أملى المؤلف هذا الكتاب عام ١٤٢٢ من الهجرة النبوية
دلت النصوص على أن الإيمان يشمل اعتقاد القلب وعمله، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي مَنَّ على من شاء بالإيمان، وصلَّى الله على عبده ورسوله وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا، أما بعد:
فقد سأل بعضُ طلاب العلم عن مسألة كثُر فيها الخوض في هذه الأيام (١)، وصورة السؤال:
هل جنس العمل في الإيمان شرطُ صحةٍ أو شرطُ كمالٍ، وهل سوءُ التربية عذرٌ في كُفر مَن سبَّ اللهَ أو رسولَه؟
والجوابُ: أن يُقال: دلَّ الكتابُ والسُّنة على أنَّ «الإيمانَ» اسمٌ يشمل:
_________________
(١) كان هذا في عام ١٤٢٢ هـ، وأملى المؤلف حفظه الله هذا الجواب على الشيخ الفاضل أ. د. علي الصياح، حفظه الله.
[ ٧ ]
ذكر الأدلة من القرآن على ذلك
١ - اعتقادَ القلبِ؛ وهو تصديقُه، وإقرارُه.
٢ - عملَ القلبِ؛ وهو انقيادُه، وإرادتُه، وما يتبعُ ذلك مِن أعمالِ القلوبِ؛ كالتوكلِ، والرجاء، والخوف، والمحبة.
٣ - إقرارَ اللسانِ.
٤ - عملَ الجوارحِ - واللسانُ مِنها - والعملُ يشمل: الأفعالَ والتروكَ؛ قوليةً أو فعليةً.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨].
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ ٨ ]
ذكر الأدلة من السنة على ذلك
وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
والآياتُ في هذا المعنى كثيرة.
وفي «الصحيحين» عن ابن عباس ﴿أن رسول الله - ﷺ - قال لوفدِ عبدِ القَيس لما أَتوا إليه: «مَنِ القومُ؟ - أو مَنِ الوفدُ ـ؟» قالوا: ربيعة. قال: «مرحبًا بالقومِ - أو بالوفد - غيرَ خَزايا ولا نَدامى» فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أنْ نأتيكَ إلا في شهرِ الحرامِ، وبيننا وبينك هذا الحيُّ مِن كفَّارِ مُضرَ، فمُرْنا
[ ٩ ]
معنى: الحنتم والدباء والنقير والمزفت والمقير
بأمرٍ فَصْلٍ نُخبِر به مَن وَراءنا، ونَدخل به الجنةَ، وسَألوه عن الأَشْرِبة.
فأَمَرهم بأربعٍ، ونهاهم عن أربعٍ؛ أَمَرَهم بـ: الإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: «شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصيامُ رمضان، وأنْ تُعْطُوا مِنَ المغنمِ الخُمُسَ»، ونهاهم عن أربع: عِنِ الحَنْتَمِ، والدُّبَّاءِ، والنَّقِيْرِ، والمُزَفَّتِ - وربما قال: المُقَيَّر (١) - وقال: «احفظوهن وأخبروا بهن مَنْ وراءَكُم» (٢).
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الإيمانُ بِضعٌ وسِتون شعبةً، والحياءُ
_________________
(١) «الحَنْتَم»: جِرارٌ خُضْرٌ مدهونة. «الدُّبَّاء»: القَرْع. «النَّقِيْر»: أصل خشبة يُنقر وسطها. «المُزَفَّت» و«المُقَيَّر»: الوعاء المطلي بالزِّفت أو القار. وهي أوعية كانوا ينتبذون فيها، فتُسرِع بالشِّدَّة إلى الشراب، وقد يَحدث فيه التغير ولا يشعر به صاحبه؛ فهو على خطر من شرب المحرَّم. انظر: «غريب الحديث» للخطابي ١/ ٣٦١، و«الفائق في غريب الحديث» ١/ ٤٠٧، و«النهاية في غريب الحديث والأثر» ٣/ ١٣١٣.
(٢) البخاري (٥٣) - واللفظ له ـ، ومسلم (١٧).
[ ١٠ ]
المقصود بقوله - ﷺ -: «وذلك أضعف الإيمان»
من غير بقلبه لعدم استطاعته؛ ليس أقل درجة ممن غير بيده
الحريص على فعل الشيء، الذي يفعل ما يقدر عليه منه= هو بمنزلة الفاعل
استفاض عن أئمة أهل السنة قولهم: «الإيمان قول وعمل»
شعبةٌ مِنَ الإيمان» (١).
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - سُئل أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمانٌ بالله ورسولِه»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهادُ في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌ مبرورٌ» (٢).
وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان» (٣).
وقد استفاض عن أئمةِ أهلِ السنةِ - مِثل: مالكِ بنِ أنس، والأوزاعيِّ، وابنِ جُريجٍ، وسفيانَ الثوريِّ، وسفيانَ بنِ عيينةَ، ووكيعِ بنِ الجراحِ، وغيرِهم كثيرـ
_________________
(١) البخاري (٩) - واللفظ له ـ، ومسلم (٣٥).
(٢) البخاري (٢٦) - واللفظ له ـ، ومسلم (٨٣).
(٣) (٤٩). قال المؤلف في «الشرح»: «المقصود «أضعف الإيمان» في تغيير المنكر؛ لأنه ليس وراء التغيير بالقلب من هذا الإيمان شيء، وهو «أضعف الإيمان» - أيضًا - من جهة أثر التغيير، لكن لا يعني أنَّ مَن غيَّر بقلبه لعدم استطاعته؛ يكون أقل درجة ممن غيَّر بيده، فالحريص على فعل الشيء، الذي يفعل ما يَقْدِر عليه منه= هو بمنزلة الفاعل في الخير والشر». الدرس الثاني/الدقيقة: ٢٩.
[ ١١ ]
أراد الأئمة بالقول: قول القلب واللسان، وبالعمل: عمل القلب والجوارح
قولُهم: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ» (١).
وأرادوا بـ «القولِ»: قول القلبِ واللسانِ، وبـ «العملِ»: عمل القلبِ والجوارحِ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~ في «العقيدة الواسطية»: «ومن أصول أهل السنة والجماعة أنَّ الدَّينَ والإيمانَ قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ واللسانِ والجوارحِ» (٢).
فظهر أنَّ اسمَ «الإيمانِ» يَشملُ كلَّ ما أمر اللهُ به ورسولُه مِنَ: الاعتقاداتِ، والإراداتِ، وأعمالِ القلوبِ، وأقوالِ اللسانِ، وأعمالِ الجوارحِ: أفعالًا وتروكًا.
فيَدخل في ذلك: فِعلُ الواجباتِ والمستحباتِ،
_________________
(١) انظر أقوالهم مسندة في: «السنة» للخلال ١/ ٥٩١ - ٥٩٢، و«الإبانة» - الإيمان - لابن بطة ٢/ ٨١٢ - ٨٢٦، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٢/ ٩٣٠ - ٩٣١.
(٢) «الواسطية» ص ٢٠٢، وقال المؤلف في «توضيح مقاصد الواسطية» ص ٢٠٤: «قول القلب: اعتقاد القلب، وهو: تصديقه .. وعمل القلب: كمحبة الله تعالى ورسوله - ﷺ - وأوليائه، ومحبة ما يحب، والخوف من الله ورجائه، والتوكل عليه».
[ ١٢ ]
الفرق بين قول القلب وعمل القلب
الإحالة على تقريرات المؤلف لمذهب أهل السنة في قضايا الإيمان في كتبه الأخرى
لا يصح إطلاق القول بأن العمل شرط صحة أو شرط كمال؛ بل يحتاج إلى تفصيل
ترك الشرك وأنواع الكفر والبراءة منها؛ شرط صحة لا يتحقق الإيمان إلا به
وتركُ المحرماتِ والمكروهاتِ، وإحلالُ الحلالِ وتحريمُ الحرامِ (١).
وهذه الواجباتُ والمحرماتُ؛ بل والمستحباتُ والمكروهاتُ؛ على درجات متفاوتة تفاوتًا كثيرًا.
وبهذا= يتبيَّنُ أنه لا يصحُ إطلاقُ القولِ بأنَّ العملَ شرطُ صحةٍ أو شرطُ كمالٍ؛ بل يحتاجُ إلى تفصيل؛ فإنَّ اسمَ «العملِ» يشملُ: عملَ القلبِ وعملَ الجوارحِ، ويشملُ الفعلَ والتركَ، ويشملُ الواجباتِ التي هي أصولُ الإسلامِ الخمسةِ وما دونها، ويشملُ تركَ الشركِ والكفرِ وما دونهما من الذنوب.
- فأمَّا تركُ الشركِ وأنواعِ الكفرِ والبراءةُ منها؛ فهو شرطُ صحةٍ لا يتحقق الإيمان إلا به.
_________________
(١) انظر تقرير المؤلف لمذهب أهل السنة في الإيمان وأدلته وفروع مسائله: «شرح العقيدة الطحاوية» ص ٢١٤ - ٢٣٦، و«توضيح مقاصد الواسطية» ص ٢٠٢ - ٢١٠، و«توضيح المقصود في نظم ابن أبي داود» ص ١٣٨ - ١٦٦، و«شرح القصيدة الدالية» ص ٩٦ - ٩٨، و«إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد» ص ٨٠ - ٨٢، و«شرح كشف الشبهات» ص ٩٥ - ٩٩، و«شرح نواقض الإسلام» ص ١١، و«تعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري» رقم ٣، و٤٦، وغيرها.
[ ١٣ ]
ترك سائر الذنوب؛ شرط لكمال الإيمان الواجب
انقياد القلب لمتابعة الرسول - ﷺ -، وإقرار اللسان بالشهادتين= شرط صحة لا يتحقق الإيمان بدونهما
لم يتفق أهل السنة على أن ترك أحد أركان الإسلام غير الشهادتين شرط لصحة الإيمان
- وأما تركُ سائرِ الذنوبِ؛ فهو شرطٌ لكمالِ الإيمانِ الواجب.
- وأما انقيادُ القلب - وهو إذعانُه لمتابعةِ الرسول - ﷺ -، وما لابدَّ منه لذلك مِن عملِ القلب؛ كمحبةِ الله ورسولِه، وخوفِ الله ورجائه ـ،
- وإقرارُ اللسان - وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ـ؛ فهو كذلك شرطُ صحةٍ لا يتحقق الإيمان بدونهما.
- وأمَّا أركانُ الإسلام بعدَ الشهادتينِ؛ فلَمْ يتَّفقْ أهلُ السنةِ على أنَّ شيئًا منها شرطٌ لصحةِ الإيمانِ؛ بمعنى: أنَّ تركَه كفرٌ، بلِ اختلفوا في كفرِ مَن ترك شيئًا منها، وإنْ كان أظهر وأعظم ما اختلفوا فيه: الصلوات الخمس؛ لأنها أعظمُ أركانِ الإسلام بعد الشهادتين.
ولِما وَرَدَ في خصوصها ممَّا يدل على كفرِ تارك الصلاة؛ كحديث جابر بن عبد الله ﴿قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بينَ الرجلِ وبين الشركِ والكفر= تركُ الصلاة». أخرجه مسلم في «صحيحه» وغيره (١).
_________________
(١) مسلم (٨٢)، وأبو داود (٤٦٤٥)، والترمذي (٢٦١٩) - وصححه ـ، والنسائي (٤٧١)، وابن ماجه (١٠٧٨).
[ ١٤ ]
لم يختلف أهل السنة أن فعل سائر الواجبات بعد أركان الإسلام شرط لكمال إيمان العبد
المراد بـ «الشرط» في كلام المؤلف معناه الأعم، وهو: ما تتوقف الحقيقة على وجوده؛ فيشمل الشرط والركن
وحديث بُرَيْدةَ بن الحُصَيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها= فقد كفر». أخرجه أصحاب «السنن» (١).
- وأما سائرُ الواجبات بعد أركانِ الإسلام الخمسة؛ فلا يختلفُ أهلُ السنة أنَّ فعلَها شرطٌ لكمال إيمان العبد، وتركَها معصيةٌ لا تخرجه عن الإيمان.
وينبغي أن يُعلم أنَّ المراد بـ «الشرط» هنا: معناه الأعم، وهو: ما تتوقف الحقيقة على وجوده، سواء كان ركنًا فيها أو خارجًا عنها، فما قيل فيه هنا: إنه شرطٌ للإيمان= هو مِنَ الإيمان (٢).
وهذا التفصيل كلُّه على مذهب أهل السنة
_________________
(١) الترمذي (٢٦٢١) - وقال: حسن صحيح غريب ـ، والنسائي (٤٧٠)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وصححه: ابن حبان (١٤٥٤)، والحاكم في «المستدرك» (١١)، وقال ابن تيمية في «شرح العمدة» ٢/ ٦٥، وابن القيم في «الصلاة» ص ٦٨: «على شرط مسلم»، وصححه - أيضًا - جمعٌ من المتأخرين.
(٢) فالمؤلف عبَّر بـ «الشرط» عن «الشرط» و«الركن» معًا؛ لأنهما يتفقان في أن كلَّ واحد منهما يتوقف وجود ماهية الشيء عليه، لكن الركن داخل في الماهية؛ كالركوع للصلاة، والشرط خارج عنها، كالوضوء لها. انظر: «جامع المسائل» ٣/ ٣١٧، و«شرح مختصر الروضة» ٣/ ٢٢٧.
[ ١٥ ]
يكون الرجل من المرجئة بإخراج أعمال القلوب والجوارح عن مسمى الإيمان
مرجئة الفقهاء يقولون بوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، وترتب العقوبات
غلاة المرجئة الجهمية يقولون: «لا يضر مع الإيمان ذنب «وقد كفرهم السلف
والجماعة؛ فلا يكون مَن قال بعدمِ كفرِ تاركِ الصلاةِ كسلًا - أو غيرها من الأركان - مُرْجِئًا، كما لا يكون القائلُ بكفره حَرُوْرِيًّا.
وإنما يكون الرجلُ من المرجئة بإخراج أعمالِ القلوب والجوارحِ عن مُسمى الإيمان؛ فإنْ قال مع ذلك بوجوبِ الواجباتِ، وتحريمِ المحرماتِ، وترتُّبِ العقوباتِ= فهو قولُ مُرجئةِ الفقهاءِ المعروفِ، وهو الذي أنكره الأئمة، وبيَّنوا مخالفتَه لنصوصِ الكتابِ والسنة (١).
وإن قال: «لا يضرُّ مع الإيمانِ ذنبٌ»، و«الإيمانُ هو: المعرفةُ» = فهو قولُ غلاةِ المرجئةِ الجهمية، وهم كفارٌ عند السلف.
وبهذا= يَظهر الجوابُ عن مسألة العملِ في الإيمان، هل هو شرطُ صحةٍ أو شرطُ كمالٍ، ومذهبُ المرجئة في ذلك.
_________________
(١) وألَّفوا في ذلك كتبًا مفردة كـ: «الإيمان» لأبي عُبيد القاسم بن سلَّام، و«الإيمان» لأبي بكر بن أبي شيبة، و«الإيمان» لابن منده، و«الإيمان الكبير» و«الإيمان الأوسط» لابن تيمية. وضمن كتب العقائد كـ: «السنة» للخلال، و«الإبانة» لابن بطة، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» وغيرها كثير جدًا، وفيها - أيضًا - الرد على المرجئة الجهمية.
[ ١٦ ]
لا أعلم أحدا من الأئمة المتقدمين تكلم بهذا - الأعمال شرط صحة أو كمال ـ، وإنما ورد في كلام بعض المتأخرين نسبته إلى السلف
نسب الحافظ ابن حجر إلى السلف قولهم: «الأعمال شرط كمال في الإيمان» وتعقبه المؤلف
هذا، ولا أعلم أحدًا من الأئمة المتقدمين تكلَّم بهذا، وإنما وَرَدَ في كلامِ بعضِ المتأخرين نسبته إلى السلف (١).
وبهذا التقسيم والتفصيل= يتهيَّأُ الجوابُ عن سؤالين:
أحدهما: بِمَ يَدخل الكافرُ الأصلي في الإسلام، ويَثبت له حكمه؟
والثاني: بم يَخرج المسلمُ عن الإسلام، بحيث يصيرُ مرتدًا؟
فأما الجواب عن الأول:
فهو أنَّ الكافر يَدخل في الإسلام ويثبت له حكمه؛ بالإقرار بالشهادتين - شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ـ؛ فمن أَقرَّ بذلك بلسانه دون قلبه= ثَبت له حكمُ الإسلام ظاهرًا.
وإنْ أقرَّ بذلك ظاهرًا وباطنًا= كان مسلمًا على
_________________
(١) كالحافظ ابن حجر ~، في «فتح الباري» ١/ ٤٦، وانظر تعقُّب المؤلف له في: «تعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري» رقم (٣).
[ ١٧ ]
بم يدخل الكافر الأصلي في الإسلام، ويثبت له حكمه؟
«التزام شرائع الإسلام» معناه: الإيمان بالرسول - ﷺ -، وبما جاء به، وعقد القلب على طاعته
ما يضاد تصديق القلب وانقياه
الحقيقة ومعه أصل الإيمان؛ إذ لا إسلامَ إلا بإيمان، ولا إيمانَ إلا بإسلام.
وهذا الإقرارُ الذي تَثبت به حقيقةُ «الإسلام» يشملُ ثلاثةَ أمورٍ:
- تصديقَ القلب،
- وانقيادَه،
- ونطقَ اللسان؛
وبانقياد القلب ونطق اللسان= يتحقَّق الإقرار ظاهرًا وباطنًا، وذلك يتضمَّنُ ما يعرفُ عند أهلِ العلم بـ: «التزام شرائعِ الإسلام»؛ وهو: الإيمان بالرسول - ﷺ -، وبما جاء به، وعَقْدُ القلب على طاعته؛ فمَن خلا عن هذا الالتزام= لم يكن مُقِرًّا على الحقيقة.
فأما تصديقُ القلب؛ فضدُّه:
- التكذيبُ، والشكُ، والإعراضُ.
وأما انقيادُ القلب؛ فإنه يتضمَّنُ:
- الاستجابةَ، والمحبةَ، والرِّضَا والقبولَ.
وضدُّ ذلك:
- الإباءُ، والاستكبارُ، والكراهةُ لما جاء به الرسول - ﷺ -.
[ ١٨ ]
ما يضاد تصديق اللسان
ستة أنواع من الكفر تضاد ما يتحقق به أصل الإسلام
الامتناع عن اتباع الرسول - ﷺ -، ولو مع تصديقه بالقلب واللسان، كفر؛ كحال أبي طالب
وأما النطقُ باللسان؛ فضدُّه:
- التكذيبُ، والإعراضُ، فمَن صدَّق بقلبِه وكذَّب بلسانِه= فكفرُه كفرُ جحود، ومَن أقرَّ بلسانِه دونَ قلبِه= فكفرُه كفرُ نفاق.
فنتج عن هذا: ستةُ أنواعٍ من الكفر، كلُّها ضد ما يتحقق به أصل الإسلام، وهذه الأنواع هي:
١ - كفر التكذيب.
٢ - كفر الشك.
٣ - كفر الإعراض.
٤ - كفر الإباء.
٥ - كفر الجحود.
٦ - كفر النفاق.
- ومِن كفر الإباءِ والاستكبار: الامتناعُ عن متابعة الرسول - ﷺ - والاستجابة لما يدعو إليه، ولو مع التصديق بالقلب واللسان، وذلك كـ: كُفرِ أبي طالب (١)،
_________________
(١) فقد كان يَذكر صِدق النبي - ﷺ - ونبوته، ومن ذلك قوله في شعره: ألم تعلموا أنَّا وجدنا محمدًا نبيًا كموسى خُطَّ في أوَّل الكُتْب = وقوله في قصيدته اللامية: فواللهِ لولا أنْ أجيءَ بسُبَّةٍ تُجَرُّ على أشياخنا في المحافلِ لكُنَّا اتَّبَعْنَاهُ على كلِّ حالَةٍ مِنَ الدهرِ جِدًّا غيرَ قولِ التهازلِ لقد عَلِمُوا أَنَّ ابنَنا لا مُكذَّبٌ لدينا ولا يُعْنَى بقوْلِ الأَبَاطِلِ. انظر: «سيرة ابن إسحاق» ص ١٣٨، و«السيرة النبوية» لابن هشام ١/ ٣١١.
[ ١٩ ]
كان أبو طالب يذكر صدق النبي - ﷺ - ونبوته في شعره
جماع ما يخرج به المسلم عن الإسلام، ويصير مرتدا، ثلاثة أمور
وكفر مَن أظهر الاعتراف بنبوة النبي - ﷺ - من اليهود (١) وغيرِهم (٢).
وأما الجواب عن السؤال الثاني:
وهو: بم يَخرج المسلمُ عن الإسلام، بحيث يصيرُ مرتدًا؟
فجِماعُه ثلاثةُ أمور:
الأول: ما يضادُّ الإقرارَ بالشهادتين، وهو أنواعُ
_________________
(١) كالذي سأل النبي - ﷺ - عن مسائل فلما أجابه؛ قال اليهودي: «لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف فذهب!» رواه مسلم (٣١٥).
(٢) كهرقل عظيم الروم، وقصته في البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان﴾.
[ ٢٠ ]
الثاني: ما يناقض حقيقة الشهادتين
بيان حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله
أنواع التوحيد الثلاثة وما تتضمنه
الكفرِ الستةِ المتقدمة، فمتى وقع مِنَ المسلم واحدٌ منها= نقضَ إقرارَه؛ وصار مرتدًا.
الثاني: ما يناقضُ حقيقةَ الشهادتين ـ شهادة أنْ لا إله إلا الله، أو شهادة أن محمدًا رسول الله ـ:
- فحقيقةُ شهادة أن لا إله إلا الله: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وهذا يشمَلُ التوحيدَ بأنواعه الثلاثة:
- توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وهذا يتضمَّنُ الإيمانَ بـ:
- أنه تعالى ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
- وأنه الإلهُ الحق، الذي لا يستحق العبادة سواه.
- وأنه الموصوفُ بكلِّ كمالٍ والمنزَّهُ عن كلِّ نقصٍ، وأنه كما وَصَفَ نفسه وكما وصفَه رسوله - ﷺ - من غير تعطيل ولا تمثيل، على حدِّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
- وإفرادُه مع ذلك بالعبادة، والبراءةُ من كلِّ ما يعبد من دونه.
[ ٢١ ]
جحد وجود الله هو شر الكفر والإلحاد
ومنه القول بـ: «وحدة الوجود»
بيان المراد بـ «وحدة الوجود»
وصف الله - ﷾ - بالنقائض داخل في تشبيهه - ﷿ - بخلقه
وجملة ما يناقض التوحيد أمورٌ:
١ - جَحْدُ وجود الله، وهذا شرُّ الكفر والإلحاد، وهو مناقضٌ للتوحيد جملة، ومنه: القول بـ: «وَحدة الوجود» (١).
٢ - اعتقادُ أنَّ مع الله خالقًا ومدبرًا ومؤثرًا مستقلًا عن الله في التأثير والتدبير، وهذا هو الشرك في الربوبية.
٣ - اعتقادُ أنَّ لله مِثْلًا في شيء من صفاتِ كمالِه؛ كـ: علمِه، وقدرتِه.
٤ - تشبيهُه تعالى بخلقه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، كقول المشبِّه: له سَمْعٌ كسمعي، وبصر كبصري.
ويدخل في ذلك: وَصْفُه بالنقائص؛ كـ: الفقرِ، والبخل، والعجز، ونِسبةِ الصاحبةِ والولد إليه.
_________________
(١) «وَحدة الوجود» قول صوفي فلسفي يجعل وجودَ الخالقِ= نَفْسَ وجودِ المخلوقات؛ فكلُّ ما تتصف به المخلوقات من حسن وقبح؛ إنما المتصف به عندهم: نَفْس الخالق، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها. انظر: «مجموع الفتاوى» ٢/ ١٢٤، و«الرسالة الصفدية» ص ٢٦٢، و«الرد على الشاذلي» ص ١٠٦، و«شرح العقيدة التدمرية» ص ٥٩١، واقرأ للرد على هذا المذهب بتوسع: «بغية المرتاد» والمجلد الثاني من «مجموع الفتاوى».
[ ٢٢ ]
أنواع الكفر والشرك الداخلة في كفر الاعتقاد وشركه
الفرق بين شرك الاعتقاد وشرك العمل
سمي «توحيد الإلهية» و«العبادة»، و«شرك الإلهية» و«العبادة»؛ لما بين الاعتقاد والعمل من التلازم
٥ - اعتقادُ أن أحدًا مِنَ الخلقِ يستحقُ العبادة مع الله، وهذا هو اعتقادُ الشرك في الإلهية، ولو لم يكن معه عبادةٌ لغير الله.
وهذه الأمورُ الخمسة كلُّها تَدخل في «كفر الاعتقاد» أو «شرك الاعتقاد».
٦ - عِبادةُ أَحدٍ مع الله بنوع من أنواع العبادة، وهذا هو «الشرك في العبادة»، سواء اعتقد أنه ينفع ويضر، أو زَعم أنه واسطةٌ يقربه إلى الله زُلفى، ومن ذلك: السجود للصنم.
والفرق بين هذا والذي قبله: أنَّ هذا من باب الشرك العملي المناقض لتوحيد العمل، الذي هو إفراد الله بالعبادة، وذاك مِن باب الشرك في الاعتقاد المنافي لاعتقاد تفرد الله بالإلهية واستحقاق العبادة.
ولِما بين الاعتقاد والعمل من التلازم= صار يُعبَّر عن هذا التوحيد بـ: «توحيد الإلهية»، و«توحيد العبادة»، وعن ضده بـ: «الشرك في الإلهية»، أو «الشرك في العبادة».
٧ - جَحدُ أسماءِ الله وصفاتِه أو شيءٍ منها.
[ ٢٣ ]
السحر وأنواعه
أنواع من السحر تقوم على الشرك بالله
٨ - السِّحْرُ، ويشملُ:
- ما يُفرَّق به بين المرءِ وزوجه؛ كـ: سِحرِ أهل بابِل (١).
- ما يَسحرُ أعين الناس حتى تُرى الأشياء على غير حقيقتها؛ كـ: سحرِ سحرة فرعون (٢).
- ما يكون بالنَّفْثِ في العُقَدِ؛ كـ: سحر لَبِيْدِ بنِ الأعصم وبناتِه (٣).
وهذه الأنواعُ تقومُ على الشركِ بالله بعبادةِ الجنِ أو الكواكب.
_________________
(١) المذكور في قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
(٢) المذكور في آيات، منها: قول الله - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقوله - ﷿ -: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].
(٣) هو اليهودي الذي سَحَر النبي - ﷺ -، والقصة في: البخاري (٣٢٨٦)، ومسلم (٢١٨٩) من حديث عائشة <. وانظر لكون بناته سواحر: «معالم التنزيل» ٨/ ٥٩٦، و«المحرر الوجيز» ٨/ ٧١٥.
[ ٢٤ ]
السحر الرياضي والتمويهي ليسا من السحر الكفري
صار السحر الرياضي والتمويهي وسيلة لترويج السحر الكفري
بيان حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله
وأما السِّحرُ الرِّياضِيُّ؛ وهو: ما يَرجع إلى خِفَّةِ اليد وسرعة الحركة،
والسِّحرُ التَّمْوِيهيُّ؛ وهو: ما يكون بتموِيه بعض الموادِ بما يُظْهِرُها على غير حقيقتها= فهذانِ النوعان مِنَ الغِشِّ والخِداع، وليسا من السِّحر الذي هو كفرٌ (١).
- وحقيقةُ شهادةِ أنَّ محمدًا رسول الله:
- أنَّ الله أرسله إلى جميعِ الناسِ بالهدى ودينِ الحق.
- وأنَّه خاتم النبيين.
- وأنه الصادق المَصْدُوق في كلِّ ما أَخبر به.
- وأنَّ هديه - ﷺ - خيرُ الهدي.
- وأنَّ الإيمانَ به، وطاعتَه، ومحبتَه، وأتباعَه؛ واجبٌ على كلِّ أحد.
وجملةُ ما يناقض حقيقةَ شهادة أنَّ محمدًا رسولُ الله أمورٌ:
_________________
(١) قال المؤلف في «شرح نواقض الإسلام» ص ٣٤: «فهذا السِّحرُ سِحرٌ لُغَويٌ فقط .. لكنهم جعلوه وسيلة لترويجِ أعمالٍ سحرية سحرًا حقيقيًا».
[ ٢٥ ]
لماذا زعموا أن «الفيلسوف» و«العارف» عند الصوفية يسعهم الخروج عن الشرع؟
١ - جَحْدُ رسالتِه - ﷺ -، أو تكذيبُه، أو الشكُ في صِدقه.
٢ - جحدُ خَتْمِه للنبوة، أو دعوى النبوة بعده - ﷺ -، أو تصديقُ مدَّعِيها، أو الشكُ في كذبه.
٣ - جحدُ عمومِ رسالتِه - ﷺ -، ومن ذلك: اعتقادُ أنه رسولٌ للعرب خاصة، أو دعوى ذلك، أو أنَّ اليهودَ والنصارى لا يجبُ عليهمُ اتِّباعه، أو أنَّ أحدًا يَسَعُه الخروجُ عن شريعته - ﷺ -؛ كـ: «الفيلسوف» (١)، أو «العارف» من الصوفية (٢) ونحوهما.
_________________
(١) فعندهم أن الشرائع جاءت بها الرسل لينتفع بها العامة في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا الحق؛ إذ في الحقيقة لا بعث ولا حساب، والفيلسوف على درجة من الكمال لا يحتاج معها إلى ما جاءت به الرسل؛ فهو مستغنٍ عن اتباعهم بما عنده من الحكمة. انظر: «الرد على المنطقيين»، ص ٣٢٦ وص ٤٨٦ و«جامع المسائل» ٦/ ١٦٢، و«الرسالة الصفدية» ص ٢٤٠ و٢٧٧ و٤٨٧.
(٢) لأنه عندهم إذا وصل إلى مقام الفناء في توحيد الربوبية، وشهد الإرادة القدرية= جرى معها وأسقط الأمر والنهي، والعارف المحقق يجوز له التدين بدين اليهود والنصارى. انظر: «مجموع الفتاوى» ٨/ ٣٤٧ و١٣/ ٢٦٦ و٢٧/ ٥٩ و٢٨/ ٥٧١ و«الرسالة الصفدية» ص ٢٦٨، و«شرح العقيدة التدمرية» ص ٥٨٢.
[ ٢٦ ]
تنبيهان في أن من أنواع الردة - المتقدمة - ما لا يحتمل العذر، ومنها ما يحتمله
٤ - تَنقُّصُ الرسول - ﷺ -، وعَيبُه في شخصه، أو في هديه وسيرته.
٥ - السخريةُ من الرسول - ﷺ -، والاستهزاءُ به، أو بشيءٍ مما جاء به من العقائد، والشرائع.
٦ - تكذيبُه - ﷺ - في شيء مما أَخبر به من الغيب مما يتعلق بالله، أو يتعلق بالملائكة، والكتب، والرسل، والمبدأ، والمعاد، والجنة والنار.
- ما يناقض حقيقةَ الشهادتين جميعًا، ويشمل أمورًا:
١ - التكذيب بأنَّ القرآنَ من عند الله، أو جحد سورةٍ، أو آيةٍ، أو حرفٍ منه، أو قال: إنَّه مخلوقٌ، أو: إنه ليس كلامَ الله.
٢ - تفضيل حكمِ القانون الوضعيِّ على حكم الله ورسولِه، أو تسويته به، أو تجويز الحكم به ولو مع تفضيل حكم الله ورسولِه.
٣ - تحريم ما أحلَّ اللهُ ورسولُه، وتحليل ما حرم الله ورسوله، أو الطاعة في ذلك.
[ ٢٧ ]
من أظهر الردة هازلا أو مداهنا أو معاندا في خصومة= كفر
أمثلة لإظهار الردة التي لا يعذر فيها
تنبيهان:
ينبغي أنْ يُعلم:
- أنَّ ما تقدم من أنواع الردة؛
منه: ما لا يحتمل العذر؛ كـ: جحد وجود الله، وتكذيب الرسول - ﷺ - = فهذا يكفرُ به المعين بكلِّ حال؛ لأنَّ ما جحده أعظمُ الضروريات.
ومنه: ما يحتمل العذر بالجهل، أو التأويل؛ مثل: جحد شيءٍ مما جاء به الرسول - ﷺ - مِنَ الأخبار والشرائعِ= فهذا لا يكفرُ به المعين إلا بعد إقامةِ الحجة عليه؛ لتطرق الاحتمالات الحاملة له على الجحد؛ كخفاء الأدلة.
- أنَّ مَن أَظهر شيئًا مما تقدم من أنواع الردة؛ جادًا أو هازلًا أو مداهنًا أو معاندًا في خصومة - أَيْ: غيرَ مُكْرَهٍ ـ= كَفَرَ بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] (١).
_________________
(١) قال المؤلف في «الشرح»: «مَن تكلم بالكفر اختيارًا مِن غير إكراه= فقد شرح بالكفر صدرًا؛ لأنه تكلم بالكفرِ أو فعل الكفرَ مختارًا، وهذا لا يكون إلا مع انشراح الصدر، نبَّه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ~». الدرس الأول/الدقيقة: ٢٩. وانظر كلام ابن تيمية في: «الإيمان الكبير» ص ٢٢٠، و«الإيمان الأوسط» ص ٥٦١.
[ ٢٨ ]
قرر ابن تيمية أن من تكلم بالكفر اختيارا من غير إكراه= فقد شرح بالكفر صدرا
المكلف لا يخرج من كفر الإعراض بفعل أي خصلة من خصال البر؛ بل لا بد من فعل واجب اختصت به شريعة الإسلام
ومِن ذلك: إظهارُ السجودِ للصنم مجاملةً للمشركين، وطلبًا للمنزلة لديهم، والنَّيْلَ مِن دنياهم، وإن ادعى أنه يَقصِد بسجوده ذلك؛ السجودَ لله، أو لا يقصد السجود للصنم؛ فإنَّه بذلك مُظهِرٌ للكفر مِن غير إكراهٍ= فيَدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ..﴾ الآية. (١).
الثالث (٢): ما يلزم منه لزومًا ظاهرًا ويدل دلالة ظاهرة على عدم الإقرار بالشهادتين باطنًا، ولو أقرَّ بهما ظاهرًا، وذلك يشمل أمورًا، منها:
١ - الإعراضُ عن دين الإسلام، لا يتعلَّمه ولا يعمل به، ولا يبالي بما يترك مِنَ الواجبات، وما يأتي من المحرمات، ولا بما يَجهل من الأحكام.
وينبغي أن يُعلم أنَّ المكلفَ لا يَخرج مِن كفرِ الإعراض - المستلزمِ لعدمِ إقرارِه - بفعل أيِّ خصلةٍ
_________________
(١) للمؤلف فتوى مطولة في «حكم السجود أمام الصنم»، رأى المؤلف أهمية إلحاقها في آخر الكتاب، فانظرها في ص ٣٧.
(٢) يعني مِن الأمور الثلاثة التي هي جِماع: ما يخرج به المسلم من الإسلام ويصير مرتدًا. فـ: الأول: ما يضاد الإقرار بالشهادتين، والثاني: ما يناقض حقيقة الشهادتين.
[ ٢٩ ]
بعض الأحكام الطاغوتية المضادة لحكم الله ورسوله
فرق بين وضع قانون يناقض أحكام الشريعة وبين التقصير في التطبيق والتنفيد
من خصالِ البِرِّ وشعبِ الإيمانِ؛ فإنَّ مِن هذه الخصالِ ما يشترك الناسُ في فعله - كافرُهم ومؤمنهم - كـ: إماطة الأذى عن الطريق، وبِرِّ الوالدين، وأداء الأمانة.
وإنما يتحقق عدم هذا الإعراض والسلامة منه= بفعل شيء من الواجبات التي تختص بها شريعة الإسلام التي جاء بها الرسول - ﷺ - - كـ: الصلاة والزكاة والصيام والحج - إذا فَعل شيئًا من ذلك إيمانًا واحتسابًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~: «فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء (١) من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد - ﷺ -» (٢).
٢ - أنْ يضعَ الوالي قانونًا يتضمن أحكامًا تُناقِض أحكامًا قَطْعيةً من أحكام الشريعة، معلومةً من دين الإسلام بالضرورة، ويفرضَ الحكم به، والتحاكم إليه، ويعاقبَ من حَكَمَ بحكم الشريعة المخالِف له، ويدَّعي مع ذلك الإقرارَ بوجوبِ الحكم بالشريعة - شريعة الإسلام - التي هي حكمُ الله ورسولِه.
_________________
(١) كذا وردت العبارة في «الإيمان الأوسط»، ولعل المناسب للسياق: «مع عدم فعل شيء». قاله المؤلف.
(٢) «الإيمان الأوسط» ص ٦٢١.
[ ٣٠ ]
تولي الكفار مراتب؛ منه ما يوجب الكفر والردة، ومنه ما هو دون ذلك
ومن هذه الأحكام الطاغوتية المضادة لحكم الله ورسوله:
- الحكمُ بِحُرِّيَّة الاعتقادِ؛ فلا يُقتل المرتدُ، ولا يُستتاب.
- حريةُ السلوكِ؛ فلا يُجبر أحدٌ على فعل الصلاة، ولا الصيام، ولا يعاقبُ على ترك ذلك.
- تبديلُ حدِّ السرقة - الذي هو قطع اليد - بالتعزير والغرامة.
- منعُ عقوبة الزانيين بتراضيهما إلا لِحَقِّ الزوج، أو نحو ذلك مما يتضمن إباحة الزنا وتعطيل حدِّه من الجلد والرجم.
- الإذنُ بصناعة الخمر، والمتاجرةُ فيه، ومنعُ عقوبِة شاربِه (١).
٣ - تولي الكفارِ من اليهودِ والنصارى والمشركينَ، بمناصرتهم على المسلمين، قال تعالى:
_________________
(١) قال المؤلف في «الشرح»: «فَرقٌ بين وضعِ قانونٍ يناقض أحكام الشريعة وبين التقصير في التطبيق والتنفيد، فرقٌ بين مَن يقصِّر في عقوبة شارب الخمر - مثلًا - ولا يقيم عليه الحد وبين من يضع له قانونًا أنه لا يعاقب». الدرس الخامس/الدقيقة: ٤٨.
[ ٣١ ]
ترجيح المؤلف أن المظاهرة إذا كانت دوافعها رغبة أو رهبة= لا توجب الردة
ترك المسلم الصلاة دائما بحيث لا يصلى إلا مجاملة للناس= كفر بترك الإقرار بوجوبها، لا لأجل مطلق الترك المختلف في حكمه
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] (١).
٤ - أنْ يَترك المسلمُ الصلاةَ دائمًا بحيث لا يصلى إلا مجاملةً للناس إذا كان بينهم، ولو بغير طهارة، فإنَّ ترْكَ الصلاةِ على هذا الوجه= لا يَصدر ممن يقِرُّ بوجوبها في الباطن؛ فكُفْرُ هذا بـ: تركِ الإقرار بوجوب الصلاة؛ لا بمطلقِ تركِ الصلاة الذي اختلف فيه أهلُ السنة.
ولهذا يجب أن يُفرَّق بين هذا وبين مَن يصلي لكنه لا يحافظ عليها؛ فيتركها أحيانًا ويُقَصِّر في واجباتها،
_________________
(١) كلام المؤلف هنا مختصر، وقال في «الشرح»: «تولي الكفار مراتب؛ منه ما يوجب الكفر والردة، ومنه ما هو دون ذلك - إلى أن قال - أما إذا ظاهَرَهم رغبةً في إذلالِ الإسلام وهضمه= فهذا ناقضٌ للإسلام بلا شك. أما إذا كانت المظاهرة دوافعها رغبة أو رهبة= فهذا محل نظر واجتهاد، والأظهر عندي أنه لا يوجب الردة». الدرس الخامس/الدقيقة: ٥٢. وانظر نحوه في: شرحه لـ «نواقض الإسلام» ص ٣٥. وللمؤلف فتوى مفصَّلة في هذه المسألة، وفتوى - أيضًا - في نوع الفعل الذي وقع فيه حاطب - ﵁ -، رأى المؤلف حفظه الله أهمية إلحاقهما في آخر الكتاب، فانظر ص ٤٩، وص ٥٣.
[ ٣٢ ]
نقل عن ابن تيمية في هذه المسألة
كما يدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خمسُ صلواتٍ كتبهن اللهُ على العباد، مَن أتى بهن لم يُضيِّع مِن حقهن شيئًا - استخفافًا بحقهن ـ= كان له عند اللهِ عَهدٌ أنْ يدخلَه الجنةَ، ومَن لم يأتِ بهن= جاء وليس له عند الله عهدٌ؛ إنْ شاء عذَّبه، وإن شاء أدخله الجنة» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~: «فأمَّا مَن كان مُصِرًَّا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك= فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة؛ فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن» حديث عبادة بن الصامت - وذكر الحديث - فالمحافظُ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى، والذي (٢) يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها= فهذا تحتَ مشيئةِ الله تعالى،
_________________
(١) رواه مالك في «الموطأ» (٣٢٠)، وأبو داود (١٤١٥)، والنسائي (٤٦٨)، وابن ماجه (١٤٠١)، وصححه: ابنُ حبان (١٧٣٢)، وابنُ عبد البر في «التمهيد» ٢٣/ ٢٨٨.
(٢) في المطبوع من «مجموع الفتاوى» «والذي ليس يؤخرها» والمناسب للسياق حذف «ليس»، وبحذفها يستقيم الكلام. قاله المؤلف.
[ ٣٣ ]
تعمد امتهان المصحف لا يصدر عمن يقر بأنه كلام الله - ﷿ -
وقد يكون لهذا نوافلُ يُكَمِّل بها فرائضه كما جاء في الحديث (١)» (٢).
وقال ~ في الأمراء الذين أخبر النبي - ﷺ - أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها: «وإن قيل - وهو الصحيح - إنهم كانوا يُفَوِّتُونها؛ فقد أمر النبي - ﷺ - الأمة بالصلاة في الوقت، وقال: «اجعلوا صلاتكم معهم نافلة» (٣)، ونهى عن قتالهم .. ومؤخرها عن وقتها= فاسقٌ، والأئمةُ لا يُقاتَلون بمجرد الفِسق .. وهؤلاء الأئمة فساقٌ، وقد أمر بفعلها خلفهم نافلة» (٤).
٥ – ومنها تَعَمُّد إلقاءِ المصحف في الحُشِّ أو البول عليه، أو كتابته بالنجاسة؛ فإن هذا الصنيعَ غايةٌ في امتهان القرآن العظيم؛ لا يَصدر عمَّن يُقرُّ بأنه كلامُ الله - ﷿ -.
_________________
(١) القدسي الذي فيه: «انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع= فأكملوا بها ما ضيَّع من فريضته». رواه أحمد ٢٨/ ١٥٠، وأبو داود (٨٦٢)، وابن ماجه (١٤٢٦) وصححه الحاكم (٩٨٠) من حديث تميم الداري - ﵁ -. وقد روي من حديث غيره من الصحابة - ﵃ -. انظر بعضها في: «تعظيم قدر الصلاة»، باب «إكمال الفريضة بالنوافل» ١/ ٢١٠.
(٢) «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٤٩.
(٣) رواه مسلم (٦٤٨).
(٤) «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٦١ بتصرف.
[ ٣٤ ]
سوء التربية ليس عذرا في كفر من سب الله أو رسوله
سوء التربية ليس عذرا في ترك واجب أو فعل محرم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~: «ولا يُتَصوَّر في العادة أنَّ رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي - ﷺ - وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة= فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن، قط لا يكون إلا كافرًا.
ولو قال: أنا مقرٌّ بوجوبها، غير أني لا أفعلها= كان هذا القول مع هذه الحال= كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحُشِّ ويقول: أشهد أنَّ ما فيه كلام الله، أو لو جعل يقتل نبيًا من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسولُ الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمانَ القلب، فإذا قال: أنا مؤمِن بقلبي مع هذه الحال= كان كاذبًا فيما أظهره مِن القول» (١).
أما قول السائل: «هل سوء التربية عذرٌ في كفر من سبَّ الله أو رسوله؟»
فالجواب:
أنَّ سبَّ اللهِ ورسولِه مِن نواقضِ الإسلامِ البينة؛ لأنه استهانةٌ بالله ورسوله، وذلك يناقض ما تقتضيه الشهادتان من التعظيم لله ورسولِه.
وسوءُ التربية ليس عذرًا للمكلف في تركِ واجب،
_________________
(١) «الإيمان الأوسط» ص ٦١٥.
[ ٣٥ ]
لو كان سوء التربية عذرا لعذر أولاد الكفار، وهذا لا يقوله مسلم
ولا فعلِ محرمٍ مِن سائر المحرمات؛ فضلًا عمَّا هو مِن أنواع الكفر بالله.
ولو صحَّ أنَّ سوء التربية عذرٌ في شيءٍ مِن ذلك= لكان أولادُ اليهودِ والنصارى وغيرِهم؛ معذورينَ في تَهَوُّدِهم وتنصُّرِهم، وهذا لا يقوله مسلمٌ، ومَن قال ذلك= فهو كافر؛ يُعرَّفُ ويستتاب؛ فإن تاب وإلا وجب قتله مرتدًا.
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - أنه كان يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه= يهوِّدانه، وينصِّرانه، ويمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ، هل تُحِسُّون فيها من جَدْعاء؟» ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] (١).
وقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢].
هذا، وأسأل اللهَ أنْ يثبِّت قلوبَنا على دينه، وأنْ يُحبِّب إلينا الإيمانَ ويزيِّنه في قلوبِنا، ويكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، ويجعلَنا من الراشدين، إنه تعالى سميع الدعاء، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨) واللفظ له.
[ ٣٦ ]