وجوب طاعة النبي ﷺ ولزوم سنته والمحافظة عليها
وفيه تمهيد وثلاث مباحث:
المبحث الأول: الأدلة على وجوب طاعته ﷺ.
المبحث الثاني: منهج السلف في اتباعه طاعته ﷺ.
المبحث الثالث: التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه.
[ ١٦٧ ]
تمهيد
" فرض الله على جميع الخلق الإيمان بنبيه ﷺ وطاعته واتباعه، وإيجاب ما أوجبه، وتحريم ما حرمه، وشرع ما شرعه. وبه فرق الله بين الهدي، والضلال، والرشاد، والغي، والحق، والباطل، والمعروف، والمنكر. وهو الذي شهد الله له بأنه يدعو إليه بإذنه، ويهدي إلى صراط مستقيم، وأنه على صراط مستقيم، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾. وقال تعالى: ﴿وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى].
وقال تعالى: " ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ -[الزخرف]، وهو الذي جعل الرب طاعته طاعة له في مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].
وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته، ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور، قال تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف].
وهو الذي أخذ الله له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على الميثاق أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه.
[ ١٦٩ ]
وهو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة، ومن كذبه وعصاه كان من أهل النار.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء ١٧٠]
والوعد بسعادة الدنيا والآخرة والوعيد بشقاء الدنيا والآخرة معلق بطاعته. فطاعته هي الصراط المستقيم وهي حبل الله المتين، وهي العروة الوثقى، وأصحابها هم أولياء الله المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون. والمخالفون له هم أعداء الله حزب إبليس اللعين.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران].
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء].
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور].
[ ١٧٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
وجميع الرسل أخبروا أن الله أمر بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].
فهم يأمرون بعبادة الله وحده وخشيته وحده وتقواه وحده، ويأمرون بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور].
وقال نوح علي السلام: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [نوح].
وقال في سورة الشعراء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ [الشعراء].
وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط (^١).
والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته في كل مكان، وزمان، ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، سرًا وعلانية، جماعة وفرادى، وهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل]؛ أي: كذب به وتولى عن طاعته، كما قال في موضع آخر: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ [المزمل]. وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢].
والله تعالى قد سمّاه سراجًا منيرًا، وسمى الشمس سراجا وهاجًا،
_________________
(١) انظر: الآيات (١٢٦، ١٣١، ١٤٤، ١٥٠، ١٦٣، ١٧٩) من سورة الشعراء.
[ ١٧١ ]
والناس إلى هذا السراج المنير أحوج منهم إلى السراج الوهاج، فإنهم محتاجون إليه سرًا وعلانية، ليلًا ونهارًا، بخلاف الوهاج، وهو أنفع لهم فإنه منير ليس فيه أذى بخلاف الوهاج فإنه ينفع تارة ويضر أخرى (^١).
ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول بهذه الدرجة، فقد أوجب الله ﷾ على العباد طاعة الرسل وأتباعهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، فهذا الإلزام ناشئ من ضرورة العباد وحاجتهم للرسالة إذ لا بد لهم منها، بل إن حاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، "فالرسالة ضرورية في إصلاح العباد في معاشهم ومعادهم، فكما أنه لا صلاح لهم في آخرتهم إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح لهم في معاشهم ودنياهم إلا باتباع الرسالة.
والإنسان مضطر إلى الشرع لأنه بين حركتين: حراسة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره.
والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، والشرع نور الله أرضه، وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنًا.
وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس، فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم، فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب، وإنما المراد بالشرع التمييز بين الأفعال التي تنفع فاعلها والأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده؛ كنفع الإيمان والتوحيد، والعدل والبر، والتصدق والإحسان، والأمانة والعفة، والشجاعة والحلم، والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار، وأداء الحقوق وإخلاص العمل الله والتوكل عليه، والاستعانة به والرضا بمواقع القدر به، والتسليم
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ١٨٠ - ١٨٣).
[ ١٧٢ ]
لحكمه والانقياد لأمره، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه، واحتساب الثواب عنده، وتصديقه وتصديق رسله في كل ما أخبروا به، وطاعتهم في كل ما أمروا به، مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته، وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته.
فلولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودون لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة البهائم بل أشر حالًا منها.
فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالًا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم" (^١). والرسل هم وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عباده، يبلغونهم شرع ربهم ويرشدونهم إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم، وقد جعلهم الله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء].
وقد بعث الرسل جميعًا بأصول ثلاثة هي:
١ - الدعوة إلى الله.
٢ - إرشاد العباد وتعريفهم بالطريق الموصل إلى الله.
٣ - بيان حال العباد في معادهم.
فالأصل الأول: يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه وهي القصص التي قصها الله على عباده والأمثال التي ضربها لهم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٩٩، ١٠٠) بتصرف.
[ ١٧٣ ]
والأصل الثاني: يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله ويكرهه.
والأصل الثالث: يتضمَّن الإيمان باليوم الآخر، والجنة والنار والثواب والعقاب، فعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر؛ بل السعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل، فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة (^١).
ومن أجل ذلك فإن الله خص بالفلاح من اتبع رسوله ونصره، فقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف]؛ أي: لا مفلح إلا هم، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران]، فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما أنزل إلى رسوله وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة بالهدى والفلاح قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة]، فعلم بذلك أن الهدى والفلاح دائر على الرسالة وجودًا وعدمًا.
كما جعل الله سعادة العباد ونجاتهم في يوم المعاد متعلقة بطاعته وطاعة رسوله، وجعل شقاءهم وهلاكهم متعلقًا بمعصيته ومعصية رسوله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٩٦) بتصرف.
[ ١٧٤ ]
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء].
وخاتم المرسلين وسيدهم وأكرمهم على ربه - نبينا محمد ﷺ الذي جعله الله رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]، وأرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، فأقام بها الملة العوجاء وأوضح بها المحجة البيضاء، فبين عن طريقه ﷺ الكفر من الإيمان، والربح من الخسران، والهدى من الضلال، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقين من الفجار، فهو المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين.
وقد أوجب الله وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه، وأوصاه باتباع شرعه ونهجه والسير على هداه، وجعل طريقه هي الطريق الوحيد الموصلة إليه، وسد باقي الطرق فلم يفتح لأحد طريقًا غير طريقه، وسمى تلك الطرق سبلًا تضل عن سبيله، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام].
ولذلك فإن الخير كل الخير في اتباعه والاقتداء به، والشر كل الشر في مخالفته والبعد عن شرعه وما جاء به.
والأدلة على وجوب طاعته ﷺ ولزوم سنته واتباع شريعته كثيرة، وهذا ما سأتطرق إليه في هذا الفصل بإذن الله تعالى، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
[ ١٧٥ ]
المبحث الأول: الأدلة على وجوب طاعته ﷺ
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على وجوب طاعته ﷺ.
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على وجوب طاعته ﷺ.
المطلب الثالث: دليل الإجماع على وجوب طاعته.
[ ١٧٧ ]
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على وجوب طاعته ﷺ -
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول ﷺ في ثلاثة وثلاثين موضعًا" (^١).
وقال الآجري (^٢): "فرض على الخلق طاعته ﷺ في نيف وثلاثين موضعًا من كتابه" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن بين مخالفته ومخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا ذكر معه" (^٤).
قلت: إن الآيات الواردة في الأمر بطاعة النبي ﷺ واتباعه والاقتداء به جاءت في مواطن متعددة من القرآن الكريم. واتصفت تلك الآيات بتنوع أساليبها وتعدد صيغها مع اتحادها جميعها في الأمر بالاقتداء بالنبي ﷺ وطاعته في جميع ما جاء به من شرائع وأحكام من عند الله ﷿، سوف أعرض لهذه الآيات بعد تقسيمها على حسب ما اتحدت به في السياق على النحو التالي:
_________________
(١) الصارم المسلول، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٥٦).
(٢) محمد بن الحسين بن عبد الله أبو بكر الآجري: فقيه شافعي، محدث، توفي سنة (٣٦٠ هـ) بمكة، وله مصنفات كثيرة منها: "كتاب الشريعة". الأعلام (٦/ ٩٧)
(٣) الشريعة (ص ٤٩).
(٤) مجموع الفتاوي (١٩/ ١٠٣).
[ ١٧٩ ]
أ ـــ الآيات التي جاء فيها الأمر بطاعته ﷺ
أ
_________________
(١) ـ الآيات التي جاء فيها الأمر بطاعته ﷺ -: ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وهذه الآية ضمن سلسلة من الآيات ربطت بين طاعة الله ﵎ وطاعة رسوله ﷺ، فقد جعل الله طاعته وطاعة رسوله شيئًا واحدًا، وجعل الأمر بطاعة رسوله مندرجًا في الأمر بطاعته سبحانه، وفي ذلك بيان للعباد بأن طاعته سبحانه لا تتحقق إلا بطاعة الرسول ﷺ ومن تلك الآيات الواردة بهذه الصيغة:
(٢) قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران].
(٣) وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران].
(٤) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء].
(٥) وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال].
(٦) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور].
(٧) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب].
(٨) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح]. وفي آيات أُخر يأمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله ﷺ مع إعادة الفعل، وفي ذلك إشارة إلى أن ما يأمر به رسول الله ﷺ تجب طاعته فيه
[ ١٨٠ ]
وإن لم يكن مأمورًا به بعينه في كلام الله الذي هو القرآن، فتجب طاعة الرسول مفردة كما تجب مقرونة بأمره سبحانه، ومن هذه الآيات:
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ [المائدة].
٢ - وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد.
٣ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور].
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾ [التغابن.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
ويقول ابن القيم (^١) عند هذه الآية: "أمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه (^٢). ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في
_________________
(١) محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي المشهور بابن القيم: ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة، تفنن في علوم الإسلام، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية، وله مؤلفات كثيرة في الدفاع عن العقيدة والسنة، توفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. طبقات المفسرين للداودي (٢/ ٩٣، ٩٧).
(٢) كما جاء في قوله ﷺ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه … " الحديث، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٥/ ١٠) (ح ٤٤٦٠).
[ ١٨١ ]
ضمن طاعة الرسول، إيذانًا بأنهم إنما يطاعون تبعًا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر منهم بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف" (^١)، وقال: "إنما الطاعة في المعروف" (^٢)، وقال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (^٣).
وقد أخبر ﷺ عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها: "إنهم لو دخلوها لما خرجوا منها" مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم، وظنًا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصروا في الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية الله وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يرده الأمر ﷺ وما قد علم من دينه إرادة خلافه، فقصروا الاجتهاد وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبيت وتبين هل ذلك طاعة الله ورسوله أم لا؟، فما الظن بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به رسوله" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٦/ ١٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٣٣) (ح ٧٢٥٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، انظر: (٦/ ١٥).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٦/ ١٢)؛ وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، فتح الباري (١٣/ ١٢١، ١٢٢) (ح ٧١٤٤)
(٤) إعلام الموقعين (١/ ٤٨، ٤٩).
[ ١٨٢ ]
وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور]، فقد أخبر تعالى في هذه الآية أن الهداية في طاعة الرسول ﷺ لا في غيرها، فإنه معلق بالشرط فينتفى بانتفائه، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، كما يغلط فيه كثير من الناس ويظن أنه محتاج في تقرير الدلالة منه لا تقرير كون المفهوم حجة.
بل هذا من الأحكام التي ترتبت على شروط وعلقت فلا وجود لها بدون شروطها، إذ ما علق على الشرط فهو عدم عند عدمه، وإلا لم يكن شرطًا له وإذا ثبت هذا: فالآية نص في انتفاء الهداية عند عدم طاعته، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ الفعل للمخاطبين وأصله فإن تتولوا، فحذفت إحدى التائين تخفيفًا، والمعنى: أنه قد حمل أداء الرسالة وتبليغها، وحملتم طاعته والانقياد له والتسليم.
روي عن الزهري (^١) أنه قال: "من الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم".
فإن تركتم أنتم ما حملتم من الإيمان والطاعة فعليكم لا عليه. فإنه لم يحمل إيمانكم وإنما حمل تبليغكم، وإنما حمل أداء الرسالة إليكم.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ليس عليه هداهم وتوفيقهم" (^٢).
_________________
(١) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري: الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة (١٢٥ هـ)، وقيل قبل ذلك. تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٢)
(٢) الرسالة التبوكية (ص ٣٧، ٣٨).
[ ١٨٣ ]
ب ـــ الآيات التي جاء فيها الأمر باتباعه والتأسي به والأخذ بما شرعه
ب
_________________
(١) ـ الآيات التي جاء فيها الأمر باتباعه والتأسي به والأخذ بما شرعه: جاء الأمر من الله ﵎ باتباع رسوله ﷺ والتأسي به في مواطن متعددة من كتابه العزيز.
(٢) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران.
(٣) وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الأعراف].
(٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
(٥) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]. وهذه الآيات تضمنت توجيهات عظيمة يجب على المسلم تدبرها، ففي الآية الأولى جعل الله الاتباع سبيلًا إلى نيل حبه ووسيلة إلى تحقيق رضاه وحصول غفرانه، إذ باتباع الرسول ﷺ يحصل حب الله تعالى ورضاه ومثوبته، فالخير كل الخير في اتباعه والشر كل الشر في مخالفته والابتعاد عن سنته. فالاتباع هو دليل المحبة وبرهانها، وبتحققه تكون المحبة التي هي إحدى ثمراته كما قال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، كما أن من ثمراته غفران الذنوب كما جاء في هذه الآية نفسها: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. وهذه المنزلة والمكانة لاتباع الرسول ﷺ نابعة من كون هذا الاتباع إنما هو في الحقيقة اتباع الله، إذ الرسول إنما جاء بهذا الدين من عند الله ﷿، فهو شرع الله ودينه الذي أوحاه لرسوله ﷺ ليبلغه للعباد،
[ ١٨٤ ]
فالرسول إنما هو مبلِّغ عن الله ولم يأت بشيء من عند نفسه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ الآية [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٥].
وفي الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف]، جاء الأمر بالاتباع عقب الأمر بالإيمان تأكيدًا على وجوب اتباع النبي ﷺ، وإلا فإن الاتباع داخل في الإيمان، ولكن أفرد بالذكر هنا تنبيها على أهميته وعظم منزلته.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهذه الآية أوجبت الاتباع المطلق للنبي ﷺ، فما أمر به من شيء فإن علينا فعله، وما نهى عن شيء فإن علينا تركه واجتنابه، فهو لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر.
وفي هذا الاتباع والانقياد حياتنا وفلاحنا، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال].
فهنا أمر من الله تعالى للمؤمنين جميعًا بأن يستجيبوا للرسول ﷺ فيما أمرهم به ونهاهم عنه، ففي ذلك الحياة النافعة الطيبة، وهذه الحياة إنما تحصل بالاستجابة لما جاء به الرسول أمرًا ونهيًا، وأما من لم تحصل منه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، "إذ الحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول ﷺ، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة
[ ١٨٥ ]
بحسب ما استجاب للرسول" (^١).
ولقد أعقب هذا الأمر بالاستجابة تحذير من ترك الاستجابة له أو تثاقل وتباطؤ عنها، فقال تعالى: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال: ٢٤] والمعنى: "أنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة عقوبة لكم بعد وضوح الحق واستبانته" (^٢).
وأما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]، فقد جعل الله ﵎ من رسوله الأسوة والقدوة ليحتذي به الخلق في أقواله وأفعاله وجميع ما جاء به ﷺ، قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله … " (^٣).
ج - الآيات التي جاء فيها وجوب التسليم لحكمه والانقياد له:
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء].
وفي هذه الآية أقسم سبحانه بأجل مقسم به - وهو نفسه ﷿ على أنه لا يثبت لهم إيمان ولا يكونون من أهله، حتى يحكموا رسول الله ﷺ في جميع موارد النزاع وفي جميع أبواب الدين، فإن لفظة "ما" من صيغ العموم. ولم يقتصر الأمر على مجرد التحاكم بل ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا - وهو الضيق والحصر - من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم
_________________
(١) الفوائد لابن القيم (ص ٨٨) بتصرف.
(٢) المصدر السابق (ص ٩٥).
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٧٤).
[ ١٨٦ ]
لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لا بد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر.
ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى: (ويسلموا تسليما) فذكر الفعل مؤكدًا بمصدره القائم ذكره مرتين، وهو التسليم والخضوع له والانقياد لما حكم به طوعًا ورضًا، وتسليمًا لا قهرًا ومصابرة كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شيء إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بأنه أولى به من نفسه، وأبر به منها وأقدر على تخليصها، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
فمتى علم العبد هذا من الرسول ﷺ واستسلم له، وسلم إليه انقادت له كل علة في قلبه ورأى أن لا سعادة له إلا بهذا التسليم والانقياد.
وتأمل تأكيده سبحانه لهذا المعنى المذكور في الآية بوجوه عديدة من التأكيد:
أولها: تصديرها بتضمن المقسم عليه للنفي وهو قوله: ﴿لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]، وهذا منهج معروف في كلام العرب، إذا أقسموا على شيء منفي صدروا جملة القسم بأداة نفي مثل هذه الآية.
وثانيها: تأكيده بنفس المقسم.
وثالثها: تأكيده بالمقسم به وهو إقسامه بنفسه لا بشيء من مخلوقاته، وهو سبحانه يقسم بنفسه تارة وبمخلوقاته تارة.
ورابعها: تأكيده بانتفاء الحرج وهو وجود التسليم.
وخامسها: تأكيد الفعل بالمصدر، وما هذا التأكيد إلا لشدة الحاجة إلى هذا الأمر العظيم، وإنه مما يعتنى به ويقرر في نفوس العباد بما هو
[ ١٨٧ ]
من أبلغ أنواع التقرير (^١)
وقال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ النساء]؛ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة … " (^٢).
وهذه الآية ينبغي لكل مسلم أن يعرض نفسه عليها.
وفي هذا يقول ابن القيم: "ومتى أراد العبد أن يعلم هذا (^٣)، فلينظر في حاله ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة]
فسبحان الله كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص بودهم أن لو لم ترد؟ وكم من حرارة في أكبادهم منها؟ وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها؟ ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر" (^٤).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ
_________________
(١) الرسالة التبوكية لابن القيم (ص ٢٥، ٢٦)
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٢٠)
(٣) أي: قبوله لحكم الرسول والتسليم له.
(٤) الرسالة التبوكية (ص ٢٥).
[ ١٨٨ ]
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ -[الأحزاب]، وكلا الآيتين توجبان التسليم الكامل والانقياد التام من أهل الإيمان لما حكم به الله تعالى وحكم به رسوله ﷺ، فليس في ذلك اختيار، بل السمع والطاعة والقبول والتسليم بما جاء عن الله ورسوله.
ومن الملاحظ في كلا الآيتين أن الخطاب فيهما لأهل الإيمان، ففي الآية الأولى: ﴿إنما كان قول المؤمنين﴾ [النور: ٥١]. وفي الثانية: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾ وهذا التخصيص للمؤمنين فيه من الدلالة ما فيه، فاسم الإيمان يشعر بأن هذا المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نسبوا إليه، ولذلك فإنه يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله ﷺ أن يضع هاتين الآيتين وأمثالهما من الآيات الموجبة للامتثال لأمر الله ورسوله ﷺ نصب عينيه فيسمع ويطيع، ويؤمن بأنه لا اختيار له في ذلك ولا رأي، بل التسليم المطلق الذي لا يصاحبه شك ولا ارتياب.
فهذه حقيقة الإيمان ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله التي تعني طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
ومثل هذه الآيات هي الفاصل بين دعوى الإيمان الحقيقية التي هي للمؤمنين الصادقين، وبين دعوى الإيمان الزائفة الباطلة التي هي المنافقين الكاذبين المظهرين خلاف ما يبطنون.
* * *
[ ١٨٩ ]
المطلب الثاني: الأدلة من السنة على وجوب طاعته ﷺ -
حث النبي ﷺ أمته على طاعته وامتثال أمره واتباع ما جاء به والسير على سنتة والاقتداء به في كل ما جاء به عن ربه ﷿.
وأحاديثه ﷺ في هذا المجال أعطت للأمه توجيهات عظيمة متى ما ساروا عليها وامتثلوا ما فيها واستناروا بها فقد تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا بإذن الله تعالى.
وقد امتازت الأحاديث في هذا الشأن بكثرتها وتنوع عبارتها وتعدد أساليبها واشتمال بعضها على الأمثلة التي ضربها رسول الله ﷺ لأمته في هذا الشأن، ومما لا شك فيه أن هذه المميزات زادت الأمر توكيدًا وتوضيحًا وبيانًا، بحيث إنها لم تدع مجالًا لمتأول يأولها أو محرف يغير معناها بهواه ورأيه الفاسد، وهذه الأحاديث على تنوع عبارتها وتعدد أساليبها اتحدت جميعها في مضمون واحد هو التأكيد على وجوب طاعته ﷺ واتباع ما جاء به والترغيب في ذلك، إضافة إلى التحذير من مخالفته، وتحريم معصيته وبيان الوعيد الشديد في ذلك.
والخطاب في تلك الأحاديث شامل لكل من كان في عصره ﷺ ومن سيأتي بعده إلى يوم القيامة.
وسأشير ههنا إلى طرف من تلك الأحاديث مع بيان ما فيها من توجيهات وإرشادات تنير الطريق للسالكين الراغبين بالفوز برضى الله وجنات النعيم.
[ ١٩٠ ]
أ - كون طاعته واتباعه ﷺ سببًا لدخول الجنة، ومخالفته ومعصيته سببا لدخول النار:
أولًا: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟، قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (^١).
ثانيًا: وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله … " الحديث (^٢).
ثالثًا: وعن أبي سعيد الخدري (^٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبي وشرد على الله كشراد (^٤) البعير". قال: يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟، قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) (ح ٧٢٨٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]، انظر: فتح الباري (١٣/ ١١١) (ح ٧١٣٧)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٦/ ١٣).
(٣) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري أبو سعيد الخدري: شهد الغزوات بعد أحد وكان من أفاضل الصحابة وحفظ حديثًا كثيرًا، توفي سنة (٧٤ هـ) وقيل غير. الإصابة (٢/ ٣٢، ٣٣).
(٤) يقال: شرد البعير، يشرد، شرودًا، وشرادًا: إذا نفر وذهب في الأرض. النهاية (٢/ ٤٥٧).
(٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١/ ١٥٣) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٠)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وله شاهد من طريق أبي هريرة بنحوه، أخرجه الحاكم في مستدركه (٤/ ٢٤٧) وقال: صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي، وله شاهد آخر من طريق أبي أمامة بنحوه. أخرجه =
[ ١٩١ ]
قال ابن حبان (^١): "طاعة الرسول هي الانقياد لسنته، مع رفض كل من قال شيئًا في دين الله ﷿ بخلاف سنته، دون الاحتيال في دفع السنن بالتأويلات المضمحلة والمخترعات الداحضة … " (^٢).
وهذه الأحاديث الثلاثة تؤكد وجوب طاعة الرسول ﷺ وامتثال ما جاء به، وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
وتؤكد كذلك على أن هذه الطاعة هي مفتاح الجنة وسبيل النجاة الوحيد التي متى ما سلكها الإنسان فاز برضى الله وجنته ونجى من سخطه وعذابه.
فعلى المسلم أن يسلك هذه الطريق - أي: طاعة النبي ﷺ وألا يحيد عنها يمينًا أو شمالًا، فهذه الطاعة هي صراط الله المستقيم الذي أمر الله باتباعه لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (^٣)
_________________
(١) = الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٧) وقال: صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي
(٢) محمد بن حبان بن أحمد التميمي، أبو حاتم البستي: الإمام الحافظ الثبت الحجة، كان من أوعية العلم، ولد سنة (٢٧٠ هـ)، وتوفي سنة (٣٥٤ هـ). ميزان الاعتدال (٣/ ٥٠٦).
(٣) صحيح ابن حبان (١/ ١٥٣)
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (١/ ٥٠، ٥١)
[ ١٩٢ ]
وهذه الأحاديث تبين صفة أتباع الأنبياء، فهم يطيعون أنبيائهم، ويأخذون بسنتهم، ويأتمرون بأمرهم، ولا يحيدون عن ذلك ولا يخالفونه إلى ما سواه. وأما المخالفون لهم فمنهم الذين ابتدعوا أمورًا في الدين لم تشرع لهم، وأخذوا يتعبدون الله بها وهم المشار إليهم بقوله: "ويفعلون ما لا يؤمرون"، وأمثال هؤلاء يتحدثون عن الطاعة والاتباع ولكن بالقول دون العمل، فهم يقولون ما لا يفعلون، وهذا الوصف ينطبق تمامًا على أهل البدع المخالفين لشرع نبي هذه الأمة.
فإن الناظر في أحوال هؤلاء يجدهم متمسِّكين أشد التمسك بأمور ليست من سنة المصطفى ولا من هديه، إذ ليس لهم عليها دليل من الكتاب أو السنة، بينما تجدهم أكثر الناس بعدًا عن هدي المصطفى وما جاء به عن ربه، ومع ذلك كله فهم كثيرًا ما يتحدثون عن اتباع الرسول والاقتداء به.
ولكن هذا الحديث عن السنة والاتباع لا يتجاوز ألسنتهم، فهم أبعد الناس عن ذلك، فصدق على هؤلاء قوله ﷺ: "يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون".
فانظر أخي المسلم في أحوال الصوفية وعباد القبور والأضرحة وغيرهم من أهل البدع، فهل تجد أبلغ من وصفهم بقول النبي ﷺ هذا: "يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون".
فالحذر كل الحذر من سبل أهل البدع والأهواء، وكن على بصيرة من أمر دينك، ولا تغرنك مظاهرهم وطراوة ألسنتهم، فكم من إنسان خدعوه بذلك فروجوا عليه بدعتهم، ولكن أمرهم لا يروج إلا على خفافيش الأبصار وكل جاهل بسنة نبيه، من لا يفرق بين ما هو من الدين وما ليس من الدين.
وأما العالم بدينه وسنة نبيه ﷺ المتمسك بها، فهو على دراية
[ ١٩٣ ]
ويقين بحال هؤلاء، فلا تنطلي عليه أباطيلهم وأكاذيبهم وما يستندون إليه من المنامات التي جعلوها مصدرًا للتشريع والابتداع في دين الإسلام.
وصاحب السنة يعلم كذلك عاقبة بدعهم فيطبق عليهم بذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف].
وقوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (^١).
فتلك هي النتيجة الحتمية لكل بدعة، فالله تعالى قد جعل للعمل المقبول شرطين: أحدهما: الإخلاص، وثانيهما: الاتباع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ الكهف].
وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾؛ أي: ما كان موافقًا لشرع الله، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، فلا بد أن يكون خالصًا لله صوابًا على شريعة رسول الله ﷺ (^٢)
ب - ضربه ﷺ الأمثال في الحث على طاعته:
أولًا: عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا (^٣) فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور. فتح الباري (٥/ ٣٠١) (ح ٢٦٩٧)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة (٥/ ١٣٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ١٠٨).
(٣) أي: ساروا بالليل، النهاية (٢/ ١٢٩).
[ ١٩٤ ]
فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق" (^١).
ثانيًا: وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "جاءت الملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، قال: فاضربوا له مثلان، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد ﷺ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصي الله، ومحمد فرَّق بين الناس" (^٢).
ثالثًا: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يزعهن (^٣) ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحُجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٥٠) (ح ٧٢٨٣). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته. انظر: (٧/ ٦٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) (ح ٧٢٨١).
(٣) بفتح التحتانية والزاي وضم العين المهملة؛ أي: يدفعهن، فتح الباري (١٣/ ٣١٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي =
[ ١٩٥ ]
فهذه ثلاثة أحاديث اشتمل كل حديث منها على مثل معين، والأمثال كما هو معلوم توضع لتقريب المعنى وتوضيحه في ذهن السامع ليكون أسهل في فهم المعنى وأبلغ في ترسخه في ذهنه.
ففي المثل الذي جاء في الحديث الأول ضرب النبي ﷺ لنفسه مثلًا بالنذير الذي جاء لقومه يحذرهم من أن أعداءهم في طريقهم إليهم بعد أن رأى جيشهم على مقربة منهم وطلب منهم أن ينجوا بأنفسهم قبل أن يهلكهم عدوهم ويفنيهم.
وضرب لأمته مثلًا بقوم ذلك الرجل الذين انقسموا إلى قسمين فكان منهم من صدقه وأطاعه فساروا من الليل فنجوا بأنفسهم من فتك عدوهم، وكان منهم من لم يصدقه فبقوا في منازلهم فصبحهم عدوهم فقضى عليهم. فالنبي ﷺ هو النذير لهذه الأمة كما قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين﴾ [الحج]، فقد أرسله الله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيرا] [الفرقان]، لينذرهم عذاب ربهم الذي توعد به المخالفين منهم، وبين لهم شرع ربهم وما أمرهم به من قواعد وأحكام.
فمن أطاعه واتبع النور الذي جاء به والتزم شريعته فقد نجا من عذاب الله. ومن عصاه وخالفه ولم يتبع ما جاء به فقد استحق بذلك عذاب الله فله جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا.
وهذا المثل يمثل جانب الإنذار والوعيد وهو جانب من جوانب الرسالة، وأما الجانب الثاني وهو جانب البشارة؛ إذ أن الرسول ﷺ أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ [سيا: ٢٨]
وأما جانب ما تحدث عنه الحديث الثاني وهو حديث
_________________
(١) = انظر: فتح الباري (١١/ ٣١٦) (ح ٦٤٨٣)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته … (٧/ ٦٤).
[ ١٩٦ ]
جابر بن عبد الله عنهما، فالمثل يتحدث عن ثلاثة أمور: دار، ومأدبة، وداعي. وقد جاء تأويل هذا المثل في الحديث نفسه، فالداعي هو النبي ﷺ، والدار هي الجنة، فمن أطاعه ﷺ واتبع ما جاء به فقد أجاب الدعوة واستحق دخول الجنة والتمتع في نعيمها. وأما من عصى النبي ﷺ وخالفه ولم يستجب لما جاء به، فذلك الذي لم يستجب لدعوته فحرم من الدخول في الدار التي هي الجنة، وحرم من الأكل من المأدبة التي هي النعيم الدائم في الجنة.
وأما الحديث الثالث: فالمثل المضروب فيه يصور مدى حرصه ﷺ على حماية الأمة من الوقوع فيما يسخط الرب ﵎ ويوجب عقابه وأليم عذابه، فهو ﷺ الموصوف بقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة].
والشاهد من الحديث قوله: "أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها"، ومما لا شك فيه أن اقتحام الناس للنار ناتج عن مخالفتهم لأوامر النبي ﷺ ووقوعهم فيما نهى وحذر منه، فبهذا يكون هلاكهم وعذابهم.
والمتأمل لهذه الأحاديث الثلاثة وما ضرب فيها من أمثال يدرك - إن كان له قلب وسمع سليمان - ما في هذه الأحاديث من الحث على طاعة النبي ﷺ واتباعه والأجر العظيم المترتب على ذلك، كما يدرك عظم العقوبة والخسارة المترتبة على عصيانه ومخالفته وعدم الانقياد له.
والسؤال الذي يفرض نفسه ههنا هو التالي:
هل أنت ممن أطاع البشير النذير ﷺ؟
وهل أنت ممن أجاب الداعي؟
وهل أنت ممن استجاب لتحذيره ﷺ فحمي نفسه من نار جهنم؟.
[ ١٩٧ ]
وقبل أن تعجل بالإجابة، انظر إلى أعمالك وأقوالك هل هي وفق شريعته وما جاء به ﷺ أم لا؟ فههنا يكمن الجواب.
فيا سعادة من أطاعه واتبعه، صلوات الله وسلامه عليه.
ويا خزي وندامة من خالفه وعصى أمره، والله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ [الأحزاب].
ج - حثه ﷺ لأمته على التمسك بسنته وتحذيره من مخالفتها:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا.
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"" (^١).
وحديث أنس هذا يعد قاعدة جليلة من قواعد التأسي والاتباع، وذلك لما حواه من توجيهات هامة جدًّا في هذا الشأن منها:
١ - أن الابتداع في الدين أمر مردود وغير مقبول، بل يعد من
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح. انظر: فتح الباري (٩/ ١٠٤) (ح ٥٦٣) واللفظ له. ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه … انظر: (٤/ ١٢٨).
[ ١٩٨ ]
الرغبة عن سنة المصطفى ﷺ والخروج عن شريعته، ومن أجل ذلك فليس لأحد كائنًا من كان سوى النبي ﷺ حتى وإن كان أصحابه: أن يشرع في هذا الدين أو يدخل فيه أمرًا حتى وإن كان ذلك بدافع التقرب إلى الله، فأولئك النفر من الصحابة رضوان الله عليهم دفعهم حب التقرب إلى الله إلى أن قالوا ما قالوه من الأمور التي تعد من الرهبانية، ولما كان قولهم ذلك بعد مخالفة لما كان عليه النبي ﷺ من الحنيفية السمحة، وجههم النبي ﷺ إلى الصواب وحذرهم من أن يحيدوا عن شئته ويرغبوا عنها بقوله: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمراد أن من ترك طريقتي وأخذ طريقة غيري فليس مني.
ومن هذا الحديث يعلم أن كل أمر ليس من سنته ﷺ والشرع الذي جاء به فهو أمر مبتدع مردود على صاحبه، إضافة إلى اعتبار فاعله راغبًا عن سنة المصطفى ﷺ.
٢ - حثه ﷺ على التمسك بما هو عليه وهي الحنيفية السمحة، فهذا ما دل عليه قوله: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء".
فالإسلام دين الفطرة، ونبينا ﷺ حرص بقوله هذا على سد باب التشديد المتمثل في الرهبانية، فلا رهبانية في الإسلام، وفي هذا يقول: "إن الرهبانية لم تكتب علينا" (^١)، فعلى هذا فهي أمر مخالف لسنته وهديه.
وعن العرباض بن سارية (^٢) ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله
_________________
(١) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند (٦/ ٢٢٦).
(٢) العرباض بن سارية السلمي أبو نجيح: صحابي مشهور من أهل الصفة، مات سنة خمس وسبعين للهجرة، وقيل قبل ذلك. الإصابة (٢/ ٤٦٦).
[ ١٩٩ ]
كأنها موعظة مودِّع فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (^١).
فوصية النبي ﷺ لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك، وأن يحذروا الابتداع في الدين، وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.
وقد رسم النبي ﷺ في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما:
* الاتباع.
* ترك الابتداع.
ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته ﷺ، بل عملوا بها ونقلوها للامة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه ﷺ، وكذلك فقد كانوا أشد الناس
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦، ١٢٧)؛ وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٥/ ١٣، ١٥) (ح ٤٦٠٧)؛ وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (٥/ ٤٤) (ح ٢٦٧٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦)؛ وابن حيان في صحيحه (١/ ١٣٩)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وصححه ووافقه الذهبي؛ والآجري في الشريعة (٤٦، ٤٧)، والدارمي في سننه، باب اتباع السنة (١/ ٤٤، ٤٥) وقال الألباني: سنده صحيح، وصححه جماعة منهم: الضياء المقدسي في اتباع السنن واجتناب البدع. انظر: مشكاة المصابيح (١/ ٥٨) (ح ١٦٥).
[ ٢٠٠ ]
تمسُّكًا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع في الدين، وقد كان في صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.
ومن المؤسف أن كثيرًا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرًا مستغربًا مستنكرًا لجهلهم بها وبعدهم عنها، واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلًا والباطل حقًّا، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة.
فأين هؤلاء من وصية المصطفى ﷺ بأن يتبعوا ولا يبتدعوا؟
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (^١).
والشاهد من الحديث قوله ﷺ: "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
وهذا التوجيه النبوي الكريم مماثل لما سبق في الأحاديث السابقة من الحث على لزوم السنة والتأكيد على اتباعها والأخذ بها، إلا أنه يضيف أمرًا هامًا وهو أن الطاعة في جانب المأمورات تجب في حدود الاستطاعة والطاقة، وهذا من اليسر الذي امتازت به الرسالة المحمدية،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن الرسول. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٥١) (٧٢٨٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (٤/ ١٠٢).
[ ٢٠١ ]
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ففي جانب الأوامر علينا السمع والطاعة في حدود ما نطيق ونستطيع، أما في جانب النواهي فيجب التسليم المطلق دون قيد أو شرط.
فبهذه الإضافة يتحدد مَعْلَم من معالم الطاعة يجب على المسلم أن يدركه ويعي مضمونه.
د - بيانه لمواقف الناس من الأخذ بدعوته واتباع سنته ﷺ -:
عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن مثل ما بعثني الله به ﷿ من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله منها الناس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (^١).
وفي هذا الحديث قسم النبي ﷺ الناس - فيما يتصل بدعوته - إلى ثلاثة أقسام. وشبه ﷺ العلم الذي جاء به بالغيث لأن كلا منهما سبب الحياة، فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.
وشبه القلوب بالأودية كما في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧].
وكما أن الأراضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث:
* إحداها: أرض زكية قابلة للشراب والنبات، فإذا أصابها الغيث ارتوت، ومنه يثمر النبت من كل زوج بهيج.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٧).
[ ٢٠٢ ]
فذلك مثل القلب الزكي الذكي، فهو يقبل العلم بذكائه، فيثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه، فهو قابل للعلم، مثمر لموجبه وفقهه وأسرار معادنه.
* والثانية: أرض صلبة قابلة لثبوت ما فيها وحفظه، فهذه تنفع الناس لورودها والسقي منها والازدراع.
وهو مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه، فلا تصرف فيه، ولا استنبط، بل للحفظ المجرد، فهو يؤدي كما سمع، وهو من القسم الذي قال فيه النبي ﷺ: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه" (^١).
فالأول: كمثل الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات فهو يكسب بماله ما شاء.
والثاني: مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والمكسب، ولكنه حافظ لما لا يحسن التصرف والتقلب فيه.
• والأرض الثالثة: أرض قاع، وهو المستوي الذي لا يقبل النبات، ولا يمسك ماء، فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تنتفع منه بشيء.
فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم والفقه والدراية، وإنما هو بمنزلة الأرض البور التي لا تنبت ولا تحفظ، وهو مثل الفقير الذي لا مال له ولا يحسن يمسك مالًا.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في السنن (٢/ ١٨٨)، كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر؛ وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٧)، وقال: "وفي الباب عن جماعة من الصحابة"، وقد جمع طرق هذا الحديث الشيخ عبد المحسن العباد في كتاب سماه "دراسة حديث: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي … "رواية ودراية" وذكر أن الحديث صحيح وبلغ حد التواتر.
[ ٢٠٣ ]
فالأول: عالم معلم، وداع إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرسل.
والثاني: حافظ مؤد لما سمعه، فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر.
والثالث: لا هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسًا، فاستوعب هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم.
منها قسمان: قسم سعيد، وقسم شقي" (^١).
* * *
_________________
(١) الرسالة التبوكية (ص ٥٥، ٥٦).
[ ٢٠٤ ]
المطلب الثالث دليل الإجماع على وجوب طاعته
الإجماع من الأمة منعقد على وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه في جميع ما جاء به من ربه ﷿، وذلك لثبوت الأمر بهذا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، بل إن الأمر بوجوب طاعته ﷺ يعد من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يعذر إنسان بجهلها.
وقد حكى الشافعي رحمه الله تعالى إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، على أن من استبانت له سنة رسوله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
ولم يسترب أحد من أئمة الإسلام في صحة ما قاله الشافعي، فإن الحجة الواجب اتباعها على الخلق كافة إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى (^١).
وقد تمثَّل إجماع الأمة على وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه في اعتبار السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وذلك بعد المصدر الأول الذي هو القرآن الكريم (^٢).
والمقصود بالسنة هنا ما صح عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته، فالصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سار على نهجهم يؤمنون بهذا الأصل الذي هو سنة المصطفى ﷺ ويوجبون العمل والاحتجاج
_________________
(١) الرسالة التبوكية لابن القيم (ص ٣٧).
(٢) مجموع الفتاوي (١١/ ٣٣٩).
[ ٢٠٥ ]
بها، ويعتبرونها مصدرًا مستقلًا في التشريع، فلا يجب عرض ما جاء عنه ﷺ على القرآن، بل يجب اتباعه وطاعته مطلقًا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن.
ولقد كان من مظاهر ذلك الإجماع الاعتناء بسنته وحفظها ونقلها، وتعليمها في كل عصر من العصور.
فلقد اعتني بالسنة فنقلها الخلف عن السلف، وحافظوا عليها، ووضعوا لها القواعد التي اعتنت بسلامتها سندًا ومتنًا.
والنقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم في وجوب طاعته ﷺ واتباع ما جاء به وتعظيمهم لسنته والعمل بها كثيرة جدًّا، ومن تلك النقول ما يلي:
أ - الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
- أبو بكر الصديق ﵁:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وارتد من ارتد من العرب، قال أبو بكر الصديق ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فقال له عمر ﵁: كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها؟، والله لو منعوني عناقًا (^١) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر ﵁: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق" (^٢).
_________________
(١) العناق: هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. النهاية (٣/ ٣١١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، انظر: فتح الباري (٣/ ٢٦٢) (ح ١٣٩٩). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٢٨).
[ ٢٠٦ ]
فهذه الحادثة تمثل مدى تمسك خليفة رسول الله ﷺ بما كان عليه الرسول ﷺ، وحرصه على تطبيق شرعه في وقت ارتد فيه أكثر العرب في جزيرة العرب، ولم يبق على الإسلام سوى أهل المدينة ومكة والطائف، ولقد تابع الصحابة أبا بكر في موقفه ذلك فقاتلوا أهل الردة بما فيهم مانعي الزكاة، فكان موقفهم ذلك أوضح دليل على تعظيم السنة ووجوب العمل بها.
وقد جاءت الجدة إلى الصديق ﵁ تسأله عن ميراثها فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء وسأسأل الناس. ثم سأل ﵁ من الصحابة فشهد عنده بعضهم بأن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس فقضى لها بذلك (^١).
وفي هذا دليل على: تمسك الصديق بسنة المصطفى والعمل بها، وقال ﵁: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ" (^٢).
وعن ابن سيرين (^٣) قال: "لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة (ص ٣٤٦) رقم (١٠٨٧)؛ وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة (٣/ ٣١٦، ٣١٧) (ح ٢٨٩٤)؛ وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة (٤/ ٤١٩، ٤٢٠) (ح ٢١٠٠، ٢١٠١)؛ وأخرجه ابن ماجه في السنن، أبواب الفرائض، باب ميراث الجدة (٢/ ١٢٠) (ح ٢٧٥٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس فتح الباري (٦/ ١٩٧) (ح ٣٠٩٣)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ: "لا نورث وما تركنا صدقة" (٥/ ١٥٥).
(٣) محمد بن سيرين الأنصاري: مولاهم، مولى أنس بن مالك، تابعي جليل كان إمام وقته، مات سنة (١١٠ هـ)، تهذيب التهذيب (٩/ ٢١٤، ٢١٧).
[ ٢٠٧ ]
بكر ﵁، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم من عمر ﵁ وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلًا، ولا في السنة أثرًا فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي فإن كان صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله" (^١).
- عمر بن الخطاب ﵁ -:
ورد عنه أنه كان يقول: "إن أصدق القيل قيل الله، ألا وإن أحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة … " (^٢).
وكان عمر ﵁ يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب الله، فإن لم يجدوا القضية في كتاب الله فبسنة رسول الله ﷺ.
فعن الشعبي (^٣) عن شريح (^٤) أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله ﷺ، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلم فيه أحد من قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٥٤).
(٢) السنة للالكائي (١/ ٨٤) (ح ١٠٠)، والبدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٢٤).
(٣) عامر بن شراحيل الشعبي: أهله من حمير اليمن، قال فيه مكحول: "ما رأيت أحدًا أعلم بسنة ماضية من الشعبي"، وقد تولى القضاء في عهد عمر بن عبد العزيز على الكوفة، توفي سنة (١٠٥ هـ)، وقيل قبل ذلك، تهذيب التهذيب (٥/ ٦٥، ٦٩).
(٤) شريح بن الحارث بن قيس الكندي: القاضي، مخضرم، ثقة، استقضاه عمر. مات قبل الثمانين أو بعدها، تهذيب التهذيب (٤/ ٣٢٦، ٣٢٨).
[ ٢٠٨ ]
فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك" (^١).
وروى البخاري بسنده عن أبي وائل (^٢) قال: "جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، قال: هما المرءان يقتدى بهما" (^٣)
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "قيل لعمر: ألا تستخلف؟، قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ، فأثنوا عليه، فقال: راغب وراهب (^٤) وددت أني نجوت منها كفافًا لا لي ولا علي، لا أتحملها حيًا وميتا" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٦٠)، وأورده السيوطي في مفتاح الجنة (ص ٤٦) وعزاه للبيهقي والدارمي.
(٢) شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي: أدرك النبي ﷺ ولم يره. قال ابن معين: "ثقة لا يسأل عن مثله، مات سنة (٨٢ هـ). تهذيب التهذيب (٤/ ٣٦١، ٣٦٣).
(٣) أخرجه في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بستن رسول الله ﷺ، انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) (ح ١٢٧٥).
(٤) قال ابن حجر: "قال ابن بطال: يحتمل أمرين: أحدهما: أن الذين أثنوا عليه إما راغب في حسن رأيي فيه وتقريري له، وإما: راهب من إظهار ما يضره من كراهته. أو المعنى: راغب فيما عندي وراهب مني. أو المراد: الناس راغب في الخلافة وراهب منها، فإن وليت الراغب فيها خشيت أن لا يعان عليها، وإن وليت الراهب منها خشيت أن لا يقوم بها. وذكر القاضي عياض توجيهًا آخر: أنهما وصفان لعمر؛ أي: راغب فيما عند الله، وراهب من عقابه، فلا أعول على ثنائكم وذلك يشغلني عن العناية بالاستخلاف عليكم". فتح الباري (٣/ ٢٠٧).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف واللفظ له. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٥٥، ٢٥٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه (٦/ ٤، ٥).
[ ٢٠٩ ]
وجاء في رواية لمسلم قال عبد الله: "فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدًا وأنه غير مستخلف" (^١).
فعمر بن الخطاب ﵁، تمسك بسنة رسول الله ﷺ وقدمها على سنة أبي بكر مع أن العمل بها جائز عنده.
ولما قبل ﵁ الحجر الأسود قال: "أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك" (^٢).
- عثمان بن عفان (^٣) ﵁ -:
عن زينب بنت كعب بن عجرة (^٤) أن الفريعة بنت مالك بن سنان (^٥) وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبرتها: "أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه
_________________
(١) أخرجه في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه (٦/ ٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب الرمل في الحج والعمرة، واللفظ له. انظر: فتح الباري (٣/ ٤٧١) (ح ١٦٠٥). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف (٤/ ٦٧).
(٣) عثمان بن عفان: ولد بعد الفيل بست سنين، أسلم على يد الصديق، وقد تزوج بنتي رسول الله ﷺ: رقية وأم كلثوم، ولذلك سمي ذا النورين، وقد ولي الخلافة سنة (٢٤ هـ)، وقعت في عهده الفتنة فقتل ﷺ سنة (٣٥ هـ)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٣٩، ١٤٢).
(٤) زينب بنت كعب بن عجرة: صحابية تزوجها أبو سعيد الخدري، الإصابة. (٤/ ٣١٢)
(٥) الفريعة بنت مالك بن سنان الحدرية: صحابية جليلة، وقصتها مذكورة في الحديث الذي معنا. الإصابة (٤/ ٣٧٥).
[ ٢١٠ ]
ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله ﷺ: "نعم". قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة (أو في المسجد) ناداني رسول الله ﷺ، أو أمر لي فنوديت له، فقال: "كيف قلت؟ "، قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، قال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته وقضى به" (^١).
والشاهد من هذا الحديث أن عثمان لما أشكل عليه حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها، أرسل إلى الفريعة بنت مالك يسألها فأخبرته أن النبي ﷺ أمرها بعد وفاة زوجها أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله. فقضى عثمان ﵁ بسنة المصطفى ﷺ.
- علي بن أبي طالب ﵁ -:
لما بلغه أن عثمان ﵁ ينهى عن متعة الحج، أهلَّ علي ﵁ بالعمرة والحج جميعًا وقال: "ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد" (^٢). وعنه ﵁ أنه قال: "ألا إني لست بنبي ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة محمد ﷺ ما استطعت" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٥٩١) في الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها، وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل (٢/ ٧٢٣، ٧٢٤) (ح ٢٣٠٠)؛ وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها واللفظ له، وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣/ ٥٠٨) (ح ١٢٠٤)؛ وأخرجه النسائي، في السنن الصغرى، كتاب الطلاق باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل (٦/ ١٩٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب التمتع والقرآن والإفراد بالحج … انظر: فتح الباري (٣/ ٤٢١)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب جواز التمتع (٤/ ٤٦).
(٣) أورده القاضي عياض في الشفا (٢/ ٥٥٦).
[ ٢١١ ]
- أبي بن كعب ﵁ (^١):
روي عنه أنه قال: "عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من خشية ربه فيعذبه الله أبدًا، وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد ورقها فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة، فتحات عنها ورقها، إلا حط الله خطاياه كما تحات من الشجرة ورقها، فإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة وموافقة بدعة، وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادًا واقتصادًا أن يكون على منهج الأنبياء وسنتهم" (^٢).
- عبد الله بن عباس ﵄:
روي عنه أنه قال: "من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ لم يدر ما هو عليه إذا لقي الله ﷿" (^٣).
وعنه ﵁ قال: "عليك بتقوى الله والاستقامة واتبع ولا تبتدع" (^٤).
_________________
(١) أبي بن كعب الأنصاري: كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرًا فما بعدها، سيد القراء وهو أول من كتب للنبي ﷺ، توفي سنة (٢٢ هـ). الإصابة (١/ ٣١ - ٣٢).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٢١، ٢٢)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٢، ٢٥٣).
(٣) أخرجه الدارمي في سننه، باب الفتيا وما فيه من الشدة (١/ ٥٧)؛ وأخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغيير البدع (ص ٣٨)، وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ٨١).
(٤) أخرجه الدارمي في سننه، باب من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع (١/ ٥٣).
[ ٢١٢ ]
- عبد الله بن مسعود ﵁:
روي عنه ﵁ أنه قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (^١)، وعنه أنه قال: "إنا نقتدي ولا نبتدئ، ونتبع ولا نبتدع، ولن نصل ما تمسكنا بالأثر" (^٢). وعنه ﵁ أنه قال: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة" (^٣).
- عبد الله بن عمر ﵄:
فعن سالم بن عبد الله (^٤) أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها". فقال بلال بن عبد الله (^٥) والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن" (^٦).
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه، باب في كراهة أخذ الرأي (١/ ٦٩)؛ وأخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب ما يكون من بدعة (ص ١٠)؛ وأخرجه اللالكائي في السنة (١/ ٨٦) (١٠٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨١): رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه اللالكائي في السنة (١/ ٨٦) (ح ١٠٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٠٣) وقال: على شرطهما وأقره الذهبي، واللالكائي في السنة (١/ ٥٥) (ح ١٤)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ١١)، وابن عبد البر في جامعه (٢/ ٢٣٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٨): رجاله ثقات.
(٤) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: أحد فقهاء المدينة السبعة ومن أفاضل التابعين، مات سنة (١٠٦ هـ)، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٣٧، ٤٣٨).
(٥) بلال بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: ذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وعده يحيى القطان في فقهاء أهل المدينة. تهذيب التهذيب (١/ ٥٥٤).
(٦) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (٢/ ٣٢).
[ ٢١٣ ]
- حذيفة بن اليمان ﵁:
قال ﵁: "يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا" (^١).
قال ابن حجر: "فقوله: "يا معشر القراء" المراد بالقرآن والسنة العباد، وقوله: "استقيموا"؛ أي: اسلكوا طريق الاستقامة وهي كناية عن التمسك بأمر الله فعلًا وتركًا. وقوله: "سبقتم" بفتح أوله كما جزم به ابن التين وحكى غيره ضمه والأول المعتمد، والمراد أنه خاطب بذلك من أدرك أوائل الإسلام، فإذا تمسك بالكتاب والسنة سبق إلى كل خير، لأن من جاء بعده إن عمل بعمله لم يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الإسلام، وإلا فهو أبعد منه حسًا وحكمًا. وقوله: "فإن أخذتم يمينًا وشمالًا"؛ أي: خالفتم الأمر المذكور، وكلام حذيفة منتزع من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (^٢).
ب - من أقوال التابعين ومن بعدهم:
* عمر بن عبد العزيز (^٣) رحمه الله تعالى:
فمما نقل عنه أنه كتب عامل له يسأله عن الأهواء؟، فكتب إليه: "أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنته وسنة رسوله ﷺ، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما جرت به سنته وكفوا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء. انظر: فتح الباري (٣/ ٣٥٠)
(٢) فتح الباري (١٣/ ٢٥٧) باختصار يسير.
(٣) عمر بن عبد العزيز: الخليفة الأموي الصالح، عده بعضهم خامس الخلفاء، ولي الخلافة عام (٩٩ هـ)، وتوفي عام (١٠١ هـ)، وله أخبار في العدل والزهد كثيرة. تذكرة الحفاظ (١/ ١١٨).
[ ٢١٤ ]
مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة … " (^١)
وروي عنه أنه قال: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" (^٢)
* محمد بن مسلم الزهري (^٣):
روي عنه أنه قال: "كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضًا سريعًا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله" (^٤).
* مجاهد بن جبر (^٥):
روي عنه أنه قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (النساء: ٥٩]، قال: "الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول: الرد إلى السنة" (^٦).
_________________
(١) الشريعة للآجري (ص ٤٨)، وكتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٣٠)، وكتاب الاعتصام للشاطبي (١/ ٥٠)، وجامع بيان العلم وفضله (ص ٢١).
(٢) الشريعة للآجري (ص ٤٨)، وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٣٢)، والاعتصام للشاطبي (١/ ٨٧).
(٣) تابعي من أهل المدينة، أول من دون الحديث وهو من كبار الحفاظ الفقهاء، لقي بعض الصحابة، قال مالك: "بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير"، توفي عام (١٢٤ هـ). التذكرة (١٠٨)، والبداية (٩/ ٣٤٥).
(٤) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٤٥)، باب اتباع السنة.
(٥) هو: مجاهد بن جبر المكي: تابعي إمام في التفسير، مات في السجود عام (١٠٤ هـ)، وقيل (١٠٣ هـ). التذكرة (٩٢)، والتهذيب (١٠/ ٤٢).
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٥٠٥).
[ ٢١٥ ]
* أبو العالية (^١):
روي عنه أنه قال: "تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تعرفوا الصراط يمينًا أو شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم، وما كان عليه أصحابه" (^٢).
* أيوب السختياني (^٣):
روي عنه أنه قال: "إذا حدث الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن، فاعلم أنه ضال" (^٤).
ج - الأئمة الأربعة:
• أبو حنيفة النعمان (^٥):
روي عنه قوله ﵀: "إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء من أصحاب رسول الله ﷺ نختار من قولهم، وإذا جاء عن
_________________
(١) أبو العالية: رُفيع - بضم الراء مصغرًا - بن مهران الرياحي، مولى امرأة من بني رياح، قال أبو بكر بن أبي داود: "ليس أحد أعلم بالقرآن بعد الصحابة من أبي العالية"، توفي عام (٩٣ هـ). التذكرة (٦١)، والطبقات (٧/ ١١٢)، واللباب. (٢/ ٤٦).
(٢) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ٣٢)، وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ٨٥).
(٣) هو: أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختياني - بفتح السين - نسبة إلى عمل السختيان وبيعه - الجلود الضانية - قال ابن سعد: "كان أيوب ثقة ثبتًا في الحديث جامعًا عدلًا ورعًا كثير العلم حجة"، توفي سنة (١٣١ هـ). انظر: الطبقات (٧/ ٢٤٦)، واللباب (٢/ ١٠٨).
(٤) أورده السيوطي في مفتاح الجنة (ص ٣٥) وعزاه للبيهقي.
(٥) أبو حنيفة: هو النعمان بن ثابت الشيمي مولاهم الكوفي، أحد الأئمة الأربعة وإليه ينتسب الأحناف، ولد سنة (٨٠ هـ)، وتوفي سنة (١٥٠ هـ). البداية (١٠/ ١٠٧).
[ ٢١٦ ]
التابعين زاحمناهم" (^١).
وروي عنه قوله: "آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم " (^٢).
* مالك بن أنس (إمام دار الهجرة):
قال رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا" (^٣).
وكان ﵀ كثيرًا ما يقول:
وخير أمور الدين ما كان سنّة … وشر الأمور المحدثات البدائع (^٤)
ومن قوله كذلك: "قُبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ ولا نتبع الرأي" (^٥).
وجاء رجل إلى مالك فسأله مسألة فقال له: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقال الرجل: أرأيت، فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور] (^٦).
* محمد بن إدريس الشافعي:
ورد عنه أنه قال: "الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة" (^٧)، وقال: "ليس في سنة رسول الله ﷺ إلا اتباعها" (^٨).
_________________
(١) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص ١١١) بتحقيق محمد ضياء الرحمن الأعظمي.
(٢) المدخل إلى السنن (ص ٢٠٤).
(٣) الاعتصام للشاطبي (١/ ٤٩).
(٤) المصدر السابق (١/ ٨٥).
(٥) المصدر السابق (١/ ١٠٥).
(٦) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص ٢٠١).
(٧) رسالة التقليد لابن القيم (ص ٨٣).
(٨) الشفا (٢/ ٥٥٨).
[ ٢١٧ ]
وروى ﵀ يومًا حديثًا فقال له رجل: "أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟، فقال: متى ما رويت عن رسول الله حديثًا صحيحًا فلم أخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب" (^١).
وروي عنه أنه قال: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت" (^٢).
وروي عنه أنه قال: "آمنت بما جاء عن الله، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله" (^٣).
* أحمد بن حنبل (إمام أهل السنة):
ورد عنه قوله: "أصول السُّنَّة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ، والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء إنما هي الاتباع وترك الهوى" (^٤).
وقال أيضًا: "الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه ثم هو بعد مع التابعين مخير" (^٥).
_________________
(١) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص ٢٠٥) رقم (٢٥٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه (ص ٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٠٦)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٥٠)، وأورده السيوطي في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة (ص ٤٩، ٥٠).
(٢) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٥٠)، والمدخل إلى السنن (ص ٢٠٥)، والحلية (٩/ ١٠٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢).
(٤) السنة للالكائي (١/ ١٥٦).
(٥) إيقاظ همم أولي الأبصار (ص ١١٣).
[ ٢١٨ ]
وما أوردته من آثار وأقوال عن السلف ههنا إنما هو عبارة عن نماذج لما ورد عنهم في هذا الشأن (^١).
ويتضح من خلال تلك النصوص إجماع سلف الأمة وأئمتها على وجوب الأخذ بسنة المصطفى ﷺ والتمسك بها في كل الجوانب واتباع ما جاء به ﷺ اعتقادًا وقولًا وعملًا، والتحذير من مخالفة السنة والابتداع فيها وتقديم الهوى والرأي عليها.
* * *
_________________
(١) من أراد الاستزادة من أقوال السلف في هذا الشأن فعليه بالكتب التالية: أ - أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للحافظ اللالكائي. ب - المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي. ج - الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي. د - مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي.
[ ٢١٩ ]
المبحث الثاني
منهج السلف في اتباعه وطاعته ﷺ -
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: منهجهم في الاتباع.
المطلب الثاني: محاربة السلف لما يناقض الاتباع.
[ ٢٢١ ]
المطلب الأول منهجهم في الاتباع
بعث الله ﵎ رسوله ﷺ بالرسالة الجامعة الخاتمة ألا وهي رسالة الإسلام التي ارتضاها في لتكون دينا ومنهاجا، يسير عليه الجن والإنس في حياتهم الدنيا حتى يتم لهم صلاح معاشهم الذي هم فيه، ومعادهم الذي سيصيرون إليه.
ولقد شاء ﵎ أن يجعل لهذه الرسالة مصدرين للتلقي هما:
• القرآن الكريم.
• السنة النبوية.
فالقرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام، وهو كلام الله المنزل على رسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇.
والسنة المصدر الثاني لأنها مبينة لأحكامه، موضحة لإبهامه، هي ومخصصة لعمومه، ومقيدة لإطلاقه، وشارحة لأحكامه وأهدافه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ (النحل).
فالرسول ﷺ كما خص بالوحي المتلو وهو القرآن الكريم، كذلك خص بالوحي غير المتلو وهو السنة التي لا مندوحة عن اتباعها.
[ ٢٢٣ ]
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم). وقال ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (^١)، وبناء على ذلك فإن القرآن والسنة هما المنهلان العظيمان اللذان تستقي منهما الأمة المسلمة عقيدتها وشريعتها وكل ما فيه صلاح شؤونها في دنياها وآخرتها، وهما المنهاج والنبراس الذي سار عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ، وذلك لاعتقادهم أن النبي ﷺ قد جاء بهذين الأصلين وحيًا من عند الله ﷿، كما أنه أمر باتباعهما والأخذ بما فيهما اعتقادًا وقولًا وعملًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهم من هذا المنطلق التزموا وتمسكوا بالقرآن والسنة وتلقوهما بالقبول والتسليم والإيمان والتعظيم، فأحلوا حلالهما وحرموا حرامهما، واتخذوا منهما منهجًا لجميع شؤونهم وأحوالهم يرجعون إليه امتثالًا لنداء الله حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء].
قال ابن القيم: "إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته" (^٢).
ومن هذين الأصلين - الكتاب والسنة - استقى السلف المسلك القويم والمنهج السليم الذي ساروا عليه في طاعتهم واتباعهم لرسولهم ونبيهم محمد ﷺ، وهذا المنهج يمكن تلخيصه في النقاط الرئيسية التالية:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٥/ ١٠) (ح ٤٦٠٤)؛ وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٤٣).
(٢) إعلام الموقعين (١/ ٤٩، ٥٥).
[ ٢٢٤ ]
أولًا: اتباع القرآن الكريم:
فالقرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وحيًا بواسطة جبريل ﵇، والذي تولى الله ﷾ حفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر].
كما جعله نظامًا ومنهجًا يهتدي به عباده المؤمنون كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة].
ولقد اعتنى السلف بكتاب الله ﷿ فحفظوه في صدورهم ومصاحفهم وصاروا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، وينفذون أحكامه وشرائعه جيلًا بعد جيل في جميع جوانب حياتهم الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الأمور الدنيوية والأخروية.
كما تفرغ عبر القرون ثلة من خيارهم لدراسته وتفسيره واستنباط أحكامه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، والاعتبار بدعوته وقصصه، ووعظه وإرشاداته وأمثاله.
وهذا الموقف من السلف الصالح يمثل مظهرًا من مظاهر التأسي والاقتداء بما كان عليه النبي ﷺ، كما يعد تطبيقًا عمليًا لما أوصى به ﵊ أمته حيث قال: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله" (^١).
ثانيًا: اتباع سُنَّته ﷺ والعمل بها:
فلقد أوجب الله على العباد طاعة رسوله ﷺ واتباعه وقد تقدم إيراد الأدلة على ذلك (^٢).
ولقد عمل السلف بما أوجبه الله تعالى فأخذوا بسُنَّة نبيهم ﷺ
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٢٦).
(٢) انظر: المبحث الأول من هذا الفصل.
[ ٢٢٥ ]
وعملوا بها أمرًا ونهيًا وخبرًا، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراته هي المصدر الثاني بعد كتاب الله الله الذي تستقي منه الأمة أحكامها وتشريعاتها في شتى شؤون حياتها. ويعتقد السلف أن للسنة استقلاليتها في تشريع الأحكام وهي كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، فالأحكام التي سكت القرآن عن بيان حكمها وورد في السنة بيانها، فإن السلف يعملون بهذه الأحكام ويأخذون بها، ولا يرون أن هناك تعارضًا البتة بين الأصلين.
كما يعتقد السلف أن علاقة السنة بالمصدر الأول الذي هو القرآن تسير وفق الأوجه الثلاثة التالية:
١ - أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها، وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها.
٢ - أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له، وذلك مثل الأحاديث التي فصلت أحكام وهيئات الصلاة والصيام والحج والبيوع والمعاملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السنة وأكثرها ورودًا.
٣ - أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن على إيجابه، أو محرِّمة لما سكت عن تحريمه؛ كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأحكام الشفعة وغير ذلك.
فالسنة الصحيحة لا تخرج عن هذه الضوابط، كما أنها لا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله التي أمر الله بها
[ ٢٢٦ ]
على جهة الاستقلال، فقال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (المائدة: ٩٢)، وقال تعالى: (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) (النساء: ١٨٠)، فهذه الطاعة المأمورون بها هي طاعة مختصة به ﷺ (^١)، ويجب علينا العمل بها.
فالسلف يؤمنون "بأن الله سبحانه نصب رسول الله ﷺ منصب المبلغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق بين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا.
فعلى سبيل المثال، فإن الله أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، ثم جاء البيان عن رسوله ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه، فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، فإذا أمر الرسول بأمر، كان تفصيلًا وبيانا للطاعة المأمور بها، وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما، والبيان من النبي ﷺ على أقسام:
أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بين أن الظلم المذكور في قوله (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) (الأنعام: ٨٢) هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو العرض، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض الليل وسواد النهار.
الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله.
الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ٣٠٧، ٣٠٨).
[ ٢٢٧ ]
القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره.
الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر المخلوق.
السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم الحمر، والمتعة، وصيد المدينة، ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك.
السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به.
الثامن: بيان جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده، أو يعلمهم يفعلونه.
التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا.
العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الرب ﷿ على رسوله في بيانها كقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) [النساء: ٢٤] فالحل موقوف على شروط النكاح وانتقاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل" (^١).
ومن هذا المفهوم والتصور الواضح لأهمية السنة ومكانتها ودورها في التشريع انطلقت أفعال السلف مترجمة لهذا التصور، فكان من تلك الأفعال أن اعتنى السلف بالسنة فتضافرت جهود العلماء من لدن الصحابة والتابعين على حفظ السنة والعناية بها وصيانتها، فحظيت منذ ذلك الحين
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ٣١٤، ٣١٥).
[ ٢٢٨ ]
بسياج من الحماية منقطع النظير، وقد اتبع الصحابة في ذلك كل سبيلي حفظ للسنة نورها وصفاءها، وكان من ذلك التحري والتثبت في روايتها خشية الوقوع في الخطأ وخوفًا من أن يتسرب إليها التصحيف والتحريف، بل إن بعضهم فضل الإقلال من الرواية.
قال ابن قتيبة (^١): "كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية أو أتى بخبر الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا من الرواية يريد بذلك أن لا يتسمع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي، وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ؛ كأبي بكر والزبير (^٢) وأبي عبيدة (^٣) والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (^٤) وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة" (^٥).
ولقد تبعهم من بعدهم من التابعين ومن بعدهم على ذلك.
_________________
(١) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: صاحب التصانيف، صدوق قليل الرواية، توفي سنة (٢٧٦ هـ). لسان الميزان (٣/ ٣٥٧ - ٣٥٩).
(٢) الزبير بن العوام: من أول من أسلم بمكة، كان يسميه رسول الله ﷺ "حواريه" لمحبته له، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قتل سنة (٣٦ هـ)، الإصابة (١/ ٥٢٦ - ٥٢٨).
(٣) أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجراح: أمين هذه الأمة، وأحد العشرة السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها، توفي سنة (١٨ هـ) الإصابة (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٥).
(٤) سعيد بن زيد بن عمرو بن نقيل: أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، شهد أحدًا والمشاهد بعدها وكان من فضلاء الصحابة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، توفي بالمدينة سنة خمسين، وقيل بعد ذلك. الإصابة (٢/ ٤٤).
(٥) كتاب تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة الدينوري (ص ٣٠).
[ ٢٢٩ ]
وكما احتاط السلف في التحديث احتاطوا وتثبتوا كذلك في قبول الأخبار من رسول الله ﷺ، قال الذهبي: "كان أبو بكر ﵁ أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب (^١) أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئًا، ثم سأل الناس فقام المغيرة وقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال: هل معك غيرك؟، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ﵁".
واستشار عمر بن الخطاب له الناس في إملاص المرأة (^٢)، فقال المغيرة بن شعبة (^٣) شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد له محمد بن مسلمة (^٤).
وحدث لعمر مثل هذه الحادثة مع كثير من الصحابة منهم هم أبي بن كعب وأبو موسى. وفي رواية: قال عمر لأبي موسى: "أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ" (^٥).
وعن علي ﷺ قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا
_________________
(١) قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي: تابعي ثقة، ولد عام الفتح، وكان من فقهاء أهل المدينة وصالحيهم، مات سنة (٨٦ هـ) وقبل غير ذلك، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٤٦، ٣٤٧).
(٢) هو أن تزلق الجنين قبل وقت الولادة، النهاية (٤/ ٣٥٦).
(٣) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي: صحابي جليل، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، وكان من دهاة العرب، مات سنة خمسين عند الأكثر. الإصابة (٣/ ٤٣٣، ٤٣٤).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب دية الجنين (٥/ ١١١، ١١٢).
(٥) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٩٦٤).
[ ٢٣٠ ]
نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته فإذا حلف لي صدقته …) (^١).
وهذا التثبت من الصحابة رضوان الله عليهم كان الحامل لهم عليه هو ألا يسترسل الناس في رواية الحديث ويتساهلوا فيه من غير تحر وتثبت كاف فيقعوا في الكذب على رسول الله ﷺ من حيث شعروا أو لم يشعروا، ويدلك على ذلك قول عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: "أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ.
وهذه الشواهد عن ثلاثة من الخلفاء الراشدين تترجم حرصهم وجهودهم في المحافظة على السنة بأن لا يشوبها ما ليس منها.
وقد تتابعت الجهود من الصحابة ومن جاء بعدهم على حفظ السنة وحمايتها إلى أن قعدت القواعد ووضعت الضوابط التي يعرف بها قوة الحديث أو وهنه، وكان من تلك الضوابط علم إسناد الحديث فقد اعتني بهذا الجانب منذ وقت مبكر، واهتم به العلماء حتى جعلوه من الدين، قال عبد الله بن المبارك (^٢): "الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، وقال: "بيننا وبين القوم قوائم"؛ يعني: الإسناد (^٣).
ولقد اشتغل علماء الحديث بنقد الرواة وبيان حالهم ومن تقبل روايته ومن لا تقبل من خلال دراسة الراوي سيرة وتاريخًا ومعتقدًا وسلوكًا، ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم، وقد قيل ليحيى بن سعيد القطان (^٤): "أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢)، وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في أن الصلاة كفارة (١/ ٤٤٦) (ح ١٣٩٥).
(٢) عبد الله بن المبارك المروزي: الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، كان ثقة، مأمونًا، حجة، كثير الحديث، مات سنة (١٨١ هـ)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٨٢ - ٣٨٩).
(٣) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي (ص ٩٢).
(٤) يحيى بن سعيد بن فروخ القطان: من حفاظ الحديث، ثقة حجة من أقران =
[ ٢٣١ ]
عند الله يوم القيامة؟، فقال: لأن يكون هؤلاء خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ يقول: "لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب من حديثي" (^١).
وهذه لمحة وإشارة لما بذله السلف من جهود في حفظ السنة والذب عنها لتبق منهلًا صافيًا تستقي منه الأمة أمور دينها ودنياها وآخرتها حتى يتحقق لها اتباع رسولها محمد ﷺ الذي أمر الله بالاقتداء به والسير على نهجه والطاعة له في كل ما جاء به ﷺ.
ثالثًا: ثم يلي الكتاب والسُّنَّة:
فيما يجب التسليم له من أصول ما كان في معناهما بدليل جامع، والمراد بذلك الإجماع والقياس الجلي الذي لا يصادم النفس الشرعي. قال الشافعي: "الحجة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة".
وقال أيضًا: "والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة الثابتة، ثم الإجماع فيما ليس في كتاب ولا سُنَّة.
الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة.
الرابعة: اختلاف الصحابة.
الخامسة: القياس" (^٢).
* * *
_________________
(١) = مالك وشعبة، مات سنة (١٩٨ هـ)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢١٦ - ٥ ٢٢).
(٢) السُّنَّة ومكانتها (ص ٩٣).
(٣) إعلام الموقعين (٢/ ٢٤٨).
[ ٢٣٢ ]
المطلب الثاني محاربة السلف لما يناقض الاتباع
من الأمور التي سار عليها السلف في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ، وجعلوها منهجًا لهم في الاتباع محاربتهم لذلك الثالوث الخطير المتمثل في: البدعة، والتقليد، والرأي.
فالسلف يعدون ذلك الثالوث مرضًا خطيرًا متى استشرى وانتشر في الأمة فإنه يفتك بعقيدتها وما هي عليه من الاتباع والسنة.
قال ابن عباس ﵄: "ما من عام إلا والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن" (^١).
وعن جابر بن زيد (^٢) أن ابن عمر لقيه في الطواف فقال: "يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تُفْتِ إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت" (^٣).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر" (^٤).
وهذه النصوص الثلاثة المنقولة عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ
_________________
(١) البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٣٩).
(٢) جابر بن زيد الأزدي أبو الشعثاء البصري: تابعي، ثقة، كان من أعلم الناس بكتاب الله، مات سنة (٩٣ هـ) وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (٢/ ٣٨).
(٣) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٥٩).
(٤) إعلام الموقعين (٢/ ١٩٥).
[ ٢٣٣ ]
تصور عظم خطر تلك الأمور على الأمة، كما تصور حرصهم على تحذير الأمة من خطرها وشرها الذي يهدد عقيدتهم وما هم عليه من الاتباع والسنة.
أ - محاربتهم للبدعة:
فأول تلك الأمور وأشدها خطرًا على الأمة "البدعة"، فالابتداع في الدين قد حذر منه النبي ﷺ بقوله: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
وقال: "فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (^١).
كما بين حكم البدعة بقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٢).
ومع وقفة تأمل لما ورد في هذه الأحاديث نلمس الأمور التالية:
ففي الحديث الأول والثاني وصف ﷺ البدعة بكونها سلالة وانحرافًا من الطريق والصراط المستقيم الذي رسمه ﷺ لهذه الأمة والذي أوجب الله علينا اتباعه فيه.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٣/ ١١)؛ وأخرجه البخاري موقوفًا، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) (ح ٧٢٧٧).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (٥/ ١٣٢)، وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود. فتح الباري (٥/ ٣٠١) (ح ٢٦٩٧).
[ ٢٣٤ ]
فالبدعة في الدين طريق غواية وضلال يجب الحذر منه والبعد عنه، وهي إضافة إلى ذلك فإنها مخالفة لسنة المصطفى ﷺ ومحاربة لما جاء به من الهدى والنور، إذ الوقوع في هذا المزلق الخطر الذي هو "البدعة" يترتب عليه أمور خطيرة منها الطعن في الدين؛ لأن لسان حال المبتدع يقول: إن الشريعة لم تتم وإنه بقي منها أشياء يجب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها.
وإضافة إلى ذلك فإن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، فالمبتدع بحاله تلك يزعم أن ثم طرفًا أخر وليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لا يعلم الشارع، وأحاط بما لم يحط به، وهذا هو بعينه الضلال المبين الذي وصف النبي ﷺ البدعة به حين قال: "وكل بدعة ضلالة" (^١).
ومع هذا وذاك فقد تجعل البدعة مع مرور الزمن ونتيجة لانتشارها بين الناس من الدين، فتصبح سنة يستون بها وبخاصة العوام منهم الذين اعتادوا على التقليد والأخذ بكل ما هو منتشر بين الناس. بينما في الوقت نفسه تصبح السنن لغرابتها والجهل بها بدعًا، وهذا هو الحال في كل زمان ومكان انتشرت وعشت فيه البدع، وقل فيه العلماء بأمور السنة.
وأما الحديث الثالث وهو قوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، فهو حكم صريح على كل أمر محدث مبتدع في الدين وليس له أصل في الشرع بالرد وعدم القبول، ولا شك أن هذا الحكم بتر
_________________
(١) الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ (ص ٩٩) بتصرف.
[ ٢٣٥ ]
لكل ما هو مبتدع في دين الله وشرعه، وإسقاط له، إضافة إلى كونه حماية لشرع الله من كل ما يخل به.
ولقد اتخذ السلف من أحاديث النبي ﷺ في هذا الشأن قواعد ساروا عليها في سبيل محافظتهم على السنة وصيانتها من شوائب البدع وشرورها. وإن المتأمل للنصوص الواردة عنهم في هذا الخصوص يلمس مدى حرصهم وتطبيقهم للتوجيهات النبوية التي تلقوها عن رسول الهدى ﷺ.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (^١).
وعنه أنه رأى أناسًا يسبِّحون بالحصا فقال: "على الله تحصون، لقد سبقتم أصحاب محمد علمًا أو لقد أحدثتم بدعة ظلمًا" (^٢).
وعنه أنه قال: "الاقتصاد في السنة غير من الاجتهاد في البدعة".
وعن حذيفة ﵁ أنه قال: "أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون".
قال سفيان: هو صاحب البدعة (^٣).
وكان حذيفة ﵁ يدخل المسجد فيقف على الخلق فيقول: "يا معشر القراء اسلكوا الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا".
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني، فقيل: كيف؟، فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي، فإذا
_________________
(١) أخرجه محمد بن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ١٠).
(٢) المصدر السابق (ص ١١).
(٣) الإبداع في مضار الابتداع (٩٦).
[ ٢٣٦ ]
انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه" (^١).
وعنه ﵁ أنه قال: "عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع" (^٢).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "أوشك قائل من الناس يقول: قد قرأت القرآن ولا أرى الناس يتبعوني، ما هم متبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن كل ما ابتدع ضلالة" (^٣).
وعنه أنه قال: "أيها الناس عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ألا وإن رفعه ذهاب أهله، وإياكم والبدع والتبدع والتنطع، وعليكم بأمركم العتيق" (^٤).
وعن ابن عمر ﵄ قال: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" (^٥). وعن الحسن البصري (^٦) قال: "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادًا صيامًا وصلاة إلا ازداد من الله بعدا" (^٧).
وعنه قال: "لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك" (^٨).
وعن أيوب السختياني أنه كان يقول: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا" (^٩).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في السنة (١/ ٨٨) (ح ١٢).
(٢) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ٢٥).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٥).
(٤) المصدر السابق (ص ٢٥).
(٥) أخرجه اللالكائي في السنة (١/ ٩٢) (ح ٢٢٦).
(٦) الحسن بن يسار البصري: ولد في عهد عمر، كان جامعًا، عالمًا، رفيعًا، ثقة، مأمونًا، عابدًا، ناسكًا، كبير العلم فصيحًا، توفي سنة (١١٠ هـ)، الطبقات لابن سعد (٧/ ١٥٦).
(٧) البدع والنهي عنها، لابن وضاح (ص ٢٧).
(٨) المصدر السابق (ص ٤٧).
(٩) المصدر السابق (ص ٢٧).
[ ٢٣٧ ]
وعن سفيان الثوري قال: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره. وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله في النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي، فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه" (^١).
وقال: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها" (^٢).
وعن أبي قلابة (^٣) أنه قال: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون" (^٤).
وبعد: فما نقلته ههنا يعد جزءًا يسيرًا جدًّا مما ورد عن السلف من نصوص في الحث على ترك الابتداع في الدين والتحذير من مخاطره ومغبة الإقدام عليه وموقفهم من أهله، فلقد اشتد نكير السلف على البدعة وأصحابها، والمجال هنا لا يتسع للاستفاضة في هذا الموضوع، وبما ذكر يحصل المقصود.
ب - محاربتهم للتقليد:
وأما الأمر الثاني من الأمور التي تشكل خطورة على الاتباع والسنة في رأي السلف فهو "التقليد". والفرق بينه وبين الاتباع أن التقليد: هو الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه.
وأما الاتباع: فهو ما ثبت عليه الحجة.
_________________
(١) البدع والنهي عنها، لابن وضاح (ص ٤٧).
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٢).
(٣) أبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي: أحد الأعلام. قال أيوب السختياني: "كان والله من الفقهاء ذوي الألباب"، توفي سنة (١٠٤ هـ)، وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٤، ٢٢٦).
(٤) البدع والنهي عنها (ص ٤٨).
[ ٢٣٨ ]
فكل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قَبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه.
والاتباع في الدين مسوغ، والتقليد ممنوع (^١).
والتقليد الممنوع على ثلاثة أشكال:
أحدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء أو المشايخ.
الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله.
الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.
ولقد حارب السلف هذا النوع من التقليد وذمّوه واعتبروه مزلقًا خطيرًا يحرِّف المسلم وينحيه عن المنبع الذي يستمد منه دينه، ويجعله عرضة لكل بدعة، ومنقادًا لكل شبهة، وتبعًا لكل ناعق، وإضافة إلى ذلك فإن التقليد له صلة وثيقة بالبدعة، فالبدعة تؤخذ في غالب الأمر تقليدًا لشيخ يعظم أو والد يحترم أو مجتمع تقدس فيه عاداته، ولذلك كان التقليد والابتداع سببين رئيسيين في ضلال الأمم وانحرافها عن منهج أنبيائهم.
وقد حكى الله في كتابه العزيز عن بني إسرائيل أنهم سألوا موسى أن يجعل لهم إلها من الأصنام مقلدين في ذلك من مروا عليهم من عباد الأصنام، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف]، كما ذكر سبحانه أن ما وقع فيه اليهود
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ١٩٧).
[ ٢٣٩ ]
والنصارى من الكفر بقول اليهود: عُزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله إنما هو نتيجة التقليد لمن قبلهم من الوثنيين، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة].
كما ذمَّ سبحانه صنيع اليهود والنصارى مع علمائهم حيث قلدوهم في جميع ما يقولون، فأحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
كما ذم ﷺ من امتنع عن قبول الحق تقليدًا للآباء فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلًا فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه" (^١).
وقال رسول الله ﷺ: "إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة"، قالوا: وما هي يا رسول الله؟، قال: "أخاف عليهم: زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع" (^٢)، ومن المعلوم أن الخوف من
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ١٩١).
(٢) أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة باب (٢٣).
[ ٢٤٠ ]
زلة العالم تقليده فيها، إذ لولا التقليد لما يخف من زلة العالم على غيره.
قال ابن القيم: "والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وقتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويشرعون ما لم يشرع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولا بد" (^١).
قال الشعبي: قال عمر بن الخطاب ﵁: "يفسد الزمان ثلاثة: أئمة مضلون، وجدال منافق بالقرآن، والقرآن حق، وزلة عالم" (^٢)، وعن ابن عباس ﵄ قال: "ويل للأتباع من عثرات العالم"، قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟، قال: "يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي ﷺ فيدع ما كان عليه"، وفي لفظ: "فيلقى من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم" (^٣).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمنأمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر" (^٤).
قال ابن القيم: "والفرق بين تجريد متابعة المعصوم ﷺ وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة أن لا تُقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنًا من كان. بل تنظر في صحة الحديث أولًا، فإذا
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ١٩٢).
(٢) المصدر السابق (٢/ ١٩٣).
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق (٢/ ١٩٥).
[ ٢٤١ ]
صح لك نظرت في معناه ثانيًا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب، ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه، فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعًا ولكن لم يصل إليك. هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة، ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك أيضًا فهلا وافقته إن كنت صادقًا؟.
فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها، وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقًّا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم، لخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا بها ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة يفهمه والاستضاءة بنور علمه.
فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلد به، ولذلك سمي تقليدًا. بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل استغني بدلالته على الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى.
قال الشافعي: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة
[ ٢٤٢ ]
الرسول ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد" (^١).
ج - محاربتهم للرأي الباطل:
وأما الأمر الثالث من الأمور التي يرى السلف أنها تناقض الاتباع وتضاده فهو "الرأي".
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون" (^٢)، والمقصود به هو الرأي الباطل الذي ليس من الدين؛ لأن الرأي ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - رأي باطل بلا ريب.
٢ - رأي صحيح.
٣ - رأي هو موضع الاشتباه.
والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح وعملوا به وأفتوا به، وسوغوا القول به. وذموا الباطل ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله.
والقسم الثالث: سوَّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحدًا العمل به، ولم يحرموا مخالفته ولا جعلوا مخالفته مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده، فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه (^٣).
_________________
(١) الروح لابن القيم (٢/ ٧٦٨، ٧٦٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب ما يذكر من ذم الرأي. فتح الباري (١٣/ ٢٨٢) (ح ٧٣٠٧).
(٣) إعلام الموقعين (١/ ٦٧). وقد تناول ابن القيم في هذا الكتاب القول بالتفصيل =
[ ٢٤٣ ]
والحديث ههنا يتناول الرأي الباطل فقط، وهو على أنواع:
أحدها: الرأي المخالف لله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحل الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد.
الثاني: هو الكلام في الدين بالخرص والفن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإن من جهلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين الحق أحدهما بالآخر أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما يفرق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المدعوم الباطل.
النوع الثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية (^١) ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة، فردوا لأجلها الفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه وعلوه على المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عبادة من الملائكة
_________________
(١) = عن أنواع الرأي، فمن أراد التوسع والاستفادة فليرجع إليه.
(٢) سموا بذلك لقولهم في القدر، وهم يزعمون أن العبد هو الذي يخلق فعله استقلالًا، فأثبتوا خالقًا مع الله، الملل والنحل (١/ ٥٤)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٦).
[ ٢٤٤ ]
والأنبياء والجن والإنس عن تعلق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونفوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، وحرفوا لأجلها النصوص عن مواضعها وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرد الذي حقيقته أنه زبالة الأذهان ونخالة الأفكار، وعفارة (^١) الآراء ووساوس الصدور، فملؤوا به الأوراق سوادًا، والقلوب شكوكًا، والعالم فسادًا.
وكل من له مُسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد، فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأميت بها من هدى وأحيي بها من ضلالة؟ وكم هدم بها من معقل للإيمان، وعمر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل بل هم شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك].
النوع الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع، وغيرت به السنن وعم به البلاء، وتولى عليه الصغير، وهرم فيه الكبير.
فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه لإخراجه من الدين (^٢).
ومما ورد عن السلف في ذم الرأي الذي من هذا القبيل ما يلي:
عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "أيُّ أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم" (^٣).
_________________
(١) العفارة: الخبث والشيطنة. النهاية (٣/ ٢٦٢).
(٢) إعلام الموقعين (١/ ٦٧ - ٦٩).
(٣) المصدر السابق (١/ ٥٤).
[ ٢٤٥ ]
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "اتقوا الرأي في دينكم" (^١).
وروي عنه كذلك قوله: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم" (^٢).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" (^٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته" (^٤).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "لا يأتي عليكم عام إلا هو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم" (^٥).
ومما ورد كذلك من الآثار عن التابعين ما يلي:
قول الشعبي: "ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله ﷺ فخذوه، وما كان رأيهم فاطرحوه في الحش" (^٦).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٥٥).
(٢) المصدر السابق (١/ ٥٥).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب كيف المسح (١/ ١١٤، ١١٥) (١٦٢)، وأورده ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٥٨).
(٤) إعلام الموقعين (١/ ٥٨، ٥٩).
(٥) أخرجه الدارمي في السنن، المقدمة، باب تغير الزمان وما يحدث فيه (١/ ٦٥). وأورده ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٥٧).
(٦) إعلام الموقعين (١/ ٧٣).
[ ٢٤٦ ]
وعن ابن شهاب الزهري قال: "دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي" (^١).
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: "أنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ " (^٢).
فهذه الأقوال عن أولئك الأئمة من الصحابة والتابعين أجمعت على إخراج الرأي عن العلم وذمه والتحذير منه والنهي عن الفتيا به، فرضي الله عن أئمة الإسلام وجزاهم من نصيحتهم خيرًا، ولقد سلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم.
* * *
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٧٤).
(٢) المصدر السابق (١/ ٧٤).
[ ٢٤٧ ]
المبحث الثالث التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه
وفيه تمهيد ومطلبان:
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه.
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه.
[ ٢٤٩ ]
تمهيد
" من المعلوم لكل من عنده مسكة من عقل أن الله ﷾ لم يخلق هذا الخلق عبثًا كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون] وكما قال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة]؛ أي: مهملًا هملًا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب.
والغاية التي خلق من أجلها الجن والإنس هي التي أخبر الحق ﵎ عنها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا، والثواب أو العقاب في الآخرة.
وإذا تمهد هذا فإنه يعلم مدى حاجتهم وضرورتهم إلى الشريعة وأحكامها، إذ بواسطتها يتعرف على مواقع رضى الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية.
والناس أحوج ما يكونون إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، إذ ليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة" (^١). ولذلك فرض الله على الإنس والجن طاعة من أرسل من الرسل
_________________
(١) كتاب: "تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن"، تأليف الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الخطيب الحسني الأسعردي مطبوع ضمن الرسائل المنيرية (١/ ١٤٠، ١٤١) بتصرف.
[ ٢٥١ ]
وفي هذا يقول الحق ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]؛ فالطاعة بذلك متحتمة على من شملتهم دعوة الرسل.
وقد بعث الله نبيه ورسوله محمدًا ﷺ إلى الناس كافة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وبذلك عمَّت دعوته كل الأمم سواء كانوا في زمانه أو في الأزمان التالية من بعده وذلك على اختلاف تلك الأمم في ألوانها وأجناسها ولغاتها وشرائعها بما فيهم أهل الكتاب - اليهود والنصارى .. فترتب على عموم الرسالة أن نسخت الشرائع السابقة لشريعته ﷺ فلم يبق من طريق يوصل إلى عبادة الله ورضوانه سوى طريق خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم فلا حجة لأحد دون حجته ولا يستقيم لعاقل سبيل سوى واضح محجته.
وقد جمعت سُنَّته ﷺ تحت حكمتها كل معنى حكيم فلا يسمع بعد بيانها خلاف مخالف ولا قول مختلق، ومن تبع سنته فهو على نور من ربه، وبصيرة من أمره، والمائل عن شرعه، واقع في ظلمته، مرتبك في حيرته، ومرتكس في ضلاله وشقاوته.
ولذلك كان لزامًا على الجن والإنس أن يستجيبوا له ﷺ ويتبعوا شريعته ظاهرًا وباطنًا.
وقد وعد الله المستجيب منهم أن يدخله جنته ويسبغ عليه رضاه ومحبته. وتوعد المخالف بأن يذيقه أليم عقابه ويلقيه في جهنم ليعلم بذلك كيف يكون مصيره وعاقبته.
وإن آيات القرآن ونصوص السُّنَّة في هذا الشأن كثيرة جدًّا، وقد تقدم إيراد الأدلة الواردة في وجوب طاعته واتباعه.
وفي هذا المبحث سأتناول بإذن الله الأدلة الواردة في حكم
[ ٢٥٢ ]
مخالفته ﷺ والبعد عن سُنَّته والعقوبات الدنيوية والأخروية المترتبة على تلك المخالفات على تنوع صورها وأشكالها سواء كانت إعراضًا وكفرًا، أو بدعة، أو معصية، أو غير ذلك.
وعسى أن يكون فيما سيعرض من آيات قرآنية وأحاديث نبوية تذكرة وعظة، وخاصة أننا نعيش في زمان نحتاج فيه إلى التمعن في هذه النصوص وتدبرها لكثرة ما يقع من الإعراض والمخالفة لشرع النبي ﷺ ونهجه عند كثير من الناس.
* * *
[ ٢٥٣ ]
المطلب الأول الأدلة من القرآن الكريم على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه
ورد التحذير من معصية الرسول ﷺ في مواطن عدة من القرآن الكريم، وقد جاء التحذير مصحوبًا بالوعيد الشديد لذلك المخالف العاصي، ومن تلك المواطن: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ [الأنفال].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة].
[ ٢٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾ [المجادلة].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ [المجادلة].
وإن المتأمل في هذه الآيات يرى ما تضمنته من الوعيد الشديد والعقاب الأليم لمن خالف منهج الرسول وطريقته وشرعه وحاد عن كل ما جاء به، فقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور]، تحمل هذه الآية الوعيد الشديد لمن خالف أمر رسول الله ﷺ وشريعته، ومعناها: "أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول ﷺ باطنًا وظاهرًا"، ﴿أن تصيبهم فتنة﴾، أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أو يصيبهم عذاب أليم﴾ في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك (^١).
هذا من جهة العقوبة الدنيوية كما فسر ابن كثير الآية بذلك.
أما على صعيد العقوبة الأخروية، فاقرأ الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء]، وعلى هذا فإن المخالف متوعد بالعقوبتين الدنيوية والأخروية، إضافة إلى وصفه بالضلال البين الواضح بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب]، وفي هذا الوصف والجزاء للمخالف حكم بخروجه عن دائرة الإيمان.
كما أن كل من أعرض عن حكم الرسول ولم ينقد له ولم يرض به إلا إذا كان موافقًا لهواه فهو محكوم عليه بالنفاق بنص القرآن الكريم.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠٧).
[ ٢٥٥ ]
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور].
وهذه الآيات بيَّنت موقف كلا الطرفين - الطرف الأول أهل الإيمان الحقيقي والطرف الثاني أهل النفاق المظهرون للإسلام المخفون للكفر - من التحاكم لما جاء به الرسول ﷺ، فمن سمة المنافقين أنهم لا يتحاكمون لشرع الله إلا إذا كان الحق في صفهم وحكم الشرع لصالحهم، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فلا ترى منهم سوى الإعراض عن شرع الله المتمثل في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
أما أهل الإيمان الذين ترسخ في قلوبهم الإيمان بشرع الله اعتقادًا بالقلب وقولًا باللسان وعملًا بالجوارح، فإن من صفاتهم وعلاماتهم تحاكمهم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في جميع أحوالهم وشؤونهم مع الرضا والتسليم لذلك الحكم، سواء كان لهم أم عليهم.
ولذلك فقد جاء وصف أهل الإيمان بالفلاح، فقال تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾، بينما وصف أهل النفاق بالظلم حيث قال تعالى: ﴿بل أولئك هم الظالمون﴾.
فيجب على المسلم أن يحذر من الوقوع في هذا العمل الخطير الذي من شأنه أن يوقع صاحبه في مثل هذه الصفات، ويعرضه لتلك العقوبات التي تحدثت بها آيات القرآن الواردة في هذا الشأن.
[ ٢٥٦ ]
وقال ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء]: "قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾؛ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح، وقوله ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك
ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجًا له كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ [القلم]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الصف: ٥]، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام].
وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكنله طريق إلا إلى النار يوم القيامة (^١).
ولقد ذكر الله ﵎ في كتابه العزيز عددًا من قضايا المخالفة وعلى رأسها التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فهذا الداء من أعظم المخاطر وبخاصة في زماننا هذا الذي طرح فيه كثير ممن ينتمون إلى الإسلام كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وراء ظهورهم، واعتاضوا عنهما بقوانين الكفار وآراء ابتدعوها تقوُّلًا على الشريعة حتى جعلوا لتلك القوانين
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٥٤، ٥٥٥).
[ ٢٥٧ ]
محاكم تحمى بقوة السلطان وأجبروا الناس على التحاكم إليها.
والحكم بغير ما أنزل الله هو من أعظم أسباب المقت والحرمان وأكبر موجبات العقوبة والخذلان، كيف لا وهو شرع دين لم يأذن به الله واتباع لغير سبيل المؤمنين ومشاقة ومحادة ومحاربة وخيانة الله ولرسوله ﷺ واتخاذ لدين الله هزوا ولهوا ولعبًا وتبديلًا لنعمة الله إلى غير ذلك من المفاسد والمحاذير التي لا تدخل تحت حساب. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة].
وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم].
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء].
قال ابن القيم: "قال أهل التحقيق من أهل التفسير: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله.
[ ٢٥٨ ]
فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم انحرف عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، ومن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا، ولو لم يكن في القرآن المجيد من الزجر عن اتباع القوانين البشرية غير هذه الآية الكريمة لكفت العاقل اللبيب، فكيف والقرآن الكريم كله يدعو إلى تحكيم ما أنزل الله، وعدم تحكيم ما عداه (^١).
وبما تقدم من آيات يعلم المسلم خطورة مخالفة الرسول ﷺ والإعراض عن سنته ومنهجه والشرع الذي جاء به من عند ربه.
فالآيات السابقة وما كان على منوالها فيها خطاب لكل معرض عن سنة النبي ﷺ ومنهجه وشرعه الذي جاء به، وهي بما تضمنته من الوعيد الشديد بمثابة الإنذار لكل من كان على هذه الحال لكي يكون على بينة من أمره فيعلم على أي ذنب قد أقدم ولأي جرم قد ارتكب ﴿ليهلك من هلك عن بينة﴾ [الأنفال: ١٢] وذلك قبل أن يكون من أولئك الذين يتحسرون ويعضون أيديهم ندمًا في يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان].
ومعلوم أن كل من ترك ما جاء به الرسول ﷺ فإنه قائل لهذه المقالة لا محالة. فنعوذ بالله ممن هذه حاله ويوم القيامة تكون نار جهنم مآله وقراره.
* * *
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٩٣).
[ ٢٥٩ ]
المطلب الثاني الأدلة من السنة على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه
جاءت السنة بمثل ما جاء به القرآن الكريم، فالأحاديث متوافرة، ومتعددة في هذا الشأن، فقد حذر النبي ﷺ من الإعراض عن سُنَّته والبعد عنها أو الانتقاص من قدرها ومكانتها أو مخالفتها.
وهذا التحذير منه ﷺ والوارد في عبارات متنوعة وأساليب متعددة - كما سيمر عليك - يصور مدى حرصه ﷺ على حماية أمته وصيانتهم من الوقوع في هذا المزلق الخطير، ولا غرابة في ذلك فهو الموصوف بقوله تعالى: ﴿﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة].
ومما ورد في تصوير مدى حرصه ﷺ على أمته وتحذيره لهم من الوقوع في مخالفته قوله ﷺ في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة: مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها - قال - فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها".
وهذا الحديث إضافة إلى كونه يصور مدى حرصه ﷺ على أمته فهو بين كذلك أن سبيل النجاة والفلاح إنما هو باتباع، سنة النبي ﷺ والأخذ بها، وأن كل مخالف ومجانب لهذه السنة فهو ينفي بنفسه إلى التهلكة وذلك بسبب بعده ومخالفته لشرع المصطفى ونهجه الذي جاء به.
[ ٢٦٠ ]
ومن المعلوم أن النبي ﷺ قد بين لأمته سبيل النجاة والفلاح وحثهم على سلوكه والسير عليه، كما حذرهم من سبل الهلاك والضلال وبين لهم ماضيها من الخسران والتعاسة الدنيوية والأخروية، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام]، وهذه الوصية عامة لكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وقد ختم الله الآية بقوله﴾ ولعلكم تتقون﴾، والتقوى حقيقتها: "العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا، فالمتقي يفعل ما أمره الله به إيمانًا بالأمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي وخوفًا من وعيده".
وقال طلق بن حبيب (^١): "التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله". وطاعة الله تتحقق بطاعة رسوله والسير على نهجه وسلوك سبيله، قال تعالى: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ١٨٠].
وفي الحديث: "فمن أطاع محمد ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصامحمد ﷺ فقد عصى الله".
ولذلك فإنه لم يبق للإنسان إلا أن يختار أي الطريقين يسلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان]، وليتحمل بعد ذلك مسؤولية ما قدم من عمل كما قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم].
وإن المسلم الواعي العارف لأمور دينه يعلم أن الخير كل الخير في
_________________
(١) طلق بن حبيب العنزي البصري: تابعي ثقة كان أعبد أهل زمانه، قتله الحجاج مع سعيد بن جبير، تهذيب التهذيب (٥/ ٣١ - ٣٢).
[ ٢٦١ ]
اتباع النبي ﷺ والتمسك بسنته والسير على هديه، وأن الشر كل الشر في البعد عن سنته ومخالفته. ولذا تراه حريصًا على سنة المصطفى متمسكًا بها في كل أحواله، وفي الوقت نفسه يحذر أشد الحذر من مخالفة الرسول ﷺ والبعد عن سبيله ومنهجه، ومثل هذا الاعتقاد يجب على كل مسلم أن يعتقده ويطبقه في أقواله وأعماله ليسعد وينجو في دنياه وآخرته.
ومما يؤسف له أن كثيرًا من المسلمين لا يولي هذا الجانب اهتمامه وعنايته بل تراه على النقيض من ذلك حتى إن بعضهم ليس له من الإسلام إلا اسمه فقط، ذلك لأن أقواله وأفعاله مناقضة للشرع ولا تمت إليه بصلة، وتراه كذلك راغبًا عن سنة المصطفى متحاكمًا في أكثر شؤونه وأحواله إلى غير الكتاب والسنة. ومن كانت هذه صفاته فالإسلام منه براء وهو بريء من الإسلام، فقد قال: "من رغب عن سنتي فليس مني".
ولقد ذم النبي ﷺ هذا الصنف من الناس وحذر منهم، فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ من الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟، قال: "نعم وفيه دخن"، قلت: وما دخنه؟، قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر … الحديث.
فالشاهد من الحديث قوله ﷺ: "قوم يهدون بغير هديي"، فالنبي ﷺ ذم من جعل للدين أصلًا خلاف الكتاب والسنة، أو جعلهما فرعًا لذلك الأصل الذي ابتدعه وأمثال هؤلاء كثيرون، فكم من شخص ينتمي للإسلام جعل من الفلاسفة حكمًا على كل شيء حتى على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وكم من شخص نبذ شرع الله وراء ظهره وتحاكم إلى القوانين الوضعية المستوردة من بلاد الكفر والإلحاد. وكم من شخص
[ ٢٦٢ ]
جعل الهوى وشهوات النفس دينًا يدين به، فإذا جاءه أمر الشارع أخذ منه ما وافق هواه ورأيه وأعرض عما عداه، وكم من فئة وطائفة في زماننا الحاضر ينطبق عليها قول النبي ﷺ هذا، والذي ينبغي على كل أحد أن يعلمه هو أنه بمقدار اتباع المرء لسنة المصطفى ﷺ، يكون فلاحه ونجاته، فالأقوال والأعمال يتوقف قبولها أو ردها على حسب موافقتها لما جاء به النبي ﷺ، فما وافق سنة النبي ﷺ قبل، وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، وفي ذلك يقول: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وإن المعرض عن سنة المصطفى ﷺ والمخالف لها معرض للعقوبة في الدنيا والآخرة، وذلك بحسب ما يقع منه من إعراض.
فعن سلمة بن الأكوع (^١) ﵁ أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: "كل بيمينك"، قال: لا استطيع، قال: "لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه" (^٢)، فهذه عقوبة دنيوية لهذا الشخص الذي عصى أمر النبي ﷺ.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "قرأ النبي ﷺ "النجم" فسجد، فما بقي أحد إلا سجد، إلا رجل رأيته أخذ كفًا من حصى فرفعه فسجد عليه وقال: هذا يكفيني، فلقد رأيته بعد قتل كافرًا بالله" (^٣)، وهذا الرجل
_________________
(١) سلمة بن عمرو بن الأكوع: صحابي جليل أول مشاهده الحديبية، وكان من الشجعان ويسبق الفرس عدوًا، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين على الصحيح. الإصابة (٢/ ٦٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (٦/ ١٠٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة. انظر: فتح الباري (٧/ ١٦٥). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة (٢/ ٨٨).
[ ٢٦٣ ]
هو أمية بن خلف (^١) وقد قتل ببدر كافرًا.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" (^٢).
والشاهد من الحديث قوله ﷺ: "وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري"، وعنه ﵁ قال: "أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم" (^٣). فهذا بعض ما ورد في السنة في العقوبات الدنيوية.
أما على صعيد العقوبات الأخروية فالأمر أشد وأعظم، فالآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب.
_________________
(١) فتح الباري (٨/ ٦١٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٠/ ٩٢) وقد جود إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٩)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٣).
(٣) أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب الفتن، باب العقوبات (٢/ ١٣٣٢، ١٣٣٣) (ح ٤٠١٩).
[ ٢٦٤ ]
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا. فقالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟، قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم (^١) على الحوض، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟، فقال: أرأيت لو أن رجلًا له خيل غر (^٢) محجلة (^٣) بين ظهري خيل دهم بهم (^٤) خيله؟، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول: سحقًا سحقًا" (^٥).
فتلك عقوبة من حاد عن شرع المصطفى ﷺ ومال عنه واستبدل به غيره وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا (^٦).
قال النووي: "أي: المتعمِّقون القالون المجاوزون الحدود في
_________________
(١) فرطهم؛ أي: متقدمهم إليه. يقال: فرط يفرط، فهو فارط وفرط: إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيئ لهم الدلاء والأرشية، النهاية (٣/ ٤٣٤).
(٢) الغر: جمع الأغر، من الغرة بياض الوجه، يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة. النهاية (٣/ ٣٥٤).
(٣) الحجل في صفة الخيل: هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين. النهاية (١/ ٣٤٦).
(٤) دُهُم؛ أي: سود. النهاية (٢/ ١٤٥، ١٤٦)، بهم: جمع بهيم وهو الذي لا يخالط لونه لون سواء. النهاية (١/ ١٦٧).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (١/ ١٥٠، ١٥١).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون (٨/ ٥٩).
[ ٢٦٥ ]
أقوالهم وأفعالهم" (^١)، فالنبي ﷺ أخبر بهلاك كل من بالغ في التعمق في أمور الشرع وغلا فيها، وتكلف في أمور لم ترد عن الشارع الكريم ولم تكن من مقصودة.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ".
والشواهد من القرآن والسنة وكلام السلف الصالح في هذا الشأن كثيرة ولا تكاد تحصى.
والقصد هنا بيان أن التولي عما جاء به النبي ﷺ من أمور الشرع من أكبر الذنوب، وهو سبب لانصباب المصائب وتتابع النوائب، فإن الجزاء من جنس العمل ومن تولى عن حكم الله وحكم رسوله تولى الله ورسوله عنه، ومن تولى الله ورسوله عنه فهيهات أن يفلح ويعز بل يتركه الله أذل وأحقر ما يكون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ [المجادلة].
وليحذر المسلم من مخالفة الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ من عند ربه، فإن في المخالفة عين الهلاك والخسران كما قال تعالى في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾.
* * *
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (١٦/ ٢٢٠).
[ ٢٦٦ ]