵀- حين قال: "أما الكلام في الصفات: فإن ما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العلمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف" ٤.
وبهذا يتضح لنا أنّ الشيخ الأمين –﵀- متبع للسلف مقتف لآثارهم، فهو حين يقرر هذه القاعدة يسلك مسلكهم ويتبنى ماقرروه،
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٨. وأضواء البيان ٢/٣١٨. ومعارج الصعود ص١١٤. ٢ العقيدة التدميرية ص٤٣. ٣ هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي الحافظ المحدث المؤرخ المعروف بالخطيب. أحد الأئمة الأعلام، وصاحب التواليف المنتشرة في بلاد الإسلام. من أشهر مصنفاته تاريخ بغداد. ولد سنة (٣٩٥؟) . وتوفي سنة (٤٦٣؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٢٧٠. ووفيات الأعيان ١/٩٢. وشذرات الذهب ٣/٣١١) . ٤ ذم التأويل لابن قدامة ص١٥. وكذا ذكر الذهبي كلام الخطيب في تذكرة الحفاظ ٣/١١٤٢.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ويأخذ بهذه القاعدة العظيمة الملزمة لمن فرق بين الأسماء والصفات، أو بين الصفات والذات؛ إذ لا يعقل أن نثبت الأسماء وننفي الصفات، أو نثبت الذات وننفي الصفات، إذا لجميع من باب واحد.
ولا ريب أن هذه القاعدة ملزمة للمعطل: إما أن يثبت الصفات كما أثبت الذات من غير معرفة الكيفية، أو ينفي ما أثبته من الأسماء أو الذات فيكون بذلك نافيًا لوجود الله، لأنه فرق بين الذات وبن الصفات من حيث الإثبات.
القاعدة الثالثة: آيات الصفات ليست من المتشابه:
أراد الشيخ الأمين –﵀- بإيراد هذه القاعدة أن يردّ على من قال بأنّ آيات الصفات من المتشابه. وهم المفوضة الذين يجعلون معرفة معاني آيات الصفات مما استأثر الله بعلمه، وبذلك لا يثبتون لها معاني صحيحة١، بل يقولون: إن هذه المتشابهات يجب القطع بأن مراد الله منها شيء يخالف ظاهرها، ويوجبون تفويض معناها إلى الله تعالى، ولا يجيزون الخوض في تفسيرها٢. ويقولون أيضًا: إن صفات الله من العقائد التي لا يكتفي فيها بالظن، بل لا بد من اليقين، ولا سبيل إليه. لذلك نتوقف ونكل التعيين إلى العليم الخبير٣.
فالشيخ الأمين -﵀- يردّ بهذه القاعدة الجليلة على هذا القول، ويؤكد أن آيات الصفات ليست من المتشابه، وإنما كيفية الصفات من المتشابه الذي لا نعلمه، والذي نكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى٤. وأما إثبات
_________________
(١) ١ انظر قانون التأويل لابن العربي ص٦٦٦. وقال السيوطي في كتابه «الاتقان» (٢/٧): «من المتشابه: آيات الصفات» . ٢ أساس التقديس للرازي ص٢٢٣. ٣ مناهل العرفان للزرقاني ٢/١٨٣-١٨٦. ٤ انظر: التحفة المهدية ص٢٣٤.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الصفة على ما يليق بجلاله فهذا ليس من المتشابه؛ قال -﵀-: "اعلموا أن آيات الصفات كثير من الناس يطلق عليها اسم المتشابه، وهذا من جهة غلط، ومن جهة قد يسوغ؛ كما بينه الإمام مالك بن أنس بقوله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب"١، كذلك يقال في النزول: النزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب. واطرده في جميع الصفات؛ لأن هذه الصفات معروفة عند العرب. إلا أن ما وصف به خالق السموات والأرض أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئًا من صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق جلّ وعلا حق، والمخلوقون لهم ذوات، وذات الخالق جل وعلا أكمل وأنزه وأجلّ من أن تشبه شيئًا من ذوات المخلوقين"٢.
وما قاله الشيخ الأمين –﵀- حول هذه القاعدة قد قال به كثير من علماء الأمة المعتبرين؛ من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وتلميذه ابن القيم -﵀-، وغيرهما. وهذا يدل على أن الشيخ -﵀- قد سلك منهج سلف هذه الأمة، واقتفى أثرهم، وقال بقولهم، واتبع طريقتهم.
وسأذكر بعض أقوال العلماء المؤيدة لما قاله، فمنها قول العلامة ابن القيم -﵀-: قد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال: "إنهم تأولوها على غير تأويلها" ٣ وبيان معناها. وكذلك الصحابة
_________________
(١) ١ رواه البيهقي عن مالك، وعن ربيعة الرأي في الأسماء والصفات (ص٥١٦) . ووصف الحافظ ابن حجر (في الفتح ١٣/٤١٧) سنده بأنه جيد إلى الإمام مالك. ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٣٩٨)، والدارمي في الرد على الجهمية (ص٣٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (في الفتاوى ٥/٣٦٥) بعد أن ذكر قول الإمام مالك: (وهذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا. ولكن ليس في إسناده من يعتمد عليه) . ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٨-٣٩. ٣ انظر الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص١٠٤- تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية، كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته فمن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى فهو حقّ. وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا الله فهو غلط، والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في الرد على من قال إن الصفات من المتشابه: "من قال إن هذا من المتشابه، وأنه لايُفهم معناه، فنقول: أما الدليل على [بطلان] ذلك: فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه، أو جعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إنّ الله ينزل كلامًا لا يفهم أحد معناه. وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: "تمر كما جاءت". ونهوا عن تأويلات الجهمية –وردوها وأبطلوها- التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه" ٢.
وأما ما ذكره الشيخ الأمين –﵀- من أن جواب الإمام مالك يصح في جميع الصفات: فهذا ماقرره أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حيث قال: "وهذا الجواب من مالك -﵀- في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات؛ مثل النزول، والمجيء واليد، والوجه، وغيرهما، فيقال في مثل النزول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة ١/١٢٥. ٢ رسالة الإكليل في المتشابه والتأويل- أنظر مجموع الفتاوى ١٣/٢٩٤-٢٩٥. وانظر موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ١/١٢٠.
[ ١ / ٢٥٩ ]
عنه بدعة، هكذا يقال في سائر الصفات؛ إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة" ١.
وبهذا نرى الشيخ الأمين ﵀ يقرر هذه القاعدة الجليلة، ويبين أن المتشابه في آيات الصفات ليس كما قرره المتكلمون من أنه في باب المعاني، وإنما معانيها معلومة معروفة من لغة العرب. وإنما المتشابه كما أشار الشيخ ﵀ يكون في باب الكيفية؛ لأن معاني الصفات من الأمور المعلومة، أما الكيفية: فيجب الجزم بعدم إدراكها. وهو ماسبق تقريره.
القاعدة الرابعة: ليس ظاهر الصفات التشبيه حتى تحتاج إلى تأويل:
يرد الشيخ الأمين –﵀- بهذه القاعدة على الأشاعرة الذين يردون أكثر نصوص الصفات؛ كما قال صاحب الجوهرة٢:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها٣.
وكذلك -﵀- يردّ على المعتزلة والجهمية الذين ينفون الصفات خوفًا من التشبيه بصفات المخلوقين كما زعموا٤.
وقد ذكر -﵀- حجتهم في اعتقادهم أن ظاهر الصفات يدل على المشابهة، فقال -﵀-: "فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من
_________________
(١) ١ نقض المنطق ص٣. ٢ هو إبراهيم بن إبراهيم بن حسن بن علي المالكي اللقاني، ألف جوهرة التوحيد، وتوضيح ألفاظ الأجرومية، وقضاء الوطر من نزهة النظر. توفي سنة (١٠٤١هـ)، انظر: (الأعلام ١/٢٨) . ٣ شرح الصاوي على جوهرة التوحيد ص١٣٠. بل صرح الصاوي أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. (انظر حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ٣/١٩) . وقال السنوسي أيضًا: والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلالة الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة محلا بظاهر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾، ونحو ذلك. (انظر شرح أم البراهين ص٨٢- نقلًا عن علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين ص٥٤) . ٤ انظر: الصفات الاختيارية لشيخ الإسلام ابن تيمية (جامع الرسائل ١/٧) .
[ ١ / ٢٦٠ ]
معنى الاستواء واليد مثلًا في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث. وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعًا؛ لأن اعتقاد ظاهره كفر؛ لأن من شبه الخالق بالمخلوق فهو كافر" ١.
ثم بين -﵀- اللوازم التي تلزم هذا القول، فقال: "ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا. والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢ لم يبين حرفًا واحدًا من ذلك، مع إجماع من يعتدّ به من العلماء على أنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد ولا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين، حتى جاء هؤلاء الجهلة المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنبي ﷺ كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة، سبحانك هذا بهتان عظيم. ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على الله جلّ وعلا، ورسوله ﷺ"٣.
ثم بين -﵀- القول الحق في ظاهر الصفات أنه كما يليق بجلاله ﷾، وأن نصف الله كما وصف نفسه، ووصفه رسوله ﷺ، وليس من تشابه بين صفات الله وصفات خلقه؛ فقال -﵀-: "والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فظاهره المتبادر منه
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣١٩. ٢ سورة النحل، الآية [٤٤] . ٣ أضواء البيان ٢/٣١٩.
[ ١ / ٢٦١ ]
السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. فبمجرد إضافة الصفة إليه جلّ وعلا يتبادر إلى الفهم أنه لا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل: هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته، لا والله لا ينكر ذلك إلا مكابر" ١.
ثم يبيّن -﵀- السبب الذي جعل هؤلاء المعطلة يقولون إن الظاهر من معاني الصفات التشبيه؛ فيقول: "والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه، وإنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جلّ وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه جلّ وعلا هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبهًا أولًا، ومعطلًا ثانيًا. فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفًا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله جلّ وعلا بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدًا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢"٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "إنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٢٠. ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ أضواء البيان ٢/٣٢٠. وانظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٠.
[ ١ / ٢٦٢ ]
الاعتقاد الذي يحل جميع الشبه. ويجيب عن جميع الأسئلة؛ وهو أن الإنسان إذا سمع وصفًا وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين. فيكون القلب منزهًا معظمًا له جلّ وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه، فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدح بها، وأثنى عليه بها نبيه ﷺ على غرار ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ . والشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيضطر المسكين أن ينفي صفة الخالق بهذه الدعوى الكاذبة الخائنة" ١.
وهذا الكلام الذي أورده الشيخ -﵀- في إيضاح القاعدة المذكورة، وفي إيضاح كيفية الرد بها على المخالفين في نقاش علمي رصين ليس ببدع فيه، بل قد سبقه إليه أساطين من علماء الأمة الذين جاهدوا في سبيل توضيح عقيدة الإسلام الصافية النقية مستندين في كل ما قالوه إلى الكتاب والسنة، لذلك كان لهم قصب السبق في توضيح الاعتقاد الصائب، والردّ على كلّ مخالف زائغ. ففي هذا الجانب يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "من قال إن الظاهر غير مراد، بمعنى أن ظاهر صفات المخلوقين غير مراد، قلنا له: أصبت في هذا المعنى، لكن أخطأت في اللفظ وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقًا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمرّ كما جاءت على ظاهرها، مع العلم بأن صفات الله ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٦-٣٧، ٣٩.
[ ١ / ٢٦٣ ]
إن الظاهر غير مراد بالتفسير؛ وهو مراد الجهمية، ومن تبعهم من المعتزلة والأشعرية وغيرهم: فقد أخطأ" ١.
وقال الشيخ مرعي المقدسي٢ -﵀-: "ومن المعلوم أنه ﵇ كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي، ثم لا يجد –أي الناظر في نصوص الصفات- شيئًا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها لا نصا ولا ظاهرًا كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين. ولم ينقل عنه ﵇ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين ونحو ذلك، ولا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها، ولما قال للجارية: "أين الله"؟ فقالت: في السماء، لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه، بل أقرها، وقال: "اعتقها فإنها مؤمنة" ٣"٤.
فأين في كل هذا ما ظاهره التشبيه إذا كانت الصفة تابعة للموصوف. فالله يوصف من هذه الصفات بما يليق بجلاله وعظمته، فليست صفته سبحانه مشابهة لصفات خلقه وإن اشتركت معها في اللفظ الوارد؛ لأن صفة المخلوق تابعه لضعفه وافتقاره، وصفه الخالق على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله.
القاعدة الخامسة: الصفات على الحقيقة لا مجاز فيها:
يؤكد الشيخ الأمين –﵀- أن صفات الله تعالى الواردة في الكتاب
_________________
(١) ١ الرسالة المدنية ص٣٦. –تحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان. ٢ هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي المقدسي. مؤرخ أديب من كبار الفقهاء. ولد في طور كرم في فلسطين، ثم انتقل إلى القاهرة، وتوفي بها سنة (١٠٣٣؟) . (انظر: الأعلام ٧/٢٠٣. ومعجم المؤلفين ١٢/٢١٨) . ٣ أخرجه مسلم ١/٣٨٢. ٤ أقاويل الثقات ص٨٥. وانظر: رسالة في الاستواء والفوقية لأبي محمد الجويني –ضمن رسائل المجموعة المنيرية ١/١٧٧.
[ ١ / ٢٦٤ ]
والسنة هي على الحقيقة كما يليق بجلاله، وليس كما يدعي المؤولة أنها مجاز، فيقولون: الاستواء: معناه الاستيلاء، واليد: القدرة، وهكذا، يحرفون الصفات، ويعطلون الله عن صفاته العظيمة.
قال الشيخ -﵀-: "إن جميع ما وصف الله به نفسه في هذا القرآن من الصفات؛ كالاستواء، واليد، والوجه، ونحو ذلك من جميع الصفات فهو موصوف به حقيقة لا مجازًا١، مع تنزيهه جلّ وعلا عن مشابهة صفات الحوادث ﷾ عن ذلك علوا كبيرًا. وذلك البيان العظيم لجميع الصفات في قوله جلّ وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢، فنفى عنه مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأثبت
له الصفات على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله هو اعتقاد كل مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه؛ لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدالّ على الصفة؛ كصفة اليد والوجه، إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق. فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له"٤.
وما أشار إليه الشيخ -﵀- أمر مجمع عليه عند السلف وقاعدة تُجرى على كل الصفات.
وسأذكر كلام بعض العلماء الذين سبقوا الشيخ الأمين –﵀- في
١ للشيخ الأمين -﵀- رسالة مفردة في نفي المجاز، سماها «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز» أثبت فيها أن القرآن كله حقائق لا مجاز فيه، وأنّ القول بالمجاز ذريعة لنفي ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال بادعاء أنها مجاز وأنّ المجاز يجوز نفيه، وهذا من أعظم وسائل التعطيل.
_________________
(١) (انظر مقدمة هذه الرسالة ص٣-٤. وهي ملحقة بأضواء البيان، الجزء العاشر) . ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ أضواء البيان ١/٨٢. وانظر: المعين والزاد ص٤١-٤٥. ٤ أضواء البيان ٧/٤٦٣.
[ ١ / ٢٦٥ ]
تقرير هذه القاعدة. فمنهم: الحافظ ابن عبد البر الذي قال: "وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنه لا يكيفون شيئا من ذلك. ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع، والجهمية١، والمعتزلة٢، والخوارج٣، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة" ٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "ومن المعلوم باتفاق المسلمين أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته"٥.
فما قرره الشيخ الأمين –﵀- بأن الحق في الصفات إثباتها على الحقيقة اللائقة بجلال الله ﷾، وأنها ليست مجازًا، فلا تؤول
_________________
(١) ١ الجهمية: أتباع جهم بن صفوان الراسبي مولاهم، أبو محرز السمرقندي، رأس الجهمية. قتله سلم بن أحوز نائب أصبهان سنة ثمان وعشرين ومائة، كان يقول بأن العباد مجبورون على أفعالهم، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وأن الجنة والنار تفنيان، وأن القرآن مخلوق. وكان ينكر صفات الله ﷿ وأسمائه. ويقول: إن الله في الأمكنة كلها. تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرًا. (انظر: الفرق بين الفرق ص٢١١. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص٣٤. وسير أعلام النبلاء ٦/٢٦. والبداية والنهاية ٩/٣٦٤. والخطط للمقريزي ٢/٣٤٩) . ٢ سبق التعريف بهم ص٢٤٢. ٣ الخوارج: سموا بهذا الاسم لخروجهم على علي ﵁. وهم فرق كثيرة. قال أبوالحسن الأشعري: أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب ﵁، وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات: فإنها لا تقول بذلك. وأجمعوا على أن الله يعذب أصحاب الكبائر عذابًا أليمًا، إلا النجدات. (انظر: مقالات الإسلاميين ١/١٦٧. والملل والنحل ١/١١٤. والخطط للمقريزي ٢/٣٥٠، ٣٥٤. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص١٧) . ٤ التمهيد ٧/١٤٥. ٥ الفتاوى ٣/٢١٨. وانظر كلامه -﵀- في رده على من قال إن صفات الله مجاز. (كتاب الإيمان ص١٠٦ –طبعة المكتب الإسلامي-) .
[ ١ / ٢٦٦ ]
ولا تفوض: هو الذي تعضده نصوص الشرع وأقوال السلف رضوان الله عليهم.
وهكذا نرى شدة عناية الشيخ الأمين –﵀- بعقيدة السلف، وتقعيده القواعد لإيضاحها. وكذا شدة اهتمامه بتسهيلها، وشدة حرصه على تفهيمها للناس؛ حيث أرشد طالب العلم إلى الأخذ بهذه الأصول السهلة الميسرة التي تأخذ بيد طالب الحق، وتوصله إلى مبتغاه؛ إلى عقيدة الإثبات مع التنزيه. فلا يغلو في الإثبات حتى يشبه الله بخلقه، ولا يغلو في التنزيه حتى يعطل الله جلّ وعلا عن صفاته، بل يثبتها إثباتًا يليق بجلال الله وعظمته وكماله، منزها لها عن مشابهة صفات الحوادث، متبعًا لقول مولاه جلّ وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] .
[ ١ / ٢٦٧ ]
المطلب الرابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها الشيخ الأمين –﵀-
فيما يلي أورد كلام الشيخ الأمين –﵀- مفصلا عن بعض الصفات التي كثر الكلام حولها بين السلف ومخالفيهم، وذلك كي أبيّن مدى التطابق بين ما سبق أن نقلته عنه منهج وقواعد قعدها، واستند إليها في الإثبات والردّ على الخصوم، وبين ما سأورده من كلامه التفصيلي حول بعض الصفات.
وسنلاحظ عند الكلام عن الصفات تفصيلًا أنّ الشيخ الأمين –﵀- قد اهتمّ بذكر رأيه في الصفات في ضوء الدليل، ووفق المنهج المرسوم. وسنلاحظ أيضًا أنه لا يطيل في الحديث عنها؛ لأنه اكتفى ببيان المنهج، ووضع القواعد العامة التي تشترك فيها سائر الصفات.
ومن الصفات التي فصّل الشيخ الأمين –﵀- فيها الكلام: صفة الاستواء، وصفة الكلام، وصفة اليدين، وصفة المعية، وصفة العلم، وصفة العلو، وصفة العظمة، وصفة الكبرياء، وصفة القدرة، وصفة السمع، وصفة البصر، وصفة الحياة، وصفة القيومية، وصفة الوجه، وصفة العين، وصفة القدم، وصفة الغضب، وصفة الرحمة، وصفة المجيء.
[١] صفة الاستواء:
الاستواء على العرش١ من صفات الله الفعلية الثابتة على ما يليق
_________________
(١) ١ قال الشيخ الأمين -﵀- في العرش: (والعرش سرير الملك، ويطلق على السقف، والمراد به هنا عرش الرحمن الذي ذكره الله ﷿ في سبعة مواضع من كتابه، واصفا نفسه باستوائه عليه جلّ وعلا) . (معارج الصعود ص٤٩) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
بجلاله وكماله، فلا يُتطرق إلى تشبيه معناها، بل تثبت من غير كيف، وفق منهج السلف الذين يثبتون الصفات من غير تكييف –كما مرّ آنفا-.
وهذه الصفة العظيمة أطال المتكلمون حولها النقاش، وحشدوا لردها كلّ ما استطاعوا من جدل وسفسطه، وكلها تضمحلّ أمام سبع آيات من القرآن الكريم أثنى الله بها على نفسه واصفا لها بالاستواء على العرش، وجعلها من صفات الكمال التي يمتدح بها جلّ وعلا.
وقد قرر الشيخ الأمين –﵀- هذه الصفة بأسلوب سهل، وبدون تعقيد مستشهدًا على ذلك بالنقل من آيات القرآن الكريم مؤكدًا أنّ هذه الصفة من صفات الجلال والكمال، وهي ثابتة لله على ما يليق بجلاله، فقال -﵀-: "اعلموا أنّ هذه الصفة التي هي صفة الاستواء صفة كمال وجلال، تمدح بها ربّ السموات والأرض. والقرينة على أنها صفة كمال وجلال أنّ الله ما ذكرها في موضع من كتابه إلا مصحوبة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله" ١.
ثمّ استدلّ -﵀- على هذه الصفة العظيمة بكلام الله ﷾، الذي امتدح نفسه بها في سبعة مواضع من القرآن الكريم.
والشيخ -﵀- حين يورد هذه الآيات الكريمات يؤكد أنه لا مجال معها لتأويل متأول، أو تحريف محرف، وأنّ الحقّ مع من أثبتها لله كما يليق بجلاله؛ وهم أهل السنة والجماعة.
وقد أورد -﵀- هذه الآيات السبع التي ذكر الله فيها
استواءه على عرشه حسب ترتيبها في القرآن الكريم، مبتدأ بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٨. وانظر: رحلة الحج ص٨١.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ثمّ عقب -﵀- على إيراده الآية بقوله: (فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال) ٢.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع الثاني الذي ذكر فيه الاستواء؛ وهو قوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ٣، وعقّب على هذه الآيات الكريمات بقوله: (فهل لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال) ٤.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع الثالث من سورة الرعد، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الأياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٥. ثمّ قال -﵀- بعد ذكر هذه الآيات الكريمات "فهل لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات الدالة
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [٥٤] . ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٨. ٣ سورة الأعراف، الآيتان [٣-٤] . ٤ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٩. ٥ سورة الرعد، الآيتان [٢-٤] .
[ ١ / ٢٧٠ ]
على الجلال والكمال" ١.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع الرابع من سورة طه، من قوله تعالى: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىاللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢، ثمّ قال -﵀-: "فهل لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال" ٣.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع الخامس؛ من سورة الفرقان، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٤. وقال بعد ذلك: "فهل لأحد أن ينفي شيئًا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال" ٥.
ثمّ ذكر -﵀- الموضع السادس، وهو من سورة السجدة، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ﴾ ٦، ثمّ قال بعد أن أورده: "فهل لأحد أن ينفي شيئًا
من هذه الصفات الدالة على الغاية من الجلال والكمال"٧.
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٠. ٢ سورة طه، الآيات [١-٨] . ٣ منهج ودراسات ص٣١. ٤ سورة الفرقان، الآيتان [٥٨-٥٩] . ٥ منهج ودراسات ص٣١. ٦ سورة السجدة، الآيتان [٤-٥] . ٧ منهج ودراسات ص٣١.
[ ١ / ٢٧١ ]
ثمّ ذكر -﵀- الموضع السابع من المواضع التي ذكرت فيها هذه الصفة العظيمة؛ وهو قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الأوَّلُ وَالأخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ "١ ٢.
وبعد أن أورد الشيخ -﵀- هذه الآيات الكريمات الدالة على ثبوت اتصاف الله ﷾ بهذه الصفة العظيمة، نوه بأنّ بعض المتكلمين تجرأ على هذه الصفة الكريمة التي وصف الله تعالى بها نفسه فحرفها عن موضعها، وانتحل لها من تلقاء نفسه معاني عطلتها عن معناها الحقيقي المتضمن للكمال المطلق، زاعمًا أنّ إثباتها على ظاهرها يجعلها صفة نقص لا يجوز اتصاف الربّ بها، لذلك تؤول بمعنى آخر غير المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن.
يقول الشيخ الأمين –﵀- مبيّنا حال هؤلاء القوم: "فالشاهد أنّ هذه الصفات التي يظنّ الجاهلون أنها صفة نقص، ويتهجمون على ربّ السموات والأرض بأنه وصف نفسه بصفة نقص، ثمّ يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها، مع أنّ الله جلّ وعلا تمدح بها، وجعلها من صفات الجلال والكمال، مقرونة بما يبهر من صفات الجلال والكمال. وهذا يدلّ على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جلّ وعلا بالتأويل" ٣.
ولإبعاد الشبهة التي استقرت في عقول المؤولة؛ وهي أنّ صفة الاستواء تشابه صفة المخلوق، لذلك تحرف إلى استولى، أو غيرها أكد -﵀- أنّ
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآيتان [٣-٤] . ٢ منهج ودراسات ص٣٢. وانظر: أضواء البيان ٢/١٦-١٨. وآداب البحث والمناظرة ٢/١٣٢. ٣ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٢.
[ ١ / ٢٧٢ ]
السلف لا يقصدون بإثباتهم صفة الاستواء لله أنها تشابه صفة استواء المخلوق، فكما أنّ لله الخالق ذاتًا لا تشابه الذوات، كذلك له صفات لا تشبه الصفات.
ولذلك ذكر -﵀- أنّ اتصاف المخلوق بالاستواء هو على ما يليق به، كما أنّ استواء الخالق جلّ وعلا على ما يليق به. وأنّ الصفة وإن اشتركت في المعنى، إلا أنّ كل صفة تتبع موصوفها. فالله تعالى يقول عن استواء الإنسان: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ الآية٢، ويقول عن استواء السفينة: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الآية٣.
ثم قال -﵀- بعد ما ذكر هذه الآيات الكريمات: "وإنّ للخالق جلّ وعلا استواء لائقا بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضًا استواء مناسب لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق، على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤"٥.
وبذلك يقطع الشيخ -﵀- الطريق على الجاهلين الذين شبهوا الله بخلقه، ثمّ عطلوه عن صفة الكمال التي أثبتها لنفسه فهو -﵀- يؤكد أنّ صفة الاستواء التي اتصف بها الله ﷾ ليست كما تصور لكم عقولكم، بل هو استواء لا نعلم كيفيته، كما أننا لا نعرف كيفية الذات، فلله سبحانه من هذه الصفة ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه أو
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية [١٣] . ٢ سورة المؤمنون، الآية [٢٨] . ٣ سورة هود، الآية [٤٤] . ٤ سورة الشورى، الآية [١١] . ٥ أضواء البيان ٢/٣١٨.
[ ١ / ٢٧٣ ]
تكييف. وهذا هو المذهب الحقّ الذي تدلّ عليه نصوص الوحي المثبتة للصفات؛ لأنّ المنهج والطريقة في ذلك واضحة لم يدعنا الله تعالى فيها لعقولنا حين قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فالصفات ثابتة، وأما الكيفية فمنفية؛ إذ كيف نعرف كيفية صفته سبحانه، ونحن لم نعلم كيفية ذاته تعالى الله عما قاله المبطلون علوًا كبيرًا.
فالشيخ -﵀- ينطلق في كلامه من الكتاب والسنة، ومن مفهوم السلف الصالح؛ الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
سئل الإمام مالك -﵀- عن الاستواء، فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) ٢.
وقال الأوزاعي -﵀-: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إنّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جلّ وعلا) ٣.
وقال الشيخ أبو نصر السجزي٤: (وأئمتنا؛ كسفيان الثوري٥، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة٦، وحماد بن سلمة٧، وحماد بن
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ تقدم تخريجه. ٣ الأسماء والصفات للبيهقي ص٥١٥. ٤هو الإمام الحافظ شيخ السنة أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني. توفي سنة (٤٤٤؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء١٧/٦٥٤.وشذرات الذهب ٣/٢٧١. ٥ تقدمت ترجمته. ٦ هو الإمام سفيان بن عيينة بن ميمون، مولى محمد بن مزاحم الهلالي الكوفي، ثم المكي. حافظ العصر، وأحد أئمة الحديث. ولد سنة (١٠٧)، وتوفي سنة (١٩٨؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٨/٤٥٤. وشذرات الذهب ١/٣٥٤) . ٧ هو الإمام حماد بن سلمة بن دينار البصري، من كبار المحدثين، توفي سنة (١٦٧؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٤٤٤. وشذرات الذهب ١/٢٦٢) .
[ ١ / ٢٧٤ ]
زيد١، وعبد الله بن المبارك٢، والفضيل بن عياض٣، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه٤؛ متفقون على أنّ الله سبحانه بذاته فوق العرش، وعلمه بكلّ مكان، وأنه ينزل من السماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء" ٥.
فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في استواء الله ﷾ على عرشه؛ فهم يؤمنون بها على مراد الله من غير تكييف لمعناها، ولا مشابهة لها بصفة المخلوقين.
والشيخ -﵀- متبع لطريقة السلف المستندة إلى نصوص الوحي، فهو من دعاة الاتباع، ومن أشدّ أعداء الابتداع.
موقف المتكلمين من صفة الاستواء، وردّ الشيخ الأمين رحمة الله عليهم:
وفي معرض إيضاح الشيخ الأمين -﵀- لهذه الصفة بيّن رأي المتكلمين فيها، وذكر أنهم أكثروا من الخوض فيها حتى نفوها بأدلة جدلية كلامية عقيمة استدلوا بها لإبطال الحقّ وإحقاق الباطل حتى تجرأ كثير من الناس ممن يدعي الإسلام على تعطيل هذه الصفة عن ربّ السموات والأرض بهذه الأدلة الواهية التي يعارضون بها كلام الله سبحانه
_________________
(١) ١ هو الإمام حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري. أحد أئمة الحديث. ولد سنة (٩٨)، وكان ضريرًا. وتوفي سنة (١٧٩هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٤٥٦، ٤٦٦. والبداية والنهاية ١٠/١٨٠) . ٢ هو الإمام عبد الله بن المبارك بن واضح، أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي. أحد أئمة الحديث. قال عنه ابن معين: ذاك أمير المؤمنين في الحديث. ولد سنة (١١٨هـ) . وتوفي سنة (١٨١هـ) . (انظر سير أعلام النبلاء ٨/٣٧٨. والبداية والنهاية ١٠/١٨٣) . ٣ هو الإمام الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الخراساني. أحد أئمة العباد والزهاد. توفي سنة (١٨٧هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٨/٤٢١. والبداية والنهاية ١٠/٢٠٦. وشذرات الذهب ١/٣١٦) . ٤ تقدمت ترجمته. ٥ سير أعلام النبلاء ١٧/٦٥٦.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وتعالى١، ولهم تأويلات مختلفة في نفي تلك الصفة عن الله، ولكنّ مؤدى الكل واحد من حيث تعطيل الله جلّ وعلا عن الاتصاف بهذه الصفة العظيمة، وتحريفها عن الاستواء إلى الاستيلاء٢.
وقد ناقشهم الشيخ الأمين -﵀- مناقشة علمية رصينة أظهر من خلالها كثيرًا من التحريفات التي وقعوا فيها، واستوعب مزاعمهم وأدلتهم التي جمعوها، وبيّن أنهم بهذه المزاعم يريدون التوصل إلى نفي الاستواء عن الله ﷾.
ومن هذه المزاعم التي ذكروها: قالوا: إنّ قوله: على العرش استوى مجاز؛ فنفوا الاستواء؛ لأنه مجاز، وقالوا: معنى استوى: استولى. وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق. وقالوا أيضًا: إنّ الاستواء يوهم غير اللائق بالله لاستلزامه مشابهة استواء الخلق، فجاؤوا بالاستيلاء لأنه هو اللائق به بزعمهم٣.
ونبّه -﵀- إلى مشابهة المؤولة لليهود الذين بدلوا كلام الله وحرفوه، فغضب الله عليهم ولعنهم، وذكر أنّ المؤولة سلكوا الطريق نفسه الذي سلكه اليهود؛ فقال -﵀- مبينا هذا المعنى: (ولو تدبروا كتاب الله لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء، وتبديل اليد بالقدرة، أو النعمة؛ لأنّ الله جلّ وعلا يقول في محكم كتابه في سورة القرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون﴾ ٤، ويقول في الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
_________________
(١) ١ انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٧، ٢٨. ٢ انظر: الإرشاد ص٤٠، ٤١. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص٢٢٦، ٢٢٧. وانظر أيضًا: مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٧٩، ٣٨٠. ٣ انظر: أضواء البيان ٧/٤٥٢. وانظر أيضًا: المصدر نفسه ٧/٤٥٤. وآداب البحث والمناظرة ٢/١٣٥. ورحلة الحج ص٨٤. ٤ سورة البقرة الآية
[ ١ / ٢٧٦ ]
مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ ١ فالقول الذي قاله الله لهم، هو قوله: "حطة"؛ وهي فعلة من الحطّ بمعنى الوضع: خبر مبتدأ محذوف؛ أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا؛ أي حطّ وضعها عنا، فهي بمعنى طلب المغفرة. وفي بعض روايات الحديث٢ في شأنهم أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نونًا فقط، فقالوا: حنطة؛ وهي القمح. وأهل التأويل قيل لهم على العرش استوى، فزادوا لاما فقالوا استولى. وهذه "اللام" التي زادوها أشبه شيء بالنون التي زادها اليهود في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ٣، وبقول الله جلّ وعلا في منع تبديل القرآن بغيره: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤. ولا شك أنّ من بدل استوى باستولى مثلا لم يتبع ما أوحي إلى النبي ﷺ، فعليه أن يجتنب التبديل، ويخاف العذاب العظيم الذي خافه رسول الله ﷺ لو عصى الله فبدل قرآنا بغيره، المذكور في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . واليهود لم ينكروا أنّ اللفظ الذي قاله الله لهم هو لفظ حطة، ولكنهم حرفوه بالزيادة المذكورة، وأهل هذه المقالة لم ينكروا أنّ كلمة القرآن هي استوى، ولكن حرفوها وقالوا في معناها: استولى. وإنما أبدلوها بها لأنها أصلح في زعمهم من لفظ كلمة القرآن التي توهم غير اللائق، وكلمة استولى في زعمهم هي المنزهة اللائقة بالله، مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم باستيلاء بشر على
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٦٢] . ٢ انظر: مسلم ٤/٢٣١٢ وفيه: أنهم قالوا: حبة في شَعَرَة بدل حطة. وفي مسند الإمام أحمد (وقولوا حطة. قال بدَلوا فقالوا: «حنطة في شعرة» بدل حطة انظر الفتح الرباني ١٨/٧٣. ٣ سورة البقرة، الآية [٥٨] . ٤ سورة يونس، الآية [١٥] .
[ ١ / ٢٧٧ ]
العراق) ١.
وبهذه الإلزامات التي ساقها الشيخ الأمين -﵀- برهن على صحة حكمه في المؤولة بأنهم سلكوا مسلك اليهود في تحريف كلام الله تعالى، ومعارضته. فليس كلامه -﵀- مجرد دعوى يلقيها على عواهنها، بل ضمّن ذلك أمثلة من القرآن الكريم ليتضح وجه الشبه بين اليهود والمؤولة.
ثمّ يناقش الشيخ -﵀- هؤلاء المؤولة في صميم تأويلهم، فيطرح عليهم عدة أسئلة ينسف من خلالها تأويلهم الباطل؛ إذ هذه الأسئلة لا تحتمل إلا إجابة واحدة لا يستطيع المؤولة أن يقولوا بها. وهذه الأسئلة التي يطرحها الشيخ -﵀- هي من لوازم قولهم الشنيع في تأويل صفة استواء الربّ ﷾؛ فيقول -﵀-: (هل كان أحد يغالب الله على عرشه حتى غلبه على العرش واستولى عليه وهل يوجد شيء إلا والله مستولٍ عليه؟ فالله مستولٍ على كل شيء وهل يجوز أن يقال إنه تعالى استولى على كلّ شيء غير العرش؟ فافهم) ٢.
وهكذا يُظهر الشيخ -﵀- شناعة هذا القول، وما يلزم عليه من لوازم كفرية إن اعتقدها المؤول، كلّ ذلك بأسلوب مقنع يُظهر فظاعة قول المؤولة الذين قالوا على الله بغير علم.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٥٢- ٤٥٤. ولله درّ العلامة ابن القيم -﵀- حيث يقول: أمر اليهود بأن يقولوا حطة فأبوا، وقالوا حنطة لهوان وكذلك الجهمي قيل له استوى فأبى وزاد الحرف للنقصان قال استوى استولى وذا من جهله لغة وعقلا ماهما سيان نون اليهود ولام جهميّ هما في وحي ربّ العرش زائدتان (انظر: المقاصد وتصحيح القواعد لأحمد بن عيسى ص٢٦) . ٢ أضواء البيان ٧/٤٥٤.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وأخيرًا يجهز الشيخ الأمين -﵀- على تأويلهم ناسفًا له من أساسه، فبين لهم أنّ المحذور الذي فروا منه؛ وهو خوفهم من تشبيه استواء الخالق بالمخلوق، قد وقعوا فيه حين أولوا استوى باستولى. فيسألهم مستفسرًا منهم هل تقصدون باستيلاء الله على عرشه استيلاء مشابهًا لاستيلاء بشر بن مروان على العراق، أم تريدون استيلاء خاصًا كما يليق بجلال الله وعظمته. وبلا شك فهم سيجيبون بالجواب الأخير؛ إذ هم قد أولوا الاستواء بالاستيلاء فرارًا من التشبيه. وبهذه الطريقة ليس أمامهم من منفذ يخرجون منه إلا أن يذعنوا للحقّ، ويقولوا بقول أهل السنة والجماعة دون تلاعب بالألفاظ: إنّ الله مستو على العرش استواء يليق بجلاله سبحانه؛ إذ لفظ "استوى" هو اللفظ الذي أثنى الله به على نفسه، وتعبدنا بتلاوته، فهو أحق بأن يوصف الله تعالى به.
وفي ذلك يقول -﵀-: (تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق هو أفظع أنواع التشبيه، وليس بلائق قطعا. إلا أنه يقول: إن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء الخلق، مع أنه ضرب له المثل باستيلاء بشر على العراق، والله يقول: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، ونحن نقول: أيها المؤول هذا التأويل: نحن نسألك إذا علمت أنه لا بدّ من تنزيه أحد اللفظين؛ أعني لفظ "استوى" الذي أنزل الله به الملك على النبي ﷺ قرآنا يتلى، كلّ حرف منه عشر حسنات، ومن أنكر أنه من كتاب الله كفر. ولفظة "استولى" التي جاء بها قوم من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى نص من كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من السلف. فأيّ الكلمتين أحقّ بالتنزيه في رأيك؟ آلأحق بالتنزيه كلمة القرآن المنزلة من الله على رسوله، أم كلمتكم التي جئتم بها من تلقاء أنفسكم من غير مستند
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٧٤] .
[ ١ / ٢٧٩ ]
أصلًا؟ ونحن لا يخفي علينا الجواب الصحيح عن هذا السؤال إن كنت لا تعرفه) ١.
وهذه الطريقة المقنعة التي سلكها الشيخ -﵀- تستعمل في كلّ تأويل فروا إليه خشية المشابهة؛ فإذا لم يقولوا فيه كما يليق بجلاله لزمتهم مشابهة الخالق بالمخلوق، ووقعوا فيما فروا منه. وحينئذ نقول لهم: نحن نثبت الصفات لله، ونقول: كما يليق بجلاله، وهذه صفات أثنى الله بها على نفسه، وتعبدنا بتلاوتها كما أوضح ذلك كله الشيخ الأمين رحمه الله تعالى.
وقد سبق الشيخ الأمينَ إلى سلوك هذه الطريقة شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في رده على المؤولة٢. وهذا من الأدلة الجلية على اقتداء الشيخ الأمين -﵀- بسلفه الصالح من العلماء الأجلاء الذين ردوا على من انحرف عن الطريق المستقيم، وجادلوا من عاند منهم، وقارعوا حججهم الواهية الباطلة بحجج في غاية القوة والوضوح والإقناع.
ولم يكتف الشيخ الأمين -﵀- بإيراد تلك الحجة الظاهرة الساطعة البيان رادا بها هذا التأويل، بل نجده -﵀- يفرد مبحثا مستقلا لمناقشة المتكلمين في ردهم صفة الاستواء، يقيم فيه عليهم الحجة بمقتضى قواعدهم التي قعدوها لنفي معاني الصفات التي لا توافق أهواءهم؛ فهم يقولون: لو كان الله مستويا على العرش لكان مشابها للخلق، لكنه غير مشابه للخلق، فهو غير مستوٍ على العرش. وبهذه الطريقة القياسية نفوا صفة الاستواء الثابتة في سبعة مواضع من كتاب الله تعالى.
يقول -﵀- موضحًا ذلك: (نحبّ أن نذكر كلمة قصيرة لجماعة قرؤوا في المنطق والكلام، وظنوا نفي بعض الصفات من أدلة كلامية؛ كالذي
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٥٤- ٤٥٥. وانظر: منهج ودراسات ص٥٠. ٢ راجع العقيدة التدمرية ص٤٥- ٤٦.
[ ١ / ٢٨٠ ]
يقول مثلًا: لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للحوادث، لكنه غير مشابه للحوادث، ينتج: فهو غير مستو على العرش. هذه النتيجة الباطلة تضادّ سبع آيات من المحكم المنزل، ولكننا الآن نقول في مثل هذا١ على طريق المناظرة والجدل المعروف عند المتكلمين؛ نقول: هذا قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية، استثنائية؛ استثنى فيه نقيض التالي، فأنتج نقيض المقدم، حسب ما يراه مقيم هذا الدليل. ونحن نقول: إنه تقرر عند عامة النظار أنّ القياس الاستثنائي المركب من شرطيه متصلة لزومية يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات:
١- يتوجه عليه القدح من جهة استثنائية.
٢- ويتوجه عليه من جهة شرطية إذا كان الربط بين المقدم.
٣- ويتوجه عليه من جملة شرطية إذا كان الربط بين المقدم وهذه القضية كاذبة الشرطية. فالربط بين مقدمها وتاليها كاذب كذبًا بحتًا، ولذا جاءت نتيجتها مخالفة لسبع آيات.
إيضاحه: أن نقول: قولكم لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للحوادث. هذا الربط بين لو واللام كاذب كاذب كاذب، بل هو مستو على عرشه كما قال من غير مشابهة للحوادث، كما أنّ سائر صفاته واقعة كما قال من غير مشابهة للخلق. ولا يلزم من استوائه على عرشه كما قال أن يشبه شيئًا من المخلوقين في صفاتهم البتة، بل استواؤه صفة من صفاته، وجميع صفاته منزهة عن مشابهة الخلق، كما أنّ ذاته منزهة عن مشابهة ذوات الخلق. ويطّرد في الكل) ٢.
_________________
(١) ١ يريد القدح في القياس الاستثنائي الذي أوردوه. ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤١- ٤٢. وانظر: آداب البحث والمناظرة ٢/١٢٢- ١٢٦. ومنع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز –الملحق بأضواء البيان ١٠/٥٧- ٦٢.
[ ١ / ٢٨١ ]
وهكذا يردّ عليهم الشيخ الأمين –﵀- بمنطقهم، مبيّنا أنّ هذه القاعدة الجدلية، والدليل الجدلي الذي اتخذوه ذريعة لنفي الاستواء: كاذب من أساسه، فلا شك أنّ النتيجة التي رتبوها على هذا الدليل الكاذب ستكون كاذبة أيضًا، وبذلك يتضح أنّ صفة الاستواء ثابتة لله ﷾ كما يليق بجلاله وعظمته بأدلة النقل؛ من كتاب وسنة. ولا شك أن العقل السليم الذي لم تدخله الآراء الفاسدة والشبهات لا يعارض الدليل الصحيح، بل يسلم له؛ فالعقل السليم يوافق الدليل الصحيح.
بقي أن أنبه إلى أنّ الشيخ الأمين –﵀- رغم معرفته للجدل والمنطق، ومعرفته لقواعده وجزئياته –كما تبيّن لنا من هذا الردّ- إلا أنه لم يجعله أساسًا لإثبات الصفات، بل لم يستخدمه في مبحث التوحيد إلا للرد على من يعتقده ويأخذ به، وذلك لإقامة الحجة عليهم، وإبطال حججهم بمنطقهم الذي يفهمونه.
[ ١ / ٢٨٢ ]
(٢) صفة الكلام:
الكلام من صفات الله الثابتة على ما يليق بجلاله سبحانه. وهو صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وصفة فعل لتعلقه بمشيئة الله باعتبار أفراد الكلام١.
قال رسول الله ﷺ: " يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم. فيقول: لبيك ربنا وسعديك؟ فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار" ٢.
فهو ﷾ لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء. وهو متكلم بصوت يسمع٣؛ يُسمعه من شاء من خلقه؛ سمعه موسى ﵇ من غير واسطة، وسمعه من أذن له من ملائكته ورسله. وهو ﷾ يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه.
هذا معتقد سلف الأمة في صفة كلام الله ﷾. وهو ما قرره الشيخ الأمين –﵀-، وبينه خير بيان؛ فقد قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٤: "هذه الآية الكريمة من سورة براءة نص صريح في أنّ هذا الذي نقرؤه ونتلوه هو بعينه كلام الله؛ فالصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري؛ لأن الله صرح أنّ هذا المشرك المستجير يسمع كلام الله يتلوه عليه نبيّ الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ٦/٢١٩. وانظر أيضًا: الصفات الإلهية للدكتور محمد أمان ص٢٦٢. ٢ أخرجه البخاري في الصحيح ٥/٢٤١. ومسلم في الصحيح ١/٢٠١. ٣ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص١٨٠. ٤ سورة التوية، الآية [٦] .
[ ١ / ٢٨٣ ]
هذا المحفوظ في الصدور، المقروء بالأسنة، المكتوب بالمصاحف هو كلام الله جلّ وعلا بمعانيه وألفاظه. ولا شك أنّ أصل الكلام صفة لله جلّ وعلا ونحن لا نحب إكثار الخوض فيه ولكن نقول: إنّ الكلام صفة الله التي لم يزل متصفًا بها، ولم يتجرد يوما عن كونه متكلمًا، وهو في كلّ وقت يتكلم بما شاء كيف شاء على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ فكلامه صفة ليس بمخلوق"١.
وهذا النصّ من كلام الشيخ الأمين –﵀- واضح الدلالة على أنّ عقيدته في كلام الله هي عقيدة السلف؛ أنّ الله يتكلم حقيقة متى يشاء، وكيف يشاء، وأننا لا نعلم كيفية كلامه ﷾، والقرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وفي ذلك ردّ على الجهمية والمعتزلة، وهو ما سوف أوضحه فيما بعد إن شاء الله.
ومن الأدلة على أنّ عقيدة الشيخ الأمين –﵀- في صفة الكلام هي عقيدة السلف عينها، أنّ ما قاله أئمة السلف عن صفة الكلام مطابق تمام المطابقة لما ذكره الشيخ الأمين –﵀-:
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "إنّ الله لم يزل متكلما إذا شاء، وأنه يتكلم بصوت كما جاءت به الآثار. والقرآن وغيره من الكتب الإلهية كلام الله تكلم به بمشيئته وقدرته، وليس ببائن عنه مخلوقًا، ولا يقولون إنه صار متكلمًا بعد أن لم يكن متكلمًا، ولا أنّ كلام الله تعالى من
_________________
(١) ١ الشريط الأول من تفسير سورة التوبة، الوجه الأول، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ . وانظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الأمين ص ٥٤،١٨٩. وأضواء البيان ٢/٣٠٩. ومنهج ودراسات ص١٦. ورحلة الحج ص٧٦.
[ ١ / ٢٨٤ ]
حيث هو: هو حادث بل ما زال متكلمًا إذا شاء، وإن كان كلم موسى وناداه بمشيئته وقدرته، فكلامه لا ينفد"١.
وقال في موضع آخر مبينا القول الحق في القرآن "فالقرآن الذي نقرؤه هو كلام الله مبلغًا عنه لا مسموعًا منه، وإنما نقرؤه بحركاتنا وأصواتنا، الكلام كلام الباري، والصوت صوت القري، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة مع العقل"٢.
وقال تقيّ الدين عبد المغني المقدسي٣: "مذهب أهل الحقّ أنّ الله ﷿ لم يزل متكلمًا بكلام مسموع مفهوم مكتوب"٤.
وقال ابن أبي العز الحنفي٥: "والحقّ أنّ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى؛ فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف" ٦.
وقال العلامة عبد الباقي المواهبي٧: "فلم يزل اللهمتكلما كيف يشاء، إذا شاء بلا كيف، يأمر بما شاء ويحكم"٨.
_________________
(١) ١ الفتاوى ١٢/١٧٣. ٢ الفتاوى ١٢/٩٨. وانظر المصدر نفسه ١٢/٢٤٤. ٣ تقدمت ترجمته. ٤ انظر: عقيدة المقدسي ص٦١. ٥ تقدمت ترجمته. ٦ شرح العقيدة الطحاوية ص١٩٢. ٧ هو: عبد الباقي بن عبد الباقي البعلي. ولد سنة (١٠٠٥؟) في بعلبك، وتوفي سنة (١٠٧١؟) في دمشق. (انظر: الأعلام ٣/٢٧٢) . ٨ العين والأثر ص٦٥.
[ ١ / ٢٨٥ ]
فهذا هو مذهب السلف الحقّ في إثبات صفة الكلام لله ﷾. وهو ما سار عليه الشيخ الأمين –﵀- في إثبات هذه الصفة وإيضاحها، وتقرير المعتقد الصحيح فيها مستندًا إلى أدلة الوحي.
[ ١ / ٢٨٦ ]
صفة المتكلمين من صفة الكلام وردّ الشيخ الأمين -﵀- عليهم
أكثر المتكلمون من أشاعرة ومعتزلة وجهمية وغيرهم من الخوض في صفة الكلام، حتى قيل إنما سمي علم الكلام بهذا الاسم أخذًا من كثرة ما قيل فيها. ونظرًا لما عرف عن القوم من حبّ في الإطالة والسفسطة والأخذ بالجدل العقيم الذي لا يسعفه عقل ولا نقل من أجل تقرير الباطل؛ فقد تشعبت فيها الأقوال، حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أنها سبعة أقوال، أو تزيد١، وذكر العلامة أبو العز الحنفي شارح الطحاوية تسعة أقوال في صفة الكلام٢.
ولكن سوف أقتصر على أشهر هذه الأقوال التي انتشرت وذاع صيتها، والتي ذكرها الشيخ الأمين -﵀-، وهما قول المعتزلة والجهمية، وقول الأشاعرة والكلابية٣؛ فقد ذكرهما -﵀- وكرّ عليهما بالتفنيد والإبطال بالحجج الدامغة من النقل والعقل.
فالقول الأول: قول المعتزلة والجهمية: القائلين أنّ كلام الله ﷿ مخلوق خلقه الله منفصلا عنه٤.
والقول الثاني: قول الكلابية والأشاعرة: القائلين أنّ الكلام معنى واحد قديم قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار؛ إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١٢/١٦٣. ٢ شرح الطحاوية ص١٨٠. ٣ الكلابية: هم أتباع محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب الذي سلك الأشعري مسلكه في طوره الثاني. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (الكلابية والأشعرية خير من هؤلاء –يقصد النجارية والضرارية- في باب الأسماء والصفات فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصلت أقوالهم في غير هذا الموضع. وأما في باب القدر، وسائر الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة) . (الفتاوى ٣/١٠٣. وانظر: مقالات الإسلاميين ١/٢٤٩، ٢٥١، ٢/٢٢٥، ٢٢٧) . ٤ شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨.
[ ١ / ٢٨٧ ]
بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة١.
وسيأتي مزيد إيضاح لكلامه عند الردّ عليهم.
الردّ على الجهمية والمعتزلة:
سبق أن ذكرت أنّ الجهمية والمعتزلة نفوا صفات الله ﷾، ومن الأولى أن ينفوا صفة الكلام عن الله، ولذلك قالوا عن كلام الله إنه مخلوق.
وهذا ماصرح به عبد الجبار المعتزلي٢ بقوله: "وأما مذهبنا في ذلك فهو أنّ القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث" ٣.
وقد بيّن الشيخ الأمين -﵀- خطأ هذا القول وجهالة قائله، واستدل بالأدلة السمعية على بطلان هذا الرأي البعيد عن جادة الصواب والحقّ؛ فقال في تفسير النداء المذكور في قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ الآية٤: "فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى. ولا يعقل أنه كلام مخلوق. ولا كلام خلقه الله في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة؛ إذ لا يمكن أن يقول غير الله: ﴿إنه أنا الله العزيز الحكيم﴾ ٥، ولا أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٦. ولو فرض أنّ الكلام
_________________
(١) ١ أصول الدين للبغدادي ص١٠٦. والإرشاد ص٩٩. والمواقف ص٢٩٣. وشرح الصاوي على جوهرة التوحيد ص١٠١، ١٠٤. وانظر أيضًا: الفتاوى ١٢/١٦٥. والبرهان ص٣٧. ومختصر الصواعق ٢/٥١٣. ٢ عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الاسترابادي. من كبار أئمة المعتزلة. ولد سنة (٣٥٩هـ)، وتوفي سنة (٤١٥) . انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٢٤٤. ومعجم المؤلفين ٥/٧٨. والأعلام ٣/٢٧٣) . ٣ شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨. ٤ سورة مريم، الآية [٥٢] . ٥ سورة النمل، الآية [٩] . ٦ سورة طه، الآية [١٤] .
[ ١ / ٢٨٨ ]
المذكور قاله مخلوق افتراء على الله كقول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ ١. على سبيل فرض المحال، فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حقّ وصواب. فقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣ صريح في أنّ الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك، كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام" ٤.
الردّ على الكلابية والأشعرية:
ذهب الكلابية والأشعرية إلى أنّ الله متكلم بكلام قائم بذاته أزلا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا.
ونفوا أن يكون الله متكلمًا بحرف وصوت؛ زاعمين أنّ كلامه سبحانه نفسيّ. أما القرآن الكريم: فقد صرحوا بأنه مخلوق محدث ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله٥.
وقد بيّن الشيخ الأمين -﵀- موقفهم من هذه الصفة بعبارة سهلة موجزة، فقال: "اعلم أنّ كثيرًا من المتكلمين يزعمون أنّ كلام الله معنى قائم بذاته، مجرد عن الألفاظ والحروف. والأمر عندهم هو اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس، المجرد عن الصيغة. ولأجل هذا الاعتقاد الفاسد قسموا الأمر إلى قسمين: نفسيّ ولفظيّ. فالأمر النفسي عندهم هو
_________________
(١) ١ سورة النازعات، الآية [٢٤] . ٢ سورة طه، الآية [١٤] . ٣ سورة النمل، الآية [٩] . ٤ أضواء البيان ٤/٢٩٣- ٢٩٤. ٥ أصول الدين للبغدادي ص١٠٦. والإرشاد ص٩٩. والمواقف ص٢٩٣. والبرهان ص٣٧. وانظر: الفتاوى ٢/١٦٥.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ماذكرنا، والأمر اللفظي هو اللفظ الدالّ عليه كصيغة "افعل""١.
ثمّ لما فصلّ -﵀- معتقدهم وموقفهم من كلام الله ﷾، ردّ -﵀- على معتقدهم الفاسد مبيّنا بطلانه بالأدلة القوية المقنعة، مبرزًا القول الحقّ في هذه المسألة؛ فقال -﵀-: "إذا علمت ذلك فاعلم أنّ هذا المذهب باطل، وأنّ الحقّ أنّ كلام الله هو هذا الذي نقرؤه بألفاظه؛ فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري. وقد صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢، فصرح بأنّ ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه كلامه تعالى. وأقام الحجج على أنّ ما في النفس إن لم يتكلم به لا يسمى كلاما؛ كقوله في قصة زكريا: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاس﴾ ٣، مع أنه أشار إليهم كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ ٤، فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه الذي عبر عنه بالإشارة كلامًا. وكذلك قصة مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية٥، مع قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ٦، وفي الحديث: " إنّ الله عفى لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل به" ٧. واتفق أهل اللسان على أنّ الكلام: اسم، وفعل، وحرف. وأجمع الفقهاء على أنّ من حلف لا يتكلم لا يحنث بحديث النفس، وإنما يحنث بالكلام" ٨.
_________________
(١) ١ مذكرة أصول الفقه للشيخ الأمين ص١٨٨-١٨٩. ٢ سورة التوبة، الآية [٦] . ٣ سورة مريم، الآية [١٠] . ٤ سورة مريم، الآية [١١] . ٥ سورة مريم، الآية [٢٦] . ٦ سورة مريم، الآية [٢٩] . ٧ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١١٦-١١٧، بلفظ مقارب لما ذكره الشيخ -﵀-، وفيه: (تجاوز) بدل (عفى)، مع تقديم وتأخير في بعض ألفاظه. ٨ مذكرة أصول الفقه ص١٨٨-١٨٩.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وهكذا يتبين بنا مدى فهم الشيخ الأمين -﵀- لعقيدة السلف، وتقريره لها؛ بإثبات الكلام لله ﵎ كما يليق بجلاله وعظمته، والرد على الكلابية والأشعرية الذين قسموا الكلام إلى كلام نفسي وكلام لفظي، جاعلين كلام الرب جل وعلا من القسم الأول. ولا ريب أن هذا التقسيم لم يقل به أحد من العقلاء، وأن الزعم بأن كلام الله نفسي قول على الله بغير علم.
ولم يكتف الشيخ الأمين -﵀- بما ذكره آنفًا، بل استطرد في مواضع أخرى مبينًا أن الكلام في لغة العرب هو ما نطق به وتلفظ به، وسمع، لاما كان في النفس؛ إذ ماكان في النفس لا يسمى كلامًا، بل يقيد بما يدل عليه، فيقال: حديث النفس، أو قول النفس؛ يقول -﵀- موضحًا هذا الجانب: "وإذا أطلق الكلام في بعض الأحيان على مافي النفس، فلا بد أن يقيد بما يدل على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ١. فلو لم يقيد بقوله ﴿نْفُسِهِمْ﴾ لانصرف إلى الكلام باللسان" ٢.
وبهذا يتضح لنا بطلان مذهب الأشاعرة والكلابية لتهافت محتوياته أمام الأدلة الدامغة من الكتاب والسنة، والتي يستند إليها الشيخ -﵀- فيما ذهب إليه من رد أو تقرير.
٣- صفة اليدين:
صفة اليدين صفة خبرية ذاتية حقيقية ثابتة لله ﷾ كما يليق
_________________
(١) ١ سورة المجادلة، الآية [٨] . ٢ مذكرة أصول الفقه ص١٨٩.
[ ١ / ٢٩١ ]
بجلال الله؛ قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٢. وقال رسول الله ﷺ: " إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" ٣.
وقد دلت الآيات والأحاديث النبوية الكثيرة على هذه الصفة العظيمة لربنا ﷾.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- هذه الصفة، وبين أنها صفة كمال لله ﷾ وصف بها نفسه، وهي لا تشابه صفات المخلوقين؛ فقال -﵀-: "فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم. هذا هو المتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤. والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٥ أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله. وقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال، وبين أنها من صفات التأثير كالقدرة؛ قال تعالى في تعظيم شأنها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦. وبين أنها
_________________
(١) ١ سورة ص، الآية [٧٥] . ٢ سورة المائدة، الآية [٦٤] . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢١٣٣. ٤ سورة المائدة، الآية [٣٨] . ٥ سورة ص، الآية [٧٥] . ٦ سورة الزمر، الآية [٦٧] .
[ ١ / ٢٩٢ ]
صفة تأثير كالقدرة في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١؛ فتصريحه تعالى بأنه خلق نبيه آدم بهذه الصفة العظيمة التي هي من صفات كماله وجلاله يدل على أنها من صفات التأثير كما ترى" ٢.
وهذا الكلام من الشيخ الأمين -﵀- هو معتقد السلف جميعًا في صفة اليدين لله ﷾ على الحقيقة كما يليق بجلاله، وأنها لا تشابه يدي المخلوق كما أن ذات الله ﷾ لا تشابه ذات المخلوق.
قال الإمام ابن خزيمة -﵀-: "نحن نقول: الله جل وعلا له يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه المصطفى ﷺ، ونقول: كلتا يدي ربنا ﷿ يمين" ٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وقد تواتر في السنة مجئ اليد في حديث النبي ﷺ، فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتان له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السموات بيده اليمنى، وأن يديه مبسوطتان. ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة الإعطاء"٤.
وهكذا نرى أن تناول الشيخ -﵀- لهذه الصفة ينطلق من اتباعه
_________________
(١) ١ سورة ص، الآية [٧٥] . ٢ أضواء البيان ٧/٤٤٤- ٤٤٥. وانظر: رحلة الحج ص٧٩. ٣ التوحيد لابن خزيمة ١/١٩٣. ٤ الرسالة المدنية ص٤٥.
[ ١ / ٢٩٣ ]
لمنهج الوحي، وسلوكه مسلك السلف، ولذلك جاء تقريره للمذهب الحق المستند إلى الدليل في غاية القوة والبيان.
موقف الشيخ الأمين -﵀- ممن تأول هذه الصفة:
أوَّل المتكلمون هذه الصفة كدأبهم في تحريف الصفات التي لا تنطبق مع أقسيتهم وعقولهم، فعدوها من المتشابه؛ فأولتها المعتزلة بمعنى القوة أو النعمة١، وقال متأخرو الأشاعرة: هي بمعنى القدرة٢. أما متقدمو الأشاعرة فأثبتوها صفة لله تعالى على مايليق بجلاله كما هو معتقد السلف٣.
وقد رد الشيخ الأمين -﵀- على من تأول هذه الصفة
الكريمة، مظهرًا زيف دعواهم، ومبينًا أن إثبات هذه الصفة على ما يليق بالله لا يأباه إلا ذوو القلوب المريضة بالتشبيه؛ فقال: "ولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة البتة؛ لإجماع أهل الحق والباطل كلهم على أنه لا يجوز تثنية القدرة. ولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ودم في معنى هذا اللفظ الدال على هذه الصفة العظيمة من صفات خالق السموات والأرض" ٤.
ثم ذكر -﵀- شبههم التي يتعلقون بها، ورد عليها، وبين اللوازم التي تلزم هذا القول؛ فقال: "فاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص٢٢٨. ٢ مشكل الحديث ص٢٤٣. وأصول الدين ص١١٠، والإرشاد ص١٤٦. والمواقف. ٣ أصول الدين ص١١١. ٤ أضواء البيان ٧/٤٤٥. وانظر: رحلة الحج ص٨٤.
[ ١ / ٢٩٤ ]
المذكورة وأمثالها لا يليق بالله؛ لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإنسان، وأنها يجب صرفها عن هذا الظاهر الخبيث. ولم تكتف بذلك حتى ادعيت الإجماع على صرفها عن ظاهرها. إن قولك هذا كله افتراء عظيم على الله تعالى وعلى كتابه العظيم، وإنك بسببه كنت أعظم المشبهين والمجسمين. وقد جرك شؤم هذا التشبيه إلى ورطة التعطيل؛ فنفيت الوصف الذي أثبته الله في كتابه لنفسه بدعوى أنه لا يليق به، وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من السلف. وماذا عليك لو صدقت وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل. وبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق؟ وهل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق على أحد حتى يفهم صفة المخلوق من اللفظ الدال على صفة الخالق"١.
وبعد هذا الرد من الشيخ -﵀- على المؤولة، والذي أبان فيه زيف دعاويهم، وأنها لا حظ لها من كلام الله ولا رسوله ولا إجماع المسلمين، ولا يدل عليها عقل ولا سمع: نراه -﵀- يحذّر المؤولة ويخوفهم بالله أن يتجرؤوا على تحريف وصف الله لنفسه، مبينًا لهم أن كيفية صفات الرب جل وعلا لايحيط بها أحد ولا يستطيع مخلوق معرفة كنهها، فهي ثابتة لله جل وعلا كما يليق بجلاله؛ فيقول -﵀-: "فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقوّل على الله بغير علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه. واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكل شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٤٥-٤٤٦.
[ ١ / ٢٩٥ ]
يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول: هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك؛ فاليد مثلًا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة، وأنا انفيها باتًا وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلًا، "أو الجود" ١.
وهكذا نلاحظ القوة التي يمتاز بها الشيخ -﵀- في إيضاح الحق ودمغ الباطل، ففيها من الغيرة على الحق ومحاربة الباطل مايجعلها قارعة على رؤوس المعطلين.
إشكال، وتوضيحه:
أورد الشيخ الأمين -﵀- قضية قد تشكل على بعض الناس. ومضمونها: أن القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع السلف دل على أن الله متصف بأن له يدين –بالتثنية-. وكذلك أجمعوا على أن الله لايوصف بصفة الأيدي –بالجمع-. مع أن الله وصف نفسه بذلك، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ٢.
فلماذا أجمع السلف على تقديم آية ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٣ على آية ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾؟ ٤.
وقد أجاب الشيخ -﵀- عن هذا السؤال: أنه لا تعارض ولا إشكال بين الآيتين، وأن صيغ الجموع لها معنيان. وقد بين -﵀- هذه المعاني
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٤٦. ٢ سورة يس، الآية [٧١] . وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذا المعنى «في الرسالة المدنية ص٤٩» . ٣ سورة ص، الآية [٧٥] . ٤ انظر: أضواء البيان ٧/٤٦٣.
[ ١ / ٢٩٦ ]
مدللا عليها بآيات من القرآن الكريم؛ فقال "الجواب: أن لا خلاف بين أهل اللسان العربي، ولا بين المسلمين أن صيغ الجموع تأتي لمعنيين؛ أحدهما: إرادة التعظيم فقط، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلًا؛ لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم إنما يراد بها واحد. الثاني: أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف. وإذا علمت ذلك فاعلم أن القرآن العظيم يكثر فيه جدًا إطلاق الله جل وعلا على نفسه صيغة الجمع؛ يريد بذلك تعظيم نفسه، ولايريد بذلك تعددًا، ولا أن معه غيره ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١؛ فصيغة الجمع في قوله: ﴿إنا﴾ وفي قوله: ﴿نحن﴾، وفي قوله: ﴿نزلنا﴾، وقوله: ﴿حافظون﴾ لايراد بها أن معه منزلًا للذكر وحافظًا له غيره تعالى، بل هو وحده المنزل له والحافظ له. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ٤، ونحو هذا كثير في القرآن جدًا، وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله: ﴿إنا﴾، وفي قوله: ﴿خلقنا﴾، وفي قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥ إنما يراد بها التعظيم، ولا يراد بها التعدد أصلًا.
وإذا كان يراد بها التعظيم لا التعدد علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٦؛ لأنها دلت على صفة اليدين، والجمع في
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية [٩] ٢ سورة الواقعة، الآية [٥٨-٥٩] . ٣ سورة الواقعة، الآية [٦٩] . ٤ سورة الواقعة، الآية [٧٢] . ٥ سورة يس، الآية [٧١] . ٦ سورة ص، الآية [٧٥] .
[ ١ / ٢٩٧ ]
قوله: ﴿أيدينا﴾ لمجرد التعظيم. وما كان كذلك لا يدل على التعدد، فيطلب الدليل من غيره، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حكم به. فقوله مثلًا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد. وكذلك قوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٣، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ٤؛ فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد، ومنزل واحد، ومنشئ واحد. وأما قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فقد دل البرهان القطعي على أن الله موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ كما تقدم إيضاحه قريبًا. وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله: ﴿لَحَافِظُونَ﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾، وقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٥، لا يراد بشيء منه معنى الجمع، وإنما يراد به التعظيم فقط"٦.
وهذا الجواب من الشيخ -﵀- مقنع لمن أراد الحق ومعرفة معتقد السلف؛ فهو مقنع لطالب الحق غاية الإقناع بما اشتمل عليه من تقرير علمي رصين.
وقد نبه الشيخ الأمين -﵀- إلى أن قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ٧أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، وأن ﴿أيد﴾ لا يراد منها صفة اليد، وإنما هي بمعنى القوة؛ فقال -
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية [٩] . ٢ سورة الواقعة، الآية [٥٩] . ٣ سورة الواقعة، الآية [٦٩] . ٤ سورة الواقعة، الآية [٧٢] . ٥ سورة يس، الآية [٧١] . ٦ أضواء البيان ٧/٤٦٣- ٤٦٥. وانظر كلام أبي الحسن في الإبانة (ص١٠٤)، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة التدمرية (ص٧٥) عن هذا الإشكال. ٧ سورة الذاريات، الآية [٤٧] .
[ ١ / ٢٩٨ ]
﵀-: "قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بنيناها بأيد﴾ ليست من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم، لأن قوله: "بأيد" ليس جمع يد، وإنما الأيد: القوة، فوزن قوله هنا: ﴿بأيد﴾ فعل، ووزن الأيدي: أفعل؛ فالهمزة في قوله: "بأيد" في مكان الفاء، والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: ﴿بأيد﴾ جمع يد، لكان وزنه أفعلا، فتكون الهمزة زائدة، والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين، والياء المحذوفة –لكونه منقوصًا- هي اللام. والأيد والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد: قوي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ١؛ أي قويناه. فمن ظن أنه جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطًا فاحشًا، والمعنى: والسماء بنيناها بقوة"٢.
[٤] صفة المعية:
تطرق الشيخ الأمين -﵀- لهذه الصفة من عدة جوانب:
أحدها: أقسامها. وثانيها: الجمع بينها وبين استواء الله على عرشه. وثالثها: الردّ على الجهمية القائلين إنّ الله معنا بذاته.
أولًا: تقسيم المعية: أوضح الشيخ الأمين -﵀- أنّ المعية تنقسم إلى قسمين؛ خاصة وعامة؛ فقال -﵀-: "إنّ لله معية خاصة ومعية عامة. فالمعية الخاصة بالنصر والتوفيق والإعانة، وهذه لخصوص المتقين المحسنين؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية٣، وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ الآية٤، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [٨٧] . ٢ أضواء البيان ٧/٦٦٩ وانظر كلام أبي الحسن الأشعري (في الإبانة ص١٠٠- ١٠١) عن هذه المسألة. ٣ سورة النحل، الآية [١٢٨] . ٤ سورة الأنفال، الآية [١٢] .
[ ١ / ٢٩٩ ]
وَأَرَى﴾ ١، وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٢. ومعيّة عامة بالإحاطة والعلم؛ لأنه تعالى أعظم وأكبر من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء. فجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى"٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "وأما المعية العامة لجميع الخلق: فهي بالإحاطة التامة والعلم ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا" ٤.
ثانيًا: الجمع بين معيته سبحانه، واستوائه على عرشه جل وعلا.
لاشك أنّ من كان عالما بأحوال عباده، مطلعا عليهم، ومهيمنا عليهم، يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويدبر جميع أمورهم: أنه معهم حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة؛ لأنّ المعية لا تستلزم الاجتماع في مكان٥. ومعيته لا تشبه معية مخلوق لمخلوق، بل هي معية على ما يليق بجلاله.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى هذا المعنى؛ فقال: "إنه تعالى مستو على عرشه كما قال بلا كيف ولا تشبيه، استواء لائقًا بكماله وجلاله، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل، فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام، ونفوذ القدرة ﷾ علوًا كبيرًا. فلا منافاة بين علوه على عرشه ومعيته لجميع الخلائق؛ ألا ترى –ولله المثل الأعلى- أنّ أحدنا لو جعل في يده حبة خردل أنه ليس داخلا في شيء من أجزاء تلك الحبة مع انه محيط بجميع أجزائها ومع جميع أجزائها. والسموات والأرض ومن فيهما في يده تعالى اصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى ﷾ علوًا كبيرًا. فهو أقرب إلى الواحد
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [٤٦] . ٢ سورة التوبة، الآية [٤٠] . ٣ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٧٦- ١٧٧-. ٤ المصدر نفسه ٣/٣٩٠. وانظر كلام شيخ الإسلام في الفتاوى ١١/٢٤٩. وكلام الإمام ابن كثير في تفسيره ٤/٣٢٢. ٥ من القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين ص٥٩- بتصرف.
[ ١ / ٣٠٠ ]
منا من عنق راحلته١، بل من حبل وريده٢، مع أنه مستو على عرشه، لا يخفى عليه شيء من عمل خلقه جل وعلا"٣.
ثالثًا: الردّ على الجهمية القائلين إنّ الله معنا بذاته:
يرى الجهمية أنّ الله في كلّ مكان، وأنه معنا بذاته٤. وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ردّ عليهم الشيخ الأمين -﵀- مبيّنا لهم أنّ هذا الفهم لهذه الآية غير صحيح؛ فالله سبحانه هو الذي أحاط بمخلوقاته، ولا تحيط به جل وعلا، فهو أكبر من كلّ شيء؛ فقال -﵀-: "اعلم أنّ ما يزعمه الجهمية من أنّ الله تعالى في كلّ مكان مستدلين بهذه الآية٧ على أنه في الأرض: ضلال مبين، وجهل بالله تعالى؛ لأنّ جميع الأمكنة الموجودة أحقر وأصغر من أن يحلّ في شيء منها ربّ السموات والأرض الذي هو أعظم من كلّ شيء، وأعلى من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء ولا يحيط به
_________________
(١) ١ يشير -﵀- إلى قوله ﷺ: «والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم» . (أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٧٧) . ٢ يشير -﵀- إلى قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ . (سورة ق، الآية [١٦]) . ٣ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٨٥-. وانظر: أضواء البيان ٣/٣٩٠. ولشيخ الإسلام -﵀-، والحافظ ابن القيم -﵀- كلام حول هذا المعنى. (انظر: الفتاوى ٥/١٠٣. ومختصر الصواعق ص٤١٩-٤٩٢) . ٤ انظر الرد على الجهمية للإمام الدارمي ص١٨. ٥ سورة الحديد، الآية [٤] . ٦ سورة الأنعام، الآية [٣] . ٧ يقصد قوله تعالى: ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم﴾ . (سورة الأنعام، الآية [٣]) .
[ ١ / ٣٠١ ]
شيء، فالسموات والأرض في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل في يد أحدنا –وله المثل الأعلى-، فلو كانت حبة خردل في يد رجل، فهل يمكن أن يقال: إنه حالّ فيها، أو في كلّ جزء من أجزائها؟ لا، وكلا هي أصغر وأحقر من ذلك. فإذا علمت ذلك: اعلم أنّ ربّ السموات والأرض أكبر من كلّ شيء، وأعظم من كلّ شيء، محيط بكلّ شيء ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء. ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١ ﷾ علوًا كبيرًا، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٢"٣.
وبهذا يتضح لنا بطلان هذا القول القبيح الذي هو حلول صرف؛ إذ يلزم منه أنّ الله تعالى حالّ في كلّ مكان، ليس في مكان دون آخر، ويلزم منه أن تكون الأماكن القذرة، وأجواف الخنازير محلًا لله سبحانه وتعالى عما يقول المبطلون علوًا كبيرًا.
[٥] صفة العلم:
العلم من صفات الله الذاتية، فهي لا تنفك عنه جلّ وعلا. وعلمه ﷾ محيط بكلّ شيء أزَلًا وأبدًا. وهو أحد مراتب القدر الأربعة؛ فقد علم الله ﷾ جميع ما هو كائن، ولم يطلع على غيبه أحدًا من خلقه، إلا ما أطلع عليه رسله تأييدًا لهم في دعوتهم الناس إلى الإيمان به جل وعلا.
_________________
(١) ١ سورة سبأ، الآية [٣] . ٢ سورة طه، الآية [١١٠] . ٣ أضواء البيان ٢/١٨٢-١٨٣. ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حول هذا المعنى في الفتاوى (٥/٢٣٠) .
[ ١ / ٣٠٢ ]
وقد أوضح الشيخ -﵀- هذه الصفة العظيمة فقال: "علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وقد نفاها عن كلّ خلقه. وكونه يطلع بعض خلقه على بعض الغيب لا يقتضي أن يوصفوا بما وصف به"١.
وقال -﵀- في موضع آخر، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ٢: "بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يقصّ على عباده يوم القيامة ما كانوا يعملونه في الدنيا، وأخبرهم بأنه جل وعلا لم يكن غائبًا عما فعلوه أيام فعلهم له في دار الدنيا، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق، المحيط علمه بكلّ ما فعلوه من صغير وكبير، وجليل وحقير.
وبيّن هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٥"٦.
_________________
(١) ١ معارج الصعود ص١٠٣. ٢ سورة الأعراف، الآية [٧] . ٣ سورة المجادلة، الآية [٧] . ٤ سورة الحديد، الآية [٤] . ٥ سورة يونس، الآية [٦١] . ٦ أضواء البيان ٢/٢٩١. وانظر: المصدر نفسه ٢/٣٠٣، ٣٠٨. ومنهج ودراسات ص١٥-١٦. ورحلة الحج ص٧٦. ومعارج الصعود ص٤٥، ٤٧، ٦٧، ١٠٠. وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن صفة العلم في الفتاوى ٦/٣٤٠.
[ ١ / ٣٠٣ ]
[٦] صفات العلوّ والعظمة والكبرياء:
ذكر الشيخ الأمين -﵀- صفتي العلوّ والعظمة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ١؛ فقال -﵀-: "وصف نفسه جل وعلا في هذه الآية الكريمة بالعلوّ والعظمة، وهما من الصفات الجامعة كما قدمنا في سورة الأعراف٢ وما تضمنته هذه الآية الكريمة من وصفه تعالى نفسه بهاتين الصفتين الجامعتين لكلّ كمال وجلال، جاء مثله في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الآية٦، إلى غير ذلك من الآيات٧.
وذكر -﵀- صفة الكبرياء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٨؛ فقال -﵀-: " ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ له الكبرياء في السموات والأرض؛ يعني أنه المختص بالعظمة والكمال والجلال والسلطان في السموات والأرض؛ لأنه هو معبود أهل السموات والأرض، الذي يلزمهم تكبيره وتعظيمه وتمجيده والخضوع والذلّ له"٩.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [٤] . ٢ انظر: أضواء البيان ٢/٣١٣. ٣ سورة البقرة، الآية [٢٥٥] . ٤ سورة النساء، الآية [٣٤] . ٥ سورة الرعد، الآية [٩] . ٦ سورة الجاثية، الآية [٣٧] . ٧ أضواء البيان ٧/١٥٠- ١٥١. وانظر المصدر نفسه ٢/٣١٣- ٣١٤. ٨ سورة الجاثية، الآية [٣٧] . ٩ أضواء البيان ٧/٣٦١. وانظر: رحلة الحج ص٧٨. ومنهج ودراسات ص٢٣.
[ ١ / ٣٠٤ ]
ثمّ ذكر -﵀- أنّ ما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر؛ فذكر عدة آيات في القرآن الكريم، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١؛ فقال -﵀-: "معناه أنّ له الوصف الأكمل الذي هو أعظم الأوصاف وأكملها وأجلها في السموات والأرض. وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ: "إنّ الله يقول: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما أسكنته ناري" ٢"٣.
[٧] صفة القدرة:
صفة القدرة من الصفات الذايتة. وقد ذكرها الشيخ -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤، قال: "أي قادر. وهذه الصفة التي هي صفة القدرة: هي التي يوجد الله جل وعلا بها الممكنات. وهو تعالى قادر على ما يشاء، وما لم يشأ؛ مثال ذلك: انه تعالى شاء إيمان أبي بكر وهدايته، وقد هداه للإيمان، ولم يشأ إيمان أبي جهل، وهو قادر عليه، ولم تتعلق به مشيئته، فلم يوجده. وكلّ صفات الله ﷿ من الكمال؛ بحيث لو تصور شيء من المبالغة في الصفة فهي فوق ذلك"٥.
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية [٢٧] . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٢٣) بلفظ مقارب عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول الله ﷺ: «العزة إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته» . وأخرجه أبو داود (في سننه ٤/٣٥٠-٣٥١) عن أبي هريرة بنحو اللفظ الذي أورده الشيخ، وفيه: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار» . وكذا أخرجه ابن ماجه (في السنن ٢/١٣٩٧) بلفظ أبي داود إلا أنّ فيه: «ألقيته في جهنم» بدل «قذفته في النار» . ٣ أضواء البيان ٧/٢٦١. وانظر: المصدر نفسه ٥/١٣٦. وإبطال التأويلات ١/٢٣٢. والفتاوى ١٠/٢٥٣-٢٥٤. ٤ سورة هود، الآية [٤] . ٥ معارج الصعود ص٤٤. وانظر: أضواء البيان ٢/٣٠٧. ورحلة الحج ص٧٦. وآداب البحث ٢/١٣٢. ومنهج ودراسات ص١٣. وانظر أيضًا: الفتاوى ٦/١٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
[٨] صفتا السمع والبصر:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ ١: أي ما أبصره وما أسمعه جل وعلا. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه جل وعلا بالسمع والبصر ذكره أيضًا في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٤، والآيات بذلك كثيرة جدًا"٥.
[٩] صفتا الحياة والقومية:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ٦: "الحيّ: المتصف بالحياة، الذي لا يموت أبدًا. والقيوم: صيغة مبالغة؛ لأنه جل وعلا هو القائم بتدبير شئون جميع الخلق، وهو القائم على كلّ نفس بما كسبت. وقيل: القيوم: الدائم الذي لا يزول" ٧.
وصفة القيومية صفة ذاتية باعتبار، وفعلية باعتبار؛ فالله ﷾ قائم بنفسه، ومقيم لغيره جل وعلا. وهذه الصفة تشبه صفة الكلام من
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٢٦] . ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ سورة المجادلة، الآية [١] . ٤ سورة الحج، الآية [٧٥] . ٥ أضواء البيان ٤/٨١. وانظر: المصدر نفسه ٢/٣٠٨. ورحلة الحج ص٧٦. وآداب البحث والمناظرة ٢/١٣٢. ومنهج ودراسات ص١٤. وانظر أيضًا: كتاب التوحيد لابن خزيمة ١/١٠٦. ٦ سورة طه، الآية [١١١] . ٧ أضواء البيان ٤/٥١٨. وانظر كلام الشيخ الأمين -﵀- عن صفة الحياة في: أضواء البيان ٢/٣٠٨. ورحلة الحج ص٧٦. وآداب البحث ٢/١٣٢. ومنهج ودراسات ص١٤. وقد تكلم على صفة الحياة من السلف، فقال نحوا من كلام الشيخ الأمين، كلّ من شيخ الإسلام ابن تيمية (في الفتاوى ٦/٦٨)، وابن أبي العز (في شرح الطحاوية ص١٢٤)، وغيرهما.
[ ١ / ٣٠٦ ]
حيث كونها صفة ذاتية فعلية؛ إذ إنّ صفة الكلام صفة ذاتية باعتبار نوع الكلام، وفعلية باعتبار أفراد الكلام.
[١٠] صفة الوجه:
قال -﵀-: "والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه. فعلينا أن نصدق ربنا، ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التامّ عن مشابهة صفات الخلق" ١.
[١١] صفة العين:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿بأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ٢: "العين صفة لله تعالى لائقة بجلاله، لا يشبه صفة المخلوقين.
وإنما جمعت هنا لمناسبة إضافتها إلى الضمير المجموع للتعظيم" ٣.
[١٢] صفة القدم:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٤: "وثبت في بعض الأحاديث أنّ النار لا يزال الله يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد. فيضع ربّ العزة قدمه عليها فتقول: قط قط٥. وهذه صفة لله تعالى لائقة بجلاله تثبت كغيرها على أساس التنزيه"٦.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٥٠. وانظر المصدر نفسه ٢/٣٣٢، ٤/١٩٩، ٦/٤٥٧. وكلام الشيخ هذا يشبه كلام من سبقه من السلف عن هذه الصفة الكريمة. (انظر مثلًا: التوحيد لابن خزيمة ١/٢٤-٢٥. والفتاوى ٦/٦٨. ومختصر الصواعق ص٤١٧) . ٢ سورة هود، الآية [٣٧] . ٣ معارج الصعود ص١١٣. وللسلف ﵏ كلام حول هذه الصفة الكريمة يشبه ما أورده الشيخ الأمين -﵀-. (انظر مثلًا: التوحيد لابن خزيمة ١/٩٦-٩٧. والفتاوى ٦/٦٨) . ٤ سورة هود، الآية [١١٩] . ٥ يشير -﵀- إلى الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (٦/٤٧)، ومسلم في صحيحه (٤/٢١٨٦-٢١٨٧) . ٦ معارج الصعود ص٣٠٤. وممن تكلم من السلف على هذه الصفة بكلام يشبه كلام الشيخ الأمين: القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات لأخبار الصفات (١/١٩٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٦/٦٨)، وغيرهما.
[ ١ / ٣٠٧ ]
[١٣] صفة الغضب:
قال -﵀-: "اعلم أنّ الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت؛ فنصدق ربنا في كلّ ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك مع تنزيهنا التامّ له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا" ١.
فهي إذًا صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لا يشبه غضبه غضب خلقه، كما أنّ صفاته كلها لا تشبه صفات خلقه؛ إذ الصفات تتبع المتصف بها، كما سبق أن قرر الشيخ الأمين -﵀- ذلك.
[١٤] صفة الرحمة:
وفي بيان هذه الصفة يقول -﵀-: "الرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن، واسمه الرحيم: وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم، وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢؛ لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضًا، ولا شك أنّ رحمة الله تخالف رحمة خلقه؛ كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذواتهم وصفاتهم٣.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٤٨٨. وانظر المصدر نفسه ٢/٣١٦. وللسلف ﵏ كلام حول هذه الصفة يطابق ما أورده الشيخ الأمين -﵀-. (انظر مثلًا: التدمرية ص٤٦. وسير أعلام النبلاء ١٧/٦٥٦) . ٢ سورة المؤمنون، الآية [١٠٩] . ٣ أضواء البيان ٥/٨٣٤. وانظر المصدر نفسه ١/١٠١، ٢/٣١٥. ورحلة الحج ص٧٩. ومنهج ودراسات ص٢٦. ومعارج الصعود ص٣٠، ٥٠، ١٢٠، ١٨٢، ٢١٩. وانظر أيضًا الفتاوى ٦/١٨.
[ ١ / ٣٠٨ ]
[١٥] صفة المجيء:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١: "ومثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمرّ كما جاء، ويؤمن بها، ويعتقد أنها حقّ، وأنه لا يشبه شيئًا من صفات المخلوقين. فسبحان من أحاط بكلّ شيء علمًا، "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما"٢"٣.
[١٦] صفة العجب:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ٤: "هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب لله تعالى، فهي إذًا من آيات الصفات على هذه القراءة"٥.
[١٧] صفة النور:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ٦: وصف الله بأنه نور. ومن أسمائه تعالى: النور. ومما يدلّ على وصفه به قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ ٧"٨.
وقد ذكر الشيخ الأمين -﵀- بعض الصفات بإيجاز، وبيّن أنها ثابتة
_________________
(١) ١ سورة الفجر، الآية [٢٢] . ٢ سورة طه، الآية [١١٠] . ٣ أضواء البيان ٢/٢٨٤. ٤ سورة الصافات، الآية [١٢] . ٥ أضواء البيان ٦/٦٨٠. ولأبي يعلى كلام قريب من هذا الكلام. (انظر: إبطال التأويلات ١/٢٤٥) . ٦ سورة النور، الآية [٣٥] . ٧ سورة الزمر، الآية [٦٩] . ٨ تفسير سورة النور ص١٣٨. جمعه الدكتور عبد الله قادري.
[ ١ / ٣٠٩ ]
لله ﷾ على ما يليق بجلاله؛ مثل صفة الإرادة١، وصفة الرضا٢، وغيرهما.
وقد سرد الشيخ -﵀- بعض الصفات، فقال: فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء، ولا صفة يد ولا أصابع، ولا عجب، ولا ضحك؛ لأنّ هذه الصفات كلها من باب واحد؛ فما وصف الله به نفسه منها: فهو حقّ، وهو لائق بكماله وجلاله، لا يشبه شيئًا من صفات المخلوقين. وما وصف به المخلقو منها: فهو حقّ مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم"٣.
وبهذا يتضح لنا من الصفات التي ذكرها الشيخ الأمين -﵀- مفصلة، ومن الأخرى التي سردها سردًا أنّ منهجه -﵀- هو منهج السلف؛ لا يتجاوزون الكتاب والسنة؛ فما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد ﷺ أثبتوه لله على ما يليق بجلاله وكماله. وما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله محمد ﷺ نفوه عن الله جل وعلا. وهم في إثبات الصفات ينزهون الله ﵎ عن مشابهة المخلوقين تنزيها لا يصل إلى التعطيل، بل يتقيّدون بقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤.
وبما أوردته من كلام الشيخ الأمين -﵀- حول الصفات يتضح لنا أنه -﵀- سلفي العقيدة والمنهج؛ فعلى منهج السلف في الإثبات سار، وبما قالوا به قال ﵀ رحمة واسعة وأجزل له المثوبة.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٠٧. ٢ المصدر نفسه ٢/٣١٦. ٣ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٣-٤٤. وانظر كلام الحافظ ابن القيم -﵀-: في مختصر الصواعق المرسلة (١/٣٦٥) . ٤ سورة الشورى، الآية [١١] .
[ ١ / ٣١٠ ]
المبحث الثاني: موقف الشيخ ﵀ من أهل التأويل
المطلب الأول: معاني التأويل
التأويل له معان ثلاثة؛ أوضحها الشيخ الأمين ﵀ وفصّلها، وهي:
الأول: بمعنى العاقبة، وما يؤول إليه الحال.
والثاني: بمعنى التفسير.
والثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وهذا الأخير من وضع المتأخرين.
قال الشيخ -﵀- مبينًا هذه الأقسام بأدلتها: "اعلموا أنّ التأويل يطلق في الاصطلاح مشتركًا بين ثلاثة معان:
١- يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال. وهذا هو معناه في القرآن نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ٢، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل﴾ ٣: أي ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال.
٢- ويطلق التأويل بمعنى التفسير، وهذا قول معروف؛ كقول ابن جرير: القول في تأويل قوله تعالى: كذا؛ أي تفسيره.
٣- أما في اصطلاح الأصوليين: "فالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [٥٩] . ٢ سورة يونس، الآية [٣٩] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٥٣] .
[ ١ / ٣١١ ]
المتبادر منه لدليل" ١.
ثمّ بيّن -﵀- أنّ التأويل بمعناه الأخير له ثلاث حالات. وذكر -﵀- تلك الحالات مقرونة بأدلتها، مبينا المقبول منه من غير المقبول؛ فقال -﵀-: وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات:
أ-إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة. وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه. ومثال هذا النوع: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الجار أحقّ بسقبه" ٢؛ فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار.
وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر. إلا أنّ حديث جابر الصحيح: "فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" ٣ دلّ على أنّ المراد بالجار الذي هو أحقّ بصقبه خصوص الشريك المقاسم. فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه. وهذا التأويل يسمى تأويلًا صحيحًا، وتأويلًا قريبًا. ولا مانع منه إذا دلّ عليه النصّ.
ب- الثاني: هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلا، وهو في نفس الأمر ليس بدليل. فهذا يسمى تأويلًا بعيدًا، ويقال له: فاسد. ومثّل له بعض العلماء بتأويل الإمام أبي حنيفة -﵀- لفظ
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٢-٣٣. وانظر: أضواء البيان ١/٣٢٩. وذكر هذه الأنواع شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-. (انظر العقيدة التدمرية ص٩١) . ٢ أخرجه البخاري ٣/٤٧. والسقب، والصقب: القرب. (حاشية البخاري ٣/٤٧) . ٣ أخرجه البخاري في الصحيح ٣/٤٧ بنحوه، وفيه: «فإذا وقعت» بدل: «فإذا ضربت» .
[ ١ / ٣١٢ ]
امرأة- في قوله ﷺ: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ١؛ قالوا: حمل هذا على خصوص المكاتبة تأويل بعيد؛ لأنه صرف للفظ عن ظاهره المتبادر منه؛ لأنّ "أي" في قوله: "أيما امرأة" صيغة عموم، وأكدت صيغة العموم بـ "ما" المزيدة للتوكيد.
فحمل هذا على صورة نادرة هي المكاتبة حمل للفظ على غير ظاهره لغير دليل جازم يجب الرجوع إليه٢.
ثمّ بيّن -﵀- التأويل الذي نحن بصدده، والمعنى في هذا المبحث، والذي ينطبق على تأويل أهل الكلام لصفات الله، وعلى تأويل الباطنية الذين يقولون إنّ لكلّ نص ظاهرًا وباطنًا؛ فيؤولون جميع نصوص الدين بما تشتهي أنفسهم.
وقد بيّن الشيخ -﵀- أنّ هذا النوع لا يستحقّ أن يسمى تأويلًا، وإنما هو اعتداء، وتلاعب بنصوص الشرع؛ فقال -﵀-: "وأما حمل اللفظ على غير ظاهره لا لدليل: فهذا لا يسمى تأويلا في الاصطلاح، بل يسمى لعبا؛ لأنه تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ. ومن هذا تفسير غلاة الروافض قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٣ قالوا: عائشة".
"ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان؛ كقولهم: "استوى" بمعنى "استولى"، فهذا لا يدخل في اسم التأويل، لأنه لا دليل عليه البتة، وإنما يسمى في اصطلاح أهل الأصول: لعبا: لأنه تلاعب بكتاب الله جل وعلا من غير دليل ولا
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه ٣/٣٩٩، وقال: حديث حسن. وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٦/٢٤٣: صحيح. ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٣-٣٤. وانظر أضواء البيان ١/٣٥٩. ٣ سورة البقرة، الآية [٦٧] .
[ ١ / ٣١٣ ]
مستند. فهذا النوع لا يجوز لأنه تهجم على كلام رب العالمين، والقاعدة المعروفة عند علماء السلف: أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله، ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه" ١.
وقد ذكر شارح الطحاوية هذه المعاني الثلاثة، فقال عن المعنى الثالث منها: "والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك. وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه، فيه كثير من الأمور الخبرية والطلبية. والتأويل الصحيح منه الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد"٢.
والتأويل بالمعنى الثالث طغى على المعنيين الآخرين، وكتب له من الذيوع والانتشار بين الفقهاء والأصوليين والمتكلمين بحيث أصبح هو المتبادر إلى الذهن عند سماع لفظ التأويل، مع أنه لم يكن معروفًا بلغة العرب، ولا عند السلف٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن المعنى الثالث: "وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفًا لما يدّل عليه اللفظ ويبيّنه.
وتسمية هذا تأويلًا لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلًا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وظنّ هؤلاء أنّ قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّه﴾ ٤ يراد به هذا المعنى، ثمّ صاروا في هذا التأويل على طريقين؛ قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله. وقوم يقولون: إنّ الراسخين في العلم يعلمونه. وكلا الطائفتين مخطئة؛
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٣٣-٣٤.وانظر أضواء البيان ١/٣٣٠. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص٢٣٥. ٣ انظر قسم الدراسة في تحقيق قانون التأويل/ محمد السلماني ص٢٣٤. وابن تيمية وقضية التأويل ص١٣٣. ٤ سورة آل عمران، الآية [٧] .
[ ١ / ٣١٤ ]
فإنّ هذا التأويل في كثير من المواضع أو أكثرها، وعامتها من باب تحريف الكلم عن مواضعه؛ من جنس تأويلات القرامطة والباطنية. وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في آثارهم بالشهب"١.
وقال ابن قدامة -﵀-: "إنّ الصحابة ﵃ أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرنا عنهم. وكذلك أهل كلّ عصر بعدهم، ولم ينقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة" ٢.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن المتأولة أنهم يزعمون أنّ النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحقّ بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف النصوص من مدلولها. ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرف الحقّ من غير جهته. ثم قال -﵀-: وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك٣.
وهؤلاء المؤولة منهم المقلّ ومنهم المكثر من التأويل؛ فالمعتزلة تنفي جميع الصفات، والأشاعرة يرون تأويل بعض الصفات، والجميع من الأشاعرة والمعتزلة يرون الإيمان بنصوص المعاد، وينكرون على الباطنية الذين يؤولونها، لكن للباطنية أن تلزمهم بتأويل نصوص المعاد قياسًا على تأويلهم لنصوص الصفات، فيصبحوا مؤولة لجميع النصوص كالباطنية سواء
_________________
(١) ١ نقض المنطق ص٥٨. وانظر: الفتوى الحموية الكبرى ص٤٠. ومختصر الصواعق ص١١. وشرح الطحاوية ص٢٣٢-٢٣٧ ٢ ذمّ التأويل ص٤٠. ٣ الفتوى الحموية الكبرى ص٣٨. وانظر كلام شيخ الإسلام عن معاني التأويل الثلاثة في التدمرية ص٩١-٩٢.
[ ١ / ٣١٥ ]
بسواء. أو يثبتوها مثل أهل السنة الذين يثبتون نصوص الكتاب والسنة كما أراد الله جل وعلا١. وبذلك تقوم الحجة على الباطنية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين يؤولون النصوص جميعها، أو بعضها.
ولا شك أنّ التأويل بمعناه الأخير معول هدم للدين الإسلامي، وتحريف لكلام الله ﷾ وكلام رسوله ﷺ، فلا يستحقّ هذا المعنى أن يسمى تأويلًا، بل هو تحريف وتلاعب بنصوص الوحي، وفيه من الجناية على العقيدة الإسلامية ما يؤدي إلى هدمها ومسخها في أذهان من اتخذ التأويل طريقًا ومنهجًا نعوذ بالله من ذلك.
_________________
(١) ١ انظر: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ١/١١٦-١١٧. والفتوى الحموية ص٣٨. والصفات الإلهية ص١٤٧.
[ ١ / ٣١٦ ]
المطلب الثاني: بعض شبه أهل التأويل، وردّ الشيخ عليها
لأهل التأويل شبه قدحت بأذهانهم عطلوا بها صفات الله، فكلما جاءتهم آية وحديث يخالف عقولهم وأفكارهم حرفوه وعطلوه، وقد بنوا معتقدهم على هذه الشبه التي أصلوها من عند أنفسهم زاعمين أنهم ينزهون الله عن صفات النقص ومشابهة الحوادث، وهم في الحقيقة قد شبهوه بالجمادات والمعدومات، وعطلوه عن صفات الكمال التي امتدح بها نفسه سبحانه، وأثنى عليه بها رسوله ﷺ.
ومن هذه الشبه:
الشبهة الأولى: قولهم إن ظاهر الصفة غير مراد؛ لأن ظاهرها التشبيه؛ قال صاحب الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها
أوله أو فوض ورم تنزيها١
ومعنى هذا أن كل نص في القرآن الكريم والسنة النبوية فيه صفة الله ﷾، ويوهم المشابهة بصفات المخلوقين بزعمهم يصرف عن ظاهره؛ مثل الاستواء: الذي أولوه بالاستيلاء. واليد: التي أولوها بالقدرة. والعين: التي أولوها بالرعاية. والمحبة: بإرادة الإحسان. وهكذا.
وقد ذكر الشيخ الأمين -﵀- مضمون دعواهم هذه، فقال -﵀-: "زعم كثير من النظار الذين عندهم فهم أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة بالله؛ لأن ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه. وعقد ذلك المَقَريّ٢ في إضاءته في قوله:
_________________
(١) ١ شرح الصاوي على جوهرة التوحيد ص١٢٨. ٢ هو أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الرحمن المقري المغربي. ولد في تلمسان، ونشأ بها، ودخل مصر عام (١٠٢٨) . وتوفي فيها عام (١٠٤١؟) . (انظر مقدمة شرح إضاءة الدجنة المسماة بـ (رائحة الجنة) لعبد الغني النابلسي ص٧-٨، والأعلام ١/٢٣٧) .
[ ١ / ٣١٧ ]
والنص إن أوهم غير اللائق
بالله كالتشبيه بالخلائق
فاصرفه عن ظاهره إجماعًا
واقطع عن الممتنع الأطماعا"١ ٢.
وقد ردّ -﵀- على هذه الدعوى ردًا مقنعًا مفحما، حيث قال: "وهذه الدعوى الباطلة من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى وأحاديث رسوله ﷺ. والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم راجع عقله هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه. ولا بد أن نتساءل هنا فنقول: أليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق في الذات والصفات والأفعال؟ والجواب الذي لا جواب غيره: بلى. وهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال إن اللفظ الدال على صفته تعالى ظاهره المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق؟ والجواب الذي لا جواب غيره: لا، فبأي وجه يتصور عاقل أن لفظًا أنزله الله في كتابه مثلًا دالًا على صفة من صفات الله أثنى بها تعالى على نفسه يكون ظاهره المتبادر منه مشابهته لصفة الخلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم؛ فالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف، فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق؟ فكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقًا بالخالق منزهًا عن مشابهة صفات المخلوق. وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق" ٣.
ثم بين -﵀- هذا التفصيل في الفرق بين صفات الله وصفات خلقه بمثال يوضح به أن الظاهر المتبادر من صفات الله هو كما يليق بجلاله، لا يشابه صفة المخلوقين؛ قال -﵀-: "فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم، وهذا هو الذي
_________________
(١) ١ إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، مع شرحها ص١٤٨، ط الأولى، عام١٣٧٧؟. ٢ أضواء البيان ٧/٤٤٣. ٣ أضواء البيان ٧/٤٤٤.
[ ١ / ٣١٨ ]
يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١، والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ إنها صفة كمال وجلال لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله" ٣.
الشبهة الثانية: قولهم أن التأويل إجماع:
يرى المتأولة أن التأويل مجمع عليه. وقد تقدم قول المقري في إضاءته:
فاصرفه عن ظاهره إجماعًا
واقطع عن الممتنع الأطماعا٤
وقد كذب الشيخ -﵀- حكاية هذا الإجماع، وبين أنه لا أساس له من الصحة. وعقب على قول المقري بقوله: "إجماع مفقود أصلًا، ولا وجود له البتة؛ لأنه مبني على شرط مفقود لا وجود له البتة؛ فالإجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، ولم يقله أحد من أصحاب رسول الله، ولا من تابعيهم ولم يقله أحد من الأئمة الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين. وإنما لم يقولوا بذلك؛ لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على تنزيه الله عن مشابهة خلقه. وهذا الظاهر الذي هو تنزيه الله لا داعي لصرفها عنه كما ترى"٥.
وقد سبق الشيخ الأمين -﵀- إلى القول بأن التأويل ليس من طريقة السلف كل من شيخ الإسلام ابن تيمية٦، والذهبي٧، وغيرهما. بل
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [٣٨] . ٢ سورة ص، الآية [٧٥] . ٣ أضواء البيان ٧/٤٤٥. وانظر المصدر نفسه ٢/٣١٩، ٧/٤٥١. ومنهج ودراسات ص٣٥. ومنع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز –الملحق بأضواء البيان ١٠/٥٥. ٤ إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة ص١٤٨. ٥ أضواء البيان ٧/٤٥١-٤٥٢. ٦ الفتاوى ٦/٣٩٤. ٧ سير أعلام النبلاء ١٠/٦١٠.
[ ١ / ٣١٩ ]
نص العلامة عبد الباقي الواهبي على تحريم التأويل في صفات الله، فقال -﵀-: "يحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره؛ كآية الاستواء، وحديث النزول، وغير ذلك من آيات الصفات، إلا بصادر عن النبي ﷺ، أو بعض الصحابة، وهذا مذهب السلف قاطبة"١.
ولاشك أنه لم يصدر عن الله ولا عن رسوله ما يوجب التأويل، وإنما ما يوجب الإثبات.
الشبهة الثالثة: قولهم أن الصفات مجاز:
يرى المؤولة أن الصفات التي يؤلونها ليست على الحقيقة، بل هي من المجاز. والمجاز باب واسع، يمكن من خلاله تعطيل الصفات.
وقد رد الشيخ الأمين -﵀- على هذه الشبهة فقال: "إن الله ﵎ موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازًا؛ لأنا نعتقد اعتقادًا جازمًا لا يتطرق إليه شك أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تدل البتة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق، واتصافه تعالى بالكمال والجلال. وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازًا لا ينكره مسلم ومما يدعو إلى التصريح بلفظ الحقيقة ونفي المجاز كثرة الجاهلين الزاعمين أن تلك الصفات لا حقائق لها، وأنها كلها مجازات. وجعلوا ذلك طريقًا إلى نفيها؛ لأن المجاز يجوز نفيه، والحقيقة لا يجوز نفيها، فقالوا: مثلًا: اليد مجاز يراد به القدرة والنعمة، أو الجود؛ فنفوا صفة اليد لأنها مجاز. وقالوا: "على العرش استوى" مجاز؛ فنفوا الاستواء لأنه مجاز"٢. وقال -﵀- في موضع آخر: "ومن المعلوم أن هذه الصفات لو كان يقصد بها شيء آخر من المجازات التي يحملها عليها المؤولون لبادر ﷺ إلى بيانه؛ لأنه لا يجوز في حقه صلوات الله عليه وسلامه
_________________
(١) ١ العين والأثر ص٣٥-٣٦. ٢ أضواء البيان ٧/٤٥٢. وانظر المصدر نفسه ٧/٤٦٣.
[ ١ / ٣٢٠ ]
تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد" ١.
الشبهة الرابعة: الصفة التي لا يشتق منها تؤول:
قال -﵀-: "ومن الغريب أن بعض الجاحدين لصفات الله المؤولين لها بمعان لم ترد عن الله ولا عن رسوله يؤمنون فيها ببعض الكتاب دون بعض؛ فيقرون بأن الصفات السبع التي تشتق منها أوصاف ثابتة لله مع التنزيه، ونعني بها القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام؛ لأنها يشتق منها قادر حي عليم إلخ. وكذلك في بعض الصفات الجامعة؛ كالعظمة والكبرياء والملك والجلال مثلًا؛ لأنها يشتق منها العظيم والمتكبر والجليل والملك. وهكذا يجحدون كل صفة ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لم يشتق منها غيرها؛ كصفة اليد والوجه، ونحو ذلك. ولا شك أن هذا التفريق بين صفات الله التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ لا وجه له البتة بوجه من الوجوه، ولم يرد عن الله ولا عن رسوله ﷺ الإذن في الإيمان ببعض صفاته وجحد بعضها، وتأويله؛ لأنها لا يشتق منها. وهل يتصور عاقل أن يكون عدم الاشتقاق مسوغًا لجحد ما وصف الله به نفسه؟ ولا شك عند كل مسلم راجع عقله أن عدم الاشتقاق لا يرد به كلام الله فيما أثنى به على نفسه، ولا كلام رسوله فيما وصف به ربه. والسبب الموجب للإيمان إيجابًا حتمًا كليًا هو كونه من عند الله، وهذا هو الذي علم الراسخون في العلم أنه الموجب للإيمان بكل ما جاء عن الله سواء استأثر الله بعلمه؛ كالمتشابه، أو كان مما يعلمه الراسخون في العلم، كما قال الله عنهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٢"٣.
_________________
(١) ١ رحلة الحج، للشيخ الأمين -﵀- ص٨٣. ٢ سورة آل عمران، الآية [٧] . ٣ أضواء البيان ٧/٤٤٧.
[ ١ / ٣٢١ ]
الشبهة الخامسة: الصفة التي ليس لها آثار تؤول:
قال الشيخ الأمين -﵀-: "وما يزعمه بعضهم من أن القدرة والإرادة مثلًا، ونحوهما ليست كاليد، والوجه بدعوى أن القدرة والإرادة مثلًا ظهرت آثارهما في العالم العلوي والسفلي بخلاف غيرهما كصفة اليد ونحوها. فهو من أعظم الباطل، ومما يوضح ذلك أن الذي يقوله هو وأبوه وجده من آثار صفة اليد التي خلق الله بها نبيه آدم" ١.
الشبهة السادسة: أن الاستواء والعلو والفوقية تستلزم الجهة:
ذكر -﵀- هذه الشبهة، ورد عليها، وفصل في المعنى المراد من الجهة، فقال: "واعلم أن ما يزعمه كثير من الجهلة من أن ما في القرآن العظيم من صفة الاستواء والعلو والفوقية يستلزم الجهة، وأن ذلك محال على الله، وأنه يجب نفي الاستواء والعلو والفوقية، وتأويلها بما لا دليل عليه من المعاني: كله باطل. وسببه سوء الظن بالله وكتابه، وعلى كل حال فمدعي لزوم الجهة لظواهر نصوص القرآن العظيم، واستلزام ذلك للنقص الموجب للتأويل. يقال له: ما مرادك بالجهة؟ إن كنت تريد بالجهة مكانًا موجودًا انحصر فيه الله، فهذا ليس بظاهر القرآن، ولم يقله أحد من المسلمين. وإن كنت تريد بالجهة: العدم المحض فالعدم عبارة عن لا شيء؛ فميز أولًا بين الشيء الموجود، وبين لا شيء"٢.
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- على هذه الشبهة٣. بنحو كلام الشيخ الأمين -﵀-.
الشبهة السابعة: قول المفوضة: إن قولكم حقيقة لا مجازًا لم يرد عن السلف:
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٤٨. ٢ أضواء البيان ٧/٤٥٩- ٤٦٠. ٣ انظر: العقيدة التدمرية ص٦٦.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقد رد الشيخ الأمين -﵀- على هذه الشبهة ردًا مقنعًا، فقال: "إنما قلنا حقيقة لا مجازًا لقطعِنا وجزمِنا بأن تلك الصفات التي مدح الله بها نفسه صفات كمال وجلال منزهة عن مشابهة صفات الخلق؛ كتنزيه ذاته عن مشابهة ذواتهم. وجميع العقلاء إذا راجعوا عقولهم تحققوا أن الظاهر المتبادر لكل مسلم هو مخالفة الله لخلقه وتنزيهه عن مشابهتهم في صفاتهم وذواتهم وأفعالهم؛ فالظاهر المتبادر من صفة الاستواء والوجه واليد مثلًا أنها صفات كمال وجلال منزهة عن كل ما يخطر في قلوب الجهلة من مشابهة صفات الخلق. وإذا كان ظاهرها المتبادر منها التنزيه وعدم المشابهة فإثباتها حقيقة لا محذور فيه؛ لأن إثبات الكمال والتنزيه لله لا محذور فيه البتة"١.
وقال في موضع آخر: "إن سبب نفوره٢ من لفظة الحقيقة ونفي المجاز هو ما ينطوي عليه قلبه من سوء الظن بكلام الله في كتابه، وأن ظاهره المتبادر منه الكفر والتشبيه. ولو هداه الله إلى ما هدى إليه السلف الصالح من اليقين الجازم بأن ما مدح الله به نفسه في كتابه بالغ من الكمال والتنزيه ما يقطع علائق الوساوس وأوهام التشبيه؛ لأنه جل وعلا لا يمكن بحال أن يشبهه شيء من خلقه لما وقع فيما وقع فيه؛ فقد كان في بادئ الأمر يتبادر إلى ذهنه التشبيه لظنه أن ظواهر آيات الصفات تستلزم التشبيه، وكان ثانيًا معطلًا بدعواه أن ما مدح الله به نفسه في كتابه من الصفات كالاستواء، واليد لا حقيقة لها. وأي جهل بالله، وأي إلحاد في آياته أعظم من دعوى أن معاني آياته لا حقيقة لها. سبحانك هذا بهتان عظيم. وعلى كل حال فإنا نقطع بأن ما مدح الله به نفسه في كتابه كله كمال وجلال منزه أتم التنزيه عن مشابهة الخلق، وأن حقيقة ذلك الكمال والجلال ثابتة له تعالى حقًا؛ لأن من
_________________
(١) ١ المعين والزاد ص٤٣. ٢ يقصد المفوض.
[ ١ / ٣٢٣ ]
أسمائه تعالى الحق؛ فهو جل وعلا حق، وعبادته وحده حق. وجميع صفاته حق، وكل ما أثنى به على نفسه حق يقين. فمن ادعى على شيء من صفاته التي مدح بها نفسه أنها لا حقيقة لها متهجمًا عليها بإدعائه أن ظاهرها المتبادر منها الكفر الذي هو مشابهة صفات الخلق. فالله جل وعلا حسبه، وسيجازيه الجزاء اللائق به"١ إلى أن قال -﵀-: "وقد قال الإمام مالك -﵀-: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فلو كان الاستواء لا حقيقة له عنده لما صرح بأن الإيمان به واجب، ولقال: إنه يجب تأويله بمعنى آخر، وأنه مجاز ولا حقيقة له" ٢.
وقال -﵀- أيضًا في معرض الرد عليهم: "إن أصل الحقيقة في اللغة التي نزل بها القرآن (فعلية) بمعنى: فاعل، من قول العرب: حق الشيء، بمعنى ثبت. أو بمعنى مفعول من حققت الشيء –بتخفيف القاف- إذا أثبته. وإذا علمت أن الحقيقة معناها من معنى مادة الثبوت، فثبوت صفات الله دلت عليه نصوص الوحي دلالة قاطعة لا نزاع فيها. فمعنى اتصافه بصفاته حقيقة بدلالة المطابقة: هو كونها ثابتة له حقًا. وهذا هو معنى نصوص الوحي، فلا زيادة فيه البتة على المعنى الذي دل عليه الوحي. وقد ذكرنا آنفًا أن من أسمائه الحق، وذلك مستلزم لأن صفاته كلها حق، وكل ما هو ثابت حقيقة فهو حق، وبهذا تعلم أن نفي الحقيقة عن بعض الصفات مستلزم لنفي ثبوتها، ونفي ثبوت ما أثبته الله لنفسه محادة له جل وعلا من حيث لا يشعر ذلك النافي. وأما نفي المجاز عن صفات الله فقد أوضحناه في رسالة مستقلة، ومن أوضح أدلته أن القائلين بالمجاز منذ نشأ المجاز مجمعون على أن من الفوارق بينه وبين الحقيقة في اصطلاح البيانيين أن كل
_________________
(١) ١ المعين والزاد ص٤٣-٤٤. ٢ المعين والزاد ص٤٥.
[ ١ / ٣٢٤ ]
مجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة ومعلوم أن ما مدح الله به نفسه في كتابه لا يجوز نفي شيء منه، وذلك يستلزم منع المجاز فيؤول؛ لأن وجود المجاز يستلزم جواز النفي كما وضحنا"١.
وما قاله الشيخ الأمين -﵀- في رده على هذه الشبهة قد قاله غيره من أئمة أهل السنة والجماعة؛ كالإمام ابن عبد البر -﵀- الذي قال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة" ٢.
وفي ختام هذا المبحث نشير على أن الشيخ الأمين -﵀- أورد سؤالين بلسان أهل التأويل، ثم أجاب عليهما، ونسفهما من أساسهما موضحًا أنهما مجرد شبهة تدور في مخيلة المتأولة يلقونها في أسماع من يصغي إليهم ليبدلوا كلام الله ويحرفوا معانيه.
وقد أورد الشيخ -﵀- سؤالهم الأول، بقوله: "اعلم أنه إن قال معطل متنطع: نحن لا نعقل كيفية استواء مثلًا منزهة عن مشابهة كيفية استواء الخلق، فبينوا لنا كيفية معقولة منزهة عن مشابهة كيفيات استواء الخلق لنعتقدها؛ لأنا لم تدرك عقولنا كيفية استواء منزهة عن ذلك؟ "٣.
ثم أجاب الشيخ -﵀- عن هذا السؤال مبينًا أن أشباه هذا السؤال يورده المعاند ليبطل به المعتقد السلفي، وقد سد -﵀- على المعاند كل
_________________
(١) ١ الزاد والمعين ص٤٥-٤٦. ٢ التمهيد ٧/١٤٥. وهذه المسألة من المسائل التي نوقش فيها شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حين حبس. وقد رد عليهم بالرد المقنع. (انظر: الفتاوى ٣/١٨٨، ١٩٩) . وانظر كلام الإمام أبي الحسن الأشعري عن الحقيقة. (في رسالة أهل الثغر ص٢١٣، ٢١٦) . ٣آداب البحث والمناظرة٢/١٣٠.وانظر منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٥.
[ ١ / ٣٢٥ ]
الطرق التي سلكها للنيل من العقيدة. فأجاب عن هذا السؤال بجوابين، يكفي واحد منهما لدمغ حجتهم، فقال: "الأول: أن يقال: هل عرفت كيفية الذات الكريمة المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فإن قال: لا، قلنا له: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات؛ لأن الصفات تختلف باختلاف موصوفاتها؛ فكل صفة بحسب موصوفها" ١.
وفي هذه الإجابة تظهر لنا براعة الشيخ الأمين -﵀-؛ فهو قد بدأ مع السائل وانطلق معه من قاعدة يتفقان عليها، وأوضح له أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات؛ فإذا كنت تثبت لله ذاتًا حقيقية لا تشبه ذوات خلقه، وهذا أمر نتفق عليه؛ إذ لا تشبه ذات الله الذوات، ولا نعلم كيفيتها، فمن البديهي إذًا أن صفات الله تختلف عن صفات خلقه، وأن لا نعلم كيفيتها. وحينئذ فليس أمام هذا المعترض إلا أن يرضخ أمام هذا الجواب المقنع، ويسلم.
ولم يكتف الشيخ -﵀- بما سبق، بل أورد مثلًا فيه عبرة لمن أراد الله هدايته؛ برهانًا صادقًا مشاهدًا في الوجود، وحجة بالغة، فقال: "ألا ترى –ولله المثل الأعلى- أن لفظة رأس مثلًا إذا أضفتها إلى الإنسان فقلت: رأس الإنسان، وأضفتها إلى الوادي أو أضفتها إلى الجبل فقلت: رأس الجبل، وأضفتها إلى المال فقلت: رأس المال: أن لفظة الرأس لفظة واحدة، وأنها اختلفت حقائقها اختلافًا عظيمًا بحسب اختلاف إضافاتها. وهذا في اختلاف الإضافات إلى مخلوقات حقيرة، فما بالك بالاختلاف الواقع بين ما أضيف إلى الخالق وما أضيف إلى خلقه؛ فالفرق بين ذلك كالفرق بين ذات الخالق وذوات المخلوقين"٢.
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٠. وانظر: منهج ودراسات ص٤٥. وأضواء البيان ٢/٣٢٠، ٧/٤٥٠. ٢ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣١. وأضواء البيان ٧/٤٥١. وانظر منهج ودراسات ص٤٥-٤٦.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وبهذا يوضح الشيخ الأمين -﵀- قاعدة مهمة؛ وهي أن الألفاظ قبل الإضافة والتخصيص هي معان مشتركة، ولكنها بعد الإضافة والتخصيص تخص من أضيفت إليه. وهذا ملحوظ فيما بين المخلوقات، فكيف بين الخالق جل وعلا وبين المخلوق؛ فصفات الله جل وعلا تشترك مع صفات المخلوق في المعنى العام الكلي، وتفترق بعد الإضافة والتخصيص.
بل هي تفترق بعد الإضافة والتخصيص بين المخلوقات أنفسها؛ فلفظة اليد مثلًا من المعاني المشتركة، لكن إذا قلت: يد الباب، أو يد الإنسان، أو يد الطائر، أو يد الحيوان؛ ظهرت النتيجة الدالة على التفاوت فيما بين هذه المخلوقات، فكيف بين الخالق جل وعلا وبين خلقه، إنها والله لأعظم مباينة.
أما الشق الثاني من الجواب على هذا السؤال؛ فهو خاص بمن أثبت بعض الصفات، وأول البعض الآخر؛ فيلزمه أن يثبت بقية الصفات كما يليق بجلاله سبحانه، مثل ما قال في بعضها؛ إذ الكل لا نعلم كيفيتها، والمشابهة منتفية عن الجميع؛ قال -﵀-: "الوجه الثاني: هو أن تقول: هل عرفتم كيفية منزهة عن مشابهة الخلق في السمع والبصر مثلًا؟ فلا بد أن يقولوا أيضًا: لا، ولكنا نعلم أن سمع الله وبصره منزهان عن مشابهة أسماع الخلق وأبصارهم. فإن قالوا ذلك، قلنا: ونحن نقول مثل ذلك في الاستواء، وسائر الصفات الثابتة بالوحي الصحيح"١.
وبعد هذا البسط الواضح من الشيخ الأمين -﵀- في الإجابة عن هذا السؤال الإجابة المقنعة التي تزيل الشبه، وتمحو التصورات التي يحسبها أصحابها علمًا ومهارة يخدعون بها السذج ويبلبلون أفكارهم ومعتقداتهم: أريد أن أقول: إن الشيخ الأمين -﵀- بهذه الإجابة الواضحة دلل على
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣١.
[ ١ / ٣٢٧ ]
أنه قد أوتي علمًا وافيًا وحجة بالغة في مجادلة الخصوم، وأعطى مثلًا واضحًا للداعية في الأسلوب الذي ينبغي أن يحتذى به في إقناع الخصم من غير إثارة البغضاء والجدل. فرحم الله الشيخ الأمين رحمة واسعة.
أما السؤال الثاني:
فقد أورده -﵀- بقوله: "اعلم إن قال معطل متنطع: إن القرآن العظيم نزل بلغة العرب، والاستواء في لغتهم هو هذا الذي نشاهده في استواء المخلوقين، فإثباته لله يستلزم التشبيه بالخلق بحسب الوضع العربي الذي نزل به القرآن"١.
وقد رد -﵀- على هذا السؤال، وبين بطلانه من وجهين:
الأول: أن المعترض لم يفرق بين الخالق والمخلوق، لكن العرب لم يقعوا في هذا الخطأ؛ فهم يعرفون ما بين الخالق والمخلوق من مباينة، وأن للخالق صفات تليق بعظمته، وهي صفات كمال لا نقص فيها، وللمخلوق صفات مناسبة تليق بما هو عليه من النقص والضعف؛ فقال -﵀- موضحًا هذا المعنى: "الأول: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يعلمون كل العلم من معاني لغتهم أن بين الخالق والمخلوق، والرازق والمرزوق، والمحيي، والمميت والممات، إلى آخره فوارق عظيمة هائلة مستلزمة للاختلاف التام بين صفات الخالق والمخلوق والرازق والمرزوق. وأن أصل اللغة يقتضي أن تكون صفة كل منهما مناسبة لحاله؛ فعظمة صفة الخالق كعظمة ذاته، وانحطاط صفة المخلوق عنها كانحطاط ذاته عن عظمة ذاته. وما كان يلتبس ذلك على عوام المسلمين في زمنه ﷺ، فما كان يخطر في عقولهم مشابهة صفة الخالق لصفة خلقه، بل يعلمون أن صفة الخالق لائقة به، وصفة المخلوق لائقة به، والفرق بينهما كالفرق بين الذات
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣١. وانظر: أضواء البيان ٧/٤٤٩.
[ ١ / ٣٢٨ ]
والذات"١.
أما الشق الثاني من الجواب: فقد عنى به الشيخ -﵀- من أثبت بعض الصفات من غير كيف، وأول الباقي: أنه يلزمه إثبات الجميع لله من غير كيف، أو نفي الجميع؛ لأنها تشابه صفات المخلوقين؛ فقال -﵀-: "الوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون للسمع والبصر مثلًا كيفية إلا هذا المعنى المشاهد في المخلوقين بالحاسة التي هي جارحة، فيلزم قولكم أن يكون إثبات السمع والبصر ونحوهما من الصفات يستلزم التشبيه بحسب الوضع العربي الذي نزل به القرآن. فإن قالوا: لا يلزم من كون الوضع العربي يراد فيه بمعنى السمع والبصر ما هو مشاهد في المخلوقات أن يكون سمع الله وبصره مشابهين لأسماع الخلق وأبصارهم، لتنزيه صفاته عن مشابهة صفاتهم. قلنا: وكذلك نقول في الاستواء ونحوه، ولا وجه البتة للفرق بين السمع والبصر وبين الاستواء، والمشاهد من الجميع في المخلوقات لا يليق بالله جل وعلا، والذي اتصف الله به من الجميع منزه عن مشابهة صفات الخلق؛ كتنزيه سائر صفاته وذاته عن مشابهة صفات الخلق وذواتهم"٢.
ونلاحظ في هذا الجواب قوة الحجة التي عرضها الشيخ الأمين -﵀-، إذ إنه قد استخدم حجة المنازع المثبت لبعض الصفات، فألزمه أن يقول في بعض الصفات كما قال في بعضها الآخر؛ إما إثباتًا، وإما نفيًا؛ لأنّ التفريق بينهما قول على الله بغير علم وتحكم بغير دليل، وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية على ثبوت الصفات لله من غير كيف.
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣١. وانظر: أضواء البيان ٧/٤٤٩-٤٥٠. ٢ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣١-١٣٢. وانظر الإجابة عن هذين السؤالين أيضًا: في أضواء البيان ٢/٣٢٠، ٧/٤٤٩-٤٥١. ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٥.
[ ١ / ٣٢٩ ]
المطلب الثالث: مقارنة بين مذهب السلف والخلف
السلف يثبتون صفات الله على الحقيقة، ويفوضون الكيفية إلى العليم الخبير؛ فلا يحرفون، ولا يعطلون، ولا يشبهون، ولا يفوضون المعنى.
وقد غلط المتكلمون في فهم معتقد السلف، ورجحوا عليه مذهب الخلف؛ قال البيجوري١: "طريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح، والرد على الخصوم. وهي الأرجح. وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى غير مراد له تعالى"٢.
فكذب على السلف حيث جعل معتقدهم التفويض المحض، والجهل بكلام الله وعدم العلم والفقه؛ فآمنوا باللفظ وجهلوا المعنى. وجعل الخلف أعلم وأفقه وأحكم طريقة؛ لأنهم صرفوا اللفظ إلى معاني بنوع من التكلف٣.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- خطأ هذه المقالة وتهافتها، وجورها؛ حيث اتهمت السلف بالجهل بكلام الله، والتفويض المحض، ورد عليها، وأكد أن طريق السلامة متضمن العلم والحكمة؛ إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة؛ فقال -﵀-: "وصفوا مذهب السلف بأنه أسلم، وهي صيغة تفضيل، من السلامة. وما كان يفوق غيره، ويفضله في السلامة فلا شك أنه أعلم منه وأحكم"٤.
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن محمد بن أحمد البيجوري؛ شيخ الجامع الأزهر في وقته، اشعري العقيدة. له عدة مؤلفات منها: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد. توفي سنة (١٢٧٧؟) . (انظر: الأعلام ١/٧١. ومعجم المؤلفين ١/٨٤) . ٢ تحفة المريد ص٩١. ٣ انظر العقيدة الحموية الكبرى ص١٤. ٤ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٦-٤٧.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقال -﵀- في موضع آخر: "إن مذهب السلف أسلم وأحكم وأعلم، وقولهم: مذهب السلف أسلم؛ إقرار منهم بذلك؛ لأن لفظ أسلم: صيغة تفضيل من السلامة، وما كان يفضل غيره ويفوقه في السلامة فهو أحكم وأعلم. وبه يظهر أن قولهم: ومذهب الخلف أحكم وأعلم: ليس بصحيح بل الأحكم الأعلم هو الأسلم كما لا يخفى"١.
فلا وجه لجعل الخلف أعلم وأحكم من السلف، مع اعترافهم بأن مذهب السلف أسلم؛ فالسلامة إذا وجدت في شيء فلا بد أن يكون أحكم وأعلم؛ إذ من المستحيل أن توجد السلامة في شيء لا تتوفر فيه الحكمة والعلم؛ إذ السلامة من ثمراتهما.
والشيخ الأمين -﵀- لا يرضى هذا الفهم الناقص لمعتقد السلف؛ إذ هو تجهيل لهم، وتفضيل لأهل الجدل والسفطسة٢ عليهم. وفيه انتقاص للصحابة والتابعين ومن سلك سبيلهم من صالح الأمة؛ إذ هم المعنيون بكلمة (السلف) .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ردّ على هذه المقولة ردّ به على الأشاعرة. فقال: "وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: "طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم". فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل، وغايتهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض؛ فإنه وإن لم يكن تكفيرًا للسلف. كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج، ولا تفسيقا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٦. ٢ يراد بالسفسطة الخداع والتمويه في الكلام. راجع: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/٣٢٢-٣٢٤.
[ ١ / ٣٣١ ]
كان تجهيلًا لهم، وتخطئة وتضليلًا، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي، وإن لم يكن فسقًا، فزعمًا أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة. ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها القرن الأول. ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"١.
وقال شيخ الإسلام -﵀- أيضًا في موضع آخر يمدح منهج السلف: "ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول. وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٢"٣.
وقد رد العلامة مرعي الكرمي -﵀- على من قال بأن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم وأعلم بقوله: "فمذهب السلف اسلم، ودع ما قيل من أن مذهب الخلف أعلم؛ فإنه من زخرف الأقاويل، وتحسين الأباطيل؛ فإن أولئك قد شاهدوا الرسول والتنزيل، وهم أدرى بما نزل به الأمين جبريل، ومع ذلك فلم يكونوا يخوضون في حقيقة الذات"٤.
وبعد معرفة حقيقة مذهب السلف الذي اختلط على المتكلمين فلم
_________________
(١) ١ الفتاوى ٤/١٥٧-١٥٨. ٢ سورة البقرة، الآية [١٧٦] . ٣ درء تعارض العقل والنقل ٢/٣٠١. ٤ أقاويل الثقات ص٤٦.
[ ١ / ٣٣٢ ]
يفهموه، بين لنا الشيخ الأمين -﵀- موقف السلف من صفات الله تعالى بيانًا يدل على أن معتقد السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، فقال -﵀-: "إن من كان على معتقد السلف الصالح إذا سمع مثلًا قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ امتلأ قلبه من الإجلال والتعظيم والإكبار لصفة ربّ العالمين التي مدح بها نفسه، وأثنى عليه بها، فجزم بأن تلك الصفة التي تمدح بها خالق السموات والأرض بالغة من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينها وبين صفات الخلق؛ لأن الصفة لا يمكن أن تشبه صانعها في ذاته، ولا في شيء من صفاته. وبإجلال تلك الصفة وتعظيمها وحملها على أشرف المعاني اللائقة بكمال من وصف بها نفسه وجلاله يسهل على ذلك المؤمن السلفي أن يؤمن بتلك الصفة ويثبتها لله كما أثبتها الله لنفسه على أساس التنزيه؛ فيكون أولًا: منزها سالمًا من أقذار التشبيه، وثانيًا: مؤمنًا بالصفات مصدقًا بها على أساس التنزيه، فيكون سالمًا من أقذار التعطيل. فيجمع بين التنزيه والإيمان بالصفات على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، فمعتقده طريق سلامة محققة؛ لأنه مبني على ما تضمنته آية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآية من التنزيه، والإيمان بالصفات، فهو تنزيه من غير تعطيل وإيمان من غير تشبيه ولا تمثيل. وكل هذا طريق سلامة محققة، وعمل بالقرآن، فهذا هو مذهب السلف"٢.
وقال -﵀- أيضًا: "والسلف الصالح ﵃ ما كانوا يشكون في شيء من ذلك، ولا كان يشكل عليهم. ألا ترى إلى قول الفرزدق، وهو شاعر فقط، وأما من جهة العلم فهو عاميّ:
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية [١١] . ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٧-٤٨. وانظر آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٣.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وكيف أخاف الناس والله قابض على الناس والسبعين في راحة اليد
فمن علم مثل هذا من كون السموات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل. فإنه عالم بعظمة الله وجلاله، لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته لصفات الخلق. ومن كان كذلك زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين"١.
وبعد أن ذكر الشيخ الأمين -﵀- طريقة السلف، وبين أنها أعلم وأحكم وأسلم، وشرح لنا موقفهم من صفات الباري ﷾، وذكر أن معتقدهم هو المعتقد الذي لا يخيب معتقده، ولا يضل مسترشده، فهو طريق محقق السلامة. شرع يذكر لنا في المقابل مذهب الخلف، وما يترتب عليه من أخطاء شنيعة، تجعل معتقده يشطط عن الطريق السوي، فيتهجم على صفات الله قائلًا فيها بغير علم ولا هدى؛ فقال -﵀-: "وأما ما يسمونه مذهب الخلف: فالحامل لهم فيه على نفي الصفات وتأويلها هو قصدهم تنزيه الله عن مشابهة الخلق، ولكنهم في محاولتهم لهذا التنزيه وقعوا في ثلاث بلايا ليست واحدة منها إلا وهي أكبر من أختها: الأولى من هذه البلايا الثلاث: أنهم إذا سمعوا قول الله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: زعموا أن ظاهر الاستواء في الآية هو مشابهة استواء المخلوقين؛ فتهجموا على ما وصف الله به نفسه في محكم كتابه، وادعوا عليه أن ظاهره المتبادر منه هو التشبيه بالمخلوقين في استوائهم؛ فكأنهم يقولون لله: هذا الاستواء الذي أثنيت به على نفسك في سبع آيات من كتابك ظاهره قذر نجس لا يليق بك؛ لأنه تشبيه بالمخلوقين، ولا شيء من الكلام أقذر وأنجس من تشبيه الخالق بخلقه، سبحانك هذا بهتان عظيم. وهذه البلية الأولى التي هي تهجم على نصوص الوحي، وادعاء أن ظاهرها تشبيه الخالق بالمخلوق، وناهيك بها بلية. ثم لما تقررت هذه البلية
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٢١.
[ ١ / ٣٣٤ ]
قي أذهانهم، وتقذرت قلوبهم بأقذار التشبيه، اضطروا بسببها إلى نفي صفة الاستواء فرارا من مشابهة الخلق التي افتروها على نصوص القرآن أنها هي ظاهرها. ونفي الصفة التي أثنى الله بها على نفسه من غير استناد إلى كتاب أو سنة هو البلية الثانية التي وقعوا فيها؛ فحملوا نصوص القرآن أولا على معان غير لائقة بالله، ثم نفوها من أصلها فرارًا من المحذور الذي زعموا" ١.
ثم ذكر -﵀- الخطأ الثالث الذي وقع فيه المنحرفون عن منهج السلف، فقال: "والبلية الثالثة: أنهم يفسرون الصفة التي نفوها بصفة أخرى من تلقاء أنفسهم، من غير استناد إلى وحي مع أن الصفة التي فسروها بها هي بالغة غاية التشبيه بالمخلوقين؛ فيقولون: "استوى" ظاهره مشابهة استواء المخلوقين فمعنى استوى: استولى، ويستدلون بقول الراجز في إطلاق الاستواء على الاستيلاء:
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق
ولا يدرون أنهم شبهوا استيلاء الله على عرشه الذي زعموه باستيلاء بشر بن مروان على العراق، فأي تشبيه بصفات المخلوقين أكبر من هذا؟. وهل يجوز لمسلم أن يشبه صفة الله التي هي الاستيلاء المزعوم بصفة بشر التي هي استيلاؤه على العراق؟ وصفة الاستيلاء من أوغل الصفات في التشبيه بصفات المخلوقين؛ لأن فيها التشبيه باستيلاء مالك الحمار على حماره. ومالك الشاة على شاته، ويدخل فيها كل مخلوق قهر مخلوقًا واستولى عليه، وفي هذا من أنواع التشبيه ما لا يحصيه إلا الله"٢.
وبعد ما ذكر الشيخ الأمين -﵀- هذه الأمور الشنيعة التي وقع فيها
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٨-٤٩. وانظر: آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٣-١٣٤. ٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩.
[ ١ / ٣٣٥ ]
من سلك مسلك الخلف، بين أنهم نتيجة تحريفهم وقعوا في شر مما فروا منه؛ فالسلف أثبتوا صفات الله التي امتدح الله بها نفسه، وأثنى بها عليه رسوله ﷺ كما يليق بجلاله وكماله، وأهل التحريف أثبتوا صفات ما أنزل الله بها من سلطان، وقالوا كما يليق بجلاله، فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وقد قال -﵀- في بيان حالهم: "فإن زعم من شبه أولًا، وعطل ثانيًا، وشبه ثالثًا أيضًا أن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء المخلوقين. قلنا له: نحن نسألك ونطلب منك الجواب بإنصاف: أيهما أحق بالتنزيه عن مشابهة الخلق: الاستواء الذي مدح الله به نفسه في محكم كتابه، وهو في نفس القرآن الذي يتلى، ولتاليه بكل حرف منه عشر حسنات؛ لأنه كلام الله. أم الأحق بالتنزيه هو الاستيلاء الذي جئتم به من تلقاء أنفسكم من غير استناد إلى وحي؟ ولا شك أن الجواب أن اللفظ الوارد في القرآن أحق بالتنزيه والحمل على أشرف المعاني وأكملها من اللفظ الذي جاء به معطل من كيسه الخالص لا مستند له من الوحي، وبهذه الكلمات القليلة يظهر لكم أن مذهب السلف أسلم وأحكم وأعلم"١.
وهكذا ختم الشيخ -﵀- هذه المقارنة التي أظهر فيها معتقد السلف في صفات الله ﷾ مبينًا حال أهله عند سماعهم لصفات خالقهم جل وعلا، ومؤكدًا أن طريقهم طريق سلامة محققة، بخلاف مذهب الخلف الذين تهجموا على صفات الله ووقعوا في أخطاء شنيعة جعلتهم ممقوتين عند أهل الإيمان.
وقد دعا الشيخ الأمين -﵀- لمن التبس عليه الأمر ممن ابتعدوا عن منهج السلف، وكان مقصدهم حسنًا أن يغفر الله لهم وأن يتجاوز عن آثامهم؛ لأنهم لم يتعمدوا تشبيه الله وتعطيله عن صفاته، وإن كان مسلكهم فاسدًا مخالفًا لمراد الله ﷾، فقال -﵀-: "ونحن
_________________
(١) ١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٤٩-٥٠. وانظر: آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٣-١٣٦.
[ ١ / ٣٣٦ ]
نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه؛ فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة. وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق؛ فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصدًا منهم لتنزيه الله، وأولوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فهم كما قال الشافعي:
رام نفعًا فضرّ من غير قصد ومن البرّ ما يكون عقوقًا١
ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢. وخطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولًا، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق، لسلموا مما وقعوا فيه. ولا شك أن النبي ﷺ عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما مدح الله به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق، ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق لأنه تشبيه بصفات الخلق، لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه فسكوت النبي ﷺ عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤولون لا أساس له كما ترى"٣.
وبذلك يظهر لنا موقف الشيخ الأمين -﵀- ممن مات على هذا المعتقد؛ حسن الظن في نيته، وأنه لم يتعمد التعطيل وإن وقع فيه، ودعاء الله له بالمغفرة والتجاوز عن المآثم والزلات؛ لأن مقصدهم حسن، لكنهم
_________________
(١) ١ ديوان الإمام الشافعي ص٦٧ –جمع/ محمد الزعبي. ٢ سورة الأحزاب، الآية [٥] . ٣ أضواء البيان ٧/٤٤٨-٤٤٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
لم يفلحوا في الوصول إليه.
أما موقفه -﵀- من معتنقي هذا المذهب من ألحياء: فهو موقف المحذر لهم من سوء العاقبة والمنقلب، فخوفهم بالله، وأمرهم بخشيته، والإيمان بما امتدح به نفسه، وبين لهم أن كلامهم قول على الله بغير علم، وبهتان عظيم؛ فقال -﵀-: "فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقول على الله بلا علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه. واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكلّ شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك، فيقول؛ هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك، ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك، فاليد مثلًا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة. وأنا أنفيها عنك نفيًا باتًا، وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلًا، أو الجود، سبحانك هذا بهتان عظيم. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ١"٢.
وهكذا نراه -﵀- يرجو لمن مات المغفرة والرحمة، ويخاف على الحي، فيعظه ويأمره أن يتدارك نفسه، ويعظم خالقه، فيصفه بما امتدح به نفسه، وأنله في كتابه، فلا يصف الله أعلم من الله، فهو العليم الخبير.
_________________
(١) ١ سورة الطلاق، الآيتان [١٠-١١] . ٢ أضواء البيان ٧/٤٤٦-٤٤٧.
[ ١ / ٣٣٨ ]
المطلب الرابع: رجوع بعض أئمة أهل التأويل عن مذهب الخلف إلى معتقد السلف
تفانى أئمة المتكلمين في خدمة مذهب الخلف والدعوة إليه والدفاع عنه، وأفنوا أعمارهم في تقويته وتصويبه، وتضعيف وتجهيل معتقد السلف، ولكن الله غالب على أمره؛ فمن عليهم بالهداية، ورجعوا إلى معتقد السلف الصالح، فأثبتوا الصفات ونفوا الكيفية.
وقد اثبتوا رجوعهم بمؤلفات حذروا الناس من خلالها من علم الكلام وأهله، وحثوهم على اعتقاد معتقد السلف لأنه الأسلم والأعلم والأحكم.
ولقد كان للشيخ الأمين -﵀- وقفة متأنية عند هذه الظاهرة؛ حيث جعلها من الأمور التي تقام بها الحجة على بقية القوم الذين أصروا على باطلهم. ولم يراجعوا مذهبهم.
وقد ذكر -﵀- رجوع هؤلاء الأئمة إلى معتقد السلف، وحذر من أصر منهم على مذهبه السابق من مغبة فعله، مبينًا له أن الطريق الذي انتهجه غير محمود العاقبة؛ إذ فيه من التهجم على آيات الله وصفاته، ومن رمي سلف هذه الأمة بالتشبيه والتجسيم الشيء الكثير.
قال -﵀-: "واعلم أن أئمة القائلين بالتأويل رجعوا قبل موتهم عنه؛ لأنه مذهب غير مأمون العاقبة؛ لأن مبناه على ادعاء أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تليق بالله؛ لظهورها وتبادرها في مشابهة صفات الخلق، ثم نفي تلك الصفات الواردة في الآيات والأحاديث لأجل تلك الدعوى الكاذبة المشؤومة، ثم تأويلها بأشياء أخر، دون مستند من كتاب أو سنة أو قول صحابي أو أحد من السلف، وكل مذهب هذه حاله فإنه جدير بالعاقل المفكر أن يرجع عنه إلى مذهب السلف. وقد أشار تعالى في سورة
[ ١ / ٣٣٩ ]
الفرقان أن وصف الله بالاستواء صادر عن خبير بالله وصفاته، عالم بما يليق به وبما لا يليق، وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ١؛ فتأمل قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ تعلم أن من وصف الرحمن بالاستواء على العرش خبير بالرحمن وبصفاته، لا يخفى عليه اللائق من الصفات وغير اللائق. فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن، وقد قال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢. وبذلك تعلم أن من يدعي أنّ الاستواء يستلزم التشبيه، وأنه غير لائق: غير خبير؛ نعم والله هو غير خبير، وسنذكر إن شاء الله أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن تأويل الصفات" ٣. ثم شرع -﵀- في إيراد هؤلاء السعداء بعاقبتهم فردًا فردًا:
[١] أبو الحسن الأشعري ﵀:
أوضح الشيخ الأمين –﵀- أن أبا الحسن الأشعري رجع عن مذهبه إلى معتقد السلف، كما تدلّ على ذلك مؤلفاته الأخيرة، فهو برىء من أشعرية اليوم الذين يدعون أنه حرف بعض صفات الباري جلّ وعلا.
قال -﵀-: "فمن ادعى على أبي الحسن الأشعري أنه يؤول صفة من الصفات كالوجه، واليد، والاستواء، ونحو ذلك، فقد افترى عليه افتراء عظيمًا. بل الأشعري -﵀- مصرح في كتبه العظيمة التي صنفها بعد رجوعه عن الاعتزال؛ كـ (الموجز)، و(مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) ٤، و(الإبانة عن أصول الديانة) ٥ أن معتقده الذي يدين الله به
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية [٥٩] . ٢ سورة فاطر، الآية [١٤] . ٣ أضواء البيان ٧/٤٦٧-٤٦٨. ٤ انظر مقالات الإسلاميين ١/٣٤٥-٣٥٠؛ حيث صرح بمعتقده. ٥ انظر الإبانة ص١٧. وكذا انظر: رسالة أهل الثغر؛ فهي على معتقد أهل السلف أيضًا.
[ ١ / ٣٤٠ ]
هو ما كان عليه السلف الصالح من الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ. وإثبات ذلك كله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل. وأن ذلك لا يصح تأويله، ولا القول بالمجاز فيه. وأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو مذهب المعتزلة ومن ضاهاهم، وهو أعلم الناس بأقوال المعتزلة؛ لأنه كان أعظم إمام في مذهبهم قبل أن يهديه الله إلى الحق" ١.
ونقل من كتابه الإبانة، ومقالات الإسلاميين ما يثبت صحة رجوعه إلى معتقد السلف، وتركه لمذهب الخلف.
يقول الإمام أبو الحسن -﵀- بعد ما ذكر أن مذهبه في الصفات هو مذهب السلف -﵏-، وأنه يذهب إلى ماذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل -﵀-: "قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ﷿. وبسنة نبينا ﵌، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل –نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين. فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين" ٢.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٥٤. وانظر: فتاوى شيخ الإسلام ٤/٧٢. ٢ الإبانة عن أصول الديانة للأشعري ص١٧.
[ ١ / ٣٤١ ]
[٢] القاضي أبو بكر الباقلاني١ ﵀:
قال عنه الشيخ الأمين –﵀-: "أما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنسبين إلى أبي الحسن الأشعري، وهو القاضي محمد بن الطيب، المعروف بأبي بكر الباقلاني، فإنه كان يؤمن بالصفات على مذهب السلف، ويمنع تأويلها منعًا باتا، ويقول فيها مثل ما قدمنا عن الأشعري" ٢.
ثم نقل الشيخ الأمين –﵀- من أحد كتب الباقلاني، وهو كتاب (التمهيد) ٣ ما دلل به على صحة رجوعه إلى معتقد السلف وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية نقولًا من الكتاب المذكور تدل على صحة رجوعه إلى مذهب السلف، منها قوله: "فإن قال: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ "٤.
وقال في موضع آخر من كتابه التمهيد: "صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، وهي الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والبقاء، والوجه، والعينان، واليدان، والغضب، والرضا.." ٥.
[٣] إمام الحرمين، أبو المعالي الجويني٦:
ذكر الشيخ الأمين –﵀- رجوع أبي المعالي الجويني إلى معتقد
_________________
(١) ١ هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري. أوحد المتكلمين، وكان على طريقة الأشعري. توفي سنة (٤٠٣هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/١٩٠. والبداية والنهاية ١١/٣٧٣) . ٢ أضواء البيان ٧/٤٦٨-٤٦٩. ٣ المصدر السابق. ٤ انظر التمهيد ص٢٦٠. ٥ نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص٥٨. ٦ أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني، إمام الحرمين. توفي سنة (٤٧٨هـ)، وكان من أئمة الأشاعرة. (انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٤٦٨. وشذرات الذهب ٣/٣٥٨) .
[ ١ / ٣٤٢ ]
السلف، فقال: "واعلم أن إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، كان في زمانه من أعظم أئمة القائلين بالتأويل، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه الإرشاد، ولكنه رجع عن ذلك في رسالته: العقيدة النظامية١" ٢.
ثم نقل -﵀- مقتطفات من هذه العقيدة موضحًا رجوعه إلى معتقد السلف وتوبته من طريقة الخلف.
من ذلك ما ذكره الذهبي من أن الجويني قال لأصحابه في مرض موته: "اشهدوا على أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وأني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور" ٣.
ونقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أنه قال في مرض موته: "لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنذا أموت على عقيدة أمي.." ٤.
ويقصد بعقيدة أمه، أو ما تموت عليه عجائز بلده الفطرة الصافية النقية من الشوائب.
[٤] أبو حامد الغزالي٥ ﵀:
قال عنه الشيخ -﵀-: "وكذلك أبو حامد الغزالي. كان في زمانه من أعظم القائلين بالتأويل، ثم رجع عن ذلك، وبين أن الحق الذي لا شك فيه
_________________
(١) ١ انظر العقيدة النظامية ص٢٣-٢٥. ٢ أضواء البيان ٧/٤٧٢. وانظر: الفتاوى ٤/٧٣. وشرح العقيدة الطحاوية ص٢٢٨. وقد ذكر الذهبي -﵀- أنه تاب ورجع إلى عقيدة السلف، ونقل نصوصًا من العقيدة النظامية مدللًا على قوله (انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٤٧٢-٤٧٣) . ٣ انظر مختصر العلو للذهبي ص٢٧٥. ٤ مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٧٣. ٥ هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي. ولد سنة (٤٥٠؟)، وتوفي سنة (٥٠٥؟) . وكان من أئمة الأشاعرة والمتصوفة. (انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/٣٢٢. وشذرات الذهب ٤/١٠-١١) .
[ ١ / ٣٤٣ ]
هو مذهب السلف" ١.
ونقل -﵀- من كتابه إلجام العوام شواهد مستدلا بها على صحة رجوعه إلى طريقة السلف، وختم ذلك بقوله: "وذكر غير واحد عن الغزالي أنه رجع في آخر حياته إلى تلاوة كتاب الله وحفظ الأحاديث الصحيحة، والاعتراف بأن الحق هو ما في كتاب الله وسنة رسوله. وذكر بعضهم أنه مات وعلى صدره صحيح البخاري -﵀-"٢.
[٥] الفخر الرازي٣ ﵀:
ذكر الشيخ -﵀- توبته، فقال: "واعلم أيضًا أن الفخر الرازي كان في زمانه أعظم أئمة التأويل، ورجع عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف معترفًا بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في صفات الله".
ونقل الشيخ الأمين –﵀- من كتاب الرازي (أقسام اللذات) ما يدل على رجوعه وتوبته.
فمن ذلك ما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- من قوله: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٤٧٣-٤٧٤. وقد ذكر رجوعه إلى معتقد السلف غير واحد من العلماء. (انظر إضافة إلى مصادر الحاشية السابقة: الفتاوى ٤/٧٢. ودرء تعارض العقل والنقل ١/١٦٢. والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/١٧٣. وشرح الطحاوية ٢٢٧) . ٢ أضواء البيان ٧/٤٧٥. وقد ذكر رجوعه إلى معتقد السلف غير واحد من العلماء. (انظر إضافة إلى مصادر الحاشية السابقة: الفتاوى ٤/٧٢-٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١/١٦٠. ومجموعة الرسائل الكبرى ١/٩٧. والبداية والنهاية ١٣/٥٥. وشرح الطحاوية ٢٢٧) . ٣ فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين القرشي الطبرستاني، ويعرف بابن الخطيب. كان من أئمة الأشاعرة، وذكر ابن كثير، وغيره أنه رجع إلى معتقد السلف. توفي سنة (٦٠٦هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/٥٠٠-٥٠١. والبداية والنهاية ١٣/٦٠) . ٤ سورة طه، الآية [٥] .
[ ١ / ٣٤٤ ]
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ١، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٣. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٤. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي" ٥.
[٦] الشهرستاني٦:
قال عنه الشيخ الأمين –﵀-: "وذكروا عن الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وقد قال في ذلك:
لعمري قد طفت المعاهد
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كفّ حائر
على ذقن أو قارعا سنّ نادم٧
وأمثال هذا كثير٨.
وهذا يدلّ على تحيره وتخبطه، واضطرابه في نهاية حياته، وقد فطن إلى ما وقع فيه من تخبط، وتنبه إلى صحة مذهب السلف الموافق للفطرة، فقال كلمته: "فعليكم بدين العجائز فهو من أسنى الجوائز" ٩.
وما ذلك إلا لأن دين العجائز سالم من شوائب علم الكلام وترهاته.
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآية [١٠] . ٢ سورة الشورى، الآية [١١] . ٣ سورة طه، الآية [١١٠] . ٤ سورة مريم، الآية [٦٥] . ٥ انظر مصادر الحاشية رقم (؟؟) من الصفحة السابقة. ٦ هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني. شيخ أهل الكلام. ولد في شهرستان سنة (٤٧٩) . وتوفي سنة (٥٤٨هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/٢٨٦. وشذرات الذهب ٤/١٤٩) . ٧ نهاية الإقدام ص٣. ٨ أضواء البيان ٧/٤٧٥-٤٧٦. وممن ذكر رجوعه من السلف: ابن تيمية في الفتاوى (٤/٧٣)، وفي درء تعارض العقل والنقل (١/١٥٩) . وابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (ص٢٢٨) . ٩ نهاية الإقدام ص٢.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وبعد أن ذكر الشيخ الأمين –﵀- من رجعوا من أئمة أهل التأويل عن مذهبهم إلى معتقد السلف١، وجه نداء إلى المتعصبين من المتأولة يحثهم فيه على الرجوع إلى الحق والتزام معتقد سلف هذه الأمة؛ فقال -﵀-: "فيا أيها المعاصرون المتعصبون لدعوى أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها خبيث لا يليق بالله لاستلزامه التشبيه بصفات الخلق، وأنها يجب نفيها وتأويلها بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يقلها رسول الله ﷺ، ولا أحد من أصحابه، ولا من التابعين. فمن هو سلفكم في هذه الدعوى الباطلة المخالفة لإجماع السلف؟ إن كنتم تزعمون أن الأشعري يقول مثل قولكم، وأنه سلفكم في ذلك فهو بريء منكم ومن دعواكم. وهو مصرح في كتبه التي صنفها بعد الرجوع عن الاعتزال أن القائلين بالتأويل هم المعتزلة، وهم خصومه وهو خصمهم، كما أوضحنا كلامه في الإبانة والمقالات، وقد بينا أن أساطين القول بالتأويل قد اعترفوا بأن التأويل لا مستند له، وأن الحق هو اتباع مذهب السلف، كما أوضحنا ذلك عن أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، وأبي عبد الله الفخر الرازي، وغيرهم ممن ذكرنا" ٢.
وفي الختام يوصيهم بتقوى الله، وعدم التعرض لصفاته بالتحريف أو التعطيل، وألا يقولوا على الله بغير علم، فيقول -﵀-: "وفي الختام نوصي أنفسنا وإخواننا المسلمين بتقوى الله تعالى، وعدم التهجم على الله تعالى وعلى كتابه بالدعاوى الباطلة، والتمسك بنور الوحي الصحيح في
_________________
(١) ١ وممن رجع إلى معتقد السلف، ولم يذكره الشيخ الأمين –﵀- الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفي سنة (٤٣٨هـ) . وقد ألف رسالة سماها: (إثبات الاستواء والفوقية) ينصح فيها إخوانه بالرجوع إلى معتقد السلف، ويثبت فيها رجوعه إلى معتقد السلف. وهي تقع في (١٢) صفحة. (انظر: مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٧٤-١٧٨. وانظر أيضًا: الأعلام ٤/١٤٦-١٤٧) . ٢ أضواء البيان ٧/٤٧٦.
[ ١ / ٣٤٦ ]
المعتقد وغيره؛ لأن السلامة متحققة في اتباع الوحي. وليست متحققة في شي غيره:
ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى * ولكنها الأهواء عمت فأعمتِ١.
وبهذا البيان الرائع الذي ختم به الشيخ الأمين –﵀- نصيحته لأهل التأويل، ولم يبق أمام أصحاب العقول السليمة من المتأولة المعاصرين –بعد أن تبرأ كبار أئمتهم وشيوخهم من هذه العقيدة الفاسدة، وحذروا منها، وأعلنوا رجوعهم عنها إلى معتقد السلف- إلا أن يراجعوا مذهبهم، ويرجعوا عنه إلى معتقد السلف؛ إذ لا عذر لأحد منهم بعد أن أعلن أئمتهم المتبوعون رجوعهم إلى المعتقد الحق، وماتوا عليه.
_________________
(١) ١ آداب البحث والمناظرة ٢/١٣٦. وانظر أضواء البيان ٧/٤٧٦-٤٧٧.
[ ١ / ٣٤٧ ]
الباب الثاني: جهوده في توضيح بقية أركان ومباحث الإيمان
الفصل الأول: الإيمان بالملائكة والجن
الملائكة والجن من المخلوقات المغيبة، التى لا تراها أعين بني آدم؛ فهم من عالم الغيب.
والملائكة عباد مكرمون خلقهم الله من نور، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعلم عددهم إلا الله، وكلهم الله سبحانه بوظائف وأعمال مختلفة.
قال تعالى في وصفهم: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ ١، وقال: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاّ هُوَ وَمَا هِيَ إلاّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ٣. وقال ﷺ: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٤.
والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٥.
ويجب الإيمان تفصيلًا بمن ورد ذكرهم في الكتاب والسنة من الملائكة بأسمائهم وأعمالهم؛ فأعظمهم جبريل الموكل بالوحي الذي به حياة القلوب، ينزل به على الأنبياء. وميكائيل الموكل بالقطر والنبات. وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية [٣٨] . ٢ سورة التحريم، الآية [٦] . ٣ سورة المدثر، الآية [٣١] . ٤ أخرجه مسلم ٤/٢٢٩٤. ٥ سورة البقرة، الآية [٢٨٥] .
[ ١ / ٣٥٣ ]
فهؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه حياة الإنسان.
وقد كان النبي ﷺ يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة.."١.
ويجب الإيمان إجمالًا بمن لم يرد تعيينه باسمه المخصوص، ولا تعيين نوعه المخصوص٢.
وقد أشار الأمين -﵀- إلى بعض وظائف الملائكة؛ فقال: "الملائكة يرسلها الله في شؤون وأمور مختلف، ولذا عبر عنها بالمقسمات، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ٣؛ فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم؛ كما وقع لقوم صالح"٤.
ثم تطرق -﵀- إلى ذكر الملائكة الموكلين بكتابة أقوال بني آدم، فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٥: "والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان. وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه، ومقعد الآخر عن شماله وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾: أي ما ينطق بنطق، ولا يتكلم بكلام ﴿إلاّ لَدَيْهِ﴾: أي: إلا والحال أن عنده رقيبًا؛ أي ملكًا مراقبًا لأعماله، حافظًا لها، شاهدًا عليها، لا يفوته منها شيء. ﴿عَتِيدٌ﴾: أي حاضر، ليس
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٥٣٤. ٢ انظر: إغاثة اللهفان ٢/١٢٧. وشرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد الصالح العثيمين –مخطوط- ق٣٣. والكواشف الجلية ص٣٦. ٣ سورة النازعات، الآية [٥] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٦١. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٧٤. وذكر هذا الكلام في الشريط رقم [٤]، من سورة الأنعام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ . (سورة الأنعام، الآية [٥]) . ٥ سورة ق، الآية [١٨] .
[ ١ / ٣٥٤ ]
بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٢وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣"٤.
وقد أوضح -﵀- أن كتابة أعمال العباد لا تتعارض مع إحاطة الله بكل شيء علمًا، وإنما ذلك لحكم أرادها الله جل وعلا؛ يقول -﵀-: "إن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، في وقت كتابة الحفظة أعماله لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى؛ كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه بقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٥"٦.
وتعرّض -﵀- للخلاف الحاصل في كتابة الحفظة لأقوال العباد؛ هل تشمل المباح، أو تقتصر على ما فيه ثواب وعقاب فقط؛ فذكر للعلماء قولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر؛ فقال: "قال بعضهم٧: يكتب عليه
_________________
(١) ١ سورة الانفطار، الآيتان [١٠-١١] . ٢ سورة الزخرف، الآية [٨٠] . ٣ سورة الجاثية، الآية [٢٨] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٤٨-٦٥٠. ٥ سورة الإسراء، الآيتان [١٣-١٤] . ٦ أضواء البيان ٧/٦٤٨. ٧ قاله أبوالجوزاء، ومجاهد. (انظر الجامع لأحكام القرآن ١٧/٩) . وذكره ابن كثير (في التفسير ٤/٢٢٤)، عن طاوس. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت، وشربت، وذهبت، وجئت، ورأيت. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره، وذلك قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ . [تفسير ابن كثير ٤/٢٢٤] .
[ ١ / ٣٥٥ ]
كل شيء، حتى الأنين في المرض وهذا ظاهر قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ١؛ لأن قوله: ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾: نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة: ﴿مِنْ﴾، فهي نص صريح في العموم. وقال بعض العلماء٢: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب؛ وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب فالذين يقولون لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون يكتب الجميع: متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون: لا يكتب أصلًا، وبعضهم يقولون: يكتب أولًا، ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب وعقاب هو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت﴾ الآية٣. والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه، قالوا: إن في الآية نعتًا محذوفًا سوغ حذفه العلم به: لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف: ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء" ٤.
الجن:
أما الجن: فقد خلقوا من النار، كما قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ ٥.
وهم أمة مكلفة بالعبادة؛ فمنهم المؤمن، والكافر، والعاصي؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُون﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالأنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان﴾ ٨.
_________________
(١) ١ سورة ق، الآية [١٨] . ٢ قاله عكرمة. [انظر الجامع لأحكام القرآن ١٧/٩] . ٣ سورة الرعد، الآية [٣٩] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٥١. ٥ سورة الحجر، الآية [٢٧] . ٦ سورة الذاريات، الآية [٥٦] . ٧ سورة الأحقاف، الآية [١٨] . ٨ سورة الرحمن، الآية [٤٦] .
[ ١ / ٣٥٦ ]
وهم يأكلون ويشربون ويتناسلون، ولهم ذرية؛ قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ١. وهم يفنون ويموتون مثل الإنس، قال ﷺ: "والجن والإنس يموتون "٢.
وقد اختلف في إبليس؛ هل خلق من جنس الملائكة، أم من الجن؟ فتطرق الشيخ الأمين –﵀- إلى ذكر هذين القولين، مع أدلة كل منهما؛ فقال -﵀-: " وحجة من قال إن أصله ليس من الملائكة أمران؛ أحدهما: عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس، كما قال تعالى عنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٤. الثاني: أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن من غير الملائكة؛ قالوا: وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٥، قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم. وقال بعضهم: والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص، ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال، لا الانقطاع، قالوا: ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٦؛ لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم؛ كما روى ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة، ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود:
وسخر من جن الملائك تسعة
قياما لديه يعملون بلا أجر
قالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٥٠] . ٢ أخرجه البخاري ٨/١٦٧. ٣ سورة التحريم، الآية [٦] . ٤ سورة الأنبياء، الآية [٢٧] . ٥ سورة الحجر، الآية [٣٠] . وسورة ص، الآية [٧٣] . ٦ سورة الكهف، الآية [٥٠] .
[ ١ / ٣٥٧ ]
الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ ١، عند من يقول بأن المراد بذلك قولهم: " الملائكة بنات الله، ﷾ عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علوًا كبيرًا"٢.
ثم ذكر -﵀- من رجح القول الأول، فقال: "وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة: الحسن البصري، ونصره الزمخشري٣في تفسيره" ٤.
ثم ذكر أيضًا من رجح القول الأخير، فقال: "وقال القرطبي في تفسيره سورة البقرة: إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور؛ ابن عباس وابن مسعود، وابن جريج٥، وابن المسيب٦، وقتادة٧، وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن٨، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله: ﴿إلاّ إِبْلِيسَ﴾ ٩"١٠.
ثم رجح -﵀- أن أصله من الجن فقال: "وأظهر الحجج في المسألة حجة من قال إنه غير ملك؛ لأن قوله تعالى: ﴿إلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية [١٥٨] . ٢ أضواء البيان ٤/١٢٠. ٣ هو محمود بن عمر الزمخشري، أبو القاسم. ولد سنة [٤٦٧؟]، وتوفي سنة [٥٣٨؟] . (انظر البداية والنهاية ١٢/٢٣٥. وشذرات الذهب ٤/١١٩) . ٤ أضواء البيان ٤/١٢٠. ٥ هو الحافظ شيخ الحرم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي. أول من دون العلم بمكة. ولد سنة [٨٠؟]، وتوفي سنة [١٥٠؟] . (انظر: سير أعلام النبلاء ٦/٣٢٥. والبداية والنهاية ١٠/١١٠) . ٦ هو الإمام سعيد بن المسيب بن حزن بن ابي وهب القرشي المخزومي سيد التابعين، وأحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، توفي سنة [٩٤؟] . (انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٢١٧. والبداية والنهاية ٩/١٠٥) . ٧ هو قتادة بن دعامة بن عزيز السدوسي البصري المحدث المفسر. كان من أوعية العلم، وأحد كبار علماء التابعين. توفي سنة [١١٧؟] . (انظر: سير أعلام النبلاء ٥/٢٦٩. والبداية والنهاية ٩/٣٢٥) . ٨ لم أعرفه. ٩ انظر: الجامع لأحكام القرآن ١/٢٠٢. ١٠ أضواء البيان ٤/١٢٠.
[ ١ / ٣٥٨ ]
فَفَسَق﴾ ١، وهو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي، والعلم عند الله تعالى"٢.
وما رجحه الشيخ الأمين –﵀- من كون إبليس من الجن هو ما تطمئن النفس إليه؛ لتضافر الأدلة عليه، وقد قال إبليس عن نفسه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٣. وجاء في الحديث: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" ٤؛ فهذا صريح في كونه من الجن، وهو ما رجحه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد قال عن إبليس لعنه الله: "وجعله بعض الناس من الملائكة لدخوله في الأمر بالسجود، وبعضهم من الجن لأن له قبيلًا وذرية، ولكونه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور. والتحقيق: أنه كان منهم باعتبار صورته، وليس منهم باعتبار أصله، ولا باعتبار مثاله"٥.
هل يدخل المؤمنون من الجن الجنة؟
تطرق -﵀- إلى هذه المسألة، وذكر لأهل العلم قولين فيها، ورد على من منع دخولهم الجنة مرجحًا أن المؤمنين من الجن يدخلونها؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٦: "تمسك جماعة من العلماء؛ منهم الإمام أبوحنيفة -رحمه الله تعالى- بظاهر هذه الآية، فقالوا: إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة. مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ٧؛ لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٥٠] . ٢ أضواء البيان ٤/١٢١. وانظر المصدر نفسه ٢/٢٩٣. ٣ سورة الأعراف، الآية [١٢] . ٤ أخرجه مسلم ٤/٢٢٩٤. ٥ مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٣٤٦. ٦ سورة الأحقاف، الآية [٣١] . ٧ سورة الرحمن، الآية [٤٦] .
[ ١ / ٣٥٩ ]
وَلا جَانٌّ﴾ ١؛ لأنه يشير إلى أن في الجنة جنًا يطمثون النساء كالإنس"٢.
ثم قال -﵀-: "إن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ "٣.
وقال -﵀- أيضًا: وحاصل هذه المسألة: أن الجن مكلفون على لسان نبينا محمد ﷺ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وأن كافرهم في النار بإجماع المسلمين، وهو صريح قوله تعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الإيات. وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة، ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين. والظاهر دخولهم الجنة كما بينا، والعلم عند الله"٧.
ولا ريب أن ما قاله الشيخ الأمين –﵀- هو الحق في هذه المسألة لما نقله من النصوص الصريحة في دخول مؤمنهم الجنة. ويؤيده أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُو﴾ ٨؛ فهو دليل على ثوابهم وعقابهم. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ
_________________
(١) ١ سورة الرحمن، الآية [٤٧] . ٢ دفع إيهام الاضطراب، الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٦٣. ٣ سورة الرحمن، الآية [٥٦] . ٤ سورة هود، الآية [١١٩] . ٥ سورة الشعراء، الآيتان [٩٤-٩٥] . ٦ سورة الأعراف، الآية [٣٨] . ٧ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٢٦٨. وانظر: أضواء البيان ٧/٤٠١، ٧٥٦، ٧٥٧. ٨ سورة الأحقاف، الآية [١٩] .
[ ١ / ٣٦٠ ]
بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ ١؛ فالله ﷾ يثيب على الإيمان، ويعاقب على الكفر.
وقد نقل شيخ الإسلام عن أكثر أهل العلم أن مؤمن الجن يدخل الجنة، ورجحه، فقال بعد أن ذكر إجماع العلماء على دخول كافرهم النار، وساق الآيات الدالة على ذلك: وأما مؤمنهم فأكثر العلماء على أنهم يدخلون الجنة، وقال طائفة: بل يصيرون ترابًا كالدواب. والأول أصح؛ وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ليلى٢، وأبي يوسف٣، ومحمد٤. ونقل ذلك عن مالك والشافعي وأحمد، وهو قول أصحابهم"٥.
_________________
(١) ١ سورة الجن، الآية [١٣] . ٢ هو الإمام أبوعيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي. ولد في خلافة الصديق. قتل بوقعة الجماجم سنة [٨٢؟] . (انظر سير أعلام النبلاء ٤/٢٦٢) . ٣ هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي. أنبل تلاميذ أبي حنيفة، توفي سنة [١٨٢هـ] . (انظر سير أعلام النبلاء ٨/٥٣٥. والبداية والنهاية ١٠/١٨٦) . ٤ هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، صاحب أبي حنيفة، توفي سنة [١٨٩؟] . (انظر سير أعلام النبلاء ٩/١٣٤. والبداية والنهاية ١٠/٢١٠) . ٥ النبوات ص٣٩٧. وانظر الفتاوى ٤/٢٣٣، ١١/٣٠٦.
[ ١ / ٣٦١ ]
الفصل الثاني: الإيمان بالكتب
الإيمان بالكتب ذو شقين: إيمان تفصيلي، وآخر إجمالي. فالتفصيلي: أن نؤمن بكل الكتب المنزلة على المرسلين، والتي سماها الله تعالى في كتابه؛ كالقرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
والإجمالي: أن نؤمن بأن الله سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا هو، فيها الهدى والنور والرشاد. ولا يفرق بين الواحد والآخر؛ قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
هذا مع الإيمان أن القرآن الكريم ناسخ لكل الكتب السابقة، ومهيمن عليها، وأنه خاتمة الكتب المنزلة، وأنه محفوظ من التحريف؛ فهو الكتاب الذي يجب على جميع الإنس والجن العمل به٢.
وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀- هذا الركن العظيم الذي لا يتم الإيمان إلا به؛ حيث قال -﵀-: "قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣، لم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكنه بين في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٣٦] . ٢ انظر شرح الطحاوية ص٣٥٠. ومعارج القبول ٢/٩١-٩٥. ٣ سورة البقرة، الآية [١٣٦] .
[ ١ / ٣٦٥ ]
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ ٣: لم يبين هنا ما أوتيه موسى وعيسى، ولكنه بينه في مواضع أخرى، فذكر أن ما أوتيه موسى هو التوراة المعبر عنها بالصحف في قوله: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٤، وذلك كقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب﴾ ٥، وهو التوراة بالإجماع. وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل، كما في قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الأنْجِيلَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ٧: أمر الله النبي ﷺ والمسلمين في هذه الآية أن يؤمنوا بما أوتيه جميع النبيين، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم، حيث قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ٨، ولم يذكر هنا هل فعلوا ذلك أو لا؟ ولم يذكر جزاءهم إذا فعلوه، ولكنه بين كل ذلك في غير هذا الموضع؛ فصرح بأنهم امتثلوا الأمر بقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٩. وذكر جزاءهم على ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١٠"١١.
_________________
(١) ١ سورة الأعلى، الآيتان [١٦-١٧] . ٢ سورة الأعلى، الآيتان [١٨-١٩] . ٣ سورة البقرة، الآية [١٣٦] . ٤ سورة الأعلى، الآيتان [١٨-١٩] . ٥ سورة الأنعام، الآية [١٥٤] . ٦ سورة الحديد، الآية [٢٧] . ٧ سورة البقرة، الآية [١٣٦] . ٨ سورة البقرة، الآية [١٣٦] . ٩ سورة البقرة، الآية [٢٨٥] . ١٠ سورة النساء، الآية [١٥٢] . ١١ أضواء البيان ١/١٤٨-١٤٩.
[ ١ / ٣٦٦ ]
أما القرآن الكريم: فيقول -﵀- عنه: "القرآن هو مطر أرض القلوب، إذا نزل مطر القرآن على أرض القلوب أثمرت القلوب ثمراتها الرائعة اليانعة من الإيمان بالله، والتقوى، والخشية والإنابة، والإيثار، وطاعة الله جل وعلا، والخوف منه، والانقياد لأوامره، واجتناب نواهيهكما أن مطر السحاب هو مطر الأرض المثمر فيهاكذلك القلب الطيب إذا نزلت عليه أمطار القرآن؛ زواجره، ونواهيه، ومواعظه، وحلاله، وحرامه أثمر ذلك القرآن في ذلك القلب ثمرات أحسن من ثمرات الأرض الطيبة إذا نزل عليها المطر فأثمر الإيمان بالله وامتثال أمر الله واجتناب نواهيه، وكل خصلة حسنة كالخشية من الله، والتوبة عند الزلات، والإنابة إليه، والسخاء، والشجاعة، والرضا بقدر الله، والإيثار، وعدم الشح، إلى غير ذلك من الخصال الكريمة الجميلة"١.
ثم يصف -﵀- هذا القرآن بقوله: "هو كتاب الله جل وعلا الذي هو آخر كتاب نزل من السماء، وهو أعظم كتاب سماوي على أعظم رسول أرسله الله إلى الأرض؛ فهو آخر الكتب السماوية، دليل على آخر الرسل وخاتمهم ﷺ؛ جمع الله فيه علوم الكتب السابقة. ولذا كان القرآن مهيمنا على الكتب السابقة وإنما سمي هذا القرآن كتابًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٢. ومكتوب في صحف عند الملائكة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ٣..وأيضا مكتوب عند المسلمين، كما قال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ٤"٥.
_________________
(١) ١ الشريط رقم [٢] من تفسير سورة الأعراف، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ . الآية [٥٨] . ٢ سورة البروج، الآيتان [٢١-٢٢] . ٣ سورة عبس، الآيتان [١٣-١٤] . ٤ سورة البينة، الآيتان [٢-٣] . ٥ الشريط رقم [٢٢] من سورة الأنعام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ الآية [١٥٥] .
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقد اشار -﵀- إلى أن القرآن وحي من الله ﷾؛ فقال عند قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ١: "أي علم نبيه ﷺ القرآن، فتلقته أمته عنه. وهذه الآية الكريمة تتضمن رد الله على الكفار في قولهم: إنه تعلم هذا القرآن من بشر كما تقدم، في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ٣؛ أي يرويه محمد عن غيره"٤.
ثم أوضح -﵀- أن القرآن الكريم مهيمن على الكتب السابقة، فاضح لما حرفه اليهود والنصارى، ولما كتموه من الحق؛ فقال: -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية٥: "لم يبين هنا شيئًا من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول - ﷺ - مما كانوا يخفون من الكتاب: يعني التوراة والإنجيل، وبين كثيرًا منه في مواضع أخر. فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة: رجم الزاني المحصن. بينه القرآن في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٦؛ يعني يدعون إلى التوراة ليحكم بينهم في حد الزاني المحصن بالرجم، وهم معرضون عن ذلك منكرون له. ومن ذلك ما أخفوه من صفات الرسول - ﷺ - في كتابهم، وإنكارهم أنهم يعرفون أنه هو الرسول، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٧. ومن ذلك إنكارهم أن الله حرم
_________________
(١) ١ سورة الرحمن، الآية [٢] . ٢ سورة النحل، الآية [١٠٣] . ٣ سورة المدثر، الآية [٢٤] . ٤ أضواء البيان ٧/٧٣٣، وانظر المصدر نفسه ٧/٧٠٢. ٥ سورة المائدة، الآية [١٥] . ٦ سورة آل عمران، الآية [٢٣] . ٧ سورة البقرة، الآية [٨٩] .
[ ١ / ٣٦٨ ]
عليهم بعض الطيبات بسبب ظلمهم ومعاصيهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ١، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٢؛ فإنهم أنكروا هذا، وقالوا: لم يحرم علينا إلا ما كان محرمًا على إسرائيل، فكذبهم القرآن في ذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إلاّ مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ ٣. ومن ذلك كتم النصارى بشارة عيسى ابن مريم لهم بمحمد ﷺ وقد بينها تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما أخفوه من كتبهم"٥.
ثم يطرح -﵀- سؤالًا، ويجيب عليه فيقول -﵀-: "إن قيل: ما الفرق بين التوراة والقرآن؟ فإن كلا منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله وسلامه عليهم. والتوراة حرفت وبدلت كما بيناه آنفًا، والقرآن محفوظ من التحريف والتبديل لو حرف منه أحد حرفًا واحدًا فأبدله بغيره، أو زاد فيه حرفًا، أو نقص منه آخر، رد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلًا عن كبارهم. فالجواب: أن الله استحفظهم التوراة واستودعهم إياها فخانوا الأمانة، ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمدًا. والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [١٦٠] . ٢ سورة الأنعام، الآية [١٤٦] . ٣ سورة آل عمران، الآية [٩٣] . ٤ سورة الصف، الآية [٦] . ٥ أضواء البيان ٢/٥٧-٥٨.
[ ١ / ٣٦٩ ]
تضييعه، بل تولى حفظه جلّ وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية٢، إلى غير ذلك من الآيات"٣.
وأختم هذا الفصل بهذه الكلمة الجامعة للشيخ الأمين –﵀- عن القرآن الكريم؛ حيث يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿َهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ٤: "فهذا القرآن كله بركات وخيرات؛ لأن الله قال: إنه مبارك، والمبارك كثير البركات؛ لأن فيه خير الدنيا والآخرة، يعتقد الإنسان عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه، ويعتبر بأمثاله وقصصه، فيكون على أكمل حال في الدنيا والآخرة، فهو فيه البركات والخيرات لمن وفقه الله للعمل به جل وعلا، ولذا بينا مرارًا أنه أعظم نعمة أنزلها الله على خلقه، ولذا علمهم أن يحمدوه على هذه النعمة والبركات في هذا القرآن العظيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ٥، وبين إيراثه علامة الاصطفاء، وبين أن ذلك فضل كبير من الله، حيث قال في فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ٦؛ فبين أن إيراث هذا الكتاب لا يكون إلا لمن اصطفاه الله. ثم قال في معرض التنويه به: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٧؛ أي إيراثنا الكتاب إياهم غننبيهم هو الفضل من الله الكبير عليهم، كما قال هنا: أنه مبارك. وقوله: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٨؛ معناه أن القرآن العظيم مصدق للكتب السماوية التي قبله، وتصديقه لها من جهات متعددة، منها: أنه لا يخالفها، وأن
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية [٩] . ٢ سورة فصلت، الآية [٤٢] . ٣ أضواء البيان ٢/١٠٠-١٠١. ٤ سورة الأنعام، الآية [٩٢] . ٥ سورة الكهف، الآية [١] . ٦ سورة فاطر، الآية [٣٢] . ٧ سورة فاطر، الآية [٣٢] . ٨ سورة الأنعام، الآية [٩٢] .
[ ١ / ٣٧٠ ]
العلامات التي كانت على النبي وعن كتابه الذي ينزل عليه جاءت كلها مطابقة، وأن ما تدعو إليه الكتب السماوية من التوحيد وطاعة الله ومكارم الأخلاق، كذلك جاء القرآن آمرًا به. وعن تصديقه للكتب السماوية أنه يهيمن عليها، ويمنعها من التحريف كلما أرادوا أن يحرفوا منعهم القرآن، كما قال: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ١"٢.
وهكذا يرشد الشيخ الأمين –﵀- إلى الإيمان بهذه الكتب العظيمة على وجه الإجمال، ويبين أنها قد حرفت، إلا أن هيمنة القرآن العظيم عليها تدل على مواطن التحريف، لذا وجب الإيمان على وجه التفصيل بالقرآن الكريم الذي تولى الله جل وعلا حفظه بنفسه المقدسة، فسلم مما لحق بالكتب الأخرى، فهو الكتاب الخاتم المنزل على النبي الخاتم، المحفوظ بحفظ الله له، المهيمن على سائر الكتب السماوية السابقة.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [٤٨] . ٢ من الشريط رقم [٩] من سورة الأنعام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك﴾، الآية [٩٢] .
[ ١ / ٣٧١ ]